تفسير الآية ٨٦ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٨٦ من سورة النحل

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ ٨٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٨٦ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٨٦ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر تعالى عن تبرئ آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها ، فقال : ( وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ) أي : الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ، ( قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ) أي : قالت لهم الآلهة : كذبتم ، ما نحن أمرناكم بعبادتنا .

كما قال تعالى : ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [ الأحقاف : 5 ، 6 ] وقال تعالى : ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) [ مريم : 81 ، 82 ] .

وقال الخليل عليه الصلاة والسلام : ( ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ) [ العنكبوت : 25 ] وقال تعالى : ( ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا ) [ الكهف : 52 ] والآيات في هذا كثيرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وإذا رأى المشركون بالله يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله من الآلهة والأوثان وغير ذلك، قالوا: ربنا هؤلاء شركاؤنا في الكفر بك، والشركاء الذين كنا ندعوهم آلهة من دونك ، قال الله تعالى ذكره ( فألْقَوْا ) يعني: شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله ، القول ، يقول: قالوا لهم: إنكم لكاذبون أيها المشركين، ما كنا ندعوكم إلى عبادتنا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ؛ وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ ) قال: حدّثوهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبونقوله تعالى : وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم أي أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها وذلك أن الله يبعث معبوديهم فيتبعونهم حتى يوردوهم النار .

وفي صحيح مسلم : من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت .

.

.

الحديث ، خرجه من حديث أنس ، والترمذي من حديث أبي هريرة ، وفيه : فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون .

.

.

وذكر الحديث .قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك أي الذين جعلناهم لك شركاء .فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون أي ألقت إليهم الآلهة القول ، أي نطقت بتكذيب من عبدها بأنها لم تكن آلهة ، ولا أمرتهم بعبادتها ، فينطق الله الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار .

وقيل : المراد بذلك الملائكة الذين عبدوهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ } يوم القيامة وعلموا بطلانها ولم يمكنهم الإنكار.

{ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ } ليس عندها نفع ولا شفع، فنوَّهوا بأنفسهم ببطلانها، وكفروا بها، وبدت البغضاء والعداوة بينهم وبينها، { فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ } أي: ردت عليهم شركاؤهم قولهم، فقالت لهم: { إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ } حيث جعلتمونا شركاء لله، وعبدتمونا معه فلم نأمركم بذلك، ولا زعمنا أن فينا استحقاقا للألوهية فاللوم عليكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وإذا رأى الذين أشركوا ) يوم القيامة ، ( شركاءهم ) أوثانهم ، ( قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ) أربابا ونعبدهم ، ( فألقوا ) يعني الأوثان ، ( إليهم القول ) أي : قالوا لهم ، ( إنكم لكاذبون ) في تسميتنا آلهة ما دعوناكم إلى عبادتنا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم) من الشياطين وغيرها (قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو) نعبدهم (من دونك فألقوا إليهم القول) أي قالوا لهم (إنكم لكاذبون) في قولكم إنكم عبدتمونا كما في آية أخرى " ما كانوا إيانا يعبدون "، سيكفرون بعبادتهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا أبصر المشركون يوم القيامة آلهتهم التي عبدوها مع الله، قالوا: ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا نعبدهم مِن دونك، فنطقَتِ الآلهة بتكذيب مَن عبدوها، وقالت: إنكم -أيها المشركون- لَكاذبون، حين جعلتمونا شركاء لله وعبدتمونا معه، فلم نأمركم بذلك، ولا زعمنا أننا مستحقون للألوهية، فاللوم عليكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى سبحانه بعض ما يدور بينهم وبين معبوداتهم الباطلة يوم القيامة ، فقال - تعالى - : ( وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هؤلاءآء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ .

.

) .قال القرطبى : " قوله - تعالى - : ( وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ ) أى : أصنامهم وأوثانهم التى عبدوها ، وذلك أن الله يبعث معبوديهم فيتبعونهم حتى يوردوهم النار .

وفى صحيح مسلم : " من كان يعبد شيئا فليتبعه " فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ، ويتبع من كان يعبد القمر القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت .

.

.

" .وقال الآلوسى : " والمراد بشركائهم : كل من اتخذوه شريكا له - عز وجل - من صنم ، ووثن ، وشيطان ، وآدمى ، وملك .

.

وإضافتهم إلى ضمير المشركين لهذا الاتخاذ - أى لاتخاذهم إياهم شركاء لله فى العبادة - أو لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم وأنعامهم " .أى : وإذا أبصر المشركون يوم القيامة شركاءهم الذين أشركوهم مع الله - تعالى - فى العبادة ، ( قالوا ) أى المشركون على سبيل التحسر والتفجع ياربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا فى الدنيا نعبدهم من دونك ، ونتقرب بهم إليك ، فلا تجعل ياربنا العذاب علينا وحدنا بل خففه أو ارفعه عنا فهؤلاء الشركاء هم الذين أضلونا .قال أبو مسلم : ومقصود المشركين بهذا القول إحالة الذنب على تلك الأصنام تعللا بذلك واسترواحا ، مع كونهم يعلمون أن العذاب واقع بهم لا محالة ، ولكن الغريق يتعلق بكل ما تقع يده عليه .وقوله - تعالى - : ( فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ) حكاية لما رد به الشركاء على المشركين .

أى : فرد أولئك الشركاء من الأصنام وغيرها على المشركين بقولهم : إنكم لكاذبون - أيها المشركون - فى إحالتكم الذنب علينا ، فإننا ما دعوناكم لعبادتنا ، ولا أجبرناكم على الإِشراك بالله - تعالى - ، ولكنكم أنتم الذين اخترتم هذا الطريق المعوج ، تقليدا لآبائكم واستجابة لأهوائكم وشهواتكم ، وإيثارا للباطل على الحق وما رد به الشركاء على المشركين هنا ، قد جاء ما يشبهه فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - :( واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ) وقوله - تعالى - : ( وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ .

.

) قال القرطبى : وقوله - تعالى - : ( فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول .

.

.

) أى : ألقت إليهم الآلهة القول ، أى : نطقت بتكذيب من عبدها .

بأنها لم تكن آلهة ، ولا أمرتهم بعبادتها ، فينطق الله الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار .وقال الجمل : فإن قلت : كيف أثبت للأصنام نطقا هنا ، ونفاه عنها فى قوله - تعالى - فى سورة الكهف : ( وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ الذين زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ .

.

) فالجواب : أن المثبت لهم هنا النطق بتكذيب المشركين فى دعوى عبادتهم لها ، والمنفى عنهم فى الكهف النطق بالإِجابة إلى الشفاعة لهم ودفع العذاب عنهم فلا تنافى .والتعبير بقوله - تعالى - : ( فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول .

.

.

) يشعر بأن الشركاء قد ردوا على المشركين قولهم بسرعة وبدون إبطاء حيث أتى - سبحانه - بالفاء فى قوله ( فألقوا ) واشتملت جملة ( إنكم لكاذبون ) على جملة من المؤكدات ، لإِفحام المشركين ، وتكذيبهم فى قولهم تكذيبا قاطعا لا يحتمل التأويل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وذكر أيضاً من حالهم أن أكثرهم الكافرون أتبعه بالوعيد، فذكر حال يوم القيامة فقال: ﴿ ويوم نبعث من كل أمة شهيداً ﴾ وذلك يدل على أن أولئك الشهداء يشهدون عليهم بذلك الإنكار وبذلك الكفر، والمراد بهؤلاء الشهداء الأنبياء كما قال تعالى: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ وقوله: ﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ فيه وجوه: أحدها: لا يؤذن لهم في الاعتذار لقوله: ﴿ ولا يؤذن لهم فيعتذرون  ﴾ .

وثانيها: لا يؤذن لهم في كثرة الكلام.

وثالثها: لا يؤذن لهم في الرجوع إلى دار الدنيا وإلى التكلف.

ورابعها: لا يؤذن لهم في حال شهادة الشهود، بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود.

وخامسها: لا يؤذن لهم في كثرة الكلام ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله تعالى.

ثم قال: ﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ الاستعتاب طلب العتاب، والرجل يطلب العتاب من خصمه إذا كان على جزم أنه إذا عاتبه رجع إلى الرضا، فإذا لم يطلب العتاب منه دل على أنه راسخ في غضبه وسطوته، ثم إنه تعالى أكد هذا الوعيد فقال: ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ﴾ والمعنى أن المشركين إذا رأوا العذاب ووصلوا إليه، فعند ذلك لا يخفف عنهم العذاب ﴿ ولا هم ﴾ أيضاً ﴿ ينظرون ﴾ أي لا يؤخرون ولا يمهلون، لأن التوبة هناك غير موجودة، وتحقيقه ما يقوله المتكلمون من أن العذاب يجب أن يكون خالصاً عن شوائب النفع، وهو المراد من قوله: ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ ويجب أن يكون العذاب دائماً وهو المراد من قوله: ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ شَهِيداً ﴾ نبيهاً يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق، والكفر والتكذيب ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ في الاعتذار.

والمعنى لا حجة لهم، فدل بترك الإذن على أن لا حجة لهم ولا عذر، وكذا عن الحسن ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ ولا هم يسترضون، أي: لا يقال لهم أرضوا ربكم؛ لأن الآخرة ليست بدار عمل.

فإن قلت: فما معنى ثم هذه؟

قلت: معناها أنهم يمنون بعد شهادة الأنبياء بما هو أطم منها، وهو أنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة.

وانتصاب اليوم بمحذوف تقديره: واذكر يوم نبعث، أو يوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه، وكذلك إذا رأوا العذاب بغتهم وثقل عليهم ﴿ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ كقوله ﴿ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 40] الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ ﴾ عَذابَ جَهَنَّمَ.

﴿ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ﴾ أيِ العَذابُ.

﴿ وَلا هم يُنْظَرُونَ ﴾ يُمْهَلُونَ.

﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ ﴾ أوْثانَهُمُ الَّتِي ادَّعَوْها شُرَكاءَ، أوِ الشَّياطِينَ الَّذِينَ شارَكُوهم في الكُفْرِ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ.

﴿ قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ ﴾ نَعْبُدُهم أوْ نُطِيعُهم، وهو اعْتِرافٌ بِأنَّهم كانُوا مُخْطِئِينَ في ذَلِكَ، أوِ التِماسٌ لِأنْ يُشْطَرَ عَذابُهم.

﴿ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ ﴾ أيْ أجابُوهم بِالتَّكْذِيبِ في أنَّهم شُرَكاءُ اللَّهِ، أوْ أنَّهم ما عَبَدُوهم حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدُوا أهْواءَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ﴾ ولا يَمْتَنِعُ إنْطاقُ اللَّهِ الأصْنامَ بِهِ حِينَئِذٍ، أوْ في أنَّهم حَمَلُوهم عَلى الكُفْرِ وألْزَمُوهم إيّاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦)

{وإذا رأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ} أوثانهم التي عبدوها {قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا} أي آلهتنا التي جعلناها شركاء {الذين كنا ندعو مِن دُونِكَ} أي نعبد {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون} أي أجابوهم بالتكذيب لأنها كانت جماداً لا تعرف من عبدها ويحتمل أنهم كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة تنزيهاً لله عن الشرك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ ﴾ الَّذِينَ كانُوا يَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَعْبُدُونَهم مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ والمُرادُ بِهِمْ كُلُّ مَنِ اتَّخَذُوهُ شَرِيكًا لَهُ جَلَّ وعَلا مِن صَنَمٍ ووَثَنٍ وشَيْطانٍ وآدَمِيٍّ ومَلِكٍ وإضافَتُهم إلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ لِهَذا الِاتِّخاذِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ مَعْبُوداتُهُمُ الباطِلَةُ كَما تَقَدَّمَ.

والإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأنَّهم جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ وأنْعامِهِمْ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الأصْنامِ ولَعَلَّ التَّعْمِيمَ أوْلى، وقالَ الحَسَنُ: شُرَكاؤُهُمُ الشَّياطِينُ شَرَكُوهم في الأمْوالِ والأوْلادِ، وقِيلَ: شَرَكُوهم في الكُفْرِ أيْ كَفَرُوا مِثْلَ كُفْرِهِمْ، وقِيلَ: شَرَكُوهم في وبالِ ذَلِكَ حَيْثُ حَمَلُوهم عَلَيْهِ ﴿ قالُوا ﴾ أيْ بِألْسِنَتِهِمْ وقِيلَ: خَتَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ وأنْطَقَ جَوارِحَهم فَقالَتْ عَنْهم ﴿ رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ ﴾ أيْ نَعْبُدُهم ونُطِيعُهم ولَعَلَّهم قالُوا ذَلِكَ طَمَعًا في تَوْزِيعِ العَذابِ بَيْنَهم.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ تَفْسِيرَ الشُّرَكاءِ بِالأصْنامِ وفِيهِ أنَّها تَجِيءُ عَلى حالَةٍ يُعْقَلُ مَعَها عَذابُها فَلا بَأْسَ في ذَلِكَ سَواءٌ فُسِّرَتِ الشُّرَكاءُ بِالأصْنامِ فَقَطْ أوْ بِما يَعُمُّها وغَيْرُها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَقْصُودُهم مِن ذَلِكَ إحالَةُ الذَّنْبِ عَلى الشُّرَكاءِ ظَنًّا مِنهم أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَنْقُصُ مِن عَذابِهِمْ شَيْئًا.

وتَعَقَّبَهُ القاضِي بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ الكُفّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا في الآخِرَةِ أنَّ العَذابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ ولا نُصْرَةَ ولا فِدْيَةَ ولا شَفاعَةَ، وأوْرَدَ نَحْوَهُ عَلى ما ذَكَرْنا بِناءً عَلى أنَّهم يَعْلَمُونَ ضَرُورِيًّا أيْضًا أنَّهُ لا يَحْمِلُ أحَدٌ مِن عَذابِهِمْ شَيْئًا.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ حُصُولِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَهم بِذَلِكَ إذْ ذاكَ يَجُوزُ أنْ يُدْهَشُوا فَيَغْفُلُوا عَنْ ذَلِكَ فَيَقُولُوا ما يَقُولُونَ طامِعِينَ فِيما ذُكِرَ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: «رَبَّنا خَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ.

﴿ يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ﴾ .

﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا ﴾ » إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهم عَلى ضَرُورِيٍّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ لا يَكُونُ.

وقِيلَ: القَوْمُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ما يَرْجُونَهُ ويَطْمَعُونَ فِيهِ لا يَحْصُلُ لَهم أصْلًا وعَدَمُ غَفْلَتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ تَغْلِبُهم أنْفُسُهم بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ لِشِدَّةِ ما هم فِيهِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى حَتّى تُعَلَّقَ آمالُها بِالمُحالِ، وقِيلَ: قالُوا ذَلِكَ اعْتِرافًا بِأنَّهم كانُوا مُخْطِئِينَ في عِبادَتِهِمْ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ( مِن دُونِكَ ) وفِيهِ تَأمُّلْ.

نَعَمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَألْقَوْا ﴾ أيْ شُرَكاؤُهم ﴿ إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ ﴾ أظْهَرُ مُلاءَمَةً لِلْأوَّلِ فَإنَّ تَكْذِيبَهم إيّاهم فِيما قالُوا ظاهِرٌ في كَوْنِهِ لِلْمُدافَعَةِ والتَّخَلُّصِ عَنْ غائِلَةِ مَضْمُونِهِ والظّاهِرُ أنَّ التَّكْذِيبَ راجِعٌ إلى دَعْوى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم أوْ يُطِيعُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى ومُرادُهم عَلى ما قِيلَ: إنَّكم ما عَبَدْتُمُونا حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدْتُمْ أشْياءَ تَصَوَّرْتُمُوها بِأذْهانِكُمُ الفاسِدَةِ وزَعَمْتُمْ أنّا هاتَيْكَ الأشْياءَ وهَيْهاتَ هَيْهاتَ لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَها جِهَةٌ جامِعَةٌ ولا عَلاقَةٌ نافِعَةٌ، وقِيلَ: إنَّما كَذَّبُوهم وقَدْ كانُوا يَعْبُدُونَهم لِأنَّ الأوْثانَ ما كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لَهم فَكَأنَّ عِبادَتَهم لَمْ تَكُنْ عِبادَةً لَهم كَما قالَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: «بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ» يَعْنُونَ أنَّ الجِنَّ هُمُ الَّذِينَ كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لا نَحْنُ، والشَّياطِينُ وإنْ كانُوا راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ لَهم لَكِنَّهم لَمْ يَكُونُوا حامِلِينَ لَهم عَلى وجْهِ القَسْرِ والإلْجاءِ كَما قالَ إبْلِيسُ: ﴿ وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: ما عَبَدْتُمُونا حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدْتُمْ أهْواءَكُمْ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّياطِينُ كاذِبِينَ في إخْبارِهِمْ بِكَذِبِ مَن عَبَدَهم كَما كَذَبَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ لا إلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم ومُرادُهم تَنْزِيهُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا عَنِ الشَّرِيكِ في ذَلِكَ المَوْقِفِ، وخَصَّ هَذا بَعْضُهم بِتَقْدِيرِ إرادَةِ الشَّياطِينِ مِنَ الشُّرَكاءِ فافْهَمْ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ هَذا جَمِيعُ الشُّرَكاءِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ تَفْسِيرُهُ بِما يَعُمُّ الأصْنامَ إذْ لا بُعْدَ في أنْ يُنْطِقَها اللَّهُ تَعالى الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِذَلِكَ، وجُوِّزَ عَلى التَّعْمِيمِ أنْ يَكُونَ القائِلُ بَعْضَهم وهو مَن يُعْقَلُ مِنهم وكانَ الظّاهِرُ- فَقالُوا لَهم إنَّكم لَكاذِبُونَ- إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لَهم عَلى وجْهِ الإفْصاحِ بِحَيْثُ يُدْرَكُ ويَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ، وفِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِالحِرْصِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ ما فِيهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَأْكِيدُهُمُ المِلَّةَ الدّالَّةَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ أتَمَّ تَأْكِيدٍ، وهي في مَوْضِعِ البَدَلِ مِنَ القَوْلِ كَما قالَ الإمامُ أيْ ألْقَوْا إلَيْهِمْ أنَّكم لَكاذِبُونَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ أي: واذكر يوم نبعث فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي: نبياً شاهداً على أمته بالرسالة أنه بلغها ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي: في الكلام وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي: لا يرجعون من الآخرة إلى الدنيا.

وقال أهل اللغة: عَتَب يَعْتِب إذا وجد عليه، وأعْتَبَ يُعْتِبُ إذا رجع عن ذنبه، واستعتب يستعتب إذا طلب منهم الرجوع، أي: لا يطلب منهم الرجوع إلى الدنيا.

وقوله: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ أي: الكفار فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ أي: العذاب حين رأوها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي: لا يمهلون ولا يؤجلون ولا يتركون ساعة ليستريحوا.

وقوله عز وجل: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ أي: آلهتهم قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا يقولون: نعبد من دونك، وهم أمرونا بذلك.

ويقال: يعني السفلة إذا رأوا شركاءهم.

يعني: أمراءهم ورؤساءهم قالوا: ربنا هؤلاء الذين كنا ندعو من دونك، أي: هم أَمرونا بالمعصية فأطعناهم فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ يعني: القادة والآلهة، وأجابوهم إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ ما أمرناكم بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عَبْدٌ بهذه الصفةِ، مملوكٌ لا يَقْدِرُ على شيء من المال، ولا أمْر نفسه، وإنما هو مُسَخَّرٌ بإرادة سَيِّده، مَدَبَّرٌ، وبإزاء العبْدِ في المثالِ رجُلٌ موسَّعٌ عليه في المال، فهو يتصرَّف فيه بإِرادته، واختلف النَّاس في الذي له المَثَلُ، فقال ابن عباس وقتادة: هو مَثَلُ الكافر والمؤمِنِ «١» ، وقال مجاهد والضَّحَّاك: هذا المِثَال والمِثَالُ الآخر الذي بَعْدَه، إِنما هو مثَالٌ للَّهِ تعالى، والأصنامِ، فتلك كالعَبْدِ المملوكِ الذي لا يَقْدِرُ على شيء، واللَّه تعالى تتصرَّف قدرته دون معقب «٢» ، وكذلك فَسَّر الزَّجَّاج على نحو قول مجاهد، وهذا التأويلُ أصوبُ لأن الآية تكُونُ من معنى ما قَبْلَها، ومدارُها في تبْيِيِن أمْر اللَّه والردِّ على أمْر الأصنام.

وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على ظهور الحجَّة.

وقوله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ...

الآية: هذا مثَلٌ للَّه عزَّ وجلَّ والأصنامِ، فهي كالأبكم الذي لا نُطْقَ له ولا يَقْدِرُ على شيء، «والكلّ» الثقيل المئونة، كما الأصنامُ تحتاجُ إِلى أنْ تُنْقَلَ وتَخْدَمَ ويتعذَّب بها، ثم لا يأتي مِنْ جهتها خَيْرٌ أبداً، والذي يأمر بالعدلِ هو اللَّه تعالى.

وقوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ ...

الآية: المعنى، على ما قاله قتادة وغيره: ما تكونُ الساعةُ وإقامتها في قُدْرة اللَّه تعالى «٣» إِلا أنْ يقول لها: كُنْ، فلو آتَّفَقَ أنْ يقف على ذلك محصِّلٌ من البشر، لكانَتْ من السرعة بحَيْث يشكُّ، هل هي كَلَمْحِ البَصرِ أو هي أقْرَبُ، «ولمح البصر» هو وقوعه على المرئيّ.

وقوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ...

الاية: «الجوُّ مسافةُ ما بين السماءِ والأرض، وقيل: هو ما يلي الأرض منها، والآيةُ عِبْرةٌ بيِّنة المعنى، تفسيرها تكلف محت، ويَوْمَ ظَعْنِكُمْ معناه رَحِيلكم، والأصواف: للضأنِ، والأوبار:

للإِبل، والأشعار: للمعز، ولم تكُنْ بلادهم بلادَ قُطْن وَكَّتانٍ، فلذلك اقتصَرَ على هذه، ويحتملُ أنَّ تَرْكَ ذكْر القُطْن والكَتَّانِ والحرير إعراضٌ عن السَّرَف، إذ ملْبَسُ عبادِ اللَّهِ الصالحينَ إِنما هو الصُّوف، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» عند قوله تعالى: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ [النحل: ٥] : في هذه الآية دليلٌ على لبَاسِ الصُّوفِ، فهو أوَّل ذلك وأولاه، لأنه شِعارُ المتقين، ولباسُ الصالحين، وشَارَةُ الصَّحابة والتابعين، واختيار الزُّهَّاد والعارفين، وإِليه نُسِبَ جماعةٌ من النَّاس «الصُّوفِيَّةُ» لأنه لباسُهم في الغالِبَ انتهى.

«والأثاث» متاعُ البَيْت، واحِدُها أَثَاثَة هذا قول أبي زَيْد الأنْصَارِيِّ «١» وقال غيره:

«الأثَاثُ» : جميع أنواعِ المالِ، ولا واحدَ له من لفظه.

قال ع «٢» : والاشتقاق «٣» يقوي هذا المعنى الأعمَّ لأنَّ حالَ الإِنسان تَكُونُ بالمال أثِيثَةً كما تقول: شَعْرٌ أثيث، ونبات أثيث، إذا كثر والتفّ، والسرابيل: جميعُ ما يُلْبَسُ عَلَى جميع البدنِ، وذكر وقاية الحَرِّ، إِذ هو أمسُّ بتلك البلادِ، والبَرْدُ فيها معدومٌ في الأكثر، وأيضاً: فذكر أحدهما يدلّ على الآخر، وعن عمر رضي اللَّه عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يقوُلُ: مَنْ لَبِسَ ثَوباً جَدِيداً، فَقَالَ: «الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوارِي به عَوْرَتي وأَتَجَمَّلُ بِهِ في حَيَاتي، ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْب الَّذِي خَلَقَ، فَتَصَدَّقَ به- كَانَ في كَنَفِ اللَّهِ، وفي حفْظِ اللَّه، وفي سَتْر اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتاً «٤» » رواه الترمذيُّ، واللفظُ له، وابنُ ماجَه، والحاكمُ في «المستدرك» ، وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما اشترى عبد ثوبا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا ﴾ أيْ: مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ، وهي المَساكِنُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الحَجَرِ والمُدَرِ تَسْتُرُ العَوْراتِ والحُرَمِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَشَبَ والمُدَرَ والآلَةَ الَّتِي بِها يُمْكِنُ بِناءُ البَيْتِ وتَسْقِيفُهُ، ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا ﴾ وهي القِبابُ والخِيَمُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الأدَمِ ﴿ تَسْتَخِفُّونَها ﴾ أيْ: يَخِفُّ عَلَيْكم حَمْلُها ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو " ظَعَنِكم " بِفَتْحِ العَيْنِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِتَسْكِينِ العَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، كالشَّعَرِ والشَّعْرِ، والنَّهَرِ والنَّهْرِ، والمَعْنى: إذا سافَرْتُمْ، " ويَوْمَ إقامَتِكم " أيْ: لا تَثْقُلُ عَلَيْكم في الحالَيْنِ.

﴿ وَمِن أصْوافِها ﴾ يَعْنِي: الضَّأْنَ ﴿ وَأوْبارِها ﴾ يَعْنِي: الإبِلَ ﴿ وَأشْعارِها ﴾ يَعْنِي: المَعْزَ ﴿ أثاثًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الأثاثُ: المَتاعُ، لا واحِدَ لَهُ، كَما أنَّ المَتاعَ لا واحِدَ لَهُ.

والعَرَبُ تَقُولُ: جَمْعُ المَتاعِ أمْتِعَةٌ، ولَوْ جَمَعْتَ الأثاثَ، لَقُلْتَ: ثَلاثَةُ أإثَّةٍ وأثُثٍ، مِثْلُ: أعِثَّةٍ وعُثُثٍ لا غَيْرُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأثاثُ: مَتاعُ البَيْتِ مِنَ الفَرْشِ والأكْسِيَةِ.

قالَ أبُو زَيْدٍ: واحِدُ الأثاثِ: أثاثَةٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: قَدْ أثَّ يَأثُّ أثًّا: إذا صارَ ذا أثاثٍ.

ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: أصْلُهُ الكَثْرَةُ واجْتِماعُ بَعْضِ المَتاعِ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ: شَعَرٌ أثِيثٌ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَمَتاعًا ﴾ فَقِيلَ: إنَّما جُمِعَ بَينَهُ وبَيْنَ الأثاثِ، لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إلى حِينٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، والمَعْنى: يَنْتَفِعُونَ بِهِ إلى حِينِ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ إلى حِينِ البِلى، فالمَعْنى: إلى أنْ يَبْلى ذَلِكَ الشَّيْءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا ﴾ أيْ: ما يَقِيكم حَرَّ الشَّمْسِ، وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ ظِلالُ الغَمامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ظِلالُ البُيُوتِ، [قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: ظِلالُ الشَّجَرِ، قالَهُ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: ظِلالُ الشَّجَرِ والجِبالِ]، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن حائِطٍ، وسَقْفٍ، وشَجَرٍ وجَبَلٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ أيْ: ما يَكُنُّكم مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وهي الغِيرانُ والأسْرابُ.

وواحِدُ الأكْنانِ " كِنٌّ " وكُلُّ شَيْءٍ وقى شَيْئًا وسَتَرَهُ فَهو " كِنٌّ " .

﴿ وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ ﴾ وهي القُمُصُ ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ ولَمْ يَقُلِ: البَرْدَ، لِأنَّ ما وقى مِنَ الحَرِّ، وقى مِنَ البَرْدِ، وأنْشَدَ: وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي وَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما خَصَّ الحَرَّ، لِأنَّهم كانُوا في مَكاناتِهِمْ أكْثَرَ مُعاناةً لَهُ مِنَ البَرْدِ، وهَذا مَذْهَبُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ ﴾ يُرِيدُ الدُّرُوعَ الَّتِي يَتَّقُونَ بِها شِدَّةَ الطَّعْنِ والضَّرْبَ في الحَرْبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: مِثْلَما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِهَذِهِ الأشْياءِ، يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم في الدُّنْيا ﴿ لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ ﴾ والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، وكانَ أكْثَرُهم حِينَئِذٍ كُفّارًا، ولَوْ قِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فالمَعْنى: لَعَلَّكم تَدُومُونَ عَلى الإسْلامِ، وتَقُومُونَ بِحَقِّهِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ: " لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ " بِفَتْحِ التّاءِ واللّامِ، عَلى مَعْنى: لَعَلَّكم إذا لَبِسْتُمُ الدُّرُوعَ تُسَلِّمُونَ مِنَ الجِراحِ في الحَرْبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ ﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ ﴾ وهَذِهِ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ﴾ وفي هَذِهِ النِّعْمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها [المَساكِنُ] نِعَمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.

وفي إنْكارِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم يَقُولُونَ: هَذِهِ ورِثْناها [عَنْ آبائِنا] .

رَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نِعَمُ اللَّهِ: المَساكِنُ، والأنْعامُ، وسَرابِيلُ الثِّيابِ، والحَدِيدُ، يَعْرِفُهُ كَفّارُ قُرَيْشٍ، ثُمَّ يُنْكِرُونَهُ بِأنْ يَقُولُوا: هَذا كانَ لِآبائِنا ورِثْناهُ عَنْهم، وهَذا عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهم يَقُولُونَ: لَوْلا فُلانٌ، لَكانَ كَذا، فَهَذا إنْكارُهم، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

والثّالِثُ: يَعْرِفُونَ أنَّ النِّعَمَ مِنَ اللَّهِ، ولَكِنْ يَقُولُونَ: هَذِهِ بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنِّعْمَةِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ  يَعْرِفُونَ أنَّهُ نَبِيٌّ ثُمَّ يُكَذِّبُونَهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، والزَّجّاجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: وجَمِيعُهم كَفّارٌ، فَذَكَرَ الأكْثَرَ، والمُرادُ بِهِ الجَمِيعُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ ﴾ ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عنهم ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ فِيها مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، والمَعْنى: إنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ بِقادِرٍ عَلى خَلْقِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، وإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُبَيِّنَ وتُبَلِّغَ أمْرَ اللهِ ونَهْيَهُ، ثُمَّ قَرَّعَهم ووَبَّخَهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ في هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، ويَقُولُونَ إنَّها مِن عِنْدِهِ ثُمَّ يَكْفُرُونَ بِهِ تَعالى، وذَلِكَ فِعْلُ المُنْكِرِ لِلنِّعْمَةِ الجاحِدِ لَها.

هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، فَسَمّاهم مُنْكِرِينَ لِلنِّعْمَةِ تَجَوُّزًا؛ إذْ كانَتْ لَهم أفْعالُ المُنْكِرِينَ مِنَ الكُفْرِ بِرَبِّ النِعَمِ، ولِشِرْكِهِمْ في النِعَمِ الأوثانَ عَلى وجْهٍ ما، وهو ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ لِلْأوثانِ مِنَ الأفْعالِ مِنَ النَفْعِ والضُرِّ، وقالَ السُدِّيُّ: النِعْمَةُ هُنا: مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

ووَصَفَهم تَبارَكَ وتَعالى بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُعْجِزاتِهِ وآياتِ نُبُوَّتِهِ ويُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِالتَكْذِيبِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالكُفْرِ وهم أهْلُ مَكَّةَ ؛ لَأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن قَدْ داخَلَهُ الإسْلامُ ومَن أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ آيَةُ وعِيدٍ، التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ نَبْعَثُ ويَرِدُ شَهِيدًا عَلى كُفْرِهِمْ وإيمانِهِمْ، فَـ "شَهِيدٌ" بِمَعْنى "شاهِدٌ"، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المَعْنى: ثُمَّ يُنْكِرُونَها اليَوْمَ، ويَوْمَ نَبْعَثُ، أيْ: يُنْكِرُونَ كُفْرَهم فَيُكَذِّبُهُمُ الشَهِيدُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ لا يُؤْذَنُ ﴾ أيْ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا أيْ في المَعْذِرَةِ، وهَذا في مَوْطِنٍ دُونَ مَوْطِنٍ؛ لَأنَّ في القُرْآنِ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تَأْتِي تُجادِلُ عن نَفْسِها ويَتَرَتَّبُ أنْ تَجِيءَ كُلُّ نَفْسِ تَجادُلُ، فَإذا اسْتَقَرَّتْ أقْوالُهم بَعَثَ اللهُ الشُهُودَ مِنَ الأُمَمِ فَتُكَذِّبُ الكُفّارَ فَلا يُؤْذَنُ لِلْكاذِبِينَ بَعْدُ في مَعْذِرَةٍ، ﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ بِمَعْنى: يُعْتَبُونَ، تَقُولُ: "عَتَبْتُ الرَجُلَ" إذا كَفَيْتَهُ ما عَتَبَ فِيهِ، كَما تَقُولُ: "أشْكَيْتُهُ ما شَكا"، كَأنَّهُ قالَ: ولا هم يُكْفَوْنَ ما يُعْتِبُونَ فِيهِ ويَشُقُّ عَلَيْهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ، تَقُولُ: أدْنَيْتُ الرَجُلَ واسْتَدْنَيْتُهُ، وقالَ قَوْمُ: لا يَسْألُونَ أنْ يَرْجِعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ في الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اسْتِعْتابٌ مَعْناهُ طَلَبَ عُتْباهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ الرُجُوعَ إلى الدُنْيا فَلا يُعْطُونَ فَيَقَعُ مِنهم تَوْبَةُ عَمَلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ ﴾ ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ الظالِمِينَ في كُفْرِهِمْ إذا أراهُمُ اللهُ عَذابَ النارِ وشارَفُوها وتَحَقَّقُوا كُنْهَ شِدَّتِها، فَإنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الهائِلَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ لا يُخَفَّفُ بِوَجْهٍ ولا يُؤَخَّرُ عنهُمْ، وإنَّما مَقْصِدُ الآيَةِ الفَرْقَ بَيْنَ ما يَحِلُّ بِهِمْ وبَيْنَ رَزايا الدُنْيا، فَإنَّ الإنْسانَ لا يَتَوَقَّعُ أمْرًا مِن خُطُوبِ الدُنْيا إلّا ولَهُ طَمَعٌ في أنْ يَتَأخَّرَ عنهُ، وأنْ يَجِيئَهُ في أخَفِّ ما يَتَوَهَّمُ بِرَجائِهِ، وكَذَلِكَ مَتى حَلَّ بِهِ كانَ طامِعًا في أنْ يَخِفَّ، وقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ في خُطُوبِ الدُنْيا كَثِيرًا، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ -إذا عايَنَهُ الكافِرُ- لا طَماعِيَةً فِيهِ بِتَخْفِيفٍ ولا تَأْخِيرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ [سورة النحل: 84].

و ﴿ إذا ﴾ شرطية ظرفية.

وجملة ﴿ فلا يخفف ﴾ جواب ﴿ إذا ﴾ .

وقرن بالفاء لتأكيد معنى الشرطية والجوابية لدفع احتمال الاستئناف.

وصاحب «الكشاف» جعل ﴿ إذا ﴾ ظرفاً مجرّداً عن معنى الشرطية منصوباً بفعل محذوف لقصد التهويل يقتضي تقديره عدمُ وجود متعلّق للظرف ليقدّر له متعلّق بما يناسب، كما قدّر في قوله تعالى: ﴿ ويوم نبعث ﴾ [سورة النحل: 84].

والتقدير: إذا رأى الذين ظلموا العذاب ثقل عليهم وبغتهم، وعلى هذا فالفاء في قوله: فلا يخفف } فصيحة وليست رابطة للجواب.

و ﴿ الذين ظلموا ﴾ هم الذين كفروا، فالتعبير به من الإظهار في مقام الإضمار لقصد إجراء الصفات المتلبّسين بها عليهم.

والمعنى: فلا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون، ثم يساقون إلى العذاب فإذا رأوه لا يخفّف عنهم، أي يسألون تخفيفه أو تأخير الإقحام فيه فلا يستجاب لهم شيء من ذلك.

وأطلق العذاب على آلاته ومكانه.

وجاء المسند إليه مُخبراً عنه بالجملة الفعلية، لأن الإخبار بالجملة الفعلية عن الاسم يفيد تقوّي الحكم، فأريد تقوّي حكم النفي، أي أن عدم تخفيف العذاب عنهم محقّق الوقوع لا طماعية في إخلافه، فحصل تأكيد هذه الجملة كما حصل تأكيد الجملة التي قبلها بالفاء، أي فهم يلقون بسرعة في العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: البُيُوتُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: الشَّجَرُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ الأكْنانُ: جَمْعُ كِنٍّ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُسْتَكَنَّ فِيهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ ظِلُّ الجِبالِ.

الثّانِي: أنَّهُ ما فِيها مِن غارٍ أوْ شَرَفٍ.

﴿ وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ يَعْنِي ثِيابَ القُطْنِ والكَتّانِ والصُّوفِ.

﴿ وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ ﴾ يَعْنِي الدُّرُوعَ الَّتِي تَقِي البَأْسَ، وهي الحَرْبُ.

قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما لُبِسَ مِن قَمِيصٍ ودُرُوعٍ فَهو سِرْبالٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ السَّهْلَ وقالَ: ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ؟

فَعَنْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ القَوْمَ كانُوا أصْحابَ جِبالٍ ولَمْ يَكُونُوا أصْحابَ سَهْلٍ، وكانُوا أهْلَ حَرٍّ ولَمْ يَكُونُوا أهْلَ بَرْدٍ، فَذَكَرَ لَهم نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ مِمّا هو مُخْتَصٌّ بِهِمْ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّانِي: أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، إذْ كانَ مَعْلُومًا أنَّ مَنِ اتَّخَذَ مِنَ الجِبالِ أكْنانًا اتَّخَذَ مِنَ السَّهْلِ، والسَّرابِيلُ الَّتِي تَقِي الحَرَّ تَقِي البَرْدَ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي.

فَكَنّى عَنِ الشَّرِّ ولَمْ يَذْكُرْهُ لِأنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الجِبالَ لِأنَّهُ قَدَّمُ ذِكْرَ السَّهْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا ﴾ وذَكَرَ الحَرَّ دُونَ البَرْدِ تَحْذِيرًا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ وتَوَقِّيًا لِاسْتِحْقاقِها بِالكَفِّ عَنِ المَعاصِي.

﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ ﴾ أيْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إذا عَرَفْتُمْ نِعَمَهُ عَلَيْكم.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ لَعَلَّكم تُسَلِّمُونَ بِفَتْحِ التّاءِ أيْ تَسْلَمُونَ مِنَ الضَّرَرِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ عَنى ضَرَرَ الحَرِّ والبَرْدِ واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ضَرَرَ القِتالِ والقَتْلِ، واحْتُمِلَ أنْ يُرِيدَ ضَرَرَ العَذابِ في الآخِرَةِ إنِ اعْتَبَرْتُمْ وآمَنتُمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى النَّبِيَّ  يَعْرِفُونَ نُبُوَّتَهُ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ويُكَذِّبُونَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهم يَعْرِفُونَ ما عَدَّدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ النِّعَمِ وأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ ويُنْكِرُونَها بِقَوْلِهِمْ أنَّهم ورِثُوا ذَلِكَ عَنْ آبائِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ إنْكارَها أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لَوْلا فُلانٌ ما كانَ كَذا وكَذا ولَوْلا فُلانٌ ما أصَبْتُ كَذا، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

الرّابِعُ: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِالنِّعْمَةِ إقْرارُهم بِأنَّ اللَّهَ رَزَقَهم، وإنْكارَهم قَوْلُهُمْ: رُزِقْنا ذَلِكَ بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا.

الخامِسُ: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ بِتَقَلُّبِهِمْ فِيها، ويُنْكِرُونَها بِتَرْكِ الشُّكْرِ عَلَيْها.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: يَعْرِفُونَها في الشِّدَّةِ، ويُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا يَعْرِفُونَها بِأقْوالِهِمْ، ويُنْكِرُونَها بِأفْعالِهِمْ.

قالَ الكَلْبِيُّ: هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى سُورَةُ النِّعَمِ؛ لِما ذَكَرَ اللَّهُ فِيها مِن كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ.

﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وجَمِيعُهم كافِرُونَ، فَعَبَّرَ عَنِ الجَمِيعِ بِالأكْثَرِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ ﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ لِأنَّ فِيهِمْ مَن جَرى عَلَيْهِ حُكْمُ الكُفْرِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ كالصِّبْيانِ والمَجانِينِ، فَتَوَجَّهُ الذِّكْرُ إلى المُكَلَّفِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ قال: من الشجر ومن غيرها ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ قال: غارات يسكن فيها.

﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ من القطن والكتان والصوف ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ من الحديد ﴿ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ﴾ ولذلك هذه السورة تسمى سورة النعم.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الكسائي، عن حمزة عن الأعمش وأبي بكر وعاصم، أنهم قرأوا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ برفع التاء من أسلمت.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ قال: يعني الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ قال: يعني الدروع والسلاح ﴿ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ﴾ يعني من الجراحات.

وكان ابن عباس يقرؤها ﴿ تسلمون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه: أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله؟

فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ قال: الأعرابي نعم، قال: ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها ﴾ قال: الأعرابي نعم ثم قرأ عليه، كل ذلك يقول نعم، حتى بلغ ﴿ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ﴾ فولى الأعرابي، فأنزل الله: ﴿ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ﴾ قال: هي المساكن والأنعام وما ترزقون منها، وسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول: هذا كان لآبائنا فورثونا إياه.

وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير في الآية قال: يعلمون أن الله خلقهم وأعطاهم، بعدما أعطاهم يكفرون، فهو معرفهم نعمته، ثم إنكارهم إياها كفرهم بعد.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عون بن عبد الله في قوله: ﴿ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ﴾ قال: انكارهم إياها، أن يقول الرجل: لولا فلان أصابني كذا وكذا، ولولا فلان لم أصب كذا وكذا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ﴾ قال محمد:- صلى الله عليه وسلم- ولفظ ابن أبي حاتم قال: هذا في حديث أبي جهل والأخنس، حين سأل الأخنس أبا جهل عن محمد: فقال: هو نبي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين اتخذوهم (١) (٢) (٣) ﴿ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ ﴾ ، أي: كنا نعبدهم من دونك، ﴿ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ ﴾ قال الكلبي: أجابوهم (٤) (٥) (٦) ﴿ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ (٧) ﴿ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ : في أَنَّا نستحق العبادة (٨) ﴿ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ : في أَنَّا دعوناكم إلى العبادة، وهذا قول الفراء (٩) ﴿ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ : في تسميتنا آلهة وأربابًا (١٠) (١١) ﴿ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ : في عبادتكم إيَّانَا، ما كنا نعرف ذلك ولا علم لنا بعبادتكم، فظهر عند ذلك فضيحة الكفار، حيث عبدوا من لم يشعر بالعبادة، يدل على هذا قوله: ﴿ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ  ﴾ ، والله أعلم.

(١) في (أ)، (د): (اتخذو لهم)، وفي (ش)، (ع): (اتخذوا لهم)، والمثبت هو الصحيح وينسجم مع السياق.

(٢) انظر: "تفسير أبى حيان" 5/ 526، و"تفسير الألوسي" 14/ 208، بنحوه غير منسوب.

(٣) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 416، بنصه.

(٤) ورد بلا نسبة في "تفسيره "الوسيط"" تحقيق سيسي 2/ 428، وابن الجوزي 4/ 480.

(٥) "تفسير مجاهد" ص 350، بلفظه، أخرجه الطبري 14/ 159 بلفظه من طريقين، و"الدر المنثور" 4/ 239، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٦) في جميع النسخ: (قولها)، والتصويب من المصدر.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 112، بنصه.

(٨) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 416، بنصه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 97.

(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 112، بمعناه.

(١٠) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 417، بنحوه، وانظر: "تفسير الخازن" 3/ 130.

(١١) في جميع النسخ: (الإله) والصحيح الآلهة؛ لأنها هي التي كذبت عابديها.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ﴾ إشارة إلى ما ذكر من النعم من أول السورة إلى هنا والضمير في يعرفون للكفار، وإنكارهم لنعم الله إشراكهم به وعبادة غيره، وقيل نعمة الله نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ أي يشهد عليهم بإيمانهم وكفرهم ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي لا يؤذون لهم في الاعتذار ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ أي لا يسترضون، وهو من العتب بمعنى الرضى ﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى التأخير أو بمعنى النظر: أي لا ينظر الله إليهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تجحدون ﴾ بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد.

الآخرون على الغيبة.

﴿ من بطون إمهاتكم ﴾ ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: عليّ.

﴿ إمهاتكم ﴾ بكسرهما: حمزة.

الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.

﴿ ألم تروا ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة وخلف وسهل ويعقوب ﴿ ظعنكم ﴾ بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ في الرزق ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ من الطيبات ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا يستطيعون ﴾ ه ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب ﴿ الأمثال ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ وجهراً ﴾ ط ﴿ هل يستوون ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لأن "بل" للإعراض عن الأول.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مولاه ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما ﴿ بخير ﴾ ط ثم لا وقف إلى مستقيم لاتحاد الكلام ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أقرب ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ والأفئدة ﴾ لا لتعلق ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إقامتكم ﴾ لا لوقوع ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ باسكم ﴾ ط ﴿ تسلمون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفاً من سائر أحواله لعله يتذكر فقال: ﴿ والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ ولا ريب أن ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي الحال، وليس هذا التفاوت مختصاً بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على تناول شيء منها، وربما نرى إنساناً كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا يجد ملء بطنه طعاماً.

وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقاً للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم.

وثانيهما أن المراد الرد على من أثبت لله شريكاً كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلاً فقال: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردّون رزقكم عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس.

فالفاء في قوله: ﴿ فهم فيه سواء ﴾ للتعليل.

ولك أن تقول بمعنى "حتى" أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟!

"عن أبي ذر  أنه سمع رسول الله  يقول في العبيد: إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون" فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ﴿ أفبنعمة الله ﴾ وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيداً مفضولين ﴿ يجحدون ﴾ أو جعل عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية العبادة لغير الله كفراً بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه بالباء.

قال أبو عبيدة وأبو حاتم.

قراءة الغيبة - وهي الكثرى - أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد نعمة البتة.

الحالة الأخرى من أحوال الإنسان قوله عم طوله: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم ﴿ أزواجاً ﴾ ليكون الأنس به أتم.

ولا ريب أن تخليق الذكور والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه.

والطبيعيون قد يذكرون له وجهاً قالوا: إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن مراجاً وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد تاماً في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان في غاية البرودة.

ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما على الآخر.

﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ أصل الحفد الإسراع في الخدمة.

والفاعل حافد والجمع حفدة.

فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات.

وقيل: أولاد الأولاد.

وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل وقيل: الخدم والأعوان.

وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين الأمرين البنوّة والخدمة.

وقيل: الأولى دخول الكل فيه.

ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها.

