الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٦٦ من سورة مريم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٦٦ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى عن الإنسان أنه يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته ، كما قال تعالى : ( وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد ) [ الرعد : 5 ] ، وقال : ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) [ يس : 77 - 79 ] ، وقال هاهنا : ( ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا)
يقول تعالى ذكره: ( وَيَقُولُ الإنْسَانُ ) الكافر الذي لا يصدق بالبعث بعد الموت أخرج حيا، فأُبعث بعد الممات وبعد البلاء والفناء إنكارا منه ذلك .
قوله : ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا الإنسان هنا أبي بن خلف وجد عظاما بالية ففتتها بيده وقال : زعم محمد أنا نبعث بعد الموت ، قاله الكلبي ؛ ذكره الواحدي والثعلبي والقشيري ، وقال المهدوي : نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه وهو قول ابن عباس واللام في لسوف أخرج حيا للتأكيد كأنه قيل له إذا ما مت لسوف تبعث حيا فقال أئذا ما مت لسوف أخرج حيا !
قال ذلك منكرا فجاءت اللام في الجواب ، كما كانت في القول الأول ولو كان مبتدأ لم تدخل اللام ؛ لأنها للتأكيد والإيجاب وهو منكر [ ص: 55 ] للبعث وقرأ ابن ذكوان ( إذا ما مت ) على الخبر والباقون بالاستفهام على أصولهم بالهمز وقرأ الحسن وأبو حيوة لسوف أخرج حيا قاله استهزاء لأنهم لا يصدقون بالبعث والإنسان هاهنا الكافر .
المراد بالإنسان هاهنا، كل منكر للبعث، مستبعد لوقوعه، فيقول -مستفهما على وجه النفي والعناد والكفر- { أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا } أي: كيف يعيدني الله حيا بعد الموت، وبعد ما كنت رميما؟\" هذا لا يكون ولا يتصور، وهذا بحسب عقله الفاسد ومقصده السيء، وعناده لرسل الله وكتبه، فلو نظر أدنى نظر، وتأمل أدنى تأمل، لرأى استبعاده للبعث، في غاية السخافة
قوله عز وجل : ( ويقول الإنسان ) يعني : أبي بن خلف الجمحي كان منكرا للبعث قال : ( أئذا ما مت لسوف أخرج حيا ) قاله استهزاء وتكذيبا للبعث .
«ويقول الإنسان» المنكر للبعث أبي بن خلف أو الوليد بن المغيرة النازل فيه الآية: «أئذا» بتحقيق الهمزة الثانية وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين الأخرى «ما متّ لسوف أخرج حيا» من القبر كما يقول محمد، فالاستفهام بمعنى النفي أي: لا أحيا بعد الموت وما زائدة للتأكيد وكذا اللام ورد عليه بقوله تعالى:
ويقول الإنسان الكافر منكرًا للبعث بعد الموت: أإذا ما مِتُّ وفَنِيتُ لسوف أُخرَج من قبري حيًا؟!
ذكر كثير من المفسرين أن قوله - تعالى - : ( وَيَقُولُ الإنسان .
.
.
) نزل فى أشخاص معينين .فمنهم من يرى أن هذه الآية نزلت فى " أبى بن خلف " فإنه أخذ عظما باليا ، فجعل يفتته بيده ، ويذريه فى الريح ويقول : زعم محمد - صلى الله عليه وسلم - أننا نبعث بعد أن نموت ونصير مثل هذا العظم البالى ومنهم من يرى أنها نزلت فى الوليد بن المغيرة ، أو فى العاصى بن وائل ، أو فى أبى جهل .وعلى كل واحد من هذه الأقوال تكون ( أل ) فى الإنسان للعهد ، والمراد بها أحد هؤلاء الأشخاص ، ويكون لفظ الإنسان من قبيل العام الذى أريد به الخصوص .ومن الأساليب العربية المعروفة ، إسناد الفعل إلى المجموع ، مع أن فاعله بعضهم لا جميعهم كما يقال : بنو فلان فلاناً مع أن القاتل واحد منهم ، ومن هذا القبيل قول الفرزدق :فسيوف بنو عبس وقد ضربوا به ...
نَبَت بيدَىْ ورقاء من رأس خالدفقد أسند الضرب إلى بنى عبس ، مع أنه صرح بأن الضارب هو ورقاء الذى كان السيف بيده .وقيل : المراد بالإنسان هنا : جماعة معينون وهم الكفرة المنكرون للبعث أو المراد : جنس الكافر المنكر للبعث .و " إذا " فى قوله : ( أَإِذَا مَا مِتُّ ) منصوب بفعل مضمر دل عليه جزاء الشرط .والمعنى : ويقول هذا الإنسان الجاهل الجحود ، المنكر للبعث والنشور ، أأعود للحياة مرة أخرى بعد موتى ، وبعد أن أكون كالعظام النخرة .والاستفهام للإنكار والنفى ، وعبر - سبحانه - بالمضارع ( يَقُولُ ) لاستحضار تلك الصورة الغريبة ، وتلك الأقوال المنكرة التى صدرت عن هذا الكافر ، أو لإفادة أن هذا القول موجود ومستمر عند كثير من الكافرين .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - حكاية عن هؤلاء الجاحدين : ( أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ) وقوله - عز وجل - : ( يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ) .
اعلم أن في الآية إشكالاً وهو أو قوله: ﴿ تِلْكَ الجنة التى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً ﴾ كلام الله وقوله: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ ﴾ كلام غير الله فكيف جاز عطف هذا على ما قبله من غير فصل.
والجواب أنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح كما أن قوله سبحانه: ﴿ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ هو كلام الله وقوله: ﴿ وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ كلام غير الله وأحدهما معطوف على الآخر، واعلم أن ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ ﴾ خطاب جماعة لواحد وذلك لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول ويحتمل في سببه ما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد صلى الله عليه وسلم وهل يجدونه في كتابهم فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمن اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن فإن أخبركم بخصلتين منهما فاتبعوه، فاسألوه عن فتية أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح قال فجاءوا فسألوه عن ذلك لم يدر كيف يجيب فوعدهم أن يجيبهم بعد ذلك، ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عنه أربعين يوماً وقيل خمسة عشر يوماً فشق عليه ذلك مشقة شديدة وقال المشركون ودعه ربه وقلاه، فنزل جبريل عليه السلام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك قال إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل قوله: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا ﴾ وسورة الضحى ثم أكدوا ذلك بقولهم: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا ﴾ أي هو المدبر لنا في كل الأوقات الماضي والمستقبل وما بينهما أو الدنيا والآخرة وما بينهما فإنه يعلم إصلاح التدبير مستقبلاً وماضياً وما بينهما والغرض أن أمرنا موكول إلى الله تعالى يتصرف فينا بحسب مشيئته وإرادته وحكمته لا اعتراض لأحد عليه فيه وقال أبو مسلم قوله: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ ﴾ يجوز أن يكون قول أهل الجنة والمراد وما نتنزل الجنة إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا أي في الجنة مستقبلاً وما خلفنا مما كان في الدنيا وما بين ذلك أي ما بين الوقتين وما كان ربك نسياً لشيء مما خلق فيترك إعادته لأنه عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ ابتداء كلام منه تعالى في مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم ويتصل به: ﴿ رَبّ السموات والأرض ﴾ أي بل هو ﴿ رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فاعبده ﴾ قال القاضي وهذا مخالف للظاهر من وجوه: أحدها: أن ظاهر التنزل نزول الملائكة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله بأمر ربك وظاهر الأمر بحال التكليف أليق.
وثانيها: أنه خطاب من جماعة لواحد وذلك لا يليق بمخاطبة بعضهم لبعض في الجنة.
وثالثها: أن ما في سياقه من قوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً * رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ لا يليق إلا بحال التكليف ولا يوصف به الرسول صلى الله عليه وسلم فكأنهم قالوا للرسول وما كان ربك يا محمد نسياً يجوز عليه السهو حتى يضرك إبطاؤنا بالتنزل عليك إلى مثل ذلك ثم هاهنا أبحاث: البحث الأول: قال صاحب الكشاف التنزل على معنيين: أحدهما: النزول على مهل.
والثاني: بمعنى النزول على الإطلاق والدليل عليه أنه مطاوع نزل ونزل يكون بمعنى أنزل وبمعنى التدريج واللائق بمثل هذا الموضع هو النزول على مهل والمراد أن نزولنا في الأحايين وقتاً بعد وقت ليس إلا بأمر الله تعالى.
البحث الثاني: ذكروا في قوله: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك ﴾ وجوهاً: أحدها: له ما قدامنا وما خلفنا من الجهات وما نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ومن مكان إلى مكان إلا بأمره ومشيئته فليس لنا أن ننقلب من السماء إلى الأرض إلا بأمره.
وثانيها: له ما بين أيدينا ما سلف من أمر الدنيا وما خلفنا ما يستقبل من أمر الآخرة وما بين ذلك وما بين النفختين وهو أربعون سنة.
وثالثها: ما مضى من أعمارنا وما غبر من ذلك والحال التي نحن فيها.
ورابعها: ما قبل وجودنا وما بعد فنائنا.
وخامسها: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا والسماء التي وراءنا وما بين السماء والأرض وعلى كل التقديرات فالمقصود أنه المحيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة فكيف نقدم على فعل إلا بأمره وحكمه.
البحث الثالث: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ أي تاركاً لك كقوله: ﴿ مَا وَعْدَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى ﴾ أي ما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إياك، أما قوله: ﴿ رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ فالمراد أن من يكون رباً لها أجمع لا يجوز عليه النسيان إذ لابد من أن يمسكها حالاً بعد حال وإلا بطل الأمر فيهما وفيمن يتصرف فيهما، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق الله تعالى، لأن فعل العبد حاصل بين السماء والأرض.
والآية دالة على أنه رب لكل شيء حصل بينهما، قال صاحب الكشاف: رب السموات والأرض بدل من ربك ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو رب السموات والأرض فاعبده واصطبر لعبادته فهو أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بالعبادة والمصابرة على مشاق التكاليف في الأداء والإبلاغ وفيما يخصه من العبادة فإن قيل لم لم يقل واصطبر على عبادته بل قال واصطبر لعبادته قلنا: لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن في قولك للمحارب اصطبر لقرنك أي اثبت له فيما يورد عليك من شداته.
والمعنى أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق فاثبت لها ولا تهن ولا يضق صدرك من إلقاء أهل الكتاب إليك الأغاليط عن احتباس الوحي عنك مدة وشماتة المشركين بك، أما قوله تعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ فالظاهر يدل على أنه تعالى جعل علة الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سمي له، والأقرب هو كونه منعماً بأصول النعم وفروعها وهي خلق الأجسام والحياة والعقل وغيرها فإنه لا يقدر على ذلك أحد سواه سبحانه، فإذا كان هو قد أنعم عليك بغاية الإنعام وجب أن تعظمه بغاية التعظيم وهي العبادة، ومن الناس من قال: المراد أنه سبحانه ليس له شريك في اسمه وبينوا ذلك من وجهين: الأول: أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله على شيء سواه وعن ابن عباس رضي الله عنهما لا يسمى بالرحمن غيره.
الثاني: هل تعلم من سمى باسمه على الحق دون الباطل؟
لأن التسمية على الباطل في كونها غير معتد بها كلا تسمية، والقول الأول هو الصواب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَبُّ السماوات والأرض ﴾ بدل من ربك، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هو رب السموات والأرض ﴿ فاعبده ﴾ كقوله: وَقَاَئِلَةٍ خَوْلاَنُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ [مريم: 64] من كلام المتقين، وما بعده من كلام رب العزة.
فإن قلت: هلا عدّي ﴿ وَاْصْطَبِر ﴾ بعلى التي هي صلته، كقوله تعالى: ﴿ واصطبر عَلَيْهَا ﴾ [طه: 132] ؟
قلت: لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن في قولك للمحارب: اصطبر لقرنك، أي اثبت له فيما يورد عليك من شداته أريد أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق، فاثبت لها ولاتهن، ولا يضق صدرك عن إلقاء عداتك من أهل الكتاب إليك الأغاليط، وعن احتباس الوحي عليك مدة وشماتة المشركين بك.
أي: لم يسم شيء بالله قط، وكانوا يقولون لأصنامهم آلهة، والعزى إله وأما الذي عوض فيه الألف واللام من الهمزة، فمخصوص به المعبود الحق غير مشارك فيه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يسمى أحد الرحمن غيره.
ووجه آخر: هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأن التسمية على الباطل في كونها غير معتدّ بها كلا تسمية.
وقيل: مثلاً وشبيهاً، أي: إذا صح أن لا معبود يوجه إليه العباد العبادة إلا هو وحده، لم يكن بد من عبادته والاصطبار على مشاقها وتكاليفها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ بَيانٌ لِامْتِناعِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ، وهو خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿ رَبِّكَ ﴾ ﴿ فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ، أيْ لَمّا عَرَفْتَ رَبَّكَ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنْساكَ، أوْ أعْمالَ العُمّالِ فَأقْبِلْ عَلى عِبادَتِهِ واصْطَبِرْ عَلَيْها ولا تَتَشَوَّشْ بِإبْطاءِ الوَحْيِ وهَزْءِ الكَفَرَةِ، وإنَّما عُدِّيَ بِاللّامِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الثَّباتِ لِلْعِبادَةِ فِيما يُورَدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَشاقِّ كَقَوْلِكَ لِلْمُحارِبِ: اصْطَبِرْ لِقَرْنِكَ.
﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ مَثَلًا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى إلَهًا أوْ أحَدًا سُمِّيَ اللَّهَ فَإنَّ المُشْرِكِينَ وإنْ سَمُّوا الصَّنَمَ إلَهًا لَمْ يُسَمُّوهُ اللَّهَ قَطُّ، وذَلِكَ لِظُهُورِ أحَدِيَّتِهِ تَعالى، وتَعالى ذاتُهُ عَنِ المُماثَلَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَقْبَلِ اللَّبْسَ والمُكابَرَةَ، وهو تَقْرِيرٌ لِلْأمْرِ أيْ إذا صَحَّ أنْ لا أحَدَ مِثْلُهُ ولا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّسْلِيمِ لِأمْرِهِ والِاشْتِغالِ بِعِبادَتِهِ والِاصْطِبارِ عَلى مَشاقِّها.
<div class="verse-tafsir"
فتهافت أبيَّ بن خلف عظماً وقال أنبعث بعد ما صرا كذا فنزل {ويقول الإنسان أئذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} والعامل في إذا ما دل عليه الكلام وهو أبعث أي إذا ما مت أبعث وانتصابه باخرج ممتنع لأن ما بد لام الابتداء لا يعمل فيها قبلها فلا تقول اليوم لزيد قائم ولام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال وتؤكد مضمون الجملة فلما جامعت حرف الاستقبال خلصت للتوكيد واضمحل معنى الحال وما في إذا ما للتوكيد أيضاً فكأنه قال أحقًّا إنا سنخرج من القبور أحياء حين يتمكن فينا الموت والهلاك على وجه الاستنكار والاستبعاد وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ومنه جاء إنكارهم
﴿ ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّها نَزَلَتْ في العاصِي بْنِ وائِلٍ، وعَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ أخَذَ عَظْمًا بالِيًا فَجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ ويُذْرِيهِ في الرِّيحِ ويَقُولُ: زَعَمَ فُلانٌ أنا نُبْعَثُ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ ونَكُونُ مِثْلَ هَذا، إنَّ هَذا شَيْءٌ لا يَكُونُ أبَدًا فَألْ في (الإنْسانُ) عَلى ما قِيلَ لِلْعَهْدِ والمُرادُ بِهِ أحَدُ هَؤُلاءِ الأشْخاصِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ جَماعَةٌ مُعَيَّنُونَ وهُمُ الكَفَرَةُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ألْ لِلْجِنْسِ ويَكُونُ هُناكَ مَجازٌ في الطَّرَفِ بِأنْ يُطْلَقَ جِنْسُ الإنْسانِ ويُرادَ بَعْضُ أفْرادِهِ كَما يُطْلَقُ الكُلُّ عَلى بَعْضِ أجْزائِهِ أوْ يَكُونُ هُناكَ مَجازٌ في الإسْنادِ بِأنْ يُسْنَدَ إلى الكُلِّ ما صَدَرَ عَنِ البَعْضِ كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا قَتِيلًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهم، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: فَسَيْفُ بَنِي عَبْسٍ وقَدْ ضَرَبُوا نَبا بِيَدِي ورْقاءَ عَنْ رَأْسِ خالِدِ واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ الإسْنادِ رِضا الباقِينَ بِالفِعْلِ أوْ مُساعَدَتِهِمْ عَلَيْهِ حَتّى يُعَدَّ كَأنَّهُ صَدَرَ مِنهم، ولا شَكَّ أنَّ بَقِيَّةَ أفْرادِ الإنْسانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَرْضَوْا بِهَذا القَوْلِ.
وأجابَ بَعْضُ مُشْتَرِطِي ذَلِكَ لِلصِّحَّةِ بِأنَّ الإنْكارَ مَرْكُوزٌ في طَبائِعِ الكُلِّ قَبْلَ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ، فالرِّضا حاصِلٌ بِالنَّظَرِ إلى الطَّبْعِ والجِبِلَّةِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: الحَقُّ عَدَمُ اشْتِراطِ ذَلِكَ لِصِحَّتِهِ وإنَّما يُشْتَرَطُ لِحُسْنِهِ نُكْتَةٌ يَقْتَضِيها مَقامَ الكَلامِ حَتّى يُعَدَّ الفِعْلُ كَأنَّهُ صَدَرَ عَنِ الجَمِيعِ فَقَدْ تَكُونُ الرِّضا وقَدْ تَكُونُ المُظاهَرَةُ وقَدْ تَكُونُ عَدَمَ الغَوْثِ والمَدَدَ ولِذا أوْجَبَ الشَّرْعُ القُسامَةَ والدِّيَةَ وقَدْ تَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ هُنا أنَّهُ لَمّا وقَعَ بَيْنَهم إعْلانُ قَوْلٍ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ مَثَلُهُ وإذا قِيلَ لا يَنْبَغِي أنْ يُتْرَكَ قائِلُهُ بِدُونِ مَنعٍ أوْ قَتْلٍ جَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الرِّضا حَثًّا لَهم عَلى إنْكارِهِ قَوْلًا أوْ فِعْلًا انْتَهى.
وقِيلَ: لَعَلَّ الحَقَّ أنَّ الإسْنادَ إلى الكُلِّ هُنا لِلْإشارَةِ إلى قِلَّةِ المُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ وما أكْثَرَ النّاسَ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ فَتَأمَّلْ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ إمّا اسْتِحْضارًا لِلصُّورَةِ الماضِيَةِ لِنَوْعِ غَرابَةٍ.
وإمّا لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ فَإنَّ هَذا القَوْلَ لا يَزالُ يَتَجَدَّدُ حَتّى يُنْفَخَ في الصُّورِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ وإذا ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (أُخْرَجُ) ولَمْ يُجَوِّزُوا تَعَلُّقَهُ بِالمَذْكُورِ لِأنَّ ما بَعْدَ اللّامِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وعَدَّ ابْنُ عَطِيَّةَ تَوَسُّطَ سَوْفَ مانِعًا مِنَ العَمَلِ أيْضًا، ورَدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَلَمّا رَأتْهُ آمِنًا هانَ وجْدُها ∗∗∗ وقالَتْ أبُونا هَكَذا سَوْفَ يَفْعَلُ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا سُمِعَ، ونُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ أنَّهُ جَعَلَ إذا هُنا شَرْطِيَّةً وجَعَلَ عامِلَها الجَزاءَ وقالَ: إنَّ كَلِمَةَ الشَّرْطِ تَدُلُّ عَلى لُزُومِ الجَزاءِ لِلشَّرْطِ، ولِتَحْصِيلِ هَذا الغَرَضِ عَمِلَ في إذا جَزاؤُهُ مَعَ كَوْنِهِ بَعْدَ حَرْفٍ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ كالفاءِ في (فَسَبِّحْ) وإنَّ في قَوْلِكَ: إذا جِئْتَنِي فَإنِّي مُكْرِمٌ ولامُ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ تَعالى: (أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا)، ومُخْتارُ الأكْثَرِينَ أنَّ إذا هُنا ظَرْفِيَّةٌ، وما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ لَيْسَ بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ، وفي الكَلامِ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ لِقِيامِ القَرِينَةِ عَلَيْهِ أيْ إذا ما مِتُّ وصِرْتُ رَمِيمًا لَسَوْفَ إلَخْ.
واللّامُ هُنا لِمُجَرَّدِ التَّوْكِيدِ، ولِذا ساغَ اقْتِرانُها بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ، وهَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّها إذا دَخَلَتِ المُضارِعَ خَلَّصَتْهُ لِلْحالِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّها لا تُخَلِّصُهُ فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى تَجْرِيدِها لِلتَّوْكِيدِ لَكِنَّ الأوَّلَ هو المَشْهُورُ وما في (إذا ما) لِلتَّوْكِيدِ أيْضًا.
