تفسير الآية ٣٢ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٣٢ من سورة مريم

وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًۭا شَقِيًّۭا ٣٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٢ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وبرا بوالدتي ) أي : وأمرني ببر والدتي ، ذكره بعد طاعة الله ربه ; لأن الله تعالى كثيرا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين ، كما قال تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) [ الإسراء : 23 ] وقال ( أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) [ لقمان : 14 ] .

وقوله : ( ولم يجعلني جبارا شقيا ) أي : ولم يجعلني جبارا مستكبرا عن عبادته وطاعته وبر والدتي ، فأشقى بذلك .

قال سفيان الثوري : الجبار الشقي : الذي يقبل على الغضب .

وقال بعض السلف : لا تجد أحدا عاقا لوالديه إلا وجدته جبارا شقيا ، ثم قرأ : ( وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ) ، قال : ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورا ، ثم قرأ : ( وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) [ النساء : 36 ] وقال قتادة : ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، في آيات سلطه الله عليهن ، وأذن له فيهن ، فقالت : طوبى للبطن الذي حملك وللثدي الذي أرضعت به ، فقال نبي الله عيسى ، عليه السلام ، يجيبها : طوبى لمن تلا كلام الله ، فاتبع ما فيه ولم يكن جبارا شقيا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: مخبرا عن قيل عيسى للقوم: وجعلني مباركا وبرًّا: أي جعلني برًّا بوالدتي.

والبرّ هو البارّ، يقال: هو برّ بوالده، وبارّ به، وبفتح الباء قرأت هذا الحرف قرّاء الأمصار.

ورُوِي عن أبي نهيك ما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن أبي نهيك أنه قرأ ( وَبَرًّا بِوَالِدَتِي ) من قول عيسى عليه السلام، قال أبو نهيك: أوصاني بالصلاة والزكاة والبرّ بالوالدين، كما أوصاني بذلك.

فكأنّ أبا نهيك وجه تأويل الكلام إلى قوله ( وَبَرًّا بِوَالِدَتِي ) هو من خبر عيسى، عن وصية الله إياه به، كما أن قوله ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ ) من خبره عن وصية الله إياه بذلك.

فعلى هذا القول يجب أن يكون نصب البرّ بمعنى عمل الوصية فيه، لأن الصلاة والزكاة وإن كانتا مخفوضتين في اللفظ، فإنهما بمعنى النصب من أجل أنه مفعول بهما.

وقوله ( وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ) يقول: ولم يجعلني مستكبرًا على الله فيما أمرني به، ونهاني عنه، شقيا، ولكن ذللني لطاعته، وجعلني متواضعا.

كما حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنه يعني عيسى، كان يقول: سلوني، فإن قلبي ليِّن، وإني صغير في نفسي مما أعطاه الله من التواضع.

وحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ) ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى، ويُبرئ الأكمه والأبرص ، في آيات سلطه الله عليهنّ، وأذن له فيهنّ، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعت به، فقال نبيّ الله ابن مريم يجيبها : طوبى لمن تلا كتاب الله، واتبع ما فيه ( وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد أبي رجاء، عن بعض أهل العلم، قال: لا تجد عاقا إلا وجدته جبارًا شقيا.

ثم قرأ ( وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ) قال: ولا تجد سيئ المِلْكة إلا وجدته مختالا فخورا، ثم قرأ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وبرا بوالدتي قال ابن عباس : لما قال وبرا بوالدتي ولم يقل بوالدي علم أنه شيء من جهة الله تعالى .ولم يجعلني جبارا أي متعظما متكبرا يقتل ويضرب على الغضب .

وقيل : الجبار الذي لا يرى لأحد عليه حقا قط .

شقيا أي خائبا من الخير .

ابن عباس : عاقا .

وقيل : عاصيا لربه .

وقيل : لم يجعلني تاركا لأمره فأشقى كما شقي إبليس لما ترك أمره .قال مالك بن أنس - رحمه الله تعالى - في هذه الآية : ما أشدها على أهل القدر !

أخبر عيسى - عليه السلام - بما قضي من أمره ، وبما هو كائن إلى أن يموت .

وقد روي في قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام عيسى أذعنوا وقالوا : إن هذا لأمر عظيم .

وروي أن عيسى - عليه السلام - إنما تكلم في طفولته بهذه الآية ، ثم عاد إلى حالة الأطفال ، حتى مشى على عادة البشر إلى أن بلغ مبلغ الصبيان فكان نطقه إظهار براءة أمه لا أنه كان ممن يعقل في تلك الحالة ، وهو كما ينطق الله تعالى الجوارح يوم القيامة .

ولم ينقل أنه دام نطقه ، ولا أنه كان يصلي وهو ابن يوم أو شهر ، ولو كان يدوم نطقه وتسبيحه ووعظه وصلاته في صغره من وقت الولادة لكان مثله مما لا ينكتم ، وهذا كله مما يدل على فساد القول الأول ، ويصرح بجهالة قائله .ويدل أيضا على أنه تكلم في المهد خلافا لليهود والنصارى .

والدليل على ذلك إجماع الفرق على أنها لم تحد .

وإنما صح براءتها من الزنا بكلامه في المهد .

ودلت هذه الآية على أن الصلاة والزكاة وبر الوالدين كان واجبا على الأمم السالفة ، والقرون الخالية الماضية ، فهو مما يثبت حكمه ولم ينسخ في شريعة أمره .

وكان عيسى - عليه السلام - في غاية التواضع ؛ يأكل الشجر ، ويلبس الشعر ، ويجلس على التراب ، ويأوي حيث جنه الليل ، لا مسكن له ، - صلى الله عليه وسلم - .الإشارة بمنزلة الكلام ، وتفهم ما يفهم القول .

كيف لا وقد أخبر الله تعالى عن مريم فقال : فأشارت إليه وفهم منها القوم مقصودها وغرضها فقالوا : كيف نكلم وقد مضى هذا في ( آل عمران ) مستوفى .قال الكوفيون : لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه .

وروي مثله عن الشعبي ، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وإنما يصح القذف عندهم بصريح الزنا دون معناه ، وهذا لا يصح من الأخرس ضرورة ، فلم يكن قاذفا ؛ بالإشارة بالزنا من الوطء الحلال والشبهة .

قالوا : واللعان عندنا شهادات ، وشهادة الأخرس لا تقبل بالإجماع .

قال ابن القصار : [ ص: 31 ] قولهم إن القذف لا يصح إلا بالتصريح ، فهو باطل بسائر الألسنة ما عدا العربية ، فكذلك إشارة الأخرس .

وما ذكروه من الإجماع في شهادة الأخرس فغلط .

وقد نص مالك أن شهادته مقبولة إذا فهمت إشارته ، وأنها تقوم مقام اللفظ بالشهادة ، وأما مع القدرة باللفظ فلا تقع منه إلا باللفظ .

قال ابن المنذر : والمخالفون يلزمون الأخرس الطلاق والبيوع وسائر الأحكام ، فينبغي أن يكون القذف مثل ذلك .

قال المهلب : وقد تكون الإشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من الكلام مثل قوله - عليه الصلاة والسلام - : بعثت أنا والساعة كهاتين نعرف قرب ما بينهما بمقدار زيادة الوسطى على السبابة .

وفي إجماع العقول على أن العيان أقوى من الخبر دليل على أن الإشارة قد تكون في بعض المواضع أقوى من الكلام .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ووصاني أيضا، أن أبر والدتي فأحسن إليها غاية الإحسان، وأقوم بما ينبغي له، لشرفها وفضلها، ولكونها والدة لها حق الولادة وتوابعها.

{ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا ْ} أي: متكبرا على الله، مترفعا على عباده { شَقِيًّا ْ} في دنياي أو أخراي، فلم يجعلني كذلك بل جعلني مطيعا له خاضعا خاشعا متذللا، متواضعا لعباد الله، سعيدا في الدنيا والآخرة، أنا ومن اتبعني.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وبرا بوالدتي ) أي وجعلني برا بوالدتي ، ( ولم يجعلني جبارا شقيا ) أي عاصيا لربه .

قيل : " الشقي " : الذي يذنب ولا يتوب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وبرا بوالدتي» منصوب بجعلني مقدرا «ولم يجعلني جبارا» متعاظما «شقيا» عاصيا لربه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجعلني بارًّا بوالدتي، ولم يجعلني متكبرًا ولا شقيًا، عاصيًا لربي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( وَبَرّاً بِوَالِدَتِي ) ، أى : وجعلنى كذلك مطيعاً والدتى ، وبارا بها ، ومحسنا إليها ، ( وَلَمْ يَجْعَلْنِي ) سبحانه - فضلاً منه وكرماً ( جَبَّاراً شَقِيّاً ) أى : ولم يجعلنى مغرروا متكبراً مرتكباً للمعاصى والموبقات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أنها كيف أتت بالولد على أقوال: الأول: ما روي عن وهب قال: أنساها كرب الولادة وما سمعته من الناس ما كان من كلام الملائكة من البشارة بعيسى عليه السلام فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته وأقبلت به إلى قومها.

الثاني: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف انتهى بمريم إلى غار فأدخلها فيه أربعين يوماً حتى طهرت من النفاس ثم أتت به قومها تحمله فكلمها عيسى في الطريق، فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه.

وهذان الوجهان محتملان وليس في القرآن ما يدل على التعيين.

المسألة الثانية: الفريء، البديع وهو من فري الجلد يروى أنهم لما رأوها ومعها عيسى عليه السلام قالوا لها: ﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ فيحتمل أن يكون المراد شيئاً عجيباً خارجاً عن العادة من غير تعيير وذم ويحتمل أن يكون مرادهم شيئاً عظيماً منكراً فيكون ذلك منهم على وجه الذم وهذا أظهر لقولهم بعده: ﴿ ياأخت هارون مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً ﴾ لأن هذا القول ظاهره التوبيخ وأما هرون ففيه أربعة أقوال: الأول: أنه رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح، والمراد أنك كنت في الزهد كهرون فكيف صرت هكذا، وهو قول قتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة ذكر أن هرون الصالح تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمون هرون تبركاً به وباسمه.

الثاني: أنه أخو موسى عليه السلام وعن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنوا هرون النبي وكانت من أعقابه وإنما قيل أخت هرون كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم.

والثالث: كان رجلاً معلناً بالفسق فنسبت إليه بمعنى التشبيه لا بمعنى النسبة.

الرابع: كان لها أخ يسمى هرون من صلحاء بني إسرائيل فعيرت به، وهذا هو الأقرب لوجهين: الأول: أن الأصل في الكلام الحقيقة وإنما يكون ظاهر الآية محمولاً على حقيقتها لو كان لها أخ مسمى بهرون.

الثاني: أنها أضيفت إليه ووصف أبواها بالصلاح وحينئذ يصير التوبيخ أشد لأن من كان حال أبويه وأخيه هذه الحالة يكون صدور الذنب عنه أفحش.

المسألة الثالثة: القراءة المشهورة: ﴿ مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء ﴾ وقرأ عمرو بن رجاء التميمي: ﴿ ما كان أباك امرأ سوء ﴾ .

