تفسير الآية ٢٥ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٢٥ من سورة مريم

وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًۭا جَنِيًّۭا ٢٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٥ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وهزي إليك بجذع النخلة ) أي : وخذي إليك بجذع النخلة .

قيل : كانت يابسة ، قاله ابن عباس .

وقيل : مثمرة .

قال مجاهد : كانت عجوة .

وقال الثوري ، عن أبي داود نفيع الأعمى : كانت صرفانة والظاهر أنها كانت شجرة ، ولكن لم تكن في إبان ثمرها ، قاله وهب بن منبه ; ولهذا امتن عليها بذلك ، أن جعل عندها طعاما وشرابا ، فقال : ( تساقط عليك رطبا جنيا)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) قال: حركيها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) قال: كان جذعًا يابسًا، فقال لها: هزّيه ( تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ).

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك يقول: كانت نخلة يابسة.

حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول في قوله: ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) وكان جذعا منها مقطوعا فهزّته، فإذا هو نخلة، وأجري لها في المحراب نهر، فتساقطت النخلة رطبًا جنيا فقال لها فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزّي إليك بالنخلة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: قال مجاهد ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) قال: النخلة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد، في قوله ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) قال: العجوة.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، أنه تلا هذه الآية: ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ) قال: فقال عمرو: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب ، وأدخلت الباء في قوله: ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) كما يقال: زوجتك فلانة، وزوّجتك بفلانة; وكما قال تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ بمعنى: تنبت الدهن.

وإنما تفعل العرب ذلك، لأن الأفعال تكنى عنها بالباء، فيقال إذا كنيت عن ضربت عمرا: فعلت به، وكذلك كلّ فعل، فلذلك تدخل الباء في الأفعال وتخرج، فيكون دخولها وخروجها بمعنى، فمعنى الكلام: وهزِّي إليك جذع النخلة ، وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسروه وكذلك: وهزِّي إليك رطبًا بجذع النخلة، بمعنى: على جذع النخلة، وجها صحيحا، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك.

ومن الشاهد على دخول الباء في موضع دخولها وخروجها منه سواء قول الشاعر: بِـوَادٍ يَمـانٍ يُنْبِـتُ السِّـدْرَ صَـدْرُهُ وأسْـــفَلُهُ بـــالمَرْخِ والشَّــبَهانِ (13) واختلف القراء في قراءة قوله ( تَسَّاقَطُ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة والكوفة ( تَسَّاقَطُ) بالتاء من تساقط وتشديد السين، بمعنى: تتساقط عليك النخلة رطبًا جنيا، ثم تُدغم إحدى التاءين في الأخرى فتشدّد (14) وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلى: وهزِّي إليك بجذع النخلة تساقط النخلة عليك رطبًا : وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة ( تَساقَطُ ) بالتاء وتخفيف السين، ووجه معنى الكلام، إلى مثل ما وجه إليه مشدّدوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة.

ورُوي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك ( يُساقِط) بالياء.

حدثني بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلى: وهزِّي إليك بجذع النخلة يتساقط الجذع عليك رطبًا جنيا.

ورُوي عن أبي نهيك أنه كان يقرؤه ( تُسْقِطُ ) بضمّ التاء وإسقاط الألف.

حدثنا بذلك ابن حميد ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نَهِيك يقرؤه كذلك ، وكأنه وجه معنى الكلام إلى: تسقط النخلة عليك رطبًا جنيا.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن هذه القراءات الثلاث، أعني (تَسَّاقَطُ) بالتاء وتشديد السين، وبالتاء وتخفيف السين، وبالياء وتشديد السين، قراءات متقاربات المعاني، قد قرأ بكل واحدة منهن قرّاء أهل معرفة بالقرآن ، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبًا، وهو ثابت غير مقطوع، فقد تساقطت النخلة رطبًا، وإذا تساقطت النخلة رطبًا، فقد تساقطت النخلة بأجمعها، جذعها وغير جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمة على أصلها، فإنما هي جذع وجريد وسعف ، فإذا قطعت صارت جذعا، فالجذع الذي أمرت مريم بهزّه لم يذكر أحد نعلمه أنه كان جذعًا مقطوعًا غير السديّ، وقد زعم أنه عاد بهزِّها إياه نخلة، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط.

عليها رطبا نخلة واحدا، فتبين بذلك صحة ما قلنا.

وقوله: (جَنِيًّا) يعني مجنيا; وإنما كان أصله مفعولا فصرف إلى فعيل; والمجني: المأخوذ طريا، وكل ما أخذ من ثمرة، أو نقل من موضعه بطراوته فقد اجتني، ولذلك قيل: فلان يجتني الكمأة; ومنه قول ابن أخت جذيمة: هَـــذَا جَنَــايَ وخِيــارُهُ فِيــهِ إذْ كُــلُّ جــانٍ يَــدُهُ إلـى فِيـهْ (15) ------------------------ الهوامش: (13) في ( اللسان : سدر ) السدر : شجر النبق ، واحدتها سدرة .

.

.

والمرخ : شجر كثير الورى سريعه .

.

وفي ( اللسان : شبه ) الشبهان : نبت يشبه الثمام ، ويقال له الشبهان .

قال ابن سيده : والشبهان ( بالتحريك ) والشبهان ( بضمتين ) : ضرب من العضاه ؛ وقيل : هو الثمام ، يمانية ، حكاها ابن دريد.

قال رجل من عبد القيس * بـواد يمـان ينبـت الشث صدره * .

.

.

البيت .

قال ابن بري قال أبو عبيدة : البيت للأحول اليشكري .

واسمه يعلى .

قال : وتقديره : وينبت أسفله المرخ .

على أن تكون الباء زائدة .

وإن شئت قدرته : وينبت أسفله بالمرخ ، فتكون الباء للتعدية .

لما قدرت الفعل ثلاثيا .

وفي الصحاح : الشبهان : هو الثمام من الرياحين .

و ( في اللسان : شث ) الشث : ضرب من الشجر عن ابن دريد ، وأنشد البيت : * بـواد يمـان ينبـت الشث فرعه * إلخ .

وقيل : الشث : شجر طيب الريح ، مر الطعم ، يدبغ به .

قال أبو الدقيش : وينبت في جبال الغور وتهامة ونجد .

والبيت شاهد على أن الباء في قوله " بالمرخ " زائدة ، دخولها كخروجها وهي مثل الباء في قوله تعالى : ( وهزي إليك بجذع النخلة ) .

قال في ( اللسان : هز ) الهز : تحريك الشيء ، كما تهز القناة ، فتضطرب وتهز .

وهزه يهزه هزا وهز به ، وفي التنزيل العزيز : ( وهزي إليك بجذع النخلة ) أي حركي .

والعرب تقول : هزه وهز به إذا حركه .

ومثله : خذ الخطام ، وخذ بالخطام ، وتعلق زيدا وتعلق بزيد .

قال ابن سيده : وإنما عداه بالباء ، لأن في هزي معنى جري ، ( أمر من الجر ) .

(14) عبارة الجلالين ، بتاءين قبلت الثانية سينا وأدغمت في السين .

(15) البيت في ( اللسان : جنى ) قال : قال أبو عبيد : يضرب هذا مثلا للرجل يؤثر صاحبه بخيار ما عنده .

قال أبو عبيد : وذكر ابن الكلبي أن المثل لعمرو بن عدي اللخي بن أخت جذيمة ، وهو أول من قاله ، وإن خذيمة نزل منزلا ، وأمر الناس أن يجتنوا له الكمأة، فكان بعضهم يستأثر بخير ما يجد ، ويأكل طيبها ، وعمرو يأتيه بخير ما يجد ، ولا يأكل منها شيئا ، فلما أتى خاله جذيمة قال : هذا .

.

.

البيت والجنى : ما يجنى من الشجر .

ويروى * هــذا جنــاي وهجانـه فيـه * أي خياره .

أه .

وقال : وجنيت الثمر أجنيتها واجتنيتها : بمعنى .

ابن سيده : جني الثمرة ونحوها وتجناها ، كل ذلك : تناولها من شجرتها وعلى هذا استشهد المؤلف بالبيت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وهزي أمرها بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع .

والباء في قوله : بجذع زائدة مؤكدة كما يقال : خذ بالزمام ، وأعط بيدك قال الله تعالى : فليمدد بسبب إلى السماء أي فليمدد سببا .

وقيل : المعنى وهزي إليك رطبا على جذع النخلة .

و تساقط أي تتساقط فأدغم التاء في السين .

وقرأ حمزة ( تساقط ) مخففا فحذف التي أدغمها غيره .

وقرأ عاصم في رواية حفص تساقط بضم التاء مخففا وكسر القاف .

وقرئ ( تتساقط ) بإظهار التاءين و ( يساقط ) بالياء وإدغام التاء ( وتسقط ) و ( يسقط ) و ( تسقط ) و ( يسقط ) بالتاء للنخلة وبالياء للجذع ؛ فهذه تسع قراءات ذكرها الزمخشري - رحمة الله تعالى عليه - .رطبا نصب بالهز ؛ أي إذا هززت الجذع هززت بهزه رطبا جنيا وعلى الجملة ف ( رطبا ) يختلف نصبه بحسب معاني القراءات ؛ فمرة يستند الفعل إلى الجذع ، ومرة إلى الهز ، ومرة إلى النخلة .

وجنيا معناه قد طابت وصلحت للاجتناء ، وهي من جنيت الثمرة .

ويروى عن ابن مسعود - ولا يصح - أنه قرأ ( تساقط عليك رطبا جنيا برنيا ) .

وقال مجاهد : رطبا جنيا قال : كانت عجوة .

وقال عباس بن الفضل : سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله : رطبا جنيا فقال : لم يذو .

قال : وتفسيره : لم يجف ولم ييبس ولم يبعد عن يدي مجتنيه ؛ وهذا هو الصحيح .

قال الفراء : الجني والمجني واحد يذهب إلى أنهما بمنزلة القتيل والمقتول والجريح والمجروح .

وقال غير الفراء : الجني المقطوع من نخلة واحدة ، والمأخوذ من مكان نشأته ؛ وأنشدوا :وطيب ثمار في رياض أريضة وأغصان أشجار جناها على قرب[ ص: 23 ] يريد بالجنى ما يجنى منها أي يقطع ويؤخذ .

قال ابن عباس : كان جذعا نخرا فلما هزت نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع ، ثم نظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف ، ثم اخضر فصار بلحا ثم احمر فصار زهوا ، ثم رطبا ؛ كل ذلك في طرفة عين ، فجعل الرطب يقع بين يديها لا ينشدخ منه شيء .الثانية : استدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوما ؛ فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعي ما فيه ؛ لأنه أمر مريم بهز النخلة لترى آية ، وكانت الآية تكون بألا تهز .الثالثة : الأمر بتكليف الكسب في الرزق سنة الله تعالى في عباده ، وأن ذلك لا يقدح في التوكل ، خلافا لما تقوله جهال المتزهدة ؛ وقد تقدم هذا المعنى والخلاف فيه .

وقد كانت قبل ذلك يأتيها رزقها من غير تكسب كما قال : كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا الآية .

فلما ولدت أمرت بهز الجذع .

قال علماؤنا : لما كان قلبها فارغا فرغ الله جارحتها عن النصب ، فلما ولدت عيسى وتعلق قلبها بحبه ، واشتغل سرها بحديثه وأمره ، وكلها إلى كسبها ، وردها إلى العادة بالتعلق بالأسباب في عباده .

وحكى الطبري عن ابن زيد أن عيسى - عليه السلام - قال لها : لا تحزني ؛ فقالت له : وكيف لا أحزن وأنت معي ؟

!

لا ذات زوج ولا مملوكة !

أي شيء عذري عند الناس ؟

!

يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فقال لها عيسى : أنا أكفيك الكلام .الرابعة : قال الربيع بن خيثم : ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية ، ولو علم الله شيئا هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم ؛ ولذلك قالوا : التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت وكذلك التحنيك .

وقيل : إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب ، ولا للمريض خير من العسل ؛ ذكره الزمخشري .

قال ابن وهب قال مالك قال الله تعالى : رطبا جنيا الجني من التمر ما طاب من غير نقش ولا إفساد .

والنقش أن ينقش من أسفل البسرة حتى ترطب ؛ فهذا مكروه ؛ يعني مالك أن هذا تعجيل للشيء قبل وقته ، فلا ينبغي لأحد أن يفعله ، [ ص: 24 ] وإن فعله فاعل ما كان ذلك مجوزا لبيعه ؛ ولا حكما بطيبه .

وقد مضى هذا القول في الأنعام .

والحمد لله .

عن طلحة بن سليمان جنيا بكسر الجيم للإتباع ؛ أي جعلنا لك في السري والرطب فائدتين : إحداهما الأكل والشرب ، الثانية سلوة الصدر لكونهما معجزتين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ْ} أي: طريا لذيذا نافعا

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وهزي إليك ) يعني قيل لمريم : حركي ( بجذع النخلة ) تقول العرب : هزه وهز به ، كما يقول : حز رأسه وحز برأسه ، وأمدد الحبل وأمدد به ، ( تساقط عليك ) القراءة المعروفة بفتح التاء والقاف وتشديد السين ، أي : تتساقط ، فأدغمت إحدى التاءين في السين ، أي : تسقط عليك النخلة رطبا ، وخفف حمزة السين وحذف التاء التي أدغمها غيره .

وقرأ حفص بضم التاء وكسر القاف خفيفا على وزن تفاعل .

وتساقط بمعنى أسقط ، والتأنيث لأجل النخلة .

وقرأ يعقوب : " يساقط " بالياء مشددة ردة إلى الجذع .

( رطبا جنيا ) مجنيا .

وقيل : الجني هو الذي بلغ الغاية ، وجاء أوان اجتنائه .

قال الربيع بن خثيم : ما للنفساء عندي خير من الرطب ، ولا للمريض خير من العسل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهزي إليك بجذع النخلة» كانت يابسة والباء زائدة «تساقط» أصله بتاءين قلبت الثانية سينا وأدغمت في السين، وفى قراءة تركها «عليك رطبا» تمييز «جنيا» صفته.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وحَرِّكي جذع النخلة تُسَاقِطْ عليك رطبًا غَضًّا جُنِيَ مِن ساعته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة ) .

معطوف على ما قاله عيسى لأمه مريم .

والباء فى قوله ( بِجِذْعِ ) مزيدة للتوكيد ، لأن فعل الهز يتعدى بنفسه .أى : وحركى نحوك أو جهة اليمين أو الشمال جذع النخلة ( تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً ) وهو ما نضج واستوى من الثمر ( جَنِيّاً ) أى : صالحاً للأخذ والاجتناء ( فَكُلِي ) من ذلك الرطب ( واشربي ) من ذلك السرى ، ( وَقَرِّي عَيْناً ) أى : طيبى نفسا بوجودى تحتك ، واطردى عنك الأحزان .يقال : قرت عين فلان ، إذا رأت ما كانت متشوقة إلى رؤيته .

مأخوذ من القرار بمعنى الاستقرار والسكون ، لأن العين إذا رأت ما تحبه سكنت إليه ، ولم تنظر إلى غيره .وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن مباشرة الأسباب فى طلب الرزق أمر واجب وأن ذلك لا ينافى التوكل على الله ، لأن المؤمن يتعاطى الأسباب امتثالاً لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع فى ملكه - سبحانه - إلا ما يشاؤه ويريده .وهنا قد أمر الله - تعالى - مريم - على لسان مولودها - بأن تهز النخلة ليتساقط لها الرطب ، مع قدرته - سبحانه - على إنزال الرطب إليها من غير هز أو تحريك ، ورحم الله القائل :ألم تر أن الله قال لمريم ...

وهزى إليك الجذع يساقط الرطبولو شاء أن تجنيه من غير هزه ...

جنته ، ولكن كل شىء له سببكما أخذوا منها أن خير ما تأكله المرأة بعد ولادتها الرطب ، قالوا : لأنه لو كان شىء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله - تعالى لمريم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر الله تعالى أمر النفخ في آيات فقال: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ أي في عيسى عليه السلام كما قال لآدم عليه السلام: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى  ﴾ وقال فنفخنا فيها لأن عيسى عليه السلام كان في بطنها واختلفوا في النافخ فقال بعضهم كان النفخ من الله تعالى لقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ وظاهره يفيد أن النافخ هو الله تعالى لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل، وفي حق آدم النافخ هو الله تعالى لقوله تعالى: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ فكذا هاهنا وقال آخرون: النافخ هو جبريل عليه السلام لأن الظاهر من قول جبريل عليه السلام: ﴿ لأَهَبَ لَكِ  ﴾ أنه أمر أن يكون من قبله حتى يحصل الحمل لمريم عليها السلام فلابد من إحالة النفخ إليه، ثم اختلفوا في كيفية ذلك النفخ على قولين: الأول: قول وهب إنه نفخ جبريل في جيبها حتى وصلت إلى الرحم.

الثاني: في ذيلها فوصلت إلى الفرج.

الثالث: قول السدي أخذ بكمها فنفخ في جنب درعها فدخلت النفخة صدرها فحملت فجاءتها أختها امرأة زكريا تزورها فالتزمتها فلما التزمتها علمت أنها حبلى وذكرت مريم حالها، فقالت امرأة زكريا إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى: ﴿ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله  ﴾ .

الرابع: أن النفخة كانت في فيها فوصلت إلى بطنها فحملت في الحال، إذ عرفت هذا ظهر أن في الكلام حذفاً وهو، وكان أمراً مقضياً، فنفخ فيها فحملته.

المسألة الثانية: قيل حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة، وقيل بنت عشرين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل.

وليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه الأحوال.

المسألة الثالثة: ﴿ فانتبذت بِهِ ﴾ أي اعتزلت وهو في بطنها كقوله: ﴿ تَنبُتُ بالدهن  ﴾ أي تنبت والدهن فيها، واختلفوا في علة الإنتباذ على وجوه: أحدها: ما رواه الثعلبي في العرائس عن وهب قال: إن مريم لما حملت بعيسى عليه السلام كان معها ابن عم لها يقال له يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان يوسف ومريم يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم في أهل زمانهما أحد أشد اجتهاداً ولا عبادة منهما، وأول من عرف حمل مريم يوسف فتحير في أمرها فكلما أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وعبادتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل فأول ما تكلم أن قال إنه وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على كتمانه فغلبني ذلك فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري، فقالت: قل قولاً جميلاً قال: أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث، وهل يكون ولد من غير ذكر؟

قالت نعم: ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته من غير بذر، ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة، أو تقول إن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها، فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول إن الله قادر على ما يشاء فيقول له كن فيكون، فقالت له مريم: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟

فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق القلب، فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك البلاد أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة، وذلك في زمان برد فاحتضنتها فوضعت عندها.

وثانيها: أنها استحيت من زكريا فذهبت إلى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا.

وثالثها: أنها كانت مشهورة في بني إسرائيل بالزهد لنذر أمها وتشاح الأنبياء في تربيتها وتكفل زكريا بها، ولأن الرزق كان يأتيها من عند الله تعالى، فلما كانت في نهاية الشهرة استحيت من هذه الواقعة فذهبت إلى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا.

ورابعها: أنها خافت على ولدها لو ولدته فيما بين أظهرهم، واعلم أن هذه الوجوه محتملة، وليس في القرآن ما يدل على شيء منها.

المسألة الرابعة: اختلفوا في مدة حملها على وجوه: الأول: قول ابن عباس رضي الله عنهما إنها كانت تسعة أشهر كما في سائر النساء بدليل أن الله تعالى ذكر مدائحها في هذا الموضع فلو كانت عادتها في مدة حملها بخلاف عادات النساء لكان ذلك أولى بالذكر.

الثاني: أنها كانت ثمانية أشهر، ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى ابن مريم عليه السلام.

الثالث: وهو قول عطاء وأبي العالية والضحاك سبعة أشهر.

الرابع: أنها كانت ستة أشهر.

الخامس: ثلاث ساعات حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة.

السادس: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً كانت مدة الحمل ساعة واحدة ويمكن الاستدلال عليه من وجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ فَحَمَلَتْهُ فانتبذت بِهِ ﴾ ﴿ فَأَجَاءهَا المخاض ﴾ ، ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا  ﴾ والفاء للتعقيب فدلت هذه الفاءات على أن كل واحد من هذه الأحوال حصل عقيب الآخر من غير فصل وذلك يوجب كون مدة الحمل ساعة واحدة لا يقال انتباذها مكاناً قصياً كيف يحصل في ساعة واحدة لأنا نقول: السدي فسره بأنها ذهبت إلى أقصى موضع في جانب محرابها.

الثاني: أن الله تعالى قال في وصفه: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ فثبت أن عيسى عليه السلام كما قال الله تعالى له: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل، وإنما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة.

المسألة الخامسة: ﴿ قَصِيّاً ﴾ أي بعيد من أهلها، يقال مكان قاص، وقصي بمعنى واحد مثل عاص وعصي، ثم اختلفوا فقيل: أقصى الدار، وقيل وراء الجبل، وقيل: سافرت مع ابن عمها يوسف وقد تقدمت هذه الحكاية.

المسألة السادسة: قال صاحب الكشاف: أجاء منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء فإنك لا تقول جئت المكان، وأجاءنيه زيد كما تقول بلغنيه وأبلغته، والمعنى أن طلقها ألجأها إلى جذع النخلة ثم يحتمل أنها إنما ذهبت إلى النخلة طلباً لسهولة الولادة للتشبث بها.

ويحتمل للتقوية والاستناد إليها، ويحتمل للتستر بها ممن يخشى منه القالة إذا رآها، ولذلك حكى الله عنها أنها تمنت الموت.

المسألة السابعة: قال في الكشاف قرأ ابن كثير في رواية المخاض بالكسر يقال مخضت الحامل ومخاضاً وهو تمخض الولد في بطنها.

المسألة الثامنة: قال في الكشاف كان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمر ولا خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة مشهور عند الناس، فإذا قيل: جذع النخلة فهم منه ذلك دون سائره وإما أن يكون تعريف الجنس أي إلى جذع هذه الشجرة خاصة كان الله أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو أشد الأشياء موافقة للنفساء، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا عند اللقاح، وإذا قطعت رأسها لم تثمر، فكأنه تعالى قال كما أن الأنثى لا تلد إلا مع الذكر فكذا النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح، ثم إني أظهر الرطب من غير اللقاح ليدل ذلك على جواز ظهور الولد من غير ذكر.

المسألة التاسعة: لم قالت: ﴿ ياليتنى مِتُّ قَبْلَ هذا ﴾ مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث جبريل إليها وخلق ولدها من نفخ جبريل عليه السلام ووعدها بأن يجعلها وابنها آية للعالمين، والجواب من وجهين: الأول: قال وهب: أنساها كربة الغربة وما سمعته من الناس (من) بشارة الملائكة بعيسى عليه السلام.

الثاني: أن عادة الصالحين إذا وقعوا في بلاء أن يقولوا ذلك.

وروى عن أبي بكر أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال: طوبى لك يا طائر تقع على الشجرة وتأكل من الثمر!

وددت أني ثمرة ينقرها الطائر!

وعن عمر أنه أخذ تبنة من الأرض وقال: ليتني هذه التبنة يا ليتني لم أك شيئاً!

وقال علي يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة، وعن بلال: ليت بلال لم تلده أمه.

فثبت أن هذا الكلام يذكره الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم.

الثالث: لعلها قالت ذلك لكي لا تقع المعصية ممن يتكلم فيها، وإلا فهي راضية بما بشرت به.

المسألة العاشرة: قال صاحب الكشاف النسي ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطمث ونحوها كالذبح اسم ما من شأنه أن يذبح كقوله: ﴿ وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ  ﴾ تمنت لو كانت شيئاً تافهاً لا يؤبه به ومن حقه أن ينسى في العادة وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة نسياً بالفتح والباقون نسياً بالكسر قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر والجسر والجسر، وقرأ محمد بن كعب القرظي نسيئاً بالهمزة وهو الحليب المخلوط بالماء ينساه أهله لقلته وقرأ الأعمش منسياً بالكسر على الإتباع كالمغير والمنخر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِن تَحْتِهَا ﴾ هو جبريل عليه السلام.

قيل: كان يقبل الولد كالقابلة.

وقيل: هو عيسى، وهي قراءة عاصم وأبي عمرو.

وقيل: ﴿ تَحْتِهَا ﴾ أسفل من مكانها، كقوله: ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ [البقرة: 25] وقيل: كان أسفل منها تحت الأكمة، فصاح بها لا تحزني وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص ﴿ مِنْ تحتها ﴾ وفي ناداها ضمير الملك أو عيسى.

وعن قتادة: الضمير في تحتها للنخلة.

وقرأ زرّ وعلقمة: فخاطبها من تحتها.

سُئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن السريّ فقال: «هُوَ الجدولُ» قال لبيد: فَتَوَسَّطَا عُرْضَ السَّرِيِّ فَصَدَّعَا ** مَسْجُورَةً مُتَجَاوِر قُلاَّمهَا وقيل: هو من السرو.

والمراد: عيسى وعن الحسن: كان والله عبداً سرياً.

فإن قلت: ما كان حزنها لفقد الطعام والشراب حتى تسلى بالسري والرطب؟

قلت: لم تقع التسلية بهما من حيث أنهما طعام وشراب، ولكن من حيث أنهما معجزتان تريان الناس أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة، وأن مثلها مما قرفوها به بمعزل، وأن لها أموراً إلهية خارجة عن العادات خارقة لما ألفوا واعتادوا، حتى يتبين لهم أنّ ولادها من غير فحل ليس ببدع من شأنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ وأمِيلِيهِ إلَيْكِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوِ افْعَلِي الهَزَّ والإمالَةُ بِهِ، أوْ هُزِّي الثَّمَرَةَ بِهَزِّهِ والهَزُّ تَحْرِيكٌ بِجَذْبٍ ودَفْعٍ.

﴿ تُساقِطْ عَلَيْكِ ﴾ تَتَساقَطْ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في السِّينِ وحَذَفَها حَمْزَةُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالياءِ وحَفْصٌ ﴿ تُساقِطْ ﴾ مِن ساقَطَتْ بِمَعْنى أسْقَطَتْ، وقُرِئَ «تَتَساقَطْ» و «تَسْقُطْ» و «يَسْقُطْ» فالتّاءُ لِلنَّخْلَةِ والياءُ لِلْجِذْعِ.

﴿ رُطَبًا جَنِيًّا ﴾ تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولٌ.

رُوِيَ أنَّها كانَتْ نَخْلَةً يابِسَةً لا رَأْسَ لَها ولا ثَمَرَ وكانَ الوَقْتُ شِتاءً، فَهَزَّتْها فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَها رَأْسًا وخُوصًا ورُطَبًا.

وَتَسْلِيَتُها بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى بَراءَةِ ساحَتِها فَإنَّ مِثْلَها لا يُتَصَوَّرُ لِمَن يَرْتَكِبُ الفَواحِشَ، والمُنَبِّهَةِ لِمَن رَآها عَلى أنَّ مَن قَدَرَ أنْ يُثْمِرَ النَّخْلَةَ اليابِسَةَ في الشِّتاءِ قَدَرَ أنْ يُحْبِلَها مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وأنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِن شَأْنِها مَعَ ما فِيهِ مِنَ الشَّرابِ والطَّعامِ ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ الأمْرَيْنِ فَقالَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَهْزِّي} حركي {إِلَيْكَ} إلى نفسك {بِجِذْعِ النخلة} قال أبو علي الباء زائدة أي هزي جذع النخلة {تساقط عَلَيْكِ} بإدغام التاء الأولى في الثانية مكي ومدني وشامي وأبو عمرو وعلي وأبو بكر والأصل تتساقط بإظهار التاءين وتساقط بفتح التاء والقاف وطرح التاء الثانية وتخفيف السين حمزة ويساقط بفتح الياء والقاف وتشديد السين يعقوب وسهل وحماد ونصير وتساقط حفص من المفاعلة وتسقط ويسقط

مريم (٣٠ - ٢٥)

وتَسقُطْ ويَسقُطْ التاء للنخلة والياء للجذع فهذه تسع قراآت {رُطَباً} تمييز أو مفعول به على حسب القراءة {جَنِيّاً} طرياً وقالوا التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وقيل ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض من العسل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وهُزِّي إلَيْكِ ﴾ أيْ إلى جِهَتِكِ، والهَزُّ تَحْرِيكٌ يَمِينًا وشِمالًا سَواءٌ كانَ بِعُنْفٍ أوْ لا أوْ تَحْرِيكٌ بِجَذْبٍ ودَفْعٍ وهو مُضَمَّنُ مَعْنى المَيْلِ، فَلِذا عُدِّيَ بِإلى أوْ أنَّهُ مَجازٌ عَنْهُ أوِ اعْتُبِرَ في تَعْدِيَتِهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ جُزْءُ مَعْناهُ كَذا قِيلَ.

ومَنَعَ أبُو حَيّانَ تَعَلُّقَهُ بِهُزِّي وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في النَّحْوِ أنَّ الفِعْلَ لا يُعَدّى إلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، وقَدْ رُفِعَ الضَّمِيرُ المُتَّصِلُ ولَيْسَ مِن بابِ ظَنٍّ ولا فَقْدٍ ولا عَدَمٍ وهُما لِمَدْلُولٍ واحِدٍ فَلا يُقالُ: ضَرَبْتُكَ وزَيْدٌ ضَرَبَهُ عَلى مَعْنى ضَرَبْتَ نَفْسَكَ وضَرَبَ نَفْسَهُ.

والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عِنْدَهم كالضَّمِيرِ المَنصُوبِ فَلا يُقالُ: نَظَرْتُ إلَيْكَ وزَيْدٌ نَظَرَ عَلى مَعْنى نَظَرْتُ إلى نَفْسِكَ ونَظَرَ إلى نَفْسِهِ، ومِن هُنا جَعَلُوا عَلى في قَوْلِهِ: هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإنَّ الأُمُورَ بِكَفِّ الإلَهِ مَقادِيرُها اسْمًا كَما في قَوْلِهِ: غَدَتْ مِن عَلَيْهِ بَعْدَ ما تَمَّ ظَمَؤُها وجَعَلَ الجارَّ والمَجْرُورَ هُنا مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ أيْ أعْنِي إلَيْكَ ما قالُوا في سَقْيًا لَكَ ونَحْوِهِ مِمّا جِيءَ بِهِ لِلتَّبْيِينِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهم قالُوا بِمَجِيءِ إلى لِلتَّبْيِينِ لَكِنْ قالَ ابْنُ مالِكٍ.

وكَذا صاحِبُ القامُوسِ: إنَّها المُبَيِّنَةُ لِفاعِلِيَّةِ مَجْرُورِها بَعْدَ ما يُفِيدُ حُبًّا أوْ بُغْضًا مِن فِعْلِ تَعَجُّبٍ أوِ اسْمِ تَفْضِيلٍ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ.

وقالَ في الإتْقانِ: حَكى ابْنُ عُصْفُورٍ في شَرْحِ أبْياتِ الإيضاحِ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ إلى تُسْتَعْمَلُ اسْمًا فَيُقالُ: انْصَرَفَتْ مِن إلَيْكَ كَما يُقالُ غَدَوْتُ مِن عَلَيْهِ وخَرَجَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ ﴿ وهُزِّي إلَيْكِ ﴾ وبِهِ يَنْدَفِعُ إشْكالُ أبِي حَيّانَ فِيهِ.

انْتَهى.

وكانَ عَلَيْهِ أنْ يُبَيِّنَ ما مَعْناها عَلى القَوْلِ بِالِاسْمِيَّةِ، ولَعَلَّها حِينَئِذٍ بِمَعْنى عِنْدَ فَقْدْ صَرَّحَ بِمَجِيئِها بِهَذا المَعْنى في القامُوسِ وأنْشَدَ: أمْ لا سَبِيلَ إلى الشَّبابِ وذِكْرُهُ ∗∗∗ أشْهى إلَيَّ مِنَ الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ لَكِنْ لا يَحْلُو هَذا المَعْنى في الآيَةِ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ إنَّها في ذَلِكَ اسْمُ فِعْلٍ، ثُمَّ إنَّ حِكايَةَ اسْتِعْمالِها اسْمًا إذا صَحَّتْ تَقْدَحُ في قَوْلِ أبِي حَيّانَ: لا يُمْكِنُ أنْ يُدْعى أنَّ إلى تَكُونُ اسْمًا لِإجْماعِ النُّحاةِ عَلى حَرْفِيَّتِها.

ولَعَلَّهُ أرادَ إجْماعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِنهم في نَظَرِهِ.

والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ في دَفْعِ الإشْكالِ أنَّ الفِعْلَ مُضَمَّنٌ مَعْنى المَيْلِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ لا بِالفِعْلِ الرّافِعِ لِلضَّمِيرِ، وهو مَغْزًى بَعِيدٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُسارَعَ إلَيْهِ بِالِاعْتِراضِ عَلى أنَّ في القَلْبِ مِن عَدَمِ صِحَّةِ نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلْقاعِدَةِ المَذْكُورَةِ شَيْئًا لِكَثْرَةِ مَجِيءِ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ والبَيْتُ المارُّ آنِفًا.

وقَوْلُ الشّاعِرِ: دَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ في حَجَراتِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّ حَدِيثًا ما حَدِيثُ الرَّواعِلِ وقَوْلُهم: اذْهَبْ إلَيْكَ وسِرْ عَنْكَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ.

وتَأْوِيلُ جَمِيعِ ما جاءَ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ فَتَأمَّلْ وأنْصِفْ، ثُمَّ الفِعْلُ هُنا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ كَما في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: فَإنْ تَعْتَذِرْ بِالمَحْلِ مِن ذِي ضُرُوعِها ∗∗∗ إلى الضَّيْفِ يَجْرَحْ في عَراقِيبِها نَصْلِي فَلِذا عُدِّيَ بِالباءِ أيِ افْعَلِي الهَزَّ ﴿ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ فالباءُ لِلْآلَةِ كَما فِي: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ.

وقِيلَ هو مُتَعَدٍّ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هُزِّي الثَّمَرَةَ بِهَزِّ جِذْعِ النَّخْلَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وأنَّ هَزَّ الثَّمَرَةِ لا يَخْلُو مِن رَكاكَةٍ، وعَنِ المُبَرِّدِ أنَّ مَفْعُولَهُ (رُطَبًا) الآتِي والكَلامُ مِن بابِ التَّنازُعِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الهَزَّ عَلى الرُّطَبِ لا يَقَعُ إلّا تَبَعًا فَجَعَلَهُ أصْلًا وجَعَلَ الأصْلَ تَبَعًا حَيْثُ أدْخَلَ عَلَيْهِ الباءَ لِلِاسْتِعانَةِ غَيْرَ مُلائِمٍ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بِجَوابِ الأمْرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَفْعُولِهِ، ويَكُونُ فِيهِ إعْمالُ الأوَّلِ وهو ضَعِيفٌ لا سِيَّما في هَذا المَقامِ.

وما ذُكِرَ مِنَ التَّعْكِيسِ وارِدٌ عَلى ما فِيهِ التَّكَلُّفُ وهو ظاهِرٌ، وما قِيلَ مِن أنَّ الهَزَّ وإنْ وقَعَ بِالأصالَةِ عَلى الجِذْعِ لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الثَّمَرَةُ، فَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ المُناسِبَةِ جُعِلَتْ أصْلًا لِأنَّ هَزَّ الثَّمَرَةِ ثَمَرَةِ الهَزِّ لا يَدْفَعُ الرَّكاكَةَ الَّتِي ذَكْرْناها مَعَ أنَّ المُفِيدَ لِذَلِكَ ما يُذْكَرُ في جَوابِ الأمْرِ.

وجَعَلَ بَعْضُهم ﴿ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ المَفْعُولِ (رُطَبًا) أوِ الثَّمَرَةَ أيْ كائِنَةً أوْ كائِنًا بِجِذْعِ النَّخْلَةِ وفِيهِ ثَمَرَةُ ما لا تُسْمِنُ ولا تُغْنِي، وقِيلَ الباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ وقَوْلِ الشّاعِرِ: هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتُ أخْمِرَةٍ ∗∗∗ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ والوَجْهُ الصَّحِيحُ المُلائِمُ لِما عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ مِن غَرابَةِ النَّظْمِ كَما في الكَشْفِ هو الأوَّلُ، وقَوْلُ الفَرّاءِ: إنَّهُ يُقالُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ إنْ أرادَ أنَّهُما بِمَعْنًى كَما هو الظّاهِرُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ مَن يُعَوَّلُ عَلَيْهِ (تُساقِطْ) مِن ساقَطَتْ بِمَعْنى أسْقَطَتْ، والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ لِلنَّخْلَةِ ورُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْمُضافِ إلَيْهِ شائِعٌ، ومَن أنْكَرَهُ فَهو كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا.

وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْجِذْعِ لِاكْتِسابِهِ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ ) في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وقَوْلِ الشّاعِرِ: كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ صَحَّ.

وقَرَأ مَسْرُوقٌ وأبُو حَيْوَةَ في رِوايَةٍ ( تُسْقِطْ ) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مَضْمُومَةً وكَسْرِ القافِ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ أبِي حَيْوَةَ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ مِن تَحْتُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ عَلَيْكِ رُطَبًا ﴾ في جَمِيعِ ذَلِكَ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وهو نَضِيجُ البُسْرِ واحِدَتُهُ بِهاءٍ وجُمِعَ شاذًّا عَلى أرْطابٍ كَرُبْعٍ وأرْباعٍ، وعَنْ أبِي حَيْوَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ ( تَسْقُطْ ) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مَفْتُوحَةً وضَمِّ القافِ، وعَنْهُ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ مِن تَحْتُ فَنُصِبَ (رُطَبًا) عَلى التَّمْيِيزِ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ رَفَعَهُ في القِراءَةِ الأخِيرَةِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

وقَرَأ أبُو السَّمّالِ ( تَتَساقَطْ ) بِتاءَيْنِ.

وقَرَأ البَراءُ بْنُ عازِبٍ ( يَسّاقَطْ ) بِالياءِ مِن تَحْتُ مُضارِعُ أسّاقَطَ وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُساقِطْ ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن فَوْقُ وشَدِّ السِّينِ بَعْدَها ألْفٌ وفَتْحِ القافِ، والنَّصْبُ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ عَلى التَّمْيِيزِ أيْضًا.

وجُوِّزَ في بَعْضِ القِراءاتِ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِيَّةِ المُوَطِّئَةِ وإذا أُضْمِرَ ضَمِيرٌ مُذَكَّرٌ عَلى إحْدى القِراءاتِ فَهو لِلْجِذْعِ، وإذا أُضْمِرَ ضَمِيرٌ مُؤَنَّثٌ فَهو لِلنَّخْلَةِ أوَّلُهُ ما سَمِعْتَ (جَنِيًّا) أيْ مَجْنِيًّا فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ صالِحًا لِلِاجْتِناءِ.

وفي القامُوسِ ثَمَرٌ جَنِيٌّ: جُنِيَ مِن ساعَتِهِ.

وعَلَيْهِ قِيلَ المَعْنى رُطَبًا يَقُولُ مَن يَراهُ هو جَنْيٌّ وهو صِفَةُ مَدْحٍ فَإنَّ ما يُجْنى أحْسَنُ مِمّا يَسْقُطُ بِالهَزِّ وما قَرُبَ عَهْدُهُ أحْسَنُ مِمّا بَعُدَ عَهْدُهُ، وقِيلَ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ أيْ رُطَبًا طَرِيًّا، وكانَ المُرادُ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ تَمَّ نُضْجُهُ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ( جِنِيًّا ) بِكَسْرِ الجِيمِ لِلِاتِّباعِ.

ووَجْهُ التَّذْكِيرِ ظاهِرٌ.

وعَنِ ابْنِ السَّيِّدِ أنَّهُ قالَ في شَرْحِ أدَبِ الكاتِبِ.

كانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ جَنِيَّةً إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ بَعْضُ الكَلامِ عَلى التَّذْكِيرِ وبَعْضُهُ عَلى التَّأْنِيثِ، وفِيهِ نَظَرٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلنَّخْلَةِ إلّا الجِذْعُ ولَمْ يَكُنْ لَها رَأْسٌ فَلَمّا هَزَّتْهُ إذِ السَّعَفُ قَدْ طَلَعَ ثُمَّ نَظَرَتْ إلى الطَّلْعِ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ السَّعَفِ ثُمَّ اخْضَرَّ فَصارَ بَلَحًا ثُمَّ احْمَرَّ فَصارَ زَهْوًا ثُمَّ رُطَبًا كُلُّ ذَلِكَ في طَرْفَةِ عَيْنٍ فَجَعَلَ الرُّطَبَ يَقَعُ بَيْنَ يَدَيْها وكانَ بَرْنِيًّا، وقِيلَ عَجْوَةً وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

والظّاهِرُ أنَّها لَمْ تَحْمِلْ سِوى الرُّطَبِ، وقِيلَ كانَ مَعَهُ مَوْزٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي رَوْقٍ وإنَّما اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِغايَةِ نَفْعِهِ لِلنُّفَساءِ، فَعَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَمْ تَسْتَشْفِ النُّفَساءُ بِمِثْلِ الرُّطَبِ إنَّ اللَّهَ أطْعَمَهُ مَرْيَمَ في نِفاسِها وقالُوا: ما لِلنُّفَساءِ خَيْرٌ مِنَ الرُّطَبِ ولا لِلْمَرِيضِ خَيْرٌ مِنَ العَسَلِ، وقِيلَ: المَرْأةُ إذا عَسُرَ وِلادُها لَمْ يَكُنْ لَها خَيْرٌ مِنَ الرُّطَبِ، وذُكِرَ أنَّ التَّمْرَ لِلنُّفَساءِ عادَةٌ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ وكَذا التَّحْنِيكُ وفي أمْرِها بِالهَزِّ إشارَةٌ إلى أنَّ السَّعْيَ في تَحْصِيلِ الرِّزْقِ في الجُمْلَةِ مَطْلُوبٌ وهو لا يُنافِي التَّوَكُّلَ وما أحْسَنَ ما قِيلَ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أوْحى لِمَرْيَمَ ∗∗∗ وهُزِّي إلَيْكِ الجِذْعَ يَسّاقَطُ الرُّطَبُ ( ؎ولَوْ شاءَ أحَنى الجِذْعَ مِن غَيْرِ هَزَّةٍ ∗∗∗ إلَيْها ولَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ ، يعني: اذكر في القرآن خبر مريم، ومعناه: اقرأ عليهم ما أنزل عليك في القرآن من خبر مريم إِذِ انْتَبَذَتْ يعني: اعتزلت وتنحت مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ، يعني: مشرقة الشمس في دار أهلها.

فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً ، يعني: ضربت وأرخت من دونهم ستراً.

فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ، يعني: بعثنا إليها جبريل  فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ، يعني: تشبه لها في صورة شاب تامّ الخلقة فدنا منها، فأنكرت مريم مكان الرجل.

وقالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، يعني: إن كنت مطيعاً لله عز وجل.

وإنما قالت: إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، لأن التقي إذا وعظ بالله عز وجل اتعظ وخاف، والفاسق يخوف بالسلطان، والمنافق يخوف بالناس، فالتقيّ يخوف بالله.

ويقال: في الآية مضمر ومعناه احذر إن كنت تقياً قالَ لها جبريل  : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ، يعني: ولداً صالحاً.

قرأ أبو عمرو ونافع في إحدى الروايتين ليهب لَكَ بالياء، وقرأ الباقون لِأَهَبَ لَكِ بالألف.

فمن قرأ لِيَهَبَ، فمعناه: ليهب الله تعالى لك.

ومن قرأ لِأَهَبَ لَكِ يكون فيه مضمر، ومعناه: إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ فقال: لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا يعني: قال ربك، وهذا اختيار أبي عبيدة، وهو موافق لخط المصاحف.

قالَتْ مريم لجبريل  : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، يعني: من أين يكون لي ولد؟

وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، يعني: لم يقربني زوج، وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا يعني: لم أك فاجرة.

قالَ لها جبريل  : كَذلِكِ، يعني: هكذا كما قلت.

قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، يعني: خلقه علي يسير، وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ يعني: عبرة للناس، يعني: لبني إسرائيل، وَرَحْمَةً مِنَّا يعني: ونعمة منا.

وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا، يعني: قضاء كائناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقرأ أَبو عمرو «١» ونافعٌ بخلاف عنه «لِيَهَبَ» «٢» .

قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، والبغي: الزانية، وروي: أن جبريلَ- عليه السلام- حين قاولها هذه المقاولة، نفخ في جيب دِرْعها فسرت النفخة بإذن الله تعالى حتَّى حملت منها قاله وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وغيرُهُ «٣» .

وقال أُبيُّ بنُ كَعْبٍ «٤» : دخل الروح المنفوخُ من فمها فذلك قوله تعالى:

فَحَمَلَتْهُ أي: فحملت الغلام، ويذكر أَنها كانت بنت ثلاث عشرة سنة، فلمَّا أحسَّت بذلك، وخافت تعنيفَ الناس، وأَن يُظنَّ بها الشَّرُ انْتَبَذَتْ

أيْ: تنحت مكاناً بعيداً حياء وفرارا على وجهها، وفَأَجاءَهَا معناه: اضطرّها، وهو تعدية [جاء] بالهمزة.

والْمَخاضُ: الطّلْقُ، وشدةُ الولادة، وأَوْجَاعُها، وروي: أَنّها بلغت إلى موضعٍ كان فيه جِذْع نخلة بالٍ يابس، في أَصْله مِذْود بقرة، على جرية ماء، فاشتدَّ بها الأَمْرُ هنالك، واحتضنت الجِذْع لشدة الوجع، وولدت عيسى عليه السلام فقالت عند ولادتها لما رأته من صعُوبة الحال من غير ما وجه: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا فتمنت الموتَ من جهة الدّين أَن يُظَنّ بها الشر، وخوفَ أَن تُفْتَتَن بتعْيِير قومها، وهذا مُباحٌ وعلى هذا الحدّ تمناه عمر- رضي الله عنه-.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ، ﴿ مَكانًا شَرْقِيًّا ﴾ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، وهو عِنْدُ العَرَبِ خَيْرٌ مِنَ الغَرْبِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ ﴾ يَعْنِي: أهْلَها، ﴿ حِجابًا ﴾ ؛ أيْ: سِتْرًا وحاجِزًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها ضَرَبَتْ سِتْرًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الشَّمْسَ أظَلَّتْها، فَلَمْ يَرَها أحَدٌ مِنهُمْ، وذَلِكَ مِمّا سَتَرَها اللَّهُ بِهِ، [ ورُوِيَ ] هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّها اتَّخَذَتْ حِجابًا مِنَ الجُدْرانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

وَفِي سَبَبِ انْفِرادِها عَنْهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: [ أنَّها ] انْفَرَدَتْ لِتَطْهُرَ مِنَ الحَيْضِ وتَمْتَشِطَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِتُفَلِّيَ رَأْسَها، قالَهُ عَطاءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا ﴾ وهو جِبْرِيلُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: صاحِبُ رُوحِنا وهو جِبْرِيلُ.

والرُّوحُ بِمَعْنى: الرُّوحِ والفَرَحِ، ثُمَّ تُضَمُّ الرّاءُ لِتَحْقِيقِ مَذْهَبِ الِاسْمِ، وإبْطالِ طَرِيقِ المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرُّوحِ هاهُنا: الوَحْيُ، وجِبْرِيلُ صاحِبُ الوَحْيِ.

وَفِي وقْتِ مَجِيئِهِ إلَيْها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وهي تَغْتَسِلُ.

والثّانِي: بَعْدَ فَراغِها ولُبْسِها الثِّيابَ.

والثّالِثُ: بَعْدَ دُخُولِها بَيْتَها.

وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِالرُّوحِ هاهُنا: [ الرُّوحُ ] الَّذِي خُلِقَ مِنهُ عِيسى، حَكاهُ الزَّجّاجُ والماوَرْدِيُّ، وهو مَضْمُونُ كَلامِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِيما سَنَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ( فَحَمَلَتْهُ ) .

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفِيهِ بَعْدُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ ، والمَعْنى: تَصَوَّرَ لَها في صُورَةِ البَشَرِ التّامِّ الخِلْقَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جاءَها في صُورَةِ شابٍّ أبْيَضَ الوَجْهِ، جَعْدٍ قَطَطٍ حِينَ طَرَّ شارِبَهُ.

وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ: ( فَأرْسَلْنا إلَيْها رَوْحَنا ) بِفَتْحِ الرّاءِ مِنَ الرُّوحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ المَعْنى: إنْ كُنْتَ تَتَّقِي اللَّهَ فَسَتَنْتَهِي بِتَعَوُّذِي مِنكَ، هَذا هو القَوْلُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ.

وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ في زَمانِها رَجُلٌ اسْمُهُ تَقِيٌّ، وكانَ فاجِرًا، فَظَنَتُهُ إيّاهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ والماوَرْدِيُّ.

وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَجاءٍ: ( إلّا أنْ تَكُونَ تَقِيًّا ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ ﴾ ؛ أيْ: فَلا تَخافِي، " لِيَهَبَ لَكِ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لِأهَبَ لَكِ ) بِالهَمْزِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( لِيَهَبَ لَكَ ) بِغَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( لِيَهَبَ ) فالمَعْنى: أرْسَلَنِي لِيَهَبَ، ومَن قَرَأ: ( لِأهَبَ ) فالمَعْنى: أرْسَلْتُ إلَيْكَ لِأهَبَ لَكَ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: أرْسَلَنِي يَقُولُ لَكَ: أرْسَلْتُ رَسُولِي إلَيْكَ لِأهَبَ لَكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غُلامًا زَكِيًّا ﴾ ؛ أيْ: طاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ.

والبَغِيُّ: الفاجِرَةُ الزّانِيَةُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: ( بَغِيَّةً )؛ لِأنَّهُ وصْفٌ يَغْلُبُ عَلى النِّساءِ، فَقَلَّما تَقُولُ العَرَبُ: رَجُلٌ بَغِيٌّ، فَيَجْرِي مَجْرى حائِضٍ وعاقِرٍ.

وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: ( بُغْيَةً )؛ لِأنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ، فَهو ( فَعِيلٌ ) بِمَعْنى ( فاعِلٍ ) .

ومَعْنى الآَيَةِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ ولَسْتُ بِزانِيَةٍ، وإنَّما يَكُونُ الوَلَدُ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ.

﴿ قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في قِصَّةِ زَكَرِيّا، والمَعْنى: أنَّهُ يَسِيرُ عَلى أنْ أهَبَ لَكِ غُلامًا مِن غَيْرِ أبٍ.

﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ﴾ ؛ أيْ: دَلالَةً عَلى قُدْرَتِنا كَوْنُهُ مِن غَيْرِ أبٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما دَخَلَتِ الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ ﴾ ؛ لِأنَّها عاطِفَةٌ لِما بَعْدَها عَلى كَلامٍ مُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: قالَ رَبُّكُ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ، لِنَنْفَعَكَ بِهِ ولِنَجْعَلَهُ عِبْرَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَةً مِنّا ﴾ ؛ أيْ: لِمَن تَبِعَهُ وآَمَنَ بِهِ، ﴿ وَكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا ﴾ ؛ أيْ: وكانَ خُلُقُهُ أمْرًا مَحْكُومًا بِهِ، مَفْرُوغًا عَنْهُ، سابِقًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى كَوْنُهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا ﴾ ﴿ فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا ﴾ ﴿ فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ قالَ لَها المَلَكُ: كَذَلِكِ هو كَما وصَفْتُ، ولَكِنْ قالَ رَبُّكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَلى هَذِهِ الحالِ قالَ رَبُّكِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، و"الآيَةُ": العِبْرَةُ المُعَرَضَةُ لِلنَّظَرِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لِنَجْعَلَهُ" لِلْغُلامِ، ﴿ وَرَحْمَةً مِنّا ﴾ ، أيْ: طَرِيقَ هُدًى لِعالَمٍ كَثِيرٍ، فَيَنالُونَ الرَحْمَةَ بِذَلِكَ.

ثُمْ أعْلَمَها بِأنَّ الأمْرَ قَدْ قُضِيَ وانْتُجِزَ، و"الأمْرُ" هُنا واحِدُ الأُمُورِ، ولَيْسَ بِمَصْدَرِ: أمَرَ يَأْمُرُ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ -حِينَ قاوَلَها هَذِهِ المُقاوَلَةَ- نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، فَسَرَتِ النَفْخَةُ بِإذْنِ اللهِ حَتّى حَمَلَتْ مِنها، قالَهُوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وغَيْرُهُ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها وكَفِّها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: دَخَلَ الرُوحُ المَنفُوخُ مِن فَمِها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ أيْ: حَمَلَتِ الغُلامَ.

ويُذْكَرُ أنَّها كانَتْ بِنْتَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمّا أحَسَّتْ بِذَلِكَ وخافَتْ تَعْنِيفَ الناسِ وأنْ يُظَنَّ بِها الشَرُّ انْتَبَذَتْ بِهِ، أيْ: تَنَحَّتْ مَكانًا بَعِيدًا حَياءً وفِرارًا عَلى وجْهِها، ورُوِيَ في هَذا أنَّها فَرَّتْ إلى بِلادِ مِصْرَ أو نَحْوِها، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّها خَرَجَتْ إلى مَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِبَيْتِ لَحْمٍ، بَيْنَهُ وبَيْنَ إيلِياءَ أرْبَعَةُ أمْيالٍ.

و"أجاءَها" مَعْناهُ: فاضْطَرَّها، و"أجاءَ" هو تَعْدِيَةُ "جاءَ" بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ شِبْلُ بْنُ عَزْرَةَ -وَرُوِيَتْ عن عاصِمٍ -: "فاجَأها"، مِنَ المُفاجَأةِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَلَمّا أجاءَها المَخاضُ"، وقالَ زُهَيْرٌ: وجارٌ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْكم أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَجاءُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَخاضَ" بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ - بِكَسْرِها، وهو الطَلْقُ وشِدَّةُ الوِلادَةِ وأوجاعِها، رُوِيَ أنَّها بَلَغَتْ إلى مَوْضِعٍ كانَ فِيهِ جِذْعُ نَخْلَةٍ بالٍ يابِسٌ في أصْلِهِ مِذْوَدُ بَقَرَةٍ عَلى جَرْيَةِ ماءٍ، فاشْتَدَّ بِها الأمْرُ هُنالِكَ، واحْتَضَنَتِ الجِذْعَ لِشِدَّةِ الوَجَعِ، ووَلَدَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَتْ عِنْدَ وِلادَتِها - لِما رَأتْهُ مِنَ الآلامِ والتَغَرُّبِ وإنْكارِ قَوْمِها وصُعُوبَةِ الحالِ مِن غَيْرِ ما وجْهٍ-: يا لَيْتَنِي مِتُّ ولَمْ يَجْرِ عَلَيَّ هَذا القَدَرُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وجَماعَةٌ: "مُتُّ" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، ويَحْيى، والأعْمَشُ بِكَسْرِها، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ.

وتَمَنَّتْ مَرْيَمُ المَوْتَ مِن جِهَةِ الدِينِ؛ إذْ خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها الشَرُّ في دِينِها، وتُعَيَّرَ فَيَفْتِنَها ذَلِكَ، وعَلى هَذا الحَدِّ تَمَنّاهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ الصالِحِينَ، ونَهْيُ النَبِيِّ  عن تَمَنِّي المَوْتِ إنَّما هو لِضُرٍّ نَزَلَ بِالبَدَنِ، وقَدْ أباحَهُ  في قَوْلِهِ: «يَأْتِي عَلى الناسِ زَمانٌ يَمُرُّ الرَجُلُ بِقَبْرِ الرَجُلِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي مَكانَهُ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّهُ زَمَنُ فِتَنٍ بِالدِينِ.

وقالَتْ: ﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ ، أيْ: شَيْئًا مَتْرُوكًا مُحْتَقَرًا، والنَسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُنْسى فَلا يُتَألَّمُ لِفَقْدِهِ كالوَتَدِ والحَبْلِ لِلْمُسافِرِ ونَحْوِهُ، يُقالُ: نَسْيٌ ونِسْيٌ بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالكَسْرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِالفَتْحِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمْ، وكَقِراءَةِ حَمْزَةَ قَرَأ طَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ويَحْيى، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: "نِسْئًا" بِالهَمْزِ وكَسْرِ النُونِ، وقَرَأ نَوْفٌ البِكالِيُّ: "نَسْئًا" بِفَتْحِ النُونِ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ، وأبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ: "نَسًّا" بِشَدِّ السِينِ وفَتْحِ النُونِ دُونَ هَمْزٍ، وقالَ الشَنْفَرى: كَأنَّ لَها في الأرْضِ نَسًّا تَقُصُّهُ ∗∗∗ إذا ما غَذَّتْ وإنْ تُحَدِّثْكَ تَبَّلَتْ وحَكى الطَبَرِيُّ في قَصَصِها أنَّها لَمّا حَمَلَتْ بِعِيسى حَمَلَتْ أيْضًا أُخْتُها بِيَحْيى، فَجاءَتْها أُخْتُها زائِرَةً فَقالَتْ: يا مَرْيَمُ، أشْعَرْتِ أنِّي حَمَلْتُ؟

قالَتْ لَها مَرْيَمُ: أشْعَرْتِ أنْتِ أنِّي حَمَلْتُ؟

قالَتْ لَها: وإنِّي أجِدُ ما في بَطْنِي يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّها أحَسَّتْ جَنِينَها يَخِرُّ بِرَأْسِهِ إلى ناحِيَةِ بَطْنِ مَرْيَمَ، قالَ السُدِّيُّ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا كُلِّهِ ضَعْفٌ، فَتَأمَّلْهُ.

وكَذَلِكَ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ مِن قَصَصِها أنَّها خَرَجَتْ فارَّةً مَعَ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ يُوسُفُ النَجّارُ كانَ يَخْدِمْ مَعَها المَسْجِدَ، وطَوَّلَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ فاخْتَصَرْتُهُ لِضَعْفِهِ، وهَذِهِ القِصَّةُ تَقْتَضِي أنَّها حَمَلَتْ واسْتَمَرَّتْ حامِلًا عَلى عُرْفِ البَشَرِ، واسْتَحْيَتْ مِن ذَلِكَ وفَرَّتْ بِسَبَبِهِ وهي حامِلٌ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُتَأوِّلِينَ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَيْسَ إلّا أنْ حَمَلَتْ فَوَضَعَتْ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، واللهُ أعْلَمُ.

وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأجاءَها المَخاضُ ﴾ يَقْتَضِي أنَّها كانَتْ عَلى عُرْفِ النِساءِ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأنَّها ولَدَتْهُ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ؛ ولِذَلِكَ لا يَعِيشُ ابْنُ ثَمانِيَةِ أشْهُرٍ حِفْظًا لِخاصِّيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: ولَدَتْهُ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ، وقِيلَ: لِسِتَّةِ أشْهُرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ضمير الرفع المستتر في (ناداها) عائد إلى ما عاد عليه الضمير الغائب في ﴿ فحملته ﴾ [مريم: 22]، أي: ناداها المولود.

قرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص، وأبو جعفر، وخلف، وروح عن يعقوب ﴿ مِنْ تَحتها ﴾ بكسر ميم (من) على أنها حرف ابتداء متعلّق ب (ناداها) وبجر ﴿ تَحتها ﴾ .

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، ورويس عن يعقوب ﴿ مَنْ بفتح الميم على أنها اسم موصول، وفتح تَحْتَهَا ﴾ على أنه ظرف جعل صلة، والمعني بالموصول هو الغلام الذي تحتها.

وهذا إرهاص لعيسى وكرامة لأمّه عليهما السلام.

وقَيْدُ ﴿ من تحتها ﴾ لتحقيق ذلك، ولإفادة أنه ناداها عند وضعه قبل أن ترفعه مبادرة للتسلية والبشارة وتصويراً لتلك الحالة التي هي حالة تمام اتّصال الصبي بأمه.

و ﴿ أنَّ من قوله ألاَّ تَحْزَني ﴾ تفسيرية لفعل (ناداها).

وجملة ﴿ قَدْ جَعلَ رَبُّككِ تحتك سَرِيّاً ﴾ خبر مراد به التعليل لجملة ﴿ ألاَّ تحزني ﴾ ، أي أن حالتك حالة جديرة بالمسرة دون الحزن لما فيها من الكرامة الإلهية.

السرّي: الجدول من الماء كالساقية، كثير الماء الجاري.

وهبَها الله طعاماً طيّباً وشراباً طيّباً كرامة لها يشهدها كل من يراها، وكان معها خطيبها يوسف النجار، ومن عسى أن يشهدها فيكون شاهداً بعصمتها وبراءتها مما يظن بها.

فأما الماء فلأنه لم يكن الشأن أن تأوي إلى مجرى ماء لتضع عنده.

وأما الرُطب فقيل كان الوقت شتاء، ولم يكن إبان رطب وكان جذع النخلة جذع نخلة ميتة فسقوط الرطب منها خارق للعادة.

وإنما أعطيت رُطباً دون التمر لأنّ الرطب أشهى للنفس إذ هو كالفاكهة وأما التمر فغذاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ألْجَأها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إذْ شَدَدْنا شَدَّةً صادِقَةً فَأجَأْناكم إلى سَفْحِ الجَبَلِ الثّانِي: مَعْناهُ فَجَأها المَخاضُ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: وجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْنا ∗∗∗ أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وَفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأواها ﴿ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها خافَتْ مِنَ النّاسِ أنْ يَظُنُّوا بِها سُوءًا قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لِئَلّا يَأْثَمُ النّاسُ بِالمَعْصِيَةِ في قَذْفِها.

الثّالِثُ: لِأنَّها لَمْ تَرَ في قَوْمِها رَشِيدًا ذا فِراسَةٍ يُنَزِّهُها مِنَ السُّوءِ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُما اللَّهُ.

﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُنْ شَيْئًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لا أُعْرَفُ ولا يُدْرى مَن أنا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: النَّسْيُ المَنسِيُّ هو السَّقْطُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ.

الرّابِعُ: هو الحَيْضَةُ المُلْقاةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، بِمَعْنى خَرْقِ الحَيْضِ.

الخامِسُ: مَعْناهُ وكُنْتُ إذا ذُكِرْتُ لَمْ أُطْلَبْ حَكاهُ اليَزِيدِيُّ.

والنَّسْيُ عِنْدَهم في كَلامِهِمْ ما أُعْقِلَ مِن شَيْءٍ حَقِيرٍ قالَ الرّاجِزُ: ؎ كالنَّسْيِ مُلْقًى بِالجِهادِ البَسْبَسِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة ﴾ قال: حركيها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، عن مجاهد ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة ﴾ قال: كانت عجوة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن البراء أنه قرأ ﴿ يساقط عليك ﴾ بالياء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قرأ ﴿ يساقط عليك ﴾ بالياء يعني الجذع.

وأخرج عبد بن حميد، عن مسروق أنه قرأ ﴿ تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ بالتاء.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ تساقط ﴾ مثقلة بالتاء.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن طلحة الإيابي أنه قرأ ﴿ تساقط عليك رطباً ﴾ مثقلة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي نهيك أنه قرأ ﴿ تسقط عليك رطباً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ رطباً جنياً ﴾ قال: طرياً.

وأخرج الخطيب في تالي التلخيص، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ قال: بغباره.

وأخرج ابن الأنباري والخطيب، عن أبي حباب مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي روق قال: انتهت مريم إلى جذع ليس له رأس، فأنبت الله له رأساً، وأنبت فيه رطباً وبسراً ومدبباً وموزاً، فلما هزت النخلة، سقط عليها من جميع ما فيها.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد، عن أبي قدام قال: أنبتت لمريم نخلة تعلق بها كما تعلق المرأة عند الولادة.

وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم معاً في الطب النبوي والعقيلي وابن عدي وابن مردويه وابن عساكر، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام، وليس من الشجر شجرة تلقح غيرها» وقال صلى الله عليه وسلم: «أطعموا نساءكم الولَّد الرطب، فإن لم يكن رطب، فتمر فليس من الشجر شجرة أكرم من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران» .

وأخرج ابن عساكر، عن أبي سعيد الخدري قال: «سألنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مماذا خلقت النخلة؟

قال: خلقت النخلة والرمان والعنب من فضل طينة آدم عليه السلام» .

وأخرج ابن عساكر، عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أطعموا نساءكم في نفاسهن التمر، فإنه من كان طعامها في نفاسها التمر: خرج ولدها ولداً حليماً، فإنه كان طعام مريم، حيث ولدت عيسى، ولو علم الله طعاماً هو خير لها من التمر لأطعمها إياه» .

وأخرج عبد بن حميد، عن شقيق قال: لو علم الله أن شيئاً للنفساء خير من الرطب لأمر مريم به.

وأخرج عبد بن حميد، عن عمرو بن ميمون قال، ليس للنفساء خير من الرطب، أو التمر وقال: إن الله قال: ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن الربيع بن خيثم قال: ليس للنفساء عندي دواء مثل الرطب، ولا للمريض مثل العسل.

وأخرج ابن عساكر، عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب أن رسلاً أتتني من قبلك، فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليقة لشيء من الخير!

تخرج مثل أذان الحمير، ثم تشقق عن مثل اللؤلؤ الأبيض، ثم تصير مثل الزمرد الأخضر، ثم تصير مثل الياقوت الأحمر، ثم تينع وتنضج فتكون كأطيب فالوذج أكل، ثم تيبس فتكون عصمة للمقيم، وزاداً للمسافر، فإن لم تكن رسلي صدقتني، فلا أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة، فكتب إليه عمر أن رسلك قد صدقتك، هذه الشجرة عندنا: وهي التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ ﴾ الهز معناه: التحريك (١) ﴿ إِلَيْكِ ﴾ اجذبيه إليك أي: حركيه بأن تجذبيه إليك.

وقوله تعالى: ﴿ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ قال الأخفش: (الباء زائدة) (٢) بِوَادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ صَدْرُه ...

وَأَسْفَلُه بِالمَرْخِ والشَّبَهَانِ (٣) ونحو هذا قال الفراء، قال: (والعرب تقول: هَزَّ بِه وَهَزَّه، وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ  ﴾ ، معناه فَلْيَمدْدُ سببا) (٤) ويقال: ألقى بيده، أي ألقى يده، قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ  ﴾ .

قال أبو علي: (ويحتمل أن يكون معنى ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ أي: بهز جذع النخله رطبا فحذف المضاف) (٥) والمعنى: إذا هززت الجذع هززت بهزه رطبا، فإذا هززت الرطب سقط.

وهذا على قول من يخصب الرطب بالهز، وهو قول المبرد، حكى عنه الزجاج قال: (والمعنى هزي إليك بجذع النخلة رطبا تساقط عليك) (٦) وقوله تعالى: ﴿ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ ﴾ أي: تتساقط فأدغمت التاء في السين، وتساقط هاهنا بمعني: تسقط، وتفاعل مطاوع فاعل كما أن تفعل مطاوع فَعَّل وكما عدّى تفعل في: تجرعته، وغليته، وتَمَزَّزْته، كذلك عدي تفاعل فمما جاء من ذلك قول الشاعر: تُطَالِعنا خَيَالاتٌ لِسَلْمَى ...

كَمَا يَتَطَالعُ الدَّينَ الغَرِيمُ (٧) ويكون المعنى: تسقط عليك النخلة رطبا جنيا، وانتصب (رُطَبًا) على أنه مفعول به (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وروى حفص عن عاصم: تُسَاقِطْ على وزن تفاعل (١٣) (١٤) يُسَاقِطُ عَنْهُ رَوْقُهُ ضَارِيَاتِهَا ...

سِقَاطَ حَدِيدِ القَيْنِ أَخْوَلَ أَخْوَلاَ وقوله تعالى: (رُطَبًا) الرُّطَبُ: الناضج من البسر (١٥) (١٦) ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ وذلك أنه كان جذعًا نخرًا ليس له سعف فلمَّا هزته نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع، ثم نظرت إلى الطلع، ثم خرج من بين السعف، ثم نظرت إلى الطلع قد اخضر فصار بلحا، ثم نظرت إلى البلح قد احمر فصار زهوا، ثم نظرت إلى البسر الأحمر قد صار رطبا كل ذلك طرفة عين قبل أن يرتد إليها طرفها، فجعل الرطب يقع بين يديها في أقماعه ولا يتشدخ منها شيء، فطابت نفسها) (١٧) (١) انظر: "مقاييس اللغة" (هز) 6/ 9، "القاموس المحيط" (هز) ص 529، "الصحاح" (هزز) 3/ 901، "المفردات في غريب القرآن" (هزز) ص 542.

(٢) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 626، وقال أبو السعود في "تفسيره" 3/ 579: الباء صلة للتوكيد.

وقول أبو السعود أولى من القول بالزيادة، وذلك أدبا مع القرآن الكريم فإن كل حرف ورد فيه يقصد به معنى من المعاني.

ولذلك قال ابن جرير -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 73: تدخل الباء في الأفعال وتخرج فيكون دخولها وخروجها بمعنى فمعنى الكلام: وهزي إليك جذع النخلة.

(٣) ورد البيت في عدد من الكتب ونسب إلى رجل من عبد القيس، وقيل إنه ليعلى الأحول.

الشَّث: الكثير من الشيء وهو ضرب من الشجر طيب الريح مر الطعم.

والشبهان: ضرب من الرياحين.

انظر: "مجاز القرآن" 2/ 48، "معاني القرآن" للأخفش 2/ 626، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 200، "أدب الكاتب" 416، "الجمهرة" 1/ 45، "الدر المصون" 7/ 585، "لسان العرب" (شبه) ص 2191.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 165.

(٥) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 198.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 325.

(٧) البيت لسلمة بن الخرشب الأنماري.

ويريد به أن خيال صاحبته يكثر معاودته، كما يلح الدائن على المدين بكثرة ترداده عليه.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 199، "المحتسب" 2/ 358، "المفضليات" 39.

(٨) "الحجه للقراء السبعة" 5/ 198، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 113، "الدر المصون" 7/ 588.

(٩) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: (تساقط) بفتح التاء وتشديد السين.

وقرأ حمزة: (تَسَاقط) بفتح التاء وتخفيف السين.

انظر: "السبعة" ص 409، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 198، "المبسوط في القراءات" ص 243، "حجة القراءات" ص 442.

(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 200.

(١١) ) "معاني القرآن" للفراء 2/ 166، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 325.

(١٢) "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 113، "الدر المصون" 7/ 588.

(١٣) قرأ حفص عن عاصم: (تُسَاقِط) بضم التاء وكسر القاف مخففة السين.

وقرأ أبو بكر عن عاصم: (تَسُاقط) بفتح التاء وتشديد السين.

انظر: "السبعة" ص 409، "الحجة للقراء السبعة" 198، "العنوان في القراءات" 126، "التبصرة" ص 256.

(١٤) البيت لضابئ البرجمي، يصف الثور والكلاب.

الروق: القرن.

أَخْوَل أَخْوَلاَ: متفرقا.

انظر: "المحتسب" 2/ 41، "الخصائص" 2/ 130، "تهذيب اللغة" (خال) 1/ 969، "لسان العرب" (خول) 3/ 1294.

(١٥) انظر: "تهذيب اللغة" (رطب) 2/ 1421، "الصحاح" (رطب) 1/ 136، "لسان العرب" (رطب) 3/ 1664، "المفردات في غريب القرآن" (رطب) 197.

(١٦) انظر: "تهذيب اللغة" (جني) 1/ 674، "مقاييس اللغة" (جني) 1/ 482، "المفردات في غريب القرآن" (جنى) ص 101، "لسان العرب" (جني) 2/ 707.

(١٧) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 95، "روح المعاني" 16/ 85، "البحر المحيط" 6/ 184.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ ﴾ خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم والكتاب القرآن ﴿ إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا ﴾ أي اعتزلت منهم وانفردت عنهم ﴿ مَكَاناً شَرْقِياً ﴾ أي إلى جهة الشرق ﴿ فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا ﴾ يعني جبريل، وقيل: عيسى، والأول هو الصحيح؛ لأن جبريل هو الذي تمثل لها باتفاق ﴿ قَالَتْ إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ لما رأت الملك الذي تمثل لها في صورة البشر، قد دخل عليها خافت أن يكون من بني آدم، فقالت له هذا الكلام، ومعناه: إن كنت ممن يتقي الله فابعد عني، فإني أعوذ بالله منك، وقيل: إن تقيا اسم رجل معروف بالشرّ عندهم وهذا ضعيف وبعيد ﴿ لأَهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً ﴾ الغلام الزكيّ هو عيسى عليه السلام، وقرئ ليهب بالياء، والفاعل فيه هو ضمير الرب سبحانه وتعالى، وقرئ بهمزة التكلم، وهو جبريل، وإنما نسب الهبة إلى نفسه، لأنه هو الذي أرسله الله بها، أو يكون قال ذلك حكاية عن الله تعالى ﴿ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً ﴾ البغيّ هي المرأة المجاهرة بالزنا، ووزن بغيّ فعول ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً ﴾ الضمر للولد واللام تتعلق بمحذوف تقديره: لنجعله آية فعلنا ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كيهعص ﴾ بإمالة الهاء فقط: أبو عمرو ﴿ كهيعص ﴾ بإمالة الياء فقط: حمزة وخلف وقتيبة وابن ذكوان، وقرأ عليّ غير قتيبة ويحيى ويحيى وحماد بإمالتهما.

وقرأ أبو جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.

الباقون بتفخيمها ﴿ صاد ذكر ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل ﴿ من ورائي ﴾ بفتح الياء مهموزاً: ابن كثر غير زمعة والخزاعي عن ا لبزي وقرأ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي ﴿ من وراي ﴾ مثل ﴿ عصاي ﴾ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما: أبو عمرو وعليّ.

الباقون برفعهما ﴿ يبشرك ﴾ ثلاثياً وكذلك في آخر السورة: حمزة ﴿ عتباً ﴾ و ﴿ جثياً ﴾ و ﴿ صلياً ﴾ و ﴿ بكياً ﴾ بكسر الأوائل: حمزة وعلي وافق حفص إلا في ﴿ بكياً ﴾ الخزاز عن هبيرة ﴿ عتباً ﴾ الأولى بالكسر والثاني بالضم.

﴿ وقد خلقناك ﴾ حمزة وعلي.

الآخرون ﴿ خلقتك ﴾ على التوحيد ﴿ إلى آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن أهل مكة.

الوقوف: ﴿ كهيعص ﴾ ه كوفى ﴿ زكريا ﴾ ه ح لجواز تعلق "إذ" بـ ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ ولاحتمال انتصابه بأذكر محذوفاً.

﴿ خفياً ﴾ ه ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ ولياء ﴾ لا ﴿ آل يعقوب ﴾ ق والوجوه الوصل لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحيى ﴾ لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي.

﴿ سمياً ﴾ ه ﴿ عتياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ه بناء على أن التقدير الأمر كذلك ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ بقوة ﴾ ط ﴿ صبياً ﴾ ه لا للعطف أي آتيناه الحكم وحناناً منا عليه ﴿ وزكاة ﴾ ط ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ حياً ﴾ ه.

التفسير: حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية، وقد جرت عادة العرب بإمالة الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائياً، ولا ريب أن التفخيم أصل والإمالة فرع عليه.

فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معاً فعلى العادة، ومن قرأ بتفخيمهما جميعاً فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين.

وقد روى صاحب الكشاف عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل: لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه بالضم على أصلها.

والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة، ومما يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله ﴿ كهيعص ﴾ ثناء من الله  على نفسه، فالكاف كاف لأمور عباده، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز، والصاد صادق.

وعنه أيضاً أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير، والياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى.

وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير، وهذا التفسير لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام، وارتفع ﴿ ذكر رحمة ﴾ على الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ﴿ ربك ﴾ وانتصب ﴿ عبده ﴾ على أنه مفعول لذكر و ﴿ زكريا ﴾ عطف بيان، وقرىء برفعهما على إضافة المصدر إلى المفعول، وعن الكلبي أنه قرأ ﴿ ذكر ﴾ بلفظ الماضي مشدداً تارة و ﴿ رحمة ﴾ و ﴿ عبده ﴾ منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير المتلو.

ومخففاً أخرى و ﴿ عبده ﴾ مرفوع على الفاعلية.

وقرىء ﴿ ذكر ﴾ على الأمر وهي قراءة ابن معمر.

وقيل: يحتمل على هذا أن تكون الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا صل الله عليه وسلم ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا.

وفي خفاء ندائه.

وجوه منها: أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن بأنه نداء لا رياء فيه.

ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته.

ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم.

ومنها أنه خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ "صوته خفات وسمعه تارات" ولعله أتى بأقصى ما يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفياً لنهاية كبره.

ثم شرع في حكاية ندائه قائلاً: ﴿ قال رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ قال علماء المعاني: في الآية لطائف وذلك أصل الكلام: يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي، ثم في القرينة الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن وهن عظام البدن لازم لضعفه، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل أنا وهنت عظام بدني، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار: إني وهنت العظام من بدني، لأنك إذاقلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاماً واهنة عندك، فإذا قلت: "من بدني" فقد فصلت، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص العظام، ثم لطلب شمول العظام فرداً فرداً قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل ﴿ إني وهن العظم مني ﴾ فحصل أني وهنت العظام مني.

وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى.

وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي.

وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب الرأسي، ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل ﴿ اشتعل ﴾ بدل "انتشر" فتكون الاستعارة تبعية تصريحية وقرينتها ذكر الشيب، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي "اشتعل رأسي شيباً".

وكونها أبلغ من وجهات منها: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت: "اشتعل بيتي ناراً" مكان "اشتعل النار في بيتي".

ومنها الإجمال والتفصيل الواقعان في طريق التمييز، ومنها تنكير ﴿ شيباً ﴾ للتعظيم كما هو حق التمييز.

ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي "اشتعل الرأس مني شيباً" لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو ﴿ وهن العظم مني ﴾ ثم ترك لفظ "مني" ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ.

وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال "رب" بحذف حرف النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره.

وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني.

ثم إنه توسل إلى الله عز وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلاً ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ كما حكى أن محتاجاً قال لكريم: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال: مرحباً بمن توسل إلينا وقضى حاجته.

تقول العرب: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها.

ومعنى ﴿ بدعائك ﴾ أي بدعائي إياك.

واعلم أن زكريا  قدم على السؤال أموراً ثلاثة: الأول كونه ضعيفاً، والثاني أنه  لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين وذلك قوله ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ قال ابن عباس والحسن: أي الورثة.

وعن مجاهد العصبة.

وعن أبي صالح: الكلالة.

وعن الأصم: بني العم وهم الذين يلونه في النسب.

وعن أبي مسلم: المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من تقدم في ميراثة كالولد.

والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعيناً للحبورة.

وقوله: ﴿ من ورائي ﴾ أي بعد موتي لا يتعلق بــ ﴿ خفت ﴾ لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما.

وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم.

وإنما قال: ﴿ خفت ﴾ بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال.

وقرىء ﴿ خفت الموالي ﴾ بتشديد الفاء.

وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه، والظرف متعلق بالموالي، أو معناه قدامي والظرف متعلق بـ ﴿ خفت ﴾ أي درجوا ولم يبق من يعتضد به.

ثم صرح بالمسألة قائلاً: ﴿ فهب لي ﴾ وأكده بقوله: ﴿ من لدنك ﴾ أي ولياً صادراً من عندك مضافاً إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة.

من قرأ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله قالوا: إنه صفة.

وقال صاحب المفتاح: الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل: لم تطلب الولد؟

فقال مجيباً: يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا.

واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع، وكذب النبي  .

أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة.

وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب.

وأقول: الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا "هب لي ولياً موصوفاً بالوراثة" أو بأن الغرض منه الوراثة، أوهب لي ولياً أخبر عنه بأنه يرثني.

وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب.

والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله  عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه.

ويمكن أن يقال: لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقى ذلك الكتاب أو الشرع معمولاً به بعد زكريا أيضاً إلى حين.

وقد روى صاحب الكشاف ههنا قراآت شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان.

فقيل: هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول "جاءني فلان فجاءني رجل" لا تريد به إلا الأول، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية، وتجرد الكلام عنه.

وأقول: يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف المنافية للرجولية.

وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها.

واختلف المفسرون في أنه طلب ولداً يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره؟

والأول أظهر لقوله في آل عمران ﴿ رب هب لي من لدنك ذرية طيبة  ﴾ ولقوله في سورة الأنبياء ﴿ ربي لا تذرني فرداً  ﴾ حجة المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولو كان دعاؤه لأجل الولد ما استعظم ذلك.

والجواب ما مر في آل عمران.

واختلفوا أيضاً في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك: هي وراثة المال.

وعنهم أيضاً أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس.

وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة.

فلفظ الإرث مستعمل في المال ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم  ﴾ وفي العلم ﴿ وأورثنا بني إسرائيل الكتاب  ﴾ "العلماء ورثة الأنبياء" وحجة الأولين ما روي أنه  قال: "رحم الله زكريا وما عليه من يرثه" فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال.

وكذا قوله  "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" ، وأيضاً العلم والنبوة كيف يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوّة إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ لأن النبي لا يكون إلا مرضياً.

وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال الابن أنه يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه.

والمراد يكون رضياً أن لا يوجد منه معصية ولا همّ بها كما جاء في حق يحيى، وقج مر الحديث هناك.

ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلاً على غيره من الأنبياء كلهم فلعل لبعضهم فضائل أخر تختص به.

احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال، وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً عنده، وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل، وبأن فعل الألطاف واجب على الله فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث.

واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهودا بن بعقوب، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق، وكانت النبوّة في سبط وهو إسرائيل  .

وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل.

وعن مقاتل: أن بني ماثان كانوا رؤوس بني إسرائيل وملوكها.

قوله: ﴿ يا زكريا ﴾ الكثرون على أنه نداء من الله  لقرينة التخاطب من قوله: ﴿ رب إني وهو العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ ومنهم من قال: هو نداء الملك لقوله في آل عمران ﴿ فنادته الملائكة  ﴾ وجوز بعضهم الأمرين.

واختلفوا في عدم السمي فقيل: أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله.

وقيل: أراد أنه لا نظير له كقوله ﴿ هل تعلم له سمياً  ﴾ وذلك أنه سيداً وحصوراً ولم يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ وأيضاً سمي بيحيى قبل دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص.

قال بعض العلماء: القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه لضرورة كما في قوله: ﴿ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً  ﴾ لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سميّ له لا يقتضي عبادته فنقول: السميّ هناك يراد به المثل والنظير.

ويمكن أن يقال: إن التفرد بالاسم فيه ضرب من التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضاً.

قال جار الله: إنما قيل للمثل سميّ لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي.

قلت: ويقرب هذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم.

ولم سمي بيحيى؟

تكلفوا له وجوهاً.

فعن ابن عباس لأنه  أحيا عقر أمه.

وعن قتادة لأنه  أحيا قلبه بالإيمان والطاعة ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم  ﴾ .

ولهذا كان من أول من آمن بعيسى.

وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء.

وقيل: لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل الدين.

قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ قال جار الله: أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية فــ"من" للتعليل، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى ﴿ عتياً ﴾ وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام.

يقال: عنا العود عتياً إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس.

سؤال: إنه قال في آل عمران ﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر  ﴾ فلم عكس الترتيب في هذه السورة؟

وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب.

قلت: إن ذاك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وههنا راعى الفاصلة.

﴿ قال ﴾ الأمر ﴿ كذلك ﴾ تصديقاً له.

ثم ابتدأ قائلاً ﴿ قال ربك ﴾ فمحل ﴿ كذلك ﴾ رفع، ويحتمل أن يكون نصباً ﴿ قال ﴾ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: ﴿ هو ﴾ أي خلق الغلام ﴿ عليّ هين ﴾ ويحتمل أن يكون إشارة إلى قول زكريا ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة؟

فأجيب بقوله: ﴿ كذلك ﴾ أي نهب الولد لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما.

ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد ﴿ ولم تك شيئاً ﴾ لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً بعتد به كالنطفة، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد، فيه نفس استبعاد زكريا، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قد مر تفسير الآية في أول عمران.

قوله: ﴿ سوياً ﴾ قيل: إنه صفة لليالي أي تامة كاملة.

والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عيّ ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قيل: كان له موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه.

وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه.

﴿ فأوحى إليهم ﴾ عن مجاهد: أشار بدليل قوله في أول آل عمران ﴿ إلا رمزاً ﴾ وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض.

و ﴿ أن ﴾ هي المفسرة و ﴿ سبحوا ﴾ أي صلوا أو على الظاهر وهو قول سبحان الله.

عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشيّ صلاة العصر، فلعلهم كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو الكتابة.

وههنا إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا له: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب ﴾ أي التوراة لأنها المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن كقول عيسى ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب  ﴾ والمراد بالأخذ إما الأخذ من حيث الحس، وإما الأخذ من حيث المعنى وهو القيام بمواجبه كما ينبغي وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهى عنه.

ثم أكده بقوله: ﴿ بقوة ﴾ أي بجد وعزيمة.

﴿ وآتيناه الحكم ﴾ أي الحكمة.

عن ابن عباس: هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال: ما للعب خلقت.

وعن معمر: العقل.

وقيل: النبوة.

وكل هذه الأوصاف على الأقول من الخوارق كما حق عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة.

والحنان أصله توقان النفس، ثم استعمل في الرحمة وهو المراد ههنا.

وما قيل إنه يحتمل أن يراد حناناً منا على زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو.

وقيل: أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا كقوله في نبينا ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وأراد بقوله: ﴿ وزكاة ﴾ أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله  ﴾ ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة ﴿ من لدنا ﴾ وعن عطاء: أن معنى حناناً تعظيماً من لدنا.

وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج: أن معنى زكاة عملاً صالحاً زكياً.

وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود.

وقيل: بركة كقول عيسى ﴿ جعلني مباركاً ﴾ وقيل: صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم.

ثم أخبر محمد  عن جملة أحواله بقوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط ﴿ وبرّاً بوالديه ﴾ لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفاً بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق.

قال سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض  ﴾ ثم إنه  سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله، وقيل: إنما قال: ﴿ حياً ﴾ مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيهاً على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى ﴿ ويوم أبعث حياً  ﴾ وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول.

والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حياً فوضع الأخص موضع الأعم تأكيداً.

قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلاً من الله  لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب.

قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.

التأويل: إن زكريا الروح ﴿ نادى ربه نداء خفياً ﴾ من سر السر ﴿ قال رب إني وهن ﴾ مني عظم الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية، وإني خفت صفات النفس أن تغلب ﴿ وكانت امرأتي ﴾ يعني الجثة التي هي روح الروح ﴿ عاقراً ﴾ لا تلد إلا بموهبة من الله ﴿ فهب لي من لدنك ﴾ سأل ﴿ ولياً ﴾ فأعطاه الله نبياً وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ أي يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ بأن توطنه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى  ﴾ ﴿ اسمه يحيى ﴾ إن الله أحياه بنوره ﴿ ولم نجعل له من قبل سمياً ﴾ لا من الحيوانات ولا من الملائكة لأنه هو الذي يقبل فيض الألوهية بلا واسطة، وهو سر حمل الأمانة كما قال: "ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب ﴿ عتياً ﴾ يبساً وجفافاً من غلبات صفات النفس ﴿ آيتك أن لا تكلم الناس ﴾ لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ما سواه ﴿ ثلاث ليال ﴾ هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانيات والروحانيات ﴿ سوياً ﴾ متمكناً في هذا الحال من غير تلون ﴿ فخرج ﴾ زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشيّ الأبد ﴿ يا يحيى ﴾ القلب ﴿ خذ ﴾ كتاب الفيض الإلهي المكتوب لك في الأزل ﴿ بقوة ﴾ ربانية لا بقوة جسدانية لأنه خلق ضعيفاً ﴿ وآتيناه الحكم ﴾ في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ﴿ زكاة ﴾ وتطهراً من الالتفات إلى غيرنا ﴿ وبراً بوالديه ﴾ الروح والقالب.

أما البروح فلأن القلب محل قبول الفيض الإلهي لأن الفيض نصيب الروح أوّلاً ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه، وأما القلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، وهذا أحد أسرار حمل الأمانة.

وأما بر والدة القلب فهو استعمالها على وفق الشريعة والطريقة ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ كالنفس الأمارة بالسوء ﴿ وسلام عليه يوم يولد ﴾ في أصل خلقه ﴿ ويوم يموت ﴾ من استعمال المعاصي بالتوبة ﴿ ويوم يبعث حياً ﴾ بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل - ﴿ يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: لم نجعل له مثل يحيى من قبل في الفضل والمنزلة؛ لأنه روي عن نبي الله  أنه قال: "لم يكن من ولد آدم إلا وقد عمل بخطيئة أو همّ بها غير يحيى بن زكريا؛ فإنه لم يهم بخطيئة ولا عمل بها" وقال بعضهم: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: لم يسم أحد قبله يحيى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: يتولّى الله تسميته يحيى، لم يول تسميته غيره، وسائر الخلق تولى أهلوهم تسميتهم.

وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً ﴾ .

قال الحسن: إن زكريا استوهب ربه الولد، فأجابه وبَشَّره، فقال: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ ، وطلب منه الآية لذلك، فقال: ﴿ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً ﴾ ، فما عابه على ذلك، ولا وبّخه، ولكن رحمه، أو كلام نحو هذا.

وقال غيره: إنما أمسك لسانه واعتقله عقوبة لما سأل من الآية، هؤلاء كلهم يجعلون ذلك منه زلة منه، إلا أن الحسن قال: لم يعبه على ذلك، ولا عاقبه عليه، ولكن ذكر ذلك رحمة منه إليه، وغيره يجعل ذلك عقوبة لما كان منه.

وجائز أن يخرج ذلك على غير ما قالوا، وهو أن قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ أي: على أيّ حال يكون مني الولد، على الحال التي أنا عليها، أو أراد إلى شبابي، ففي تلك الحال يكون مني الولد، فذلك منه استخبار واستعلام عن الحال الذي يكون منه الولد، ليس على أنه لم يعرف أنه قادر على إنشاء الولد في حال الكبر، وبسبب وبلا سبب، وعلى ذلك يخرج قوله حيث قال كذلك: ﴿ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ﴾ ، أي: قبل أن نخلقك لم تك شيئاً.

وطلب الآية والعلامة بعدما بشر يخرج على وجهين: أحدهما: أنّه لما بشر بالولد لعله أشكل عليه بأن تلك بشارة ملك أو غيره، فطلب منه العلامة ليعرف أن تلك بشارة ملك، وأنها من الله أو غيره لأنه ذكر في الآية: ﴿ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ  ﴾ فطلب الآية يخرج منه على استعلام بشارة الملك، وأن ذلك من الله لا أنه لم يعرف قدرة الله أنه قادر على خلقه في كل حال، هذا لا يظن بأضعف مؤمن في الدنيا فكيف يظن بنبيّ من الأنبياء؟!

أو أن يكون طلب الآية منه ليعرف وقت حملها الولد، ووقت وقوعه في الرحم؛ ليسبق له السرور بحمله عن وقت الولادة، وعن وقت وقوع بصره عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ ، لأني أخلق بسبب، وبغير سبب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال، وأنت سَوِيٌّ صحيح.

وقال بعضهم: ﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ ، أي: ثلاثاً تامات بأيامها على ما قاله في آية أخرى: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً  ﴾ ذكر هاهنا ثلاث ليال وفي تلك الآية ثلاثة أيام والقصة واحدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .

قوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قيل: أومأ إليهم.

وقيل: كتب لهم على الأرض.

وجائز أن يكون أوحى إليهم بالشفتين على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً  ﴾ ، والرمز: هو تحريك الشفة والإيماء بها.

قال أبو عوسجة: عاقر وعقيم: المرأة التي لا تلد، وقوله: ﴿ عِتِيّاً ﴾ قال: هو أشد الكبر شيباً، أي: كبر الشيب.

والمحراب، قال: إن شئت قصراً وداراً، وقال القتبي: ﴿ عِتِيّاً ﴾ ، أي: يبساً، ويقال: عِتيّاً وعَتيا، بمعنى واحد، ويقال: ملك عاتٍ، إذا كان قاسي القلب غير لين، وسويّاً أي: سليماً.

وقوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قد ذكرنا أنه أومأ إليهم.

وقال بعضهم: كتب لهم على الأرض.

وقوله: ﴿ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَن سَبِّحُواْ ﴾ ، أي: صلوا لله بكرة وعشيّاً، فإن كان التسبيح هو الصلاة، ففيه أن الصلاة كانت في الأمم الماضية في ختام الليل.

ويحتمل التسبيح نفسه والثناء على الله، والدعاء له بالغدوات والعشيات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ .

قال بعضهم: خذ الكتاب بما قواك الله وأعانك.

وقال بعضهم: خذ الكتاب واصبر على العمل بما فيه.

وقال بعضهم: خذ الكتاب بقوة، أي: بجدّ.

قال أبو بكر الأصم: الجدّ: هو الانكماش في العمل، والقوة هي احتمال ما حمل عليه.

وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون بأن القوة تتقدم الفعل، ثم لا تبقى وقتين، فيكون على قولهم آخذاً بغير قوة، وقد أمره أن يأخذه بقوة، فقولهم على خلاف ما نطق به ظاهر الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ ٱلْحُكْمَ ﴾ ، أي: النبوة حال صباه.

وقال بعضهم: آتاه الله الفهم واللبّ.

وقال بعضهم: الحكمة والعلم.

فكيفما كان ففيه فساد مذهب المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله  لا يخص أحداً بنبوّة، ولا شيء من الخيرات إلا بعد أن يسبق من المختص له ما يستوجب ذلك الاختصاص، ويستحقه، فما الذي كان من يحيى في حال صباه وطفوليته ما يستوجب به النبوة، وما ذكر من الحكم أنه آتاه، فدلّ ذلك [أن] الاختصاص منه - يكون لمن كان - إفضالاً منه وإنعاماً ورحمة، لا باستحقاق من المختص له واستيجابه.

وفي قوله: ﴿ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ دلالة أنه كان نبيّاً حيث كان أخبر أنه آتاه الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ هو على قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ وآتيناه حناناً وزكاةً أيضاً.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ : قال ابن عباس: تعطفاً من لدنا.

وقال بعضهم: أي: رحمة من لدنا، وهو قول الحسن.

وقال بعضهم: الحنان: المحبة.

وقال أبو عوسجة: حنانك وحنانيك كلاهما يعني: رحمتك، وقال: أصله من التحنن، وهو الترحم.

وقال القتبي: أصله من حنين الناقة على ولدها.

وقوله: ﴿ وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: زكاة، أي: صدقة تصدق بها على زكريا وزوجته في الوقت الذي لا يرجو فيه مثلهما الولد.

وقال بعضهم: زكاة، أي: صلاحاً وما ينمو به من الخيرات.

وجائز أن يكون الزكاة اسم كل خير وبركة، وهو كالبر من التقوى، كأنه قال: أعطيناه كل بر وخير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ تَقِيّاً ﴾ عن جميع الشرور، كقوله: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ  ﴾ أي: تعاونوا على البرّ وتعاونوا أيضاً على دفع الشرور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ ﴾ هو على قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ ﴾ \[أي\]: وآتيناه البرّ بوالديه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾ .

بل كان خاضعاً لله ذليلاً مطيعاً.

وقال الحسن: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾ ، أي: لم يكن فيمن يجبر الناس على معصية الله.

وقال أهل التأويل: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً ﴾ أي: قتالاً، أي: لم يكن ممّن يقتل على الغضب ويضرب على الغضب.

وأصله ما ذكرنا: أنه كان - على ضدّ ما ذكر - خاضعاً لله، مطيعاً له، على ما ذكر أنه لم يرتكب ذنباً ولا هم به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً ﴾ .

يحتمل: (السلام عليه) الوجوه الثلاثة: أحدها: هو اسم كل برّ وخير، أي: عليه كل برّ وخير في هذه الأحوال التي ذكر.

والثاني: (السلام) هو الثناء، أثنى الله عليه في أوّل أمره إلى آخره، وبعد الموت في الآخرة، أو أن يكون قوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ ﴾ أي: السلامة عليه في هذه الأحوال التي يكون للشيطان في تلك الأحوال الاعتراض والنزغ فيها؛ لأنه وقت الولادة يعترض ويفسد الولد إن وجد السبيل إليه، وكذلك عند الموت يعترض ويسعى في إفساد أمره فأخبر أن يحيى كان سليماً سالماً عن نزغات الشيطان، محفوظاً عنه حتى لم يرتكب خطيئة، ولا همّ بها، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَمُوتُ ﴾ دلالة أن الموت والقتل سواء، وإن كان في الحقيقة مختلفاً؛ لأنه ذكر في القصة أن يحيى قتل، ثم ذكر الموت، فدل أنهما واحد، فهذا يرد على المعتزلة، حيث قالوا: إن المقتول ميت قبل أجله، وفيه أن قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ  ﴾ إنما نهانا أن نسميهم أمواتاً في جهة ليس في الجهات كلها، حيث سمى يحيى: ميتاً، وهو كان شهيداً على ما ذكر أنه قتل.

وفي قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ استدلال لأبي حنيفة - رحمه الله - حيث وقف في أولاد المسلمين والمشركين، فقال: لا علم لي بهم، ولم يقطع فيهم القول؛ لما يجوز أن يجعل الله لهم من المنزلة والتمييز والفهم في حال صغرهم حتى يعرفوا خالقهم ومنشئهم، على ما أعطى يحيى وعيسى في حال صباهما وصغرهما الحكم والفهم والمعرفة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأمسكي بجذع النخلة وهزيه تساقط عليك رطبًا طريًّا جُنيَ من ساعته.

من فوائد الآيات الصبر على القيام بالتكاليف الشرعية مطلوب.

علو منزلة بر الوالدين ومكانتها عند الله، فالله قرنه بشكره.

مع كمال قدرة الله في آياته الباهرة التي أظهرها لمريم، إلا أنه جعلها تعمل بالأسباب ليصلها ثمرة النخلة.

<div class="verse-tafsir" id="91.GZ3lN"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله