الآية ٧٥ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٧٥ من سورة مريم

قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلْعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضْعَفُ جُندًۭا ٧٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 85 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٥ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٥ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( قل ) يا محمد ، لهؤلاء المشركين بربهم المدعين ، أنهم على الحق وأنكم على الباطل : ( من كان في الضلالة ) أي : منا ومنكم ، ( فليمدد له الرحمن مدا ) أي : فأمهله الرحمن فيما هو فيه ، حتى يلقى ربه وينقضي أجله ، ( إما العذاب ) يصيبه ، ( وإما الساعة ) بغتة تأتيه ، ( فسيعلمون ) حينئذ ( من هو شر مكانا وأضعف جندا ) أي : في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندي .

قال مجاهد في قوله : ( فليمدد له الرحمن مدا ) فليدعه الله في طغيانه .

هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله .

وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه ، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله : ( قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) [ الجمعة : 6 ] أي : ادعوا على المبطل منا ومنكم بالموت إن كنتم تدعون أنكم على الحق ، فإنه لا يضركم الدعاء ، فنكلوا عن ذلك ، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة " البقرة " مبسوطا ، ولله الحمد .

وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة " آل عمران " حين صمموا على الكفر ، واستمروا على الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله ، وقد ذكر الله حججه وبراهينه على عبودية عيسى ، وأنه مخلوق كآدم ، قال بعد ذلك : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) [ آل عمران : 61 ] فنكلوا أيضا عن ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم، القائلين: إذا تتلى عليهم آياتنا، أيّ الفريقين منا ومنكم خير مقاما وأحسن نديا ، من كان منا ومنكم في الضلالة جائرا عن طريق الحقّ ، سالكا غير سبيل الهدى، فليمدد له الرحمن مدّا: يقول: فليطوَّل له الله في ضلالته، وليمله فيها إملاء.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ) فليَدعْه الله في طغيانه.

وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وقوله ( حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ ) يقول تعالى ذكره: قل لهم: من كان منا ومنكم في الضلالة، فليمدد له الرحمن في ضلالته إلى أن يأتيهم أمر الله، إما عذاب عاجل، أو يلقوا ربهم عند قيام الساعة التي وعد الله خلقه أن يجمعهم لها، فإنهم إذا أتاهم وعد الله بأحدِ هذين الأمرين ( فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا ) ومسكنا منكم ومنهم ( وَأَضْعَفُ جُنْدًا ) أهم أم انتم؟

ويتبينون حينئذ أيّ الفريقين خير مقاما، وأحسن نديا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل من كان في الضلالة أي في الكفر فليمدد له الرحمن مدا أي فليدعه في طغيان جهله وكفره ؛ فلفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر أي من كان في الضلالة مده الرحمن مدا حتى يطول اغتراره ، فيكون ذلك أشد لعقابه ، نظيره إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وقوله : ونذرهم في طغيانهم يعمهون ومثله كثير ؛ أي فليعش ما شاء ، وليوسع لنفسه في العمر ؛ فمصيره إلى الموت والعقاب .

وهذا غاية في التهديد والوعيد .

وقيل : هذا دعاء أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ تقول : من سرق مالي فليقطع الله تعالى يده ؛ فهو دعاء على السارق .

وهو جواب الشرط وعلى هذا فليس قوله فليمدد خبرا .قوله تعالى : حتى إذا رأوا ما يوعدون قال رأوا لأن لفظ ما يصلح للواحد [ ص: 67 ] والجمع .

وإذا مع الماضي بمعنى المستقبل ؛ أي حتى يروا ما يوعدون ، والعذاب هنا إما أن يكون بنصر المؤمنين عليهم فيعذبونهم بالسيف والأسر ؛ وإما أن تقوم الساعة فيصيرون إلى النار .

فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا أي تنكشف حينئذ الحقائق وهذا رد لقولهم : أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر دليلهم الباطل، الدال على شدة عنادهم، وقوة ضلالهم، أخبر هنا، أن من كان في الضلالة، بأن رضيها لنفسه، وسعى فيها، فإن الله يمده منها، ويزيده فيها حبا، عقوبة له على اختيارها على الهدى، قال تعالى: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } { حَتَّى إِذَا رَأَوْا } أي: القائلون: { أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا } { مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ } بقتل أو غيره { وَإِمَّا السَّاعَةَ } التي هي باب الجزاء على الأعمال { فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا } أي: فحينئذ يتبين لهم بطلان دعواهم، وأنها دعوى مضمحلة، ويتيقنون أنهم أهل الشر، { وَأَضْعَفُ جُنْدًا } ولكن لا يفيدهم هذا العلم شيئا، لأنه لا يمكنهم الرجوع إلى الدنيا، فيعملون غير عملهم الأول.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ) هذا أمر بمعنى الخبر معناه : يدعه في طغيانه ويمهله في كفره ( حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب ) وهو الأسر والقتل في الدنيا ( وإما الساعة ) يعني : القيامة فيدخلون النار ( فسيعلمون ) عند ذلك ( من هو شر مكانا ) منزلا ( وأضعف جندا ) أقل ناصرا أهم أم المؤمنون؟

لأنهم في النار والمؤمنون في الجنة وهذا رد عليهم في قوله ( أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل من كان في الضلالة» شرط جوابه «فليمدد» بمعنى الخبر أي يمد «له الرحمن مدا» في الدنيا يستدرجه «حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب» كالقتل والأسر «وإما الساعة» المشتملة على جهنم فيدخلونها «فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا» أعوانا أهم أم المؤمنون وجندهم الشياطين وجند المؤمنين عليهم الملائكة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل - أيها الرسول - لهم: من كان ضالا عن الحق غير متبع طريق الهدى، فالله يمهله ويملي له في ضلاله، حتى إذا رأى - يقينا - ما توعَّده الله به: إما العذاب العاجل في الدنيا، وإما قيام الساعة، فسيعلم - حينئذ - مَن هو شر مكانًا ومستقرًا، وأضعف قوة وجندًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يضيف إلى تهديدهم السابق تهديدا آخر فقال : ( قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً .

.

) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين المتفاخرين بمساكنهم ومظاهرهم .

.

.

قل لهم : من كان منغمسا فى الضلالة والشقاوة والغفلة .

.

.

فقد اقتضت حكمة الله - تعالى - أن يمد له العطاء كأن يطيل عمره ويوسع رزقه ، على سبيل الاستدراج والإمهال .

.فصيغة الطلب وهى قوله - تعالى - : ( فَلْيَمْدُدْ ) على هذا التفسير ، المراد بها : الإخبار عن سنة من سنن الله - تعالى - فى خلقه ، وهى أن سننه - تعالى - قد اقتضت أن يمهل الضالين ، وأن يزيدهم من العطاء الدنيوى ، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر .قال - تعالى - : ( فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ) وقال - سبحانه - : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) وقد صدر الآلوسى تفسيره للآية بهذا التفسير فقال ما ملخصه : قوله ( قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة .

.

.

) أمر منه - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب على هؤلاء المتفاخرين بما لهم من الحظوظ الدنيوية .

.

.وقوله : ( فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ) أى : يمد - سبحانه - له ويمهله بطول العمر ، وإعطاء المال ، والتمكن من التصرفات ، فالطلب فى معنى الخبر واختير للإيذان بأن ذلك مما ينبغى أن يفعل بموجب الحطمة لقطع المعاذير فيكون حاصل المعنى : من كان فى الضلالة فلا عذر له فقد أمهله الرحمن ومد له مدا وجوز أن يكون ذلك للاستدراج .وحاصل المعنى : من كان فى الضلالة فعادة الله أن يمد له ويستدرجه .ومن المفسرين من يرى أن صيغة الطلب وهى ( فَلْيَمْدُدْ ) على بابها ، ويكون المقصود بالآية الدعاء على الضال من الفريقين بالازدياد من الضلال .وعليه يكون المعنى : قل - أيها الرسول الكريم لهؤلاء المتفاخرين ، من كان منا أو منكم على الضلالة ، فليزده الله من ذلك ، وكأن الآية الكريمة تأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمباهلة المشركين كما أمره الله - تعالى - فى آية أخرى بمباهلة اليهود فى قوله :( قُلْ ياأيها الذين هادوا إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناس فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ .

.

.

) وكما أمر الله بمباهلة النصارى فى قوله - سبحانه - ( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الكذبين ) ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير الإمامان ابن جرير وابن كثير ، فقد قال ابن كثير : يقول - تعالى - ( قُلْ ) يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم المدعين أنهم على الحق وأنكم على الباطل ( مَن كَانَ فِي الضلالة ) أى منا ومنكم ( فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ) فليدعه الله فى طغيانه هكذا ، قرر ذلك أبو جعفر بن جرير ، وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه كما ذكر - تعالى - مباهلة اليهود والنصارى .ومع وجاهة التفسيرين لمعنى ( فَلْيَمْدُدْ لَهُ .

.

.

) إلا أنا نميل إلى الرأى الأول وهو أن صيغة الطلب يراد بها الإخبار عن سنة الله - تعالى - فى الضالين ، لأنه هو المتبادر من معنى الآية الكريمة ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك ( وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى ) يؤيد هذا الرأى .وقوله - سبحانه - : ( حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ .

.

.

) متعلق بما قبله .أى : فليمدد له الرحمن مدا على سبيل الاستدراج والإمهال ، حتى إذا رأى هؤلاء الكافرون ما توعدهم الله - تعالى - به ، علموا وأيقنوا أن الأمر بخلاف ما كانوا يظنون وما كانوا يقولون لأنهم سينزل الله - تعالى - بهم ( إِمَّا العذاب ) الدنيوى على أيدى المؤمنين ( وَإِمَّا الساعة ) أى : وإما عذاب الآخرة وهو أشد وأبقى .وحينئذ يعلمون ويوقنون ( مَنْ هُوَ ) من الفريقين ( شَرٌّ مَّكَاناً ) أى : أسوأ منزلا ومسكنا ( وَأَضْعَفُ جُنداً ) وأضعف أعوانا وأنصارا .وهذه الجملة الكريمة رد على قول المشركين قبل ذلك : ( أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا الجواب الثاني عن تلك الشبهة وتقريره لنفرض أن هذا الضال المتنعم في الدنيا قد مد الله في أجله وأمهله مدة مديدة حتى ينضم إلى النعمة العظيمة المدة الطويلة، فلابد وأن ينتهي إلى عذاب في الدنيا أو عذاب في الآخرة بعد ذلك سيعلمون أن نعم الدنيا ما تنقذهم من ذلك العذاب فقوله: ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ مذكور في مقابلة قولهم: ﴿ خَيْرٌ مَّقَاماً  ﴾ ﴿ وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ أَحْسَنُ نَدِيّاً  ﴾ فبين تعالى أنهم وإن ظنوا في الحال أن منزلتهم أفضل من حيث فضلهم الله تعالى بالمقام والندى فسيعلمون من بعد أن الأمر بالضد من ذلك وأنهم شر مكاناً فإنه لا مكان شر من النار والمناقشة في الحساب.

﴿ وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ فقد كانوا يظنون وهم في الدنيا أن اجتماعهم ينفع فإذا رأوا أن لا ناصر لهم في الآخرة عرفوا عند ذلك أنهم كانوا في الدنيا مبطلين فيما ادعوه.

بقي البحث عن الألفاظ وهو من وجوه: أحدها: مد له الرحمن أي أمهله وأملى له في العمر فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة كالمأمور الممتثل ليقطع معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة: ﴿ أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ  ﴾ وكقولهم: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً  ﴾ .

وثانيها: أن قوله: ﴿ إِمَّا العذاب وَإِمَّا الساعة ﴾ يدل على أن المراد بالعذاب عذاب يحصل قبل يوم القيامة لأن قوله: ﴿ وَإِمَّا الساعة ﴾ المراد منه يوم القيامة ثم العذاب الذي يحصل قبل يوم القيامة يمكن أن يكون هو عذاب القبر ويمكن أن يكون هو العذاب الذي سيكون عند المعاينة لأنهم عند ذلك يعلمون ما يستحقون، ويمكن أيضاً أن يكون المراد تغير أحوالهم في الدنيا من العز إلى الذل، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى المرض، ومن الأمن إلى الخوف، ويمكن أن يكون المراد تسليط المؤمنين عليهم، ويمكن أيضاً أن يكون المراد ما نالهم يوم بدر، وكل هذه الوجوه مذكورة، واعلم أنه تعالى بين بعد ذلك أنه كما يعامل الكفار بما ذكره فكذلك يزيد المؤمنين المهتدين هدى، واعلم أنا نبين إمكان ذلك بحسب العقل، فنقول: إنه لا يبعد أن يكون بعض أنواع الاهتداء مشروطاً بالبعض فإن حاصل الاهتداء يرجع إلى العلم ولا امتناع في كون بعض العلم مشروطاً بالبعض، فمن اهتدى بالهداية التي هي الشرط صار بحيث لا يمتنع أن يعطي الهداية التي هي المشروط، فصح قوله: ﴿ وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى ﴾ مثاله الإيمان هدى والإخلاص في الإيمان زيادة هدى ولا يمكن تحصيل الإخلاص إلا بعد تحصيل الإيمان فمن اهتدى بالإيمان زاده الله الهداية بالإخلاص، هذا إذا أجرينا لفظ الهداية على ظاهره ومن الناس من حمل الزيادة في الهدى على الثواب أي ويزيد الله الذين اهتدوا ثواباً على ذلك الاهتداء ومنهم من فسر هذه الزيادة بالعبادات المترتبة على الإيمان، قال صاحب الكشاف: يزيد معطوف على موضع فليمدد لأنه واقع موقع الخبر وتقديره من كان في الضلالة يمد له الرحمن مداً ويزيد أي يزيد في ضلال الضلال بخذلانه بذلك المد ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه، ثم إنه تعالى بين أن ما عليه المهتدون هو الذي ينفع في العاقبة فقال: ﴿ والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا ﴾ وذلك لأن ما عليه المهتدون ضرر قليل متناه يعقبه نفع عظيم غير متناه، والذي عليه الضالون نفع قليل متناه يعقبه ضرر عظيم غير متناه، وكل أحد يعلم بالضرورة أن الأول أولى، وبهذا الطريق تسقط الشبهة التي عولوا عليها واختلفوا في المراد بالباقيات الصالحات فقال المحققون إنها الإيمان والأعمال الصالحة سماها باقية لأن نفعها يدوم ولا يبطل ومنهم من قال المراد بها بعض العبادات ولعلهم ذكروا ما هو أعظم ثواباً فبعضهم ذكر الصلوات وبعضهم ذكر التسبيح وروي عن أبي الدرداء قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأخذ عوداً يابساً فأزال الورق عنه ثم قال: إن قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله يحط الخطايا حطاً كما يحط ورق هذه الشجرة الريح خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن هن الباقيات الصالحات وهن من كنوز الجنة، وكان أبو الدرداء يقول: لأعلمن ذلك ولأكثرن منه حتى إذا رآني جاهل حسب أني مجنون.

والقول الأول أولى لأنه تعالى إنما وصفها بالباقيات الصالحات من حيث يدوم ثوابها ولا ينقطع فبعض العبادات وإن كان أنقص ثواباً من البعض فهي مشتركة في الدوام فهي بأسرها باقية صالحة نظراً إلى آثارها التي هي الثواب ثم إنه تعالى أخبر أنها: ﴿ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً ﴾ ولا يجوز أن يقال: هذا خير إلا والمراد أنه خير من غيره فالمراد إذن أنها خير مما ظنه الكفار بقولهم: ﴿ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي مدّ له الرحمن، يعني: أمهله وأملى له في العمر، فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة، كالمأمور به الممتثل، لتقطع معاذير الضالّ، ويقال له يوم القيامة ﴿ أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ [فاطر: 37] أو كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً ﴾ [آل عمران: 178] أو ﴿ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ﴾ في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدّة حياته.

في هذه الآية وجهان، أحدهما: أن تكون متصلة بالآية التي هي رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما، أي قالوا: أيّ الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً.

﴿ حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ ﴾ أي لا يبرحون يقولون هذا القول ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين ﴿ إِمَّا العذاب ﴾ في الدنيا وهو غلبة المسلمين عليهم وتعذيبهم إياهم قتلاً وأسراً وإظهار الله دينه على الدين كله على أيديهم.

وإما يوم القيامة وما ينالهم من الخزي والنكال، فحينئذ يعلمون عند المعاينة أن الأمر على عكس ما قدروه، وأنهم شر مكاناً وأضعف جنداً، لا خير مقاماً وأحسن ندياً.

وأن المؤمنين على خلاف صفتهم.

والثاني: أن تتصل بما يليها.

والمعنى: أن الذين في الضلالة ممدود لهم في ضلالتهم، والخذلان لاصق بهم لعلم الله بهم، وبأن الألطاف لا تنفع فيهم وليسوا من أهلها.

والمراد بالضلالة: ما دعاهم من جهلهم وغلوّهم في كفرهم إلى القول الذي قالوه.

ولا ينفكون عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين أو يشاهدوا الساعة ومقدّماتها.

فإن قلت: (حتى) هذه ما هي؟

قلت: هي التي تحكى بعدها الجمل ألا ترى الجملة الشرطية واقعة بعدها وهي قوله: ﴿ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ...

فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ في مقابلة ﴿ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾ لأن مقامهم هو مكانهم ومسكنهم.

والنديّ: المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم وأنصارهم.

والجند: هم الأنصار والأعوان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ﴾ فَيُمِدُّهُ ويُمْهِلُهُ بِطُولِ العُمُرِ والتَّمَتُّعِ بِهِ، وإنَّما أخْرَجَهُ عَلى لَفْظِ الأمْرِ إيذانًا بِأنَّ إمْهالَهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَهُ اسْتِدْراجًا وقَطْعًا لِمَعاذِيرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ﴾ وكَقَوْلِهِ ﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ ﴾ غايَةَ المَدِّ.

وقِيلَ غايَةُ قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينِ آمَنُوا أيْ قالُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ.

﴿ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْمَوْعُودِ فَإنَّهُ إمّا العَذابُ في الدُّنْيا وهو غَلَبَةُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وتَعْذِيبُهم إيّاهم قَتْلًا وأسْرًا وإمّا يَوْمَ القِيامَةِ وما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ.

﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا ﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِأنْ عايَنُوا الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما قَدَّرُوهُ وعادَ ما مُتِّعُوا بِهِ خِذْلانًا ووَبالًا عَلَيْهِمْ، وهو جَوابُ الشَّرْطِ والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بَعْدَ ﴿ حَتّى ﴾ .

﴿ وَأضْعَفُ جُنْدًا ﴾ أيْ فِئَةً وأنْصارًا قابَلَ بِهِ أحْسُنُ نَدِيًّا مِن حَيْثُ إنَّ حُسْنَ النّادِي بِاجْتِماعِ وُجُوهِ القَوْمِ وأعْيانِهِمْ وظُهُورِ شَوْكَتِهِمْ واسْتِظْهارِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ مَن كَانَ فِى الضلالة} الكفر {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً} جواب من لأنها شرطية وهذا الأمر بمعنى الخبر أي من كفر مد له الرحمن يعني أمهله وأملى له في العمر ليزداد طغياناً وضلالاً كقوله تعالى إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وإنا أخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل ليقطع معاذير الضلال {حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} هي متصلة بقوله خير مقاماً وأحسن ندياً وما بينهما اعتراض أي لا يزالون يقولون هذا القول إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين {إِمَّا العذاب} في الدنيا وهو تعذيب المسلمين إياهم بالقتل والأسر {وَإِمَّا الساعة} أي القيامة وما ينالهم من الخزي والنكال فهما بدلان مما يوعدون {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً} منزلاً {وَأَضْعَفُ جُنداً} أعواناً وأنصاراً أي فحينئذٍ يعلمون أن الأمر على عكس ما قدروه وأنهم شر مكاناً وأضعف جنداً لا خير مقاماً وأحسن ندياً وأن المؤمنين على خلاف صفتهم وجاز أن تتصل بما يليها والمعنى إن الذين في الضلالة ممدود لهم في ضلالتهم لا ينفكون

مريم (٨٠ - ٧٦)

عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين أو يشاهدوا الساعة وحتى هي التي يحكي بعدها الجمل ألا ترى أن الجملة الشرطية واقعة بعدها وهي قوله إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ ﴾ إلَخْ أمْرٌ مِنهُ تَعالى لِرَسُولِهِ  بِأنْ يُجِيبَ هَؤُلاءِ المُفْتَخِرِينَ بِما لَهم مِنَ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِبَيانِ مَآلِ أمْرِ الفَرِيقَيْنِ إمّا عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ مُتَناوِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِنَ المُنْهَمِكِينَ في اللَّذَّةِ الفانِيَةِ المُبْتَهِجِينَ بِها عَلى أنَّ مِن عَلى عُمُومِها، وإمّا عَلى وجْهٍ خاصٍّ بِهِمْ عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنْهم ووَصَفَهم بِالتَّمَكُّنِ في الضَّلالَةِ لِذَمِّهِمْ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أيْ مَن كانَ مُسْتَقِرًّا في الضَّلالَةِ مَغْمُورًا بِالجَهْلِ والغَفْلَةِ عَنْ عَواقِبِ الأُمُورِ ﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ﴾ أيْ يَمُدُّ سُبْحانَهُ لَهُ ويُمْهِلُهُ بِطُولِ العُمْرِ وإعْطاءِ المالِ، والتَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ، فالطَّلَبُ في مَعْنى الخَبَرِ، واخْتِيرَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ لِقَطْعِ المَعاذِيرِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ فَيَكُونُ حاصِلُ المَعْنى مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلا عُذْرَ لَهُ فَقَدْ أمْهَلَهُ الرَّحْمَنُ ومَدَّ لَهُ مَدًّا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلِاسْتِدْراجِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ﴾ وحاصِلُ المَعْنى: مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَعادَةُ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمُدَّ لَهُ ويَسْتَدْرِ جَهُ لِيَزْدادَ إثْمًا، وقِيلَ: المُرادُ الدُّعاءُ بِالمَدِّ إظْهارًا لِعَدَمِ بَقاءِ عُذْرٍ بَعْدَ هَذا البَيانِ الواضِحِ فَهو عَلى أُسْلُوبِ ﴿ رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ إنْ حُمِلَ عَلى الدُّعاءِ، قالَ في الكَشْفِ: الوَجْهُ الأوَّلُ أوْفَقُ بِهَذا المَقامِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِما أنَّ المُدُنَ أحْكامُها ﴿ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ ﴾ إلى آخِرِهِ غايَةٌ لِلْمَدِّ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمِيرَيْنِ الأوَّلِينَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما اسْمُ مَوْصُولٍ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِلَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي يُوعِدُونَهُ، واعْتِبارُ ما مَصْدَرِيَّةً خِلافُ الظّاهِرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ ﴾ بَدَلٌ مِن ( ما ) وتَفْصِيلٌ لِلْمَوْعُودِ عَلى طَرِيقَةِ مَنعِ الخُلُوِّ، والمُرادُ بِالعَذابِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ بِغَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ واسْتِيلائِهِمْ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِالسّاعَةِ قِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ وهو الظّاهِرُ.

وقِيلَ: ما يَشْمَلُ حِينَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ العَذابِ ومَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ وذَلِكَ لِتَتَّصِلَ الغايَةُ بِالمُغَيّا فَإنَّ المَدَّ لا يَتَّصِلُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ أمْرَ الفاصِلِ سَهْلٌ لِأنَّ أُمُورَ هَذِهِ الدُّنْيا لِزَوالِها وتَقَضِّيها لا تُعَدُّ فاصِلَةً كَما قِيلَ: ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: (فَسَيَعْلَمُونَ) جَوابُ الشَّرْطِ وهُما في الحَقِيقَةِ الغايَةُ إنْ قُلْنا: إنَّ المَجْمُوعَ هو الكَلامُ أوْ مَفْهُومُهُ فَقَطْ إنْ قُلْنا: إنَّهُ هو الكَلامُ والشَّرْطُ قَيْدٌ لَهُ، (وحَتّى) عِنْدَ ابْنِ مالِكٍ جارَّةٌ وهي لِمُجَرَّدِ الغايَةِ لا جارَّةٌ ولا عاطِفَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهَكَذا هي كُلَّما دَخَلَتْ عَلى إذا الشَّرْطِيَّةِ وهي مَنصُوبَةٌ بِالشَّرْطِ أوِ الجَزاءِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمُرادُ حَتّى إذا عايَنُوا ما يُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ أوِ الأُخْرَوِيِّ فَقَطْ فَسَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ ﴿ مَن هو شَرٌّ مَكانًا ﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِأنْ يُشاهِدُوا الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما كانُوا يُقَدِّرُونَهُ فَيَعْلَمُونَ أنَّهم شَرٌّ مَكانًا لا خَيْرٌ مَقامًا، وفي التَّعْبِيرِ بِالمَكانِ هُنا دُونَ المَقامِ المُعَبَّرِ بِهِ هُناكَ مُبالَغَةٌ في إظْهارِ سُوءِ حالِهِمْ ﴿ وأضْعَفُ جُنْدًا ﴾ أيْ: فِئَةً وأنْصارًا لا أحْسَنُ نِدِّيًّا، ووَجْهُ التَّقابُلِ أنَّ حُسْنَ النَّدِيِّ بِاجْتِماعِ وُجُوهِ القَوْمِ وأعْيانِهِمْ وظُهُورِ شَوْكَتِهِمْ واسْتِظْهارِهِمْ.

وقِيلَ: إنَّ المُرادَ مِنَ النَّدِيِّ هُناكَ مَن فِيهِ كَما يُقالُ المَجْلِسُ العالِي لِلتَّعْظِيمِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهُ ثَمَّةَ جُنْدًا ضَعِيفًا كَلًّا ﴿ ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا ﴾ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ رَدًّا لِما كانُوا يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ لَهم أعْوانًا مِن شُرَكائِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ وهي في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولِ ( يَعْلَمُونَ ) وتَعَدّى إلى واحِدٍ لِأنَّ العِلْمَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ هُوَ شَرٌّ ﴾ صِلَةُ المَوْصُولِ.

وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها اسْتِفْهامِيَّةً والعِلْمُ عَلى بابِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ وهو عِنْدَ أبِي البَقاءِ فَصْلٌ لا مُبْتَدَأٌ.

وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وظاهِرُ صَنِيعِهِ اخْتِيارُهُ أنْ يَكُونَ ما تَقَدَّمَ غايَةً لِقَوْلِ الكَفَرَةِ ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ ﴾ إلَخْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: (كَمْ أهْلَكْنا) إلَخْ و ﴿ قُلْ مَن كانَ ﴾ إلَخْ جُمْلَتانِ مُعْتَرِضَتانِ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ أيْ لا يَبْرَحُونَ يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ ويَتَوَلَّوْنَ بِهِ لا يَتَكافَوْنَ عَنْهُ إلى أنْ يُشاهِدُوا المَوْعُودَ رَأْيَ عَيْنٍ إمّا العَذابُ في الدُّنْيا بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ وإمّا يَوْمَ القِيامَةِ، وما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما قَدَّرُوهُ وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ الغايَةِ والمُغَيّا مَعَ أنَّ الفَصْلَ بِجُمْلَتَيِ اعْتِراضٍ فِيهِ خِلافُ أبِي عَلِيٍّ فَإنَّهُ لا يُجِيزُهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أيْضًا بَعْدَ إصْلاحِ أمْرِ انْقِطاعِ القَوْلِ حِينَ المَوْتِ وعَدَمِ امْتِدادِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ اعْتِبارَ اسْتِمْرارِ القَوْلِ وتَكَرُّرِهِ لا يَتِمُّ بِدُونِ اعْتِبارِ اسْتِمْرارِ التِّلاوَةِ لِوُقُوعِ القَوْلِ في حَيِّزِ جَوابِ إذا وهو كَما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ يعني: تعرض عليهم آياتُنا بَيِّناتٍ يعني: واضحات، قد بين فيها الحلال والحرام قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: النضر بن الحارث قال لأصحاب النبيّ  ويقال: أهل مكة قالوا لأصحاب النبيّ  أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ يعني أيّ دينين خَيْرٌ مَقاماً، يعني: منزلاً.

قرأ ابن كثير مَقاماً بضم الميم، وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم فهو الإقامة، يقال: أقمت إقامة ومقاماً، ومن قرأ بالنصب فهو المكان الذي يقام فيه وَأَحْسَنُ نَدِيًّا يعني: مجلساً، وذلك أنهم لبسوا الثياب، وادّهنوا الرؤوس، ثم قالوا للمؤمنين: أيُّ الفريقين خير منزلةً: المسلمون أو المشركون؟

وأرادوا أن يصرفوهم عن دينهم.

قوله عز وجل: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً يعني: أكثر أموالا وَرِءْياً يعني: منظراً حسناً، فلم يُغن عنهم ذلك من عذاب الله شيئا.

قرأ نافع وابن عامر وريّاً بتشديد الياء بغير همز، يعني: النعمة، وقرأ الباقون ورئياً بالهمز بغير تشديد، يعني: المنظر.

قال أبو عبيد: وهكذا تقرأ مهموزة لأنه من رؤية العين، وإنما هي المنظر.

ثم قال عز وجل: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ يعني: قل يا محمد، من كان في الكفر والشرك فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا يعني: يزيد له مالاً وولداً.

قوله: فَلْيَمْدُدْ هذا لفظ الأمر، ومعناه الخبر، وتأويله: أن الله عز وجل جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها، ويمده فيها، كما قال وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: 15] .

ثم قال تعالى: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ يعني: في الآخرة من العذاب والثواب إِمَّا الْعَذابَ في الدنيا وَإِمَّا السَّاعَةَ يعني: قيام الساعة فَسَيَعْلَمُونَ يعني: فسيعرفون يوم القيامة مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً يعني: صنيعاً في الدنيا، ومنزلاً في الآخرة وَأَضْعَفُ جُنْداً يعني: أقل عدداً وقوة ومنعة، أهم أم المؤمنون.

قوله عز وجل: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً يعني: يزيد الله عز وجل الذين آمنوا بالمنسوخ هدى بالناسخ، ليعملوا بالناسخ دون المنسوخ، ويقال: جعل جزاءهم أن يزيدهم في يقينهم، ويزيدهم بصيرة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وقد ذكرناه وَخَيْرٌ مَرَدًّا يعني: وأفضل مرجعاً في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال البخاري «١» : ورءياً: منظراً.

وقرأ نافعٌ أيضاً، وأَهل المدينة: «وَرِيّاً» بياء مشددة، فقيل: هي بمعنى القِرَاءةِ الأُولى، وقيل: هي بمعنى الرِّيِّ في السُّقْيَا إذْ أَكْثر النعمة مِنَ الريِّ والمطر.

وقرأ ابنُ جُبَيْر، وابنُ عباسٍ، ويزيدُ البريري: «وزيّا» بالزاي المعجمة بمعنى:

الملبس.

[وأما] «٢» :

قوله سبحانه: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا، فيحتمل أَنْ يكون بمعنى الدُّعَاءِ والاِبْتِهَال كأَنه يقولُ: الأَضَلّ مِنّا ومنكم مد الله له، أَيْ: أملى له حَتَّى يؤول ذلك إلَى عذابِه، ويحتمل أَنْ يكون بمعنى الخبر أنه سبحانه هذه عَادَتُه: الإمْلاَءُ للضَّالِينْ: حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ، أَيْ: في الدنيا بنصر الله لِلْمُؤْمِنينَ عليهم، وَإِمَّا السَّاعَةَ فيصيرون إلى النارِ، والجند النّاصرون: القائمون بأمر الحرب، وشَرٌّ مَكاناً بإزاء قولهم خَيْرٌ مَقاماً وأَضْعَفُ جُنْداً بإزاء قولهم: أَحْسَنُ نَدِيًّا ولما ذكر سبحانه ضَلاَلَةَ الكَفَرةِ وافتخارَهُم بنِعَم الدنيا عَقَّبَ «٣» ذلك بذكر نِعْمة الله على المؤْمِنينَ في أَنه يزيدهم هُدَىً في الارْتِبَاط بالأَعمالِ الصَّالحة، والمعرفة بالدَّلائل الوَاضِحَة، وقد تقدَّم تَفْسِيرُ البَاقِيَاتِ الصالحات عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم: «وأنها: سُبْحَانَ اللهِ، والحمُدْ لِلَّهِ، وَلاَ إله إلا الله، والله أكبر» وقد قال صلى الله عليه وسلّم لأَبِي الدَّرْدَاءِ: «خُذْهُنَّ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ، وَبَيْنَهُنَّ فَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وهنّ من كنوز الجنّة «٤» » ، وعنه صلى الله عليه وسلّم أَنه قَالَ:

«خُذُوا جُنَّتِكُم، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ؟

قَالَ: مِنَ النَّارِ، قَالُوا: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهنّ الباقيات الصّالحات» «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ ﴾ ؛ أيْ: في الكُفْرِ والعَمى عَنِ التَّوْحِيدِ، ﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لَفْظُ أمْرٍ ومَعْناهُ الخَبَرُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعْلَ جَزاءَ ضَلالَتِهِ أنْ يَتْرُكَهُ فِيها.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: خاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ بِلِسانِها، وهي تَقْصِدُ التَّوْكِيدَ لِلْخَبَرِ بِذِكْرِ الأمْرِ، يَقُولُ أحَدُهم: إنْ زارَنا عَبْدُ اللَّهِ فَلْنُكْرِمْهُ، يَقْصِدُ التَّوْكِيدَ، ويُنَبِّهُ عَلى أنِّي أُلْزِمُ نَفْسِي إكْرامَهُ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الدُّعاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ: مَن كانَ في الضَّلالَةِ، فاللَّهُمَّ مُدَّ لَهُ في النِّعَمِ مَدًّا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى مَدِّ اللَّهِ تَعالى لَهُ: إمْهالُهُ في الغَيِّ.

﴿ حَتّى إذا رَأوْا ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ مَدَّهم في الضَّلالَةِ، وإنَّما أخْبَرَ عَنِ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَ " مَن " يَصْلُحُ لِلْجَماعَةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوعَدُونَ فَقالَ: ﴿ إمّا العَذابَ ﴾ يَعْنِي: القَتْلَ والأسْرَ، ﴿ وَإمّا السّاعَةَ ﴾ يَعْنِي: القِيامَةَ وما وُعِدُوا فِيها مِنَ الخُلُودِ في النّارِ، ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا ﴾ في الآخِرَةِ، أهَمْ أُمِ المُؤْمِنُونَ ؟

لِأنَّ مَكانَ هَؤُلاءِ الجَنَّةُ ومَكانَ هَؤُلاءِ النّارُ، ويَعْلَمُونَ بِالنَّصْرِ والقَتْلِ مَن " أضْعَفُ جُنْدًا " جُنْدَهم أمْ جُنْدِ رَسُولِ اللَّهِ  .

وهَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالتَّوْحِيدِ إيمانًا.

والثّانِي: يَزِيدُهم بَصِيرَةً في دِينِهِمْ.

والثّالِثُ: يَزِيدُهم بِزِيادَةِ الوَحْيِ إيمانًا، فَكُلَّما نَزَلَتْ سُورَةٌ زادَ إيمانُهم.

والرّابِعُ: يَزِيدُهم إيمانًا بِالنّاسِخِ والمَنسُوخِ.

والخامِسُ: يَزِيدُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالمَنسُوخِ هَدًى بِالنّاسِخِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ جَزاءَهم أنْ يَزِيدَهم يَقِينًا، كَما جُعِلَ جَزاءُ الكافِرِ أنْ يُمِدَّهُ في ضَلالَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والباقِياتُ الصّالِحاتُ ﴾ قَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ ( الكَهْفِ: ٤٦ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَيْرٌ مَرَدًّا ﴾ المَرَدُّ هاهُنا مَصْدَرٌ مِثْلَ الرَّدِّ، والمَعْنى: وخَيْرٌ رَدًّا لِلثَّوابِ عَلى عامِلَيْها، فَلَيْسَتْ كَأعْمالِ الكُفّارِ الَّتِي خَسِرُوها فَبَطَلَتْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا ﴾ ﴿ قُلْ مَن كانَ في الضَلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَحْمَنُ مَدًّا ﴾ قَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يُتْلى" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لِما كانَ الرَجُلُ مِنهم يُكَلِّمُ المُؤْمِنَ في مَعْنى الدِينِ فَيَقْرَأُ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ القُرْآنَ، ويَبْهَرُهُ بِآياتِ النَبِيِّ  ، كانَ الكافِرُ مِنهم يَقُولُ: إنَّ اللهَ إنَّما يُحْسِنُ لِأحَبِّ الخَلْقِ إلَيْهِ، وإنَّما يُنْعِمْ عَلى أهْلِ الحَقِّ، ونَحْنُ قَدْ أنْعَمَ عَلَيْنا دُونَكُمْ، فَنَحْنُ أغْنِياءُ وأنْتُمْ فُقَراءُ، ونَحْنُ أحْسَنُ مَجْلِسًا وأجْمَلُ شارَةً، فَهَذا المَعْنى ونَحْوَهُ هو المَقْصُودُ بِالتَوْقِيفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ ﴾ ؟

وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَقامًا" بِفَتْحِ المِيمِ، و"لا مَقامَ لَكُمْ" بِالفَتْحِ أيْضًا، وهو المَصْدَرُ مَن قامَ، أوِ الظَرْفُ مِنهُ في مَوْضِعِ القِيامِ.

وهَذا يَقْتَضِي لَفْظَ المَقامُ، إلّا أنَّ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ يُحْرِزُ أنَّهُ واقِعٌ عَلى الظَرْفِ فَقَطْ، وقَرَأ أبِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فِي مُقامٍ أمِينٍ"، بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مُقامًا" بِضَمِّ المِيمِ، وهو ظَرْفٌ مَن أقامَ، وكَذَلِكَ أيْضًا مِنَ المَصْدَرِ مِنهُ مِثْلَ "مَجْراها ومُرْساها" وقَرَأ: "فِي مَقامٍ أمِينٍ" و"لا مَقامَ لَكُمْ" بِالفَتْحِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ جَمِيعُهَنَّ بِالفَتْحِ، ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمْ "لا مُقامَ لَكُمْ" بِالضَمِّ.

و"النَدِيُّ" والنادِي: المَجْلِسُ فِيهِ الجَماعَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمُ الطائِيِّ: ودُعِيَتُ في أُولى النَدِيِّ ولِمْ يُنْظَرْ إلَيَّ بِأعْيُنٍ خُزْرِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ ﴾ مُخاطَبَةً مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ  ، خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ كَسْرَ حُجَّتِهِمْ واحْتِقارَ أمْرِهِمْ؛ لَأنَّ التَقْدِيرَ: هَذا الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ لا قَدْرَ لَهُ عِنْدَ اللهِ، ولَيْسَ بِمُنْجٍ لَهُمْ، فَكَمْ أهْلَكَ اللهُ مِنَ الأُمَمِ لَمّا كَفَرُوا وهم أشَدُّ مِن هَؤُلاءِ وأكْثَرُ أمْوالًا وأجْمَلَ مَنظَرًا.

و"القَرْنُ": الأُمَّةُ يَجْمَعُها العَصْرُ الواحِدُ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي إذا اجْتَمَعَتْ أُمَّةٌ سُمِّيَتْ تِلْكَ الأُمَّةُ قَرْنًا - فَقِيلَ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا غَيْرَ مَرَّةٍ.

و"الأثاثُ": المالُ العَيْنُ والعَرَضُ والحَيَوانُ، وهو اسْمٌ عامٌّ، واخْتَلَفَ، هَلْ هو جَمْعٌ أو إفْرادٌ؟

فَقالَ الفَرّاءُ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كالمَتاعِ، وقالَ خَلَفُ الأحْمَرِ، هو جَمْعٌ واحِدُهُ أثاثَةٌ، كَحَمامَةٍ وحَمامٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أشاقَتْكَ الظَعائِنُ يَوْمَ بانُوا ∗∗∗ بِذِي الرِئِيِ الجَمِيلِ مِنَ الأثاثِ؟

وأنْشَدَ أبُو العَبّاسِ: لَقَدْ عَلِمَتْ عُرَيْنَةُ حَيْثُ كانُوا ∗∗∗ بِأنّا نَحْنُ أكْثَرُهم أثاثًا وقَرَأ نافِعٌ - بِخِلافٍ - وأهْلُ المَدِينَةِ: "وَرِيًّا" بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فِيما رُوِيَ عنهُ، وطَلْحَةُ: "وَرِيًا" بِياءٍ مُخَفَّفَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيُّ: "وَرَءْيًا" بِهَمْزَةٍ بَعْدَها ياءٌ، عَلى وزْنِ رَعْيًا، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وابْنُ عامِرٍ، رَواها أشْهَبُ عن نافِعٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "وَرِيئًا" بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ، وهو عَلى القَلْبِ، وزْنُهُ فَلِعًا، وكَأنَّهُ مِن راءَ، وقالَ الشاعِرُ: وكُلُّ خَلِيلٍ راءَنِي فَهو قائِلٌ ∗∗∗ مِن أجْلِكَ: هَذا هامَةُ اليَوْمِ أو غَدِ فَأمّا القِراءَتانِ المَهْمُوزَتانِ فَهُما مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، الرِئِيُ اسْمُ المَرْئِيِّ والظاهِرُ لِلْعَيْنِ كالطَحْنِ والسَقْيِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِئِيُ: المَنظَرُ، قالَ الحَسَنَ: ورِيًّا بِمَعْناهُ، وأمّا المُشَدَّدَةُ الياءِ فَقِيلَ: هي بِمَعْنى المَهْمُوزَةِ إلّا أنَّ الهَمْزَةَ خُفِّفَتْ لِتَسْتَوِيَ رُؤُوسِ الآيِ.

وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ مِنَ الرَيِّ في السُقْيا، كَأنَّهُ أرادَ أنَّهم خَيْرٌ مِنهم بِلادًا وأطْيَبُ أرْضًا وأكْثَرُ نِعَمًا؛ إذْ جُمْلَةُ النِعَمِ إنَّما هي مِن والمَطَرِ، وأمّا القِراءَةُ المُخَفَّفَةُ الياءِ فَضَعِيفَةُ الوَجْهِ، وقَدْ قِيلَ: هي لَحْنٌ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ويَزِيدُ البَرْبَرِيِّ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "وَزِيًّا" بِالزايِ، وهو بِمَعْنى المَلْبَسُ وهَيْئَتُهُ، تَقُولُ: زُيِّيَتْ بِمَعْنى: زَيَّنَتْ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن كانَ في الضَلالَةِ ﴾ فَقَوْلٌ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الدُعاءِ والِابْتِهالِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: الأضَلُّ مِنّا أو مِنكم مَدَّ اللهُ لَهُ حَتّى يَؤُولُ ذَلِكَ إلى عَذابِهِ.

والمَعْنى الآخَرُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَبَرِ كَأنَّهُ يَقُولُ: مَن كانَ ضالًّا مِنَ الأُمَمِ فَعادَةُ اللهِ فِيهِ أنَّهُ يَمُدُّ لَهُ ولا يُعاجِلُهُ حَتّى يُفْضِيَ ذَلِكَ إلى عَذابِهِ في الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فاللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَلْيَمْدُدْ" عَلى المَعْنى الأوَّلِ لامُ رَغْبَةٍ في صِيغَةِ الأمْرِ، وعَلى المَعْنى الثانِي لامُ أمْرٍ دَخَلَتْ في مَعْنى الخَبَرِ لِيَكُونَ أوكَدَ وأقْوى، وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ وفَصاحَتِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا جواب قولهم ﴿ أي الفريقين خير مقاماً وأحسن نَدِيّاً ﴾ [مريم: 73].

لقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم كشف مغالطتهم أو شبهتهم؛ فأعلمهم بأن ما هم فيه من نعمة الدنيا إنما هو إمهال من الله إيّاهم، لأنّ ملاذ الكافر استدراج.

فمعيار التفرقة بين النّعمة الناشئة عن رضى الله تعالى على عبده وبين النعمة التي هي استدراج لمن كفر به هو النظر إلى حال من هو في نعمة بين حال هدى وحال ضلال.

قال تعالى في شأن الأولين: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ [النحل: 97].

وقال في شأن الآخرين ﴿ أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ﴾ [المؤمنون: 55، 56].

والمعنى: أن من كان منغمساً في الضلالة اغترّ بإمهال الله له فركبه الغرور كما ركبهم إذ قالوا {أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً.

واللاّم في قوله فليمدد له الرحمان مداً } لام الأمر أو الدعاء، استعملت مجازاً في لازم معنى الأمر، أي التحقيق، أي فسيمد له الرحمان مداً، أي إن ذلك واقع لا محالة على سنّة الله في إمهال الضُّلال، إعذاراً لهم، كما قال تعالى: ﴿ أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ [فاطر: 37]، وتنبيهاً للمسلمين أن لا يغتروا بإنعام الله على الضُّلال حتى أنّ المؤمنين يَدْعُون الله به لعدم اكتراثهم بطول مدة نعيم الكفّار.

فإن كان المقصود من ﴿ قُل ﴾ أن يقول النبي ذلك للكفّار فلام الأمر مجرد مجاز في التحقيق، وإن كان المقصود أن يبلّغ النبيءُ ذلك عَن الله أنه قال ذلك فلامُ الأمر مجاز أيضاً وتجريد بحيث إنّ الله تعالى يأمر نفسه بأن يمد لهم.

والمدّ: حقيقته إرخاء الحبل وإطالته، ويستعمل مجازاً في الإمهال كما هنا، وفي الإطالة كما في قولهم: مدّ الله في عمرك.

و ﴿ مَدّاً ﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله، أي فليمدد له المدّ الشديد، فيسينتهي ذلك.

و ﴿ حتى ﴾ لغاية المد، وهي ابتدائية، أي يمدّ له الرحمان إني أن يَروا ما يوعدون، أي لا محيص لهم عن رؤية ما أوعدوا من العذاب ولا يدفعه عنه طول مدّتهم في النّعمة.

فتكون الغاية مضمون الجملة التي بعدها ﴿ حتى ﴾ لا لفظاً مفرداً.

والتقدير: يمدّ لهم الرحمان حتى يروا العذاب فيعلموا من هو أسعد ومن هو أشقى.

وحرف الاستقبال لتوكيد حصول العلم لهم حينئذ وليس للدّلالة على الاستقبال لأنّ الاستقبال استفيد من الغاية.

و ﴿ إمّا ﴾ حرف تفصيل ل ﴿ ما يوعدون ﴾ ، أي ما أوعدوا من العذاب إما عذاب الدنيا وإما عذاب الآخرة، فإن كلّ واحد منهم لا يعدو أن يرى أحد العذابين أو كليهما.

وانتصب لفظ ﴿ العذاب ﴾ على المفعولية ل ﴿ يَروْا.

وحرف إما ﴾ غير عاطف، وهو معترض بين العامل ومعموله، كما في قول تأبّط شراً: هما خطتّا إمّا إسارٍ ومِنّةٍ وإما دممٍ والموت بالحر أجدر بجرّ (إسار، ومنّة، ودم).

وقوله ﴿ شرّ مكاناً وأضعف جنداً ﴾ مقابل قولهم ﴿ خيرٌ مقاماً وأحسن نديّاً ﴾ [مريم: 73] فالمكان يرادف المقام، والجند الأعوان، لأنّ الندي أريد به أهله كما تقدم، فقوبل ﴿ خيرٌ نديّاً ﴾ ب ﴿ أضعفُ جنداً ﴾ .

وجملة ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ معطوفة على جملة ﴿ من كان في الضلالة فليمدد له الرحمان مدّاً ﴾ لما تضمنه ذلك من الإمهال المفضي إلى الاستمرار في الضلال، والاستمرار: الزيادة.

فالمعنى على الاحتباك، أي فليمدد له الرحمان مداً فيزدَدْ ضلالاً، ويمدّ للذين اهتدوا فيزدادوا هدىً.

وجملة ﴿ والباقيات الصالحات خير ﴾ عطف على جملة ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ .

وهو ارتقاء من بشارتهم بالنجاة إلى بشارتهم برفع الدرجات، أي الباقيات الصالحات خير من السلامة من العذاب التي اقتضاها قوله تعالى: ﴿ فسيعلمون من هو شرّ مكاناً وأضعفُ جنداً ﴾ ، أي فسيظهر أن ما كان فيه الكفرة من النعمة والعزّة هو أقلّ مما كان عليه المسلمون من الشظف والضعف باعتبار المآلين، إذ كان مآل الكفرة العذاب ومَآل المؤمنين السلامة من العذاب وبعدُ فللمؤمنين الثواب.

والباقيات الصالحات: صفتان لمحذوف معلوم من المقام، أي الأعمال الباقي نعيمها وخيرها، والصالحات لأصحابها هي خير عند الله من نعمة النجاة من العذاب.

وقد تقدّم وجه تقديم الباقيات على الصالحات عند الكلام على نظيره في أثناء سورة الكهف.

والمردّ، المرجع.

والمراد به عاقبة الأمر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَزِيدُهم هُدًى بِالمَعُونَةِ في طاعَتِهِ والتَّوْفِيقِ لِمَرْضاتِهِ.

الثّانِي: الإيمانُ بِالنّاسِخِ والمَنسُوخِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالمَنسُوخِ هُدًى بِالنّاسِخِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا إلى طاعَتِهِ هُدًى إلى الجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ الآية قال: قالها العاصي بن وائل.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ لسوف أخرج ﴾ برفع الألف ﴿ أولا يذكر الإنسان ﴾ خفيفة بنصب الياء ورفع الكاف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ جثياً ﴾ قال: قعوداً.

وفي قوله: ﴿ عتياً ﴾ قال: معصية.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عتيا ﴾ قال: عصيا.

وأخرج الحاكم، عن ابن عباس قال: لا أدري كيف قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ عتياً ﴾ أو ﴿ جثياً ﴾ فإنهما جميعاً بالضم.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد والبيهقي في البعث، عن عبدالله بن باباه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين» .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ جثياً ﴾ برفع الجيم ﴿ وعتياً ﴾ برفع العين وصليا برفع الصاد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ حول جهنم جثياً ﴾ قال: قياماً.

وأخرج ابن المنذر.

عن ابن جريج ﴿ ثم لننزعن ﴾ قال لنبدأن.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ثم لننزعن ﴾ الآية: قال: ﴿ لننزعن من كل ﴾ أهل دين قادتهم ورؤوسهم في الشر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ أيهم أشد على الرحمن عتياً ﴾ قال: في الدنيا.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي الأحوص ﴿ ثم لننزعن من كل شيعة ﴾ الآية.

قال: يبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود قال: يحشر الأوّل على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة أثارهم جميعاً، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرماً، ثم قرأ ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ إلى قوله: ﴿ عتياً ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن مجاهد في قوله: ﴿ لننزعن من كل شيعة ﴾ قال: من كل أمة أشد على الرحمن ﴿ عتياً ﴾ قال: كفراً.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ يقول: إنهم أولى بالخلود في جهنم.

وأخرج الحرث بن أبي أسامة وابن جرير بسند حسن عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جنهم وإنسهم، فإذا كان ذلك اليوم قيضت هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض جنهم وإنسهم بضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض، فزعوا إليهم فيقولون: أفيكم ربنا؟

فيفزعون من قولهم ويقولون: سبحان ربنا!

ليس فينا وهو آت.

ثم تقاض السماء الثانية، ولأهل السماء الثانية وحدهم، أكثر من أهل السماء الدنيا، ومن جميع أهل الأرض، بضعف جنهم وإنسهم، فإذا نثروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟

فيفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربنا!

ليس فينا وهو آت، ثم تقاض السموات: سماء سماء، كلما قيضت سماء عن أهلها، كانت أكثر من أهل السموات التي تحتها، ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا نثروا على أهل الأرض، يفزع إليهم أهل الأرض، فيقولون لهم مثل ذلك، فيرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تقاض السماء السابعة، فلأهل السماء السابعة، أكثر من أهل ست سموات، ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله فيهم، والأمم جثيّ صفوف، فينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال، فيقومون، فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون ﴾ [ السجدة: 16] فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة، ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم؟

أين الذين ﴿ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ [ النور: 37] فيقومون فيسرحون إلى الجنة.

فإذا أخذ كل من هؤلاء ثلاثة، خرج عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فتحبس بهم في جهنم، ثم تخرج ثانية فتقول: إني وكلت منكم بمن آذى الله تعالى ورسوله، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حَبَّ السمسم، فتحبس بهم في جهنم، ثم تخرج ثالثة فتقول: إني وكلت بأصحاب التصاوير، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فتحبس بهم في جهنم، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة: نشرت الصحف، ووضعت الموازين، ودعي الخلائق للحساب.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً ﴿ ثم ينجي الله الذين اتقوا ﴾ فلقيت جابر بن عبدالله، فذكرت له فقال: وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه صمتاً، إن لم أكن سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم، حتى أن للنار ضجيجاً من بردهم ﴿ ثم ينجّي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن مجاهد قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس فقال ابن عباس: الورود الدخول: وقال نافع: لا.

فقرأ ابن عباس ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ [ الأنبياء: 98] وقال: وردوا أم لا، وقرأ ﴿ يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ﴾ [ هود: 98] أوردوا أم لا، أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ قال: يردُهَا البَرّ والفاجر.

ألم تسمع قوله: ﴿ فأوردهم النار وبئس الورد المورود ﴾ [ هود: 98] وقوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ [ مريم: 86] .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس: أن رجالاً من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- كانوا يطلبون العاص بن وائل بدين فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ومن كل الثمرات؟

قالوا: بلى.

قال: فإن موعدكم الآخرة.

والله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به.

فقال الله: ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا ﴾ الآيات.

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال: كان لرجل من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- دين على رجل من المشركين فأتاه يتقاضاه، فقال ألست مع هذا الرجل؟

قال: نعم.

قال أليس يزعم أن لكم جنة وناراً وأموالاً وبنين؟

قال: بلى.

قال: اذهب، فلست بقاضيك إلا ثمة.

فأنزلت ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا ﴾ إلى قوله: ﴿ ويأتينا فرداً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أطلع الغيب ﴾ يقول: أطلعه الله الغيب؟

يقول: ما له فيه ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ بعمل صالح قدمه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: لا إله إلا الله، يرجو بها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ في الضَّلَالَةِ ﴾ قال ابن عباس: (قل لهم يا محمد من كان في العماية) (١) ﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ﴾ قال أبو إسحاق: (فليمدد لفظ أمر في معنى الخبر، وتأويله إن الله جعل جزاء ضلالته أن يتركه، ويمده فيها إلا أن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كان لفظ الأمر يريد به المتكلم نفسه إلزامًا، كأنه يقول أفعل ذلك وآمر نفسي، فإذا قال قائل: من زارني فلأكرمه، فهو ألزم من قوله أكرمه، كأنه قال: من زارني فأنا آمر نفسي بإكرامه وألزمها ذلك) (٢) وقال أبو علي: (هذا لفظه كلفظ أمثله الأمر ومعناه الخبر ألا ترى أنه لا وجه للأمر هاهنا، وأن المعنى مده الرحمن مدا) (٣) (٤) ومعنى المد في الضلالة ذكرناه في قوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  ﴾ .

وقال صاحب النظم: (من شرط وللشرط جزاء واجتمع في قوله: ﴿ فَلْيَمْدُدْ ﴾ جزاء الشرط والفاء دليل عليه، وابتداء الأمر ولو تمحض جزاء لكان يمدد ولكنه دعاء عليهم بأن يمدهم الله في الضلالة والدعاء يكون بلفظ الأمر كأنه أمر النبي -  - أن يدعوا على من كان في الضلالة بهذا الدعاء، وهذا كما تقول في الكلام: من سرق مالي فليقطع الله يده، فهذا دعاء على السارق وهو جواب للشرط) (٥) ﴿ فَلْيَمْدُدْ ﴾ خبرًا كما قاله الزجاج، وأبو علي، وأكد ابن الأنباري هذا الوجه فقال: (اللام في ﴿ فَلْيَمْدُدْ ﴾ لام الدعاء وتقديرها في الآية: قل يا محمد من كان في الضلالة فاللهم مد له في العمر مدا) (٦) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا رَأَوْا ﴾ هو متصل بالمد؛ لأن المعنى مده الله في ضلالته حتى يرى ما يوعد من العذاب أو الساعة، وإنما قال ﴿ رَأَوْا ﴾ بعد قوله ﴿ فَلْيَمْدُدْ ﴾ لأن لفظ من يصلح للواحد والجمع، وإذا مع الماضي يكون بمعنى المستقبل، والمعنى: حتى يروا ما يوعدون.

وقوله تعالى: ﴿ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ ﴾ منصوبان على البدل من ﴿ مَا يُوعَدُونَ ﴾ (٧) ﴿ الْعَذَابَ ﴾ هاهنا ما وعدوا به من نصر المؤمنين عليهم، فإنهم يعذبونهم قتلاً، وأسرًا، و ﴿ اَلسَّاعَةُ ﴾ يعني بها يوم القيامة وما وعدوا فيها من الخلود في النار) (٨) ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ ﴾ بالنصر والقتل أيهم ﴿ وَأَضْعَفُ جُنْدًا ﴾ كما قاله الزجاج وأبو علي (٩) ﴿ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا ﴾ قال ابن عباس: (أراد الله هذا الرد عليهم في قولهم: ﴿ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ ) (١٠) (١) ذكرته كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 119، "زاد المسير" 5/ 259.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 343.

(٣) "الحجة للقراء السبعة" 2/ 205.

(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "الكشف والبيان" 3/ 12 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 522، "معالم التنزيل" 5/ 253، "زاد المسير" 5/ 259، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144، "روح المعاني" 16/ 127.

(٥) ذكر نحوه القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144.

(٦) ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 421، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 141، "البحر المحيط" 6/ 212.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 343، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 326.

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 343.

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 343، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 205.

(١٠) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "معالم التنزيل" 5/ 203، "المحرر الوجيز" 9/ 524، "زاد المسير" 5/ 259 "الكشاف" 2/ 522، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ﴾ أي يمهله ويملي له، واختلف هل هذا الفعل دعاء أو خبر سيق بلفظ الأمر تأكيداً ﴿ حتى ﴾ هنا غاية للمدّ في الإضلال ﴿ إِمَّا العذاب ﴾ يعني عذاب الدنيا ﴿ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ في مقابلة قولهم خير مقاماً وأحسن ندياً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أئذا ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ يذكر ﴾ من الذكر: ابن عامر ونافع وعاصم وسهل وروح والمعدل عن زيد.

والآخرون بتشديد الذال من التذكر مدغماً.

﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: عليّ وروح والمعدل عن زيد.

الآخرون بالتشديد ﴿ خير مقاماً ﴾ بضم الميم: ابن كثير.

الباقون بفتحها.

﴿ رياً ﴾ بالتشديد أبو جعفر ونافع عن ورش وابن ذكوان والأعشى وحمزة في الوقف، وعن حمزة أيضاً بالهمزة في الوقف ليدل على أصل اللغة.

الآخرون بهمز بعدها يا ﴿ وولداً ﴾ وما بعده بضم الواو سكون اللام: حمزة وعليّ.

الآخرون بفتحهما ﴿ يكاد ﴾ على التذكير: نافع وعليّ ﴿ ينفطرن ﴾ من الانفطار: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وخلف وابن عامر والمفضل وأبو بكر وحماد والخزاز عن هبيرة.

الباقون ﴿ يتفطرن ﴾ من التفطر.

الوقوف: ﴿ حياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ جثياً ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ عتياً ﴾ ه ج لذلك ﴿ صلياً ﴾ ه ﴿ واردها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ مقضياً ﴾ ه تقريباً للنجاة من الورود مع أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ جثياً ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ لا لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ ندياً ﴾ ه ﴿ ورئياً ﴾ ه ﴿ مدّاً ﴾ ه لأن "حتى" لانتهاء مدد الضلالة أو لابتداء الرؤية وجواب "إذا" محذوف وهو "آمنوا" ﴿ الساعة ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ جنداً ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ مرداً ﴾ ه ﴿ وولداً ﴾ ه ط لأبتداء الاستفهام للتقريع ﴿ عهداً ﴾ ط ه للردع ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ مداً ﴾ ه لا للعطف ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ عزاً ﴾ ه ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ ضدّاً ﴾ ه ﴿ أزاً ﴾ ه لا للتعجيل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ عدّاً ﴾ ه ط ﴿ وفداً ﴾ ه ط ﴿ ورداً ﴾ ه لئلا تشتبه الجملة بالوصف لهم ﴿ عهداً ﴾ ه م حذرا من إيهام العطف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ إدّاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ هداً ﴾ ه لا لأن التقدير لأن دعوا ﴿ ولداً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ عبداً ﴾ ه ط ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ ودّاً ﴾ ه ﴿ من قرن ﴾ ط ﴿ ركزاً ﴾ ه.

التفسير: لما أمر نبيه  وأمته بالتبعية أن يعبدوا الله ويصطبروا لعبادته كان لمنكر أن يعترض بأن هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا لأنها مشقة ولا في الآخرة لاستبعاد حشر الأجساد إلى حالها، فلا جرم حكى قول المنكر ليجيب عن ذلك فقال: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ وهو للجنس لأن هذ الاستغراب مركوز في الطباع قبل النظر في الدليل، أو لأن هذا القول إذا صدر عن بعض الأفراد صح إسناده إلى بني نوعه لأنه منهم كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل واحد منهم.

وقيل: المراد بالإنسان ههنا شخص معين هو أبو جهل أو أبي بن خلف.

وقيل: بعض الجنس هم الكفرة.

وانتصب "إذا" بفعل مضمر يدل عليه ﴿ أخرج ﴾ المذكور لا نفسه لأن ما بدعه لام الابتداء لا يعمل فيما قبله.

لا تقول: اليوم لزيد قائم.

وإنما جاز الجمع بين حرف الاستقبال وبين لام الابتداء المفيدة للحال، لأن اللام ههنا خلصت لأجل التأكيد كما خلصت الهمزة في "يا الله" للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف.

و"ما" في "إذا" ما للتوكيد أيضاً وكأنهم قالوا مستنكرين: أحقاً أنا سنخرج أحياء حين تمكن فينا الفناء بالموت؟

والمراد بالخروج إما الخروج من الأرض أو الخروج من حال الفناء أو الندور من قوله: "خرج فلان عالماً" إذا كان نادراً في العلم فكأنه قال على سبيل الهزء: سأخرج حياً نادراً.

وإنما قدم الظرف وأولى حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ومنه جاء الإنكار كقولك لمن أساء إلى محسنه "أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه"؟!

ولما كان الإنسان لا يصدر عنه هذا الإنكار إلا إذا لم يتذكر أو لم يذكر النشأة الأولى قال  منبهاً على ذلك ﴿ أو لا يذكر ﴾ وههنا إضمار تقديره أيقول ذلك ولا يذكر.

وزعم جار الله أن الواو عطفت لا يذكر على يقول في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف الجر.

قال العقلاء: لو اجتمعت الخلائق على إيراد حجة في البعث أوجز من هذه لم يقدروا عليها، لأن خلق الذات مع الصفات أصعب من تغيير الذات في أطوار الصفات، وهذا معلوم لكل صانع يتكرر عنه عمل، لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة خيال.

والثاني قد ارتسم واستقر وثبت له مثال واحتذاء.

وإذا كان حال من يتفاوت في قدرته الصعب والسهل كذلك، فما الظن بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة الأزلية به؟

وفي قوله: ﴿ ولم يك شيئاً ﴾ بحث قد مر في أول السورة مثله.

وحين نبه على النكتة الضرورية أكدها بالإقسام قائلاً ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ الفاء للاستئناف وهو يفيد الإعراض عن قصة والشروع في أخرى عقيبها والواو للقسم وشرف المقسم به دليل كمال العناية بالمقسم عليه، وإضافة القسم إلى المخاطب وهو رسول الله  بإجماع المفسرين تفخيم لشأنه ورفع من مقداره، والواو في ﴿ والشياطين ﴾ إما للعطف وإما بمعنى مع بناء على أن كل كافر مقرون مع شيطانه في سلسلة، وإذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين بل الكفرة، وإن كان الضمير عائداً إلى منكري البعث فقط فلا إشكال.

وكذا في قوله: ﴿ لنحضرنهم حول جهنم جثياً ﴾ أي جثياً على الركب غير مشاة على أقدامهم لما يدهشهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على الأرجل، أو على العادة المعهودة في مواقف مطالبات الملوك ومقاولاتهم.

﴿ ثم لننزعن ﴾ لنميزن ﴿ من كل شيعة ﴾ طائفة شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة، وقد سبق تفسيره في الأنعام.

﴿ أيهم أشد ﴾ قرىء بالنصب وهو ظاهر، وأما المقتصرون على الضم فذهب سيبويه إلى أنها مبنية كيلا يلزم خلاف القياس من وجهين: أحدهما إعراب أيّ مع أن من حق الموصول أن يبنى، والآخر حذف المبتدأ مع الأصل فيه أن يكون مذكوراً والتقدير: أيهم هو أشد.

وذهب الخليل إلى أنها معربة ولكنها لم تنصب على أن تكون مفعول ﴿ لننزعن ﴾ بل رفعت بتقدير الحكاية أي من كل شيعة مقول فيم أيهم أشد، فيكون من كل شيعة مفعول ﴿ لننزعن ﴾ كقولك "أكلت من كل طعام" أي بعضاً من كل.

ويجوز أن يقدّر لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد، قال سيبويه: لو جاز "اضرب أيهم" أفضل على الحكاية لجاز "اضرب الفاسق الخبيث" أي الذي يقال له الفاسق الخبيث وهذا باب قلما يصار إليه في سعة الكلام.

ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل "أيّ" معلق عن العمل، ويجيز التعليق في غير أفعال القلوب.

ثم إن علقت قوله: ﴿ على الرحمن ﴾ بـ ﴿ أشد ﴾ كقولهم: "هو أشد على خصمه" فظاهر، وإن علقته بالمصدر فذلك لا سبيل إليه عند النحويين لأن المصدر لا يعمل فيما قبله.

فالوجه أن يقال: إنه بيان للمحذوف فكأنه سئل إن عتوَّه على من؟

فقيل: على الرحمن.

وكذا الكلام في ﴿ أولى بها صلياً ﴾ تعلق المجرور بأفعل من غير تأويل أو بـ ﴿ صلياً ﴾ على التأويل.

صلى فلان النار يصلى صلياً إذا احترق.

أخبر أوّلاً أنه يميز من كل فرقة ضالة من هو أضل ثم بين بقوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ أنه يطرحهم أي أهل الضلال البعيد في النار على الترتيب يقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، ولا ريب أن الضال المضل يكون أولى بالتقدم من الضال، وكذا الكافر المعاند بالنسبة إلى المقلد وإن كانوا جميعاً مشتركين في شدة العتوّ.

ويجوز أن يراد بالذين هم أولى المنتزعين كما هم كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وأنهم أولى بالصلى لكون دركاتهم أسفل.

﴿ وإن منكم ﴾ الخطاب للناس من غير التفات، أو للإنسان المذكور فيكون التفاتاً، وعلى التقديرين فإن أريد الجنس كأنه لم يكن في قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ إشكال.

ولكنه يشكل بأن المؤمنين كيف يردون النار؟

وأجيب بما روي عن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله  عن ذلك فقال: "إذا دخل أهل الجنة قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد النار؟

فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة" .

وعنه أيضاً  أن رسول الله  قال: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم حتى إن للناس ضجيجاً من بردها" .

وأما قوله: ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ فالمراد عن عذابها.

وعن ابن عباس: يردونها كأنها إهالة.

ومنهم من لم يفسر الورود ههنا بالدخول لأن ابن عباس قال: قد يرد الشيء الشيء ولم يدخله كقوله  : ﴿ لما ورد ماء مدين  ﴾ ومعلوم أن موسى لم يدخل الماء ولكنه قرب منه.

ويقال: وردت القافلة البلد إذا قربت منه، فالمراد بالورود جثوهم حولها وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها.

وعن مجاهد: هو مس الحمى جسده في الدنيا قال  : "الحمى من فيح جهنم" وفي رواية "الحمى حظ كل مؤمن من النار" .

وإن أريد بالناس أو بالإنسان الكفرة فلا إشكال في ورودهم النار ولكنه لا يطابقه قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ ووجه بأنه أراد أن المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار لا أنهم يوردونها يتخلصون.

أسئلة: كيف يندفع عنهم ضرر النار عند من فسر الورود بالدخول؟

زعم بعضهم أن البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها مواضع خالية عن النار أشباه الطرق إلى دركات جهنم، والمؤمنون يردون تلك المواضع.

والأصح أنه  يزيل عنها طبيعة الإحراق بالنسبة إلى المؤمنين وهو على كل شيء قدير، ولهذا لا تضر النار الملائكة الموكلين بالعذاب.

ما الفائدة في إيراد المؤمنين النار إذا لم يعذبوا بها؟

فيه وجوه منها: أن يزدادوا سروراً إذا رأوا الخلاص منها.

ومنها افتصاح الكافرين إذا اطلع المؤمنون عليهم.

ومنها أن المؤمنين يوبخون الكفار ويسخرون منهم كما سخروا في الدنيا.

ومنها أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبيّن الأشياء.

هل ثبت في الأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها؟

قد ثبت أن الحاسبة تكون في الأرض أو في موضعها لقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض  ﴾ وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء.

فالاجتماع يكون في موضع الحساب ثم يدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم، ثم يرفع الله أهل الجنة ويبقى أهل النار فيها.

قلت: هذا على رأي الفلاسفة الإسلاميين ظاهر، فالمحاسبة تكون في الأرض ومرور الكل يكون على كرة النار، ثم يرفع أهل الكمال إلى السماء ويبقى الكفرة في النار ويؤيده قوله: ﴿ كان ﴾ أي الورود ﴿ على ربك حتماً ﴾ أي محتوماً مصدر بمعنى المفعول ﴿ مقضياً ﴾ قضى به وعزم أن لا يكون غيره، وذلك أن العبور من جميع الجوانب على كرة النار.

وأجمعت المعتزلة بذلك على أن العقاب واجب على الله عقلاً.

وقال الأشاعرة: شبه بالواجب من قبل استحالة يطرق الخلف إليه.

وقد سبق أن المتقي عند المعتزلة من يجتنب المعاصي كلها، وعند غيرهم هو الذي اجتنب الشرك فقط، وقد يهدم بالآية قاعدة القائل بمنزلة بين المنزلتين.

وأجيب أن تنجية المتقين أعم من أن تكون إلى الجنة أو إلى غيرها، هب أن تنجيتهم إلى الجنة إلا أن الذي طاعته ومعصيته سيان غير داخل في المتقين ولا في الظالمين فيبقى حكمة مسكوتاً عنه.

ومن المعتزلة من تمسك بالوعيد بقوله: ﴿ ونذر الظالمين ﴾ ومنع أن الصيغة للعموم، ولو سلم فمخصص بآيات الوعد لما ردّ على منكري البعث وقرر كيفية الحشر.

قال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا ﴾ الآية، والمراد أنهم عارضوا حجة الله بكلام أعوج فقالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه.

يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون ثم يدّعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله عز وجل منهم قال جار الله: معنى بينات مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على ما معارضتها، أو حججاً وبراهين، وعلى التقادير تكون حالاً مؤكدة كقوله: ﴿ وهو الحق مصدقاً  ﴾ لأن آيات الله لا تكون إلا بهذه الأوصاف.

ومعنى ﴿ للذين آمنوا ﴾ أنهم يخاطبونهم بذلك أو يفوهون به لأجلهم في شأنهم.

والمقام بالضم موضع الإقامة أي المنزل، وبالفتح موضع القيام، والنديّ المجلس ومجتمع القوم حيث ينتدون.

قوله: ﴿ أيّ الفريقين ﴾ يعني المؤمنين بالآيات والجاحدين لها من الكلام المنصف على زعمهم، والمقصود نحن أوفر حظاً على ما يظهر منا في أحوال قيامنا وقعودنا، وحسن الحال في الدنيا ظاهر على الفضل والرفعة وضده أمارة على النقص والضعة، فأجابهم الله  بقول: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ أي كثيراً من المرات أهلكنا قبلهم أهل عصر و"من" بيان المهلك.

ويجوز أن تكون زائدة للتأكيد و"كم" استفهامية لتقرير التكثير، أو خبرية عند من يجوّز زيادتها في الموجب.

و ﴿ هم أحسن ﴾ في محل النصب صفة لـ "كم" أو الجر صفة ﴿ قرن ﴾ والأثاث متاع البيت وقد مر في النحل في قوله: ﴿ أثاثاً ومتاعاً إلى حين  ﴾ قال الجوهري: من همز ﴿ رئياً ﴾ جعله من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، ومن لم يهمزه فإما أن يكون على تخفيف الهمزة أي قلب الهمزة ياء وأدغم، أو يكون من "رويت ألوانهم وجلودهم رياً" أي امتلأت وحسنت.

وقال جار الله: الري هو المنظر والهيئة "فعل" بمعنى "مفعول".

وقرىء بهمز قبله ياء على القلب كقولهم "راء" في "رأي".

وقرىء بالزاي المنقوطة واشتقاقه من الزي بالفتح وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة.

وفي الآية حذف التقدير أحسن من هؤلاء، والحاصل أنه  أهلك من كان أكثر مالاً وجمالاً منهم وذلك دليل على إفساد إحدى مقدمتيهم وهي أن كل من وجد الدنيا كان حبيب الله، أو على فساد المقدمة الأخرى وهي أن كل من كان حبيباً لله فإنه لا يوصل إليه غماً.

ثم بين أن مآل الضال إلى الخزي والنكال وإن طالت مدته وكثرت عدته، وقوله: ﴿ فليمدد له الرحمن ﴾ خبر مخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب الإمهال وأنه مفعول لا محالة لتنقطع معاذيرالضال ويقال له يوم القيامة ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر  ﴾ أو ليزدادوا إثماً كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته.

والغاية أحد الأمرين المذكورين أي انقطاع العذر أو ازدياد الإثم.

أما قوله: ﴿ حتى إذا رأوا ﴾ إلى آخر.

فقد قال في الكشاف: إنه يحتمل أن يكون متصلاً بقوله: ﴿ أي الفريقين ﴾ إلى آخره، وما بينهما اعتراض قالوا: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً حتى إذا رأوا ما يوعدون.

والمعنى لا يزالون يتفوّهون بهذا القول مولعين به إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين ﴿ أما العذاب ﴾ في الدنيا وهو غلبة المسلمين بالقتل والأسر وتغير أحوالهم من العز إلى الذل ومن الغنى إلى الفقر، وأما يوم القيامة، ويحتمل أن تتصل بما يليها والمراد أنهم لا ينفكون عن ضلالتهم وسوء مقالتهم إلى أن يعاينوا عذاب الدنيا، أو الساعة ومقدماتها.

وقوله: ﴿ فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ خير مقاماً وأحسن ندياً ﴾ لأن مقامهم هو مكانهم والنديّ المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم، والجند الأعوان، ولا ريب أن مكان القتل والأسر شر مكان في الدنيا ومكان عذاب النار شر مكان في الآخرة.

ولا شك أيضاً أنه لو كان لهم في الوقتين ناصر لم يلحقهم من الخزي والنكال ما لحقهم.

وحين بيّن حال أهل الضلال أراد أن يبين حال أهل الكمال فقال: ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ وذلك أن بعض الاهتداء يجر إلى البعض الآخر كالإيمان يجر إلى الإخلاص فيه كما أن بعض الغواية يجر إلى بعضها.

ومنها من فسر الزيادة بالعبادات المرتبة على الإيمان.

والواو في ﴿ ويزيد ﴾ للاستئناف.

وقد تكلف جار الله فقال: إنه للعطف على معنى ﴿ فليمدد ﴾ أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه.

وقد مر في سورة الكهف أن الباقيات الصالحات فسرها الأكثرون بجميع الأعمال الصالحات المؤدية إلى السعادات الباقيات.

وفسرها بعضهم بما هي أعظم ثواباً منها كالصلوات الخمس وغيرها.

وقوله: ﴿ خير ﴾ يقتضي غيراً يكون مشاركاً له في أصل الخيرية ويكون هذا خيراً منه، فإن قدرنا ذلك شيئاً فيه خيرية كبعض الأعمال الدنيوية المباحة أو كسائر الأعمال الصالحة عند من يفسر الباقيات بمعنى الأخص فظاهر أنها خير ﴿ ثواباً وخير مرداً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة أو منفعة من قولهم: "هل لهذا الأمر مرد" إن قدرنا ذلك شيئاً لا ثواب فيه ولا خيرية كما زعم جار الله أن المراد هي خير ثواباً من مفاخرات الكفار، فيكون إطلاق الثواب على عقاب الكفار من قبيل التهكم ومن باب قولهم: "تحية بينهم ضرب وجيع".

ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم: "الصيف أحر من الشتاء" أي هو أبلغ في حره من الشتاء في برده، ثم أردف مقالتهم الحمقاء بأخرى مثلها قائلا على سبيل التعجب ﴿ أفرأيت ﴾ كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك.

وإنما استعملوا "أرأيت" بمعنى "أخبر" لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه.

عن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاص بن وائل.

قال خباب بن الأرث: كان لي عليه دين فاقتضيته، وقيل: صاع له حلياً فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً، فأنا أقضيك، ثم فإني أوتي مالاً وولداً حينئذٍ.

من قرأ ﴿ ولداً ﴾ بفتحتين فظاهر، ومن قرأ بالضم فالسكون، فإما جمع ولد كاسد في أسداً، أو بمعنى الولد كالعرب والعرب، فأنكر الله  عليه بقوله مستفهماً ﴿ أطلع الغيب ﴾ من قولهم "اطلع الجبل" أي ارتقى إلى أعلاه، ولاختيار هذه الكلمة شأن كأنه قال: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي تفرد به علام الغيوب ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ عن الكلبي: هل عهد الله إليه أن يؤتيه ذلك.

وعن قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول: وقيل: العهد كلمة الشهادة ﴿ كلا ﴾ ردع وتنبيه على الخطأ فيما تصوره لنفسه وتمناه وفي قوله: ﴿ سنكتب ﴾ بسين التسويف مع أن الحفظة يكتبون ما قاله في الحلل دليل على أن السين جرد ههنا لمعنى الوعيد، أو أراد سيظهر له نبأ الكتابة بالتعذيب والانتصار يؤيده قوله: ﴿ ونمد له ﴾ أي نطوّل له ﴿ من العذاب ﴾ ما يستأهله أمثاله من المستهزئين أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد.

مده وأمده معنى.

ثم أكد المدد بالمصدر وهو مؤذن بفرط الغضب أعاذنا الله منه، ثم عكس استهزاءه بقوله: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ أي نمنع عنه منتهى ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد لأنه تألى على الله في قوله: ﴿ لأوتين ﴾ ومن يتأل على الله يكذبه لأن ذلك غاية الجراءة ونهاية الأشعبية.

والمراد هب أنا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة ﴿ ويأتينا ﴾ غداً ﴿ فرداً ﴾ بلا مال ولا ولد.

وكلام صاحب الكشاف في الوجهين ملخبط فليتأمل فيه.

وكذا في قوله: ﴿ فرداً ﴾ على الأول حال مقدرة نحو ﴿ فادخلوها خالدين  ﴾ لأنه وغيره سواء في إتيانه فرداً حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ذلك.

وذلك أن الخلود لا يتحقق إلا بعد الدخول، أما انفراده فمحقق في حالة الإتيان وتفاوت الحال بعد ذلك، واشتراك الكل في الإتيان منفرداً لا مدخل له في المقصود فلا أدري ما حمله على هذا التكلف.

قال: ويحتمل أن هذا القول: إنما يقوله ما دام حياً فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا منفرداً عنه غير قائل له، أو أراد أن هذا القول لا ننساه ولا نلغيه بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به، ويأتينا على فقره ومسكنته فرداً من المال والولد لم نعطه سؤله ومتمناه، فيجتمع عليه خطبان تبعه قوله وفقد سؤله.

وحين فرغ من الرد على منكري البعث شرع في الرد على عبدة الأصنام فبين أوّلاً عرضهم وذلك أن يتعززوا بآلهتهم وينتفعون بشفاعتهم، ثم أنكر عليهم وردعهم بقوله: ﴿ كلا ﴾ ثم أخبر عن مآل حالهم بقوله ﴿ سيكفرون ﴾ فإن كان الضمير للمعبودين فهم إما الملائكة كقوله: ﴿ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  ﴾ وإما الأصنام فلا يبعد أن ينطق الله الجماد بذلك كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن كان الضمير للعابدين فهو كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن {الأنعام: 23] أما الضمير في يكونون فللمعبودين، وقوله: ﴿ عليهم ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ لهم عزاً ﴾ وضد العز الهوان كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلاً لهم عزاً ويحتمل أن يراد بالضد العون لأنه يضاد العدو، ووحد لاتفاق كلمتهم وفرط تضامهم وتوافقهم كقوله  : " وهم يد على من سواهم" ومعنا كون الآلهة أضداداً أي أعواناً عليهم أنهم وقود النار وأن المشركين عذبوا بسبب عبادتها، ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿ يكونون ﴾ للمشركين أي يكون المشركون كفرة بآلهتهم وأعداء لهم بعد أن كانوا يعبدونها.

وحيث بيّن مذاهب الفرق الضالة أراد أن يبين منشأها فقال: ﴿ ألم تر أنا أرسلنا ﴾ الآية.

والأز الهز والتهييج.

قالت: الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه  مريد لجميع الكائنات لأن قول القائل: "أرسلت فلاناً على فلان" يفيد أنه سلطه عليه منه قوله  : " سم الله وأرسل كلبك عليه" ويؤيده قوله: ﴿ تؤزهم ﴾ أي تغريهم على المعاصي وتحثهم عليها بالوسواس والتسويلات.

وقالت المعتزلة: أراد بهذا الإرسال التخلية بينهم وبينهم كما إذا لم يمنع الرجل من دخول بيت جيرانه.

وحاصل كلامهم أنه أرسل الأنبياء وأرسل الشياطين، ثم خلى بين المكلفين وبين الأنبياء والشياطين إلا أنه خص أولياءه بمزيد الألطاف حتى قبلوا قول الأنبياء، ومنع أعداءه تلك الألطاف وهو المسمى بالخذلان فقبلوا قول الشياطين.

ولما كان هذا الإرسال سبباً لهلاك الكفارة عداه بـ "على" لا بــ"إلى" قلت: لا يخفى أن استناد الكل إلى الله  فنزاع الفريقين لفظيّ أو قريب منه.

﴿ فلا تعجل عليهم ﴾ يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجل منه أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا فتستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة.

قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين وهم خمسة رهط.

وعنه أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، وآخر العدد فراق أهلك، وآخر العدد دخول قبرك.

وعن ابن السماك أنه كان عن المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد.

وقال بعضهم: إن الحبيب من الأحباب مختلس *** لا يمنع الموت بواب ولا جرس وكيف يفرح بالدنيا ولذتها *** فتى يعد عليه اللفظ والنفس ثم لما قرر أمر الحشر وأجاب عن شبه منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين وقتئذٍ فقال: ﴿ يوم نحشر ﴾ وانتصابه بمضمر متقدم أو متأخر أي اذكر يوم كذا وكذا ونفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف.

ويجوز أن ينتصب ﴿ بلا يملكون ﴾ خص المتقون بالجمع إلى محل كرامة الرحمن وافدين.

يقال: وفد فلان على الأمير وفادة أي ورد رسولاً فهو وافد والجمع وفد كصاحب وصحب.

عن علي  أن النبي  قال: "ما يحشرون على أرجلهم ولكنهم على نوق رحالهم ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت" .

وخص المجرمون بالسوق إلى جهنم ورداً أي وهم الذين يردون الماء، وفيه من الإهانة ما فيه كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء.

وقال جار الله: حقيقة الورد المسير إلى الماء فسمي به الواردون.

قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فكيف ينالهم بعد ذلك شدة؟

قلت: يحتمل أن يكون الحشر إلى الرحمن غير الحشر إلى الموقف، فيراد بالحشر إلى الرحمن أي إلى دار كرامته وسوقهم إلى الجنة لقوله: ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً  ﴾ وهذا بعد امتياز الفريقين، فالأمن الكلي فيما بعد هذه الحالة لا ينافي الخوف والدهشة فيما قبلها كما ورد في حديث الشفاعة وغيره.

وقوله: ﴿ إلى الرحمن ﴾ دون أن يقول إلينا من وضع الظاهر موضع المضمر، وفيه من البشارة ما فيه ولا يلزم منه التجسم للتأويل الذي ذكرناه، والضمير في ﴿ لا يملكون ﴾ للمكلفين المذكورين بقسمهم وفاعله ﴿ من اتخذ ﴾ على البدلية لأنه في معنى الجمع.

ويجوز أن تكون الواو علامة للجمع كالتي في "أكلوني البراغيث" فيكون ﴿ من اتخذ ﴾ فاعلاً والاستثناء مفرغاً.

ويجوز أن ينتصب ﴿ من اتخذ ﴾ على الاستثناء أو على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة.

من اتخذه واختلف المفسرون في الشفاعة فقيل: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم.

وقيل: لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم.

واتخاذ العهد الاستظهار بالأيمان والعمل، أو بكلمة الشهادة وحدها والأول يناسب أصول المعتزلة، والثاني يناسب أصول الأشاعرة.

وعن ابن مسعود أن النبي  قال لأصحابه ذات يوم: "أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً قالوا: وكيف ذلك؟

قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة" ويجوز أن يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها كقوله: ﴿ وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله  ﴾ .

وحين رد على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً من اليهود والنصارى والعرب، ومنهم من خص الآية بالرد على العرب القائلين بأن الملائكة بنات الله لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة.

وفي قوله: ﴿ لقد جئتم ﴾ التفات من الغيبة إلى المخاطبة تسجيلاً عليهم بالجراءة والتعرض لسخطه.

والأد الأمر العجيب أو المنكر، والتركيب يدل على الشدة والثقل ومنه أدت الناقة تؤد إذا رجعت الحنين في جوفها.

ويقال: فطره بالتخفيف إذا شقه، ومطاوعه انفطر وبالتشديد للتكثير، ومطاوعه تفطر وهذا البناء للتكثير.

وانتصب ﴿ هذا ﴾ إما على المصدر لأن الخرور في معناه، وإما لأن التقدير يهد هداً، أو على الحال أي مهدودة، أو على العلة أي لأنها تهد.

ومحل ﴿ أن دعوا ﴾ إما مجرور بدلاً من الهاء في ﴿ منه ﴾ وإما منصوب بنزع الخافض أي هدّاً لأن دعوا، علل الخرور بالهد والهد بالدعاء، وإما مرفوع بأنه فاعل هد أي هدها الدعاء، وخير الوجوه أوسطها كما في الوقوف والدعاء.

أما بمعنى التسمية فيكون المفعول الأول متروكاً طلباً للعموم والإحاطة بكل ما دعي ولداً له، وإما بمعنى النسبة أي نسبوا إلى الرحمن ولداً.

﴿ وما ينبغي ﴾ لا يصح ولا يستقيم وهو في الأصل مطاوع بغى إذا طلب، وإنما لا يصير مطلوباً لأنه محال.

أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها، وأما التبني فلأن القديم لا جنس له حتى يميل طبعه إليه ميل الوالد إلى الولد لمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن المختص به، فليس أصول النعم وفروعها إلا منه كما قيل: لينكشف عن بصرك غطاؤه فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، وهذا من فوائد تكرير هذا الاسم في هذا المقام.

سؤال: كيف تؤثر هذه الكلمة في الجمادات حتى تنفطر وتنشق وتخر؟

أجيب بأنه  كأنه يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند دعائهم الولد لي غضباً مني على من تفوّه بها لولا حلمي، أو هو تصوير لأثر هذه الكلمة في الدنيا، أو المراد أن هذا الاعتقاد يوجب أن تكون هذه الأجرام على ما ترى من النظام كقوله: ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن هذه الأجرام كانت ممن يعقل كادت تفعل ذلك.

ثم بين أن العابدين والمعبودين في السموات أو في الأرضين كلهم تحت قهره وتسخيره في الدنيا وفي الآخرة وأنه محيط بجهل أحوالهم وتفاصيلها فقال: ﴿ إن كل ﴾ "إن" نافية أي ليس فرد من أفراد الخلائق ﴿ إلا أتى الرحمن ﴾ إلا وهو ملتجىء إلى ربوبيته مقر بعبوديته.

ثم أجمل حال المؤمنين بما لا مزيد عليه في باب الكرامة قائلاً ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ أي سيحدث لهم في القلوب مودّة من غير ما سبب من الأسباب المعهودة كقرابة أو اصطناع وذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب.

والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله المودة بين الناس عند إظهار الإسلام، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم.

وعن النبي  قال لعلي: "يا عليّ قل اللَّهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة" ، فأنزل الله  هذه الآية.

وعن ابن عباس: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه.

وعن رسول الله  يقول الله عز وجل: " يا جبرائيل قد أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه.

وعن كعب قال: مكتوب في التوراة: لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله  ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض، وتصديق ذلك في القرآن ﴿ سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ هذا قول جمهور المفسرين.

وعن أبي مسلم أن المراد أنه سهب لهم في الجنة ما يحبون، واستعمال المصدر بمعنى المفعول كثير.

وإنما صار إلى هذا القول لأن المسلم التقي يبغضه الكفار وقد يبغضه المسلمون أكثرهم، وقد يحصل مثل هذه المحبة للكفار والفساق فيكونون مرزوقين بميل الناس إلى اختلاطهم ومحبتهم فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين.

وأيضاً إن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا من فعل الله، فحمل الكلام على إعطاء المنافع به أولى.

وأجيب بأن المراد محبة الملائكة والأنبياء والصالحين ومثل هذه لا تحصل للكافر والفاسق، وبأنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم.

ثم عظم شأن ما في هذه السورة من التوحيد والنبوة وبيان الحشر والرد على الفرق الضالة قائلاً: ﴿ فإنما يسرناه ﴾ كأنه قال: بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر فإنما أنزلناه بلسانك أي بلغتك وسهلناه وفصلناه لتبشر به وتنذر.

واللد جمع الألد الشديد الخصومة بالباطل كقوله في "البقرة" ﴿ وهو ألد الخصام  ﴾ يريد أهل مكة.

ثم ختم السورة بما هو غاية في الإنذار ونهاية في التخويف لأنبائه عن انقضاء القرون الخالية بالفناء أو بالإفناء بحيث لم يبق منهم شخص يرى ولا صوت يسمع فيعلم منه أن مآل الباقين أيضاً إلى ذلك فيجتهدوا في تحصيل الزاد للمعاد ولا يصرفوا همتهم إلى ما هو بصدد الزوال والنفاد.

والركز الصوت الخفي وركز الرمح تغيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون.

التأويل: ﴿ ويقول ﴾ النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق إذا مات عن الصفات البشرية ﴿ أخرج حياً ﴾ بالصفات الروحانية.

﴿ ولنحشرهم والشياطين ﴾ فلكل شخص قرين من الشياطين ﴿ ثم لنحضرنهم حول جهنم ﴾ القهر والطبيعة ﴿ وإن منكم ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا هو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة ﴿ حتماً مقضياً ﴾ لأن حكمته الأزلية اقتضت خلق هذا النوع المركب من العلوي والسفلي ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ الهوى يقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة ﴿ آياتنا ﴾ من الحقائق والأسرار ﴿ قال الذين كفروا ﴾ ستروا الحق ﴿ للذين آمنوا ﴾ تحقيقاً وإيقاناً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ بحب الدنيا والإغراق في بحر الشهوات والإحراق بنار المناصب للعرضيات ﴿ أما العذاب ﴾ وهو الموت على الإنكار والغفلة ﴿ وإما الساعة ﴾ وهي الإماتة عن الصفات البشرية عند قيام قيامة الشوق والمحبة.

﴿ فسيعلمون ﴾ حزب الله من حزب الشيطان ﴿ ويزيد الله ﴾ بالترقي من الإيمان إلى الإيقان إلى العيان ﴿ أن دعوا للرحمن ولداً ﴾ من فوائد ذكر اسم الرحمن ههنا أن الرحمانية أمهلتهم حتى قالوا ما قالوا وإلا فالألوهية مقتضية لإعدامهم في الحال ﴿ وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ﴾ عن مشيئة وإرادة بخلافهم في الدنيا فإنهم يظنون أن لهم إرادة واختياراً.

﴿ فإنما يسرنا ﴾ فيه أنه لولا تيسير الله درايته على قلب النبي  وإلا فكيف يسع ظروف الحروف المحدثة المتناهية حقائق كلامه الأزلية غير المتناهية ﴿ وكم أهلكنا ﴾ في تيه الضلالة ﴿ أو تسمع لهم ركزاً ﴾ بالثناء الحسن عليهم والله أعلم بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ ﴾ قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾ : كأن هذا القول من الكفرة خرج جواب ما احتج عليهم أهل الإيمان بالآيات التي ذكروا حجاجاً عليهم، فيقولون: إنكم تقولون: إن الدنيا والآخرة لله، فقد وسع علينا الدنيا وضيق عليكم، فعلى ذلك يوسع الآخرة علينا ويضيق عليكم كما فعل في الدنيا؛ إذ لا يجوز أن يوالينا في الدنيا ويعادينا في الآخرة، وعلى هذا قولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ ، فظنوا أنه لما وسع عليهم وأحسن بهم الندى والمجلس كذلك يكونون في الآخرة، فأكذبهم الله، وردّ عليهم ذلك فقال: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً ﴾ .

أخبرهم بما عرفوا هم أنهم كانوا أهل السعة والزينة، ثم أهلكوا بتكذيبهم الرسل وعصيانهم ربهم، فلو كان ما ذكر هؤلاء الكفرة لكانوا لا يهلكون؛ فيلزمهم بما ذكر أن من وسع عليه الدنيا وضيق عليه الآخرة إنما يكون بحق المحنة، لا بحق المنزلة والقدر، وأمّا الثواب والجزاء فهو بحق القدر والمنزلة والخذلان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثَاثاً ﴾ قيل: المتاع والمال، ﴿ وَرِءْياً ﴾ أي: منظراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً ﴾ ، أي: خيرا وسعة في الدنيا، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ ﴾ هو العذاب والهلاك الذي وعدهم رسول الله في الدنيا، ﴿ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ ﴾ القيامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ : هذا يدل أن قولهم: ﴿ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾ أرادوا: الخدم والحواشي، حيث قال: ﴿ وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: واجباً، ﴿ نَدِيّاً ﴾ أي: مجلساً، وأندية: جمع، والأثاث: المتاع، ﴿ وَرِءْياً ﴾ منظراً، ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ ﴾ أي: نطيل عذابه.

وقال القتبي: ﴿ نَدِيّاً ﴾ مجلساً، يقال للمجلس: ندي ونادٍ، ومنه قيل: دار الندوة التي كان المشركون يجلسون ويتشاورون بها في رسول الله، والأثاث: المتاع، والرئي: المنظر، والبشارة، والهيئة.

وقوله: ﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً ﴾ ، أي: يمد له في ضلالته، ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾ ، أي: نرثه المال والولد الّذي قال: ﴿ لأُوتَيَنَّ ﴾ .

قوله: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ لا شيء معه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى ﴾ : جميع ما ذكر الله - عز وجلّ - من زيادة الهداية وابتداء الهداية فهو إنما يزيد له الهداية ويهديه ابتداء إذا كان من العبد رغبة في ذلك وبغية وطلب، [و] إذا كان مهتدياً يزيد له الثبات على ما كان عليه في وقت رغبته وطلبه منه.

أو إن لم يكن مهتدياً يهده ابتداء هداية في وقت رغبته وقبوله، على هذا يخرج عندنا ما ذكر بحق الزيادة أو بحق الابتداء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى ﴾ ، أي: يوفقهم - إذا اهتدوا وعرفوا وحدانية الله - لأنواع الخيرات والطاعات.

وقالت المعتزلة: البيان، وهي هداية عامة، والهداية الثانية [شرح] الصدر لها والتوفيق، وهي هداية خاصّة تكون في وقت ثانٍ بحق الثواب، فعلى زعمهم يجيء ألا يكفر أحد بعد ما هداه الله مرة أبداً؛ لأنهم يقولون: إذا اهتدوا وقبلوا هدايته مرة، يوفقه ويشرح صدره في الوقت الثاني، فهو أبداً يكون على الهداية والإيمان، فإذا وجد عن كثير ممن اهتدوا مرة الكفر من بعد، دلّ أن تأويلهم فاسد، وأن التأويل ما ذكرنا نحن: أنه يزيد لهم الهداية وقت رغبتهم وطلبهم الهداية إن كان بحق الزيادة أو بحق الابتداء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً ﴾ .

يحتمل: ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ﴾ : الأمور الباقيات التي لها البقاء، أي: ما يبقى لكم عند الله خير مما يبطل؛ لأن الله  وصف الحق والخير بالبقاء والمكث، ووصف الباطل بالذهاب والتلاشي بقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ...

 ﴾ ، وقال في آية: ﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً...

 ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ...

﴾ الآية [إبراهيم: 26]، وقال في آية: ﴿ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً  ﴾ أي: ذاهباً.

فيشبه أن يكون قوله: ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ ﴾ ، أي: الأعمال التي لها البقاء خير لكم عند الله ثواباً من التي ليس لها البقاء.

ويحتمل ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ﴾ ، أي: ما أبقى الله لكم في الآخرة من الثواب خير لكم مما أعطى لكم في الدنيا؛ لأن هذا فإن وذاك باق، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: من كان يتخبّط في ضلاله فسيمهله الرحمن حتى يزداد ضلالًا، حتى إذا عاينوا ما كانوا يوعدون به من العذاب المعجل في الدنيا، أو المؤجَّل يوم القيامة فسيعلمون حينئذ من هو شر منزلًا وأقل ناصرا، أهو فريقهم أم فريق المؤمنين؟

<div class="verse-tafsir" id="91.LwWne"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله