تفسير الآية ٧٥ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٧٥ من سورة مريم

قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلْعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضْعَفُ جُندًۭا ٧٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٧٥ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٧٥ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( قل ) يا محمد ، لهؤلاء المشركين بربهم المدعين ، أنهم على الحق وأنكم على الباطل : ( من كان في الضلالة ) أي : منا ومنكم ، ( فليمدد له الرحمن مدا ) أي : فأمهله الرحمن فيما هو فيه ، حتى يلقى ربه وينقضي أجله ، ( إما العذاب ) يصيبه ، ( وإما الساعة ) بغتة تأتيه ، ( فسيعلمون ) حينئذ ( من هو شر مكانا وأضعف جندا ) أي : في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندي .

قال مجاهد في قوله : ( فليمدد له الرحمن مدا ) فليدعه الله في طغيانه .

هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله .

وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه ، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله : ( قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) [ الجمعة : 6 ] أي : ادعوا على المبطل منا ومنكم بالموت إن كنتم تدعون أنكم على الحق ، فإنه لا يضركم الدعاء ، فنكلوا عن ذلك ، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة " البقرة " مبسوطا ، ولله الحمد .

وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة " آل عمران " حين صمموا على الكفر ، واستمروا على الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله ، وقد ذكر الله حججه وبراهينه على عبودية عيسى ، وأنه مخلوق كآدم ، قال بعد ذلك : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) [ آل عمران : 61 ] فنكلوا أيضا عن ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم، القائلين: إذا تتلى عليهم آياتنا، أيّ الفريقين منا ومنكم خير مقاما وأحسن نديا ، من كان منا ومنكم في الضلالة جائرا عن طريق الحقّ ، سالكا غير سبيل الهدى، فليمدد له الرحمن مدّا: يقول: فليطوَّل له الله في ضلالته، وليمله فيها إملاء.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ) فليَدعْه الله في طغيانه.

وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وقوله ( حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ ) يقول تعالى ذكره: قل لهم: من كان منا ومنكم في الضلالة، فليمدد له الرحمن في ضلالته إلى أن يأتيهم أمر الله، إما عذاب عاجل، أو يلقوا ربهم عند قيام الساعة التي وعد الله خلقه أن يجمعهم لها، فإنهم إذا أتاهم وعد الله بأحدِ هذين الأمرين ( فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا ) ومسكنا منكم ومنهم ( وَأَضْعَفُ جُنْدًا ) أهم أم انتم؟

ويتبينون حينئذ أيّ الفريقين خير مقاما، وأحسن نديا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل من كان في الضلالة أي في الكفر فليمدد له الرحمن مدا أي فليدعه في طغيان جهله وكفره ؛ فلفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر أي من كان في الضلالة مده الرحمن مدا حتى يطول اغتراره ، فيكون ذلك أشد لعقابه ، نظيره إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وقوله : ونذرهم في طغيانهم يعمهون ومثله كثير ؛ أي فليعش ما شاء ، وليوسع لنفسه في العمر ؛ فمصيره إلى الموت والعقاب .

وهذا غاية في التهديد والوعيد .

وقيل : هذا دعاء أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ تقول : من سرق مالي فليقطع الله تعالى يده ؛ فهو دعاء على السارق .

وهو جواب الشرط وعلى هذا فليس قوله فليمدد خبرا .قوله تعالى : حتى إذا رأوا ما يوعدون قال رأوا لأن لفظ ما يصلح للواحد [ ص: 67 ] والجمع .

وإذا مع الماضي بمعنى المستقبل ؛ أي حتى يروا ما يوعدون ، والعذاب هنا إما أن يكون بنصر المؤمنين عليهم فيعذبونهم بالسيف والأسر ؛ وإما أن تقوم الساعة فيصيرون إلى النار .

فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا أي تنكشف حينئذ الحقائق وهذا رد لقولهم : أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر دليلهم الباطل، الدال على شدة عنادهم، وقوة ضلالهم، أخبر هنا، أن من كان في الضلالة، بأن رضيها لنفسه، وسعى فيها، فإن الله يمده منها، ويزيده فيها حبا، عقوبة له على اختيارها على الهدى، قال تعالى: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } { حَتَّى إِذَا رَأَوْا } أي: القائلون: { أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا } { مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ } بقتل أو غيره { وَإِمَّا السَّاعَةَ } التي هي باب الجزاء على الأعمال { فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا } أي: فحينئذ يتبين لهم بطلان دعواهم، وأنها دعوى مضمحلة، ويتيقنون أنهم أهل الشر، { وَأَضْعَفُ جُنْدًا } ولكن لا يفيدهم هذا العلم شيئا، لأنه لا يمكنهم الرجوع إلى الدنيا، فيعملون غير عملهم الأول.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ) هذا أمر بمعنى الخبر معناه : يدعه في طغيانه ويمهله في كفره ( حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب ) وهو الأسر والقتل في الدنيا ( وإما الساعة ) يعني : القيامة فيدخلون النار ( فسيعلمون ) عند ذلك ( من هو شر مكانا ) منزلا ( وأضعف جندا ) أقل ناصرا أهم أم المؤمنون؟

لأنهم في النار والمؤمنون في الجنة وهذا رد عليهم في قوله ( أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل من كان في الضلالة» شرط جوابه «فليمدد» بمعنى الخبر أي يمد «له الرحمن مدا» في الدنيا يستدرجه «حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب» كالقتل والأسر «وإما الساعة» المشتملة على جهنم فيدخلونها «فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا» أعوانا أهم أم المؤمنون وجندهم الشياطين وجند المؤمنين عليهم الملائكة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل - أيها الرسول - لهم: من كان ضالا عن الحق غير متبع طريق الهدى، فالله يمهله ويملي له في ضلاله، حتى إذا رأى - يقينا - ما توعَّده الله به: إما العذاب العاجل في الدنيا، وإما قيام الساعة، فسيعلم - حينئذ - مَن هو شر مكانًا ومستقرًا، وأضعف قوة وجندًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يضيف إلى تهديدهم السابق تهديدا آخر فقال : ( قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً .

.

) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين المتفاخرين بمساكنهم ومظاهرهم .

.

.

قل لهم : من كان منغمسا فى الضلالة والشقاوة والغفلة .

.

.

فقد اقتضت حكمة الله - تعالى - أن يمد له العطاء كأن يطيل عمره ويوسع رزقه ، على سبيل الاستدراج والإمهال .

.فصيغة الطلب وهى قوله - تعالى - : ( فَلْيَمْدُدْ ) على هذا التفسير ، المراد بها : الإخبار عن سنة من سنن الله - تعالى - فى خلقه ، وهى أن سننه - تعالى - قد اقتضت أن يمهل الضالين ، وأن يزيدهم من العطاء الدنيوى ، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر .قال - تعالى - : ( فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ) وقال - سبحانه - : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) وقد صدر الآلوسى تفسيره للآية بهذا التفسير فقال ما ملخصه : قوله ( قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة .

.

.

) أمر منه - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب على هؤلاء المتفاخرين بما لهم من الحظوظ الدنيوية .

.

.وقوله : ( فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ) أى : يمد - سبحانه - له ويمهله بطول العمر ، وإعطاء المال ، والتمكن من التصرفات ، فالطلب فى معنى الخبر واختير للإيذان بأن ذلك مما ينبغى أن يفعل بموجب الحطمة لقطع المعاذير فيكون حاصل المعنى : من كان فى الضلالة فلا عذر له فقد أمهله الرحمن ومد له مدا وجوز أن يكون ذلك للاستدراج .وحاصل المعنى : من كان فى الضلالة فعادة الله أن يمد له ويستدرجه .ومن المفسرين من يرى أن صيغة الطلب وهى ( فَلْيَمْدُدْ ) على بابها ، ويكون المقصود بالآية الدعاء على الضال من الفريقين بالازدياد من الضلال .وعليه يكون المعنى : قل - أيها الرسول الكريم لهؤلاء المتفاخرين ، من كان منا أو منكم على الضلالة ، فليزده الله من ذلك ، وكأن الآية الكريمة تأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمباهلة المشركين كما أمره الله - تعالى - فى آية أخرى بمباهلة اليهود فى قوله :( قُلْ ياأيها الذين هادوا إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناس فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ .

.

.

) وكما أمر الله بمباهلة النصارى فى قوله - سبحانه - ( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الكذبين ) ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير الإمامان ابن جرير وابن كثير ، فقد قال ابن كثير : يقول - تعالى - ( قُلْ ) يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم المدعين أنهم على الحق وأنكم على الباطل ( مَن كَانَ فِي الضلالة ) أى منا ومنكم ( فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ) فليدعه الله فى طغيانه هكذا ، قرر ذلك أبو جعفر بن جرير ، وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه كما ذكر - تعالى - مباهلة اليهود والنصارى .ومع وجاهة التفسيرين لمعنى ( فَلْيَمْدُدْ لَهُ .

.

.

) إلا أنا نميل إلى الرأى الأول وهو أن صيغة الطلب يراد بها الإخبار عن سنة الله - تعالى - فى الضالين ، لأنه هو المتبادر من معنى الآية الكريمة ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك ( وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى ) يؤيد هذا الرأى .وقوله - سبحانه - : ( حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ .

.

.

) متعلق بما قبله .أى : فليمدد له الرحمن مدا على سبيل الاستدراج والإمهال ، حتى إذا رأى هؤلاء الكافرون ما توعدهم الله - تعالى - به ، علموا وأيقنوا أن الأمر بخلاف ما كانوا يظنون وما كانوا يقولون لأنهم سينزل الله - تعالى - بهم ( إِمَّا العذاب ) الدنيوى على أيدى المؤمنين ( وَإِمَّا الساعة ) أى : وإما عذاب الآخرة وهو أشد وأبقى .وحينئذ يعلمون ويوقنون ( مَنْ هُوَ ) من الفريقين ( شَرٌّ مَّكَاناً ) أى : أسوأ منزلا ومسكنا ( وَأَضْعَفُ جُنداً ) وأضعف أعوانا وأنصارا .وهذه الجملة الكريمة رد على قول المشركين قبل ذلك : ( أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وتقرير هذا الجواب أن يقال: إن من كان أعظم نعمة منكم في الدنيا قد أهلكهم الله تعالى وأبادهم، فلو دل حصول نعم الدنيا للإنسان على كونه حبيباً لله تعالى لوجب في حبيب الله أن لا يوصل إليه غماً في الدنيا ووجب عليه أن لا يهلك أحداً من المنعمين في دار الدنيا وحيث أهلكهم دل إما على فساد المقدمة الأولى وهي أن من وجد الدنيا كان حبيباً لله تعالى، أو على فساد المقدمة الثانية وهي أن حبيب الله لا يوصل الله إليه غماً، وعلى كلا التقديرين فيفسد ما ذكرتموه من الشبهة، بقي البحث عن تفسير الألفاظ فنقول: أهل كل عصر قرن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم (وهم أحسن) في محل النصب صفة (لكم)، ألا ترى أنك لو تركت (هم) لم يكن لك بد من نصب أحسن على الوصفية، والأثاث متاع البيت، أما رئياً فقرئ على خمسة أوجه لأنها إما أن تقرأ بالراء التي ليس فوقها نقطة، أو بالزاي التي فوقها نقطة فأما الأول، فإما أن يجمع بين الهمزة والياء أو يكتفي بالياء.

أما إذا جمع بين الهمزة والياء ففيه وجهان: أحدهما: بهمزة ساكنة بعدها ياء وهو المنظر والهيئة فعل بمعنى مفعول من رأيت رئياً.

والثاني: ريئاً على القلب كقولهم راء في رأى، أما إن اكتفينا بالياء فتارة بالياء المشددة على قلب الهمزة ياء، والإدغام، أو من الري الذي هو النعمة والترفه، من قولهم: ريان من النعيم.

والثاني: بالياء على حذف الهمزة رأساً ووجهه أن يخفف المقلوب وهو ريئاً بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على الياء الساكنة قبلها، وأما بالزاي المنقطة من فوق زياً فاشتقاقه من الزي وهو الجمع، لأن الزي محاسن مجموعة، والمعنى أحسن من هؤلاء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي مدّ له الرحمن، يعني: أمهله وأملى له في العمر، فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة، كالمأمور به الممتثل، لتقطع معاذير الضالّ، ويقال له يوم القيامة ﴿ أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ [فاطر: 37] أو كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً ﴾ [آل عمران: 178] أو ﴿ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ﴾ في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدّة حياته.

في هذه الآية وجهان، أحدهما: أن تكون متصلة بالآية التي هي رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما، أي قالوا: أيّ الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً.

﴿ حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ ﴾ أي لا يبرحون يقولون هذا القول ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين ﴿ إِمَّا العذاب ﴾ في الدنيا وهو غلبة المسلمين عليهم وتعذيبهم إياهم قتلاً وأسراً وإظهار الله دينه على الدين كله على أيديهم.

وإما يوم القيامة وما ينالهم من الخزي والنكال، فحينئذ يعلمون عند المعاينة أن الأمر على عكس ما قدروه، وأنهم شر مكاناً وأضعف جنداً، لا خير مقاماً وأحسن ندياً.

وأن المؤمنين على خلاف صفتهم.

والثاني: أن تتصل بما يليها.

والمعنى: أن الذين في الضلالة ممدود لهم في ضلالتهم، والخذلان لاصق بهم لعلم الله بهم، وبأن الألطاف لا تنفع فيهم وليسوا من أهلها.

والمراد بالضلالة: ما دعاهم من جهلهم وغلوّهم في كفرهم إلى القول الذي قالوه.

ولا ينفكون عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين أو يشاهدوا الساعة ومقدّماتها.

فإن قلت: (حتى) هذه ما هي؟

قلت: هي التي تحكى بعدها الجمل ألا ترى الجملة الشرطية واقعة بعدها وهي قوله: ﴿ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ...

فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ في مقابلة ﴿ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾ لأن مقامهم هو مكانهم ومسكنهم.

والنديّ: المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم وأنصارهم.

والجند: هم الأنصار والأعوان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ﴾ فَيُمِدُّهُ ويُمْهِلُهُ بِطُولِ العُمُرِ والتَّمَتُّعِ بِهِ، وإنَّما أخْرَجَهُ عَلى لَفْظِ الأمْرِ إيذانًا بِأنَّ إمْهالَهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَهُ اسْتِدْراجًا وقَطْعًا لِمَعاذِيرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ﴾ وكَقَوْلِهِ ﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ ﴾ غايَةَ المَدِّ.

وقِيلَ غايَةُ قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينِ آمَنُوا أيْ قالُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ.

﴿ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْمَوْعُودِ فَإنَّهُ إمّا العَذابُ في الدُّنْيا وهو غَلَبَةُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وتَعْذِيبُهم إيّاهم قَتْلًا وأسْرًا وإمّا يَوْمَ القِيامَةِ وما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ.

﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا ﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِأنْ عايَنُوا الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما قَدَّرُوهُ وعادَ ما مُتِّعُوا بِهِ خِذْلانًا ووَبالًا عَلَيْهِمْ، وهو جَوابُ الشَّرْطِ والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بَعْدَ ﴿ حَتّى ﴾ .

﴿ وَأضْعَفُ جُنْدًا ﴾ أيْ فِئَةً وأنْصارًا قابَلَ بِهِ أحْسُنُ نَدِيًّا مِن حَيْثُ إنَّ حُسْنَ النّادِي بِاجْتِماعِ وُجُوهِ القَوْمِ وأعْيانِهِمْ وظُهُورِ شَوْكَتِهِمْ واسْتِظْهارِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ مَن كَانَ فِى الضلالة} الكفر {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً} جواب من لأنها شرطية وهذا الأمر بمعنى الخبر أي من كفر مد له الرحمن يعني أمهله وأملى له في العمر ليزداد طغياناً وضلالاً كقوله تعالى إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وإنا أخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل ليقطع معاذير الضلال {حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} هي متصلة بقوله خير مقاماً وأحسن ندياً وما بينهما اعتراض أي لا يزالون يقولون هذا القول إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين {إِمَّا العذاب} في الدنيا وهو تعذيب المسلمين إياهم بالقتل والأسر {وَإِمَّا الساعة} أي القيامة وما ينالهم من الخزي والنكال فهما بدلان مما يوعدون {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً} منزلاً {وَأَضْعَفُ جُنداً} أعواناً وأنصاراً أي فحينئذٍ يعلمون أن الأمر على عكس ما قدروه وأنهم شر مكاناً وأضعف جنداً لا خير مقاماً وأحسن ندياً وأن المؤمنين على خلاف صفتهم وجاز أن تتصل بما يليها والمعنى إن الذين في الضلالة ممدود لهم في ضلالتهم لا ينفكون

مريم (٨٠ - ٧٦)

عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين أو يشاهدوا الساعة وحتى هي التي يحكي بعدها الجمل ألا ترى أن الجملة الشرطية واقعة بعدها وهي قوله إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ ﴾ إلَخْ أمْرٌ مِنهُ تَعالى لِرَسُولِهِ  بِأنْ يُجِيبَ هَؤُلاءِ المُفْتَخِرِينَ بِما لَهم مِنَ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِبَيانِ مَآلِ أمْرِ الفَرِيقَيْنِ إمّا عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ مُتَناوِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِنَ المُنْهَمِكِينَ في اللَّذَّةِ الفانِيَةِ المُبْتَهِجِينَ بِها عَلى أنَّ مِن عَلى عُمُومِها، وإمّا عَلى وجْهٍ خاصٍّ بِهِمْ عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنْهم ووَصَفَهم بِالتَّمَكُّنِ في الضَّلالَةِ لِذَمِّهِمْ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أيْ مَن كانَ مُسْتَقِرًّا في الضَّلالَةِ مَغْمُورًا بِالجَهْلِ والغَفْلَةِ عَنْ عَواقِبِ الأُمُورِ ﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ﴾ أيْ يَمُدُّ سُبْحانَهُ لَهُ ويُمْهِلُهُ بِطُولِ العُمْرِ وإعْطاءِ المالِ، والتَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ، فالطَّلَبُ في مَعْنى الخَبَرِ، واخْتِيرَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ لِقَطْعِ المَعاذِيرِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ فَيَكُونُ حاصِلُ المَعْنى مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلا عُذْرَ لَهُ فَقَدْ أمْهَلَهُ الرَّحْمَنُ ومَدَّ لَهُ مَدًّا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلِاسْتِدْراجِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ﴾ وحاصِلُ المَعْنى: مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَعادَةُ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمُدَّ لَهُ ويَسْتَدْرِ جَهُ لِيَزْدادَ إثْمًا، وقِيلَ: المُرادُ الدُّعاءُ بِالمَدِّ إظْهارًا لِعَدَمِ بَقاءِ عُذْرٍ بَعْدَ هَذا البَيانِ الواضِحِ فَهو عَلى أُسْلُوبِ ﴿ رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ إنْ حُمِلَ عَلى الدُّعاءِ، قالَ في الكَشْفِ: الوَجْهُ الأوَّلُ أوْفَقُ بِهَذا المَقامِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِما أنَّ المُدُنَ أحْكامُها ﴿ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ ﴾ إلى آخِرِهِ غايَةٌ لِلْمَدِّ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمِيرَيْنِ الأوَّلِينَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما اسْمُ مَوْصُولٍ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِلَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي يُوعِدُونَهُ، واعْتِبارُ ما مَصْدَرِيَّةً خِلافُ الظّاهِرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ ﴾ بَدَلٌ مِن ( ما ) وتَفْصِيلٌ لِلْمَوْعُودِ عَلى طَرِيقَةِ مَنعِ الخُلُوِّ، والمُرادُ بِالعَذابِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ بِغَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ واسْتِيلائِهِمْ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِالسّاعَةِ قِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ وهو الظّاهِرُ.

وقِيلَ: ما يَشْمَلُ حِينَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ العَذابِ ومَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ وذَلِكَ لِتَتَّصِلَ الغايَةُ بِالمُغَيّا فَإنَّ المَدَّ لا يَتَّصِلُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ أمْرَ الفاصِلِ سَهْلٌ لِأنَّ أُمُورَ هَذِهِ الدُّنْيا لِزَوالِها وتَقَضِّيها لا تُعَدُّ فاصِلَةً كَما قِيلَ: ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: (فَسَيَعْلَمُونَ) جَوابُ الشَّرْطِ وهُما في الحَقِيقَةِ الغايَةُ إنْ قُلْنا: إنَّ المَجْمُوعَ هو الكَلامُ أوْ مَفْهُومُهُ فَقَطْ إنْ قُلْنا: إنَّهُ هو الكَلامُ والشَّرْطُ قَيْدٌ لَهُ، (وحَتّى) عِنْدَ ابْنِ مالِكٍ جارَّةٌ وهي لِمُجَرَّدِ الغايَةِ لا جارَّةٌ ولا عاطِفَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهَكَذا هي كُلَّما دَخَلَتْ عَلى إذا الشَّرْطِيَّةِ وهي مَنصُوبَةٌ بِالشَّرْطِ أوِ الجَزاءِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمُرادُ حَتّى إذا عايَنُوا ما يُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ أوِ الأُخْرَوِيِّ فَقَطْ فَسَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ ﴿ مَن هو شَرٌّ مَكانًا ﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِأنْ يُشاهِدُوا الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما كانُوا يُقَدِّرُونَهُ فَيَعْلَمُونَ أنَّهم شَرٌّ مَكانًا لا خَيْرٌ مَقامًا، وفي التَّعْبِيرِ بِالمَكانِ هُنا دُونَ المَقامِ المُعَبَّرِ بِهِ هُناكَ مُبالَغَةٌ في إظْهارِ سُوءِ حالِهِمْ ﴿ وأضْعَفُ جُنْدًا ﴾ أيْ: فِئَةً وأنْصارًا لا أحْسَنُ نِدِّيًّا، ووَجْهُ التَّقابُلِ أنَّ حُسْنَ النَّدِيِّ بِاجْتِماعِ وُجُوهِ القَوْمِ وأعْيانِهِمْ وظُهُورِ شَوْكَتِهِمْ واسْتِظْهارِهِمْ.

وقِيلَ: إنَّ المُرادَ مِنَ النَّدِيِّ هُناكَ مَن فِيهِ كَما يُقالُ المَجْلِسُ العالِي لِلتَّعْظِيمِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهُ ثَمَّةَ جُنْدًا ضَعِيفًا كَلًّا ﴿ ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا ﴾ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ رَدًّا لِما كانُوا يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ لَهم أعْوانًا مِن شُرَكائِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ وهي في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولِ ( يَعْلَمُونَ ) وتَعَدّى إلى واحِدٍ لِأنَّ العِلْمَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ هُوَ شَرٌّ ﴾ صِلَةُ المَوْصُولِ.

وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها اسْتِفْهامِيَّةً والعِلْمُ عَلى بابِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ وهو عِنْدَ أبِي البَقاءِ فَصْلٌ لا مُبْتَدَأٌ.

وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ وظاهِرُ صَنِيعِهِ اخْتِيارُهُ أنْ يَكُونَ ما تَقَدَّمَ غايَةً لِقَوْلِ الكَفَرَةِ ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ ﴾ إلَخْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: (كَمْ أهْلَكْنا) إلَخْ و ﴿ قُلْ مَن كانَ ﴾ إلَخْ جُمْلَتانِ مُعْتَرِضَتانِ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ أيْ لا يَبْرَحُونَ يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ ويَتَوَلَّوْنَ بِهِ لا يَتَكافَوْنَ عَنْهُ إلى أنْ يُشاهِدُوا المَوْعُودَ رَأْيَ عَيْنٍ إمّا العَذابُ في الدُّنْيا بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ وإمّا يَوْمَ القِيامَةِ، وما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما قَدَّرُوهُ وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ الغايَةِ والمُغَيّا مَعَ أنَّ الفَصْلَ بِجُمْلَتَيِ اعْتِراضٍ فِيهِ خِلافُ أبِي عَلِيٍّ فَإنَّهُ لا يُجِيزُهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أيْضًا بَعْدَ إصْلاحِ أمْرِ انْقِطاعِ القَوْلِ حِينَ المَوْتِ وعَدَمِ امْتِدادِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ اعْتِبارَ اسْتِمْرارِ القَوْلِ وتَكَرُّرِهِ لا يَتِمُّ بِدُونِ اعْتِبارِ اسْتِمْرارِ التِّلاوَةِ لِوُقُوعِ القَوْلِ في حَيِّزِ جَوابِ إذا وهو كَما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال بعضهم: يعني: داخلها، المؤمن والكافر يدخلون على الصراط، وهو ممدود على متن جهنم، ويقال: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها يعني الكفار الذين تقدم ذكرهم.

وروى سفيان عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، أن نافع بن الأزرق خاصم ابن عباس وقال: لا يردها مؤمن، فقال ابن عباس: «أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر بماذا نخرج منها إن خرجنا» (١) وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «يرد الناس جميعاً الصراط وورودهم قيامهم حول النار، ثم يمرون على الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى أن آخرهم مثل رجل نوره على موضع إهاب قدميه، ثم يتكفأ به الصراط، والصراط دحض (٢) (٣) (٤) (٥) وروى سفيان عن ثور بن خالد بن معدان قال: «إذا دَخَلَ أَهْلُ الجنة الجنة قالوا: أَلَمْ يَعِدْنا رَبُّنَا أنّا نرد النّار؟

قيل: إنكم قد مررتم بها وهي خامدة، فذلك قوله عز وجل وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها يعني: الخلائق على الصراط، والصراط في جهنم كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا يعني قضاء واجباً.

قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مندوست رحمه الله قال: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا عدي بن عاصم قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا جرير عن أبي السليل عن غنيم بن قيس عن أبي العوام قال: قال كعب: «هل تدرون ما قوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها؟

قالوا: ما كنا نرى ورودها إلا دخولها.

قال: لا، ولكن ورودها أن يجاء بجهنم كأنها متن إهالة، حتى إذا استوت عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم، نادى مناد: خذي أصحابك وذري أصحابي، فتخسف بكلّ ولي لها، وهي أعلم بهم من الوالد بولده، وينجو المؤمنون نديَّة ثيابهم» .

قال الفقيه: وحدثني الثقة بإسناده عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: «لما نزلت هذه الآية كبا لها الناس كبوةً شديدة، وحزنوا حتى بلغ الحزن منهم كل مبلغ، وقالوا: وليس أحد إلا وهو يدخلها فأنشؤوا يبكون.

قال: ونزل بابن مظعون ضيف فقال لامرأته: هيئي لنا طعاماً فاستوصي بضيفك خيراً حتى آتي رسول الله  ، فانتهى إليهم وهم يبكون فقال: ما يُبْكِيكُمْ؟

قالوا: نزلت هذه الآية وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا يقول: كائناً لا يبقى أحد إلا دخلها، فأنشأ عثمان بن مظعون يبكي، ثم انصرف إلى منزله باكياً، فلما أتى منزله سمعت امرأته بكاءه، فأنشأت تبكي، فلما سمع الضيف بكاءهما أنشأ يبكي، فلما دخل عليهما عثمان قال لها: ما يبكيك؟

قالت: سمعت بكاءك فبكيت، فقال للضيف: وأنت ما يبكيك؟

قال: عرفت أن الذي أبكاكما سيبكيني، قال عثمان: فابكوا وحق لكم أن تبكوا، أنزل الله عز وجل اليوم على رسوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فمكثوا بعد هذه الآية سنتين، ثم أنزل الله هذه الآية، وهو قوله: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وروي في بعض الأخبار أنه نزل بعد ثلاثة أيام ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا أي الذين اتقوا الشرك والمعاصي وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ يعني: المشركين فِيها جِثِيًّا يعني: جميعا، ففرح المسلمون بها.

قرأ الكسائي.

ننجي بالتخفيف، قرأ والباقون بالنصب والتشديد، أنجى ينجي وَنَجَّى ينجي بمعنى واحد.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 535 إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي.

(٢) دحض: دحضت رجله أي زلقت، والإدحاض الإزلاق.

(٣) زلق: بالتحريك، دحض.

وهو في الأصل مصدر زلقت وأزلقتها، والمزلق والمزلقة.

(٤) حسك: ما يعمل من الحديد على مثاله وهو من آلات العسكر كما في الصحاح.

(٥) مخدوش هو الكدوح وخدش وجهه من باب ضرب.

وكدش: كدح وبابه ضرب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وهذه من أبي علي نزعةٌ اعتزالية [فتأملها] «٢» ، والضمير في لَنَحْشُرَنَّهُمْ عائدٌ على الكفَّارِ القائلين ما تقدم، ثم أَخبر تعالى: أنه يقرن بهم الشياطين المغوين لهم، وجِثِيًّا جمعُ جَاثٍ، فأخبر سبحانه: أَنه يحضر هؤلاءِ المنكرين البعث مع ٥ ب الشياطين [المغوِينَ] «٣» ، فيجثُون/ حول جهنَّم وهو «٤» قعودُ الخائف الذَّلِيل على رُكْبتيْهِ كالأَسِير، ونحوهِ.

قال ابنُ زيدٍ «٥» : الجَثْيُ: شَرُّ الجلُوسَ، و «الشيعة» : الفِرْقَةُ المرتبطة بمذهبٍ وَاحدٍ، المتعاونةِ فيه، فأخبر سبحانه أَنه ينزع مِنْ كُلِّ شيعةٍ أَعْتاها وأَولاَها بالعذاب، فتكون مقدمتها إلى النَّار.

قال أَبو الأحوص: المعنى: نبدأ بالأكابر «٦» جرما «٧» ، وأيّ: هنا بُنِيَتْ لمَّا حُذِف الضميرُ العَائِدُ عليها مِنْ صَدْر صِلَتها، وكان التقدِيْرُ: أَيَّهم هو أشَدُّ، وصِلِيًّا: مصدر صلي يصلى إذا باشره.

وقوله عزَّ وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قسم، والواو تقتضيه، ويفسّره قوله صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاَثَةُ أَوْلاَدٍ، لَمْ تَمَسَّهُ النّار إلّا تحلّة القسم» «٨» .

وقرأ ابن

عباس «١» ، وجماعَةٌ: «وإنْ مِنْهُمْ» بالهَاءِ على إرَادة الكُفَّار.

قال ع «٢» : ولا شغب في هذه القراءة، وقالت فِرْقَةٌ من الجمهور القارئين «منكم» ، المعنى: قُلْ لهم يا محمَّدُ، فالخِطَاب ب مِنْكُمْ للكفرةِ، وتأويل هؤلاءِ أَيضاً سَهْلُ التناوُلِ.

وقال الأكثرُ: المخاطَبُ العَالَمُ كلّه، ولا بُدّ من ورود الجميع، ثم اختلفوا في كَيْفِيَّةِ ورود المُؤْمِنِينَ، فقال ابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وخالدُ بن مَعْدَانَ، وابنُ جُرَيْجٍ «٣» ، وغيرُهم: هو ورودُ دخولٍ، لكنَّها لا تعدو عليهم، ثم يخرجهم الله عز وجل منها بعدَ مَعْرِفتهم حَقِيقَةَ ما نَجَوْا منه.

وروى «٤» جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم أَنه قال: «الوُرُودُ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُوَ الدُّخُولُ» «٥» ، وقد أَشْفَقَ كَثِيرٌ من العلماء من تحقُّقِ «٦» الورودِ مع الجَهْلِ بالصَّدَرِ- جعلنا الله تعالى من الناجين بفضله ورحمته-، وقالت فِرْقَة: بَلْ هُو ورودُ إشْرَافٍ، واطِّلاعٍ، وقُرْبٍ، كما تقول: وردتُ الماءَ إذا جِئْتَه، وليس يلزم أن تدخل فيه، قالوا:

وحسب المؤمن بهذا هؤلاء ومنه قولُه تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ [القصص: الآية ٢٣] .

وروت فرقة أثراً: أنّ الله تعالى يجعلُ النَّار يوم القيامة جامدةَ الأعلى كأنها إهالةٌ فيأتي الخلقُ كلُّهم برُّهم وفاجرُهم، فيقفون عليها، ثم تسوخُ بأهلِها، ويخرجُ المؤمنون الفائزون، لم ينلهم ضرٌّ، قالوا: فهذا هو الورودُ.

قال المهدوي «١» : وعن قتادةَ قال: يرد النَّاسُ جهنَّمَ وهي سَوْدَاءُ مظلِمةٌ، فأَما المؤْمنُونَ فأَضَاءَتْ لهم حَسَناتُهم، فَنَجَوْا منها، وأما الكفارُ فأوبقتهم سَيِّئَاتُهم، واحتبسوا بذنوبهم.

[انتهى] » .

وروت حَفْصَةُ- رضي الله عنها- أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَالحُدَيْبِيَةِ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، وأَيْنَ قَوْلُ اللهِ تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فقال صلى الله عليه وسلّم: «فَمَهْ «٣» ، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا» «٤» ورجح الزجاجُ «٥» هذا القَوْلَ بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] .

ت: وحديثُ حفصةَ هذا أَخرجهُ مُسْلِم، وفيه: «أَفلم تَسْمَعِيهِ يقولُ: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا «٦» .

وروى ابنُ المبارك في «رُقائقه» : أنه لما نزلت هذه الآية: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ذهب ابن رواحة إلى بيته فبكى [فَجَاءَتِ امرأته، فبكت] ، «٧» وجاءت الخادم فبكت، وجاء

أهل البيت فَجَعَلُوا يَبْكُونَ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عَبْرَتُهُ، قَالَ: يَا أَهْلاَهُ، مَا يُبْكِيكُمْ، قَالُوا: لاَ نَدْرِي، وَلَكِنْ رَأَيْنَاكَ بَكَيْتَ فَبَكَيْنَا، فَقَالَ: آيَةٌ نَزَلَتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلّم يُنْبِئُنِي فِيهَا رَبِّي أَنِي وَارِدُ النَّارَ، وَلَمْ يُنْبِئْنِي أَنِّي صَادِرٌ عَنْهَا، فَذَلِكَ الَّذِي أبْكَانِي «١» .

انتهى.

وَقال ابنُ مَسْعُودٍ: ورودُهُمْ/: هو جَوَازُهُمْ على الصراط «٢» ، وذلك أنّ الحديث ٦ أالصحيح تضمن أَنَّ الصراط مَضْرُوبٌ على مَتْنِ جهنم.

والحتم: الأمر المنفد المجزوم، والَّذِينَ اتَّقَوْا: معناه اتَّقَوْا الكُفْر وَنَذَرُ دالةٌ على أَنهم كَانُوا فيها.

قال أَبُو عُمَر بنُ عَبْدِ البَرِّ في «التمهيد» بعد أَن ذكر روَاية جابِر، وابنِ مَسْعُودٍ في الوُرُودِ: وروي عن كَعْبٍ أَنه تَلاَ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فقال: أَتَدْرُونَ مَا وُرُودُهَا؟

إنه يُجَاءُ بجهنَّم فتُمْسكُ للناس كأَنها متْن إهَالَة: يعني: الوَدَك الذي يجمد على القِدْر من المرقَةِ، حَتَّى إذا استقرت عليها أَقدَام الخَلائِق: بَرّهم وفاجرهم، نَادَى مُنَادٍ: أَنْ خُذِي أَصْحَابِك، وذَرِي أَصْحَابِي، فيُخْسَفُ بكلِّ وليٍّ لها، فَلَهِيَ أَعلَمُ بهم مِنَ الوَالِدَة بولَدِهَا، وينجو المُؤْمِنُونَ نَدِيَّة ثيابهم «٣» .

وروي هذا المعنى عن أَبي نَضْرَةَ، وزاد: وهو معنى قولِه تَعَالَى: فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ [يس: ٦٦] .

انتهى.

وقوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً ...

الآية، هذا افتخارٌ من كفار قريش وأَنه إِنما أَنعم الله عليهم لأَجْلِ أَنهم على الحقِّ بزعمهم.

والنَّدِيّ، والنَّادِي: المجْلِسُ، ثم رد الله تعالى حُجَّتَهم وحقَّر أَمْرهم فقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً أيْ: فلم يُغْن ذلك عنهم شَيْئاً «٤» ، والأَثَاث: المال العين، والعَرْض «٥» والحيوان.

وقرأَ نافِعٌ «٦» وغيرُه: «ورءيا» بهمزةٍ بعدها ياء من رؤية العين.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ آياتُنا ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ.

﴿ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ أيْ: لِفُقَراءَ المُؤْمِنِينَ، ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: [ مَقامًا ] بِفَتْحِ المِيمِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ المِيمِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَقامُ: اسْمُ المَثْوى، إنْ فُتِحَتِ المِيمُ أوْ ضُمَّتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ والنَّدِيُّ والنّادِي: مَجْلِسُ القَوْمِ ومُجْتَمَعُهم.

وقالَ الفَرّاءُ: النِّدِيُّ والنّادِي لُغَتانِ.

ومَعْنى الكَلامِ: أنْحَنِ خَيْرٌ أمْ أنْتُمْ ؟

فافْتَخَرُوا عَلَيْهِمْ بِالمَساكِنِ والمَجالِسِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ ﴾ ، وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى القَرْنِ في ( الأنْعامِ: ٦ )، وشَرَحْنا الأثاثَ في ( النَّحْلِ: ٨٠ ) .

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرِئْيًا ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( ورِئْيًا ) بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الرّاءِ والياءِ في وزْنِ: ( رِعْيًا ) .

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: مَنظَرًا، مِن ( رَأيْتُ ) .

وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ( رِيًّا ) بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَها تَفْسِيرانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الأُولى.

والثّانِي: أنَّها مِنَ الرِّيِّ، فالمَعْنى: مَنظَرُهم مُرْتَوٍ مِنَ النِّعْمَةِ، كَأنَّ النَّعِيمَ بَيِّنٌ فِيهِمْ.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ: ( زِيًّا ) بِالزّايِ المُعْجَمَةِ مَعَ تَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: حَسَنٌ هَيْئَتُهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا ﴾ ﴿ قُلْ مَن كانَ في الضَلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَحْمَنُ مَدًّا ﴾ قَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يُتْلى" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لِما كانَ الرَجُلُ مِنهم يُكَلِّمُ المُؤْمِنَ في مَعْنى الدِينِ فَيَقْرَأُ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ القُرْآنَ، ويَبْهَرُهُ بِآياتِ النَبِيِّ  ، كانَ الكافِرُ مِنهم يَقُولُ: إنَّ اللهَ إنَّما يُحْسِنُ لِأحَبِّ الخَلْقِ إلَيْهِ، وإنَّما يُنْعِمْ عَلى أهْلِ الحَقِّ، ونَحْنُ قَدْ أنْعَمَ عَلَيْنا دُونَكُمْ، فَنَحْنُ أغْنِياءُ وأنْتُمْ فُقَراءُ، ونَحْنُ أحْسَنُ مَجْلِسًا وأجْمَلُ شارَةً، فَهَذا المَعْنى ونَحْوَهُ هو المَقْصُودُ بِالتَوْقِيفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ ﴾ ؟

وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَقامًا" بِفَتْحِ المِيمِ، و"لا مَقامَ لَكُمْ" بِالفَتْحِ أيْضًا، وهو المَصْدَرُ مَن قامَ، أوِ الظَرْفُ مِنهُ في مَوْضِعِ القِيامِ.

وهَذا يَقْتَضِي لَفْظَ المَقامُ، إلّا أنَّ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ يُحْرِزُ أنَّهُ واقِعٌ عَلى الظَرْفِ فَقَطْ، وقَرَأ أبِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فِي مُقامٍ أمِينٍ"، بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مُقامًا" بِضَمِّ المِيمِ، وهو ظَرْفٌ مَن أقامَ، وكَذَلِكَ أيْضًا مِنَ المَصْدَرِ مِنهُ مِثْلَ "مَجْراها ومُرْساها" وقَرَأ: "فِي مَقامٍ أمِينٍ" و"لا مَقامَ لَكُمْ" بِالفَتْحِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ جَمِيعُهَنَّ بِالفَتْحِ، ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمْ "لا مُقامَ لَكُمْ" بِالضَمِّ.

و"النَدِيُّ" والنادِي: المَجْلِسُ فِيهِ الجَماعَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمُ الطائِيِّ: ودُعِيَتُ في أُولى النَدِيِّ ولِمْ يُنْظَرْ إلَيَّ بِأعْيُنٍ خُزْرِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ ﴾ مُخاطَبَةً مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ  ، خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ كَسْرَ حُجَّتِهِمْ واحْتِقارَ أمْرِهِمْ؛ لَأنَّ التَقْدِيرَ: هَذا الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ لا قَدْرَ لَهُ عِنْدَ اللهِ، ولَيْسَ بِمُنْجٍ لَهُمْ، فَكَمْ أهْلَكَ اللهُ مِنَ الأُمَمِ لَمّا كَفَرُوا وهم أشَدُّ مِن هَؤُلاءِ وأكْثَرُ أمْوالًا وأجْمَلَ مَنظَرًا.

و"القَرْنُ": الأُمَّةُ يَجْمَعُها العَصْرُ الواحِدُ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي إذا اجْتَمَعَتْ أُمَّةٌ سُمِّيَتْ تِلْكَ الأُمَّةُ قَرْنًا - فَقِيلَ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا غَيْرَ مَرَّةٍ.

و"الأثاثُ": المالُ العَيْنُ والعَرَضُ والحَيَوانُ، وهو اسْمٌ عامٌّ، واخْتَلَفَ، هَلْ هو جَمْعٌ أو إفْرادٌ؟

فَقالَ الفَرّاءُ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كالمَتاعِ، وقالَ خَلَفُ الأحْمَرِ، هو جَمْعٌ واحِدُهُ أثاثَةٌ، كَحَمامَةٍ وحَمامٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أشاقَتْكَ الظَعائِنُ يَوْمَ بانُوا ∗∗∗ بِذِي الرِئِيِ الجَمِيلِ مِنَ الأثاثِ؟

وأنْشَدَ أبُو العَبّاسِ: لَقَدْ عَلِمَتْ عُرَيْنَةُ حَيْثُ كانُوا ∗∗∗ بِأنّا نَحْنُ أكْثَرُهم أثاثًا وقَرَأ نافِعٌ - بِخِلافٍ - وأهْلُ المَدِينَةِ: "وَرِيًّا" بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فِيما رُوِيَ عنهُ، وطَلْحَةُ: "وَرِيًا" بِياءٍ مُخَفَّفَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيُّ: "وَرَءْيًا" بِهَمْزَةٍ بَعْدَها ياءٌ، عَلى وزْنِ رَعْيًا، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وابْنُ عامِرٍ، رَواها أشْهَبُ عن نافِعٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "وَرِيئًا" بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ، وهو عَلى القَلْبِ، وزْنُهُ فَلِعًا، وكَأنَّهُ مِن راءَ، وقالَ الشاعِرُ: وكُلُّ خَلِيلٍ راءَنِي فَهو قائِلٌ ∗∗∗ مِن أجْلِكَ: هَذا هامَةُ اليَوْمِ أو غَدِ فَأمّا القِراءَتانِ المَهْمُوزَتانِ فَهُما مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، الرِئِيُ اسْمُ المَرْئِيِّ والظاهِرُ لِلْعَيْنِ كالطَحْنِ والسَقْيِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِئِيُ: المَنظَرُ، قالَ الحَسَنَ: ورِيًّا بِمَعْناهُ، وأمّا المُشَدَّدَةُ الياءِ فَقِيلَ: هي بِمَعْنى المَهْمُوزَةِ إلّا أنَّ الهَمْزَةَ خُفِّفَتْ لِتَسْتَوِيَ رُؤُوسِ الآيِ.

وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ مِنَ الرَيِّ في السُقْيا، كَأنَّهُ أرادَ أنَّهم خَيْرٌ مِنهم بِلادًا وأطْيَبُ أرْضًا وأكْثَرُ نِعَمًا؛ إذْ جُمْلَةُ النِعَمِ إنَّما هي مِن والمَطَرِ، وأمّا القِراءَةُ المُخَفَّفَةُ الياءِ فَضَعِيفَةُ الوَجْهِ، وقَدْ قِيلَ: هي لَحْنٌ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ويَزِيدُ البَرْبَرِيِّ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "وَزِيًّا" بِالزايِ، وهو بِمَعْنى المَلْبَسُ وهَيْئَتُهُ، تَقُولُ: زُيِّيَتْ بِمَعْنى: زَيَّنَتْ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن كانَ في الضَلالَةِ ﴾ فَقَوْلٌ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الدُعاءِ والِابْتِهالِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: الأضَلُّ مِنّا أو مِنكم مَدَّ اللهُ لَهُ حَتّى يَؤُولُ ذَلِكَ إلى عَذابِهِ.

والمَعْنى الآخَرُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَبَرِ كَأنَّهُ يَقُولُ: مَن كانَ ضالًّا مِنَ الأُمَمِ فَعادَةُ اللهِ فِيهِ أنَّهُ يَمُدُّ لَهُ ولا يُعاجِلُهُ حَتّى يُفْضِيَ ذَلِكَ إلى عَذابِهِ في الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فاللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَلْيَمْدُدْ" عَلى المَعْنى الأوَّلِ لامُ رَغْبَةٍ في صِيغَةِ الأمْرِ، وعَلى المَعْنى الثانِي لامُ أمْرٍ دَخَلَتْ في مَعْنى الخَبَرِ لِيَكُونَ أوكَدَ وأقْوى، وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ وفَصاحَتِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله ﴿ ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً ﴾ [مريم: 66] وهذا صنف آخر من غرور المشركين بالدنيا وإناطتهم دلالة على السعادة بأحوال طيب العيش في الدنيا فكان المشركون يتشففون على المؤمنين ويرون أنفسهم أسعد منهم.

والتّلاوة: القراءة.

وقد تقدمت عند قوله تعالى: ﴿ واتبعوا ما تتلو الشياطين على مُلك سليمان ﴾ في البقرة (102)، وقوله: ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ﴾ في أول الأنفال (2).

كان النبي يقرأ على المشركين القرآن فيسمعون آيات النعي عليهم وإنذارهم بسوء المصير، وآيات البشارة للمؤمنين بحسن العاقبة، فكان المشركون يكذّبون بذلك ويقولون: لو كان للمؤمنين خير لعُجل لهم، فنحن في نعمة وأهل سيادة، وأتباع محمّد من عامة الناس، وكيف يفوقوننا بل كيف يستوون معنا، ولو كنا عند الله كما يقول محمد لمنّ على المؤمنين برفاهية العيش فإنّهم في حالة ضنك ولا يساووننا فلو أقصاهم محمد عن مجلسه لاتّبعناه، قال تعالى: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ [الأنعام: 52، 53]، وقال تعالى: ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ [الأحقاف: 11].

فلأجل كون المشركين كانوا يقيسون هذا القياس الفاسد ويغالطون به جعل قولهم به معلّقاً بزمان تلاوة آيات القرآن عليهم.

فالمراد بالآيات البيّنات: آيات القرآن، ومعنى كونها بيّنات: أنّها واضحات الحجّة عليهم ومفعمة بالأدلّة المقنعة.

واللاّم في قوله ﴿ للّذين آمنوا ﴾ يجوز كونها للتّعليل، أي قالوا لأجل الذين آمنوا، أي من أجل شأنهم، فيكون هذا قول المشركين فيما بينهم.

ويجوز كونها متعلقة بفعل ﴿ قَالَ ﴾ لتعديته إلى متعلّقه، فيكون قولهم خطاباً منهم للمؤمنين.

والاستفهام في قولهم ﴿ أيُّ الفريقين ﴾ تقريريّ.

وقرأ من عدا ابن كثير ﴿ مَقاماً ﴾ بفتح الميم على أنه اسم مكان مِن قام، أطلق مجازاً على الحظ والرفعة، كما في قوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربّه جنتان ﴾ [الرحمن: 46]، فهو مأخوذ من القيام المستعمل مجازاً في الظهور والمقدرة.

وقرأه ابن كثير بضم الميم من أقام بالمكان، وهو مستعمل في الكون في الدنيا.

والمعنى: خيرٌ حياةً.

وجملة ﴿ وكم أهلكنا قبلهم من قرن ﴾ خطاب من الله لرسوله.

وقد أهلك الله أهل قرون كثيرة كانوا أرفه من مشركي العرب متاعاً وأجمل منهم منظراً.

فهذه الجملة معترضة بين حكاية قولهم وبين تلقين النبي صلى الله عليه وسلم ما يجيبهم به عن قولهم، وموقعها التهديد وما بعدها هو الجواب.

والأثاث: متاع البيوت الذي يُتزين به، و ﴿ رئياً ﴾ قرأه الجمهور بهمزة بعد الراء وبعد الهمزة ياء على وزن فِعْل بمعنى مفعول كذبِح، من الرؤية، أي أحسن مَرِئيّاً، أي منظراً وهيئة.

وقرأه قالون عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر «رِيّاً» بتشديد الياء بلا همزة إما على أنّه من قلب الهمزة ياء وإدغامها في الياء الأخرى، وإما على أنّه من الرِيّ الذي هو النعمة والترفه، من قولهم: ريّان من النّعيم.

وأصله من الريّ ضد العطش، لأنّ الريّ يستعار للتنعم كما يستعار التلهّف للتألّم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَنزِلُ إقامَةٍ في الجَنَّةِ أوِ النّارِ.

والثّانِي: يَعْنِي كَلامٌ قائِمٌ بِجَدَلٍ واحْتِجاجٍ أيْ: أمَّنْ فَلَجَتْ حُجَّتُهُ بِالطّاعَةِ خَيْرٌ أمْ مَن دُحِضَتْ حُجَّتُهُ بِالمَعْصِيَةِ، وشاهِدُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ومَقامِ ضِيقٍ فُرْجَتُهْ بِلِسانِي وحُسامِي وجَدَلْ ﴿ وَأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أفْضَلُ مَجْلِسًا.

الثّانِي: أوْسَعُ عَيْشًا.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أيُّهُما خَيْرٌ مَقامًا في مَوْقِفِ العَرْضِ، مَن قَضى لَهُ بِالثَّوابِ أوِ العِقابِ؟

﴿ وَأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ مَنزِلُ إقامَةٍ في الجَنَّةِ أوْ في النّارِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: المُقامُ بِضَمِّ المِيمِ: الإقامَةُ، وبِفَتْحِها المَجْلِسُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أثاثًا ورِئْيًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الأثاثَ: المَتاعُ، والرِّئْيَ: المَنظَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ الشّاعِرُ: أشاقَّتِ الظَّعائِنُ يَوْمَ ولَّوْا ∗∗∗ بِذِي الرِّئْيِ الجَمِيلِ مِنَ الأثاثِ.

الثّانِي: أنَّ الأثاثَ ما كانَ جَدِيدًا مِن ثِيابِ البَيْتِ، والرِّئْيُ الِارْتِواءُ مِنَ النِّعْمَةِ.

الثّالِثُ: الأثاثُ ما لا يَراهُ النّاسُ.

والرِّئْيُ ما يَراهُ النّاسُ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ أكْثَرُ أمْوالًا وأحْسَنُ صُوَرًا.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ الأثاثَ ما يُعَدُّ لِلِاسْتِعْمالِ، والرِّئْيَ ما يُعَدُّ لِلْجَمالِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: من هذه الأمة يتراكبون في الطرق، كما تراكب الأنعام لا يستحيون من الناس، ولا يخافون من الله في السماء.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ﴾ قال: عند قيام الساعة- ذهاب صالح أمة محمد- ينزو بعضهم إلى بعض في الآزقة زناة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ يقول: تركوا الصلاة.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ﴾ قال: ليس إضاعتها تركها قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه، ولكن إضاعتها إذا لم يصلها لوقتها.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: صلوها لغير وقتها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن القاسم بن مخيمرة في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: أخروا الصلاة عن ميقاتها ولو تركوها كفروا.

وأخرج ابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق، عن عمر بن عبد العزيز في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: لم يكن إضاعتهم تركها ولكن أضاعوا المواقيت.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن كعب قال: والله إني لأجد صفة المنافقين في التوراة: شرابين للقهوات: تباعين للشهوات، لعانين للكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين للصلوات تراكين للجمعات، ثم تلا هذه الآية ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن الأشعث قال: أوحى الله إلى داود عليه السلام أن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عني محجوبة.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: اغتسلت أنا وآخر، فرآنا عمر بن الخطاب، وأحدنا ينظر إلى صاحبه، فقال: إني لأخشى أن تكونا من الخلف الذين قال الله فيهم: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً ﴾ .

وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي سعيد الخدري: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلا هذه الآية ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ فقال: يكون خلف من عبد ستين سنة ﴿ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ﴾ ثم يكون خَلَفٌ: يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللين قلت يا رسول الله، ما أهل اللين؟

قال: قوم يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه، عن عائشة أنها كانت ترسل بالصدقة لأهل الصدقة وتقول: لا تعطوا منها بربرياً، ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هم الخلف الذين قال الله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يكون في أمتي من يقتل على الغضب، ويرتشي في الحكم، ويضيع الصلوات، ويتبع الشهوات، ولا تردّ له راية قيل: يا رسول الله، أمؤمنون هم؟

قال: بالإيمان يقرؤون» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال: خسراً.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث من طرق، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال: الغي نهر أو واد في جهنم من قيح بعيد القعر خبيث الطعم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات.

وأخرج ابن المنذر والبيهقي في البعث، عن البراء بن عازب في الآية قال: الغي، واد في جهنم بعيد القعر منتن الريح.

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً ثم تنتهي إلى غي وأثام، قلت: وما غي وأثام؟

قال: نهران في أسفل جهنم يسيل فيها صديد أهل النار، وهما اللذان ذكر الله في كتابه ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ [ الفرقان: 68] » .

وأخرج ابن مردويه من طريق نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغي واد في جهنم» .

وأخرج البخاري في تاريخه، عن عائشة في قوله: ﴿ غياً ﴾ قالت: نهر في جهنم.

وأخرج ابن المنذر، عن شقي بن ماتع قال: إن في جهنم وادياً يسمى ﴿ غياً ﴾ يسيل دماً وقيحاً، فهو لمن خلق له.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ يلقون غياً ﴾ قال: سوءاً ﴿ إلا من تاب ﴾ قال: من ذنبه ﴿ وآمن ﴾ قال: بربه ﴿ وعمل صالحاً ﴾ قال: بينه وبين الله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال باطلاً.

وأخرج عبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال: لا يستبون.

وفي قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: ليس فيها بكرة ولا عشي يؤتون به على النحو الذي يحبون من البكرة والعشي.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: يؤتون به في الآخرة على مقدار ما كانوا يؤتون به في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد، عن قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: ليس في الجنة ليل ولا شمس ولا قمر، هم في نور أبداً، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق أبان عن الحسن، وأبي قلابة قالا: قال رجل يا رسول الله، هل في الجنة من ليل؟

قال: وما هيجك على هذا؟!

قال: سمعت الله يذكر في الكتاب ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ فقلت الليل من البكرة، والعشي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «ليس هناك ليل، وإنما هو ضوء نور، يرد الغدو على الرواح، والرواح على الغدوّ، وتأتيهم طرف الهدايا من الله، لمواقيت الصلوات التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة» .

وأخرج ابن المنذر، عن يحيى بن أبي كثير قال: كانت العرب في زمانها إنما لها أكلة واحدة، فمن أصاب أكلتين، سمي فلاناً الناعم.

فأنزل الله تعالى يرغب عباده فيما عنده ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: كانوا يعدون النعيم، أن يتغدى الرجل، ثم يتعشى.

قال الله لأهل الجنة: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من غداة من غدوات الجنة، كل الجنة غدوات، إلا أن يزف إلى وليّ الله تعالى فيها زوجة من الحور العين أدناهن التي خلقت من زعفران» .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ بالنون مخففة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شوذب في قوله: ﴿ تلك الجنة التي نورث من عبادنا ﴾ قال: ليس من أحد إلا وله في الجنة منزل وأزواج، فإذا كان يوم القيامة، ورث الله المؤمن كذا وكذا منزلاً من منازل الكفار.

فذلك قوله: ﴿ من عبادنا ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن داود بن أبي هند في قوله: ﴿ من كان تقياً ﴾ قال: موحداً.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ إلى آخر الآية» .

زاد ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم، فكان ذلك الجواب لمحمد.

وأخرج ابن مردويه، عن أنس قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي البقاع أحب إلى الله وأيها أبغض إلى الله؟

قال: ما أدري حتى أسأل جبريل، وكان قد أبطأ عليه فقال: لقد أبطأت عليّ حتى ظننت أن بربي عليّ موجدة!...

فقال: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: «أبطأ جبريل على النبي- صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً ثم أنزل، فقال له النبي- صلى الله عليهه وسلم- ما نزلت حتى اشتقت إليك فقال له جبريل:أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور فأوحى الله إلى جبريل أن قل له: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي قال: احتبس جبريل عن النبي- صلى الله عليه وسلم- بمكة حتى حزن واشتد عليه، فشكا إلى خديجة، فقالت خديجة: لعل ربك قد ودعك أو قلاك، فنزل جبريل بهذه الآية: ﴿ ما ودعك ربك وما قلى ﴾ [ الضحى: 2] قال: يا جبريل، احتبست عني حتى ساء ظني، فقال جبريل: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال: لبث جبريل عن النبي- صلى الله عليه وسلم اثني عشرة ليلة، فلما جاءه قال: لقد رثت حتى ظن المشركون كل ظن فنزلت الآية.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: «أبطأت الرسل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم أتاه جبريل فقال: ما حبسك عني قال: كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون وقرأ ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: احتبس جبريل، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، وحزن فأتاه جبريل وقال: يا محمد: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا ﴾ يعني من الدنيا ﴿ وما خلفنا ﴾ يعني من الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة ﴿ له ما بين أيدينا ﴾ قال: الدنيا ﴿ وما خلفنا ﴾ قال: الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ له ما بين أيدينا ﴾ قال: من أمر الآخرة ﴿ وما خلفنا ﴾ من أمر الدنيا ﴿ وما بين ذلك ﴾ ما بين الدنيا والآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما بين ذلك ﴾ قال: ما بين النفختين.

وأخرج هناد وابن المنذر، عن أبي العالية ﴿ وما بين ذلك ﴾ قال: ما بين النفختين.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ قال: ﴿ ما كان ربك ﴾ لينساك يا محمد.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه والحاكم وصححه، عن أبي الدرداء رفع الحديث قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً.

ثم تلا ﴿ وما كان ربك نسيا ﴾ .

وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله.

وأخرج الحاكم عن سلمان «سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ قال: هل تعلم للرب مثلاً أو شبها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ قال: ليس أحد يسمى الرحمن غيره.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ يا محمد هل تعلم لإلهك من ولد؟.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ قال: هل تعلم له ولداً؟

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر وهو يقول: أما السمي فأنت منه مكثر ** والمال مال يغتدي ويروح <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ في الضَّلَالَةِ ﴾ قال ابن عباس: (قل لهم يا محمد من كان في العماية) (١) ﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ﴾ قال أبو إسحاق: (فليمدد لفظ أمر في معنى الخبر، وتأويله إن الله جعل جزاء ضلالته أن يتركه، ويمده فيها إلا أن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كان لفظ الأمر يريد به المتكلم نفسه إلزامًا، كأنه يقول أفعل ذلك وآمر نفسي، فإذا قال قائل: من زارني فلأكرمه، فهو ألزم من قوله أكرمه، كأنه قال: من زارني فأنا آمر نفسي بإكرامه وألزمها ذلك) (٢) وقال أبو علي: (هذا لفظه كلفظ أمثله الأمر ومعناه الخبر ألا ترى أنه لا وجه للأمر هاهنا، وأن المعنى مده الرحمن مدا) (٣) (٤) ومعنى المد في الضلالة ذكرناه في قوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  ﴾ .

وقال صاحب النظم: (من شرط وللشرط جزاء واجتمع في قوله: ﴿ فَلْيَمْدُدْ ﴾ جزاء الشرط والفاء دليل عليه، وابتداء الأمر ولو تمحض جزاء لكان يمدد ولكنه دعاء عليهم بأن يمدهم الله في الضلالة والدعاء يكون بلفظ الأمر كأنه أمر النبي -  - أن يدعوا على من كان في الضلالة بهذا الدعاء، وهذا كما تقول في الكلام: من سرق مالي فليقطع الله يده، فهذا دعاء على السارق وهو جواب للشرط) (٥) ﴿ فَلْيَمْدُدْ ﴾ خبرًا كما قاله الزجاج، وأبو علي، وأكد ابن الأنباري هذا الوجه فقال: (اللام في ﴿ فَلْيَمْدُدْ ﴾ لام الدعاء وتقديرها في الآية: قل يا محمد من كان في الضلالة فاللهم مد له في العمر مدا) (٦) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا رَأَوْا ﴾ هو متصل بالمد؛ لأن المعنى مده الله في ضلالته حتى يرى ما يوعد من العذاب أو الساعة، وإنما قال ﴿ رَأَوْا ﴾ بعد قوله ﴿ فَلْيَمْدُدْ ﴾ لأن لفظ من يصلح للواحد والجمع، وإذا مع الماضي يكون بمعنى المستقبل، والمعنى: حتى يروا ما يوعدون.

وقوله تعالى: ﴿ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ ﴾ منصوبان على البدل من ﴿ مَا يُوعَدُونَ ﴾ (٧) ﴿ الْعَذَابَ ﴾ هاهنا ما وعدوا به من نصر المؤمنين عليهم، فإنهم يعذبونهم قتلاً، وأسرًا، و ﴿ اَلسَّاعَةُ ﴾ يعني بها يوم القيامة وما وعدوا فيها من الخلود في النار) (٨) ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ ﴾ بالنصر والقتل أيهم ﴿ وَأَضْعَفُ جُنْدًا ﴾ كما قاله الزجاج وأبو علي (٩) ﴿ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا ﴾ قال ابن عباس: (أراد الله هذا الرد عليهم في قولهم: ﴿ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ ) (١٠) (١) ذكرته كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 119، "زاد المسير" 5/ 259.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 343.

(٣) "الحجة للقراء السبعة" 2/ 205.

(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "الكشف والبيان" 3/ 12 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 522، "معالم التنزيل" 5/ 253، "زاد المسير" 5/ 259، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144، "روح المعاني" 16/ 127.

(٥) ذكر نحوه القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144.

(٦) ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 421، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 141، "البحر المحيط" 6/ 212.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 343، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 326.

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 343.

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 343، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 205.

(١٠) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "معالم التنزيل" 5/ 203، "المحرر الوجيز" 9/ 524، "زاد المسير" 5/ 259 "الكشاف" 2/ 522، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ﴾ أي يمهله ويملي له، واختلف هل هذا الفعل دعاء أو خبر سيق بلفظ الأمر تأكيداً ﴿ حتى ﴾ هنا غاية للمدّ في الإضلال ﴿ إِمَّا العذاب ﴾ يعني عذاب الدنيا ﴿ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ في مقابلة قولهم خير مقاماً وأحسن ندياً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ مخلصاً ﴾ بفتح اللام: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.

الباقون بكسرها.

﴿ إبراهام ﴾ وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إذا ابتلي ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة ﴿ نورث ﴾ بالتشديد: رويس.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ لا تعبد الشيطان ﴾ ط ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ ولياً ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ط ج وقد يوصل ويوقف على ﴿ آلهتي ﴾ .

﴿ ملياً ﴾ ه ﴿ سلام عليك ﴾ ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ﴿ لك ربي ﴾ ط ﴿ حفياً ﴾ ه ﴿ وأدعو ربي ﴾ ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب لما ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نجياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ إسماعيل ﴾ ز لما مر ﴿ نبياً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ والزكاة ﴾ ط ﴿ مرضيا ﴾ ه ﴿ إدريس ﴾ ز ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ مع نوح ﴾ ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ﴿ ذرية آدم ﴾ أو على ﴿ إسرائيل ﴾ والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل ﴿ وبكيا ﴾ ه ﴿ عياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ جنات ﴾ بدل من ﴿ الجنة ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ مأتيا ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ بأمر ربك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ ذلك ﴾ ج لأن قوله: ﴿ وما كان ﴾ معطوف على ﴿ نتنزل ﴾ مع وقوع العارض ﴿ نسياً ﴾ ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لعبادته ﴾ ط ﴿ سمياً ﴾ ه.

التفسير: إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منهم من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى، ومنهم من عبد معبوداً جماداً كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل.

وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب.

وإنما بدأ بقصة إبراهيم  لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه.

والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم  ﴾ وإلا فهو  هو الذي يذكره في تنزيله.

وقوله: ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إبراهيم ﴾ وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على ﴿ إبراهيم ﴾ مطلقاً.

وجوز في الكشاف أن يتعلق "إذ" بـ ﴿ كان ﴾ أو بـ ﴿ صديقاً نبياً ﴾ أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.

والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه.

إلا إذا كان صادقاً جداً في أقواله مصدقاً لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده.

وقيل: إن "كان" بمعنى "صار" والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها.

والتاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف.

أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله  قال: "أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري" .

فقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد.

و"ما" موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به من قوله: "أغن عني وجهك" أي ادفعه.

ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره.

وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟

فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص.

وقوله: ﴿ يا أبت أني قد جاءني ﴾ تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق.

وفي قوله: ﴿ من العلم ما لم يأتك ﴾ فائدة هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك ﴿ فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد.

استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع.

وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره.

والإنصاف أن هذه الطريق أسهل.

ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: ﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان ﴾ أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان.

ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: ﴿ إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف.

ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال: ﴿ يا أبت إني أخاف ﴾ وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب.

قال الفراء: معنى أخاف أعلم.

والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم  لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه.

والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي.

وذكروا في الولي وجوهاً منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز.

وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ  ﴾ ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل  ﴾ ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: ﴿ ورضوان من الله أكبر  ﴾ وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار.

ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلاً ﴿ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ﴾ فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى.

وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته.

وفي قوله: ﴿ يا إبراهيم ﴾ دون أن يقول: "يا بني" في مقابلة ﴿ يا أبت ﴾ تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجم.

ثم ههنا إضمار أي فاحذرني ﴿ واهجرني ملياً ﴾ أي زماناً طويلاً من الملاوة، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران.

مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب.

فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة ﴿ قال سلام عليك ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً ﴾ بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر "الأعراف".

احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ الآية.

ولقوله في الممتحنة ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك  ﴾ فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به.

والجواب لعل إبراهيم  في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله  ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً.

والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه  ﴾ والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيراً من الأمور كانت مباحة للرسول الله  هي محرمة علينا.

ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: ﴿ وأعتزلكم ﴾ أي أهاجر إلى الشام ﴿ و ﴾ أعتزل ﴿ ما تدعون ﴾ أي ما تعبدون ﴿ من دون الله ﴾ وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ فلما أعتزلهم وما يعبدون ﴾ أما قوله: ﴿ وأدعو ربي ﴾ فيحتمل معنيين: العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء.

وفي قوله: ﴿ عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ ﴿ عسى ﴾ .

قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم ﴾ شيئاً ﴿ من رحمتنا ﴾ عن الحسن: هي النبوة.

وعن الكلبي: المال والولد.

والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن، عبر باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: ﴿ قدم صدق  ﴾ تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ﴿ ملة أبيكم إبراهيم  ﴾ ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً، فأشركه الله في الصلاة على النبي  في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال  : ﴿ وإبراهيم الذي وفى  ﴾ فجعل موطىء قدمه مباركاً ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  ﴾ وعادى كل الخلق في الله حين قال ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى  لأنه تلوه في الشرف.

والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله و ﴿ كان رسولاً نبياً ﴾ الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه ﴿ برب هرون وموسى  ﴾ ﴿ الأيمن ﴾ من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب ﴿ وقربناه ﴾ حال كونه ﴿ نجياً ﴾ أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة.

وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة "تقرب" وللملائكة "أنهم مقربون".

﴿ ووهبنا له من رحمتنا ﴾ أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون ﴿ أخاه ﴾ بدلاً و ﴿ هرون ﴾ عطف بيان كقولك "رأيت رجلاً أخاك زيداً".

و ﴿ نبياً ﴾ حال من هارون.

قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته.

وذلك بدعاء موسى في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي  ﴾ وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به.

وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة.

عن رسول الله  أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس.

وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟

فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى.

وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً  ﴾ "بدأ من تعول" ويحسن أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية.

وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة.

وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله.

وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما.

وقيل: "افعيل" من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها.

وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه.

وقيل: إن الله  رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت.

وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه.

عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟

فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك.

وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة.

وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها.

﴿ أولئك ﴾ المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم ﴿ الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ "من" للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ﴿ من ذرية آدم ﴾ هي للتبعيض وكذا في قوله: ﴿ وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ﴾ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم  لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم وإسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته.

﴿ وممن هدينا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه.

ثم إن جعلت ﴿ الذين ﴾ خبراً ﴿ لأولئك ﴾ كان ﴿ إذا يتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي والفاصل حاصل.

والبكي جمع باكٍ "فعول" كسجود في "ساجد" أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة.

ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً.

عن رسول الله  : " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي.

قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله  به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود.

فقيل: هو الخشوع والخضوع.

وقيل: الصلاة.

وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به.

ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود.

قال الزجاج: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا متهيئين للسجود.

عن رسول الله  : "اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.

وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.

وإن قرأ سجدة "سبحان" قال: اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.

وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك.

ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ وهو عقب السوء كما مر في آخر "الأعراف" فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً، واتباع الشهوات بإزاء البكاء.

عن بان عباس: هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب.

وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير.

وعن علي  في قوله: ﴿ واتبعوا الشهوات ﴾ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.

وعن قتادة: هو في هذه الأمة ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد.

وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: ﴿ ويلق أثاماً  ﴾ أي مجازاة أثام.

وقيل: غياً من طريق الجنة.

وقيل: هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى تجديد الإيمان.

والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال.

واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير.

وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان ﴿ وعمل عملاً صالحاً  ﴾ لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك.

وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً.

ومعنى ﴿ لا يظلمون شيئاً ﴾ لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب ﴿ شيئاً ﴾ على المصدر أي شيئاً من الظلم.

ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ قد مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن  ﴾ وصفها الله  بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا.

ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب "التي".

قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة.

ولما ساغ وصفها بـ "التي" ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين.

وقوله: ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى "فاعل"، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته.

وجوز في الكشاف أن يكون من قولك: "أتى إليك إحساناً" أي كان وعده مفعولاً منجزاً.

قوله: ﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في "البقرة" وفي "المائدة" أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم "عتابك السيف".

أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.

وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها.

ثم إنه  من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً ﴾ هذا قول الحسن.

ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي.

وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين.

وقوله: ﴿ تلك الجنة التي نورت ﴾ كقوله في "الأعراف" ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها  ﴾ وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه.

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر.

وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة.

أنه اتقى الكفر.

سئل ههنا أن قوله  : ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ كلام الله وقوله بعده: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما: وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد  وهل يجدونه في كتابهم.

فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله.

فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة.

وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه.

فنزل جبرائيل  فقال له النبي  : "أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك." قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست.

فأنزل الله الآية وأنزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً  ﴾ وسورة الضحى.

ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله عزوجل.

ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا ﴾ من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته.

وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ﴿ وما بين ذلك ﴾ وهو ما بين النفختين أربعون سنة.

وقيل: ما مضى.

من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا.

وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا.

والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره!

وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: ﴿ وما نتنزل ﴾ من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك.

أما قوله: ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ﴿ ما ودّعك ربك وما قلى  ﴾ وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته  بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته.

وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله  خطاباً لرسوله ويتصل به قوله: ﴿ رب السموات والأرض ﴾ أي بل هو ربهما ﴿ وما بينهما فاعبده ﴾ الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد ﴿ واصطبر لعبادته ﴾ لم يقل "على عبادته" لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب "اصطبر لقرنك" أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته.

ثم أكد وجوب عبادته بقوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف.

وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين: أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه.

وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره.

قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ "الرحمن" في سورة تكريره في هذه السورة.

وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية.

التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إنه كان صديقاً ﴾ للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه ﴿ إذ قال لأبيه ﴾ الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس ﴿ فقد جاءني من العلم ﴾ اللدني ﴿ ما لم يأتك ﴾ لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها ﴿ وهبنا له إسحاق ﴾ السر ﴿ ويعقوب ﴾ الخفي ﴿ وناديناه من جانب الطور الأيمن ﴾ أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي هو على أيسر ﴿ وكان يأمر أهله ﴾ أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجهاً يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿ خروا ﴾ بقلوبهم على عتبة العبودية ﴿ سجداً ﴾ بالتسليم للأحكام الأزلية ﴿ وبكياً ﴾ بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة ﴿ عباده بالغيب ﴾ أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة  ﴾ ﴿ ولهم رزقهم ﴾ رؤية الله على ما جاء في الحديث: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً" ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب.

إلا بأمر ربك ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ﴿ فاعبده ﴾ بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك.

﴿ هل تعلم له ﴾ نظيراً في المحبوبية لك.

والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ .

هذا الكلام يخرج على وجهين: أحدهما: على إنكار البعث: ﴿ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ أي: ما أخرج حيّاً.

والثاني: على التهزؤ والهزء، جواب ما قال لهم أهل الإسلام: إنكم تبعثون وتحيون، فقالوا عند ذلك: ذلك على التهزؤ بهم والسّخرية.

ثم ذكرهم بدء حالهم حيث لم يكونوا شيئاً فخلقهم فقال: ﴿ أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾ فإن قدر على خلقه في الابتداء ولم يك شيئاً كان على إحيائه وبعثه بعدما كان شيئاً أقدر.

ثم أقسم أنهم يبعثون فقال: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ ﴾ ، أي: لَنجعلهم والشياطين الذين أضلّوهم، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الصافات: 22-23].

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً ﴾ : قال بعضهم: ﴿ جِثِيّاً ﴾ : جماعات، كقوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ جِثِيّاً ﴾ على الركب؛ لأنّ أقدامهم لا تحمل؛ لشدّة هول ذلك اليوم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ ﴾ : قال بعضهم: الشيعة: الصنف، أي: من كل صنف، والشيعة: الأتباع، كقوله: ﴿ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ  ﴾ أي: من أتباعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً ﴾ ، أي: تمرداً وعناداً، والعاتي: هو القاسي المتمرد في عُتُوِّه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ ﴾ ، أي: لنخرجن، أي: نبدأ بهم من كان منهم أشد على الرحمن تمرداً وعناداً وهم القادة والرؤساء منهم، فيقذفون في النّار أولاً، ثم الأمثل [فالأمثل] على المراتب التي كانوا في الدّنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً ﴾ ، أي: أعلم بمن أولى بها صليّاً، أي: يصلي بالنار، وهم القادة والكفرة.

[وقوله: ﴿ يَلْقَونَ غَيّاً ﴾ قال أبو عوسجة: الغيّ: [الشرّ]، ﴿ جِثِيّاً ﴾ ، قال: جماعات، والجاثي: هو الراكب على ركبتيه، والشيعة: الصنف من الناس.

وقال القتبي: ﴿ جِثِيّاً ﴾ : جمع جاثٍ، وفي التفسير: جماعات.

وقال قتادة في قوله: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ قال: لا سمي لله ولا عدل ولا مثل، كل خلقه يقر له ويعرفه ويعلم أنه خالقه.

وقال بعضهم: لا يسمى أحد باسمه، يعني: بالله.

وقال بعضهم: بالرحمن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: الآية في الكفرة خاصّة، واستدلّ بأوّل الآية بقوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ ﴾ إلى آخر ما ذكر، والمؤمنون لا يحشرون مع الشياطين، ولكن إنما يحشر الكفار مع الشياطين، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ الآية [الصافات: 22-23]، ويكون قوله: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ﴾ على ابتداء منع الورود عليها والنجاة منها.

وقال بعضهم: الآية في المؤمنين والكافرين جميعاً، لكن اختلف في الورود: فقال بعضهم: الورود: الحضور دون الدخول؛ لأن الله - عز وجل - أخبر أن من أدخل النار فقد أخزاه بقوله: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ .

وقال بعضهم: الورود: الدخول فيها، واستدلّ بقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  ﴾ وبقوله: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ...

﴾ الآية [هود: 98]، يقول: يدخل الفريقان جميعاً فيها، لكنها تصير جامدة وبرداً على المؤمنين على ما صارت برداً وسلاماً على إبراهيم، ثم تصير حارة محرقة للكفار والظلمة.

قال الحسن: لا يحتمل أن يدخل أهل الإيمان النار؛ لأن الله - عز وجل - آمن المؤمنين أن يكون عليهم خوف أو حزن بقوله: ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ ، فلو كانوا يدخلون النار، لكان لهم خوف وحزن، وقد أخبر أن ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ دلّ أنهم لا يدخلونها.

وجائز أن يكونوا واردين جميعاً، داخلين فيها، لا دخول تعذيب فيها وعقاب؛ لأنه ذكر أن ممرهم جميعاً على الصراط لجنهم كالسطح للدار؛ كمن حلف ألا يدخل داراً فتسور بسورها أو صعد سطحاً من سطوحها حنث ويصير داخلاً فيها؛ فعلى ذلك جائز أنهم إذا مرّوا على الصراط نجا أهل الإيمان فمّروا به، وتزل أقدام الكفار فيها؛ فبقوا فيها، فكان الفريقان يوصفان بالدخول على الوجه الذي وصفنا.

وقال بعضهم: ورود المسلمين: المرور بهم على الجسر بين أظهرها، [و] ورود المشركين: أن يدخلوها.

وقال النبي  : "الزَّالُّونَ والزَّالاَّت" وما ذكر الحسن أنه من المرسلين ألا يكون عليهم خوف ولا حزن، فجائز أن يكون الله يدخلهم فيها على غير جهة العقوبة فلا يكون لهم خوف ولا حزن، ألا ترى أنه أخبر أنه جعل الملائكة أصحاب النار بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً  ﴾ ثم لا يكون لهم خوف ولا حزن وهم ممن أوعدوا بها إذا خالفوا أمر الله وعصوه بقوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 29]؛ ألا ترى أنه أخبر أن أهل الجنة يطلعون على أهل النار ثم لا يخافون ولا يحزنون بقوله: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ وهم في الدنيا إذا اطلعوا عليها لا شك أنهم يخافون ويحزنون ويسوءهم ذلك أشدّ الخوف ثم في الآخرة لا، فعلى ذلك جائز أن يكونوا يردونها ويدخلونها ولا يخيفهم ذلك ولا يحزنهم ولا يسوءهم، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: قضاء واجباً، ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ الشرك والفواحش ﴿ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ﴾ على ركبهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: من كان يتخبّط في ضلاله فسيمهله الرحمن حتى يزداد ضلالًا، حتى إذا عاينوا ما كانوا يوعدون به من العذاب المعجل في الدنيا، أو المؤجَّل يوم القيامة فسيعلمون حينئذ من هو شر منزلًا وأقل ناصرا، أهو فريقهم أم فريق المؤمنين؟

<div class="verse-tafsir" id="91.LwWne"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله