الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٥٧ من سورة مريم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 95 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٧ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
فذلك قول الله : ( ورفعناه مكانا عليا ) .
هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات ، وفي بعضه نكارة ، والله أعلم .
وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر ، عن ابن عباس : أنه سأل كعبا ، فذكر نحو ما تقدم ، غير أنه قال لذلك الملك : هل لك أن تسأله - يعني : ملك الموت - كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل ، وذكر باقيه .
وفيه : أنه لما سأله عما بقي من أجله ، قال : لا أدري حتى أنظر ، ثم نظر ، قال : إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين ، فنظر الملك تحت جناحه إلىإدريس ، فإذا هو قد قبض ، عليه السلام ، وهو لا يشعر به .
ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس : أن إدريس كان خياطا ، فكان لا يغرز إبرة إلا قال : " سبحان الله " ، فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحد أفضل عملا منه .
وذكر بقيته كالذي قبله ، أو نحوه .
وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : ( ورفعناه مكانا عليا ) قال : إدريس رفع ولم يمت ، كما رفع عيسى .
وقال سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : ( ورفعناه مكانا عليا ) قال : رفع إلى السماء الرابعة .
وقال العوفي عن ابن عباس : ( ورفعناه مكانا عليا ) قال : رفع إلى السماء السادسة فمات بها .
وهكذا قال الضحاك بن مزاحم .
وقال الحسن ، وغيره ، في قوله : ( ورفعناه مكانا عليا ) قال : الجنة .
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال: إدريس رُفع فلم يمت، كما رُفع عيسى.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: ولم يمت.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال: رفع إلى السماء السادسة، فمات فيها.
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) إدريس أدركه الموت في السماء السادسة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال: السماء الرابعة.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدريّ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال: في السماء الرابعة.
حدثنا عليّ بن سهيل، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره " شكّ أبو جعفر الرازي " قال: لما أسري بالنبيّ صلى الله عليه وسلم صعد به جبريل إلى السماء الرابعة، فاستفتح فقيل: من هذا؟
قال: جبرائيل، قالوا: ومن معه؟
قال: محمد، قالوا: أوقد أرسل إليه؟
قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فدخل فإذا هو برجل، قال: هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال: حدثنا أنس بن مالك أن نبيّ الله حدث أنه لما عرج به إلى السماء قال: أتيت على إدريس في السماء الرابعة.
قوله تعالى : ورفعناه مكانا عليا قال أنس بن مالك وأبو سعيد الخدري وغيرهما : يعني السماء الرابعة .
وروي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ وقال كعب الأحبار .
وقال ابن عباس والضحاك : يعني السماء السادسة ؛ ذكره المهدوي .قلت : ووقع في البخاري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال : سمعت أنس بن مالك يقول : ليلة أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مسجد الكعبة ، الحديث وفيه : كل سماء فيها أنبياء - قد سماهم - منهم إدريس في الثانية .
وهو وهم ، والصحيح أنه في السماء الرابعة ؛ كذلك رواه ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ ذكره مسلم في الصحيح .
وروى مالك بن صعصعة قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لما عرج بي إلى السماء أتيت على إدريس في السماء الرابعة .
خرجه مسلم أيضا .
وكان سبب رفعه على ما قال ابن عباس وكعب وغيرهما : أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس ، فقال : ( يا رب أنا مشيت يوما فكيف بمن يحملها خمسمائة عام في يوم واحد !
اللهم خفف عنه من ثقلها .
يعني الملك الموكل بفلك الشمس ) ؛ يقول إدريس : اللهم خفف عنه من ثقلها واحمل عنه من حرها .
فلما أصبح الملك وجد من خفة [ ص: 43 ] الشمس والظل ما لا يعرف فقال : يا رب خلقتني لحمل الشمس فما الذي قضيت فيه ؟
فقال الله تعالى : ( أما إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته ) فقال : يا رب اجمع بيني وبينه ، واجعل بيني وبينه خلة .
فأذن الله له حتى أتى إدريس ، وكان إدريس - عليه السلام - يسأله .
فقال أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت ، فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي ، فأزداد شكرا وعبادة .
فقال الملك : لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها فقال للملك : قد علمت ذلك ولكنه أطيب لنفسي .
قال نعم .
ثم حمله على جناحه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ، ثم قال لملك الموت : لي صديق من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله .
فقال : ليس ذلك إلي ولكن إن أحببت علمه أعلمته متى يموت .
قال : ( نعم ) ثم نظر في ديوانه ، فقال : إنك تسألني عن إنسان ما أراه يموت أبدا .
قال ( وكيف ) ؟
قال : لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس .
قال : فإني أتيتك وتركته هناك ؛ قال : انطلق فما أراك تجده إلا وقد مات فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء .
فرجع الملك فوجده ميتا .
وقال السدي : إنه نام ذات يوم ، واشتد عليه حر الشمس ، فقام وهو منها في كرب ؛ فقال : اللهم خفف عن ملك الشمس حرها ، وأعنه على ثقلها ، فإنه يمارس نارا حامية .
فأصبح ملك الشمس وقد نصب له كرسي من نور عنده سبعون ألف ملك عن يمينه ، ومثلها عن يساره يخدمونه ، ويتولون أمره وعمله من تحت حكمه ؛ فقال ملك الشمس : يا رب من أين لي هذا ؟
.
قال ( دعا لك رجل من بني آدم يقال له إدريس ) ثم ذكر نحو حديث كعب قال : فقال له ملك الشمس : أتريد حاجة ؟
قال : نعم وددت أني لو رأيت الجنة .
قال : فرفعه على جناحه ، ثم طار به ، فبينما هو في السماء الرابعة التقى بملك الموت ينظر في السماء ، ينظر يمينا وشمالا ، فسلم عليه ملك الشمس ، وقال : يا إدريس هذا ملك الموت فسلم عليه فقال ملك الموت : سبحان الله !
ولأي معنى رفعته هنا ؟
قال : رفعته لأريه الجنة .
قال : فإن الله تعالى أمرني أن أقبض روح إدريس في السماء الرابعة .
قلت : يا رب وأين إدريس من السماء الرابعة ، فنزلت فإذا هو معك ؛ فقبض روحه فرفعها إلى الجنة ، ودفنت الملائكة جثته في السماء الرابعة ، فذلك قوله تعالى : ورفعناه مكانا عليا قال وهب بن منبه : كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض في زمانه ، فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت ، فاستأذن ربه في زيارته فأذن له ، فأتاه في صورة آدمي ، وكان إدريس - عليه السلام - يصوم النهار ؛ فلما كان وقت [ ص: 44 ] إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل .
ففعل به ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس ؛ وقال له : من أنت !
قال أنا ملك الموت ؛ استأذنت ربي أن أصحبك فأذن لي ؛ فقال : إن لي إليك حاجة .
قال : وما هي ؟
قال : أن تقبض روحي .
فأوحى الله تعالى إليه أن اقبض روحه ؛ فقبضه ورده إليه بعد ساعة ، وقال له ملك الموت : ما الفائدة في قبض روحك ؟
قال : لأذوق كرب الموت فأكون له أشد استعدادا .
ثم قال له إدريس بعد ساعة : إن لي إليك حاجة أخرى .
قال : وما هي ؟
قال أن ترفعني إلى السماء فأنظر إلى الجنة والنار ؛ فأذن الله تعالى له في رفعه إلى السماوات ، فرأى النار فصعق ، فلما أفاق قال أرني الجنة ؛ فأدخله الجنة ، ثم قال له ملك الموت : اخرج لتعود إلى مقرك .
فتعلق بشجرة وقال : لا أخرج منها .
فبعث الله تعالى بينهما ملكا حكما ، فقال ما لك لا تخرج ؟
قال : لأن الله تعالى قال كل نفس ذائقة الموت وأنا ذقته ، وقال : وإن منكم إلا واردها وقد وردتها ؛ وقال : وما هم منها بمخرجين فكيف أخرج ؟
قال الله تبارك وتعالى لملك الموت : ( بإذني دخل الجنة وبأمري يخرج ) فهو حي هنالك فذلك قوله ورفعناه مكانا عليا قال النحاس : قول إدريس وما هم منها بمخرجين يجوز أن يكون الله أعلم هذا إدريس ، ثم نزل القرآن به .
قال وهب بن منبه : فإدريس تارة يرتع في الجنة ، وتارة يعبد الله تعالى مع الملائكة في السماء .
{ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا } أي: رفع الله ذكره في العالمين، ومنزلته بين المقربين، فكان عالي الذكر، عالي المنزلة.
( ورفعناه مكانا عليا ) قيل : يعني الجنة .
وقيل : هي الرفعة بعلو الرتبة في الدنيا .
وقيل : هو أنه رفع إلى السماء الرابعة .
روى أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج .
وكان سبب رفع إدريس [ إلى السماء ] على ما قاله كعب وغيره : أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال : يا رب أنا مشيت يوما فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد!
اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لم يعرف فقال يا رب ما الذي قضيت فيه؟
فقال : إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته ، فقال : رب اجعل بيني وبينه خلة ، فأذن له حتى أتى إدريس .
فكان يسأله إدريس فقال له : إني أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت ، فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي فأزداد شكرا وعبادة ، فقال الملك : لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ، وأنا مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ، ثم أتى ملك الموت فقال لي حاجة إليك ; صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله ، قال : ليس ذلك إلي ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيقدم لنفسه قال : نعم فنظر في ديوانه فقال : إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا ، قال : وكيف؟
قال : لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس قال فإني أتيتك وتركته هناك قال : فانطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء فرجع الملك فوجده ميتا .
واختلفوا في أنه حي في السماء أم ميت؟
فقال قوم : هو ميت .
وقال قوم : هو حي وقالوا : أربعة من الأنبياء في الأحياء اثنان في الأرض : الخضر وإلياس واثنان في السماء : إدريس وعيسى .
وقال وهب : كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت ، فاستأذن ربه عز وجل في زيارته ، فأذن له فأتاه في صورة بني آدم وكان إدريس يصوم الدهر فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل معه ، ففعل ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس ، فقال له الليلة الثالثة : إني أريد أن أعلم من أنت؟
فقال : أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك ، قال : فلي إليك حاجة ، قال : وما هي؟
قال : تقبض روحي ، فأوحى الله إليه أن اقبض روحه فقبض روحه وردها الله إليه بعد ساعة ، قال له ملك الموت : ما في سؤالك من قبض الروح؟
قال لأذوق كرب الموت وغمه لأكون أشد استعدادا له ، ثم قال إدريس له : إن لي إليك حاجة أخرى ، قال : وما هي؟
قال : ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة والنار ، فأذن الله في رفعه ، فلما قرب من النار قال لي حاجة أخرى ، قال : وما تريد؟
قال : تسأل مالكا حتى يفتح لي أبوابها فأردها ففعل ، ثم قال : فما أريتني النار فأرني الجنة .
فذهب به إلى الجنة فاستفتح فأوحى الله إليه أن اقبض روحه ، فقبض روحه وردها الله إليه بعد ساعة ، قال له ملك الموت : ما في ، ففتحت أبوابها فأدخله الجنة ، ثم قال ملك الموت : اخرج لتعود إلى مقرك ، فتعلق بشجرة وقال : لا أخرج منها ، فبعث الله ملكا حكيما بينهما فقال له الملك : ما لك لا تخرج؟
قال : لأن الله تعالى قال : " كل نفس ذائقة الموت " ( آل عمران : 185 ) وقد ذقته ، وقال : " وإن منكم إلا واردها " ( مريم : 71 ) ، وقد وردتها ، وقال : " وما هم منها بمخرجين " ( الحجر : 48 ) فلست أخرج ، فأوحى الله إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة وبأمري لا يخرج فهو حي هناك ، ذلك قوله تعالى : ( ورفعناه مكانا عليا ) .
«ورفعناه مكانا عليا» هو حي في السماء الرابعة أو السادسة أو السابعة أو في الجنة أدخلها بعد أن أذيق الموت وأحيي ولم يخرج منها.
ورفَعْنا ذِكْره في العالمين، ومنزلته بين المقربين، فكان عالي الذكر، عالي المنزلة.
وقوله : ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ) قالوا : هو شرف النبوة والزلفة عند الله - تعالى - أو المراد برفعه إلى المكان العلى : إسكانه فى الجنة ، إذ لا شرف أعلى من ذلك .
.وروى أن النابغة الجعدى لما أنشد قوله :بلغتا السماء مجدنا وسناؤنا ...
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - : " إلى أين المظهر يا أبا ليلى؟
قال : إلى الجنة .
قال : أجل إن شاء الله - تعالى - " .وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن طرف من قصص زكريا ويحيى وعيى وإبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس - عليهم الصلاة والسلام - وقد وصفتهم بما هم أهله من صفات كريمة ، ليتأسى الناس بهم فى ذلك .
(القصة السادسة قصة إدريس عليه السلام) اعلم أن إدريس عليه السلام هو جد أبي نوح عليه السلام وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ قيل سمي إدريس لكثرة دراسته واسمه أخنوخ ووصفه الله تعالى بأمور: أحدها: أنه كان صديقاً.
وثانيها: أنه كان نبياً وقد تقدم القول فيهما.
وثالثها: قوله: ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أنه من رفعة المنزلة كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ فإن الله تعالى شرفه بالنبوة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود.
الثاني: أن المراد به الرفعة في المكان إلى موضع عال وهذا أولى، لأن الرفعة المقرونة بالمكان تكون رفعة في المكان لا في الدرجة ثم اختلفوا فقال بعضهم إن الله رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت، وقال آخرون: بل رفع إلى السماء وقبض روحه سأل ابن عباس رضي الله عنهما كعباً عن قوله: ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ﴾ قال: جاءه خليل له من الملائكة فسأله حتى يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به إلى السماء فلما كان في السماء الرابعة فإذا ملك الموت يقول بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، وأنا أقول كيف ذلك وهو في الأرض فالتفت إدريس فرآه ملك الموت فقبض روحه هناك.
واعلم أن الله تعالى إنما مدحه بأن رفعه إلى السماء لأنه جرت العادة أن لا يرفع إليها إلا من كان عظيم القدر والمنزلة، ولذلك قال في حق الملائكة: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ وهاهنا آخر القصص.
<div class="verse-tafsir"
قيل: سمي إدريس لكثرة دراسته كتاب الله عزّ وجل، وكان اسمه أخنوخ، وهو غير صحيح؛ لأنه لو كان أفعيلاً من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية، فكان منصرفاً؛ فامتناعه من الصرف دليل العجمة.
وكذلك إبليس أعجمي.
وليس من الإبلاس كما يزعمون، ولا يعقوب من العقب، ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت، ومن لم يحقق ولم يتدرّب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات.
ويجوز أن يكون معنى ﴿ إِدْرِيسَ ﴾ في تلك اللغة قريباً من ذلك، فحسبه الراوي مشتقاً من الدرس ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ﴾ .
المكان العلي: شرف النبوّة والزلفى عند الله وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأوّل من خاط الثياب ولبسها، وكانوا يلبسون الجلود.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه يرفعه: «إنه رفع إلى السماء الرابعة» وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إلى السماء السادسة.
وعن الحسن رضي الله عنه: إلى الجنة لا شيء أعلى من الجنة.
وعن النابغة الجعدي: أنه لما أنشد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر الذي آخره: بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَسَنَاؤُنَا ** وَإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلى أينَ يا أبا لَيلَى» قالَ: إلى الجنةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ ﴾ وهو سُبْطُ شِيثٍ وجَدُّ أبِي نُوحٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، واسْمُهُ أخْنُوخُ واشْتِقاقُ إدْرِيسَ مِنَ الدَّرْسِ يَرُدُّهُ مَنعُ صَرْفِهِ، نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ قَرِيبًا مِن ذَلِكَ فَلُقِّبَ بِهِ لِكَثْرَةِ دَرْسِهِ، إذْ رُوِيَ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عَلَيْهِ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وأنَّهُ أوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ ونَظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والحِسابِ.
( ﴿ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ ) .
﴿ وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ يَعْنِي شَرَفَ النُّبُوَّةِ والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ الجَنَّةُ، وقِيلَ السَّماءُ السّادِسَةُ أوِ الرّابِعَةُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} هو شرف النبوة والزلفى عند الله وقيل معناه رفعته الملائكة إلى السماء الرابعة وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فيها وعن الحسن إلى الجنة لا شيء أعلى من الجنة وذلك أنه حبب لكثرة عبادته إلى الملائكة فقال لملك الموت أذقني الموت بهن عليّ ففعل ذلك بإذن الله فحيى وقال أدخلني النار أزدد رهبة ففعل ثم قال أدخلني الجنة أزدد رغبة ثم قال له اخرج فقال قد ذقت الموت ووردت النار فما أنا بخارج من الجنة فقال الله عز وجل بإذني فعل وبإذني دخل فدعه
﴿ ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ هو شَرَفُ النُّبُوَّةِ والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ، وعَنْ أنَسٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وكَعْبٍ ومُجاهِدٍ: السَّماءِ الرّابِعَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ: السَّماءَ السّادِسَةَ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَسَنِ الجَنَّةَ لا شَيْءَ أعَلا مِنَ الجَنَّةِ، وعَنِ النّابِغَةِ الجَعْدِيِّ أنَّهُ لَمّا أنْشَدَ رَسُولُ اللَّهِ الشِّعْرَ الَّذِي آخِرُهُ: بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدُنا وسَناؤُنا وإنّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ: إلى أيْنَ المَظْهَرُ يا أبا لَيْلى؟
قالَ إلى الجَنَّةِ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: أجَلْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى مَعَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في السَّماءِ السّابِعَةِ ويَرْتَعُ تارَةً في الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَ، وأكْثَرُ القائِلِينَ بِرَفْعِهِ حِسًّا قائِلُونَ بِأنَّهُ حَيٌّ حَيْثُ رُفِعَ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ مَيِّتٌ في السَّماءِ وهو قَوْلٌ شاذٌّ.
وسَبَبُ رَفْعِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ كَعْبِ وغَيْرِهِ أنَّهُ مَرَّ ذاتَ يَوْمٍ في حاجَةٍ فَأصابَهُ وهَجُ الشَّمْسِ فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي مَشَيْتُ يَوْمًا في الشَّمْسِ فَأصابَنِي مِنها ما أصابَنِي فَكَيْفَ بِمَن يَحْمِلُها مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ في يَوْمٍ واحِدٍ اللَّهُمَّ خَفِّفْ عَنْهُ مِن ثِقَلِها وحَرِّها، فَلَمّا أصْبَحَ المَلَكُ وجَدَ مِن خِفَّةِ الشَّمْسِ وحَرِّها ما لا يَعْرِفُ فَقالَ: يا رَبِّ خَلَقْتَنِي لِحَمْلِ الشَّمْسِ فَماذا الَّذِي قَضَيْتَ فِيهِ قالَ: إنَّ عَبْدِي إدْرِيسَ سَألَنِي أنْ أُخَفِّفَ عَنْكَ حِمْلَها وحَرَّها فَأجَبْتَهُ قالَ: يا رَبِّ فاجْمَعْ بَيْنِي وبَيْنَهُ واجْعَلْ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَلَّةٌ، فَأذِنَ لَهُ حَتّى أتى إدْرِيسَ ثُمَّ إنَّهُ طَلَبَ مِنهُ رَفْعَهُ إلى السَّماءِ فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِذَلِكَ فَرَفَعَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ مَوْلى عَفْرَةَ يَرْفَعُ الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ قالَ: ( «قالَ: بَلْ إنِّي مَعَكَ وإنِّي أقْبِضُ نَفْسَ مَن أُمِرْتُ بِقَبْضِ نَفْسِهِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها وما الدُّنْيا كُلُّها عِنْدِي إلّا كَمائِدَةٍ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ يَتَناوَلُ مِنها ما شاءَ فَقالَ لَهُ: يا مَلَكَ المَوْتِ أسْألُكَ بِالَّذِي أحْبَبْتَنِي لَهُ وفِيهِ إلّا قَضَيْتَ لِي حاجَةً أسْألُكَها فَقالَ: سَلْنِي يا نَبِيَّ اللَّهِ فَقالَ: أُحِبُّ أنْ تُذِيقَنِي المَوْتَ ثُمَّ تَرُدُّ عَلَيَّ رُوحِي، فَقالَ: ما أقْدِرُ إلّا أنْ أسْتَأْذِنَ فاسْتَأْذَنَ رَبَّهُ تَعالى فَأذِنَ لَهُ، فَقَبَضَ رَوْحَهُ ثُمَّ رَدَّها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: يا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ وجَدْتَ المَوْتَ؟
قالَ: أعْظَمُ مِمّا كُنْتُ أُحَدَّثُ وأسْمَعُ، ثُمَّ سَألَهُ رُؤْيَةَ النّارِ فانْطَلَقَ إلى أحَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ فَنادى بَعْضَ خَزَنَتَها فَلَمّا عَلِمُوا أنَّهُ مَلَكُ المَوْتِ ارْتَعَدَتْ فَرائِصُهم وقالُوا: أُمِرْتَ فِينا بِأمْرٍ؟
فَقالَ: لَوْ أُمِرْتُ فِيكم بِأمْرٍ ما ناظَرْتُكم ولَكِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ إدْرِيسَ سَألَنِي أنْ تُرُوهُ لَمْحَةً مِنَ النّارِ، فَفَتَحُوا لَهُ قَدْرَ ثُقْبِ المَخِيطِ، فَأصابَهُ مِن حَرِّها ما صَعَقَ مِنهُ، فَقالَ مَلَكُ المَوْتِ: أغْلِقُوا، فَغَلَقُوا، وجَعَلَ يَمْسَحُ مَلَكُ المَوْتِ وجْهَ إدْرِيسَ ويَقُولُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى، ما كُنْتُ أُحِبُّ أنْ يَكُونَ هَذا حَظَّكَ مِن صُحْبَتِي، فَلَمّا أفاقَ سَألَهُ: كَيْفَ رَأيْتَ؟
قالَ: أعْظَمُ مِمّا كُنْتُ أُحَدَّثُ وأسْمَعُ إنَّ إدْرِيسَ كانَ نَبِيًّا تَقِيًّا زَكِيًّا وكانَ يَقْسِمُ دَهْرَهُ عَلى نِصْفَيْنِ ثَلاثَةَ أيّامٍ يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ وأرْبَعَةَ أيّامٍ يَسِيحُ في الأرْضِ ويَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى مُجْتَهِدًا، وكانَ يَصْعَدُ مِن عَمَلِهِ وحْدَهُ إلى السَّماءِ مِنَ الخَيْرِ مِثْلُ ما يَصْعَدُ مِن جَمِيعِ أعْمالِ بَنِي آدَمَ وأنَّ مَلَكَ المَوْتِ أحَبَّهُ في اللَّهِ تَعالى فَأتاهُ حِينَ خَرَجَ لِلسِّياحَةِ فَقالَ لَهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أنْ تَأْذَنَ لِي في صُحْبَتِكَ، فَقالَ لَهُ إدْرِيسُ وهو لا يَعْرِفُهُ: إنَّكَ لَنْ تَقْوى عَلى صُحْبَتِي قالَ: بَلى إنِّي أرْجُو أنْ يُقَوِّيَنِي اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، فَخَرَجَ مَعَهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتّى إذا كانَ مِن آخِرِ النَّهارِ مَرّا بِراعِي غَنَمٍ فَقالَ مَلَكُ المَوْتِ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنّا لا نَدْرِي حَيْثُ نُمْسِي، فَلَوْ أخَذْنا جَفْرَةً مِن هَذِهِ الغَنَمِ فَأفْطَرْنا عَلَيْها، فَقالَ لَهُ: لا تَعُدْ إلى مِثْلِ هَذا أتَدْعُونِي إلى أخْذَ ما لَيْسَ لَنا مِن حَيْثُ نُمْسِي يَأْتِينا اللَّهُ تَعالى بِرِزْقٍ، فَلَمّا أمْسى أتاهُ اللَّهُ تَعالى بِالرِّزْقِ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِ، فَقالَ لِمَلَكِ المَوْتِ: تَقَدَّمْ فَكُلْ، فَقالَ: لا والَّذِي أكْرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ ما أشْتَهِي فَأكَلَ وحْدَهُ وقاما جَمِيعًا إلى الصَّلاةِ، فَفَتَرَ إدْرِيسُ ونَعَسَ ولَمْ يَفْتُرِ المَلَكُ ولَمْ يَنْعَسْ، فَعَجِبَ مِنهُ وصَغُرَتْ عِنْدَهُ عِبادَتُهُ مِمّا رَأى ثُمَّ أصْبَحا فَساحا، فَلَمّا كانَ آخِرُ النَّهارِ مَرّا بِحَدِيقَةِ عِنَبٍ فَقالَ لَهُ مِثْلَ ما قالَ أوَّلًا، فَلَمّا أمْسَيا أتاهُ اللَّهُ تَعالى بِالرِّزْقِ فَدَعاهُ إلى الأكْلِ فَلَمْ يَأْكُلْ وقاما إلى الصَّلاةِ، وكانَ مِن أمْرِهِما ما كانَ أوَّلًا، فَقالَ لَهُ إدْرِيسُ: لا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتَ مِن بَنِي آدَمَ فَقالَ: أجَلْ لَسْتُ مِنهُمْ، وذَكَرَ لَهُ أنَّهُ مَلَكُ المَوْتِ فَقالَ: أُمِرْتَ فِيَّ بِأمْرٍ؟
فَقالَ: لَوْ أُمِرْتُ فِيكَ بِأمْرٍ ما ناظَرْتُكَ ولَكِنِّي أُحِبُّكَ في اللَّهِ تَعالى وصَحِبْتُكَ لَهُ، فَقالَ لَهُ: إنَّكَ مَعِي هَذِهِ المُدَّةَ لَمْ تَقْبِضْ رُوحَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ» !
قالَ: بَلْ إنِّي مَعَكَ وإنِّي أقْبِضُ نَفْسَ مَن أُمِرْتُ بِقَبْضِ نَفْسِهِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها وما الدُّنْيا كُلُّها عِنْدِي إلّا كَمائِدَةٍ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ يَتَناوَلُ مِنها ما شاءَ فَقالَ لَهُ: يا مَلَكَ المَوْتِ أسْألُكَ بِالَّذِي أحْبَبْتَنِي لَهُ وفِيهِ إلّا قَضَيْتَ لِي حاجَةً أسْألُكَها فَقالَ: سَلْنِي يا نَبِيَّ اللَّهِ فَقالَ: أُحِبُّ أنْ تُذِيقَنِي المَوْتَ ثُمَّ تَرُدُّ عَلَيَّ رُوحِي، فَقالَ: ما أقْدِرُ إلّا أنْ أسْتَأْذِنَ فاسْتَأْذَنَ رَبَّهُ تَعالى فَأذِنَ لَهُ، فَقَبَضَ رَوْحَهُ ثُمَّ رَدَّها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: يا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ وجَدْتَ المَوْتَ؟
قالَ: أعْظَمُ مِمّا كُنْتُ أُحَدَّثُ وأسْمَعُ، ثُمَّ سَألَهُ رُؤْيَةَ النّارِ فانْطَلَقَ إلى أحَدِ أبْوابِ جَهَنَّمَ فَنادى بَعْضَ خَزَنَتَها فَلَمّا عَلِمُوا أنَّهُ مَلَكُ المَوْتِ ارْتَعَدَتْ فَرائِصُهم وقالُوا: أُمِرْتَ فِينا بِأمْرٍ؟
فَقالَ: لَوْ أُمِرْتُ فِيكم بِأمْرٍ ما ناظَرْتُكم ولَكِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ إدْرِيسَ سَألَنِي أنْ تُرُوهُ لَمْحَةً مِنَ النّارِ، فَفَتَحُوا لَهُ قَدْرَ ثُقْبِ المَخِيطِ، فَأصابَهُ مِن حَرِّها ما صَعَقَ مِنهُ، فَقالَ مَلَكُ المَوْتِ: أغْلِقُوا، فَغَلَقُوا، وجَعَلَ يَمْسَحُ مَلَكُ المَوْتِ وجْهَ إدْرِيسَ ويَقُولُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى، ما كُنْتُ أُحِبُّ أنْ يَكُونَ هَذا حَظَّكَ مِن صُحْبَتِي، فَلَمّا أفاقَ سَألَهُ: كَيْفَ رَأيْتَ؟
قالَ: أعْظَمُ مِمّا كُنْتُ أُحَدَّثُ وأسْمَعُ!
ثُمَّ سَألَهُ: أنْ يُرِيَهُ لَمْحَةً مِنَ الجَنَّةِ فَفَعَلَ نَظِيرَ ما فَعَلَ قَبْلُ فَلَمّا فَتَحُوا لَهُ أصابَهُ مِن بَرْدِها وطِيبِها ورَيْحانِها ما أخَذَ بِقَلْبِهِ فَقالَ: يا مَلَكَ المَوْتِ إنِّي أُحِبُّ أنْ أدْخُلَ الجَنَّةَ فَآكُلَ أكْلَةً مِن ثِمارِها وأشْرَبَ شَرْبَةً مِن مائِها، فَلَعَلَّ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أشَدَّ لِطُلْبَتِي ورَغْبَتِي، فَدَخَلَ وأكَلَ وشَرِبَ فَقالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: اخْرُجْ يا نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى، قَدْ أصَبْتَ حاجَتَكَ حَتّى يَرُدَّكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَوْمَ القِيامَةِ، فاحْتَضَنَ بِساقِ شَجَرَةٍ مِن أشْجارِها وقالَ: ما أنا بِخارِجٍ وإنْ شِئْتَ أنْ أُخاصِمَكَ خاصَمْتُكَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مَلَكِ المَوْتِ: قاضِهِ الخُصُومَةَ فَقالَ لَهُ: ما الَّذِي تُخاصِمُنِي بِهِ يا نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى؟
فَقالَ إدْرِيسُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ وقَدْ ذُقْتُهُ، وقالَ سُبْحانَهُ ﴿ وإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ وقَدْ ورَدْتُها وقالَ جَلَّ وعَلا لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ ﴾ فَأخْرُجُ مِن شَيْءٍ ساقَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيَّ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مَلَكِ المَوْتِ: خَصَمَكَ عَبْدِي إدْرِيسُ وعِزَّتِي وجَلالِي إنَّ في سابِقِ عِلْمِي أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، فَدَعْهُ فَقَدِ احْتَجَّ عَلَيْكَ بِحُجَّةٍ قَوِيَّةٍ ) الحَدِيثَ.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وكَذا بِصِحَّةِ ما قَبْلَهُ مِن خَبَرِ كَعْبٍ، وهَذا الرَّفْعُ لِاقْتِضائِهِ عُلُوَّ الشَّأْنِ ورِفْعَةَ القَدْرِ كانَ فِيهِ مِنَ المَدْحِ ما فِيهِ وإلّا فَمُجَرَّدُ الرَّفْعِ إلى مَكانٍ عالٍ حِسًّا لَيْسَ بِشَيْءٍ: فالنّارُ يَعْلُوها الدُّخانُ ورُبَّما ∗∗∗ يَعْلُو الغُبارَ عَمائِمُ الفُرْسانِ وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الأقْرَبَ أنَّ العُلُوَّ حِسِّيٌّ لِأنَّ الرِّفْعَةَ المُقْتَرِنَةَ بِالمَكانِ لا تَكُونُ مَعْنَوِيَّةً.
وتُعُقِّبَ بِأنْ فِيهِ نَظَرًا لِأنَّهُ ورَدَ مِثْلُهُ بَلْ ما هو أظْهَرُ مِنهُ كَقَوْلِهِ: وكُنْ في مَكانٍ إذا ما سَقَطْتَ ∗∗∗ تَقُومُ ورِجْلُكَ في عافِيَةٍ فَتَأمَّلْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ، يعني: خبر إدريس .
إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا، يعني: صادقاً يُخبر عن الله عز وجل، وذكر عن وهب بن منبه أنه قال: «إنما سمي إدريس لكثرة ما يدرس من كتاب الله عز وجل والسنن، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من لبس ثوب القطن، وكانوا من قبل ذلك يلبسون جلود الضأن، واسمه أخنوخ، ويقال: إلياس» .
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا، يعني: الجنة.
وقال مجاهد: يعني: في السماء الرابعة.
قال: أخبرني الثقة بإسناده، عن ابن عباس، أنه سئل كعب الأحبار عن إدريس فقال كعب: «إن إدريس كان رجلاً خياطاً، وكان يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفتر عن ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وكان يكتسب فيتصدق بالثلثين.
فأتاه ملك من الملائكة عليهم السلام يقال له إسرافيل، فبشره بالجنة وقال له: هل لك من حاجة؟
قال: وددت أني أعلم إلى متى أجلي فأزداد خيراً.
فقال له: ما أعلمه، ولكن إن شئت حملتك إلى السماء.
قال: فحمله إلى السماء، فلقي ملك الموت، فسأله عن أجله، ففتح كتاباً معه فقال: لم يبق من أجلك إلا سِتَّ سَاعَاتٍ أوْ سَبْعَ ساعات، وقال: أُمرتُ أن أقبض نفسك هاهنا، فقبض نفسه في السماء، فذلك قوله: رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا.
وروى الكلبي، عن زيد بن أسلم، عن رسول الله أنه قال: «إن إدريس جد أبي نوح» وكان أهل الأرض يومئذ بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً، فكان يصعد لإدريس من العمل ما كان يصعد لجميع بني آدم، فأحبه ملك الموت، فاستأذن الله تعالى في خلته، فأذن له.
قال: فهبط إليه في صورة غير صورته، على صورة آدمي لكيلا يعرفه فقال: يا إدريس، إني أحب أن أصحبك وأكون معك.
فقال له إدريس: إنك لا تطيق ذلك.
قال: أنا أرجو أن يقويني الله عز وجل على ذلك، فكان معه يصحبه.
وكان إدريس يسيح النهار كله وهو صائم، فإذا جنّه الليل أتاه رزقه حيث يمسي، فيفطر عليه، ثم يحيي الليل كله.
فساحا النهار كله صائمين، حتى إذا أمسيا أتى إدريس رزقه فأكله ودعا الآخر، فقال: لا الله الذي جعلك بشراً ما أشتهيه، فطعم إدريس ثم استقبلا الليل بالصلاة.
وإدريس تناله السآمة والفترة من الليل والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس يتعجب منه، ثم أصبحا صائمين، فساحا حتى إذا جنهما الليل أتى إدريس رزقه فجعل يطعم ودعا الآخر فقال: لا والذي جعلك بشراً ما أشتهيه فطعم إدريس.
ثم استقبلا الليل كله فإدريس تناله السآمة والفترة والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس يتعجب منه، ثم أصبحا اليوم الثالث صائمين، فساحا فمرا على كرم قد أينع وطاب، فقال: يا إدريس لو أنا أخذنا من هذا الكرم فأكلنا.
فقال إدريس: ما أرى صاحبه هاهنا فأشتريه منه وإني لأكره أن آخذ بغير ثمن.
قال: فمضيا حتى مرا على غنم فقال: يا إدريس لو أخذنا من هذا الغنم شاة فأكلنا من لحمها، فقال له إدريس: إنك معي منذ ثلاثة أيام ما طعمت شيئا، فلو كنت آدمياً لطعمت، وإني لأدعوك إلى الحلال كل ليلة فتأبى علي، فكيف تدعوني إلى الحرام أن آخذه؟
فبصحبة ما بيني وبينك إلا أنبأتني من أنت؟
قال: إنك ستعلم.
قال: أخبرني من أنت؟
قال: أنا ملك الموت.
ففزع إدريس حين قال أنا ملك الموت.
قال: فإني أسألك حاجة.
قال: ما هي؟
قال: أن تذيقني الموت- فإنه قد بلغني عنه شدة ولعلي أعلم ما شدته، فأكون له أشد استعدادا (١) : مالي من ذلك شيء وليس لك بد من أن تذوقه قال: فأوحى الله عَزَّ وَجَلَّ إلَى ملك الموت أن يقبض روحه ساعة ثم يرسله.
قال: فقبض نفسه ساعة ثم أرسله، فقال: كيف رأيت؟
قال: لقد بلغني عنه شدة، فلقد كان أشد مما بلغني عنه.
قال: فإني أسألك حاجة أُخرى.
قال: ما هي؟
قال: أحب أن تُريني النار.
قال: ما لي من ذلك من شيء، ولكن سأطلب لك، فإن قدرت عليه فعلت.
فسأل ربه، فأمره فبسط جناحه فحمله عليه، حتى صعد به إلى السماء، فانتهى به إلى باب من أبواب النار فدقه فقيل: من هذا؟
فقال: ملك الموت.
فقال: مرحباً بأمين الله عز وجل، فهل أمرت فينا بشيء؟
فقال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه النار، فأحب أن تروها إياه.
ففتح باب منها بشيء، فجاءت بأمر عظيم، فخرّ إدريس مغشياً عليه.
فحمله ملك الموت وحبسه في ناحية حتى أفاق، فقال له ملك الموت: ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي، ولكن سألتني فأحببت أن أسعفك.
قال: فإني أسألك حاجة أخرى لا أسألك غيرها.
قال: ما هي؟
قال: أحب أن تريني الجنة.
قال: ما لي من ذلك من شيء، ولكن سأطلب فإن قدرت عليه فعلت.
فانطلق به إلى خزنة الجنة، فدق باباً من أبوابها فقيل: من هذا؟
فقال: أنا ملك الموت.
فقالوا: مرحباً بأمين الله عز وجل، هل أمرت فينا بشيء؟
فقال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنة فأحب أن تروها إياه.
قال: ففتح له الباب، فدخل فنظر إلى شيء لم ينظر مثله قط، فطاف فيها ساعة ثم قال له ملك الموت: انطلق بنا فلنخرج.
فانطلق إلى شجرة فتعلق بها ثم قال: والله لا أخرج حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني.
فقال ملك الموت: إنه ليس حينها ولا زمانها، ولكن طلبت إليهم لترى، فانطلق بنا.
فأبى عليه، فقيض الله له ملكاً من الملائكة فقال له ملك الموت: اجعل هذا الملك حكماً بيني وبينك قال: نعم.
قال الملك: ما هو يا ملك الموت؟
فأخبره بالقصة، ثم نظر الملك إلى إدريس قال: ما تقول يا إدريس؟
قال: أقول إن الله يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: 185] فقد ذقته ويقول الله عز وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: 71] وقد وردتها وقال لأهل الجنة: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [الحجر: 48] .
فو الله لا أخرج منها حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني.
قال: فسمع هاتفاً يقول: بإذني دخل وبإذني فعل فخل سبيله، فذلك قوله عز وجل: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا» يعني: الجنة.
ويقال: وَرَفَعْناهُ في القدر والمنزلة، ويقال: وَرَفَعْناهُ في النبوة والعلم.
ثم قال عز وجل: أُولئِكَ، يعني: إبراهيم، وموسى، وإسماعيل، وإدريس، وسائر الأنبياء عليهم السلام الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ من سائر الأنبياء وهم ولد نوح إلا إدريس ، يعني: حملناهم على السفينة وهم في صلب نوح وأولاده، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وهو يعقوب وَمِمَّنْ هَدَيْنا يعني: أكرمنا بالنبوة، ويقال: أكرمنا بالإسلام، وَاجْتَبَيْنا يعني: واصطفينا بعد هؤلاء.
إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ، يعني: القرآن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا يعني: يسجدون ويبكون من خوف الله عز وجل.
بكيّ: جمع باكي.
وقوله: سُجَّداً وَبُكِيًّا منصوب على الحال، وقال بعضهم: بُكِيًّا مصدر بكى يبكي بكياً، وقال الزجاج: من قال مصدر فهو خطأ، لأن سُجَّداً جمع ساجد وَبُكِيًّا عطف عليه فهو جمع باك.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .
<div class="verse-tafsir"
واحتجَّ الطَّبِرِيُّ «١» ، ومَكّي لهذا القول بأَن عُمَر رضي الله عنه قرأ سُورةٍ مريم، فسجد ثُمَّ قال: هذا السُّجُودُ، فأَيْنَ البُكَى «٢» ؟
يَعْنِي: البُكَاء.
قال ع «٣» : ويحتمل أَن يريد عُمر رضي الله عنه فأَين البَاكُون؟
وهذا الذي ذكروه عن عُمَر، ذكره أَبُو حَاتِمٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم.
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)
وقوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ...
الآية، الخَلْفُ، -[بسكون] «٤» اللام- مُسْتعمل إذا كان الآتي مَذْمُوماً هذا مشهورُ كَلامِ العَرَبِ، والمرادُ بالخلْف: مَنْ كفر وعَصَى بعدُ مِنْ بني إسرائيل، ثم يتناول معنى الآية مَنْ سِوَاهُم إلَى يوم القيامة، وإضاعة الصّلاة بترْكِهَا وبجحْدِها، وبإضاعة أَوْقَاتِهَا.
وروى أَبُو دَاوُدَ الطيالسي في «مسنده» بسنده عن عُبَادَةَ بنِ الصّامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذا أَحْسَنَ الرَّجُلُ الصَّلاَةَ، فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا، وَسُجُودَهَا، قَالَتِ الصَّلاَةُ:
حَفِظَكَ اللهُ كَمَا حَفِظْتَنِي، وَتُرْفَعُ، وإذَا أَسَاءَ الصَّلاَةَ فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهَا، وَلاَ سُجُودَهَا، قَالَتِ الصَّلاَةُ: ضَيَّعَكَ اللهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي، وَتُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلقُ، فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُهُ» .
انتهى «٥» من «التذكرة» ، والشَّهَوَاتُ: عُمُومُ، والغَيُّ: الخسران قاله ابن زيد «٦» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ ﴾ هَذا عامٌّ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يَعِدْ رَبُّهُ بِوَعْدٍ قَطُّ إلّا وفى لَهُ بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ خَصَّ بِصِدْقِ الوَعْدِ إسْماعِيلَ، ولَيْسَ في الأنْبِياءِ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ ؟
فالجَوابُ: أنَّ إسْماعِيلَ عانى [ في الوَفاءِ ] بِالوَعْدِ ما لَمْ يُعانِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَأثْنى عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونُ: أنَّهُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ مِيعادٌ، فَأقامَ يَنْتَظِرُهُ مُدَّةً فِيها لَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أقامَ حَوْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ يَوْمًا، قالَهُ الرُّقاشِيُّ.
والثّالِثُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ رَسُولا ﴾ إلى قَوْمِهِ، وهم جُرْهم.
﴿ وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي: قَوْمَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُهُ: جَمِيعُ أُمَّتِهِ.
فَأمّا الصَّلاةُ والزَّكاةُ فَهُما العِبادَتانِ المَعْرُوفَتانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ في السَّماءِ الرّابِعَةِ، رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ «عَنْ رَسُولِ اللهِ في حَدِيثِ المِعْراجِ: أنَّهُ رَأى إدْرِيسَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ،» وبِهَذا قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ في الجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَفِي سَبَبِ صُعُودِهِ إلى السَّماءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ يُصْعَدُ لَهُ مِنَ العَمَلِ مِثْلُ ما يُصْعَدُ لِجَمِيعِ بَنِي آَدَمَ، فَأحَبَّهُ مَلَكُ المَوْتِ، فاسْتَأْذَنَ اللَّهَ في خُلَّتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَهَبَطَ إلَيْهِ في صُورَةِ آَدَمِيٍّ، وَكانَ يَصْحَبُهُ، فَلَمّا عَرَفَهُ قالَ: إنِّي أسْألُكَ حاجَةً، قالَ: ما هي ؟
قالَ: تُذِيقُنِي المَوْتَ، فَلَعَلِّيَ أعْلَمُ ما شِدَّتُهُ، فَأكُونُ لَهُ أشَدَّ اسْتِعْدادًا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنِ اقْبِضْ رُوحَهُ ساعَةً ثُمَّ أرْسِلْهُ، فَفَعَلَ، ثُمَّ قالَ: كَيْفَ رَأيْتَ ؟
قالَ: كانَ أشَدَّ مِمّا بَلَغَنِي عَنْهُ، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تُرِيَنِي النّارَ.
قالَ: فَحَمَلَهُ فَأراهُ إيّاها، قالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ تُرِيَنِي الجَنَّةَ، فَأراهُ إيّاها، فَلَمّا دَخَلَها طافَ فِيها، قالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: اخْرُجْ، فَقالَ: واللَّهِ لا أخْرُجُ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَعالى يُخْرِجُنِي، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَحَكَمَ بَيْنَهُما، فَقالَ: ما تَقُولُ يا مَلَكَ المَوْتِ ؟
فَقَصَّ عَلَيْهِ ما جَرى، فَقالَ: ما تَقُولُ يا إدْرِيسُ ؟
قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ وقَدْ ذُقْتُهُ، وقالَ: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ وقَدْ ورَدْتُها، وقالَ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿ وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ ﴾ ؛ فَواللَّهِ لا أخْرُجُ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ يُخْرِجُنِي، فَسَمِعَ هاتِفًا مِن فَوْقِهِ يَقُولُ: بِإذْنِي دَخَلَ وبِأمْرِي فَعَلَ، فَخَلَّ سَبِيلَهُ، هَذا مَعْنى ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ .
فَإنْ سَألَ سائِلٌ فَقالَ: مِن أيْنَ لِإدْرِيسَ هَذِهِ الآَياتِ وهي في كِتابِنا ؟
فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ، قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَ إدْرِيسَ بِما ذَكَرَ في القُرْآَنِ مِن وُجُوبِ الوُرُودِ، وامْتِناعِ الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ ما قالَهُ بِعِلْمٍ.
والثّانِي: أنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أنْ يَهْبِطَ إلى إدْرِيسَ، فَأذِنَ لَهُ، فَلَمّا عَرَفَهُ إدْرِيسُ قالَ: هَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَ مَلَكِ المَوْتِ قَرابَةٌ ؟
قالَ: ذاكَ أخِي مِنَ المَلائِكَةِ.
قالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَنْفَعَنِي عِنْدَ مَلَكِ المَوْتِ ؟
قالَ: سَأُكَلِّمُهُ فِيكَ فَيَرْفُقُ بِكَ، ارْكَبْ بَبْنَ جَناحِي، فَرَكِبَ إدْرِيسُ فَصَعِدَ بِهِ إلى السَّماءِ، فَلَقِيَ مَلَكَ المَوْتِ، فَقالَ: إنَّ لِي إلَيْكَ حاجَةً.
قالَ: أعْلَمُ ما حاجَتُكَ، تُكَلِّمُنِي في إدْرِيسَ، وقَدْ مُحِيَ اسْمُهُ مِن الصَّحِيفَةِ، ولَمْ يَبْقَ مِن أجْلِهِ إلّا نِصْفُ طَرْفَةِ عَيْنٍ ؟
فَماتَ إدْرِيسُ بَيْنَ جَناحَيِ المَلَكِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَقَبَضَ مَلَكُ المَوْتِ رُوحَ إدْرِيسَ في السَّماءِ السّادِسَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ إدْرِيسَ مَشى يَوْمًا في الشَّمْسِ فَأصابَهُ وهَجُها، فَقالَ: اللَّهُمَّ خَفِّفْ ثِقَلَها عَمَّنْ يَحْمِلُها، يَعْنِي بِهِ: المَلَكَ المُوَكَّلَ بِالشَّمْسِ، فَلَمّا أصْبَحَ المَلَكُ وجَدَ مِن خِفَّةِ الشَّمْسِ وحَرِّها ما لا يَعْرِفُ، فَسَألَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ عَبْدِي إدْرِيسَ سَألَنِي أنْ أُخَفِّفَ عَنْكَ حِمْلَها وحَرَّها فَأجَبْتُهُ.
فَقالَ: يا رَبِّ اجْمَعْ بَيْنِي وبَيْنَهُ واجْعَلْ بَيْنَنا خُلَّةً، فَأذِنَ لَهُ، [ فَأتاهُ ]، فَكانَ مِمّا قالَ لَهُ إدْرِيسُ: اشْفَعْ لِي إلى مَلَكِ المَوْتِ لِيُؤَخِّرَ أجَلِي، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إذا جاءَ أجْلُها، ولَكِنْ أُكَلِّمُهُ فِيكَ، فَما كانَ مُسْتَطِيعًا أنْ يَفْعَلَ بِأحَدٍ مِن بَنِي آَدَمَ فَعَلَ بِكَ، ثُمَّ حَمَلَهُ المَلَكُ عَلى جَناحِهِ فَرَفْعَهُ إلى السَّماءِ، فَوَضَعَهُ عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ أتى مَلَكَ المَوْتِ فَقالَ: إنَّ لِي إلَيْكَ حاجَةَ صَدِيقٍ لِي مِن بَنِي آَدَمَ تَشْفَعُ بِي إلَيْكَ لِتُؤَخِّرَ أجْلَهُ، قالَ: لَيْسَ ذاكَ إلَيَّ، ولَكِنْ إنْ أحْبَبْتَ أعْلَمْتُهُ مَتى يَمُوتُ، فَنَظَرَ في دِيوانِهِ فَقالَ: إنَّكَ كَلَّمْتَنِي في إنْسانٍ ما أراهُ يَمُوتُ أبَدًا، ولا أجِدُهُ يَمُوتُ إلّا عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، فَقالَ: إنِّي أتَيْتُكَ وتَرَكْتُهُ هُناكَ، قالَ: انْطَلِقْ فَما أراكَ تَجِدُهُ إلّا مَيِّتًا، فَواللَّهِ ما بَقِيَ مِن أجْلِهِ شَيْءٌ، فَرَجَعَ المَلَكُ فَرَآَهُ مَيِّتًا.
وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكَعْبٍ في آَخَرِينَ، فَهَذا القَوْلُ والَّذِي قَبْلَهُ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ مَيِّتٌ، والقَوْلُ الأوَّلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَيٌّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ ﴿ وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ مِنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا ﴾ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ هو مِن أجْدادِ نُوحٍ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى أهْلِ الأرْضِ فِيما رُوِيَ بَعْدَ آدَمَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، وهو أوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ، وكانَ خَيّاطًا، ووَصَفَهُ اللهُ تَعالى بِالصِدْقِ، والوَجْهُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى العُمُومِ في الأحادِيثِ والأعْمالِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو إلْياسُ، بُعِثَ إلى قَوْمِهِ بِأنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللهُ، ويَعْمَلُوا ما شاؤُوا، فَأبَوْا فَأُهْلِكُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأشْهَرُ أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بِإهْلاكِ أُمَّةٍ، وأنَّهُ نَبِيٌّ فَقَطْ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ - فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: هَذا هو رَفْعُ النُبُوءَةِ والتَشْرِيفِ والمَنزِلَةِ، وهو في السَماءِ كَما سائِرِ الأنْبِياءِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ رَفْعٌ إلى السَماءِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللهِ كَما رَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهُنالِكَ ماتَ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ إلّا أنَّهُ قالَ: ولَمْ يَمُتْ، وكَذَلِكَ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ لِابْنِ عَبّاسٍ: كانَ لَهُ خَلِيلٌ مِنَ المَلائِكَةِ فَحَمَلَهُ عَلى جَناحِهِ وصَعِدَ بِهِ حَتّى بَلَغَ السَماءَ الرابِعَةَ، فَلَقِيَ هُنالِكَ مَلَكَ المَوْتِ.
فَقالَ لَهُ: إنَّهُ قِيلَ لِي: اهْبِطْ إلى السَماءِ الرابِعَةِ فاقْبِضْ رُوحَ إدْرِيسَ، وإنِّي لَأعْجَبُ كَيْفَ يَكُونُ هَذا، فَقالَ لَهُ المَلَكُ الصاعِدُ: هَذا إدْرِيسَ مَعِي، فَقَبَضَ رُوحَهُ.
ورُوِيَ أنَّ هَذا كُلَّهُ كانَ في السَماءِ السادِسَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكَذَلِكَ هي رُتْبَتُهُ في حَدِيثِ الإسْراءِ في بَعْضِ الرِواياتِ، وحَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الإسْراءِ يَقْتَضِي أنَّهُ في السَماءِ الرابِعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ مِنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ الآيَةُ.
الإشارَةُ بِـ " أُولَئِكَ " إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ يُرِيدُ إدْرِيسَ ونُوحًا عَلَيْهِما السَلامُ، ﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ يُرِيدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ يُرِيدُ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَلامُ، ﴿ وَإسْرائِيلَ ﴾ يُرِيدُ مُوسى وهارُونَ وزَكَرِيّا وَيَحْيى وعِيسى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِمُ السَلامُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا ﴾ ، مَعْناهُ: اخْتَرْنا واصْطَفَيْنا، وكَأنَّهُ مِن: "جَبَيْتُ المالَ" إذا جَمَعْتُهُ، ومِنهُ جِبايَةُ المالِ، كَأنَّ جابِيهِ يَصْطَفِيهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إذا تُتْلى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "إذا يُتْلى" بِالياءِ.
و"الآياتُ" هُنا الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، و"سُجَّدًا" نُصِبَ عَلى الحالِ لِأنَّ مَبْدَأ السُجُودِ سُجُودٌ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والجُمْهُورُ: "وَبُكِيًّا"، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو جَمْعُ باكٍ، كَما يُجْمَعُ عاتٍ وجاثٍ عَلى عُتِيٍّ وجُثِيٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى البُكاءِ، التَقْدِيرُ: وبَكَوْا بُكِيًّا، واحْتَجَّ الطَبَرِيُّ ومَكِّيُّ لِهَذا القَوْلِ بِأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ رُوِيَ أنَّهُ قَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ فَسَجَدَ ثُمْ قالَ: هَذا السُجُودُ فَأيْنَ البُكِيُّ؟
يَعْنِي البُكاءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واحْتِجاجُهُما بِهَذا فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: فَأيْنَ الباكُونَ؟، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِهَذا، وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ عن عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ ذِكْرَهُ أبُو حاتِمْ عَنِ النَبِيِّ .
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْيى، والأعْمَشُ: "وَبِكِيًّا" بِكَسْرِ الباءِ، وهو مَصْدَرٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
إدريس: اسم جعل علماً على جد أبي نوح، وهو المسمى في التوراة (أُخنُوخ).
فنوح هو ابن لامك بن متُوشالح بن أُخنوخ، فلعل اسمه عند نسّابي العرب إدريس، أو أن القرآن سماه بذلك اسماً مشتقاً من الدرس لما سيأتي قريباً.
واسمه (هرمس) عند اليونان، ويُزعم أنه كذلك يسمى عند المصريين القدماء، والصحيح أن اسمه عند المصريين (تُوت) أو (تحُوتي) أو (تهوتي) لهجات في النطق باسمه.
وذكر ابن العِبْري في «تاريخه»: «أن إدريس كان يلقب عند قدماء اليونان (طريسمجيسطيس)، ومعناه بلسانهم ثلاثي التعليم، لأنه كان يصف الله تعالى بثلاث صفات ذاتية وهي الوجود والحكمة والحياة» اه.
ولا يخفى قرب الحروف الأولى في هذا الاسم من حروف إدريس، فلعل العرب اختصروا الاسم لطوله فاقتصروا على أوله مع تغيير.
وكان إدريس نبيئاً، ففي الإصحاح الخامس من سفر التكوين «وسار أُخنوخ مع الله».
قيل: هو أول من وضع للبشر عمارة المدن، وقواعد العلم، وقواعد التربية، وأول من وضع الخط، وعلّم الحساب بالنجوم وقواعدَ سير الكواكب، وتركيب البسائط بالنّار فلذلك كان علم الكيمياء ينسب إليه، وأوّل من علم الناس الخياطة.
فكان هو مبدأ من وضع العلوم، والحضارة، والنظم العقليّة.
فوجه تسميته في القرآن بإدريس أنّه اشتق له اسم من الفرس على وزن مناسب للأعلام العجميّة، فلذلك منع من الصرف مع كون حروفه من مادة عربية، كما منع إبليس من الصرف، وكما منع طالوت من الصرف.
وتقدّم اختلاف القراء في لفظ {نبيئاً عند ذكر إبراهيم.
وقوله ورفعناه مكاناً علياً وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال جماعة من المفسرين هو رفع مجازي.
والمراد: رفع المنزلة، لما أوتيه من العلم الذي فاق به على من سلفه.
ونقل هذا عن الحسن.
وقال به أبو مسلم الأصفهاني.
وقال جماعة: هو رفع حقيقي إلى السماء، وفي الإصحاح الخامس من سفر التكوين «وسار أخنوخ مع الله ولم يُوجد لأنّ الله أخذه»، وعلى هذا فرفعه مثل رفع عيسى عليه السلام.
والأظهر أن ذلك بعد نزع روحه وروْحنة جثته.
ومما يذكر عنه أنّه بقي ثلاث عشرة سنة لا ينام ولا يأكل حتى تَرَوْحَن، فرفع.
وأما حديث الإسراء فلا حجة فيه لهذا القول لأنه ذكر فيه عدة أنبياء غيره وجدوا في السماوات.
ووقع في حديث مالك بن صعصعة عن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات أنه وجد إدريس عليه السلام في السماء وأنه لمّا سلّم عليه قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح.
فأخذ منه أنّ إدريس عليه السلام لم تكن له ولادةٌ على النبي صلى الله عليه وسلم لأنّه لم يقل له والابن الصالح، ولا دليل في ذلك لأنه قد يكون قال ذلك اعتباراً بأخوّة التوحيد فرجحها على صلة النسب فكان ذلك من حكمته.
على أنّه يجوز أن يكون ذلك سهواً من الراوي فإن تلك الكلمة لم تثبت في حديث جابر بن عبدالله في «صحيح البخاري».
وقد جزم البخاري في أحاديث الأنبياء بأن إدريس جد نوح أو جدّ أبيه.
وذلك يدلّ على أنّه لم ير في قوله «مرحباً بالأخ الصالح» ما يُنافي أن يكون أباً للنبيء صلى الله عليه وسلم <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ إدْرِيسَ رُفِعَ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ، وهَذا قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وكَعْبٍ، ومُجاهِدٍ.
الثّانِي: رَفَعَهُ إلى السَّماءِ السّادِسَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وهو مَرْفُوعٌ في السَّماءِ.
واخْتَلَفُوا في مَوْتِهِ فِيها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَيِّتٌ فِيها، قالَهُ مُقاتِلٌ وقِيلَ أنَّهُ ماتَ بَيْنَ السَّماءِ الرّابِعَةِ والخامِسَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ حَيٌّ فِيها لَمْ يَمُتْ مِثْلُ عِيسى.
رَوى ابْنُ إسْحاقَ أنَّ إدْرِيسَ أوَّلُ مَن أُعْطِيَ النُّبُوَّةَ مِن ولَدِ آدَمَ وأوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ، وهو أُخْنُوخُ بْنُ يَرُدَّ بْنِ مِهْلائِيلَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ آنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ.
وَحَكى ابْنُ الأزْهَرِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ إدْرِيسَ أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ السِّلاحَ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسَبى، ولَبِسَ الثِّيابَ وإنَّما كانُوا يَلْبَسُونَ الجُلُودَ، وأوَّلُ مَن وضَعَ الأوْزانَ والكُيُولَ، وأقامَ عِلْمَ النُّجُومِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الحكم عن سمرة قال: كان إدريس أبيض طويلاً ضخم البطن عريض الصدر قليل شعر الجسد كثير شعر الرأس، وكانت إحدى عينيه أعظم من الأخرى، وكانت في صدره نكتة بيضاء من غير برص، فلما رأى الله من أهل الأرض ما رأى من جورهم واعتدائهم في أمر الله، رفعه الله إلى السماء السادسة، فهو حيث يقول ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه، فأمرهم الله أن يقولوا لا إله إلا الله، ويعملوا بما شاء، فأبوا، فأهلكهم الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: كان إدريس خياطاً.
وكان لا يغرز إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحد أفضل منه عملاً، فاستأذن ملك من الملائكة ربه، فقال يا رب ائذن لي فاهبط إلى إدريس.
فأذن له، فأتى إدريس فسلم عليه، وقال: إني جئتك لأحدثك، فقال: كيف تحدثني وأنت ملك وأنا إنسان، ثم قال إدريس هل بينك وبين ملك الموت شيء؟
قال الملك: ذاك أخي من الملائكة، فقال: هل يستطيع أن ينسئني عند الموت؟
قال: أما أن يؤخر شيئاً أو يُقّدِّمَهُ فلا، ولكن سأكلمه لك، فيرفق بك عند الموت، فقال: اركب بين جناحي، فركب إدريس، فصعد إلى السماء العليا، فلقي ملك الموت إدريس بين جناحيه، فقال له الملك إن لي إليك حاجة، قال: علمت حاجتك، تكلمني في إدريس وقد محي اسمه من الصحيفة، ولم يبق من أجله إلا نصف طرفة عين، فمات إدريس بين جناحي الملك.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: سألت كعباً عن رفع إدريس ﴿ مكاناً علياً ﴾ فقال: كان عبداً تقياً رفع له من العمل الصالح ما رفع لأهل الأرض في زمانه، فعجب الملك الذي كان يصعد عليه عمله، فاستأذن ربه قال: رب، ائذن لي آتي عبدك هذا فأزوره، فأذن له، فنزل قال: يا إدريس، أبشرْ، فإنه رفع لك من العمل الصالح ما لا رفع لأهل الأرض، قال: وما علمك؟!
قال إني ملك.
قال: وإن كنت ملكاً؟
قال: فإني على الباب الذي يصعد عليه عملك.
قال: أفلا تشفع إلى ملك الموت، فيؤخر من أجلي لأزداد شكراً وعبادة؟
قال الملك: ﴿ لن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها ﴾ [ المنافقون: 11] قال: قد علمت، ولكنه أطيب لنفسي، فحمله الملك على جناحه، فصعد به إلى السماء فقال: يا ملك الموت، هذا عبد تقي، نبي رفع له من العمل الصالح ما لا يرفع لأهل الأرض، وإني أعجبني ذلك، فاستأذنت ربي عليه، فلما بشرته بذلك، سألني لأشفع له إليك لتؤخر له من أجله؛ ليزداد شكراً وعبادة.
قال: ومن هذا؟
قال: إدريس، فنظر في كتاب معه حتى مر باسمه، فقال: والله ما بقي من أجل إدريس شيء، فمحاه، فمات مكانه.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: رفع إلى السماء السادسة فمات فيها.
وأخرج الترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه، عن قتادة في قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: حدثنا أنس بن مالك، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة» .
وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: في السماء الرابعة.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد رضي الله عنه، والربيع مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال: رفع إدريس كما رفع عيسى ولم يمت.
وأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إدريس هو إلياس.
وأخرج ابن المنذر، عن عمر مولى غفرة يرفع الحديث إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «إن إدريس كان نبياً تقياً زكياً، وكان يقسم دهره على نصفين: ثلاثة أيام يعلم الناس الخير، وأربعة أيام يسيح في الأرض، ويعبد الله مجتهداً.
وكان يصعد من عمله وحده إلى السماء من الخير مثل ما يصعد من جميع أعمال بني آدم، وإن ملك الموت أحبه في الله، فأتاه حين خرج للسياحة فقال له: يا نبي الله، إني أريد أن تأذن لي في صحبتك.
فقال له إدريس- وهو لا يعرفه- إنك لن تقوى على صحبتي.
قال: بلى، إني أرجو أن يقويني الله على ذلك، فخرج معه يومه ذلك حتى إذا كان من آخر النهار مر براعي غنم، فقال ملك الموت لإدريس: يا نبي الله، إنا لا ندري حيث نمسي، فلو أخذنا جفرة من هذه الغنم فأفطرنا عليها؟
فقال له إدريس: لا تعد إلى مثل هذا، تدعوني إلى أخذ ما ليس لنا، من حيث نمسي يأتي الله برزق!
فلما أمسى أتاه الله بالرزق الذي كان يأتيه، فقال لملك الموت: تقدم فكل.
فقال ملك الموت: لا والذي أكرمك بالنبوة ما أشتهي.
فأكل إدريس وقاما جميعاً إلى الصلاة، ففتر إدريس وكل ومل ونعس، وملك الموت لا يفتر ولا يمل ولا ينعس، فعجب منه وقال: قد كنت أظن أني أقوى الناس على العبادة فهذا أقوى مني!
فصغرت عنده عبادته عندما رأى منه.
ثم أصبحا فساحاً، فلما كان آخر النهار مرا بحديقة عنب فقال ملك الموت لإدريس: يا نبي الله، لو أخذنا قطفاً من هذا العنب لأنا لا ندري حيث نمسي.
فقال إدريس: ألم أنهك عن هذا وأنت حيث تمسي يأتينا الله برزق!
فلما أمسى أتاه الله الرزق الذي كان يأتيه فأكل إدريس، فقال لملك الموت هلم فكل.
فقال: لا والذي أكرمك بالنبوة يا نبي الله، لا أشتهي.
فعجب!
ثم قاما إلى الصلاة ففتر إدريس أيضاً، وكل ومل، وملك الموت لا يكلّ ولا يفتر ولا ينعس.
فقال له عند ذلك إدريس: لا والذي نفسي بيده ما أنت من بني آدم!
فقال له ملك الموت عنده ذلك: أجل لست من بني آدم.
فقال له إدريس: فمن أنت؟
قال: أنا ملك الموت.
فقال له إدريس: أمرتَ فيَّ بأمر؟
فقال له: لو أمرت فيك بأمر ما ناظرتك، ولكني أحبك في الله، وصحبتك له.
فقال له إدريس: يا ملك الموت، إنك معي ثلاثة أيام بلياليها لم تقبض روح أحد من الخلق؟
قال: بلى والذي أكرمك بالنبوة يا نبي الله، إني معك من حين رأيت، وإني أقبض نفس من أمرت بقبض نفسه في مشارق الأرض ومغاربها، وما الدنيا عندي إلا بمنزلة المائدة بين يدي الرجل، يمد يده ليتناول منها ما شاء.
فقال له إدريس: يا ملك الموت، أسألك بالذي أحببتني له وفيه ألا قضيت لي حاجة أسألكها؟
فقال له ملك الموت: سلني ما أحببت يا نبي الله.
فقال: أحب أن تذيقني الموت، وتفرق بين روحي وجسدي حتى أجد طعم الموت، ثم ترد إلي روحي.
فقال له ملك الموت- عليه السلام-: ما أقدر على ذلك، إلا أن استأذن فيه ربي، فقال له إدريس- عليه السلام- فاستأذنه في ذلك.
فعرج ملك الموت إلى ربه، فأذن له، فقبض نفسه وفرق بين روحه وجسده، فلما سقط إدريس عليه السلام ميتاً، رد الله إليه روحه، وطفق يمسح وجهه وهو يقول: يا نبي الله، ما كنت أريد أن يكون هذا حظك من صحبتي!
فلما أفاق، قال له ملك الموت: يا نبي الله، كيف وجدت؟
قال: يا ملك الموت، قد كنت أحدث وأسمع، فإذا هو أعظم مما كنت أحدث وأسمع!
ثم قال: يا ملك الموت، أريد منك حاجة أخرى قال: وما هي؟
قال: تريني النار حتى أنظر إلى لمحة منها.
فقال له ملك الموت: وما لك وللنار، إني لأرجو أن لا تراها، ولا تكون من أهلها، قال: بلى أريد ذلك؛ ليكون أشد لرهبتي وخوفي منها!
فانطلق إلى باب من أبواب جهنم فنادى بعض خزنتها فأجابوه، وقالوا: من هذا؟
قال: أنا ملك الموت- فارتعدت فرائصهم- قالوا: أمرت فينا بأمر؟
فقال: لو أمرت فيكم بأمر ما ناظرتكم، ولكن نبي الله إدريس- عليه السلام- سألني أن تروه لمحة من النار.
ففتحوا له قدر ثقب المخيط فأصابه من حرها ولهبها وزفيرها ما صعق!
فقال ملك الموت: أغلقوا!
فأغلقوا، فمسح ملك الموت وجهه وهو يقول: يا نبي الله، ما كنت أحب أن يكون هذا حظك من صحبتي.
فلما أفاق قال له ملك الموت: يا نبي الله، كيف رأيت؟
قال: يا ملك الموت، كنت أحدث وأسمع، فإذا هو أعظم مما كنت أحدث وأسمع!
فقال له: يا ملك الموت، قد بقيت لي حاجة أخرى لم يبق غيرها.
قال: وما هي؟
قال: تريني لمحة من الجنة.
قال له ملك الموت- عليه السلام: يا نبي الله أبشر!
فإنك إن شاء الله من خيار أهلها، وأنها إن شاء الله مقيلك ومصيرك.
فقال: يا ملك الموت، إني أحب أن أنظر إليها، ولعل ذلك أن يكون أشد لشوقي وحرصي وطلبي!
فذهب به إلى باب من أبواب الجنة، فنادى بعض خزنتها فأجابوه، فقالوا: من هذا؟
قال: ملك الموت.
فارتعدت فرائصهم، وقالوا: أمرت فينا بشيء؟
فقال: لو أمرت فيكم بشيء ما ناظرتكم، ولكن نبي الله إدريس- عليه السلام- سأل أن ينظر إلى لمحة من الجنة فافتحوا.
فلما فتح أصابه من بردها وطيبها وريحانها ما أخذ بقلبه فقال: يا ملك الموت، إني أحب أن أدخل الجنة فآكل أكلة من ثمارها، وأشرب شربة من مائها، فلعل ذلك أن يكون أشد لطلبتي ورغبتي وحرصي.
فقال: ادخل.
فدخل فأكل من ثمارها، وشرب من مائها.
فقال له ملك الموت، اخرج يا نبي الله، قد أصبت حاجتك حتى يردك الله مع الأنبياء يوم القيامة.
فاحتضن بساق شجرة من شجر الجنة وقال: ما أنا بخارج منها، وإن شئت أن أخاصمك خاصمتك.
فأوحى الله إلى ملك الموت، قاضه الخصومة.
فقال له ملك الموت: ما الذي تخاصمني به يا نبي الله؟
فقال إدريس: قال الله تعالى ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ [ آل عمران: 185] فقد ذقت الموت الذي كتبه الله على خلقه مرة واحدة.
وقال الله: ﴿ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ﴾ [ مريم: 76] وقد وردتها، أفأردها مرة بعد مرة؟
وإنما كتب الله ورودها على خلقه مرة واحدة، وقال لأهل الجنة: ﴿ وما هم منها بمخرجين ﴾ [ الحجر: 48] أفأخرج من شيء ساقه الله إليّ؟
فأوحى الله إلى ملك الموت، خصمك عبدي إدريس، وعزتي وجلالي: إن في سابق علمي قبل أن أخلقه أنه لا موت عليه إلا الموتة التي ماتها، وأنه لا يرى جهنم إلا الورد الذي وردها، وأنه يدخل الجنة في الساعة التي دخلها، وأنه ليس بخارج منها، فدعه يا ملك الموت، فقد خصمك وإنه احتج عليك بحجة قوية.
فلما قر قرار إدريس في الجنة، وألزمه الله دخولها قبل الخلائق، عجب الملائكة إلى ربهم فقالوا: ربنا خلقتنا قبل إدريس بكذا وكذا، ألف سنة، ولم نعصك طرفة عين، وإنما خلقت إدريس منذ أيام قلائل، فأدخلته الجنة قبلنا؟
فأوحى الله إليهم: يا ملائكتي، إنما خلقتكم لعبادتي وتسبيحي وذكري، وجعلت فيها لذتكم، ولم أجعل لكم لذة في مطعم ولا مشرب ولا في شيء سواها، وقوّيتكم عليها، وجعلت في الأرض الزينة والشهوات واللذات والمعاصي والمحارم، وإنه اجتنب ذلك كله من أجلي، وآثر هواي على هواه، ورضاي ومحبتي على رضاه ومحبته، فمن أراد منكم أن يدخل مدخل إدريس فليهبط إلى الأرض، فليعبدني بعبادة إدريس، ويعمل بعمل إدريس، فإن عمل مثل إدريس أدخله مدخل إدريس، وإن غير أو بدل استوجب مدخل الظالمين.
فقالت الملائكة: ربنا لا نطلب ثواباً، ولا تصيبنا بعقاب، رضينا بمكاننا منك يا رب، وفضيلتك إيانا.
وانتدب ثلاثة من الملائكة: هاروت وماروت، وملك آخر رضوا به، فأوحى الله إليهم: أما إذا اجتمعتم على هذا فاحذروا إن نفعكم الحذر، فإني أنذركم، اعلموا أن أكبر الكبائر عندي أربع:- فما عملتم سواها غفرته لكم، وإن عملتموها لم أغفر لكم.
قالوا وما هي؟
قال: أن لا تعبدوا صنماً ولا تسفكوا دماً ولا تشربوا خمراً ولا تطؤوا محرماً.
فهبطوا إلى الأرض على ذلك، فكانوا في الأرض على مثل ما كان عليه إدريس: يقيمون أربعة أيام في سياحتهم، وثلاثة أيام يعلمون الناس الخير، ويدعونهم إلى عبادة الله تعالى وطاعته.
حتى ابتلاهم الله بالزهرة، وكانت من أجمل النساء.
فلما نظروا إليها افتتنوا بها- أراد الله ولما سبق عليهم في علمه مع خذلان الله إياهم- فنسوا ما تقدم إليهم، فسألوها نفسها.
قالت لهم: نعم.
ولكن لي زوج لا أقدر على ما تريدون مني إلا أن تقتلوه، وأكون لكم.
فقال بعضهم لبعض: إنا قد أمرنا أن لا نسفك دماً، ولا نطأ محرماً، ولكن نفعل هذا مع هذا، ثم نتوب من هذا كله.
فلما أحس الثالث بالفتنة، عصمه الله من ذلك كله بالسماء فدخلها فنجا، وأقام هاروت وماروت لما كتب عليهما، فنشدا على زوجها فقتلاه.
فلما أراداها، قالت: لي صنم أعبده، وأنا أكره معصيته وخلافه، فإن أردتما، فاسجدا له سجدة واحدة.
فدعتهما الفتنة إلى ذلك، فقال أحدهما لصاحبه: إنا قد أمرنا أن لا نسفك دماً ولا نطأ محرماً، ولكنا نفعله، ثم نتوب من جميعه، فسجدوا لذلك الصنم.
فلما أراداها قالت لهما: قد بقيت لي حاجة أخرى قالا: وما هي؟
قالت: لي شراب لا يطيب لي من العيش إلا به.
قالا: وما هو؟
قالت: الخمر.
فدعتهما الفتنة إلى ذلك، فقال أحدهما لصاحبه: إنا قد أمرنا أن لا نشرب خمراً فقال الآخر: إنا قد أمرنا أن لا نسفك دماً، ولا نطأ محرماً، ولكنا نفعله، ثم نتوب من جميعه.
فشربا الخمر.
فلما أراداها قالت: قد بقيت لي حاجة أخرى.
قالا: وما هي؟
قالت: تعلماني الذي تعرجان به إلى السماء.
فعلماها إياه، فلما تكلمت به عرجت إلى السماء، فلما انتهت إلى السماء مسخت نجماً، فلما ابتليا بما ابتليا به، عرجا إلى السماء، فغلقت أبواب السماء دونهما، وقيل لهما أن السماء لا يدخلها خطاء، فلما منعا من دخول السماء، وعلما أنهما قد افتتنا وابتليا، عجا إلى الله بالدعاء والتضرع والإبتهال، فأوحى الله إليهما: حل عليكما سخطي، ووجبت فيما تعرضتما، واستوجبتما، وقد كنتما مع ملائكتي في طاعتي وعبادتي، حتى عصيتما فصرتما بذلك إلى ما صرتما إليه من معصيتي وخلاف أمري، فاختارا إن شئتما عذاب الدنيا وإن شئتما عذاب الآخرة.
فعلما أن عذاب الدنيا وإن طال فمصيره إلى زوال، وأن عذاب الآخرة ليس له زوال ولا انقطاع، فاختارا عذاب الدنيا، فهما ببابل معلقين منكوسين مقرنين إلى يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند، عن بعض أصحابه قال: كان ملك الموت صديقاً لإدريس عليه السلام، فقال له إدريس يوماً: يا ملك الموت، قال: لبيك.
قال: أمتني، فأرني كيف الموت؟
قال له ملك الموت: سبحان الله يا إدريس!، إنما يفر أهل السموات والأرض من الموت، وتسألني أن أريك كيف الموت؟
قال: إني أحب أن أراه، فلما ألح عليه قال له: يا إدريس، أنا عبد مملوك مثلك، وليس إليّ من الأمر شيء.
قال: فصعد ملك الموت فقال: رب إن عبدك سألني أن أريه الموت كيف هو؟
قال الله له: فأمته.
فقال له ملك الموت: يا إدريس، إنما يفر الخلق من الموت، قال: فأرني.
فلما مات بقي ملك الموت لا يستطيع أن يرد نفسه إليه، فقال: يا رب، قد ترى ما إدريس فيه؟
فرد الله إليه روحه، فمكث ما شاء حياً، ثم قال يا ملك الموت: أدخلني الجنة فأنظر إليها؟
قال له: يا إدريس، إنما أنا عبد مملوك مثلك ليس إليّ من الأمر شيء، فألح عليه فقال ملك الموت: يا رب، إن عبدك إدريس قد ألح عليّ فسألني أن أدخله الجنة فيراها؟
وقد قلت له: إنما أنا عبد مثلك، وليس إليّ من الأمر شيء.
قال الله: فأدخله الجنة قال: إن الله علم من إدريس ما لا أعلم أنا، فاحتمله ملك الموت فأدخله الجنة، فكان فيها ما شاء الله، فقال له ملك الموت: اخرج بنا.
قال: لا.
قال الله: ﴿ أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى ﴾ [ الصافات: 58] وقال الله: ﴿ وما هم منها بمخرجين ﴾ [ الحجرات: 48] وما أنا بخارج منها.
قال ملك الموت: يا رب، قد تسمع ما يقول عبدك إدريس.
قال الله له: صدق عبدي هو أعلم منك، فاخرج منها ودعه فيها.
فقال الله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً، ورفعناه مكاناً علياً ﴾ [ مريم: 57- 58] قال: كان إدريس أول نبي بعثه الله في الأرض.
وإنه كان يعمل فيرفع عمله مثل نصف أعمال الناس، ثم إن ملكاً من الملائكة أحبه فسأل الله أن يأذن له فيأتيه، فأذن له فأتاه فحدثه بكرامته على الله فقال: يا أيها الملك، أخبرني كم بقي من أجلي لعلي أجتهد لله في العمل.
قال: يا إدريس، لا يعلم هذا إلا الله.
قال: فهل تستطيع أن تصعد بي إلى السماء؟؛ فأنظر في ملك الله؛ فأجتهد لله في العمل.
قال: لا.
إلا أن تشفع، فتشفع فأمر به، فحمله تحت جناحيه فصعد به حتى إذا بلغ السماء السادسة، استقبل ملك الموت نازلاً من عند الله فقال: يا ملك الموت، أين تريد؟
قال: أقبض نفس إدريس.
قال: وأين أمرت أن تقبض نفسه؟
قال: في السماء السادسة.
فذهب الملك ينظر إلى إدريس، فإذا هو برجليه يخفقان قد مات، فوضعه في السماء السادسة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى في ذكر إدريس: ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يعني الجنة) (١) - قال: (لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة) (٢) ونحو ذلك روى أبو سعيد الخدري (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴾ في النبوة والعلم) (٧) (١) ذكرته كتب التفاسير من غير نسبة.
انظر: "بحر العلوم" 2/ 326، "معالم التنزيل" 5/ 238، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 140، "زاد المسير" 5/ 241.
(٢) أخرج البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة 4/ 77، ومسلم في صحيحه كتاب: الإيمان، باب: الإسراء 1/ 149، والترمذي كتاب: التفسير، سورة مريم 12/ 14، وأحمد في "مسنده" 3/ 270، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 11/ 533 والحاكم في "المستدرك" 2/ 373 وصححه ووافقه الذهبي، وابن جرير الطبري في "تفسيره" 16/ 96، وابن كثير "تفسيره" 3/ 140، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 494 وزاد نسبته لابن المنذر، وابن مردويه، وعبد بن حميد.
(٣) "جامع البيان" 16/ 72، "النكت والعيون" 3/ 377، "زاد المسير" 5/ 241، "فتح القدير" 3/ 483، "الدر المنثور" 4/ 494.
(٤) "جامع البيان" 16/ 96، "بحر العلوم" 2/ 326، "النكت والعيون" 3/ 377، "المحرر الوجيز" 9/ 490، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 140.
(٥) "جامع البيان" 16/ 96، "النكت والعيون" 3/ 377، "المحرر الوجيز" 9/ 490، "الكشاف" 2/ 414، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 140، "زاد المسير" 5/ 241.
(٦) "جامع البيان" 16/ 96، " النكت والعيون" 3/ 377، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 140، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 117.
وقال ابن حجر -رحمه الله- في "فتح الباري" 6/ 375: وكون إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طرف مرفوعة قوية.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 335.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِدْرِيسَ ﴾ هو أول نبيّ بعث إلى أهل الأرض بعد آدم، وهو أول من خط بالقلم، ونظر في علم النجوم وخاط الثياب، وهو من أجداد نوح عليه السلام ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ﴾ في حديث الإسراء: وإنه في السماء الرابعة، وقيل: يعني رفعة النبوة وتشريف منزلته.
والأول أشهر ورجحه الحديث ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى كل من ذكر في هذه السورة، من زكريا إلى إدريس ﴿ مِّنَ النبيين ﴾ من هنا للبيان، والتي بعدها للتبعيض ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ ﴾ يعني نوحاً وإدريس ﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا ﴾ يعني إبراهيم ﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ يعني إسماعيل وإسحاق ويعقوب ﴿ وَإِسْرَائِيلَ ﴾ يعني أن من ذريته موسى وهارون ومريم وعيسى وزكريا ويحيى ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى أو الثانية ﴿ وَبُكِيّاً ﴾ جمع باك ووزنه فعول.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ مخلصاً ﴾ بفتح اللام: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.
الباقون بكسرها.
﴿ إبراهام ﴾ وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إذا ابتلي ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة ﴿ نورث ﴾ بالتشديد: رويس.
الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ لا تعبد الشيطان ﴾ ط ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ ولياً ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ط ج وقد يوصل ويوقف على ﴿ آلهتي ﴾ .
﴿ ملياً ﴾ ه ﴿ سلام عليك ﴾ ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ﴿ لك ربي ﴾ ط ﴿ حفياً ﴾ ه ﴿ وأدعو ربي ﴾ ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب لما ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نجياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ إسماعيل ﴾ ز لما مر ﴿ نبياً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ والزكاة ﴾ ط ﴿ مرضيا ﴾ ه ﴿ إدريس ﴾ ز ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ مع نوح ﴾ ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ﴿ ذرية آدم ﴾ أو على ﴿ إسرائيل ﴾ والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل ﴿ وبكيا ﴾ ه ﴿ عياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ جنات ﴾ بدل من ﴿ الجنة ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ مأتيا ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ بأمر ربك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ ذلك ﴾ ج لأن قوله: ﴿ وما كان ﴾ معطوف على ﴿ نتنزل ﴾ مع وقوع العارض ﴿ نسياً ﴾ ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لعبادته ﴾ ط ﴿ سمياً ﴾ ه.
التفسير: إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منهم من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى، ومنهم من عبد معبوداً جماداً كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل.
وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب.
وإنما بدأ بقصة إبراهيم لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه.
والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم ﴾ وإلا فهو هو الذي يذكره في تنزيله.
وقوله: ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إبراهيم ﴾ وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على ﴿ إبراهيم ﴾ مطلقاً.
وجوز في الكشاف أن يتعلق "إذ" بـ ﴿ كان ﴾ أو بـ ﴿ صديقاً نبياً ﴾ أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.
والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه.
إلا إذا كان صادقاً جداً في أقواله مصدقاً لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده.
وقيل: إن "كان" بمعنى "صار" والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها.
والتاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف.
أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله قال: "أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري" .
فقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد.
و"ما" موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به من قوله: "أغن عني وجهك" أي ادفعه.
ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره.
وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟
فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص.
وقوله: ﴿ يا أبت أني قد جاءني ﴾ تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق.
وفي قوله: ﴿ من العلم ما لم يأتك ﴾ فائدة هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك ﴿ فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد.
استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع.
وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره.
والإنصاف أن هذه الطريق أسهل.
ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: ﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان ﴾ أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان.
ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: ﴿ إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف.
ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال: ﴿ يا أبت إني أخاف ﴾ وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب.
قال الفراء: معنى أخاف أعلم.
والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه.
والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي.
وذكروا في الولي وجوهاً منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز.
وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ ﴾ ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل ﴾ ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار.
ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلاً ﴿ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ﴾ فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى.
وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته.
وفي قوله: ﴿ يا إبراهيم ﴾ دون أن يقول: "يا بني" في مقابلة ﴿ يا أبت ﴾ تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجم.
ثم ههنا إضمار أي فاحذرني ﴿ واهجرني ملياً ﴾ أي زماناً طويلاً من الملاوة، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران.
مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب.
فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة ﴿ قال سلام عليك ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً ﴾ بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر "الأعراف".
احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ الآية.
ولقوله في الممتحنة ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به.
والجواب لعل إبراهيم في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً.
والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيراً من الأمور كانت مباحة للرسول الله هي محرمة علينا.
ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: ﴿ وأعتزلكم ﴾ أي أهاجر إلى الشام ﴿ و ﴾ أعتزل ﴿ ما تدعون ﴾ أي ما تعبدون ﴿ من دون الله ﴾ وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ فلما أعتزلهم وما يعبدون ﴾ أما قوله: ﴿ وأدعو ربي ﴾ فيحتمل معنيين: العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء.
وفي قوله: ﴿ عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ ﴿ عسى ﴾ .
قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم ﴾ شيئاً ﴿ من رحمتنا ﴾ عن الحسن: هي النبوة.
وعن الكلبي: المال والولد.
والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن، عبر باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: ﴿ قدم صدق ﴾ تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ﴿ ملة أبيكم إبراهيم ﴾ ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً، فأشركه الله في الصلاة على النبي في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال : ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ فجعل موطىء قدمه مباركاً ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ وعادى كل الخلق في الله حين قال ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين ﴾ فلا جرم اتخذه الله خليلاً.
ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى لأنه تلوه في الشرف.
والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله و ﴿ كان رسولاً نبياً ﴾ الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه ﴿ برب هرون وموسى ﴾ ﴿ الأيمن ﴾ من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب ﴿ وقربناه ﴾ حال كونه ﴿ نجياً ﴾ أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة.
وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة "تقرب" وللملائكة "أنهم مقربون".
﴿ ووهبنا له من رحمتنا ﴾ أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون ﴿ أخاه ﴾ بدلاً و ﴿ هرون ﴾ عطف بيان كقولك "رأيت رجلاً أخاك زيداً".
و ﴿ نبياً ﴾ حال من هارون.
قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته.
وذلك بدعاء موسى في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي ﴾ وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به.
وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة.
عن رسول الله أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس.
وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟
فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى.
وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ "بدأ من تعول" ويحسن أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية.
وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة.
وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله.
وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما.
وقيل: "افعيل" من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها.
وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه.
وقيل: إن الله رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت.
وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه.
عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟
فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك.
وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة.
وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها.
﴿ أولئك ﴾ المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم ﴿ الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ "من" للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ﴿ من ذرية آدم ﴾ هي للتبعيض وكذا في قوله: ﴿ وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ﴾ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم وإسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته.
﴿ وممن هدينا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه.
ثم إن جعلت ﴿ الذين ﴾ خبراً ﴿ لأولئك ﴾ كان ﴿ إذا يتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي والفاصل حاصل.
والبكي جمع باكٍ "فعول" كسجود في "ساجد" أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة.
ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً.
عن رسول الله : " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي.
قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود.
فقيل: هو الخشوع والخضوع.
وقيل: الصلاة.
وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به.
ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود.
قال الزجاج: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا متهيئين للسجود.
عن رسول الله : "اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.
وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.
وإن قرأ سجدة "سبحان" قال: اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.
وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك.
ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ وهو عقب السوء كما مر في آخر "الأعراف" فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً، واتباع الشهوات بإزاء البكاء.
عن بان عباس: هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب.
وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير.
وعن علي في قوله: ﴿ واتبعوا الشهوات ﴾ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.
وعن قتادة: هو في هذه الأمة ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد.
وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: ﴿ ويلق أثاماً ﴾ أي مجازاة أثام.
وقيل: غياً من طريق الجنة.
وقيل: هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى تجديد الإيمان.
والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال.
واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير.
وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك.
وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً.
ومعنى ﴿ لا يظلمون شيئاً ﴾ لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب ﴿ شيئاً ﴾ على المصدر أي شيئاً من الظلم.
ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ قد مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن ﴾ وصفها الله بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا.
ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب "التي".
قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة.
ولما ساغ وصفها بـ "التي" ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين.
وقوله: ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى "فاعل"، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته.
وجوز في الكشاف أن يكون من قولك: "أتى إليك إحساناً" أي كان وعده مفعولاً منجزاً.
قوله: ﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في "البقرة" وفي "المائدة" أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم "عتابك السيف".
أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.
وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها.
ثم إنه من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً ﴾ هذا قول الحسن.
ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي.
وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين.
وقوله: ﴿ تلك الجنة التي نورت ﴾ كقوله في "الأعراف" ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ﴾ وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه.
قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر.
وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة.
أنه اتقى الكفر.
سئل ههنا أن قوله : ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ كلام الله وقوله بعده: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما: وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد وهل يجدونه في كتابهم.
فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله.
فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة.
وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه.
فنزل جبرائيل فقال له النبي : "أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك." قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست.
فأنزل الله الآية وأنزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ وسورة الضحى.
ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله عزوجل.
ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا ﴾ من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته.
وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ﴿ وما بين ذلك ﴾ وهو ما بين النفختين أربعون سنة.
وقيل: ما مضى.
من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا.
وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا.
والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره!
وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: ﴿ وما نتنزل ﴾ من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك.
أما قوله: ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ﴿ ما ودّعك ربك وما قلى ﴾ وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته.
وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله خطاباً لرسوله ويتصل به قوله: ﴿ رب السموات والأرض ﴾ أي بل هو ربهما ﴿ وما بينهما فاعبده ﴾ الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد ﴿ واصطبر لعبادته ﴾ لم يقل "على عبادته" لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب "اصطبر لقرنك" أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته.
ثم أكد وجوب عبادته بقوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف.
وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين: أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه.
وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره.
قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ "الرحمن" في سورة تكريره في هذه السورة.
وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية.
التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إنه كان صديقاً ﴾ للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه ﴿ إذ قال لأبيه ﴾ الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس ﴿ فقد جاءني من العلم ﴾ اللدني ﴿ ما لم يأتك ﴾ لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها ﴿ وهبنا له إسحاق ﴾ السر ﴿ ويعقوب ﴾ الخفي ﴿ وناديناه من جانب الطور الأيمن ﴾ أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي هو على أيسر ﴿ وكان يأمر أهله ﴾ أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجهاً يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿ خروا ﴾ بقلوبهم على عتبة العبودية ﴿ سجداً ﴾ بالتسليم للأحكام الأزلية ﴿ وبكياً ﴾ بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة ﴿ عباده بالغيب ﴾ أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ ﴿ ولهم رزقهم ﴾ رؤية الله على ما جاء في الحديث: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً" ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب.
إلا بأمر ربك ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ﴿ فاعبده ﴾ بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك.
﴿ هل تعلم له ﴾ نظيراً في المحبوبية لك.
والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ﴾ .
على قول الحسن هو صلة قوله: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ ﴾ أي: اذكر لهم رحمة ربك إسماعيل.
وعلى قول غيره من أهل التأويل على الابتداء، أي: اذكر لهم نبأ إسماعيل وقصته في الكتاب على الاحتجاج له عليهم؛ لأن هذه الأنباء والقصص كانت في كتبهم، فأخبر رسوله عن تلك الأنباء والقصص على ما كانت؛ ليخبرهم؛ فيعلموا أنه إنما عرفها بالله؛ ليدلهم ذلك على النبوة ورسالته.
ثم اختلف في إسماعيل: قال عامة أهل التأويل: هو إسماعيل بن إبراهيم، صلوات الله عليهما.
وقال بعضهم: هو الذي قالوا: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، ولكن لا نعلم ذلك إلا بالخبر عن الله، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: سماه: ﴿ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ ﴾ ؛ لأنه وعد رجلاً أن يقيم عليه وأن ينتظره حتى يرجع إليه، فأقام مكانه أياماً ينتظره للميعاد حتى رجع إليه.
لكن لا يحتمل أن يكون مثل إسماعيل يَعِدُ عِدَةً ولا يستثنى، وقد نهى الله رسوله أن يقول: إني فاعل كذا غداً حتى يستثني، وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ ﴾ ، أي: صِدِّيقاً، والصّديق هو القائم بوفاء كل حق ظهر له؛ لأن كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه طاعة ربه في كل أمر يأمر به والانتهاء عن كل نهي ينهاه، ووفاء كل حق عليه، فسماه: صادق الوعد؛ لقيامه بوفاء كل حق ظهر له وتجلى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً ﴾ قد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ ﴾ ، أي: [يأمر] قومه بالصلاة والزكاة، وإن كانت الصلاة هي الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة، ففيه أنهما كانتا في الأمم الماضية، وإن كان الدعاء والثناء وما به تزكو الأنفس وتصلح، فهو على جميع الخلائق، ذلك والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً ﴾ ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ ﴾ هو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً ﴾ قد ذكرناه أيضاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ﴾ قال الحسن: "رفعناه"، أي: نرفعه في الجنة.
وقال أهل التأويل: رفعه إلى السماء الرابعة، فهو ميت فيها، وكلام نحو هذا.
ولكن عندنا: يشبه أن يكون رفعه إياه في المنزلة والقدر والرفعة عند الله وعند الناس جميعاً، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم ﴾ ، أي: بالنبوة أو الرحمة التي ذكر فيما تقدم، والرحمة: هي النعمة؛ فهذا يرد قول أهل الاعتزال؛ لأنهم يقولون: لا يخص الله أحداً بالنبوة أو بشيء من الإفضال إلا من يستحق ذلك ويستوجبه، فأخبر الله - عز وجل - أن ذلك منه إنعام وإفضال عليهم.
﴿ مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ﴾ : الأنبياء كانوا من ذرية آدم، ومن ذرية من حمل مع نوح، ومن ذرية إبراهيم أيضاً، ومن ذرية إسرائيل - أي: يعقوب - ومن ذرّية من هداه للتوحيد واجتباه للرسالة والنبوة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ﴾ : قال بعض أهل التأويل: هذا في مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه إذا تتلى عليهم آيات القرآن بعدما آمنوا ﴿ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ﴾ .
ويشبه أن يكون هذا في أولئك الذين ذكر أنه أنعم عليهم كانت لهم آيات في كتبهم فيها سجود إذا تليت عليهم خروا لله سجداً وبكيّاً.
أو أن يكون لا على حقيقة السجود، ولكن على الخضوع له والقبول لحججه وبراهينه التي تليت عليهم، أو أن يكونوا لا يملكون أنفسهم إذا رأوا آيات الله وسلطانه، ولكن وقعوا سجداً على ما أخبر عن سحرة فرعون عند معاينتهم الآيات، حيث قال: ﴿ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً ﴾ ﴿ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴾ ليس أن سجدوا له، ولكن يلقون سجداً لما لا يملكون أنفسهم عند معاينتهم الآيات.
قال أبو عوسجة: ﴿ وَبُكِيّاً ﴾ ، فيه ثلاثة لغات: بُكيا، وبَكيّا، وبِكيّا، وهو جماعة الباكي.
وقوله: ﴿ نَجِيّاً ﴾ يقال: فلان نجيُّ فلان، أي: موضع [سره].
ويحتمل قوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ﴾ : أن يكون كناية عن الصلاة، وصفهم - عز وجل - أنهم كانوا يكونون في الصلاة خاشعين باكين.
<div class="verse-tafsir"
ورفعنا ذكره بما أعطيناه من النبوة، فكان عالي المنزلة.
<div class="verse-tafsir" id="91.zl2Xn"