تفسير الآية ٩٦ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٩٦ من سورة النحل

مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٩٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٩٦ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٩٦ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ما عندكم ينفد ) أي : يفرغ وينقضي ، فإنه - إلى أجل - معدود محصور مقدر متناه .

( وما عند الله باق ) أي : وثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع ولا نفاد له فإنه دائم لا يحول ولا يزول ، ( ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) قسم من الرب - عز وجل متلقى باللام - أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم ، أي : ويتجاوز عن سيئها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) يقول تعالى ذكره: وليثيبنّ الله الذين صبروا على طاعتهم إياه في السّراء والضرّاء، ثوابهم يوم القيامة على صبرهم عليها ، ومسارعتهم في رضاه، بأحسن ما كانوا يعملُون من الأعمال دون أسوئها، وليغفرنّ الله لهم سيئها بفضله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ما عندكم ينفد وما عند الله باق فبين الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتحول ، وما عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وفى بالعهد وثبت على العقد .

ولقد أحسن من قال :المال ينفد حله وحرامه يوما وتبقى في غد آثامه ليس التقي بمتق لإلههحتى يطيب شرابه وطعامهآخر :هب الدنيا تساق إليك عفوا أليس مصير ذاك إلى انتقالوما دنياك إلا مثل فيء أظلك ثم آذن بالزوال[ ص: 158 ] قوله تعالى : ولنجزين الذين صبروا أي على الإسلام والطاعات وعن المعاصي .أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون أي من الطاعات ، وجعلها أحسن لأن ما عداها من الحسن مباح ، والجزاء إنما يكون على الطاعات من حيث الوعد من الله .

وقرأ عاصم وابن كثير ولنجزين بالنون على التعظيم .

الباقون بالياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الذي عندكم ولو كثر جدا لا بد أن { يَنْفَدُ } ويفنى، { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ } ببقائه لا يفنى ولا يزول، فليس بعاقل من آثر الفاني الخسيس على الباقي النفيس وهذا كقوله تعالى: { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ } وفي هذا الحث والترغيب على الزهد في الدنيا.

خصوصا الزهد المتعين وهو الزهد فيما يكون ضررا على العبد ويوجب له الاشتغال عما أوجب الله عليه وتقديمه على حق الله فإن هذا الزهد واجب.

ومن الدواعي للزهد أن يقابل العبد لذات الدنيا وشهواتها بخيرات الآخرة، فإنه يجد من الفرق والتفاوت ما يدعوه إلى إيثار أعلى الأمرين [وليس الزهد الممدوح هو الانقطاع للعبادات القاصرة كالصلاة والصيام والذكر ونحوها، بل لا يكون العبد زاهدا زهدا صحيحا حتى يقوم بما يقدر عليه من الأوامر الشرعية الظاهرة والباطنة، ومن الدعوة إلى الله وإلى دينه بالقول والفعل، فالزهد الحقيقي هو الزهد فيما لا ينفع في الدين والدنيا، والرغبة والسعي في كل ما ينفع] { وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا } على طاعة الله، وعن معصيته، وفطموا نفوسهم عن الشهوات الدنيوية المضرة يدينهم { أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ما عندكم ينفد ) أي : الدنيا وما فيها يفنى ، ( وما عند الله باق ) ( ولنجزين ) [ قرأ أبو جعفر وابن كثير وعاصم بالنون والباقون بالياء ] ( الذين صبروا ) على الوفاء في السراء والضراء ، ( أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني ، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري ، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني ، حدثنا علي بن حجر ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، حدثنا عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، عن أبي موسى الأشعري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أحب دنياه أضر بآخرته ، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما عندكم» من الدنيا «يَنفدُ» يفنى «وما عند الله باقي» دائم «وليجزينَّ» بالياء والنون «الذين صبروا» من الوفاء بالعهود «أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون» أحسن بمعنى حسن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما عندكم من حطام الدنيا يذهب، وما عند الله لكم من الرزق والثواب لا يزول.

ولنُثِيبنَّ الذين تحمَّلوا مشاق التكاليف -ومنها الوفاء بالعهد- ثوابهم بأحسن أعمالهم، فنعطيهم على أدناها، كما نعطيهم على أعلاها تفضُّلا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضاف - سبحانه - إلى ترغيبهم فى العمل بما يرضيه ترغيبا آخر فقال : ( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ ) .أى : ما عندكم من متاع الدنيا وزهرتها يفنى وينقضى ويزول ، وما عند الله - تعالى - فى الآخرة من عطاء باق لا يفنى ولا يزول ، فآثروا ما يبقى على ماينفد .

يقال : نفد الشئ بكسر الفاء - ينفد - بفتحها - نفادا ونفودا ، إذا ذهب وفنى .ثم بشر - سبحانه - الصابرين على طاعته بأعظم البشارات فقال : ( وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صبروا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .أى : ولنجزين الذين صبروا على طاعتنا ، واجتنبوا معصيتنا ، ووفوا بعهودنا ، بجزاء أفضل وأكرم مما كانوا يعملونه فى الدنيا من خيرات وطاعات .وأكد - سبحانه - هذه البشارة بلام القسم ، ونون التوكيد ، لترغيبهم فى الثبات على فضيلة الصبر ، وعلى الوفاء بالعهد .قال الجمل ما ملخصه : وقوله ( أجرهم ) مفعول ثان لنجزى .

وقوله ( بأحسن ) نعت لمحذوف ، أى : بجزاء أحسن من عملهم الذى كانوا يعملونه فى الدنيا ، والباء بمعنى على .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه، أتبعه ببيان أنه تعالى قادر على أن يجمعهم على هذا الوفاء وعلى سائر أبواب الإيمان، ولكنه سبحانه بحكم الإلهية يضل من يشاء ويهدي من يشاء.

أما المعتزلة: فإنهم حملوا ذلك على الإلجاء، أي لو أراد أن يلجئهم إلى الإيمان أو إلى الكفر لقدر عليه، إلا أن ذلك يبطل التكليف، فلا جرم ما ألجأهم إليه وفوض الأمر إلى اختيارهم في هذه التكاليف، وأما قول أصحابنا فيه فهو ظاهر، وهذه المناظرة قد تكررت مراراً كثيرة، وروى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء، فقال: يا عزير أعرض عن هذا، فأعاده ثانياً: فقال: أعرض عن هذا، فأعاده ثالثاً، فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوة.

قالت المعتزلة: ومما يدل على أن المراد من هذه المشيئة مشيئة الإلجاء، أنه تعالى قال بعده: ﴿ ولتسألن عما كنتم تعملون ﴾ فلو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عنها عبثاً، والجواب عنه قد سبق مراراً، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَا عِندَكُمْ ﴾ من أعراض الدنيا ﴿ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله ﴾ من خزائن رحمته ﴿ بَاقٍ ﴾ لا ينفد وقرئ: ﴿ لنجزين ﴾ بالنون والياء ﴿ الذين صَبَرُواْ ﴾ على أذى المشركين ومشاقّ الإسلام.

فإن قلت: لم وحدت القدم ونكرت؟

قلت: لاستعظام أن تزلّ قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه، فكيف بأقدام كثيرة؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما عِنْدَكُمْ ﴾ مِن أعْراضِ الدُّنْيا.

﴿ يَنْفَدُ ﴾ يَنْقَضِي ويَفْنى.

﴿ وَما عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ.

﴿ باقٍ ﴾ لا يَنْفَدُ، وهو تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ السّابِقِ ودَلِيلٌ عَلى أنَّ نَعِيمَ أهْلِ الجَنَّةِ باقٍ.

﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهُمْ ﴾ عَلى الفاقَةِ وأذى الكُفّارِ، أوْ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ بِالنُّونِ.

﴿ بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ بِما يَرْجُحُ فِعْلُهُ مِن أعْمالِهِمْ كالواجِباتِ والمَندُوباتِ، أوْ بِجَزاءٍ أحْسَنَ مِن أعْمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ما عندكم} من

النحل (٩٦ _ ١٠١)

أعراض الدنيا {يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله} من خزائن رحمته {باق} لا ينفد / وليجزين / وبالنون مكي وعاصم {الذين صَبَرُواْ} على أذى المشركين ومشاق الإسلام {أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يعملون}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما عِنْدَكُمْ ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِلْخَيْرِيَّةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ أيْ ما تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا بَلِ الدُّنْيا وما فِيها جَمِيعًا ﴿ يَنْفَدُ ﴾ يَنْقَضِي ويَفْنى وإنَّ جَمَّ عَدَدُهُ وطالَ مَدَدُهُ، يُقالُ: نَفِدَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَنْفَدُ بِفَتْحِها نَفادًا ونُفُودًا إذا ذَهَبَ وفَنِيَ، وأمّا نَفَذَ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ فَبِفَتْحِ العَيْنِ ومُضارِعُهُ يَنْفُذُ بِضَمِّها ﴿ وما عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ ﴿ باقٍ ﴾ لا نَفادَ لَهُ أمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَظاهِرٌ، وأمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَحَيْثُ كانَتْ مَوْصُولَةً بِالأُخْرَوِيَّةِ ومُسْتَتْبَعَةً لَها فَقَدِ انْتَظَمَتْ في سِلْكِ الباقِياتِ الصّالِحاتِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ بِما عِنْدَ اللَّهِ في المَوْضِعَيْنِ الثَّوابُ الأُخْرَوِيُّ واخْتارَهُ بَعْضُ الأئِمَّةِ، وفي إيثارِ الِاسْمِ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ ما لا يَخْفى.

ورُدَّ بِالآيَةِ عَلى جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ حَيْثُ زَعَمَ أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ مُنْقَطِعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَنَجْزِيَنَّ ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ وهي قِراءَةُ عاصِمٍ وابْنِ كَثِيرٍ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ تَكْرِيرٌ لِلْوَعْدِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ عَلى نَهْجِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى الثَّباتِ عَلى العَهْدِ.

وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ فَلا التِفاتَ.

والعُدُولُ عَمّا يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحالِ مِن أنْ يُقالَ: ولَنَجْزِيَنَّكُمْ- بِالنُّونِ أوْ بِالياءِ- أجْرَكم بِأحْسَنِ ما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لِلتَّوَسُّلِ إلى التَّعَرُّضِ لِأعْمالِهِمْ والإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِلْجَزاءِ أيْ واللَّهِ لِنَجْزِيَنَّ ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ عَلى العَهْدِ أوْ عَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ ومَشاقِّ الإسْلامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الوَفاءُ بِالعُهُودِ وإنْ وعَدَ المُعاهِدُونَ عَلى نَقْضِها بِما وعَدُوا ﴿ أجْرَهُمْ ﴾ مَفْعُولٌ (لَنَجْزِيَنَّ) أيْ نُعْطِيَنَّهم أجْرَهُمُ الخاصَّ بِهِمْ بِمُقابَلَةِ صَبْرِهِمْ ﴿ بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وهو الصَّبْرُ فَإنَّهُ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لَنَجْزِيَنَّهم بِجَزاءِ صَبْرِهِمْ، وكانَ الصَّبْرُ أحْسَنَ الأعْمالِ لِاحْتِياجِ جَمِيعِ التَّكالِيفِ إلَيْهِ فَهو رَأْسُها قالَهُ أبُو حَيّانَ.

وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ إنَّما أُضِيفَ الأحْسَنُ إلى ما ذُكِرَ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ حُسْنِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ﴾ لا لِإفادَةِ قَصْرِ الجَزاءِ عَلى الأحْسَنِ مِنهُ دُونَ الحُسْنِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ لا سِيَّما بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ( أجْرَهم ) فالإضافَةُ لِلتَّرْغِيبِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَنَجْزِيَنَّهم بِحَسَبِ أحْسَنِ أفْرادِ أعْمالِهِمْ أيْ لَنُعْطِيَنَّهم بِمُقابَلَةِ الفَرْدِ الأدْنى مِن أعْمالِهِمْ ما نُعْطِيهِ بِمُقابِلَةِ الفَرْدِ الأعْلى مِنها مِنَ الأجْرِ الجَزِيلِ لا أنّا نُعْطِي الأجْرَ بِحَسَبِ أفْرادِها المُتَفاوِتَةِ في مَراتِبِ الحَسَنِ بِأنْ نَجْزِيَ الحَسَنَ مِنها بِالحَسَنِ والأحْسَنَ بِالأحْسَنِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ العُدَّةِ الجَمِيلَةِ بِاغْتِفارِ ما عَسى يَعْتَرِيهِمْ في تَضاعِيفِ الصَّبْرِ مِن بَعْضِ جَزَعٍ ونَظْمِهِ في سِلْكِ الصَّبْرِ الجَمِيلِ، وأنْ يَكُونَ أحْسَنُ صِفَةَ جَزاءٍ مَحْذُوفًا والإضافَةُ عَلى مَعْنى مِنِ التَّفْضِيلِيَّةِ أيْ لَنَجْزِيَنَّهم بِجَزاءٍ أحْسَنَ مِن أعْمالِهِمْ، وكَوْنِهِ أحْسَنَ لِمُضاعَفَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأحْسَنِ ما تَرَجَّحَ فِعْلُهُ عَلى تَرْكِهِ كالواجِباتِ والمَندُوباتِ أوْ بِما تَرَجَّحَ تَرْكُهُ أيْضًا كالمُحَرَّماتِ والمَكْرُوهاتِ والحَسَنِ ما لَمْ يَتَرَجَّحْ فِعْلُهُ ولا تَرْكُهُ وهو لا يُثابُ عَلَيْهِ.

وتَعْقِبَةٌ في الإرْشادِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ مَقامُ الحَثِّ عَلى الثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ المَخْصُوصَةِ والتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِ ثَمَراتِها بَلِ التَّعَرُّضِ لِإخْراجِ بَعْضِ أعْمالِهِمْ مِن مَدارِيَّةِ الجَزاءِ مِن قَبِيلِ تَحْجِيرِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ في مَقامِ تَوْسِيعِ حَماها.

وقِيلَ: المُرادُ بِالأحْسَنِ النَّفْلُ، وكانَ أحْسَنَ لِأنَّهُ لَمْ يُحَتَّمِ بَلْ يَأْتِي الإنْسانُ بِهِ مُخْتارًا غَيْرَ مُلْزِمٍ، وإذا عَلِمْتَ المُجازاةَ عَلى النَّفْلِ الَّذِي هو أحْسَنُ عَلِمْتَ المُجازاةَ عَلى الفَرْضِ الَّذِي هو حَسَنٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِحَسَنٍ أصْلًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ يقول: إذا حلفتم بالله فأتموا له بالفعل.

ويقال: أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ أي: العهود التي بينكم وبين الله تعالى، والعهود التي بينكم وبين الناس.

ثم قال: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها أي: لا تنكثوا العهود بَعْدَ تغليظها، وتشديدها، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا أي: شهيداً على إتمام العهود والوفاء بها.

ويقال: حفيظاً على ما قال الفريقان إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ في وفاء العهد والنقض.

ثم ضرب الله تعالى مثلا آخر فقال: وَلا تَكُونُوا في نقض العهد كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها وهي ريطة الحمقاء بنت عمرو بن كعب بن سعد وهي أم الأخنس بن شريف الزهري مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً أي: من بعد ما أبرمته وأحكمته، كانت إذا غزلت الشعر والكتان نقضته، ثم غزلته.

فقال: ولا تنقضوا العهد بعد توكيده، كما نقضت المرأة غزلها، وقال القتبي: أي لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود، ثم تنقضوا ذلك، فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت، ثم نقضت ذلك النسج فجعلته أنكاثاً، والأنكاث: ما نقض من غزل الشعر وغيره، واحدها نكث.

ثم قال: تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أي: دغلاً وخيانة أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ أي: فريقا منكم هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ أي: هي أكثر وأغنى من أمة.

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كندة ومراد، وذلك أنه كان بينهم قتال حتى كَلَّ الظهر، ثم تواعدوا لستة أشهر حتى يصلح الظهر أي: الدواب، ولحم الخيل.

فلما مضت خمسة أشهر أمر قيس بن معد يكرب بالجهاد إليهم، فقالوا: قد بقي من الأجل شهر، فمكث حتى علم أنه يأتيهم بعد انقضاء الأجل، فقتلوه وهزموا قومه، فذلك قوله: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ [النحل: 94] أي: عهودكم بالله دَخَلًا أي: مكراً وخديعة بينكم أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ يعني: أن تكون أمة أكثر من أمة، فينقضون العهد لأجل كثرتهم، فلا تحملنكم الكثرة على نقض العهد إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ يعني: إنما يبتليكم الله بالكثرة، لنقض العهد والوفاء.

وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فإِذا وجدوا أكثر منهم وأعز، نقضوا وحالفوا الأعز، فنزل إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ أي: يختبركم بنقض العهود وبالكثرة وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الدين، ويبيّن لكم ما نقضتم من العهود، ويجازيكم به.

قوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي: على ملة واحدة وهي الإسلام وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ أي: يخذل من علم أنه ليس من أهل الإسلام وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي: يكرم بالإِسلام من هو أهل لذلك وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فهذه اللام لام القسم والتأكيد، أي: يسألكم عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الوفاء، والنقض بالعهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فانهه، فإن أطاعك، وإِلاَّ كُنْتَ شاهداً عليه يَوْمَ القيامة.

وقوله سبحانه: وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ الإشارة ب «هؤلاء» إلى هذه الأمَّة.

وقوله عزَّ وجلَّ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ...

الآية: قال ابن مسعود رضي الله عنه: أجمعُ آية في كتاب اللَّهِ هذه الآية «١» ، وروي عن عثمان بن مظعون رضي الله عنه، أنه قال: لما نزلَتْ هذه الآيةُ، قرأْتُها على أبي طالب، فعجب، وقال: يا آل غالب، اتّبعوه تفلحوا فو الله، إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ ليأَمرَ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ «٢» .

قال ع «٣» : والعدل فعل كلّ مفروض، والْإِحْسانِ فعل كلّ مندوب إليه، وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى: لفظُ يقتضي صلة الرحِمِ، ويعم جميع إسداء الخير إلى القرابة، والْفَحْشاءِ الزنا قاله ابن عبَّاس «٤» ويتناولَ اللفْظُ سائر المعاصِي التي شِنْعَتُهَا ظاهرة، وَالْمُنْكَرِ أعمُّ منه لأنه يعمُّ جميع المعاصى والرذائلِ، والإذاءات على اختلاف أنواعها، والْبَغْيِ هو إنشاء ظُلْم الإِنسان، والسعاية فيه، وكَفِيلًا معناه: متكفّلا بوفائكم، وباقي الآية بيّن.

وقوله سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها ...

الآية: شَبَّهت هذه الآيةُ الذي يَحْلِفُ أو يعاهِدُ ويُبْرِمُ عَقْده، بالمرأة تغزِلُ غزْلها وتفتِله مُحْكماً، ثم تنقُضُ قُوَى ذلك الغَزْلِ، فتحلُّه بعد إبرامه، وأَنْكاثاً نصب على الحال، و «النّكث» النقض، والعربُ تقولُ انْتَكَثَ الحَبْلُ، إِذا انتقضَتْ قواه، و «الدَّخَلُ» الدَّغَل بعينه، وهو الذرائِعُ إِلى الخدع والغدر،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا ﴾ هَذا اسْتِئْنافٌ لِلنَّهْيِ عَنْ أيْمانِ الخَدِيعَةِ.

﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا مَثَلٌ يُقالُ لِكُلِّ مُبْتَلًى بَعْدَ عافِيَةٍ، أوْ ساقِطٍ في ورْطَةٍ بَعْدَ سَلامَةٍ: زَلَّتْ بِهِ قَدَمُهُ.

قالَ مُقاتِلٌ: ناقِضُ العَهْدِ يَزِلُّ في دِينِهِ كَما تَزِلُّ قَدَمُ الرَّجُلِ بَعْدَ الِاسْتِقامَةِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا نَهْيٌ لِلَّذِينِ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَلى الإسْلامِ ونُصْرَةِ الدِّينِ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَذُوقُوا السُّوءَ ﴾ يَعْنِي: العُقُوبَةَ " بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ " يُرِيدُ أنَّهم إذا نَقَضُوا عَهْدَهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ، صَدُّوا النّاسَ عَنِ الإسْلامِ، فاسْتَحَقُّوا العَذابَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ يَعْنِي: في الآخِرَةِ.

ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في «رَجُلَيْنِ اخْتَصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ  في أرْضٍ، يُقالُ لِأحَدِهِما: " عِيدانُ بْنُ أشْوَعَ " وهو صاحِبُ الأرْضِ، ولِلْآخَرِ: " امْرُؤُ القَيْسِ " وهو المُدَّعى عَلَيْهِ، فَهَمَّ امْرُؤُ القَيْسِ أنْ يَحْلِفَ، فَأخَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وذَكَرَ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ أنَّ اسْمَ صاحِبِ الأرْضِ ": رَبِيعَةُ بْنُ عِبْدانَ " وقِيلَ: " عَيدانُ "، بِفَتْحِ العَيْنِ وياءٍ مُعْجَمَةٍ بِاثْنَتَيْنِ.

ومَعْنى الآيَةِ:لا تَنْقُضُوا عُهُودَكم، تَطْلُبُونَ بِنَقْضِها عَرَضًا يَسِيرًا مِنَ الدُّنْيا، إنَّ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ الثَّوابِ عَلى الوَفاءِ هو خَيْرٌ لَكم مِنَ العاجِلِ.

﴿ ما عِنْدَكم يَنْفَدُ ﴾ أيْ: يَفْنى ﴿ وَما عِنْدَ اللَّهِ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ باقٍ ﴾ وقَفَ بِالياءِ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ، ولا خِلافَ في حَذْفِها في الوَصْلِ.

﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " ولَيَجْزِيَنَّ " بِالياءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ: " ولَنَجْزِيَنَّ " بِالنُّونِ.

ولَمْ يَخْتَلِفُوا في " ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم " أنَّها بِالنُّونِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: ولَيَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى أمْرِهِ بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدُّنْيا، ويَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٌ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ شَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّذِي يَحْلِفُ أو يُعاهِدُ أو يُبْرِمُ عَقْدَهُ بِالمَرْأةِ الَّتِي تَغْزِلُ غَزْلَها وتَفْتِلُهُ مُحْكَمًا، وشَبَّهَ الَّذِي يَنْقَضُ عَهْدَهُ بَعْدَ الإحْكامِ بِتِلْكَ الغازِلَةِ إذا نَقَضَتْ قَوِيَّ ذَلِكَ الغَزَلِ فَحَلَّتْهُ بَعْدَ إبْرامِهِ، ويُرْوى أنَّ امْرَأةً حَمْقاءَ كانَتْ بِمَكَّةَ تُسَمّى رَيْطَةَ بِنْتِ سَعْدٍ كانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَبِها وقَعَ التَشْبِيهُ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُدِّيُّ، ولَمْ يُسَمِّيا المَرْأةَ، وقِيلَ: كانَتِ امْرَأةٌ مُوَسْوِسَةٌ تُسَمّى خَطِّيَّةَ تَغْزِلُ عِنْدَ الحِجْرِ وتَفْعَلُ ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ لا عَلى امْرَأةٍ مُعَيَّنَةٍ.

و"أنْكاثًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والنَكْثُ: النَقْضُ، و"القُوَّةُ" في اللُغَةِ واحِدَةُ قُوى الغَزْلِ والحَبْلِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُضَفَّرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأغْلَبِ الراجِزِ: حَبْلَ عَجُوزٍ فَتَلَتْ سَبْعُ قُوى ويُظْهِرُ لِي أنَّ المُرادَ بِالقُوَّةِ في الآيَةِ الشِدَّةُ الَّتِي تَحْدَثُ مِن تَرْكِيبِ قُوى الغَزْلِ، ولَوْ قَدَّرْناها واحِدَةَ القُوى لَمْ يَكُنْ مَعَها ما يُنْتَقَضُ أنْكاثًا، والعَرَبُ تَقُولُ: انْتَكَثَ الحَبْلُ إذا انْتَقَضَتْ قُواهُ، أمّا إنْ عُرِّفَ الغَزْلُ أنَّهُ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَكِنْ لَها أجْزاءٌ كَأنَّها قُوَّةٌ كَثِيرَةٌ لَهُ، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: مِن بَعْدِ إمْرارِ قُوَّةٍ.

و"الدَخَلُ": الدَغَلُ بِعَيْنِهِ، وهي الذَرائِعُ إلى الخُدَعِ والغَدْرِ، وذَلِكَ أنَّ المَحْلُوفَ لَهُ مُطَمْئِنٌ فَيَتَمَكَّنُ الحالِفُ مِن ضَرِّهِ بِما يُرِيدُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ ﴾ ، قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في العَرَبِ الَّذِينَ كانَتِ القَبِيلَةُ مِنهم إذا حالَفَتِ الأُخْرى، ثُمَّ جاءَتْ إحْداهُما قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ قَوِيَّةٌ فَداخَلَتْها غَدَرَتِ الأُولى ونَقَضَتْ مَعَها ورَجَعَتْ إلى هَذِهِ الكُبْرى، فَقالَ اللهُ تَعالى: لا تَنْقُضُوا العُهُودَ مِن أجْلِ أنْ تَكُونَ قَبِيلَةٌ أزِيدَ مِن قَبِيلَةٍ في العَدَدِ والعِدَّةِ، و"الرِبا": الزِيادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ مَعْناهُ: لا تَنْقُضُوا الأيْمانَ مِن أجْلِ أنْ تَكُونُوا أرَبى مَن غَيْرِكُمْ، أيْ: أزْيَدَ خَيْرًا، فَمَعْناهُ: لا تَطْلُبُوا الزِيادَةَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِنَقْضِ العُهُودَ.

و"يَبْلُوكُمُ" مَعْناهُ: يَخْتَبِرُكُمْ، والضَمِيرُ في "بِهِ" يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الوَفاءِ الَّذِي أمَرَ اللهُ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الرِبا، أيْ أنَّ اللهَ ابْتَلى عِبادَهُ بِالتَحاسُدِ وطَلَبِ بَعْضِهِمُ الظُهُورَ عَلى بَعْضٍ، واخْتَبَرَهم بِذَلِكَ لِيَرى مَن يُجاهِدُ نَفْسَهُ مِمَّنْ يُتْبِعُها هَواها، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ هِيَ أرْبى ﴾ ، مَوْضِعُ "أرْبى" عِنْدَ البَصْرِيِّينَ رَفْعٌ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ نَصْبٌ، و"هِيَ" عِمادٌ، ولا يَجُوزُ العِمادُ هُنا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لَأنَّهُ لا يَكُونُ مَعَ النَكِرَةِ، و"أُمَّةٌ" نَكِرَةٌ، وحُجَّةُ الكُوفِيِّينَ أنَّ "أُمَّةٌ" وما جَرى مَجْراها مِن أسْماءِ الأجْناسِ تَنْكِيرُها قَرِيبٌ مِنَ التَعْرِيفِ، ألّا تَرى أنَّ إدْخالَ الألِفِ واللامِ عَلَيْها لا يُخَصِّصُها كَبِيرُ تَخْصِيصٍ؟

وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ الآيَةُ.

أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَبْتَلِي عِبادَهُ بِالأوامِرِ والنَواهِي لِيَذْهَبَ كُلُّ أحَدٍ إلى ما يُسِّرَ لَهُ، وذَلِكَ مِنهُ تَعالى بِحَقِّ المُلْكِ، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، ولَوْ شاءَ لَكانَ الناسُ كُلُّهم في طَرِيقٍ واحِدٍ، إمّا في هُدًى وإمّا في ضَلالَةٍ، ولَكِنَّهُ تَعالى شاءَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ، ويَخُصَّ قَوْمًا بِالسَعادَةِ وقَوْمًا بِالشَقاوَةِ.

و"يُضِلُّ" و"يَهْدِي" مَعْناهُ: "يَخْلُقُ ذَلِكَ في القُلُوبِ" خِلافًا لِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَ في آخِرِ الآيَةِ بِسُؤالِ كُلِّ أحَدٍ يَوْمَ القِيامَةِ عن عَمَلِهِ، وهَذا سُؤالُ تَوْبِيخٍ، ولَيْسَ ثُمَّ سُؤالُ تَفَهُّمٍ، وذَلِكَ هو المَنفِيُّ في آياتٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الثمن القليل هو ما يعدهم به المشركون إن رجعوا عن الإسلام من مال وهناء عيش.

وهذا نهي عن نقض عهد الإسلام لأجل ما فاتهم بدخولهم في الإسلام من منافع عند قوم الشّرك، وبهذا الاعتبار عطفت هذه الجملة على جملة ﴿ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ﴾ [سورة النحل: 91] وعلى جملة ﴿ وَلاَ تتخذوا أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ [سورة النحل: 94] لأن كل جملة منها تلتفت إلى غرض خاص مما قد يبعث على النّقض.

والثّمن: العوض الذي يأخذه المعاوض.

وتقدّم الكلام على نظير هذا عند قوله تعالى: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً وإيّاي فاتّقون ﴾ في سورة البقرة (41).

وذكرنا هناك أن ﴿ قليلاً ﴾ صفة كاشفة وليست مقيدة، أي أن كل عوض يؤخذ عن نقض عهد الله هو عوض قليل ولو كان أعظم المكتسبات.

وجملة ﴿ إنما عند الله هو خير لكم ﴾ تعليل للنّهي باعتبار وصف عوض الاشتراء المنهي عنه بالقلّة، فإن ما عند الله هو خير من كل ثمن وإن عظم قدره.

و«ما عند الله» هو ما ادّخره للمسلمين من خير في الدنيا وفي الآخرة، كما سننبّه عليه عند قوله تعالى: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ﴾ [سورة النحل: 97] الآية؛ فخير الدنيا الموعود به أفضل مما يبذله لهم المشركون، وخير الآخرة أعظم من الكلّ، فالعندية هنا بمعنى الادِّخار لهم، كما تقول: لك عندي كذا، وليست عندية ملك الله تعالى كما في قوله: ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ [سورة الأنعام: 59] وقوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ [سورة الحجر: 21] وقوله: وما عند الله باق } .

و ﴿ إنما ﴾ هذه مركّبة من (إن) و(مَا) الموصولة، فحقّها أن تكتب مفصولة (ما) عن (إنّ) لأنها ليست (ما) الكافّة، ولكنها كتبت في المصحف موصولة اعتباراً لحالة النّطق ولم يكن وصل أمثالها مطّرداً في جميع المواضع من المصحف.

ومعنى ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ إن كنتم تعلمون حقيقة عواقب الأشياء ولا يغرّكم العاجل.

وفيه حثّ لهم على التأمّل والعلم.

وجملة ﴿ ما عندكم ينفد وما عند الله باق ﴾ تذييل وتعليل لمضمون جملة ﴿ إنما عند الله هو خير لكم ﴾ بأن ما عند الله لهم خير متجدّد لا نفاد له، وأن ما يعطيهم المشركون محدود نافد لأن خزائن الناس صائرة إلى النفاد بالإعطاء وخزائن الله باقية.

والنفاد: الانقراض.

والبقاء: عدم الفناء.

أي ما عند الله لا يفنى فالأجدر الاعتماد على عطاء الله الموعود على الإسلام دون الاعتماد على عطاء الناس الذين ينفَد رزقهم ولو كَثُر.

وهذا الكلام جرى مجرى التذييل لما قبله، وأرسل إرسال المثل فيحمل على أعمّ، ولذلك كان ضمير ﴿ عندكم ﴾ عائداً إلى جميع الناس بقرينة التذييل والمثل، وبقرينة المقابلة بما عند لله، أي ما عندكم أيها الناس ما عند الموعود وما عند الواعد، لأن المنهيّين عن نقض العهد ليس بيدهم شيء.

ولما كان في نهيهم عن أخذ ما يعدهم به المشركون حَمْلٌ لهم على حرماننِ أنفسهم من ذلك النّفع العاجل وُعِدو الجزاء على صبرهم بقوله تعالى: {وليجزينّ الذين صبروا أجرهم.

قرأه الجمهور وليجزين } بياء الغيبة.

والضمير عائد إلى اسم الجلالة من قوله تعالى: ﴿ بعهد الله ﴾ وما بعده، فهو النّاهي والواعد فلا جرم كان هو المجازي على امتثال أمره ونهيه.

وقرأه ابن كثير وعاصم وابن ذكوان عن ابن عمر في إحدى روايتين عنه وأبو جعفرَ بنون العظمة فهو التفات.

و ﴿ أجرهم ﴾ منصوب على المفعولية الثانية ل«يَجزين» بتضمينه معنى الإعطاء المتعدّي إلى مفعولين.

والباء للسببية.

و«أحسن» صيغة تفضيل مستعملة للمبالغة في الحسن.

كما في قوله تعالى: ﴿ قال ربّ السجن أحبّ إليّ مما يدعونني إليه ﴾ [سورة يوسف: 33]، أي بسبب عملهم البالغ في الحسن وهو عمل الدوام على الإسلام مع تجرّع ألم الفتنة من المشركين.

وقد أكد الوعد بلام القسم ونون التوكيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ بِهِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ، والآخِرَةَ باقِيَةٌ.

الثّانِي: أنَّ طاعَتَكم تَفْنى وثَوابَها يَبْقى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص قال: كانت سعيدة الأسدية مجنونة تجمع الشعر والليف، فنزلت هذه الآية ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها...

﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: يا عطاء، ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟

فأراني حبشية صفراء، فقال: «هذه أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن بي هذه الموتة- يعني الجنون- فادع الله أن يعافيني.

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت دعوت الله فعافاك، وإن شئت صبرت واحتسبت ولك الجنة، فاختارت الصبر والجنة» قال: وهذه المجنونة سعيدة الأسدية، وكانت تجمع الشعر والليف فنزلت هذه الآية ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير في قوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ قال: خرقاء كانت بمكة تنقضه بعدما تبرمه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ قال: كانت امرأة بمكة، كانت تسمى خرقاء مكة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها تنقضه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ قال: نقضت حبلها بعد إبرامها إياه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية: لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم: ما أحمق هذه...

!

وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده.

وفي قوله: ﴿ تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ﴾ قال: خيانة وغدراً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أن تكون أمة هي أربى من أمة ﴾ قال: ناس أكثر من ناس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أن تكون أمة هي أربى من أمة ﴾ قال: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف هؤلاء، ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز فنهوا عن ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في الآية قال: ولا تكونوا في نقض العهد بمنزلة التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، يعني بعد ما أبرمته ﴿ تتخذون أيمانكم ﴾ يعني العهد ﴿ دخلاً بينكم ﴾ يعني بين أهل العهد، يعني مكراً أو خديعة ليدخل العلة فيستحل به نقض العهد ﴿ أن تكون أمة هي أربى من أمة ﴾ يعني أكثر ﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ يعني بالكثرة ﴿ وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ يعني المسلمة والمشركة ﴿ أمة واحدة ﴾ يعني ملة الإسلام وحدها ﴿ ولكن يضل من يشاء ﴾ يعني عن دينه، وهم المشركون ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ يعني المسلمين ﴿ ولتسألن ﴾ يوم القيامة ﴿ عما كنتم تعملون ﴾ ثم ضرب مثلاً آخر للناقض العهد فقال: ﴿ ولا تتخذوا أيمانكم ﴾ يعني العهد ﴿ دخلاً بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها ﴾ يقول: إن ناقض العهد يزل في دينه كما يزل قدم الرجل بعد الاستقامة ﴿ وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ﴾ يعني العقوبة ﴿ ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً ﴾ يعني عرضاً من الدنيا يسيراً ﴿ إنما عند الله ﴾ يعني الثواب ﴿ هو خير لكم ﴾ يعني أفضل لكم من العاجل ﴿ ما عندكم ينفد ﴾ يعني ما عندكم من الأموال يفنى ﴿ وما عند الله باق ﴾ يعني وما عند الله في الآخرة من الثواب دائم لا يزول عن أهله، وليجزين ﴿ الذين صبروا بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ في الدنيا ويعفو عن سيئاتهم.

وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن ابن مسعود قال: إياكم وأرأيت فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت، ولا تقيسوا الشيء بالشيء ﴿ فتزل قدم بعد ثبوتها ﴾ وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل: لا أعلم، فإنه ثلث العلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ﴾ ، أي: يفنى وينقطع، يعني الدنيا، ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ، أي: من الثواب والكرامة، ﴿ بَاقٍ ﴾ : دائم لا ينقطع، قال ابن عباس: يريد لا ينفد؛ كلما أخذت منه وأكلت منه صار مكانه مثلُه، فمعنى [لا] (١) ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ قال ابن عباس: يريد على دينهم وعمّا نهاهم الله (٢) ﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ يعني الطاعات، وجعلها أحسن أعمالهم؛ لأن ما عداها من الحَسَن مباح، فما كان مباحًا من العمل فهو حسن ولا يستحق عليه جزاء (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (١) إضافة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، واحتمال أن الجملة انقلبت على النساخ؛ وأصلها: (فهذا معنى لا يفنى).

(٢) ورد بنصه غير منسوب في تفسيره "الوجيز" 1/ 619.

(٣) إلا إذا انضمت إليه النية الصالحة، فإنه يصبح عملاً مباحاً متقرباً به إلى الله، فينال صاحبه الأجر من الله، كما في حديث "وفي بضع أحدكم صدقة" أخرجه مسلم (1005) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف.

(٤) امرؤ القيس بن عابس الكندي -  - صحابي، وفد إلى النبي -  - فأسلم وثبت على إسلامه، ولم يكن فيمن ارتد من كندة، وكان شاعرًا نزل الكوفة في أواخر عمره وتوفي بها نحو سنة (25 هـ).

انظر: "الاستيعاب" 1/ 194، و"أسد الغابة" 1/ 137، و"الأعلام" 2/ 11.

(٥) عيدان بن أشوع -  - هو رَبِيعَةُ بن عَيْدَان بن ذي العرف بن وائل الكِنْدِي، ويقال: الحضرمي، شهد فتح مصر، وله صحبة، وهو الذي تخاصم مع امرئ القيس في أرض إلى النبي -  -.

انظر: "أسد الغابة" 2/ 266، و"الإصابة" 3/ 51.

(٦) في جميع النسخ: (امرئ)، وهو خطأ نحوي ظاهر.

(٧) أخرج القصة الطبراني في "الكبير" 1/ 233، عن الأشعث، ووردت في "تفسير السمرقندي" 2/ 249، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 487، عن ابن عباس، و"تنوير المقباس" ص 292، ووردت بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 207 أ، باختصار، وهود الهواري 2/ 386، و"تفسير القرطبي" 10/ 173.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

[البقرة: 41] الثمن القليل عرض الدنيا، وهذا نهي لمن بايع النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكث، لأجل ضعف الإسلام حينئذٍ وقوة الكفّار، ورجاء الانتفاع في الدنيا إن رجع عن البيعة ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ﴾ أي يفنى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تجحدون ﴾ بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد.

الآخرون على الغيبة.

﴿ من بطون إمهاتكم ﴾ ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: عليّ.

﴿ إمهاتكم ﴾ بكسرهما: حمزة.

الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.

﴿ ألم تروا ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة وخلف وسهل ويعقوب ﴿ ظعنكم ﴾ بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ في الرزق ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ من الطيبات ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا يستطيعون ﴾ ه ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب ﴿ الأمثال ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ وجهراً ﴾ ط ﴿ هل يستوون ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لأن "بل" للإعراض عن الأول.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مولاه ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما ﴿ بخير ﴾ ط ثم لا وقف إلى مستقيم لاتحاد الكلام ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أقرب ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ والأفئدة ﴾ لا لتعلق ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إقامتكم ﴾ لا لوقوع ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ باسكم ﴾ ط ﴿ تسلمون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفاً من سائر أحواله لعله يتذكر فقال: ﴿ والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ ولا ريب أن ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي الحال، وليس هذا التفاوت مختصاً بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على تناول شيء منها، وربما نرى إنساناً كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا يجد ملء بطنه طعاماً.

وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقاً للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم.

وثانيهما أن المراد الرد على من أثبت لله شريكاً كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلاً فقال: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردّون رزقكم عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس.

فالفاء في قوله: ﴿ فهم فيه سواء ﴾ للتعليل.

ولك أن تقول بمعنى "حتى" أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟!

"عن أبي ذر  أنه سمع رسول الله  يقول في العبيد: إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون" فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ﴿ أفبنعمة الله ﴾ وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيداً مفضولين ﴿ يجحدون ﴾ أو جعل عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية العبادة لغير الله كفراً بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه بالباء.

قال أبو عبيدة وأبو حاتم.

قراءة الغيبة - وهي الكثرى - أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد نعمة البتة.

الحالة الأخرى من أحوال الإنسان قوله عم طوله: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم ﴿ أزواجاً ﴾ ليكون الأنس به أتم.

ولا ريب أن تخليق الذكور والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه.

والطبيعيون قد يذكرون له وجهاً قالوا: إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن مراجاً وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد تاماً في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان في غاية البرودة.

ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما على الآخر.

﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ أصل الحفد الإسراع في الخدمة.

والفاعل حافد والجمع حفدة.

فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات.

وقيل: أولاد الأولاد.

وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل وقيل: الخدم والأعوان.

وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين الأمرين البنوّة والخدمة.

وقيل: الأولى دخول الكل فيه.

ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها.

وأورد "من" التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة.

وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة الله ما أحل لهم.

وإنما قال ههنا: ﴿ وبنعمة الله هم يكفرون ﴾ وفي آخر "العنكبوت" ﴿ وبنعمة الله يكفرون  ﴾ لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب.

وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب.

ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلاً ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً ﴾ قال جار الله: إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئاً أي لا يملك أن يرزق شيئاً، وإن أردت المرزوق كان شيئاً بدلاً منه بمعنى قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لا يملك شيئاً من الملك.

و ﴿ من السموات والأرض ﴾ صلة للرزق إن كان مصدراً بمعنى لا يرزق من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً وصفة إن كان اسماً لما يرزق.

أما الضمير في ﴿ ولا يستطيعون ﴾ فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة.

والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، فبيّن  أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك.

وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له؟

﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالاً بحال وقصة بقصة.

وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً لأنه واحد لا مثل له.

وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص.

وعلل النهي بقوله: ﴿ إن الله يعلم ﴾ ما عليكم من العقاب ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ما في عبادتها من العذاب.

وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك.

وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون.

ثم علمهم كيف تضرب فقال: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ ثم أبدل من المثل قوله: ﴿ عبداً مملوكاً ﴾ لا حراً فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبداً كونه مملوكاً.

وقوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ ليخرج العبد المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف.

احتج الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئاً وإن ملكه السيد لأن قوله: ﴿ لا يقدر ﴾ حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على التصرف.

وأيضاً قوله: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ يقتضي أن لا يحصل للقسم الأوّل هذا الوصف.

فلو ملك العبد شيئاً ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق الحسن فلم يثبت الامتياز، والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله تعلق بالمال.

وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضاً.

قال جار الله: الظاهر أن "من" في قوله: ﴿ ومن رزقناه ﴾ موصوفة كأنه قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبداً.

ولا يمتنع أن تكون موصولة.

وجمع قوله: ﴿ هل يستوون ﴾ لأنه أراد الأحرار والعبيد.

وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوّى بين الله القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة؟!

وقيل: العبد المملوك هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله.

والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله.

وقيل: العبد هو الصنم لقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتِى الرحمن عبداً  ﴾ .

والثاني عابد الصنم.

والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف.

لأن الأوّل جماد وهذا إنسان فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساوٍ لرب العالمين؟!.

﴿ الحمد لله ﴾ قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد.

وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد ﴿ بل أكثرهم لايعلمون ﴾ أن كل الحمد لي.

وقيل: أراد قل الحمد لله.

والخطاب إما للرسول  وإما لمن رزقه الله رزقاً حسناً وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف.

وقيل: لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال: ﴿ الحمد لله ﴾ أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ قوّتها وظهورها.

ثم ضرب مثلاً ثانياً لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى من يعبدها أعظم المضار.

أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكماً وبكامة.

وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر.

وقوله: ﴿ وهو كلٌّ على مولاه ﴾ أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة.

يقال: كَلَّ السكين إذا غلظت شفرته، وكَلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكَلَّ فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كَلٌّ على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره.

وقوله: ﴿ أينما يوجهه ﴾ حيثما يرسله ﴿ لا يأت بخير ﴾ لم ينجح في مطلبه.

والتوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق ﴿ هل يستوي هو ﴾ أي الموصوف بهذه الصفات المذكورة.

﴿ ومن يأمر ﴾ الناس ﴿ بالعدل وهو ﴾ في نفسه ﴿ على صراط مستقيم ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط.

ولا شك أن الآمر بالعدل يجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور.

قادراً حتى يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا يقدر.

قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه.

أما الأبكم فمثل الصنم لأنه لا ينطق ألبتة ولا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أيّ مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله  .

وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه.

وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي العيص وفي عثمان بن عفان مولاه.

والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة.

ومن الآية الثانية كل رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا الله  فلذلك مدح نفسه بقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي يختص به علم ما غاب عنه العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ اللمح النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في غاية الصدق لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

وقيل: معنى أمر الساعة أن إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله.

ثم أكده بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ .

ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ قال جار الله: هو في موضع الحال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسوّاكم وصوّركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة.

وقوله: ﴿ وجعل لكم ﴾ معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم.

﴿ والأفئدة ﴾ في فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضاً لعدم ورود غيرها.

واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم إلا أنه  خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافياً في جزم الذهب بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعاً للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية.

وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله  أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية.

وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارهاعليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية.

فالمراد بقوله: ﴿ لا تعلمون شيئاً ﴾ أنه لا يظهر أثر العلم عليكم.

ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق.

ومعنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله.

وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أخرج ﴾ أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟

ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته فقال: ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء.

وفي ﴿ جوّ السماء ﴾ أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران.

ومن جملة أحوال الإنسان قوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف ﴿ جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع ﴿ تستخفونها ﴾ أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ﴿ يوم ظعنكم ﴾ أي في وقت ارتحالكم.

والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر.

﴿ ويوم إقامتكم ﴾ لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها ﴿ ومن أصوافها ﴾ وهي للضأن ﴿ وأوبارها ﴾ وهي للإبل ﴿ وأشعارها ﴾ وهي للمعز ﴿ أثاثاً ﴾ وهو متاع البيت.

قال الفراء لا واحد له.

وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة.

قال ابن عباس: أراد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة.

وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر.

قيل: إنه  عطف قوله: ﴿ ومتاعاً ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟

وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء.

والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به.

قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو الجامع بين الوصفين كونه أثاثاً وكونه مما يتمتع به ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة.

ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فذلك قال: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ هي جمع "كن" وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوته في الجبال وكالغيران والكهوف ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها.

وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالباً بشهادة الوجدان.

قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ كالدروع والجواشن ﴿ كذلك يتم نعمته ﴾ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه.

وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون فتسلمون من العذاب.

وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع ﴿ فان تولوا ﴾ فقد تمهد عذرك ﴿ فإنما عليك البلاغ المبين ﴾ وليس إليك الهداية.

ثم ذمهم بأنهم ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله ﴿ ثم ينكرونها ﴾ بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا.

ومعنى "ثم" تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان: وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله.

وقيل: نعمة الله نبوّة محمد  كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوّته عناداً.

وإنما قال: ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ لأنه استعمل الأكثر مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون.

قلت: ويحتمل أن يراد بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من يؤمن فلهذا استثناهم والله  أعلم.

التأويل: فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل أعباء الشريعة.

فما الأرواح برادّي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على النفوس، ولا النفوس على الأبدان.

أفبنعمة الله التي أنعم بها على أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ يعني ازدواج الأرواح والأشباح ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين ﴾ وهم القلوب ﴿ وحفدة ﴾ وهن النفوس ﴿ أفبالباطل ﴾ وهو الزخارف والوساوس ﴿ يؤمنون وبنعمة الله ﴾ التي أنعم بها على أرباب القلوب ﴿ يكفرون ﴾ ويعبدون من دون الله كالدنيا والهوى ﴿ ما لا يملك لهم زرقاً ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس شيئاً من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا يستطعيون استخراجها بعبادة غير الله ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً ممولكاً ﴾ للهوى وللدنيا ﴿ ومن رزقناه ﴾ ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم.

﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره.

﴿ أحدهما أبكم ﴾ هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة.

﴿ لا يأت بخير ﴾ لأنها أمارة بالسوء ﴿ ولله غيب ﴾ سموات الأرواح النفوس لا يقف على خاصيتهما غيره، ولو وكل كلاً منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وحنيئذ يكون فانياً عن وجوده باقياً ببقائه ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وجواب ﴿ بلى  ﴾ وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة.

ولأسراركم سمعاً يسمع به من الله وبصراً يبصر به الله وفؤاداً يعرف به الله.

وبوجه آخر: {والله أخرجكم من العدم وهو الأم الحقيقي، لا تعلمون شيئاً قبل أن يعلمكم الله  أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم سمعاً تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصراً تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤاداً تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لساناً.

تجيبونه بقولكم "بلى" ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تكلمون بهذا الكلام إلى معه ﴿ ألم يروا إلى ﴾ طير الأرواح ﴿ مسخرات في جوّ ﴾ سماء القلوب ﴿ ما يمسكهن ﴾ في سفل الأجساد ﴿ إلا الله ﴾ بحكمته فلذلك قال: ﴿ والله جعل لكم ﴾ أيها الأرواح ﴿ من بيوتكم ﴾ وهي الأجساد ﴿ سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ﴾ التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات ﴿ بيوتاً ﴾ تستخف أرواحكم إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والوقفة للاستراحة والتربية ﴿ ومن أصوافها ﴾ هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى ﴿ أثاثاً ﴾ آلات للسير ﴿ ومتعاً ﴾ ينتفع بها ﴿ إلى حين ﴾ الوصول والوصال.

﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ أي جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.

و ﴿ وجعل لكم من ﴾ جبال القلوب ما يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك يحفظكم من الآفات من الصفات بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من قطع الطريق ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ بتعريفك ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ بك وبنعمة الله إظهاراً للقهر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ .

قال بعضهم: شهيدها: أن يشهد عليهم من نحو ما ذكر من شهادة جوارحهم عليهم، وهو قوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24]، وقوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم...

﴾ الآية: [فصلت: 20]، وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر الشهادة عليهم؛ عند إنكارهم أعمالهم التي عملوها.

وقال بعضهم: شهيدها: رسولها الذي بعث إليهم يشهد عليهم أنه قد بلغ إليهم رسالات ربهم، وهو كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ ، والنذير: هو الرسول المبعوث إليهم، وهو ما ذكر - أيضاً -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً  ﴾ وقال: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ  ﴾ .

أخبر أنه يجيء بمحمد  شهيداً على أولئك: أن الرسل قد بلغوا الرسالة إليهم، وهو ما ذكر: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ...

﴾ الآية [المائدة: 109]، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ  ﴾ : يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عما أجابوا الرسل.

إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل، والله أعلم.

جميع ما ذكر في القرآن من مجيئه وإنبائه ونحوه جائز أن يكون ذلك البعث تفسير ذلك كله.

قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴾ : كذا من ذلك، وقوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ  ﴾ ، و ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ  ﴾ فهو البعث، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

قال الحسن: لا يؤذن لهم بالاعتذار؛ لأنه لا عذر لهم، وهو ما قال: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ  وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ  ﴾ ؛ لأنه لا عذر لهم، واعتذارهم لا ينفع لهم شيئاً؛ إذ اعتذارهم من نحو قولهم: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا  ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ  ﴾ ونحو هذا مما لا ينفعهم ذلك؛ فلا يؤذن لهم بذلك.

﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ .

قال الحسن: ولا هم يقالون، وكذلك قال في قوله: ﴿ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ  ﴾ ، أي: من المقالين، أي: لا يقالون مما كان منهم.

وقال بعضهم: لا يؤذن لهم ولا يمكن لهم من التوبة والرجوع عما كانوا؛ لأن ذلك الوقت ليس هو وقت التوبة والرجوع، كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ  ﴾ ، وهذه الآية، وقال: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ  ﴾ ، ونحوه.

﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ العتاب في الخلق: هو تذكير ما كان من الفرط؛ ليرجع عما كان منه، وذلك في الآخرة لا يحتمل.

ويحتمل قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: لا يؤذن لهم بالكلام، كقوله: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\]، أو: لا يؤذن للشفعاء أن يشفعوا للذين كفروا، ويؤذن للشفعاء أن يشفعوا للمؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .

أي: وقعوا فيه؛ دليله ما ذكر.

﴿ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ﴾ .

دل هذا أنه لم يرد به رؤية العذاب؛ ولكن الوقوع فيه؛ فلا يخفف عنهم؛ لأنه يدوم، ولا تخفيف مما يدوم من العذاب.

﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ .

أي: يمهلون من العذاب.

والثاني: لا يخفف عنهم عما استحقوا واستوجبوا، أو ما ذكرنا: أنه لا يكون لعذابهم انقطاع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ ﴾ .

قال الحسن: قوله: ﴿ شُرَكَآءَهُمْ ﴾ ، أي: قرناءهم وأولياءهم من الشياطين، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...

﴾ الآية [الصافات: 22]، وكقوله: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ...

﴾ الآية [فصلت: 25]، وقوله: ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ وقوله: ﴿ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ...

﴾ الآية [الأنعام: 22].

وقوله: ﴿ شُرَكَآءَهُمْ ﴾ : أولياءهم، [الذين] كانوا لهم في الدنيا فهم شركاؤهم الذي ذكر.

وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ ﴾ ؛ على هذا التأويل: كنا ندعوك وإياهم من دونك.

﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ ﴾ .

أي: يقولون لهم: ﴿ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

وقال بعضهم قولهم: ﴿ هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ ﴾ : الأصنام التي عبدوها.

﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ : أي: يكذبونهم، وهو ما ذكر: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ  ﴾ ؛ يكذبونهم فيما قالوا، ويخبرون أنهم كانوا غافلين عن عبادتهم.

وقال بعضهم: شركاؤهم الملائكة الذين عبدوهم، كقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ  قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ  ﴾ : أخبر أنهم إنما عبدوا الجن بأمرهم ولم يعبدوهم، أو يكون شركاؤهم رؤساءهم الذين انقاد الأتباع لهم ويحتمل الأصنام وما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

هو ما ذكرنا: يقولون لهم: إنكم لكاذبون، أو يكذبونهم فيما يزعمون ويدعون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ﴾ .

أي: يخضعون كلهم لله يومئذ، ويخلصون له الدين، ويسلمون له الأمر والألوهية.

﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ .

أي: بطل عنهم ما طمعوا بعبادتهم الأصنام والأوثان التي عبدوها من الشفاعة وغيرها؛ كقوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ : بطل عنهم ما طمعوا ورجوا من عبادة أولئك من الشفاعة لهم، والقربة إلى الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هؤلاء كانوا رؤساء الكفرة وقادتهم ضلوا هم بأنفسهم وأضلوا أتباعهم؛ فلهم العذاب الدائم بكفرهم بأنفسهم، وزيادة العذاب بإضلال غيرهم، وهو كقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ...

﴾ الآية [العنكبوت: 13]: [أخبر أنهم يحملون أوزارهم] وأوزار الذين أضلوهم ومنعوهم عن الإسلام؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ ﴾ ؛ بما أضلوا أتباعهم، وسعوا في الأرض بالإفساد، وهو قول أبي بكر الأصم.

وقال بعضهم: إن عذابهم كلما أراد أن يفتر بنضج الجلود، زيدت لهم - بتبديل الجلود - نارها كلما أرادت أن تخمد زيد لهم سعيراً؛ كقوله: ﴿ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً  ﴾ ؛ فذلك هو الزيادة في العذاب.

ويحتمل غير ذلك، وهو أن عذاب الكفر دائم أبداً؛ فيزداد لهم عذاباً بما كان لهم في الكفر - سوى الكفر - أعمال ومساوٍ، كما يعفى ويتجاوز عن المؤمنين ما كان منهم من المساوي؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ  ﴾ ؛ مقابل ما كان يعفى عن المؤمنين المساوي، زيد لأهل الكفر، على عذاب الكفر؛ لمساويهم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (زِدْنَهُمْ عَذَاباً ضِعْفاً بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ)، وأصله أن جزاء الآخرة من الثواب والعذاب على المضاعفة؛ لأنه دائم لا انقطاع له.

وما ذكر من الزيادة والفوق وغيره - فهو على المضاعفة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: من البشر، ويحتمل ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم.

وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ ﴾ .

هو ما ذكرنا: يشهد الرسول عليهم بالتبليغ، ويشهد لمن أجابه وأطاعه، وعلى من ردّ كذبه بالرد والتكذيب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ : ما ذكر في هذه السورة؛ لأنه ذكر فيها جميع أصناف النعم وجواهرها، ووجوه الأسباب التي بها يوصل إليها، وذكر فيها ما سخر لهم من أنواع الجواهر، وفيه ذكر ما وعد وأوعد، وأمر ونهي، وذكر ما حل بالأعداء وما ظفر أولياؤه بهم.

وفيه ذكر سلطانه وقدرته، وذكر سفه الكفرة وعنادهم، وذكر ما يؤتى ويتقى؛ فذلك تبيان لكل شيء.

أو أن يكون في الكتاب تبيان كل شيء، وفي القرآن ما ذكرنا: من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأخبار الأمم الماضية وأمثالهم، وجميع ما يؤتى ويتقى؛ ففيه تبيان كل شيء من الوجه الذي ذكرنا.

أو أن يكون أنزل عليه الكتاب [تبيانا] لكل ما دعا به الرسل وجاءت به الرسل والكتب جميعاً.

في هذا الكتاب جميع ما أتى به الرسل والكتب من الأمر والنهي والوعد والوعيد، كقوله: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ  ﴾ .

ثم اختلف في ذلك البيان: قال بعضهم: تحتمل الآية وجهين: أحدهما: الخصوص على الأصول دون الفروع؛ كذكر الكمال للدين، لكن ذلك وصف الدين، وقد يقع له الكمال بالكتاب والسنة، وهذا للكتاب؛ فلم يجز التقصير عن الاشتمال عما لزمت الحاجة في أمر الديانة.

وذكر أن الكتاب تبيان لكل ما وقعت إليه حاجة في أصول الدين: من الإيمان، وأنواع العبادات، والأحكام مع الحدود والحقوق، ومكارم الأخلاق: تنتظم صلة الرحم، وعشرة الإخوان، وصحبة الجيران، ونحو ذلك؛ فتشتمل هذه الجملة على أصول الدين، وما وراءها يكون موكولاً إلى بيان الرسول؛ ليفي الكتاب بما شرط له تلاوة ودلالة الوجه.

والوجه الثاني: أن يكون تبياناً لكل شيء منتظماً لما فيه، مجمله ومبهمه ومشكله، ولبيان الرسول مجمله وتفسيره مبهمه، وإيضاحه، ودلالته على مشكله.

وقال: والسنن كلها بيان للكتاب؛ لارتباط بعض ببعض.

ثم قد يحتمل الآيات التي فيها ذكر البيان والتفصيل وجوهاً غير الوجهين اللّذين ذكرتهما: أحدها: أنه تبيان كل شيء ظهر فيه التنازع بين أهل الأديان، وألزمتهم الضرورة فيه إلى البيان؛ فجعل الله الكتاب تبياناً ألزمهم بالتدبر العلم بأنه من عند الله؛ بخروجه عما عليه وسع القوم عن نوع ما ذكر فيه من الحجج والأدلّة، وبما أعجزهم عن الطمع في تأليف مثله ونظمه؛ ليعرفوا أن الله قد أعانهم فيما مستهم الحاجة، وألجأتهم الضرورة إلى من يطلعهم على الحق فيما لو أهملوا عن ذلك لتولد منه العداوة والعناد؛ فأنعم الله عليهم به، وبين فيه جميع ما بين إليه من الحاجة لدوام الأخوة.

والثاني: أن يكون فيه تبيان كل شيء بالطلب من عنده، وبالبحث فيه الظفر بكل ما ينزل بهم من الحاجات إلى الأبد؛ فيكون هو أصل ذلك.

لكن باختلاف الأسباب يوصل إلى حقيقة العلم به، وذلك نحو ما جعل الماء حياة لكل شيء ووصف أن في السماء رزق جميع الخلق؛ [فأخبر أنه] أنزل من السماء اللّباس والرياش [لكل شيء]، وأخبر أنه خلقنا من تراب، ثم أخبر أنه خلقنا جميعاً من نفس واحدة؛ على رجوع كل ما ذكر باختلاف الأسباب والتوالد إليه، والله أعلم.

وذلك كما قال أهل الكلام في جعل المحسوسات أدلة لكل غائب: جعلها الله أدلة توصل إليه بالتأمل والنظر فيكون المحسوس مبيناً من ذلك، وإلا على اختلاف الدرجات في حد البيان مع ما قد جعله الله كذلك، حتى إن في الفلاسفة من تكلف استخراج كلية أمور العالم العلوي والسفلي.

وما على ذلك مدار ما عليه من هذا المحسوس؛ فمثله أمر القرآن، والله الموفق.

والثالث: أن يكون فيه بيان على الرمز والإشارة مرة، وعلى الكشف ثانياً؛ فما كان منه على الرمز فهو مطلوب في المعاني وطريق الرسول إلى ما في تلك المعاني من الأمور المختلفة: منها ما يقع بمعونة الوحي من غير الكتاب على اختلاف وجوه الوحي من إرسال على لسان ملك، أو رؤيا، أو إلهام.

والتأمل في ذلك، أو الاستدلال بما قد أوضحه بعد توفيق الله للحق في ذلك وعصمته عن الزيغ.

أو على ما شاء من ترتيب الحكماء في حق التفاهم لغوامض الأمور، أو غير ذلك مما يريد الله أن يطلع عليه نبيّه؛ فإن لطف ربّ العالمين بما عامل به الأخيار يجل عن احتمال العبارة عنه أو تصويره في الأوهام، نحو كتابة الحفظة، وقبض ملك الموت أرواح الخلق في وقت واحد في أطراف الأرض، ونحو ذلك، وذلك كله حدّ اللّطف الذي يعجز البشر عن الإحاطة؛ فعلى ذلك أمر تبيان كل شيء مع ما يحتمل بتأويل الآية إلى أغلب الأمور وأعمها، كقوله -  -: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ  ﴾ ، وغيره، ولا قوة إلا بالله.

والأصل عندنا: أن ليس للبيان عدد يجب حفظ العدد، على ما ذكره قوم: أنه على خمسة أوجه؛ إنما هو أمران: أحدهما: ما يبين هو.

والثاني: ما يبين غيره، لكن الوجه الذي به يقع ما غاب عن الحواس بالبيان أصله الواقع تحت الحواس؛ إذ البين الذين من جحده حرم أوّل درجات البيان [ومنع] عن فهم المجحود عنه؛ إذ الجحود يكفي كلاًّ مؤمنة خصومته، ثم غيره مما يصير بالتأمّل على الوجوه التي جعلت للوصول إليه، وإن بعد أو قرب بدليله كالمحسوس؛ إذ التأمل في الأسباب هو سبب الوصول إلى ما غاب، كاستعمال الحواس فيما يشهد؛ فمن أراد القطع على حد أو شيء يحتاج إلى دليل فيه.

وأصل البيان - حقيقة - هو الظهور، وأسباب إظهار الأشياء متفاوتة، وعلى ذلك مقاديرها من الظهور، وجملته ارتفاع التواتر عن القلوب، وتجلي حقائق الأمور لها؛ على قدر العقول في الإدراك وما يتجلى للقلوب على مقدار ما يحتمل من الظهور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ .

يجب أن يكون قوله: ﴿ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ - كله واحد الرحمة والهدى والبيان، وبرحمته وبهداه يتبين لهم ويتضح، لكنهم قالوا: البيان للناس كافة يبين ويتضح إلا من عاند وكابر، والهدى والرحمة للمؤمنين خاصّة؛ على ما ذكر وهدى [ورحمة] وبشرى للمسلمين؛ ذلك للمسلمين خاصّة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما عندكم -أيها الناس- من المال واللذات والنعيم ينقضي ولو كان كثيرًا، وما عند الله من الجزاء باق، فكيف تؤثرون فانيًا على باق؟

ولنجزيت الذين صبروا على عهوهم ولم ينقضوها ثوابهم بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعات، فنجزيهم الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.rvDPz"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله