الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٣٣ من سورة مريم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٣ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ) : إثبات منه لعبوديته لله عز وجل ، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق ، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد ، صلوات الله وسلامه عليه
وقوله ( وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) يقول: والأمنة من الله عليّ من الشيطان وجنده يوم ولدت أن ينالوا مني ما ينالون ممن يولد عند الولادة، من الطعن فيه، ويوم أموت، من هول المطلع، ويوم أبعث حيا يوم القيامة أن ينالني الفزع الذي ينال الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ( وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) قال: يخبرهم في قصة خبره عن نفسه، أنه لا أب له وأنه سيموت ثم يُبْعث حيا، يقول الله تبارك وتعالى ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ .
والسلام علي أي السلامة علي من الله تعالى .
قال الزجاج : ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام فحسن في الثانية ذكر الألف واللام .
يوم ولدت يعني في الدنيا .
وقيل : من همز الشيطان كما تقدم في ( آل عمران ) .
ويوم أموت يعني في القبر ويوم أبعث حيا يعني في الآخرة ؛ لأن له أحوالا ثلاثة : في الدنيا حيا ، وفي القبر ميتا ، وفي الآخرة مبعوثا ؛ فسلم في أحواله كلها وهو قول الكلبي .
ثم انقطع كلامه في المهد حتى بلغ مبلغ الغلمان .
وقال قتادة : ذكر لنا أن عيسى - عليه السلام - رأته امرأة يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص في سائر آياته فقالت : طوبى للبطن الذي حملك ، والثدي الذي أرضعك ؛ فقال لها عيسى - عليه السلام - : طوبى لمن تلا كتاب الله تعالى واتبع ما فيه وعمل به .
فلما تم له الكمال، ومحامد الخصال قال: { وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ْ} أي: من فضل ربي وكرمه، حصلت لي السلامة يوم ولادتي، ويوم موتي، ويوم بعثي، من الشر والشيطان والعقوبة، وذلك يقتضي سلامته من الأهوال، ودار الفجار، وأنه من أهل دار السلام، فهذه معجزة عظيمة، وبرهان باهر، على أنه رسول الله، وعبد الله حقا.
( والسلام علي يوم ولدت ) أي : السلامة عند الولادة من طعن الشيطان .
( ويوم أموت ) أي : عند الموت من الشرك ، ( ويوم أبعث حيا ) من الأهوال .
ولما كلمهم عيسى بهذا علموا براءة مريم ، ثم سكت عيسى عليه السلام ، فلم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان .
«والسلام» من الله «عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا» يقال فيه ما تقدم في السيد يحيى.
قال تعالى:
والسلامة والأمان عليَّ من الله يوم وُلِدْتُ، ويوم أموت، ويوم أُبعث حيًا يوم القيامة.
( والسلام ) والأمان منه - تعالى - ( عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ ) مفارقا هذه الدنيا ( وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ) للحساب والجزاء يوم القيامة .فأنت ترى أن عيسى - عليه السلام - قد وصف نفسه بمجموعة من الصفات الفاضلة ، افتتحها بصفة العبودية لله رب العالمين ، لإرشاد الناس إلى تلك الحقيقة التى لا حق سواها .
ولتحذير أعدائه من وصفه بأنه هو الله ، أو هو ابن الله ، أو هو مشارك له فى العبادة .
.
.واختتمها برجاء الأمان له من الله - تعالى - فى كل أطوار حياته .
اعلم أنه وصف نفسه بصفات تسع: الصفة الأولى: قوله: ﴿ إِنّى عَبْدُ الله ﴾ وفيه فوائد: الفائدة الأولى: أن الكلام منه في ذلك الوقت كان سبباً للوهم الذي ذهبت إليه النصارى، فلا جرم أول ما تكلم إنما تكلم بما يرفع ذلك الوهم فقال: ﴿ إِنّى عَبْدُ الله ﴾ وكان ذلك الكلام وإن كان موهماً من حيث إنه صدر عنه في تلك الحالة، ولكن ذلك الوهم يزول ولا يبقى من حيث إنه تنصيص على العبودية.
الفائدة الثانية: أنه لما أقر بالعبودية فإن كان صادقاً في مقاله فقد حصل الغرض وإن كان كاذباً لم تكن القوة قوة إلهية بل قوة شيطانية فعلى التقديرين يبطل كونه إلهاً.
الفائدة الثالثة: أن الذي اشتدت الحاجة إليه في ذلك الوقت إنما هو نفي تهمة الزنا عن مريم عليها السلام ثم إن عيسى عليه السلام لم ينص على ذلك وإنما نص على إثبات عبودية نفسه كأنه جعل إزالة التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن الأم، فلهذا أول ما تكلم إنما تكلم بها.
الفائدة الرابعة: وهي أن التكلم بإزالة هذه التهمة عن الله تعالى يفيد إزالة التهمة عن الأم لأن الله سبحانه لا يخص الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية والمرتبة العظيمة.
وأما التكلم بإزالة التهمة عن الأم لا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى فكان الاشتغال بذلك أولى فهذا مجموع ما في هذا اللفظ من الفوائد، واعلم أن مذهب النصارى متخبط جداً، وقد اتفقوا على أنه سبحانه ليس بجسم ولا متحيز، ومع ذلك فإنا نذكر تقسيماً حاصراً يبطل مذهبهم على جميع الوجوه فنقول: إما أن يعتقدوا كونه متحيزاً أو لا، فإن اعتقدوا كونه متحيزاً أبطلنا قولهم بإقامة الدلالة على حدوث الأجسام، وحينئذ يبطل كل ما فرعوا عليه.
وإن اعتقدوا أنه ليس بمتحيز يبطل ما يقوله بعضهم من أن الكلمة اختلطت بالناسوت اختلاط الماء بالخمر وامتزاج النار بالفحم لأن ذلك لا يعقل إلا في الأجسام فإذا لم يكن جسماً استحال ذلك ثم نقول للناس قولان في الإنسان: منهم من قال إنه هو هذه البنية أو جسم موجود في داخلها ومنهم من يقول إنه جوهر مجرد عن الجسمية والحلول في الأجسام فنقول: هؤلاء النصارى، إما أن يعتقدوا أن الله أو صفة من صفاته اتحد ببدن المسيح أو بنفسه أو يعتقدوا أن الله أو صفة من صفاته حل في بدن المسيح أو في نفسه، أو يقولوا لا نقول بالاتحاد ولا بالحلول ولكن نقول إنه تعالى أعطاه القدرة على خلق الأجسام والحياة والقدرة وكان لهذا السبب إلهاً، أو لا يقولوا بشيء من ذلك ولكن قالوا: إنه على سبيل التشريف اتخذه ابناً كما اتخذ إبراهيم على سبيل التشريف خليلاً فهذه هي الوجوه المعقولة في هذا الباب، والكل باطل، أما القول الأول بالاتحاد فهو باطل قطعاً، لأن الشيئين إذا اتحدا فهما حال الاتحاد، إما أن يكونا موجودين أو معدومين أو يكون أحدهما موجوداً والآخر معدوماً، فإن كانا موجودين فهما اثنان لا واحد فالاتحاد باطل، وإن عدما وحصل ثالث فهو أيضاً لا يكون اتحاداً بل يكون قولاً بعدم ذينك الشيئين، وحصول شيء ثالث، وإن بقي أحدهما وعدم الآخر فالمعدوم يستحيل أن يتحد بالوجود لأنه يستحيل أن يقال: المعدوم بعينه هو الموجود فظهر من هذا البرهان الباهر أن الاتحاد محال.
وأما الحلول فلنا فيه مقامان: الأول: أن التصديق مسبوق بالتصور فلابد من البحث عن ماهية الحلول حتى يمكننا أن نعلم أنه هل يصح على الله تعالى أو لا يصح وذكروا للحلول تفسيرات ثلاثة: أحدها: كون الشيء في غيره ككون ماء الورد في الورد والدهن في السمسم والنار في الفحم، واعلم أن هذا باطل لأن هذا إنما يصح لو كان الله تعالى جسماً وهم وافقونا على أنه ليس بجسم.
وثانيها: حصوله في الشيء على مثال حصول اللون في الجسم فنقول: المعقول من هذه التبعية حصول اللون في ذلك الحيز تبعاً لحصول محله فيه، وهذا أيضاً إنما يعقل في حق الأجسام لا في حق الله تعالى.
وثالثها: حصوله في الشيء على مثال حصول الصفات الإضافية للذوات فنقول: هذا أيضاً باطل لأن المعقول من هذه التبعية الاحتياج فلو كان الله تعالى في شيء بهذا المعنى لكان محتاجاً فكان ممكناً فكان مفتقراً إلى المؤثر، وذلك محال، وإذا ثبت أنه لا يمكن تفسير هذا الحلول بمعنى ملخص يمكن إثباته في حق الله تعالى امتنع إثباته.
المقام الثاني: احتج الأصحاب على نفي الحلول مطلقاً بأن قالوا: لو حل لحل، إما مع وجوب أن يحل أو مع جواز أن يحل والقسمان باطلان، فالقول بالحلول باطل، وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يحل مع وجوب أن يحل لأن ذلك يقتضي إما حدوث الله تعالى أو قدم المحل وكلاهما باطلان، لأنا دللنا على أن الله قديم.
وعلى أن الجسم محدث، ولأنه لو حل مع وجوب أن يحل لكان محتاجاً إلى المحل والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته لا يكون واجباً لذاته، وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يحل مع جواز أن يحل لأنه لما كانت ذاته واجبة الوجود لذاته وحلوله في المحل أمر جائز، والموصوف بالوجوب غير ما هو موصوف بالجواز فيلزم أن يكون حلوله في المحل أمراً زائداً على ذاته وذلك محال لوجهين: أحدهما: أن حلوله في المحل لو كان زائداً على ذاته لكان حلول ذلك الزائد في محله زائداً على ذاته أو لزم التسلسل وهو محال.
والثاني: أن حلوله في ذلك لما كان زائداً على ذاته فإذا حل في محل وجب أن يحل فيه صفة محدثة، وذلك محال لأنه لو كان قابلاً للحوادث لكانت تلك القابلية من لوازم ذاته، وكانت حاصلة أزلاً، وذلك محال لأن وجود الحوادث في الأزل محال، فحصول قابليتها وجب أن يكون ممتنع الحصول فإن قيل لم لا يجوز أن يحل مع وجوب أن يحل.
لأنه يلزم، إما حدوث الحال أو قدم المحل، قلنا: لا نسلم وجوب أحد الأمرين، ولم لا يجوز أن يقال: إن ذاته تقتضي الحلول بشرط وجود المحل ففي الأزل ما وجد المحل فلم يوجد شرط هذا الوجوب فلا جرم لم يجب الحلول، وفيما لا يزال حصل هذا الشرط فلا جرم وجب سلمنا أنه يلزم، إما حدوث الحال أو قدم المحل فلم لا يجوز.
قوله: إنا دللنا على حدوث الأجسام، قلنا: لم لا يجوز أن يكون محله ليس بجسم ولكنه يكون عقلاً أو نفساً أو هيولى على ما يثبته بعضهم، ودليلكم على حدوث الأجسام لا يقبل حدوث هذه الأشياء، قوله ثانياً: لو حل مع وجوب أن يحل لكان محتاجاً إلى المحل، قلنا: لا نسلم وجوب أحد الأمرين بل هاهنا احتمالان آخران: أحدهما: أن العلة وإن امتنع انفكاكها عن المعلول لكنها لا تكون محتاجة إلى المعلول فلم لا يجوز أن يقال: إن ذاته غنية عن ذلك المحل ولكن ذاته توجب حلول نفسها في ذلك المعلول فيكون وجوب حلولها في ذلك المحل من معلولات ذاته، وقد ثبت أن العلة وإن استحال انفكاكها عن المعلول لكن ذلك لا يقتضي احتياجها إلى المعلول.
الثاني: أن يقال إنه في ذاته يكون غنياً عن المحل وعن الحلول، إلا أن المحل يوجب لذاته صفة الحلول، فالمفتقر إلى المحل صفة من صفاته وهي حلوله في ذلك المحل فأما ذاته فلا ولا يلزم من افتقار صفة من صفاته الإضافية إلى الغير افتقار ذاته إلى الغير وذلك لأن جميع الصفات الإضافية الحاصلة له مثل كونه أولاً وآخراً ومقارناً ومؤثراً ومعلوماً ومذكوراً مما لا يتحقق إلا عند حصول التحيز، وكيف لا والإضافات لابد في تحققها من أمرين، سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يحل مع جواز أن يحل.
قوله يلزم أن يكون حلوله فيه زائداً عليه، ويلزم التسلسل، قلنا: حلوله في المحل لما كان جائزاً كان حلوله في المحل زائداً عليه.
أما كون ذلك الحلول حالاً في المحل أمر واجب فلا يلزم أن يكون حلول الحلول زائداً عليه فلا يلزم التسلسل.
قوله ثانياً: يلزم أن يصير محل الحوادث، قلنا: لم لا يجوز ذلك قوله يلزم أن يكون قابلاً للحوادث في الأزل، قلنا: لا شك أن تمكنه من الإيجاد ثابت له إما لذاته أو لأمر ينتهي إلى ذاته، وكيف كان فيلزم صحة كونه مؤثراً في الأزل فكل ما ذكرتموه في المؤثرية فنحن نذكره في القابلية، والجواب: أنا نقرر هذه الدلالة على وجه آخر بحيث تسقط عنها هذه الأسئلة، فنقول: ذاته، إما أن تكون كافية اقتضاء هذا الحلول أو لا تكون كافية في ذلك فإن كان الأول استحال توقف ذلك الاقتضاء على حصول شرط فيعود ما قلنا إنه يلزم إما قدم المحل أو حدوث الحال.
وإن كان الثاني كان كونه مقتضياً لذلك الحلول أمراً زائداً على ذاته حادثاً فيه فعلى التقديرات كلها يلزم من حدوث حلوله في محل حدوث شيء فيه لكن يستحيل أن يكون قابلاً للحوادث، وإلا لزم أن يكون في الأزل قابلاً لها وهو محال على ما بيناه، وأما المعارضة بالقدرة فغير واردة لأنه تعالى لذاته قادر على الإيجاد في الأزل فهو قادر على الإيجاد فيما لا يزال فهاهنا أيضاً لو كانت ذاته قابلة للحوادث لكانت في الأزل قابلة لها فحينئذ يلزم المحال المذكور.
هذا تمام القول في هذه الأدلة ولنا في إبطال قول النصارى وجوه أخر.
أحدها: أنهم وافقونا على أن ذاته سبحانه وتعالى لم تحل في ناسوت عيسى عليه السلام بل قالوا الكلمة حلت فيه، والمراد من الكلمة العلم.
فنقول: العلم لما حل في عيسى ففي تلك الحالة إما أن يقال إنه بقي في ذات الله تعالى أو ما بقي فيها فإن كان الأول لزم حصول الصفة الواحدة في محلين.
وذلك غير معقول ولأنه لو جاز أن يقال العلم الحاصل في ذات عيسى عليه السلام هو العلم الحاصل في ذات الله تعالى بعينه، فلم لا يجوز في حق كل واحد ذلك حتى يكون العلم الحاصل لكل واحد هو العلم الحاصل لذات الله تعالى، وإن كان الثاني لزم أن يقال: إن الله تعالى لم يبق عالماً بعد حلول علمه في عيسى عليه السلام وذلك مما لا يقوله عاقل.
وثانيها: مناظرة جرت بيني وبين بعض النصارى، فقلت له هل تسلم أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول أم لا؟
فإن أنكرت لزمك أن لا يكون الله تعالى قديماً لأن دليل وجوده هو العالم فإذا لزم من عدم الدليل عدم المدلول لزم من عدم العالم في الأزل عدم الصانع في الأزل، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فنقول إذا جوزت اتحاد كلمة الله تعالى بعيسى أو حلولها فيه فكيف عرفت أن كلمة الله تعالى ما دخلت في زيد وعمرو بل كيف أنها ما حلت في هذه الهرة وفي هذا الكلب، فقال لي: إن هذا السؤال لا يليق بك لأنا إنما أثبتنا ذلك الاتحاد أو الحلول بناء على ما ظهر على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فإذا لم نجد شيئاً من ذلك ظهر على يد غيره فكيف نثبت الاتحاد أو الحلول، فقلت له: إني عرفت من هذا الكلام أنك ما عرفت أول الكلام لأنك سلمت لي أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول فإذا كان هذا الحلول غير ممتنع في الجملة فأكثر ما في الباب أنه وجد ما يدل على حصوله في حق عيسى عليه السلام ولم يوجد ذلك الدليل في حق زيد وعمرو ولكن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول فلا يلزم من عدم ظهور هذه الخوارق على يد زيد وعمرو وعلى السنور والكلب عدم ذلك الحلول، فثبت أنك مهما جوزت القول بالاتحاد والحلول لزمك تجويز حصول ذلك الاتحاد وذلك الحلول في حق كل واحد بل في حق كل حيوان ونبات ولا شك أن المذهب الذي يسوق قائله إلى مثل هذا القول الركيك يكون باطلاً قطعاً، ثم قلت له: وكيف دل إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص على ما قلت؟
أليس أن انقلاب العصا ثعباناً أبعد من انقلاب الميت حياً فإذا ظهر ذلك على يد موسى عليه السلام ولم يدل على إلهيته فبأن لا يدل هذا على آلهية عيسى أولى.
وثالثها: أنا نقول دلالة أحوال عيسى على العبودية أقوى من دلالتها على الربوبية لأنه كان مجتهداً في العبادة والعبادة لا تليق إلا بالعبيد فإنه كان في نهاية البعد عن الدنيا والاحتراز عن أهلها حتى قالت النصارى إن اليهود قتلوه ومن كان في الضعف هكذا فكيف تليق به الربوبية.
ورابعها: المسيح إما أن يكون قديماً أو محدثاً والقول بقدمه باطل لأنا نعلم بالضرورة أنه ولد وكان طفلاً ثم صار شاباً وكان يأكل ويشرب ويعرض له ما يعرض لسائر البشر، وإن كان محدثاً كان مخلوقاً ولا معنى للعبودية إلا ذلك، فإن قيل: المعنى بإلهيته أنه حلت صفة الآلهية فيه، قلنا: هب أنه كان كذلك لكن الحال هو صفة الإله والمسيح هو المحل والمحل محدث مخلوق فما هو المسيح (إلا) عبد محدث فكيف يمكن وصفه بالإلهية.
وخامسها: أن الولد لابد وأن يكون من جنس الوالد فإن كان لله ولد فلابد وأن يكون من جنسه فإذن قد اشتركا من بعض الوجوه، فإن لم يتميز أحدهما عن الآخر بأمر ما فكل واحد منهما هو الآخر، وإن حصل الامتياز فما به الامتياز غير ما به الاشتراك، فيلزم وقوع التركيب في ذات الله وكل مركب ممكن، فالواجب ممكن هذا خلف محال هذا كله على الاتحاد والحلول.
أما الاحتمال الثالث: وهو أن يقال معنى كونه إلهاً أنه سبحانه خص نفسه أو بدنه بالقدرة على خلق الأجسام والتصرف في هذا العالم فهذا أيضاً باطل لأن النصارى حكوا عنه الضعف والعجز وأن اليهود قتلوه ولو كان قادراً على خلق الأجسام لما قدروا على قتله بل كان هو يقتلهم ويخلق لنفسه عسكراً يذبون عنه.
وأما الاحتمال الرابع: وهو أنه اتخذه ابناً لنفسه على سبيل التشريف فهذا قد قال به قوم من النصارى يقال لهم الأرميوسية وليس فيه كثير خطأ إلا في اللفظ فهذا جملة الكلام على النصارى وبه ثبت صدق ما حكاه الله تعالى عنه أنه قال: إني عبد الله.
الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ آتاني الكتاب ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف الناس فيه فالجمهور على أنه قال هذا الكلام حال صغره وقال أبو القاسم البلخي إنه إنما قال ذلك حين كان كالمراهق الذي يفهم وإن لم يبلغ حد التكليف أما الأولون فلهم قولان: أحدهما: أنه كان في ذلك الصغر نبياً.
الثاني: روى عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: المراد بأن حكم وقضى بأنه سيبعثني من بعد ولما تكلم بذلك سكت وعاد إلى حال الصغر.
ولما بلغ ثلاثين سنة بعثه الله نبياً، واحتج من نص على فساد القول الأول بأمور: أحدها: أن النبي لا يكون إلا كاملاً والصغير ناقص الخلقة بحيث يعد هذا التحدي من الصغير منفراً بل هو في التنفير أعظم من أن يكون امرأة.
وثانيها: أنه لو كان نبياً في هذا الصغر لكان كمال عقله مقدماً على ادعائه للنبوة إذ النبي لابد وأن يكون كامل العقل لكن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة فيكون المعجز متقدماً على التحدي وإنه غير جائز.
وثالثها: أنه لو كان نبياً في ذلك الوقت لوجب أن يشتغل ببيان الأحكام، وتعريف الشرائع ولو وقع ذلك لاشتهر ولنقل فحيث لم يحصل ذلك علمنا أنه ما كان نبياً في ذلك الوقت.
أجاب الأولون عن الكلام الأول بأن كون الصبي ناقصاً ليس لذاته بل الأمر يرجع إلى صغر جسمه ونقصان فهمه، فإذا أزال الله تعالى هذه الأشياء لم تحصل النفرة بل تكون الرغبة إلى استماع قوله وهو على هذه الصفة أتم وأكمل.
وعن الكلام الثاني لم لا يجوز أن يقال إكمال عقله وإن حصل مقدماً على دعواه إلا أنه معجزة لزكريا عليه السلام، أو يقال: إنه إرهاص لنبوته أو كرامة لمريم عليها السلام وعندنا الإرهاص والكرامات جائزة، وعن الكلام الثالث لم لا يجوز أن يقال مجرد بعثته إليهم من غير بيان شيء من الشرائع والأحكام جائز ثم بعد البلوغ أخذ في شرح تلك الأحكام، فثبت بهذا أنه لا امتناع في كونه نبياً في ذلك الوقت وقوله: ﴿ آتاني الكتاب ﴾ يدل على كونه نبياً في ذلك الوقت فوجب إجراؤه على ظاهره بخلاف ما قاله عكرمة، أما قول أبي القاسم البلخي فبعيد وذلك لأن الحاجة إلى كلام عيسى عليه السلام إنما كانت عند وقوع التهمة على مريم عليها السلام.
المسألة الثانية: اختلفوا في ذلك الكتاب فقال بعضهم هو التوراة لأن الألف واللام في الكتاب تنصرف للمعهود والكتاب المعهود لهم هو التوراة، وقال أبو مسلم: المراد هو الإنجيل لأن الألف واللام هاهنا للجنس أي آتاني من هذا الجنس، وقال قوم: المراد هو التوراة والإنجيل لأن الألف واللام تفيد الاستغراق.
المسألة الثالثة: اختلفوا في أنه متى آتاه الكتاب ومتى جعله نبياً لأن قوله: ﴿ آتاني الكتاب وَجَعَلَنِى نَبِيّاً ﴾ يدل على أن ذلك كان قد حصل من قبل إما ملاصقاً لذلك الكلام أو متقدماً عليه بأزمان، والظاهر أنه من قبل أن كلمهم آتاه الله الكتاب وجعله نبياً وأمره بالصلاة والزكاة وأن يدعو إلى الله تعالى وإلى دينه وإلى ما خص به من الشريعة فقيل هذا الوحي نزل عليه وهو في بطن أمه وقيل لما انفصل من الأم آتاه الله الكتاب والنبوة وأنه تكلم مع أمه وأخبرها بحاله وأخبرها بأنه يكلمهم بما يدل على براءة حالها فلهذا أشارت إليه بالكلام.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَجَعَلَنِى نَبِيّاً ﴾ قال بعضهم أخبر أنه نبي ولكنه ما كان رسولاً لأنه في ذلك الوقت ما جاء بالشريعة ومعنى كونه نبياً أنه رفيع القدر على الدرجة وهذا ضعيف لأن النبي في عرف الشرع هو الذي خصه الله بالنبوة وبالرسالة خصوصاً إذا قرن إليه ذكر الشرع وهو قوله وأوصاني بالصلاة والزكاة.
الصفة الرابعة: قوله: ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ ﴾ فلقائل أن يقول كيف جعله مباركاً والناس كانوا قبله على الملة الصحيحة فلما جاء صار بعضهم يهوداً وبعضهم نصارى قائلين بالتثليث ولم يبق على الحق إلا القليل، والجواب ذكروا في تفسير المبارك وجوهاً: أحدها: أن البركة في اللغة هي الثبات وأصله من بروك البعير فمعناه جعلني ثابتاً على دين الله مستقراً عليه.
وثانيها: أنه إنما كان مباركاً لأنه كان يعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى طريق الحق فإن ضلوا فمن قبل أنفسهم لا من قبله وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسلمت أم عيسى عليها السلام عيسى إلى الكتاب فقالت للمعلم: أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له المعلم: اكتب فقال: أي شيء أكتب، فقال: اكتب أبجد فرفع عيسى عليه السلام رأسه فقال: هل تدري ما أبجد؟
فعلاه بالدرة ليضربه فقال: يا مؤدب لا تضربني إن كنت لا تدري فاسألني فأنا أعلمك الألف من آلاء الله والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله والدال من أداء الحق إلى الله».
وثالثها: البركة الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأحوال غالباً مفلحاً منجحاً لأني ما دمت أبقى في الدنيا أكون على الغير مستعلياً بالحجة فإذا جاء الوقت المعلوم يكرمني الله تعالى بالرفع إلى السماء.
ورابعها: مبارك على الناس بحيث يحصل بسبب دعائي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص فقالت: طوبى لبطن حملك وثدي أرضعت به، فقال عيسى عليه السلام مجيباً لها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يكن جباراً شقياً.
أما قوله: ﴿ أَيْنَ مَا كُنتُ ﴾ فهو يدل على أن حاله لم يتغير كما قيل إنه عاد إلى حال الصغر وزوال التكليف.
الصفة الخامسة: قوله: ﴿ وَأَوْصَانِى بالصلاة والزكاة ما دمت حياً ﴾ فإن قيل كيف أمر بالصلاة والزكاة مع أنه كان طفلاً صغيراً والقلم مرفوع عنه على ما قاله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ» الحديث وجوابه من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال بل بعد البلوغ فلعل المراد أنه تعالى أوصاه بهما وبأدائهما في الوقت المعين له وهو وقت البلوغ.
الثاني: لعل الله تعالى لما انفصل عيسى عن أمه صيره بالغاً عاقلاً تام الأعضاء والخلقة وتحقيقه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ ﴾ فكما أنه تعالى خلق آدم تاماً كاملاً دفعة فكذا القول في عيسى عليه السلام، وهذا القول الثاني أقرب إلى الظاهر لقوله: ﴿ مَا دُمْتُ حَيّاً ﴾ فإنه يفيد أن هذا التكليف متوجه عليه في جميع زمان حيائه ولكن لقائل أن يقول لو كان الأمر كذلك لكان القوم حين رأوه فقد رأوه شخصاً كامل الأعضاء تام الخلقة وصدور الكلام عن مثل هذا الشخص لا يكون عجباً فكان ينبغي أن لا يعجبوا فلعل الأول أن يقال إنه تعالى جعله مع صغر جثته قوي التركيب كامل العقل بحيث كان يمكنه أداء الصلاة والزكاة والآية دالة على أن تكليفه لم يتغير حين كان في الأرض وحين رفع إلى السماء وحين ينزل مرة أخرى.
الصفة السادسة: قوله تعالى: ﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَتِى ﴾ أي جعلني براً بوالدتي وهذا يدل على قولنا: إن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن الآية تدل على أن كونه براً إنما حصل بجعل الله وخلقه وحمله على الألطاف عدول عن الظاهر ثم قوله: ﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَتِى ﴾ إشارة إلى تنزيه أمه عن الزنا إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعصوم مأموراً بتعظيمها.
قال صاحب الكشاف: جعل ذاته براً لفرط بره ونصبه بفعل في معنى أوصاني وهو كلفني لأن أوصاني بالصلاة وكلفني بها واحد.
الصفة السابعة؛ قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً ﴾ وهذا أيضاً يدل على قولنا لأنه لما بين أنه جعله براً وما جعله جباراً فهذا إنما يحسن لو أن الله تعالى جعل غيره جباراً وغيره بار بأمه، فإن الله تعالى لو فعل ذلك بكل أحد لم يكن لعيسى عليه السلام مزيد تخصيص بذلك، ومعلوم أنه عليه السلام إنما ذكر ذلك في معرض التخصيص وقوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً ﴾ أي ما جعلني متكبراً بل أنا خاضع لأني متواضع لها ولو كنت جباراً لكنت عاصياً شقياً.
وروي أن عيسى عليه السلام قال: قلبي لين وأنا صغير في نفسي وعن بعض العلماء لا تجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا: ﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً ﴾ ولا تجد سيئ الملكة إلا مختالاً فخوراً وقرأ: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ .
الصفة الثامنة: هي قوله: ﴿ والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم: لام التعريف في السلام منصرف إلى ما تقدم في قصتي يحيى عليه السلام من قوله: ﴿ وسلام عَلَيْهِ ﴾ أي السلام الموجه إليه في المواطن الثلاثة موجه إلي أيضاً وقال صاحب الكشاف: الصحيح أن يكون هذا التعريف تعويضاً باللعن على من اتهم مريم بالزنا وتحقيقه أن اللام للاستغراق فإذا قال: ﴿ والسلام عَلَىَّ ﴾ فكأنه قال وكل السلام علي وعلى أتباعي فلم يبق للأعداء إلا اللعن ونظيره قول موسى عليه السلام: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى ﴾ بمعنى أن العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام اللجاج والعناد ويليق به مثل هذا التعريض.
المسألة الثانية: روى بعضهم عن عيسى عليه السلام أنه قال ليحيى أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي وأجاب الحسن فقال: إن تسليمه على نفسه بتسليم الله عليه.
المسألة الثالثة: قال القاضي: السلام عبارة عما يحصل به الأمان ومنه السلامة في النعم وزوال الآفات فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى، ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة وأعظم أحوال الإنسان احتياجاً إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى طلبها ليكون مصوناً عن الآفات والمخافات في كل الأحوال، واعلم أن اليهود والنصارى ينكرون أن عيسى عليه السلام تكلم في زمان الطفولية واحتجوا عليه بأن هذا من الوقائع العجيبة التي تتوافر الدواعي على نقلها فلو وجدت لنقلت بالتواتر ولو كان ذلك لعرفه النصارى لا سيما وهم من أشد الناس بحثاً عن أحواله وأشد الناس غلواً فيه حتى زعموا كونه إلهاً ولا شك أن الكلام في الطفولية من المناقب العظيمة والفضائل التامة فلما لم تعرفه النصارى مع شدة الحب وكمال البحث عن أحواله علمنا أنه لم يوجد ولأن اليهود أظهروا عداوته حال ما أظهر ادعاء النبوة فلو أنه عليه السلام تكلم في زمان الطفولية وادعى الرسالة لكانت عداوتهم معه أشد ولكان قصدهم قتله أعظم فحيث لم يحصل شيء من ذلك علمنا أنه ما تكلم، أما المسلمون فقد احتجوا من جهة العقل على أنه تكلم فإنه لولا كلامه الذي دلهم على براءة أمه من الزنا لما تركوا إقامة الحد على الزنا عليها ففي تركهم لذلك دلالة على أنه عليه السلام تكلم في المهد وأجابوا عن الشبهة الأولى بأنه ربما كان الحاضرون عند كلامه قليلين فلذلك لم يشتهر وعن الثاني لعل اليهود ما حضروا هناك وما سمعوا كلامه فلذلك لم يشتغلوا بقصد قتله.
<div class="verse-tafsir"
أنطقه الله أوّلاً بأنه عبد الله رداً لقول النصارى و ﴿ الكتاب ﴾ هو الإنجيل.
واختلفوا في نبوّته، فقيل: أعطيها في طفوليته: أكمل الله عقله، واستنبأه طفلاً نظراً في ظاهر الآية.
وقيل: معناه إنّ ذلك سبق في قضائه.
أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ ﴾ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نفَّاعَا حيثُ كنتُ» وقيل: معلماً للخير.
وقرئ ﴿ وَبِرَّاً ﴾ عن أبي نهيك، جعل ذاته برا لفرط بره.
أو نصبه بفعل في معنى أوصاني وهو كلفني؛ لأن أوصاني بالصلاة وكلفنيها واحد ﴿ والسلام عَلَىَّ ﴾ قيل: أدخل لام التعريف لتعرفه بالذكر قبله، كقولك: جاءنا رجل، فكان من فعل الرجل كذا، والمعنى: ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إليّ.
والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضاً باللعنة على متهمي مريم عليها السلام، وأعدائها من اليهود.
وتحقيقه أن اللام للجنس، فإذا قال: وجنس السلام عليّ خاصة فقد عرض بأن ضدّه عليكم.
ونظيره قوله تعالى: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى ﴾ [طه: 47] يعني أنّ العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام مناكرة وعناد، فهو مئنة لنحو هذا من التعريض.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَعَلَنِي مُبارَكًا ﴾ نَفّاعًا مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الماضِي إمّا بِاعْتِبارِ ما سَبَقَ في قَضائِهِ، أوْ بِجَعْلِ المُحَقَّقِ وُقُوعُهُ كالواقِعِ وقِيلَ أكْمَلَ اللَّهُ عَقْلَهُ واسْتَنْبَأهُ طِفْلًا.
﴿ أيْنَ ما كُنْتُ ﴾ حَيْثُ كُنْتُ.
﴿ وَأوْصانِي ﴾ وأمَرَنِي.
﴿ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ﴾ زَكاةِ المالِ إنْ مَلَكْتُهُ أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ عَنِ الرَّذائِلِ.
﴿ ما دُمْتُ حَيًّا ﴾ .
﴿ وَبَرًّا بِوالِدَتِي ﴾ وبارًّا بِها عُطِفَ عَلى ﴿ مُبارَكًا ﴾ ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ أوْصانِي، أيْ وكَلَّفَنِي بَرًّا ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالكَسْرِ والجَرُّ عَطْفًا عَلى ﴿ بِالصَّلاةِ ﴾ .
﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا ﴾ عِنْدَ اللَّهِ مِن فَرْطِ تَكَبُّرِهِ.
﴿ والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ كَما هو عَلى يَحْيى والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ والأظْهَرُ أنَّهُ لِلْجِنْسِ والتَّعْرِيضِ بِاللَّعْنِ عَلى أعْدائِهِ، فَإنَّهُ لَمّا جَعَلَ جِنْسَ السَّلامِ عَلى نَفْسِهِ عَرَّضَ بِأنَّ ضِدَّهُ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ بِأنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَبَ وتَوَلّى.
<div class="verse-tafsir"
{والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ} يوم ظرف والعامل فيه الخبر وهو علي {وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} أي ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلي إن كان حرف التعريف للعهد وإن كان للجنس فالمعنى وجنس السلام علي وفيه تعريض باللعنة على أعداء مريم وابنها لأنه إذا قال وجنس السلام عليّ فقد عرض بأن ضده عليكم إذ المقام مقام مناكرة وعناد فكان مئنة لمثل هذا التعريض
﴿ والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في وجْهِ تَخْصِيصِ هَذِهِ المَواطِنِ بِالذِّكْرِ فَتُذْكَرُ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ، والأظْهَرُ بَلِ الصَّحِيحُ أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْجِنْسِ جِيءَ بِهِ تَعْرِيضًا بِاللَّعْنَةِ عَلى مُتَّهِمِي مَرْيَمَ وأعْدائِها عَلَيْها السَّلامُ مِنَ اليَهُودِ فَإنَّهُ إذا قالَ: جِنْسُ السَّلامِ عَلى خاصَّةٍ فَقَدْ عَرَّضَ بِأنَّ ضِدَّهُ عَلَيْكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ﴾ يَعْنِي أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى، وكانَ المَقامُ مَقامَ مُناكَرَةٍ وعِنادٍ فَهو مَئِنَّةٌ لِنَحْوِ هَذا مِنَ التَّعْرِيضِ.
والقَوْلُ بِأنَّهُ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ خِلافُ الظّاهِرِ بَلْ غَيْرُ صَحِيحٍ لا لِأنَّ المَعْهُودَ سَلامُ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَيْنُهُ لا يَكُونُ سَلامًا لِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ ﴿ هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ ﴾ بَلْ لِأنَّ هَذا الكَلامَ مُنْقَطِعٌ عَنْ ذَلِكَ وُجُودًا وسَرْدًا فَيَكُونُ مَعْهُودًا غَيْرَ سابِقٍ لَفْظًا ومَعْنى عَلى أنَّ المَقامَ يَقْتَضِي التَّعْرِيضَ ويُفَوَّتُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لِأنَّ التَّقابُلَ إنَّما يَنْشَأُ مِنِ اخْتِصاصِ جَمِيعِ السَّلامِ بِهِ عَلَيْهِ كَذا في الكَشْفِ والِاكْتِفاءِ في العَهْدِ بِهِ لِصَحِيحِهِ بِذِكْرِهِ في الحِكايَةِ لا يَخْفى حالُهُ وسَلامُ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ قِيلَ لِكَوْنِهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى أرْجَحُ مِن هَذا السَّلامِ لِكَوْنِهِ مِن قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هَذا أرْجَحُ لِما فِيهِ مِن إقامَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ في ذَلِكَ مَقامَ نَفْسِهِ مَعَ إفادَةِ اخْتِصاصِ جَمِيعِ السَّلامِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( يَوْمَ ولَدَتْ ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى والِدَتِهِ (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى مَن فُصِّلَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ وامْتِيازِهِ بِتِلْكَ المَناقِبِ الحَمِيدَةِ عَنْ غَيْرِهِ ونُزُولِهِ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ المُشاهَدِ.
وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (عِيسى) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ صِفَةُ عِيسى أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ والأكْثَرُونَ عَلى الصِّفَةِ.
والمُرادُ ذَلِكَ هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لا ما يَصِفُهُ النَّصارى وهو تَكْذِيبٌ لَهم عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ والمِنهاجِ البُرْهانِيِّ حَيْثُ جَعَلَ مَوْصُوفًا بِأضْدادِ ما يَصِفُونَهُ كالعُبُودِيَّةِ لِخالِقِهِ سُبْحانَهُ المُضادَّةِ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَهًا وابْنًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فالحَصْرُ مُسْتَفادٌ مِن فَحْوى الكَلامِ، وقِيلَ: هو مُسْتَفادٌ مِن تَعْرِيفِ الطَّرَفَيْنِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الكِرْمانِيُّ مِن أنَّ تَعْرِيفَهُما مُطْلَقًا يُفِيدُ الحَصْرَ، وهو عَلى ما فِيهِ مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ أهْلُ المَعانِي مِن أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِتَعْرِيفِ المُسْنَدِ بِاللّامِ أوْ بِإضافَتِهِ إلى ما هي فِيهِ كَتِلْكَ آياتُ الكِتابِ عَلى ما فِيهِ بَعْضُ شُرُوحِ الكَشّافِ.
وقِيلَ اسْتِفادَتُهُ مِنَ التَّعْرِيفِ عَلى ما ذَكَرُوهُ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ عِيسى مُؤَوَّلٌ بِالمُعَرَّفِ بِاللّامِ أيِ المُسَمّى بِعِيسى وهو كَما تَرى فَعَلَيْكَ بِالأوَّلِ.
﴿ قَوْلَ الحَقِّ ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، والمُرادُ بِالحَقِّ اللَّهُ تَعالى وبِالقَوْلِ كَلِمَتُهُ تَعالى، وأُطْلِقَتْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَعْنى أنَّهُ خُلِقَ بِقَوْلِ كُنْ مِن غَيْرِ أبٍ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الحالِ مِن عِيسى، والمُرادُ بِالحَقِّ والقَوْلِ ما سَمِعْتَ.
وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ أقُولُ قَوْلَ الحَقِّ.
وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ مَنصُوبٌ بِأحَقَّ مَحْذُوفًا وُجُوبًا.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ إلَخْ <div class="verse-tafsir"
ثمّ قال: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ وذلك أن مريم حملت عيسى ودخلت على أهلها، وكان أهلها أهل بيت صالحين.
قالُوا أي قال لها قومها: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا، يعني: أتيت وفعلت أمراً منكرا عظيما، لا يعرف منك ولا من أهل بيتك.
قوله عز وجل: يا أُخْتَ هارُونَ، يعني: هارون بن ماثان، وكان من أمثل بني إسرائيل يا أُخْتَ هارُونَ، يعني: يا شبه هارون في الصلاة والصلاح، ويقال: كان رجل سوء يسمى هارون فعيّروها به وشبهوها بهارون، ويقال: كان لها أخ يقال له هارون من أبيها ولم يكن من أمها، وذكر أن أهل الكتاب قالوا: كيف تقولون إن مريم أخت هارون وكان بينهما ستمائة سنة؟
فذكر ذلك لرسول الله فقال: «إنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ الأنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ» عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ يعني: أن أخا مريم سُمِّي باسم هارون النبي .
ثم قال: مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ، يعني: زانياً وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا، يعني: فاجرة.
قوله عز وجل: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ، يعني: أشارت إلى عيسى أن كلموه، يعني: كلموا عيسى.
قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا؟
يعني: من هو في الحجر رضيع.
ويقال: معناه كيف نكلم من هو يكون في المهد؟
ويقال: معناه كيف نكلم من يكون في المهد صبياً؟
فأنطق الله عز وجل عيسى، فتكلم وقالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، فأول الكلام الذي تكلم به هو ردّ على النصارى، لأنه أقر بأنه عبد الله ورسوله.
ثم قال: آتانِيَ الْكِتابَ روي عن ابن عباس أنه قال: «معناه علمني الكتاب في بطن أمي» ، ويقال: معناه يؤتيني الكتاب وهو الإنجيل، وَجَعَلَنِي نَبِيًّا أي أكرمني الله تعالى بأن جعلني نبياً، وَجَعَلَنِي مُبارَكاً يعني: جعلني معلماً للخلق أَيْنَ ما كُنْتُ، يعني: حيث ما كنت، وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ يعني: أوصاني وأمرني بإتمام الصلاة وإعطاء الزكاة مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوالِدَتِي، يعني: جعلني رحيماً بوالدتي، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا يعني: لم يخذلني حتى صرت به جباراً عصياً.
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يعني: السلام عليّ من الله عز وجل يَوْمَ وُلِدْتُ يعني: حين ولدت، وَيَوْمَ أَمُوتُ يعني: حين أموت، وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا يعني: أبعث يوم القيامة.
فكلمهم بهذا ثمّ سكت، فلم يتكلم حتى كان قدر ما يتكلم الغلمان.
<div class="verse-tafsir"
وقال قتادةُ: نسبوها إلى هَارُونَ اسم رَجُلٍ صَالِحٍ في ذلك الزمان «١» .
وقالتْ فرقةٌ: بل كان في ذلك الزمان رجلٌ فاجِرٌ اسمه هَارُون نسبُوها إليه على جهة التَّعْيِير.
ت: واللهُ أعلمُ بصحّة هذا، وما رواه المُغِيرة إنْ ثبت هو المعوَّلُ عليه، وقولهم:
مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ المعنى: ما كان أَبُوك، ولا أمّك أهلاً لهذه الفِعْلة، فكيف جِئْت أنت بها؟
والبَغِيّ: الّتي تبغِي الزَّنَا، أي: تطلبه.
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)
وقولُه تعالى: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ يقوى قولَ مَنْ قال: إنّ أمرها ب فَقُولِي، إنما أريد به الإشارة.
وقوله: آتانِيَ الْكِتابَ يعني الإنْجِيل، ويحتمل أن يريد التوراةَ والإنجيل، و «آتاني» معناه: قضى بذلك- سُبْحَانه- وأَنْفذه في سَابِق حُكْمه، وهذا نحو قولِه تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: ١] .
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ قيل: هما المشرُوعتانِ في البدن، والمال.
وقيل: الصلاةُ: الدعاءُ، والزكاة: التطهُّرُ من كُلِّ عيْبٍ، ونقصٍ، ومعصيةٍ.
والجبارُ المتعَظِّمُ وهي خلق مقرونة بالشقاء لأَنَّها مناقضة لجميع الناس، فلا يلقى صاحبها من كل أحد إلا مكروهاً، وكان عيسى عليه السلام في غاية التَّوَاضُعِ يأكلُ الشجر، ويلبَسُ الشَّعْر، ويجلس على الأَرض، ويَأْوِي حيث جنّه الليل.
لا مسكن له.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: أتَتْهم بِهِ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا حِينَ طَهُرَتْ مِن نِفاسِها.
وقالَ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: انْطَلَقَ قَوْمُها يَطْلُبُونَها، فَلَمّا رَأتْهم حَمَلَتْ عِيسى فَتَلَقَّتْهم بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: " أتَتْ بِهِ " يُغْنِي عَنْ ﴿ تَحْمِلُهُ ﴾ ، فَلا فائِدَةَ لِلتَّكْرِيرِ.
فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ مِنهُ آَياتٌ، جازَ أنْ يَتَوَهَّمَ السّامِعُ ﴿ فَأتَتْ بِهِ ﴾ أنْ يَكُونَ ساعِيًا عَلى قَدَمَيْهِ، فَيَكُونُ سَعْيُهُ آَيَةً كَنُطْقِهِ، فَقَطَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ، وأعْلَمَ أنَّهُ كَسائِرِ الأطْفالِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: نَظَرْتُ إلى فُلانٍ بِعَيْنِي، فَنَفَوْا بِذَلِكَ نَظَرَ العَطْفِ والرَّحْمَةِ، وأثْبَتُوا [ أنَّهُ ] نَظَرُ عَيْنٍ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: لَمّا دَخَلَتْ عَلى قَوْمِها بَكَوْا، وكانُوا قَوْمًا صالِحِينَ، و ﴿ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: شَيْئًا عَظِيمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
قالَ الفَرّاءُ: الفَرْيُ: العَظِيمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: تَرَكْتُهُ يَفْرِي الفَرْيَ: إذا عَمِلَ فَأجادَ العَمَلَ، فَفَضَلَ النّاسُ قِيلَ هَذا فِيهِ، قالَ النَّبِيُّ : " «فَما رَأيْتُ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرْيَ عُمَرَ» " .
والثّانِي: عَجَبًا فائِقًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: شَيْئًا مَصْنُوعًا، ومِنهُ يُقالَ: فَرَيْتُ الكَذِبَ وافْتَرَيْتُهُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أُخْتَ هارُونَ ﴾ في المُرادِ بِهارُونَ هَذا خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أخٌ لَها مِن أُمِّها، وكانَ مَن أمْثَلِ فَتًى في بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ الضَّحّاكُ: كانَ مِن أبِيها وأُمِّها.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن بَنِي هارُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ مِن بَنِي هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَنُسِبَتْ إلَيْهِ لِأنَّها مَن ولَدِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ رَجُلٌ صالِحٌ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَشَبَّهُوها بِهِ في الصَّلاحِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما «رَوى المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: ألَسْتُمْ تَقْرَؤُونَ: ﴿ يا أُخْتَ هارُونَ ﴾ ، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما كانَ بَيْنَ مُوسى وعِيسى ؟
فَلَمْ أدْرِ ما أُجِيبُهُمْ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللهِ فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: " ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ بِأنْبِيائِهِمْ والصّالِحِينَ قَبْلَهم "» .
والرّابِعُ: أنَّ قَوْمَ هارُونَ كانَ فِيهِمْ فُسّاقٌ وزُناةٌ، فَنَسَبُوها إلَيْهِمْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ رَجُلٌ مِن فُسّاقِ بَنِي إسْرائِيلَ شَبَّهُوها بِهِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
فَعَلى هَذا يَخْرُجُ في مَعْنى ( الأُخْتِ ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الأُخْتُ حَقِيقَةً.
والثّانِي: المُشابَهَةُ لا المُناسَبَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ أبُوكِ ﴾ يَعْنُونَ: عِمْرانَ، ﴿ امْرَأ سَوْءٍ ﴾ ؛ أيْ: زانِيًا، ﴿ وَما كانَتْ أُمُّكِ ﴾ حِنَّةً، ﴿ بَغِيًّا ﴾ ؛ أيْ: زانِيَةً، فَمِن أيْنَ لَكِ هَذا الوَلَدُ ؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأشارَتْ ﴾ ؛ أيْ: أوْمَأتْ، ﴿ إلَيْهِ ﴾ ؛ أيْ: إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ.
وقِيلَ: المَعْنى: أشارَتْ إلَيْهِ أنْ كَلِّمُوهُ، وكانَ عِيسى قَدْ كَلَّمَها حِينَ أتَتْ قَوْمَها، وقالَ: يا أُمّاهُ أبْشِرِي فَإنِّي عَبْدُ اللَّهِ ومَسِيحُهُ، فَلَمّا أشارَتْ أنْ كَلِّمُوهُ تَعْجَّبُوا مِن ذَلِكَ، و ﴿ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها زائِدَةٌ، فالمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ ؟
والثّانِي: أنَّها في مَعْنى وقَعَ وحَدَثَ.
والثّالِثُ: أنَّها في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فالمَعْنى: مَن يَكُنْ في المَهْدِ صَبِيًّا، فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ ؟
حَكاها الزَّجّاجُ، واخْتارَ الأخِيرُ مِنها.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا كَما تَقُولُ: كَيْفَ أعِظُ مَن كانَ لا يَقْبَلُ مَوْعِظَتِي؛ أيْ: مَن يَكُنْ لا يَقْبَلُ، والماضِي يَكُونُ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ في الجَزاءِ.
والرّابِعُ: أنْ " كانَ " بِمَعْنى صارَ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
وَفِي المُرادِ بِالمَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حَجْرُها، قالَهُ نَوْفُ، وقَتادَةُ، والكَلْبِيُّ.
والثّانِي: سَرِيرُ الصَّبِيِّ المَعْرُوفِ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ أيْضًا.
قالَ السُّدِّيُّ: فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهُمْ، لَمْ يَزِدْ عَلى أنْ تَرَكَ الرَّضاعَ وأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فَقالَ: ﴿ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ.
﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: إنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ العُبُودِيَّةِ لِيُبْطِلَ قَوْلَ مَنِ ادَّعى فِيهِ الرُّبُوبِيَّةَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ آتانِيَ الكِتابَ ﴾ أسْكَنَ هَذِهِ الياءَ حَمْزَةُ.
وفي مَعْنى الآَيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ آَتاهُ الكِتابَ وهو في بَطْنِ أُمِّهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: عُلِّمَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وهو في بَطْنِ أُمِّهِ.
والثّانِي: قَضى أنْ يُؤْتِيَنِي الكِتابَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَفِي ﴿ الكِتابَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ.
والثّانِي: الإنْجِيلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ هَذا وما بَعْدَهُ إخْبارٌ عَمّا قَضى اللَّهُ لَهُ، وحَكَمَ لَهُ بِهِ ومَنَحَهُ إيّاهُ مِمّا سَيَظْهَرُ ويَكُونُ.
وقِيلَ: المَعْنى: يُؤْتِينِي الكَتابَ ويَجْعَلُنِي نَبِيًّا إذا بَلَغْتُ، فَحَلَّ الماضِي مَحَلَّ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ﴾ .
وَفِي وقْتِ تَكْلِيمِهِ لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلَّمَهم بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا.
والثّانِي: في يَوْمِهِ.
وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الزَّمانِ الَّذِي غابَتْ عَنْهم فِيهِ مَرْيَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ ﴾ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللهِ في هَذِهِ الآَيَةِ، قالَ: " نَفّاعًا حَيْثُما تَوَجَّهْتُ» " .
وقالَ مُجاهِدٌ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ.
وَفِي المُرادِ بِـ " الزَّكاةِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: زَكاةُ الأمْوالِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: الطَّهارَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَرًّا بِوالِدَتِي ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قالَ هَذا، ولَمْ يَقُلْ: ( بِوالِدِي ) عَلِمُوا أنَّهُ وُلِدَ مِن غَيْرِ بَشَرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا ﴾ ؛ أيْ: مُتَعَظِّمًا، ﴿ شَقِيًّا ﴾ عاصِيًا لِرَبِّهِ، ﴿ والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: السَّلامَةُ عَلَيَّ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ وُلِدْتُ حَتّى لَمْ يَضُرَّنِي شَيْطانٌ.
وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الآَيَةِ [ مَرْيَمَ: ١٥ ] .
فَإنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ هاهُنا " السَّلامَ " بِألِفٍ ولامٍ، وذَكَرَهُ في قِصَّةِ يَحْيى بِلا ألِفٍ ولامٍ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ السَّلامِ قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ، كانَ الأحْسَنُ أنْ يَرِدَ ثانِيَةً بِألِفٍ ولامٍ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ هَذا وهو قَوْلُ عِيسى، عَلى الأوَّلِ وهو قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ؟
وَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: عِيسى إنَّما يَتَعَلَّمُ مِن رَبِّهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ في يَحْيى، فَبَنى عَلَيْهِ وألْصَقَهُ بِنَفْسِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَرَفَ السَّلامَ الثّانِيَ؛ لِأنَّهُ أتى بَعْدَ سَلامٍ قَدْ ذَكَرَهُ، وأجْراهُ عَلَيْهِ غَيْرَ قاصِدٍ بِهِ إتْباعَ اللَّفْظِ المَحْكِيِّ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ لَهُ أنْ يُغَيِّرَ بَعْضَ الكَلامِ الَّذِي يَحْكِيهِ، فَيَقُولُ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ: أنا رَجُلٌ مُنْصِفٌ، يُرِيدُ: قالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: أنْتَ رَجُلٌ مُنْصِفٌ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ سَلامًا والسَّلامُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا ﴾ ﴿ قالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ ﴿ وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ وأوصانِي بِالصَلاةِ والزَكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ﴾ ﴿ وَبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا ﴾ ﴿ والسَلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ التَزَمَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَلامُ ما أُمِرَتْ بِهِ مِن تَرْكِ الكَلامِ، ولَمْ يَرِدْ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَطَقَتْ بِـ ﴿ إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾ ، وإنَّما ورَدَ أنَّها أشارَتْ، فَيَقْوى بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ أمْرَها في "فَقُولِي" إنَّما أُرِيدَ بِهِ الإشارَةُ، ويُرْوى أنَّهم - لَمّا أشارَتْ إلى الطِفْلِ - قالُوا: اسْتِخْفافُها بِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن زِناها، ثُمْ قالُوا لَها - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ - ﴿ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا ﴾ ؟
و"كانَ" هُنا لَيْسَ يُرادُ بِها المُضِيُّ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ قَدْ كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا، وإنَّما هي في مَعْنى: هو "الآنَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الناقِصَةَ، والأظْهَرُ أنَّها التامَّةُ، وقَدْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "كانَ" هُنا لَغْوٌ.
وقالَ الزَجّاجُ والفَرّاءُ: "مَن" شَرْطِيَّةٌ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ مَن كانَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَظِيرُ "كانَ" هَذِهِ قَوْلُ رُؤْبَةَ: والرَأْسُ قَدْ كانَ لَهُ قَتِيرٌ و"صَبِيًّا" إمّا خَبَرُ "كانَ" عَلى تَجَوُّزٍ وتَخَيُّلٍ في كَوْنِها ناقِصَةً، وإمّا حالٌ [إذا قُدِّرَتْ زائِدَةً أو تامَّةً] لِاسْتِقْرارِ المُقَدَّرِ في الكَلامِ.
ورُوِيَ أنَّ المَهْدَ يُرادُ بِهِ حِجْرُ أُمِّهِ، قالَ لَهم عِيسى مِن مَرْقَدِهِ: "إنِّي عَبْدُ اللهِ" الآيَةُ، ورُوِيَ أنَّهُ قامَ مُتَّكِئًا عَلى يَسارِهِ، وأشارَ إلَيْهِمْ بِسَبّابَتِهِ اليُمْنى.
و"الكِتابُ": التَوْراةُ، ويُحْتَمَلُ التَوْراةُ والإنْجِيلُ، و"آتانِيَ" مَعْناهُ: قَضى بِذَلِكَ وأنْفَذَهُ في سابِقِ حُكْمِهِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أتى أمْرُ اللهِ ﴾ وغَيْرُ هَذا، وأمالَ الكِسائِيُّ "آتانِيَ" و"أوصانِيَ"، والباقُونَ لا يُمِيلُونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الإمالَةُ في "آتانِيَ" أحْسَنُ لا في "أوصانِيَ".
و"مُبارَكًا" قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: نَفّاعًا، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: مَعْناهُ: مُعَلِّمْ خَيْرٍ، وَقِيلَ: آمِرًا بِمَعْرُوفٍ ناهِيًا عن مُنْكَرٍ، وقالَ رَجُلٌ لِبَعْضِ العُلَماءِ: ما الَّذِي أُعْلِنُ مِن عِلْمِي؟
قالَ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيُ عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإنَّهُ دِينُ اللهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ أنْبِياءَهُ، وأسْنَدَ النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّهُ قالَ: "مُبارَكًا" مَعْناهُ: قَضّاءٌ لِلْحَوائِجِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: "مُبارَكًا" يَعُمْ هَذِهِ الوُجُوهَ وغَيْرَها.
و"الصَلاةُ والزَكاةُ" قِيلَ: هُما المَشْرُوعَتانِ في البَدَنِ والمالِ، وقِيلَ: زَكاةُ الرُؤُوسِ في الفِطْرِ، وقِيلَ: الصَلاةُ الدُعاءُ، والزَكاةُ التَطْهِيرُ مِن كُلِّ عَيْبٍ ونَقْصٍ ومَعْصِيَةٍ.
وقَرَأ "دُمْتُ" بِضَمِّ الدالِّ عاصِمْ وجَماعَةٌ، وقَرَأ "دِمْتُ" بِكَسْرِها أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وجَماعَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "وَبَرًّا" بِفَتْحِ الباءِ - وهو الكَثِيرُ البِرُّ - ونَصْبُهُ عَلى قَوْلِهِ: "مُبارَكًا"، وقَرَأ أبُو نَهْيِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وجَماعَةٌ "بِرًّا" بِكَسْرِ الباءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُهُ عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: "مُبارَكًا"، فَكَأنَّهُ قالَ: ذا بِرٍّ، فاتَّصَفَ بِالمَصْدَرِ كَعَدْلٍ ونَحْوِهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُهُ بِقَوْلِهِ: "وَأوصانِي"، أيْ: وأوصانِي بِرًّا بِوالِدَتِي، حَذَفَ الجارَّ، يُرِيدُ: وأوصانِي بِبِرِّ والِدَتِي، وحَكى الزَهْراوِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ "وَبِرٍّ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الزَكاةِ"، وقَوْلُهُ: "بِوالِدَتِي" بَيانٌ لِأنَّهُ لا والِدَ لَهُ، وبِهَذا القَوْلِ بَرَّأها قَوْمُها.
و"الجَبّارُ": المُتَعَظِّمْ، وهي خُلُقٌ مَقْرُونَةُ بِالشَقاءِ لِأنَّها مُناقِضَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ فَلا يَلْقى صاحِبُها مِن أحَدٍ إلّا مَكْرُوهًا، وكانَ عِيسى صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ في غايَةِ التَواضُعِ، يَأْكُلُ الشَجَرَ، ويَلْبَسُ الشَعْرَ، ويَجْلِسُ عَلى التُرابِ، ويَأْوِي حَيْثُ جَنَّهُ اللَيْلُ لا مَسْكَنَ لَهُ، قالَ قَتادَةُ: وكانَ يَقُولُ: سَلُونِي فَإنَّ لَيِّنُ القَلْبِ صَغِيرٌ في نَفْسِي، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ تَسْلِيمِهِ عَلى نَفْسِهِ وإدْلالِهِ في ذَلِكَ، وذِكْرُ المَواطِنِ الَّتِي خَصَّها لِأنَّها أوقاتُ حاجَةِ الإنْسانِ إلى رَحْمَةِ اللهِ.
وَقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ما أشَدَّها عَلى أهْلِ القَدْرِ، أخْبَرَ عِيسى بِما قُضِيَ مِن أمْرِهِ وبِما هو كائِنٌ إلى أنْ يَمُوتَ، وفي قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ عِيسى وهو في المَهْدِ أذْعَنُوا وقالُوا: إنَّ هَذا لَأمْرٌ عَظِيمٌ، ورُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما تَكَلَّمَ في طُفُولَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ ثُمْ عادَ إلى حالَةِ الأطْفالِ حَتّى نَشَأ عَلى عادَةِ البَشَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ عِيسى كانَ أُوتِيَ الكُتّابَ وهو في ذَلِكَ السِنِّ، وكانَ يَصُومُ ويُصَلِّي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا في غايَةِ الضَعْفِ، مُصَرِّحٌ بِجَهالَةِ قائِلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
كلام عيسى هذا مما أهملته أناجيل النصارى لأنهم طووا خبر وصولها إلى أهلها بعد وضعها، وهو طيّ يتعجب منه.
ويدل على أنها كتبت في أحوال غير مضبوطة، فأطلع الله تعالى عليه نبيئه صلى الله عليه وسلم والابتداء بوصف العبودية لله ألقاه الله على لسان عيسى لأن الله علم بأن قوماً سيقولون: إنه ابن الله.
والتعبير عن إيتاء الكتاب بفعل المضي مراد به أن الله قدّر إيتاءه إياه، أي قدّر أن يوتيني الكتاب.
والكتاب: الشريعة التي من شأنها أن تكتب لئلا يقع فيها تغيير.
فإطلاق الكتاب على شريعة عيسى كإطلاق الكتاب على القرآن.
والمراد بالكتاب الإنجيل وهو ما كتب من الوحي الذي خاطب الله به عيسى.
ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فيكون الإيتاء إيتاءَ علم ما في التوراة كقوله تعالى: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ [مريم: 12] فيكون قوله ﴿ وجعلني نبيئاً ﴾ ارتقاء في المراتب التي آتاه الله إياها.
والقول في التعبير عنه بالماضي كالقول في قوله و ﴿ ءاتانِي الكِتَابَ ﴾ .
والمبارَك: الذي تُقارن البركةُ أحوالَه في أعماله ومحاورته ونحو ذلك، لأن المبارك اسم مفعول من باركه، إذا جعله ذا بركة، أو من بَارك فيه، إذا جعل البركة معه.
والبركة: الخير واليمن.
ذلك أن الله أرسله برحمة لبني إسرائيل ليُحلّ لهم بعض الذي حُرم عليهم وليدعوَهم إلى مكارم الأخلاق بعد أن قست قلوبهم وغيروا من دينهم، فهذه أعظم بركة تقارنه.
ومن بركته أن جعل الله حُلوله في المكان سبباً لخير أهل تلك البقعة من خصبها واهتداء أهلها وتوفيقهم إلى الخير، ولذلك كان إذا لقيه الجهلة والقُسَاة والمفسدون انقلبوا صالحين وانفتحت قلوبهم للإيمان والحكمة، ولذلك ترى أكثر الحواريين كانوا من عامة الأميين من صيادين وعشّارين فصاروا دُعاة هدى وفاضت ألسنتهم بالحكمة.
وبهذا يظهر أن كونه مباركاً أعم من كونه نبيئاً عموماً وجهياً، فلم يكن في قوله ﴿ وجعلنبي نبيئاً ﴾ غُنية عن قوله ﴿ وجعلني مُبَاركاً ﴾ .
والتعميم الذي في قوله ﴿ أين مَا كُنتُ ﴾ تعميم للأمكنة، أي لا تقتصر بركته على كونه في الهيكل بالمقدس أو في مجمع أهل بلده، بل هو حيثما حلّ تحلّ معه البركة.
والوصاية: الأمر المؤكد بعمل مستقبل، أي قدّر وصيتي بالصلاة والزكاة، أي أن يأمرني بهما أمراً مؤكداً مستمراً، فاستعمال صيغة المضي في ﴿ أوصاني ﴾ مثل استعمالها في قوله ﴿ ءاتَانِي الكِتَابَ ﴾ .
والزّكاة: الصدقة.
والمراد: أن يصلّي ويزكّي.
وهذا أمر خاص به كما أمر نبيئنا صلى الله عليه وسلم بقيام الليل، وقرينة الخصوص قوله ﴿ مَا دُمْتُ حَيّاً ﴾ لدلالته على استغراق مدة حياته بإيقاع الصلاة والصدقة، أي أن يصلي ويتصدّق في أوقات التمكن من ذلك، أي غير أوقات الدعوة أو الضرورات.
فالاستغراق المستفاد من قوله ﴿ مَا دُمْتُ حَيّاً ﴾ استغراقٌ عرفي مراد به الكثرة؛ وليس المراد الصلاة والصدقة المفروضتين على أمته، لأن سياق الكلام في أوصاف تميّز بها عيسى عليه السلام، ولأنه لم يأت بشرع صلاة زائدة على ما شرع في التوراة.
والبَرّ بفتح الباء: اسم بمعنى البار.
وتقدم آنفاً.
وقد خصه الله تعالى بذلك بين قومه، لأن برّ الوالدين كان ضعيفاً في بني إسرائيل يومئذ، وبخاصة الوالدة لأنها تستضعف، لأن فرط حنانها ومشقتها قد يجرئان الولد على التساهل في البرّ بها.
والجبّار: المتكبر الغليظ على الناس في معاملتهم.
وقد تقدم في سورة هود (59) قوله: ﴿ واتبعوا أمر كل جبار عنيد ﴾ والشقيّ: } الخاسر والذي تكون أحواله كدرة له ومؤلمة، وهو ضدّ السعيد.
وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ في آخر سورة هود (105).
ووصف الجبار بالشقي باعتبار مآله في الآخرة وربما في الدنيا.
وقوله والسَّلامُ عليَّ يَوْم وُلِدتُّ} إلى آخره، تنويه بكرامته عند الله، أجراه على لسانه ليعلموا أنه بمحل العناية من ربّه، والقول فيه تقدّم في آية ذكر يحيى.
وجيء بالسَّلامُ هنا معرّفاً باللام الدالة على الجنس مبالغة في تعلّق السلام به حتى كان جنس السلام بأجمعه عليه.
وهذا مؤذن بتفضيله على يحيى إذ قيل في شأنه ﴿ وسَلام عليه يومُ ولد ﴾ [مريم: 15]، وذلك هو الفرق بين المعرّف بلام الجنس وبين النكرة.
ويجوز جعل اللام للعهد، أي سلام إليه، وهو كناية عن تكريم الله عبده بالثناء عليه في الملأ الأعلى وبالأمر بكرامته.
ومن هذا القبيل السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ﴾ [الأحزاب: 56]، وما أمرنا به في التشهد في الصلاة من قول المتشهد: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته».
ومؤذن أيضاً بتمهيد التّعريض باليهود إذ طعنوا فيه وشتموه في الأحوال الثلاثة، فقالوا: ولد من زنى، وقالوا: مات مصلوباً، وقالوا: يحشر مع الملاحدة والكفرة، لأنهم يزعمون أنه كفر بأحكام من التوراة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْئًا فَرِيًّا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القَبِيحُ مِنَ الِافْتِراءِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ العَجِيبُ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: العَظِيمُ مِنَ الأمْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ المُتَصَنَّعُ مَأْخُوذٌ مِنَ الفِرْيَةِ وهو الكَذِبُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُ الباطِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أُخْتَ هارُونَ ﴾ وفي هَذا الَّذِي نُسِبَتْ إلَيْهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُنْسَبُ إلَيْهِ مَن يُعْرَفُ بِالصَّلاحِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وكَعْبٌ، والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَرْفَعُهُ لِلنَّبِيِّ .
الثّانِي: أنَّهُ هارُونُ أخُو مُوسى فَنُسِبَتْ إلَيْهِ لِأنَّها مِن ولَدِهِ كَما يُقالُ يا أخا بَنِي فُلانٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ أخاها لِأبِيها وأُمِّها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ رَجُلًا فاسِقًا مُعْلِنًا بِالفِسْقِ ونُسِبَتْ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴾ أيْ زانِيَةً.
وَسُمِّيَتِ الزّانِيَةُ بَغِيًّا لِأنَّها تَبْغِي الزِّنا أيْ تَطْلُبُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأشارَتْ إلَيْهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أشارَتْ إلى اللَّهِ فَلَمْ يَفْهَمُوا إشارَتَها، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّها أشارَتْ إلى عِيسى وهو الأظْهَرُ، إمّا عَنْ وحْيِ اللَّهِ إلَيْها، وإمّا لِثِقَتِها بِنَفْسِها في أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُظْهِرُ بَراءَتَها، فَأشارَتْ إلى اللَّهِ إلَيْها، فَأشارَتْ إلى عِيسى أنْ كَلِّمُوهُ فاحْتَمَلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها أحالَتِ الجَوابَ عَلَيْهِ اسْتِكْفاءً.
الثّانِي: أنَّها عَدَلَتْ إلَيْهِ لِيَكُونَ كَلامُهُ لَها بُرْهانًا بِبَراءَتِها.
﴿ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ ﴾ وفي ﴿ كانَ ﴾ في هَذا المَوْضِعِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى يَكُونُ تَقْدِيرُهُ مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
الثّانِي: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ وتَقْدِيرُهُ مَن هو في المَهْدِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفي ﴿ المَهْدِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَرِيرُ الصَّبِيِّ المَعْهُودُ لِمَنامِهِ.
الثّانِي: إنَّهُ حِجْرُها الَّذِي تُرَبِّيهِ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقِيلَ إنَّهم غَضِبُوا وقالُوا: لَسُخْرِيَتُها بِنا أعْظَمُ مِن زِناها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
فَلَمّا تَكَلَّمَ قالُوا: إنَّ هَذا لَأمْرٌ عَظِيمٌ.
﴿ قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ وإنَّما قَدَّمَ إقْرارَهُ بِالعُبُودِيَّةِ لِيُبْطِلَ بِهِ قَوْلَ مَنِ ادَّعى فِيهِ الرُّبُوبِيَّةَ وكانَ اللَّهُ هو الَّذِي أنْطَقَهُ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِما يَتَقَوَّلُهُ الغالُونَ فِيهِ.
﴿ آتانِيَ الكِتابَ ﴾ أيْ سَيُؤْتِينِي الكِتابَ.
﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وسَيَجْعَلُنِي نَبِيًّا، والكَلامُ في المَهْدِ مِن مُقَدِّماتِ نُبُوَّتِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ في حالِ كَلامِهِ لَهم في المَهْدِ نَبِيًّا كامِلَ العَقْلِ ولِذَلِكَ كانَتْ لَهُ هَذِهِ المُعْجِزَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَقالَ الضَّحّاكُ: تَكَلَّمَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ.
[يَوْمًا] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نَبِيًّا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: آمِرًا بِالمَعْرُوفِ وناهِيًا عَنِ المُنْكَرِ.
الثّالِثُ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، قالَهُ سُفْيانُ.
الرّابِعُ: عارِفًا بِاللَّهِ وداعِيًا إلَيْهِ.
﴿ وَأوْصانِي بِالصَّلاةِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: الدُّعاءُ والإخْلاصُ.
الثّانِي: الصَّلَواتُ ذاتُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الصَّلاةَ الِاسْتِقامَةُ مَأْخُوذٌ مِن صَلاةِ العُودِ إذا قُوِّمَ اعْوِجاجُهُ بِالنّارِ.
﴿ والزَّكاةِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: زَكاةُ المالِ.
الثّانِي: التَّطْهِيرُ مِنَ الذُّنُوبِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الزَّكاةَ الِاسْتِكْثارُ مِنَ الطّاعَةِ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ في اللُّغَةِ النَّماءُ والزِّيادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَرًّا بِوالِدَتِي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِما بَرَّأها بِهِ مِنَ الفاحِشَةِ.
الثّانِي: بِما تَكَفَّلَ لَها مِنَ الخِدْمَةِ.
﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَبّارَ الجاهِلُ بِأحْكامِهِ، الشَّقِيُّ المُتَكَبِّرُ عَنْ عِبادَتِهِ.
الثّانِي: أنَّ الجَبّارَ الَّذِي لا يُنْصَحُ، والشَّقِيَّ الَّذِي لا يَقْبَلُ النَّصِيحَةَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الجَبّارَ الظّالِمُ لِلْعِبادِ، والشَّقِيَّ الرّاغِبُ في الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّلامُ عَلَيَّ ﴾ الآيَةِ.
فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالسَّلامِ السَّلامَةَ، يَعْنِي في الدُّنْيا، ﴿ وَيَوْمَ أمُوتُ ﴾ يَعْنِي في القَبْرِ، ﴿ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ لَهُ أحْوالًا ثَلاثًا: في الدُّنْيا حَيًّا، وفي القَبْرِ مَيْتًا، وفي الآخِرَةِ مَبْعُوثًا، فَسَلِمَ في أحْوالِهِ كُلِّها، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
الثّانِي: يَعْنِي بِالسَّلامِ ﴿ يَوْمَ وُلِدْتُ ﴾ سَلامَتَهُ مِن هَمْزَةِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ لَيْسَ مَوْلُودٌ يُولَدُ إلّا هَمَزَهُ الشَّيْطانُ وذَلِكَ حِينَ يَسْتَهِلُّ، غَيْرَ عِيسى فَإنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنها.
وَهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ أمُوتُ ﴾ يَعْنِي سَلامَتَهُ مِن ضَغْطَةِ القَبْرِ لِأنَّهُ غَيْرُ مَدْفُونٍ في الأرْضِ ﴿ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ لَمْ أرَ فِيهِ عَلى هَذا الوَجْهِ ما يُرْضِي.
وَيُحْتَمَلُ أنَّ تَأْوِيلَهُ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ سَلامَتُهُ مِنَ العَرْضِ والحِسابِ لِأنَّ اللَّهَ ما رَفَعَهُ إلى السَّماءِ إلّا بَعْدَ خَلاصِهِ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثُمَّ انْقَطَعَ كَلامُهُ حَتّى بَلَغَ مَبْلَغَ الغِلْمانِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: ﴿ قال إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ الآية.
قال: قضى فيما قضى أن أكون كذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس قال: كان عيسى قد درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمه.
فذلك قوله: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ .
وأخرج الإسماعيلي في معجمه وأبو نعيم في الحلية وابن لال في مكارم الأخلاق وابن مردويه وابن النجار في تاريخه، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قول عيسى عليه السلام ﴿ وجعلني مباركاً أين ما كنت ﴾ قال: جعلني نفاعاً للناس أين اتجهت» .
وأخرج ابن عدي وابن عساكر، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وجعلني مباركاً أين ما كنت ﴾ قال: معلماً ومؤدباً.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وجعلني مباركاً أين ما كنت ﴾ قال: معلماً للخير.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: الذي يعلم الناس الخير يستغفر له كل دابة حتى الحوت في البحر.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وجعلني مباركاً ﴾ قال: هادياً مهدياً.
وأخرج البيهقي في الشعب وابن عساكر، عن مجاهد ﴿ وجعلني مباركاً ﴾ قال: نفاعاً للناس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن نوف ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ أي ليس لي أب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولم يجعلني جباراً شقياً ﴾ يقول: عصياً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان قال: الجبار الشقي الذي يُقبلُ على الغضب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب قال: إنك لا تكاد تجد عاقاً، إلا تجده جباراً، ثم قرأ ﴿ وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: فقرات ابن آدم ثلاث: يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث، وهي التي ذكر عيسى في قوله: ﴿ والسلام عليّ ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق مجاهد، عن ابن عباس قال: ما تكلم عيسى بعد الآيات التي تكلم بها حتى بلغ مبلغ الصبيان.
وأخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، أن الله أطلق لسان عيسى مرة أخرى في صباه، فتكلم ثلاث مرات، حتى بلغ ما يبلغ الصبيان يتكلمون، فتكلم محمداً بتحميد لم تسمع الآذان بمثله، حيث أنطقه طفلاً، فقال: اللهم أنت القريب في علوك، المتعالي في دنوك، الرفيع على كل شيء من خلقك، أنت الذي نفذ بصرك في خلقك، وحارت الأبصار دون النظر إليك، أنت الذي أشرقت بضوء نورك دجى الظلام، وتلألأت بعظمتك أركان العرش نوراً، فلم يبلغ أحد بصفته صفتك، فتباركت اللهم خالق الخلق بعزتك، مقدر الأمور بحكمتك مبتدئ الخلق بعظمتك ثم أمسك الله لسانه حتى بلغ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ ﴾ قال أبو إسحاق: (لما جرى ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام كان الأحسن أن يذكر ثانية بالألف واللام، ومعنى السلام هاهنا: عموم العافيه؛ لأنه مصدر سَلَّمْتُ سَلاَمًا) (١) قال المفسرون: (السلامة عليَّ من الله تعالى يوم ولدت حتى لم يضرني شيطان) (٢) -!
قال: "ما من مولود يولد إلا ويطعن الشيطان في جنبه وذلك حين يستهل صارخا، إلا عيسى بن مريم، فإنه ذهب يطعن فطعن في الحجاب" (٣) (٤) (٥) (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 329، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124.
(٢) "الطبري" 16/ 82، "الماوردي" 3/ 371، "البغوي" 5/ 230، القرطبي 11/ 104.
(٣) أخرج نحوه البخاري في "صحيحه"، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴾ 3/ 1265، ومسلم، في الفضائل، باب فضل عيسى - - 4/ 1838، والإمام أحمد 2/ 553، والماوردي في "النكت والعيون" 3/ 371.
(٤) عند قوله سبحانه في الآية رقم (15): ﴿ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴾ .
(٥) "بحر العلوم" 2/ 323، "المحرر الوجيز" 9/ 466، "معالم التنزيل" 5/ 230، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 104، "الدر المنثور" 4/ 488.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأخت هارون ﴾ كان هارون عابداً من بني إسرائيل، شبهت به مريم في كثرة العبادة فقيل لها أخته بمعنى أنها شبهه، وقيل: كان أخاها من أبيها، وكان رجلاً صالحاً، ويل: هو هارون النبي أخو موسى وكانت من ذريته، فأخت على هذا كقولك: أخو بني فلان أي واحد منهم، ولا يتصور على هذا القول أن تكون أخته من النسب حقيقة، فإن بين زمانهما دهراً طويلاً ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ﴾ إي إلى ولدها ليتكلم وصمتت هي كما أمرت ﴿ كَانَ فِي المهد صَبِيّاً ﴾ كان بمعنى يكون، والمهد هو المعروف، وقيل المهد هنا حجرها ﴿ آتَانِيَ الكتاب ﴾ يعني الإنجيل، أو التوراة والإنجيل ﴿ مُبَارَكاً ﴾ من البركة وقيل: نفاعاً، وقيل: معلماً للخير.
واللفظ أعم من ذلك ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ هما المشروعتان، وقيل: الصلاة هنا الدعاء، والزكاة: التطهير من العيوب ﴿ وَبَرّاً ﴾ معطوف على مباركاً، روي أن عيسى تكلم بهذا الكلام وهو في المهد، ثم عاد إلى حالة الأطفال على عادة البشر، وفي كلامه هذا ردّ على النصارى، لأنه اعترف أنه عبد الله، وردّ على اليهود لقوله: وجعلني نبياً ﴿ والسلام عَلَيَّ ﴾ أدخل لام التعريف هنا لتقدّم السلام المنكر في قصة يحيى، فهو كقولك: رأيت رجلاً فأكرمت الرجل، وقال الزمخشري: الصحيح أن هذا التعريف تعريض بلغة من اتهم مريم كأنه قال: السلام كله عليّ لا عليكم، بل عليكم ضدّه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كيهعص ﴾ بإمالة الهاء فقط: أبو عمرو ﴿ كهيعص ﴾ بإمالة الياء فقط: حمزة وخلف وقتيبة وابن ذكوان، وقرأ عليّ غير قتيبة ويحيى ويحيى وحماد بإمالتهما.
وقرأ أبو جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.
الباقون بتفخيمها ﴿ صاد ذكر ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل ﴿ من ورائي ﴾ بفتح الياء مهموزاً: ابن كثر غير زمعة والخزاعي عن ا لبزي وقرأ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي ﴿ من وراي ﴾ مثل ﴿ عصاي ﴾ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما: أبو عمرو وعليّ.
الباقون برفعهما ﴿ يبشرك ﴾ ثلاثياً وكذلك في آخر السورة: حمزة ﴿ عتباً ﴾ و ﴿ جثياً ﴾ و ﴿ صلياً ﴾ و ﴿ بكياً ﴾ بكسر الأوائل: حمزة وعلي وافق حفص إلا في ﴿ بكياً ﴾ الخزاز عن هبيرة ﴿ عتباً ﴾ الأولى بالكسر والثاني بالضم.
﴿ وقد خلقناك ﴾ حمزة وعلي.
الآخرون ﴿ خلقتك ﴾ على التوحيد ﴿ إلى آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن أهل مكة.
الوقوف: ﴿ كهيعص ﴾ ه كوفى ﴿ زكريا ﴾ ه ح لجواز تعلق "إذ" بـ ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ ولاحتمال انتصابه بأذكر محذوفاً.
﴿ خفياً ﴾ ه ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ ولياء ﴾ لا ﴿ آل يعقوب ﴾ ق والوجوه الوصل لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحيى ﴾ لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي.
﴿ سمياً ﴾ ه ﴿ عتياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ه بناء على أن التقدير الأمر كذلك ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ بقوة ﴾ ط ﴿ صبياً ﴾ ه لا للعطف أي آتيناه الحكم وحناناً منا عليه ﴿ وزكاة ﴾ ط ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ حياً ﴾ ه.
التفسير: حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية، وقد جرت عادة العرب بإمالة الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائياً، ولا ريب أن التفخيم أصل والإمالة فرع عليه.
فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معاً فعلى العادة، ومن قرأ بتفخيمهما جميعاً فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين.
وقد روى صاحب الكشاف عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل: لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه بالضم على أصلها.
والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة، ومما يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله ﴿ كهيعص ﴾ ثناء من الله على نفسه، فالكاف كاف لأمور عباده، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز، والصاد صادق.
وعنه أيضاً أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير، والياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى.
وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير، وهذا التفسير لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام، وارتفع ﴿ ذكر رحمة ﴾ على الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ﴿ ربك ﴾ وانتصب ﴿ عبده ﴾ على أنه مفعول لذكر و ﴿ زكريا ﴾ عطف بيان، وقرىء برفعهما على إضافة المصدر إلى المفعول، وعن الكلبي أنه قرأ ﴿ ذكر ﴾ بلفظ الماضي مشدداً تارة و ﴿ رحمة ﴾ و ﴿ عبده ﴾ منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير المتلو.
ومخففاً أخرى و ﴿ عبده ﴾ مرفوع على الفاعلية.
وقرىء ﴿ ذكر ﴾ على الأمر وهي قراءة ابن معمر.
وقيل: يحتمل على هذا أن تكون الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا صل الله عليه وسلم ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا.
وفي خفاء ندائه.
وجوه منها: أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن بأنه نداء لا رياء فيه.
ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته.
ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم.
ومنها أنه خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ "صوته خفات وسمعه تارات" ولعله أتى بأقصى ما يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفياً لنهاية كبره.
ثم شرع في حكاية ندائه قائلاً: ﴿ قال رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ قال علماء المعاني: في الآية لطائف وذلك أصل الكلام: يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي، ثم في القرينة الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن وهن عظام البدن لازم لضعفه، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل أنا وهنت عظام بدني، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار: إني وهنت العظام من بدني، لأنك إذاقلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاماً واهنة عندك، فإذا قلت: "من بدني" فقد فصلت، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص العظام، ثم لطلب شمول العظام فرداً فرداً قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل ﴿ إني وهن العظم مني ﴾ فحصل أني وهنت العظام مني.
وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى.
وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي.
وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب الرأسي، ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل ﴿ اشتعل ﴾ بدل "انتشر" فتكون الاستعارة تبعية تصريحية وقرينتها ذكر الشيب، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي "اشتعل رأسي شيباً".
وكونها أبلغ من وجهات منها: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت: "اشتعل بيتي ناراً" مكان "اشتعل النار في بيتي".
ومنها الإجمال والتفصيل الواقعان في طريق التمييز، ومنها تنكير ﴿ شيباً ﴾ للتعظيم كما هو حق التمييز.
ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي "اشتعل الرأس مني شيباً" لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو ﴿ وهن العظم مني ﴾ ثم ترك لفظ "مني" ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ.
وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال "رب" بحذف حرف النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره.
وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني.
ثم إنه توسل إلى الله عز وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلاً ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ كما حكى أن محتاجاً قال لكريم: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال: مرحباً بمن توسل إلينا وقضى حاجته.
تقول العرب: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها.
ومعنى ﴿ بدعائك ﴾ أي بدعائي إياك.
واعلم أن زكريا قدم على السؤال أموراً ثلاثة: الأول كونه ضعيفاً، والثاني أنه لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين وذلك قوله ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ قال ابن عباس والحسن: أي الورثة.
وعن مجاهد العصبة.
وعن أبي صالح: الكلالة.
وعن الأصم: بني العم وهم الذين يلونه في النسب.
وعن أبي مسلم: المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من تقدم في ميراثة كالولد.
والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعيناً للحبورة.
وقوله: ﴿ من ورائي ﴾ أي بعد موتي لا يتعلق بــ ﴿ خفت ﴾ لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما.
وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم.
وإنما قال: ﴿ خفت ﴾ بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال.
وقرىء ﴿ خفت الموالي ﴾ بتشديد الفاء.
وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه، والظرف متعلق بالموالي، أو معناه قدامي والظرف متعلق بـ ﴿ خفت ﴾ أي درجوا ولم يبق من يعتضد به.
ثم صرح بالمسألة قائلاً: ﴿ فهب لي ﴾ وأكده بقوله: ﴿ من لدنك ﴾ أي ولياً صادراً من عندك مضافاً إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة.
من قرأ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله قالوا: إنه صفة.
وقال صاحب المفتاح: الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل: لم تطلب الولد؟
فقال مجيباً: يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا.
واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع، وكذب النبي .
أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة.
وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب.
وأقول: الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا "هب لي ولياً موصوفاً بالوراثة" أو بأن الغرض منه الوراثة، أوهب لي ولياً أخبر عنه بأنه يرثني.
وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب.
والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه.
ويمكن أن يقال: لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقى ذلك الكتاب أو الشرع معمولاً به بعد زكريا أيضاً إلى حين.
وقد روى صاحب الكشاف ههنا قراآت شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان.
فقيل: هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول "جاءني فلان فجاءني رجل" لا تريد به إلا الأول، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية، وتجرد الكلام عنه.
وأقول: يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف المنافية للرجولية.
وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها.
واختلف المفسرون في أنه طلب ولداً يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره؟
والأول أظهر لقوله في آل عمران ﴿ رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ ولقوله في سورة الأنبياء ﴿ ربي لا تذرني فرداً ﴾ حجة المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولو كان دعاؤه لأجل الولد ما استعظم ذلك.
والجواب ما مر في آل عمران.
واختلفوا أيضاً في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك: هي وراثة المال.
وعنهم أيضاً أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس.
وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة.
فلفظ الإرث مستعمل في المال ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ وفي العلم ﴿ وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ﴾ "العلماء ورثة الأنبياء" وحجة الأولين ما روي أنه قال: "رحم الله زكريا وما عليه من يرثه" فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال.
وكذا قوله "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" ، وأيضاً العلم والنبوة كيف يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوّة إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ لأن النبي لا يكون إلا مرضياً.
وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال الابن أنه يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه.
والمراد يكون رضياً أن لا يوجد منه معصية ولا همّ بها كما جاء في حق يحيى، وقج مر الحديث هناك.
ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلاً على غيره من الأنبياء كلهم فلعل لبعضهم فضائل أخر تختص به.
احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال، وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً عنده، وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل، وبأن فعل الألطاف واجب على الله فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث.
واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهودا بن بعقوب، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق، وكانت النبوّة في سبط وهو إسرائيل .
وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل.
وعن مقاتل: أن بني ماثان كانوا رؤوس بني إسرائيل وملوكها.
قوله: ﴿ يا زكريا ﴾ الكثرون على أنه نداء من الله لقرينة التخاطب من قوله: ﴿ رب إني وهو العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ ومنهم من قال: هو نداء الملك لقوله في آل عمران ﴿ فنادته الملائكة ﴾ وجوز بعضهم الأمرين.
واختلفوا في عدم السمي فقيل: أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله.
وقيل: أراد أنه لا نظير له كقوله ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ وذلك أنه سيداً وحصوراً ولم يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ وأيضاً سمي بيحيى قبل دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص.
قال بعض العلماء: القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه لضرورة كما في قوله: ﴿ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً ﴾ لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سميّ له لا يقتضي عبادته فنقول: السميّ هناك يراد به المثل والنظير.
ويمكن أن يقال: إن التفرد بالاسم فيه ضرب من التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضاً.
قال جار الله: إنما قيل للمثل سميّ لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي.
قلت: ويقرب هذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم.
ولم سمي بيحيى؟
تكلفوا له وجوهاً.
فعن ابن عباس لأنه أحيا عقر أمه.
وعن قتادة لأنه أحيا قلبه بالإيمان والطاعة ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ .
ولهذا كان من أول من آمن بعيسى.
وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء.
وقيل: لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل الدين.
قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ قال جار الله: أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية فــ"من" للتعليل، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى ﴿ عتياً ﴾ وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام.
يقال: عنا العود عتياً إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس.
سؤال: إنه قال في آل عمران ﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴾ فلم عكس الترتيب في هذه السورة؟
وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب.
قلت: إن ذاك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وههنا راعى الفاصلة.
﴿ قال ﴾ الأمر ﴿ كذلك ﴾ تصديقاً له.
ثم ابتدأ قائلاً ﴿ قال ربك ﴾ فمحل ﴿ كذلك ﴾ رفع، ويحتمل أن يكون نصباً ﴿ قال ﴾ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: ﴿ هو ﴾ أي خلق الغلام ﴿ عليّ هين ﴾ ويحتمل أن يكون إشارة إلى قول زكريا ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة؟
فأجيب بقوله: ﴿ كذلك ﴾ أي نهب الولد لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما.
ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد ﴿ ولم تك شيئاً ﴾ لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً بعتد به كالنطفة، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد، فيه نفس استبعاد زكريا، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قد مر تفسير الآية في أول عمران.
قوله: ﴿ سوياً ﴾ قيل: إنه صفة لليالي أي تامة كاملة.
والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عيّ ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قيل: كان له موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه.
وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه.
﴿ فأوحى إليهم ﴾ عن مجاهد: أشار بدليل قوله في أول آل عمران ﴿ إلا رمزاً ﴾ وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض.
و ﴿ أن ﴾ هي المفسرة و ﴿ سبحوا ﴾ أي صلوا أو على الظاهر وهو قول سبحان الله.
عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشيّ صلاة العصر، فلعلهم كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو الكتابة.
وههنا إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا له: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب ﴾ أي التوراة لأنها المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن كقول عيسى ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ والمراد بالأخذ إما الأخذ من حيث الحس، وإما الأخذ من حيث المعنى وهو القيام بمواجبه كما ينبغي وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهى عنه.
ثم أكده بقوله: ﴿ بقوة ﴾ أي بجد وعزيمة.
﴿ وآتيناه الحكم ﴾ أي الحكمة.
عن ابن عباس: هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال: ما للعب خلقت.
وعن معمر: العقل.
وقيل: النبوة.
وكل هذه الأوصاف على الأقول من الخوارق كما حق عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة.
والحنان أصله توقان النفس، ثم استعمل في الرحمة وهو المراد ههنا.
وما قيل إنه يحتمل أن يراد حناناً منا على زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو.
وقيل: أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا كقوله في نبينا ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ وأراد بقوله: ﴿ وزكاة ﴾ أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة ﴿ من لدنا ﴾ وعن عطاء: أن معنى حناناً تعظيماً من لدنا.
وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج: أن معنى زكاة عملاً صالحاً زكياً.
وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود.
وقيل: بركة كقول عيسى ﴿ جعلني مباركاً ﴾ وقيل: صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم.
ثم أخبر محمد عن جملة أحواله بقوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط ﴿ وبرّاً بوالديه ﴾ لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفاً بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق.
قال سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض ﴾ ثم إنه سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله، وقيل: إنما قال: ﴿ حياً ﴾ مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيهاً على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى ﴿ ويوم أبعث حياً ﴾ وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول.
والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حياً فوضع الأخص موضع الأعم تأكيداً.
قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلاً من الله لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب.
قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.
التأويل: إن زكريا الروح ﴿ نادى ربه نداء خفياً ﴾ من سر السر ﴿ قال رب إني وهن ﴾ مني عظم الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية، وإني خفت صفات النفس أن تغلب ﴿ وكانت امرأتي ﴾ يعني الجثة التي هي روح الروح ﴿ عاقراً ﴾ لا تلد إلا بموهبة من الله ﴿ فهب لي من لدنك ﴾ سأل ﴿ ولياً ﴾ فأعطاه الله نبياً وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ أي يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ بأن توطنه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ ﴿ اسمه يحيى ﴾ إن الله أحياه بنوره ﴿ ولم نجعل له من قبل سمياً ﴾ لا من الحيوانات ولا من الملائكة لأنه هو الذي يقبل فيض الألوهية بلا واسطة، وهو سر حمل الأمانة كما قال: "ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب ﴿ عتياً ﴾ يبساً وجفافاً من غلبات صفات النفس ﴿ آيتك أن لا تكلم الناس ﴾ لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ما سواه ﴿ ثلاث ليال ﴾ هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانيات والروحانيات ﴿ سوياً ﴾ متمكناً في هذا الحال من غير تلون ﴿ فخرج ﴾ زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشيّ الأبد ﴿ يا يحيى ﴾ القلب ﴿ خذ ﴾ كتاب الفيض الإلهي المكتوب لك في الأزل ﴿ بقوة ﴾ ربانية لا بقوة جسدانية لأنه خلق ضعيفاً ﴿ وآتيناه الحكم ﴾ في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ﴿ زكاة ﴾ وتطهراً من الالتفات إلى غيرنا ﴿ وبراً بوالديه ﴾ الروح والقالب.
أما البروح فلأن القلب محل قبول الفيض الإلهي لأن الفيض نصيب الروح أوّلاً ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه، وأما القلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، وهذا أحد أسرار حمل الأمانة.
وأما بر والدة القلب فهو استعمالها على وفق الشريعة والطريقة ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ كالنفس الأمارة بالسوء ﴿ وسلام عليه يوم يولد ﴾ في أصل خلقه ﴿ ويوم يموت ﴾ من استعمال المعاصي بالتوبة ﴿ ويوم يبعث حياً ﴾ بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ ﴾ .
قال الحسن: هو صلة قوله: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ ﴾ أي: اذكر رحمة ربك مريم.
وقال بعضهم: واذكر نبأ مريم وقصتها في الكتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً ﴾ ، أي: نحو المشرق.
ثم يحتمل قوله: ﴿ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا ﴾ إذا بلغت مبلغ النساء فارقت أهلها، وانتبذت منهم؛ لئلا يقع بصر غير ذي الرحم المحرم عليها، وألا يراها أحد، ولا يصلح النظر إليها.
وقال بعضهم: ﴿ مَكَاناً شَرْقِياً ﴾ أي: جلست في المشرقة؛ لأنه كان في الشتاء.
وقوله - عزّ وجل -: ﴿ فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً ﴾ : قال بعضهم: احتجبت من دونهم بالغيبة عنهم.
وقال بعضهم: أخذت من دونهم حجاباً، أي: ستراً.
وقال مقاتل: اتخذت من دونهم الجبل حجاباً وستراً، أي: جعلت الجبل بينها وبين أهلها، فلم يرها أحد منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا ﴾ : قال أبيّ بن كعب: هو روح عيسى، أرسله الله إلى مريم في صورة بشر، ﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾ .
وقال غيره من أهل التأويل: ﴿ فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا ﴾ : جبريل، وقد سمى الله جبريل: روحاً في غير آي من القرآن: ﴿ رُوحُ ٱلْقُدُسِ ﴾ وغيره.
﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾ أي: لم يكن به أثر غير البشر.
وقال بعضهم: ﴿ بَشَراً سَوِيّاً ﴾ لا عيب فيه ولا نقصان، بل كان سويّاً صحيحاً كاملاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ .
فإن قيل: كيف تعوذت بالرحمن إن كان تقيّاً، وإنما يتعوذ بالرحمن من الفاجر والفاسق؟
قال الحسن: قوله: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ مفصول من قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ ﴾ ، فيكون على الابتداء، كأنها قالت: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ لا ينالني منك سوء ولا يمسّني شر.
ويحتمل قوله: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ أي: ما كنت تقيّاً، أي: حيث دخلت عليّ من غير استئذان منك ولا استئمار ما كنت تقيّاً، ويحتمل قوله: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ أي: وقد كنت تقيّاً، فعلى هذا التأويل كأنه دخل عليها على صورة بشر عرفته بالتقى والصلاح، فكأنها قالت: قد كنت عرفتك بالتقى والصلاح فكيف دخلت عليَّ بلا إذن ولا أمر؟!
وقد يجوز أن يستعمل (إن) مكان (ما) ومكان (قد)، و [هو] في القرآن كثير، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً ﴾ هو على الإضمار، كأنه قال: ﴿ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ ﴾ بالقول بأن أهب لك غلاماً زكيّاً، أي: أرسلني إليك بهذا القول وهو قوله: ﴿ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً ﴾ .
وفي حرف ابن مسعود: (إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاماً زكيّاً).
وقوله - عز وجل -: ﴿ زَكِيّاً ﴾ أي: صالحاً، طاهراً عن جميع الشرور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً ﴾ ، أي: قالت: لم يمسسني بشر، يعلم أنه لم يمسها بشر لا تقي ولا غيره، لكن كأنها قالت: لم يمسسني بشر نكاحا ولم أك بغيّاً، فمن أين يكون لي ولد؟
كأنها لم تعرف الولد إلا بسبب؛ لذلك قالت: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ ﴾ ، أي: أخلق بسبب وبلا سبب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ أي: خلق الشيء بسبب وبغير سبب هيّن عليّ.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ ﴾ للأنبياء الذين كانوا من قبل: إنه يخلق ولداً بلا أب ولا أمّ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ ، أي: نجعل ولادته بلا أب على ما أخبر الأنبياء من قبل - آية للناس لرسالتهم؛ لأنهم أخبروا أنه يولد ولد بلا أب ولا أم، فكان ما أخبروا، فدلّ ذلك أنهم إنما عرفوا ذلك بالله؛ فيكون ذلك آية لصدقهم، ويكون قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: ذلك الخبر الذي أخبر الأنبياء من قبل، والوعد الذي وعد لهم أمراً مقضيّاً كائناً.
وقال أهل التأويل في قوله: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ ، أي: نجعل عيسى آية للناس حيث ولد بلا أب، وكلم الناس في المهد، وغير ذلك من الآيات التي كانت فيه.
وجائز أن يكون آية للناس للبعث؛ لأنه أنشأه بلا أب ولا سبب، وهم إنما أنكروا البعث لما لم يعاينوا الولد بغير أب أيضاً ثم كان، فعلى ذلك البعث؛ إذ لا فرق بينهما؛ لأن من قدر على إنشاء الولد بلا أب ولا أم قدر على الإحياء بعد الموت، بل هو أولى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَحْمَةً مِّنَّا ﴾ أي: رحمة منا للخلق؛ لأن من اهتدى واتبعه كان له به نجاة، وهو ما قال الله لرسوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ وعلى ذلك جميع الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله إلى خلقه كان ذلك رحمة منه إلى خلقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: كان أمره كائناً، وعلى التأويل الذي ذكره أبو بكر الأصم في قوله: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ يكون قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: كان وعداً وخبراً معلوماً على ما أخبر الأنبياء عن نبأ عيسى وأمّه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ .
دلّ هذا على أن الولاد لم يكن على إثر الحمل، ولكن كان بين الولاد وبين الحمل وقت، لكن لا يعلم كم ذلك الوقت إلا بخبر عن الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: تباعدت به؛ حياء من أهلها.
وقال بعضهم: انفردت به مكاناً قصيّاً متباعداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ ﴾ : قال القتبي: ﴿ فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ ﴾ أي: جاء بها، من المجيء، وألجأها إليها، يقول: جاءت بي الحاجة إليك، وأجاءتني الحاجة.
والمخاض: هو الحمل.
ودل قوله: ﴿ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ أن النخلة التي ألجأها المخاض إليها كانت يابسة، على ما قاله أهل التأويل؛ لأنه إنما انتبذت مكاناً قصيّاً وتباعدت حياء من أهلها، فلو كانت تلك النخلة رطبة ذات ثمار، لكان الناس يأوون إليها ويقيمون عندها، فلا يحتمل أن تأوي إليها مريم وعندها يأوي الناس، ثم التجاؤها إلى النخلة لتتساند إليها وتستعين بها على ما تقع الحاجة للنساء وقت الولادة إلى شيء يستعن به عما ينزل بهن من الشدة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ .
يحتمل أن يكون ﴿ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ ، أي: وكنت غير معروفة.
ويحتمل أن يكون - على ما ذكر - ﴿ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ : لا أذكر بعد الموت بذلك، لأنه ذكر أنها كانت من أهل شرف وكرم، ومن أهل بيت النبوة، فتمنت أن تكون غير معروفة؛ لئلا تذكر بسوء بعدها ولا بقذف.
وقال أهل التأويل: ﴿ وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ أي: حيضة ملقاة، وكذلك قال أبو عوسجة: النسي: الحيض.
قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل هذا؛ لأنها قد عرفت قدرها عند الله، فلا يحتمل أن تتمنى ما ذكر، لكن الإنسان ربما يتمنى الأمر العظيم إذا اشتد به الأمر، نحو ما يتمنى الموت في بعض الوقت لعظم ما يحل به، فعلى ذلك غير منكر هذا من مريم أن تتمنى ما ذكر أهل التأويل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ ﴾ .
ومن تحتها اختلف فيه: قال بعضهم: ناداها ملك.
وقال بعضهم: ناداها ابنها عيسى.
قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل أن يكون [الذي] ناداها ملكاً؛ لأنه قال: ﴿ مِن تَحْتِهَآ ﴾ ، ولو كان ملكاً لناداها من فوقها، لكن هذا ليس بشيء؛ لأن الملك إنما ينادي من حيث يؤمر، من تحت ومن فوق.
وقال بعض أهل التأويل: ناداها جبريل من تحت الوادي: ﴿ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ .
والأشبه أن يكون ابنها عيسى؛ لأنها كانت تحزن أن تشتم وتقذف به، فعيسى إذا تكلم وصار بذلك المحل تسر هي بذلك، لما تعلم أنه ينفي عنها بعض ما طعنت به وقذفت.
ويحتمل حزنها من وجه آخر: وهو أنها كانت حزنت خوفاً على نفسها وعلى ولدها؛ لأنها أقامت في مكان لا ماء فيه ولا طعام، فخافت على نفسها وولدها الهلاك، فحزنت لذلك فبشرت حيث قال لها: ﴿ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ : أمنها عن الخوف الذي كان.
ثم السري: قال بعضهم من أهل التأويل: هو الجدول، وهو النهر الصغير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾ : فيه دلالة لزوم الكسب؛ لأنه أمر مريم أن تهز النخلة ليتساقط عليها الرطب، ولو شاء لسقط من غير فعل يكون منها؛ لتجتني هي، وذلك عليها أهون وأيسر؛ على ما كان رزقها عندما كانت مؤنتها على زكريا.
وفيه دلالة ألا يسع للمرء المسألة ما دام به أدنى قوة يقدر على قُوتِه.
وفيه دليل أن زكريا كان أفضل منها وأكبر منزلة عند الله حيث رزقها عندما كانت في عيال زكريا من غير تكلف كان من زكريا ولا مؤنة، فما فارت زكريا أمرها بالكسب.
وفيه دلالة: أن الآيات التي تكون للأنبياء يجوز أن يجريها على غير أيدي الأنبياء، حيث جعل لمريم نخلة يابسة رطبة تثمر رطباً، وحيث جعل من تحتها سريّاً، أي: نهراً جارياً، وحيث رزقها عندما كانت في عيال زكريا من غير تكلف أحد، فذلك يشبه آيات الأنبياء والرسل ويقاربها.
وهذه المحن التي امتحن بها مريم في الظاهر عظيمة عند الناس، وفي الباطن من أعظم كراماته إليها: أنه أخبر أنه - - اصطفاها على نساء العالمين بقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ ، وسماها: صدّيقة بقوله: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ ، وذلك لا يسمّى إلا من بلغ من البشر في الصدق والصبر له غاية، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ ﴾ أي: من تحت النخلة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً ﴾ .
أي: كلي الرطب الذي يتساقط عليك، واشربي من السرى الذي جعل تحتك.
و ﴿ وَقَرِّي عَيْناً ﴾ أي: وارضي مكان ما حزنت عليه وخفت على نفسك وعلى ولدك، أو طيبي نفساً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً ﴾ أي: صمتاً وسكوناً، وكذلك روي في بعض الحروف، وهو في حرف أُبي، وقال: ثم قوله: ﴿ فَقُولِيۤ ﴾ ليس على القول نفسه، ولكنه إشارة، أشارت إليهم: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً ﴾ فإن كان على هذا، ففيه دلالة أن الإشارة إذا كانت بحالة مُفْهِمَةٍ المراد تعمل عمل القول نفسه والكلام؛ ولذلك وقع الطلاق بالإشارة والنكاح، وكل عقد من الأخرس وغيره إذا كانت الإشارة مفهومة معقولة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَقُولِيۤ ﴾ هو على حقيقة القول، أي: أمرت أن تقول: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً ﴾ ، فكأن نذرها الصوم للرحمن بعد هذا القول، وإلى هذا يذهب الحسن.
<div class="verse-tafsir"
والأمان من الشيطان وأعوانه عليّ يوم ميلادي ويوم موتي ويوم بعثي حيًّا يوم القيامة، فلم يتخبّطْني الشيطان في هذه المواقف الثلاثة الموحشة.
<div class="verse-tafsir" id="91.Me3XP"