المسألة الرابعة: أنهم لما بالغوا في توبيخها سكتت وأشارت إليه أي إلى عيسى عليه السلام أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه وعن السدي لما أشارت إليه غضبوا غضباً شديداً وقالوا: لسخريتها بنا أشد من زناها، روي أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته، وقيل: كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان.

وقيل إن زكرياء عليه السلام أتاها عند مناظرة اليهود إياها، فقال لعيسى عليه السلام انطق بحجتك إن كنت أمرت بها فقال عيسى عليه السلام عند ذلك: ﴿ إِنّي عَبْدُ الله  ﴾ فإن قيل كيف عرفت مريم من حال عيسى عليه السلام أنه يتكلم؟

قلنا: إن جبريل عليه السلام أو عيسى عليه السلام ناداها من تحتها أن لا تحزني وأمرها عند رؤية الناس بالسكوت، فصار ذلك كالتنبيه لها على أن المجيب هو عيسى عليه السلام أو لعلها عرفت ذلك بالوحي إلى زكرياء أو لعلها عرفت بالوحي إليها على سبيل الكرامة، بقي هاهنا بحثان: البحث الأول: قوله: ﴿ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً ﴾ أي حصل في المهد فكان هاهنا بمعنى حصل ووجد وهذا هو الأقرب في تأويل هذا اللفظ، وإن كان الناس قد ذكروا وجوهاً أخر.

البحث الثاني: اختلفوا في المهد فقيل هو حجرها لما روى أنها أخذته في خرقة فأتت به قومها فلما رأوها قالوا لها ما قالوا فأشارت إليه وهو في حجرها ولم يكن لها منزل معد حتى يعد لها المهد أو المعنى: كيف نكلم صبياً سبيله أن ينام في المهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ﴾ أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه.

وقيل: كان المستنطق لعيسى زكريا عليه السلام.

وعن السدي: لما أَشارت إليه غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا أشدّ علينا من زناها.

وروي أنه كان يرضع، فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره وأشار بسبابته.

وقيل: كلمهم بذلك، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان ﴿ كَانَ ﴾ لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده، وهو هاهنا لقريبه خاصة، والدال عليه مبنى الكلام، وأنه مسوق للتعجب.

ووجه آخر: أن يكون ﴿ نُكَلّمُ ﴾ حكاية حال ماضية، أي: كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس صبياً في المهد فيما سلف من الزمان حتى نكلم هذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأشارَتْ إلَيْهِ ﴾ إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ كَلِّمُوهُ لِيُجِيبَكم.

﴿ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا ﴾ ولَمْ نَعْهَدْ صَبِيًّا في المَهْدِ كَلَّمَهُ عاقِلٌ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ والظَّرْفُ صِلَةُ مَن، و ( صَبِيًّا ) حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ فِيهِ أوْ تامَّةٌ أوْ دائِمَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ أوْ بِمَعْنى صارَ.

﴿ قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ أوَّلًا لِأنَّهُ أوَّلُ المَقاماتِ والرَّدُّ عَلى مَن يَزْعُمُ رُبُوبِيَّتَهُ.

﴿ آتانِيَ الكِتابَ ﴾ الإنْجِيلَ.

﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَبَرّاً بِوَالِدَتِى} عطفاً على مباركاً أي باراً بها أكرمها وأعظمها {وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً} متكبراً {شقيا} عاقا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وبَرًّا بِوالِدَتِي ﴾ عَطْفٌ عَلى ( مُبارَكًا ) عَلى ما قالَ الحُوفِيُّ وأبُو البَقاءِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِلْفَصْلِ وبِالجُمْلَةِ ومُتَعَلِّقِها اخْتارَ إضْمارَ فِعْلٍ أيْ وجَعَلَنِي بارًّا بِها، قِيلَ هَذا كالصَّرِيحِ في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا والِدَ لَهُ فَهو أظْهَرُ الجُمَلِ في الإشارَةِ إلى بَراءَتِها عَلَيْها السَّلامُ.

وقُرِئَ ( بِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ، ووَجْهُ نَصْبِهِ نَحْوُ ما مَرَّ في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ، وجَعْلُ ذاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرًّا مِن بابٍ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ بِفِعْلٍ في مَعْنى (أوْصانِي) أيْ وألْزَمَنِي أوْ وكَلَّفَنِي بَرًّا فَهو مِن بابِ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا، وأقْرَبُ مِنهُ عَلى ما في الكَشْفِ لِأنَّهُ مِثْلُ زَيْدًا مَرَرْتُ بِهِ في التَّناسُبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن بابِهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ (بِالصَّلاةِ) كَما قِيلَ في قِراءَةِ (أرْجُلَكُمْ) بِالنَّصْبِ، وقِيلَ إنَّ أوْصى قَدْ يَتَعَدّى لِلْمَفْعُولِ الثّانِي بِنَفْسِهِ كَما وقَعَ في البُخارِيِّ أوْصَيْناكَ دِينًا واحِدًا، والظّاهِرُ أنَّ الفِعْلَ في مِثْلِ ذَلِكَ مُضَمَّنٌ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وحَكى الزَّهْراوِيُّ، وأبُو البَقاءِ أنَّهُ قُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى الصَّلاةِ والزَّكاةِ قَوْلًا واحِدًا، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ ﴿ ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا ﴾ أيْ: لَمْ يَقْضِ عَلَيَّ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: سَلُونِي فَإنِّي لَيِّنُ القَلْبِ صَغِيرٌ في نَفْسِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَحَمَلَتْهُ، يعني: حملت مريم بعيسى  .

وقال وهب بن منبه: إن مريم حملت بعيسى  تسعة أشهر، وقال بعضهم: ثمانية أشهر، فتلك آية، لأنه لا يعيش مولود في ثمانية أشهر.

وروي في بعض الروايات، عن ابن عباس أنه قال: «ما هي إلا أن حملت ثم وضعت» ، وقال مقاتل: حملت في ساعة ووضعت في ساعة.

فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ، يعني: انفردت بولادتها مكاناً بعيداً.

قال القتبي: القصيُّ أشد بعداً من القاصي.

ثم قال: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ، يعني: جاء بها وألجأها المخاض، يعني: الطلق بولادة عيسى  إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ، أي: أصل النخلة قال ابن عباس: النخلة اليابسة في شدة الشتا، يعني: الطلق.

قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا، يعني: شيئاً متروكاً لم أذكر، ويقال للشيء الحقير الذي إذا ألقي ينسى نسيٌ.

وقال قتادة: يعني، لا أعرف ولا أدري من أنا.

وقال عكرمة: يعني: جيفة ملقاة، وهكذا قال الضحاك.

وقال ربيعة بن أنس: يعني سقطاً.

قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص نَسْياً بنصب النون والباقون نَسِيّاً بكسر النون، قال أبو عبيد: وبالكسر نقرؤها، لأنها كانت أكثر في لغة العرب وأفشاها، وعليها أهل الحرمين والبصرة.

ثم قال عز وجل: فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ حمزة والكسائي ونافع وعاصم في رواية حفص مِنْ تَحْتِها بكسر الميم، يعني: الملك، وهكذا قرأ مجاهد والحسن، وقرأ الباقون مِنْ تَحْتِها بالنصب يعني به عيسى  وقال أبو عبيد: بالأولى نقرأ يعني: بالكسر، لأن قراءتها أكثر والمعنى فيها أعمّ، لأنه إذا قال: مِنْ تَحْتِها بالكسر فقد احتمل أن يكون الملك، ويكون عيسى.

وإذا قرأ مِنْ تَحْتِها فإنما هو عيسى خاصة.

أَلَّا تَحْزَنِي بولادة عيسى ومكان الحدث، قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا يعني: نهراً صغيراً بحبال ويقال: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، أي بيتاً، فذكر هذا القول عند ابن حميد فأنكره وقال: هو الجدول.

ألا ترى أنه قال: فَكُلِي وَاشْرَبِي.

قال مجاهد: السريّ بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: بالنبطية.

ثم قال عز وجل: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول: حركي أصل النخلة تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا، يعني: غضاً طرياً.

قرأ حمزة تُساقِطْ بنصب التاء وتخفيف السين، وأصله تتساقط إلا أنه حذفت منه إحدى التاءين للتخفيف وهذا كقوله: لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ [النساء: 42] وأصله تتسوى، وكقوله تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [البقرة: 85] ، وكقوله وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: 25] وقرأ عاصم في رواية حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف يعني: أن النخلة تساقط عليك، وقرأ الباقون بنصب التاء وتشديد السين ونصب القاف، لأن التشديد أقيم مقام التاء التي حذفت.

وروي عن البراء بن عازب أنه كان يقرأ يُسَاقِط بالياء يعني: أن الجذع يساقط عليك، وقرأ بعضهم: نُسَاقِطُ بالنون ومعناه: ونحن نساقط عليك، وروي أنها كانت نخلة بلا رأس، وكان ذلك في الشتاء، فجعل الله عز وجل لها رأساً، وأنبت فيها رطبا، فذلك قوله عز وجل: تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً أي غضاً طرياً.

قيل لها: فَكُلِي من الرطب، وَاشْرَبِي من النهر، وَقَرِّي عَيْناً يعني: طيبي نفساً بولادة عيسى  .

وقال الربيع بن خيثم: «ما للنفساء عندي دواء إلا الرطب، ولا للمريض إلا العسل» .

ثم قال عز وجل: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً، يعني: إن رأيت أحداً من الناس، فَقُولِي إن سألك سائل شيئاً فقولي: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً، يعني: صمتاً.

وروي عن ابن عباس في بعض الروايات أنه كان يقرأ إِنّى نَذَرْتُ للرّحمن صمتا.

فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يعني: قولي ذلك بالإشارة لا بالقول، وكان المتقدمون يصومون من الكلام كما يصومون من الطعام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَكُنْتُ نَسْياً أيْ: شَيْئاً مَتْرُوكاً محتقراً، والنَّسِيُّ في كلام العرب الشيءُ الحقير الذي شأنه أَن يُنْسَى، فلا يُتَأَلَّمُ لفقده كالوتد، والحبل للمسافر، ونحوه.

وهذه القصةُ تقتضي أَنها حملت واستمرَّت حامِلاً على عُرْف البشر، واستحْيَتْ من ذلك ومرّت بسببه، وهي حاملٌ، وهو قولُ جمهور المتأوِّلين.

وروى عن ابن عباسٍ أَنه قال: ليس إلا أَن حملت، فوضعت في ساعةٍ واحدة والله أعلم «١» .

وظاهر قوله: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ أنها كانت على عرف النساء.

فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)

وقولُهُ سبحانه: فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ ابنُ كَثِير، وأبو عَمْرو، وابن عامرٍ، وعَاصِمٌ «٢» : «فناداها مَنْ تحتها» على أَن «مَنْ» فاعل بنادى، والمراد بِ «مَنْ» عيسى قاله مجاهدٌ، والحسنُ، وابن جبير، وأبي بن كعب «٣» .

وقال ابن عباس: المراد ب «مَنْ» جِبْرِيلُ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها «١» .

والقول الأولُ أَظهر وأبْيَنُ، وبه يتبيّن عُذْر مريم، ولا تبقى بها استرابة.

وقرأ نافعٌ، وحمزةُ، والكِسَائِيُّ، وحَفْصٌ عن عَاصِمٍ: «مِنْ تَحْتِهَا» بكسر الميم، واختلفوا أَيضاً فقالت فرقةٌ: المرادُ عيسى، وقالت فِرْقَةٌ: المراد جِبْرِيلُ المحاور لها قَبْلُ.

قالوا: وكان في بُقْعة أَخفضَ من البُقْعة الَّتي كانت هي عليها والأَول أَظهَرُ.

وقرأ ابنُ عباس «٢» : «فَنَادَاهَا مَلَكٌ مِن تَحْتِهَا» .

والسَّرِيُّ: من الرجال العظيمُ السيّد، والسري: أَيضاً الجدولُ مِنَ الماء وبحسَبِ هذا اختلف النّاسُ في هذه الآية.

فقال قتادةُ، وابنُ زيدٍ: أَراد جعل تحتك عَظِيماً من الرجال، له شأنٌ «٣» .

وقال الجمهورُ: أَشار لها إلى الجَدْول، ثم أَمرها بهز الجِذْع اليابِس لترى آيَةً أُخْرى.

وقالت فرقةٌ: بل كانت النخْلة مطعمة رطباً، وقال السُّدِّيُّ: كان الجِذْع مقطوعاً، وأجري تحتها النهر لحينه «٤» .

قال ع «٥» : والظاهر من الآية: أَن عيسى هو المكلِّم لها، وأَن الجِذْع كان يَابِساً فهي آيات تسليها، وتسكن إليها.

قال ص: قوله: وَهُزِّي إِلَيْكِ تقرر في عِلْم النحو أَن الفِعْل لا يتعدَّى إلى ضمير مُتّصلٍ، وقد رفع المتصل، وهما لمدلول واحد، وإذا «٦» تقرر هذا ف «إِليك» لا يتعلق ب «هُزِّي» ، ولكن يمكن أَن يكون «إلَيْك» حالاً من جِذْع النخلة فيتعلَّق بمحذْوفٍ أَيْ: هزي بجذْع النخلة مُنْتهياً إليك.

انتهى.

والباء في قوله: بِجِذْعِ: زائدة مؤكّدة، وجَنِيًّا: معناه: قد طابت/ وصلحت ٣ أللاجتناء، وهو من جَنَيْتُ الثمرةَ.

وقال عَمْرُو بْنُ مَيْمُون «١» : ليس شيءٌ للنُّفَسَاءِ خيراً من التَّمر، والرُّطَب.

وقرةُ العَيْن مأْخُوذةَ من القُرِّ وذلك، أَنَّهُ يحكى: أَن دمعَ الفرح باردُ المسِّ، ودمعَ الحُزْن سخن المس «٢» ، وقِيلَ: غير هذا.

قال ص: وَقَرِّي عَيْناً أَيْ: طِيبي نفساً.

أَبو البَقَاءِ: «عيناً» تمييز.

اهـ.

وقوله سبحانه: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً ...

الآية، المعنى: أن الله عز وجل أمرها على لسان جِبْرِيلَ عليه السلام أو ابنها على الخلاف المتقدم: بأن تُمْسك عن مخاطبة البشر، وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها، وتبين الآية فيقوم عذرها.

وظاهر الآية: أَنها أُبِيح لها أن تقولَ مضمن هذه الألفاظ الّتي في الآية وهو قول الجمهور.

وقالت فرقة: معنى فَقُولِي بالإشارة، لا بالكلام.

قال ص: وقولُه: فَقُولِي جوابُ الشرط، وبينهما جملةٌ محذوفةٌ يدل عليها المعنى أيْ فَإمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحداً، وسألك أو حاورك الكلام، فقولي.

انتهى.

وصَوْماً معناه عن الكلام إذ أَصلُ الصوم الإمساكُ.

وقرأَتْ فرقةٌ: «إني نَذَرْتُ للرحمن صَمْتاً» ولا يجوز في شَرْعِنا نذرُ الصمتِ فروي:

أَن مريم عليها السلام لمَّا اطمأنَّت بما رأت مِنَ الآياتِ، وعلمت أَن الله تعالى سيبيِّنُ عذرَها، أَتَتْ به تحمله مدلة من المكان القَصِيّ الذي كانت مُنْتبذةً به، والفَرِيُّ: العظيمُ الشَّنِيعُ قاله مجاهد «٣» ، والسُّدِّيُّ، وأكثرُ استعماله في السوء.

واختلف في معنى قوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ، فقيل: كان لها أَخٌ اسمه هارون لأَن هذا الاِسْم كان كَثِيراً في بني إسْرَائِيل.

ورَوَى المغيرةُ بن شُعْبة: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم أَرسله إلى أَهْلِ نَجْرَانَ في أمْرٍ من الأُمُور، فقالتْ له النصارى: إن صَاحِبَك يزعم أَنَّ مريمَ هي أُخْت هارون، وبينهما في المدّةِ ستُّ مائةِ سنة.

قال المغيرةُ: فلم أَدر ما أقول، فلما قَدِمْتُ على النبيّ صلى الله عليه وسلّم ذكرتُ ذلك له، فقال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياءِ والصّالحين «١» .

قال ع «٢» : فالمعنى أَنه اسم وافق اسما.

وقيل: نسبُوها إلى هَارُون أَخِي مُوسَى لأَنها مِنْ نَسْله ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم: «إن أَخَا صُدَاءٍ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ، فَهُوَ يقيم» «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ يَعْنِي: عِيسى.

وَفِي كَيْفِيَّةِ حَمْلِها لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ جِبْرِيلَ نَفَخَ في جَيْبِ دَرْعِها، فاسْتَمَرَّ بِها حَمْلُها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ السُّدِّيُّ: نَفَخَ في جَيْبِ دَرْعِها وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ في صَدْرِها فَحَمَلَتْ مِن وقْتِها.

والثّانِي: الَّذِي خاطَبَها هو الَّذِي حَمَلَتْهُ، ودَخَلَ مِن فِيها، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

وَفِي مِقْدارِ حَمْلِها سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والمَعْنى: أنَّهُ ما طالَ حَمْلُها، ولَيْسَ المُرادُ أنَّها وضَعَتْهُ في الحالِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ ﴾ ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَيْنَ الحَمْلِ والوَضْعِ وقْتًا يَحْتَمِلُ الِانْتِباذَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّها حَمَلَتْهُ تِسْعَ ساعاتٍ ووَضَعَتْ مِن يَوْمِها، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: ثَلاثُ ساعاتٍ، حَمَلَتْهُ في ساعَةٍ، وصُوِّرَ في ساعَةٍ، ووَضَعَتْهُ في ساعَةٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

والخامِسُ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، فَعاشَ، ولَمْ يَعِشْ مَوْلُودٌ قَطُّ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ، فَكانَ في هَذا آَيَةً، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

والسّادِسُ: في سِتَّةِ أشْهُرٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والسّابِعُ: في ساعَةٍ واحِدَةٍ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْتَبَذَتْ بِهِ ﴾ يَعْنِي: بِالحَمْلِ، ﴿ مَكانًا قَصِيًّا ﴾ ؛ أيْ: بَعِيدًا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( قاصِيًا ) .

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَشَتْ سِتَّةَ أمْيالٍ.

قالَ الفَرّاءُ: القَصِيُّ والقاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقالَ غَيْرُ الفَرّاءِ: القَصِيُّ والقاصِي بِمَنزِلَةِ الشَّهِيدِ والشّاهِدِ.

وإنَّما بَعُدَتْ فِرارًا مِن قَوْمِها أنْ يُعَيِّرُوها بِوِلادَتِها مِن غَيْرِ زَوْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأجاءَها المَخاضُ ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( المِخاضُ ) بِكَسْرِ المِيمِ.

قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَجاءَ بِها المَخاضُ، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الباءُ، جُعِلَتْ في الفِعْلِ ألِفًا، ومِثْلُهُ: ﴿ آتِنا غَداءَنا  ﴾ ؛ أيْ: بِغَدائِنا، ومِثْلُهُ: ﴿ آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ  ﴾ ؛ أيْ: بِزُبَرِ الحَدِيدِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أفْعَلُها مِن جاءَتْ هِيَ، وأجاءَها غَيْرُها.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: جاءَ بِها وألْجَأها، وهو مِن حَيْثُ يُقالَ: جاءَتْ بِيَ الحاجَةُ إلَيْكَ، وأجاءَتْنِي الحاجَةُ إلَيْكَ.

والمَخاضُ: الحَمْلُ.

وقالَ غَيْرُهُ: المَخاضُ: وجَعُ الوِلادَةِ.

﴿ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ وهو ساقُ النَّخْلَةِ، وكانَتْ نَخْلَةً يابِسَةً في الصَّحْراءِ، لَيْسَ لَها رَأْسٌ ولا سَعَفٌ.

﴿ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا ﴾ اليَوْمِ أوْ هَذا الأمْرِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ: ( مِتُّ ) بِكَسْرِ المِيمِ.

وَفِي سَبَبِ قَوْلِها هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها قالَتْهُ حَياءً مِنَ النّاسِ.

والثّانِي: لِئَلّا يَأْثَمُوا بِقَذْفِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ النُّونِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( نَسْيًا ) بِفَتْحِ النُّونِ.

قالَ الفَرّاءُ: وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَؤُونَ: ( نَسْيًا ) بِفَتْحِ النُّونِ، وسائِرُ العَرَبِ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ، مِثْلُ: الجِسْرِ والجَسْرِ، والوِتْرِ والوَتْرُ، والفَتْحُ أحَبُّ إلَيَّ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الكَسْرُ عَلى اللُّغَتَيْنِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن كَسَرَ النُّونَ قالَ: النَّسْيُ: اسْمٌ لِما يُنْسى، بِمَنزِلَةِ البُغْضِ اسْمٌ لِما يُبْغَضُ، والسَّبُّ اسْمٌ لِما يُسَبُّ، والنَّسْيُ بِفَتْحِ النُّونِ: اسْمٌ لِما يُنْسى أيْضًا، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ نابَ عَنِ الِاسْمِ، كَما يُقالَ: الرَّجُلُ دَنِفٌ ودَنَفٌ، فالمَكْسُورُ هو الوَصْفُ الصَّحِيحُ، والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ سَدَّ مَسَدَّ الوَصْفِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ النَّسْيُ والنِّسْيُ اسْمَيْنِ لِمَعْنًى، كَما يُقالَ: الرِّطْلُ والرَّطْلُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يا لَيْتَنِي لَمْ أكُنْ شَيْئًا، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: ﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ ؛ أيْ: دَمُ حَيْضَةٍ مُلْقاةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ.

قالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ: ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خَرْقِ اعْتِلالِها.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي خِرَقُ الحَيْضِ تُلْقِيها المَرْأةُ، فَلا تَطْلُبُها ولا تَذْكُرُها.

والثّالِثُ: [ أنَّهُ مِنَ ] السَّقْطِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: يا لَيْتَنِي لا يُدْرى مَن أنا، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ الشَّيْءُ التّافِهُ يَرْتَحِلُ عَنْهُ القَوْمُ، فَيَهُونُ عَلَيْهِمْ فَلا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: النَّسْيُ والمَنسِيُّ: ما يُنْسى مِن إداوَةٍ وعَصًا، يَعْنِي: أنَّهُ يُنْسى في المَنزِلِ، فَلا يَرْجِعُ إلَيْهِ لِاحْتِقارِ صاحِبِهِ إيّاهُ.

وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْنى الآَيَةِ: لَيْتَنِي كُنْتُ ما إذا ذُكِرَ لَمْ يُطْلَبْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَناداها مِن تَحْتِها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن تَحْتِها ) بِفَتْحِ المِيمِ والتّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن تَحْتِها ) بِكَسْرِ المِيمِ والتّاءِ.

فَمَن قَرَأ بِكَسْرِ المِيمِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ناداها المَلِكُ مِن تَحْتِ النَّخْلَةِ.

وقِيلَ: كانَتْ عَلى نَشَزٍ، فَناداها المَلِكُ أسْفَلَ مِنها.

والثّانِي: ناداها عِيسى لَمّا خَرَجَ مِن بَطْنِها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما رَفَعْتَ إلَيْهِ طَرَفَكَ فَهو فَوْقَكَ، وكُلُّ ما خَفَضْتَ إلَيْهِ طَرْفَكَ فَهو تَحْتَكَ.

ومَن قَرَأ بِفَتْحِ المِيمِ فَفِيهِ الوَجْهانِ المَذْكُورانِ.

وكانَ الفَرّاءُ يَقُولُ: ما خاطَبَها إلّا المَلِكُ عَلى القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيُّونَ، قالَ أبُو صالِحٍ وابْنُ جُرَيْجٍ: هو الجَدْوَلُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.

والثّانِي: أنَّهُ عِيسى، كانَ سَرِيًّا مِنَ الرِّجالِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، [ وابْنُ زَيْدٍ ] .

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ رَجَعَ الحَسَنُ عَنْ هَذا القَوْلِ إلى القَوْلِ الأوَّلِ، ولَوْ كانَ وصْفًا لِعِيسى، كانَ غُلامًا سَرِيًّا أوْ سَوِيًّا مِنَ الغِلْمانِ، وقَلَّما تَقُولُ العَرَبُ: رَأيْتُ عِنْدَكَ نَبِيلًا، حَتّى يَقُولُوا: رَجُلًا نَبِيلًا.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ناسَبَ تَسْلِيَتَها أنْ قِيلَ: لا تَحْزَنِي، فَهَذا نَهْرٌ يَجْرِي ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها حَزِنَتْ لِجَدْبِ مَكانِها الَّذِي وُلِدَتْ فِيهِ، وعَدَمِ الطَّعامِ والشَّرابِ، والماءِ الَّذِي تَتَطَهَّرُ بِهِ، فَقِيلَ: لا تَحْزَنِي قَدْ أجْرَيْنا لَكَ نَهَرًا، وأطْلَعْنا لَكِ رُطَبًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها حَزِنَتْ لِما جَرى عَلَيْها مِن وِلادَةِ ولَدٍ عَنْ غَيْرِ زَوْجٍ، فَأجْرى اللَّهُ تَعالى لَها نَهْرًا، فَجاءَها مِنَ الأُرْدُنِ، وأخْرَجَ لَها الرُّطَبَ مِنَ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ، فَكانَ ذَلِكَ آَيَةً تَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إيجادِ عِيسى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ ﴾ الهَزُّ: التَّحْرِيكُ.

والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ  ﴾ ، قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: فَلْيَمْدُدْ سَبَبًا.

والعَرَبُ تَقُولُ: هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، وخُذِ الخِطامَ وخُذْ بِالخِطامِ، وتَعَلَّقَ زَيْدًا وتَعَلَّقَ بِهِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي مُؤَكَّدَةٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ والثّانِي: أنَّها دَخَلَتْ عَلى الجِذْعِ لِتُلْصِقَهُ بِالهَزِّ، فَهي مُفِيدَةٌ لِلْإلْصاقِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُساقِطْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والسَّكّائِي، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَسّاقَطْ ) بِالتّاءِ مُشَدَّدَةَ السِّينِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وعَبْدُ الوارِثِ: ( تَساقَطْ ) بِالتّاءِ مَفْتُوحَةً مُخَفَّفَةَ السِّينِ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تُساقِطْ ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ مُخَفَّفَةَ السِّينِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ وأبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ: ( يَسّاقَطُ ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً وتَشْدِيدِ السِّينِ وفَتْحِ القافِ، فَهَذِهِ القِراءاتُ المَشاهِيرُ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو حَيْوَةَ: ( تَسْقُطُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ السِّينِ ورَفْعِ القافِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعائِشَةُ، والحَسَنُ: ( يُساقِطْ ) بِألِفٍ وتَخْفِيفِ السِّينِ ورَفْعِ الياءِ وكَسْرِ القافِ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ( يُسْقِطْ ) بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ القافِ مَعَ سُكُونِ السِّينِ وعَدَمِ الألِفِ.

وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ مِثَلَهُ، إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ وابْنُ يَعْمُرَ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ بِالنُّونِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( يَسْقُطْ ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً مَعَ سُكُونِ السِّينِ ورَفْعِ القافِ.

وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ العَدَوِيُّ وابْنُ حِزامٍ: ( تَتَساقَطُ ) بِتاءَيْنِ مَفْتُوحَيْنِ وبِألِفٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( يَسّاقَطْ )، فالمَعْنى: يَتَساقَطْ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ.

ومَن قَرَأُ: ( تَسّاقَطْ ) فَكَذَلِكَ أيْضًا، وأنَّثَ لِأنَّ لَفْظَ النَّخْلَةِ يُؤَنَّثُ.

ومَن قَرَأ: ( تَساقَطْ ) بِالتّاءِ والتَّخْفِيفِ، فَإنَّهُ حَذَفَ مِن ( تَتَساقَطُ ) اجْتِماعَ التّاءَيْنِ.

ومَن قَرَأ: ( يَسّاقَطْ ) ذَهَبَ إلى مَعْنى: يَسّاقَطِ الجِذْعُ عَلَيْكَ.

ومَن قَرَأ: ( نُساقِطْ ) بِالنُّونِ، فالمَعْنى: نَحْنُ نُساقِطْ عَلَيْكَ، فَنَجْعَلُهُ لَكَ آَيَةً.

والنَّحْوِيُّونَ يَقُولُونُ: إنَّ ﴿ رُطَبًا ﴾ مَنصُوبُ عَلى التَّمْيِيزِ إذا قُلْتَ: يَسّاقَطْ أوْ يَتَساقَطْ، المَعْنى: يَتَساقَطُ الجَزَعُ رُطَبًا.

وإذا قُلْتَ: تَسّاقَطْ بِالتّاءِ، فالمَعْنى: تَتَساقَطُ النَّخْلَةُ رُطَبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنِيًّا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ: المُجْتَنى.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو الطَّرِيُّ، والأصْلُ: مُجْنُو، صُرِفَ مِن مَفْعُولٍ إلى فَعِيلٍ، كَما يُقالَ: قَدِيدٌ وطَبِيخٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: هو الطَّرِيُّ بِغُبارِهِ.

ولَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ النَّخْلَةِ رَأْسٌ، فَأنْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا وضَعَتْ يَدَها عَلَيْها، سَقَطَ الرُّطَبُ رَطْبًا.

وكانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ لِلنُّفَساءِ الرُّطَبَ مِن أجْلِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلِي ﴾ ؛ أيْ: مِنَ الرُّطَبِ، ﴿ واشْرَبِي ﴾ مِنَ النَّهْرِ، ﴿ وَقَرِّي عَيْنًا ﴾ بِوِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالَ: قَرِرَتْ بِهِ عَيْنًا أقَرَّ، بِفَتْحِ القافِ في المُسْتَقْبَلِ، وقَرَّرَتْ في المَكانِ أقَرَّ، بِكَسْرِ القافِ، " وعَيْنًا " مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ﴿ وَقَرِّي عَيْنًا ﴾ : ولِتَبْرَدْ دَمْعَتُكِ؛ لِأنَّ دَمْعَةَ الفَرَحِ بارِدَةٌ ودَمْعَةُ الحُزْنِ حارَّةٌ.

واشْتِقاقُ " قَرِّي " مِنَ القُرُورِ، وهو الماءُ البارِدُ.

وقالَ لَنا أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: تَفْسِيرُ " قَرِّي عَيْنًا ": بَلَغْتَ غايَةَ أمَلِكَ حَتّى تَقَرَّ عَيْنُكَ مِنَ الِاسْتِشْرافِ إلى غَيْرِهِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ عَمْرٍو بْنِ كُلْثُومٍ: بِيَوْمِ كَرِيهَةٍ ضَرْبًا وطَعْنًا ∗∗∗ أقَرَّ بِهِ مَوالِيكِ العَيُونا أيْ: ظَفِرُوا وبَلَغُوا مُنْتَهى أُمْنِيَّتِهِمْ، فَقَرَّتْ عَيْنُهم مِن تَطَلُّعٍ إلى غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا تَرَيِنَّ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( تَرَئِنَّ ) بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ؛ أيْ: إنْ رَأيْتِ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي، وفِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَألَكَ عَنْ أمْرِ ولَدَكِ.

﴿ فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: صَمْتًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والضَّحّاكُ، وكَذَلِكَ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ: ( صَمْتًا ) مَكانَ قَوْلِهِ: " صَوْمًا " .

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ( صِيامًا ) .

والثّانِي: صَوْمًا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ والكَلامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ المُجْتَهِدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَصُومُ عَنِ الكَلامِ كَما يَصُومُ عَنِ الطَّعامِ، إلّا مِن ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ السُّدِّيُّ: فَأذِنَ لَها أنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذا القَدْرِ ثُمَّ تَسْكُتُ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أُمِرَتْ بِالصَّمْتِ؛ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ لَها حُجَّةٌ عِنْدَ النّاسِ، فَأمَرَتْ بِالكَفِّ عَنِ الكَلامِ لِيَكْفِيَها الكَلامَ ولَدُها مِمّا يُبَرِّئُ بِها ساحَتَها.

وقِيلَ: كانَتْ تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ ولا تُكَلِّمُ الإنْسَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الصَّوْمُ في لُغَةِ العَرَبِ عَلى أرْبَعَةِ مَعانٍ، يُقالَ: صَوْمٌ لِتَرْكِ الطَّعامِ والشَّرابِ، وصَوْمٌ لِلصَّمْتِ، وصَوْمٌ لِضَرْبٍ مِنَ الشَّجَرِ، وصَوْمٌ لِذَرْقِ النَّعامِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مِقْدارِ سِنِّ مَرْيَمَ يَوْمَ وِلادَتِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها ولَدَتْ وهي بِنْتُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّانِي: بِنْتُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والثّالِثُ: بَنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴾ ﴿ يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴾ رُوِيَ أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَلامُ لَمّا اطْمَأنَّتْ بِما رَأتْ مِنَ الآيَةِ، وعَلِمَتْ أنَّ اللهَ تَعالى سَيُبَيِّنُ عُذْرَها، أتَتْ بِهِ تَحْمِلُهُ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، رُوِيَ أنَّ قَوَّمَها خَرَجُوا في طَلَبِها فَلَقُوها وهي مُقْبِلَةٌ.

و"الفَرِيُّ": العَظِيمُ الشَنِيعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ، وافْتَراهُ: اخْتَلَقَهُ، وهو مِنَ الفِرْيَةِ، وفَراهُ يَفْرِيهِ: شَقَّهُ وأفْسَدَهُ، وأفْراهُ: أصْلَحَهُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَرَيْتُ الأدِيمَ: قَطَعْتُهُ عَلى جِهَةِ الإصْلاحِ، وأمّا قَوْلُهم في المَثَلِ: "فُلانٌ يَفْرِي الفَرِيَّ" فَمَعْناهُ: جاءَ بِعَمَلٍ عَظِيمٍ، في قَوْلٍ أو فِعْلٍ مِمّا قُصِدَ ضَرْبُ المَثَلِ لَهُ، وهو مُسْتَعْمَلٌ فِيما يُخْتَلَقُ ويُفْعَلُ، والفَرِيُّ مِنَ الأسْقِيَةِ الجَدِيدُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "شَيْئًا فَرِيًّا" بِسُكُونِ الراءِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أُخْتَ هارُونَ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ لَها أخٌ اسْمُهُ هارُونُ ؛ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ كانَ كَثِيرًا في بَنِي إسْرائِيلَ تَبَرُّكًا باسِمْ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَلامُ، ورَوى المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  أرْسَلَهُ إلى نَجْرانَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، فَقالُوا: إنَّ صاحِبَكَ يَزْعُمْ أنَّ مَرْيَمَ هي أُخْتُ هارُونَ، وبَيْنَهُما في المُدَّةِ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، قالَ المُغِيرَةُ: فَلَمْ أدْرِ ما أقُولُ فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللهِ  ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: "ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ والصالِحِينَ"؟».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالمَعْنى أنَّهُ اسْمٌ وافَقَ اسْمًا، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: بَلْ نَسَبُوها إلى هارُونَ أخِي مُوسى لِأنَّها كانَتْ مَن نَسْلِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ مِن قَبِيلَةِ: يا أخا فُلانَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «إنْ أخا صُداءٍ أذَّنَ، ومَن أذَّنَ فَهو يُقِيمُ»، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ بِحَضْرَةِ عائِشَةَ أُمُ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها: لَيْسَتْ بِأُخْتِ هارُونَ أخِي مُوسى "، فَقالَتْ عائِشَةُ: كَذَبْتَ، فَقالَ لَها: يا أُمُ المُؤْمِنِينَ، إنْ كانَ رَسُولُ اللهِ  قالَهُ فَهو أصْدَقُ وأخْبَرُ، وإلّا فَإنِّي أجِدُ بَيْنَهُما مِنَ المُدَّةِ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، قالَ: فَسَكَتَتْ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ في ذَلِكَ الزَمَنِ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ عابِدٌ مُنْقَطِعٌ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ يُسَمّى هارُونَ، فَنَسَبُوها إلى أُخُوَّتِهِ مِن حَيْثُ كانَتْ عَلى طَرِيقَتِهِ، قِيلَ: إذْ كانَتْ مَوْقُوفَةً عَلى خِدْمَةِ البِيَعِ، أيْ: يا هَذِهِ المَرْأةُ الصالِحَةُ ما كُنْتِ أهْلًا لِما أتَيْتِ بِهِ: وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الزَمَنِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَعْيِيرِ والتَوْبِيخِ، ذِكْرَهُ الطَبَرِيُّ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ، والمَعْنى: ما كانَ أبُوكِ ولا أُمُّكِ أهْلًا لِهَذِهِ الفِعْلَةِ: فَكَيْفَ جِئْتِ أنْتِ بِها؟

و"البَغِيُّ": الَّتِي تَبْغِي الزِنى، أيْ تَطْلُبُهُ، أصْلُها: بَغُويٌ، فَعُولٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أي أشارت إليه إشارة دلّت على أنها تُحيلهم عليه ليسألوه عن قصته، أو أشارت إلى أن يسمعوا منه الجواب عن توبيخهم إياها وقد فهموا ذلك من إشارتها.

ولما كانت إشارتها بمنزلة مراجعة كلام حكى حِوارهم الواقع عقب الإشارة بجملة القول مفصولةً غير معطوفة.

والاستفهام: إنكار؛ أنكروا أن يكلموا من ليس من شأنه أن يتكلم، وأنكروا أن تحيلهم على مكالمته، أي كيف نترقب منه الجواب أو كيف نلقي عليه السؤال، لأن الحالتين تقتضيان التكلم.

وزيادة فعل الكون في ﴿ مَن كَان في المَهدِ ﴾ للدلالة على تمكن المظروفية في المهد من هذا الذي أحيلوا على مكالمته، وذلك مبالغة منهم في الإنكار، وتعجب من استخفافها بهم.

ففعل (كان) زائد للتوكيد، ولذلك جاء بصيغة المضي لأن (كان) الزائدة تكون بصيغة الماضي غالباً.

وقوله ﴿ في المَهْدِ ﴾ خبر (مَن) الموصولة.

و ﴿ صَبِيّاً ﴾ حال من اسم الموصول.

و (المَهْدِ) فراش الصبي وما يمهد لوضعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَناداها مِن تَحْتِها ألا تَحْزَنِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُنادِيَ لَها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ عِيسى ابْنُها، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

وَفي قَوْلِهِ مِن تَحْتِها وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن أسْفَلَ مِنها في الأرْضِ وهي فَوْقُهُ عَلى رَأْسِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: مِن بَطْنِها: قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ، بِالقِبْطِيَّةِ.

﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ السَّرِيَّ هو ابْنُها عِيسى؛ لِأنَّ السَّرِيَّ هو الرَّفِيعُ الشَّرِيفُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ مِن سَرَواتِ قَوْمِهِ أيْ مِن أشْرافِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ عِيسى هو المُنادِي مِن تَحْتِها ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ الثّانِي: أنَّ السَّرِيَّ هو النَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، لِتَكُونَ النَّخْلَةُ لَها طَعامًا، والنَّهْرُ لَها شَرابًا، وعَلى هَذا يَكُونُ جِبْرِيلُ هو المُنادِي لَها ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ الثّانِي: أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّرايَةِ فَسُمِّيَ السَّرِيُّ لِأنَّهُ يَجْرِي فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: سَهْلُ الخَلِيقَةِ ماجِدٌ ذُو نائِلٍ مِثْلُ السَّرِيِّ تَمُدُّهُ الأنْهارُ وَقِيلَ: إنَّ اسْمَ السَّرِيَّ يُطْلَقُ عَلى ما يَعْبُرُهُ النّاسُ مِنَ الأنْهارِ وثْبًا.

وَرَوى أبانُ بْنُ تَغْلِبَ في تَفْسِيرِهِ القُرْآنَ خَبَرًا عَنْ عَدَدٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  بَعَثَ شَدّادَ بْنَ ثُمامَةَ مُصَدَّقًا لِبَنِي كَعْبِ بْنِ مَذْحِجٍ وكَتَبَ لَهُ كِتابًا: (عَلى ما سَقَتْهُ المَراسِمُ والجَداوِلُ والنَّواهِرُ والدَّوافِعُ العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ بِقِيمَةِ عَدْلٍ إلّا الضَّوامِرَ واللَّواقِحَ وما أطَلَ الصُّوَرَ مِنَ الجَفْنِ.

وَفي كُلِّ أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ إلّا العَقِيلَ والأكِيلَ والرَّبِيَّ.

وَمِن كُلِّ ثَلاثِينَ بَقَرَةً جِذْعٌ أوْ جِذْعَةٌ إلّا العاقِرَ والنّاشِطَ والرّاشِحَ.

وَمِن كُلِ خَمْسٍ مِنَ الإبِلِ المُوَبَّلَةِ مُسِنَّةٌ مِنَ الغَنَمِ.

وَلا صَدَقَةَ في الخَيْلِ ولا في الإبِلِ العامِلَةِ.

شَهِدَ جِرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جابِرٍ البَجَلِيُّ وشَدّادُ بْنُ ثُمامَةَ وكَتَبَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ)» فالمَراسِلُ العُيُونُ، والجَداوِلُ الأنْهارُ الصِّغارُ، والنَّواهِرُ الدَّوالِي، والدَّوافِعُ الأوْدِيَةُ، والضَّوامِرُ ما لَمْ تَحْمِلْ مِنَ النَّخْلِ، واللَّواقِحُ الفُحُولُ، والجَفْنِ الكَرْمُ، وما أطْلاهُ مِنَ الزَّرْعِ عَفْوٌ، والعَقِيلُ فَحْلُ الغَنَمِ، والأكِيلُ الَّذِي يُرَبّى لِلْأكْلِ، والرَّبِيُّ الَّتِي تُرَبِّي ولَدَها، والعاقِرُ مِنَ البَقَرِ الَّتِي لا تَحْمِلُ، والنّاشِطُ الفَحْلُ الَّذِي يَنْشَطُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، والرّاشِحُ الَّذِي يَحْرُثُ الأرْضَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ الآيَةِ.

اخْتُلِفَ في النَّخْلَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: كانَتْ بَرْنِيَّةً.

الثّانِي: صُرفاتَة، قالَهُ أبُو داوُدَ.

الثّالِثُ: قَرِينًا.

الرّابِعُ: عَجْوَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفي "الجَنِيِّ" ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المُتَرَطِّبُ البُسْرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: البَلَحُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الطَّرِيُّ بِغُبارِهِ.

وَقِيلَ لَمْ يَكُنْ لِلنَّخْلَةِ رَأْسٌ وكانَ في الشِّتاءِ فَجَعَلَهُ اللَّهُ آيَةً.

قالَ مُقاتِلٌ فاخْضَرَّتْ وهي تَنْظُرُ ثُمَّ حَمَلَتْ وهي تَنْظُرُ ثُمَّ نَضِجَتْ وهي تَنْظُرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلِي ﴾ يَعْنِي مِنَ الرُّطَبِ الجَنِيِّ.

﴿ واشْرَبِي ﴾ يَعْنِي مِنَ السَّرِيِّ.

﴿ وَقَرِّي عَيْنًا ﴾ يَعْنِي بِالوَلَدِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: جاءَ يُقِرُّ عَيْنَكِ سُرُورًا، قالَهُ الأصْمَعِيُّ، لِأنَّ دَمْعَةَ السُّرُورِ بارِدَةٌ ودَمْعَةَ الحُزْنِ حارَّةٌ.