والمُرادُ مِنَ الإخْراجِ الإخْراجُ مِنَ الأرْضِ أوْ مِن حالِ الفَناءِ والخُرُوجِ عَلى الأوَّلِ حَقِيقَةً وعَلى الثّانِي مَجازٌ عَنِ الِانْتِقالِ مِن حالٍ إلى أُخْرى، وإيلاءُ الظَّرْفِ هَمْزَةُ الإنْكارِ دُونَ الإخْراجِ لِأنَّ ذَلِكَ الإخْراجَ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ مُطْلَقًا وإنَّما المُنْكَرُ كَوْنُهُ وقْتَ اجْتِماعِ الأمْرَيْنِ فَقُدِّمَ الظَّرْفُ لِأنَّهُ مَحَلُّ الإنْكارِ، والأصْلُ في المُنْكَرِ أنْ يَلِيَ الهَمْزَةَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْكارَ وقْتِ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ أيْ إنْكارُ مَجِيءِ وقْتٍ فِيهِ حَياةٌ بَعْدَ المَوْتِ يَعْنِي أنَّ هَذا الوَقْتَ لا يَكُونُ مَوْجُودًا وهو أبْلَغُ مِن إنْكارِ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ لِما أنَّهُ يُفِيدُ إنْكارَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، وبَعْضُهم لَمْ يُقَدِّرْ مَعْطُوفًا واعْتَبَرَ زَمانَ المَوْتِ مُمْتَدًّا إلّا أوَّلَ زُهُوقِ الرُّوحِ كَما هو المُتَبادَرُ وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ لِأنَّهم إذا أحالُوهُ في حالَةِ المَوْتِ عُلِمَ إحالَتُهُ إذا كانُوا رُفاتًا بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وأيًّا ما كانَ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ.
وقَرَأ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ ذَكْوانَ بِخِلافٍ عَنْهُ (إذا) بِدُونِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهي مُقَدَّرَةٌ مَعَهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ والمُرادُ الإخْبارُ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ بِمَن يَقُولُ ذَلِكَ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ( سَأُخْرَجُ ) بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ وبِغَيْرِ لامٍ، وعَلى ذَلِكَ تَكُونُ إذا مُتَعَلِّقَةً بِالفِعْلِ المَذْكُورِ عَلى الصَّحِيحِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ ( لَسَأُخْرَجُ ) بِالسِّينِ واللّامِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ ( أخْرُجُ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ( أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ ) مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّفَكُّرُ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإشْعارِ بِأنَّ الإنْسانِيَّةَ مِن دَواعِي التَفَكُّرِ فِيما جَرى عَلَيْهِ مِن شُؤُونِ التَّكْوِينُ المانِعَةِ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ وهو السِّرُّ في إسْنادِهِ إلى الجِنْسِ أوْ إلى الفَرْدِ بِذَلِكَ العُنْوانِ عَلى ما قِيلَ: والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ وهي عَلى أحَدِ المَذْهَبَيْنِ المَشْهُورَيْنِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ داخِلَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ما بَعْدُ والتَّقْدِيرُ هاهُنا أيَقُولُ ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا أي ننزّل مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كانَ تَقِيًّا يعني: مطيعاً لله عز وجل.
قوله عز وجل: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ وذلك حين أبطأ عليه الوحي، وعند سؤال أهل مكة عن ذي القرنين وأصحاب الكهف وأمر الروح، عاتب المصطفى جبريل ، فقال الله تعالى: قُلْ يا جبريل لمحمد، ومعناه قل: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينا من أمر الآخرة وَما خَلْفَنا من أمر الدنيا وَما بَيْنَ ذلِكَ أي ما بين النفختين وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا يعني: لم يكن ينساك ربك حيث لم يوح إليك، ويقال: مَا بَيْنَ أَيْدِينا يعني: أمر الآخرة والثواب والعقاب وَما خَلْفَنا جميع ما مضى من أمر الدنيا وَما بَيْنَ ذلِكَ ما يكون في هذا الوقت منا.
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا أي قد علم الله عز وجل ما كان وما يكون وما هو كائن حافظ لذلك، ويقال: ما نسيك ربك وإن تأخر عنك الوحي.
وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبيّ قال لجبريل : «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَر مِمّا تَزُورُنَا» (١) (١) عزاه السيوطي 5/ 529- 530 إلى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير والحاكم والبيهقي.
<div class="verse-tafsir"
وقد يكُونُ [الغي بمعنى الضَّلاَلِ، والتقديرُ: يُلْقون جَزَاءَ الغَيِّ.
وقال عبدُ الله بن عمرو، وابنُ مسعودٍ: الغَيُّ: وَادٍ في] «١» جَهنَّم، وبه وَقَعَ التوعُّدُ في هذه «٢» الآية.
وقال ص: الغي عندهم كُلُّ شرّ كما أن الرشاد كلّ خير.
[انتهى] «٣» .
وجَنَّاتِ عَدْنٍ: بدلٌ من الجنَّةِ في قوله يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
وقولُه بِالْغَيْبِ، أيْ أخبرهم من ذلك بما غَابَ عنهم، وفي هذا مَدْحٌ لهم على سرعة إيمانهم وبدارهم إذْ لم يعاينوا، ومَأْتِيًّا مفعولٌ على بابه.
وقال جماعةٌ من المفسرين: هو مفعولٌ في اللفظ بمعنى فاعل ف مَأْتِيًّا بمعنى آتٍ، وهذا بَعِيدٌ.
ت: بل هو الظَّاهِرُ، وعليه اعتمد ص.
واللَّغْوُ: السَّقْطُ من القول.
وقوله بُكْرَةً وَعَشِيًّا يريدُ في التقدير.
وقوله عز وجل: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ...
/ الآية، قال ابنُ عباس، وغيرُه:
سبب هذه الآية: أَن النبي صلى الله عليه وسلّم أَبْطَأَ عنه جِبْرِيلُ عليه السلام مدَّةَ فَلما جاءه قال: «يَا جِبْرِيلُ، قَدِ اشتقت إلَيْكَ، أَفلاَ تزورَنا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورَنَا» فنزلت هذه الآية «٤» .
وقال الضَّحَّاكُ، ومجاهدٌ: سببها أَن جِبْريلَ تأخَّر عن النبي صلى الله عليه وسلّم عند قَوْلِه في السؤالات المتقدِّمَةِ في سُورةِ الكهف: «غدا أخبركم» «١» .
وقال الداوديّ عن مجاهدٍ: أَبطأت الرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم أَتى جِبْرِيلُ عليه السلام قال: ما حَبَسَكَ؟
قال: وكَيْفَ نَأْتِيكُم.
وأَنْتُمْ لاَ تَقُصُّونَ أَظْفَارَكُمْ.
وَلاَ تَأْخُذُونَ شَوَارِبَكُمْ وَلاَ تَسْتَاكُونَ، وَمَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ.
انتهى «٢» .
وقد جاءت في فَضْل السواك آثَارٌ كثيرة، فمنها: ما رواه البزار في «مسنده» عن النبي صلى الله عليه وسلّم أَنه قال: إنَّ العَبْدَ إذَا تَسوَّكَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَامَ المَلَكُ خَلْفه، فَيَسْمَعُ لِقَرَاءَتِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُ حتى يَضَعَ فَاهُ على فِيهِ، فما يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ إلاَّ صَارَ فِي جَوْفِ المَلَكِ» «٣» .
انتهى من «الكوكب الدري» .
وفيه: عن ابنِ أَبِي شَيْبَة، عن النبي صلى الله عليه وسلّم أَنه قال: «صَلاَةٌ عَلَى إثْرِ سِوَاكٍ أَفْضَلُ من سبعين صلاة بغير سواك «٤» انتهى.
وفي «البخاري» : أَنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاة لِلرَّبِّ «١» .
اهـ.
وقوله سبحانه: لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينا ...
الآية، المقصودُ بهذه الآية الإشعارُ بملك الله تعالى لملائكته، وأن قَلِيلَ تصرُّفِهِم، وكَثِيرَه إنما هو بأَمْره وانتقالهم مِنْ مَكانٍ إلى مَكانٍ إنَّما [هو] «٢» بحدٍّ منه.
وقولُه: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا أَيْ: ممن يلحقُه نِسيانٌ لبعثنا إليك، ف نَسِيًّا.
فَعِيلٌ من النّسْيانِ، وهو الذُّهُولُ عن الأُمور.
وقرأ ابنُ مسْعودٍ «٣» : «وَمَا نَسِيَكَ رَبُّكَ» .
وقوله سَمِيًّا قال قوم: معناه مُوَافِقاً في الاِسْم.
قال ع «٤» : وهذا يحسنُ فيهِ أَن يريد بالاِسْم ما تقدم مِنْ قوله رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما أَيْ: [هل] «٥» تعلم من يسمى بهذا، أَو يوصف بهذه الصفة وذلك أَن الأُمم والفِرَق لا يسمون بهذا الاِسْم وَثَناً، ولا شَيْئاً سوى الله تعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ ذَكَرَهم مِنَ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ يَعْنِي: إدْرِيسَ، ﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ يَعْنِي: إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ مِن ولَدِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ يُرِيدُ: إسْماعِيلَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، ﴿ وَإسْرائِيلَ ﴾ يَعْنِي: ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ، وهم مُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنا ﴾ ؛ أيْ: هَؤُلاءِ كانُوا مِمَّنْ أرْشَدْنا، ﴿ واجْتَبَيْنا ﴾ ؛ أيْ: واصْطَفَيْنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَرُّوا سُجَّدًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ سُجَّدًا ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، المَعْنى: خَرُّوا مُقَدِّرِينَ السُّجُودَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في حالِ خُرُورِهِ لا يَكُونُ ساجِدًا، فَـ " سُجَّدًا " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهو جَمْعُ ساجِدٍ، ﴿ وَبُكِيًّا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو جَمْعُ باكٍ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا إذا سَمِعُوا آياتِ اللَّهِ سَجَدُوا وبَكَوْا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٦٩ ) .
وفي المُرادِ بِهَذا الخَلْفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، يَأْتُونَ عِنْدَ ذَهابِ صالِحِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، يَتَبارَوْنَ بِالزِّنا، يَنْزُو بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في الأزِقَّةِ زُناةً، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أضاعُوا الصَّلاةَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( الصَّلَواتِ ) عَلى الجَمْعِ.
وَفِي المُرادِ بِإضاعَتِهِمْ إيّاها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أخَّرُوها عَنْ وقْتِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والقاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ.
والثّانِي: تَرَكُوها، قالَهُ القُرَظِيُّ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وذَلِكَ مِثْلَ اسْتِماعِ الغِناءِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، والزِّنا، واللَّهْوِ، وما شاكَلَ ذَلِكَ مِمّا يَقْطَعُ عَنْ أداءِ فَرائِضِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ لَيْسَ مَعْنى هَذا اللِّقاءِ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ الِاجْتِماعُ والمُلابَسَةُ مَعَ الرُّؤْيَةِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا الغَيِّ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وبِهِ قالَ كَعْبٌ.
والثّانِي: أنَّهُ نَهْرٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الخُسْرانُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: أنَّهُ الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ السّائِبِ.
والسّادِسُ: أنَّ المَعْنى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ مُجازاةَ الغَيِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يَلْقَ أثامًا ﴾ ؛ أيْ: مُجازاةَ الآثامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تابَ مِنَ الشِّرْكِ، وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: تابَ مِنَ التَّقْصِيرِ في الصَّلاةِ، وآمَنَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( جَنّاتُ ) بِرَفْعِ التّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( جَنَّةُ عَدْنٍ ) عَلى التَّوْحِيدِ مَعَ رَفْعِ التّاءِ.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( جَنَّةَ عَدْنِ ) عَلى التَّوْحِيدِ مَعَ نَصْبِ التّاءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ ﴾ ؛ أيْ: وعَدَهم بِها ولَمْ يَرَوْها، فَهي غائِبَةٌ عَنْهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: آتِيًا، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو ( مَفْعُولٌ ) في مَعْنى ( فاعِلٍ )، وهو قَلِيلٌ أنْ يَأْتِيَ الفاعِلُ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ بِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: آتِيًا؛ لِأنَّ كُلَّ ما أتاكَ فَأنْتَ تَأْتِيهِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أتَيْتُ عَلى خَمْسِينَ سَنَةً، وأتَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ [ سَنَةً ] .
والثّانِي: مَبْلُوغًا إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿ وَعْدُهُ ﴾ هاهُنا: مَوْعُودُهُ، وهو الجَنَّةُ، و ﴿ مَأْتِيًّا ﴾ : يَأْتِيهِ أوْلِياؤُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّخالُفُ عِنْدَ شُرْبِ الخَمْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: ما يُلْغى مِنَ الكَلامِ ويُؤَثَّمُ فِيهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللَّغْوُ في العَرَبِيَّةِ: الفاسِدُ المَطَّرَحُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا سَلامًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّلامُ لَيْسَ مِنَ اللَّغْوِ، والعَرَبُ تَسْتَثْنِي الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ ولَيْسَ مِنهُ، وذَلِكَ أنَّها تُضْمِرُ فِيهِ، فالمَعْنى: إلّا أنَّهم يَسْمَعُونَ فِيها سَلامًا.
وقالابْنُ الأنْبارِيِّ: اسْتَثْنى السَّلامَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وفي ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ؛ لِأنَّهم إذا لَمْ يَسْمَعُوا مِنَ اللَّغْوِ إلّا السَّلامَ، فَلَيْسَ يَسْمَعُونَ لَغْوًا البَتَّةَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ ﴾ ، إذا لَمْ يَخْرُجُ مِن عَداوَتِهِمْ لِي غَيْرُ رَبِّ العالَمِينَ، فَكُلُّهم عَدُوٌّ.
وَفِي مَعْنى هَذا السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا ما يُسَلِّمُهم، ولا يَسْمَعُونَ ما يُؤَثِّمُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ بُكْرَةٌ ولا عَشِيَّةٌ، ولَكِنَّهم يُؤْتَوْنَ بِرِزْقِهِمْ - عَلى مِقْدارِ ما كانُوا يَعْرِفُونَ - في الغَداةِ والعَشِيِّ.
قالَ الحَسَنُ: كانَتِ العَرَبُ لا تَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ العَيْشِ أفْضَلَ مِنَ الغَداءِ والعَشاءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ.
وقالَ قَتادَةُ: كانَتِ العَرَبُ إذا أصابَ أحَدُهُمُ الغَداءَ والعَشاءَ أُعْجِبَ بِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ لَهم في الجَنَّةِ رِزْقُهم بُكْرَةً وعَشِيًّا عَلى قَدْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ولَيْسَ ثَمَّ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، وإنَّما هو ضَوْءٌ ونُورٌ.
ورَوى الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قالَ: سَألْتُ زُهَيْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ ، فَقالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، هم في نُورٍ أبَدًا، ولَهم مِقْدارُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، يَعْرِفُونَ مِقْدارَ اللَّيْلِ بِإرْخاءِ الحُجُبِ وإغْلاقِ الأبْوابِ، ويَعْرِفُونَ مِقْدارَ النَّهارِ بِرَفْعِ الحُجُبِ وفَتْحِ الأبْوابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الجَنَّةُ ﴾ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُورِثُ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿ نُورِثُ ﴾ : نُعْطِي المَساكِنَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النّارِ - لَوْ آمَنُوا - لِلْمُؤْمِنِينَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى " نُورِثُ ": نُعْطِي، فَيَكُونُ كالمِيراثِ لَهم مِن جِهَةِ أنَّها تَمْلِيكٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( الأعْرافِ: ٤٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ يَعْمُرَ: ( وما يَتَنَزَّلُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: " يا جِبْرِيلُ ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ المَلَكَ أبْطَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ أتاهُ، فَقالَ: لَعَلِّي أبْطَأْتُ.
قالَ: " قَدْ فَعَلْتَ " .
قالَ: وما لِي لا أفْعَلُ وأنْتُمْ لا تَتَسَوَّكُونَ، ولا تَقُصُّونَ أظْفارَكم، ولا تُنَقُّونَ بِراجِمَكم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: البَراجِمُ عِنْدَ العَرَبِ: الفُصُوصُ الَّتِي في فُصُولِ ظُهُورِ الأصابِعِ، تَبْدُو إذا جُمِعَتْ، وتَغْمُضُ إذا بُسِطَتْ.
والرَّواجِبُ: ما بَيْنَ البَراجِمِ، بَيْنَ كُلِّ بُرْجُمَتَيْنِ راجِبَةٌ.
والثّالِثُ: «أنَّ جِبْرِيلَ احْتُبِسَ عَنِ النَّبِيِّ حِينَ سَألَهُ [ قَوْمُهُ ] عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وذِي القَرْنَيْنِ، والرُّوحِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يُجِيبُهم، ورَجا أنْ يَأْتِيَهُ جِبْرِيلُ بِجَوابٍ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ، فَشَقَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَلَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ، قالَ لَهُ: " أبْطَأْتَ عَلَيَّ حَتّى ساءَ ظَنِّي واشْتَقْتُ إلَيْكَ "، فَقالَ جِبْرِيلُ: إنِّي كُنْتُ أُشَوِّقُ، ولَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ، إذا بُعِثْتُ نَزَلْتُ، وإذا حُبِسْتُ احْتَبَسْتُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
وَفِي سَبَبِ احْتِباسِ جِبْرِيلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِامْتِناعِ أصْحابِهِ مِن كَمالِ النَّظافَةِ، كَما ذَكَرْنا في حَدِيثِ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: لِأنَّهم سَألُوهُ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ: " غَدًا أُخْبِرُكم "، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، وقَدْ سَبَقَ هَذا في سُورَةِ ( الكَهْفِ: ٢٤ ) .
وَفِي مِقْدارِ احْتِباسِهِ عَنْهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( الكَهْفِ ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: اثْنَتا عَشْرَةَ لَيْلَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ، حَكاهُ مُقاتِلٌ.
والخامِسُ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وقِيلَ: إنَّ سُورَةَ ( الضُّحى ) نَزَلَتْ في هَذا السَّبَبِ.
والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ ﴾ قَوْلُ جِبْرِيلَ.
وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّهُ قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها، فالمَعْنى: ما نَنْزِلُ هَذِهِ الجِنانَ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.
وقِيلَ: ما نَنْزِلُ مَوْضِعًا مِنَ الجَنَّةِ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما بَيْنَ أيْدِينا: الآخِرَةُ، وما خَلْفَنا: الدُّنْيا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِينا: ما مَضى مِنَ الدُّنْيا، وما خَلْفَنا: مِنَ الآخِرَةِ، فَهو عَكْسُ الأوَّلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ أيْدِينا: قَبْلَ أنْ نُخْلَقَ، وما خَلْفَنا: بَعْدَ الفَناءِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: حِينَ كَوَّنَنا، قالَهُ الأخْفَشُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما وحَّدَ ذَلِكَ، والإشارَةُ إلى شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِينا ﴾ ، والثّانِي: " ما خَلْفَنا "؛ لِأنَّ العَرَبَ تُوقِعُ ذَلِكَ عَلى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ النَّسِيُّ بِمَعْنى النّاسِي.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما كانَ تارِكًا لَكَ مُنْذُ أبْطَأ الوَحْيُ عَنْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: ما نَسِيَكَ عِنْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ عَنْكَ.
والثّانِي: أنَّهُ عالِمٌ بِما كانَ ويَكُونُ، لا يَنْسى شَيْئًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْبُدْهُ ﴾ ؛ أيْ: وحِّدْهُ؛ لِأنَّ عِبادَتَهُ بِالشِّرْكِ لَيْسَتْ عِبادَةً، ﴿ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ ﴾ ؛ أيِ: اصْبِرْ عَلى تَوْحِيدِهِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ رَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يُدْغِمُ ( هَلْ تَعْلَمُ )، ووَجْهُهُ أنَّ سِيبَوَيْهِ يُجِيزُ إدْغامَ اللّامِ في التّاءِ، والثّاءِ، والدّالِ، والزّايِ، والسِّينِ، والصّادِ، والطّاءِ؛ لِأنَّ آخِرَ مَخْرَجٍ مِنَ اللّامِ قَرِيبٌ مِن مَخارِجِهِنَّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إذا كانَ بَعْدَ ( هَلْ ) تاءٌ فَفِيهِ لُغَتانِ، بَعْضُهم يُبَيِّنُ لامَ ( هَلْ ) وبَعْضُهم يُدْغِمُها.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَثَلًا وشَبَهًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يُسَمّى ( اللَّهَ ) غَيْرَهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: خالِقٌ وقادِرٌ، إلّا هو، قالَهُ الزَّجّاجُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبِّكَ نَسِيًّا ﴾ ﴿ رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "وَما نَتَنَزَّلُ" بِالنُونِ، كَأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَنى نَفْسَهُ والمَلائِكَةَ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "وَما يَتَنَزَّلُ" بِالياءِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّ جِبْرِيلَ لا يَتَنَزَّلُ، قالَ هَذا التَأْوِيلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ: ﴿ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا ﴾ لِأنَّهُ لا يَطَّرِدُ مَعَهُ، وإنَّما يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ القُرْآنَ لا يَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الأوقاتِ الَّتِي يُقَدِّرُها، ورُوِيَتْ قِراءَةَ الأعْرَجِ بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "إلّا بِقَوْلِ رَبِّكَ".
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ النَبِيَّ أبْطَأ عنهُ جِبْرِيلُ مَرَّةً، فَلَمّا جاءَهُ قالَ لَهُ: "يا جِبْرِيلُ قَدِ اشْتَقْتُ إلَيْكَ، أفَلا تَزُورُنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا؟" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ».
وقالَ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: سَبَبُها «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ تَأخَّرَ عَنِ النَبِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ في الأسْئِلَةِ المُتَقَدِّمَةِ في سُورَةِ الكَهْفِ: "غَدًا أُخْبِرُكُمْ" حَتّى فَرِحَ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، واهْتَمَّ رَسُولُ اللهِ ، ثُمْ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» في ذَلِكَ المَعْنى، فَهي كالَّتِي في الضُحى.
وَهَذِهِ الواوُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ ﴾ هي عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى أُخْرى، وواصِلَةٌ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعْناهُما واحِدًا، وحَكى النَقّاشُ عن قَوْمٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ لَفْظٌ يَحْتاجُ إلى ثَلاثِ مَراتِبَ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيها - فَقالَ أبُو العالِيَةِ: ما بَيْنَ الأيْدِي: في الدُنْيا بِأسْرِها إلى النَفْخَةِ الأُولى، وما خَلْفَ: الآخِرَةُ مِن وقْتِ البَعْثِ، وما بَيْنَ ذَلِكَ: ما بَيْنَ النَفْخَتَيْنِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ما بَيْنَ الأيْدِي هو ما مَرَّ مِنَ الزَمَنِ قَبْلَ إيجادِ مَن في الضَمِيرِ، وما خَلَفَ هو ما بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى اسْتِمْرارِ الآخِرَةِ، وما بَيْنَ ذَلِكَ هو مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ إنَّما المَقْصِدُ بِها الإشْعارَ بِمُلْكِ اللهِ تَعالى لِمَلائِكَتِهِ، وأنَّ قَلِيلَ تَصَرُّفِهِمْ وكَثِيرِهِ إنَّما هو بِأمْرِهِ، وانْتِقالِهِمْ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ إنَّما هو لِخِدْمَتِهِ؛ إذِ الأمْكِنَةُ لَهُ وهم لَهُ، فَلَوْ ذَهَبَ بِالآيَةِ إلى أنَّ المُرادَ بِما بَيْنَ الأيْدِي وما خَلَفَ الأمْكِنَةُ الَّتِي تَصَرُّفُهم فِيها، وأنَّ المُرادَ بِما بَيْنَ ذَلِكَ هم أنْفُسُهم ومَقاماتُهم - لَكانَ وجْهُها، كَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ مُقَيَّدُونَ بِالقُدْرَةِ، لا نَنْتَقِلُ ولا نَتَتَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ - فِيما رُوِيَ وما أراهُ صَحِيحًا عنهُما -: ما بَيْنَ الأيْدِي هي الآخِرَةُ، وما خَلَفَ هو الدُنْيا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُخْتَلُّ المَعْنى إلّا عَلى التَشْبِيهِ بِالمَكانِ، كَأنَّ ما بَيْنَ اليَدِ إنَّما هو ما تَقَدَّمَ وَجُودُهُ في الزَمَنِ بِمَثابَةِ التَوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ القُرْآنِ، وقَوْلُ أبِي العالِيَةِ إنَّما يُتَصَوَّرُ في بَنِي آدَمَ، وهَذِهِ المَقالَةُ هي لِلْمَلائِكَةِ، فَتَأمَّلْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ أيْ: مِمَّنْ يَلْحَقُهُ نِسْيانٌ لِبَعْثِنا إلَيْكَ في وقْتِ المَصْلَحَةِ بِهِ، فَإنَّما ذَلِكَ عن قَدْرٍ لَهُ، أيْ: فَلا تَطْلُبُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ الزِيارَةَ أكْثَرَ مِمّا شاءَ اللهُ، هَذا ما تَقْتَضِيهِ قُوَّةُ الكَلامِ عَلى التَأْوِيلِ الواحِدِ، أو فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِتَأْخِيرِي، ولا تَلْتَفِتُ إلى فَرَحِ المُشْرِكِينَ بِذَلِكَ عَلى التَأْوِيلِ الثانِي.
و"نَسِيًّا" فَعِيلٌ مِنَ النِسْيانِ والذُهُولِ عَنِ الأُمُورِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "نَسِيًّا" مَعْناهُ: تارِكًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا ضَعْفٌ لِأنَّهُ إنَّما نُفِيَ النِسْيانُ مُطْلَقًا، فَيَتَمَكَّنُ ذَلِكَ في النِسْيانِ الَّذِي هو نَصٌّ، وأمّا التَرْكُ فَلا يَنْتَفِي مُطْلَقًا، ألّا تَرى قَوْلَهُ تَبارَكَ تَعالى: ﴿ وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ﴾ ، فَلَوْ قالَ: نَسِيَكَ، أو نَحْوَهُ مِنَ التَقْيِيدِ لَهم يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى التَرْكِ، ولا حاجَةَ بِنا أنْ نَقُولَ: إنَّ التَقْيِيدَ في النِيَّةِ لِأنَّ المَعْنى الآخَرَ أظْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَما بَيْنَ ذَلِكَ وما نَسِيَكَ رَبُّكَ"، ورَوى أبُو الدَرْداءِ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: «ما أحَلَّ اللهُ في كِتابِهِ فَهو حَلالٌ، وما حَرَّمَ فَهو حَرامٌ، وما سَكَتَ عنهُ فَهي عافِيَتُهُ فاقْبَلُوا، ثُمْ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ الآيَةُ.
"رَبُّ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ رَبُّكَ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ ﴾ أمْرٌ بِحَمْلِ تَكالِيفِ الشَرْعِ وإشْعارٍ ما بِصُعُوبَتِها، كالجِهادِ والحَجِّ والصَدَقاتِ، فَهي شَرِيعَةٌ تَحْتاجُ إلى اصْطِبارٍ، أعانَنا اللهُ عَلَيْها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "هَلْ تَعْلَمُ" بِإظْهارِ اللامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عن أبِي عَمْرٍو بِإدْغامِ اللامِ في التاءِ، وهي قِراءَةُ عِيسى، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: سِيبَوَيْهِ يُجِيزُ إدْغامَ اللامِ في الطاءِ والتاءِ والذالِ والثاءِ والصادِ والزايِ والسِينِ، وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَهَلْ ثُوِّبَ" بِإدْغامِها في الثاءِ وإدْغامِها في التاءِ أحَقُّ لِأنَّها أدْخَلُ مَعَها في الفَمِ، ومِن إدْغامِها في التاءِ ما رُوِيَ مِن قَوْلِ مُزاحِمُ العَقِيلِيِّ: فَذَرْ ذا ولَكِنْ هَتُّعِينُ مُتَيَّمًا عَلى ضَوْءِ بَرْقٍ آخَرَ اللَيْلِ ناصِبُ؟
وقَوْلُهُ: ﴿ سَمِيًّا ﴾ ، قالَ قَوْمٌ - وهو ظاهِرُ اللَفْظِ -:مَعْناهُ: مُوافِقًا في الِاسْمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُحْسُنُ فِيهِ أنْ يُرِيدَ بِالِاسْمِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ ، أيْ: هَلْ تَعْلَمُ مَن يُسَمّى بِهَذا ويُوصَفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ؟
وذَلِكَ أنَّ الأُمَمَ لا يُسَمُّونَ بِهَذا الِاسْمِ وثَنًا ولا شَيْئًا سِوى اللهِ تَعالى، وأمّا الأُلُوهِيَّةُ والقُدْرَةُ فَقَدْ يُوَجَّهَ السَمِيُّ فِيها، وذَلِكَ بِاشْتِراكٍ لا بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما سَمِّيًّا مَعْناهُ: مَثِيلًا أو شَبِيهًا أو نَحْوَ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَأنَّ السَمِيَّ بِمَعْنى المُسامِي والمُضاهِي، فَهو مِنَ السُمُوِّ، وهَذا القَوْلُ يَحْسُنُ في هَذِهِ الآيَةِ ولا يَحْسُنُ فِيما تَقَدَّمَ في ذِكْرِ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ.
<div class="verse-tafsir"
جملة مستأنفة من كلام الله تعالى كما يقتضيه قوله ﴿ فاعْبُدْهُ ﴾ إلى آخره ذيل به الكلام الذي لقنه جبريل المتضمن: أن الملائكة لا يتصرفون إلاّ عن إذن ربّهم وأنّ أحوالهم كلّها في قبضته بما يفيد عموم تصرفه تعالى في سائر الكائنات، ثمّ فرع عليه أمر الرسول عليه السلام بعبادته، فقد انتقل الخطاب إليه.
وارتفع ﴿ رَبُّ السموات ﴾ على الخبرية لمبتدأ محذوف ملتزم الحذف في المقام الذي يذكر فيه أحد بأخبار وأوصاف ثم يراد تخصيصه بخبر آخر.
وهذا الحذف سمّاه السكاكي بالحذف الذي اتّبِع فيه الاستعمال كقول الصولي أو ابن الزّبير بفتح الزاي وكسر الموحدة: سأشكر عَمْرَاً إنْ تراختْ منيتي *** أياديَ لم تُمنَنْ وإنْ هيَ جلّتِ فتىً غيرُ محجوب الغنى عن صديقه *** ولا مظهرُ الشكوى إذا النعل زلّت والسماوات: العوالم العلوية.
والأرض: العالم السفلي، وما بينهما: الأجواء والآفاق.
وتلك الثلاثة تعم سائر الكائنات.
والخطاب في ﴿ فَاعبُدهُ واصْطَبِر ﴾ و ﴿ هَلْ تَعْلَمُ ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم وتفريع الأمر بعبادته على ذلك ظاهر المناسبة ويحصل منه التخلّص إلى التنويه بالتّوحيد وتفظيع الإشراك.
والاصطبار: شدّة الصبر على الأمر الشاق، لأنّ صيغة الافتعال تَرِد لإفادة قوّة الفعل.
وكان الشأن أن يعدى الاصطبار بحرف (على) كما قال تعالى: ﴿ وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴾ [طه: 132] ولكنه عدي هنا باللاّم لتضمينه معنى الثّبات.
أي اثبت للعبادة، لأنّ العبادة مراتب كثيرة من مجاهدة النفس، وقد يغلب بعضها بعض النّفوس فتستطيع الصبر على بعض العبادات دون بعض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء: «هي أثقل صلاة على المنافقين» فلذلك لما أمر الله رسوله بالصبر على العبادة كلها وفيها أصناف جمّة تحتاج إلى ثبات العزيمة، نزل القائم بالعبادة منزلة المغالب لنفسه، فعدي الفعل باللاّم كما يقال: اثبت لعُدَاتك.
وجملة ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ واقعة موقع التعليل للأمر بعبادته والاصطبار عليها.
والسميّ هنا الأحسن أن يكون بمعنى المُسامي، أي المماثل في شؤونه كلها.
فعن ابن عباس أنه فسّره بالنظير، مأخوذاً من المساماة فهو فعيل بمعنى فاعل، لكنه أخذ من المزيد كقول عمرو بن معد يكرب: أمن ريحانة الداعي السميع *** أي المُسمع.
وكما سمي تعالى الحكيم، أي المُحكم للأمور، فالسميّ هنا بمعنى المماثل في الصفات بحيث تكون المماثلة في الصفات كالمساماة.
والاستفهام إنكاري، أي لا مسامي لله تعالى، أي ليس من يساميه، أي يضاهيه، موجوداً.
وقيل السميّ: المماثل في الاسم.
كقوله في ذكر يحيى ﴿ لم نجعل له من قبل سمياً ﴾ [مريم: 7].
والمعنى: لا تعلم له مماثلاً في اسمه الله، فإن المشركين لم يسموا شيئاً من أصنامهم الله باللاّم وإنّما يقولون للواحد منها إله، فانتفاء تسمية غيره من الموجودات المعظمة باسمه كناية عن اعتراف الناس بأن لا مماثل له في صفة الخالقية، لأنّ المشركين لم يجترئوا على أن يدعوا لآلهتهم الخالقية.
قال تعالى: ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ [لقمان: 25].
وبذلك يتمّ كون الجملة تعليلاً للأمر بإفراده بالعبادة على هذا الوجه أيضاً.
وكنّي بانتفاء العلم بسميّه عن انتفاء وجود سميّ له، لأنّ العلم يستلزم وجود المعلوم، وإذا انتفى مماثله انتفى من يستحق العبادة غيره.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ: إنَّنا لا نَنْزِلُ مَوْضِعًا مِنَ الجَنَّةِ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما ذُكِرَ «أنَّ جِبْرِيلَ أبْطَأ عَلى النَّبِيِّ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً، فَلَمّا جاءَهُ قالَ: (غِبْتَ عَنِّي حَتّى ظَنَّ المُشْرِكُونَ كُلَّ ظَنٍّ) .
فَنَزَلَتْ ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ ﴾ » ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إذا أُمِرْنا نَزَلْنا عَلَيْكَ.
الثّانِي: إذا أمَرَكَ رَبُّكَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الأمْرَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُتَوَجِّهًا إلى النُّزُولِ، وعَلى الثّانِي مُتَوَجِّهًا إلى التَّنْزِيلِ.
﴿ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِينا ﴾ مِنَ الآخِرَةِ، ﴿ وَما خَلْفَنا ﴾ مِنَ الدُّنْيا.
﴿ وَما بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِينا ﴾ أيْ ما مَضى أمامَنا مِنَ الدُّنْيا، ﴿ وَما خَلْفَنا ﴾ ما يَكُونُ بَعْدَنا مِنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ وَما بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ ما مَضى مِن قَبْلُ وما يَكُونُ مِن بَعْدُ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِينا ﴾ : السَّماءُ، ﴿ وَما خَلْفَنا ﴾ : الأرْضُ.
﴿ وَما بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
﴿ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ ما نَسِيَكَ رَبُّكَ.
الثّانِي: وما كانَ رَبُّكَ ذا نِسْيانٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مِثْلًا وشَبِيهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، مَأْخُوذٌ مِنَ المُساماةِ.
الثّانِي: أنَّهُ لا أحَدَ يُسَمّى بِاللَّهِ غَيْرُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ أحَدٌ أنْ يُسَمّى إلَهًا غَيْرُهُ.
الرّابِعُ: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ مِن ولَدٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ أبُو طالِبٍ: ؎ أمّا المُسَمّى فَأنْتِ مِنهُ مُكْثِرُ لَكِنَّهُ ما لِلْخُلُودِ سَبِيلُ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: من هذه الأمة يتراكبون في الطرق، كما تراكب الأنعام لا يستحيون من الناس، ولا يخافون من الله في السماء.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ﴾ قال: عند قيام الساعة- ذهاب صالح أمة محمد- ينزو بعضهم إلى بعض في الآزقة زناة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ يقول: تركوا الصلاة.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ﴾ قال: ليس إضاعتها تركها قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه، ولكن إضاعتها إذا لم يصلها لوقتها.
وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: صلوها لغير وقتها.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن القاسم بن مخيمرة في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: أخروا الصلاة عن ميقاتها ولو تركوها كفروا.
وأخرج ابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق، عن عمر بن عبد العزيز في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: لم يكن إضاعتهم تركها ولكن أضاعوا المواقيت.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن كعب قال: والله إني لأجد صفة المنافقين في التوراة: شرابين للقهوات: تباعين للشهوات، لعانين للكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين للصلوات تراكين للجمعات، ثم تلا هذه الآية ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن الأشعث قال: أوحى الله إلى داود عليه السلام أن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عني محجوبة.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: اغتسلت أنا وآخر، فرآنا عمر بن الخطاب، وأحدنا ينظر إلى صاحبه، فقال: إني لأخشى أن تكونا من الخلف الذين قال الله فيهم: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً ﴾ .
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي سعيد الخدري: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلا هذه الآية ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ فقال: يكون خلف من عبد ستين سنة ﴿ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ﴾ ثم يكون خَلَفٌ: يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر» .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللين قلت يا رسول الله، ما أهل اللين؟
قال: قوم يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه، عن عائشة أنها كانت ترسل بالصدقة لأهل الصدقة وتقول: لا تعطوا منها بربرياً، ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هم الخلف الذين قال الله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يكون في أمتي من يقتل على الغضب، ويرتشي في الحكم، ويضيع الصلوات، ويتبع الشهوات، ولا تردّ له راية قيل: يا رسول الله، أمؤمنون هم؟
قال: بالإيمان يقرؤون» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال: خسراً.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث من طرق، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال: الغي نهر أو واد في جهنم من قيح بعيد القعر خبيث الطعم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات.
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في البعث، عن البراء بن عازب في الآية قال: الغي، واد في جهنم بعيد القعر منتن الريح.
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً ثم تنتهي إلى غي وأثام، قلت: وما غي وأثام؟
قال: نهران في أسفل جهنم يسيل فيها صديد أهل النار، وهما اللذان ذكر الله في كتابه ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ [ الفرقان: 68] » .
وأخرج ابن مردويه من طريق نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغي واد في جهنم» .
وأخرج البخاري في تاريخه، عن عائشة في قوله: ﴿ غياً ﴾ قالت: نهر في جهنم.
وأخرج ابن المنذر، عن شقي بن ماتع قال: إن في جهنم وادياً يسمى ﴿ غياً ﴾ يسيل دماً وقيحاً، فهو لمن خلق له.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ يلقون غياً ﴾ قال: سوءاً ﴿ إلا من تاب ﴾ قال: من ذنبه ﴿ وآمن ﴾ قال: بربه ﴿ وعمل صالحاً ﴾ قال: بينه وبين الله.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال باطلاً.
وأخرج عبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال: لا يستبون.
وفي قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: ليس فيها بكرة ولا عشي يؤتون به على النحو الذي يحبون من البكرة والعشي.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: يؤتون به في الآخرة على مقدار ما كانوا يؤتون به في الدنيا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد، عن قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: ليس في الجنة ليل ولا شمس ولا قمر، هم في نور أبداً، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق أبان عن الحسن، وأبي قلابة قالا: قال رجل يا رسول الله، هل في الجنة من ليل؟
قال: وما هيجك على هذا؟!
قال: سمعت الله يذكر في الكتاب ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ فقلت الليل من البكرة، والعشي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «ليس هناك ليل، وإنما هو ضوء نور، يرد الغدو على الرواح، والرواح على الغدوّ، وتأتيهم طرف الهدايا من الله، لمواقيت الصلوات التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة» .
وأخرج ابن المنذر، عن يحيى بن أبي كثير قال: كانت العرب في زمانها إنما لها أكلة واحدة، فمن أصاب أكلتين، سمي فلاناً الناعم.
فأنزل الله تعالى يرغب عباده فيما عنده ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: كانوا يعدون النعيم، أن يتغدى الرجل، ثم يتعشى.
قال الله لأهل الجنة: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من غداة من غدوات الجنة، كل الجنة غدوات، إلا أن يزف إلى وليّ الله تعالى فيها زوجة من الحور العين أدناهن التي خلقت من زعفران» .
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ بالنون مخففة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شوذب في قوله: ﴿ تلك الجنة التي نورث من عبادنا ﴾ قال: ليس من أحد إلا وله في الجنة منزل وأزواج، فإذا كان يوم القيامة، ورث الله المؤمن كذا وكذا منزلاً من منازل الكفار.
فذلك قوله: ﴿ من عبادنا ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن داود بن أبي هند في قوله: ﴿ من كان تقياً ﴾ قال: موحداً.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ إلى آخر الآية» .
زاد ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم، فكان ذلك الجواب لمحمد.
وأخرج ابن مردويه، عن أنس قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي البقاع أحب إلى الله وأيها أبغض إلى الله؟
قال: ما أدري حتى أسأل جبريل، وكان قد أبطأ عليه فقال: لقد أبطأت عليّ حتى ظننت أن بربي عليّ موجدة!...
فقال: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: «أبطأ جبريل على النبي- صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً ثم أنزل، فقال له النبي- صلى الله عليهه وسلم- ما نزلت حتى اشتقت إليك فقال له جبريل:أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور فأوحى الله إلى جبريل أن قل له: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي قال: احتبس جبريل عن النبي- صلى الله عليه وسلم- بمكة حتى حزن واشتد عليه، فشكا إلى خديجة، فقالت خديجة: لعل ربك قد ودعك أو قلاك، فنزل جبريل بهذه الآية: ﴿ ما ودعك ربك وما قلى ﴾ [ الضحى: 2] قال: يا جبريل، احتبست عني حتى ساء ظني، فقال جبريل: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ .
وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال: لبث جبريل عن النبي- صلى الله عليه وسلم اثني عشرة ليلة، فلما جاءه قال: لقد رثت حتى ظن المشركون كل ظن فنزلت الآية.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: «أبطأت الرسل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم أتاه جبريل فقال: ما حبسك عني قال: كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون وقرأ ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: احتبس جبريل، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، وحزن فأتاه جبريل وقال: يا محمد: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا ﴾ يعني من الدنيا ﴿ وما خلفنا ﴾ يعني من الآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة ﴿ له ما بين أيدينا ﴾ قال: الدنيا ﴿ وما خلفنا ﴾ قال: الآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ له ما بين أيدينا ﴾ قال: من أمر الآخرة ﴿ وما خلفنا ﴾ من أمر الدنيا ﴿ وما بين ذلك ﴾ ما بين الدنيا والآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما بين ذلك ﴾ قال: ما بين النفختين.
وأخرج هناد وابن المنذر، عن أبي العالية ﴿ وما بين ذلك ﴾ قال: ما بين النفختين.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ قال: ﴿ ما كان ربك ﴾ لينساك يا محمد.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه والحاكم وصححه، عن أبي الدرداء رفع الحديث قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً.
ثم تلا ﴿ وما كان ربك نسيا ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله.
وأخرج الحاكم عن سلمان «سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ قال: هل تعلم للرب مثلاً أو شبها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ قال: ليس أحد يسمى الرحمن غيره.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ يا محمد هل تعلم لإلهك من ولد؟.
وأخرج الطستي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ قال: هل تعلم له ولداً؟
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت الشاعر وهو يقول: أما السمي فأنت منه مكثر ** والمال مال يغتدي ويروح <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ ﴾ يعني الكافر الذي لا يؤمن بالبعث إذا مات (١) ﴿ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾ يقول ذلك استهزاء وتكذيبا منه بالبعث.
قال ابن عباس في رواية عطاء: (نزلت في الوليد بن المغيرة) (٢) (٣) وقال صاحب النظم: (اللام في قوله: ﴿ لَسَوْفَ ﴾ لام تأكيد يؤكد بها ما بعدها من الخبر، وهذا الإنسان كافر لا يؤمن بالبعث، والكلام محكي عنه فلم حكي عنه بالتأكيد وهو منكر له ومن أنكر شيئا لم يؤكده؟
قال: والجواب أن هذا من باب الحكاية والمجازاه.
كأن النبي - - قال له: لسوف تخرج بعد الموت حيا، فقال حاكيا ومعارضا لكلامه: ﴿ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾ ولا يذهب مذهب التأكيد، وإنما يذهب مذهب الحكاية والمعارضة والمجازاة لكلامه، كما تقول العرب: رأيت زيدًا، فيقول السامع: من زيدا؟
وإذا قال: مررت بزيد، قال: من زيد؟
بالخفض أتبعوا آخر الكلام أوله على الحكاية والمجازاة) (٤) (١) في (س): (إذا مات).
(٢) "زاد المسير" 5/ 252، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 131، "البحر المحيط" 6/ 206، "روح المعانى" 16/ 116.
(٣) "بحر العلوم" 2/ 329، "المحرر الوجيز" 9/ 506، "معالم التنزيل" 5/ 245، "زاد المسير" 5/ 252، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 131.
(٤) ذكر نحوه في "الكشاف" 2/ 417، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 131، "البحر المحيط" 6/ 207، "الدر المصون" 7/ 617.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ أي مثيلاً ونظيراً فهم من المسامي والمضاهي، وقيل: من تسمى باسمه، لأنه لم يتسم باسم الله غير الله تعالى ﴿ وَيَقُولُ الإنسان أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ هذه حكاية قول من أنكر البعث من القبور، والإنسان هنا جنس يراد به الكفار، وقيل: إن القائل لذلك أبي بن خلف، وقيل أمية بن خلف، والهمزة التي دخلت على أئذا ما مت للإنكار والاستبعاد، واللام في قوله لسوف: سيقت على الحكاية لقول من قال بهذا المعنى، والإخراج يراد به البعث.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ مخلصاً ﴾ بفتح اللام: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.
الباقون بكسرها.
﴿ إبراهام ﴾ وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إذا ابتلي ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة ﴿ نورث ﴾ بالتشديد: رويس.
الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ لا تعبد الشيطان ﴾ ط ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ ولياً ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ط ج وقد يوصل ويوقف على ﴿ آلهتي ﴾ .
﴿ ملياً ﴾ ه ﴿ سلام عليك ﴾ ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ﴿ لك ربي ﴾ ط ﴿ حفياً ﴾ ه ﴿ وأدعو ربي ﴾ ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب لما ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نجياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ إسماعيل ﴾ ز لما مر ﴿ نبياً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ والزكاة ﴾ ط ﴿ مرضيا ﴾ ه ﴿ إدريس ﴾ ز ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ مع نوح ﴾ ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ﴿ ذرية آدم ﴾ أو على ﴿ إسرائيل ﴾ والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل ﴿ وبكيا ﴾ ه ﴿ عياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ جنات ﴾ بدل من ﴿ الجنة ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ مأتيا ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ بأمر ربك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ ذلك ﴾ ج لأن قوله: ﴿ وما كان ﴾ معطوف على ﴿ نتنزل ﴾ مع وقوع العارض ﴿ نسياً ﴾ ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لعبادته ﴾ ط ﴿ سمياً ﴾ ه.
التفسير: إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منهم من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى، ومنهم من عبد معبوداً جماداً كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل.
وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب.
وإنما بدأ بقصة إبراهيم لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه.
والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم ﴾ وإلا فهو هو الذي يذكره في تنزيله.
وقوله: ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إبراهيم ﴾ وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على ﴿ إبراهيم ﴾ مطلقاً.
وجوز في الكشاف أن يتعلق "إذ" بـ ﴿ كان ﴾ أو بـ ﴿ صديقاً نبياً ﴾ أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.
والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه.
إلا إذا كان صادقاً جداً في أقواله مصدقاً لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده.
وقيل: إن "كان" بمعنى "صار" والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها.
والتاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف.
أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله قال: "أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري" .
فقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد.
و"ما" موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به من قوله: "أغن عني وجهك" أي ادفعه.
ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره.
وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟
فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص.
وقوله: ﴿ يا أبت أني قد جاءني ﴾ تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق.
وفي قوله: ﴿ من العلم ما لم يأتك ﴾ فائدة هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك ﴿ فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد.
استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع.
وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره.
والإنصاف أن هذه الطريق أسهل.
ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: ﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان ﴾ أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان.
ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: ﴿ إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف.
ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال: ﴿ يا أبت إني أخاف ﴾ وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب.
قال الفراء: معنى أخاف أعلم.
والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه.
والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي.
وذكروا في الولي وجوهاً منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز.
وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ ﴾ ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل ﴾ ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار.
ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلاً ﴿ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ﴾ فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى.
وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته.
وفي قوله: ﴿ يا إبراهيم ﴾ دون أن يقول: "يا بني" في مقابلة ﴿ يا أبت ﴾ تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجم.
ثم ههنا إضمار أي فاحذرني ﴿ واهجرني ملياً ﴾ أي زماناً طويلاً من الملاوة، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران.
مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب.
فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة ﴿ قال سلام عليك ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً ﴾ بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر "الأعراف".
احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ الآية.
ولقوله في الممتحنة ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به.
والجواب لعل إبراهيم في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً.
والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيراً من الأمور كانت مباحة للرسول الله هي محرمة علينا.
ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: ﴿ وأعتزلكم ﴾ أي أهاجر إلى الشام ﴿ و ﴾ أعتزل ﴿ ما تدعون ﴾ أي ما تعبدون ﴿ من دون الله ﴾ وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ فلما أعتزلهم وما يعبدون ﴾ أما قوله: ﴿ وأدعو ربي ﴾ فيحتمل معنيين: العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء.
وفي قوله: ﴿ عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ ﴿ عسى ﴾ .
قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم ﴾ شيئاً ﴿ من رحمتنا ﴾ عن الحسن: هي النبوة.
وعن الكلبي: المال والولد.
والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن، عبر باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: ﴿ قدم صدق ﴾ تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ﴿ ملة أبيكم إبراهيم ﴾ ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً، فأشركه الله في الصلاة على النبي في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال : ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ فجعل موطىء قدمه مباركاً ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ وعادى كل الخلق في الله حين قال ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين ﴾ فلا جرم اتخذه الله خليلاً.
ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى لأنه تلوه في الشرف.
والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله و ﴿ كان رسولاً نبياً ﴾ الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه ﴿ برب هرون وموسى ﴾ ﴿ الأيمن ﴾ من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب ﴿ وقربناه ﴾ حال كونه ﴿ نجياً ﴾ أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة.
وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة "تقرب" وللملائكة "أنهم مقربون".
﴿ ووهبنا له من رحمتنا ﴾ أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون ﴿ أخاه ﴾ بدلاً و ﴿ هرون ﴾ عطف بيان كقولك "رأيت رجلاً أخاك زيداً".
و ﴿ نبياً ﴾ حال من هارون.
قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته.
وذلك بدعاء موسى في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي ﴾ وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به.
وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة.
عن رسول الله أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس.
وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟
فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى.
وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ "بدأ من تعول" ويحسن أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية.
وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة.
وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله.
وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما.
وقيل: "افعيل" من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها.
وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه.
وقيل: إن الله رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت.
وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه.
عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟
فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك.
وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة.
وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها.
﴿ أولئك ﴾ المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم ﴿ الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ "من" للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ﴿ من ذرية آدم ﴾ هي للتبعيض وكذا في قوله: ﴿ وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ﴾ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم وإسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته.
﴿ وممن هدينا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه.
ثم إن جعلت ﴿ الذين ﴾ خبراً ﴿ لأولئك ﴾ كان ﴿ إذا يتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي والفاصل حاصل.
والبكي جمع باكٍ "فعول" كسجود في "ساجد" أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة.
ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً.
عن رسول الله : " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي.
قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود.
فقيل: هو الخشوع والخضوع.
وقيل: الصلاة.
وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به.
ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود.
قال الزجاج: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا متهيئين للسجود.
عن رسول الله : "اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.
وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.
وإن قرأ سجدة "سبحان" قال: اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.
وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك.
ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ وهو عقب السوء كما مر في آخر "الأعراف" فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً، واتباع الشهوات بإزاء البكاء.
عن بان عباس: هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب.
وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير.
وعن علي في قوله: ﴿ واتبعوا الشهوات ﴾ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.
وعن قتادة: هو في هذه الأمة ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد.
وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: ﴿ ويلق أثاماً ﴾ أي مجازاة أثام.
وقيل: غياً من طريق الجنة.
وقيل: هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى تجديد الإيمان.
والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال.
واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير.
وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك.
وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً.
ومعنى ﴿ لا يظلمون شيئاً ﴾ لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب ﴿ شيئاً ﴾ على المصدر أي شيئاً من الظلم.
ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ قد مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن ﴾ وصفها الله بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا.
ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب "التي".
قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة.
ولما ساغ وصفها بـ "التي" ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين.
وقوله: ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى "فاعل"، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته.
وجوز في الكشاف أن يكون من قولك: "أتى إليك إحساناً" أي كان وعده مفعولاً منجزاً.
قوله: ﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في "البقرة" وفي "المائدة" أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم "عتابك السيف".
أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.
وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها.
ثم إنه من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً ﴾ هذا قول الحسن.
ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي.
وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين.
وقوله: ﴿ تلك الجنة التي نورت ﴾ كقوله في "الأعراف" ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ﴾ وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه.
قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر.
وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة.
أنه اتقى الكفر.
سئل ههنا أن قوله : ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ كلام الله وقوله بعده: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما: وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد وهل يجدونه في كتابهم.
فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله.
فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة.
وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه.
فنزل جبرائيل فقال له النبي : "أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك." قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست.
فأنزل الله الآية وأنزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ وسورة الضحى.
ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله عزوجل.
ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا ﴾ من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته.
وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ﴿ وما بين ذلك ﴾ وهو ما بين النفختين أربعون سنة.
وقيل: ما مضى.
من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا.
وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا.
والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره!
وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: ﴿ وما نتنزل ﴾ من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك.
أما قوله: ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ﴿ ما ودّعك ربك وما قلى ﴾ وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته.
وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله خطاباً لرسوله ويتصل به قوله: ﴿ رب السموات والأرض ﴾ أي بل هو ربهما ﴿ وما بينهما فاعبده ﴾ الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد ﴿ واصطبر لعبادته ﴾ لم يقل "على عبادته" لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب "اصطبر لقرنك" أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته.
ثم أكد وجوب عبادته بقوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف.
وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين: أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه.
وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره.
قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ "الرحمن" في سورة تكريره في هذه السورة.
وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية.
التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إنه كان صديقاً ﴾ للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه ﴿ إذ قال لأبيه ﴾ الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس ﴿ فقد جاءني من العلم ﴾ اللدني ﴿ ما لم يأتك ﴾ لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها ﴿ وهبنا له إسحاق ﴾ السر ﴿ ويعقوب ﴾ الخفي ﴿ وناديناه من جانب الطور الأيمن ﴾ أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي هو على أيسر ﴿ وكان يأمر أهله ﴾ أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجهاً يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿ خروا ﴾ بقلوبهم على عتبة العبودية ﴿ سجداً ﴾ بالتسليم للأحكام الأزلية ﴿ وبكياً ﴾ بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة ﴿ عباده بالغيب ﴾ أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ ﴿ ولهم رزقهم ﴾ رؤية الله على ما جاء في الحديث: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً" ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب.
إلا بأمر ربك ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ﴿ فاعبده ﴾ بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك.
﴿ هل تعلم له ﴾ نظيراً في المحبوبية لك.
والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قال: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ ﴾ ، أي: خلف من بعد أولئك الذين وصفهم - عز وجل - بالصلاة لله، والخشوع لله فيها، والبكاء، ﴿ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ، أي: جعلوها لغير الله، وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها، فإذا جعلوها وصرفوها إلى غير الذي يصلي [إليه] أولئك فقد أضاعوها؛ لأنهم كانوا يصلون للأصنام الصلاة التي كان يصلي أولئك لله.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ؛ لأن الصلاة هي آخر ما يترك ويضيع؛ لأنه روي في الخبر أنه قال: "سَيُنقَضُ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوةً فَعُرْوَة، أوَّلُها الأمانة، وآخِرُها الصَّلاَة" وقال بعض أهل التأويل: ﴿ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ، إضاعتها: تأخيرها عن مواقيتها، لا أن تركوها أصلاً، فهذا في أهل الإسلام إن ثبت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ ﴾ ، أي: آثروا الشهوات على العبادات، وجعلوا الشهوات هي المعتمدة دون العبادات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً ﴾ : قال بعضهم: الغي: وادٍ في جهنم، لكن هذا لا يجوز أن يقال إلا بالخبر عن رسول الله أنه قال: واد في جهنم.
وقال بعضهم: الغي: العذاب.
وقال بعضهم: للغي: الشر.
وجائز أن يكون سمي جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا بالغواية باسم أعمالهم: غياً، ويجوز تسمية الجزاء باسم سببه، كقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ ونحوه.
ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ ﴾ عن الشرك، ﴿ وَآمَنَ ﴾ بالله ﴿ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ ، يشبه أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ ، أي: لا ينقصون من حسناتهم التي عملوها في حال إيمانهم لمكان ما عملوا من الأعمال في حال كفرهم، بل يبدل سيئاتهم حسنات على ما أخبر : ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ ، وقال في آية [أخرى]: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ أخبر أنهم إذا آمنوا وانتهوا عن الشرك لا يؤاخذهم بما كان منهم في حال كفرهم، والله أعلم.
ثم بيّن أية جنة، فقال: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، ثم يحتمل إيمانهم بالغيب، أي: بالله آمنوا به بالخبر وإن لم يروه، ويحتمل الغيب: الجنة، أي: صدقوا بها وإن لم يروها والنار والبعث بالغيب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾ أي: كان موعوده آتياً، ولكن ذكر ﴿ مَأْتِيّاً ﴾ ؛ لأن كل من أتاك فقد أتيته، فسمّي لذلك ﴿ مَأْتِيّاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ أي: لا يسمعون باطلاً، ولا ما يكره بعضهم من بعض، ولا ما يأثم بعضهم بعضاً إلا سلاماً، والسلام كأنه اسم كل خير وبركة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .
قال الحسن: إن أطيب العيش وأحبّه إلى العرب الغداء والعشاء، فأخبرهم الله - عز وجل - أن لهم في الجنة الغداء والعشاء، وأطيب العيش إلى العجم لباس الحرير واللؤلؤ، فأعلمهم أن لهم في الجنة ذلك بقوله: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ .
ويقول أهل التأويل: ليس في الجنة بكرة ولا عشي، ولا ليل ولا نهار، ولكن يؤتون على ما يحبون من البكرة والعشي.
عن ابن عباس قال: على مقادير الليل والنهار.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ ليس على تخصيص وقت دون وقت، ولكن الأوقات كلها في كل وقت يحبون ويشتهون، كقوله: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ ﴾ ، ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ .
ويخرج ذكر البكرة والعشي: أن زمان الجنة يكون مشبهاً البكرة من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ومثل الوقت الذي يكون بعد غروب الشمس إلى أن يظلم؛ لأنه أخبر أن ظله ممدود بقوله: ﴿ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ ﴾ .
ثم أخبر أن تلك الجنة التي ذكر أن فيها كذا هي ﴿ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً ﴾ يحتمل أن يكون وعد الجنة للبشر كلهم بشرائط شرط عليهم، إن وفوا بها فلهم الجنة جميعاً، وإن لم يفوا بها فلا، فمن وفى بشرائطه التي شرط يجعل الذي كان وعد للذي لم يف - إذا وفى - للذي وفي بذلك، فهو الميراث الذي ذكر، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ...
﴾ الآية [المؤمنون: 10-11]، والوارث هو الباقي من المورث والخلف عن الميت.
وقوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ : قال بعضهم: الخلف - بالجزم - يستعمل في موضع الذم، والخلف بالتحريك والنصب في موضع الحمد.
وقال بعضهم: هما سواء، ويستعملان جميعاً في موضع واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ .
هذا الكلام منه لا يكون إلا عن سؤال كان منه، كأنه قد كان استبطأ نزول جبريل عليه، فعند ذلك قال له: إنا لا نتنزل إلا بأمر ربك.
ثم فيه أنه لم يقل ذلك له إلا بأمر الله؛ لأن الله أخبر أنهم: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ : فلا يحتمل أن يقول له ذلك من تلقاء نفسه؛ فيجعل ذلك آية في كتاب الله تتلى.
قوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ .
كأن هذا الكلام موصول بقوله: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ ؛ لأنهما جميعاً كانا يعلمان أن له ما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك؛ فدل ذلك أنه موصول بالأوّل، وجهة الصلة بالأوّل هو أن يقال: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ ، لا نتقدم إلا بأمره، ولا نتأخر ولا نعمل شيئاً إلاّ بأمره، وهو كقوله: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .
وأمّا غيره من أهل التأويل اختلفوا فيه: [قال بعضهم]: قوله: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ﴾ : هو الآخرة، ﴿ وَمَا خَلْفَنَا ﴾ : ما مضى من الدنيا، ﴿ وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ : الحال التي نحن فيها.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ﴾ : الدنيا، ﴿ وَمَا خَلْفَنَا ﴾ : الآخرة، ﴿ وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ : ما بين النفختين، وأمثال هذا، لكن الذي ذكرنا بدءاً أولى وأشبه؛ إذ هو على الصلة بالأوّل؛ إذ لا يتقدم ولا يتأخر ولا يعمل شيئاً إلا بأمره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ .
هذا يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: ما قال بعض أهل التأويل: إن جبريل قد كان احتبس عنه زماناً، فقال أهل مكة: قد ودعه ربّه وقلاه؛ فنزل: ﴿ وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ﴾ على ما قال المشركون، فيخرج على هذا قوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ على الترك، أي: ما كان ربك تركك لما قال أولئك من التوديع والقلى.
ويحتمل: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ كملوك الأرض يطلب خدمهم وخولهم وقت سهوهم وحالة غفلتهم، فيقضون حوائجهم وحوائج من يطلب منهم القيام بها، أي: ما كان ربك بالذي يسهو ويغفل كملوك الأرض.
والثالث: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ بتأخير نزوله عن وقت النزول، بل أنزل عليك في الوقت الذي هو وقت النزول.
فهذان الوجهان يخرجان على السهو والغفلة، والأول على الترك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾ .
أي: اصبر نفسك عليها وعلى طاعته.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: ما تعلم له شريكاً تشتغل بعبادته عن عبادة الله، إنما هو إله واحد، لا راحة لك عن عبادته ولا ما يشغلك عنه.
وقال بعض أهل التأويل: هل تعلم أحداً اسمه: (الله) سواه؟!
وقال بعضهم: هل تعلم له مثلاً وشبيهاً؟!
<div class="verse-tafsir"
ويقول الكافر المنكر للبعث؛ استهزاء: أإذا متّ فإني سوف أخرج من قبري حيًّا حياة ثانية؟!
إن هذا لبعيد.
<div class="verse-tafsir" id="91.R3L0G"