الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٧٠ من سورة مريم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 95 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٧٠ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا ) " ثم " هاهنا لعطف الخبر على الخبر ، والمراد أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم ويخلد فيها ، وبمن يستحق تضعيف العذاب ، كما قال في الآية المتقدمة : ( قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون )
يقول تعالى ذكره: ثم لنحن أعلم من هؤلاء الذين ننـزعهم من كلّ شيعة أولاهم بشدّة العذاب، وأحقهم بعظيم العقوبة.
وذكر عن ابن جريج أنه كان يقول في ذلك ما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ( ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ) قال: أولى بالخلود في جهنم.
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله ابن جريج، قول لا معنى له، لأن الله تعالى ذكره أخبر أن الذين ينـزعهم من كلّ شيعة من الكفرة أشدّهم كفرا، ولا شكّ أنه لا كافر بالله إلا مخلَّد في النار، فلا وجه، وجميعهم مخلدون في جهنم، لأن يقال: ثم لنحن أعلم بالذين هم أحقّ بالخلود من هؤلاء المخلدين، ولكن المعنى في ذلك ما ذكرنا.
وقد يحتمل أن يكون معناه: ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى ببعض طبقات جهنم صليا.
والصلّي: مصدر صليت تصلي صليا، والصليّ: فعول، ولكن واوها انقلبت ياء فأدغمت في الياء التي بعدها التي هي لام الفعل، فصارت ياء مشدّدة.
ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا أي أحق بدخول النار .
يقال : صلى يصلى صليا ، نحو مضى الشيء يمضي مضيا إذا ذهب وهوى يهوي هويا ، وقال الجوهري : ويقال صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار ، وجعلته يصلاها ، فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الإحراق قلت : أصليته بالألف وصليته تصلية وقرئ ( ويصلى سعيرا ) ومن خفف فهو من قولهم : صلي فلان بالنار ( بالكسر ) يصلى صليا احترق قال الله تعالى هم أولى بها صليا قال العجاج :والله لولا النار أن نصلاهاويقال أيضا : صلي بالأمر إذا قاسى حره وشدته .
قال الطهوي :ولا تبلى بسالتهم وإن هم صلوا بالحرب حينا بعد حينواصطليت بالنار وتصليت بها قال أبو زبيد :وقد تصليت حر حربهم كما تصلى المقرور من قرسوفلان لا يصطلى بناره إذا كان شجاعا لا يطاق .
{ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا } أي: علمنا محيط بمن هو أولى صليا بالنار، قد علمناهم، وعلمنا أعمالهم واستحقاقها وقسطها من العذاب.
( ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا ) أي : أحق بدخول النار يقال : صلي يصلى صليا ، مثل : لقي يلقى لقيا وصلى يصلي صليا ، مثل : مضى يمضي مضيا إذا دخل النار وقاسى حرها .
«ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها» أحق بجهنم الأشد وغيره منهم «صليا» دخولا واحتراقا فنبدأ بهم وأصله صلوي من صلي بكسر اللام وفتحها.
ثم لنحن أعلم بالذين هم أَوْلى بدخول النار ومقاساة حرها.
وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً ) بيان لشمول علمه - تعالى - بأحوال هؤلاء الجاحدين ، وبأحوال غيرهم .و ( صِلِيّاً ) مصدر صلى النار - كرضى - يصلاها صليا - بكسر الصاد وضمها - إذا ذاق حرها ، واكتوى بها .أى : ثم لنحن أعلم من كل أحد سوانا ، بالذين هم أحق بجهنم ، وباصطلاء نارها ، وبالاكتواء بحرها وسعيرها ، لأننا لا يخفى علينا شىء من أحوال خلقنا وسنجازى المتقين بما يستحقون من خير وثواب ، وسنجازى الجاحدين بما يستحقون من إهانة وعذاب .
اعلم أنه تعالى لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها فكأن سائلاً سأل وقال هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأما في الآخرة فقد أنكرها قوم فلابد من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى يظهر أن الاشتغال بالعبادة مفيد فلهذا حكى الله تعالى قول منكري الحشر فقال: ﴿ وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ وإنما قالوا ذلك على وجه الإنكار والاستبعاد، وذكروا في الإنسان وجهين: أحدهما: أن يكون المراد الجنس بأسره فإن قيل كلهم غير قائلين بذلك فكيف يصح هذا القول؟
قلنا الجواب من وجهين: الأول: أن هذه المقالة لما كانت موجودة فيما هو من جنسهم صح إسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل رجل منهم.
والثاني: أن هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلا أن بعضهم ترك ذلك الاستبعاد المبني على محض الطبع بالدلالة القاطعة التي قامت على صحة القول به.
الثاني: أن المراد بالإنسان شخص معين فقيل: هو أبو جهل، وقيل: هو أبي بن خلف، وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث، ثم إن الله تعالى أقام الدلالة على صحة البعث بقوله: ﴿ أَوْ لاَ يَذْكُرُ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾ والقراء كلهم على ﴿ يُذْكَرِ ﴾ بالتشديد إلا نافعاً وابن عامر وعاصماً فقد خففوا، أي أو لا يتذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل وإذا قرئ أو لا يذكر فهو أقرب إلى المراد إذ الغرض التفكر والنظر في أنه إذا خلق من قبل لا من شيء فجائز أن يعاد ثانياً.
قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار لما قدروا عليها إذ لا شك أن الإعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ وقوله: ﴿ وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء وهو ضعيف لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض وهذا المجموع ما كان شيئاً، ولكن لم قلت إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئاً قبل كونه موجوداً؟
فإن قيل: كيف أمر تعالى الإنسان بالذكر مع أن الذكر هو العلم بما قد علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟
قلنا: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرئ أو لا يذكر الإنسان بالتشديد أما إذا قرئ أو لا يذكر بالتخفيف فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأن كل أحد يعلم أنه لم يكن حياً في الدنيا ثم صار حياً، ثم إنه سبحانه لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتهديد من وجوه: أحدها: قوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين ﴾ وفائدة القسم أمران: أحدهما: أن العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين.
والثاني: أن في إقسام الله تعالى باسمه مضافاً إلى اسم رسوله صلى الله عليه وسلم تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم ورفع منه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: ﴿ فَوَرَبّ السماء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ والواو في ﴿ الشياطين ﴾ ويجوز أن تكون للعطف وأن تكون بمعنى مع وهي بمعنى مع أوقع، والمعنى أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة.
وثانيها: قوله: ﴿ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً ﴾ وهذا الإحضار يكون قبل إدخالهم جهنم ثم إنه تعالى يحضرهم على أذل صورة لقوله تعالى: ﴿ جِثِيّاً ﴾ لأن البارك على ركبتيه صورته صورة الذليل أو صورته صورة العاجز، فإن قيل هذا المعنى حاصل للكل بدليل قوله تعالى: ﴿ وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ﴾ والسبب فيه جريان العادة أن الناس في مواقف المطالبات من الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من الاستنظار والقلق، أو لما يدهمهم من شدة الأمر الذي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم، وإذا كان هذا عاماً للكل فكيف يدل على مزيد ذل الكفار؟
قلنا: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحالة وذلك يوجب مزيد الذل في حقهم.
وثالثها: قوله: ﴿ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً ﴾ والمراد بالشيعة وهي فعلة كفرقة وفئة الطائفة التي شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا ﴾ والمراد أنه تعالى يحضرهم أولا حول جهنم جثياً ثم يميز البعض من البعض فمن كان أشدهم تمرداً في كفره خص بعذاب أعظم لأن عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد وليس عذاب من يورد الشبه في الباطل كعذاب من يقتدي به مع الغفلة قال تعالى: ﴿ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾ .
وقال: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ فبين تعالى أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد عتواً وأشد تمرداً ليعلم أن عذابه أشد، ففائدة هذا التمييز التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: ﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً ﴾ ولا يقال أولى إلا مع اشتراك القوم في العذاب، واختلفوا في إعراب أيهم فعن الخليل أنه مرتفع على الحكاية تقديره لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد وسيبويه على أنه مبني على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلة حتى لو جيء به لأعرب وقيل أيهم هو أشد.
<div class="verse-tafsir"
في إقسام الله تعالى باسمه تقدست أسماؤه مضافاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: تفخيم لشأن رسول الله ورفع منه، كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله تعالى: ﴿ فَوَرَبّ السماء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ [الذاريات: 23] والواو في ﴿ والشياطين ﴾ يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى مع، وهي بمعنى (مع) أوقع.
والمعنى: أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم، يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة.
فإن قلت: هذا إذا أريد بالإنسان الكفرة خاصة، فإن أريد الأناسيّ على العموم فكيف يستقيم حشرهم مع الشياطين؟
قلت: إذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين.
فقد حشروا مع الشياطين كم حشروا الكفرة.
فإن قلت: هلا عزل السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عزلوا عنهم في الجزاء؟
قلت: لم يفرّق بينهم وبينهم في المحشر، وأحضروا حيث تجاثوا حول جهنم، وأوردوا معهم النار ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم الله منها وخلصهم، فيزدادوا لذلك غبطة إلى غبطة وسروراً إلى سرور، ويشمتوا بأعداء الله وأعدائهم، فتزداد مساءتهم وحسرتهم وما يغيظهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم.
فإن قلت: ما معنى إحضارهم جثياً؟
قلت: أما إذا فسر الإنسان بالخصوص، فالمعنى أنهم يقبلون من المحشر إلى شاطئ جهنم عتلا على حالهم التي كانوا عليها في الموقف، جثاة على ركبهم، غير مشاة على أقدامهم، وذلك أن أهل الموقف وصفوا بالجثوّ.
قال الله تعالى: ﴿ وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ﴾ [الجاثية: 28] على العادة المعهودة في مواقف المقاولات والمناقلات، من تجاثي أهلها على الركب، لما في ذلك من الاستيفاز والقلق وإطلاق الحبا وخلاف الطمأنينة.
أو لما يدهمهم من شدّة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم، فيحبون على ركبهم حبواً.
وإن فسر بالعموم، فالمعنى أنهم يتجاثون عند موافاة شاطيء جهنم، على أن (جثياً) حال مقدرة كما كانوا في الموقف متجاثين؛ لأنه من توابع التواقف للحساب قبل التوصل إلى الثواب والعقاب والمراد بالشيعة- وهي (فعلة) كفرقة وفتية- الطائفة التي شاعت، أي تبعت غاوياً من الغواة.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا ﴾ [الأنعام: 159] يريد: نمتاز من كل طائفة من طوائف الغيّ والفساد أعصاهم فأعصاهم، وأعتاهم فأعتاهم.
فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب.
نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم.
أو أراد بالذين هم أولى به صلياً: المنتزعين كما هم، كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء، وهم أولى بالصلي من بين سائر الصالين، ودركاتهم أسفل، وعذابهم أشدّ.
ويجوز أن يريد بأشدّهم عتياً: رؤساء الشيع وأئمتهم، لتضاعف جرمهم بكونهم ضلالاً ومضلين.
قال الله تعالى: ﴿ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾ [النحل: 88] ، ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ [العنكبوت: 13] واختلف في إعراب ﴿ أَيُّهُمْ أَشَدُّ ﴾ فعن الخليل أنه مرتفع على الحكاية.
تقديره: لننزعنّ الذين يقال فيهم أيهم أشد، وسيبويه على أنه مبني على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلته، حتى لو جيء به لأعرب.
وقيل: أيهم هو أشد.
ويجوز أن يكون النزع واقعاً على ﴿ مِن كُلِّ شِيعَةٍ ﴾ ، كقوله سبحانه: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا ﴾ [مريم: 50] أي لننزعن بعض كل شيعة، فكأنّ قائلاً قال: من هم؟
فقيل: أيهم أشد عتياً.
وأيهم أشد: بالنصب عن طلحة بن مصرِّف وعن معاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء.
فإن قلت: بم يتعلق على والباء، فإنّ تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه؟
قلت: هما للبيان لا الصلة.
أو يتعلقان بأفعل، أي: عتوّهم أشدّ على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ ﴾ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شاعَتْ دِينًا.
﴿ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ﴾ مَن كانَ أعْصى وأعْتى مِنهم فَنَطْرَحُهم فِيها، وفي ذِكْرِ الأشَدِّ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو كَثِيرًا مِن أهْلِ العِصْيانِ ولَوْ خَصَّ ذَلِكَ بِالكَفَرَةِ فالمُرادُ أنَّهُ يُمَيِّزُ طَوائِفَهم أعْتاهم فَأعْتاهم ويَطْرَحُهم في النّارِ عَلى التَّرْتِيبِ، أوْ يُدْخِلُ كُلًّا طَبَقَتَها الَّتِي تَلِيقُ بِهِ، و ﴿ أيُّهُمْ ﴾ مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ عِنْدَ سِيبَوَيْهَ لِأنَّ حَقَّهُ أنْ يُبْنى كَسائِرِ المَوْصُولاتِ، لَكِنَّهُ أُعْرِبَ حَمْلًا عَلى ( كُلِّ ) وبَعْضٍ لِلُزُومِ الإضافَةِ وإذا حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِهِ زادَ نَقْصُهُ فَعادَ إلى حَقِّهِ مَنصُوبَ المَحَلِّ بِنَنْزِعَنَّ، ولِذَلِكَ قُرِئَ مَنصُوبًا ومَرْفُوعٌ عِنْدَ غَيْرِهِ إمّا بِالِابْتِداءِ عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامِيٌّ وخَبَرُهُ ﴿ أشَدُّ ﴾ ، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ الَّذِينَ يُقالُ فِيهِمْ أيُّهم أشَدُّ، أوْ مُعَلَّقٌ عَنْها لَنَنْزِعَنَّ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّمْيِيزِ اللّازِمِ لِلْعِلْمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ والفِعْلُ واقِعٌ عَلى ﴿ مِن كُلِّ شِيعَةٍ ﴾ عَلى زِيادَةِ مِن أوْ عَلى مَعْنى لَنَنْزِعَنَّ بَعْضَ كُلِّ شِيعَةٍ، وإمّا بِشِيعَةٍ لِأنَّها بِمَعْنى تَشَيُّعٍ وعَلى لِلْبَيانِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِافْعَلْ وكَذا الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا ﴾ أيْ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِالصِّلِيِّ، أوْ صِلِيُّهم أوْلى بِالنّارِ.
وهُمُ المُنْتَزَعُونَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمْ وبِأشَدِّهِمْ عِتِيًّا رُؤَساءُ الشِّيَعِ فَإنَّ عَذابَهم مُضاعَفٌ لِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿ صِلِيًّا ﴾ بِكَسْرِ الصّادِ.
<div class="verse-tafsir"
{ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا} أحق بالنار {صليا} تمييز أي دخولا والباء تتعلق بأولى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا ﴾ فالمُرادُ بِالَّذِينِ هم أوْلى المُنْتَزِعُونَ بِاعْتِبارِ التَّرْتِيبِ، وقَدْ يُرادُ بِهِمْ أُولَئِكَ بِاعْتِبارِ المَجْمُوعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِتَصْلِيَةِ هَؤُلاءِ وهم أوْلى بِالصِّلِيِّ مِن بَيْنِ سائِرِ الصّالِّينَ ودَرَكاتُهم أسْفَلُ وعَذابُهم أشَدُّ فَفي الكَلامِ إقامَةُ المُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ النَّزْعَ بِالرَّمْيِ مِن نَزَعْتُ السَّهْمَ عَنِ القَوْسِ أيْ رَمْيَتُهُ، فالمَعْنى لَنَرْمِيَنَّ فِيها الأعْصى فالأعْصى مِن كُلِّ طائِفَةٍ مِن تِلْكَ الطَّوائِفِ ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِتَصْلِيَتِهِمْ وحَمْلِ الآيَةِ عَلى البَدْءِ بِالأشَدِّ فالأشَدِّ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِأشَدِّهِمْ عِتِيًّا رُؤَساءُ الشِّيَعِ وأئِمَّتُهم لِتَضاعُفِ جُرْمِهِمْ بِكَوْنِهِمْ ضُلّالًا مُضِلِّينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ﴾ ، ﴿ ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهُمْ ﴾ .
وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ وعَلَيْهِ لا يَجِبُ الِاسْتِمْرارُ والإحاطَةُ.
وأوْرَدَ عَلى القَوْلِ بِالعُمُومِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهُمْ ﴾ يَقْتَضِي اشْتِراكَ الكُلِّ في العِتِيِّ بَلْ في أشَدِّيَّتِهِ وهو لا يُناسِبُ المُؤْمِنِينَ، وأُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ مِن نِسْبَةِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ، والتَّفْضِيلُ عَلى طائِفَةٍ لا يَقْتَضِي مُشارَكَةَ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَإذا قُلْتَ: هو أشْجَعُ العَرَبِ لا يَلْزَمُهُ وُجُودُ الشَّجاعَةِ في جَمِيعِ أفْرادِهِمْ، وعَلى هَذا يَكُونُ في الآيَةِ إيماءٌ إلى التَّجاوُزِ عَنْ كَثِيرٍ حَيْثُ خُصَّ العَذابُ بِالأشَدِّ مَعْصِيَةً، (وأيُّهُمْ) مَفْعُولُ (لَنَنْزِعَنَّ) وهو اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ مَحَلُّهُ النَّصْبُ (وأشَدُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أشَدُّ والجُمْلَةُ صِلَةٌ والعائِدُ المُبْتَدَأُ و ﴿ عَلى الرَّحْمَنِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأشَدُّ (وعِتِيًّا) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ المُبْتَدَأِ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ جَمْعٌ جَعَلَهُ حالًا، وجُوِّزَ في الجارِّ أنْ يَكُونَ لِلْبَيانِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كَما في سَقْيًا لَكَ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِعِتِيًّا، أمّا إنْ كانَ وصْفًا فَبِالِاتِّفاقِ، وأمّا إذا كانَ مَصْدَرًا فَعِنْدَ القائِلِ بِجَوازِ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ لا سِيَّما إذا كانَ ظَرْفًا، وكَذا الكَلامُ في (بِها) مِن قَوْلِهِ ﴿ هم أوْلى بِها صِلِيًّا ﴾ فَإنَّهُ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ لِلْبَيانِ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأوْلى وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بَصَلِيًّا، وقَدْ قُرِئَ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، وجُوِّزَ فِيهِ المَصْدَرِيَّةُ والوَصْفِيَّةُ، وهو عَلى الوَصْفِيَّةِ حالٌ وعَلى المَصْدَرِيَّةِ تَمْيِيزٌ عَلى طَرْزِ ما قِيلَ في (عِتِيًّا) إلّا أنَّهُ جُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنِ النِّسْبَةِ بَيْنَ (أوْلى) والمَجْرُورِ وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ فِيما مَرَّ.
والصِّلِيُّ مِن صَلِيَ النّارَ كَرَضِيَ وبِها قاسى حَرَّها، وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ صَلِيَ بِالنّارِ وبِكَذا أيْ بَلِيَ بِهِ، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ فَسَّرَ الصِّلِيَّ بِالدُّخُولِ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالخُلُودِ، ولَيْسَ كُلٌّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ بِحَقِيقِيٍّ لَهُ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِن بِناءِ- أيُّ- هُنا هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وكانَ حَقُّها أنْ تُبْنى في كُلِّ مَوْضِعٍ كَسائِرِ المَوْصُولاتِ لِشَبَهِها الحَرْفَ بِافْتِقارِها لِما بَعْدَها مِنَ الصِّلَةِ لَكِنَّها لَمّا لَزِمَتِ الإضافَةَ إلى المُفْرَدِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا وهي مِن خَواصِّ الأسْماءِ بَعْدَ الشَّبَهِ فَرَجَعَتْ إلى الأصْلِ في الأسْماءِ وهو الإعْرابُ ولِأنَّها إذا أُضِيفَتْ إلى نَكِرَةٍ كانَتْ بِمَعْنى كُلٍّ وإذا أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ كانَتْ بِمَعْنى بَعْضٍ فَحُمِلَتْ في الإعْرابِ عَلى ما هي بِمَعْناهُ وعادَتْ هُنا عِنْدَهُ إلى ما هو حَقُّ المَوْصُولِ وهو البِناءُ لِأنَّهُ لَمّا حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها ازْدادَ نَقْصُها المَعْنَوِيُّ وهو الإبْهامُ والِافْتِقارُ لِلصِّلَةِ بِنَقْصِ الصِّلَةِ الَّتِي هي كَجُزْئِها فَقَوِيَتْ مُشابَهَتُها لِلْحَرْفِ، ولَمْ يَرْتَضِ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ.
قالَ أبُو عَمْرٍو الجَرْمِيُّ: خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ فَلَمْ أسْمَعْ مُنْذُ فارَقْتُ الخَنْدَقَ إلى مَكَّةَ أحَدًا يَقُولُ: لَأضْرِبَنَّ أيُّهم قائِمٌ بِالضَّمِّ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: ما عَلِمْتُ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا وقَدْ خَطَّأ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ما تَبَيَّنَ أنَّ سِيبَوَيْهَ غَلِطَ في كِتابِهِ إلّا في مَوْضِعَيْنِ هَذا أحَدُهُما، فَإنَّهُ يَقُولُ بِإعْرابِ أيِّ إذا أُفْرِدَتْ عَنِ الإضافَةِ فَكَيْفَ يَبْنِيها إذا أُضِيفَتْ.
وقَدْ تَكَلَّفَ شَيْخُنا عَلاءُ الدِّينِ أعْلى اللَّهُ تَعالى مَقامَهُ في عِلِّيِّينَ لِلذَّبِّ عَنْ سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ بِما لا يَفِي بِمُؤْنَةِ نَقْلِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا بَعْضًا مِنهُ في حَواشِينا عَلى شَرْحِ القَطْرِ لِلْمُصَنِّفِ.
نَعَمْ يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ مِنَ المَفْعُولِيَّةِ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصْرِّفٍ ومُعاذِ بْنِ مُسْلِمٍ الهَرّاءِ أُسْتاذِ الفَرّاءِ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ أيَّهم بِالنَّصْبِ لَكِنَّها تَرُدُّ ما نُقِلَ عَنْهُ مِن تَحَتُّمِ البِناءِ إذا أُضِيفَتْ وحُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها، ويَنْبَغِي إذا كانَ واقِفًا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَقُولَ بِجَوازِ الأمْرَيْنِ فِيها حِينَئِذٍ، وقالَ الخَلِيلُ: مَفْعُولُ نَنْزِعَنَّ مَوْصُولٌ مَحْذُوفٌ وأيُّ هُنا اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وأشَدُّ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ وقَعَ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ المَحْذُوفِ أيْ لَنَنْزِعَنَّ الَّذِينَ يُقالُ فِيهِمْ: أيُّهم أشَدُّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِجَعْلِ ( النَّزْعِ ) لِمَن يَسْألُ عَنْهُ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مَجازٌ عَنْ تَقارُبِ أحْوالِهِمْ وتَشابُهِها في العُتُوِّ حَتّى يَسْتَحِقَّ أنْ يُسْألَ عَنْها أوِ المُرادُ الَّذِينَ يُجابُ بِهِمْ عَنْ هَذا السُّؤالِ، وحاصِلُهُ لَنَنْزِعَنَّ الأشَدَّ عِتِيًّا وهو مَعَ تَكَلُّفِهِ فِيهِ حَذْفُ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ الصِّلَةِ وهو تَكَلُّفٌ عَلى تَكَلُّفٍ ومِثْلُهُ لا يَنْقاسُ، نَعَمْ مِثْلُهُ في الحَذْفِ عَلى ما قِيلَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ولَقَدْ أبِيتُ مِنَ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ وذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ إلى ما قالَهُ الخَلِيلُ إلّا أنَّهُما جَعَلا الجُمْلَةَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَنْزِعَنَّ، والمُرادُ لَنَنْزِعَنَّ مَن يَقَعُ في جَوابِ هَذا السُّؤالِ، والفِعْلُ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِفْهامِ، وساغَ تَعْلِيقَهُ عِنْدَهُما لِأنَّ المَعْنى لَنُنادِيَنَّ وهُما يَرَيانِ تَعْلِيقَ النِّداءِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أفْعالِ القُلُوبِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبِ المَهْدَوِيُّ، وقِيلَ: لَمّا كانَ النَّزْعُ مُتَضَمِّنًا مَعْنى الإفْرازِ والتَّمْيِيزِ وهو مِمّا يَلْزَمُهُ العَلَمُ عُومِلَ مُعامَلَةَ العَلَمِ فَساغَ تَعْلِيقُهُ.
ويُونُسُ لا يَرى التَّعْلِيقَ مُخْتَصًّا بِصِنْفٍ مِنَ الأفْعالِ بَلْ سائِرُ أصْنافِها سَواءٌ في صِحَّةِ التَّعْلِيقِ عِنْدَهُ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ والفِعْلُ واقِعٌ عَلى ﴿ كُلِّ شِيعَةٍ ﴾ عَلى زِيادَةِ مِن في الإثْباتِ كَما يَراهُ الأخْفَشُ أوْ عَلى مَعْنى لِنَنْزِعَنَّ بَعْضَ كُلِّ شِيعَةٍ بِجَعْلِ (مِن) مَفْعُولًا لِتَأْوِيلِها بِاسْمٍ، ثُمَّ إذا كانَ الِاسْتِئْنافُ بَيانِيًّا واقِعًا في جَوابِ مَنِ المَنزُوعُونَ؟
احْتِيجَ إلى التَّأْوِيلِ كَأنْ يُقالَ: المُرادُ الَّذِينَ يَقَعُونَ في جَوابِ: أيُّهم أشَدُّ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وإذا كانَتْ أيُّ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ ووُقُوعِ الفِعْلِ عَلى ما ذُكِرَ مَوْصُولَةٌ لَمْ يَحْتَجْ إلى التَّأْوِيلِ إلّا أنَّ في القَوْلِ بِالِاسْتِئْنافِ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ مِن كَوْنِ الكَلامِ جُمْلَةً واحِدَةً إلى خِلافِ الظّاهِرِ مِن كَوْنِهِ جُمْلَتَيْنِ.
ونَقَلَ بَعْضُهم عَنِ المِبْرَدِ أنَّ (أيُّهُمْ) فاعِلُ (شِيعَةٍ) لِأنَّ مَعْناهُ يَشِيعُ، والتَّقْدِيرُ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ فَرِيقٍ يَشِيعُ أيُّهم هو أشَدُّ، وأيُّ عَلى هَذا عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ.
ونُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ بِمَعْنى الَّذِي، وفي البَحْرِ قالَ المُبَرِّدُ: أيُّهم مُتَعَلِّقٌ بِشِيعَةٍ فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ، والمَعْنى أنَّ الَّذِينَ تَشايَعُوا أيُّهم أشَدُّ كَأنَّهم يَتَبادَرُونَ إلى هَذا، ويَلْزَمُهُ أنْ يُقَدِّرَ مَفْعُولًا لِنَنْزِعَنَّ مَحْذُوفًا، وقُدِّرَ أيْضًا في هَذا المَذْهَبِ مِنَ الَّذِينَ تَشايَعُوا أيُّهم أشَدُّ عَلى مَعْنى مِنَ الَّذِينَ تَعاوَنُوا فَنَظَرُوا أيُّهم أشَدُّ، قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ انْتَهى، وهو خِلافُ ما نُقِلَ أوَّلًا، ولَعَمْرِي إنَّ ما نُسِبَ إلى المُبَرِّدِ أوَّلًا وأخِيرًا أبْرَدُ مِن يَخٍ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ اسْتِفْهامِيَّةٌ وقَعَتْ صِفَةً لِشِيعَةٍ عَلى مَعْنى لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ مَقُولٌ فِيهِمْ أيُّهم أشَدُّ أيْ مِن كُلِّ شِيعَةٍ مُتَقارِبِي الأحْوالِ، ومِن مَزِيدَةٌ والنَّزْعُ الرَّمْيُ، وحَكى أبُو بَكْرِ بْنُ شُقَيْرٍ أنَّ بَعْضَ الكُوفِيِّينَ يَقُولُ: في أيِّهِمْ مَعْنى الشَّرْطِ تَقُولُ: ضَرَبْتُ القَوْمَ أيُّهم غَضِبَ، والمَعْنى إنْ غَضِبُوا أوْ لَمْ يَغْضَبُوا قالَ أبُو حَيّانَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّقْدِيرُ هُنا إنِ اشْتَدَّ عُتُوُّهم أوْ لَمْ يَشْتَدَّ انْتَهى وهو كَما تَرى، والوَجْهُ الَّذِي يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ ويُساعِدُهُ اللَّفْظُ، والمَعْنى هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ومَدارُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ في أيٍّ مِنَ الإعْرابِ والبِناءِ هو المُساعُ في الحَقِيقَةِ، وتَعْلِيلاتُ النَّحْوِيِّينَ عَلى ما فِيها إنَّما هي بَعْدَ الوُقُوعِ، وعَدَمِ سَماعٍ لا يَقْدَحُ في سَماعِهِ فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: خالق السموات والارض وَما بَيْنَهُما من الخلق، ويقال: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مالكهما وعالم بهما وما فيهما.
فَاعْبُدْهُ أي: أطعه وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ يعني: احبس نفسك على عبادته هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا يعني: هل تعلم أحداً يسمى الله سوى الله؟
وهل تعلم أحداً يسمى الرحمن سواه؟
ويقال: هل تعلم أحداً يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما كان وبما يكون؟
قوله عز وجل: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ يعني: أبي بن خلف أَإِذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا للبعث على معنى الاستفهام، قال الله عزّ وجلّ: أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ يعني: أو لا يتعظ ويعتبر أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً قرأ: نافع وعاصم وابن عامر أَوَلا يَذْكُرُ بجزم الذال مع التخفيف يعني: أو لا يعلم، والباقون أَوَلا يَذْكُرُ، بنصب الذال والتشديد.
ثم قال عز وجل: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ أقسم الرب بنفسه ليبعثنهم وليجمعنهم، يعني: الذين أنكروا البعث.
وَالشَّياطِينَ يعني الشياطين قرناءهم ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ يعني: لنجمعنهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا يعني: جميعاً.
قال أهل اللغة: الجثيُّ جمع جَاثِي، مثل بارِك وبرك، وساجد وسجد، وقاعد وقعد، أي على ركبهم ولا يقدرون على القيام.
قال الزجاج: الأصل ضمّ الجيم، وجاز كسرها إتباعاً لكسر التاء، وهو نصب على الحال.
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ يعني: لنخرجن مِن كُلّ شِيعَةٍ يعني: من أهل كل دين أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا يعني: جرأة على الله عز وجل، وهم القادة في الكفر وساداتهم، نبدأ بهم فنعذبهم فِي النَّارِ.
وروي عن سفيان عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص في قوله أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا قال: يبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً.
قوله عز وجل: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا أي: أحق بالنار دخولاً.
<div class="verse-tafsir"
قال القُشَيْرِيُّ في «التحبير» : قولهُ تعالى: وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ: الاصْطبارُ: نهايةُ الصَّبْرِ، ومَنْ صَبَر ظَفَرَ، ومَنْ لاَزَمَ وَصَلَ وفي مَعْناه أَنْشدُوا: [البَسيط] .
[لاَ تَيْئَسَنَّ وَإنْ طَالَتْ مُطَالَبَةٌ ...
إذَا استعنت بِصَبْرٍ أَنْ ترى فَرَجَا] «١»
أَخْلِقْ بِذِي الصَّبْرِ أَنْ يحظى بِحَاجَتِه ...
وَمُدْمِنِ الْقَرْعِ لِلأَبْوَابِ أَنْ يَلجَا
وأَنشدوا: [البسيط]
إنِّي رَأَيْتُ وَفِي الأَيَّامِ تَجْرِبَةٌ ...
لِلصَّبْرِ عَاقِبَةً مَحْمُودَةَ الأَثَرِ
وَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي شَيْءٍ يُحَاوِلُهُ «٢» ...
واستصحب الصَّبْرَ إلاَّ فَازَ بالظَّفَرِ
انتهى.
وقال ابنُ عباسٍ، وغيرُه: سَمِيًّا معناه: مَثِيلاً، أَو شَبِيهاً، ونحو ذلك «٣» وهذا قوْلٌ حَسَنٌ، وكأن السمي بمعنى: المسامي، والمضاهي فهو من السموّ.
وقوله تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، الإنسان: اسمُ جِنْس يرادُ به الكافرون «٤» ، وروي أَنَّ سببَ نزُولِ هذه الآية هو: أَن رجالاً من قريشٍ كانُوا يقولون هذا ونحوه، وذكر: أَن القائِلَ هو أُبيُّ بْنُ خَلَفٍ.
ورُوِي «٥» أَن القائل هو العَاصِي بْنُ وَائِل، وفي قوله تعالى: وَلَمْ يَكُ شَيْئاً دَلِيلٌ على أَنَّ المعدومَ لا يسمى شَيْئاً.
وقال أَبو علي الفارسي: أراد شيئا موجودا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ ذَكَرَهم مِنَ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ يَعْنِي: إدْرِيسَ، ﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ يَعْنِي: إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ مِن ولَدِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ يُرِيدُ: إسْماعِيلَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، ﴿ وَإسْرائِيلَ ﴾ يَعْنِي: ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ، وهم مُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنا ﴾ ؛ أيْ: هَؤُلاءِ كانُوا مِمَّنْ أرْشَدْنا، ﴿ واجْتَبَيْنا ﴾ ؛ أيْ: واصْطَفَيْنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَرُّوا سُجَّدًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ سُجَّدًا ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، المَعْنى: خَرُّوا مُقَدِّرِينَ السُّجُودَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في حالِ خُرُورِهِ لا يَكُونُ ساجِدًا، فَـ " سُجَّدًا " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهو جَمْعُ ساجِدٍ، ﴿ وَبُكِيًّا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو جَمْعُ باكٍ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا إذا سَمِعُوا آياتِ اللَّهِ سَجَدُوا وبَكَوْا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٦٩ ) .
وفي المُرادِ بِهَذا الخَلْفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، يَأْتُونَ عِنْدَ ذَهابِ صالِحِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، يَتَبارَوْنَ بِالزِّنا، يَنْزُو بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في الأزِقَّةِ زُناةً، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أضاعُوا الصَّلاةَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( الصَّلَواتِ ) عَلى الجَمْعِ.
وَفِي المُرادِ بِإضاعَتِهِمْ إيّاها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أخَّرُوها عَنْ وقْتِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والقاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ.
والثّانِي: تَرَكُوها، قالَهُ القُرَظِيُّ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وذَلِكَ مِثْلَ اسْتِماعِ الغِناءِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، والزِّنا، واللَّهْوِ، وما شاكَلَ ذَلِكَ مِمّا يَقْطَعُ عَنْ أداءِ فَرائِضِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ لَيْسَ مَعْنى هَذا اللِّقاءِ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ الِاجْتِماعُ والمُلابَسَةُ مَعَ الرُّؤْيَةِ.
وَفِي المُرادِ بِهَذا الغَيِّ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وبِهِ قالَ كَعْبٌ.
والثّانِي: أنَّهُ نَهْرٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الخُسْرانُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: أنَّهُ الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ السّائِبِ.
والسّادِسُ: أنَّ المَعْنى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ مُجازاةَ الغَيِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يَلْقَ أثامًا ﴾ ؛ أيْ: مُجازاةَ الآثامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تابَ مِنَ الشِّرْكِ، وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: تابَ مِنَ التَّقْصِيرِ في الصَّلاةِ، وآمَنَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( جَنّاتُ ) بِرَفْعِ التّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( جَنَّةُ عَدْنٍ ) عَلى التَّوْحِيدِ مَعَ رَفْعِ التّاءِ.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( جَنَّةَ عَدْنِ ) عَلى التَّوْحِيدِ مَعَ نَصْبِ التّاءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ ﴾ ؛ أيْ: وعَدَهم بِها ولَمْ يَرَوْها، فَهي غائِبَةٌ عَنْهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: آتِيًا، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو ( مَفْعُولٌ ) في مَعْنى ( فاعِلٍ )، وهو قَلِيلٌ أنْ يَأْتِيَ الفاعِلُ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ بِهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: آتِيًا؛ لِأنَّ كُلَّ ما أتاكَ فَأنْتَ تَأْتِيهِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أتَيْتُ عَلى خَمْسِينَ سَنَةً، وأتَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ [ سَنَةً ] .
والثّانِي: مَبْلُوغًا إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿ وَعْدُهُ ﴾ هاهُنا: مَوْعُودُهُ، وهو الجَنَّةُ، و ﴿ مَأْتِيًّا ﴾ : يَأْتِيهِ أوْلِياؤُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّخالُفُ عِنْدَ شُرْبِ الخَمْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: ما يُلْغى مِنَ الكَلامِ ويُؤَثَّمُ فِيهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللَّغْوُ في العَرَبِيَّةِ: الفاسِدُ المَطَّرَحُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا سَلامًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّلامُ لَيْسَ مِنَ اللَّغْوِ، والعَرَبُ تَسْتَثْنِي الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ ولَيْسَ مِنهُ، وذَلِكَ أنَّها تُضْمِرُ فِيهِ، فالمَعْنى: إلّا أنَّهم يَسْمَعُونَ فِيها سَلامًا.
وقالابْنُ الأنْبارِيِّ: اسْتَثْنى السَّلامَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وفي ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ؛ لِأنَّهم إذا لَمْ يَسْمَعُوا مِنَ اللَّغْوِ إلّا السَّلامَ، فَلَيْسَ يَسْمَعُونَ لَغْوًا البَتَّةَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ ﴾ ، إذا لَمْ يَخْرُجُ مِن عَداوَتِهِمْ لِي غَيْرُ رَبِّ العالَمِينَ، فَكُلُّهم عَدُوٌّ.
وَفِي مَعْنى هَذا السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا ما يُسَلِّمُهم، ولا يَسْمَعُونَ ما يُؤَثِّمُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ بُكْرَةٌ ولا عَشِيَّةٌ، ولَكِنَّهم يُؤْتَوْنَ بِرِزْقِهِمْ - عَلى مِقْدارِ ما كانُوا يَعْرِفُونَ - في الغَداةِ والعَشِيِّ.
قالَ الحَسَنُ: كانَتِ العَرَبُ لا تَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ العَيْشِ أفْضَلَ مِنَ الغَداءِ والعَشاءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ.
وقالَ قَتادَةُ: كانَتِ العَرَبُ إذا أصابَ أحَدُهُمُ الغَداءَ والعَشاءَ أُعْجِبَ بِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ لَهم في الجَنَّةِ رِزْقُهم بُكْرَةً وعَشِيًّا عَلى قَدْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ولَيْسَ ثَمَّ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، وإنَّما هو ضَوْءٌ ونُورٌ.
ورَوى الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قالَ: سَألْتُ زُهَيْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ ، فَقالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، هم في نُورٍ أبَدًا، ولَهم مِقْدارُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، يَعْرِفُونَ مِقْدارَ اللَّيْلِ بِإرْخاءِ الحُجُبِ وإغْلاقِ الأبْوابِ، ويَعْرِفُونَ مِقْدارَ النَّهارِ بِرَفْعِ الحُجُبِ وفَتْحِ الأبْوابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الجَنَّةُ ﴾ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُورِثُ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿ نُورِثُ ﴾ : نُعْطِي المَساكِنَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النّارِ - لَوْ آمَنُوا - لِلْمُؤْمِنِينَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى " نُورِثُ ": نُعْطِي، فَيَكُونُ كالمِيراثِ لَهم مِن جِهَةِ أنَّها تَمْلِيكٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( الأعْرافِ: ٤٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ يَعْمُرَ: ( وما يَتَنَزَّلُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.
وَفِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: " يا جِبْرِيلُ ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ المَلَكَ أبْطَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ أتاهُ، فَقالَ: لَعَلِّي أبْطَأْتُ.
قالَ: " قَدْ فَعَلْتَ " .
قالَ: وما لِي لا أفْعَلُ وأنْتُمْ لا تَتَسَوَّكُونَ، ولا تَقُصُّونَ أظْفارَكم، ولا تُنَقُّونَ بِراجِمَكم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: البَراجِمُ عِنْدَ العَرَبِ: الفُصُوصُ الَّتِي في فُصُولِ ظُهُورِ الأصابِعِ، تَبْدُو إذا جُمِعَتْ، وتَغْمُضُ إذا بُسِطَتْ.
والرَّواجِبُ: ما بَيْنَ البَراجِمِ، بَيْنَ كُلِّ بُرْجُمَتَيْنِ راجِبَةٌ.
والثّالِثُ: «أنَّ جِبْرِيلَ احْتُبِسَ عَنِ النَّبِيِّ حِينَ سَألَهُ [ قَوْمُهُ ] عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وذِي القَرْنَيْنِ، والرُّوحِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يُجِيبُهم، ورَجا أنْ يَأْتِيَهُ جِبْرِيلُ بِجَوابٍ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ، فَشَقَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَلَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ، قالَ لَهُ: " أبْطَأْتَ عَلَيَّ حَتّى ساءَ ظَنِّي واشْتَقْتُ إلَيْكَ "، فَقالَ جِبْرِيلُ: إنِّي كُنْتُ أُشَوِّقُ، ولَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ، إذا بُعِثْتُ نَزَلْتُ، وإذا حُبِسْتُ احْتَبَسْتُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
وَفِي سَبَبِ احْتِباسِ جِبْرِيلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِامْتِناعِ أصْحابِهِ مِن كَمالِ النَّظافَةِ، كَما ذَكَرْنا في حَدِيثِ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: لِأنَّهم سَألُوهُ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ: " غَدًا أُخْبِرُكم "، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، وقَدْ سَبَقَ هَذا في سُورَةِ ( الكَهْفِ: ٢٤ ) .
وَفِي مِقْدارِ احْتِباسِهِ عَنْهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( الكَهْفِ ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: اثْنَتا عَشْرَةَ لَيْلَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ، حَكاهُ مُقاتِلٌ.
والخامِسُ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وقِيلَ: إنَّ سُورَةَ ( الضُّحى ) نَزَلَتْ في هَذا السَّبَبِ.
والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ ﴾ قَوْلُ جِبْرِيلَ.
وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّهُ قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها، فالمَعْنى: ما نَنْزِلُ هَذِهِ الجِنانَ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.
وقِيلَ: ما نَنْزِلُ مَوْضِعًا مِنَ الجَنَّةِ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما بَيْنَ أيْدِينا: الآخِرَةُ، وما خَلْفَنا: الدُّنْيا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِينا: ما مَضى مِنَ الدُّنْيا، وما خَلْفَنا: مِنَ الآخِرَةِ، فَهو عَكْسُ الأوَّلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ أيْدِينا: قَبْلَ أنْ نُخْلَقَ، وما خَلْفَنا: بَعْدَ الفَناءِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: حِينَ كَوَّنَنا، قالَهُ الأخْفَشُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما وحَّدَ ذَلِكَ، والإشارَةُ إلى شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِينا ﴾ ، والثّانِي: " ما خَلْفَنا "؛ لِأنَّ العَرَبَ تُوقِعُ ذَلِكَ عَلى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ النَّسِيُّ بِمَعْنى النّاسِي.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما كانَ تارِكًا لَكَ مُنْذُ أبْطَأ الوَحْيُ عَنْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: ما نَسِيَكَ عِنْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ عَنْكَ.
والثّانِي: أنَّهُ عالِمٌ بِما كانَ ويَكُونُ، لا يَنْسى شَيْئًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْبُدْهُ ﴾ ؛ أيْ: وحِّدْهُ؛ لِأنَّ عِبادَتَهُ بِالشِّرْكِ لَيْسَتْ عِبادَةً، ﴿ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ ﴾ ؛ أيِ: اصْبِرْ عَلى تَوْحِيدِهِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ رَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يُدْغِمُ ( هَلْ تَعْلَمُ )، ووَجْهُهُ أنَّ سِيبَوَيْهِ يُجِيزُ إدْغامَ اللّامِ في التّاءِ، والثّاءِ، والدّالِ، والزّايِ، والسِّينِ، والصّادِ، والطّاءِ؛ لِأنَّ آخِرَ مَخْرَجٍ مِنَ اللّامِ قَرِيبٌ مِن مَخارِجِهِنَّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إذا كانَ بَعْدَ ( هَلْ ) تاءٌ فَفِيهِ لُغَتانِ، بَعْضُهم يُبَيِّنُ لامَ ( هَلْ ) وبَعْضُهم يُدْغِمُها.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَثَلًا وشَبَهًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يُسَمّى ( اللَّهَ ) غَيْرَهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: خالِقٌ وقادِرٌ، إلّا هو، قالَهُ الزَّجّاجُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾ ﴿ أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ﴾ ﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَحْمَنِ عِتِيًّا ﴾ "الإنْسانُ" اسْمٌ لِلْجِنْسِ يُرادُ بِهِ الكافِرُونَ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو أنَّ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ كانُوا يَقُولُونَ هَذا ونَحْوَهُ، ورُوِيَ أنَّ القائِلَ هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، جاءَ إلى النَبِيِّ بِعَظْمِ رُفاتٍ فَنَفَخَ فِيهِ وقالَ: أيُبْعَثُ هَذا؟
وكَذَّبَ وسَخِرَ، وقِيلَ: إنَّ القائِلَ هو العاصِي بْنُ وائِلٍ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو: "أإذا" بِالِاسْتِفْهامِ الظاهِرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إذا" دُونَ ألِفِ اسْتِفْهامٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا مُسْتَوْعَبًا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مِتُّ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأْتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها واللامُ في قَوْلِهِ: "لَسَوْفَ" مَجْلُوبَةٌ عَلى الحِكايَةِ لِكَلامٍ مُعْلِمْ بِهَذا المَعْنى، كَأنَّ قائِلًا قالَ لِلْكافِرِ: إذا مُتَّ يا فُلانُ لَسَوَفَ تُخْرَجُ حَيًّا، فَقَرَّرَهُ الكافِرُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِبْعادِ، وكَرَّرَ الكَلامَ حِكايَةُ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أُخْرَجُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ - بِخِلافٍ - وأبُو حَيْوَةَ: "أخْرُجُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ الراءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ ﴾ الآيَةُ احْتِجاجٌ، خاطَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا رادًّا عَلى مَقالَةِ الكافِرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: أوَلا يَذْكُرُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوَلا يَذَّكَّرُ" بِشَدِّ الذالِ والكافِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: " أوَلا يَتَذَكَّرُ"، والنَشْأةُ الأُولى والإخْراجُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أوضَحُ دَلِيلٍ عَلى جَوازِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، ثُمْ قَرَّرَ ذَلِكَ وأوجَبَهُ السَمْعُ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَعْدُومَ لا يُسَمّى شَيْئًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أرادَ شَيْئًا مَوْجُودًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ فَتَأمَّلْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ﴾ الآيَةُ وعِيدٌ يَكُونُ مابَعْدَهُ عَلى أصْعَبِ وُجُوهِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ﴾ ، عائِدٌ لِلْكُفّارِ القائِلِينَ ما تَقَدَّمَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهُ يَقْرِنُ بِهِمُ الشَياطِينَ المُغْوِينَ لَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ جِثِيًّا ﴾ جَمْعُ جاثٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ وجالِسِ وجُلُوسٍ، وأصْلُهُ: جُثُووًا، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ واوٌ مُتَطَرِّفَةٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ فَوَجَبَ أنْ تُعَلَّ، ولَمْ يُعْتَدَّ ها هُنا بِالساكِنِ الَّذِي بَيْنَهُما لِخِفَّتِهِ وقِلَّةِ حَوْلِهِ فَقُلِبَتْ ياءٌ فَجاءَ جُثُويًا، فاجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُكُونِ فَقُلِبَتْ ياءٌ، ثُمْ أُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ ثُمْ كُسِرَتِ الثاءُ لِلتَّناسُبِ بَيْنَ الكَسْرَةِ والياءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "جُثِيًّا" و"صُلِيًّا" بِضَمِّ الجِيمِ والصادِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابُ والأعْمَشُ: "جِثِيًّا" و"صِلِيًّا" بِكَسْرِ الجِيمِ والصادِ.
وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُحْضِرُ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مَعَ الشَياطِينِ فَيَجْثُونَ حَوْلَ جَهَنَّمَ، وهي قَعْدَةُ الخائِفِ الذَلِيلِ عَلى رُكْبَتَيْهِ كالأسِيرِ ونَحْوِهُ، قالَ قَتادَةُ: "جِثِيًّا" مَعْناهُ: عَلى رُكَبِهِمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجِثِيُّ شَرُّ الجُلُوسِ.
و"الشِيعَةُ": الفِرْقَةُ المُرْتَبِطَةُ بِمَذْهَبٍ واحِدٍ، المُتَعاوِنَةُ فِيهِ، كَأنَّ بَعْضَهم يُشِيعُ بَعْضًا، أيْ يُنَبِّهُ مِنهُ، ومِنهُ تَشْيِيعُ النارِ بِالحَطَبِ، وهو وقْدُها بِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلشُّجاعِ: مُشِيعُ القَلْبِ، فَأخْبَرَ اللهُ أنَّهُ يُنْزَعُ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أعْتاها وأولاها بِالعَذابِ فَتَكُونُ تِلْكَ مُقَدِّمَتَها إلى النارِ، قالَ أبُو الأحْوَصِ: المَعْنى: نَبْدَأُ بِالأكابِرِ جُرْمًا، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى في الآيَةِ بَعْدُ أنَّهُ أعْلَمُ بِمُسْتَحِقِّي ذَلِكَ وأبْصَرُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ حالُهم مِن أوَّلِها إلى آخِرِها.
وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ، ومُعاذُ بْنُ مُسْلِمْ، وهارُونُ القارِئُ: "أيَّهُمْ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أيُّهُمْ" بِالضَمِّ، إلّا أنَّ طَلْحَةَ والأعْمَشَ سَكَّنا مِيمَ "أيُّهُمْ"، واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ رَفْعِ "أيُّ" - فَقالَ الخَلِيلُ: رَفْعُهُ عَلى الحِكايَةِ بِتَقْدِيرِ: الَّذِي يُقالُ فِيهِ مِن أجْلِ عُتُوِّهِ: أيُّهم أشَدُّ، وقَرَنَهُ بِقَوْلِ الشاعِرِ: ولَقَدْ أبِيتُ مِنَ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجَ ولا مَحْرُومَ أيْ: فَأبِيتُ يُقالُ فِيَّ: لا حَرِجَ ولا مَحْرُومَ، ورَجَّحَ الزَجّاجُ قَوْلَ الخَلِيلِ، وذَكَرَ عنهُ النَحّاسُ أنَّهُ غَلَّطَ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَجُوزَ: أضْرِبُ السارِقُ الخَبِيثُ، أيِ الَّذِي يُقالُ لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ بِلازِمٍ؛ مِن حَيْثُ هَذِهِ أسْماءٌ مُفْرَدَةٌ والآيَةُ جُمْلَةٌ، وتَسَلُّطُ الفِعْلِ عَلى المُفْرَدِ أعْظَمُ مِنهُ عَلى الجُمْلَةِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "أيُّهُمْ" مَبْنِيٌّ عَلى الضَمِّ؛ إذْ هي أُخْتٌ لِـ "الَّذِي" ولِـ "ما"، وخالَفَتْهُما في جَوازِ الإضافَةِ فِيها فَأُعْرِبَتْ لِذَلِكَ، فَلَمّا حُذِفَ مِن صِلَتِها ما يَعُودُ عَلَيْها ضَعُفَتْ فَرَجَعَتْ إلى البِناءِ، وكانَ التَقْدِيرُ: أيُّهم هو أشَدُّ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُذِفَ ما الكَلامُ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ فَوَجَبَ البِناءُ، وقالَ يُونُسُ: عُلِّقَ عنها الفِعْلُ فارْتَفَعَتْ بِالِابْتِداءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ مُعْمَلٌ في مَوْضِعِ "مِن كُلِّ شِيعَةٍ" إلّا أنَّهُ مُلْغى لِأنَّهُ تَعَلَّقَ جُمْلَةً، إلّا أفْعالَ الشَكِّ كَظَنَنْتُ ونَحْوِها مِمّا لَمْ يَتَحَقَّقُ وُقُوعُهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: ﴿ لَنَنْزِعَنَّ ﴾ مَعْناهُ: لِنُنادِيَنَّ، فَعُومِلَ مُعامَلَةَ الفِعْلِ المُرادِ فَلَمْ يَعْمَلْ في "أيُّ"، وقالَ المُبَرِّدُ: "أيُّهُمْ" مُتَعَلِّقٌ بِـ "شِيعَةٍ" فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ، والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ تَشايَعُوا أيُّهم أشَدُّ، كَأنَّهم يَتَبارَوْنَ إلى هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَلْزَمُهُ أنْ يُقَدِّرَ مَفْعُولًا لِـ "نَنْزِعَنَّ" مَحْذُوفًا.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أيُّهم أكْبَرُ".
و"عِتِيًّا" مَصْدَرٌ، أصْلُهُ: عُتُووًا، وأُعِلَّ بِما أُعِلَّ بِهِ "جِثِيًّا"، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: «يَنْدَلِقُ عُنُقٌ مِنَ النارِ فَيَقُولُ: إنِّي أُمِرْتُ بِكُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، فَتَلْتَقِطُهم...» الحَدِيثُ.
<div class="verse-tafsir"
الفاء تفريع على جملة ﴿ أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ﴾ [مريم: 67]، باعتبار ما تضمنته من التهديد.
وواو القسم لتحقيق الوعيد.
والقسم بالرب مضافاً إلى ضمير المخاطب وهو النبي صلى الله عليه وسلم إدماج لتشريف قدره.
وضمير ﴿ لنحشرنهم ﴾ عائد إلى ﴿ الإنسان ﴾ [مريم: 66] المراد به الجنس المفيد للاستغراق العرفي كما تقدم، أي لنحشرن المشركين.
وعطف (الشياطين) على ضمير المشركين لقصد تحقيرهم بأنهم يحشرون مع أحقر جنس وأفسده، وللإشارة إلى أن الشياطين هم سبب ضلالهم الموجب لهم هذه الحالة، فحشرهم مع الشياطين إنذار لهم بأن مصيرهم هو مصير الشياطين وهو محقق عندالناس كلهم.
فلذلك عطف عليه جملة ﴿ ثم لنُحضِرنّهم حول جهنّم جثيّاً ﴾ ، والضميرُ للجميع.
وهذا إعداد آخر للتقريب من العذاب فهو إنذار على إنذار وتدرج في إلقاء الرّعب في قلوبهم.
فحرف و جثيّاً } حال من ضمير ﴿ لنحضرنهم ﴾ ، والجُثيّ: جمع جَاثثٍ.
ووزنه فُعول مثل: قاعد وقُعود وجالس وجُلوس، وهو وزن سماعيّ في جمع فاعل.
وتقدّم نظيره ﴿ خروا سجداً وبكياً ﴾ [مريم: 58]، فأصل جُثي جُثُور بواوَين لأن فعله واوي، يقال: جثا يَجثو إذا بَرك على ركبتيه وهي هيئة الخاضع الذليل، فلمّا اجتمع في جثووٌ واوان استثقلا بعد ضمّة الثاء فصير إلى تخفيفه بإزالة سبب الثقل السابق وهو الضمة فعوضت بكسر الثاء، فلمّا كسرت الثاء تعين قلب الواو الموالية لها ياءً للمناسبة فاجتمع الواو والياء وسبق أحدهما بالسكون فقلبت الواو الأخرى ياء وأدغمتا فصار جثي.
وقرى حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف بكسر الجيم وهو كسر إتباع لحركة الثاء.
وهذا الجثو هو غير جثوّ الناس في الحشر المحكيّ بقوله تعالى: ﴿ وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها ﴾ [الجاثية: 28] فإن ذلك جثوّ خضوع لله، وهذا الجثوّ حول جهنّم جثوّ مذلّة.
والقول في عطف جملة ﴿ ثمّ لننزعنّ من كلّ شيعة ﴾ كالقول في جملة ﴿ ثمّ لنحضرنهم ﴾ .
وهذه حالة أخرى من الرّعب أشدّ من اللتين قبلها وهي حالة تمييزهم للإلقاء في دركات الجحيم على حسب مراتب غلوّهم في الكفر.
والنزع: إخراج شيء من غيره، ومنه نزع الماء من البئر.
والشيعة: الطائفة التي شاعت أحداً، أي اتّبعته، فهي على رأي واحد.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين ﴾ في سورة الحِجر (10).
والمراد هنا شيع أهل الكفر، أي من كلّ شيعة منهم.
أي ممن أحضرناهم حول جهنّم.
والعُتِيّ: العصيان والتجبّر، فهو مصدر بوزن فُعول مثل: خروج وجلوس، فقلبت الواو ياء.
وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف بكسر العين إتباعاً لحركة التاء كما تقدّم في جثياً.
والمعنى: لنميزنّ من كلّ فرقة تجمعها محلة خاصة من دين الضلال من هو من تلك الشيعة أشدّ عصياناً لله وتجبّراً عليه.
وهذا تهديد لعظماء المشركين مثل أبي جهل وأميّة بن خلف ونظرائهم.
و (أيّ) اسم موصول بمعنى (ما) و(من).
والغالب أن يحذف صدر صلتها فتبنى على الضم.
وأصل التركيب: أيّهم هو أشدّ عتياً على الرحمان.
وذكر صفة الرحمان هنا لتفظيع عتوّهم، لأنّ شديد الرّحمة بالخلق حقيق بالشكر له والإحسان لا بالكفر به والطغيان.
ولمّا كان هذا النّزع والتمييز مجملاً، فقد يزعم كل فريق أن غيره أشدّ عصياناً، أعلم الله تعالى أنّه يعلم من هو أولى منهم بمقدار صُلي النّار فإنّها دركات متفاوتة.
والصُلْيُ: مصدر صَلِيَ النار كرضي، وهو مصدر سماعي بوزن فعول.
وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف بكسر الصاد اتباعاً لحركة اللاّم، كما تقدم في جثيّاً.
وحرفا الجر يتعلقان بأفعلي التفضيل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَوْلَ جَهَنَّمَ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ جَهَنَّمَ اسْمٌ مِن أسْماءِ النّارِ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِأعْمَقَ مَوْضِعٍ في النّارِ، كالفِرْدَوْسِ الَّذِي هو اسْمٌ لِأعْلى مَوْضِعٍ في الجَنَّةِ.
﴿ جِثِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: [جَماعاتٍ]، قالَهُ الكَلْبِيُّ والأخْفَشُ.
الثّانِي: بُرُوكًا عَلى الرُّكَبِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهُمْ ﴾ الشِّيعَةُ الجَماعَةُ المُتَعاوِنُونَ.
قالَ مُجاهِدٌ: والمُرادُ بِالشِّيعَةِ الأُمَّةُ لِاجْتِماعِهِمْ وتَعاوُنِهِمْ.
وَفي ﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَنُنادِيَنَّ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: لَنَسْتَخْرِجَنَّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ عِتِيًّا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أهْلُ الِافْتِراءِ بِلُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.
الثّانِي: جُرْأةً، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: كُفْرًا، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الرّابِعُ: تَمَرُّدًا.
الخامِسُ: مَعْصِيَةً.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْلى بِها صِلِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُها: دُخُولًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: لُزُومًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: من هذه الأمة يتراكبون في الطرق، كما تراكب الأنعام لا يستحيون من الناس، ولا يخافون من الله في السماء.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ﴾ قال: عند قيام الساعة- ذهاب صالح أمة محمد- ينزو بعضهم إلى بعض في الآزقة زناة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ يقول: تركوا الصلاة.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ﴾ قال: ليس إضاعتها تركها قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه، ولكن إضاعتها إذا لم يصلها لوقتها.
وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: صلوها لغير وقتها.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن القاسم بن مخيمرة في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: أخروا الصلاة عن ميقاتها ولو تركوها كفروا.
وأخرج ابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق، عن عمر بن عبد العزيز في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: لم يكن إضاعتهم تركها ولكن أضاعوا المواقيت.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن كعب قال: والله إني لأجد صفة المنافقين في التوراة: شرابين للقهوات: تباعين للشهوات، لعانين للكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين للصلوات تراكين للجمعات، ثم تلا هذه الآية ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن الأشعث قال: أوحى الله إلى داود عليه السلام أن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عني محجوبة.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: اغتسلت أنا وآخر، فرآنا عمر بن الخطاب، وأحدنا ينظر إلى صاحبه، فقال: إني لأخشى أن تكونا من الخلف الذين قال الله فيهم: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً ﴾ .
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي سعيد الخدري: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلا هذه الآية ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ فقال: يكون خلف من عبد ستين سنة ﴿ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ﴾ ثم يكون خَلَفٌ: يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر» .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللين قلت يا رسول الله، ما أهل اللين؟
قال: قوم يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه، عن عائشة أنها كانت ترسل بالصدقة لأهل الصدقة وتقول: لا تعطوا منها بربرياً، ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هم الخلف الذين قال الله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يكون في أمتي من يقتل على الغضب، ويرتشي في الحكم، ويضيع الصلوات، ويتبع الشهوات، ولا تردّ له راية قيل: يا رسول الله، أمؤمنون هم؟
قال: بالإيمان يقرؤون» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال: خسراً.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث من طرق، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال: الغي نهر أو واد في جهنم من قيح بعيد القعر خبيث الطعم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات.
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في البعث، عن البراء بن عازب في الآية قال: الغي، واد في جهنم بعيد القعر منتن الريح.
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً ثم تنتهي إلى غي وأثام، قلت: وما غي وأثام؟
قال: نهران في أسفل جهنم يسيل فيها صديد أهل النار، وهما اللذان ذكر الله في كتابه ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ [ الفرقان: 68] » .
وأخرج ابن مردويه من طريق نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغي واد في جهنم» .
وأخرج البخاري في تاريخه، عن عائشة في قوله: ﴿ غياً ﴾ قالت: نهر في جهنم.
وأخرج ابن المنذر، عن شقي بن ماتع قال: إن في جهنم وادياً يسمى ﴿ غياً ﴾ يسيل دماً وقيحاً، فهو لمن خلق له.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ يلقون غياً ﴾ قال: سوءاً ﴿ إلا من تاب ﴾ قال: من ذنبه ﴿ وآمن ﴾ قال: بربه ﴿ وعمل صالحاً ﴾ قال: بينه وبين الله.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال باطلاً.
وأخرج عبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال: لا يستبون.
وفي قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: ليس فيها بكرة ولا عشي يؤتون به على النحو الذي يحبون من البكرة والعشي.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: يؤتون به في الآخرة على مقدار ما كانوا يؤتون به في الدنيا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد، عن قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: ليس في الجنة ليل ولا شمس ولا قمر، هم في نور أبداً، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق أبان عن الحسن، وأبي قلابة قالا: قال رجل يا رسول الله، هل في الجنة من ليل؟
قال: وما هيجك على هذا؟!
قال: سمعت الله يذكر في الكتاب ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ فقلت الليل من البكرة، والعشي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «ليس هناك ليل، وإنما هو ضوء نور، يرد الغدو على الرواح، والرواح على الغدوّ، وتأتيهم طرف الهدايا من الله، لمواقيت الصلوات التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة» .
وأخرج ابن المنذر، عن يحيى بن أبي كثير قال: كانت العرب في زمانها إنما لها أكلة واحدة، فمن أصاب أكلتين، سمي فلاناً الناعم.
فأنزل الله تعالى يرغب عباده فيما عنده ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: كانوا يعدون النعيم، أن يتغدى الرجل، ثم يتعشى.
قال الله لأهل الجنة: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من غداة من غدوات الجنة، كل الجنة غدوات، إلا أن يزف إلى وليّ الله تعالى فيها زوجة من الحور العين أدناهن التي خلقت من زعفران» .
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ بالنون مخففة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شوذب في قوله: ﴿ تلك الجنة التي نورث من عبادنا ﴾ قال: ليس من أحد إلا وله في الجنة منزل وأزواج، فإذا كان يوم القيامة، ورث الله المؤمن كذا وكذا منزلاً من منازل الكفار.
فذلك قوله: ﴿ من عبادنا ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن داود بن أبي هند في قوله: ﴿ من كان تقياً ﴾ قال: موحداً.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ إلى آخر الآية» .
زاد ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم، فكان ذلك الجواب لمحمد.
وأخرج ابن مردويه، عن أنس قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي البقاع أحب إلى الله وأيها أبغض إلى الله؟
قال: ما أدري حتى أسأل جبريل، وكان قد أبطأ عليه فقال: لقد أبطأت عليّ حتى ظننت أن بربي عليّ موجدة!...
فقال: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: «أبطأ جبريل على النبي- صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً ثم أنزل، فقال له النبي- صلى الله عليهه وسلم- ما نزلت حتى اشتقت إليك فقال له جبريل:أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور فأوحى الله إلى جبريل أن قل له: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي قال: احتبس جبريل عن النبي- صلى الله عليه وسلم- بمكة حتى حزن واشتد عليه، فشكا إلى خديجة، فقالت خديجة: لعل ربك قد ودعك أو قلاك، فنزل جبريل بهذه الآية: ﴿ ما ودعك ربك وما قلى ﴾ [ الضحى: 2] قال: يا جبريل، احتبست عني حتى ساء ظني، فقال جبريل: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ .
وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال: لبث جبريل عن النبي- صلى الله عليه وسلم اثني عشرة ليلة، فلما جاءه قال: لقد رثت حتى ظن المشركون كل ظن فنزلت الآية.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: «أبطأت الرسل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم أتاه جبريل فقال: ما حبسك عني قال: كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون وقرأ ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: احتبس جبريل، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، وحزن فأتاه جبريل وقال: يا محمد: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا ﴾ يعني من الدنيا ﴿ وما خلفنا ﴾ يعني من الآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة ﴿ له ما بين أيدينا ﴾ قال: الدنيا ﴿ وما خلفنا ﴾ قال: الآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ له ما بين أيدينا ﴾ قال: من أمر الآخرة ﴿ وما خلفنا ﴾ من أمر الدنيا ﴿ وما بين ذلك ﴾ ما بين الدنيا والآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما بين ذلك ﴾ قال: ما بين النفختين.
وأخرج هناد وابن المنذر، عن أبي العالية ﴿ وما بين ذلك ﴾ قال: ما بين النفختين.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ قال: ﴿ ما كان ربك ﴾ لينساك يا محمد.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه والحاكم وصححه، عن أبي الدرداء رفع الحديث قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً.
ثم تلا ﴿ وما كان ربك نسيا ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله.
وأخرج الحاكم عن سلمان «سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ قال: هل تعلم للرب مثلاً أو شبها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ قال: ليس أحد يسمى الرحمن غيره.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ يا محمد هل تعلم لإلهك من ولد؟.
وأخرج الطستي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ قال: هل تعلم له ولداً؟
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت الشاعر وهو يقول: أما السمي فأنت منه مكثر ** والمال مال يغتدي ويروح <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ﴾ الصِّلي: مصدر صَلَى النار، صَلاَهَا، صُلِيًّا ووزنه فعول، ويجوز فيه صِلِيًا بالكسر وقد تقدم القول فيه.
ومعنى الصِّلي: دخول النار ومقاساة حرها وشدتها نعوذ بالله منها.
قال أبو إسحاق: (أي ثم لنحن أعلم بالذين هم أشد عتيا فهم أولى بها صليا) (١) (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 340.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَوَلاَ يَذْكُرُ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن قَبْلُ ﴾ احتجاج على صحة البعث وردّ على من أنكره، لأن النشأة الأولى دليل على الثانية ﴿ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين ﴾ يعني قرناءهم من الشياطين الذين أضلوهم، والواو للعطف أو بمعنى مع فيكون الشياطين مفعول معه ﴿ جِثِيّاً ﴾ جمع جاث، ووزنه مفعول من قولك: جثا الرجل إذا جلس جلسة الذليل الخائف ﴿ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ ﴾ الشيعة: الطائفة من الناس التي تتفق على مذهب أو اتباع إنسان، ومعنى الآية أن ينزع من كل طائفة أعتاها فيقدمه إلى النار، وقال بعضهم: المعنى نبدأ بالأكبر جرماً فالأكبر جرماً ﴿ أَيُّهُمْ ﴾ اختلف في إعرابه، فقال سيبويه: هو مبني على الضم؛ لأنه حذف العائد عليه من الصلة، وكأن التقدير: أيهم أشدّ فوجب البناء، وقال الخليل: هو مرفوع على الحكاية تقديره: الذي قال له أشدّ، وقال يونس: علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء ﴿ أولى بِهَا صِلِيّاً ﴾ الصلي: مصدر صلى النار، ومعنى الآية: أن الله يعلم من هو أولى بأن يصلى العذاب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ مخلصاً ﴾ بفتح اللام: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.
الباقون بكسرها.
﴿ إبراهام ﴾ وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إذا ابتلي ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة ﴿ نورث ﴾ بالتشديد: رويس.
الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ لا تعبد الشيطان ﴾ ط ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ ولياً ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ط ج وقد يوصل ويوقف على ﴿ آلهتي ﴾ .
﴿ ملياً ﴾ ه ﴿ سلام عليك ﴾ ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ﴿ لك ربي ﴾ ط ﴿ حفياً ﴾ ه ﴿ وأدعو ربي ﴾ ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب لما ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نجياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ إسماعيل ﴾ ز لما مر ﴿ نبياً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ والزكاة ﴾ ط ﴿ مرضيا ﴾ ه ﴿ إدريس ﴾ ز ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ مع نوح ﴾ ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ﴿ ذرية آدم ﴾ أو على ﴿ إسرائيل ﴾ والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل ﴿ وبكيا ﴾ ه ﴿ عياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ جنات ﴾ بدل من ﴿ الجنة ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ مأتيا ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ بأمر ربك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ ذلك ﴾ ج لأن قوله: ﴿ وما كان ﴾ معطوف على ﴿ نتنزل ﴾ مع وقوع العارض ﴿ نسياً ﴾ ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لعبادته ﴾ ط ﴿ سمياً ﴾ ه.
التفسير: إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منهم من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى، ومنهم من عبد معبوداً جماداً كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل.
وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب.
وإنما بدأ بقصة إبراهيم لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه.
والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم ﴾ وإلا فهو هو الذي يذكره في تنزيله.
وقوله: ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إبراهيم ﴾ وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على ﴿ إبراهيم ﴾ مطلقاً.
وجوز في الكشاف أن يتعلق "إذ" بـ ﴿ كان ﴾ أو بـ ﴿ صديقاً نبياً ﴾ أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.
والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه.
إلا إذا كان صادقاً جداً في أقواله مصدقاً لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده.
وقيل: إن "كان" بمعنى "صار" والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها.
والتاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف.
أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله قال: "أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري" .
فقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد.
و"ما" موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به من قوله: "أغن عني وجهك" أي ادفعه.
ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره.
وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟
فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص.
وقوله: ﴿ يا أبت أني قد جاءني ﴾ تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق.
وفي قوله: ﴿ من العلم ما لم يأتك ﴾ فائدة هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك ﴿ فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد.
استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع.
وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره.
والإنصاف أن هذه الطريق أسهل.
ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: ﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان ﴾ أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان.
ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: ﴿ إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف.
ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال: ﴿ يا أبت إني أخاف ﴾ وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب.
قال الفراء: معنى أخاف أعلم.
والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه.
والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي.
وذكروا في الولي وجوهاً منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز.
وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ ﴾ ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل ﴾ ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار.
ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلاً ﴿ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ﴾ فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى.
وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته.
وفي قوله: ﴿ يا إبراهيم ﴾ دون أن يقول: "يا بني" في مقابلة ﴿ يا أبت ﴾ تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجم.
ثم ههنا إضمار أي فاحذرني ﴿ واهجرني ملياً ﴾ أي زماناً طويلاً من الملاوة، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران.
مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب.
فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة ﴿ قال سلام عليك ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً ﴾ بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر "الأعراف".
احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ الآية.
ولقوله في الممتحنة ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به.
والجواب لعل إبراهيم في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً.
والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيراً من الأمور كانت مباحة للرسول الله هي محرمة علينا.
ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: ﴿ وأعتزلكم ﴾ أي أهاجر إلى الشام ﴿ و ﴾ أعتزل ﴿ ما تدعون ﴾ أي ما تعبدون ﴿ من دون الله ﴾ وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ فلما أعتزلهم وما يعبدون ﴾ أما قوله: ﴿ وأدعو ربي ﴾ فيحتمل معنيين: العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء.
وفي قوله: ﴿ عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ ﴿ عسى ﴾ .
قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم ﴾ شيئاً ﴿ من رحمتنا ﴾ عن الحسن: هي النبوة.
وعن الكلبي: المال والولد.
والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن، عبر باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: ﴿ قدم صدق ﴾ تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ﴿ ملة أبيكم إبراهيم ﴾ ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً، فأشركه الله في الصلاة على النبي في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال : ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ فجعل موطىء قدمه مباركاً ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ وعادى كل الخلق في الله حين قال ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين ﴾ فلا جرم اتخذه الله خليلاً.
ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى لأنه تلوه في الشرف.
والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله و ﴿ كان رسولاً نبياً ﴾ الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه ﴿ برب هرون وموسى ﴾ ﴿ الأيمن ﴾ من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب ﴿ وقربناه ﴾ حال كونه ﴿ نجياً ﴾ أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة.
وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة "تقرب" وللملائكة "أنهم مقربون".
﴿ ووهبنا له من رحمتنا ﴾ أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون ﴿ أخاه ﴾ بدلاً و ﴿ هرون ﴾ عطف بيان كقولك "رأيت رجلاً أخاك زيداً".
و ﴿ نبياً ﴾ حال من هارون.
قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته.
وذلك بدعاء موسى في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي ﴾ وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به.
وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة.
عن رسول الله أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس.
وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟
فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى.
وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ "بدأ من تعول" ويحسن أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية.
وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة.
وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله.
وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما.
وقيل: "افعيل" من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها.
وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه.
وقيل: إن الله رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت.
وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه.
عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟
فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك.
وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة.
وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها.
﴿ أولئك ﴾ المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم ﴿ الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ "من" للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ﴿ من ذرية آدم ﴾ هي للتبعيض وكذا في قوله: ﴿ وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ﴾ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم وإسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته.
﴿ وممن هدينا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه.
ثم إن جعلت ﴿ الذين ﴾ خبراً ﴿ لأولئك ﴾ كان ﴿ إذا يتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي والفاصل حاصل.
والبكي جمع باكٍ "فعول" كسجود في "ساجد" أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة.
ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً.
عن رسول الله : " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي.
قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود.
فقيل: هو الخشوع والخضوع.
وقيل: الصلاة.
وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به.
ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود.
قال الزجاج: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا متهيئين للسجود.
عن رسول الله : "اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.
وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.
وإن قرأ سجدة "سبحان" قال: اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.
وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك.
ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ وهو عقب السوء كما مر في آخر "الأعراف" فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً، واتباع الشهوات بإزاء البكاء.
عن بان عباس: هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب.
وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير.
وعن علي في قوله: ﴿ واتبعوا الشهوات ﴾ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.
وعن قتادة: هو في هذه الأمة ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد.
وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: ﴿ ويلق أثاماً ﴾ أي مجازاة أثام.
وقيل: غياً من طريق الجنة.
وقيل: هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى تجديد الإيمان.
والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال.
واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير.
وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك.
وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً.
ومعنى ﴿ لا يظلمون شيئاً ﴾ لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب ﴿ شيئاً ﴾ على المصدر أي شيئاً من الظلم.
ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ قد مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن ﴾ وصفها الله بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا.
ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب "التي".
قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة.
ولما ساغ وصفها بـ "التي" ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين.
وقوله: ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى "فاعل"، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته.
وجوز في الكشاف أن يكون من قولك: "أتى إليك إحساناً" أي كان وعده مفعولاً منجزاً.
قوله: ﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في "البقرة" وفي "المائدة" أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم "عتابك السيف".
أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.
وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها.
ثم إنه من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً ﴾ هذا قول الحسن.
ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي.
وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين.
وقوله: ﴿ تلك الجنة التي نورت ﴾ كقوله في "الأعراف" ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ﴾ وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه.
قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر.
وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة.
أنه اتقى الكفر.
سئل ههنا أن قوله : ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ كلام الله وقوله بعده: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما: وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد وهل يجدونه في كتابهم.
فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله.
فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة.
وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه.
فنزل جبرائيل فقال له النبي : "أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك." قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست.
فأنزل الله الآية وأنزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ وسورة الضحى.
ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله عزوجل.
ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا ﴾ من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته.
وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ﴿ وما بين ذلك ﴾ وهو ما بين النفختين أربعون سنة.
وقيل: ما مضى.
من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا.
وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا.
والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره!
وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: ﴿ وما نتنزل ﴾ من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك.
أما قوله: ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ﴿ ما ودّعك ربك وما قلى ﴾ وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته.
وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله خطاباً لرسوله ويتصل به قوله: ﴿ رب السموات والأرض ﴾ أي بل هو ربهما ﴿ وما بينهما فاعبده ﴾ الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد ﴿ واصطبر لعبادته ﴾ لم يقل "على عبادته" لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب "اصطبر لقرنك" أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته.
ثم أكد وجوب عبادته بقوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف.
وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين: أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه.
وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره.
قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ "الرحمن" في سورة تكريره في هذه السورة.
وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية.
التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إنه كان صديقاً ﴾ للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه ﴿ إذ قال لأبيه ﴾ الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس ﴿ فقد جاءني من العلم ﴾ اللدني ﴿ ما لم يأتك ﴾ لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها ﴿ وهبنا له إسحاق ﴾ السر ﴿ ويعقوب ﴾ الخفي ﴿ وناديناه من جانب الطور الأيمن ﴾ أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي هو على أيسر ﴿ وكان يأمر أهله ﴾ أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجهاً يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿ خروا ﴾ بقلوبهم على عتبة العبودية ﴿ سجداً ﴾ بالتسليم للأحكام الأزلية ﴿ وبكياً ﴾ بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة ﴿ عباده بالغيب ﴾ أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ ﴿ ولهم رزقهم ﴾ رؤية الله على ما جاء في الحديث: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً" ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب.
إلا بأمر ربك ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ﴿ فاعبده ﴾ بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك.
﴿ هل تعلم له ﴾ نظيراً في المحبوبية لك.
والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قال: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ ﴾ ، أي: خلف من بعد أولئك الذين وصفهم - عز وجل - بالصلاة لله، والخشوع لله فيها، والبكاء، ﴿ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ، أي: جعلوها لغير الله، وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها، فإذا جعلوها وصرفوها إلى غير الذي يصلي [إليه] أولئك فقد أضاعوها؛ لأنهم كانوا يصلون للأصنام الصلاة التي كان يصلي أولئك لله.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ؛ لأن الصلاة هي آخر ما يترك ويضيع؛ لأنه روي في الخبر أنه قال: "سَيُنقَضُ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوةً فَعُرْوَة، أوَّلُها الأمانة، وآخِرُها الصَّلاَة" وقال بعض أهل التأويل: ﴿ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ، إضاعتها: تأخيرها عن مواقيتها، لا أن تركوها أصلاً، فهذا في أهل الإسلام إن ثبت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ ﴾ ، أي: آثروا الشهوات على العبادات، وجعلوا الشهوات هي المعتمدة دون العبادات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً ﴾ : قال بعضهم: الغي: وادٍ في جهنم، لكن هذا لا يجوز أن يقال إلا بالخبر عن رسول الله أنه قال: واد في جهنم.
وقال بعضهم: الغي: العذاب.
وقال بعضهم: للغي: الشر.
وجائز أن يكون سمي جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا بالغواية باسم أعمالهم: غياً، ويجوز تسمية الجزاء باسم سببه، كقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ ونحوه.
ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ ﴾ عن الشرك، ﴿ وَآمَنَ ﴾ بالله ﴿ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ ، يشبه أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ ، أي: لا ينقصون من حسناتهم التي عملوها في حال إيمانهم لمكان ما عملوا من الأعمال في حال كفرهم، بل يبدل سيئاتهم حسنات على ما أخبر : ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ ، وقال في آية [أخرى]: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ أخبر أنهم إذا آمنوا وانتهوا عن الشرك لا يؤاخذهم بما كان منهم في حال كفرهم، والله أعلم.
ثم بيّن أية جنة، فقال: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، ثم يحتمل إيمانهم بالغيب، أي: بالله آمنوا به بالخبر وإن لم يروه، ويحتمل الغيب: الجنة، أي: صدقوا بها وإن لم يروها والنار والبعث بالغيب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾ أي: كان موعوده آتياً، ولكن ذكر ﴿ مَأْتِيّاً ﴾ ؛ لأن كل من أتاك فقد أتيته، فسمّي لذلك ﴿ مَأْتِيّاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً ﴾ أي: لا يسمعون باطلاً، ولا ما يكره بعضهم من بعض، ولا ما يأثم بعضهم بعضاً إلا سلاماً، والسلام كأنه اسم كل خير وبركة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .
قال الحسن: إن أطيب العيش وأحبّه إلى العرب الغداء والعشاء، فأخبرهم الله - عز وجل - أن لهم في الجنة الغداء والعشاء، وأطيب العيش إلى العجم لباس الحرير واللؤلؤ، فأعلمهم أن لهم في الجنة ذلك بقوله: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ .
ويقول أهل التأويل: ليس في الجنة بكرة ولا عشي، ولا ليل ولا نهار، ولكن يؤتون على ما يحبون من البكرة والعشي.
عن ابن عباس قال: على مقادير الليل والنهار.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ ليس على تخصيص وقت دون وقت، ولكن الأوقات كلها في كل وقت يحبون ويشتهون، كقوله: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ ﴾ ، ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ .
ويخرج ذكر البكرة والعشي: أن زمان الجنة يكون مشبهاً البكرة من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ومثل الوقت الذي يكون بعد غروب الشمس إلى أن يظلم؛ لأنه أخبر أن ظله ممدود بقوله: ﴿ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ ﴾ .
ثم أخبر أن تلك الجنة التي ذكر أن فيها كذا هي ﴿ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً ﴾ يحتمل أن يكون وعد الجنة للبشر كلهم بشرائط شرط عليهم، إن وفوا بها فلهم الجنة جميعاً، وإن لم يفوا بها فلا، فمن وفى بشرائطه التي شرط يجعل الذي كان وعد للذي لم يف - إذا وفى - للذي وفي بذلك، فهو الميراث الذي ذكر، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ...
﴾ الآية [المؤمنون: 10-11]، والوارث هو الباقي من المورث والخلف عن الميت.
وقوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ : قال بعضهم: الخلف - بالجزم - يستعمل في موضع الذم، والخلف بالتحريك والنصب في موضع الحمد.
وقال بعضهم: هما سواء، ويستعملان جميعاً في موضع واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ .
هذا الكلام منه لا يكون إلا عن سؤال كان منه، كأنه قد كان استبطأ نزول جبريل عليه، فعند ذلك قال له: إنا لا نتنزل إلا بأمر ربك.
ثم فيه أنه لم يقل ذلك له إلا بأمر الله؛ لأن الله أخبر أنهم: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ : فلا يحتمل أن يقول له ذلك من تلقاء نفسه؛ فيجعل ذلك آية في كتاب الله تتلى.
قوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ .
كأن هذا الكلام موصول بقوله: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ ؛ لأنهما جميعاً كانا يعلمان أن له ما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك؛ فدل ذلك أنه موصول بالأوّل، وجهة الصلة بالأوّل هو أن يقال: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ ، لا نتقدم إلا بأمره، ولا نتأخر ولا نعمل شيئاً إلاّ بأمره، وهو كقوله: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .
وأمّا غيره من أهل التأويل اختلفوا فيه: [قال بعضهم]: قوله: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ﴾ : هو الآخرة، ﴿ وَمَا خَلْفَنَا ﴾ : ما مضى من الدنيا، ﴿ وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ : الحال التي نحن فيها.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ﴾ : الدنيا، ﴿ وَمَا خَلْفَنَا ﴾ : الآخرة، ﴿ وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ : ما بين النفختين، وأمثال هذا، لكن الذي ذكرنا بدءاً أولى وأشبه؛ إذ هو على الصلة بالأوّل؛ إذ لا يتقدم ولا يتأخر ولا يعمل شيئاً إلا بأمره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ .
هذا يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: ما قال بعض أهل التأويل: إن جبريل قد كان احتبس عنه زماناً، فقال أهل مكة: قد ودعه ربّه وقلاه؛ فنزل: ﴿ وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ﴾ على ما قال المشركون، فيخرج على هذا قوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ على الترك، أي: ما كان ربك تركك لما قال أولئك من التوديع والقلى.
ويحتمل: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ كملوك الأرض يطلب خدمهم وخولهم وقت سهوهم وحالة غفلتهم، فيقضون حوائجهم وحوائج من يطلب منهم القيام بها، أي: ما كان ربك بالذي يسهو ويغفل كملوك الأرض.
والثالث: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ بتأخير نزوله عن وقت النزول، بل أنزل عليك في الوقت الذي هو وقت النزول.
فهذان الوجهان يخرجان على السهو والغفلة، والأول على الترك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾ .
أي: اصبر نفسك عليها وعلى طاعته.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: ما تعلم له شريكاً تشتغل بعبادته عن عبادة الله، إنما هو إله واحد، لا راحة لك عن عبادته ولا ما يشغلك عنه.
وقال بعض أهل التأويل: هل تعلم أحداً اسمه: (الله) سواه؟!
وقال بعضهم: هل تعلم له مثلاً وشبيهاً؟!
<div class="verse-tafsir"
ثم لنحن أعلم بالذين هم أحقّ بدخول النار ومقاساة حرّها ومعاناته.
<div class="verse-tafsir" id="91.vvW3a"