الثّانِي: طِيبِي نَفْسًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: تَسْكُنُ عَيْنُكِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: ما شَيْءٌ خَيْرٌ لِلنُّفَساءِ مِنَ الرُّطَبِ والتَّمْرِ.

﴿ فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا ﴾ يَعْنِي إمّا لِلْإنْكارِ عَلَيْكِ وإمّا لِلسُّؤالِ لَكِ.

﴿ فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي صَمْتًا، وقَدْ قُرِئَ في بَعْضِ الحُرُوفِ: لِلرَّحَمْنِ صَمْتًا وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ والضَّحّاكِ.

الثّانِي: صَوْمًا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ والكَلامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها امْتَنَعَتْ مِنَ الكَلامِ لِيَتَكَلَّمَ عَنْها ولَدُها فَيَكُونُ فِيهِ بَراءَةُ ساحَتِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ مَن صامَ في ذَلِكَ الزَّمانِ لَمْ يُكَلِّمِ النّاسَ، فَأُذِنَ لَها في المِقْدارِ مِنَ الكَلامِ قالَهُ السُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ فأشارت إليه ﴾ أن كلموه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فأشارت إليه ﴾ قال: أمرتهم بكلامه.

وفي قوله: ﴿ في المهد ﴾ قال في الحجر.

وأخرج عبد بن حميد، عن عمرو بن ميمون قال: إن مريم لما ولدت أتت به قومها، فأخذوا لها الحجارة ليرموها، فأشارت إليه فتكلم فتركوه.

وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة.

قال: ﴿ المهد ﴾ المرباة.

قال إبراهيم: المرباة، المرجحة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن هلال بن يساف قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: صاحب جريج، وعيسى، وصاحب الحبشية.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: تكلم في المهد أربعة: عيسى، وصاحب يوسف، وصاحب جريج، وابن ماشطة ابنة فرعون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي ﴾ مطيعا لها لطيفا بها، وهو عطف على ﴿ مُبَارَكًا ﴾ (١) ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي ﴾ ولم يقل: بوالدي علموا أنه شيء من الله) (٢) ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا ﴾ متعظمًا يقتل ويضرب على الغضب (٣) ﴿ شَقِيًّا ﴾ عاصيا لربه (٤) (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 329، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 313، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 114.

(٢) "زاد المسير" 5/ 230، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 11/ 103.

(٣) "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124، "القرطبي" 11/ 103.

(٤) "جامع البيان" 16/ 82، "النكت والعيون" 3/ 371، "معالم التنزيل" 5/ 230، "زاد المسير" 5/ 230، "الدر المنثور" 4/ 488.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ يعني: في بطنها وكانت مدة حملها ثمانية أشهر، وقال ابن عباس: حملته وولدته في ساعة ﴿ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ أي بعيداً، وإنما بعدت حياء من قومها أن يظنوا بها الشر ﴿ فَأَجَآءَهَا ﴾ معناه: ألجأها وهو منقول من جاء بهمزة التعدية ﴿ المخاض ﴾ أي النفاس ﴿ إلى جِذْعِ النخلة ﴾ رُوي أنها احتضنت الجذع لشدة وجع النفاس ﴿ قَالَتْ ياليتني مِتُّ ﴾ إنما تمنت الموت خوفاً من إنكار قومها، وظنهم بها الشر، ووقوعهم في دمها وتمني الموت جائز في مثل هذا، وليس هذا من تمني الموت لضر نزل بالبدن فإنه منهي عنه.

﴿ وَكُنتُ نَسْياً ﴾ النِسْي الشيء الحقير الذي لا يؤبه له، وقال بفتح النون وكسرها ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ ﴾ قرئ من بفتح الميم وكسرها، وقد اختلف على كلتا القراءتين، هل هو جبريل أو عيسى، وعلى أنه جبريل قيل: إنه كان تحتها كالقابلة، وقيل: كان في مكان أسفل من مكانها ﴿ أَلاَّ تَحْزَنِي ﴾ تفسير للنداء، فأن مفسرة ﴿ سَرِيّاً ﴾ جدولاً وهي ساقية من ماء كان قريباً من جذع النخلة، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فسره بذلك وقيل: يعني عيسى فإن السري الرجل الكريم ﴿ وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة ﴾ كان جذعاً يابساً، فخلق الله فيه الرطب كرامة لها وتأنيساً، وقد استدل بعض الناس بهذه الآية على أن الإنسان ينبغي له أن يتسبب في طلب الرزق، لأن الله أمر مريم بهز النخلة، والباء في بجذع زائدة كقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ [البقرة: 195] ﴿ تساقط عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾ الفاعل بتساقط النخلة، وقرئ بالياء والفاعل على ذلك الجذع، ورطباً تمييز، والجني معناه: الذي طاب وصلح لأن يجتنى ﴿ فَكُلِي واشربي ﴾ أي كلي من الرطب، واشربي من ماء الجدول، وهو السري ﴿ وَقَرِّي عَيْناً ﴾ أي طيبي نفساً بما جعل الله لك من ولادة نبي كريم، أو من تيسير المأكول والمشروب ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ ﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد، وترين فعل خوطبت به المرأة، ودخلت عليه النون الثقيلة للتأكيد ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً ﴾ أي صمتاً عن الكلام، وقيل: يعني الصيام لأن من شرطه في شريعتهم الصمت، وإنما أمرت بالصمت صيانة لها عن الكلام، مع المتهمين لها، ولأن عيسى تكلم عنها، فإخبارها بأنها نذرت الصمت بهذا الكلام، وقيل: بالإشارة، ولا يجوز في شريعتنا نذر الصمت ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا ﴾ لما رأت الآيات: علمت أن الله سيبين عذرها، فجاءت به من المكان القصي إلى قومها ﴿ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ أي شنيعاً وهو من الفرية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كيهعص ﴾ بإمالة الهاء فقط: أبو عمرو ﴿ كهيعص ﴾ بإمالة الياء فقط: حمزة وخلف وقتيبة وابن ذكوان، وقرأ عليّ غير قتيبة ويحيى ويحيى وحماد بإمالتهما.

وقرأ أبو جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.

الباقون بتفخيمها ﴿ صاد ذكر ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل ﴿ من ورائي ﴾ بفتح الياء مهموزاً: ابن كثر غير زمعة والخزاعي عن ا لبزي وقرأ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي ﴿ من وراي ﴾ مثل ﴿ عصاي ﴾ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما: أبو عمرو وعليّ.

الباقون برفعهما ﴿ يبشرك ﴾ ثلاثياً وكذلك في آخر السورة: حمزة ﴿ عتباً ﴾ و ﴿ جثياً ﴾ و ﴿ صلياً ﴾ و ﴿ بكياً ﴾ بكسر الأوائل: حمزة وعلي وافق حفص إلا في ﴿ بكياً ﴾ الخزاز عن هبيرة ﴿ عتباً ﴾ الأولى بالكسر والثاني بالضم.

﴿ وقد خلقناك ﴾ حمزة وعلي.

الآخرون ﴿ خلقتك ﴾ على التوحيد ﴿ إلى آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن أهل مكة.

الوقوف: ﴿ كهيعص ﴾ ه كوفى ﴿ زكريا ﴾ ه ح لجواز تعلق "إذ" بـ ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ ولاحتمال انتصابه بأذكر محذوفاً.

﴿ خفياً ﴾ ه ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ ولياء ﴾ لا ﴿ آل يعقوب ﴾ ق والوجوه الوصل لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحيى ﴾ لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي.

﴿ سمياً ﴾ ه ﴿ عتياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ه بناء على أن التقدير الأمر كذلك ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ بقوة ﴾ ط ﴿ صبياً ﴾ ه لا للعطف أي آتيناه الحكم وحناناً منا عليه ﴿ وزكاة ﴾ ط ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ حياً ﴾ ه.

التفسير: حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية، وقد جرت عادة العرب بإمالة الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائياً، ولا ريب أن التفخيم أصل والإمالة فرع عليه.

فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معاً فعلى العادة، ومن قرأ بتفخيمهما جميعاً فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين.

وقد روى صاحب الكشاف عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل: لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه بالضم على أصلها.

والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة، ومما يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله ﴿ كهيعص ﴾ ثناء من الله  على نفسه، فالكاف كاف لأمور عباده، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز، والصاد صادق.

وعنه أيضاً أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير، والياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى.

وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير، وهذا التفسير لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام، وارتفع ﴿ ذكر رحمة ﴾ على الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ﴿ ربك ﴾ وانتصب ﴿ عبده ﴾ على أنه مفعول لذكر و ﴿ زكريا ﴾ عطف بيان، وقرىء برفعهما على إضافة المصدر إلى المفعول، وعن الكلبي أنه قرأ ﴿ ذكر ﴾ بلفظ الماضي مشدداً تارة و ﴿ رحمة ﴾ و ﴿ عبده ﴾ منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير المتلو.

ومخففاً أخرى و ﴿ عبده ﴾ مرفوع على الفاعلية.

وقرىء ﴿ ذكر ﴾ على الأمر وهي قراءة ابن معمر.

وقيل: يحتمل على هذا أن تكون الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا صل الله عليه وسلم ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا.

وفي خفاء ندائه.

وجوه منها: أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن بأنه نداء لا رياء فيه.

ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته.

ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم.

ومنها أنه خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ "صوته خفات وسمعه تارات" ولعله أتى بأقصى ما يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفياً لنهاية كبره.

ثم شرع في حكاية ندائه قائلاً: ﴿ قال رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ قال علماء المعاني: في الآية لطائف وذلك أصل الكلام: يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي، ثم في القرينة الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن وهن عظام البدن لازم لضعفه، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل أنا وهنت عظام بدني، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار: إني وهنت العظام من بدني، لأنك إذاقلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاماً واهنة عندك، فإذا قلت: "من بدني" فقد فصلت، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص العظام، ثم لطلب شمول العظام فرداً فرداً قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل ﴿ إني وهن العظم مني ﴾ فحصل أني وهنت العظام مني.

وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى.

وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي.

وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب الرأسي، ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل ﴿ اشتعل ﴾ بدل "انتشر" فتكون الاستعارة تبعية تصريحية وقرينتها ذكر الشيب، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي "اشتعل رأسي شيباً".

وكونها أبلغ من وجهات منها: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت: "اشتعل بيتي ناراً" مكان "اشتعل النار في بيتي".

ومنها الإجمال والتفصيل الواقعان في طريق التمييز، ومنها تنكير ﴿ شيباً ﴾ للتعظيم كما هو حق التمييز.

ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي "اشتعل الرأس مني شيباً" لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو ﴿ وهن العظم مني ﴾ ثم ترك لفظ "مني" ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ.

وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال "رب" بحذف حرف النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره.

وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني.

ثم إنه توسل إلى الله عز وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلاً ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ كما حكى أن محتاجاً قال لكريم: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال: مرحباً بمن توسل إلينا وقضى حاجته.

تقول العرب: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها.

ومعنى ﴿ بدعائك ﴾ أي بدعائي إياك.

واعلم أن زكريا  قدم على السؤال أموراً ثلاثة: الأول كونه ضعيفاً، والثاني أنه  لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين وذلك قوله ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ قال ابن عباس والحسن: أي الورثة.

وعن مجاهد العصبة.

وعن أبي صالح: الكلالة.

وعن الأصم: بني العم وهم الذين يلونه في النسب.

وعن أبي مسلم: المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من تقدم في ميراثة كالولد.

والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعيناً للحبورة.

وقوله: ﴿ من ورائي ﴾ أي بعد موتي لا يتعلق بــ ﴿ خفت ﴾ لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما.

وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم.

وإنما قال: ﴿ خفت ﴾ بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال.

وقرىء ﴿ خفت الموالي ﴾ بتشديد الفاء.

وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه، والظرف متعلق بالموالي، أو معناه قدامي والظرف متعلق بـ ﴿ خفت ﴾ أي درجوا ولم يبق من يعتضد به.

ثم صرح بالمسألة قائلاً: ﴿ فهب لي ﴾ وأكده بقوله: ﴿ من لدنك ﴾ أي ولياً صادراً من عندك مضافاً إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة.

من قرأ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله قالوا: إنه صفة.

وقال صاحب المفتاح: الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل: لم تطلب الولد؟

فقال مجيباً: يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا.

واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع، وكذب النبي  .

أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة.

وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب.

وأقول: الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا "هب لي ولياً موصوفاً بالوراثة" أو بأن الغرض منه الوراثة، أوهب لي ولياً أخبر عنه بأنه يرثني.

وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب.

والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله  عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه.

ويمكن أن يقال: لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقى ذلك الكتاب أو الشرع معمولاً به بعد زكريا أيضاً إلى حين.

وقد روى صاحب الكشاف ههنا قراآت شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان.

فقيل: هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول "جاءني فلان فجاءني رجل" لا تريد به إلا الأول، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية، وتجرد الكلام عنه.

وأقول: يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف المنافية للرجولية.

وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها.

واختلف المفسرون في أنه طلب ولداً يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره؟

والأول أظهر لقوله في آل عمران ﴿ رب هب لي من لدنك ذرية طيبة  ﴾ ولقوله في سورة الأنبياء ﴿ ربي لا تذرني فرداً  ﴾ حجة المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولو كان دعاؤه لأجل الولد ما استعظم ذلك.

والجواب ما مر في آل عمران.

واختلفوا أيضاً في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك: هي وراثة المال.

وعنهم أيضاً أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس.

وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة.

فلفظ الإرث مستعمل في المال ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم  ﴾ وفي العلم ﴿ وأورثنا بني إسرائيل الكتاب  ﴾ "العلماء ورثة الأنبياء" وحجة الأولين ما روي أنه  قال: "رحم الله زكريا وما عليه من يرثه" فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال.

وكذا قوله  "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" ، وأيضاً العلم والنبوة كيف يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوّة إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ لأن النبي لا يكون إلا مرضياً.

وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال الابن أنه يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه.

والمراد يكون رضياً أن لا يوجد منه معصية ولا همّ بها كما جاء في حق يحيى، وقج مر الحديث هناك.

ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلاً على غيره من الأنبياء كلهم فلعل لبعضهم فضائل أخر تختص به.

احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال، وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً عنده، وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل، وبأن فعل الألطاف واجب على الله فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث.

واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهودا بن بعقوب، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق، وكانت النبوّة في سبط وهو إسرائيل  .

وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل.

وعن مقاتل: أن بني ماثان كانوا رؤوس بني إسرائيل وملوكها.

قوله: ﴿ يا زكريا ﴾ الكثرون على أنه نداء من الله  لقرينة التخاطب من قوله: ﴿ رب إني وهو العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ ومنهم من قال: هو نداء الملك لقوله في آل عمران ﴿ فنادته الملائكة  ﴾ وجوز بعضهم الأمرين.

واختلفوا في عدم السمي فقيل: أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله.

وقيل: أراد أنه لا نظير له كقوله ﴿ هل تعلم له سمياً  ﴾ وذلك أنه سيداً وحصوراً ولم يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ وأيضاً سمي بيحيى قبل دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص.

قال بعض العلماء: القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه لضرورة كما في قوله: ﴿ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً  ﴾ لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سميّ له لا يقتضي عبادته فنقول: السميّ هناك يراد به المثل والنظير.

ويمكن أن يقال: إن التفرد بالاسم فيه ضرب من التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضاً.

قال جار الله: إنما قيل للمثل سميّ لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي.

قلت: ويقرب هذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم.

ولم سمي بيحيى؟

تكلفوا له وجوهاً.

فعن ابن عباس لأنه  أحيا عقر أمه.

وعن قتادة لأنه  أحيا قلبه بالإيمان والطاعة ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم  ﴾ .

ولهذا كان من أول من آمن بعيسى.

وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء.

وقيل: لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل الدين.

قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ قال جار الله: أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية فــ"من" للتعليل، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى ﴿ عتياً ﴾ وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام.

يقال: عنا العود عتياً إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس.

سؤال: إنه قال في آل عمران ﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر  ﴾ فلم عكس الترتيب في هذه السورة؟

وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب.

قلت: إن ذاك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وههنا راعى الفاصلة.

﴿ قال ﴾ الأمر ﴿ كذلك ﴾ تصديقاً له.

ثم ابتدأ قائلاً ﴿ قال ربك ﴾ فمحل ﴿ كذلك ﴾ رفع، ويحتمل أن يكون نصباً ﴿ قال ﴾ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: ﴿ هو ﴾ أي خلق الغلام ﴿ عليّ هين ﴾ ويحتمل أن يكون إشارة إلى قول زكريا ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة؟

فأجيب بقوله: ﴿ كذلك ﴾ أي نهب الولد لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما.

ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد ﴿ ولم تك شيئاً ﴾ لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً بعتد به كالنطفة، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد، فيه نفس استبعاد زكريا، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قد مر تفسير الآية في أول عمران.

قوله: ﴿ سوياً ﴾ قيل: إنه صفة لليالي أي تامة كاملة.

والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عيّ ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قيل: كان له موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه.

وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه.

﴿ فأوحى إليهم ﴾ عن مجاهد: أشار بدليل قوله في أول آل عمران ﴿ إلا رمزاً ﴾ وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض.

و ﴿ أن ﴾ هي المفسرة و ﴿ سبحوا ﴾ أي صلوا أو على الظاهر وهو قول سبحان الله.

عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشيّ صلاة العصر، فلعلهم كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو الكتابة.

وههنا إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا له: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب ﴾ أي التوراة لأنها المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن كقول عيسى ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب  ﴾ والمراد بالأخذ إما الأخذ من حيث الحس، وإما الأخذ من حيث المعنى وهو القيام بمواجبه كما ينبغي وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهى عنه.

ثم أكده بقوله: ﴿ بقوة ﴾ أي بجد وعزيمة.

﴿ وآتيناه الحكم ﴾ أي الحكمة.

عن ابن عباس: هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال: ما للعب خلقت.

وعن معمر: العقل.

وقيل: النبوة.

وكل هذه الأوصاف على الأقول من الخوارق كما حق عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة.

والحنان أصله توقان النفس، ثم استعمل في الرحمة وهو المراد ههنا.

وما قيل إنه يحتمل أن يراد حناناً منا على زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو.

وقيل: أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا كقوله في نبينا ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وأراد بقوله: ﴿ وزكاة ﴾ أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله  ﴾ ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة ﴿ من لدنا ﴾ وعن عطاء: أن معنى حناناً تعظيماً من لدنا.

وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج: أن معنى زكاة عملاً صالحاً زكياً.

وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود.

وقيل: بركة كقول عيسى ﴿ جعلني مباركاً ﴾ وقيل: صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم.

ثم أخبر محمد  عن جملة أحواله بقوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط ﴿ وبرّاً بوالديه ﴾ لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفاً بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق.

قال سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض  ﴾ ثم إنه  سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله، وقيل: إنما قال: ﴿ حياً ﴾ مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيهاً على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى ﴿ ويوم أبعث حياً  ﴾ وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول.

والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حياً فوضع الأخص موضع الأعم تأكيداً.

قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلاً من الله  لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب.

قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.

التأويل: إن زكريا الروح ﴿ نادى ربه نداء خفياً ﴾ من سر السر ﴿ قال رب إني وهن ﴾ مني عظم الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية، وإني خفت صفات النفس أن تغلب ﴿ وكانت امرأتي ﴾ يعني الجثة التي هي روح الروح ﴿ عاقراً ﴾ لا تلد إلا بموهبة من الله ﴿ فهب لي من لدنك ﴾ سأل ﴿ ولياً ﴾ فأعطاه الله نبياً وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ أي يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ بأن توطنه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى  ﴾ ﴿ اسمه يحيى ﴾ إن الله أحياه بنوره ﴿ ولم نجعل له من قبل سمياً ﴾ لا من الحيوانات ولا من الملائكة لأنه هو الذي يقبل فيض الألوهية بلا واسطة، وهو سر حمل الأمانة كما قال: "ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب ﴿ عتياً ﴾ يبساً وجفافاً من غلبات صفات النفس ﴿ آيتك أن لا تكلم الناس ﴾ لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ما سواه ﴿ ثلاث ليال ﴾ هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانيات والروحانيات ﴿ سوياً ﴾ متمكناً في هذا الحال من غير تلون ﴿ فخرج ﴾ زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشيّ الأبد ﴿ يا يحيى ﴾ القلب ﴿ خذ ﴾ كتاب الفيض الإلهي المكتوب لك في الأزل ﴿ بقوة ﴾ ربانية لا بقوة جسدانية لأنه خلق ضعيفاً ﴿ وآتيناه الحكم ﴾ في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ﴿ زكاة ﴾ وتطهراً من الالتفات إلى غيرنا ﴿ وبراً بوالديه ﴾ الروح والقالب.

أما البروح فلأن القلب محل قبول الفيض الإلهي لأن الفيض نصيب الروح أوّلاً ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه، وأما القلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، وهذا أحد أسرار حمل الأمانة.

وأما بر والدة القلب فهو استعمالها على وفق الشريعة والطريقة ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ كالنفس الأمارة بالسوء ﴿ وسلام عليه يوم يولد ﴾ في أصل خلقه ﴿ ويوم يموت ﴾ من استعمال المعاصي بالتوبة ﴿ ويوم يبعث حياً ﴾ بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ ﴾ .

قال الحسن: هو صلة قوله: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ  ﴾ أي: اذكر رحمة ربك مريم.

وقال بعضهم: واذكر نبأ مريم وقصتها في الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً ﴾ ، أي: نحو المشرق.

ثم يحتمل قوله: ﴿ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا ﴾ إذا بلغت مبلغ النساء فارقت أهلها، وانتبذت منهم؛ لئلا يقع بصر غير ذي الرحم المحرم عليها، وألا يراها أحد، ولا يصلح النظر إليها.

وقال بعضهم: ﴿ مَكَاناً شَرْقِياً ﴾ أي: جلست في المشرقة؛ لأنه كان في الشتاء.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً ﴾ : قال بعضهم: احتجبت من دونهم بالغيبة عنهم.

وقال بعضهم: أخذت من دونهم حجاباً، أي: ستراً.

وقال مقاتل: اتخذت من دونهم الجبل حجاباً وستراً، أي: جعلت الجبل بينها وبين أهلها، فلم يرها أحد منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا ﴾ : قال أبيّ بن كعب: هو روح عيسى، أرسله الله إلى مريم في صورة بشر، ﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾ .

وقال غيره من أهل التأويل: ﴿ فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا ﴾ : جبريل، وقد سمى الله جبريل: روحاً في غير آي من القرآن: ﴿ رُوحُ ٱلْقُدُسِ  ﴾ وغيره.

﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾ أي: لم يكن به أثر غير البشر.

وقال بعضهم: ﴿ بَشَراً سَوِيّاً ﴾ لا عيب فيه ولا نقصان، بل كان سويّاً صحيحاً كاملاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ .

فإن قيل: كيف تعوذت بالرحمن إن كان تقيّاً، وإنما يتعوذ بالرحمن من الفاجر والفاسق؟

قال الحسن: قوله: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ مفصول من قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ ﴾ ، فيكون على الابتداء، كأنها قالت: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ لا ينالني منك سوء ولا يمسّني شر.

ويحتمل قوله: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ أي: ما كنت تقيّاً، أي: حيث دخلت عليّ من غير استئذان منك ولا استئمار ما كنت تقيّاً، ويحتمل قوله: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ أي: وقد كنت تقيّاً، فعلى هذا التأويل كأنه دخل عليها على صورة بشر عرفته بالتقى والصلاح، فكأنها قالت: قد كنت عرفتك بالتقى والصلاح فكيف دخلت عليَّ بلا إذن ولا أمر؟!

وقد يجوز أن يستعمل (إن) مكان (ما) ومكان (قد)، و [هو] في القرآن كثير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً ﴾ هو على الإضمار، كأنه قال: ﴿ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ ﴾ بالقول بأن أهب لك غلاماً زكيّاً، أي: أرسلني إليك بهذا القول وهو قوله: ﴿ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود: (إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاماً زكيّاً).

وقوله - عز وجل -: ﴿ زَكِيّاً ﴾ أي: صالحاً، طاهراً عن جميع الشرور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً ﴾ ، أي: قالت: لم يمسسني بشر، يعلم أنه لم يمسها بشر لا تقي ولا غيره، لكن كأنها قالت: لم يمسسني بشر نكاحا ولم أك بغيّاً، فمن أين يكون لي ولد؟

كأنها لم تعرف الولد إلا بسبب؛ لذلك قالت: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ ﴾ ، أي: أخلق بسبب وبلا سبب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ أي: خلق الشيء بسبب وبغير سبب هيّن عليّ.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ ﴾ للأنبياء الذين كانوا من قبل: إنه يخلق ولداً بلا أب ولا أمّ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ ، أي: نجعل ولادته بلا أب على ما أخبر الأنبياء من قبل - آية للناس لرسالتهم؛ لأنهم أخبروا أنه يولد ولد بلا أب ولا أم، فكان ما أخبروا، فدلّ ذلك أنهم إنما عرفوا ذلك بالله؛ فيكون ذلك آية لصدقهم، ويكون قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: ذلك الخبر الذي أخبر الأنبياء من قبل، والوعد الذي وعد لهم أمراً مقضيّاً كائناً.

وقال أهل التأويل في قوله: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ ، أي: نجعل عيسى آية للناس حيث ولد بلا أب، وكلم الناس في المهد، وغير ذلك من الآيات التي كانت فيه.

وجائز أن يكون آية للناس للبعث؛ لأنه أنشأه بلا أب ولا سبب، وهم إنما أنكروا البعث لما لم يعاينوا الولد بغير أب أيضاً ثم كان، فعلى ذلك البعث؛ إذ لا فرق بينهما؛ لأن من قدر على إنشاء الولد بلا أب ولا أم قدر على الإحياء بعد الموت، بل هو أولى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَحْمَةً مِّنَّا ﴾ أي: رحمة منا للخلق؛ لأن من اهتدى واتبعه كان له به نجاة، وهو ما قال الله  لرسوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ وعلى ذلك جميع الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله إلى خلقه كان ذلك رحمة منه إلى خلقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: كان أمره كائناً، وعلى التأويل الذي ذكره أبو بكر الأصم في قوله: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ يكون قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: كان وعداً وخبراً معلوماً على ما أخبر الأنبياء عن نبأ عيسى وأمّه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ .

دلّ هذا على أن الولاد لم يكن على إثر الحمل، ولكن كان بين الولاد وبين الحمل وقت، لكن لا يعلم كم ذلك الوقت إلا بخبر عن الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: تباعدت به؛ حياء من أهلها.

وقال بعضهم: انفردت به مكاناً قصيّاً متباعداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ ﴾ : قال القتبي: ﴿ فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ ﴾ أي: جاء بها، من المجيء، وألجأها إليها، يقول: جاءت بي الحاجة إليك، وأجاءتني الحاجة.

والمخاض: هو الحمل.

ودل قوله: ﴿ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ أن النخلة التي ألجأها المخاض إليها كانت يابسة، على ما قاله أهل التأويل؛ لأنه إنما انتبذت مكاناً قصيّاً وتباعدت حياء من أهلها، فلو كانت تلك النخلة رطبة ذات ثمار، لكان الناس يأوون إليها ويقيمون عندها، فلا يحتمل أن تأوي إليها مريم وعندها يأوي الناس، ثم التجاؤها إلى النخلة لتتساند إليها وتستعين بها على ما تقع الحاجة للنساء وقت الولادة إلى شيء يستعن به عما ينزل بهن من الشدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ .

يحتمل أن يكون ﴿ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ ، أي: وكنت غير معروفة.

ويحتمل أن يكون - على ما ذكر - ﴿ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ : لا أذكر بعد الموت بذلك، لأنه ذكر أنها كانت من أهل شرف وكرم، ومن أهل بيت النبوة، فتمنت أن تكون غير معروفة؛ لئلا تذكر بسوء بعدها ولا بقذف.

وقال أهل التأويل: ﴿ وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ أي: حيضة ملقاة، وكذلك قال أبو عوسجة: النسي: الحيض.

قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل هذا؛ لأنها قد عرفت قدرها عند الله، فلا يحتمل أن تتمنى ما ذكر، لكن الإنسان ربما يتمنى الأمر العظيم إذا اشتد به الأمر، نحو ما يتمنى الموت في بعض الوقت لعظم ما يحل به، فعلى ذلك غير منكر هذا من مريم أن تتمنى ما ذكر أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ ﴾ .

ومن تحتها اختلف فيه: قال بعضهم: ناداها ملك.

وقال بعضهم: ناداها ابنها عيسى.

قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل أن يكون [الذي] ناداها ملكاً؛ لأنه قال: ﴿ مِن تَحْتِهَآ ﴾ ، ولو كان ملكاً لناداها من فوقها، لكن هذا ليس بشيء؛ لأن الملك إنما ينادي من حيث يؤمر، من تحت ومن فوق.

وقال بعض أهل التأويل: ناداها جبريل من تحت الوادي: ﴿ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ .

والأشبه أن يكون ابنها عيسى؛ لأنها كانت تحزن أن تشتم وتقذف به، فعيسى إذا تكلم وصار بذلك المحل تسر هي بذلك، لما تعلم أنه ينفي عنها بعض ما طعنت به وقذفت.

ويحتمل حزنها من وجه آخر: وهو أنها كانت حزنت خوفاً على نفسها وعلى ولدها؛ لأنها أقامت في مكان لا ماء فيه ولا طعام، فخافت على نفسها وولدها الهلاك، فحزنت لذلك فبشرت حيث قال لها: ﴿ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ : أمنها عن الخوف الذي كان.

ثم السري: قال بعضهم من أهل التأويل: هو الجدول، وهو النهر الصغير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾ : فيه دلالة لزوم الكسب؛ لأنه أمر مريم أن تهز النخلة ليتساقط عليها الرطب، ولو شاء لسقط من غير فعل يكون منها؛ لتجتني هي، وذلك عليها أهون وأيسر؛ على ما كان رزقها عندما كانت مؤنتها على زكريا.

وفيه دلالة ألا يسع للمرء المسألة ما دام به أدنى قوة يقدر على قُوتِه.

وفيه دليل أن زكريا كان أفضل منها وأكبر منزلة عند الله حيث رزقها عندما كانت في عيال زكريا من غير تكلف كان من زكريا ولا مؤنة، فما فارت زكريا أمرها بالكسب.

وفيه دلالة: أن الآيات التي تكون للأنبياء يجوز أن يجريها على غير أيدي الأنبياء، حيث جعل لمريم نخلة يابسة رطبة تثمر رطباً، وحيث جعل من تحتها سريّاً، أي: نهراً جارياً، وحيث رزقها عندما كانت في عيال زكريا من غير تكلف أحد، فذلك يشبه آيات الأنبياء والرسل ويقاربها.

وهذه المحن التي امتحن بها مريم في الظاهر عظيمة عند الناس، وفي الباطن من أعظم كراماته إليها: أنه أخبر أنه -  - اصطفاها على نساء العالمين بقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ  ﴾ ، وسماها: صدّيقة بقوله: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ  ﴾ ، وذلك لا يسمّى إلا من بلغ من البشر في الصدق والصبر له غاية، والله أعلم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ ﴾ أي: من تحت النخلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً ﴾ .

أي: كلي الرطب الذي يتساقط عليك، واشربي من السرى الذي جعل تحتك.

و ﴿ وَقَرِّي عَيْناً ﴾ أي: وارضي مكان ما حزنت عليه وخفت على نفسك وعلى ولدك، أو طيبي نفساً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً ﴾ أي: صمتاً وسكوناً، وكذلك روي في بعض الحروف، وهو في حرف أُبي، وقال: ثم قوله: ﴿ فَقُولِيۤ ﴾ ليس على القول نفسه، ولكنه إشارة، أشارت إليهم: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً ﴾ فإن كان على هذا، ففيه دلالة أن الإشارة إذا كانت بحالة مُفْهِمَةٍ المراد تعمل عمل القول نفسه والكلام؛ ولذلك وقع الطلاق بالإشارة والنكاح، وكل عقد من الأخرس وغيره إذا كانت الإشارة مفهومة معقولة.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَقُولِيۤ ﴾ هو على حقيقة القول، أي: أمرت أن تقول: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً ﴾ ، فكأن نذرها الصوم للرحمن بعد هذا القول، وإلى هذا يذهب الحسن.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وجعلني برًّا بأمي، ولم يجعلني متكبرًا عن طاعة ربي، ولا عاصيًا له.

<div class="verse-tafsir" id="91.AbxZV"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله