الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٦٣ من سورة النحل
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 75 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٦٣ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ذكر تعالى أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلا فكذبت الرسل ، فلك يا محمد في إخوانك من المرسلين أسوة ، فلا يهيدنك تكذيب قومك لك ، وأما المشركون الذين كذبوا الرسل ، فإنما حملهم على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه ، ( فهو وليهم اليوم ) أي : هم تحت العقوبة والنكال ، والشيطان وليهم ، ولا يملك لهم خلاصا ، ولا صريخ لهم ولهم عذاب أليم .
يقول تعالى ذكره مقسِما بنفسه عزّ وجلّ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: والله يا محمد لقد أرسلنا رسلا من قبلك إلى أممها بمثل ما أرسلناك إلى أمتك من الدعاء إلى التوحيد لله ، وإخلاص العبادة له ، والإذعان له بالطاعة ، وخلع الأنداد والآلهة ( فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) يقول: فحسَّن لهم الشيطان ما كانوا عليه من الكفر بالله وعبادة الأوثان مقيمين، حتى كذّبوا رسلهم، وردّوا عليهم ما جاءوهم به من عند ربهم ( فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ ) يقول: فالشيطان ناصرهم اليوم في الدنيا، وبئس الناصر ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) في الآخرة عند ورودهم على ربهم، فلا ينفعهم حينئذ ولاية الشيطان، ولا هي نفعتهم في الدنيا ، بل ضرّتهم فيها وهي لهم في الآخرة أضرّ.
قوله تعالى : تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم قوله تعالى : تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم أي أعمالهم الخبيثة .
هذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن من تقدمه من الأنبياء قد كفر بهم قومهم .فهو وليهم اليوم أي ناصرهم في الدنيا على زعمهم .
وقيل : فهو وليهم أي قرينهم في النار .
اليوم يعني يوم القيامة ، وأطلق عليه اسم اليوم لشهرته .
وقيل يقال لهم يوم القيامة : هذا وليكم فاستنصروا به لينجيكم من العذاب ، على جهة التوبيخ لهم .ولهم عذاب أليم في الآخرة .
بيَّن تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه ليس هو أول رسول كُذِّب فقال [تعالى]: { تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ } رسلا يدعونهم إلى التوحيد، { فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } فكذبوا الرسل، وزعموا أن ما هم عليه، هو الحق المنجي من كل مكروه وأن ما دعت إليه الرسل فهو بخلاف ذلك، فلما زين لهم الشيطان أعمالهم، صار وليهم في الدنيا، فأطاعوه واتبعوه وتولوه.
{ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة حيث تولوا عن ولاية الرحمن، ورضوا بولاية الشيطان فاستحقوا لذلك عذاب الهوان.
( تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ) كما أرسلنا إلى هذه الأمة ، ( فزين لهم الشيطان أعمالهم ) الخبيثة ، ( فهو وليهم ) ناصرهم ، ( اليوم ) وقرينهم ، سماه وليا لهم ، لطاعتهم إياه ، ( ولهم عذاب أليم ) في الآخرة
«تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك» رسلاً «فزين لهم الشيطان أعمالهم» السيئة فرأوها حسنة فكذبوا الرسل «فهو وليهم» متولي أمورهم «اليوم» أي في الدنيا «ولهم عذاب أليم» مؤلم في الآخرة وقيل المراد باليوم يوم القيامة على حكاية الحال الآتية لا ولي لهم غيره وهو عاجز عن نصر نفسه فكيف ينصرهم.
تالله لقد أرسلنا رسلا إلى أمم مِن قبلك -أيها الرسول- فحسَّن لهم الشيطان ما عملوه من الكفر والتكذيب وعبادة غير الله، فهو متولٍّ إغواءهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب أليم موجع.
ثم وجه - سبحانه - خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم على سبيل التسلية والتثبيت ، حيث بين له أنه ما أصابه من مشركى قومه ، قد فعل ما يشبهه المشركون السابقون مع أنبيائهم ، فقال - تعالى - : ( تالله لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .وقوله ( فزين ) من التزيين وهو تصيير الشئ زينا ، أى : حسنا والزينة : هى ما فى الشئ من محاسن ترغب الناس فيه .والمعنى : أقسم لك - أيها الرسول الكريم - بذاتى ، لقد أرسلنا رسلا كثيرين إلى أمم كثيرة من قبلك ، فكانت النتيجة أن استحوذ الشيطان على نفوس عامة هؤلاء المرسل اليهم ، حيث زين لهم الأفعال القبيحة ، وقبح لهم الأعمال الحسنة ، وجعلهم يقفون من رسلهم موقف المكذب لأقوالهم ، المعرض عن إرشاداتهم ، المحارب لدعوتهم .وقوله - سبحانه - : ( فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) بيان لسوء عاقبة هؤلاء الذين زين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا .قال الإِمام الشوكانى ما ملخصه : " والمراد باليوم فى قوله - تعالى - : ( فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم ) يحتمل أن يكون المراد به زمان الدنيا - أى مدة أيام الدنيا - فيكون المعنى : فهو قرينهم فى الدنيا .
ويحتمل أن يكون اليوم عبارة عن يوم القيامة وما بعده .
فيكون للحال الآتية .
ويكون الولى بمعنى الناصر .
والمراد نفى الناصر عنهم بأبلغ الوجوه ، لأن الشيطان لا يتصور منه النصرة أصلا فى الآخرة .ويحتمل أن يكون المراد باليوم بعض زمان الدنيا ، وهو على وجهين : الأول أن يراد البعض الذى مضى ، وهو الذى وقع فيه التزيين للأمم الماضية من الشيطان ، فيكون على طريق الحكاية للحال الماضية .
.
الثانى : أن يراد البعض الحاضر ، وهو وقت نزول الآية .
والمراد تزيين الشيطان لكفار قريش أعمالهم ، فيكون الضمير فى ( وليهم ) لكفار فريش .
فيكون المعنى : فهو ولى هؤلاء المشركين اليوم أى : معينهم على الكفر والمعاصى لهم ولأمثالهم عذاب أليم فى الآخرة " .
اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل القاهرة فساد أقوال أهل الشرك والتشبيه، شرح في هذه الآية تفاصيل أقوالهم وبين فسادها وسخافتها.
فالنوع الأول: من كلماتهم الفاسدة أنهم يجعلون لما لا يعلمون نصيباً وفيه مسالتان: المسألة الأولى: الضمير في قوله: ﴿ لما لا يعلمون ﴾ إلى ماذا يعود؟
فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى المشركين المذكورين في قوله: ﴿ إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾ والمعنى أن المشركين لا يعلمون.
والثاني: أنه عائد إلى الأصنام أي لا يعلم الأصنام ما يفعل عبادها قال بعضهم: الأول أولى لوجوه: أحدها: أن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز.
وثانيها: أن الضمير في قوله: ﴿ ويجعلون ﴾ عائد إلى المشركين فكذلك في قوله: ﴿ لما لا يعلمون ﴾ يجب أن يكون عائد إليهم.
وثالثها: أن قوله: ﴿ لما لا يعلمون ﴾ جمع بالواو والنون.
وهو بالعقلاء أليق منه بالأصنام التي هي جمادات، ومنهم من قال بل القول الثاني أولى لوجوه: الأول: أنا إذا قلنا إنه عائد إلى المشركين افتقرنا إلى إضمار، فإن التقدير: ويجعلون لما لا يعلمون إلهاً، أو لما لا يعلمون كونه نافعاً ضاراً، وإذا قلنا إنه عائد إلى الأصنام، لم نفتقر إلى الإضمار لأن التقدير: ويجعلون لما لا علم لها ولا فهم.
والثاني: أنه لو كان العلم مضافاً غلى المشركين لفسد المعنى، لأن من المحال أن يجعلوا نصيباً من رزقهم لما لا يعلمونه، فهذا ما قيل في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر.
واعلم أنا إذا قلنا بالقول الأول افتقرنا فيه إلى الإضمار، وذلك يحتمل وجوهاً: أحدها: ويجعلون لما لا يعلمون له حقاً، ولا يعلمون في طاعته نفعاً ولا في الإعراض عنه ضرراً، قال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه ينفعهم ويضرهم نصيباً.
وثانيها: ويجعلون لما لا يعلمون إلهيتها.
وثالثها: ويجعلون لما لا يعلمون السبب في صيرورتها معبودة.
ورابعها: المراد استحقار الأصنام حتى كأنها لقلتها لا تعلم.
المسألة الرابعة: في تفسير ذلك النصيب احتمالات: الأول: المراد منه أنهم جعلوا لله نصيباً من الحرث والأنعام يتقربون إلى الله تعالى به، ونصيباً إلى الأصنام يتقربون به إليها، وقد شرحنا ذلك في آخر سورة الأنعام.
والثاني: أن المراد من هذا النصيب، البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وهو قول الحسن.
والثالث: ربما اعتقدوا في بعض الأشياء أنه إنما حصل بإعانة بعض تلك الأصنام، كما أن المنجمين يوزعون موجودات هذا العالم علىلكواكب السبعة، فيقولون لزحل كذا من المعادن والنبات والحيوانات، وللمشتري أشياء أخرى فكذا هاهنا.
واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين هذا المذهب قال: ﴿ تالله لتسألن ﴾ وهذا في هؤلاء الأقوم خاصة بمنزلة قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وعلى التقديرين فأقسم الله تعالى بنفسه أنه يسألهم، وهذا تهديد منه شديد، لأن المراد أنه يسألهم سؤال توبيخ وتهديد، وفي وقت هذا السؤال احتمالان: الأول: أنه يقع ذلك السؤال عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل عند عذاب القبر.
والثاني: أنه يقع ذلك في الآخرة، وهذا أولى لأنه تعالى قد أخبر بما يجري هناك من ضروب التوبيخ عند المسألة فهو إلى الوعيد أقرب.
النوع الثاني: من كلماتهم الفاسدة أنهم يجعلون لله البنات، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ كانت خزاعة وكنانة تقول: الملائكة بنات الله.
أقول أظن أن العرب إنما أطلقوا لفظ البنات لأن الملائكة لما كانوا مستترين عن العيون أشبهوا النساء في الاستتار فأطلقوا عليهم لفظ البنات.
وأيضاً قرص الشمس يجري مجرى المستتر عن العيون بسبب ضوئه الباهر ونوره القاهر فأطلقوا عليه لفظ التأنيث فهذا ما يغلب على الظن في سبب إقدامهم على هذا القول الفاسد والمذهب الباطل، ولما حكى الله تعالى عنهم هذا القول قال: ﴿ سبحانه ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن يكون المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد إليه.
والثاني: تعجيب الخلق من هذا الجهل القبيح، وهو وصف الملائكة بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى الله تعالى.
والثالث: قيل في التفسير معناه معاذ الله وذلك مقارب للوجه الأول.
ثم قال تعالى: ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ أجاز الفراء في ما وجهين: الأول: أن يكون في محل النصب على معنى ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون.
والثاني: أن يكون رفعاً على الابتداء كأنه تم الكلام عند قوله: ﴿ سبحانه ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ يعني البنين وهوكقوله: ﴿ أم له البنات ولكم البنون ﴾ ثم اختار الوجه الثاني وقال: لو كان نصيباً لقال ولأنفسهم ما يشتهون، لأنك تقول جعلت لنفسك كذا وكذا، ولا تقول جعلت لك، وأبى الزجاج إجازة الوجه الأول، وقال ما في موضع رفع لا غير، والتقدير: ولهم الشيء الذي يشتهونه، ولا يجوز النصب لأن العرب تقول جعل لنفسه ما تشتهي، ولا تقول جعل له ما يشتهي وهو يعني نفسه.
ثم إنه تعالى ذكر أن الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى بالولد البنت لنفسه فما لا يرتضيه لنفسه كيف ينسبه لله تعالى فقال: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: التبشير في عرف اللغة مختص بالخبر الذي يفيد السرور إلا أنه بحسب أصل اللغة عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه، ومعلوم أن السرور كما يوجب تغير البشرة فكذلك الحزن يوجبه.
فوجب أن يكون لفظة التبشير حقيقة في القسمين، ويتأكد هذا بقوله: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ ومنهم من قال: المراد بالتبشير هاهنا الإخبار، والقول الأول أدخل في التحقيق.
أما قوله: ﴿ ظل وجهه مسوداً ﴾ فالمعنى أنه يصير متغيراً تغير مغتم، ويقال لمن لقي مكروهاً قد اسود وجهه غماً وحزناً، وأقول إنما جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم، وذلك لأن الإنسان إذا قوي فرحه انشرح صدره وانبسط روح قلبه من داخل القلب، ووصل إلى الأطراف، ولا سيما إلى الوجه لما بينهما من التعلق الشديد، وإذا وصل الروح إلى ظاهر الوجه أشرق الوجه وتلألأ واستنار، وأما إذا قوي غم الإنسان احتقن الروح في باطن القلب ولم يبق منه أثر قوي في ظاهر الوجه، فلا جرم يربد الوجه ويصفر ويسود ويظهر فيه أثر الأرضية والكثافة، فثبت أن من لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه، ومن لوازم الغم كمودة الوجه وغبرته وسواده، فلهذا السبب جعل بياض الوجه إشراقه كناية عن الفرح وغبرته وكمودته وسواده كناية عن الغم والحزن والكراهية، ولهذا المعنى قال: ﴿ ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ أي ممتلئ غماً وحزناً.
ثم قال تعالى: ﴿ يتوارى من القوم من سوء ﴾ أي يختفي ويتغيب من سوء ما بشر به، قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بامرأته توارى واختفى عنا لقوم إلى أن يعلم ما يولد له فإن كان ذكراً ابتهج به، وإن كان أنثى حزن ولم يظهر للناس أياماً يدبر فيها أنه ماذا يصنع بها؟
وهو قوله: ﴿ أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ﴾ والمعنى: أيحسبه؟
والإمساك هاهنا بمعنى بمعنى الحبس كقوله: ﴿ أمسك عليك زوجك ﴾ وإنما قال: ﴿ أيمسكه ﴾ ذكره بضمير الذكران لأن هذا الضمير عائد على ما في قوله: ﴿ ما بشر به ﴾ والهون الهوان قال النضر بن شميل يقال إنه أهون عليه هوناً وهواناً، وأهنته هوناً وهواناً، وذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله؛ ﴿ عذاب الهون ﴾ وفي أن هذا الهون صفة من؟
قولان: الأول: أنه صفة المولودة، ومعناه أنه يمسكها عن هون منه لها.
والثاني: قال عطاء عن ابن عباس: أنه صفة للأب، ومعناه أنه يمسكها مع الرضا بهوان نفسه وعلى رغم أنفه.
ثم قال: ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ والدس إخفاء الشيء في الشيء.
يروى أن العرب كانوا يحفرون حفيرة ويجعلونها فيها حتى تموت.
وروي عن قيس بن عاصم أنه قال: يا رسول الله إني واريت ثماني بنات في الجاهلية فقال عليه السلام: «أعتق عن كل واحدة منهن رقبة» فقال: يا نبي الله إني ذو إبل، فقال: «أهد عن كل واحدة منهن هدياً».
وروي أن رجلاً قال يا رسول الله: ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن تزينها فأخرجتها إلي فانتهيت بها إلى واد بعيد القعر فألقيتها فيه، فقالت: يا أبت قتلتني، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء، فقال عليه السلام: «ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما كان في الإسلام يهدمه الاستغفار».
واعلم أنهم كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها فيها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها ومنهم من يذبحها، وهم كانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وتارة خوفاً من الفقر والفاقة ولزوم النفقة، ثم إنه قال: ﴿ ألا ساء ما يحكمون ﴾ وذلك لأنهم بلغوا في الاستنكاف من البنت إلى أعظم الغايات، فأولها: أنه يسود وجهه.
وثانيها: أنه يختفي عن القوم من شدة نفرته عن البنت.
وثالثها: أن الولد محبوب بحسب الطبيعة، ثم إنه بسبب شدة نفرته عنها يقدم على قتلها، وذلك يدل على أن النفرة عن البنت والاستنكاف عنها قد بلغ مبلغاً لا يزداد عليه.
إذا ثبت هذا فالشيء الذي بلغ الاستنكاف منه إلى هذا الحد العظيم كيف يليق بالعاقل أن ينسبه لإله العالم المقدس العالي عن مشابهة جميع المخلوقات؟
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلْأُنثَىٰ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰٓ ﴾ .
المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان الجبر، لأنهم يضيفون إلى الله تعالى من الظلم والفواحش ما إذا أضيف إلى أحدهم أجهد نفسه في البراءة منه والتباعد عنه، فحكمهم في ذلك مشابه لحكم هؤلاء المشركين، ثم قال: بل أعظم، لأن إضافة البنات إليه إضافة قبح واحد، وذلك أسهل من إضافة كل القبائح والفواحش إلى الله تعالى.
فيقال للقاضي، إنه لما ثبت بالدليل استحالة الصاحبة والولد على الله تعالى أردفة الله بذكر هذا الوجه الإقناعي، وإلا فليس كل ما قبح منا في العرف قبح من الله تعالى ألا ترى أن رجلاً زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن ثم بالغ في تقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالإتفاق حسن من الله تعالى وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبينة على العرف، إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله، فلا جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية.
أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية القاطعة أن خالقها هو الله تعالى، فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر لولا شدة التعصب؟
والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى ﴾ والمثل السوء عبارة عن الصفة السوء وهي احتياجهم إلى الولد، وكراهتهم الإناث خوف الفقر والعار: ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ أي الصفة العالية المقدسة، وهي كونه تعالى منزهاً عن الولد.
فإن قيل: كيف جاء: ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ مع قوله: ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ .
قلنا: المثل الذي يذكره الله حق وصدق والذي يذكره غيره فهو الباطل، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم ﴾ حكاية الحال الماضية التي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم فيها.
أو فهو وليهم في الدنيا فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا.
ومعنى ﴿ وَلِيُّهُمُ ﴾ قرينهم وبئس القرين.
أو يجعل ﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم ﴾ حكاية للحال الآتية، وهي حال كونهم معذبين في النار، أي فهو ناصرهم اليوم لا ناصر لهم غيره نفياً للناصر لهم على أبلغ الوجوه ويجوز أن يرجع الضمير إلى مشركي قريش، و أنه زين للكفار قبلهم أعمالهم، فهو ولي وهؤلاء: لأنهم منهم.
ويجوز أن يكون على حذف المضاف، أي: فهو ولي أمثالهم اليوم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ ﴾ فَأصَرُّوا عَلى قَبائِحِها وكَفَرُوا بِالمُرْسَلِينَ.
﴿ فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ﴾ أيْ في الدُّنْيا، وعَبَّرَ بِاليَوْمِ عَنْ زَمانِها أوْ فَهو ولِيُّهم حِينَ كانَ يُزَيِّنُ لَهم، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ أوْ آتِيَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ أيْ زَيَّنَ الشَّيْطانُ لِلْكَفَرَةِ المُتَقَدِّمِينَ أعْمالَهم وهو ولِيُّ هَؤُلاءِ اليَوْمَ يُغْرِيهِمْ ويُغْوِيهِمْ، وإنْ يُقَدَّرْ مُضافٌ أيْ فَهو ولِيُّ أمْثالِهِمْ، والوَلِيُّ القَرِينُ أوِ النّاصِرُ فَيَكُونُ نَفْيًا لِلنّاصِرِ لَهم عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ.
﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ في القِيامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{تالله لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} أي أرسلنا رسلاً إلى من تقدمك من الأمم {فزين لهم الشيطان أَعْمَالَهُمْ} من الكفر والتكذيب بالرسل {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم} أي قرينهم في الدنيا تولى إضلالهم بالغرور أو الضمير لمشركي قريش أي زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم
أو هو على حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في القيامة
﴿ تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا كانَ يَنالُهُ مِن جَهالاتِ قَوْمِهِ الكَفَرَةِ ووَعِيدٌ لَهم عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِن عَظِيمِ التَّأْكِيدِ أيْ أرْسَلْنا رُسُلًا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِ أُمَّتِكَ أوْ مِن قَبْلِ إرْسالِكَ إلى هَؤُلاءِ فَدَعَوْهم إلى الحَقِّ ﴿ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ ﴾ القَبِيحَةَ فَلَمْ يَتْرُكُوها ولَمْ يَمْتَثِلُوا دَعْوَةَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نِسْبَةِ التَّزْيِينِ إلى الشَّيْطانِ ﴿ فَهُوَ ولِيُّهُمُ ﴾ أيْ قَرِينُ الأُمَمِ وبِئْسَ القَرِينُ أوْ مُتَوَلِّي إغْوائِهِمْ وصَرْفِهِمْ عَنِ الحَقِّ ﴿ اليَوْمَ ﴾ أيْ يَوْمَ زَيَّنَ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فِيهِ، وهو وإنْ كانَ ماضِيًا واليَوْمُ المُعَرَّفُ مَعْرُوفٌ في زَمانِ الحالِ كالآنَ لَكِنْ صُوِّرَ بِصُورَةِ الحالِ لِيَسْتَحْضِرَ السّامِعُ تِلْكَ الصُّورَةَ العَجِيبَةَ ويَتَعَجَّبَ مِنها، وسُمِّيَ مِثْلُ ذَلِكَ حِكايَةَ الحالِ الماضِيَةِ وهو اسْتِعارَةٌ مِنَ الحُضُورِ الخارِجِيِّ لِلْحُضُورِ الذِّهْنِيِّ أوِ المُرادُ بِاليَوْمِ مُدَّةُ الدُّنْيا لِأنَّها كالوَقْتِ الحاضِرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْآخِرَةِ وهي شامِلَةٌ لِلْماضِي والآتِي وما بَيْنَهُما أيْ فَهو ولِيُّهم في الدُّنْيا ﴿ ولَهُمْ ﴾ في الأُخْرى ﴿ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ وهو عَذابُ النّارِ، وقَدْ ورَدَ إطْلاقُ اليَوْمِ عَلى مُدَّتِها كَثِيرًا فَهو مَجازٌ مُتَعارَفٌ ولَيْسَ فِيهِ حِكايَةٌ لِما مَضى أوْ يَوْمُ القِيامَةِ الَّذِي فِيهِ عَذابُهم لَكِنْ صُوِّرَ بِصُورَةِ الحالِ اسْتِحْضارًا لَهُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ إلّا أنَّهُ حِكايَةٌ آتِيَةٌ وفي الأوَّلِ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ولَيْسَ مِن مَجازٍ الأوَّلُ، والوَلِيُّ عَلى هَذا بِمَعْنى النّاصِرِ أيْ لا ناصِرَ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ غَيْرُهُ وهو نَفْيٌ لِلنّاصِرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُتَوَلِّي لِلْإغْواءِ إذا لا إغْواءَ ثَمَّةَ ولا بِمَعْنى القَرِينِ لِأنَّهُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَعَهم في النّارِ في الجُمْلَةِ ولا يَضُرُّ اخْتِلافُهم في الدَّرَكاتِ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمائِرَ الجَمْعِ كُلَّها لِلْأُمَمِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في بَعْضِها، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( ولِيُّهُمُ ) المُضافَ إلَيْهِ لِقُرَيْشٍ لا لِلْأُمَمِ (واليَوْمَ) بِمَعْنى الزَّمانِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الخِطابُ أيْ زَيَّنَ الشَّيْطانُ لِلْكَفَرَةِ المُتَقَدِّمِينَ أعْمالَهم فَهو ولِيُّ هَؤُلاءِ لِأنَّهم مِنهم.
وأنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ولِيُّ أمْثالِهِمْ، والمُرادُ مِنَ الأمْثالِ قُرَيْشٌ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِاخْتِلافِ الضَّمائِرِ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ ولا إلى تَقْدِيرِ المُضافِ.
ورُدَّ بِأنَّ لَفَظَ اليَوْمِ داعٍ إلَيْهِ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ الوَجْهَ وعَلَيْهِ النَّظْمُ الفائِقُ لِأنَّ في تَصْدِيرِ القَسَمِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( تاللَّهَ) بَعْدَ إنْكارِهِمُ الرِّسالَةَ وتَعْدادِ قَبائِحِهِمْ الإشْعارُ بِأنَّ ما ذُكِرَ كالتَّسْلِيَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الأُمَمَ الخالِيَةَ مَعَ الرِّسالَةِ السّالِفَةِ لَمْ تَزَلْ عَلى هَذِهِ الوَتِيرَةِ فَلَكَ أُسْوَةٌ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقَوْمُكَ خَلَفٌ لِتِلْكَ الأُمَمِ فَلا تَهْتَمَّ لِذَلِكَ فَإنَّ رَبَّكَ يَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ فاشْتَغِلْ أنْتَ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ وتَقْرِيرِ أنْواعِ الدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وبِالتَّنْبِيهِ عَلى إقامَةِ الشُّكْرِ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى المُتَظاهِرَةِ اه.
وقالَ في الكَشْفِ: لا تَرْجِيحَ لِهَذا الوَجْهِ مِن حَيْثُ التَّسَلِّي إذِ الكُلُّ مُفِيدٌ لِذَلِكَ عَلى وجْهٍ بَيِّنٍ وإنَّما التَّرْجِيحُ لِلْوَجْهِ الصّائِرِ إلى اسْتِحْضارِ الحالِ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ التَّشَفِّي اه، والحَقُّ أنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرُ ظاهِرٍ وما قِيلَ: إنَّ لَفْظَ ( اليَوْمَ ) داعٍ إلَيْهِ في حَيِّزِ المَنعِ، وقُصارى ما يُقالُ: وُجُودُ القَرِينَةِ المُصَحِّحَةِ لا المُرَجِّحَةِ هَذا.
وذُكِرَ في الكَشْفِ في بَيانِ رَبْطِ الآياتِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ ﴾ إلى هَذا المَوْضِعِ فَنٌّ آخَرُ مِن كُفْرانِهِمْ وتَعْدادِ قَبائِحِهِمْ، وجازَ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ سابِقِهِ عَلى مِنوالِ ﴿ وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ إلّا أنَّهُ بَنى عَلى الغَيْبَةِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ فَنٌّ آخَرُ، وهَذا قَرِيبُ المُتَناوَلِ، وجازَ أنْ يَجْعَلَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ فَإنَّ ما وقَعَ مِنَ الكَلامِ بَعْدَهُ مِن تَتِمَّتِهِ اعْتِراضًا واسْتِطْرادًا كَأنَّهُ قِيلَ: ذاكَ مُعْتَقَدُهم في المَعادِ وهَذا في المُبْتَدَأِ وهم فِيما بَيْنَ ذَلِكَ مُتَدَيِّنُونَ بِهَذا الدِّينِ القَوِيمِ ومَعَ اخْتِلافِ العَقِيدَةِ في المَبْدَأِ والمَعادِ يَدَّعُونَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى فَيَحِقُّ لَهم ضِدُّ ذَلِكَ حَقًّا ثُمَّ قالَ: <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي: المشركين مَثَلُ السَّوْءِ أي: جزاء السوء النار في الآخرة.
ويقال: عاقبة السوء.
ويقال: لآلهتهم صفة السوء صم بكم عمي ويقال للكفار: هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ.
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي: الصفة العليا، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: 3- 4] فهذا وصفه الأعلى وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ في أمره، أَمَرَ الخلق أن لا يعبدوا غيره.
قوله: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ أي: بشركهم ومعصيتهم، مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ أي: لم يترك على ظهر الأرض من دابة، ودل الإضمار على الأرض، لأن الدواب إنما هي على الأرض.
يقول: أنا قادر على ذلك.
وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي: إلى وقت معلوم، ويقال: مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ لأنه لو أخذهم بذنوبهم لمنع المطر، وإذا منع المطر لم يبق في الأرض دابة إلا أهلكت، ولكن يؤخر العذاب إلى أجل مسمى.
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «لو عذب الله الخلائق بذنوب بني آدم، لأصاب العذاب جميع الخلائق، حتى الْجُعْلاَن في جحرها، ولأمسكت السماء عن الأمطار، ولكن يؤخرهم بالفضل والعفو» .
ثم قال: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ أي: أجل العذاب لاَ يَسْتَأْخِرُونَ أي: لا يتأخرون عن الوقت ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ أي: لا يتقدمون قبل الوقت.
قوله: وَيَجْعَلُونَ أي: يقولون ويصفون لله ما يكرهونه لأنفسهم من البنات وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أي: يقولون الكذب أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى أي: الذكور من الولد، ويقال: الجنة أي: يصفون لأنفسهم مع أعمالهم القبيحة أن لهم في الآخرة الجنة.
ثم قال عز وجل: لاَ جَرَمَ أي: حقاً، ويقال: لا بد، ولا محالة أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وهو كقوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ [الجاثية: 21] إلى قوله: ساءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية: 21] وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ قرأ نافع: بكسر الراء، يعني: أفرطوا في القول، وأفرطوا في المعصية.
وقرأ الباقون: مُفْرَطُونَ بفتح الراء، أي: متروكون في النار.
ويقال: منسيون في النار، وهو قول سعيد بن جبير.
وقال قتادة: أي معلجون في النار.
ويقال: الفارط في اللغة الذي يتقدم إلى الماء، وهذا قول يوافق قول قتادة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَيَجْعَلُونَ لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ: أي: لما لا يعلمون له حُجَّةً، ولا برهاناً، ويحتمل أن يريد بنفي العِلْم الأصنامَ، أي: لجماداتٍ لا تعلم شيئاً نصيباً، و «النصيب» المشار إِليه هو ما كانت العرب سنّته من الذبحِ لأصنامها، والقَسْمِ من الغَلاَّتِ وغيره.
وقوله سبحانه: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ ...
الآية: تعديدٌ لقبائحِ الكَفَرة في قولهم: «الملائكةُ بناتُ اللَّه» ، تعالَى اللَّه عن قولهم، والمراد بقوله: وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ، الذُّكْرَانُ من الأولاد.
وقوله: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا: عبارة عما/ يعلو وجْهَ المغموم.
قال ص: «ظَلَّ» : تكون بمعنى «صَارَ» ، وبمعنى «أقام نهاراً» على الصفة المسنَدَةِ إِلى اسمها، وتحتمل هنا الوجهين.
انتهى، وكَظِيمٌ: بمعنى: كاظمٍ، والمعنى:
أنه يُخْفي وجْدَه وهمَّه بالأنثى، ومعنى يَتَوارى: يتغيَّب من القومِ، وقرأ «١» الجَحْدَرِيُّ:
«أَيُمْسِكُهَا أَمْ يَدُسُّها» ، وقرأ الجمهور «٢» : «علَى هُونٍ» ، وقرأ عاصمٌ الجَحْدَرِيُّ «٣» : «عَلَى هَوَانٍ» ، ومعنى الآية: يُدْبِرُ، أيمسِكُ هذه الأنثَى على هوانٍ يتحمَّله، وهمٍّ يتجلَّد له، أمْ يَئِدُها فيدفنُها حيّة، وهو الدسّ في التراب.
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)
وقوله سبحانه: لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ: قالت فرقة: مَثَلُ، في هذه الآية: بمعنى صفة، أي: لهؤلاء صفَةُ السَّوْء وللَّه المثل الأعلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ ﴾ المَعْنى: ويَحْكُمُونَ لَهُ بِما يَكْرَهُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ، وهو البَناتُ، ﴿ وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ ﴾ أيْ: تَقُولُ الكَذِبَ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " الكُذُبُ " بِضَمِّ الكافِ والذّالِ.
ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الكَذِبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها البَنُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها الجَزاءُ الحَسَنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: [أنَّها] الجَنَّةُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، قالَ المُشْرِكُونَ: إنْ كانَ ما تَقُولُونَهُ حَقًّا، لَنَدْخُلَنَّها قَبْلَكم، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ قَدْ شَرَحْناها فِيما مَضى [هُودٍ:٢٢] .
وقالَ الزَّجّاجُ: " لا " رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ ذَلِكَ كَما وصَفُوا " جَرَمَ " أنَّ لَهُمُ النّارَ، المَعْنى: جَرَمَ فِعْلُهم، أيْ: كَسَبَ فِعْلُهم هَذا " أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ " وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، قَرَأ الأكْثَرُونَ: ﴿ مُفْرَطُونَ ﴾ بِسُكُونِ الفاءِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ وفَتْحِها، وفي مَعْناها قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُتْرَكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَنسِيُّونَ في النّارِ.
والثّانِي: مُعَجَّلُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُعَجَّلُونَ إلى النّارِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " الفَرْطِ " في اللُّغَةِ: المُتَقَدِّمُ، فَمَعْنى " مُفْرَطُونَ ": مُقَدَّمُونَ إلى النّارِ، ومَن فَسَّرَها " مُتْرَكُونَ " فَهو كَذَلِكَ [أيْضًا]، أيْ: قَدْ جُعِلُوا مُقَدَّمِينَ إلى العَذابِ أبَدًا، مَتْرُوكِينَ فِيهِ.
وقَرَأ نافِعٌ، ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وقُتَيْبَةُ عَنِ الكِسائِيِّ " مُفْرِطُونَ " بِسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وتَخْفِيفِها، قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: أنَّهم أفْرَطُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " مُفَرِّطُونَ " بِفَتْحِ الفاءِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ وكَسْرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: أنَّهم فَرَّطُوا في الدُّنْيا فَلَمْ يَعْمَلُوا فِيها لِلْآخِرَةِ، وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ ﴿ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ ﴾ .
ورَوى الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ " مُفَرَّطُونَ " بِفَتْحِ الفاءِ والرّاءِ وتَشْدِيدِها، قالَ الزَّجّاجُ: وتَفْسِيرُها كَتَفْسِيرِ القِراءَةِ الأوْلى، فالمُفَرَّطُ و المُفْرَطُ بِمَعْنًى واحِدٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ الناسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: "مَثَلُ" هُنا بِمَعْنى صِفَةٍ، أيْ: لِهَؤُلاءِ صِفَةُ السُوءِ، ولِلَّهِ الوَصْفُ الأعْلى، وهَذا لا يُضْطَرُّ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ خُرُوجٌ عَنِ اللَفْظِ، بَلْ قَوْلُهُ: "مَثَلُ" عَلى حالِهِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا قالُوا: "إنِ البَناتَ لِلَّهِ" فَقَدْ جَعَلُوا لَهُ مَثَلًا فالبَناتُ مِنَ البَشَرِ، وكَثْرَةُ البَناتِ عِنْدَهم مَكْرُوهٌ ذَمِيمٌ، فَهو المَثَلُ السُوءِ الَّذِي أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لَهم لَيْسَ في البَناتِ فَقَطْ، لَكِنْ لِما جَعَلُوهُ هم في البَناتِ جَعَلَهُ هو لَهم عَلى الإطْلاقِ في كُلِّ سُوءٍ، ولا غايَةَ بَعْدَ عَذابِ النارِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى ﴾ عَلى الإطْلاقِ أيْضًا، أيِ: الكَمالُ المُسْتَقِرُّ، وقالَ قَتادَةُ: المَثَلُ الأعْلى: لا إلَهَ إلّا اللهَ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ الناسَ ﴾ الآيَةُ.
"يُوآخِذُ" هو يُفاعِلُ مِن أخَذَ، كَأنَّ أحَدَ المُؤاخَذِينَ يَأْخُذُ مِنَ الآخَرِ مَأْخَذًا كَما هي في حَقِّ اللهِ تَعالى، أو بِإذايَةٍ في جِهَةِ المَخْلُوقِينَ، فَيَأْخُذُ الآخَرَ مِنَ الأوَّلِ بِالمُعاقَبَةِ والجَزاءِ، وهي لُغَتانِ: واخَذَ، وآخَذَ، ويُؤاخِذُ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن آخِذٍ، وأمّا كَوْنُها مِن واخَذَ فَبَيِّنٌ، والضَمِيرُ في "عَلَيْها" عائِدٌ عَلى الأرْضِ، ويُمْكِنُ ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِشُهْرَتِها، ويُمْكِنُ الإشارَةُ لَها كَما قالَ لَبِيدُ في الشَمْسِ: حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ ∗∗∗ وأجَنَّ عَوْراتِ البِلادِ ظَلامُها ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ ، ولَمْ يَجْرِ لِلشَّمْسِ ذِكْرٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ ، "مَن" دَخَلَتْ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ آخَذَ الناسَ بِعِقابٍ يَسْتَحِقُّونَهُ بِظُلْمِهِمْ في كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ لَكانَ ذَلِكَ العِقابُ يَهْلَكُ مِنهُ جَمِيعُ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ مِن حَيَوانٍ، فَكَأنَّهُ بِالقُحُوطِ أو بِأمْرٍ يُصِيبُهم مِنَ اللهِ تَعالى، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كادَ الجُعَلُ أنْ يَهْلَكَ بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ تَعالى لِيُهْزِلَ الحُوتَ في الماءِ والطَيْرَ في الهَواءِ بِذُنُوبِ العُصاةِ"،» وسَمِعَ أبُو هُرَيْرَةَ رَجُلًا يَقُولُ: "إنِ الظالِمَ لا يُهْلِكُ إلّا نَفْسَهُ"، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: "إنَّ اللهَ لِيُهْلِكَ الحُبارى في وُكُورِها هُزَلًا بِذُنُوبِ الظَلَمَةِ"، وقَدْ نَطَقَتِ الشَرِيعَةُ في أخْبارِها بِأنَّ اللهَ أهْلَكَ الأُمَمَ بِرَّها وعاصِيها بِذُنُوبِ العُصاةِ مِنهم.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ ، يُرِيدُ: مِن أُولَئِكَ الظَلَمَةِ فَقَطْ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَخْصِيصِ أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعاقِبُ أحَدًا بِذَنْبِ أحَدٍ، واحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ ، وهَذا كُلُّهُ لا حُجَّةَ فِيهِ؛ وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَجْعَلُ العُقُوبَةَ تَقْصِدُ أحَدًا بِسَبَبِ إذْنابِ غَيْرِهِ، ولَكِنْ إذا أرْسَلَ عَذابًا عَلى أُمَّةٍ عاصِيَةٍ لَمْ يُمَكِّنِ البَرِيءَ التَخَلُّصَ مِن ذَلِكَ العَذابِ، فَأصابَهُ العَذابُ لا بِأنَّهُ لَهُ مُجازاةٌ، ونَحْوَ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ ، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ : أنَهْلَكُ وفِينا الصالِحُونَ؟
قالَ: "نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخُبْثُ".» ثُمَّ لا بُدَّ مِن تَعَلُّقِ ظُلْمٍ ما بِالأبْرِياءِ؛ وذَلِكَ بِتَرْكِ التَغْيِيرِ ومُداجَنَةِ أهْلِ الظُلْمِ ومُداوَمَةِ جِوارِهِمْ، و"الأجَلُ المُسَمّى" في هَذِهِ الآيَةِ هو بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخَّصَ، وفي مَعْنى الآيَةِ ضَمائِرُ كَثِيرَةٌ تَرَكْتُها اخْتِصارًا وإيجازًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَكْرَهُونَ ﴾ يُرِيدُ البَناتَ، و"ما" في هَذا المَوْضِعِ تَقَعُ لِمَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ هو صِنْفٌ، وقَرَأ الحَسَنُ: "ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ" بِسُكُونِ النُونِ خَوْفًا مِن تَوالِي الحَرَكاتِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الكَذِبَ" بِكَسْرِ الذالِ وفَتْحِ الباءِ، فَـ "أنَّ" بَدَلٌ مِنهُ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وبَعْضُ أهْلِ الشامِ بِضَمِّ الكافِ والذالِ والباءِ عَلى صِفَةِ الألْسِنَةِ، و"أنَّ" مُفَعْوِلَةٌ بِـ "تَصِفُ"، و"الحُسْنى" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يُرِيدُ الذُكُورَ مِنَ الأولادِ، وهو الأسْبَقُ مِن مَعْنى الآيَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ الجَنَّةَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النارَ ﴾ ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: يَجْعَلُونَ لِلَّهِ المَكْرُوهَ ويَدَّعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنَّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: أنْتَ تَعْصِي اللهَ، وتَقُولُ -مَعَ ذَلِكَ- إنَّكَ تَنْجُو، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لِبَعِيدٍ مَعَ هَذا، ثُمَّ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالنارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "لا جَرَمَ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنَّ لَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وإعْرابِها بِحَسَبِ تَقْدِيرِ "جَرَمَ"، فَمِن قَدَّرَها بِـ "كَسْبِ فِعْلِهِمْ" فَهو نَصْبٌ، ومِن قَدَّرَها بِـ "وَجَبَ" فَهو رَفْعٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "إنَّ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى نافِعٍ: "مُفْرَطُونَ" بِفَتْحِ الراءِ وخَفِيفَةً، ومَعْناهُ: مُقَدَّمُونَ إلى النارِ والعَذابِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَتْ عن نافِعٍ، وهو مَأْخُوذٌ مَن "فَرْطِ الماءِ"، وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ إلى المِياهِ لِإصْلاحِ الدِلاءِ والأرْشاءِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "أنا فُرُطُكم عَلى الحَوْضِ"،» ومِنهُ قَوْلُ القَطّامِيِّ: واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ ∗∗∗ كَما تَعَجَّلَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مُفْرَطُونَ" مَعْناهُ: مُخَلَّفُونَ مَتْرُوكُونَ في النارِ مَنسِيُّونَ فِيها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ هِنْدٍ، وقالَ آخَرُونَ: "مُفْرَطُونَ" مَعْناهُ: مُبْعَدُونَ في النارِ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "مُفَرِّطُونَ" بِكَسْرِ الراءِ وتَشْدِيدِها وفَتْحِ الفاءِ، ومَعْناهُ: مُقَصِّرُونَ في طاعَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقَدْ رُوِيَ عنهُ فَتَحُ الراءِ مَعَ شَدِّها، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "مُفَرِطُونَ" بِكَسْرِ الراءِ وخِفَّتِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي رَجاءٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نِصاحٍ، وأكْثَرُ أهْلِ المَدِينَةِ، أيْ: مُتَجاوِزُونَ لِلْحَدِّ في مَعاصِي اللهِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي داخل في الكلام الاعتراضي قصد منه تنظير حال المشركين المتحدث عنهم وكفرهم في سوء أعمالهم وأحكامهم بحال الأمم الضالّة من قبلهم الذين استهواهم الشيطان من الأمم البائدة مثل عاد وثمود، والحاضرة كاليهود والنصارى.
ووجّه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لقصد إبلاغه إلى أسماع الناس فإن القرآن منزل لهدي الناس، فتأكيد الخبر بالقسم منظور فيه إلى المقصودين بالخبر لا إلى الموجّه إليه الخبر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشكّ في ذلك.
ومصبّ القسم هو التفريع في قوله تعالى: ﴿ فزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ .
وأما الإرسال إلى أمم من قبلهم فلا يشكّ فيه المشركون.
وشأن التاء المثناة أن تقع في قَسَم على مستغرب مصبّ القسم هنا هو المفرد بقوله تعالى ﴿ فزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ لأن تأثير تزيين الشيطان لهم أعمالهم بعدما جاءهم من إرشاد رسلهم أمر عجيب.
وتقدم الكلام على حرف تاء القسم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ تالله لتسألن عما كنتم تفترون ﴾ [سورة النحل: 56].
وجملة فزين لهم الشيطان أعمالهم} معطوفة على جملة جواب القسم.
والتقدير: أرسلنا فزيّن لهم الشيطان أعمالهم.
وتزيين الشيطان أعمالهم كناية عن المعاصي.
فمن ذلك عدم الإيمان بالرسل وهو كمال التنظير.
ومنها الابتداعات المنافية لما جاءت به الرسل عليهم السلام مثل ابتداع المشركين البحيرة والسائبة.
والمقصود: أن المشركين سلكوا مسلك مَن قبلهم من الأمم التي زيّن لهم الشيطان أعمالهم.
وجملة ﴿ فهو وليهم اليوم ﴾ يجوز أن تكون مفرّعة على جملة القسم بتمامها، على أن يكون التّفريع هو المقصود من جملة الاستئناف للتنظير، فيكون ضمير ﴿ وليهم ﴾ عائداً إلى المنظّرين بقرينة السياق.
ولا مانع من اختلاف معادي ضميرين متقاربين مع القرينة، كقوله تعالى: ﴿ وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ [سورة الروم: 9].
والمعنى: فالشيطان وليّ المشركين اليوم، أي متولّي أمرهم كما كان وليّ الأمم من قبلهم إذ زيّن لهم أعمالهم، أي لا وليّ لهم اليوم غيره ردّاً على زعمهم أن لهم الحسنى.
ويكون في الكلام شبه الاحتباك.
والتقدير: لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزيّن لهم الشيطان أعمالهم فكان وليّهم حينئذٍ، وهو وليّ المشركين اليوم يُزيّن لهم أعمالهم كما كان وليّ من قبلهم.
وقوله: اليوم } مستعمل في زمان معهود بعهد الحضور، أي فهو وليّهم الآن.
وهو كناية عن استمرار ولايته لهم إلى زمن المتكلّم مطلقاً بدون قصد، لما يدلّ عليه لفظه من الوقت الذي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وهو منصوب على الظرفية للزمان الحاضر.
وأصله: اليوم الحاضر، وهو اليوم الذي أنت فيه.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ﴾ في سورة العقود (3).
ولا يستعمل في يوم مضى معرّفاً باللام إلا بعد اسم الإشارة، نحو: ذلك اليوم، أو مثل: يومئذٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا بِالِانْتِقامِ لِأنَّهُ يُمْهِلُهم في الأغْلَبِ مِن أحْوالِهِمْ.
﴿ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ﴾ يَعْنِي بِهَلاكِهِمْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ مِن أخْذِهِ لَهم بِظُلْمِهِمْ.
﴿ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِي: تَعْجِيلُهُ في الدُّنْيا.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَعُمُّهم بِالهَلاكِ مَعَ أنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنًا لَيْسَ بِظالِمٍ؟
فَعَنْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَجْعَلُ هَلاكَ الظّالِمِ انْتِقامًا وجَزاءً، وهَلاكَ المُؤْمِنِ مُعَوَّضًا بِثَوابِ الآخِرَةِ.
الثّانِي: ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ مِن أهْلِ الظُّلْمِ.
الثّالِثُ: يَعْنِي أنَّهُ لَوْ أهْلَكَ الآباءَ بِالكُفْرِ لَمْ يَكُنِ الأبْناءُ ولانَقْطَعَ النَّسْلُ فَلَمْ يُولَدْ مُؤْمِنٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ البَناتِ.
﴿ وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَهُمُ البَنِينَ مَعَ جَعْلِهِمْ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ مِنَ البَناتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ الجَزاءَ الحَسَنَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: مَعْناهُ حَقًّا أنَّ لَهُمُ النّارَ.
الثّانِي: مَعْناهُ قَطْعًا أنَّ لَهُمُ النّارَ.
الثّالِثُ: اقْتَضى فِعْلُهم أنَّ لَهُمُ النّارَ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ بَلى إنَّ لَهُمُ النّارَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَأنَّهم مُفْرَطُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مَنسِيُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مُضَيِّعُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مُبْعَدُونَ في النّارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: مَتْرُوكُونَ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: مُقَدَّمُونَ إلى النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَمِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ : « (أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ)» أيْ مُتَقَدِّمُكم، وقالَ القَطامِيُّ: فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا كَما تَعَجَّلَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ والفُرّاطُ: المُتَقَدِّمُونَ في طَلَبِ الماءِ، والوُرّادُ: المُتَأخِّرُونَ.
وَقَرَأ نافِعٌ: ﴿ مُفْرَطُونَ ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ وتَخْفِيفِها، ومَعْناهُ مُسْرِفُونَ في الذُّنُوبِ، مِنَ الإفْراطِ فِيها.
وَقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ مُفْرِطُونَ أيْ مُعَجَّلُونَ إلى النّارِ مَتْرُوكُونَ فِيها.
وَقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِئُ: (مُفَرِّطُونَ) بِكَسْرِ الرّاءِ وتَشْدِيدِها، ومَعْناهُ مِنَ التَّفْرِيطِ في الواجِبِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويجعلون لله البنات...
﴾ الآيات.
يقول: يجعلون له البنات، يرضونهن له ولا يرضونهن لأنفسهم.
وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا ولد للرجل منهم جارية أمسكها على هون أو دسّها في التراب وهي حية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ قال: يعني به البنين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ قال: هذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله بخبث صنيعهم.
فأما المؤمن، فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه.
ولعمري ما ندري أنه لخير لرب جارية خير لأهلها من غلام، وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، فكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كانت العرب يقتلون ما ولد لهم من جارية فيدسونها في التراب وهي حية حتى تموت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ على هون ﴾ أي هوان بلغة قريش.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ قال: يئد ابنته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ألا ساء ما يحكمون ﴾ قال: بئس ما حكموا.
يقول: شيء لا يرضونه لأنفسهم، فكيف يرضونه لي....؟
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ قال: يقول ليس كمثله شيء.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ( ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ قال ابن عباس: يعزي الله نبيه - - بهذا (١) (٢) ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ ﴾ يعني رسلًا وأنبياءَ من قبلك، ﴿ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ ﴾ : حتى عَصَوا وكذبوهم، ﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ ﴾ (يحتمل معنيين؛ أحدهما: أن المراد بهذا كفار قريش، يقول: الشيطان وليهم اليوم) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (١) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 462، والفخر الرازي 20/ 61، و"تفسير القرطبي" 10/ 121، والخازن 3/ 121، وأبي حيان 5/ 507، وابن كثير 2/ 632، وأبي السعود 5/ 123، وهو بلا نسبة في المصادر كلها.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ع).
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ع).
(٤) ورد في "تفسير الطبري" 14/ 129 - 130، بمعناه، والثعلبي 2/ 158 ب، بمعناه، والطوسي 6/ 397، بمعناه، وانظر: "الكشاف" 2/ 334، وابن عطية 8/ 454، وابن الجوزي 4/ 462، و"البيضاوي" 1/ 278، وأبي حيان 5/ 507، ونسبه إلى الزمخشري، واستبعده بحجة اختلاف الضمائر من غير ضرورة، وهذا تحامل منه على الزمخشري كما هو معروف عنه؛ لأن القول قديم كما هو واضح في المصادر، والقول ليس بضعيف، بل هو محتمل كما قال الواحدي رحمه الله.
(٥) في جميع النسخ (إلى)، وما أثبته هو الصواب؛ كما في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 62.
(٦) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 204 ب، بنحوه، والطوسي 6/ 397، بمعناه، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 334، وابن الجوزي 4/ 462، والفخر الرازي 20/ 62، نقل القولين بنصهما بلا نسبة، وأبي حيان 5/ 507، و"الدر المصون" 7/ 249، وابن كثير 2/ 632.
(٧) في (أ)، (د): (ذلكل)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصحيح الذي يستقيم به الكلام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ﴾ يعني البنات ﴿ أَنَّ لَهُمُ الحسنى ﴾ أي بدل من الكذب، والحسنى هنا قيل: هي الجنة، وقيل: ذكور الأولاد ﴿ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ ﴾ بكسر الراء والتخفيف من الإفراط: أي متجاوزون الحدّ في المعاصي، أو بفتح الراء والتخفيف من الفرط أي معجلون إلى النار، وبكسر الراء والتشديد من التفريط.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ نوحي ﴾ بالنون: حفص غير الخزاز.
الباقون بالياء مجهولاً ﴿ أو لم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف ﴿ تتفيؤ ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب، الآخرون على الغيبة.
الوقوف: ﴿ لا تعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء ﴿ والزبر ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ بمعجزين ﴾ ه لا كذلك ﴿ على تخوّف ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اثنين ﴾ ج للابتداء بانما مع اتحاد القائل ﴿ واحد ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ فارهبون ﴾ ه ﴿ واصباً ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تجأرون ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع شدة اتصال المعنى ﴿ يشركون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول والفاء للاستئناف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ رزقناهم ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه { } لا لأن ما بعده من جملة مفعول ﴿ يجعلون ﴾ و { } معترض للتنزيه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعد وصف ﴿ لكظيم ﴾ أو استنئاف.
﴿ ما بشر به ﴾ ط لأن التقدير يتفكر في نفسه المسألة ﴿ في التراب ﴾ ط ﴿ ما يحكمون ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ج لتضاد الجملتين معنى مع العطف لفظاً ﴿ الأعلى ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: الشبهة الخامسة أن قريشاً كانوا يقولون الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله بشراً فأجاب بقوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ والمراد أن هذه عادة مستمرة من أوّل زمان الخلق والتكليف.
وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة.
قال القاضي: ولعله أراد الملك الذي يرسل إلى الأنبياء بحضرة أممهم كما روي أن جبرائيل كان يأتي في صورة دحية وفي صورة سراقة، وإنما قيدنا بحضرة الأمم لأن الملائكة قد يبعثون على صورتهم الأصلية عند إبلاغ الرسالة من الله إلى نبيه كما روي أنه رآى جبرائيل على صورته التي هو عليها مرتين.
وعليه تأوّلوا قوله: ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله - أعني قريشاً - بأن يرجعوا إليهم في هذه المسألة ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها وذلك قوله: ﴿ فاسئلوا أهل الذكر ﴾ قال بعض الأصولين: فيه دليل على أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر فيما يشتبه عليه.
واحتج نفاة القياس بالآية قالوا: لو كان حجة لما وجب على المكلف السؤال بل كان عليه أن يستنبط ذلك الحكم بواسطة القياس.
وأجيب بأنه قد ثبت العمل بالقياس لإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من ظاهر النص.
أما قوله: ﴿ بالبينات ﴾ ففي متعلقه وجوه منها: أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ داخلاً تحت حكم الاستثناء مع ﴿ رجالاً ﴾ وأنكر الفراء ذلك قال: إن صلة ما قبل "إلا" لا تتأخر على ما بعد "إلا" لأن المستثنى منه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته كما لو قيل: ما أرسلنا بالبينات إلا رجالاً.
ولما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه.
ومنها أن يتعلق بـ ﴿ رجالاً ﴾ صفة له أي رجالاً متلبسين بالبينات.
ومنها أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ مضمراً نظيره "ما مر إلا أخوك"، ثم تقول "مرَّ بزيد" قاله الفراء.
ومنها أن يتعلق بـ ﴿ بيوحى ﴾ أي يوحى إليهم بالبينات.
ومنها أن يتعلق بالذكر بناء على أنه بمعنى العلم.
ومنها أن يتعلق بـ ﴿ لا تعلمون ﴾ أي إن كنتم لا تعلمون بالبينات وبالزبر فاسألوا.
وقال في الكشاف: الشرط ههنا في معنى التبكيت والإلزام كقول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقي.
قلت: أراد أن عدم علمهم مقرر كما أن عمل الأجير ثابت.
وسلم جار الله أن مثل قوله: ﴿ فاسألوا ﴾ جواب الشرط على هذا الوجه.
وأما على الوجوه المتقدمة فجزم أنه اعتراض بناء على أن جواب الشرط هو ما دل عليه قوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الخ.
وعندي أن هذا الجزم ليس بحتم ويجوز على كل الوجوه أن يكون مثل ﴿ فاسألوا ﴾ جواباً والله أعلم.
وأهل الذكر أهل التوراة.
كقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ﴾ يعني التوراة.
وقال الزجاج: سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق.
وقوله: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ لفظ جامع لكل ما تتكامل به الرسالة لأن مدارها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات، وعلى التكاليف التي تعتبر في باب العبادة وهي للزبر.
ثم قال: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ أي القرآن الذي هو موعظة وتنبيه وتذكير لأهل الغفلة والنسيان، وبيّن الغاية المترتبة على الإنزال وهي تبيين الأحكام والشرائع بالنسبة إلى الرسول وإرادة التأمل والتفكر في المبدإ والمعاد بالإضافة إلى المكلفين.
وفي ظاهر هذا النص دلالة على أن القرآن كله مجمل، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنه متى وقع التعارض بين القرآن والخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والخبر مبين له.
وأجيب بمنع الكلية فمن القرآن ما هو محكم، وقوله: ﴿ لتبين ﴾ محمول على المتشابهات المجملات.
قال بعض من نفى القياس: لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول أن يبين للمكلفين ما أنزل الله عليه من الأحكام بل كان له أن يفوض بعضها إلى رأي القائس، وأجيب بأنه لما بيّن أن القياس من جملة الحجج فالقياس أيضاً راجع إلى بيان الرسول.
ثم لما ذكر شبهات المنكرين مع أجوبتها شرع في التهديد والوعيد والإنذار والتنبيه فقال ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ أي المكرات السيئات أراد أهل مكة ومن حول المدينة.
قال الكلبي: عنى بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول وإيذاء أصحابه على سبيل الخفية ﴿ أن يخسف الله بهم الأرض ﴾ كما خسف بقارون ﴿ أو يأتيهم العذاب ﴾ أو ملائكة العذاب من السماء ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ كما فعل بقوم لوط ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم فيما هم بمعجزين ﴾ فائتين الله، وذكر المفسرون في هذا التقلب وجوهاً منها: أنه يأخذهم في أسفارهم ومتاجرهم فإنه قادر على أن يهلكهم في السفر كما أنه قادر على أن يهلكهم في الحضر وهم لا يفوتون الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة.
ومنها أنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم، وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم.
ومنها أنه أراد في حال ما يتقلبون في قضاء أوطارهم بوجوه الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم.
والتقلب بالمعنى الأوّل مأخوذ من قوله: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ﴾ وبالمعنى الثالث من قرأ ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ {التوبة: 48].
﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ على حالة تخوفهم وتوقعهم للبلاء بأن يكون قد أهلك قوماً قبلهم فكان أثر الخوف باقياً فيهم ظاهراً عليهم فهو خلاف قوله: ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ وقيل: التخوف التنقص والمعنى أنه يأخذهم بطريق النقص شيئاً بعد شيء في ديارهم وأموالهم وأنفسهم حتى يأتي الفناء على الكل.
عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟
فسكتوا: فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص فقال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟
قال: نعم قال شاعرنا زهير: تخوّف الرحل منها تامكاً قرداً *** كما تخوف عود النبعة السفن قوله تامكا قرداً أي سناماً مرتفعاً متراكماً، والسفن ما ينحت به الشيء ومنه السفينة لأنها تسفن وجه الماء بالمر في البحر.
فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم.
قالوا: وما ديواننا؟
قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فإن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ فذهب المفسرون إلى أن معناه أنه يمهل في أكثر الأمر لأنه رءُوف رحيم فلا يعجل بالعذاب.
وأقول: يحتمل أن يكون قوله "فإن" تعليلاً لقوله ﴿ أفأمن ﴾ كقوله: { ﴿ ما غرك بربك الكريم ﴾ .
ولما خوف الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وسكانهما فقال ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله ﴾ قال جار الله: "ما" مبهمة بيانه ﴿ من شيء ﴾ وقال أهل المعاني: قوله: ﴿ يتفيؤ ظلاله ﴾ إخبار عن شيء وليس بوصف له.
ويتفيأ "يتفعل" من الفيء وأصله الرجوع ومنه فيئة المولى.
وقال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار.
فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشيّ، وما انصرف عنه الشمس والقمر والذي يكون بالغداة ظل.
وقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل.
وقوله: ﴿ ظلاله ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال ووجه حسنه كون المرجوع إليه واحداً في اللفظ وإن كان كثيراً في المعنى وهو قوله: ﴿ إلى ما خلق ﴾ نظيره ﴿ لتستووا على ظهوره ﴾ أضاف الظهور - وهو جمع - إلى ضمير مفرد لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو ما تركبون.
قال الجوهري: تفيأت الظلال أي تقلبت.وقوله ﴿ عن اليمين والشمائل ﴾ قال أهل التفسير ومنهم الفراء: إنه وحد اليمين لأنه أراد واحداً من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها لأن قوله ﴿ ما خلق الله ﴾ لفظ مفرد ومعناه جمع، وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ﴾ وقيل: المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وإنها واحدة، والشمائل عبارة عن الانحراف الواقع في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة.
وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه ومنه تظهر الحركة القوية، وكذا جانب الشرق أقوى جوانب الفلك ومنه تظهر الحركة اليومية التي هي أسرع الحركات وأقواها.
ويمكن أن يقال: إن الإنسان إذا توجه إلى الشرق الذي هو أولى الجوانب بالاعتبار لشرفه كان الجنوب يمينه والشمال شماله، ولا ريب أن وصول الشمس إلى فلك نصف النهار يختلف بحسب البلاد.
وقد يتفق انتقالها من الجنوب إلى الشمال وبالعكس في بلد واحد إذا كان عرضه ناقصاً عن الميل الكلي.
ومن المعلوم أن الشمس حين وصولها إلى نصف النهار إن كانت في جنوب سمت الرأس وقع ظلها إلى جانب الشمال، وإن كانت في شماله وقع ظلها إلى الجنوب، فيحتمل أن يراد بتفيؤ الأظلال تقلبها في هاتين الجهتين والله أعلم.
أما قوله ﴿ سجداً لله ﴾ فإنه حال من الظلال، ومعنى سجودها انقيادها لأمر الله منتقلة من جانب إلى جانب حسب تحرك النير على نسب مخصوصة ومقادير معلومة ذكرنا بعضها في كتبنا النجومية.
وقد نبى المتأخرون على الأظلال مسائل كثيرة منها: الشكل الموسوم بالظلي مع فروعه، وذكر بعضهم في تفسير هذا السجود أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملصقة بها على هيئة الساجد.
وقوله ﴿ وهم داخرون ﴾ حال أخرى من الظلال.
وإنما جمع بالواو والنون لأنهم أشبهوا العقلاء من حيث طاعتها لله .
وقال جار الله: اليمين والشمائل استعارة عن يمين الإنسان وشماله بجانبي الشيء أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ.
والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها لا تمتنع ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ﴾ قال الأخفش: أي من الدواب: وأخبر بالواحد كما تقول: ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله.
وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض، والوجه في تخصيص الدابة والملائكة بالذكر أنه علم من آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة له، فبين في هذه الآية أن الحيوانات بأسرها أيضاً كذلك.
ثم عطف عليها الملائكة إما لشرفها وإما لأنها ليست مما يدب ولكنها تطير بالجناحين، وبين النوعين مغايرة لقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ وعلى قاعدة الحكماء: وجه المغايرة أنها أرواح مجردة ليست من شأنها الحركة والدب.
قال جار الله: ومن دابة يجوز أن يكون بياناً لما في السموات وما في الأرض جميعاً، على أن في السموات خلقاً لله يدبون فيها كما يدب الأناسيّ في الأرض، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الملائكة.
وكرر ذكرهم على معنى والملائكة خصوصاً من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعدلهم، ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهن، وبقوله: ﴿ والملائكة ﴾ ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم انتهى كلامه.
ثم شرع في صفة الملائكة وذكر عصمتهم قال: ﴿ وهم لا يستكبرون يخافون ﴾ على أنه حال منهم أو بيان لنفي استكبارهم لأن الخوف أثره عدم الاستكبار.
وقوله ﴿ من فوقهم ﴾ إما أن يتعلق بـ[يخافون} والمعنى يخافون ربهم أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، وإما أن يكون حالاً من الرب أي يخافونه غالباً قاهراً.
وبحث الفوقية قد تقدم في الأنعام في قوله: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ {الأنعام: 18] زعم بعض الطاعنين في عصمة الملائكة أنه وصفهم بالخوف وحصول الخوف نتيجة تجويز الإقدام على الذنوب، وهب أنهم فعلوا كل ما أمروا به فمن أين علم أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟
والجواب عن الأوّل أنهم إنما يخافون من العذاب لقوله : ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ﴾ فمن هذا الخوف يتركون الذنب.
وعن ابن عباس أن هذا الخوف خوف الإجلال كقوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ ولا ريب أنه كلما كانت معرفة جلال الله أتم كانت الهيبة والحيرة أعظم.
وعن الثاني أن النهي عن الشيء أمر بتركه، وفي الآية دلالة على أن إبليس لم يكن من الملائكة لأنه أبى واستكبر وإنهم لا يستكبرون.
وقد يستدل بها على أن الملك أفضل من البشر بل من كل المخلوقات وإلا لما خصهم بالذكر من بينها، ولخلو بواطنهم وظواهرهم عن الأخلاق الذميمة وانغماس البشر في الدواعي الشهوية والغضبية، ولهذا ورد في حقه ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ وقال : "ما منا إلا من قد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا" وقال أيضاً "الشيخ في قومه كالنبي في أمته" فضل الشيخ على الشاب لتقادم عهده وطول مدته، ولا شك أن الملائكة خلقوا قبل البشر بسنين متطاولة وقرون متمادية، وأنهم سنوا الطاعة والعبودية ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.
وتمام البحث في هذه المسألة مذكور في أول سورة البقرة.
وفي قوله: ﴿ ما يؤمرون ﴾ دلالة على أن الملائكة مكلفون بالأمر والنهي والوعد والوعيد راجين خائفين.
ولما بين أن كل ما سواه في عالمي الأرواح والأجسام فإنه منقاد خاضع لجلاله وكبريائه أتبعه النهي عن الشرك قائلاً ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ﴾ فسئل أن التثنية والواحد حيث كانا يدلان على العدد الخاص، فما الفائدة في وصف إلهين باثنين ووصف إله بواحد؟
وأجيب بوجوه منها: قول صاحب النظم أن فيه تقديماً وتأخيراً أي لا تتخذوا اثنين إلهين.
ومنها أنه كررت العبارة لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك.
ومنها قول لأهل المعاني إن فائدة الوصف والبيان هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد لا إلى الجنسية، ولهذا لو قلت: إنما هو إله ولم تؤكده بواحد سبق إلى الوهم إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية.
وكيف لا يحتاج المقام إلى التوكيد والأثنينية منافية للإلهية لاستلزام تعدد الواجب كون كل منهما مركباً من جزأين ما به الاشتراك في الوجوب الذاتي، وما به الامتياز ولكن التركيب يوجب الافتقار إلى البسائط والافتقار ينافي الوجوب.
ودليل التمانع أيضاً يعين على المطلوب كما لو أراد أحدهما تحريك جسم معين وأراد الآخر تسكينه، أو قوي أحدهما على مخالفة الآخر أو لا يقوى، أو قدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر.
ثم نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات قائلاً: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ وقد مر مثله في أوّل "البقرة" ثم لما قرر وحدته وأنه يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه ذكر أن الكل ملكه فقال: ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ فقالت الأشاعرة: ليس المراد من كونها لله أنها مفعولة لأجله ولغرض طاعته لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة لا لغرض الطاعة، فالمراد أن كلها بتخليقه وتكوينه ومن جملة ذلك أفعال العباد، ثم قال ﴿ وله الدين واصباً ﴾ فالدين الطاعة، والواصب الدائم، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها.
ويقال للمريض وصب لكون ذلك المرض لازماً له.
وانتصابه على الحال والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل.
قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو الموت إلا الحق ، فإن طاعته واجبة أبداً.
ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الملة أي وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفاً، أو وله الجزاء سرمداً لا يزول يعني الثواب والعقاب.
وقال بعض المتكلمين المحققين: قوله ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ إشارة إلى احتياج الكل إليه في حال حدوثه.
وقوله: ﴿ وله الدين ﴾ أي الانقياد ﴿ واصباً ﴾ إشارة إلى أن جميع الممكنات مفتقرة إلى فيض وجوده في حال وجوده لأن الصحيح أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرحج.
ثم أنكر أن يكون الممكن مع شدة افتقاره إليه يخشى غيره فقال ﴿ أفغير الله تتقون ﴾ ثم منّ عليهم بقوله: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ "ما" بمعنى "الذي" وبكم صلته و ﴿ من نعمة ﴾ حال من الضمير في الجار، أو بيان لما وقوله: ﴿ فمن الله ﴾ الخبر.
وقيل: "ما" شرطية وفعل الشرط محذوف أي ما يكن.
وقال جار الله: معناه أي شيء حل بكم أو اتصل بكم من نعمة فهو من الله، قال الأشاعرة: أفضل النعم نعمة الإيمان والآية تفيد العموم فهو من نعم الله.
والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو خارجة كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحتها أنواع لا حصر لها والكل من الله، فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه.
ثم بين تلون حال الإنسان بعد استغراقه في بحار نعم الله قائلاً ﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ﴾ ما تتضرعون إلا إليه.
والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.
﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾ قال جار الله: يجوز أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ وما بكم ﴾ عاماً، ويريد بالفريق فريق الكفرة وأن الخطاب للمشركين و ﴿ منكم ﴾ للبيان لا للتبعيض كأنه قال: فإذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله: ﴿ فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ﴾ أقول: وأظهر الوجهين الأول والمعنى أن فريقاً منكم يبقى على ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى لله، وفريقاً يتغير عن حاله فيشرك بالله، ولعل هذه صفة لازمة لجوهر الإنسان ولهذا قال: ﴿ ليكفروا ﴾ كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة، ويجوز أن تكون لام العاقبة يعني عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفران.
والمراد بقوله: ﴿ بما آتيناهم ﴾ كشف الضر وإزالة المكروه، أو القرآن والشرائع، أو جميع النعم الظاهرة والباطنة التي أنعم الله بها على الإنسان.
ثم قال على سبيل التهديد وبطريقة الالتفات نظراً إلى أوّل الكلام ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ عاقبة كفركم ومثله في "الروم" كما سيجيء، وأما في "العنكبوت" فإنه قال: ﴿ ليكفروا بما أتيناهم وليتمتعوا ﴾ بالعطف على القياس.
ثم حكى نوعاً آخر من قبائح أعمال بني آدم فقال ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون ﴾ الضمير الأوّل للمشركين والثاني قيل لهم وقيل للأصنام التي لا توصف بالعلم والشعور، ورجح الأوّل بأن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز، وبأن جمع السلامة بالعقلاء أليق، وقد يرجح الثاني بأن الأوّل يفتقر إلى الإضمار كما لو قيل: ويجعلون لما لا يعلمون في طاعته نفعاً ولا في الإعراض عنه ضراً.
وقال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ﴿ نصيباً ﴾ أو يجعلون لما لا يعلمون إلاهيتها، أو السبب في صيرورتها معبودة.
والمراد بجعل النصيب ما مر في "الأنعام" في قوله: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ﴾ وقيل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
عن الحسن: وقيل هم المنجمون الذين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة فيقولون لزحل كذا وكذا من المعادن والنبات والحيوان، وللمشتري كذا إلى آخر الكواكب.
ثم أوعدهم الله بقوله: ﴿ تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ﴾ على الله من أن له شريكاً وأن الأصنام أهل للتقرب إليها مع أنه لا شعور لها بشىء أصلاً، أو المراد بالافتراء قولهم هذا حلال وهذا حرام من غير إذن شرعي، أو قولهم أن لغير الله تأثيراً في هذا العالم.
ومتى يكون هذا السؤال؟
قيل: عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل: في القبر.
والأقرب أنه في الآخرة وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة كقوله: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ في الأمم عامة.
قوله: ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ نوع آخر من القبائح وكانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله.
قال الإمام فخر الدين الرازي: أظن أن ذلك لأن الملائكة يستترون عن العيون كالنساء، ومنه إطلاق التأنيث على الشمس لاستتارها عن أن تدرك بالأبصار لضوئها الباهر ونورها القاهر.
{ } تنزيه لذاته عن نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم.
ومحل "ما" في قوله ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ إما الرفع على الابتداء، أو النصب أي وجعلوا لهم ما يشتهون يعني البنين.
وأبى الزجاج جواز النصب وقال: لأن العرب لا تقول جعل له كذا وهو يعني نفسه وإنما تقول جعل لنفسه كذا.
فلو كان منصوباً لقيل: و "لأنفسهم ما يشتهون".
ثم ذكر غاية كراهتهم للإناث التي جعلوها لله فقال: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ﴾ أي صار ﴿ مسودّاً ﴾ ويحتمل أن يكون استعمل "ظل" لان وضع الحمل يتفق بالليل غالباً فيظل نهاره مسود الوجه ﴿ وهو كظيم ﴾ مملوء غماً وحزناً وغيظاً على المرأة.
قال أهل المعاني: جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم والكآبة لأن الإنسان إذا قوي فرحه انبسط الروح من قلبه ووصل إلى الأطراف ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد فاستنار الوجه وأشرق، وإذا قوي غمه انحصر الروح في داخل القلب ولم يبق منه أثر قويّ على الوجه فيتربد الوجه لذلك ويصفر أو يسود ﴿ يتوارى ﴾ يستخفي ﴿ من القوم من سوء ما بشر به ﴾ من أجل سوء المبشر به ولم يظهر أياماً يحدث نفسه ويدبر فيها ماذا يصنع بها وذلك قوله: ﴿ أيمسكه ﴾ أي يحبسه ﴿ على هون ﴾ ذل وهوان.
والظاهر أن هذا صفة المولود أي يمسكها على هوان منه لها.
وقال عطاء عن ابن عباس: إنه صفة الأب أي يمسكها مع الرضا بهوان نفسه ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ أي بيده.
والدس إخفاء الشيء في الشيء.
وإنما ذكر الضمير في ﴿ يمسكه ﴾ و ﴿ يدسه ﴾ باعتبار ما بشر به.
كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنها من يذبحها.
وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وأخرى خوفاً من الفقر والفاقة ولزوم النفقة.
روي أن رجلاً قال: يا رسول الله والذين بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام وقد كانت لي في الجاهلية ابنة وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها، فلما انتهيت إلى وادٍ بعيد القعر ألقيتها فقال: يا أبتي قتلتني.
فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء.
فقال : ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار.
ولا ريب أن الأنثى التي هذا محلها عندهم كانت في غاية الكراهية والتنفير ومع ذلك أثبتوها لله المتعالي عن الصاحبة والولد فلذلك قال: ﴿ ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ ولهذا يقدمون على القتل والإيذاء ﴿ مثل السوء ﴾ وصفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق والتزام الشح البالغ ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ وهو أضداد صفات المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فلا يستضر بأن ينسب إليه ما لا يليق به ﴿ الحكيم ﴾ في خلق الذكور والإناث أو في الوعيد على قتل البنات.
قال القاضي: إن هؤلاء المشركين استحقوا الذم بإضافة البنات إلى الله وإنه أسهل من إضافة الفواحش والقبائح كلها إليه وهذا شأن المجبرة.
وأجابت الأشاعرة بأنه ليس كل ما قبح منافي العرف فإنه يقبح من الله.
ألا ترى أن رجلاً لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن وتقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالاتفاق حسن من الله وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبنية على العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله فعلى جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية.
أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية أن خالقها هو الله فكيف يمكن إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى والله أعلم.
التأويل: أن يخسف الله بهم أرض البشرية ودركات السفل أو يأتيهم العذاب بالمكر والاستدراج من حيث لا يشعرون، أنه من أين أتاهم من قبل الأعمال الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية أو يأخذهم في تقلبهم من أعمال الدنيا إلى أعمال الآخرة بالرياء، ومن أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا بالهوى ﴿ أو يأخذهم على تخوّف ﴾ تنقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم ﴿ فإن ربكم لرءُوف ﴾ بالعباد إذ أعطاهم حسن الاستعداد ﴿ رحيم ﴾ حين لا يأخذهم بعد إفساد الاستعداد في الحال لعلهم يتوبون في المآل فيقبل توبتهم بالفضل والنوال.
ما خلق الله من شيء وهو عالم الأجسام فإن عالم الأرواح خلق من لا شيء يتفيأ ظلاله، فإن الأجسام ظلال الأرواح فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال ﴿ سجداً لله ﴾ منقادين لأمره مسخرين لما خلقوا لأجله.
وإنما وحد اليمين وجمع الشمال لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ أراد بالإله الآخر الهوى لقوله : "ما عبد إله أبغض على الله من الهوى" ﴿ ويجعلون ﴾ يعني أصحاب النفوس والأهواء ﴿ لما لا يعلمون ﴾ لمن لا علم لهم بأحوالهم ﴿ نصيباً ﴾ بالرياء ﴿ مما رزقناهم ﴾ من الطاعات ﴿ تالله ليسئلن عما كنتم تفترون ﴾ والسؤال عن المعاملات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى سمة الشقاوةوبالعكس ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ أظن أن البنات إشارة إلى صفات فيها نوع نقص كالتجسيم والتشبيه والحلول والاتحاد، ونسبته إلى الظلم والجور والتعطيل وعدم الاستقلال بالتأثير وغير ذلك مما لا يليق بغاية جلاله ونهاية كماله فلهذا قال : ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ يعني أن كل أحد يجب أن يوصف بغاية الكمال ويتغير وجهه إذا نبه على عيب فيه ولا يعلم أن مطلق الكمال لا يليق إلا بالواجب بالذات، ونفس الإمكان نقصان يستلزم جميع النقصانات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .
لا نعلم الخطاب بهذا أنه [لمن كان] الخطاب بهذا ألأهل مكة؛ فهم [قد] اتخذوا آلهة بقولهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً...
﴾ الآية [ص: 5] إلا أن يخاطب به الثنوية والزنادقة، فإنهم يقولون باثنين، ويشبه أن يكون أهل مكة وإن اتخذوا آلهة فإنهم في الحقيقة عباد إلهين؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون تلك الأصنام بأمر الشيطان وطاعتهم إياه، فنسب العبادة إليه؛ لما بأمره يعبدون هذه الأصنام والله أعلم؛ ألا ترى أن إبراهيم قال لأبيه: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ ﴾ وإن كان في الظاهر لا يعبد الشيطان، لكن لما بأمره يعبد الأصنام أضاف العبادة إليه، أو أن يكون المراد من ذكر اثنين: إنما هو على الزيادة على الواحد، كأنه قال: لا تتخذوا ولا تعبدوا أكثر من إله واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ ﴾ .
لا تخافون الأصنام التي تعبدونها؛ فإنكم إن تركتم عبادتها لا تضركم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
أي: وله يخضع ما في السماوات والأرض وأنتم لا تخضعون، أو ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه؛ فكيف أشركتم عبيده في ألوهية الله وربوبيته؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ .
قال بعضهم: دائماً؛ لأن غيره من الأديان كلها يبطل ويضمحل، ويبقى دينه في الدارين جميعاً.
وقال بعضهم: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ أي: مخلصاً، من الوصب [والنصب] والتعب، وتأويله - والله أعلم -: أي: وله دين لا يوصل إليه إلا بتعب وجهد؛ فاجتهدوا واتعبوا؛ لتخلصوا له الدين؛ هذا معنى قوله: (مخلصا).
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ﴾ .
أي: أمخالفة غير الله تتقون؛ أي: لا تخافوا ولكن اتقوا مخالفة [الله لا تتقوا مخالفة] غيره.
أو يقول: لا تخافوا غير الله ولا تتقوا سواه، ولكن اتقوا الله واتقوا نقمته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ .
أي: تتضرعون؛ يخبر عن سفههم وقلة عقلهم أنهم يعلمون أن له ما في السماوات والأرض، وأن كل ذلك ملكه، وأن ما لهم من النعمة منه، وأن ما يحل بهم من البلاء والشدة هو الكاشف لهم والدافع عنهم، ثم يكفرونه ويصرفون شكرها منه إلى غيره في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في حال الشدة والبلاء؛ فيقول: أنا المنعم عليكم تلك النعم، وأنا المالك للكشف عنكم لا الأصنام التي عبدتموها، فكيف كفرتم بي في وقت الرخاء والسّعة وآمنتم بي في وقت الضيق والبلاء؟!
كانوا يخلصون له الدين في وقت ويشركون غيره في وقت، فيقول: أديموا لي الدين بقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ ولا تتركوا الإيمان بي في وقت وتؤمنوا بي في وقت، وكذلك كان عادتهم: كانوا يكفرون بربهم في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في حال البلاء والشدة؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ...
﴾ الآية.
ويحتمل أن يكون فرض الجهاد على المسلمين والقتال معهم لهذا المعنى؛ لأن من عادتهم الإيمان في وقت البلاء والشدة والخوف، ففرض عليهم القتال معهم؛ ليضطروا إلى الإيمان فيؤمنوا ويديموا الإيمان، ومنذ فرض القتال معهم كثر أهل الإسلام فدخلوا فيه فوجاً فوجاً، وكان قبل ذلك يُدخَل فيه واحداً واحداً.
وفيه دلالة إثبات رسالة محمد [حيث] قال: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ فإنما أخبر عما عرفوا وتقرر عندهم أن كل ذلك من عند الله؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجعلوا ما آتاهم الله وأنعم عليهم سبب كفرهم بالله.
والثاني: يكفرون بنعم الله - - بعبادتهم الأصنام، وصرفهم الشكر عنه.
ويشبه أن يكون إخباره عن سفههم من وجه آخر؛ وهو أنهم لم يروا في البشر أحداً يطاع ويخضع إلا أحد رجلين: دافع بلاء عنه، أو جارّ نفع إليه، فالأصنام التي عبدوها ليس منها دفع بلاء ولا جرّ منفعة، فلماذا يعبدونها؟
وقال أبو بكر: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ ﴾ : [أي] بالقرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
هذا وعيد من الله لهم، يقول: فسوف تعلمون ما ينزل بكم من كفران نعمة وصرف الشكر عنه أنه مهلكهم ومنزل بهم عذابه.
وفي قوله: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ .
أي: تتضرعون، موعظة للمؤمنين أيضاً؛ لأنهم يجعلون يتضرعون إلى الله إذا أصابهم الضر والبلاء، وإذا انكشف ذلك عنهم تركوا ذلك التضرع ونسوا ربهم؛ فيعظهم لئلا يصنعوا مثل صنيع أولئك، يقول والله أعلم؛ أي: تعلمون أن ما بكم من نعمة فمن الله؛ فكيف تصرفون شكرها إلى غيره في حال؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ ﴾ أي: يقولون ﴿ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ .
[قال بعضهم: يجعلون للأصنام والأوثان التي يعبدونها نصيباً مما رزقناهم] من الأنعام والحرث وغيره الذي جعل الله لهم.
ولا يعلمون لهم نصيباً في ذلك؛ وهو كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ حرموا على أنفسهم ما جعل الله لهم وجعلوه لآلهتهم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً ﴾ وهو الشيطان؛ أي: ما يجعلون للأوثان، فذلك للشيطان في الحقيقة، لأنه هو الذي أمرهم بذلك، وهو الذي دعاهم إلى ذلك، وهو كقوله: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم إذا عبدوا الأوثان فكأن قد عبدوا الشيطان؛ لأنه هو أمرهم بذلك، وهو دعاهم إلى ذلك، فعلى ذلك ما يجعلون للأوثان ذلك للشيطان لما ذكرنا، لكن لا يعلمون أن ذلك له نصيب.
ويحتمل قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً ﴾ أي: يعلمون أن ليس لها نصيب في ذلك، ولكن يجعلون ذلك لها على علم منهم أن لا نصيب للأوثان في ذلك، وهو كقوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: أتنبئون الله بما يعلم أنه ليس ونحوه، أي: يعلم غير الذي تنبئون، وقد ذكرنا قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ ﴾ على القول، أي: يقولون: وإلا لا يملكون جعل ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ تَفْتَرُونَ ﴾ : تسميتهم الأصنام آلهة، ويحتمل افتراؤهم على الله ما قالوا: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ زعموا [أن ما] فعل آباؤهم [وفعلوا هم] كان بأمر من الله ورضاه؛ حيث تركهم على ذلك، فذلك افتراؤهم.
وقوله: ﴿ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ .
يحتمل السؤال الجزاء؛ أي: تالله لتجزون عما كنتم تفترون، ويحتمل السؤال سؤال حجة، يسألون على ما ادعوا على الله من الأمر الحجة على ذلك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
تالله لقد بعثنا رسلًا إلى أمم من قبلك -أيها الرسول- فحسّن لهم الشيطان أعمالهم القبيحة من الشرك والكفر والمعاصي، فهو نصيرهم المزعوم يوم القيامة فليستنصروه، ولهم يوم القيامة عذاب موجع.
<div class="verse-tafsir" id="91.NJqZw"