وأورد "من" التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة.

وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة الله ما أحل لهم.

وإنما قال ههنا: ﴿ وبنعمة الله هم يكفرون ﴾ وفي آخر "العنكبوت" ﴿ وبنعمة الله يكفرون  ﴾ لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب.

وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب.

ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلاً ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً ﴾ قال جار الله: إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئاً أي لا يملك أن يرزق شيئاً، وإن أردت المرزوق كان شيئاً بدلاً منه بمعنى قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لا يملك شيئاً من الملك.

و ﴿ من السموات والأرض ﴾ صلة للرزق إن كان مصدراً بمعنى لا يرزق من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً وصفة إن كان اسماً لما يرزق.

أما الضمير في ﴿ ولا يستطيعون ﴾ فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة.

والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، فبيّن  أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك.

وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له؟

﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالاً بحال وقصة بقصة.

وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً لأنه واحد لا مثل له.

وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص.

وعلل النهي بقوله: ﴿ إن الله يعلم ﴾ ما عليكم من العقاب ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ما في عبادتها من العذاب.

وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك.

وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون.

ثم علمهم كيف تضرب فقال: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ ثم أبدل من المثل قوله: ﴿ عبداً مملوكاً ﴾ لا حراً فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبداً كونه مملوكاً.

وقوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ ليخرج العبد المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف.

احتج الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئاً وإن ملكه السيد لأن قوله: ﴿ لا يقدر ﴾ حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على التصرف.

وأيضاً قوله: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ يقتضي أن لا يحصل للقسم الأوّل هذا الوصف.

فلو ملك العبد شيئاً ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق الحسن فلم يثبت الامتياز، والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله تعلق بالمال.

وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضاً.

قال جار الله: الظاهر أن "من" في قوله: ﴿ ومن رزقناه ﴾ موصوفة كأنه قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبداً.

ولا يمتنع أن تكون موصولة.

وجمع قوله: ﴿ هل يستوون ﴾ لأنه أراد الأحرار والعبيد.

وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوّى بين الله القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة؟!

وقيل: العبد المملوك هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله.

والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله.

وقيل: العبد هو الصنم لقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتِى الرحمن عبداً  ﴾ .

والثاني عابد الصنم.

والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف.

لأن الأوّل جماد وهذا إنسان فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساوٍ لرب العالمين؟!.

﴿ الحمد لله ﴾ قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد.

وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد ﴿ بل أكثرهم لايعلمون ﴾ أن كل الحمد لي.

وقيل: أراد قل الحمد لله.

والخطاب إما للرسول  وإما لمن رزقه الله رزقاً حسناً وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف.

وقيل: لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال: ﴿ الحمد لله ﴾ أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ قوّتها وظهورها.

ثم ضرب مثلاً ثانياً لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى من يعبدها أعظم المضار.

أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكماً وبكامة.

وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر.

وقوله: ﴿ وهو كلٌّ على مولاه ﴾ أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة.

يقال: كَلَّ السكين إذا غلظت شفرته، وكَلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكَلَّ فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كَلٌّ على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره.

وقوله: ﴿ أينما يوجهه ﴾ حيثما يرسله ﴿ لا يأت بخير ﴾ لم ينجح في مطلبه.

والتوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق ﴿ هل يستوي هو ﴾ أي الموصوف بهذه الصفات المذكورة.

﴿ ومن يأمر ﴾ الناس ﴿ بالعدل وهو ﴾ في نفسه ﴿ على صراط مستقيم ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط.

ولا شك أن الآمر بالعدل يجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور.

قادراً حتى يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا يقدر.

قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه.

أما الأبكم فمثل الصنم لأنه لا ينطق ألبتة ولا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أيّ مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله  .

وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه.

وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي العيص وفي عثمان بن عفان مولاه.

والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة.

ومن الآية الثانية كل رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا الله  فلذلك مدح نفسه بقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي يختص به علم ما غاب عنه العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ اللمح النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في غاية الصدق لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

وقيل: معنى أمر الساعة أن إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله.

ثم أكده بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ .

ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ قال جار الله: هو في موضع الحال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسوّاكم وصوّركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة.

وقوله: ﴿ وجعل لكم ﴾ معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم.

﴿ والأفئدة ﴾ في فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضاً لعدم ورود غيرها.

واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم إلا أنه  خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافياً في جزم الذهب بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعاً للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية.

وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله  أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية.

وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارهاعليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية.

فالمراد بقوله: ﴿ لا تعلمون شيئاً ﴾ أنه لا يظهر أثر العلم عليكم.

ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق.

ومعنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله.

وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أخرج ﴾ أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟

ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته فقال: ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء.

وفي ﴿ جوّ السماء ﴾ أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران.

ومن جملة أحوال الإنسان قوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف ﴿ جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع ﴿ تستخفونها ﴾ أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ﴿ يوم ظعنكم ﴾ أي في وقت ارتحالكم.

والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر.

﴿ ويوم إقامتكم ﴾ لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها ﴿ ومن أصوافها ﴾ وهي للضأن ﴿ وأوبارها ﴾ وهي للإبل ﴿ وأشعارها ﴾ وهي للمعز ﴿ أثاثاً ﴾ وهو متاع البيت.

قال الفراء لا واحد له.

وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة.

قال ابن عباس: أراد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة.

وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر.

قيل: إنه  عطف قوله: ﴿ ومتاعاً ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟

وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء.

والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به.

قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو الجامع بين الوصفين كونه أثاثاً وكونه مما يتمتع به ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة.

ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فذلك قال: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ هي جمع "كن" وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوته في الجبال وكالغيران والكهوف ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها.

وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالباً بشهادة الوجدان.

قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ كالدروع والجواشن ﴿ كذلك يتم نعمته ﴾ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه.

وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون فتسلمون من العذاب.

وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع ﴿ فان تولوا ﴾ فقد تمهد عذرك ﴿ فإنما عليك البلاغ المبين ﴾ وليس إليك الهداية.

ثم ذمهم بأنهم ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله ﴿ ثم ينكرونها ﴾ بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا.

ومعنى "ثم" تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان: وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله.

وقيل: نعمة الله نبوّة محمد  كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوّته عناداً.

وإنما قال: ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ لأنه استعمل الأكثر مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون.

قلت: ويحتمل أن يراد بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من يؤمن فلهذا استثناهم والله  أعلم.

التأويل: فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل أعباء الشريعة.

فما الأرواح برادّي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على النفوس، ولا النفوس على الأبدان.

أفبنعمة الله التي أنعم بها على أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ يعني ازدواج الأرواح والأشباح ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين ﴾ وهم القلوب ﴿ وحفدة ﴾ وهن النفوس ﴿ أفبالباطل ﴾ وهو الزخارف والوساوس ﴿ يؤمنون وبنعمة الله ﴾ التي أنعم بها على أرباب القلوب ﴿ يكفرون ﴾ ويعبدون من دون الله كالدنيا والهوى ﴿ ما لا يملك لهم زرقاً ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس شيئاً من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا يستطعيون استخراجها بعبادة غير الله ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً ممولكاً ﴾ للهوى وللدنيا ﴿ ومن رزقناه ﴾ ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم.

﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره.

﴿ أحدهما أبكم ﴾ هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة.

﴿ لا يأت بخير ﴾ لأنها أمارة بالسوء ﴿ ولله غيب ﴾ سموات الأرواح النفوس لا يقف على خاصيتهما غيره، ولو وكل كلاً منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وحنيئذ يكون فانياً عن وجوده باقياً ببقائه ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وجواب ﴿ بلى  ﴾ وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة.

ولأسراركم سمعاً يسمع به من الله وبصراً يبصر به الله وفؤاداً يعرف به الله.

وبوجه آخر: {والله أخرجكم من العدم وهو الأم الحقيقي، لا تعلمون شيئاً قبل أن يعلمكم الله  أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم سمعاً تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصراً تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤاداً تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لساناً.

تجيبونه بقولكم "بلى" ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تكلمون بهذا الكلام إلى معه ﴿ ألم يروا إلى ﴾ طير الأرواح ﴿ مسخرات في جوّ ﴾ سماء القلوب ﴿ ما يمسكهن ﴾ في سفل الأجساد ﴿ إلا الله ﴾ بحكمته فلذلك قال: ﴿ والله جعل لكم ﴾ أيها الأرواح ﴿ من بيوتكم ﴾ وهي الأجساد ﴿ سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ﴾ التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات ﴿ بيوتاً ﴾ تستخف أرواحكم إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والوقفة للاستراحة والتربية ﴿ ومن أصوافها ﴾ هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى ﴿ أثاثاً ﴾ آلات للسير ﴿ ومتعاً ﴾ ينتفع بها ﴿ إلى حين ﴾ الوصول والوصال.

﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ أي جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.

و ﴿ وجعل لكم من ﴾ جبال القلوب ما يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك يحفظكم من الآفات من الصفات بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من قطع الطريق ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ بتعريفك ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ بك وبنعمة الله إظهاراً للقهر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: من قدر على إمساك الطير، وهي أجسام كغيرها من الأجسام في الهواء بلا إعانة في الأسفل ولا تعلق بشيء من الأعلى، لقادر على إنشاء الخلق وإعادتهم بعد الفناء.

أو يقول: أو لم يروا إلى اللطف الذي جعل في الطير، والحكمة التي أنشأ فيها حتى قدرت على الاستمساك في الهواء، والطيران في الجو: ما لو اجتمع الخلائق جميعاً أن يدركوا ذلك اللطف أو تلك الحكمة - ما قدروا على إدراكه.

وفي ذلك نقض قول المعتزلة؛ لأن الطيران فعل الطير، ثم أضاف ذلك إلى الله حيث قال: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : دلّ ذلك أن لله في ذلك صنعاً وفعلاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأََيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

جميع ما ذكر يكون آية لمن آمن؛ لأنه هو المنتفع.

قال أبو عوسجة: لمح البصر: سرعة النظر، وجوّ السماء: هواؤها، ويقال: بطن السماء، ويقال: جوف السماء، ويقال: الجوّ: ما اطمأن من الأرض.

والأوّل أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ .

ظاهر هذا أنه قد جعل لنا من البيوت - أيضاً - ما ليس بسكن؛ لأنه قال: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ ، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ  ﴾ : وهو كالمساجد والرباطات وغيرها.

ويشبه أن يكون ذكر هذا؛ ليعرفوا عظيم مننه ونعمه، حيث جعل الأرض بمحل يقرّون عليها ويمكن لهم المقام بها؛ بالرواسي التي ذكر أنه أثبت فيها بعدما كانت تميد بهم ولا تقر بها، أخبر أنه [جعل] فيها رواسي أو أن يكون حرف (من) صلة، أي: جعل لكم بيوتاً تسكنون فيها.

ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: سخر لكم الأرض حتى قدرتْم على اتخاذ المساكن فيها تسكنون.

أو جعل لكم بيوتاً، أي: علمكم تسكنون فيها.

ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ : أي [علمكم] ما تبنون فيها من البيوت ما لولا تعليمه إياكم ما تقدرون على بناء البيوت فيها؛ يذكر مننه عليهم، والله أعلم.

وفي هذه الآيات في قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ .

ونحوه: دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه ذكر أنه جعل بيوتاً سكناً، والسكن فعل العباد؛ دلّ أنّ لله في فعلهم صنعاً.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ ، قال أهل التأويل: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ ، أي: من صوفها، لكنه أضافها إلى الجلود؛ لما من الجلود يخرج، ومنها يجزّ ويؤخذ، وهو ما ذكر.

﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا ﴾ : وهو صوف الغنم.

﴿ وَأَوْبَارِهَا ﴾ : وهو صوف الإبل.

﴿ وَأَشْعَارِهَآ ﴾ : ما يخرج من المعز.

﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ : قيل: ليوم سفركم وسيركم.

﴿ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ﴾ : قال بعضهم: في المصر.

وقال بعضهم: في السفر حين النزول.

والجعل في هذا يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا في قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ : أحدهما: على التسخير لهم، والثاني: على التعليم.

ذكر - عز وجل - في البيوت المتخذة من المدر السكني؛ حيث قال: ﴿ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ ، ولم يذكر في البيوت المتخذة من الجلود والأوبار والأشعار؛ فكأنه ترك ذكره في هذه، الذكر في الأول ذكر تصريح، وذكر في الثاني ذكر دلالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثَاثاً ﴾ قيل: الأثاث والرياش: واحد، وهو المال.

وقيل: ما يتخذ من الثياب والأمتعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

[يحتمل إلى حين] إلى وقت بِلَى ذلك الأثاث، أو إلى حين وقت فنائهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ظِلاَلاً ﴾ البيوت التي ذكر وهي تظلهم، ويحتمل الأشجار.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً ﴾ .

وهي الغِيرَان والبيوت التي تتخذ في الجبال؛ تقيهم من الحرّ والبرد.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ ﴾ .

قيل: القميص والدروع، ثم ذكر أن ما ذكر من البيوت والأكنان والسرابيل تقيكم الحرّ، وتقيكم أيضاً بأس العدو.

﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

[على] ما ذكر من أنواع النعم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ ﴾ .

ذكر أنها تقي من الحر، وهي تقي الحرّ والبرد جميعاً؛ فكان في ذكر أحدهما ذكر الآخر ذكر كفاية.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

أي: كذلك يتم [ذكر] نعمته عليكم؛ ليلزمهم الإسلام أو حجته، ثم يحتمل النعمة على ما تقدم ذكره، ويحتمل: الرسول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .

جميع ما ذكر من النعم والآيات في هذه السّورة من أوّلها إلى آخرها؛ إنما ذكر لهذا الحرف، وهو قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .

وما ذكر ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ و ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ : يحتمل أن يكون هذه الأحرف كلها واحداً، ويحتمل أن يكون لكل حرف من ذلك معنى غير الآخر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ .

عن الإجابة لك وعما تدعوهم إليه.

﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

أي: ليس عليك إجابتهم، إنما عليك التبليغ إليهم والبيان لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾ .

يحتمل النعمة - هاهنا - محمداً  كانوا يعرفونه [لكنهم أنكروه؛ كقوله]: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ ، وما ذكر: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ : يعرفون نعمة الله، وهو ما ذكر عرفوها أنها من الله ﴿ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾ ؛ بعبادتهم الأصنام، وصرفهم شكرها إلى غيره، كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، مع ما يعرفون: أن الله هو خالقهم، وأن ما لهم كله من عند الله يعبدون الأصنام؛ فتكون عبادتهم دون الله كفران نعمة الله.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ : يوم سيركم؛ ظعن يظعن: سار، والسراويل: القميص.

يقول: ﴿ تَقِيكُمُ ﴾ ، أي: تستركم.

وقال القتبي: ﴿ ظِلاَلاً ﴾ ، أي: ظلال الشجر والجبال.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - في قوم علم الله أنهم يؤمنون بما ذكر لهم من أنواع النعم والأفضال؛ ليعلم أن الإسلام من أعظم نعم الله، لا يناله أحد إلا بنعمته.

وقال بعض أهل التأويل: سميت سورة (النحل) سورة النعم؛ لما فيها من ذكر النعم وأنواع منافع الخلق من أولها إلى آخرها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

عاين المشركون في الآخرة معبوداتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله قالوا: ربنا، هؤلاء هم شركاؤنا الذين كنا نعبدهم من دونك، قالوا ذلك ليُحَمِّلوهم أوزارهم، فانطق الله معبوداتهم، فردوا عليهم: إنكم - أيها المشركون لكاذبونن في عبادتكم شريكًا مع الله، فليس معه شريك فيعبد.

<div class="verse-tafsir" id="91.a9aVb"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله