الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٢٢ من سورة مريم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٢ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال : إنها استسلمت لقضاء الله تعالى فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك - وهو جبريل عليه السلام - عند ذلك نفخ في جيب درعها ، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج ، فحملت بالولد بإذن الله تعالى .
فلما حملت به ضاقت ذرعا به ولم تدر ماذا تقول للناس ، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به ، غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا .
وذلك أن زكريا عليه السلام ، كان قد سأل الله الولد ، فأجيب إلى ذلك ، فحملت امرأته ، فدخلت عليها مريم فقامت إليها فاعتنقتها ، وقالت : أشعرت يا مريم أني حبلى ؟
فقالت لها مريم : وهل علمت أيضا أني حبلى ؟
وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها وكانوا بيت إيمان وتصديق ، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في جوفها يسجد للذي في بطن مريم ، أي : يعظمه ويخضع له ، فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعا ، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته ، وكما أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم ، عليه السلام ، ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلا لتعظيم جلال الرب تعالى .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين قال : قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال : قال مالك رحمه الله : بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ابنا خالة ، وكان حملهما جميعا معا ، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم : إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك .
قال مالك : أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام; لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص .
ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر .
وقال عكرمة : ثمانية أشهر - قال : ولهذا لا يعيش ولد لثمانية أشهر .
وقال ابن جريج : أخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله الثقفي ، سمع ابن عباس وسئل عن حبل مريم ، قال : لم يكن إلا أن حملت فوضعت .
وهذا غريب ، وكأنه أخذه من ظاهر قوله تعالى : ( فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ) فالفاء وإن كانت للتعقيب ، ولكن تعقيب كل شيء بحسبه ، كما قال تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ) [ المؤمنون : 12 - 14 ] فهذه الفاء للتعقيب بحسبها .
وقد ثبت في الصحيحين : أن بين كل صفتين أربعين يوما وقال تعالى : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة ) [ الحج : 63 ] فالمشهور الظاهر - والله على كل شيء قدير - أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن; ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل عليها وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس ، يقال له : يوسف النجار ، فلما رأى ثقل بطنها وكبره ، أنكر ذلك من أمرها ، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها ، ثم تأمل ما هي فيه ، فجعل أمرها يجوس في فكره ، لا يستطيع صرفه عن نفسه ، فحمل نفسه على أن عرض لها في القول ، فقال : يا مريم ، إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي .
قالت : وما هو ؟
قال : هل يكون قط شجر من غير حب ؟
وهل يكون زرع من غير بذر ؟
وهل يكون ولد من غير أب ؟
فقالت : نعم - فهمت ما أشار إليه - أما قولك : " هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر ؟
" فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ، ولا بذر " وهل خلق يكون من غير أب ؟
" فإن الله قد خلق آدم من غير أب ولا أم .
فصدقها ، وسلم لها حالها .
ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة ، انتبذت منهم مكانا قصيا ، أي : قاصيا منهم بعيدا عنهم; لئلا تراهم ولا يروها .
قال محمد بن إسحاق : فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت ، استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والترحم وتغير اللون ، حتى فطر لسانها ، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا ، وشاع الحديث في بني إسرائيل ، فقالوا : " إنما صاحبها يوسف " ، ولم يكن معها في الكنيسة غيره ، وتوارت من الناس ، واتخذت من دونهم حجابا ، فلا يراها أحد ولا تراه .
وفي هذا الكلام متروك تُرِك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه ( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا بغلام فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ) وبذلك جاء تأويل أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقِل ابن أخي وهب بن منبه، قال: سمعت وهبا قال: لما أرسل الله جبريل إلى مريم تمثَّل لها بشرا سويا فقالت له: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت.
حدثنا ابن حميد، قال : ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني ، قال: لما قال ذلك، يعني لما قال جبريل قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ....
الآية استسلمت لأمر الله، فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها.
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط ، عن السديّ، قال: طرحَتْ عليها جلبابها لما قال جبريل ذلك لها، فأخذ جبريل بكميها، فنفخ في جيب درعها، وكان مشقوقا من قُدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختها امرأة زكريا ليلة تزورها; فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم أشعرت أني حبلى، قالت مريم: أشعرت أيضا أني حُبلى، قالت امرأة زكريا: إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ .
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: يقولون: إنه إنما نفخ في جيب درعها وكمها.
وقوله ( فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ) يقول: فاعتزلت بالذي حملته، وهو عيسى، وتنحَّت به عن الناس مكانا قصيا يقول: مكانا نائيا قاصيا عن الناس، يقال: هو بمكان قاص، وقصيّ بمعنى واحد، كما قال الراجز: لَتَقْعُــــدِنَّ مَقْعَـــدَ القَصِـــيِّ مِنِّـــي ذي القـــاذُوَرةِ المَقْــلِيّ (7) يقال منه: قصا المكان يقصو قصوا : إذا تباعد، وأقصيت الشيء: إذا أبعدته وأخَّرته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ) قال: مكانا نائيا.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( مَكَانًا قَصِيًّا ) قال: قاصيا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي، قال: لما بلغ أن تضع مريم، خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه.
------------------------- الهوامش : (7) البيتان لرؤبة ابن العجاج الراجز ( انظر فوائد القلائد في مختصر الشواهد للعيني ص 115 - 116 ) وبعدهما بيتان آخران وهما : أو تحـــلفي بـــربك العـــلي أنــى أبــو ذيــا لــك الصبـي ومقعد القصي : إما مفعول مطلق .
على أن يكون المقعد بمعنى القعود أو على أنه مفعول فيه ، أي في مقعد القصي ، أي البعيد ، من قصا المكان يقصو : إذا بعد .
ويقال رجل قاذورة : أي لا يخالط الناس ، لسوء خلقه .
والمقلي المبغض من قلاه يقليه قلى بالكسر .
وهما صفتان للقصي .
وفي ( لسان العرب : قصا ) قصا عنه قصوا ، وقصوا وقصا وقصاء ، وقصي ( بكسر الصاد ) : بعد وقصا المكان يقصو قصوا ( على فعول ) : بعد .
والقصي والقاصي : البعيد ، والجمع : أقصاء فيهما ، كشاهد وأشهاد ، ونصير وأنصار .
قوله تعالى : فانتبذت به مكانا قصيا أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد ؛ قال ابن عباس : إلى أقصى الوادي ، وهو وادي بيت لحم بينه وبين إيلياء أربعة أميال ؛ وإنما بعدت فرارا من تعيير قومها إياها بالولادة من غير زوج .
قال ابن عباس : ما هو إلا أن حملت فوضعت في الحال وهذا هو الظاهر ؛ لأن الله تعالى ذكر الانتباذ عقب الحمل .
وقيل غير ذلك على ما يأتي :
أي: لما حملت بعيسى عليه السلام، خافت من الفضيحة، فتباعدت عن الناس { مَكَانًا قَصِيًّا ْ} فلما قرب ولادها، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة، فلما آلمها وجع الولادة، ووجع الانفراد عن الطعام والشراب، ووجع قلبها من قالة الناس، وخافت عدم صبرها، تمنت أنها ماتت قبل هذا الحادث، وكانت نسيا منسيا فلا تذكر.
وهذا التمني بناء على ذلك المزعج، وليس في هذه الأمنية خير لها ولا مصلحة، وإنما الخير والمصلحة بتقدير ما حصل.
قوله عز وجل : ( فحملته ) قيل : إن جبريل رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبست .
وقيل : مد جيب درعها بأصبعه ، ثم نفخ في الجيب .
وقيل : نفخ في كم قميصها .
وقيل : في فيها .
وقيل : نفخ جبريل عليه السلام نفخا من بعيد فوصل الريح إليها فحملت بعيسى في الحال ( فانتبذت به ) أي : تنحت بالحمل وانفردت ، ( مكانا قصيا ) بعيدا من أهلها .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : أقصى الوادي ، وهو وادي بيت لحم ، فرارا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج .
واختلفوا في مدة حملها ووقت وضعها ; فقال ابن عباس رضي الله عنهما : كان الحمل والولادة في ساعة واحدة .
وقيل : كان مدة حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء .
وقيل : كان مدة حملها ثمانية أشهر ، وكان ذلك آية أخرى لأنه لا يعيش ولد يولد لثمانية أشهر ، وولد عيسى لهذه المدة وعاش .
وقيل : ولدت لستة أشهر .
وقال مقاتل بن سليمان : حملته مريم في ساعة ، وصور في ساعة ، ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها ، وهي بنت عشر سنين ، وكانت قد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى .
«فحملته فانتبذت» تنحَّت «به مكانا قصيا» بعيدا من أهلها.
فحملت مريم بالغلام بعد أن نفخ جبريل في جَيْب قميصها، فوصلت النفخة إلى رَحِمِها، فوقع الحمل بسبب ذلك، فتباعدت به إلى مكان بعيد عن الناس.
قال ابن كثير رحمه الله : يقول - تعالى - مخبراً عن مريم ، أنها لما قال لها جبريل عن الله - تعالى - ما قال : أنها استسلمت لقضائه - تعالى - ، فذكر غير واحد من علماء السلف ، أن املك وهو جبريل - عليه السلام - عند ذلك نفخ فى جيب درعها ، فنزلت النفخة حتى ولجت فى الفرج ، فحملت بالولد بإذن الله - تعالى - .
.
.والمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر .
قال عكرمة : ثمانية أشهر .
وعن ابن عباس أنه قال : لم يكن إلا أن حملت فوضعت ، وهذا غريب ، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله - تعالى - : ( فَحَمَلَتْهُ فانتبذت بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً فَأَجَآءَهَا المخاض إلى جِذْعِ النخلة ) .
فالفاء وإن كانت للتعقيب ، لكن تعقيب كل شىء بحسبه .فالمشهور الظاهر - والله على كل شىء قدير - أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن .
.
.
" .والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَحَمَلَتْهُ .
.
) هى الفصيحة؛ أى : وبعد أن قال جبريل لمريم إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيا .
.
.
نفخ فيها فحملته ، أى : عيسى ، فانتبذت به ، أى : فتنحت به وهو فى بطنها ( مَكَاناً قَصِيّاً ) أى : إلى مكان بعيد عن المكان الذى يسكنه أهلها .يقال : قَصِى فلان عن فلان قَصْواً وقُصُوًّا ، إذا بعد عنه .
ويقال : فلان بمكان قصى ، أى : بعيد .وجمهور العلماء علىأن هذا المكان القصى ، كان بيت لحم بفلسطين .قال ابن عباس : أقصى الوادى ، وهو وادى بيت لحم ، فراراً من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج " .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنها إنما تعجبت بما بشرها جبريل عليه السلام لأنها عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل والعادات عند أهل المعرفة معتبرة في الأمور وإن جوزوا خلاف ذلك في القدرة فليس في قولها هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ابتداء وكيف وقد عرفت أنه تعالى خلق أبا البشر على هذا الحد ولأنها كانت منفردة بالعبادة ومن يكون كذلك لابد من أن يعرف قدرة الله تعالى على ذلك.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول قولها: ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ ﴾ يدخل تحته قولها: ﴿ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً ﴾ فلماذا أعادتها ومما يؤكد هذا السؤال أن في سورة آل عمران قالت: ﴿ رَبّ أنى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ كذلك الله يَخْلُقُ مَا يَشَاء ﴾ فلم تذكر البغاء والجواب من وجوه: أحدها: أنها جعلت المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه لقوله: ﴿ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ والزنا ليس كذلك إنما يقال فجر بها أو ما أشبه ذلك ولا يليق به رعاية الكنايات.
وثانيها: أن إعادتها لتعظيم حالها كقوله: ﴿ حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ وقوله: ﴿ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ فكذا هاهنا إن من لم تعرف من النساء بزوج فأغلظ أحوالها إذا أتت بولد أن تكون زانية فأفرد ذكر البغاء بعد دخوله في الكلام الأول لأنه أعظم ما في بابه.
المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف البغي الفاجرة التي تبغي الرجال وهو فعول عند المبرد بغوي فأدغمت الواو في الياء، وقال ابن جني في كتاب التمام هو فعيل ولو كان فعولاً لقيل بغوا كما قيل نهوا عن المنكر.
المسألة الرابعة: أن جبريل عليه السلام أجابها بقوله: ﴿ قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ ﴾ وهو كقوله في آل عمران: ﴿ كذلك الله يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ لا يمتنع عليه فعل ما يريد خلقه ولا يحتاج في إنشائه إلى الآلات والمواد.
المسألة الخامسة: الكناية في: ﴿ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ ﴾ تحتمل وجهين: الأول: أن تكون راجعة إلى الخلق أي أن خلقه علي هين ولنجعل خلقه آية للناس إذ ولد من غير ذكر ورحمة منا يرحم عبادنا بإظهار هذه الآيات حتى تكون دلائل صدقه أبهر فيكون قبول قوله أقرب.
الثاني: أن ترجع الكنايات إلى الغلام وذلك لأنها لما تعجبت من كيفية وقوع هذا الأمر على خلاف العادة أعلمت أن الله تعالى جاعل ولدها آية على وقوع ذلك الأمر الغريب، فأما قوله تعالى: ﴿ وَرَحْمَةً مّنَّا ﴾ فيحتمل أن يكون معطوفاً على ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ ﴾ أي فعلنا ذلك: ﴿ وَرَحْمَةً مّنَّا ﴾ فعلنا ذلك ويحتمل أن يكون معطوفاً على الآية أي: ولنجعله آية ورحمة فعلنا ذلك.
المسألة السادسة: قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ﴾ المراد منه أنه معلوم لعلم الله تعالى فيمتنع وقوع خلافه لأنه لو لم يقع لانقلب علم الله جهلاً وهو محال والمفضي إلى المحال محال فخلافه محال فوقوعه واجب وأيضاً فلأن جميع الممكنات منتهية في سلسلة القضاء والقدر إلى واجب الوجود والمنتهي إلى الواجب انتهاء واجباً يكون واجب الوجود وإذا كان واجب الوجود فلا فائدة في الحزن والأسف وهذا هو سر قوله عليه السلام: «من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب».
<div class="verse-tafsir"
عن ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها، فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت.
وقيل: كانت مدّة الحمل ستة أشهر.
وعن عطاء وأبي العالية والضحاك: سبعة أشهر.
وقيل: ثمانية، ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى عليه الصلاة والسلام.
وقيل: ثلاث ساعات.
وقيل: حملته في ساعة، وصوّر في ساعة، ووضعته في ساعة، حين زالت الشمس من يومها.
وعن ابن عباس: كانت مدة الحمل ساعة واحدة، كما حملته نبذته.
وقيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة.
وقيل: بنت عشر، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل.
وقالوا: ما من مولود إلا يستهلّ غيره ﴿ فانتبذت بِهِ ﴾ أي اعتزلت وهو في بطنها، كقوله: تَدُوسُ بِنَا الجْمَاجِمَ وَالتَّرِيبَا أي تدوس الجَماجم ونحن على ظهورها، ونحوه قوله تعالى: ﴿ تَنبُتُ بالدهن ﴾ [المؤمنون: 20] أي تنبت ودهنها فيها: الجار والمجرور في موضع الحال ﴿ قَصِيّاً ﴾ بعيداً من أهلها وراء الجبل.
وقيل: أقصى الدار.
وقيل: كانت سميت لابن عم لها اسمه يوسف، فلما قيل: حملت من الزنا، خاف عليها قتل الملك، فهرب بها فلما كان ببعض الطريق حدّثته نفسه بأن يقتلها، فأتاه جبريل فقال له: إنه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ بِأنْ نَفَخَ في دِرْعِها فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ في جَوْفِها وكانَ مُدَّةُ حَمْلِها سَبْعَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ سِتَّةٌ، وقِيلَ ثَمانِيَةٌ ولَمْ يَعِشْ مَوْلُودٌ وُضِعَ لِثَمانِيَةٍ غَيْرَهُ، وقِيلَ ساعَةٌ كَما حَمَلَتْهُ نَبَذَتْهُ وسِنُّها ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ عَشْرُ سِنِينَ وقَدْ حاضَتْ حَيْضَتَيْنِ.
﴿ فانْتَبَذَتْ بِهِ ﴾ فاعْتَزَلَتْ وهو في بَطْنِها كَقَوْلِهِ: تَدُوسُ بِنا الجَماجِمَ والتَّرِيبا والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ.
﴿ مَكانًا قَصِيًّا ﴾ بَعِيدًا مِن أهْلِها وراءَ الجَبَلِ وقِيلَ أقْصى الدّارِ.
<div class="verse-tafsir"
{فحملته} اى الموهوب وكان سنها ثلاث عشرة سنه أو عشر أو عشرين {فانتبذت بِهِ} اعتزلت وهو في بطنها والجار والمجرور في موضع الحال عن ابن عباس رضى الله عنهما كانت مدة الحمل ساعة واحدة كما حملته نبذته وقيل ستة أشهر وقيل سبعة وقيل ثمانية ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى وقيل حملته في ساعة ووضعته في ساعة {مكانا قصيا} بعيدا عن أهلها وراء الجبل وذلك لأنها لما أحست بالحمل هربت من قومها مخافة اللائمة
﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فاطْمَأنَّتْ إلى قَوْلِهِ فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِها فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ في جَوْفِها فَحَمَلَتْهُ.
ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ: لَمْ يَدْنُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ نَفَخَ عَنْ بُعْدٍ فَوَصَلَ الرِّيحُ إلَيْها فَحَمَلَتْ.
وقِيلَ: إنَّ النَّفْخَةَ كانَتْ في كُمِّها ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
وقِيلَ كانَتْ في ذَيْلِها، وقِيلَ كانَتْ في فَمِها.
واخْتَلَفُوا في سِنِّها إذْ ذاكَ، فَقِيلَ: ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وعَنْ وهْبٍ ومُجاهِدٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: عَشْرُ سِنِينَ وقَدْ كانَتْ حاضَتْ حَيْضَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تَحْمِلَ، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ الهَيْصَمِ رَئِيسُ الهَيْصَمِيَّةِ مِنَ الكَرامِيَّةِ أنَّها لَمْ تَكُنْ حاضَتْ بَعْدُ، وقِيلَ: إنَّها عَلَيْها السَّلامُ لَمْ تَكُنْ تَحِيضُ أصْلًا بَلْ كانَتْ مُطَهَّرَةً مِنَ الحَيْضِ.
وكَذا اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ حَمْلِها فَفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها تِسْعَةُ أشْهُرٍ كَما في سائِرِ النِّساءِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مُخالِفَةً لَهُنَّ في هَذِهِ العادَةِ لَناسَبَ ذِكْرَها في أثْناءِ هَذِهِ القِصَّةِ الغَرِيبَةِ.
وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّها كانَتْ ساعَةً واحِدَةً كَما حَمَلَتْهُ نَبَذَتْهُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِالتَّعْقِيبِ الآتِي وبِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ في وصْفِهِ ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، فَلا يُتَصَوَّرُ فِيهِ مُدَّةُ الحَمْلِ.
وعَنْ عَطاءٍ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ أنَّها كانَتْ سَبْعَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: كانَتْ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: حَمَلَتْهُ في ساعَةٍ وصُوِّرَ في ساعَةٍ ووَضَعَتْهُ في ساعَةٍ، حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ مِن يَوْمِها، والمَشْهُورُ أنَّها كانَتْ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، قِيلَ: ولَمْ يَعِشْ مَوْلُودٌ وُضِعَ لِثَمانِيَةٍ غَيْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ونَقَلَ النَّيْسابُورِيُّ عَنْ أهْلَ التَّنْجِيمَ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الحَمْلَ يَعُودُ إلى تَرْبِيَةِ القَمَرِ فَتَسْتَوْلِي عَلَيْهِ البُرُودَةُ والرُّطُوبَةُ، وهو ظاهِرٌ في أنَّ مُرَبِّيَ الحَمْلِ في أوَّلِ شُهُورِ الحَمْلِ القَمَرُ وفي الثّامِنِ يَعُودُ الأمْرُ إلَيْهِ عِنْدَ المُنَجِّمِينَ وهو مُخالِفٌ لِما في كِفايَةِ التَّعْلِيمِ عَنْهم مِن أنَّ أوَّلَ الشُّهُورِ مَنسُوبٌ إلى زُحَلَ والثّانِي إلى المُشْتَرِي، وهَكَذا إلى السّابِعِ وهو مَنسُوبٌ إلى القَمَرِ، ثُمَّ تَرْجِعُ النِّسْبَةُ إلى زُحَلَ ثُمَّ إلى المُشْتَرِي: وفِيها أيْضًا أنَّ جُهّالَ المُنَجِّمِينَ يَقُولُونَ: إنَّ النُّطْفَةَ في الشَّهْرِ الأوَّلِ تَقْبَلُ البُرُودَةَ مِن زُحَلَ فَتُجَمَّدُ، وفي الثّانِي تَقْبَلُ القُوَّةَ النّامِيَةَ مِنَ المُشْتَرِي فَتَأْخُذُ في النُّمُوِّ، وفي الثّالِثِ تَقْبَلُ القُوَّةَ الغَضَبِيَّةَ مِنَ المِرِّيخِ وفي الرّابِعِ قُوَّةَ الحَياةِ مِنَ الشَّمْسِ وفي الخامِسِ قُوَّةَ الشَّهْوَةِ مِنَ الزُّهْرَةِ، وفي السّادِسِ قُوَّةَ النُّطْقِ مِن عُطارِدَ، وفي السّابِعِ قُوَّةَ الحَرَكَةِ مِنَ القَمَرِ فَتَتِمُّ خِلْقَةُ الجَنِينِ، فَإنْ وُلِدَ في ذَلِكَ الوَقْتِ عاشَ وإلّا فَإنْ وُلِدَ في الثّامِنِ لَمْ يَعِشْ لِقَبُولِهِ قُوَّةَ المَوْتِ مِن زُحَلَ وإنْ وُلِدَ في التّاسِعِ عاشَ لِأنَّهُ قَبْلَ قُوَّةِ المُشْتَرِي، ومِثْلُ تِلْكَ الكَلِماتِ خُرافاتٌ وكُلُّ امْرَأةٍ تَعْرِفُ أنَّ النُّطْفَةَ إذا مَضَتْ عَلَيْها ثَلاثَةُ أشْهُرٍ تَتَحَرَّكُ، وقَدْ ذَكَرَ حُكَماءُ الطَّبِيعَةِ أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الوِلادَةِ سِتَّةُ أشْهُرٍ ومُدَّةُ الحَرَكَةِ ثُلُثُ مُدَّةِ الوِلادَةِ، فَيَكُونُ أقَلُّها شَهْرَيْنِ ومَنِ امْتَحَنَ الإسْقاطَ يَعْلَمُ أنَّ الخِلْقَةَ تَتِمُّ في أقَلَّ مِن خَمْسِينَ يَوْمًا انْتَهى.
وكَلامُ المُتَشَرِّعِينَ لا يَخْفى عَلَيْكَ في هَذا البابِ.
وقَدْ يَعِيشُ المَوْلُودُ لِثَمانٍ إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن خَواصِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ صَحَّ.
ولَمْ يَصِحُّ عِنْدِي شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأقْوالِ المُضْطَرِبَةِ المُتَناقِضَةِ بَيْدَ أنِّي أمِيلُ إلى أوَّلِها، والِاسْتِدْلالُ لِلثّانِي مِمّا سَمِعْتُ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.
﴿ فانْتَبَذَتْ بِهِ ﴾ أيْ فاعْتَزَلَتْ وهو في بَطْنِها فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ والمُصاحَبَةِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ﴾ وقَوْلِ المُتَنَبِّي يَصِفُ الخُيُولَ: فَمَرَّتْ غَيْرَ نافِرَةٍ عَلَيْهِمْ تَدُوسُ بِنا الجَماجِمَ والرُّؤُوسا والجارُّ والمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِها المُسْتَتِرِ أيْ فانْتَبَذَتْ مُلْتَبِسَةً بِهِ ﴿ مَكانًا قَصِيًّا ﴾ بَعِيدًا مِن أهْلِها وراءَ الجَبَلِ، وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ نَوْفٍ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفَخَ في جَيْبِها فَحَمَلَتْ حَتّى إذا أثْقَلَتْ وجِعَتْ ما يَجِعُ النِّساءُ وكانَتْ في بَيْتِ النُّبُوَّةِ، فاسْتَحْيَتْ وهَرَبَتْ حَياءً مِن قَوْمِها، فَأخَذَتْ نَحْوَ المَشْرِقِ وخَرَجَ قَوْمُها في طَلَبِها فَجَعَلُوا يَسْألُونَ: رَأيْتُمْ فَتاةً كَذا وكَذا فَلا يُخْبِرُهم أحَدٌ، فَكانَ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ.
ورَوى الثَّعْلَبِيُّ في العَرائِسِ عَنْ وهْبٍ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ لَمّا حَمَلَتْ كانَ مَعَها ابْنُ عَمٍّ لَها يُسَمّى يُوسُفُ النَّجّارُ، وكانا مُنْطَلِقَيْنِ إلى المَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ جَبَلِ صُهْيُونَ وكانا مَعًا يَخْدِمانِ ذَلِكَ المَسْجِدَ ولا يَعْلَمُ أنَّ أحَدًا مِن أهْلِ زَمانِهِما أشَدُّ اجْتِهادًا وعِبادَةً مِنهُما، وأوَّلُ مَن عَلِمَ أمْرَها يُوسُفُ فَتَحَيَّرَ في ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِكَمالِ صَلاحِها وعِفَّتِها وأنَّهُ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ ساعَةً فَقالَ لَها: قَدْ وقَعَ في نَفْسِي شَيْءٌ مِن أمْرِكِ لَمْ أسْتَطِعْ كِتْمانَهُ، وقَدْ رَأيْتُ الكَلامَ فِيهِ أشَفى لِصَدْرِي فَقالَتْ: قُلْ قَوْلًا جَمِيلًا فَقالَ: يا مَرْيَمُ أخْبِرِينِي هَلْ يَنْبُتُ زَرْعٌ بِغَيْرِ بَذْرٍ؟
وهَلْ تَنْبُتُ شَجَرَةٌ مِن غَيْرِ غَيْثٍ؟
وهَلْ يَكُونُ ولَدٌ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ؟
فَقالَتْ: نَعَمْ، ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْبَتَ الزَّرْعَ يَوْمَ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ بَذْرٍ؟
ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْبَتَ الشَّجَرَةَ مِن غَيْرِ غَيْثٍ؟
وبِالقُدْرَةِ جَعَلَ الغَيْثَ حَياةَ الشَّجَرِ بَعْدَما خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ؟
أتَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُنْبِتَ الشَّجَرَةَ حَتّى يَسْتَعِينَ بِالماءِ؟
قالَ: لا أقُولُ هَذا ولَكِنِّي أقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْدِرُ عَلى ما يَشاءُ بِقَوْلِ كُنْ فَيَكُونُ، فَقالَتْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ وامْرَأتَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ولا أُنْثى؟
فَعِنْدَ ذَلِكَ زالَ ما يَجِدُهُ وكانَ يَنُوبُ عَنْها في خِدْمَةِ المَسْجِدِ لِاسْتِيلاءِ الضَّعْفِ عَلَيْها بِسَبَبِ الحَمْلِ وضِيقِ القَلْبِ، فَلَمّا دِنا نِفاسُها أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْها أنِ اخْرُجِي مِن أرْضِ قَوْمِكِ لِئَلّا يَقْتُلُوا ولَدَكِ فاحْتَمَلَها يُوسُفُ إلى أرْضِ مِصْرَ عَلى حِمارٍ لَهُ، فَلَمّا بَلَغَتْ تِلْكَ البِلادَ أدْرَكَها النِّفاسُ فَكانَ ما قَصَّ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: انْتَبَذَتْ أقْصى الدّارِ وهو الأنْسَبُ بِقِصَرِ مُدَّةِ الحَمْلِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ ، يعني: اذكر في القرآن خبر مريم، ومعناه: اقرأ عليهم ما أنزل عليك في القرآن من خبر مريم إِذِ انْتَبَذَتْ يعني: اعتزلت وتنحت مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ، يعني: مشرقة الشمس في دار أهلها.
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً ، يعني: ضربت وأرخت من دونهم ستراً.
فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ، يعني: بعثنا إليها جبريل فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ، يعني: تشبه لها في صورة شاب تامّ الخلقة فدنا منها، فأنكرت مريم مكان الرجل.
وقالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، يعني: إن كنت مطيعاً لله عز وجل.
وإنما قالت: إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، لأن التقي إذا وعظ بالله عز وجل اتعظ وخاف، والفاسق يخوف بالسلطان، والمنافق يخوف بالناس، فالتقيّ يخوف بالله.
ويقال: في الآية مضمر ومعناه احذر إن كنت تقياً قالَ لها جبريل : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ، يعني: ولداً صالحاً.
قرأ أبو عمرو ونافع في إحدى الروايتين ليهب لَكَ بالياء، وقرأ الباقون لِأَهَبَ لَكِ بالألف.
فمن قرأ لِيَهَبَ، فمعناه: ليهب الله تعالى لك.
ومن قرأ لِأَهَبَ لَكِ يكون فيه مضمر، ومعناه: إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ فقال: لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا يعني: قال ربك، وهذا اختيار أبي عبيدة، وهو موافق لخط المصاحف.
قالَتْ مريم لجبريل : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، يعني: من أين يكون لي ولد؟
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، يعني: لم يقربني زوج، وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا يعني: لم أك فاجرة.
قالَ لها جبريل : كَذلِكِ، يعني: هكذا كما قلت.
قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، يعني: خلقه علي يسير، وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ يعني: عبرة للناس، يعني: لبني إسرائيل، وَرَحْمَةً مِنَّا يعني: ونعمة منا.
وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا، يعني: قضاء كائناً.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الطَّبرِيُّ «١» ، وغيرُه: معناه وأَمانٌ عليه.
قال ع «٢» : والأَظهرُ عندي: أَنها التّحيةُ المتعارفة، فهي أَشرف وأَنبه من الأَمان لأَن الأَمان متحصَّلٌ له بنفي العِصْيان عنه، وهو أَقلّ درجاته، وإنما الشرف في أن سلم اللهُ عليه، وحيَّاه في المواطن الَّتي الإنسان فيها في غاية الضعْفِ، والحاجةِ، وقلَّةِ الحيلة.
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ
، الكتاب: هو القُرْآنُ، والاِنْتباذ: التنحِّي.
قال السُّدِّيُّ: انتبذت لتطهر من حيض «٣» ، وقال غيره: لتعبد الله عز وجل.
قال ع «٤» : وهذا أحْسن.
وقوله: شَرْقِيًّا
يريد: في جهة الشرق من مساكن أهلها، وكانوا يعظمون جهة المَشْرق قاله الطبري.
وقال بعضُ المفسرين: اتخذت المكان بشرقي المحراب.
وقوله سبحانه: فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
، أيْ: لتستتر به عن الناس لعبادتها.
«والروح» : جبريلُ عليه السلام.
وقوله تعالى: قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
، المعنى: قالت مريمُ للملك الذي تمثل لها بشراً، لما رأَتْهُ قد خرق الحِجَاب/ الَّذي اتخذته فأساءت به الظن: ٢ ب أعوذ بالرحمن منك إن كنت ذا تُقًى، فقال لها جبريلُ عليه السلام: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ، ﴿ مَكانًا شَرْقِيًّا ﴾ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، وهو عِنْدُ العَرَبِ خَيْرٌ مِنَ الغَرْبِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ ﴾ يَعْنِي: أهْلَها، ﴿ حِجابًا ﴾ ؛ أيْ: سِتْرًا وحاجِزًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها ضَرَبَتْ سِتْرًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الشَّمْسَ أظَلَّتْها، فَلَمْ يَرَها أحَدٌ مِنهُمْ، وذَلِكَ مِمّا سَتَرَها اللَّهُ بِهِ، [ ورُوِيَ ] هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّها اتَّخَذَتْ حِجابًا مِنَ الجُدْرانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.
وَفِي سَبَبِ انْفِرادِها عَنْهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: [ أنَّها ] انْفَرَدَتْ لِتَطْهُرَ مِنَ الحَيْضِ وتَمْتَشِطَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لِتُفَلِّيَ رَأْسَها، قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا ﴾ وهو جِبْرِيلُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: صاحِبُ رُوحِنا وهو جِبْرِيلُ.
والرُّوحُ بِمَعْنى: الرُّوحِ والفَرَحِ، ثُمَّ تُضَمُّ الرّاءُ لِتَحْقِيقِ مَذْهَبِ الِاسْمِ، وإبْطالِ طَرِيقِ المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرُّوحِ هاهُنا: الوَحْيُ، وجِبْرِيلُ صاحِبُ الوَحْيِ.
وَفِي وقْتِ مَجِيئِهِ إلَيْها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وهي تَغْتَسِلُ.
والثّانِي: بَعْدَ فَراغِها ولُبْسِها الثِّيابَ.
والثّالِثُ: بَعْدَ دُخُولِها بَيْتَها.
وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِالرُّوحِ هاهُنا: [ الرُّوحُ ] الَّذِي خُلِقَ مِنهُ عِيسى، حَكاهُ الزَّجّاجُ والماوَرْدِيُّ، وهو مَضْمُونُ كَلامِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِيما سَنَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ( فَحَمَلَتْهُ ) .
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفِيهِ بَعْدُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ ، والمَعْنى: تَصَوَّرَ لَها في صُورَةِ البَشَرِ التّامِّ الخِلْقَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جاءَها في صُورَةِ شابٍّ أبْيَضَ الوَجْهِ، جَعْدٍ قَطَطٍ حِينَ طَرَّ شارِبَهُ.
وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ: ( فَأرْسَلْنا إلَيْها رَوْحَنا ) بِفَتْحِ الرّاءِ مِنَ الرُّوحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ المَعْنى: إنْ كُنْتَ تَتَّقِي اللَّهَ فَسَتَنْتَهِي بِتَعَوُّذِي مِنكَ، هَذا هو القَوْلُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ في زَمانِها رَجُلٌ اسْمُهُ تَقِيٌّ، وكانَ فاجِرًا، فَظَنَتُهُ إيّاهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ والماوَرْدِيُّ.
وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَجاءٍ: ( إلّا أنْ تَكُونَ تَقِيًّا ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ ﴾ ؛ أيْ: فَلا تَخافِي، " لِيَهَبَ لَكِ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لِأهَبَ لَكِ ) بِالهَمْزِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( لِيَهَبَ لَكَ ) بِغَيْرِ هَمْزٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( لِيَهَبَ ) فالمَعْنى: أرْسَلَنِي لِيَهَبَ، ومَن قَرَأ: ( لِأهَبَ ) فالمَعْنى: أرْسَلْتُ إلَيْكَ لِأهَبَ لَكَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: أرْسَلَنِي يَقُولُ لَكَ: أرْسَلْتُ رَسُولِي إلَيْكَ لِأهَبَ لَكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غُلامًا زَكِيًّا ﴾ ؛ أيْ: طاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ.
والبَغِيُّ: الفاجِرَةُ الزّانِيَةُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: ( بَغِيَّةً )؛ لِأنَّهُ وصْفٌ يَغْلُبُ عَلى النِّساءِ، فَقَلَّما تَقُولُ العَرَبُ: رَجُلٌ بَغِيٌّ، فَيَجْرِي مَجْرى حائِضٍ وعاقِرٍ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: ( بُغْيَةً )؛ لِأنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ، فَهو ( فَعِيلٌ ) بِمَعْنى ( فاعِلٍ ) .
ومَعْنى الآَيَةِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ ولَسْتُ بِزانِيَةٍ، وإنَّما يَكُونُ الوَلَدُ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ.
﴿ قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في قِصَّةِ زَكَرِيّا، والمَعْنى: أنَّهُ يَسِيرُ عَلى أنْ أهَبَ لَكِ غُلامًا مِن غَيْرِ أبٍ.
﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ﴾ ؛ أيْ: دَلالَةً عَلى قُدْرَتِنا كَوْنُهُ مِن غَيْرِ أبٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما دَخَلَتِ الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ ﴾ ؛ لِأنَّها عاطِفَةٌ لِما بَعْدَها عَلى كَلامٍ مُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: قالَ رَبُّكُ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ، لِنَنْفَعَكَ بِهِ ولِنَجْعَلَهُ عِبْرَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَةً مِنّا ﴾ ؛ أيْ: لِمَن تَبِعَهُ وآَمَنَ بِهِ، ﴿ وَكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا ﴾ ؛ أيْ: وكانَ خُلُقُهُ أمْرًا مَحْكُومًا بِهِ، مَفْرُوغًا عَنْهُ، سابِقًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى كَوْنُهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا ﴾ ﴿ فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ ﴿ قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ ﴿ قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا ﴾ ﴿ قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا ﴾ هَذِهِ ابْتِداءُ قِصَّةٍ لَيْسَتْ مِنَ الأُولى، والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ .
و"الكِتابُ": القُرْآنُ، و"مَرْيَمُ" ابْنَةُ عِمْرانَ أُمْ عِيسى أُخْتُ أُمْ يَحْيى.
واخْتَلَفَ الناسُ، لِمُ انْتَبَذَتْ، والِانْتِباذُ: التَنَحِّي.
فَقالَ السُدِّيُّ: انْتَبَذَتْ لِتَطْهُرَ مِن حَيْضٍ، وقالَ غَيْرُهُ: لِتَعْبُدَ اللهَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أحْسَنُ؛ وذَلِكَ أنَّ مَرْيَمَ كانَتْ وقْفًا عَلى سَدانَةِ المُتَعَبَّدِ وخِدْمَتِهِ والعِبادَةِ فِيهِ، فَتَنَحَّتْ مِنَ الناسِ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ مَكانًا شَرْقِيًّا ﴾ يُرِيدُ في جِهَةِ الشَرْقِ مِن مَساكِنِ أهْلِها، وسَبَبُ كَوْنِهِ في الشَرْقِ أنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَةَ المَشْرِقِ ومِن حَيْثُ تُطْلَقُ الأنْوارُ، وكانَتِ الجِهاتُ الشَرْقِيَّةُ مَن كُلِّ شَيْءٍ أفْضَلَ مِن سِواها، حَكاهُ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِّي لَأعْلَمُ الناسُ لِمُ اتَّخَذَ النَصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً؛ لِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا ﴾ ، فاتَّخَذُوا مِيلادَ عِيسى قِبْلَةً.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: الحِجابُ هي اتَّخَذَتْهُ لِتَسْتَتِرَ بِهِ عَنِ الناسِ لِعِبادَتِها، فَقالَ السُدِّيُّ: كانَ مِن جُدُراتٍ، وقِيلَ: مِن ثِيابٍ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اتَّخَذَتِ المَكانَ بِشَرْقِيِّ المِحْرابِ.
و"الرُوحُ": جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: عِيسى، حَكى الزَجّاجُ القَوْلَيْنِ، فَمَن قالَ إنَّهُ جِبْرِيلُ قَدَّرَ الكَلامَ: فَتَمَثَّلَ هو لَها، ومَن قالَ إنَّهُ عِيسى قَدَّرَ الكَلامَ: فَتَمَثَّلَ المَلَكُ لَها.
قالَ النَقّاشُ: ومَن قَرَأ: "رُوحَنّا" بِتَشْدِيدِ النُونِ جَعَلَهُ اسْمَ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ أرَ هَذِهِ القِراءَةَ لِغَيْرِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في نُبُوَّةِ مَرْيَمَ فَقِيلَ: كانَتْ نَبِيَّةً بِهَذا الإرْسالِ وبِالمُحاوَرَةِ لِلْمَلَكِ، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، وإنَّما كَلَّمَها مِثالُ بَشَرٍ، ورُؤْيَتُها لِمَلَكٍ كَما رُئِيَ جِبْرِيلُ في صِفَةِ دِحْيَةَ، وفي سُؤالِهِ عَنِ الإسْلامِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ ، المَعْنى: قالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلَكِ الَّذِي تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا لَمّا رَأتْهُ قَدْ خَرَقَ الحِجابَ الَّذِي اتَّخَذَتْهُ فَأساءَتْ بِهِ الظَنَّ، قالَتْ: إنِّي أعُوذُ بِالرَحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ ذا تُقًى، قالَ أبُو وائِلٍ: عَلِمَتْ أنَّ التَقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: تَعْنِي اسْمَ رَجُلٍ فاجِرٍ كانَ في ذَلِكَ الزَمَنِ في قَوْمِها، فَلَمّا رَأتْهُ مُتَسَوِّرًا عَلَيْها ظَنَّتْهُ إيّاهُ فاسْتَعاذَتْ بِالرَحْمَنِ مِنهُ، حَكى هَذا مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ وغَيْرُهُ.
وهو ضَعِيفٌ ذاهِبٌ مَعَ التَخَرُّصِ.
فَقالَ لَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ ﴾ ، جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لَمّا كانَ الإعْلامُ بِها مِن قِبَلِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِأهَبَ لَكِ" كَما تَقَدَّمَ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "لِيَهَبَ لَكِ" بِالياءِ، أيْ: لِيَهَبَ لَكِ اللهُ، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ رَحِمَهُ اللهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِيَهَبَ اللهُ لَكِ".
فَلَمّا سَمِعَتْ مَرْيَمُ ذَلِكَ واسْتَشْعَرَتْ ما طَرَأ عَلَيْها، اسْتَفْهَمَتْ عن طَرِيقِهِ، وهي لَمْ يَمَسَّها بَشَرٌ بِنِكاحٍ ولَمْ تَكُنْ زانِيَةً.
و"البَغِيُّ": المُجاهِرَةُ المُشْتَهِرَةُ في الزِنى، فَهي طالِبَةٌ لَهُ، بَغُوىٌ عَلى وزْنِ فَعُولٍ كَبَتُولٍ، ولَوْ كانَتْ فَعِيلًا لَقَوِيَ أنْ يَلْحَقَها هاءُ التَأْنِيثِ فَيُقالُ: بَغِيَّةٌ.
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ واذكر في الكتاب مريم ﴾ عطف على جملة ﴿ ذِكْرُ رحمتتِ ربِّكَ ﴾ [مريم: 2] عطف القصة على القصة فلا يراعى حُسن اتّحاد الجملتين في الخبرية والإنشائية، على أن ذلك الاتحاد ليس بملتزم.
على أنك علمت أن الأحسن أن يكون قوله ﴿ ذكر رحمة ربك عبده زكريا ﴾ مصدراً وقع بدلاً من فعله.
والمراد بالذكر: التّلاوة، أي اتل خبر مريم الذي نقصّه عليك.
وفي افتتاح القصة بهذا زيادة اهتمام بها وتشويق للسامع أن يتعرفها ويتدبرها.
والكتاب: القرآن، لأنّ هذه القصة من جملة القرآن.
وقد اختصت هذه السورة بزيادة كلمة ﴿ في الكتاب ﴾ بعد كلمة ﴿ واذكر ﴾ .
وفائدة ذلك التنبيه إلى أن ذكر من أمر بذكرهم كائن بآيات القرآن وليس مجرد ذكر فضله في كلام آخر من قول النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: " لو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي " ولم يأت مثل هذه الجملة في سورة أخرى لأنه قد حصل علم المراد في هذه السورة فعلم أنه المراد في بقية الآيات التي جاء فيها لفظ ﴿ اذكر ﴾ .
ولعل سورة مريم هي أول سورة أتى فيها لفظ ﴿ واذكرْ ﴾ في قصص الأنبياء فإنها السورة الرابعة والأربعون في عدد نزول السور.
و ﴿ إذ ظرف متعلق باذكر ﴾ باعتبار تضمنه معنى القصة والخبر، وليس متعلقاً به في ظاهر معناه لعدم صحة المعنى.
ويجوز أن يكون (إذ) مجرد اسم زمان غير ظرف ويجعل بدلاً من (مريم)، أي اذكر زمن انتباذها مكاناً شرقياً.
وقد تقدم مثله في قوله ﴿ ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه ﴾ [مريم: 2، 3].
والانتباذ: الانفراد والاعتزال، لأن النبذ: الإبعاد والطرح، فالانتباذ في الأصل افتعال مطاوع نبذه، ثم أطلق على الفعل الحاصل بدون سبق فاعل له.
وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه مفعول ﴿ انتبذت ﴾ لتضمنه معنى حلت.
ويجوز نصبه على الظرفية لما فيه من الإبهام.
والمعنى: ابتعدت عن أهلها في مكان شرقي.
ونُكر المكان إبهاماً له لعدم تعلُّق الغرض بتعيين نوعه إذ لا يفيد كمالاً في المقصود من القصة.
وأما التصدّي لوصفه بأنه شرقي فللتنبيه على أصل اتخاذ النصارى الشرقَ قبلة لصلواتهم إذ كان حمل مريم بعيسى في مكان من جهة مشرق الشمس.
كما قال ابن عباس: «إني لأعلم خلققِ الله لأي شيء اتّخذت النصارى الشرقَ قبلة لقوله تعالى: ﴿ مكاناً شرقِيّاً ﴾ »، أي أن ذلك الاستقبال ليس بأمر من الله تعالى.
فذكر كون المكان شرقياً نكتة بديعة من تاريخ الشرائع مع ما فيه من مؤاخاة الفواصل.
واتخاذ الحجاب: جعل شيء يَحجب عن الناس.
قيل: إنها احتجبت لتغتسل وقيل لتمتشط.
والروح: الملك، لأن تعليق الإرسال به وإضافته إلى ضمير الجلالة دلاَّ على أنه من الملائكة وقد تمثل لها بشراً.
والتمثل: تكلف المماثلة، أي أن ذلك الشكل ليس شكل الملك بالأصالة.
و ﴿ بَشَرَاً ﴾ حال من ضمير (تمثل)، وهو حال على معنى التشبيه البليغ.
والبشر: الإنسان.
قال تعالى: ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ [ص: 71]، أي خالق آدم عليه السلام.
والسويُّ: المُسَوّى، أي التام الخلق.
وإنما تمثل لها كذلك للتناسب بين كمال الحقيقة وكمال الصورة، وللإشارة إلى كمال عصمتها إذ قالت: ﴿ إنِّي أعوذُ بالرحمن مِنكَ إن كُنتَ تقِيَّاً ﴾ ، إذ لم يكن في صورته ما يكره لأمثالها، لأنها حسبت أنه بشر اختبأ لها ليراودها عن نفسها، فبادرته بالتعوذ منه قبل أن يكلمها مبادرة بالإنكار على ما توهمته من قصده الذي هو المتبادر من أمثاله في مثل تلك الحالة.
وجملة ﴿ إنِّي أعوذُ بالرحمن مِنكَ ﴾ خبرية، ولذلك أكدت بحرف التأكيد.
والمعنى: أنها أخبرته بأنها جعلت الله معاذاً لها منه، أي جعلت جانب الله ملجأ لها مما هَمّ به.
وهذه موعظة له.
وذكرها صفة (الرحمان) دون غيرها من صفات الله لأنها أرادت أن يرحمها الله بدفع من حسبته داعراً عليها.
وقولها ﴿ إن كُنتَ تَقيّاً ﴾ تذكير له بالموعظة بأن عليه أن يتّقي ربّه.
ومجيء هذا التذكير بصيغة الشرط المؤذن بالشك في تقواه قصد لتهييج خشيته، وكذلك اجتلاب فعل الكون الدال على كون التّقوى مستقرة فيه.
وهذا أبلغ وعظٍ وتذكيرٍ وحثّ على العمل بتقواه.
والقصر في قوله: ﴿ إنَّما أنا رسولُ ربّكِ ﴾ قصر إضافي، أي لستُ بشراً، رداً على قولها: ﴿ إن كنت تقياً ﴾ المقتضي اعتقادها أنه بشر.
وقرأ الجمهور ﴿ لأَهَبَ ﴾ بهمزة المتكلم بعد لام العلّة.
ومعنى إسناد الهبة إلى نفسه مجاز عقلي لأنه سبب هذه الهبة.
وقرأه أبو عمرو، وورش عن نافع ومحاورتها الملك محاولة قصدت بها صرفه عما جاء لأجله، لأنها علمت أنّه مرسل من الله فأرادت مراجعة ربّها في أمر لم تطقه، كما راجعه إبراهيم عليه السلام في قوم لوط، وكما راجعه محمد عليه الصلاة والسلام في فرض خمسين صلاة.
ومعنى المحاورة أن ذلك يجر لها ضرّاً عظيماً إذ هي مخطوبة لرجل ولم يَبْننِ بها فكيف يتلقى الناس منها الإتيان بولد من غير أب معروف.
وقولها ولم أكُ بغيّاً } تبرئة لنفسها من البغاء بما يقتضيه فعل الكون من تمكن الوصف الذي هو خبر الكون، والمقصود منه تأكيد النفي فمفاد قولها ﴿ ولم أكُ بغيّاً ﴾ غير مفاد قولها ﴿ ولم يَمْسَسني بَشَر ﴾ ، وهو مما زادت به هذه القصة على ما في قصتها في سورة آل عمران، لأن قصتها في سورة آل عمران نزلت بعد هذه فصح الاجتزاء في القصة بقولها ﴿ ولم يَمْسَسني بَشَر ﴾ .
وقولها ﴿ ولم يَمْسَسني بَشَر ﴾ أي لم يَبْننِ بي زوج، لأنها كانت مخطوبة ومراكنة ليوسف النجار ولكنه لم يبن بها فإذا حملت بولد اتهمها خطيبها وأهلها بالزنى.
وأما قولها ﴿ ولَمْ أكُ بَغِياً ﴾ فهو نفي لأن تكون بغياً من قبل تلك الساعة، فلا ترضى بأن ترمى بالبغاء بعد ذلك.
فالكلام كناية عن التنزه عن الوصم بالبغاء بقاعدة الاستصحاب، والمعنى: ما كنت بغيّاً فيما مضى أفأعدّ بغياً فيما يستقبل.
وللمفسرين في هذا المقام حيرة ذكرها الفخر والطيبي، وفيما ذكرنا مخرج من مأزِقها، وليس كلام مريم مسوقاً مساق الاستبعاد مثل قول زكرياء ﴿ أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً ﴾ [مريم: 8] لاختلاف الحالين لأن حال زكرياء حال راغب في حصول الولد، وحال مريم حال متشائم منه متبرئ من حصوله.
والبغِيّ: اسم للمرأة الزانية، ولذلك لم تتصل به هاء التأنيث، ووزنه فعيل أو فعول بمعنى فاعل فيكون أصله بَغوي.
لأنه من البغي فلما اجتمع الواو والياء وسكن السابق منهما قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء الأصلية وعوض عن ضمة الغين كسرة لمناسبة الياء فصار بغي.
وجواب المَلَك معناه: أن الأمر كما قلت، نظير قوله في قصة زكرياء: ﴿ كذلك قال ربك هو علي هين، ﴾ وهو عدول عن إبطال مرادها من المراجعة إلى بيان هون هذا الخلق في جانب القدرة على طريقة الأسلوب الحكيم.
وفي قوله ﴿ هو علي هين ﴾ توجيه بأن ما اشتكته من توقع ضدّ قولها وطعنهم في عرضها ليس بأمر عظيم في جانب ما أراد الله من هدي الناس لرسالة عيسى عليه السلام بأن الله تعالى لا يصرفه عن إنفاذ مراده ما عسى أن يعرض من ضر في ذلك لبعض عبيده، لأنّ مراعاة المصالح العامة تقدم على مراعاة المصالح الخاصة.
فضمير ﴿ هو علي هين ﴾ عائد إلى ما تضمنه حوارها من لحاق الضر بها كما فسرنا به قولها ﴿ ولم يَمْسَسني بَشَر ولم أكُ بَغِياً ﴾ .
فبين جواب الملك إياها وبين جواب الله زكرياء اختلاف في المعنى.
والكلام في الموضعين على لسان المَلك من عند الله، ولكنه أسند في قصة زكرياء إلى الله لأن كلام المَلك كان تبليغَ وحي عن الله جواباً من الله عن مناجاة زكرياء، وأسند في هذه القصة إلى الملَك لأنه جواب عن خطابها إياه.
وقوله ﴿ ولنجعله ﴾ عطف على ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ باعتبار ما في ذلك من قول الرُّوح لها ﴿ لأهب لك غلاماً زكياً، ﴾ أي لأن هبة الغلام الزكي كرامة من الله لها، وجعله آية للناس ورحمة كرامة للغلام، فوقع التفات من طريقة الغيبة إلى طريقة التكلم.
وجملة ﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ يجوز أن تكون من قول الملك، ويجوز أن تكون مستأنفة.
وضمير ﴿ كان عائد إلى الوهْب المأخوذ من قوله لأهب لك غلاماً ﴾ .
وهذا قطع للمراجعة وإنباء بأن التخليق قد حصل في رحمها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ ﴾ يَعْنِي في القُرْآنِ ﴿ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: انْفَرَدَتْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: اتَّخَذَتْ.
﴿ مَكانًا شَرْقِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ناحِيَةَ المَشْرِقِ، قالَهُ الأخْفَشُ ولِذَلِكَ اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً.
الثّانِي: مُشْرِقَةً دارُهُ الَّتِي تُظِلُّها الشَّمْسُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّالِثُ: مَكانًا شاسِعًا بَعِيدًا، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: حِجابًا مِنَ الجُدْرانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: حِجابًا مِنَ الشَّمْسِ جَعَلَهُ اللَّهُ ساتِرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: حِجابًا مِنَ النّاسِ، وهو مُحْتَمَلٌ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها اتَّخَذَتْ مَكانًا تَنْفَرِدُ فِيهِ لِلْعِبادَةِ.
الثّانِي: أنَّها اتَّخَذَتْ مَكانًا تَعْتَزِلُ فِيهِ أيّامَ حَيْضِها.
﴿ فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا ﴾ الآيَةِ: فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الرُّوحَ الَّتِي خُلِقَ مِنها المَسِيحُ حَتّى تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًا.
الثّانِي: أنَّهُ جِبْرِيلُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ مُنَبِّهٍ.
وَفي تَسْمِيَتِهِ لَهُ رُوحًا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ رُوحانِيٌّ لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ غَيْرُ الرُّوحِ، وأضافَهُ إلَيْهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَشْرِيفًا لَهُ.
الثّانِي: لِأنَّهُ تَحْيا بِهِ الأرْواحُ.
واخْتَلَفُوا في سَبَبِ حَمْلِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ جِبْرِيلَ نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها وكُمِّها فَحَمَلَتْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: فَأهْوى لَها بِالنَّفْخِ في جَيْبِ دِرْعِها فَألْقَتْ سَوِيَّ الخَلْقِ لَيْسَ بِتَوْأمِ الثّانِي: أنَّهُ ما كانَ إلّا أنْ حَمَلَتْ فَوَلَدَتْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
واخْتَلَفُوا في مُدَّةِ حَمْلِها عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: تِسْعَةُ أشْهُرٍ.
حَكى لِي ذَلِكَ أبُو القاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ.
الثّالِثُ: يَوْمًا واحِدًا.
الرّابِعُ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، وكانَ هَذا آيَةَ عِيسى فَإنَّهُ لَمْ يَعِشْ مَوْلُودًا لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ سِواهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ لِأنَّ مَرْيَمَ خافَتْ جِبْرِيلَ عَلى نَفْسِها حِينَ دَنا فَقالَتْ ﴿ إنِّي أعُوذُ ﴾ أيْ أمْتَنِعُ ﴿ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ ﴾ فاسْتَغاثَتْ بِاللَّهِ في امْتِناعِها مِنهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَتْ ﴿ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ والتَّقِيُّ مَأْمُونٌ وإنَّما يُسْتَعاذُ مِن غَيْرِ التَّقِيِّ؟
فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى كَلامِها إنْ كُنْتَ تَقِيًّا لِلَّهِ فَسَتَمْتَنِعُ مِنَ اسْتِعاذَتِي وتَنْزَجِرُ عَنِّي مِن خَوْفِهِ، قالَهُ أبُو وائِلٍ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ اسْمًا لِرَجُلٍ فاجِرٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَشْهُورٌ بِالعَهْرِ يُسَمّى تَقِيًّا فَخافَتْ أنْ يَكُونَ الَّذِي جاءَها هو ذَلِكَ الرَّجُلُ المُسَمّى تَقِيًّا الَّذِي لا يَأْتِي إلّا لِلْفاحِشَةِ فَقالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ قال: بجد ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ قال: الفهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ خذ الكتاب بقوة ﴾ يقول: اعمل بما فيه من فرائضه.
وأخرج ابن المنذر، عن مالك بن دينار قال: سألنا عكرمة عن قوله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ قال: اللب.
وأخرج أبو نعيم وابن مردويه والديلمي، عن ابن عباس، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ قال: أعطي الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين» .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ قال: وهو ابن ثلاث سنين.
وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي وابن عساكر، عن معمر بن راشد في قوله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، قال: ما للعب خلقت.
فهو قوله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد من طريق معمر، عن قتادة قال: جاء الغلمان إلى يحيى بن زكريا فقال: ما للعب خلقت.
قال: فأنزل الله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ .
وأخرجه ابن عساكر، عن معاذ بن جبل مرفوعاً.
وأخرج الحاكم في تاريخه من طريق سهل بن سعيد عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال الغلمان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال يحيى: ما للعب خلقنا!
اذهبوا نصلي.
فهو قول الله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فقد أوتي الحكم صبياً» .
وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفاً.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والزجاجي في أماليه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وحناناً ﴾ قال: لا أدري ما هو، إلا أني أظنه تعطف الله على خلقه بالرحمة.
وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ وحناناً ﴾ فلم يجر فيها شيئاً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: رحمة من عندنا.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله: ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: رحمة من عندنا.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت طرفة بن العبد البكري وهو يقول: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ** حنانيك بعض لشر أهون من بعض وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: تعطفاً من ربه عليه.
وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: الرحمة.
وأخرج عبد بن حميد، عن الربيع ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: ﴿ رحمة من عندنا ﴾ لا يملك عطاءها أحد غيرنا.
وأخرج الحكيم الترمذي، عن سعيد الجهني في قوله: ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: الحنان المحبب.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: رحمة من عندنا ﴿ وزكاة ﴾ قال صدقة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وزكاة ﴾ قال: بركة.
وفي قوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ قال: طهر فلم يعمل بذنب.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن قوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ قال: لم يعصه ولم يهم بها.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ قال: كان سعيد بن المسيب يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا» قال قتادة: وقال الحسن: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما أذنب يحيى بن زكريا قط ولا هم بامرأة» .
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذكر رحمة ربك عبده زكريا ﴾ قال: ذكره الله برحمته منه حيث دعاه ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ يعني دعا ربه ﴿ دعاء خفياً ﴾ في الليل، لا يسمع أحداً، أو يسمع أذنيه.
فقال: ﴿ رب إني وهن العظم مني ﴾ يعني ضعف العظم مني ﴿ واشتعل الرأس شيباً ﴾ يعني غلب البياض السواد ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ أي لم أدعك قط فخيبتني فيما مضى، فتخيبني فيما بقي، فكما لم أشق بدعائي فيما مضى، فكذلك لا أشقى فيما بقي، عوّدتني الإجابة من نفسك.
﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ فلم يبق لي وارث، وخفت العصبة أن ترثني ﴿ فهب لي من لدنك ولياً ﴾ يعني من عندك ولداً ﴿ يرثني ﴾ يعني يرث محرابي، وعصاي وبرنس العربان، وقلمي الذي أكتب به الوحي ﴿ ويرث من آل يعقوب ﴾ النبوّة ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ يعني مرضياً عندك زاكياً بالعمل، فاستجاب الله له، فكان قد دخل في السن هو وامرأته.
فبينا هو قائم يصلي في المحراب، حيث يذبح القربان، إذا هو برجل عليه البياض حياله، وهو جبريل فقال: ﴿ يا زكريا إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ هو اسم من أسماء الله، اشتق من حي سماه الله فوق عرشه ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ لم يجعل لزكريا من قبل يحيى ولد له ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ يعني هل تعلم له ولداً، ولم يكن لزكريا قبله ولد، ولم يكن قبل يحيى أحد يسمى يحيى قال: وكان اسمه حياً، فلما وهب الله لسارة إسحق، فكان اسمها يسارة، ويسارة من النساء التي لا تلد، وسارة من النساء: الطالقة الرحم التي تلد فسماها الله سارة وحول الياء من سارة إلى حي فسماه يحيى، فقال: ﴿ رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً ﴾ خاف أنها لا تلد.
قال: ﴿ كذلك قال ربك ﴾ ﴿ يا زكريا هو عليّ هين وقد خلقتك من قبل ﴾ أن أهب لك يحيى ﴿ ولم تك شيئاً ﴾ وكذلك أقدر على أن أخلق من الكبير والعاقر.
وذلك أن إبليس أتاه فقال: يا زكريا، دعاؤك كان خفياً فأجبت بصوت رفيع، وبشرت بصوت عال، ذلك صوت من الشيطان، ليس من جبريل، ولا من ربك.
﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ حتى أعرف أن هذه البشرى منك.
﴿ قال آيتك أَلا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً ﴾ يعني صحيحاً من غير خرس.
فحاضت زوجته، فلما طهرت طاف عليها فاستحملت، فأصبح لا يتكلم وكان إذا أراد التسبيح والصلاة أطلق الله لسانه فإذا أراد أن يكلم الناس؛ اعتقل لسانه فلا يستطيع أن يتكلم، وكانت عقوبة له لأنه بشر بالولد فقال: ﴿ أَنى يكون لي غلام ﴾ فخاف أن يكون الصوت من غير الله ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ يعني من مصلاه الذي كان يصلي فيه.
فأوحى إليهم بكتاب كتبه بيده ﴿ أن سبحوا بكرة وعشياً ﴾ يعني صلوا صلاة الغداة والعصر، فولد له يحيى على ما بشره الله نبياً تقياً صالحاً ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ يعني بجد وطاعة واجتهاد وشكر وبالعمل بما فيه ﴿ وآتيناه الحكم ﴾ يعني الفهم ﴿ صبياً ﴾ صغيراً وذلك أنه مر على صبية أتراب له، يلعبون على شاطئ نهر بطين وبماء، فقالوا: يا يحيى تعالَ حتى نلعب، فقال: سبحان الله!
أو للعب خلقنا؟!
﴿ وحناناً ﴾ يعني ورحمة ﴿ منا ﴾ وعطفاً ﴿ وزكاة ﴾ يعني وصدقة على زكريا ﴿ وكان تقياً ﴾ يعني مطهراً مطيعاً لله ﴿ وبراً بوالديه ﴾ كان لا يعصيهما ﴿ ولم يكن جباراً ﴾ يعني قتال النفس التي حرم الله قتلها ﴿ عصياً ﴾ يعني عاصياً لربه.
﴿ وسلام عليه ﴾ يعني حين سلم الله عليه ﴿ يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك: بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام ابنا خالة، وكان حملهما جميعاً معاً، فبلغني أن أم يحيى، قالت لمريم: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.
قال مالك: أرى ذلك لتفضيل الله عيسى، لأن الله جعله يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ولم يكن ليحيى عيشة إلا عشب الأرض، وإن كان ليبكي من خشية الله، حتى لو كان على خده القار لأذابه، ولقد كان الدمع اتخذ في وجهه مجرى.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن خزيمة والدارقطني في الأفراد وأبو نصر السجزي في الإبانة والطبراني، عن ابن عباس قال: «كنا في حلقة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم نتذاكر فضائل الأنبياء، فذكرنا نوحاً وطول عبادته، وذكرنا إبراهيم وموسى وعيسى فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تذاكرون بينكم فذكرنا له، فقال: أما إنه لا ينبغي أن يكون أحد خيراً من يحيى بن زكريا أما سمعتم الله كيف وصفه في القرآن ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوّة ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها» .
وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يوماً وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قائل: موسى كلمه الله تكليماً، وقال قائل: عيسى روح الله وكلمته، وقال قائل: إبراهيم خليل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين الشهيد ابن الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب يحيى بن زكريا» .
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والحاكم وابن مردويه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ، أو هم بخطيئة، إلا يحيى بن زكريا، لم يهم بخطيئة ولم يعملها» .
وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم والحاكم عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا» .
وأخرج أحمد في الزهد وابن عساكر، عن يحيى بن جعدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يحيى بن زكريا، ما هم بخطيئة ولا حاكت في صدره امرأة» .
وأخرج ابن عساكر عن ضمرة بن حبيب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بعلت النساء عن ولد ينبغي له أن يقول: أنا أفضل من يحيى بن زكريا لم يحك في صدره خطيئة ولم يهم بها» .
وأخرج ابن عساكر عن علي بن أبي طلحة رفعه قال: ما ارتكض في النساء من جنين ينبغي له أن يقول: أنا أفضل من يحيى بن زكريا، لأنه لم يحك في صدره خطيئة ولم يهم بها.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن قال: إن عيسى ويحيى التقيا فقال يحيى لعيسى: استغفر لي أنت خير مني فقال له عيسى: بل أنت خير مني، سلم الله عليك، وسلمت أنا على نفسي، فعرف والله فضلها.
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والحاكم والضياء، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحسن والحسين سيداً شباب أهل الجنة- إلا ابني الخالة- عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا» .
وأخرج الحاكم من طريق سمرة، عن كعب قال: كان يحيى لا يقرب النساء ولا يشتهيهن، وكان شاباً حسن الوجه، لين الجناح، قليل الشعر، قصير الأصابع، طويل الأنف، أقرن الحاجبين، رقيق الصوت، كثير العبادة، قوياً في الطاعة.
وأخرج البيهقي في الشعب وضعفه وابن عساكر، عن أبي بن كعب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من هوان الدنيا على الله، أن يحيى بن زكريا قتلته امرأة» .
وأخرج الحاكم عن عبد الله بن الزبير قال: من أنكر البلاء، فإني لا أنكره، لقد ذكر لي أنما قتل يحيى بن زكريا في زانية.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريقه: أنا أبو يعقوب الكوفي، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به رأى زكريا في السماء فسلم عليه فقال له: «يا أبا يحيى، خبرني عن قتلك كيف كان؟
ولم قتلك بنو إسرائيل؟
قال: يا محمد، إن يحيى كان خير أهل زمانه، وكان أجملهم وأصبحهم وجهاً، وكان كما قال الله: ﴿ سيداً وحصوراً ﴾ وكان لا يحتاج إلى النساء، فهويته امرأة ملك بني إسرائيل وكانت بغية فأرسلت إليه، وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها، وأجمعت على قتل يحيى، وَلَهُم عيد يجتمعون في كل عام، وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب، فخرج الملك للعيد فقامت امرأته فشيعته، وكان بها معجباً، ولم تكن تسأله فيما مضى، فلما أن شيعته قال الملك: سليني فما تسأليني شيئاً إلا أعطيتك، قالت: أريد دم يحيى بن زكريا.
قال لها: سليني غيره.
قالت: هو ذاك.
قال: هو لك، فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو في محرابه يصلي، وأنا إلى جانبه أصلي، فذبح في طست، وحمل رأسه ودمه إليها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فما بلغ من صبرك؟
قال: ما انفتلت من صلاتي، فلما حمل رأسه إليها ووضع بين يديها،- فلما أمسوا- خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل: لقد غضب إله زكريا لزكريا، فتعالوا حتى نغضب لملكنا، فنقتل زكريا، فخرجوا في طلبي ليقتلوني، فجاءني النذير، فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم علي: فلما أن تخوفت أن لا أعجزهم، عرضت لي شجرة فنادتني فقالت: إلي إلي، وانصدعت لي، فدخلت فيها، وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي، والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجاً من الشجرة، وجاء بنو إسرائيل، فقال إبليس: أما رأيتموه دخل هذه الشجرة!
هذا طرف ردائه دخل به الشجرة، فقالوا: نحرق هذه الشجرة، فقال إبليس: شقوه بالمنشار شقاً.
قال: فشققت مع الشجرة بالمنشار.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا زكريا، هل وجدت له مساً أو وَجعاً؟
قال: لا، إنما وجدت تلك الشجرة جعل الله روحي فيها» .
وأخرج ابن عساكر، عن وهب بن منبه «أن زكريا هرب ودخل جوف شجرة، فوضع على الشجرة المنشار وقطع بنصفين، فلما وقع المنشار على ظهره أنَّ، فأوحى الله يا زكريا إما أن تكف عن أنينك، أو أقلب الأرض ومن عليها فسكت حتى قطع نصفين» .
وأخرج أحمد في الزهد وابن عساكر عن يزيد بن ميسرة قال: كان طعام يحيى بن زكريا الجراد وقلوب الشجر، وكان يقول: من أنعم منك يا يحيى؟
طعامك الجراد وقلوب الشجر.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن عساكر، عن أبي إدريس الخولاني وابن المبارك وأحمد في الزهد وأبو نعيم، عن مجاهد قالا: كان طعم يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله، حتى لو كان القار على عينه لأحرقه!
ولقد كانت الدموع اتخذت مجرى في وجهه.
وأخرج ابن عساكر، عن يونس بن ميسرة قال: مر يحيى بن زكريا على دينار فقال: قبح هذا الوجه يا دينار، يا عبد العبيد، ومعبد الأحرار.
وأخرج البيهقي في سننه، عن مجاهد قال: سأل يحيى بن زكريا ربه؟
قال: رب، اجعلني أسلم على ألسنة الناس، ولا يقولون فيّ إلا خيراً.
فأوحى الله إليه: يا يحيى لم أجعل هذا لي، فكيف أجعله لك؟.
وأخرج أحمد والبيهقي في الشعب وابن عساكر، عن ثابت البناني قال: بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا، فرأى عليه معاليق من كل شيء، فقال له يحيى: ما هذه؟!
قال: هذه الشهوات التي أصيب بها بنو آدم.
قال له يحيى: هل لي فيها شيء؟
قال: لا.
قال: فهل تصيب مني شيئاً؟
قال: ربما شبعت، فثقلناك عن الصلاة والذكر.
قال: هل غيره؟
قال: لا.
قال: لا جرم، لا أشبع أبداً.
وأخرج ابن عساكر من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي قال: كان ملك مات وترك امرأته وابنته، فورث ملكه أخوه، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه، فاستشار يحيى بن زكريا في ذلك، وكانت الملوك في ذلك الزمان يعلمون بأمر الأنبياء، فقال له: لا تتزوّجها فإنها بغي، فبلغ المرأة ذلك، فقالت: ليقتلن يحيى أو ليخرجن من ملكه.
فعمدت إلى ابنتها فصيغتها، ثم قالت اذهبي إلى عمك عند الملأ، فإنه إذا رآك سيدعوك، ويجلسك في حجره ويقول: سليني ما شئت، فإنك لن تسأليني شيئاً إلا أعطيتك، فإذا قال لك قولي: فقولي لا أسألك شيئاً إلا رأس يحيى، وكانت الملوك إذا تكلم أحدهم بشيء على رؤوس الملأ، ثم لم يمض له، نزع من ملكه.
ففعلت ذلك، فجعل يأتيه الموت من قتله يحيى، وجعل يأتيه الموت من خروجه من ملكه، فاختار ملكه، فقتله، فساخت بأمها الأرض.
قال ابن جدعان: فحدثت بهذا الحديث ابن المسيب، فقال: أما أخبرك كيف كان قتل زكريا؟
قلت: لا.
قال: إن زكريا حيث قتل ابنه، انطلق هارباً منهم، واتبعوه حتى أتى على شجرة ذات ساق، فدعته إليها فانطوت عليه، وبقيت من ثوبه هدبة تلعبها الريح، فانطلقوا إلى الشجرة فلم يجدوا أثره عندها، فنظروا تلك الهدبة، فدعوا المنشار، فقطعوا الشجرة فقطعوه فيها.
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمرو قال: التي قتلت يحيى بن زكريا امرأة ورثت الملك عن آبائها، فأتيت برأس يحيى وهي على سريرها، فقال للأرض خذيها فأخذتها وسريرها فذهب بها.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر، عن عبد الله بن الزبير: أن ملكاً أراد أن يتزوج ابنة أخيه، فاستفتى يحيى بن زكريا؟
فقال: لا تحل لك.
فسألت قتله؟
فبعث إليه- وهو في محرابه يصلي- فذبحوه، ثم حزوا رأسه وأتوا به الملك، فجعل الرأس يقول: لا يحل لك ما تريد.
وأخرج ابن عساكر عن ابن شوذب قال: قال يحيى بن زكريا للذي جاء يحز رأسه: أما تعلم أني نبي؟
قال: بلى، ولكني مأمور.
وأخرج الحاكم وابن عساكر، عن ابن عباس قال: أوحى الله إلى محمد- صلى الله عليه وسلم- إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً وإني قاتل بابن ابنتك سبيعن ألفا وسبعين ألفاً.
وأخرج ابن عساكر، عن شمر بن عطية قال: قتل على الصخرة التي في بيت المقدس سبعون نبياً منهم يحيى بن زكريا.
وأخرج ابن عساكر عن قرة قال: ما بكت السماء على أحد، إلا على يحيى بن زكريا، والحسين بن علي، وحمرتها بكاؤها.
وأخرج أحمد في الزهد، عن خالد بن ثابت الربعي قال: لما قتل فجرة بني إسرائيل- يحيى بن زكريا، أوحى الله إلى نبي من أنبيائهم: أن قل لبني إسرائيل «إلى متى تجترئون على أن تعصوا أمري، وتقتلوا رسلي؟
وحتى متى أضمكم في كنفي؟
كما تضم الدجاجة أولادها في كنفها، فتجترئون علي!
اتقوا، لا أؤاخذاكم بكل دم كان بين ابني آدم ويحيى بن زكريا، واتقوا، أن أصرف عنكم وجهي، فإني إن صرفت عنكم وجهي لا أقبل عليكم إلى يوم القيامة» .
وأخرج أحمد عن سعيد بن جبير قال: لما قتل يحيى عليه السلام قال: بعض أصحابه لصاحب له: ابعث إلي بقميص نبي الله يحيى أشمه، فبعث به إليه، فإذا سداه ولحمته ليف!.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن يونس بن عبيد قال: بلغنا أنه كان رجل يجور على مملكته ويعدي عليهم، فائتمروا بقتله، فقالوا: نبي الله زكريا بين أظهرنا، فلو أتيناه فأتوا منزله، فإذا فتاة جميلة رائعة قد أشرق لها البيت حسناً، فقالوا: من أنتِ؟
قالت: امرأة زكريا.
فقالوا فيما بينهم: كنا نرى نبي الله لا يريد الدنيا، فإذا هو عنده امرأة من أجمل النساء، ثم إنهم رأوه في عمل عند قوم ويعمل لهم، حتى إذا حضر غداؤه قرب رغيفين، فأكل ولم يدعهم، ثم قام فعمل بقية عمله، ثم علق خفيه على عنقه والمسحاة والكساء، قال: ما حاجتكم؟
قالوا: قد جئنا لأمر، ولقد كاد يغلبنا ما رأينا، على ما جئنا له.
قال: فهاتوا؟
قالوا: أتينا منزلك، فإذا امرأة جميلة رائعة!
وكنا نرى نبي الله لا يريد الدنيا، فقال: إني إنما تزوجت امرأة جميلة رائعة، لأكف بها بصري، وأحفظ بها فرجي، فخرج نبي الله مما قالوا.
قالوا: ورأيناك قدمت رغيفين، فأكلت ولم تدعنا؟!
قال: إن القوم استأجروني على عمل، فخشيت أن أضعف عن عملهم، ولو أكلتم معي لم يكفني ولم يكفكم، فخرج نبي الله مما قالوا.
قالوا: ورأيناك وضعت خفيك على عنقك، والمسحاة والكساء.
فقال: إن هذه الأرض جديدة، وكرهت أن أنقل تراب هذه في هذه، فخرج نبي الله مما قالوا.
قالوا: إن هذا الملك يجور علينا ويظلمنا، وقد ائتمرنا لقتاله.
قال: أي قوم، لا تفعلوا، فإن إزالة جبل من أصله أهون من إزالة ملك مؤجل.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ هو مختصر والمعنى: فنفخ فيها جبريل فحملته.
وحذف ذلك؛ لأن النفخ قد بين في غير هذا الموضع، والقرآن كله كتاب واحد (١) (٢) ﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ﴾ أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد.
قال ابن عباس: (يريد أقصى الوادي) (٣) (٤) (٥) قال ابن عباس: (ما هو إلا أن حملت فوضعت) (٦) ﴿ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ ﴾ ذكر الانتباذ عقب الحمل، والانتباذ إنما كان عند الوضع (٧) (٨) (٩) لَيَقْعُدنَّ مَقْعَدَ القَصِي ...
مِنِّي ذَي القَاذُورةِ المَقْلِي (١) عند قوله سبحانه في سورة التحريم الآية رقم (12): ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ﴾ .
وقوله في سورة الأنبياء الآية رقم (91): ﴿ وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا ﴾ .
(٢) "جامع البيان" 16/ 62، "الكشاف" 2/ 408، "زاد المسير" 5/ 218، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 91، "الدر المنثور" 4/ 478.
(٣) "معالم التنزيل" 5/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 92.
(٤) بيت لحم: بالفتح وسكون الحاء قرية قرب البيت المقدس، عامرة حافلة، وهي مهد عيسى - -، ومن قرى فلسطين.
انظر: "معجم البلدان" 1/ 521.
(٥) "المحرر الوجيز" 9/ 445، "معالم التنزيل" 5/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 92، "أضواء البيان" 4/ 240.
(٦) "بحر العلوم" 2/ 321، "معالم التنزيل" 5/ 224، "الكشاف" 2/ 408، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 119 وقال: وهذا غريب، "الدر المنثور" 4/ 479، "زاد المسير" 5/ 218.
(٧) وهذا خلاف قول الجمهور.
قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 129: فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر ..
والفاء وإن كانت للتعقيب لكن تعقيب كل شيء بحسبه.
وقال ابن عطية في "تفسيره" 9/ 445: وظاهر قوله: (فأجاءها المخاض) يقتضي أنها كانت على عرف النساء، وتظاهرت الروايات على ذلك.
وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 244: وأظهر الأقوال أنه حمل كعادة حمل النساء وإن كان منشؤه خارقا للعادة.
(٨) انظر: "تهذيب اللغة" (قصا) 3/ 2969، "مقاييس اللغة" (قصوى) 5/ 94، "لسان العرب" (قصا) 6/ 3657، "المفردات في غريب القرآن" (قصى) 405.
(٩) ذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 63، "معاني القرآن للفراء" 2/ 70، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 334، "لسان العرب" (ذا) 3/ 1472.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ ﴾ خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم والكتاب القرآن ﴿ إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا ﴾ أي اعتزلت منهم وانفردت عنهم ﴿ مَكَاناً شَرْقِياً ﴾ أي إلى جهة الشرق ﴿ فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا ﴾ يعني جبريل، وقيل: عيسى، والأول هو الصحيح؛ لأن جبريل هو الذي تمثل لها باتفاق ﴿ قَالَتْ إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ لما رأت الملك الذي تمثل لها في صورة البشر، قد دخل عليها خافت أن يكون من بني آدم، فقالت له هذا الكلام، ومعناه: إن كنت ممن يتقي الله فابعد عني، فإني أعوذ بالله منك، وقيل: إن تقيا اسم رجل معروف بالشرّ عندهم وهذا ضعيف وبعيد ﴿ لأَهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً ﴾ الغلام الزكيّ هو عيسى عليه السلام، وقرئ ليهب بالياء، والفاعل فيه هو ضمير الرب سبحانه وتعالى، وقرئ بهمزة التكلم، وهو جبريل، وإنما نسب الهبة إلى نفسه، لأنه هو الذي أرسله الله بها، أو يكون قال ذلك حكاية عن الله تعالى ﴿ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً ﴾ البغيّ هي المرأة المجاهرة بالزنا، ووزن بغيّ فعول ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً ﴾ الضمر للولد واللام تتعلق بمحذوف تقديره: لنجعله آية فعلنا ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كيهعص ﴾ بإمالة الهاء فقط: أبو عمرو ﴿ كهيعص ﴾ بإمالة الياء فقط: حمزة وخلف وقتيبة وابن ذكوان، وقرأ عليّ غير قتيبة ويحيى ويحيى وحماد بإمالتهما.
وقرأ أبو جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.
الباقون بتفخيمها ﴿ صاد ذكر ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل ﴿ من ورائي ﴾ بفتح الياء مهموزاً: ابن كثر غير زمعة والخزاعي عن ا لبزي وقرأ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي ﴿ من وراي ﴾ مثل ﴿ عصاي ﴾ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما: أبو عمرو وعليّ.
الباقون برفعهما ﴿ يبشرك ﴾ ثلاثياً وكذلك في آخر السورة: حمزة ﴿ عتباً ﴾ و ﴿ جثياً ﴾ و ﴿ صلياً ﴾ و ﴿ بكياً ﴾ بكسر الأوائل: حمزة وعلي وافق حفص إلا في ﴿ بكياً ﴾ الخزاز عن هبيرة ﴿ عتباً ﴾ الأولى بالكسر والثاني بالضم.
﴿ وقد خلقناك ﴾ حمزة وعلي.
الآخرون ﴿ خلقتك ﴾ على التوحيد ﴿ إلى آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن أهل مكة.
الوقوف: ﴿ كهيعص ﴾ ه كوفى ﴿ زكريا ﴾ ه ح لجواز تعلق "إذ" بـ ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ ولاحتمال انتصابه بأذكر محذوفاً.
﴿ خفياً ﴾ ه ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ ولياء ﴾ لا ﴿ آل يعقوب ﴾ ق والوجوه الوصل لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحيى ﴾ لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي.
﴿ سمياً ﴾ ه ﴿ عتياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ه بناء على أن التقدير الأمر كذلك ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ بقوة ﴾ ط ﴿ صبياً ﴾ ه لا للعطف أي آتيناه الحكم وحناناً منا عليه ﴿ وزكاة ﴾ ط ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ حياً ﴾ ه.
التفسير: حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية، وقد جرت عادة العرب بإمالة الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائياً، ولا ريب أن التفخيم أصل والإمالة فرع عليه.
فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معاً فعلى العادة، ومن قرأ بتفخيمهما جميعاً فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين.
وقد روى صاحب الكشاف عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل: لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه بالضم على أصلها.
والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة، ومما يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله ﴿ كهيعص ﴾ ثناء من الله على نفسه، فالكاف كاف لأمور عباده، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز، والصاد صادق.
وعنه أيضاً أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير، والياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى.
وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير، وهذا التفسير لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام، وارتفع ﴿ ذكر رحمة ﴾ على الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ﴿ ربك ﴾ وانتصب ﴿ عبده ﴾ على أنه مفعول لذكر و ﴿ زكريا ﴾ عطف بيان، وقرىء برفعهما على إضافة المصدر إلى المفعول، وعن الكلبي أنه قرأ ﴿ ذكر ﴾ بلفظ الماضي مشدداً تارة و ﴿ رحمة ﴾ و ﴿ عبده ﴾ منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير المتلو.
ومخففاً أخرى و ﴿ عبده ﴾ مرفوع على الفاعلية.
وقرىء ﴿ ذكر ﴾ على الأمر وهي قراءة ابن معمر.
وقيل: يحتمل على هذا أن تكون الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا صل الله عليه وسلم ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا.
وفي خفاء ندائه.
وجوه منها: أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن بأنه نداء لا رياء فيه.
ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته.
ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم.
ومنها أنه خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ "صوته خفات وسمعه تارات" ولعله أتى بأقصى ما يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفياً لنهاية كبره.
ثم شرع في حكاية ندائه قائلاً: ﴿ قال رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ قال علماء المعاني: في الآية لطائف وذلك أصل الكلام: يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي، ثم في القرينة الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن وهن عظام البدن لازم لضعفه، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل أنا وهنت عظام بدني، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار: إني وهنت العظام من بدني، لأنك إذاقلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاماً واهنة عندك، فإذا قلت: "من بدني" فقد فصلت، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص العظام، ثم لطلب شمول العظام فرداً فرداً قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل ﴿ إني وهن العظم مني ﴾ فحصل أني وهنت العظام مني.
وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى.
وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي.
وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب الرأسي، ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل ﴿ اشتعل ﴾ بدل "انتشر" فتكون الاستعارة تبعية تصريحية وقرينتها ذكر الشيب، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي "اشتعل رأسي شيباً".
وكونها أبلغ من وجهات منها: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت: "اشتعل بيتي ناراً" مكان "اشتعل النار في بيتي".
ومنها الإجمال والتفصيل الواقعان في طريق التمييز، ومنها تنكير ﴿ شيباً ﴾ للتعظيم كما هو حق التمييز.
ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي "اشتعل الرأس مني شيباً" لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو ﴿ وهن العظم مني ﴾ ثم ترك لفظ "مني" ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ.
وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال "رب" بحذف حرف النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره.
وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني.
ثم إنه توسل إلى الله عز وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلاً ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ كما حكى أن محتاجاً قال لكريم: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال: مرحباً بمن توسل إلينا وقضى حاجته.
تقول العرب: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها.
ومعنى ﴿ بدعائك ﴾ أي بدعائي إياك.
واعلم أن زكريا قدم على السؤال أموراً ثلاثة: الأول كونه ضعيفاً، والثاني أنه لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين وذلك قوله ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ قال ابن عباس والحسن: أي الورثة.
وعن مجاهد العصبة.
وعن أبي صالح: الكلالة.
وعن الأصم: بني العم وهم الذين يلونه في النسب.
وعن أبي مسلم: المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من تقدم في ميراثة كالولد.
والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعيناً للحبورة.
وقوله: ﴿ من ورائي ﴾ أي بعد موتي لا يتعلق بــ ﴿ خفت ﴾ لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما.
وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم.
وإنما قال: ﴿ خفت ﴾ بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال.
وقرىء ﴿ خفت الموالي ﴾ بتشديد الفاء.
وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه، والظرف متعلق بالموالي، أو معناه قدامي والظرف متعلق بـ ﴿ خفت ﴾ أي درجوا ولم يبق من يعتضد به.
ثم صرح بالمسألة قائلاً: ﴿ فهب لي ﴾ وأكده بقوله: ﴿ من لدنك ﴾ أي ولياً صادراً من عندك مضافاً إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة.
من قرأ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله قالوا: إنه صفة.
وقال صاحب المفتاح: الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل: لم تطلب الولد؟
فقال مجيباً: يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا.
واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع، وكذب النبي .
أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة.
وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب.
وأقول: الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا "هب لي ولياً موصوفاً بالوراثة" أو بأن الغرض منه الوراثة، أوهب لي ولياً أخبر عنه بأنه يرثني.
وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب.
والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه.
ويمكن أن يقال: لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقى ذلك الكتاب أو الشرع معمولاً به بعد زكريا أيضاً إلى حين.
وقد روى صاحب الكشاف ههنا قراآت شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان.
فقيل: هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول "جاءني فلان فجاءني رجل" لا تريد به إلا الأول، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية، وتجرد الكلام عنه.
وأقول: يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف المنافية للرجولية.
وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها.
واختلف المفسرون في أنه طلب ولداً يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره؟
والأول أظهر لقوله في آل عمران ﴿ رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ ولقوله في سورة الأنبياء ﴿ ربي لا تذرني فرداً ﴾ حجة المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولو كان دعاؤه لأجل الولد ما استعظم ذلك.
والجواب ما مر في آل عمران.
واختلفوا أيضاً في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك: هي وراثة المال.
وعنهم أيضاً أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس.
وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة.
فلفظ الإرث مستعمل في المال ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ وفي العلم ﴿ وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ﴾ "العلماء ورثة الأنبياء" وحجة الأولين ما روي أنه قال: "رحم الله زكريا وما عليه من يرثه" فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال.
وكذا قوله "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" ، وأيضاً العلم والنبوة كيف يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوّة إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ لأن النبي لا يكون إلا مرضياً.
وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال الابن أنه يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه.
والمراد يكون رضياً أن لا يوجد منه معصية ولا همّ بها كما جاء في حق يحيى، وقج مر الحديث هناك.
ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلاً على غيره من الأنبياء كلهم فلعل لبعضهم فضائل أخر تختص به.
احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال، وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً عنده، وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل، وبأن فعل الألطاف واجب على الله فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث.
واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهودا بن بعقوب، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق، وكانت النبوّة في سبط وهو إسرائيل .
وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل.
وعن مقاتل: أن بني ماثان كانوا رؤوس بني إسرائيل وملوكها.
قوله: ﴿ يا زكريا ﴾ الكثرون على أنه نداء من الله لقرينة التخاطب من قوله: ﴿ رب إني وهو العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ ومنهم من قال: هو نداء الملك لقوله في آل عمران ﴿ فنادته الملائكة ﴾ وجوز بعضهم الأمرين.
واختلفوا في عدم السمي فقيل: أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله.
وقيل: أراد أنه لا نظير له كقوله ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ وذلك أنه سيداً وحصوراً ولم يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ وأيضاً سمي بيحيى قبل دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص.
قال بعض العلماء: القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه لضرورة كما في قوله: ﴿ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً ﴾ لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سميّ له لا يقتضي عبادته فنقول: السميّ هناك يراد به المثل والنظير.
ويمكن أن يقال: إن التفرد بالاسم فيه ضرب من التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضاً.
قال جار الله: إنما قيل للمثل سميّ لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي.
قلت: ويقرب هذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم.
ولم سمي بيحيى؟
تكلفوا له وجوهاً.
فعن ابن عباس لأنه أحيا عقر أمه.
وعن قتادة لأنه أحيا قلبه بالإيمان والطاعة ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ .
ولهذا كان من أول من آمن بعيسى.
وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء.
وقيل: لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل الدين.
قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ قال جار الله: أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية فــ"من" للتعليل، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى ﴿ عتياً ﴾ وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام.
يقال: عنا العود عتياً إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس.
سؤال: إنه قال في آل عمران ﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴾ فلم عكس الترتيب في هذه السورة؟
وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب.
قلت: إن ذاك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وههنا راعى الفاصلة.
﴿ قال ﴾ الأمر ﴿ كذلك ﴾ تصديقاً له.
ثم ابتدأ قائلاً ﴿ قال ربك ﴾ فمحل ﴿ كذلك ﴾ رفع، ويحتمل أن يكون نصباً ﴿ قال ﴾ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: ﴿ هو ﴾ أي خلق الغلام ﴿ عليّ هين ﴾ ويحتمل أن يكون إشارة إلى قول زكريا ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة؟
فأجيب بقوله: ﴿ كذلك ﴾ أي نهب الولد لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما.
ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد ﴿ ولم تك شيئاً ﴾ لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً بعتد به كالنطفة، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد، فيه نفس استبعاد زكريا، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قد مر تفسير الآية في أول عمران.
قوله: ﴿ سوياً ﴾ قيل: إنه صفة لليالي أي تامة كاملة.
والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عيّ ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قيل: كان له موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه.
وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه.
﴿ فأوحى إليهم ﴾ عن مجاهد: أشار بدليل قوله في أول آل عمران ﴿ إلا رمزاً ﴾ وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض.
و ﴿ أن ﴾ هي المفسرة و ﴿ سبحوا ﴾ أي صلوا أو على الظاهر وهو قول سبحان الله.
عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشيّ صلاة العصر، فلعلهم كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو الكتابة.
وههنا إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا له: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب ﴾ أي التوراة لأنها المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن كقول عيسى ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ والمراد بالأخذ إما الأخذ من حيث الحس، وإما الأخذ من حيث المعنى وهو القيام بمواجبه كما ينبغي وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهى عنه.
ثم أكده بقوله: ﴿ بقوة ﴾ أي بجد وعزيمة.
﴿ وآتيناه الحكم ﴾ أي الحكمة.
عن ابن عباس: هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال: ما للعب خلقت.
وعن معمر: العقل.
وقيل: النبوة.
وكل هذه الأوصاف على الأقول من الخوارق كما حق عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة.
والحنان أصله توقان النفس، ثم استعمل في الرحمة وهو المراد ههنا.
وما قيل إنه يحتمل أن يراد حناناً منا على زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو.
وقيل: أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا كقوله في نبينا ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ وأراد بقوله: ﴿ وزكاة ﴾ أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة ﴿ من لدنا ﴾ وعن عطاء: أن معنى حناناً تعظيماً من لدنا.
وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج: أن معنى زكاة عملاً صالحاً زكياً.
وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود.
وقيل: بركة كقول عيسى ﴿ جعلني مباركاً ﴾ وقيل: صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم.
ثم أخبر محمد عن جملة أحواله بقوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط ﴿ وبرّاً بوالديه ﴾ لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفاً بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق.
قال سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض ﴾ ثم إنه سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله، وقيل: إنما قال: ﴿ حياً ﴾ مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيهاً على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى ﴿ ويوم أبعث حياً ﴾ وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول.
والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حياً فوضع الأخص موضع الأعم تأكيداً.
قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلاً من الله لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب.
قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.
التأويل: إن زكريا الروح ﴿ نادى ربه نداء خفياً ﴾ من سر السر ﴿ قال رب إني وهن ﴾ مني عظم الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية، وإني خفت صفات النفس أن تغلب ﴿ وكانت امرأتي ﴾ يعني الجثة التي هي روح الروح ﴿ عاقراً ﴾ لا تلد إلا بموهبة من الله ﴿ فهب لي من لدنك ﴾ سأل ﴿ ولياً ﴾ فأعطاه الله نبياً وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ أي يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ بأن توطنه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ ﴿ اسمه يحيى ﴾ إن الله أحياه بنوره ﴿ ولم نجعل له من قبل سمياً ﴾ لا من الحيوانات ولا من الملائكة لأنه هو الذي يقبل فيض الألوهية بلا واسطة، وهو سر حمل الأمانة كما قال: "ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب ﴿ عتياً ﴾ يبساً وجفافاً من غلبات صفات النفس ﴿ آيتك أن لا تكلم الناس ﴾ لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ما سواه ﴿ ثلاث ليال ﴾ هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانيات والروحانيات ﴿ سوياً ﴾ متمكناً في هذا الحال من غير تلون ﴿ فخرج ﴾ زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشيّ الأبد ﴿ يا يحيى ﴾ القلب ﴿ خذ ﴾ كتاب الفيض الإلهي المكتوب لك في الأزل ﴿ بقوة ﴾ ربانية لا بقوة جسدانية لأنه خلق ضعيفاً ﴿ وآتيناه الحكم ﴾ في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ﴿ زكاة ﴾ وتطهراً من الالتفات إلى غيرنا ﴿ وبراً بوالديه ﴾ الروح والقالب.
أما البروح فلأن القلب محل قبول الفيض الإلهي لأن الفيض نصيب الروح أوّلاً ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه، وأما القلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، وهذا أحد أسرار حمل الأمانة.
وأما بر والدة القلب فهو استعمالها على وفق الشريعة والطريقة ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ كالنفس الأمارة بالسوء ﴿ وسلام عليه يوم يولد ﴾ في أصل خلقه ﴿ ويوم يموت ﴾ من استعمال المعاصي بالتوبة ﴿ ويوم يبعث حياً ﴾ بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل - ﴿ يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: لم نجعل له مثل يحيى من قبل في الفضل والمنزلة؛ لأنه روي عن نبي الله أنه قال: "لم يكن من ولد آدم إلا وقد عمل بخطيئة أو همّ بها غير يحيى بن زكريا؛ فإنه لم يهم بخطيئة ولا عمل بها" وقال بعضهم: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: لم يسم أحد قبله يحيى.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: يتولّى الله تسميته يحيى، لم يول تسميته غيره، وسائر الخلق تولى أهلوهم تسميتهم.
وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً ﴾ .
قال الحسن: إن زكريا استوهب ربه الولد، فأجابه وبَشَّره، فقال: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ ، وطلب منه الآية لذلك، فقال: ﴿ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً ﴾ ، فما عابه على ذلك، ولا وبّخه، ولكن رحمه، أو كلام نحو هذا.
وقال غيره: إنما أمسك لسانه واعتقله عقوبة لما سأل من الآية، هؤلاء كلهم يجعلون ذلك منه زلة منه، إلا أن الحسن قال: لم يعبه على ذلك، ولا عاقبه عليه، ولكن ذكر ذلك رحمة منه إليه، وغيره يجعل ذلك عقوبة لما كان منه.
وجائز أن يخرج ذلك على غير ما قالوا، وهو أن قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ أي: على أيّ حال يكون مني الولد، على الحال التي أنا عليها، أو أراد إلى شبابي، ففي تلك الحال يكون مني الولد، فذلك منه استخبار واستعلام عن الحال الذي يكون منه الولد، ليس على أنه لم يعرف أنه قادر على إنشاء الولد في حال الكبر، وبسبب وبلا سبب، وعلى ذلك يخرج قوله حيث قال كذلك: ﴿ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ﴾ ، أي: قبل أن نخلقك لم تك شيئاً.
وطلب الآية والعلامة بعدما بشر يخرج على وجهين: أحدهما: أنّه لما بشر بالولد لعله أشكل عليه بأن تلك بشارة ملك أو غيره، فطلب منه العلامة ليعرف أن تلك بشارة ملك، وأنها من الله أو غيره لأنه ذكر في الآية: ﴿ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ ﴾ فطلب الآية يخرج منه على استعلام بشارة الملك، وأن ذلك من الله لا أنه لم يعرف قدرة الله أنه قادر على خلقه في كل حال، هذا لا يظن بأضعف مؤمن في الدنيا فكيف يظن بنبيّ من الأنبياء؟!
أو أن يكون طلب الآية منه ليعرف وقت حملها الولد، ووقت وقوعه في الرحم؛ ليسبق له السرور بحمله عن وقت الولادة، وعن وقت وقوع بصره عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ ، لأني أخلق بسبب، وبغير سبب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال، وأنت سَوِيٌّ صحيح.
وقال بعضهم: ﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ ، أي: ثلاثاً تامات بأيامها على ما قاله في آية أخرى: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ ذكر هاهنا ثلاث ليال وفي تلك الآية ثلاثة أيام والقصة واحدة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .
قوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قيل: أومأ إليهم.
وقيل: كتب لهم على الأرض.
وجائز أن يكون أوحى إليهم بالشفتين على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ ، والرمز: هو تحريك الشفة والإيماء بها.
قال أبو عوسجة: عاقر وعقيم: المرأة التي لا تلد، وقوله: ﴿ عِتِيّاً ﴾ قال: هو أشد الكبر شيباً، أي: كبر الشيب.
والمحراب، قال: إن شئت قصراً وداراً، وقال القتبي: ﴿ عِتِيّاً ﴾ ، أي: يبساً، ويقال: عِتيّاً وعَتيا، بمعنى واحد، ويقال: ملك عاتٍ، إذا كان قاسي القلب غير لين، وسويّاً أي: سليماً.
وقوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قد ذكرنا أنه أومأ إليهم.
وقال بعضهم: كتب لهم على الأرض.
وقوله: ﴿ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَن سَبِّحُواْ ﴾ ، أي: صلوا لله بكرة وعشيّاً، فإن كان التسبيح هو الصلاة، ففيه أن الصلاة كانت في الأمم الماضية في ختام الليل.
ويحتمل التسبيح نفسه والثناء على الله، والدعاء له بالغدوات والعشيات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ .
قال بعضهم: خذ الكتاب بما قواك الله وأعانك.
وقال بعضهم: خذ الكتاب واصبر على العمل بما فيه.
وقال بعضهم: خذ الكتاب بقوة، أي: بجدّ.
قال أبو بكر الأصم: الجدّ: هو الانكماش في العمل، والقوة هي احتمال ما حمل عليه.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون بأن القوة تتقدم الفعل، ثم لا تبقى وقتين، فيكون على قولهم آخذاً بغير قوة، وقد أمره أن يأخذه بقوة، فقولهم على خلاف ما نطق به ظاهر الكتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ ٱلْحُكْمَ ﴾ ، أي: النبوة حال صباه.
وقال بعضهم: آتاه الله الفهم واللبّ.
وقال بعضهم: الحكمة والعلم.
فكيفما كان ففيه فساد مذهب المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يخص أحداً بنبوّة، ولا شيء من الخيرات إلا بعد أن يسبق من المختص له ما يستوجب ذلك الاختصاص، ويستحقه، فما الذي كان من يحيى في حال صباه وطفوليته ما يستوجب به النبوة، وما ذكر من الحكم أنه آتاه، فدلّ ذلك [أن] الاختصاص منه - يكون لمن كان - إفضالاً منه وإنعاماً ورحمة، لا باستحقاق من المختص له واستيجابه.
وفي قوله: ﴿ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ دلالة أنه كان نبيّاً حيث كان أخبر أنه آتاه الكتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ هو على قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ وآتيناه حناناً وزكاةً أيضاً.
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ : قال ابن عباس: تعطفاً من لدنا.
وقال بعضهم: أي: رحمة من لدنا، وهو قول الحسن.
وقال بعضهم: الحنان: المحبة.
وقال أبو عوسجة: حنانك وحنانيك كلاهما يعني: رحمتك، وقال: أصله من التحنن، وهو الترحم.
وقال القتبي: أصله من حنين الناقة على ولدها.
وقوله: ﴿ وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: زكاة، أي: صدقة تصدق بها على زكريا وزوجته في الوقت الذي لا يرجو فيه مثلهما الولد.
وقال بعضهم: زكاة، أي: صلاحاً وما ينمو به من الخيرات.
وجائز أن يكون الزكاة اسم كل خير وبركة، وهو كالبر من التقوى، كأنه قال: أعطيناه كل بر وخير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ تَقِيّاً ﴾ عن جميع الشرور، كقوله: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ أي: تعاونوا على البرّ وتعاونوا أيضاً على دفع الشرور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ ﴾ هو على قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ ﴾ \[أي\]: وآتيناه البرّ بوالديه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾ .
بل كان خاضعاً لله ذليلاً مطيعاً.
وقال الحسن: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾ ، أي: لم يكن فيمن يجبر الناس على معصية الله.
وقال أهل التأويل: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً ﴾ أي: قتالاً، أي: لم يكن ممّن يقتل على الغضب ويضرب على الغضب.
وأصله ما ذكرنا: أنه كان - على ضدّ ما ذكر - خاضعاً لله، مطيعاً له، على ما ذكر أنه لم يرتكب ذنباً ولا هم به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً ﴾ .
يحتمل: (السلام عليه) الوجوه الثلاثة: أحدها: هو اسم كل برّ وخير، أي: عليه كل برّ وخير في هذه الأحوال التي ذكر.
والثاني: (السلام) هو الثناء، أثنى الله عليه في أوّل أمره إلى آخره، وبعد الموت في الآخرة، أو أن يكون قوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ ﴾ أي: السلامة عليه في هذه الأحوال التي يكون للشيطان في تلك الأحوال الاعتراض والنزغ فيها؛ لأنه وقت الولادة يعترض ويفسد الولد إن وجد السبيل إليه، وكذلك عند الموت يعترض ويسعى في إفساد أمره فأخبر أن يحيى كان سليماً سالماً عن نزغات الشيطان، محفوظاً عنه حتى لم يرتكب خطيئة، ولا همّ بها، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَمُوتُ ﴾ دلالة أن الموت والقتل سواء، وإن كان في الحقيقة مختلفاً؛ لأنه ذكر في القصة أن يحيى قتل، ثم ذكر الموت، فدل أنهما واحد، فهذا يرد على المعتزلة، حيث قالوا: إن المقتول ميت قبل أجله، وفيه أن قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ ﴾ إنما نهانا أن نسميهم أمواتاً في جهة ليس في الجهات كلها، حيث سمى يحيى: ميتاً، وهو كان شهيداً على ما ذكر أنه قتل.
وفي قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ استدلال لأبي حنيفة - رحمه الله - حيث وقف في أولاد المسلمين والمشركين، فقال: لا علم لي بهم، ولم يقطع فيهم القول؛ لما يجوز أن يجعل الله لهم من المنزلة والتمييز والفهم في حال صغرهم حتى يعرفوا خالقهم ومنشئهم، على ما أعطى يحيى وعيسى في حال صباهما وصغرهما الحكم والفهم والمعرفة.
<div class="verse-tafsir"
فحملت به بعد نفخ الملك، فتنحت به إلى مكان بعيد عن الناس.
<div class="verse-tafsir" id="91.aO69B"