الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٦٧ من سورة النحل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 129 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٧ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله شرابا للناس سائغا ، ثنى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة ، من ثمرات النخيل والأعناب ، وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه ؛ ولهذا امتن به عليهم فقال : ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ) دل على إباحته شرعا قبل تحريمه ، ودل على التسوية بين السكر المتخذ من العنب ، والمتخذ من النخل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء ، وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل ، كما جاءت السنة بتفصيل ذلك ، وليس هذا موضع بسط ذلك ، كما قال ابن عباس في قوله : ( سكرا ورزقا حسنا ) قال : السكر : ما حرم من ثمرتيهما ، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما .
وفي رواية : السكر حرامه ، والرزق الحسن حلاله .
يعني : ما يبس منهما من تمر وزبيب ، وما عمل منهما من طلاء - وهو الدبس - وخل ونبيذ ، حلال يشرب قبل أن يشتد ، كما وردت السنة بذلك .
( إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ) ناسب ذكر العقل هاهنا ، فإنه أشرف ما في الإنسان ; ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة ؛ صيانة لعقولها .
قال الله تعالى : ( وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ) [ يس : 34 - 36 ] .
يقول تعالى ذكره: ولكم أيضًا أيها الناس عِبرةٌ فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ، مع ما نسقيكم من بطون الأنعام من اللبن الخارج من بين الفرث والدم.
وحذف من قوله ( وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ ) الاسم، والمعنى ما وصفت، وهو: ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه لدلالة " مِن " عليه، لأن " من " تدخل في الكلام مُبَعِّضة، فاستغني بدلالتها ومعرفة السامعين بما يقتضي من ذكر الاسم معها.
وكان بعض نحويِّي البصرة يقول في معنى الكلام: ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتخذون منه سكرا، ويقول: إنما ذكرت الهاء في قوله ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ ) لأنه أريد بها الشيء، وهو عندنا عائد على المتروك، وهو " ما ".
وقوله ( تَتَّخِذُونَ ) من صفة " ما " المتروكة.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) فقال بعضهم: عني بالسَّكَر: الخمر، وبالرزق الحسن: التمر والزبيب، وقال: إنما نـزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ، ثم حُرّمت بعد.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبيد المحاربيّ، قال: ثنا أيوب بن جابر السُّحَيْمي، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس، قوله ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: السَّكَر: ما حُرِّم من شرابه، والرزق الحسن: ما أحلّ من ثمرته.
حدثنا ابن وكيع وسعيد بن الربيع الرازي، قالا ثنا ابن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: الرزق الحسن: ما أحلّ من ثمرتها، والسكر: ما حرّم من ثمرتها.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا الثوري، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس، بنحوه.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس بنحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، قال: سمعت رجلا يحدّث عن ابن عباس في هذه الآية ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: السكر: ما حُرِّم من ثمرتيهما، والرزق الحسن: ما أحلّ من ثمرتيهما.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس، بنحوه.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا الأسود بن قيس، قال: ثني عمرو بن سفيان، قال: سمعت ابن عباس يقول، وذكرت عنده هذه الآية ( وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: السكر: ما حرّم منهما، والرزق الحسن: ما أحلّ منهما.
حدثني يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان البصري، قال: قال ابن عباس، في قوله ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: فأما الرزق الحسن: فما أحلّ من ثمرتهما، وأما السكر: فما حرّم من ثمرتهما.
حدثني المثنى، قال: أخبرنا الحمَّاني، قال: ثنا شريك، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان البصريّ، عن ابن عباس ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: السَّكَر: حرامه، والرزق الحسن: حلاله.
حدثني المثنى، قال: أخبرنا العباس بن أبي طالب، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس قال: السَّكَر: ما حرّم من ثمرتهما، والرزق الحسن: ما حلّ من ثمرتهما.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الرزق الحسن: الحلال، والسَّكَر: الحرام.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: ما حرم من ثمرتهما، وما أحلّ من ثمرتهما.
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال: السَّكَر خمر، والرزق الحسن الحلال.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مسعر وسفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال: الرزق الحسن: الحلال، والسَّكَر: الحرام.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، بنحوه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في هذه الآية ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: السَّكَر: الحرام، والرزق الحسن: الحلال.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي رزين ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: نـزل هذا وهم يشربون الخمر، فكان هذا قبل أن ينـزل تحريم الخمر.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن المُغيرة، عن إبراهيم والشعبيّ وأبي رزين، قالوا: هي منسوخة في هذه الآية ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا أبو قطن، عن سعيد، عن المغيرة، عن إبراهيم والشعبي، وأبي رزين بمثله.
حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: هي منسوخة نسخها تحريم الخمر.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: ذكر الله نعمته في السكر قبل تحريم الخمر حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن منصور وعوف، عن الحسن، قال السكر: ما حرم الله منه، والرزق: ما أحلّ الله منه.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن الحسن، قال: الرزق الحسن: الحلال، والسَّكَر: الحرام.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك، قال: الرزق الحسن: الحلال، والسَّكَر: الحرام.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي كدينة يحيى بن المهلب، عن ليث، عن مجاهد قال: السَّكر: الخمر، والرزق الحسن، الرُّطب والأعناب.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ) قال: هي الخمر قبل أن تحرّم.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ) قال: الخمر قبل تحريمها، ( وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: طعاما.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) أما السَّكَر: فخمور هذه الأعاجم، وأما الرزق الحسن: فما تنتبذون، وما تُخَلِّلون، وما تأكلون ، ونـزلت هذه الآية ولم تحرّم الخمر يومئذ، وإنما جاء تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة بن سليمان، قال: قرأت على ابن أبي عُذرة، قال: هكذا سمعت قتادة ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) ثم ذكر نحو حديث بشر.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( سَكَرًا ) قال: هي خمور الأعاجم، ونُسِخت في سورة المائدة ، والرزق الحسن قال: ما تنتبذون وتُخَلِّلون وتأكلون.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) وذلك أن الناس كانوا يسمُّون الخمر سكرا، وكانوا يشربونها، قال ابن عباس (9) مرّ رجال بوادي السكران الذي كانت قريش تجتمع فيه، إذا تَلَقَّوا مسافريهم إذا جاءوا من الشام، وانطلقوا معهم يشيعونهم حتى يبلغوا وادي السكران ثم يرجعوا منه، ثم سماها الله بعد ذلك الخمر حين حرمت ، وقد كان ابن عباس يزعم أنها الخمر، وكان يزعم أن الحبشة يسمون الخلّ السَّكَر.
قوله ( وَرِزْقًا حَسَنًا ) يعني بذلك: الحلال التمر والزبيب، وما كان حلالا لا يسكر.
وقال آخرون: السَّكَر بمنـزلة الخمر في التحريم ، وليس بخمر، وقالوا: هو نقيع التمر والزبيب إذا اشتدّ وصار يُسْكِر شاربه.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، في قوله ( وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال ابن عباس: كان هذا قبل أن ينـزل تحريم الخمر والسكر حرام مثل الخمر ؛ وأما الحلال منه، فالزبيب والتمر والخل ونحوه.
حدثني المثنى، وعلي بن داود، قالا ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ) فحرّم الله بعد ذلك، يعني بعد ما أنـزل في سورة البقرة من ذكر الخمر ، والميسر والأنصاب والأزلام، السَّكَر مع تحريم الخمر لأنه منه، قال ( وَرِزْقًا حَسَنًا ) فهو الحلال من الخلّ والنبيذ ، وأشباه ذلك، فأقرّه الله وجعله حلالا للمسلمين.
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن موسى، قال: سألت مرّة عن السَّكَر ، فقال: قال عبد الله: هو خمر.
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي فروة، عن أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: السَّكَر: خمر.
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد ، قال: ثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن إبراهيم، قال: السَّكَر: خمر.
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا حسن بن صالح، عن مغيرة، عن إبراهيم وأبي رزين، قالا السَّكَر: خمر.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ) يعني: ما أسكر من العنب والتمر ( وَرِزْقًا حَسَنًا ) يعني: ثمرتها.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: الحلال ما كان على وجه الحلال حتى غيروها فجعلوا منها سَكَرا.
وقال آخرون: السَّكَر: هو كلّ ما كان حلالا شربه، كالنبيذ الحلال والخلّ والرطَب.
والرزق الحسن: التمر والزبيب.
* ذكر من قال ذلك: حدثني داود الواسطيّ، قال: ثنا أبو أسامة، قال أبو رَوْق: ثني قال: قلت للشعبيّ: أرأيت قوله تعالى ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ) أهو هذا السكر الذي تصنعه النَّبَط؟
قال: لا هذا خمر، إنما السَّكَر الذي قال الله تعالى ذكره: النبيذ والخلّ والرزق الحسن: التمر والزبيب.
حدثني يحيى بن داود، قال: ثنا أبو أسامة، قال: وذكر مجالد، عن عامر، نحوه.
حدثني أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مندل، عن ليث، عن مجاهد ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) قال: ما كانوا يتخذون من النخل النَّبيذ، والرزق الحسن: ما كانوا يصنعون من الزبيب والتمر.
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مندل، عن أبي رَوْق، عن الشعبيّ، قال: قلت له: ما تتخذون منه سَكَرا؟
قال: كانوا يصنعون من النبيذ والخلّ قلت: والرزق الحسن؟
قال: كانوا يصنعون من التمر والزبيب.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة وأحمد بن بشير، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: السَّكَر: النبيذ والرزق الحسن: التمر الذي كان يؤكل ، وعلى هذا التأويل، الآية غير منسوخة، بل حكمها ثابت.
وهذا التأويل عندي هو أولى الأقوال بتأويل هذه الآية، وذلك أن السَّكَر في كلام العرب على أحد أوجه أربعة: أحدها: ما أسكر من الشراب.
والثاني: ما طُعِم من الطعام، كما قال الشاعر: جَعَلْتُ عَيْبَ الأكْرَمِينَ سَكَرَا (10) أي طعما.
والثالث: السُّكُون، من قول الشاعر: جَعَلْتُ عَيْنَ الحَرُورِ تَسْكُرُ (11) وقد بيَّنا ذلك فيما مضى.
والرابع: المصدر من قولهم: سَكَر فلان يَسْكَر سُكْرا وسَكْرا وسَكَرا ، فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما يُسْكِر من الشراب حراما بما قد دللنا عليه في كتابنا المسمى: " لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام " وكان غير جائز لنا أن نقول: هو منسوخ، إذ كان المنسوخ هو ما نفى حكمه الناسخ ، وما لا يجوز اجتماع الحكم به وناسخه، ولم يكن في حكم الله تعالى ذكره بتحريم الخمر دليل على أن السَّكَر الذي هو غير الخمر، وغير ما يسكر من الشراب، حرام ، إذ كان السكر أحد معانيه عند العرب، ومن نـزل بلسانه القرآن هو كلّ ما طعم، ولم يكن مع ذلك، إذ لم يكن في نفس التنـزيل دليل على أنه منسوخ، أو ورد بأنه منسوخ خبر من الرسول، ولا أجمعت عليه الأمة، فوجب القول بما قلنا من أن معنى السَّكَر في هذا الموضع: هو كلّ ما حلّ شربه ، مما يتخذ من ثمر النخل والكرم، وفسد أن يكون معناه الخمر أو ما يسكر من الشراب، وخرج من أن يكون معناه السَّكَر نفسه، إذ كان السَّكَر ليس مما يتخذ من النَّخْل والكَرْم، ومن أن يكون بمعنى السكون.
وقوله ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) يقول: فيما إن وصفنا لكم من نعمنا التي آتيناكم أيها الناس من الأنعام والنخل والكرم، لدلالة واضحة وآية بينة لقوم يعقلون عن الله حججه ، ويفهمون عنه مواعظه ، فيتعظون بها.
------------------------ الهوامش : (9) قوله: قال ابن عباس إلى يرجعوا منه.
كذا في النسخ.
وهو كالمقحم وسط الكلام، وقد أسقطه السيوطي من الدر المنثور حين روى هذا الحديث.
(10) تقدم الكلام على هذا الشاهد في صفحة 13 من هذا الجزء.
وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن (1 : 363 ) عند قوله تعالى: "تتخذون منه سكرا": أي طعما، وهذا له سكر: أي طعم.
وقال جندل "جعلت عيب الأكرمين من سكرا".
قال: وله موضع آخر، مجازه سكنا.
وروايته البيت في اللسان: جَــعَلْتَ أعْــرَاضَ الكَـرامِ سَـكَرَا أي جعلت ذمهم طعما لك.
(11) تقدم الكلام على هذا الشاهد في صفحة؟
من هذا الجزء واستشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (1: 363) بعد الشاهد السابق، وعطفه عليه بقوله: وقال: جــاء الشــتاء واجتــأل القنـبر وجــعلت عيــن الحـرور تسـكر أي يكسن حرها ويخبو.
ويقال: ليلة ساكرة: أي ساكنة.
وقال: تريـــد الليــالي فــي طولهــا وليســـت بطلـــق ولا ســاكرة ويروي: تزيد ليالي في طولها.
أ هـ .
وفي (اللسان: سكر): تزاد.
قوله تعالى : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : ومن ثمرات النخيل قال الطبري : التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون ; فحذف " ما " ودل على حذفه قوله : منه .
وقيل : المحذوف شيء ، والأمر قريب .
وقيل : معنى منه أي من المذكور ، فلا يكون في الكلام حذف وهو أولى .
ويجوز أن يكون قوله : ومن ثمرات عطفا على الأنعام ; أي ولكم من ثمرات النخيل والأعناب عبرة .
ويجوز أن يكون معطوفا على مما أي ونسقيكم أيضا مشروبات من ثمرات .الثانية : قوله تعالى : سكرا السكر ما يسكر ; هذا هو المشهور في اللغة .
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر .
وأراد بالسكر الخمر ، وبالرزق الحسن جميع ما يؤكل ويشرب حلالا من هاتين الشجرتين .
وقال بهذا القول ابن جبير والنخعي والشعبي وأبو ثور .
وقد قيل : إن السكر الخل بلغة الحبشة ، والرزق الحسن الطعام .
وقيل : السكر العصير الحلو الحلال ، وسمي سكرا لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي ، فإذا بلغ الإسكار حرم .
قال ابن العربي : أسد هذه الأقوال قول ابن عباس ، ويخرج ذلك على أحد معنيين ، إما أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر ، وإما أن يكون المعنى : أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه ما حرم الله عليكم اعتداء منكم ، وما أحل لكم اتفاقا أو قصدا إلى منفعة أنفسكم .
[ ص: 116 ] والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر فتكون منسوخة ; فإن هذه الآية مكية باتفاق من العلماء ، وتحريم الخمر مدني .قلت : فعلى أن السكر الخل أو العصير الحلو لا نسخ ، وتكون الآية محكمة وهو حسن .
قال ابن عباس : الحبشة يسمون الخل السكر ، إلا أن الجمهور على أن السكر الخمر ، منهم ابن مسعود وابن عمر وأبو رزين والحسن ومجاهد وابن أبي ليلى والكلبي وغيرهم ممن تقدم ذكرهم ، كلهم قالوا : السكر ما حرمه الله من ثمرتيهما .
وكذا قال أهل اللغة : السكر اسم للخمر وما يسكر ، وأنشدوا :بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم إذا جرى فيهم المزاء والسكروالرزق الحسن : ما أحله الله من ثمرتيهما .
وقيل : إن قوله تتخذون منه سكرا خبر معناه الاستفهام بمعنى الإنكار ، أي أتتخذون منه سكرا وتدعون رزقا حسنا الخل والزبيب والتمر ; كقوله : فهم الخالدون أي أفهم الخالدون .
والله أعلم .
وقال أبو عبيدة : السكر الطعم ; يقال : هذا سكر لك أي طعم .
وأنشد :جعلت عيب الأكرمين سكراأي جعلت ذمهم طعما .
وهذا اختيار الطبري أن السكر ما يطعم من الطعام وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب ، وهو الرزق الحسن ، فاللفظ مختلف والمعنى واحد ; مثل إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وهذا حسن ولا نسخ ، إلا أن الزجاج قال : قول أبي عبيدة هذا لا يعرف ، وأهل التفسير على خلافه ، ولا حجة له في البيت الذي أنشده ; لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس .
وقال الحنفيون : المراد بقوله : سكرا ما لا يسكر من الأنبذة ; والدليل عليه أن الله - سبحانه وتعالى - امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم ، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز ، وعضدوا هذا من السنة بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : حرم الله الخمر بعينها والسكر من غيرها .
وبما رواه عبد الملك بن نافع عن ابن عمر قال : رأيت [ ص: 117 ] رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عند الركن ، ودفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديدا فرده إلى صاحبه ، فقال له حينئذ رجل من القوم : يا رسول الله ، أحرام هو ؟
فقال : علي بالرجل فأتي به فأخذ منه القدح ، ثم دعا بماء فصبه فيه ثم رفعه إلى فيه فقطب ، ثم دعا بماء أيضا فصبه فيه ثم قال : إذا اغتلمت عليكم هذه الأوعية فاكسروا متونها بالماء .
وروي أنه - عليه السلام - كان ينبذ له فيشربه ذلك اليوم ، فإذا كان من اليوم الثاني أو الثالث سقاه الخادم إذا تغير ، ولو كان حراما ما سقاه إياه .
قال الطحاوي : وقد روى أبو عون الثقفي عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال : حرمت الخمر بعينها القليل منها والكثير والسكر من كل شراب ، خرجه الدارقطني أيضا .
ففي هذا الحديث وما كان مثله ، أن غير الخمر لم تحرم عينه كما حرمت الخمر بعينها .
قالوا : والخمر شراب العنب لا خلاف فيها ، ومن حجتهم أيضا ما رواه شريك بن عبد الله ، حدثنا أبو إسحاق الهمداني عن عمرو بن ميمون قال : قال عمر بن الخطاب : إنا نأكل لحوم هذه الإبل وليس يقطعه في بطوننا إلا النبيذ .
قال شريك : ورأيت الثوري يشرب النبيذ في بيت حبر أهل زمانه مالك بن مغول .
والجواب أن قولهم : إن الله - سبحانه وتعالى - امتن على عباده ولا يكون امتنانه إلا بما أحل فصحيح ; بيد أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر كما بيناه فيكون منسوخا كما قدمناه .
قال ابن العربي : إن قيل كيف ينسخ هذا وهو خبر والخبر لا يدخله النسخ ، قلنا : هذا كلام من لم يتحقق الشريعة ، وقد بينا أن الخبر إذا كان عن الوجود الحقيقي أو عن إعطاء ثواب فضلا من الله فهو الذي لا يدخله النسخ ، فأما إذا تضمن الخبر حكما شرعيا فالأحكام تتبدل وتنسخ ، جاءت بخبر أو أمر ، ولا يرجع النسخ إلى نفس اللفظ وإنما يرجع إلى ما تضمنه ، فإذا فهمتم هذا خرجتم عن الصنف الغبي الذي أخبر الله عن الكفار فيه بقوله : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون .
[ ص: 118 ] المعنى أنهم جهلوا أن الرب يأمر بما يشاء ويكلف ما يشاء ، ويرفع من ذلك بعدله ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب .قلت : هذا تشنيع شنيع حتى يلحق فيه العلماء الأخيار في قصور الفهم بالكفار ، والمسألة أصولية ، وهي أن الأخبار عن الأحكام الشرعية هل يجوز نسخها أم لا ؟
اختلف في ذلك ، والصحيح جوازه لهذه الآية وما كان مثلها ، ولأن الخبر عن مشروعية حكم ما يتضمن طلب ذلك المشروع ، وذلك الطلب هو الحكم الشرعي الذي يستدل على نسخه .
والله أعلم .
وأما ما ذكروا من الأحاديث فالأول والثاني ضعيفان ; لأنه - عليه السلام - قد روي عنه بالنقل الثابت أنه قال : كل شراب أسكر فهو حرام وقال : كل مسكر خمر وكل مسكر حرام وقال : ما أسكر كثيره فقليله حرام .
قال النسائي : وهؤلاء أهل الثبت والعدالة مشهورون بصحة النقل ، وعبد الملك لا يقوم مقام واحد منهم ولو عاضده من أشكاله جماعة ، وبالله التوفيق .
وأما الثالث وإن كان صحيحا فإنه ما كان يسقيه للخادم على أنه مسكر ، وإنما كان يسقيه لأنه متغير الرائحة .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يكره أن توجد منه الرائحة ، فلذلك لم يشربه ، ولذلك تحيل عليه أزواجه في عسل زينب بأن قيل له : إنا نجد منك ريح مغافير ، يعني ريحا منكرة ، [ ص: 119 ] فلم يشربه بعد .
وسيأتي في التحريم .
وأما حديث ابن عباس فقد روي عنه خلاف ذلك من رواية عطاء وطاوس ومجاهد أنه قال : ما أسكر كثيره فقليله حرام ، ورواه عنه قيس بن دينار .
وكذلك فتياه في المسكر ; قاله الدارقطني .
والحديث الأول رواه عنه عبد الله بن شداد وقد خالفه الجماعة ، فسقط القول به مع ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وأما ما روي عن عمر من قوله : ليس يقطعه في بطوننا إلا النبيذ ، فإنه يريد غير المسكر بدليل ما ذكرنا .
وقد روى النسائي عن عتبة بن فرقد قال : كان النبيذ الذي شربه عمر بن الخطاب قد خلل .
قال النسائي : ومما يدل على صحة هذا حديث السائب ، قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم : حدثني مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد ، أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال : إني وجدت من فلان ريح شراب ، فزعم أنه شراب الطلاء ، وأنا سائل عما شرب ، فإن كان مسكرا جلدته ، فجلده عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الحد تاما .
وقد قال في خطبته على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما بعد ، أيها الناس فإنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة : من العنب والعسل والتمر والحنطة والشعير .
والخمر ما خامر العقل .
وقد تقدم في المائدة .
فإن قيل : فقد أحل شربه إبراهيم النخعي وأبو جعفر الطحاوي وكان إمام أهل زمانه ، وكان سفيان الثوري يشربه .
قلنا : ذكر النسائي في كتابه أن أول من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي ، وهذه زلة من عالم وقد حذرنا من زلة العالم ، ولا حجة في قول أحد مع السنة .
وذكر النسائي أيضا عن ابن المبارك قال : ما وجدت الرخصة في المسكر عن أحد صحيحا إلا عن إبراهيم .
قال أبو أسامة : ما رأيت رجلا أطلب للعلم من عبد الله بن المبارك الشامات ومصر واليمن والحجاز .
وأما الطحاوي وسفيان لو صح ذلك عنهما لم يحتج بهما على من خالفهما من الأئمة في تحريم المسكر مع ما ثبت من السنة ; على أن الطحاوي قد ذكر في كتابه الكبير في الاختلاف خلاف ذلك .
قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد له : قال [ ص: 120 ] أبو جعفر الطحاوي اتفقت الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد فهو خمر ومستحله كافر .
واختلفوا في نقيع التمر إذا غلى وأسكر .
قال : فهذا يدلك على أن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنب غير معمول به عندهم ; لأنهم لو قبلوا الحديث لأكفروا مستحل نقيع التمر ، فثبت أنه لم يدخل في الخمر المحرمة غير عصير العنب الذي قد اشتد وبلغ أن يسكر .
قال : ثم لا يخلو من أن يكون التحريم معلقا بها فقط غير مقيس عليها غيرها أو يجب القياس عليها ، فوجدناهم جميعا قد قاسوا عليها نقيع التمر إذا غلى وأسكر كثيره وكذلك نقيع الزبيب .
قال : فوجب قياسا على ذلك أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة .
قال : وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : كل مسكر حرام واستغني عن مسنده لقبول الجميع له ، وإنما الخلاف بينهم في تأويله ، فقال بعضهم : أراد به جنس ما يسكر .
وقال بعضهم : أراد به ما يقع السكر عنده كما لا يسمى قاتلا إلا مع وجود القتل .قلت : فهذا يدل على أنه محرم عند الطحاوي لقوله ، فوجب قياسا على ذلك أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة .
وقد روى الدارقطني في سننه عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : إن الله لم يحرم الخمر لاسمها وإنما حرمها لعاقبتها ، فكل شراب يكون عاقبته كعاقبة الخمر فهو حرام كتحريم الخمر .
قال ابن المنذر : وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة ، وإذا اختلف الناس في الشيء وجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله - عليه السلام - ، وما روي عن بعض التابعين أنه شرب الشراب الذي يسكر كثيره فللقوم ذنوب يستغفرون الله منها ، وليس يخلو ذلك من أحد معنيين : إما مخطئ أخطأ في التأويل على حديث سمعه ، أو رجل أتى ذنبا لعله أن يكثر من الاستغفار لله - تعالى - ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حجة الله على الأولين والآخرين من هذه الأمة .
وقد قيل في تأويل الآية : إنها إنما ذكرت للاعتبار ، أي من قدر على خلق هذه الأشياء قادر على [ ص: 121 ] البعث ، وهذا الاعتبار لا يختلف بأن كانت الخمر حلالا أو حراما ، فاتخاذ السكر لا يدل على التحريم ، وهو كما قال - تعالى - : قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس .
والله أعلم .
وجعل تعالى لعباده من ثمرات النخيل والأعناب منافع للعباد، ومصالح من أنواع الرزق الحسن الذي يأكله العباد طريًّا ونضيجا وحاضرا ومدخرا وطعاما وشرابا يتخذ من عصيرها ونبيذها، ومن السكر الذي كان حلالا قبل ذلك، ثم إن الله نسخ حلَّ المسكرات، وأعاض عنها بالطيبات من الأنبذة، وأنواع الأشربة اللذيذة المباحة.
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآية لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } عن الله كمال اقتداره حيث أخرجها من أشجار شبيهة بالحطب، فصارت ثمرة لذيذة وفاكهة طيبة وعلى شمول رحمته حيث عم بها عباده ويسرها لهم وأنه الإله المعبود وحده حيث إنه المنفرد بذلك.
( ومن ثمرات النخيل والأعناب ) يعني : ولكم أيضا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب ، ( تتخذون منه ) والكناية في ( منه ) عائدة إلى " ما " محذوفة أي : ما تتخذون منه ، ( سكرا ورزقا حسنا ) قال قوم : " السكر " : الخمر ، و " الرزق الحسن " : الخل ، والزبيب ، والتمر والرب ، قالوا : وهذا قبل تحريم الخمر .
وإلى هذا ذهب ابن مسعود ، وابن عمر ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، ومجاهد .
وقال الشعبي : " السكر " : ما شربت و " الرزق الحسن " : ما أكلت .
وروى العوفي عن ابن عباس : أن " السكر " هو الخل ، بلغة الحبشة .
وقال بعضهم : " السكر " النبيذ المسكر ، وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد ، والمطبوخ من العصير ، وهو قول الضحاك والنخعي ومن يبيح شرب النبيذ .
ومن حرمه يقول : المراد من الآية : الإخبار لا الإحلال .
وأولى الأقاويل أن قوله : ( تتخذون منه سكرا ) منسوخ ، روي عن ابن عباس قال : " السكر " [ ما حرم ] من ثمرها ، و " الرزق الحسن " : ما أحل .
وقال أبو عبيدة : " السكر " : الطعم ، يقال هذا سكر لك أي : طعم .
( إن في ذلك لآية لقوم يعقلون )
«ومن ثمرات النخيل والأعناب» ثمر «تتخذون منه سكراً» خمراً يسكِر سميت بالمصدر وهذا قبل تحريمها «ورزقاً حسناً» كالتمر والزبيب والخل والدبس «إن في ذلك» المذكور «لآية» دالة على قدرته تعالى «لقوم يعقلون» يتدبرون.
ومِن نِعَمنا عليكم ما تأخذونه من ثمرات النخيل والأعناب، فتجعلونه خمرًا مُسْكِرًا -وهذا قبل تحريمها- وطعامًا طيبًا.
إن فيما ذكر لَدليلا على قدرة الله لِقومٍ يعقلون البراهين فيعتبرون بها.
ثم انتقلت السورة الكريمة الى الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله التى لا تحصى ، وهى نعمة ثمرات النخيل والأعناب ، فقال - تعالى - : ( وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً .
.
.
) .قال الجمل ما ملخصه : قوله - سبحانه - : ( وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب .
.
) خبر مقدم ، ومن تبعيضية ، والمبتدأ محذوف تقديره ثمر ، وقوله ( تتخذون ) نعت لهذا المبتدأ المحذوف ، أى : ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا .ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف ، والتقدير : ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ، أى : من عصيرهما ، وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه ، وقوله ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ) بيان وكشف عن كيفية الإِسقاء .والضمير فى قوله ( منه ) يعود على المضاف المحذوف الذى هو العصير ، أو على المبتدأ المحذوف وهو الثمر .والسكر - بفتح السين والكاف - اسم من أسماء الخمر ، يقال : سكر فلان - بوزن فرح - يسكر سكرا ، إذا غاب عقله وإدراكه فهو سكران وسكر - بفتح السين وكسر الكاف - .وأما الرزق الحسن ، فالمراد به ما كان حلالا من ثمرات النخيل والأعناب كالتمر والزبيب وغير ذلك مما أحله الله - تعالى - من ثمارها .وعلى هذا المعنى سار جمهور العلماء من السلف والخلف .قال الآلوسى ما ملخصه : والسكر : الخمر .
قال الأخطل : .بئس الصُّحاة وبئس الشَّرب شَربُهم ...
إذا جرى فيهم المزَّاءُ والسَّكَروالمزاء : نوع من الأشربة .
والسكر ما يسكر وهو الخمر .وفسروا الرزق الحسن .
بالخل والتمر والزبيب وغير ذلك .ثم قال : وتفسير " السَّكَر " بالخمر ، هو المروى عن ابن مسعود ، وابن عمر ، وابى رزين ، والحسن ، ومجاهد ، والشعبى .
.
والنخعى .
.
مع خلق آخرين .
.
.وعلى هذا التفسير الذى قاله جمهور العلماء يكون السكر غير الرزق الحسن ، ويكون العطف للتغايرومن العلماء من فسر السكر بأنه اسم للخل ، أو للعصير غير المسكر ، أو لما لا يسكر من الأنبذة ، وقد بسط الإِمام القرطبى القول فى هذه المسألة فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - ( سكرا ) السكر ما يسكر ، هذا هو المشهور فى اللغة .
اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول أربعة: الإلهيات والنبوات والمعاد، وإثبات القضاء والقدر، والمقصود الأعظم من هذه الأصول الأربعة تقرير الآلهيات، فلهذا السبب كلما امتد الكلام في فصل من الفصول في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الآلهيات، وقد ذكرنا في أول هذه السورة أنه تعالى لما أراد ذكر دلائل الآلهيات ابتدأ بالأجرام الفلكية، وثنى بالإنسان، وثلث بالحيوان، وربع بالنبات، وخمس بذكر أحوال البحر والأرض، فهاهنا في هذه الآية لما عاد إلى تقرير دلائل الإلهيات بدأ أولاً بذكر الفلكيات فقال: ﴿ والله أَنزَلَ مِنَ السماء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ والمعنى: أنه تعالى خلق السماء على وجه ينزل منه الماء ويصير ذلك الماء سبباً لحياة الأرض، والمراد بحياة الأرض نبات الزرع والشجر والنور والثمر بعد أن كان لا يثمر، وينفع بعد أن كان لا ينفع، وتقرير هذه الدلائل قد ذكرناه مراراً كثيرة.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع.
والنوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآيات الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات وهو قوله: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ قد ذكرنا معنى العبرة في قوله: ﴿ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وحمزة والكسائي: ﴿ نُّسْقِيكُمْ ﴾ بضم النون، والباقون بالفتح، أما من فتح النون فحجته ظاهرة تقول سقيته حتى روى أسقيه قال تعالى: ﴿ وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً ﴾ وقال: ﴿ والذى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ ﴾ وقال: ﴿ وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً ﴾ ومن ضم النون فهو من قولك أسقاه إذا جعل له شراباً كقوله: ﴿ وأسقيناكم مَّاء فُرَاتاً ﴾ وقوله: ﴿ فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ﴾ والمعنى هاهنا أنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسقيا، واختار أبو عبيد الضم قال لأنه شرب دائم، وأكثر ما يقال في هذا المقام أسقيت.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ مما في بطونه ﴾ الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها، وذكر النحويون فيه وجوهاً: الأول: أن لفظ الأنعام لفظ مفرد وضع لإفادة جمع، كالرهط والقوم والبقر والنعم، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد، وهو التذكير، وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع، وهو التأنيث، فلهذا السبب قال هاهنا ﴿ فِي بُطُونِهِ ﴾ ، وقال في سورة المؤمنين: ﴿ فِى بُطُونِهَا ﴾ .
الثاني: قوله: ﴿ فِي بُطُونِهِ ﴾ أي في بطون ما ذكرنا، وهذا جواب الكسائي.
قال المبرد: هذا شائع في القرآن.
قال تعالى: ﴿ فَلَماَّ رَأَى الشمس بازغةً قَالَ هذا رَبّى ﴾ يعني هذا الشيء الطالع ربي.
وقال: ﴿ كَلَّآ إِنَّهُۥ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ﴾ أي ذكر هذا الشيء.
واعلم أن هذا إنما يجوز فيما يكون تأنيثه غير حقيقي، أما الذي يكون تأنيثه حقيقياً، فلا يجوز، فإنه لا يجوز في مستقيم الكلام أن يقال جاريتك ذهب، ولا غلامك ذهب على تقدير أن نحمله على النسمة.
الثالث: أن فيه إضماراً، والتقدير: نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ ليس كلها ذات لبن.
المسألة الثالثة: الفرث: سرجين الكرش.
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثاً وأعلاه دماً وأوسطه لبناً، فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو، فذاك هو قوله تعالى: ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا ﴾ لا يشوبه الدم ولا الفرث.
ولقائل أن يقول: الدم واللبن لا يتولدان ألبتة في الكرش، والدليل عليه الحس فإن هذه الحيوانات تذبح ذبحاً متوالياً، وما رأى أحد في كرشها لا دماً ولا لبناً، ولو كان تولد الدم واللبن في الكرش لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال، والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه، بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنساناً، وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها، فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء، ثم ذلك الذي يحصل منه في الكبد ينطبخ فيها ويصير دماً، وذلك هو الهضم الثاني، ويكون ذلك الدم مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية، أما الصفراء فتذهب إلى المرارة، والسوداء إلى الطحال، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة، وهي العروق النابتة من الكبد، وهناك يحصل الهضم الثالث، وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع، والضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض من صورة الدم إلى صورة اللبن فهذا هو القول الصحيح في كيفية تولد اللبن.
فإن قيل: فهذه المعاني حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن؟
قلنا: الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته، فمزاج الذكر من كل حيوان يجب أن يكون حاراً يابساً، ومزاج الأنثى يجب أن يكون بارداً رطباً، والحكمة فيه أن الولد إنما يتكون في داخل بدن الأنثى، فوجب أن تكون الأنثى مختصة بمزيد الرطوبات لوجهين: الأول: أن الولد إنما يتولد من الرطوبات، فوجب أن يحصل في بدن الأنثى رطوبات كثيرة لتصير مادة لتولد الولد.
والثاني: أن الولد إذا كبر وجب أن يكون بدن الأم قابلاً للتمدد حتى يتسع لذلك الولد، فإذا كانت الرطوبات غالبة على بدن الأم كان بدنها قابلاً للتمدد، فيتسع للولد، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى خص بدن الأنثى من كل حيوان بمزيد الرطوبات لهذه الحكمة، ثم إن الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في رحم الأم، فعند انفصال الجنين تنصب إلى الثدي والضرع ليصير مادة لغذاء ذلك الطفل الصغير.
إذا عرفت هذا فاعلم أن السبب الذي لأجله يتولد اللبن من الدم في حق الأنثى غير حاصل في حق الذكر فظهر الفرق.
إذا عرفت هذا التصوير فنقول: المفسرون قالوا: المراد من قوله: ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾ هو أن هذه الثلاثة تتولد في موضع واحد، فالفرث يكون في أسفل الكرش، والدم يكون في أعلاه، واللبن يكون في الوسط، وقد دللنا على أن هذا القول على خلاف الحس والتجربة، ولأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم وذلك باطل قطعاً.
وأما نحن فنقول: المراد من الآية هو أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم، والدم إنما يتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهو الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش، وهذا اللبن متولد من الأجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولاً، ثم كانت حاصلة فيما بين الدم ثانياً، فصفاه الله تعالى عن تلك الأجزاء الكثيفة الغليظة، وخلق فيها الصفات التي باعتبارها صارت لبناً موافقاً لبدن الطفل، فهذا ما حصلناه في هذا المقام، والله أعلم.
المسألة الرابعة: اعلم أن حدوث اللبن في الثدي واتصافه بالصفات التي باعتبارها يكون موافقاً لتغذية الصبي مشتمل على حكم عجيبة وأسرار بديعة، يشهد صريح العقل بأنها لا تحصل إلا بتدبير الفاعل الحكيم والمدبر الرحيم، وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثقل الغذاء، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنقذ انطباقاً كلياً لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول والمشروب إلى أن يكمل انهضامه في المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد ويبقى الثقل هناك، فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ ويترك منه ذلك الثقل، وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا بتدبير الفاعل الحكيم، لأنه متى كانت الحاجة إلى بقاء الغذاء في المعدة حاصلة انطبق ذلك المنفذ، وإذا حصلت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم عن المعدة انفتح، فحصول الانطباق تارة والانفتاح أخرى، بحسب الحاجة وتقدير المنفعة، مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم.
الثاني: أنه تعالى أودع في الكبد قوة تجذب الأجزاء اللطيفة الحاصلة في ذلك المأكول أو المشروب، ولا تجذب الأجزاء الكثيفة، وخلق في الأمعاء قوة تجذب تلك الأجزاء الكثيفة التي هي الثقل، ولا تجذب الأجزاء اللطيفة ألبتة.
ولو كان الأمر بالعكس لاختلفت مصلحة البدن ولفسد نظام هذا التركيب.
الثالث: أنه تعالى أودع في الكبد قوة هاضمة طابخة، حتى أن تلك الأجزاء اللطيفة تنطبخ في الكبد وتنقلب دماً، ثم إنه تعالى أودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء، وفي الطحال قوة جاذبة للسوداء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية، حتى يبقى الدم الصافي الموافق لتغذية البدن.
وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بتلك القوة والخاصية لا يمكن إلا بتقدير الحكيم العليم.
الرابع: أن في الوقت الذي يكون الجنين في رحم الأم ينصب من ذلك الدم نصيب وافر إليه حتى يصير مادة لنمو أعضاء ذلك الولد وازدياده، فإذا انفصل ذلك الجنين عن الرحم ينصب ذلك النصيب إلى جانب الثدي ليتولد منه اللبن الذي يكون غذاء له، فإذا كبر الولد لم ينصب ذلك النصيب لا إلى الرحم ولا إلى الثدي، بل ينصب على مجموع بدن المتغذي، فانصباب ذلك الدم في كل وقت إلى عضو آخر انصباباً موافقاً للمصلحة والحكمة لا يتأتى إلا بتدبير الفاعل المختار الحكيم.
والخامس: أن عند تولد اللبن في الضرع أحدث تعالى في حلمة الثدي ثقوباً صغيرة ومسام ضيقة، وجعلها بحيث إذا اتصل المص أو الحلب بتلك الحلمة انفصل اللبن عنها في تلك المسام الضيقة، ولما كانت تلك المسام ضيقة جداً، فحينئذ لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصفاء واللطافة، وأما الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيقة فتبقى في الداخل، والحكمة في إحداث تلك الثقوب الصغيرة، والمنافذ الضيقة في رأس حلمة الثدي أن يكون ذلك كالمصفاة، فكل ما كان لطيفاً خرج، وكل ما كان كثيفاً احتبس في الداخل ولم يخرج، فبهذا الطريق يصير ذلك اللبن خالصاً موافقاً لبدن الصبي سائغاً للشاربين.
السادس: أنه تعالى ألهم ذلك الصبي إلى المص، فإن الأم كلما ألقمت حلمة الثدي في فم الصبي فذلك الصبي في الحال يأخذ في المص، فلولا أن الفاعل المختار الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص، وإلا لم يحصل الانتفاع بتخليق ذلك اللبن في الثدي.
السابع: أنا بينا أنه تعالى إنما خلق اللبن من فضلة الدم، وإنما خلق الدم من الغذاء الذي يتناوله الحيوان فالشاة لما تناولت العشب والماء فالله تعالى خلق الدم من لطيف تلك الأجزاء، ثم خلق اللبن من بعض أجزاء ذلك الدم، ثم إن اللبن حصلت فيه أجزاء ثلاثة على طبائع متضادة، فما فيه من الدهن يكون حاراً رطباً، وما فيه من المائية يكون بارداً رطباً، وما فيه من الجبنية يكون بارداً يابساً، وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في ذلك العشب الذي تناولته الشاة، فظهر بهذا أن هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة، مع أنه لا يناسب بعضها بعضاً ولا يشاكل بعضها بعضاً، وعند ذلك يظهر أن هذه الأحوال إنما تحدث بتدبير فاعل حكيم رحيم يدبر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العباد، فسبحان من تشهد جميع ذرات العالم الأعلى والأسفل بكمال قدرته ونهاية حكمته ورحمته، له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.
أما قوله: ﴿ سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾ فمعناه: جارياً في حلوقهم لذيذاً هنيئاً.
يقال: ساغ الشراب في الحلق وأساغه صاحبه، ومنه قوله: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ .
المسألة الخامسة: قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار سبحانه، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض، فخالق العالم دبر تدبيراً، فقلب ذلك الطين نباتاً وعشباً، ثم إذا أكله الحيوان دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك العشب دماً، ثم دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك الدم لبناً، ثم دبر تدبيراً آخر فحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن، فهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة، ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك، فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض منافع الحيوانات في الآية المتقدمة، ذكر في هذه الآية بعض منافع النبات، وفيه مسائل: المسألة الأولى: فإن قيل: بم تعلق قوله: ﴿ وَمِن ثمرات النخيل والأعناب ﴾ .
قلنا: بمحذوف تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه.
وقوله: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ﴾ بيان وكشف عن كنه الإسقاء.
المسألة الثانية: قال الواحدي: ﴿ الأعناب ﴾ عطف على الثمرات لا على النخيل، لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب، والعنب نفسه ثمرة وليست له ثمرة أخرى.
المسألة الثالثة: في تفسير السكر وجوه: الأول: السكر الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو: رشد رشداً ورشداً، وأما الرزق الحسن فسائر ما يتخذ من النخيل والأعناب كالرب والخل والدبس والتمر والزبيب.
فإن قيل: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله في معرض الإنعام؟
أجابوا عنه من وجهين: الأول: أن هذه السورة مكية، وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة، فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة.
الثاني: أنه لا حاجة إلى التزام هذا النسخ، وذلك لأنه تعالى ذكر ما في هذه الأشياء من المنافع، وخاطب المشركين بها، والخمر من أشربتهم فهي منفعة في حقهم، ثم إنه تعالى نبه في هذه الآية أيضاً على تحريمها، وذلك لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب أن لا يكون السكر رزقاً حسناً، ولا شك أنه حسن بحسب الشهوة، فوجب أن يقال الرجوع عن كونه حسناً بحسب الشريعة، وهذا إنما يكون كذلك إذا كانت محرمة.
القول الثاني: أن السكر هو النبيذ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ثم يترك حتى يشتد، وهو حلال عند أبي حنيفة رحمه الله إلى حد السكر، ويحتج بأن هذه الآية تدل على أن السكر حلال لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام والمنة، ودل الحديث على أن الخمر حرام قال عليه السلام: «الخمر حرام لعينها» وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئاً غير الخمر، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ.
والقول الثالث: أن السكر هو الطعام قاله أبو عبيدة: واحتج عليه بقول الشاعر: جعلت أعراض الكرام سكراً *** أي جعلت ذمهم طعاماً لك، قال الزجاج: هذا بالخمر أشبه منه بالطعام، والمعنى أنك جعلت تتخمر بأعراض الكرام، والمعنى: أنه جعل شغفه بغيبة الناس وتمزيق أعراضهم جارياً مجرى شرب الخمر.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه التي هي دلائل من وجه، وتعديد للنعم العظيمة من وجه آخر، قال: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ والمعنى: أن من كان عاقلاً، علم بالضرورة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى، فيحتج بحصولها على وجود الإله القادر الحكيم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: بم تعلق قوله ﴿ وَمِن ثمرات النخيل والأعناب ﴾ ؟
قلت: بمحذوف تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أي: من عصيرها وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه، وقوله: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ﴾ بيان وكشف عن كنه الإسقاء.
أو يتعلق بتتخذون، ومنه من تكرير الظرف للتوكيد، كقولك: زيد في الدار فيها، ويجوز أن يكون ﴿ تَتَّخِذُونَ ﴾ صفة موصوف محذوف، كقوله: جادت بِكَفّى كَانَ مِنْ أَرْمَى الْبَشَرْ تقديره: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً؛ لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر.
فإن قلت: فالإم يرجع الضمير في منه إذا جعلته ظرفاً مكرّراً؟
قلت: إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير كما رجع في قوله تعالى ﴿ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ [الأعراف: 4] إلى الأهل المحذوف، والسكر: الخمر، سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً.
نحو رشد رشداً ورشداً.
قال: وَجَاؤُنَا بهِمْ سَكَرٌ عَلَيْنَا ** فَأَجْلَى اليَوْمُ والسَّكْرَانُ صَاحِى وفيه وجهان: أحدهما أن تكون منسوخة.
وممن قال بنسخها: الشعبي والنخعي.
والثاني: أن يجمع بين العتاب والمنة.
وقيل: السكر النبيذ.
وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتدّ، وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حدّ السكر ويحتج بهذه الآية وبقوله صلى الله عليه وسلم: «الخمر حرام لعينها والسكر من كل شراب» وبأخبار جمة.
ولقد صنف شيخنا أبو علي الجبائي قدّس الله روحه غير كتاب في تحليل النبيذ، فلما شيخ وأخذت منه السنّ العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوى به، فأبى.
فقيل له: فقد صنفت في تحليله، فقال: تناولته الدعارة فسمج في المروءة.
وقيل: السكر الطُعم وأنشد: جَعَلْتُ أَعْرَاضَ الكِرَامِ سَكَرَاً أي تنقلت بأعراضهم.
وقيل هو من الخمر، وإنه إذا ابترك في أعراض الناس، فكأنه تخمر بها.
والرزق الحسن: الخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك.
ويجوز أن يجعل السكر رزقاً حسناً، كأنه قيل: تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ ونُسْقِيكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ أيْ مِن عَصِيرِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ الإسْقاءِ أوْ بِـ ﴿ تَتَّخِذُونَ ﴾ ، ومِنهُ تَكْرِيرٌ لِلظَّرْفِ تَأْكِيدًا أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ صِفَتُهُ ﴿ تَتَّخِذُونَ ﴾ ، أيْ ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ثَمَرٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِأنَّهُ لِلْمُضافِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو العَصِيرُ، أوْ لِأنَّ الـ ﴿ ثَمَراتِ ﴾ بِمَعْنى الثَّمَرِ والـ (سَكَرَ) مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الخَمْرُ.
﴿ وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾ كالتَّمْرِ والزَّبِيبِ والدِّبْسِ والخَلِّ، والآيَةُ إنْ كانَتْ سابِقَةً عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ فَدالَّةٌ عَلى كَراهَتِها وإلّا فَجامِعَةٌ بَيْنَ العِتابِ والمِنَّةِ.
وقِيلَ السَّكَرُ النَّبِيذُ وقِيلَ الطَّعْمُ قالَ: جَعَلْتُ أعْراضَ الكِرامِ سَكَرًا أيْ تَنَقَّلْتُ بِأعْراضِهِمْ.
وقِيلَ ما يَسُدُّ الجُوعَ مِنَ السَّكَرِ فَيَكُونُ الرِّزْقُ ما يَحْصُلُ مِن أثْمانِهِ.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ في الآياتِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمِن ثمرات النخيل والأعناب} بمحذوف تقديره ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه وقوله {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} بيان وكشف عن كنه الإسقاء أو تتخذون ومنه من تكرير الظرف للتوكيد والضمير في منه يرجع إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير والسكر الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو رشد رشداً ورشداً ثم فيه وجهان أحدهما أن الآية سابقة على تحريم الخمر فتكون منسوخة وثانيهما أن يجمع بين العتاب والمنة وقيل السكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ثم يترك حتى يشتد وهو حلال عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إلى حد السكر ويحتجان بهذه الآية وبقوله عليه السلام الخمر حرام لعينها والسكر من كل شراب وبأخبار جمة {وَرِزْقًا حَسَنًا} هو الخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك {إِنَّ فِى ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يعقلون}
﴿ ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ونُسْقِيكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ أيْ مِن عَصِيرِهِما، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ( نُسْقِيكم ) قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا ﴾ بَيانٌ وكَشْفٌ عَنْ كُنْهِ الإسْقاءِ أوْ- بِتَتَّخِذُونَ- (ومِنهُ) مِن تَكْرِيرِ الظَّرْفِ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِكَ زَيْدٌ في الدّارِ فِيها أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ صِفَتُهُ ( تَتَّخِذُونَ ) أيْ ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ثَمَرٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ وضَمِيرُ ( مِنهُ ) عائِدٌ إمّا عَلى المُضافِ المُقَدَّرِ أوْ عَلى الثَّمَراتِ المُؤَوَّلَةِ بِالثَّمَرِ لِأنَّهُ جَمْعٌ مُعَرَّفٌ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، وفائِدَةُ الصِّيغَةِ الإشارَةُ إلى تَعْدادِ الأنْواعِ أوْ عَلى ثَمَرٍ المُقَدَّرِ، و«السَّكَرُ» الخَمْرُ قالَ الأخْطَلُ: بِئْسَ الصُّحاةُ وبِئْسَ الشُّرْبُ شُرْبَهم إذا جَرى فِيهِمُ المُزّاءُ والسُّكَّرُ وهُوَ في الأصْلِ مَصْدَرُ سَكِرَ سُكْرًا وسَكَرًا نَحْوَ رَشِدَ رُشْدًا ورَشَدًا.
واسْتُشْهِدَ لَهُ بِقَوْلِهِ: وجاؤُونا بِهِمْ سُكْرٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَأجْلى اليَوْمَ والسَّكْرانُ صاحِي وفَسَّرُوا الرِّزْقَ الحَسَنَ بِالخَلِّ والرَّبِّ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ وقَدْ ذَكَرَ في تَوْجِيهِ إعْرابِها ما ذَكَرْناهُ، وقُدِّمَ الوَجْهُ الأوَّلُ مِن أوْجُهِهِ الثَّلاثَةِ وهو ظاهِرٌ في تَرْجِيحِهِ وصَرَّحَ بِهِ الطَّيِّبِيُّ وبَيَّنَهُ بِما بَيَّنَهُ، وأخَّرَ الثّالِثَ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ دُونَ أخَوَيْهِ.
وفي الكَشْفِ بَعْدَ نَقْلِ كَلامِهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ فِيهِ إضْمارُ العَصِيرِ وأنَّهُ لا يَصْلُحُ عَطْفًا في الظّاهِرِ عَلى السّابِقِ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ بَيانًا لِلْعِبْرَةِ في الأنْعامِ، وفِيهِ أنَّ ( تَتَّخِذُونَ ) لا يُصْلِحُ كَشْفًا عَنْ كُنْهِ الإسْقاءِ كَيْفَ وقَدْ فُسِّرَ الرِّزْقُ الحَسَنُ بِالتَّمْرِ والزَّبِيبِ أيْضًا وأيُّ مَدْخَلٍ لِلْعَصِيرِ وأيْنَ هَذا البَيانُ مِنَ البَيانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( نُسْقِيكم ) لِيُجْعَلَ مُدْرِكًا لِتَرْجِيحِهِ فَهَذا وجْهٌ مَرْجُوحٌ مُؤَوَّلٌ بِأنَّهُ عُطِفَ عَلى مَجْمُوعِ السّابِقِ، وأُوثِرَ الفِعْلِيَّةُ لِمَكانِ قُرْبِهِ مِن ( نُسْقِيكم ) وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ﴾ تَمَّ البَيانُ عِنْدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِفائِدَةٍ زائِدَةٍ، وأظْهَرُ الأوْجُهِ ما ذُكِرَ آخِرًا أيْ ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ثَمَرٌ تَتَّخِدُونَ لِيَكُونَ عَطْفًا لِلِاسْمِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً ﴾ ولَمّا لَمْ يَكُنِ العِبْرَةُ فِيهِ كالأوَّلِ اكْتُفِيَ بِكَوْنِهِ عَطْفًا عَلى ما هو عِبْرَةٌ ولَمْ يُصَرِّحْ، وأُفِيدَ بِالتَّبْعِيضِ أنَّ مِن ثَمَراتِها ما يُؤْكَلُ قَبْلَ الإدْراكِ وما يَتْلَفُ ويَأْكُلُ الوُحُوشُ وغَيْرُ ذَلِكَ اه، وما ذَكَرَهُ في التَّأْوِيلِ مِن بَيانِ البَيانِ عِنْدَ ﴿ سَكَرًا ﴾ مُحَوِّجٌ إلى جَعْلِ ( رِزْقًا ) مَعْمُولًا لِعامِلٍ آخَرَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُنْكِرُهُ، وما ذَكَرَهُ مِنَ الوَجْهِ الأظْهَرِ ذَكَرَهُ الحَوْفِيُّ كَصاحِبِهِ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ فِيهِ حَذْفَ المَوْصُوفِ بِالجُمْلَةِ لِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ المَوْصُوفُ بَعْضًا مِن مَجْرُورٍ مِن أوْ في المُقَدَّمِ عَلَيْهِ مُطَّرِدٌ نَحْوُ مِنّا أقامَ ومِنّا ظَعْنٌ أرادَ فَرِيقٌ، وقَدْ يَحْذِفُ مَوْصُوفًا بِالجُمْلَةِ في غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِ الرّاجِزِ: ما لَكَ عِنْدِي غَيْرُ سَهْمٍ وحَجَرْ وغَيْرُ كَبْداءِ شَدِيدِ الوَتَرْ ∗∗∗ جادَتْ بِكَفِّي كانَ مِن أرَمى البَشَرْ أرادَ رَجُلٌ نَعَمْ قالَ الطَّبَرِيُّ: التَّقْدِيرُ ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ مِنهُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ وكَأنَّهُ اعْتَبَرَ ما مَوْصُولَةً، وحَذْفُ المَوْصُولَ مَعَ إبْقاءِ الصِّلَةِ لا يَجُوزُ عَنْهُمْ، ولَعَلَّهم يُفَرِّقُونَ بَيْنَ المَوْصُولِ والمَوْصُوفِ فِيما ذُكِرَ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ كَمالٍ في بَعْضِ رَسائِلِهِ: لا وجَعَ لِما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ يُغْنِي بِهِ تَعْلِيقُ الجارِّ- بِنُسْقِيكُمْ- مَحْذُوفًا وتَقْدِيرُ العَصِيرِ مُضافًا لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَتَناوَلُ المَأْكُولَ وهو أعْظَمُ صِنْفَيْ ثَمَراتِهِما يَعْنِي النَّخِيلَ والأعْنابَ والمَقامُ مَقامُ الِامْتِنانِ ومُقْتَضاهُ اسْتِيعابُ الصِّنْفَيْنِ ثُمَّ قالَ: والعَجَبُ مِنهُ ومِمَّنِ اتَّبَعَهُ كالبَيْضاوِيِّ كَيْفَ اتَّفَقُوا عَلى تَفْسِيرِ الرِّزْقِ الحَسَنِ بِما يَنْتَظِمُ التَّمْرُ والزَّبِيبُ ومَعَ ذَلِكَ يَقُولُونَ: إنَّ المَعْنى ومِن عَصِيرِهِما تَتَّخِذُونَ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا فَإنَّهُ لا انْتِظامَ بَيْنَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ فالوَجْهُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ- بِتَتَّخِذُونَ- ويَكُونُ مِنهُ تَكْرِيرُ الظَّرْفِ لِلتَّأْكِيدِ اه.
وهو الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ وقَدْ سَبَقَتِ الإشارَةُ إلى الِاعْتِراضِ بِما تُعُجِّبَ مِنهُ مَعَ الجَوابِ بِما فِيهِ بَعْدُ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ جَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِما في الإسْقاءِ مِن مَعْنى الإطْعامِ أيْ نُطْعِمُكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ لِيَنْتَظِمَ المَأْكُولُ مِنهُما والمَشْرُوبُ المُتَّخَذُ مِن عَصِيرِهِما.
وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَقْدِيرَ العَصِيرِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ عِنْدَ مَن يَراهُ لازِمٌ، وتَقْدِيرُهُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي جائِزٌ عِنْدَ ذاكَ أيْضًا ولا يَجُوزُ عِنْدَ المُعْتَرِضِ.
واخْتارَ أبُو البَقاءِ تَعْلِيقَهُ بِخَلَقَ لَكم أوْ جَعَلَ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الأنْعامِ عَلى مَعْنى ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ عِبْرَةٌ (وتَتَّخِذُونَ) بَيانٌ لَها وهو غَيْرُ الوَجْهِ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ وكانَ الظّاهِرُ- فِي- بَدَلَ مِن وضَمِيرُ ( مِنهُ ) لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ ما سَمِعْتَ كَما لا يَخْفى عَلَيْكَ بَعْدَ أنْ أحَطْتَ خَبَرًا بِما قِيلَ في ضَمِيرِ ﴿ بُطُونِهِ ﴾ وتَفْسِيرُ «السَّكَرِ» بِالخَمْرِ هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ وأبِي رَزِينٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ والنَّخْعِيِّ وابْنِ أبِي لَيْلى وأبِي ثَوْرٍ والكَلْبِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ مَعَ خَلْقٍ آخَرِينَ، والآيَةُ نَزَلَتْ في مَكَّةَ والخَمْرُ إذْ ذاكَ كانَتْ حَلالًا يَشْرَبُها البَرُّ والفاجِرُ وتَحْرِيمُها إنَّما كانَ بِالمَدِينَةِ اتِّفاقًا واخْتَلَفُوا في أنَّهُ قَبْلَ أُحُدٍ أوْ بَعْدَها والآيَةُ المُحَرِّمَةُ لَها ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ فَما هُنا مَنسُوخٌ بِها، ورَوى ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ كالنَّخْعِيِّ وأبِي ثَوْرٍ وابْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ قَبْلَ ولا نَسْخَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ «السَّكَرَ» هو الخَلُّ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ أوْ عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ «السَّكَرَ» المَطْعُومُ المُتَفَكَّهِ بِهِ كالنَّقْلِ وأنْشَدَهُ: جَعَلَتْ أعْراضَ الكِرامِ سَكَرا وتُعِقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ السَّكَرِ في ذَلِكَ بِمَعْنى الخَمْرِ أشْبَهُ مِنهُ بِالطَّعامِ، والمَعْنى أنَّهُ لِشَغَفِهِ بِالغِيبَةِ وتَمْزِيقِ الأعْراضِ جَرى ذَلِكَ عِنْدَهُ مَجْرى الخَمْرِ المُسْكِرَةِ، وكَأنَّهُ لِهَذا قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَ أبِي عُبَيْدَةَ لا يَصِحُّ، وفِيهِ أنَّ المَعْرُوفَ في الغِيبَةِ جَعْلُها نَقْلًا ولِذا قِيلَ: الغَيِبَةُ فاكِهَةُ القُرّاءِ، وإلى عَدَمِ النَّسْخِ ذَهَبَ الحَنَفِيُّونَ وقالُوا: المُرادُ بِالسَّكَرِ ما لا يُسْكِرُ مِنَ الأنْبِذَةِ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى امْتَنَّ عَلى عِبادِهِ بِما خَلَقَ لَهم مِن ذَلِكَ ولا يَقَعُ الِامْتِنانُ إلّا بِمُحَلِّلٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى جَوازِ شُرْبِ ما دُونُ المُسْكِرِ مِنَ النَّبِيذِ فَإذا انْتَهى إلى السَّكَرِ لَمْ يَجُزْ وعَضَّدُوا هَذا مِنَ السُّنَّةِ بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: ««حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى الخَمْرَ بِعَيْنِها القَلِيلَ مِنها والكَثِيرَ والسُّكْرَ مِن كُلِّ شَرابٍ»» أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، وإلى حَلِّ شُرْبِ النَّبِيذِ ما لَمْ يَصِلْ إلى الإسْكارِ ذَهَبَ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ: وأبُو جَعْفَرٍ الطَّحاوِيُّ وكانَ إمامَ أهْلِ زَمانِهِ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وهو مَن تَعْلَمُ وكانَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ يَشْرَبُهُ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ والبَيْضاوِيُّ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ «السُّكْرَ» بِالخَمْرِ تَرَدَّدَ في أمْرِ نُزُولِها فَقالَ: إلّا أنَّ الآيَةَ إنْ كانَتْ سابِقَةً عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ فَدالَّةٌ عَلى كَراهِيَتِها وإلّا فَجامِعَةٌ بَيْنَ العِتابِ والمِنَّةِ، ووَجْهُ دَلالَتِها عَلى الكَراهِيَةِ بِأنَّ الخَمْرَ وقَعَتْ في مُقابَلَةِ الحَسَنِ وهو مُقْتَضًى لِقُبْحِها والقَبِيحُ لا يَخْلُو عَنِ الكَراهَةِ وإنْ خَلا عَنِ الحُرْمَةِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ تَرَدُّدَهُ هُنا في سَبْقِها عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ يُنافِي ما في سُورَةِ البَقَرَةِ حَيْثُ ساقَ الكَلامَ عَلى القَطْعِ أنَّهُ جَزَمَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثُ آياتٍ مِن آخِرِها.
وفِي الكَشّافِ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ «السَّكَرَ» أيْضًا بِما ذَكَرَ قالَ: وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ مَنسُوخَةً، والثّانِي أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ العِتابِ والمِنَّةِ، ونَقَلَ صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ القَوْلَ بِكَوْنِها مَنسُوخَةً أوْلى الأقاوِيلِ، ثُمَّ قالَ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى قُبْحٍ تَناوُلِها تَعْرِيضًا مِن تَقْيِيدِ المُقابِلِ بِالحَسَنِ، وهَذا وجْهُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ العِتابِ والمِنَّةِ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ رَمْزًا إلى أنَّ السُّكْرَ وإنْ كانَ مُباحًا فَهو مِمّا يَحْسُنُ اجْتِنابُهُ اه.
واسْتَدَلَّ ابْنُ كَمالٍ عَلى نُزُولِها قَبْلَ التَّحْرِيمِ أنَّ المَقامَ لا يَحْتَمِلُ العِتابَ فَإنَّ مَساقَ الكَلامِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُهُ ولِحاقُهُ في تَعْدادِ النِّعَمِ العِظامِ، وذَكَرَ أنَّ كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ ومَن تَبِعَهُ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ هَذا، ولَعَلَّ عَدَمَ وصْفِ «السَّكَرِ» بِما وُصِفَ بِهِ ما بَعْدَهُ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ سَيَكُونُ رِجْسًا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يُجْعَلَ السَّكَرُ رِزْقًا حَسَنًا كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَّخِذُونَ مِنهُ ما هو مُسْكِرٌ ورِزْقٌ حَسَنٌ أيْ عَلى أنَّ العَطْفَ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ ظاهِرُهُ المُغايِرَةُ.
هَذا ولَمّا كانَ اللَّبَنُ نِعْمَةً عَظِيمَةً لا دَخْلَ لِفِعْلِ الخَلْقِ فِيهِ أضافَهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُسْقِيكُمْ ﴾ بِخِلافِ اتِّخاذِ السَّكَّرِ وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في البَحْرِ فَتَأمَّلْ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ باهِرَةً ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ بِالآياتِ فالفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، قالَ أبُو حَيّانَ: ولَمّا كانَ مُفْتَتَحُ الكَلامِ ﴿ وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً ﴾ ناسَبَ الخَتْمَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:- يَعْقِلُونَ- لِأنَّهُ لا يَعْتَبِرُ إلّا ذَوُو العُقُولِ.
وأنا أقُولُ: إذا كانَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى الحَطِّ مِن أمْرِ السُّكْرِ فَفي الخَتْمِ المَذْكُورِ تَقْوِيَةٌ لِذَلِكَ ولَهُ في النُّفُوسِ مَوْقِعٌ وأيُّ مَوْقِعٍ حَيْثُ إنَّ العَقارَ كَما قِيلَ لِلْعُقُولِ عِقالٌ: إذا دارَها بِالأكُفِّ السُّقاةُ ∗∗∗ لِخِطابِها أمْهَرُوها العَقُولا فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء أي: المطر فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي: بعد يبسها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: علامة لوحدانيته، وعلموا أن معبودهم لا يستطيع شيئاً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أي: يطيعون ويصدقون ويعتبرون ويبصرون.
قوله عز وجل: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: نُسْقِيكُمْ بنصب النون، وقرأ الباقون: بضم النون، ومعناهما واحد.
يقال: سقيته وأسقيته بمعنى واحد مِمَّا فِي بُطُونِهِ ولم يقل مما في بطونها، والأنعام جماعة مؤنثة، وفي هذا قولان: إن شئت رددت إلى واحد من الأنعام، وواحدها نعم، والنعم تذكر، وتؤنث، كقوله: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ [البقرة: 74] أي: من الحجر.
وإن شئت قلت على تأويل آخر نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ أي: بطون ما ذكرنا، وهذا مثل قوله: جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ إلى آخره [الأنعام: 141] وقال: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى آخره [المائدة: 90] ولم يقل فاجتنبوها، أي: فاجتنبوا ما ذكرنا.
ثم قال تعالى: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ يعني: يخرج اللبن من بين الفرث والدم.
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: «إن الدابة تأكل العلف، فإذا استقر في كرشها، طحنه الكبد فكان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما، والكبد مسلط على هذه الأصناف الثلاثة.
فيقسم الدم فيجري في العروق، ويجري اللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو في الكرش» .
وقال بعضهم: إذا استقر العلف في الكرش، صار دماً بحرارة الكبد، ثم ينصرف الدم في العروق، فمقدار ما ينتهي إلى الضرع صار لبناً لبرودة الضرع، بدليل أنَّ الضرع إذا كانت فيه آفة، يخرج منه الدم مكان اللبن.
لَبَناً خالِصاً صار اللبن نصباً على معنى التفسير سائِغاً لِلشَّارِبِينَ أي: سهلاً في الشرب لا يغص به شاربه.
ويقال: ليشتهي شاربه.
ثم قال تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً أي: من الثمرات سكرا.
ويقال: مِنْهُ كناية عن الأول وهو قوله وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ من ذلك سَكَراً والسكر: هو نقيع التمر إذا غلى واشتد قبل أن يطبخ.
ويقال: يعني: خمراً.
قال ابن عباس: «نزلت هذه الآية وهي يومئذ لهم حلال» ، وهكذا قال الحسن والقتبي: إن هذه الآية نزلت في الخمر وَرِزْقاً حَسَناً يعني: الخل والزبيب والرُّبُّ.
وروي عن ابن عباس أنه قال: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً «يعني: ما حرم منه» وَرِزْقاً حَسَناً «ما أحل منه» .
وقال الشعبي: السكر هو: النبيذ والخل.
والرزق الحسن: التمر، والزبيب.
وقال الضحاك: السكر الحرام، والرزق الحسن: الحلال.
وهؤلاء كلهم قالوا: كان هذا قبل تحريم الخمر.
وقال الأخفش: سَكَراً طعاماً.
يقال: هذا سكر لك أي: طعام لك.
وقال القتبي: لست أدري هذا.
ثم قال: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: لعبرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ توحيد الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ ...
الآية: هذه آية ضرب مثل لهم بمَنْ سَلَف، في ضِمْنها وعيدٌ لهم، وتأنيس للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ: يحتمل أنْ يريد ب الْيَوْمَ يومَ الإِخبار، ويحتملُ أنْ يريد يَوْمَ القيامةِ، أي: وليهم في اليَوْمِ المشهورِ.
وقوله سبحانه: إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ: لِتُبَيِّنَ: في موضع المفعولِ من أجلِهِ، أي: إلا لأجل البيان، والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ: لَفْظٌ عامٌّ لأنواعِ كُفْر الكفرة، لكن الإِشارة هنا إِلى تشريكهم الأَصْنَامَ في الإلهية.
ثم أَخَذَ سبحانه يَنصُّ العِبَرَ المؤدِّية إِلى بيان وحدانيته، وعظيمِ قدرَتِهِ، فبدأ بنعمَةِ المَطَرَ التي هِيَ أَبينُ العبر، وهي مِلاَكُ الحياة، وهي في غاية الظهور، لا يخالف فيها عاقل.
وقوله: مِمَّا فِي بُطُونِهِ: الضمير عائد على الجِنْس، وعلى المذكور، وهذا كثيرٌ.
وقوله سبحانه: سائِغاً لِلشَّارِبِينَ/ «السائغ» : السَّهْلُ في الشرْبِ اللذيذُ.
ت: وعن ابن عبَّاس، قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَاماً، فَلْيَقُلْ:
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَناً، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وزدنا منه» ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِىءُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ» «١» ، رواه أبو داود والترمذيُّ وابن ماجه، وقال الترمذيُّ، واللفظ له: هذا حديثٌ حسنٌ، انتهى من «السلاح» .
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)
وقوله سبحانه: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً ...
الآية:
«السَّكَر» : ما يُسْكِرُ هذا هو المشهور في اللغة، قال ابن عباس: نزلَتْ هذه الآية قبل تحريمِ الخَمْرِ «١» ، وأراد ب «السَّكَر» : الخمرَ، وب «الرِّزْق الحسن» جميعَ ما يُشْرَبُ ويؤكل حلالاً من هَاتَيْنِ الشجرتَيْن، فالحَسَنُ هنا: الحلال، وقال بهذا القولِ ابنُ جُبَيْر وجماعة «٢» وصحَّح ابنُ العربيِّ «٣» هذا القولِ، ولفظه: والصحيحُ أَنَّ ذلك كان قبل تحريمِ الخَمْرِ، فإِن هذه الآية مكِّيَّة باتفاق العلماء، وتحريمُ الخَمْر مدنيٌّ انتهى من «أحكام القرآن» ، وقال مجاهد وغيره: السكر المائعُ من هاتَيْنِ الشجرتَيْنِ، كالخَلِّ، والرّبِّ، والنَّبِيذِ، والرزقُ الحَسَنُ: العنبُ والتمرُ «٤» .
قال الطبريُّ «٥» : والسّكَر أيضاً في كلام العرب ما يُطْعَم، ورجَّح الطبريُّ هذا القول، ولا مدخَلَ للخَمْر فيه، ولا نَسْخَ في الآية.
وقوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ...
الآية: الوحْيُ في كلام العرب:
إلقاء المعنى من المُوحى إلى الموحى إِليه في خفاءٍ، فمنه الوحْيُ إِلى الأنبياء برسالةِ المَلَكِ، ومنه وَحْيُ الرؤيا، ومنه وَحْيُ الإِلهام، وهو الذي في آيتنا باتفاق من المتأوِّلينِ، والوحْيُ أيضاً بمعنى الأمر كما قال تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: ٥] ، وقد جعل اللَّه بيوتَ النحل في هذه الثلاثة الأنواعِ: إمَّا في الجبالِ وكُوَاها، وإِما في متجوَّفِ الأشجار، وإِما فيما يَعْرِشُ ابنُ آدَمَ من الأَجْبَاحِ والحِيطان، ونحوها، وعرش: معناه: هيّأ، والسبل الطرق، وهي مسالكها في الطيران وغيره، وذُلُلًا: يحتمل أن يكون حالاً من «النحل» ، أي: مطيعةً منقادةً، قاله قتادة «٦» .
قال ابن زَيْد: فهم يخرجون بالنحل
ينتجعون، وهي تتبعهم «١» وقرأ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً ...
[يس: ٧١] الآية، ويحتملُ أنْ يكون حالاً من «السُّبُل» ، أي: مسَّهلةً مستقيمةً قاله مجاهد «٢» ، لا يتوعَّر عليها سبيلٌ تسلُكُه.
ثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة، والتنبيه على العِبْرة- أمْرَ العَسَل في قوله:
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ، وجمهور الناس على أنَّ العسل يخرُجْ من أفواهِ النَّحْلِ، واختلافُ الألوان في العسل بحسب آختلاف النَّحْلِ والمَرَاعِي، أيُّ والفصول.
ت: قال الهرويُّ: قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ، وذلك أنه يستحيلُ في بطونها، ثم تمجُّه من أفواهها انتهى.
وقوله: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ الضمير للعَسَل قاله الجمهور: / قال ابن «٣» العربيِّ في «أحكامه» وقد روى الأئمة، واللفظُ للبخاريّ، عن عائشة، قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يُحِبُّ الحْلَوَاءَ والعَسَل «٤» ، وروى أبو سعيد الخُدْرِيُّ: أنّ رجلا أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكى بَطْنَهُ فَقَالَ: «اسقه عَسَلاً» ، ثم أتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اسقه عَسَلاً» ، ثُمَّ أتاه فَقَالَ:
فَعَلْتُ فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلاَّ استطلاقا، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «صَدَق اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، اسقه عَسَلاً» فسَقَاهُ، فَبَرأ «٥» ، وروي أنَّ عوف بنَ مالك الأشْجَعِيَّ مَرِضَ، فقيل له: ألا نُعَالِجُكَ؟
فَقَالَ: ائتوني بمَاءِ سَمَاءٍ، فإِنَّ اللَّهَ تعالى يقُولُ: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً [ق: ٩]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ " فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها " أيْ: بَعْد يُبْسِها ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ أيْ: يَعْتَبِرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " نُسْقِيكم " بِضَمِّ النُّونِ، ومِثْلُهُ في (المُؤْمِنُونَ:٢١) .
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نَسْقِيكم " بِفَتْحِ النُّونِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: " تَسْقِيكم " بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ في (المُؤْمِنُونَ:٢١)، وَقَدْ سَبَقَ بَيانُ الأنْعامِ.
وذَكَرْنا مَعْنى " العِبْرَةِ " في (آلِ عِمْرانَ:١٣)، والفَرْقَ بَيْنَ " سَقى " و " أسْقى " في (الحِجْرِ:٢٢) .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: النَّعَمُ والأنْعامُ شَيْءٌ واحِدٌ، وهُما جَمْعانِ، فَرَجَعَ التَّذْكِيرُ إلى مَعْنى " النَّعَمِ " إذْ كانَ يُؤَدِّي عَنِ الأنْعامِ، أنْشَدَنِي بَعْضُهم: وَطابَ ألْبانُ اللَّقاحِ وبَرَدْ فَرَجَعَ إلى اللَّبَنِ، لِأنَّ اللَّبَنَ والألْبانَ في مَعْنًى؛ قالَ: وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِ ما ذَكَرْنا، وهو صَوابٌ، أنْشَدَنِي بَعْضُهم: مِثْلَ الفِراخِ نُتِفَتْ حَواصِلُهْ وَقالَ المُبَرِّدُ: هَذا فاشٍ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ لِلشَّمْسِ: ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ يَعْنِي: هَذا الشَّيْءُ الطّالِعُ، وكَذَلِكَ ﴿ وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: " جاءَتْ " لِأنَّ المَعْنى: جاءَ الشَّيْءُ الَّذِي ذَكَرْنا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهاءُ في " بُطُونِهِ " لِلْبَعْضِ، والمَعْنى: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِ البَعْضِ الَّذِي لَهُ لَبَنٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ الأنْعامِ لَبَنٌ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذَهَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ إلى النَّعَمِ، والنَّعَمُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، والفَرْثُ: ما في الكِرْشِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّبَنَ كانَ طَعامًا، فَخَلَصَ مِن ذَلِكَ الطَّعامِ دَمٌ، وبَقِيَ مِنهُ فَرْثٌ في الكِرْشِ، وخَلُصَ مِن ذَلِكَ الدَّمِ " لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ " أيْ: سَهْلًا في الشُّرْبِ لا يَشْجى بِهِ شارِبُهُ، ولا يَغَصُّ.
وقالَ بَعْضُهم: سائِغًا، أيْ: لا تَعافُهُ النَّفْسُ وإنْ كانَ قَدْ خَرَجَ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا اسْتَقَرَّ العَلَفُ في الكِرْشِ، طَحَنَهُ، فَصارَ أسْفَلُهُ فَرْثًا، وأعْلاهُ دَمًا، وأوْسَطُهُ لَبَنًا، والكَبِدُ مُسَلَّطَةٌ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، فَيَجْرِي الدَّمُ في العُرُوقِ، واللَّبَنُ في الضَّرْعِ، ويَبْقى الفَرْثُ في الكِرْشِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: ولَكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا.
والعَرَبُ تُضْمِرُ " ما " كَقَوْلِهِ: ﴿ وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ ﴾ أيْ: ما ثَمَّ.
والكِنايَةُ في " مِنهُ " عائِدَةٌ عَلى " ما " المُضْمَرَةُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: مِنهُما، لِأنَّهُ أضْمَرَ الشَّيْءَ، كَأنَّهُ قالَ: ومِنها شَيْءٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا.
وَفِي المُرادِ بِالسَّكَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الخَمْرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ ابْنُ أبِي لَيْلى، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
ورَوى عَمْرُو بْنُ سُفْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ السَّكَرُ: ما حُرِّمَ مِن ثَمَرَتِها، وقالَ هَؤُلاءِ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ إذْ كانَتِ الخَمْرَةُ مُباحَةً، ثُمَّ نُسِخَ [ذَلِكَ] بِقَوْلِهِ: ﴿ فاجْتَنِبُوهُ ﴾ ومِمَّنْ ذَكَرَ أنَّها مَنسُوخَةٌ، سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ.
والثّانِي: أنَّ السَّكَرَ: الخَلُّ، بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هو الخَلُّ، بِلُغَةِ اليَمَنِ.
والثّالِثُ: أنَّ " السَّكَرَ " الطُّعْمُ، يُقالُ: هَذا لَهُ سَكَرٌ، أيْ: طُعْمٌ، وأنْشَدُوا: جَعَلْتَ عَيْبَ الأكْرَمِينَ سَكَرا قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، الآيَةُ مُحْكَمَةٌ.
فَأمّا الرِّزْقُ الحَسَنُ، فَهو ما أُحِلَّ مِنهُما، كالتَّمْرِ، والعِنَبِ، والزَّبِيبِ، والخَلِّ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَأوحى رَبُّكَ إلى النَحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: التَقْدِيرُ: ومِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: ومِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ شَيْءٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَمِن ثَمَراتِ" عَطْفًا عَلى "الأنْعامِ"، أيْ: ولَكم مِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأنْعامِ عِبْرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "مِمّا"، أيْ: ونَسْقِيكم أيْضًا مَشْرُوباتٍ مِن ثَمَراتٍ.
وَ"السَكَرُ": ما يُسْكَرُ، هَذا هو المَشْهُورُ في اللُغَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وأرادَ "بِالسَكَرِ" الخَمْرَ، و"بِالرِزْقِ الحَسَنِ" جَمِيعَ ما يُشْرَبُ ويُؤْكَلُ حَلالًا مِن هاتَيْنِ الشَجَرَتَيْنِ، وقالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، والشَعْبِيُّ، وأبُو رَزِينٌ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَكَرَ اللهُ نِعْمَتَهُ في السَكَرِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وقالَ الشَعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: السَكَرُ: المايِغُ مِن هاتَيْنِ الشَجَرَتَيْنِ كالخَلِّ والرُبِّ والنَبِيذِ، و الرِزْقُ الحَسَنِ: العِنَبُ والتَمْرُ، قالَ الطَبَرِيُّ: والسَكَرُ أيْضًا في كَلامِ العَرَبِ: ما يُطْعَمُ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ.
ولا يَدْخُلُ الخَمْرُ فِيهِ، ولا نُسِخَ مِنَ الآيَةِ شَيْءٌ، وقالَ بَعْضُ الفِرْقَةِ الَّتِي رَأتِ السَكَرَ الخَمْرَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ، وفي هَذِهِ المَقالَةِ دَرْكٌ؛ لِأنَّ النَسْخَ إنَّما يَكُونُ في حُكْمٍ مُسْتَقِرٍّ مَشْرُوعٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ، أنَّهُ قالَ: « "حُرِمَتِ الخَمْرُ بِعَيْنِها، والسَكَرُ مِن غَيْرِها"،» هَكَذا رُوِيَ، والرِوايَةُ الصَحِيحَةُ بِفَتْحِ السِينِ والكافِ، أيْ: جَمِيعُ ما يُسْكِرُ مِنهُ حُرِّمَ عَلى حَدِّ تَحْرِيمِ الخَمْرِ قَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ، ورَواهُ العِراقِيُّونَ و"السُكْرُ" بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ الكافِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى فَقْهِهِمْ في أنَّ ما أسْكَرُ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ فَقَلِيلُهُ حَلالٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوحى رَبُّكَ إلى النَحْلِ ﴾ الآيَةُ.
الوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ إلْقاءُ المَعْنى مِنَ المُوحِي إلى المُوحى إلَيْهِ في خَفاءٍ، فَمِنهُ الوَحْيُ إلى الأنْبِياءِ بِرِسالَةِ المَلِكِ، ومِنهُ وحْيُ الرُؤْيا، ومِنهُ وحْيُ الإلْهامِ وهو الَّذِي ها هُنا بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والوَحْيُ أيْضًا بِمَعْنى الأمْرِ، كَما قالَ تَعالى:بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "إلى النَخْلِ" بِفَتْحِ الحاءِ، و"أنْ" في قَوْلِهِ: أنِ اتَّخِذِي مُفَسِّرَةٌ.
وقَدْ جَعَلَ اللهُ بُيُوتَ النَحْلِ في هَذِهِ الثَلاثَةِ: إمّا في الجِبالِ وكُواها، وإمّا في مُتَجَوِّفِ الأشْجارِ، وإمّا فِيما يُعَرِّشُ ابْنُ آدَمَ مِنَ الأجْباحِ والحِيطانِ ونَحْوَها.
"وَعَرَشَ" مَعْناهُ: هَيَّأ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما يَكُونُ مِنَ اتِّفاقِ الأغْصانِ والخَشَبِ وتَرْتِيبِ ظِلالِها، ومِنهُ العَرِيشُ الَّذِي صِيغَ لِرَسُولِ اللهِ يَوْمَ بَدْرٍ ومِن هَذا هي لَفْظَةُ العَرْشِ، ويُقالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ بِكَسْرِ الراءِ وضَمِّها، قَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالضَمِّ، وسائِرُهم بِالكَسْرِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى الكَسْرِ، وقَرَأ بِالضَمِّ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعَبِيدِ بْنِ نَضْلَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: "يَعْرِشُونَ" قالَ: الكُرُومُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَمِمّا يَعْرِشُونَ" يَعْنِي: ما يَبْنُونَ مِنَ السُقُوفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِنهُما تَفْسِيرٌ غَيْرُ مُتْقَنٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَمَراتِ ﴾ الآيَةُ.
المَعْنى: ثُمَّ ألْهَمَها أنَّ كُلِيِ، فَعَطَفَ "كُلِي" عَلى "اتَّخِذِي"، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: كُلِي جُزْءًا أو شَيْئًا مِن كُلِّ الثَمَراتِ، وذَلِكَ أنَّها إنَّما تَأْكُلُ النَوّارَ مِنَ الأشْجارِ.
و"السُبُلُ": الطُرُقُ، وهي مَسالِكُها في الطَيَرانِ وغَيْرِهِ، وأضافَها إلى الرَبِّ مِن حَيْثُ هي مُلْكِهِ وخَلْقِهِ، أيْ: الَّتِي يَسَرَّ لَك رَبُّكَ.
وقَوْلُهُ: "ذُلُلًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ "النَحْلِ"، أيْ: مُطِيعَةٌ مُنْقادَةٌ لِما يُسِّرَتْ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَهم يَخْرُجُونَ بِالنَحْلِ يَنْتَجِعُونَ، وهي تَتْبَعُهُمْ، وقَرَأ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَأْكُلُونَ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن "السُبُلِ"، أيْ: مُسَهِّلَةً مُسْتَقِيمَةً، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَتَوَعَّرُ عَلَيْها سَبِيلٌ تَسْلُكُهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى -عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ والتَنْبِيهِ عَلى العِبْرَةِ- أمْرَ العَسَلِ في قَوْلِهِ: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها ﴾ ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ العَسَلَ يَخْرُجُ مِن أفْواهِ النَحْلِ، ووَرَدَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ في تَحْقِيرِهِ لِلدُّنْيا: "أشْرَفُ لِباسِ ابْنِ آدَمَ فِيها لُعابُ دُودَةٍ، وأشْرَفُ شَرابِهِ رَجِيعُ نَحْلَةٍ".
فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ مِن غَيْرِ الفَمِ، واخْتِلافُ الألْوانِ في العَسَلِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ النَحْلِ والمَراعِي، وقَدْ يَخْتَلِفُ طَعْمُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المَراعِي، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ زَيْنَبَ لِلنَّبِيِّ : "جَرَسَتْ نَحْلَهُ العُرْفُطِ"، حِينَ شَبَّهَتْ رائِحَتَهُ بِرائِحَةِ المَغافِيرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ ، الضَمِيرُ لِلْعَسَلِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، ولا يَقْتَضِي العُمُومَ في كُلِّ عِلَّةٍ، وفي كُلِّ إنْسانٍ، بَلْ هو خَبَرٌ عن أنَّهُ يَشْفِي كَما يَشْفِي غَيْرُهُ مِنَ الأدْوِيَةِ في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وعَلى حالٍ دُونَ حالٍ، فَفي الآيَةِ إخْبارٌ مُنَبَّهٌ عَلى أنَّهُ دَواءٌ لَمّا كَثُرَ الشِفاءُ بِهِ وصارَ خَلِيطًا ومُعِينًا لِلْأدْوِيَةِ والأشْرِبَةِ والمَعاجِنِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ لا يَشْكُو شَيْئًا إلّا تَداوى بِالعَسَلِ، حَتّى إنَّهُ كانَ يَدْهُنُ بِهِ الدُمَّلَ والقَرْصَةَ ويَقْرَأُ: ﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ يَرى الشِفاءَ بِهِ عَلى العُمُومِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ لِلْقُرْآنِ، أيْ: فِيهِ شِفاءٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مَن أهْلِ الجَهالَةِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما يُرادُ بِها أهْلُ البَيْتِ مَن بَنِي هاشِمٍ، وأنَّهُمُ النَحْلَ، وأنَّ الشَرابَ القُرْآنُ والحِكْمَةُ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم هَذا في مَجْلِسِ المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ العَبّاسِيِّ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ: جَعَلَ اللهُ طَعامَك وشَرابَكَ ما يُخْرِجُ مِن بُطُونِ بَنِي هاشِمٍ، فَأضْحَكَ الحاضِرِينَ وأبْهَتَ الآخَرَ، وظَهَرَتْ سَخافَةُ قَوْلِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة ﴾ [سورة النحل: 66].
ووجود من } في صدر الكلام يدلّ على تقدير فعل يدلّ عليه الفعل الذي في الجملة قبلها وهو ﴿ نسقيكم ﴾ [النحل: 66].
فالتقدير: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب.
وليس متعلقاً ب ﴿ تتخذون ﴾ ، كما دلّ على ذلك وجود (من) الثانية في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ المانع من اعتبار تعلّق ﴿ من ثمرات النخيل ﴾ ب ﴿ تتخذون ﴾ ، فإن نظم الكلام يدل على قصد المتكلم ولا يصحّ جعله متعلقاً ب ﴿ تتخذون ﴾ مقدماً عليه، لأنه يبعد المعنى عن الامتنان بلطف الله تعالى إذ جعل نفسه الساقي للناس.
وهذا عطف منّة على منّة، لأن ﴿ نسقيكم ﴾ وقع بياناً لجملة ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة ﴾ .
ومفاد فعل ﴿ نسقيكم ﴾ مفاد الامتنان لأن السقي مزية.
وكلتا العِبرتين في السقي.
والمناسبةُ أن كلتيهما ماء وأن كلتيهما يضغط باليد، وقد أطلق العرب الحَلْب على عصير الخمر والنبيذ، قال حسّان يذكر الخمر الممزوجة والخالصة: كلتاهما حَلَب العصير فعاطني *** بِزُجاجة أرخاهما للمفصل ويشير إلى كونهما عبرتين من نوع متقارب جَعْل التذييل بقوله تعالى: ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ عقب ذكر السقيين دون أن يُذيّل سقي الألبان بكونه آية، فالعبرة في خلق تلك الثمار صالحة للعصر والاختمار، ومشتملة على منافع للناس ولذّات.
وقد دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ﴾ .
فهذا مرتبط بما تقدم من العبرة بخلق النبات والثمرات من قوله تعالى: ﴿ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل ﴾ [سورة النحل: 11] الآية.
وجملة ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ الخ في موضع الحال.
و (من) في الموضعين ابتدائية، فالأولى متعلّقة بفعل ﴿ نسقيكم ﴾ المقدر، والثانية متعلقة بفعل ﴿ تتخذون ﴾ .
وليست الثانية تبعيضية، لأن السكر ليس بعض الثمرات، فمعنى الابتداء ينتظم كلا الحرفين.
والسكر بفتحتين: الشراب المُسْكِر.
وهذا امتنان بما فيه لذّتهم المرغوبة لديهم والمتفشّية فيهم (وذلك قبل تحريم الخمر لأن هذه الآية مكّية وتحريم الخمر نزل بالمدينة) فالامتنان حينئذٍ بمباح.
والرزق: الطعام، ووصف ب ﴿ حسناً ﴾ لما فيه من المنافع، وذلك التمر والعنب لأنهما حلوان لذيذان يؤكلان رطبين ويابسين قابلان للادخار، ومن أحوال عصير العنب أن يصير خلاً ورُبّاً.
وجملة ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ﴾ تكرير لتعداد الآية لأنها آية مستقلة.
والقول في جملة ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ﴾ مثل قوله آنفاً: ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ [سورة النحل: 65].
والإشارة إلى جميع ما ذكر من نعمة سقي الألبان وسقي السكر وطعم الثمر.
واختير وصف العقل هنا لأن دلالة تكوين ألبان الأنعام على حكمة الله تعالى يحتاج إلى تدبّر فيما وصفته الآية هنا، وليس هو ببديهي كدلالة المطر كما تقدم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ أيْ نُبِيحُ لَكم شُرْبَ ما في بُطُونِهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الإباحَةِ بِالسَّقْيِ.
﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خالِصًا مِنَ الفَرْثِ والدَّمِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الخالِصِ هُنا الأبْيَضُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: يَصُونُونَ أجْسادًا قَدِيمُها نَعِيمُها بِخالِصَةِ الأرْدانِ خُضْرِ المَناكِبِ فَخالِصَةُ الأرْدانِ أيْ بِيضُ الأكْمامِ، وخُضْرُ المَناكِبِ يَعْنِي مِن حَمائِلِ السُّيُوفِ.
﴿ سائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَلالٌ لِلشّارِبِينَ.
الثّانِي: مَعْناهُ لا تَعافُهُ النَّفْسُ.
وَقِيلَ: إنَّهُ لا يُغَصُّ أحَدٌ بِاللَّبَنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ السَّكَرَ الخَمْرُ، والرِّزْقَ الحَسَنَ التَّمْرُ والرُّطَبُ والزَّبِيبُ.
وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ ثُمَّ حُرِّمَتْ مِن بَعْدُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكَرُ ما حُرِّمَ مِن شَرابِهِ، والرِّزْقُ الحَسَنُ ما حَلَّ مِن ثَمَرَتِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأخْطَلِ: بِئْسَ الصُّحاةُ وبِئْسَ الشُّرْبُ شُرْبُهُمُ ∗∗∗ إذا جَرى فِيهِمُ المُزّاءُ والسُّكْرُ والسُّكْرُ: الخَمْرُ، والمُزّاءُ: نَوْعٌ مِنَ النَّبِيذِ المُسْكِرِ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا؛ هَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الإباحَةِ أوْ مَخْرَجَ الخَبَرِ ؟
عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الإباحَةِ ثُمَّ نُسِخَ.
قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الخَبَرِ أنَّهم يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَحِلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ السَّكَرَ: النَّبِيذُ المُسْكِرُ، والرِّزْقَ الحَسَنَ التَّمْرُ والزَّبِيبُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ والسُّدِّيُّ.
وَجَعَلَها أهْلُ العِراقِ دَلِيلًا عَلى إباحَةِ النَّبِيذِ.
الثّالِثُ: أنَّ السَّكَرَ الخَلُّ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، والرِّزْقَ الحَسَنَ الطَّعامُ.
الرّابِعُ: أنَّ السَّكَرَ ما طُعِمَ مِنَ الطَّعامِ وحَلَّ شُرْبُهُ مِن ثِمارِ النَّخِيلِ والأعْنابِ وهو الرِّزْقُ الحَسَنُ، وبِهِ قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ وجَعَلْتُ عَيْبَ الأكْرَمِينَ سَكَرا <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ﴾ قال: ما سقاهم المطر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول: إذا قحط المطر لم يبق في الأرض دابة إلا ماتت.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ﴾ قال: قد فعل الله ذلك في زمان نوح، أهلك الله ما على ظهر الأرض من دابة إلا ما حملت سفينة نوح.
وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود قال: ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره، ثم قال: أي والله...
ومن غرق قوم نوح عليه السلام.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، عن أنس بن مالك قال: كاد الضب أن يموت في جحره هولاً من ظلم ابن آدم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي في الشعب، عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه.
فقال أبو هريرة: بلى.
والله، إن الحبارى لتموت هزلاً وكرهاً من ظلم الظالم.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن الله يؤاخذني وعيسى ابن مريم بذنونبا،» وفي لفظ: «بما جنت هاتان- الإبهام والتي تليها- لعذبنا ما يظلمنا شيئاً» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ قال: يقول: تجعلون لي البنات وتكرهون ذلك لأنفسكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ قال: وهن الجواري.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ﴾ قال: قول كفار قريش لنا البنون ولله البنات.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب ﴾ أي يتكلمون بأن ﴿ لهم الحسنى ﴾ الغلمان.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: مسيئون.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: متروكون في النار ينسون فيها أبداً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: قد فرطوا في النار أي معجلين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: معجل بهم إلى النار.
وأخرج ابن مردويه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي كبشة، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما شرب أحد لبناً فيشرق؛ إن الله يقول ﴿ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين ﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي حاتم، عن ابن سيرين.
إن ابن عباس لبناً فقال له مطرف: ألا تمضمضت؟
فقال: ما أباليه بالة، اسمح يسمح لك.
فقال قائل: إنه يخرج من بين فرث ودم.
فقال ابن عباس: قد قال الله: ﴿ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه والحاكم وصححه، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ قال: السكر ما حرم من ثمرتها، والرزق الحسن ما حل من ثمرتها.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال: السكر الحرام منه، والرزق الحسن زبيبه وخله وعنبه ومنافعه.
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال: السكر النبيذ، والرزق الحسن، فنسختها هذه الآية ﴿ إنما الخمر والميسر ﴾ [ المائدة: 90] .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير، عن أبي رزين في الآية قال: نزل هذا وهم يشربون الخمر قبل أن ينزل تحريمها.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال: السكر الخل، والنبيذ وما أشبهه.
والرزق الحسن: الثمر والزبيب وما أشبهه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ قال: فحرم الله بعد ذلك السكر، مع تحريم الخمر، لأنه منه، ثم قال: ﴿ ورزقاً حسناً ﴾ فهو الحلال من الخل والزبيب والنبيذ وأشباه ذلك، فأقره الله وجعله حلالاً للمسلمين.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ قال: إن الناس يسمون الخمر سكراً، وكانوا يشربونها، ثم سماها الله بعد ذلك الخمر حين حرمت، وكان ابن عباس يزعم أن الحبشة يسمون الخل السكر.
وقوله: ﴿ ورزقاً حسناً ﴾ يعني بذلك الحلال التمر والزبيب، وكان حلالاً لا يسكر.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن ابن مسعود قال: السكر خمر.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير والحسن والشعبي وإبراهيم وأبي رزين مثله.
وأخرج عبد الرزاق وابن الأنباري في المصاحف والنحاس، عن قتادة في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ قال: خمور الأعاجم، ونسخت في سورة المائدة.
وأخرج النسائي عن سعيد بن جبير قال: السكر الحرام، والرزق الحسن الحلال.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ قال: ذكر الله نعمته عليهم في الخمر قبل أن يحرمها عليهم.
وأخرج ابن الأنباري والبيهقي، عن إبراهيم والشعبي في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ قالا: هي منسوخة.
وأخرج الخطيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «لكم في العنب أشياء تأكلونه عنباً، وتشربونه عصيراً ما لم ييبس، وتتخذون منه زبيباً ورباً والله أعلم» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ ﴾ الآية.
قال صاحب النظم: تأويل الآية: ولكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرًا (١) ﴿ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ ﴾ على ما نظم، وتتخذون من ثمرات النخيل والأعناب سكرًا.
والعرب تضمر (ما) و (من) كقوله تعالي: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ ﴾ (٢) ﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ ﴾ (٣) (٤) والأعناب عطف على الثمرات لا على النخيل؛ لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب، والأعناب ثمار، ولكنه ومن الأعناب، وأمَّا السكر فروى سعيد بن جبير وشهر بن حَوْشب وعمرو (٥) (٦) (٧) ﴿ وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾ يريد الخَلَّ والزبيب والتمر وكل ما يُتَّخَذ من النخيل والأعناب (٨) (٩) (١٠) والسَّكَر في اللغة: الخمر (١١) (١٢) وهذا القول هو اختيار الفراء (١٣) (١٤) وقال أبو عبيدة بوحده: السَّكَر: الطعام، واحتج بقوله (١٥) جَعَلْتَ أعْرَاضَ الكِرَامِ سَكَرا (١٦) أي جعلتَ ذَمَّهم (١٧) (١٨) قال الزجاج: هذا بالخمر أشبَهُ منه بالطعام، المعنى: جعلْتَ تتخمَّرُ بأعراضِ الكرام، وهو أبينُ فيما يقال: يبترك (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد عقلوا عن الله قدرَته وما لا يقدر عليه أحدٌ غيرُه وحدَه، فصَدَّقوا نَبِيَّه وأيْقَنُوا بالثواب والعقاب.
(١) وإلى هذا ذهب الطبري في "تفسيره" 14/ 138، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 28، وابن عطية 8/ 458، قال البغوي: يعني: ولكم أيضًا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب، ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ ﴾ والكناية في ﴿ مِنْهُ ﴾ عائدة إلى (ما) محذوفة، أي: ما تتخذون منه ﴿ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾ .
(٢) قال الفراء: أي ما ثَمَّ رأيت.
"معاني القرآن" للفراء 3/ 218، وانظر: "الدر المصون" 10/ 614.
(٣) وتقديره عند الكوفيين: وما منا إلا مَنْ له، فحذف الموصول وأبقى الصلة، واباه البصريون؛ لأن الموصول عندهم لا يحذف.
انظر: "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 310، و"الفريد في إعراب القرآن" 4/ 146.
(٤) ساقطة من (أ)، (د).
(٥) في جميع النسخ (عمر) والصحيح المثبت كما في "تفسير الطبري" 14/ 134، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 81.
(٦) عمرو بن سفيان الثقفي، روى عن ابن عباس وابن عمر وعن أبيه ، وروى عنه الأسود بن فيس، صحح له الحاكم حديثًا في تفسير السَّكر، وضعفه النحاس في معانيه.
انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 234، و"تهذيب التهذيب" 3/ 273، و"تقريب التهذيب" (5038).
(٧) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 357) بنصه، والطبري 14/ 134 بنصه من طرق كثيرة، والجصاص 3/ 185، بنحوه، والحاكم: التفسير/ النحل (2/ 355) بنصه وصححه، وورد في "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 485، بنصه، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 81، بنصه، وقال: وهي روايةٌ تضعفُ من جهة عمرو بن سفيان، و"تفسير هود الهواري" 2/ 376، بنصه، والثعلبي 2/ 159 أبنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 198، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 29، وابن الجوزي 4/ 464، وابن كثير 2/ 633، و"الدر المنثور" 4/ 228، وزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٨) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص252، بنحوه من طريق الحجاج عن ابن جريج صحيحة، ومن طريق أبي طلحة صحيحة والطبري 14/ 134 - 135 بنحوه من طريق عمرو، ومن طريق أبي طلحة، والجصاص 3/ 185، بنحوه من طريق الحجاج، والسمرقندي 2/ 241، بمعناه، وانظر:"تفسير ابن عطية" 8/ 458.
(٩) أخرجه الطبري 14/ 135، بنحوه من طرق عن سعيد بن جبير وأبي رزين والحسن ومجاهد، ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 82، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 241، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 198، بنحوه، والطوسي 6/ 401، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 28.
(١٠) في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾ ، وعلى هذا فآية النحل منسوخة بآية المائدة، وهو ما ذهب إليه ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والشعبي والنخعي وأبو رَزين وجمهور المفسرين، وقد ردّ هذه الدعوى جماعة من العلماء، وبينوا أن هذا خبر، ولا يجوز فيه النسخ، قال مكي: وقيل: إن هذا لم ينسخ؛ لأن الله لم يأمرنا باتخاذ ذلك، ولا أباحه لنا في هذه الآية، وإنما أخبرنا بما كانوا يصنعون من النخيل من السَّكَر الذي حرَّمه الله في المائدة.
ا.
هـ.
ومن القائلين بعدم النسخ الطبري، لكنه حمل السَّكر على أن معناه: كل ما حلّ شربه، مما يتخذ من ثمر النخل والكرم، وفَسَّد أن يكون معناه الخمر أو ما يُسْكِر من الشراب.
انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 252، و"تفسير الطبري" 14/ 134 - 136، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 486، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي ص 331، و"أسباب النزول" للواحدي ص 208، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 186، و"تفسير القرطبي" 10/ 130.
(١١) أصل السَّكر في اللغة: السَّدُّ، ومنه سَكِرَ فلانٌ؛ لأنه سُدَّ عقله ومنع منه، والسَّكَرُ: الخمر نفسها، وكُلّ ما يُسْكِرُ، وقيل: هو شراب يُتخذ من التَّمر والكَشُوث، والسُّكر: حالةٌ تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب المُسكرِ، انظر: "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1720، و"المفردات" ص 416.
و"الأساس" ص 302، و"اللسان" (سكر) 4/ 2047، و"عمدة الحفاظ" 2/ 237 و"التاج" (سكر) 6/ 534، و"متن اللغة" 3/ 179.
(١٢) "ديوانه" 1/ 167، وفيه: (لمّا) بدل (إذا)، وورد في "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1720، و"اللسان" (جرد) 1/ 590، (سكر) 4/ 2048، (جردانا): الجُردانُ بالضم: هن أسماء الذَّكَرِ، وهو قضيب ذوات الحوافر، والجمع: جرادين.
(١٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 109، بلفظه.
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 209، بلفظه.
(١٥) نسبه في المجاز إلى جندل، وهوابن المثنى الطَّهوي.
(١٦) ورد في "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1720، و"تفسير الزمخشري" 2/ 335، والفخر الرازي 20/ 68، و"اللسان" (سكر) 4/ 2048، وورد برواية: "جَعَلْتَ عَيْبَ الأكْرمين سكرًا" في "مجازالقرآن" 1/ 363، و"تفسير الطبري" 14/ 138، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 83، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 238، و"تفسير الثعلبي" 2/ 159 ب، والطوسي 6/ 401، وابن الجوزي 4/ 464، و"القرطبي" 10/ 129.
(١٧) في"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 209: دَمَهُم، ولعل الخطأ من المحقق، والمثبت هو الصحيح المتفق مع المعنى.
(١٨) "مجاز القرآن" 1/ 363، بنحوه، وورد في "التهذيب" (سكر) 2/ 1720، بنصه، والظاهر أنه نقله من التهذيب.
(١٩) يقال: بارك على الشيء: واظب، وأبرك في عدْوه: أسرع مجتهدًا، والاسم: البرُوُك، يقال: ابْتَرك الرجل في عرض أخيه: إذا اجتهد ذمّه وشتمه == وانتقاصه، والابتراك في العدو: الاجتهاد فيه.
انظر: (برك) في "تهذيب اللغة" 1/ 319، و"المحيط في اللغة" 6/ 260، و"اللسان" 1/ 267.
(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 209، بنحوه، وورد في "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1720، بنصه تقريبًا، والظاهر أنه نقله منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ نُّسْقِيكُمْ ﴾ بفتح النون وضمها لغتان، يقال سقى وأسقى ﴿ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ الضمير للأنعام، وإنما ذكر لأنه مفرد بمعنى الجمع كقوله: ثوب أخلاق لأنه اسم جنس، وإذا أنث فهو جمع نعم ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾ الفرث هي ما في الكرش من الروث، والمعنى أن الله يخلق اللبن متوسطاً بين الفرث والدم يكتنفانه، ومع ذلك فلا يغيران له لوناً ولا طعماً ولا رائحة، ومن في قوله من بين فرث لابتداء الغاية ﴿ سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾ يعني سهلاً للشرب حتى قيل: لم يغص أحد باللبن ﴿ وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب ﴾ المجرور يتعلق بفعل نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها، ويدل عليه نسقيكم الأول أو يكون من ثمرات معطوف على مما في بطونها، أو يتعلق من ثمرات بتتخذون، وكرر منه توكيداً أو يكون تتخذون صفة لمحذوف تقديره: شيئاً تتخذون ﴿ سَكَراً ﴾ يعني الخمر، ونزل ذلك قبل تحريمها فهي منسوخة بالتحريم، وقيل إن هذا على وجه المنة بالمنفعة التي في الخمر، ولا تعرض فيها لتحليل ولا تحريم، فلا نسخ، وقيل: السكر المائع من هاتين الشجرتين كالخل والرب.
والرزق الحسن: العنب والتمر والزبيب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا جرم ﴾ في المد مثل ﴿ لا ريب فيه ﴾ ﴿ مفرطون ﴾ بكسر الراء المشددة: يزيد ﴿ مفرطون ﴾ بكسر الراء المخففة: نافع وقتيبة.
الباقون بفتحها مخففة.
﴿ نسقيكم ﴾ بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد.
الآخرون بضمها.
الوقوف: ﴿ مسمى ﴾ ج للظرف مع الفاء ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ وقيل علي ﴾ لا ثم يبدأ بجرم وهو تكلف.
﴿ مفرطون ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ لا للعطف على موضع ﴿ لتبين ﴾ تقديره إلا تبياناً وهدى ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ لعبرة ﴾ ط لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ﴿ للشاربين ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ يعرشون ﴾ ه ج للعطف ﴿ ذللاً ﴾ ط للعدول ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وفظيع قولهم بين غاية كرمه وسعة رحمته حيث إنه لا يعاجلهم بالعقوبة فقال: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ﴾ الآية.
فزعم بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء أنه أضاف الظلم إلى ضمير الناس والأنبياء من جملة الناس فوجب أن يكونوا ظالمين عاصين ويؤكد هذا قوله: ﴿ ما ترك عليها من دابة ﴾ فإنه لو لم يصدر من الأنبياء ذنب لم يكن لإفنائهم وجه وحينئذ لم يصدق أنه لم يبق على الأرض واحد.
والجواب لا نسلم عموم الناس في الآية لقوله في موضع آخر ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ ولا ريب أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فإذن المراد بالناس إما كل العصاة الذين استحقوا العقاب، أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين.
وأما قوله: ﴿ من دابة ﴾ فعن ابن عباس أنه أراد من مشرك يدب عليها نظيره قوله: ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا ﴾ ولو سلم أن المراد بها كل من يدب عليها فلعل الهلاك في حق الظلمة يكون عذاباً وفي غيرهم امتحاناً فقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح .
وأيضاً من المعلوم أنه لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العذاب، فلو أهلكوا لبطل نسلهم ولأدى إلى إفناء الناس، بل الدواب كلها لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم.
عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال: بلى والله حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم.
وعن ابن مسعود: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم.
وقيل: لو يؤاخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت وفي انقطاع النبت فناء الدواب.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الظلم والمعاصي ليست من أفعال الله وإلا لم يؤاخذهم بها فرضاً، ولم يضف الظلم إليهم ولم يذمهم على ذلك.
وفي قوله: ﴿ بظلمهم ﴾ دليل على أن الظلم هو المؤثر في العقاب، فإن الباء للعلية.
وجواب الأشاعرة معلوم وهو أنه لا يسأل عما يفعل، وأيضاً المعارضة بالعلم والدواعي ووجوب انتهاء الكل إليه.
قال بعض الأصوليين: الأصل في المضار الحرمة لأن الضرر لا يجوز أن يكون مشروعاً ابتداء بالإجماع ولقوله : ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ولقوله : "لا ضرر ولا ضرار" في الإسلام "ملعون من ضر مسلماً" ولا أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاء عن جرم سابق بهذه الآية لأن كلمة "لو" وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره.
فالآية تقتضي أنه ما آخذ الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة كما هو المشاهد إذا ثبت هذا الأصل فنقول: إذا وقعت حادثة مشتملة على المضار فإن وجدنا نصاً على كونها مشروعة قضينا به تقديماً للخاص على العام وإلا قضينا عليها بالحرمة بناء على هذا الأصل.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الضرر مشروعاً على وجه يقع جزاء عن جرم سابق والآية لا تنافي ذلك لأنها لا تدل إلا على أنه لا يؤاخذ بكل ظلم.
أما على أنه لا يؤاخذ ببعض أنواع الظلم فلا، دليلة قوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾ ومنهم من قال: بناء على القاعدة المذكورة إن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعاً في حقه لأن المنع منه ضرر والضرر غير مشروع، وكل ما يكرهه الإنسان لزم أن يكون محرماً لأن وجوده ضرر وأنه غير مشروع.
فالذي يتمسك به في إثبات الأحكام من القياس إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها والأول باطل، لأن هذا الأصل يغني عنه، وكذا الثاني لأن النص راجح على القياس.
ولقائل أن يقول: توارد الأدلة على المدلول الواحد غير ممتنع.
أما قوله: ﴿ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه يريد أجل القيامة لأن معظم العذاب يوافيهم يومئذ.
وقيل: أراد منتهى العمر لأن المشركين يؤاخذون بالذنوب إذا خرجوا من الدنيا، وباقي الآية قد مر تفسيرها في أوائل سورة الأعراف.
واعلم أنه قال في هذه السورة ﴿ ما ترك عليها من دابة ﴾ وفي سورة الملائكة { ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ فالهاء كناية عن الأرض ولم يتقدم ذكرها ههنا والعرب تجوّز ذلك في كلمات لحصولها بين يدي كل متكلم وسامع منها الأرض والسماء: "فلان أفضل من عليها وأكرم من تحتها"، ومنها الغداة "إنها اليوم لباردة".
ومنها الأصابع يقول: "والذي شقهن خمساً من واحدة" يعني الأصابع من اليد.
وإنما لم يذكر الظهر في هذه السورة لئلا يلتبس بظهر الداب فكثيراً ما يستعمل الظهر بمعنى الدابة بخلاف سورة "الملائكة" فإنه قد تقدم ذكر الأرض في قوله: ﴿ أو لم يسيروا في الأرض ﴾ وفي قوله: ﴿ ولا في الأرض ﴾ فلم يكن ملتبساً.
ويمكن أن يقال: لما قال ههنا ﴿ بظلمهم ﴾ لم يقل: ﴿ على ظهرها ﴾ وحين قال هنالك ﴿ بما كسبوا ﴾ قال: ﴿ على ظهرها ﴾ احترازاً عن الجمع بين الظاءين لأنها تقل في الكلام وليست لأمة من الأمم سوى العرب، فلم يجمع بينهما في شرطية واحدة.
ثم عاد إلى حكاية كلمتهم الحمقاء فقال: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ لأنفسهم من البنات ولا يبعد أن يندرج فيه سائر ما يكرهون من الشركاء في الرياسة ومن الاستخفاف والتهاون برسلهم ورسالتهم، وأنهم يجعلون أرذل أموالهم لله وأكرمها للأصنام.
وعن بعضهم أنه قال لرجل من ذوي اليسار كيف تكون يوم القيامة إذا قال الله هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة، وإذا قال هاتوا ما دفع إليّ فيؤتى بالكسر والخرق وما لا يؤبه له، أما تستحيي من ذلك الموقف؟
ثم قال: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب ﴾ قال الفراء والزجاج: أبدل منه قوله: ﴿ أن لهم الحسنى ﴾ عن مجاهد أن الحسنى البنون كانت قريش يقولون لله البنات ولنا البنون.
وقال غيره: هي الجنة أي إنهم مع جعلهم لله ما يكرهون حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله، وأنهم يفوزون برضوان الله بسبب هذا القول زعماً منهم أنهم على الدين الحق والمذهب الحسن.
وكيف يحكمون بذلك وكانوا منكرين للقيامة؟
الجواب أنه كان فيهم من يقر بالبعث ولذلك كانوا يربطون البعير على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ظناً منهم أن الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، وبتقدير أنهم كانوا منكرين فلعلهم قالوا إن كان محمد صادقاً في دعوى الحشر والقيامة فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه نظيره ﴿ ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ﴾ ومن الناس من رجح هذا القول لأنه تعالى ردّ عليهم بعد ذلك بقوله: ﴿ لا جرم أن لهم النار ﴾ قال الزجاج: لا ردّ لقولهم أي ليس الأمر كما وصفوا.
جرم أي كسب ذلك القول أن لهم النار فــ "أنَّ" مع ما بعده في محل النصب لوقوع الكسب عليه.
وقال قطرب: "أن" في موضع رفع والمعنى حق أن لهم الافتراء على الله.
وجوّز أبو علي الفارسي أن يكون من أفرط أي صار ذا فرط مثل أجرب أي صار ذا جرب، ومن قرأ بفتحها مخففة فهو من أفرطت فلاناً خلفى إذا خلفته ونسيته، فالمعنى أنهم متروكون في النار منسيون.
ومن قرأ بكسر الراء المشددة فهو من التفريط في الطاعات.
وقرىء بفتح الراء المشددة من فرّطته في طلب الماء إذا قدمته وجاء أفرطته بمعناه أيضاً، فالمراد أنهم مقدمون إلى النار معجلون إليها.
ثم بين أن مثل صنيع قريش قد صدر عن سائر الأمم فقال: ﴿ تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ﴾ أي رسلاً ﴿ فزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ قالت المعتزلة: لو كان خالق الأعمال هو الله فما معنى تزيين الشيطان، ومن أي وجه توجه عليه الذم، وأن خالق ذلك العمل أجدر بأن يكون ولياً لهم من الداعي إليه؟
وأجيب بأن الوسائط معتبرة وانتهاء الكل إليه ضروري.
قال جار الله: ﴿ فهو وليهم اليوم ﴾ حكاية الحال الماضية التي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم فيها، والمراد فهو وليهم أي قرينهم في الدنيا فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا أو اليوم عبارة عن يوم الآخرة الذي يعذبون فيه في النار، فهو حكاية للحال الآتية، والولي الناصر أي هو ناصرهم يوم القيامة فقط، والمراد نفي الناصر عنهم على أبلغ الوجوه لأن الشيطان لا يتصوّر منه النصرة أصلاً، وإذا كان الناصر منحصراً فيه لزم أن لا نصرة بالضرورة.
قال: ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ وليهم ﴾ إلى مشركي قريش وأنه زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم.
ثم ذكر أنه ما هلك من هلك إلا بعد إقامة الحجة وإزاحة العلة فقال: ﴿ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ﴾ كالشرك والتوحيد والجبر والقدر والإقرار بالبعث والإنكار له، وكتحريم الأشياء المحللة كالبحيرة والسائبة وتحليل الأشياء المحرمة كالميتة والدم.
﴿ وهدى ورحمة ﴾ انتصبا على أنهما مفعول لهما ولا حاجة إلى اللام لأنهما فعلا فاعل، والفعل المعلل بخلاف التبيين فإنه فعل المخاطب لا فعل المنزل ولهذا دخل عليه اللام، قال الكعبي: وصف القرآن بكونه هدى ورحمة ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لا ينافي كون كذلك في حق الكل.
وخص المؤمنون بالذكر من حيث إنهم قبلوه وانتفعوا به.
ولما امتد الكلام في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الإلهيات فقال: ﴿ والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ وفي العنكبوت: { ﴿ من بعد موتها ﴾ لأن هنالك سؤال تقرير والتقرير يحتاج إلى التحقيق فقيد الظرف بــ"من" للاستيعاب.
وأيضاً حذف "من" في هذه السورة موافقة لقوله عما قريب: ﴿ لكيلا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ وإنما حذف "من" هنا بخلاف ما في الحج لأنه أجمل الكلام في هذه السورة فقال: ﴿ والله خلقكم ثم يتوفاكم ﴾ وأطنب في الحج فقال: ﴿ خلقناكم من تراب ثم من نطفة ﴾ الآية.
فاقتضى الإيجاز الحذف والإطناب الإثبات ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر فمن لم يسمع متدبراً فكأنه أصم، ثم استدل بعجائب أحوال الحيوانات قائلاً: ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ﴾ وفي سورة المؤمنين: ﴿ مما في بطونها ﴾ فذكر النحويون أن الأنعام من جملة الكلمات التي لفظها مفرد ومعناها جمع كالرهط والقوم والنعم.
فجاز تذكيره حملاً على اللفظ وتأنيثه حملاً على المعنى.
قال المبرد: هذا شائع في القرآن قال : ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ﴾ بمعنى هذا الشيء الطالع.
وقال: ﴿ كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره ﴾ أي ذكر هذا الشيء.
وعند سيبويه الأنعام من الأسماء المفردة الواردة على أفعال.
وجوّز في الكشاف أن يكون تأنيثه على أنه تكسير نعم.
وقيل: إن الأنعام بمعنى النعم لأن الألف واللام تلحق الآحاد بالجمع والجمع بالآحاد.
قلت: ما ذكره الأئمة حسن إلا أنه لا يقع جواباً عن التخصيص.
ولعل السر فيه أن الضمير في هذه السورة يعود إلى البعض وهو الإناث، لأن اللبن لا يكون للكل فالتقدير: وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه، وأما في "المؤمنين" فإنه لما عطف عليه ما يعود على الكل ولا يقتصر على البعض وهو قوله: ﴿ ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] لم يتحمل أن يكون المراد به البعض فأنث ليكون نصاً على أن المراد بها الكل.
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف فى الكرش صار أسفله فرثاً وأعلاه دماً وأوسطه لبناً خالصاً فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث كما هو فذاك هو قوله : ﴿ من بين فرث ودم لبناً خالصاً ﴾ لا يشوبه الدم ولا الفرث.
وأنكر الأطباء هذا القول لأنه على خلاف الحس والتجربة.
أما الحس فلأن الأنعام تذبح ذبحاً متوالياً ولا يرى في كرشها دم ولا لبن، وأما التجربة فلأن الدم لو كان في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم وليس كذلك، بل الحق أن الحيوان إذا تناول العلف حصل له في معدته أو كرشه هضم أوّل، فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء.
ثم الذي يحصل في الكبد ينطبخ فيها ويصير دماً وذلك هو الهضم الثاني.
ويكون مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية.
أما الصفراء فتذهب إلى المرارة، والسوداء إلى الطحال، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة.
وأما الدم فإنه يدخل في الأوردة وهي العروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث.
وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع وهو لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله الدم هناك إلى صورة اللبن، وإنما اختص هذ المعنى بالحيوان الأنثى لأن الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به، والذكر من كل حيوان أسخن واجف، والأنثى أبرد وأرطب لأن بدن الأنثى يحتاج إلى مزيد رطوبة لتصير مادة لتولد الولد ويتسع بدنها له.
ثم إن تلك الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في الرحم تنصب بعد انفصال الجنين إلى الثدي لتصير مادة لغذاء الطفل.
واعلم أنه خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثفل الغذاء، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنفذ انطباقاً كلياً إلى أن يكمل انهضامه في المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد، ويبقى الثفل هناك فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ وينزل منه ذلك الثفل فهذا الانطباق والانتفاح بحسب الحاجة وبقدر المنفعة مما لا يتأتى إلى بتقدير الفاعل الحكيم.
وأيضاً إنه أودع في الكبد قوّة جاذبة للأجزاء اللطيفة التي في ذلك المأكول والمشروب طابخة لها حتى تنقلب دماً دون الأجزاء الكثيفة وفي المعدة بالعكس، وأودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية، وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بفعله الخاص به لا يمكن إلا بتدبير العليم الخبير.
وكذا الكلام في انصباب مادة اللبن إلى الثدي في وقت يحتاج الطفل إلى الغذاء وتوزعها على جميع البدن في غير ذلك الوقت.
ثم إنه أحدث في حلمة الثدي ثقوباً صغيرة يخرج اللبن الخالص منها وقت المص أو الحلب فهي بمنزلة المصفاة للبن يخرج اللطيف منها ويبقى الكثيف، فبهذا الطريق يصير خالصاً سائغاً للشاربين أي سهل المرور في الحلق حتى قيل إنه لم يغص أحد باللبن قط.
ومن عجائب حال اللبن اجتماعه من أجسام مختلفة الطبائع مع أنها واحدة في الحس.
فمنها الدهن وهو حار رطب، ومنها الأجزاء المائية وهي باردة رطبة، ومنها الجبن وهو بارد يابس وكلها حاصلة من عشب واحد.
ثم إنه ألهم الطفل الصغير مص الثدي عند انفصاله من الأم وكل ذلك دليل على عناية كاملة ورحمة شاملة وعلم تام وقدرة باهرة.
قال المحققون: في تقليب العشب في هذه الأطوار إلى أن يصير لبناً خالصاً سائغاً دليل على أنه تعال قادر على تقليب الإنسان في أطواره إلى أن يصير مستعداً للبقاء الأبدي واللقاء السرمدي.
قال جار الله: و"من" في ﴿ مما في بطونه ﴾ للتبعيض و"من" في قوله: ﴿ من بين فرث ﴾ لابتداء الغاية فهو صلة ﴿ لنسقيكم ﴾ كقولك: "سقيته من الحوض".
وجوز أن يكون حالاً من قوله: ﴿ لبناً ﴾ مقدماً عليه فيتعلق بمحذوف أي كائناً من بين كذا وكذا.
وإنما قدم لأنه موضع العبرة فهو جدير بالتقديم.
قالت الشافعية: ليس بمستنكر أن يسلك المني مسلك البول وهو طاهر كما أنه يخرج اللبن من بين الفرث والدم طاهراً.
وأما قوله: ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب ﴾ فإما أن يتعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل ومن الأعناب إذا عصرت وحذف لدلالة ما تقدم عليه فيكون قوله: ﴿ تتخذون منه ﴾ بياناً وكشفاً عن كنه حقيقة الاستقاء، وإما أن يتعلق بـ ﴿ تتخذون ﴾ فيكون قوله: ﴿ منه ﴾ تكريراً للظرف لأجل التأكيد نظيره قولك: "زيد في الدار فيها" وإنما ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لأنه يعود إلى المذكور أو إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير كأنه قيل: ومن عصير ثمرات النخيل ومن عصير الأعناب تتخذون منه، واحتمل أن يكون ﴿ تتخذون ﴾ صفة موصوف محذوف كقوله: ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ أي وما منا إلا ملك فالتقدير: ومن ثمرات النخيل ومن الأعناب ثمر.
﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر وهو الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو رشد رشداً ورشداً.
وعلى هذا التفسير ففي الآية قولان: أحدهما - ويروى عن الشعبي والنخعي - أنها منسوخة فإن السورة مكية وتحريم الخمر نزل في المائدة وهي مدنية، وثانيهما أنها جامعة بين العتاب والمنة.
وذكر المنفعة لا ينافي الحرمة على أن في الآية تنبيهاً على الحرمة أيضاً لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب في السكر أن لا يكون رزقاً حسناً لا بحسب الشهوة بل بحسب الشريعة.
هذا ما عليه الأكثرون.
وقيل: السكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حد السكر.
واحتج بأن الآية دلت على أن السكر حلال لأنه ذكره في معرض الإنعام والمنة، ودل الحديث على أن الخمر حرام لعينها وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئاً غير الخمر، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ.
ويحكى عن أبي علي الجبائي أنه صنف كتاباً في تحليل النبيذ، فلما آخذت منه السن العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوّى به فأبى فقيل له: فقد صنفت في تحليله.
فقال: تناولته أيدي الشيطان فقبح عند ذوي المروءات والأقدار.
وقيل: السكر الطعم قاله أبو عبيدة.
وقيل: السكر والرزق الحسن واحد كأنه قيل: تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن.
ومن أعجب أحوال الحيوان حال النحل المناسب عسلها اللبن في موافقة اللذة وفي الخروج من البطن فلذلك أفردها بالذكر عقيب ذلك قائلاً: ﴿ وأوحى ربك ﴾ يا محمد أو يا إنسان إلى النحل أي ألهمها وعلمها على وجه هو أعلم به، ولقد حق لغريب أمرها وعجيب صنعتها أن يطلق عليه لفظ الإيحاء وذلك أنها تبني البيوت المسدسة من الأضلاع المتساويات التي لا يمكن للعقلاء تركيب أمثالها إلا بالمساطر والفرجارات، وقد علم من الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بما سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بينها فرج خالية ضائعة.
فاهتداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الدقيقة من الأعاجيب.
ومن غرائب أمرها أن لها رئيساً هو أعظم جثة من الباقين وهم يخدمونه ويتبعون نهيه وأمره، ومنها أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول والملاهي وآلات الموسيقى وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى أوكارها.
وبالجملة فإن غرائب هذا الحيوان أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى، والغرض أن امتياز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على الذكاء والكياسة حالة شبيهة بالوحي بمعنى الإلهام.
قال الزجاج: يجوز أن يقال سميت نحلاً لأنه نحل الناس العسل بواستطها وهي مؤنثة في لغة أهل الحجاز ولذلك قال : ﴿ أن اتخذي ﴾ وهي "أن" المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول.
ومعنى "من" في قوله: ﴿ من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ﴾ أي يبنون ويرفعون البعضية لأنها لا تبني بيوتاً في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش، ولكنها تبني في مساكن توافقها وتليق بها وكثيراً ما يتعهدها الناس وتصلح أحوالها ﴿ ثم كلي من كل الثمرات ﴾ أي بعضاً من كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها ﴿ فاسلكي سبل ربك ﴾ أي الطريق التي ألهمك وفهمك في عمل العسل ﴿ ذللاً ﴾ جمع ذلول وهي حال من السبل لأن الله ذللها لها وسهلها عليها، أو من الضمير في ﴿ فاسلكي ﴾ أي وأت ذلك منقادة لما أمرت به غير ممتنعة، أو المراد فاسلكي ما أكلت في سبل ربك المذللة أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً وهي أجوافك ومنافذ مأكلك، أو أراد أنك إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها.
فقد يحكى أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة.
ويجوز أن يريد بقوله: ﴿ ثم كلي ﴾ اقصدي أكل الثمرات ﴿ فاسلكي ﴾ في طلبها من مظانها ﴿ سبل ربك ﴾ .
واعلم أن ظاهر قوله: ﴿ أن اتخذي ﴾ ﴿ ثم كلي ﴾ ﴿ فاسلكي ﴾ أمر.
فمن الناس من قال لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول يتوجه بها عليها من الله أمر ونهي، ومنهم من أنكر ذلك وقال: المراد أنه خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال.
وتمام الكلام فيه سيجيء في سورة النمل.
أما حدوث العسل من النحل فالأصح عند الأطباء أن الله دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع على أوراق الأشجار فقد يكون كثيراً يجتمع منه أجزاء محسوسة وهي الترنجبين ونحوه، وقد يكون قليلاً متفرقاً على الأوراق والأزهار وهو الذي ألهم الله هذا النحل فتلتقط تلك الذرّات بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها فإذا شبعت التقطت مرة أخرى وذهبت بها ووضعتها في بيوتها ادخاراً لنفسها، فإذا اجتمع في بيوتها شيء محسوس من تلك الأجزاء الطلية فذاك هو العسل.
ولا يبعد أن يحصل لتلك الأجزاء في أفواهها نوع هضم وتغير ونضج لخاصية فيها فلذلك قال: ﴿ يخرج من بطونها ﴾ أي من أفواهها.
ومن الناس من زعم أن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرية ما شاءت، ثم إنه يقلب تلك الأجسام في داخل بدنه عسلاً، ثم إنه يقيء مرة أخرى فذلك هو العسل.
قال العقلاء: والقول الأول أقرب إلى التجربة والقياس: فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل محدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا العسل.
وأيضاً النحل إنما تغتذي بالعسل ولهذا يترك منه بقية في بيوتها بعد الأشتيار.
ولكن قوله : ﴿ يخرج من بطونها شراب ﴾ أي ما يشرب يعضد القول الثاني.
وقوله: ﴿ مختلف ألوانه ﴾ أي منه أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف الأماكن وأمزجة النحل واختلاف الأزهار والأعشاب التي ترعى فيها.
ثم وصفه بقوله: ﴿ فيه شفاء الناس ﴾ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة ولذا يقع في أكثر المعاجين.
وتنكير ﴿ شفاء ﴾ لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء فإن كل دواء كذلك.
وعن النبي أن رجلاً جاء إليه فقال: إن أخي يشتكي بطنه.
فقال: اسقه العسل.
فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع.
فقال: اذهب فاسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك.
فسقاه فشفاه الله فبرأ كأنما نشط من عقال.
قال أهل المعاني: إنه كان عالماً بأنه سيظهر نفعه فلهذا قال: كذب بطن أخيك حين لم يظهر النفع في الحال.
وعن عبد الله بن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل.
واعلم أنه ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ لقوم يسمعون ﴾ لأن إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بسببه أمر مشاهد محسوس فمنكر ذلك فاقد الحس، وإنما خص بالذكر حس السمع لأن لفظ القرآن المنبه على هذه الآية مسموع.
وختم الآية الثانية بالعقل لأنه يحتاج إلى نوع تدبر فالمعرض عنه فاقد العقل دون الحس.
وختم الثالثة بالتفكر لأن أمر النحل وقصتها العجيبة من انقيادها لأميرها واتخاذها البيوت على أشكال يعجز عنها الحاذق منا، ثم تتبعها الزهر والطل ثم خروج ذلك من بطونها لعاباً أو قيئاً يقتضي فكرة بليغة.
ولما ذكر بعض عجائب أحوال الحيوان أتبعه عجيب خلق الإنسان فقال: ﴿ والله خلقكم ﴾ ولم تكونوا شيئاً ﴿ ثم يتوفاكم ﴾ عند انقضاء آجالكم ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ إلى أخسه وأحقره.
عن علي هو خمس وسبعون سنة.
وعن قتادة تسعون سنة.
وقال السدي: هو حالة الخرف دليله قوله: ﴿ لكيلا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ أي ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفل في النسيان وعدم التذكر وقيل: لئلا يعقل بعد عقله الأول شيئاً أي لا يعلم زيادة علم على علمه.
وقيل: إن الرد إلى أرذل العمر ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب العمر إلا كرامة على الله ونظير الآية قوله: ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ .
واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أوّلها سن النشوء، وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب، وثالثها الانحطاط الخفي اليسير وهو سن الكهولة، ورابعها سن الانحطاط الظاهر وهو سن الشيخوخة.
وذكر الأطباء وأصحاب الطبيعي أن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث وهما جوهران حارّان رطبان، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قلت رطوبته فلا يزال في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما في العضو من الرطوبة حتى يتصلب ويظهر العظم والغضروف والعصب والوتر والرباط وسائر الأعضاء، فإذا تم تكوين البدن وكمل فعند ذلك ينفصل الجنين من رحم الأم وتكون رطوبة البدن بعد زائدة على حرارته، فتكون الأعضاء قابلة للتمدد والازدياد والنماء وهو سن النشو وغايته إلى ثلاثين أو إلى خمس وثلاثين سنة، ثم تصير رطوبات البدن أقل وتكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية الأصلية إلا أنها لا تكون زائدة على هذا القدر وهو سن الوقوف والشباب وغايته وحينئذ يظهر النقصان قليلاً إلى ستين سنة وهي سن الكهولة، ثم يظهر جداً إلى تمام مائة وعشرين سنة.
قال المتكلمون: هذا التعليل ضعيف لأن رطوبات البدن في حال كونه منياً ودماً كانت كثيرة ولذلك كانت الحرارة الغريزية مغمورة، ثم إنها مع ذلك كانت قوية على تحليل أكثر الرطوبات حتى نقلتها من حد الدموية والمنوية إلى أن صارت عظماً وغضروفاً وعصباً ورباطاً، فعندما تولدت الأعضاء وكمل البدن وقلت الرطوبات وجب أن تقوى الحرارة الغريزية قوّة أزيد مما كانت قبل ذلك فوجب أن يكون تحليل الرطوبات بعد تولد البدن وكماله أكثر من تحليلها قبل تولد البدن وليس الأمر كذلك، لأنه قبل تولد البدن انتقل جسم الدم والمني إلى أن صار عظماً وعصباً، أما بعد تولد البدن فلم يحصل مثل هذا الانتقال ولا عشر عشيره، فعلمنا أن البدن إنما يتولد بتدبير قادر حكيم لا لأجل ما قالوه.
وبوجه آخر الحرارة الحاصلة في بدن الإنسان الكامل الغريزة إما أن تكون هي عين ما كان حاصلاً في جوهر النطفة، أو صارت أزيد مما كانت.
والأول باطل لأن الحار الغريزي الحاصل في جوهر النطفة كان بمقدار جرم النطفة، فإذا كبر البدن وجب أن لا يظهر منه في هذا البدن تأثير أصلاً.
وأما الثاني ففيه تسليم أن الحرارة تتزايد بحسب تزايد الجثة، ولا ريب أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ساعة فساعة فيلزم أن لا ينهدم البدن الحيواني أبداً وليس كذلك.
وبوجه ثالث هب أن الرطوبة الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم قلتم إن الحرارة الغريزية يجب أن تصير أقل مما كانت حتى ينتقل الإنسان من سن الشباب إلى سن النقصان؟
قالوا: السبب فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء فالحرارة الغريزية بعد ذلكتؤثر في تجفيف الرطوبة الغريزية فتقل الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تفي بحفظ الحرارة الغريزية، وإذا حصلت هذه الحال ضعفت الحرارة الغريزية أيضاً لأن الرطوبات الغريزية كالغذاء للحرارة الغريزية، فإذا قل الغذاء ضعف المغتذي فينتهي الأمر إلى أن لا يبقى من الرطوبة شيء، لأن الحرارة الغريزية توجب قلة الرطوبة الغريزية وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية فيلزم من ضعف إحداهما ضعف الأخرى فتنطفىء الحرارة أيضاً ويحصل الموت.
وأورد عليهم أن الحرارة إذا أثرت في تجفيف الرطوبة وقلتها فلم لا يجوز أن تورد القوة الغاذية بدلها؟
فأجابوا بأن القوة الغاذية لا تفي بإيراد البدل.
قال الإمام فخر الدين الرازي راداً عليهم.
إن القوة الغاذية إنما تعجز عن هذا الإيراد إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة وذلك ممنوع، وإنما تكون الحرارة الغريزية ضعيفة أن لو قلت الرطوبة الغريزية، وإنما تحصل هذه القلة إذا عجزت الغاذية عن إيراد البدل وهذا دور محال، فيثبت أن إسناد هذه الأحوال إلى الطبائع والقوى غير ممكن فيعين إسنادها إلى القادر المختار الحكيم، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله عليم قدير ﴾ يعلم مقادير المصالح والمفاسد ويقدر على تحصيلها كما يريد.
وأما الطبيعة فجاهلة عاجزة.
قلت: لا شك أن نسبة هذه الأمور إلى مجرد الطبيعة كفر وجهل، لأنها ليست واجبة الوجود بالاتفاق ولكن إنكار القوى والطبائع أيضاً بعيد عن الإنصاف.
والحق أنها وسائط وآلات لما فوقها من المبادىء والعلل إلى أن ينتهي الأمر إلى مسبب الأسباب ومبدأ الكل، وقد ثبت عند الحكيم أن كل قوة جسمانية فإنها متناهية الأثر فلا محالة تعجز القوة الغاذية آخر الأمر عن إيراد بدل ما يتحلل فيحل الأجل بتقدير العليم القدير.
التأويل: ﴿ ولو يؤاخذ الله ﴾ النفوس الناسية ﴿ بما ظلمت ﴾ على القلوب والأرواح ﴿ ما ترك على ﴾ أرض البشرية صفة من صفات الحيوانية.
ولكن يؤخر أهل السعادة إلى أجلهم وهو إفناء صفات النفس بصفات القلب والروح في حينه وأوانه، ويؤخر أهل الشقاء إلى أوان العكس من ذلك.
﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ أي يعاملون الله بأعمال يكرهون أن يعاملهم بها غيرهم وتسوّل لهم أنفسهم أن تلك المعاملة حسنة.
والله أنزل من سماء العزة ماء بيان القرآن فأحيا به أرض قلوب الأمم بعد موتها باختلافهم على أنبيائهم ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من الله ﴿ وإن لكم في الأنعام ﴾ النفوس ﴿ لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ﴾ الخاطر الشيطاني ﴿ ودم ﴾ الخاطر النفساني ﴿ لبناً خالصاً ﴾ من الإلهام الرباني ﴿ سائغاً للشاربين ﴾ جائزاً لأهل هذا الشرب ﴿ ومن ثمرات ﴾ نخيل الطاعات وأعناب المجاهدات ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ هو ما يجعل منها شرب النفس فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق والصراط المستقيم ميلان السكران، وتارة تظهر رعوناتها بالأفعال والأحوال رياء وسمعة وشهوة.
والرزق الحسن ما يكون منه شرب القلب والروح فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب: شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ إشارة إلى حال السالك السائر ﴿ أن اتخذي من الجبال بيوتاً ﴾ أراد الاعتزال عن الخلق والتبتل إلى الله.
كان رسول الله يتحنث في غار حراء أسبوعاً وأسبوعين وشهراً، ولا بد أن يتنظف كما أن النحل يحترز عن التلوث.
وفيه أن نحل الأرواح اتخذت من جبال النفوس بيوتاً ومن شجر القلوب ومما يعرشون من الأسرار ﴿ ثم كلي من الثمرات فاسلكي سبل ربك ﴾ نظير قوله: ﴿ كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ﴾ \[المؤمنون: 51\] فثمرات البدن الأعمال الصالحات، وثمرات النفوس الرياضيات ومخالفات الهوى، وثمرات القلوب ترك الدنيا والتوجه إلى المولى، وثمرات الأسرار شواهد الحق والتطلع على الغيوب والتقرب إلى الله، وهذه كلها أغذية نحل الأرواح فإنها بقوّة هذه الأغذية تسلك السبل إلى أن تصل إلى المقعد الصدق عند مليكها، فيكون غذاؤها مكاشفات الحق ومشاهداته فتبيت عند ربها يطعمها ويسقيها، فحينئذ يخرج من بطونها شراب الحكم والمواعظ مختلف الألوان من المعاني والأسرار والدقائق والحقائق ﴿ فيه شفاء ﴾ للقلوب الناسية القاسية عن ذكر الله ﴿ والله خلقكم ﴾ أخرجكم من العدم إلى الوجود ﴿ ثم يتوفاكم ﴾ عن الوجود المجازي ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وهو مقام الفناء في الله ﴿ لكيلا يعلم ﴾ بعد فناء علمه شيئاً يعلمه بل يعلم بربه الأشياء كما هي والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ﴾ يذكر - عز وجل - قدرته وسلطانه، حيث أخبر أنه ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض وهي ميتة، ويخرج منها نباتاً وزروعاً وأشجاراً، فمن قدر على هذا لقادر على إحياء الأنفس بعد موتها لأنه لا فرق بين الإحياءين [إحياء الأرض وإحياء الأنفس]، إذ من قدر على أحدهما قدر على الآخر ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ ﴾ فيما ذكر ﴿ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ قال بعضهم: لآية لقوم يسمعون المواعظ.
وقال بعضهم: لآية لقوم يسمعون الآيات والحجج، وأما من لم يسمع فلا يكون له آية، وأصله: إن في ذلك لآية لقوم ينتفعون بسماعهم، ولآية لقوم يعقلون، أي: ينتفعون بعقولهم، وأصله أن هذا كله يصير آية للمؤمنين على ما ذكر كله؛ لأنهم هم العاقلون عن الله ما أمرهم به ونهاهم عنه، وهم يسمعون آياته ومواعظه، وكله كناية عن المؤمنين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ﴾ والعبرة الآية، أي: أنشأ لكم أنعاماً فيه الآية، هو صلة قوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ﴾ أي: أنزل من السماء ماء، وأنشأ الأنعام لكم فيه الآية أنشأ - عز وجل - في الأنعام لبناً غذاء الأولاد، في الوقت الذي لا يحتمل الغذاء بالعلف، وجعل لأربابها الانتفاع بذلك اللبن وفي الأشياء التي لا يؤكل لحمها لم يجعل لأربابها الانتفاع بما يفضل من اللبن، ولم يجعل لها فضل لبن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ ذكر بالتذكير، فظاهره أن يذكر بالتأنيث؛ لأنه إما أن يريد به الأمهات التي يدر منها اللبن أو جماعة من الذكران منها، فكيفما كان فهو يذكر بالتأنيث، لكن بعضهم يقول: ذكر باسم التذكير على إرادة الأصل الذي به كان اللبن، وهو الفحل، وهذا يدل لأبي حنيفة وأصحابه - رحمهم الله - لقولهم في لبن الفحل أنه يحرم.
وقال بعضهم: ذكر باسم التذكير على إرادة الجنس والجوهر من بين الأجناس والجواهر دون العدد والجماعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾ قال ابن عباس : يعني استخراج اللبن من بين فرث ودم، وذلك أن العلف إذا وقع في الكرش [طبخه الكرش] فيجعل الفرث أسفله والدم أعلاه واللبن بين ذلك، ثم يسلط الكبد عليهم فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويُبقي الفرث في الكرش كما هو.
وقال بعض الفلاسفة: إن العلف إذا وقع فيه يصير منه فرثاً، ثم يصير منه دماً، ثم يصير لبناً خالصاً، فهو كالنطفة التي وقعت في الرحم، تصير علقة، ثم تصير مضغة مأكولة، فعلى ذلك اللبن [الذي] ذكر والله أعلم.
ويحتمل ما قاله بعض الفلاسفة أن العلف يصير فرثاً، ثم دماً، ثم لبناً.
ويحتمل أن يكون مجرى اللبن بين ما ذكر من الفرث والدم، فأي الوجهين كان، كان فيه اللطف الذي ذكرنا.
ووجه ذكر هذا - والله أعلم - على الامتنان وكذلك ما ذكر من الثمرات والأعناب أنه بلطفه أخرج اللبن الصافي أصفى الأشياء وألطفها من بين أخبث الأشياء وأكدرها في رأي العين، فمن قدر على حفظ هذا مما ذكر بلا حجاب يدرك أو حاجز يعرف لقادر على إنشاء الأشياء من لا شيء لأن الخلائق لو اجتمعوا على أن يدركوا السبب الذي به كان حفظ هذا من هذا وامتناعه عن الخلط بالخبيث ما أدركوا ذلك، وكذلك ما يخرج من النخيل والكروم الثمرات الطيبة والأعناب الحلوة من غير أن يرى أثر ذلك فيها، ومن غير أن يدركوا السبب الذي كان به الأعناب والثمرات، دل أنه قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء إذ هي خشبة يابسة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ﴾ .
قال بعضهم: السكر ما يحرم منه، والرزق الحسن: ما [يحل من ثمرها.
وقال بعضهم: السكر: ما يتخذ من الشراب، والرزق الحسن: ما] يؤكل تمراً وزبيباً، ونحوه.
وقال بعضهم: السكر خمر الأعاجم، والرزق الحسن ما ينبذون ويخللون ويأكلون.
وروي في بعض الأخبار أنه حرم السكر، ولم يفسر الآية.
وفي بعض الأخبار أنه بعث معاذاً إلى اليمن، وأمره أن ينهاهم عن نبيذ السكر.
وعن عبد الله [قال]: إن أولادكم ولدوا على الفطرة فلا تسقوهم السكر، فإن الله لم يجعل في حرام شفاء.
وليس بين فقهاء الأمصار في تحريم السكر وفضيخ البسر ونقيع الزبيب إذا أسكر كثيرها ولم يطبخ - اختلاف أنها حرام، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ ﴾ لما ذكر ﴿ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ : يعقلون.
وقال القتبي: الفرث ما في الكرش؛ لأن اللبن كان طعاماً، فخلص من ذلك الطعام دم، وبقي منه فرث في الكرش، وخلص من الدم لبناً سائغاً أي: سهلا في الشرب، لا يشجى به شاربه ولا يغص.
وكذلك قال أبو عوسجة: أسغته: أي: أدخلته في حلقي سهلا.
وقوله: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ﴾ أي: تتخذون منه ما يحرم أكله، ورزقاً حسناً: ما يحل منه، [وهو] كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ...
﴾ الآية [يونس: 59]، أو يخرج على تذكير النعم في الوقت الذي كان السكر حلالا، أي: تتخذون منه سكرا ما تشربون، ورزقاً حسناً سوى الشراب.
<div class="verse-tafsir"
ولكم عظة فيما نرزقكم من ثمرات النخل ومن ثمرات الأعناب، فتتخذون منه مسكرًا يذهب بالعقل، وهو غير حسن، وتتخذون منه رزقًا حسنًا تنتفعون به مثل التمر والزبيب والخل والدِّبْس، إن في ذلك المذكور لدلالة على قدرة الله وإنعامه على عباده لقوم يعقلون، فهم الذين يعتبرون.
<div class="verse-tafsir" id="91.Gq02z"