تفسير الآية ٩٨ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٩٨ من سورة مريم

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًۢا ٩٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٩٨ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٩٨ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن ) أي : من أمة كفروا بآيات الله وكذبوا رسله ، ( هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ) أي : هل ترى منهم أحدا ، أو تسمع لهم ركزا .

قال ابن عباس ، وأبو العالية ، وعكرمة ، والحسن البصري ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وابن زيد : يعني صوتا .

وقال الحسن ، وقتادة : هل ترى عينا ، أو تسمع صوتا .

والركز في أصل اللغة : هو الصوت الخفي ، قال الشاعر : فتوجست ركز الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيس سقامها آخر تفسير سورة مريم ولله الحمد والمنة ويتلوه إن شاء الله تفسير سورة طه ولله الحمد.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وكثيرًا أهلكنا يا محمد قبل قومك من مشركي قريش، من قرن، يعني من جماعة من الناس، إذا سلكوا في خلافي وركوب معاصي مسلكهم، هل تحسّ منهم من أحد: يقول: فهل تحسّ أنت منهم أحدًا يا محمد فتراه وتعاينه ( أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ) يقول: أو تسمع لهم صوتا، بل بادوا وهلكوا، وخلت منهم دورهم، وأوحشت منهم منازلهم، وصاروا إلى دار لا ينفعهم فيها إلا صالح من عمل قدّموه، فكذلك قومك هؤلاء، صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن لم يعالجوا التوبة قبل الهلاك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ) قال: صوتا.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ) قال: هل ترى عينا، أو تسمع صوتا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ) يقول: هل تسمع من صوت، أو ترى من عين .

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله ( أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ) يعني: صوتا.

حدثنا أبو كريب ، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ركز الناس: أصواتهم.

قال أبو كريب: قال سفيان: ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ) قال: أو تسمع لهم حسا.

قال: والركز: الحس.

قال أبو جعفر: والركز في كلام العرب: الصوت الخفيّ، كما قال الشاعر: فَتَوجَّسَــتْ ذِكْــرَ الأنِيسِ فَراعَهـا عَـنْ ظَهْـرِ غَيْـبٍ والأنِيسُ سَـقامُها (2)

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لداقوله تعالى : فإنما يسرناه بلسانك أي القرآن ؛ يعني بيناه بلسانك العربي وجعلناه سهلا على من تدبره وتأمله ، وقيل : أنزلناه عليك بلسان العرب ليسهل عليهم فهمه .

لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا اللد جمع الألد وهو الشديد الخصومة ومنه قوله تعالى : ألد الخصام وقال الشاعر :أبيت نجيا للهموم كأنني أخاصم أقواما ذوي جدل لداوقال أبو عبيدة : الألد الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل .

الحسن : اللد الصم عن الحق قال الربيع : صم آذان القلوب .

مجاهد : فجارا .

الضحاك : مجادلين في الباطل .

ابن عباس : شديدا في الخصومة .

وقيل : الظالم الذي لا يستقيم والمعنى واحد وخصوا بإنذار لأن الذي لا عناد عنده يسهل انقياده .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم توعدهم بإهلاك المكذبين قبلهم، فقال: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ } من قوم نوح، وعاد، وثمود، وفرعون، وغيرهم من المعاندين المكذبين، لما استمروا في ظغيانهم، أهلكهم الله فليس لهم من باقية.

{ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا } والركز: الصوت الخفي، أي: لم يبق منهم عين ولا أثر، بل بقيت أخبارهم عبرة للمعتبرين، وأسمارهم عظة للمتعظين.

تم تفسير سورة مريم، ولله الحمد والشكر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس ) هل ترى وقيل هل تجد ( منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ) أي : صوتا .

" والركز " : الصوت الخفي .

قال الحسن : بادوا جميعا ، فلم يبق منهم عين ولا أثر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكم» أي كثيرا «أهلكنا قبلهم من قرن» أي أمة من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل «هل تحس» تجد «منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا» صوتا خفيا؟

لا، فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكثيرًا أهلكنا - أيها الرسول - من الأمم السابقة قبل قومك، ما ترى منهم أحدًا وما تسمع لهم صوتًا، فكذلك الكفار من قومك، نهلكهم كما أهلكنا السابقين من قبلهم.

وفي هذا تهديد ووعيد بإهلاك المكذبين المعاندين.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما رد على أصناف الكفرة وبالغ في شرح أحوالهم في الدنيا والآخرة ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين فقال: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً ﴾ وللمفسرين في قوله: ﴿ وُدّاً ﴾ قولان: الأول: وهو قول الجمهور أنه تعالى سيحدث لهم في القلوب مودة ويزرعها لهم فيها من غير تودد منهم ولا تعرض للأسباب التي يكتسب الناس بها مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف أو غير ذلك، وإنما هو اختراع منه تعالى وابتداء تخصيصاً لأوليائه بهذه الكرامة كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظاماً لهم وإجلالاً لمكانهم، والسين في سيجعل إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله تعالى ذلك إذا جاء الإسلام، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم وينشر من ديوان أعمالهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: إذا أحب الله عبداً نادى جبريل قد أحببت فلاناً فأحبوه فينادي جبريل عليه السلام بذلك في السماء والأرض وإذا أبغض عبداً فمثل ذلك وعن كعب قال: مكتوب في التوراة والإنجيل لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله تعالى ينزلها على أهل السماء، ثم على أهل الأرض وتصديق ذلك في القرآن قوله: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً ﴾ .

القول الثاني: وهو اختيار أبي مسلم معنى: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً ﴾ أي يهب لهم ما يحبون والود والمحبة سواء، يقال: آتيت فلاناً محبته، وجعل لهم ما يحبون، وجعلت له وده، ومن كلامهم: يود لو كان كذا، ووددت أن لو كان كذا أي أحببت، ومعناه سيعطيهم الرحمن ودهم أي محبوبهم في الجنة.

والقول الأول: أولى لأن حمل المحبة على المحبوب مجاز، ولأنا ذكرنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وفسرها بذلك فكان ذلك أولى، وقال أبو مسلم: بل القول الثاني أولى لوجوه: أحدها: كيف يصح القول الأول مع علمنا بأن المسلم المتقي يبغضه الكفار وقد يبغضه كثير من المسلمين.

وثانيها: أن مثل هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين.

وثالثها: أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا أن الله تعالى فعله فكان حمل الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى.

والجواب عن الأول: أن المراد يجعل لهم الرحمن محبة عند الملائكة والأنبياء، وروي عنه عليه السلام: أنه حكى عن ربه عز وجل أنه قال: «ذا ذكرني عبدي المؤمن في نفسه ذكرته في نفسي.

وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ أطيب منهم وأفضل».

وهذا هو الجواب عن الكلام الثاني لأن الكافر والفاسق ليس كذلك.

والجواب عن الثالث: أنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم، أما قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا يسرناه بِلَسَانِكَ لِتُبَشّرَ بِهِ المتقين ﴾ فهو كلام مستأنف بين به عظيم موقع هذه السورة لما فيها من التوحيد والنبوة والحشر والنشر والرد على فرق المضلين المبطلين فبين تعالى أنه يسر ذلك بلسانه ليبشر به وينذر، ولولا أنه تعالى نقل قصصهم إلى اللغة العربية لما تيسر ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم فأما أن القرآن يتضمن تبشير المتقين وإنذار من خرج منهم فبين، لكنه تعالى لما ذكر أنه يبشر به المتقين ذكر في مقابلته من هو في مخالفة التقوى أبلغ وأبلغهم الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه ويتشدد وهو معنى لداً، ثم إنه تعالى ختم السورة بموعظة بليغة فقال: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ ﴾ لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لابد من زوال الدنيا والانتهاء إلى الموت خافوا ذلك وخافوا أيضاً سوء العاقبة في الآخرة فكانوا فيها إلى الحذر من المعاصي أقرب، ثم أكد تعالى في ذلك فقال: ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ ﴾ لأن الرسول عليه السلام إذا لم يحس منهم برؤية أو إدراك أو وجدان: ﴿ وَلاَ يَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ﴾ وهو الصوت الخفي، ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون دل ذلك على انقراضهم وفنائهم بالكلية، والأقرب في قوله: ﴿ أَهْلَكْنَا ﴾ أن المراد به الانقراض بالموت وإن كان من المفسرين من حمله على العذاب المعجل في الدنيا، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هذه خاتمة السورة ومقطعها، فكأنه قال: بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر، فإنما أنزلناه ﴿ بِلِسَانِكَ ﴾ أي بلغتك وهو اللسان العربي المبين، وسهلناه وفصلناه ﴿ لِتُبَشِّرَ بِهِ ﴾ وتنذر.

واللّد: الشداد الخصومة بالباطل، الآخذون في كل لديد؛ أي في كل شق من المراء والجدال لفرط لجاجهم، يريد أهل مكة.

وقوله: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ تخويف لهم وإنذار.

وقرئ ﴿ تَحُسُّ ﴾ من حسه إذا شعر به.

ومنه الحواس والمحسوسات.

وقرأ حنظلة ﴿ تُسمع ﴾ مضارع أسمعت.

والركز: الصوت الخفي.

ومنه: ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض.

والركاز: المال المدفون.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأَ سورةَ مريم أعطيَ عشرَ حسناتٍ بعددِ مَنْ كذّبَ زكريا وصدق به، ويحيىَ ومريمَ وعيسَى وإبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ وموسَى وهارون وإسماعيل وإدريسَ، وعشرَ حسناتٍ بعددِ مَنْ دَعَا اللَّهَ في الدنيا وبعددِ مَنْ لمْ يدع اللَّهَ» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ ﴾ تَخْوِيفٌ لِلْكَفَرَةِ وتَجْسِيرٌ لِلرَّسُولِ  عَلى إنْذارِهِمْ.

﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ ﴾ هَلْ تَشْعُرُ بِأحَدٍ مِنهم وتَراهُ.

﴿ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا ﴾ وقُرِئَ ﴿ تَسْمَعُ ﴾ مَن أسْمَعْتَ والرِّكْزُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ هو الخَفاءُ ومِنهُ رَكْزُ الرُّمْحِ إذا غُيِّبَ طَرَفُهُ في الأرْضِ، والرِّكازُ المالُ المَدْفُونُ.

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  «مَن قَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ أُعْطِيَ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن كَذَّبَ زَكَرِيّا وصَدَّقَ بِهِ ويَحْيى ومَرْيَمَ وعِيسى وسائِرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَذْكُورِينَ فِيها وبِعَدَدِ مَن دَعا اللَّهَ في الدُّنْيا ومَن لَمْ يَدَعُ اللَّهَ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ} تخويف لهم وإنذار {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ} أي هل تجد أو ترى أو تعلم والإحساس الإدراك بالحاسة {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} صوتاً خفياً ومنه الركاز أي لما أتاهم عذابنا لم يبق شخص يرى ولا صوت يسمع يعني هلكوا كلهم فكذا هؤلاء إن أعرضوا عن تدبر ما أنزل عليك فعاقبتهم الهلاك فليهن عليك أمرهم والله أعلم

طه (٧ - ١)

سورة طه

سورة طه صلى الله عليه وسلم مكية وهي مائة وخمس وثلاثون آية كوفي

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ ﴾ وعَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ  في ضِمْنِ وعِيدِ هَؤُلاءِ القَوْمِ بِالإهْلاكِ وحَثٍّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الإنْذارِ أيْ قَرْنًا كَثِيرًا أهْلَكْنا قَبْلَ هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والِاسْتِفْهامُ في مَعْنى النَّفْيِ أيْ ما تَشْعُرُ بِأحَدٍ مِنهم.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ ( تَحُسُّ ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الحاءِ ﴿ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا ﴾ أيْ صَوْتًا خَفِيًّا وأصْلُ التَّرْكِيبِ هو الخَفاءُ ومِنهُ رَكْزُ الرُّمْحِ إذا غِيبَ طَرْفُهُ في الأرْضِ والرِّكازُ لِلْمالِ المَدْفُونِ، وخَصَّ بَعْضُهم الرَّكْزَ بِالصَّوْتِ الخَفِيِّ دُونَ نُطْقٍ بِحُرُوفٍ ولا فَمٍ، والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ، وخَصَّ الصَّوْتَ الخَفِيَّ لِأنَّهُ الأصْلُ الأكْثَرُ ولِأنَّ الأثَرَ الخَفِيَّ إذا زالَ فَزَوالُ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى.

والمَعْنى أهْلَكْناهم بِالكُلِّيَّةِ واسْتَأْصَلْناهم بِحَيْثُ لا تَرى مِنهم أحَدًا ولا تَسْمَعُ مِنهم صَوْتًا خَفِيًّا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: المَعْنى أهْلَكْناهم بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لا تَرى مِنهم أحَدًا ولا تَسْمَعُ مَن يُخْبِرُ عَنْهم ويُذَكِّرُهم بِصَوْتٍ خَفِيٍّ، والحاصِلُ أهْلَكْناهم فَلا عَيْنَ ولا خَبَرَ، والخِطابُ إمّا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ  أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ.

وقَرَأ حَنْظَلَةُ ( تُسْمَعُ ) مُضارِعُ أُسْمِعْتُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ أمْرٌ لِلْحَبِيبِ أنْ يَذْكُرَ الخَلِيلَ وما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ مِن أحْكامِ الخُلَّةِ لِيَسْتَشِيرَ المُسْتَعِدِّينَ إلى التَّحَلِّي بِما أمْكَنَ لَهم مِنها.

والصِّدِّيقُ عَلى ما قالَ ابْنُ عَطاءٍ القائِمُ مَعَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ عَلى حَدِّ الصِّدْقِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ لا يُعارِضُهُ في صِدْقِهِ مُعارِضٌ بِحالٍ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخَزّازُ: الصِّدِّيقُ الآخِذُ بِأتَمِّ الحُظُوظِ مِن كُلِّ مَقامٍ سَنِيٍّ حَتّى يَقْرُبَ مِن دَرَجاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُهم: مَن تَواتَرَتْ أنْوارُ المُشاهَدَةِ واليَقِينِ عَلَيْهِ وأحاطَتْ بِهِ أنْوارُ العِصْمَةِ.

وقالَ القاضِي: هو الَّذِي صَعِدَتْ نَفْسُهُ تارَةً بِمَراقِي النَّظَرِ في الحُجَجِ والآياتِ وأُخْرى بِمَعارِجِ التَّصْفِيَةِ والرِّياضَةِ إلى أوْجِ العِرْفانِ حَتّى اطَّلَعَ عَلى الأشْياءِ وأخْبَرَ عَنْها عَلى ما هي عَلَيْهِ، ومَقامُ الصِّدِّيقِيَّةِ قِيلَ: تَحْتَ مَقامِ النُّبُوَّةِ لَيْسَ بَيْنَهُما مَقامٌ.

وعَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ إثْباتُ مَقامٍ بَيْنَهُما وذَكَرَ أنَّهُ حَصَلَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

( والمَشْهُورُ بِهَذا الوَصْفِ بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولَيْسَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِيهِ أبِي لَيْلى عَنْ أبِي لَيْلى الأنْصارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: ( «الصِّدِّيقُونَ ثَلاثَةٌ، حَبِيبٌ النَّجّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس الَّذِي قالَ: ﴿ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ ﴾ ، وحِزْقِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي قالَ: ﴿ أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ وهو أفْضَلُهم» .

﴿ إذْ قالَ لأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴾ إلَخْ فِيهِ مِن لُطْفِ الدَّعْوَةِ إلى اتِّباعِ الحَقِّ والإرْشادِ إلَيْهِ ما لا يَخْفى.

وهَذا مَطْلُوبٌ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ مَعَ الأقارِبِ ونَحْوِهِمْ قالَ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكَ ﴾ هَذا سَلامُ الإعْراضِ عَنِ الأغْيارِ وتَلَطُّفِ الأبْرارِ مَعَ الجُهّالِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ طاهِرٍ: إنَّهُ لَمّا بَدا مِن آزَرَ في خِطابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لا يَبْدُو إلّا مِن جاهِلٍ جَعَلَ جَوابَهُ السَّلامَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ ، ﴿ وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ أُهاجِرُ عَنْكم بِدِينِي، ويُفْهَمُ مِنهُ اسْتِحْبابُ هَجْرِ الأشْرارِ.

وعَنْ أبِي تُرابٍ النَّخْشَبِيِّ: صُحْبَةُ الأشْرارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالأخْيارِ، وقَدْ تَضافَرَتِ الأدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ والتَّجْرِبَةُ عَلى أنَّ مُصاحَبَتَهم تُورِثُ القَسْوَةَ وتُثَبِّطُ عَنِ الخَيْرِ ﴿ وأدْعُو رَبِّي عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴾ فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ أدَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ ما فِيهِ، ومَقامُ الخُلَّةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإنَّ مَن لا أدَبَ لَهُ لا يَصْلُحُ أنْ يُتَّخَذَ خَلِيلًا ﴿ فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴾ كَأنَّ ذَلِكَ كانَ عِوَضًا عَمَّنِ اعْتَزَلَ مِن أبِيهِ وقَوْمِهِ لِئَلّا يَضِيقَ صَدْرُهُ كَما قِيلَ: ولَمّا اعْتَزَلَ نَبِيُّنا  الكَوْنَ أجْمَعَ ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى عُوِّضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ قالَ لَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهَ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ﴾ .

(واذْكُرْ) أيُّها الحَبِيبُ ﴿ فِي الكِتابِ مُوسى ﴾ الكَلِيمَ ﴿ إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا ﴾ لِلَّهِ تَعالى في سائِرِ شُؤُونِهِ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: المُخْلَصُ عَلى الحَقِيقَةِ مَن يَكُونُ مِثْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَتَأدَّبَ بِهِ فَلَمْ يُسامِحْهُ في شَيْءٍ ظَهَرَ لَهُ مِنهُ ﴿ ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ﴾ قالُوا: النِّداءُ بِدايَةٌ والنَّجْوى نِهايَةٌ، النِّداءُ مَقامُ الشَّوْقِ والنَّجْوى مَقامُ كَشْفِ السِّرِّ ﴿ ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا ﴾ قِيلَ: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى ثِقَلَ الأسْرارِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فاخْتارَ لَهُ أخاهُ هارُونَ مُسْتَوْدَعًا لَها فَهارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَوْدَعُ سِرِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ ﴾ بِالصَّبْرِ عَلى بَذْلِ نَفْسِهِ أوْ بِما وُعِدَ بِهِ اسْتِعْدادُهُ مِن كَمالِ التَّقْوى لِرَبِّهِ جَلَّ وعَلا والتَّحَلِّي بِما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأخْلاقِ ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ ﴿ ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ وهو نَوْعٌ مِنَ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقِيلَ: السَّماءُ الرّابِعَةُ والتَّفَضُّلُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِن كَشْفِ بَعْضِ أسْرارِ المَلَكُوتِ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِما لا يُحِيطُ نِطاقَ الحَصْرِ بِهِ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا ﴾ مِمّا كَشَفَ لَهم مِن آياتِهِ تَعالى، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ القُرْآنَ أعْظَمُ مُجَلِّي لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ (وبُكِيًّا) مِن مَزِيدِ فَرَحِهِمْ بِما وجَدُوهُ أوْ مِن خَوْفِ عَدَمِ اسْتِمْرارِ ما حَصَلَ لَهم مِنَ التَّجَلِّي: ونَبْكِي إنْ نَأوْا شَوْقًا إلَيْهِمْ ونَبْكِي إنْ دَنَوْا خَوْفَ الفِراقِ ﴿ ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ قِيلَ: الرِّزْقُ هاهُنا مُشاهَدَةُ الحَقِّ سُبْحانَهُ ورُؤْيَتُهُ عَزَّ وجَلَّ وهَذا لِعُمُومِ أهْلِ الجَنَّةِ وأمّا المَحْبُوبُونَ والمُشْتاقُونَ فَلا تَنْقَطِعُ عَنْهُمُ المُشاهِدَةُ لَمْحَةً ولَوْ حُجِبُوا لَماتُوا مِن ألَمِ الحِجابِ ﴿ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ مَثَلًا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ويُطْلَبُ مِنهُ شَيْءٌ، وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هَلْ يَسْتَحِقُّ أحَدٌ أنْ يُسَمّى باسِمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ ﴿ وإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴾ وذَلِكَ لِتَظْهَرَ عَظَمَةُ قَهْرِهِ جَلَّ جَلالُهُ وآثارُ سَطْوَتِهِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ جَزاءَ تَقْواهم ﴿ ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ﴾ جَزاءَ ظُلْمِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ كَمْ أجْرَتْ مِن عُيُونِ العُيُونِ العُيُونِ.

فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَبْكِي ويَقُولُ: قَدْ عَلِمْتُ أنِّي وارِدُ النّارَ ولا أدْرِي كَيْفَ الصَّدْرُ بَعْدَ الوُرُودِ، وعَنِ الحَسَنِ كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  إذا التَقَوْا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيَقُولُ: هَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ؟

فَيَقُولُ لا فَيَقُولُ: فَفِيمَ الضَّحِكُ إذَنْ؟

﴿ قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ﴾ لِما افْتَخَرُوا بِحُظُوظِ الدُّنْيا الَّتِي لا يَفْتَخِرُ بِها إلّا ذَوُو الهِمَمِ الدَّنِيَّةِ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَيْسَ بِإكْرامٍ والإشارَةُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو شَرٌّ لِصاحِبِهِ ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا ﴾ رُكْبانًا عَلى نَجائِبِ النُّورِ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: بَلَغَنِي عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رُكْبانًا عَلى مُتُونِ المَعْرِفَةِ ﴿ إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ فَقِيرًا ذَلِيلًا مُنْقادًا مَسْلُوبَ الأنانِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ في القُلُوبِ المَفْطُورَةِ عَلى حُبِّ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ أثَرُ مَحَبَّتِهِ سُبْحانَهُ لَهم، وفي الحَدِيثِ ( «لا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» ) إلَخْ، ولا يُشْكِلُ عَلى هَذا أنّا نَرى كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مَمْقُوتِينَ لِأنَّ الَّذِينَ يَمْقُتُونَهم قَدْ فُطِرَتْ قُلُوبُهم عَلى الشَّرِّ وإنْ لَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ بُغْضَ الصّالِحِينَ عَلامَةُ خُبْثِ الباطِنِ ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وقِيلَ: مَعْنى ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ سَيَجْعَلُ لَهم لَذَّةً وحَلاوَةً في الطّاعَةِ، والأخْبارُ تُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ولَهُ الحَمْدُ عَلى إتْمامِ تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ ونَسْألُهُ جَلَّ شَأْنُهُ التَّوْفِيقَ لِإتْمامِ تَفْسِيرِ سائِرِ سُوَرِ كِتابِهِ المُعَظَّمِ بِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ  .

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: الطاعات فيما بينهم وبين ربهم سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا يعني: يحبهم ويحببهم إلى الناس، وقال كعب الأحبار  : «قرأت في التوراة أنها لم تكن محبة لأحد إلا كان بدؤها من الله عز وجل، ينزلها إلى أهل السماء ثم ينزلها إلى أهل الأرض، ثم قرأت القرآن فوجدته فيه وهو قوله سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا يعني: محبة في أنفس القوم» ، روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: «إِذَا أَحَبَّ الله تعالى عبدا نادى جبريل  قَدْ أَحْبَبْتُ فُلاَنَاً فَأَحِبُّوهُ فَيُنَادِي في السَّمَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ المَحَبَّةُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ الله تعالى عبدا نادى جبريل قد أَبْغَضْتُ فُلاناً فَيُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءَ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي أَهْلِ الأرض» (١) قوله عز وجل: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ يعني: هونا قراءة القرآن على لسانك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ يعني: الموحدين وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا أي جُدلاً بالباطل، شديدي الخصومة، هو جمع ألد مثل: أصم وصم.

ثم قال عز وجل: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ يعني: من قبل قريش هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ يعني: هل ترى مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً أي صوتاً خفياً، والركز: الصوت الذي لا يفهم.

والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

(١) حديث أبي هريرة: أخرجه مالك: 1/ 240 والبخاري (7504) ومسلم (2685) والنسائي 4/ 10 وأحمد 2/ 418.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يُحِبُّ» قال: فقيل «١» : يا رسول اللهِ، مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟

قَالَ: «مَنْ لاَ يَمُوتُ حَتَّى يَمْلأَ اللهُ سَمْعَهُ مِمَّا يَكْرَهُ» .

انتهى.

قال ع «٢» : وفي حَدِيثِ أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ عَبْدٍ إلاَّ وَلَهُ في السَّمَاء صِيتٌ، فَإنْ كَانَ حَسَناً، وُضِعَ فِي الأَرْضِ حَسَناً، وإنْ كَانَ سَيِّئاً وُضِعَ في الأَرْضِ سَيِّئاً» «٣» .

ت: وهذا الحديثُ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ في كتاب «الزهد» .

وقوله تعالى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ أَيْ: القرآن لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ أيْ: بالجنة، والنَّعِيم الدائم، والعزّ في الدنيا.

وقَوْماً لُدًّا هم: قريشٌ، ومعناه: مُجَادِلِينَ مُخَاصِمِينَ، والأَلَدُّ: المُخَاصِمُ المبالِغُ في ذلك، ثم مثَّل لهم بإهلاَكِ مَنْ قبلهم إذْ كانوا أَشَدَّ مِنْهُم، وأَلَدَّ وأَعْظَم قدْراً، و «الركز» :

الصَّوْتُ الخَفِيّ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: مَعْناهُ: يُحِبُّهم ويُحَبِّبُهم إلى المُؤْمِنِينَ.

قالَ قَتادَةُ: يَجْعَلُ لَهم وُدًّا في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ.

ومِن هَذا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَ: " «إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا قالَ: يا جِبْرِيلُ؛ إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأحَبُّوهُ، فَيُنادِي جِبْرِيلُ في السَّماواتِ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأحَبُّوهُ، فَيُلْقى حُبُّهُ عَلى أهْلِ الأرْضِ فَيُحَبُّ» "، وذَكَرَ في البُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ.

وقالَ هَرِمُ بْنُ حَيّانَ: ما أقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إلّا أقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ إلَيْهِ، حَتّى يَرْزُقَهُ مَوَدَّتَهم ورَحْمَتَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: سَهَّلْناهُ وأنْزَلْناهُ بِلُغَتِكَ.

واللُّدُّ جَمْعُ ألَدَّ، وهو الخَصْمُ الجَدِلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ ﴾ هَذا تَخْوِيفٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ، ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: هَلْ تَرى، يُقالُ: هَلْ أحْسَسْتَ صاحِبَكَ؛ أيْ: هَلْ رَأيْتَهُ ؟

والرِّكْزُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصَّوْتُ الَّذِي لا يُفْهَمُ، وقالَ أبُو صالِحٍ: حَرَكَةٌ، [ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ] .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ﴾ ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أو تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا ﴾ الضَمِيرُ في "يَسَّرْنا" لِلْقُرْآنِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ ؛ لَأنَّ المَعْنى يَقْتَضِي المُرادَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، ووَقَعَ التَيْسِيرُ في كَوْنِهِ بِلِسانِ مُحَمَّدٍ  ، وبِلُغَتِهِ المَفْهُومَةِ المُبَيِّنَةِ.

وبِشارَةُ المُتَّقِينَ هي الجَنَّةُ والنَعِيمُ الدائِمْ والعِزُّ في الدُنْيا.

و"القَوْمُ اللُدُّ" هم قُرَيْشٌ، ومَعْناهُ: مُجادِلِينَ مُخاصِمِينَ بِباطِلٍ، والألَدُّ: المُخاصِمُ المُبالَغُ في ذَلِكَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: "لُدًّا" مَعْناهُ: فِجارًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي فُجُورُ الخُصُومَةِ، ولا يَلِدُّ إلّا المُبْطِلُ.

وفي الحَدِيثِ: «أبْغَضُ الرِجالِ إلى اللهِ الألَدُّ الخَصْمُ».

ثُمْ لَمّا وصَفَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهم لُدٌّ - وهي صِفَةُ سُوءٍ بِحُكْمِ الشَرْعِ والحَقِّ - وجَبَ أنْ يَقْسُوَ عَلَيْهِمْ بِالوَعِيدِ والتَمْثِيلِ بِإهْلاكِ مَن كانَ أشَدَّ مِنهم وألَدَّ وأعْظَمَ قَدْرًا ما كانَ يَسُرُّهم فِي أنْفُسِهِمْ مِنَ الوَصْفِ بِـ "لُدٍّ"، فَإنَّ العَرَبَ لِجَهالَتِها وعُتُوِّها وكُفْرِها كانَتْ تَتَمَدَّحُ بِاللَدَدِ، وتَراهُ إدْراكًا وشَهامَةً، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ تَحْتَ الأحْجارِ عَزْمًا وحَزْمًا وخَصِيمًا ألَدَّ ذا مِغْلاقِ فَمَثَّلَ لَهم بِإهْلاكِ مَن قَبْلَهم لِيَحْتَقِرُوا أنْفُسَهم ويَتَبَيَّنَ صِغَرَ شَأْنِهِمْ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عَنِ "اللُدِّ" بِالفَجَرَةِ وبِالظُلْمَةِ، وتَلْخِيصِ مَعْناها ما ذَكَرْناهُ.

و"القَرْنُ": الأُمَّةُ، و"الرِكْزُ": الصَوْتُ الخَفِيُّ دُونَ نُطْقٍ بِحُرُوفٍ ولا فَمٍ، وإنَّما هو صَوْتُ الحَرَكاتِ وخَشْفُها، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: وتَوَجَّسَتْ رِكْزَ الأنِيسِ فَراعَها ∗∗∗ عن ظَهْرِ غَيْبٍ والأنِيسُ سَقامُها فَكَأنَّهُ قالَ: أوَتَسْمَعُ مِن أخْبارِهِمْ قَلِيلًا أو كَثِيرًا، أو طَرَفًا خَفِيًّا ضَعِيفًا، وهَذا يُرادُ بِهِ مِن تَقَدَّمَ أمْرُهِ مِنَ الأُمَمِ ودَرَسَ خَبَرُهُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: هَلْ بَقِيَ لِأحَدٍ مِنهم كَلامٌ أو تَصْوِيبٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؟

فَيَدْخُلُ في هَذا مِن عُرْفَ هَلاكُهُ مِنَ الأُمَمِ.

تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ مَرْيَمَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما ذكروا بالعناد والمكابرة أتبع بالتعريض بتهديدهم على ذلك بتذكيرهم بالأمم التي استأصلها الله لجبروتها وتعنّتها لتكون لهم قياساً ومثلاً.

فالجملة معطوفة على جملة ﴿ فإنما يسرناه بلسانك ﴾ [مريم: 97] باعتبار ما تضمنته من بشارة المؤمنين ونذارة المعاندين، لأنّ في التعريض بالوعيد لهم نذارة لهم وبشارة للمؤمنين باقتراب إراحتهم من ضرّهم.

و ﴿ كم ﴾ خبرية عن كثرة العدد.

والقرن: الأمة والجيل.

ويطلق على الزمان الذي تعيش فيه الأمّة، وشاع تقديره بمائة سنة.

و ﴿ من ﴾ بيانية، وما بعدها تمييز ﴿ كم ﴾ .

والاستفهام في ﴿ هل تُحسّ منهم من أحد ﴾ إنكاري، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تبعاً لقوله: والركز: الصوت الخفيّ، ويقال: الرز، وقد روي بهما قول لبيد: وتَوَجّسَتْ رِكْزَ الأنيس فراعها *** عن ظهر عيب والأنيس سَقامُها وهو كناية عن اضمحلالهم، كني باضمحلال لوازم الوجود عن اضمحلال وجودهم.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حُبًّا في الدُّنْيا مَعَ الأبْرارِ، وهَيْبَةً عِنْدَ الفُجّارِ.

الثّانِي: يُحِبُّهُمُ اللَّهُ ويُحِبُّهُمُ النّاسُ، قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ألْقى لَهُ المَحَبَّةَ في قُلُوبِ أهْلِ السَّماءِ، ثُمَّ ألْقاها في قُلُوبِ أهْلِ الأرْضِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَجْعَلَ لَهم ثَناءً حَسَنًا.

قالَ كَعْبٌ: ما يَسْتَقِرُّ لِعَبْدٍ ثَناءٌ في الدُّنْيا حَتّى يَسْتَقِرَّ مِن أهْلِ السَّماءِ.

وَحَكى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ لَهُ وُدًّا في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَوْمًا لُدًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فُجّارًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أهْلَ إلْحاحٍ في الخُصُومَةِ، مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّدُودِ في الأفْواهِ، فَلُزُومُهُمُ الخُصُومَةَ بِأفْواهِهِمْ كَحُصُولِ اللَّدُودِ في الأفْواهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قالَ الشّاعِرُ: بَغَوْا لَدَدِي حَنَقًا عَلِيَّ كَأنَّما تَغْلِي عَداوَةُ صَدْرِهِمْ في مِرْجَلِ الثّالِثُ: جِدالًا بِالباطِلِ، قالَهُ قَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّدُودِ وهو شَدِيدُ الخُصُومَةِ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ ﴾ وقالَ الشّاعِرُ: أبِيتُ نَجِيًّا لِلْهُمُومِ كَأنَّنِي ∗∗∗ أُخاصِمُ أقْوامًا ذَوِي جَدَلٍ لُدّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رِكْزًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: صَوْتًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: حِسًّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ما لا يُفْهَمُ مِن صَوْتٍ أوْ حَرَكَةٍ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ هل تحس منهم من أحد ﴾ قال: هل ترى منهم من أحد.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ هل تحس منهم ﴾ برفع التاء وكسر الحاء ورفع السين ولا يدغمها.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿ هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً ﴾ قال: هل ترى عيناً أو تسمع صوتاً.

وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن في الآية قال: ذهب القوم فلا صوت ولا عين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ركزاً ﴾ قال: صوتاً.

وأخرج الطستي في مسائله، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ ركزاً ﴾ فقال: حساً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: وقد توجس ركزاً متفقد ندس ** بنية الصوت ما في سمعه كذب

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ ﴾ أي: هوناه وأنزلناه بلغتك ليسهل عليك الإبلاغ ﴿ لِتُبَشِّرَ بِه ﴾ أي: بالقرآن من أطاعك ﴿ وَتُنْذِر ﴾ من عصاك.

وقال الكلبي: (هوناه على لسانك) (١) وقوله تعالى ﴿ قَوْمًا لُدًّا ﴾ قال أبو صالح (٢) (٣) وقال مجاهد: (لا يستقيمون) (٤) (٥) وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿ أَلَدُّ الْخِصَامِ  ﴾ .

وروي عن الحسن أنه قال في "تفسيره": (صما) (٦) (٧) وهذه الأقوال كلها معنى وليس بتفسير.

والتفسير قول قتادة، وذلك أن خصومتهم بالباطل إنما هو بصمم قلوبهم، ولو فهموا ما أتى به الي النبى -  - لتركوا جدالهم، فإذا الصمم وغير ذلك مما ذكرنا من قول المفسرين معاني اللدّ لا تفسيره.

قال ابن الأنباري: (وخص اللد بالإنذار؛ لأنهم إذا قامت عليه الحجة صار غيرهم لاحقًا بهم من أجل أن الذي لا عناد عنده يسرع انقياده، فالمقصود بالإنذار هؤلاء اللد المخاصمون) (٨) قوله تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ﴾ يعني: قبل القوم اللد وهم قريش، وهذا تخويف لهم بالإهلاك.

وقوله تعالى: ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم ﴾ أي: هل ترى من الذين أهلكناهم ﴿ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ﴾ أي: (صوتًا).

قاله ابن عباس والمفسرون (٩) (١٠) (١١) (١٢) ومضى الكلام في معنى أحس [[عند قوله سبحانه: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه ﴾ الآية [آل عمران: 52].]]، وتحقيق معنى الآية: وكم أهلكنا قبلهم من قرن بتكذيب المرسلين يعضهم بهذا، ويلزمهم الاعتبار بمن تقدم من الأمم المكذبة.

(١) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.

انظر "بحر العلوم" 2/ 334، "معالم التنزيل" 5/ 258، "زاد المسير" 5/ 266، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162، "لباب التأويل" 4/ 262.

(٢) هو باذام الهاشمي، مولى أم هانئ بنت أبي طالب.، تقدم (٣) "تفسير القرآن العظيم" 3/ 155، "البحر المحيط" 6/ 221، "روح المعاني" 16/ 144، "تفسير سفيان الثوري" ص 190.

(٤) "جامع البيان" 16/ 132، "معالم التنزيل" 5/ 258، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 155، "الدر المنثور" 4/ 513.

(٥) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 14، "جامع البيان" 16/ 132، "النكت والعيون" 3/ 391، "الدر المنثور" 4/ 513.

(٦) "جامع البيان" 16/ 135، "معالم التنزيل" 5/ 258، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 155، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162، "الدر المنثور" 4/ 513.

(٧) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162، "الكشف والبيان" 3/ 14 ب، وذكره ابن == كثير في "تفسيره" 3/ 155 بدون نسبة.

(٨) ذكر نحوه الزمخشري في "الكشاف" 2/ 426، والقرطبي 11/ 162.

(٩) "جامع البيان" 16/ 135، "النكت والعيون" 3/ 391، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 155 "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162، "الدر المنثور" 4/ 514.

(١٠) "جامع البيان" 16/ 135، "النكت والعيون" 3/ 391،"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162.

(١١) انظر (ركز) في "تهذيب اللغة" 2/ 1459، "القاموس المحيط" ص 512، "الصحاح" 3/ 880، "اللسان" 3/ 1717، "المفردات في غريب القرآن" ص 202.

(١٢) البيت للبيد، ذكره في معلقه.

انظر "ديوانه" ص 173، "شرح القصائد العشر" للتبريزى ص 184،"شرح المعلقات السبع" للزوزبي ص 238، "الدر المصون" 7/ 654.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض ﴾ ردّ على مقالة الكفار، والمعنى أن الكل عبيده، فكيف يكون أحد منهم ولداً، له، وإن نافية، وكل مبتدأ وخبره آتى الرحمن ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً ﴾ هي المحبة والقبول الذي يجعله الله في القلوب لمن شاء من عباده، وقيل: إنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿ يسرناه بِلِسَانِكَ ﴾ الضمير للقرآن وبلسانك أي بلغتك ﴿ قَوْماً لُّدّاً ﴾ جمع ألد، وهو الشديد الخصومة والمجادلة، والمراد بذلك قريش، وقيل: معناه فجارا ﴿ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ﴾ هو الصوت الخفي، والمعنى أنهم لم يبق منهم أثر، وفي ذلك تهديد لقريش.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أئذا ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ يذكر ﴾ من الذكر: ابن عامر ونافع وعاصم وسهل وروح والمعدل عن زيد.

والآخرون بتشديد الذال من التذكر مدغماً.

﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: عليّ وروح والمعدل عن زيد.

الآخرون بالتشديد ﴿ خير مقاماً ﴾ بضم الميم: ابن كثير.

الباقون بفتحها.

﴿ رياً ﴾ بالتشديد أبو جعفر ونافع عن ورش وابن ذكوان والأعشى وحمزة في الوقف، وعن حمزة أيضاً بالهمزة في الوقف ليدل على أصل اللغة.

الآخرون بهمز بعدها يا ﴿ وولداً ﴾ وما بعده بضم الواو سكون اللام: حمزة وعليّ.

الآخرون بفتحهما ﴿ يكاد ﴾ على التذكير: نافع وعليّ ﴿ ينفطرن ﴾ من الانفطار: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وخلف وابن عامر والمفضل وأبو بكر وحماد والخزاز عن هبيرة.

الباقون ﴿ يتفطرن ﴾ من التفطر.

الوقوف: ﴿ حياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ جثياً ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ عتياً ﴾ ه ج لذلك ﴿ صلياً ﴾ ه ﴿ واردها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ مقضياً ﴾ ه تقريباً للنجاة من الورود مع أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ جثياً ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ لا لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ ندياً ﴾ ه ﴿ ورئياً ﴾ ه ﴿ مدّاً ﴾ ه لأن "حتى" لانتهاء مدد الضلالة أو لابتداء الرؤية وجواب "إذا" محذوف وهو "آمنوا" ﴿ الساعة ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ جنداً ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ مرداً ﴾ ه ﴿ وولداً ﴾ ه ط لأبتداء الاستفهام للتقريع ﴿ عهداً ﴾ ط ه للردع ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ مداً ﴾ ه لا للعطف ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ عزاً ﴾ ه ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ ضدّاً ﴾ ه ﴿ أزاً ﴾ ه لا للتعجيل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ عدّاً ﴾ ه ط ﴿ وفداً ﴾ ه ط ﴿ ورداً ﴾ ه لئلا تشتبه الجملة بالوصف لهم ﴿ عهداً ﴾ ه م حذرا من إيهام العطف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ إدّاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ هداً ﴾ ه لا لأن التقدير لأن دعوا ﴿ ولداً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ عبداً ﴾ ه ط ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ ودّاً ﴾ ه ﴿ من قرن ﴾ ط ﴿ ركزاً ﴾ ه.

التفسير: لما أمر نبيه  وأمته بالتبعية أن يعبدوا الله ويصطبروا لعبادته كان لمنكر أن يعترض بأن هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا لأنها مشقة ولا في الآخرة لاستبعاد حشر الأجساد إلى حالها، فلا جرم حكى قول المنكر ليجيب عن ذلك فقال: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ وهو للجنس لأن هذ الاستغراب مركوز في الطباع قبل النظر في الدليل، أو لأن هذا القول إذا صدر عن بعض الأفراد صح إسناده إلى بني نوعه لأنه منهم كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل واحد منهم.

وقيل: المراد بالإنسان ههنا شخص معين هو أبو جهل أو أبي بن خلف.

وقيل: بعض الجنس هم الكفرة.

وانتصب "إذا" بفعل مضمر يدل عليه ﴿ أخرج ﴾ المذكور لا نفسه لأن ما بدعه لام الابتداء لا يعمل فيما قبله.

لا تقول: اليوم لزيد قائم.

وإنما جاز الجمع بين حرف الاستقبال وبين لام الابتداء المفيدة للحال، لأن اللام ههنا خلصت لأجل التأكيد كما خلصت الهمزة في "يا الله" للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف.

و"ما" في "إذا" ما للتوكيد أيضاً وكأنهم قالوا مستنكرين: أحقاً أنا سنخرج أحياء حين تمكن فينا الفناء بالموت؟

والمراد بالخروج إما الخروج من الأرض أو الخروج من حال الفناء أو الندور من قوله: "خرج فلان عالماً" إذا كان نادراً في العلم فكأنه قال على سبيل الهزء: سأخرج حياً نادراً.

وإنما قدم الظرف وأولى حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ومنه جاء الإنكار كقولك لمن أساء إلى محسنه "أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه"؟!

ولما كان الإنسان لا يصدر عنه هذا الإنكار إلا إذا لم يتذكر أو لم يذكر النشأة الأولى قال  منبهاً على ذلك ﴿ أو لا يذكر ﴾ وههنا إضمار تقديره أيقول ذلك ولا يذكر.

وزعم جار الله أن الواو عطفت لا يذكر على يقول في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف الجر.

قال العقلاء: لو اجتمعت الخلائق على إيراد حجة في البعث أوجز من هذه لم يقدروا عليها، لأن خلق الذات مع الصفات أصعب من تغيير الذات في أطوار الصفات، وهذا معلوم لكل صانع يتكرر عنه عمل، لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة خيال.

والثاني قد ارتسم واستقر وثبت له مثال واحتذاء.

وإذا كان حال من يتفاوت في قدرته الصعب والسهل كذلك، فما الظن بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة الأزلية به؟

وفي قوله: ﴿ ولم يك شيئاً ﴾ بحث قد مر في أول السورة مثله.

وحين نبه على النكتة الضرورية أكدها بالإقسام قائلاً ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ الفاء للاستئناف وهو يفيد الإعراض عن قصة والشروع في أخرى عقيبها والواو للقسم وشرف المقسم به دليل كمال العناية بالمقسم عليه، وإضافة القسم إلى المخاطب وهو رسول الله  بإجماع المفسرين تفخيم لشأنه ورفع من مقداره، والواو في ﴿ والشياطين ﴾ إما للعطف وإما بمعنى مع بناء على أن كل كافر مقرون مع شيطانه في سلسلة، وإذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين بل الكفرة، وإن كان الضمير عائداً إلى منكري البعث فقط فلا إشكال.

وكذا في قوله: ﴿ لنحضرنهم حول جهنم جثياً ﴾ أي جثياً على الركب غير مشاة على أقدامهم لما يدهشهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على الأرجل، أو على العادة المعهودة في مواقف مطالبات الملوك ومقاولاتهم.

﴿ ثم لننزعن ﴾ لنميزن ﴿ من كل شيعة ﴾ طائفة شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة، وقد سبق تفسيره في الأنعام.

﴿ أيهم أشد ﴾ قرىء بالنصب وهو ظاهر، وأما المقتصرون على الضم فذهب سيبويه إلى أنها مبنية كيلا يلزم خلاف القياس من وجهين: أحدهما إعراب أيّ مع أن من حق الموصول أن يبنى، والآخر حذف المبتدأ مع الأصل فيه أن يكون مذكوراً والتقدير: أيهم هو أشد.

وذهب الخليل إلى أنها معربة ولكنها لم تنصب على أن تكون مفعول ﴿ لننزعن ﴾ بل رفعت بتقدير الحكاية أي من كل شيعة مقول فيم أيهم أشد، فيكون من كل شيعة مفعول ﴿ لننزعن ﴾ كقولك "أكلت من كل طعام" أي بعضاً من كل.

ويجوز أن يقدّر لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد، قال سيبويه: لو جاز "اضرب أيهم" أفضل على الحكاية لجاز "اضرب الفاسق الخبيث" أي الذي يقال له الفاسق الخبيث وهذا باب قلما يصار إليه في سعة الكلام.

ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل "أيّ" معلق عن العمل، ويجيز التعليق في غير أفعال القلوب.

ثم إن علقت قوله: ﴿ على الرحمن ﴾ بـ ﴿ أشد ﴾ كقولهم: "هو أشد على خصمه" فظاهر، وإن علقته بالمصدر فذلك لا سبيل إليه عند النحويين لأن المصدر لا يعمل فيما قبله.

فالوجه أن يقال: إنه بيان للمحذوف فكأنه سئل إن عتوَّه على من؟

فقيل: على الرحمن.

وكذا الكلام في ﴿ أولى بها صلياً ﴾ تعلق المجرور بأفعل من غير تأويل أو بـ ﴿ صلياً ﴾ على التأويل.

صلى فلان النار يصلى صلياً إذا احترق.

أخبر أوّلاً أنه يميز من كل فرقة ضالة من هو أضل ثم بين بقوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ أنه يطرحهم أي أهل الضلال البعيد في النار على الترتيب يقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، ولا ريب أن الضال المضل يكون أولى بالتقدم من الضال، وكذا الكافر المعاند بالنسبة إلى المقلد وإن كانوا جميعاً مشتركين في شدة العتوّ.

ويجوز أن يراد بالذين هم أولى المنتزعين كما هم كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وأنهم أولى بالصلى لكون دركاتهم أسفل.

﴿ وإن منكم ﴾ الخطاب للناس من غير التفات، أو للإنسان المذكور فيكون التفاتاً، وعلى التقديرين فإن أريد الجنس كأنه لم يكن في قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ إشكال.

ولكنه يشكل بأن المؤمنين كيف يردون النار؟

وأجيب بما روي عن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله  عن ذلك فقال: "إذا دخل أهل الجنة قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد النار؟

فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة" .

وعنه أيضاً  أن رسول الله  قال: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم حتى إن للناس ضجيجاً من بردها" .

وأما قوله: ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ فالمراد عن عذابها.

وعن ابن عباس: يردونها كأنها إهالة.

ومنهم من لم يفسر الورود ههنا بالدخول لأن ابن عباس قال: قد يرد الشيء الشيء ولم يدخله كقوله  : ﴿ لما ورد ماء مدين  ﴾ ومعلوم أن موسى لم يدخل الماء ولكنه قرب منه.

ويقال: وردت القافلة البلد إذا قربت منه، فالمراد بالورود جثوهم حولها وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها.

وعن مجاهد: هو مس الحمى جسده في الدنيا قال  : "الحمى من فيح جهنم" وفي رواية "الحمى حظ كل مؤمن من النار" .

وإن أريد بالناس أو بالإنسان الكفرة فلا إشكال في ورودهم النار ولكنه لا يطابقه قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ ووجه بأنه أراد أن المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار لا أنهم يوردونها يتخلصون.

أسئلة: كيف يندفع عنهم ضرر النار عند من فسر الورود بالدخول؟

زعم بعضهم أن البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها مواضع خالية عن النار أشباه الطرق إلى دركات جهنم، والمؤمنون يردون تلك المواضع.

والأصح أنه  يزيل عنها طبيعة الإحراق بالنسبة إلى المؤمنين وهو على كل شيء قدير، ولهذا لا تضر النار الملائكة الموكلين بالعذاب.

ما الفائدة في إيراد المؤمنين النار إذا لم يعذبوا بها؟

فيه وجوه منها: أن يزدادوا سروراً إذا رأوا الخلاص منها.

ومنها افتصاح الكافرين إذا اطلع المؤمنون عليهم.

ومنها أن المؤمنين يوبخون الكفار ويسخرون منهم كما سخروا في الدنيا.

ومنها أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبيّن الأشياء.

هل ثبت في الأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها؟

قد ثبت أن الحاسبة تكون في الأرض أو في موضعها لقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض  ﴾ وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء.

فالاجتماع يكون في موضع الحساب ثم يدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم، ثم يرفع الله أهل الجنة ويبقى أهل النار فيها.

قلت: هذا على رأي الفلاسفة الإسلاميين ظاهر، فالمحاسبة تكون في الأرض ومرور الكل يكون على كرة النار، ثم يرفع أهل الكمال إلى السماء ويبقى الكفرة في النار ويؤيده قوله: ﴿ كان ﴾ أي الورود ﴿ على ربك حتماً ﴾ أي محتوماً مصدر بمعنى المفعول ﴿ مقضياً ﴾ قضى به وعزم أن لا يكون غيره، وذلك أن العبور من جميع الجوانب على كرة النار.

وأجمعت المعتزلة بذلك على أن العقاب واجب على الله عقلاً.

وقال الأشاعرة: شبه بالواجب من قبل استحالة يطرق الخلف إليه.

وقد سبق أن المتقي عند المعتزلة من يجتنب المعاصي كلها، وعند غيرهم هو الذي اجتنب الشرك فقط، وقد يهدم بالآية قاعدة القائل بمنزلة بين المنزلتين.

وأجيب أن تنجية المتقين أعم من أن تكون إلى الجنة أو إلى غيرها، هب أن تنجيتهم إلى الجنة إلا أن الذي طاعته ومعصيته سيان غير داخل في المتقين ولا في الظالمين فيبقى حكمة مسكوتاً عنه.

ومن المعتزلة من تمسك بالوعيد بقوله: ﴿ ونذر الظالمين ﴾ ومنع أن الصيغة للعموم، ولو سلم فمخصص بآيات الوعد لما ردّ على منكري البعث وقرر كيفية الحشر.

قال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا ﴾ الآية، والمراد أنهم عارضوا حجة الله بكلام أعوج فقالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه.

يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون ثم يدّعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله عز وجل منهم قال جار الله: معنى بينات مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على ما معارضتها، أو حججاً وبراهين، وعلى التقادير تكون حالاً مؤكدة كقوله: ﴿ وهو الحق مصدقاً  ﴾ لأن آيات الله لا تكون إلا بهذه الأوصاف.

ومعنى ﴿ للذين آمنوا ﴾ أنهم يخاطبونهم بذلك أو يفوهون به لأجلهم في شأنهم.

والمقام بالضم موضع الإقامة أي المنزل، وبالفتح موضع القيام، والنديّ المجلس ومجتمع القوم حيث ينتدون.

قوله: ﴿ أيّ الفريقين ﴾ يعني المؤمنين بالآيات والجاحدين لها من الكلام المنصف على زعمهم، والمقصود نحن أوفر حظاً على ما يظهر منا في أحوال قيامنا وقعودنا، وحسن الحال في الدنيا ظاهر على الفضل والرفعة وضده أمارة على النقص والضعة، فأجابهم الله  بقول: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ أي كثيراً من المرات أهلكنا قبلهم أهل عصر و"من" بيان المهلك.

ويجوز أن تكون زائدة للتأكيد و"كم" استفهامية لتقرير التكثير، أو خبرية عند من يجوّز زيادتها في الموجب.

و ﴿ هم أحسن ﴾ في محل النصب صفة لـ "كم" أو الجر صفة ﴿ قرن ﴾ والأثاث متاع البيت وقد مر في النحل في قوله: ﴿ أثاثاً ومتاعاً إلى حين  ﴾ قال الجوهري: من همز ﴿ رئياً ﴾ جعله من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، ومن لم يهمزه فإما أن يكون على تخفيف الهمزة أي قلب الهمزة ياء وأدغم، أو يكون من "رويت ألوانهم وجلودهم رياً" أي امتلأت وحسنت.

وقال جار الله: الري هو المنظر والهيئة "فعل" بمعنى "مفعول".

وقرىء بهمز قبله ياء على القلب كقولهم "راء" في "رأي".

وقرىء بالزاي المنقوطة واشتقاقه من الزي بالفتح وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة.

وفي الآية حذف التقدير أحسن من هؤلاء، والحاصل أنه  أهلك من كان أكثر مالاً وجمالاً منهم وذلك دليل على إفساد إحدى مقدمتيهم وهي أن كل من وجد الدنيا كان حبيب الله، أو على فساد المقدمة الأخرى وهي أن كل من كان حبيباً لله فإنه لا يوصل إليه غماً.

ثم بين أن مآل الضال إلى الخزي والنكال وإن طالت مدته وكثرت عدته، وقوله: ﴿ فليمدد له الرحمن ﴾ خبر مخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب الإمهال وأنه مفعول لا محالة لتنقطع معاذيرالضال ويقال له يوم القيامة ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر  ﴾ أو ليزدادوا إثماً كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته.

والغاية أحد الأمرين المذكورين أي انقطاع العذر أو ازدياد الإثم.

أما قوله: ﴿ حتى إذا رأوا ﴾ إلى آخر.

فقد قال في الكشاف: إنه يحتمل أن يكون متصلاً بقوله: ﴿ أي الفريقين ﴾ إلى آخره، وما بينهما اعتراض قالوا: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً حتى إذا رأوا ما يوعدون.

والمعنى لا يزالون يتفوّهون بهذا القول مولعين به إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين ﴿ أما العذاب ﴾ في الدنيا وهو غلبة المسلمين بالقتل والأسر وتغير أحوالهم من العز إلى الذل ومن الغنى إلى الفقر، وأما يوم القيامة، ويحتمل أن تتصل بما يليها والمراد أنهم لا ينفكون عن ضلالتهم وسوء مقالتهم إلى أن يعاينوا عذاب الدنيا، أو الساعة ومقدماتها.

وقوله: ﴿ فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ خير مقاماً وأحسن ندياً ﴾ لأن مقامهم هو مكانهم والنديّ المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم، والجند الأعوان، ولا ريب أن مكان القتل والأسر شر مكان في الدنيا ومكان عذاب النار شر مكان في الآخرة.

ولا شك أيضاً أنه لو كان لهم في الوقتين ناصر لم يلحقهم من الخزي والنكال ما لحقهم.

وحين بيّن حال أهل الضلال أراد أن يبين حال أهل الكمال فقال: ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ وذلك أن بعض الاهتداء يجر إلى البعض الآخر كالإيمان يجر إلى الإخلاص فيه كما أن بعض الغواية يجر إلى بعضها.

ومنها من فسر الزيادة بالعبادات المرتبة على الإيمان.

والواو في ﴿ ويزيد ﴾ للاستئناف.

وقد تكلف جار الله فقال: إنه للعطف على معنى ﴿ فليمدد ﴾ أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه.

وقد مر في سورة الكهف أن الباقيات الصالحات فسرها الأكثرون بجميع الأعمال الصالحات المؤدية إلى السعادات الباقيات.

وفسرها بعضهم بما هي أعظم ثواباً منها كالصلوات الخمس وغيرها.

وقوله: ﴿ خير ﴾ يقتضي غيراً يكون مشاركاً له في أصل الخيرية ويكون هذا خيراً منه، فإن قدرنا ذلك شيئاً فيه خيرية كبعض الأعمال الدنيوية المباحة أو كسائر الأعمال الصالحة عند من يفسر الباقيات بمعنى الأخص فظاهر أنها خير ﴿ ثواباً وخير مرداً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة أو منفعة من قولهم: "هل لهذا الأمر مرد" إن قدرنا ذلك شيئاً لا ثواب فيه ولا خيرية كما زعم جار الله أن المراد هي خير ثواباً من مفاخرات الكفار، فيكون إطلاق الثواب على عقاب الكفار من قبيل التهكم ومن باب قولهم: "تحية بينهم ضرب وجيع".

ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم: "الصيف أحر من الشتاء" أي هو أبلغ في حره من الشتاء في برده، ثم أردف مقالتهم الحمقاء بأخرى مثلها قائلا على سبيل التعجب ﴿ أفرأيت ﴾ كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك.

وإنما استعملوا "أرأيت" بمعنى "أخبر" لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه.

عن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاص بن وائل.

قال خباب بن الأرث: كان لي عليه دين فاقتضيته، وقيل: صاع له حلياً فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً، فأنا أقضيك، ثم فإني أوتي مالاً وولداً حينئذٍ.

من قرأ ﴿ ولداً ﴾ بفتحتين فظاهر، ومن قرأ بالضم فالسكون، فإما جمع ولد كاسد في أسداً، أو بمعنى الولد كالعرب والعرب، فأنكر الله  عليه بقوله مستفهماً ﴿ أطلع الغيب ﴾ من قولهم "اطلع الجبل" أي ارتقى إلى أعلاه، ولاختيار هذه الكلمة شأن كأنه قال: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي تفرد به علام الغيوب ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ عن الكلبي: هل عهد الله إليه أن يؤتيه ذلك.

وعن قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول: وقيل: العهد كلمة الشهادة ﴿ كلا ﴾ ردع وتنبيه على الخطأ فيما تصوره لنفسه وتمناه وفي قوله: ﴿ سنكتب ﴾ بسين التسويف مع أن الحفظة يكتبون ما قاله في الحلل دليل على أن السين جرد ههنا لمعنى الوعيد، أو أراد سيظهر له نبأ الكتابة بالتعذيب والانتصار يؤيده قوله: ﴿ ونمد له ﴾ أي نطوّل له ﴿ من العذاب ﴾ ما يستأهله أمثاله من المستهزئين أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد.

مده وأمده معنى.

ثم أكد المدد بالمصدر وهو مؤذن بفرط الغضب أعاذنا الله منه، ثم عكس استهزاءه بقوله: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ أي نمنع عنه منتهى ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد لأنه تألى على الله في قوله: ﴿ لأوتين ﴾ ومن يتأل على الله يكذبه لأن ذلك غاية الجراءة ونهاية الأشعبية.

والمراد هب أنا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة ﴿ ويأتينا ﴾ غداً ﴿ فرداً ﴾ بلا مال ولا ولد.

وكلام صاحب الكشاف في الوجهين ملخبط فليتأمل فيه.

وكذا في قوله: ﴿ فرداً ﴾ على الأول حال مقدرة نحو ﴿ فادخلوها خالدين  ﴾ لأنه وغيره سواء في إتيانه فرداً حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ذلك.

وذلك أن الخلود لا يتحقق إلا بعد الدخول، أما انفراده فمحقق في حالة الإتيان وتفاوت الحال بعد ذلك، واشتراك الكل في الإتيان منفرداً لا مدخل له في المقصود فلا أدري ما حمله على هذا التكلف.

قال: ويحتمل أن هذا القول: إنما يقوله ما دام حياً فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا منفرداً عنه غير قائل له، أو أراد أن هذا القول لا ننساه ولا نلغيه بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به، ويأتينا على فقره ومسكنته فرداً من المال والولد لم نعطه سؤله ومتمناه، فيجتمع عليه خطبان تبعه قوله وفقد سؤله.

وحين فرغ من الرد على منكري البعث شرع في الرد على عبدة الأصنام فبين أوّلاً عرضهم وذلك أن يتعززوا بآلهتهم وينتفعون بشفاعتهم، ثم أنكر عليهم وردعهم بقوله: ﴿ كلا ﴾ ثم أخبر عن مآل حالهم بقوله ﴿ سيكفرون ﴾ فإن كان الضمير للمعبودين فهم إما الملائكة كقوله: ﴿ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  ﴾ وإما الأصنام فلا يبعد أن ينطق الله الجماد بذلك كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن كان الضمير للعابدين فهو كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن {الأنعام: 23] أما الضمير في يكونون فللمعبودين، وقوله: ﴿ عليهم ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ لهم عزاً ﴾ وضد العز الهوان كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلاً لهم عزاً ويحتمل أن يراد بالضد العون لأنه يضاد العدو، ووحد لاتفاق كلمتهم وفرط تضامهم وتوافقهم كقوله  : " وهم يد على من سواهم" ومعنا كون الآلهة أضداداً أي أعواناً عليهم أنهم وقود النار وأن المشركين عذبوا بسبب عبادتها، ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿ يكونون ﴾ للمشركين أي يكون المشركون كفرة بآلهتهم وأعداء لهم بعد أن كانوا يعبدونها.

وحيث بيّن مذاهب الفرق الضالة أراد أن يبين منشأها فقال: ﴿ ألم تر أنا أرسلنا ﴾ الآية.

والأز الهز والتهييج.

قالت: الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه  مريد لجميع الكائنات لأن قول القائل: "أرسلت فلاناً على فلان" يفيد أنه سلطه عليه منه قوله  : " سم الله وأرسل كلبك عليه" ويؤيده قوله: ﴿ تؤزهم ﴾ أي تغريهم على المعاصي وتحثهم عليها بالوسواس والتسويلات.

وقالت المعتزلة: أراد بهذا الإرسال التخلية بينهم وبينهم كما إذا لم يمنع الرجل من دخول بيت جيرانه.

وحاصل كلامهم أنه أرسل الأنبياء وأرسل الشياطين، ثم خلى بين المكلفين وبين الأنبياء والشياطين إلا أنه خص أولياءه بمزيد الألطاف حتى قبلوا قول الأنبياء، ومنع أعداءه تلك الألطاف وهو المسمى بالخذلان فقبلوا قول الشياطين.

ولما كان هذا الإرسال سبباً لهلاك الكفارة عداه بـ "على" لا بــ"إلى" قلت: لا يخفى أن استناد الكل إلى الله  فنزاع الفريقين لفظيّ أو قريب منه.

﴿ فلا تعجل عليهم ﴾ يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجل منه أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا فتستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة.

قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين وهم خمسة رهط.

وعنه أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، وآخر العدد فراق أهلك، وآخر العدد دخول قبرك.

وعن ابن السماك أنه كان عن المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد.

وقال بعضهم: إن الحبيب من الأحباب مختلس *** لا يمنع الموت بواب ولا جرس وكيف يفرح بالدنيا ولذتها *** فتى يعد عليه اللفظ والنفس ثم لما قرر أمر الحشر وأجاب عن شبه منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين وقتئذٍ فقال: ﴿ يوم نحشر ﴾ وانتصابه بمضمر متقدم أو متأخر أي اذكر يوم كذا وكذا ونفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف.

ويجوز أن ينتصب ﴿ بلا يملكون ﴾ خص المتقون بالجمع إلى محل كرامة الرحمن وافدين.

يقال: وفد فلان على الأمير وفادة أي ورد رسولاً فهو وافد والجمع وفد كصاحب وصحب.

عن علي  أن النبي  قال: "ما يحشرون على أرجلهم ولكنهم على نوق رحالهم ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت" .

وخص المجرمون بالسوق إلى جهنم ورداً أي وهم الذين يردون الماء، وفيه من الإهانة ما فيه كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء.

وقال جار الله: حقيقة الورد المسير إلى الماء فسمي به الواردون.

قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فكيف ينالهم بعد ذلك شدة؟

قلت: يحتمل أن يكون الحشر إلى الرحمن غير الحشر إلى الموقف، فيراد بالحشر إلى الرحمن أي إلى دار كرامته وسوقهم إلى الجنة لقوله: ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً  ﴾ وهذا بعد امتياز الفريقين، فالأمن الكلي فيما بعد هذه الحالة لا ينافي الخوف والدهشة فيما قبلها كما ورد في حديث الشفاعة وغيره.

وقوله: ﴿ إلى الرحمن ﴾ دون أن يقول إلينا من وضع الظاهر موضع المضمر، وفيه من البشارة ما فيه ولا يلزم منه التجسم للتأويل الذي ذكرناه، والضمير في ﴿ لا يملكون ﴾ للمكلفين المذكورين بقسمهم وفاعله ﴿ من اتخذ ﴾ على البدلية لأنه في معنى الجمع.

ويجوز أن تكون الواو علامة للجمع كالتي في "أكلوني البراغيث" فيكون ﴿ من اتخذ ﴾ فاعلاً والاستثناء مفرغاً.

ويجوز أن ينتصب ﴿ من اتخذ ﴾ على الاستثناء أو على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة.

من اتخذه واختلف المفسرون في الشفاعة فقيل: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم.

وقيل: لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم.

واتخاذ العهد الاستظهار بالأيمان والعمل، أو بكلمة الشهادة وحدها والأول يناسب أصول المعتزلة، والثاني يناسب أصول الأشاعرة.

وعن ابن مسعود أن النبي  قال لأصحابه ذات يوم: "أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً قالوا: وكيف ذلك؟

قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة" ويجوز أن يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها كقوله: ﴿ وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله  ﴾ .

وحين رد على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً من اليهود والنصارى والعرب، ومنهم من خص الآية بالرد على العرب القائلين بأن الملائكة بنات الله لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة.

وفي قوله: ﴿ لقد جئتم ﴾ التفات من الغيبة إلى المخاطبة تسجيلاً عليهم بالجراءة والتعرض لسخطه.

والأد الأمر العجيب أو المنكر، والتركيب يدل على الشدة والثقل ومنه أدت الناقة تؤد إذا رجعت الحنين في جوفها.

ويقال: فطره بالتخفيف إذا شقه، ومطاوعه انفطر وبالتشديد للتكثير، ومطاوعه تفطر وهذا البناء للتكثير.

وانتصب ﴿ هذا ﴾ إما على المصدر لأن الخرور في معناه، وإما لأن التقدير يهد هداً، أو على الحال أي مهدودة، أو على العلة أي لأنها تهد.

ومحل ﴿ أن دعوا ﴾ إما مجرور بدلاً من الهاء في ﴿ منه ﴾ وإما منصوب بنزع الخافض أي هدّاً لأن دعوا، علل الخرور بالهد والهد بالدعاء، وإما مرفوع بأنه فاعل هد أي هدها الدعاء، وخير الوجوه أوسطها كما في الوقوف والدعاء.

أما بمعنى التسمية فيكون المفعول الأول متروكاً طلباً للعموم والإحاطة بكل ما دعي ولداً له، وإما بمعنى النسبة أي نسبوا إلى الرحمن ولداً.

﴿ وما ينبغي ﴾ لا يصح ولا يستقيم وهو في الأصل مطاوع بغى إذا طلب، وإنما لا يصير مطلوباً لأنه محال.

أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها، وأما التبني فلأن القديم لا جنس له حتى يميل طبعه إليه ميل الوالد إلى الولد لمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن المختص به، فليس أصول النعم وفروعها إلا منه كما قيل: لينكشف عن بصرك غطاؤه فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، وهذا من فوائد تكرير هذا الاسم في هذا المقام.

سؤال: كيف تؤثر هذه الكلمة في الجمادات حتى تنفطر وتنشق وتخر؟

أجيب بأنه  كأنه يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند دعائهم الولد لي غضباً مني على من تفوّه بها لولا حلمي، أو هو تصوير لأثر هذه الكلمة في الدنيا، أو المراد أن هذا الاعتقاد يوجب أن تكون هذه الأجرام على ما ترى من النظام كقوله: ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن هذه الأجرام كانت ممن يعقل كادت تفعل ذلك.

ثم بين أن العابدين والمعبودين في السموات أو في الأرضين كلهم تحت قهره وتسخيره في الدنيا وفي الآخرة وأنه محيط بجهل أحوالهم وتفاصيلها فقال: ﴿ إن كل ﴾ "إن" نافية أي ليس فرد من أفراد الخلائق ﴿ إلا أتى الرحمن ﴾ إلا وهو ملتجىء إلى ربوبيته مقر بعبوديته.

ثم أجمل حال المؤمنين بما لا مزيد عليه في باب الكرامة قائلاً ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ أي سيحدث لهم في القلوب مودّة من غير ما سبب من الأسباب المعهودة كقرابة أو اصطناع وذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب.

والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله المودة بين الناس عند إظهار الإسلام، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم.

وعن النبي  قال لعلي: "يا عليّ قل اللَّهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة" ، فأنزل الله  هذه الآية.

وعن ابن عباس: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه.

وعن رسول الله  يقول الله عز وجل: " يا جبرائيل قد أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه.

وعن كعب قال: مكتوب في التوراة: لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله  ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض، وتصديق ذلك في القرآن ﴿ سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ هذا قول جمهور المفسرين.

وعن أبي مسلم أن المراد أنه سهب لهم في الجنة ما يحبون، واستعمال المصدر بمعنى المفعول كثير.

وإنما صار إلى هذا القول لأن المسلم التقي يبغضه الكفار وقد يبغضه المسلمون أكثرهم، وقد يحصل مثل هذه المحبة للكفار والفساق فيكونون مرزوقين بميل الناس إلى اختلاطهم ومحبتهم فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين.

وأيضاً إن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا من فعل الله، فحمل الكلام على إعطاء المنافع به أولى.

وأجيب بأن المراد محبة الملائكة والأنبياء والصالحين ومثل هذه لا تحصل للكافر والفاسق، وبأنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم.

ثم عظم شأن ما في هذه السورة من التوحيد والنبوة وبيان الحشر والرد على الفرق الضالة قائلاً: ﴿ فإنما يسرناه ﴾ كأنه قال: بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر فإنما أنزلناه بلسانك أي بلغتك وسهلناه وفصلناه لتبشر به وتنذر.

واللد جمع الألد الشديد الخصومة بالباطل كقوله في "البقرة" ﴿ وهو ألد الخصام  ﴾ يريد أهل مكة.

ثم ختم السورة بما هو غاية في الإنذار ونهاية في التخويف لأنبائه عن انقضاء القرون الخالية بالفناء أو بالإفناء بحيث لم يبق منهم شخص يرى ولا صوت يسمع فيعلم منه أن مآل الباقين أيضاً إلى ذلك فيجتهدوا في تحصيل الزاد للمعاد ولا يصرفوا همتهم إلى ما هو بصدد الزوال والنفاد.

والركز الصوت الخفي وركز الرمح تغيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون.

التأويل: ﴿ ويقول ﴾ النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق إذا مات عن الصفات البشرية ﴿ أخرج حياً ﴾ بالصفات الروحانية.

﴿ ولنحشرهم والشياطين ﴾ فلكل شخص قرين من الشياطين ﴿ ثم لنحضرنهم حول جهنم ﴾ القهر والطبيعة ﴿ وإن منكم ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا هو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة ﴿ حتماً مقضياً ﴾ لأن حكمته الأزلية اقتضت خلق هذا النوع المركب من العلوي والسفلي ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ الهوى يقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة ﴿ آياتنا ﴾ من الحقائق والأسرار ﴿ قال الذين كفروا ﴾ ستروا الحق ﴿ للذين آمنوا ﴾ تحقيقاً وإيقاناً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ بحب الدنيا والإغراق في بحر الشهوات والإحراق بنار المناصب للعرضيات ﴿ أما العذاب ﴾ وهو الموت على الإنكار والغفلة ﴿ وإما الساعة ﴾ وهي الإماتة عن الصفات البشرية عند قيام قيامة الشوق والمحبة.

﴿ فسيعلمون ﴾ حزب الله من حزب الشيطان ﴿ ويزيد الله ﴾ بالترقي من الإيمان إلى الإيقان إلى العيان ﴿ أن دعوا للرحمن ولداً ﴾ من فوائد ذكر اسم الرحمن ههنا أن الرحمانية أمهلتهم حتى قالوا ما قالوا وإلا فالألوهية مقتضية لإعدامهم في الحال ﴿ وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ﴾ عن مشيئة وإرادة بخلافهم في الدنيا فإنهم يظنون أن لهم إرادة واختياراً.

﴿ فإنما يسرنا ﴾ فيه أنه لولا تيسير الله درايته على قلب النبي  وإلا فكيف يسع ظروف الحروف المحدثة المتناهية حقائق كلامه الأزلية غير المتناهية ﴿ وكم أهلكنا ﴾ في تيه الضلالة ﴿ أو تسمع لهم ركزاً ﴾ بالثناء الحسن عليهم والله أعلم بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً ﴾ .

يحتمل هذا وجوهاً ثلاثة: أحدها: خاطب أهل مكة: إذا أمنتم وعملتم الأعمال الصالحات يرفع الله ما بينكم من التباغض والتعادي، فيبدل مكانه المحبة والمودة، كقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  ﴾ أخبر أنهم صاروا بالإيمان إخواناً مؤلفة قلوبهم بنعمة من الله وفضله.

والثاني: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً ﴾ في الجنة، أي: ينزع عنهم ما في قلوبهم من غلّ وغشّ، كقوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ  ﴾ .

والثالث: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً ﴾ في قلوب الأنبياء والأخيار وأصحاب الدّين؛ لأنهم إنما ينظرون إلى الإنسان لدينه ولخلوصه عمله لله وصفائه له لا إلى الدنيا وما تحويه يده.

وجائز أن يكون على ما رويت الأخبار إن ثبتت: روي عن أبي هريرة عن النبي  قال: "إذا أحَبَّ الله عبداً نادى قد أحببتُ فلاناً فإحِبُّوه" وكذلك هذا في البغض.

وقال كعب: وجدت في التوراة: أنه لم تكن محبة لأحد من أهل الأرض حتى يكون بدؤها من الله  ينزلها على أهل السماء، ثم على أهل الأرض، وكذلك قال في البغض، ثم قال: وكذلك وجدت في القرآن، فقرأ هذه الآية ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً ﴾ يحبّهم ويحببهم إلى المؤمنين في صدورهم، فعلى هذا إن ثبت يجب أن يخاف المرء على نفسه إذا رأى الناس [يكرهونه] أن يكون ذلك من سوء عمله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ ﴾ : قال بعضهم: يسّرنا تبليغ الرسالة على لسانه حتى بَلَّغَهَا إلى الفراعنة منهم والأكابر الذين كانوا يقتلون من يخالفهم ويستقبلهم بغير الذي هم عليه قولاً وفعلاً، ويعاقبون على ذلك، يسر ذلك عليه حتى بلغها إلى أمثال هؤلاء، وقدر على ذلك من غير أن يقدروا على إهلاكه، حيث أخبر أنه عصمه منهم بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ .

وقال بعضهم: يسّره على لسانه حتى قدر على التكلم به والنطق؛ لأنّه كلام ربّ العالمين.

قال أبو بكر الأصم: هذا لا يحتمل؛ لأنه أنزله بلسانه ولسان العرب، فلا يحتمل ألا يقدروا على التكلم بلسانهم.

وقال قائلون: يسره على لسانه حيث جعله بحيث يحفظونه ويقرءونه عن ظهر قلوبهم، ليس كسائر الكتب المتقدمة: أنهم كانوا لا يقدرون على حفظها والقراءة عن ظهر القلب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً ﴾ ؛ وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ  ﴾ .

مرة ذكر النذارة للناس جميعاً، ومرة للذين ظلموا خاصّة، ومرة للذين اتبعوا الذكر، والأصل في النذارة والبشارة: أن البشارة إذا كانت خاصّة لأحد، فهي له على شرط الدّوام على ذلك أبداً، وفيها النذارة له إن لم يدم، وكذلك النذارة الخاصّة لأحد لدوام ذلك ملتزماً، فإن تاب ورجع عن ذلك فله فيها البشارة، على هذا يكون البشارة الخاصّة والنذارة الخاصّة يكون في كل واحدة منهما أخرى، وأمّا البشارة المطلقة فهي بشارة لا يكون فيها النذارة، وكذلك النذارة المطلقة لا يكون فيها البشارة، على هذه الأقسام يخرج البشارة والنذارة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ﴾ .

يخوّف به أهل مكة بإهلاكه القرون الماضية في الدنيا بتكذيبهم الرسل؛ لئلا يكذبوا محمّداً كما كذب أولئك الذين من قبلهم فينزل بهم العذاب والهلاك كما أنزل بأولئك، بقوله لنبيه: ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ ﴾ ، أي: هل ترى وتبصر منهم أحداً، أي: لا ترى ولا تبصر منهم أحداً ﴿ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ﴾ ، قيل: صوتاً، وقيل: ذكراً، أي: لا يذكرون بعد هلاكهم إلا بسوء، يحذر أهل مكة؛ لئلا يكذبوا رسولهم كما كذب الذين من قبلهم الرسل فيكونون كما كان أولئك وصاروا مثلهم.

قال القتبي: اللد: جمع ألدّ، وهو الخصم الجدل، والركز: الصوت الذي لا يفهم.

وقال أبو عوسجة: الألدّ، هو شديد الخصومة ﴿ هَلْ تُحِسُّ ﴾ : هل تراه ﴿ رِكْزاً ﴾ أي: ذكراً، والركز - أيضاً - الصوت وقال: ﴿ هَدّاً ﴾ : صوتاً إذا انهدمت.

وقال أبو معاذ: وللعرب في البشرى ثلاث لغات: بَشَرْته بالتخفيف فأنا أبشره، وَبَشَّرْتُهُ بالتشديد فأنا مُبَشِّره وأبْشَرْتُهُ فأنا مُبْشِرُهُ والرجل مَبْشُور ومُبَشَّرٌ.

وقوله: ﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً ﴾ ، أي: وحده ليس معه من دنياه شيء.

وقال الحسن: ﴿ قَوْماً لُّدّاً ﴾ ، صمّاً، صم آذان القلوب، وقال بعضهم: فجاراً، وقيل: عوجاً عن الحق، وأصله ما تقدم ذكره، والله الموفق وبه نستعين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما أكثر الأمم التي أهلكناها من قبل قومك، فهل تشعر اليوم بأحد من تلك الأمم؟!

وهل تسمع لهم صوتًا خفيًّا؟!

فما أصابهم قد يصيب غيرهم حين يأذن الله.

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله