تفسير الآية ١٨٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٨٧ من سورة البقرة

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ١٨٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 404 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٨٧ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٨٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين ، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام ، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك ، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة .

فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة .

والرفث هنا هو : الجماع .

قاله ابن عباس ، وعطاء ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وطاوس ، وسالم بن عبد الله ، وعمرو بن دينار والحسن ، وقتادة ، والزهري ، والضحاك ، وإبراهيم النخعي ، والسدي ، وعطاء الخراساني ، ومقاتل بن حيان .

وقوله : ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، ومقاتل بن حيان : يعني هن سكن لكم ، وأنتم سكن لهن .

وقال الربيع بن أنس : هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن .

وحاصله أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه ، فناسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان ، لئلا يشق ذلك عليهم ، ويحرجوا ، قال الشاعر إذا ما الضجيع ثنى جيدها تداعت فكانت عليه لباسا وكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدم في حديث معاذ الطويل ، وقال أبو إسحاق عن البراء بن عازب قال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فنام قبل أن يفطر ، لم يأكل إلى مثلها ، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما ، وكان يومه ذاك يعمل في أرضه ، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال : هل عندك طعام ؟

قالت : لا ولكن أنطلق فأطلب لك .

فغلبته عينه فنام ، وجاءت امرأته ، فلما رأته نائما قالت : خيبة لك !

أنمت ؟

فلما انتصف النهار غشي عليه ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) إلى قوله : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) ففرحوا بها فرحا شديدا .

ولفظ البخاري هاهنا من طريق أبي إسحاق : سمعت البراء قال : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء ، رمضان كله ، وكان رجال يخونون أنفسهم ، فأنزل الله : ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ) .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة ، ثم إن أناسا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء ، منهم عمر بن الخطاب ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن ) وكذا روى العوفي عن ابن عباس .

وقال موسى بن عقبة ، عن كريب ، عن ابن عباس ، قال : إن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم يأكلون ويشربون ، ويحل لهم شأن النساء ، فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة ، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعدما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله ، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت .

قال : " وماذا صنعت ؟

" قال : إني سولت لي نفسي ، فوقعت على أهلي بعد ما نمت وأنا أريد الصوم .

فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما كنت خليقا أن تفعل " .

فنزل الكتاب : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قيس بن سعد ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة في قول الله تعالى ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) إلى قوله : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) قال : كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا ، وإن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء ، وأن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عينه بعد صلاة المغرب ، فنام ولم يشبع من الطعام ، ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ، فقام فأكل وشرب ، فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ، فأنزل الله عند ذلك : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) يعني بالرفث : مجامعة النساء ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) يعني : تجامعون النساء ، وتأكلون وتشربون بعد العشاء ( فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن ) يعني : جامعوهن ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) يعني : الولد ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ) فكان ذلك عفوا من الله ورحمة .

وقال هشيم ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : قام عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فقال : يا رسول الله ، إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل أهله فقالت : إنها قد نامت ، فظننتها تعتل ، فواقعتها ، فنزل في عمر : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) وهكذا رواه شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، به .

وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا سويد ، أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن لهيعة ، حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال : كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام ، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد .

فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده ، فوجد امرأته قد نامت ، فأرادها ، فقالت : إني قد نمت !

فقال : ما نمت !

ثم وقع بها .

وصنع كعب بن مالك مثل ذلك .

فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فأنزل الله : ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن ) [ الآية ] .

وهكذا روي عن مجاهد ، وعطاء ، وعكرمة ، والسدي ، وقتادة ، وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع ، وفي صرمة بن قيس ; فأباح الجماع والطعام والشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقا .

وقوله : ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) قال أبو هريرة ، وابن عباس وأنس ، وشريح القاضي ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، والربيع بن أنس ، والسدي ، وزيد بن أسلم ، والحكم بن عتبة ومقاتل بن حيان ، والحسن البصري ، والضحاك ، وقتادة ، وغيرهم : يعني الولد .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) يعني : الجماع .

وقال عمرو بن مالك النكري ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس : ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) قال : ليلة القدر .

رواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر قال : قال قتادة : وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم .

وقال سعيد عن قتادة : ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) يقول : ما أحل الله لكم .

وقال عبد الرزاق أيضا : أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : قلت لابن عباس : كيف تقرأ هذه الآية : ( وابتغوا ) أو : " اتبعوا " ؟

قال : أيتهما شئت : عليك بالقراءة الأولى .

واختار ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله .

وقوله : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ) أباح تعالى الأكل والشرب ، مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل ، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود ، ورفع اللبس بقوله : ( من الفجر ) كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الله البخاري : حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف ، حدثني أبو حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : أنزلت : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) ولم ينزل ( من الفجر ) وكان رجال إذا أرادوا الصوم ، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله بعد : ( من الفجر ) فعلموا أنما يعني : الليل والنهار .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، أخبرنا حصين ، عن الشعبي ، أخبرني عدي بن حاتم قال : لما نزلت هذه الآية : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) عمدت إلى عقالين ، أحدهما أسود والآخر أبيض ، قال : فجعلتهما تحت وسادتي ، قال : فجعلت أنظر إليهما فلا تبين لي الأسود من الأبيض ، ولا الأبيض من الأسود ، فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذي صنعت .

فقال : " إن وسادك إذا لعريض ، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل " .

أخرجاه في الصحيحين من غير وجه ، عن عدي .

ومعنى قوله : " إن وسادك إذا لعريض " أي : إن كان يسع لوضع الخيط الأسود والخيط الأبيض المرادين من هذه الآية تحتها ، فإنهما بياض النهار وسواد الليل .

فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب .

وهكذا وقع في رواية البخاري مفسرا بهذا : أخبرنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عوانة ، عن حصين ، عن الشعبي ، عن عدي قال : أخذ عدي عقالا أبيض وعقالا أسود ، حتى كان بعض الليل نظر فلم يتبينا .

فلما أصبح قال : يا رسول الله ، جعلت تحت وسادتي .

قال : " إن وسادك إذا لعريض ، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك " .

وجاء في بعض الألفاظ : إنك لعريض القفا .

ففسره بعضهم بالبلادة ، وهو ضعيف .

بل يرجع إلى هذا ; لأنه إذا كان وساده عريضا فقفاه أيضا عريض ، والله أعلم .

ويفسره رواية البخاري أيضا : حدثنا قتيبة ، حدثنا جرير ، عن مطرف ، عن الشعبي ، عن عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول الله ، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، أهما الخيطان ؟

قال : " إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين " .

ثم قال : " لا بل هو سواد الليل وبياض النهار " .

وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر ، دليل على استحباب السحور ; لأنه من باب الرخصة ، والأخذ بها محبوب ; ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحث على السحور [ لأنه من باب الرخصة والأخذ بها ] ففي الصحيحين عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تسحروا فإن في السحور بركة " .

وفي صحيح مسلم ، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى هو ابن الطباع ، حدثنا عبد الرحمن بن زيد ، عن أبيه ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " السحور أكله بركة ; فلا تدعوه ، ولو أن أحدكم يجرع جرعة من ماء ، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين " .

وقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة من ماء ، تشبها بالآكلين .

ويستحب تأخيره إلى قريب انفجار الفجر ، كما جاء في الصحيحين ، عن أنس بن مالك ، عن زيد بن ثابت ، قال : تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قمنا إلى الصلاة .

قال أنس : قلت لزيد : كم كان بين الأذان والسحور ؟

قال : قدر خمسين آية .

وقال الإمام أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا ابن لهيعة ، عن سالم بن غيلان ، عن سليمان بن أبي عثمان ، عن عدي بن حاتم الحمصي ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور " .

وقد ورد في أحاديث كثيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه الغداء المبارك ، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، والنسائي ، وابن ماجه من رواية حماد بن سلمة ، عن عاصم بن بهدلة ، عن زر بن حبيش ، عن حذيفة بن اليمان قال : تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان النهار إلا أن الشمس لم تطلع .

وهو حديث تفرد به عاصم بن أبي النجود ، قاله النسائي ، وحمله على أن المراد قرب النهار ، كما قال تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ) [ الطلاق : 2 ] أي : قاربن انقضاء العدة ، فإما إمساك أو ترك للفراق .

وهذا الذي قاله هو المتعين حمل الحديث عليه : أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر ، حتى أن بعضهم ظن طلوعه وبعضهم لم يتحقق ذلك .

وقد روي عن طائفة كثيرة من السلف أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر .

روي مثل هذا عن أبي بكر ، وعمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت وعن طائفة كثيرة من التابعين ، منهم : محمد بن علي بن الحسين ، وأبو مجلز ، وإبراهيم النخعي ، وأبو الضحى ، وأبو وائل ، وغيره من أصحاب ابن مسعود وعطاء ، والحسن ، والحكم بن عيينة ومجاهد ، وعروة بن الزبير ، وأبو الشعثاء جابر بن زيد .

وإليه ذهب الأعمش ومعمر بن راشد .

وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد ، ولله الحمد .

وحكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره ، عن بعضهم : أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها .

قلت : وهذا القول ما أظن أحدا من أهل العلم يستقر له قدم عليه ، لمخالفته نص القرآن في قوله : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ) وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم ، عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم ، فإنه ينادي بليل ، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر " .

لفظ البخاري .

وقال الإمام أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا محمد بن جابر ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكنه المعترض الأحمر " .

ورواه أبو داود ، والترمذي ولفظهما : " كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد ، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر " .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا شعبة ، عن شيخ من بني قشير : سمعت سمرة بن جندب يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر الفجر ، أو يطلع الفجر " .

ثم رواه من حديث شعبة وغيره ، عن سوادة بن حنظلة ، عن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ، ولكن الفجر المستطير في الأفق " .

قال : وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن عبد الله بن سوادة القشيري ، عن أبيه ، عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض ، لعمود الصبح حتى يستطير " .

ورواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب ، عن إسماعيل بن إبراهيم يعني بن علية مثله سواء .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا ابن المبارك ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره أو قال نداء بلال فإن بلالا يؤذن أو [ قال ] ينادي لينبه نائمكم وليرجع قائمكم ، وليس الفجر أن يقول هكذا أو هكذا ، حتى يقول هكذا " .

ورواه من وجه آخر عن التيمي ، به .

وحدثني الحسن بن الزبرقان النخعي ، حدثنا أبو أسامة عن محمد بن أبي ذئب ، عن الحارث بن عبد الرحمن ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الفجر فجران ، فالذي كأنه ذنب السرحان لا يحرم شيئا ، وأما المستطير الذي يأخذ الأفق ، فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام " .

وهذا مرسل جيد .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء قال : سمعت ابن عباس يقول : هما فجران ، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئا ، ولكن الفجر الذي يستبين على رؤوس الجبال ، هو الذي يحرم الشراب .

قال عطاء : فأما إذا سطع سطوعا في السماء ، وسطوعه أن يذهب في السماء طولا فإنه لا يحرم به شراب لصيام ولا صلاة ، ولا يفوت به حج ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال ، حرم الشراب للصيام وفات الحج .

وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء ، وهكذا روي عن غير واحد من السلف ، رحمهم الله .

مسألة : ومن جعله تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام ، يستدل على أنه من أصبح جنبا فليغتسل ، وليتم صومه ، ولا حرج عليه .

وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفا وخلفا ، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة ، رضي الله عنهما ، أنهما قالتا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع غير احتلام ، ثم يغتسل ويصوم .

وفي حديث أم سلمة عندهما : ثم لا يفطر ولا يقضي .

وفي صحيح مسلم ، عن عائشة : أن رجلا قال : يا رسول الله ، تدركني الصلاة وأنا جنب ، فأصوم ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب ، فأصوم " .

فقال : لست مثلنا يا رسول الله ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر .

فقال : " والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي " .

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ " فإنه حديث جيد الإسناد على شرط الشيخين ، كما ترى وهو في الصحيحين عن أبي هريرة ، عن الفضل بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي سنن النسائي عنه ، عن أسامة بن زيد ، والفضل بن عباس ولم يرفعه .

فمن العلماء من علل هذا الحديث بهذا ، ومنهم من ذهب إليه ، ويحكى هذا عن أبي هريرة ، وسالم ، وعطاء ، وهشام بن عروة ، والحسن البصري .

ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنبا نائما فلا عليه ، لحديث عائشة وأم سلمة ، أو مختارا فلا صوم له ، لحديث أبي هريرة .

يحكى هذا عن عروة ، وطاوس ، والحسن .

ومنهم من فرق بين الفرض فيتمه ويقضيه وأما النفل فلا يضره .

رواه الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم النخعي .

وهو رواية عن الحسن البصري أيضا ، ومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديثي عائشة وأم سلمة ، ولكن لا تاريخ معه .

وادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الآية الكريمة ، وهو بعيد أيضا ، وأبعد ; إذ لا تاريخ ، بل الظاهر من التاريخ خلافه .

ومنهم من حمل حديث أبي هريرة على نفي الكمال " فلا صوم له " لحديث عائشة وأم سلمة الدالين على الجواز .

وهذا المسلك أقرب الأقوال وأجمعها ، والله أعلم .

وقوله تعالى : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكما شرعيا ، كما جاء في الصحيحين ، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا ، فقد أفطر الصائم " .

وعن سهل بن سعد الساعدي ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " أخرجاه أيضا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعي ، حدثنا قرة بن عبد الرحمن ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " يقول الله ، عز وجل : إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا " .

ورواه الترمذي من غير وجه ، عن الأوزاعي ، به .

وقال : هذا حديث حسن غريب .

وقال أحمد أيضا : حدثنا عفان ، حدثنا عبيد الله بن إياد ، سمعت إياد بن لقيط قال : سمعت ليلى امرأة بشير بن الخصاصية ، قالت : أردت أن أصوم يومين مواصلة ، فمنعني بشير وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه .

وقال : " يفعل ذلك النصارى ، ولكن صوموا كما أمركم الله ، وأتموا الصيام إلى الليل ، فإذا كان الليل فأفطروا " .

[ وروى الحافظ ابن عساكر ، حدثنا بكر بن سهل ، حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا يحيى بن حمزة ، عن ثور بن يزيد ، عن علي بن أبي طلحة ، عن عبد الملك بن أبي ذر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واصل يومين وليلة ; فأتاه جبريل فقال : إن الله قد قبل وصالك ، ولا يحل لأحد بعدك ، وذلك بأن الله قال : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) فلا صيام بعد الليل ، وأمرني بالوتر قبل الفجر ، وهذا إسناد لا بأس به ، أورده في ترجمة عبد الملك بن أبي ذر في تاريخه ] .

ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال ، وهو أن يصل صوم يوم بيوم آخر ، ولا يأكل بينهما شيئا .

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تواصلوا " .

قالوا : يا رسول الله ، إنك تواصل .

قال : " فإني لست مثلكم ، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " .

قال : فلم ينتهوا عن الوصال ، فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين وليلتين ، ثم رأوا الهلال ، فقال : " لو تأخر الهلال لزدتكم " كالمنكل بهم .

وأخرجاه في الصحيحين ، من حديث الزهري به .

وكذلك أخرجا النهي عن الوصال من حديث أنس وابن عمر .

وعن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال ، رحمة لهم ، فقالوا : إنك تواصل .

قال : " إني لست كهيئتكم ، إني يطعمني ربي ويسقيني " .

فقد ثبت النهي عنه من غير وجه ، وثبت أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان يقوى على ذلك ويعان ، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويا لا حسيا ، وإلا فلا يكون مواصلا مع الحسي ، ولكن كما قال الشاعر : لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد وأما من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر فله ذلك ، كما في حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تواصلوا ، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر " .

قالوا : فإنك تواصل يا رسول الله .

قال : " إني لست كهيئتكم ، إني أبيت لي مطعم يطعمني ، وساق يسقيني " .

أخرجاه في الصحيحين أيضا .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا أبو إسرائيل العبسي عن أبي بكر بن حفص ، عن أم ولد حاطب بن أبي بلتعة : أنها مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر ، فدعاها إلى الطعام .

فقالت : إني صائمة .

قال : وكيف تصومين ؟

فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أين أنت من وصال آل محمد ، من السحر إلى السحر " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا إسرائيل ، عن عبد الأعلى ، عن محمد بن علي ، عن علي : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل من السحر إلى السحر .

وقد روى ابن جرير ، عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف ، أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة [ وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف ] وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم ، لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة .

والله أعلم .

ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشاد ، [ أي ] من باب الشفقة ، كما جاء في حديث عائشة : " رحمة لهم " ، فكان ابن الزبير وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك ويفعلونه ، لأنهم كانوا يجدون قوة عليه .

وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون على السمن والصبر لئلا تتخرق الأمعاء بالطعام أولا .

وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم .

وقال أبو العالية : إنما فرض الله الصيام بالنهار فإذا جاء بالليل فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل .

وقوله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان ، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلا ونهارا حتى يقضي اعتكافه .

وقال الضحاك : كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد ، جامع إن شاء ، فقال الله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) أي : لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره .

وكذا قال مجاهد ، وقتادة وغير واحد إنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن مسعود ، ومحمد بن كعب ، ومجاهد ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك والسدي ، والربيع بن أنس ، ومقاتل ، قالوا : لا يقربها وهو معتكف .

وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء : أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفا في مسجده ، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها فلا يحل له أن يتلبث فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك ، من قضاء الغائط ، أو أكل ، وليس له أن يقبل امرأته ، ولا يضمها إليه ، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه ، ولا يعود المريض ، لكن يسأل عنه وهو مار في طريقه .

وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابه ، منها ما هو مجمع عليه بين العلماء ، ومنها ما هو مختلف فيه .

وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام ، ولله الحمد .

ولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف ، اقتداء بالقرآن العظيم ، فإنه نبه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم .

وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام ، أو في آخر شهر الصيام ، كما ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان ، حتى توفاه الله ، عز وجل .

ثم اعتكف أزواجه من بعده .

أخرجاه من حديث عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، وفي الصحيحين أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد ، فتحدثت عنده ساعة ، ثم قامت لترجع إلى منزلها وكان ذلك ليلا فقام النبي صلى الله عليه وسلم ليمشي معها حتى تبلغ دارها ، وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة ، فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار ، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا وفي رواية : تواريا أي حياء من النبي صلى الله عليه وسلم لكون أهله معه ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : " على رسلكما إنها صفية بنت حيي " أي : لا تسرعا ، واعلما أنها صفية بنت حيي ، أي : زوجتي .

فقالا سبحان الله يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا " أو قال : " شرا " .

قال الشافعي ، رحمه الله : أراد ، عليه السلام ، أن يعلم أمته التبري من التهمة في محلها ، لئلا يقعا في محذور ، وهما كانا أتقى لله أن يظنا بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئا .

والله أعلم .

ثم المراد بالمباشرة : إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل ، ومعانقة ونحو ذلك ، فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به ; فقد ثبت في الصحيحين ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه فأرجله وأنا حائض ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان .

قالت عائشة : ولقد كان المريض يكون في البيت فما أسأل عنه إلا وأنا مارة .

وقوله : ( تلك حدود الله ) أي : هذا الذي بيناه ، وفرضناه ، وحددناه من الصيام ، وأحكامه ، وما أبحنا فيه وما حرمنا ، وذكر غاياته ورخصه وعزائمه ، حدود الله ، أي : شرعها الله وبينها بنفسه ( فلا تقربوها ) أي : لا تجاوزوها ، وتعتدوها .

وكان الضحاك ومقاتل يقولان في قوله تعالى : ( تلك حدود الله ) أي : المباشرة في الاعتكاف .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني هذه الحدود الأربعة ، ويقرأ ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) حتى بلغ : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) قال : وكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا ويتلونه علينا .

( كذلك يبين الله آياته للناس ) أي : كما بين الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله ، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ( للناس لعلهم يتقون ) أي : يعرفون كيف يهتدون ، وكيف يطيعون كما قال تعالى : ( هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور [ وإن الله بكم لرءوف رحيم ) ] .

[ الحديد : 9 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم القول في تأويل قوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } يعني تعالى ذكره بقوله : { أحل لكم } أطلق لكم وأبيح .

ويعني بقوله : { ليلة الصيام } في ليلة الصيام .

فأما الرفث فإنه كناية عن الجماع في هذا الموضع , يقال : هو الرفث والرفوث .

وقد روي أنها في قراءة عبد الله : { وأحل لكم ليلة الصيام الرفوث إلى نسائكم } وبمثل الذي قلنا في تأويل الرفث قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 2396 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري , قال : ثنا أيوب بن سويد , عن سفيان , عن عاصم , عن بكر عن عبد الله المزني , عن ابن عباس قال : الرفث : الجماع , ولكن الله كريم يكني .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عاصم , عن بكر , عن ابن عباس , مثله .

* - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قال : الرفث : النكاح .

2397 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , قال : الرفث : غشيان النساء .

2398 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } قال : الجماع .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

* - حدثني المثنى , قال : حدثنا أبو صالح , قال : حدثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قال : الرفث : هو النكاح .

2399 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال ثنا عبد الكبير البصري , قال : ثنا الضحاك بن عثمان , قال : سألت سالم بن عبد الله عن قوله : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } قال : هو الجماع .

2400 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } يقول : الجماع .

والرفث في غير هذا الموضع الإفحاش في المنطق كما قال العجاج : عن اللغا ورفث التكلمهن لباس لكم وأنتم لباس لهن القول في تأويل قوله تعالى : { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } يعني تعالى ذكره بذلك : نساؤكم لباس لكم , وأنتم لباس لهن .

فإن قال قائل : وكيف يكون نساؤنا لباسا لنا ونحن لهن لباسا واللباس إنما هو ما لبس ؟

قيل : لذلك وجهان من المعاني : أحدهما أن يكون كل واحد منهما جعل لصاحبه لباسا , لتخرجهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد وانضمام جسد كل واحد منهما لصاحبه بمنزلة ما يلبسه على جسده من ثيابه , فقيل لكل واحد منهما هو لباس لصاحبه , كما قال نابغة بني جعدة : إذا ما الضجيع ثنى عطفها تداعت فكانت عليه لباسا ويروى " تثنت " فكنى عن اجتماعهما متجردين في فراش واحد باللباس كما يكنى بالثياب عن جسد الإنسان , كما قالت ليلى وهي تصف إبلا ركبها قوم : رموها بأثواب خفاف فلا ترى لها شبها إلا النعام المنفرا يعني رموها بأنفسهم فركبوها .

وكما قال الهذلي .

تبرأ من دم القتيل ووتره وقد علقت دم القتيل إزارها يعني بإزارها نفسها .

وبذلك كان الربيع يقول : 2401 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرحمن بن سعيد , قال : ثنا أبو جعفر , عن الربيع : { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } يقول : هن لحاف لكم , وأنتم لحاف لهن .

والوجه الآخر أن يكون جعل كل واحد منهما لصاحبه لباسا لأنه سكن له , كما قال جل ثناؤه : { جعل لكم الليل لباسا } 25 47 يعني بذلك سكنا تسكنون فيه .

وكذلك زوجة الرجل سكنه يسكن إليها , كما قال تعالى ذكره : { وجعل منها زوجها ليسكن إليها } 7 189 فيكون كل واحد منهما لباسا لصاحبه , بمعنى سكونه إليه , وبذلك كان مجاهد وغيره يقولون في ذلك .

وقد يقال لما ستر الشيء وواراه عن أبصار الناظرين إليه هو لباسه وغشاؤه , فجائز أن يكون قيل : هن لباس لكم , وأنتم لباس لهن , بمعنى أن كل واحد منكم ستر لصاحبه فيما يكون بينكم من الجماع عن أبصار سائر الناس .

وكان مجاهد وغيره يقولون في ذلك بما : 2402 - حدثنا به المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } يقول : سكن لهن .

2403 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } قال قتادة : هن سكن لكم , وأنتم سكن لهن .

2404 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { هن لباس لكم } يقول : سكن لكم , { وأنتم لباس لهن } يقول : سكن لهن .

2405 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال عبد الرحمن بن زيد في قوله : { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } قال : المواقعة .

2406 - حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا إبراهيم , عن يزيد , عن عمرو بن دينار , عن ابن عباس قوله : { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } قال : هن سكن لكم , وأنتم سكن لهن .علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن القول في تأويل قوله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن } إن قال لنا قائل : وما هذه الخيانة التي كان القوم يختانونها أنفسهم التي تاب الله منها عليهم فعفا عنهم ؟

قيل : كانت خيانتهم أنفسهم التي ذكرها الله في شيئين : أحدهما جماع النساء , والآخر : المطعم والمشرب في الوقت الذي كان حراما ذلك عليهم .

كما : 2407 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن عمرو بن مرة , قال : ثنا ابن أبي ليلى : أن الرجل كان إذا أفطر فنام لم يأتها , وإذا نام لم يطعم , حتى جاء عمر بن الخطاب يريد امرأته فقالت امرأته : قد كنت نمت !

فظن أنها تعتل فوقع بها قال : وجاء رجل من الأنصار فأراد أن يطعم فقالوا : نسخن لك شيئا ؟

قال : ثم نزلت هذه الآية : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } الآية .

2408 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا حصين بن عبد الرحمن , عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر , فلما دخل رمضان كانوا يصومون , فإذا لم يأكل الرجل عند فطره حتى ينام لم يأكل إلى مثلها , وإن نام أو نامت امرأته لم يكن له أن يأتيها إلى مثلها .

فجاء شيخ من الأنصار يقال له صرمة بن مالك , فقال لأهله : أطعموني !

فقالت : حتى أجعل لك شيئا سخنا , قال : فغلبته عينه فنام .

ثم جاء عمر فقالت له امرأته : إني قد نمت !

فلم يعذرها وظن أنها تعتل فواقعها .

فبات هذا وهذا يتقلبان ليلتهما ظهرا وبطنا , فأنزل الله في ذلك : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } وقال : { فالآن باشروهن } فعفا الله عن ذلك .

وكانت سنة .

2409 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا يونس بن بكير , قال : ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة , عن عمرو بن مرة , عن عبد الرحمن بن أبي ليلى , عن معاذ بن جبل , قال : كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا , فإذا ناموا تركوا الطعام والشراب وإتيان النساء , فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صرمة يعمل في أرض له , قال : فلما كان عند فطره نام , فأصبح صائما قد جهد , فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما لي أرى بك جهدا " ؟

, فأخبره بما كان من أمره .

واختان رجل نفسه في شأن النساء , فأنزل الله { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } .

..

إلى آخر الآية .

2410 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : حدثني أبي , عن إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن البراء - نحو حديث ابن أبي ليلى الذي حدث به عمرو بن مرة , عن عبد الرحمن بن أبي ليلى - قال : كانوا إذا صاموا ونام أحدهم لم يأكل شيئا حتى يكون من الغد , فجاء رجل من الأنصار , وقد عمل في أرض له وقد أعيا وكل , فغلبته عينه ونام , وأصبح من الغد مجهودا , فنزلت هذه الآية : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } .

2411 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن رجاء البصري , قال : ثنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن البراء , قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها , وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما , وكان توجه ذلك اليوم فعمل في أرضه , فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال : هل عندكم طعام ؟

قالت : لا , ولكن أنطلق فأطلب لك .

فغلبته عينه فنام , وجاءت امرأته قالت : قد نمت !

فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه , فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم , فنزلت فيه هذه الآية : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } إلى : { من الخيط الأسود } ففرحوا بها فرحا شديدا .

2412 - حدثني المثنى قال : ثنا أبو صالح , قال : ثنا معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس في قول الله تعالى ذكره : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة , ثم إن ناسا من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء , منهم عمر بن الخطاب , فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن } يعني انكحوهن { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } .

2413 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن ابن لهيعة , قال : حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال : كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد .

فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده , فوجد امرأته قد نامت فأرادها , فقالت : إني قد نمت !

فقال : ما نمت !

ثم وقع بها , وصنع كعب بن مالك مثل ذلك .

فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره , فأنزل الله تعالى ذكره : { علم الله أنكم كنتم تختالون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن } .

..

الآية .

2414 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد بن سلمة , قال : ثنا ثابت : أن عمر بن الخطاب واقع أهله ليلة في رمضان , فاشتد ذلك عليه , فأنزل الله : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } .

2415 - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } إلى : { وعفا عنكم } كان الناس أول ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه , حتى إذا أمسى طعم من الطعام فيما بينه وبين العتمة , حتى إذا صليت حرم عليهم الطعام حتى يمسي من الليلة القابلة .

وإن عمر بن الخطاب بينما هو نائم , إذ سولت له نفسه , فأتى أهله لبعض حاجته , فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه كأشد ما رأيت من الملامة .

ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنى أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة , فانها زينت لي فواقعت أهلي , هل تجد لي من رخصة يا رسول الله ؟

قال : " لم تكن حقيقا بذلك يا عمر " , فلما بلغ بيته , أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن , وأمر الله رسوله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة , فقال : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } إلى { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } يعني بذلك الذي فعل عمر بن الخطاب .

فأنزل الله عفوه , فقال : { فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن } إلى : { من الخيط الأسود } فأحل لهم المجامعة والأكل والشرب حتى يتبين لهم الصبح .

2416 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } قال : كان الرجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يصوم الصيام بالنهار , فإذا أمسى أكل وشرب وجامع النساء , فإذا رقد حرم ذلك كله عليه إلى مثلها من القابلة .

وكان منهم رجال يختانون أنفسهم في ذلك , فعفا الله عنهم , وأحل ذلك لهم بعد الرقاد وقبله في الليل كله .

2417 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصوم الصائم في رمضان , فإذا أمسى , ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو وزاد فيه : وكان منهم رجال يختانون أنفسهم , وكان عمر بن الخطاب ممن اختان نفسه , فعفا الله عنهم , وأحل ذلك لهم بعد الرقاد وقبله , وفي الليل كله .

2418 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , قال : أخبرني إسماعيل بن شروس , عن عكرمة مولى ابن عباس : أن رجلا قد سماه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار جاء ليلة وهو صائم , فقالت له امرأته : لا تنم حتى نصنع لك طعاما !

فنام , فجاءت فقالت : نمت والله !

فقال : لا والله !

قالت : بلى والله !

فلم يأكل تلك الليلة وأصبح صائما , فغشي عليه ; فأنزلت الرخصة فيه .

2419 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } وكان بدء الصيام أمروا بثلاثة أيام من كل شهر ركعتين غدوة , وركعتين عشية , فأحل الله لهم في صيامهم - في ثلاثة أيام , وفي أول ما افترض عليهم في رمضان - إذا أفطروا وكان الطعام والشراب وغشيان النساء لهم حلالا ما لم يرقدوا , فإذا رقدوا حرم عليهم ذلك إلى مثلها من القابلة .

وكانت خيانة القوم أنهم كانوا يصيبون أو ينالون من الطعام والشراب وغشيان النساء بعد الرقاد , وكانت تلك خيانة القوم أنفسهم , ثم أحل الله لهم ذلك الطعام والشراب وغشيان النساء إلى طلوع الفجر .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } قال : كان الناس قبل هذه الآية إذا رقد أحدهم من الليل رقدة , لم يحل له طعام ولا شراب , ولا أن يأتي امرأته إلى الليلة المقبلة , فوقع بذلك بعض المسلمين , فمنهم من أكل بعد هجعته أو شرب , ومنهم من وقع على امرأته فرخص الله ذلك لهم .

2420 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : كتب على النصارى رمضان , وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم ولا ينكحوا النساء شهر رمضان , فكتب على المؤمنين كما كتب عليهم , فلم يزل المسلمون على ذلك يصنعون كما تصنع النصارى , حتى أقبل رجل من الأنصار يقال له أبو قيس بن صرمة , وكان يعمل في حيطان المدينة بالأجر , فأتى أهله بتمر , فقال لامرأته : استبدلي بهذا التمر طحينا فاجعليه سخينة لعلي أن آكله , فإن التمر قد أحرق جوفي , فانطلقت فاستبدلت له , ثم صنعت , فأبطأت عليه فنام , فأيقظته , فكره أن يعصي الله ورسوله , وأبى أن يأكل , وأصبح صائما ; فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشي , فقال : " ما لك يا أبا قيس أمسيت طليحا " , فقص عليه القصة .

وكان عمر بن الخطاب وقع على جارية له في ناس من المؤمنين لم يملكوا أنفسهم ; فلما سمع عمر كلام أبي قيس رهب أن ينزل في أبي قيس شيء , فتذكر هو , فقام فاعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : يا رسول الله إني أعوذ بالله إني وقعت على جاريتي , ولم أملك نفسي البارحة !

فلما تكلم عمر تكلم أولئك الناس , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما كنت جديرا بذلك يا ابن الخطاب " , فنسخ ذلك عنهم , فقال : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن , علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } يقول : إنكم تقعون عليهن خيانة , { فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم } يقول : جامعوهن ; ورجع إلى أبي قيس فقال : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } .

2421 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } قال : كانوا في رمضان لا يمسون النساء ولا يطعمون ولا يشربون بعد أن يناموا حتى الليل من القابلة , فإن مسوهن قبل أن يناموا لم يروا بذلك بأسا .

فأصاب رجل من الأنصار امرأته بعد أن نام , فقال : قد اختنت نفسي !

فنزل القرآن , فأحل لهم النساء والطعام والشراب حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر .

قال : وقال مجاهد : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يصوم الصائم منهم في رمضان , فإذا أمسى أكل وشرب وجامع النساء , فإذا رقد حرم عليه ذلك كله حتى كمثلها من القابلة , وكان منهم رجاله يختانون أنفسهم في ذلك .

فعفا عنهم وأحل لهم بعد الرقاد وقبله في الليل , فقال : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } .

..

الآية .

2422 - حدثني القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن عكرمة أنه قال في هذه الآية : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } مثل قول مجاهد , وزاد فيه : أن عمر بن الخطاب قال لامرأته : لا ترقدي حتى أرجع من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم !

فرقدت قبل أن يرجع , فقال لها : ما أنت براقدة !

ثم أصابها حتى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له , فنزلت هذه الآية .

قال عكرمة : نزلت { وكلوا واشربوا } الآية في أبي قيس بن صرمة من بني الخزرج أكل بعد الرقاد .

2423 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , قال : أخبرنا محمد بن إسحاق , عن محمد بن يحيى بن حبان أن صرمة بن أنس أتى أهله ذات ليلة وهو شيخ كبير وهو صائم , فلم يهيئوا له طعاما , فوضع رأسه فأغفى , وجاءته امرأته بطعامه , فقالت له : كل !

فقال : إني قد نمت , قالت : إنك لم تنم !

فأصبح جائعا مجهودا , فأنزل الله : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } فأما المباشرة في كلام العرب : فإنه ملاقاة بشرة ببشرة , وبشرة الرجل : جلدته الظاهرة .

وإنما كنى الله بقوله : { فالآن باشروهن } عن الجماع : يقول : فالآن إذا أحللت لكم الرفث إلى نسائكم فجامعوهن في ليالي شهر رمضان حتى يطلع الفجر , وهي تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر , وبالذي قلنا في المباشرة قال جماعة من أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 2424 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا سفيان .

وحدثنا عبد الحميد بن سنان , قال : حدثنا إسحاق , عن سفيان .

وحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا أيوب بن سويد , عن سفيان , عن عاصم , عن بكر بن عبد الله المزني , عن ابن عباس , قال : المباشرة : الجماع , ولكن الله كريم يكني .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عاصم , عن بكر بن عبد الله المزني , عن ابن عباس نحوه .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , ثنا معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { فالآن باشروهن } انكحوهن .

* - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قال : المباشرة : النكاح .

2425 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء قوله : { فالآن باشروهن } قال : الجماع , وكل شيء في القرآن من ذكر المباشرة فهو الجماع نفسه , وقالها عبد الله بن كثير مثل قول عطاء في الطعام والشراب والنساء .

* - حدثنا حميد بن مسعدة قال : ثنا يزيد بن زريع قال : وحدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : المباشرة الجماع , ولكن الله يكني ما شاء بما شاء .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : حدثنا هشيم , قال أبو بشر : أخبرنا , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس مثله .

2426 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فالآن باشروهن } يقول : جامعوهن .

2427 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : المباشرة : الجماع .

2428 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن ابن جريج , عن عطاء , مثله .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن الأوزاعي , قال : حدثني عبدة بن أبي لبابة , قال : سمعت مجاهدا يقول : المباشرة في كتاب الله : الجماع .

* - حدثنا ابن البرقي , ثنا عمرو بن أبي سلمة , قال : قال الأوزاعي : ثنا من سمع مجاهدا يقول : المباشرة في كتاب الله الجماع .وابتغوا ما كتب الله لكم واختلفوا في تأويل قوله { وابتغوا ما كتب الله لكم } فقال بعضهم : الولد .

ذكر من قال ذلك : 2429 - حدثني عبدة بن عبد الله الصفار البصري , قال : ثنا إسماعيل بن زياد الكاتب , عن شعبة , عن الحكم , عن مجاهد : { وابتغوا ما كتب الله لكم } قال : الولد .

2430 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا سهل بن يوسف وأبو داود , عن شعبة قال : سمعت الحكم : { وابتغوا ما كتب الله لكم } قال : الولد .

2431 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا أبو تميلة , قال : ثنا عبيد الله , عن عكرمة قوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } قال : الولد .

2432 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا مؤمل , ثنا أبو مردود بحر بن موسى قال : سمعت الحسن بن أبي الحسن يقول في هذه الآية : { وابتغوا ما كتب الله لكم } قال : الولد .

2433 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وابتغوا ما كتب الله لكم } فهو الولد .

2434 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثنا أبي , قال : ثنا عمي , قال : ثنا أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وابتغوا ما كتب الله لكم } يعني الولد .

2435 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثني عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { وابتغوا ما كتب الله لكم } قال : الولد , فإن لم تلد هذه فهذه .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بنحوه .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , أخبرنا عبد الرزاق , أخبرنا معمر , عمن سمع الحسن في قوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } قال : هو الولد .

2436 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } قال : ما كتب لكم من الولد .

2437 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } قال : الجماع .

2438 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : ثنا الفضل بن خالد , قال : ثنا عبيد بن سلمان , قال : سمعت الضحاك بن مزاحم قوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } قال : الولد .

وقال بعضهم : معنى ذلك ليلة القدر .

ذكر من قال ذلك : 2439 - حدثنا أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا معاذ بن هشام , قال : ثني أبي عن عمرو بن مالك , عن أبي الجوزاء عن ابن عباس : { وابتغوا ما كتب الله لكم } قال : ليلة القدر .

قال أبو هشام : هكذا قرأها معاذ .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا مسلم بن إبراهيم , قال : ثنا الحسن بن أبي جعفر , قال : ثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء , عن ابن عباس في قوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } قال : ليلة القدر .

وقال آخرون : بل معناه : ما أحله الله لكم ورخصه لكم .

ذكر من قال ذلك : 2440 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { وابتغوا ما كتب الله لكم } يقول : ما أحله الله لكم .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , قال : قال قتادة في ذلك : ابتغوا الرخصة التي كتبت لكم .

وقرأ ذلك بعضهم : { واتبعوا ما كتب الله لكم } ذكر من قال ذلك : 2441 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن عيينة , عن عمرو بن دينار , عن عطاء بن أبي رباح , قال : قلت لابن عباس : كيف تقرأ هذه الآية : { وابتغوا } أو " واتبعوا " ؟

قال : أيتهما شئت .

قال : عليك بالقراءة الأولى .

والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال : إن الله تعالى ذكره قال : { وابتغوا } بمعنى : اطلبوا ما كتب الله لكم , يعني الذي قضى الله تعالى لكم .

وإنما يريد الله تعالى ذكره : اطلبوا الذي كتبت لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح فيطلق لكم وطلب الولد إن طلبه الرجل بجماعه المرأة مما كتب الله له في اللوح المحفوظ , وكذلك إن طلب ليلة القدر , فهو مما كتب الله له , وكذلك إن طلب ما أحل الله وأباحه , فهو مما كتبه له في اللوح المحفوظ .

وقد يدخل في قوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } جميع معاني الخير المطلوبة , غير أن أشبه المعاني بظاهر الآية قول من قال معناه : وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد لأنه عقيب قوله : { فالآن باشروهن } بمعنى : جامعوهن ; فلأن يكون قوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } بمعنى : وابتغوا ما كتب الله في مباشرتكم إياهن من الود والنسل أشبه بالآية من غيره من التأويلات التي ليس على صحتها دلالة من ظاهر التنزيل , ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم .وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر القول في تأويل قوله تعالى : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } فقال بعضهم : يعني بقوله : الخيط الأبيض : ضوء النهار .

وبقوله : الخيط الأسود : سواد الليل .

فتأويله على قول قائل هذه المقالة : وكلوا بالليل في شهر صومكم , واشربوا , وباشروا نساءكم .

مبتغين ما كتب الله لكم من الولد , من أول الليل إلى أن يقع لكم ضوء النهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده .

ذكر من قال ذلك : 2442 - حدثني الحسن بن عرفة , قال : ثنا روح بن عبادة , قال : ثنا أشعث , عن الحسن في قول الله تعالى ذكره : { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } قال : الليل من النهار .

2443 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } قال : حتى يتبين لكم النهار من الليل .

ثم أتموا الصيام إلى الليل .

2444 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل } فهما علمان وحدان بينان فلا يمنعكم أذان مؤذن مراء أو قليل العقل من سحوركم فإنهم يؤذنون بهجيع من الليل طويل .

وقد يرى بياض ما على السحر يقال له الصبح الكاذب كانت تسميه العرب , فلا يمنعكم ذلك من سحوركم , فإن الصبح لا خفاء به : طريقة معترضة في الأفق , وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الصبح , فإذا رأيتم ذلك فأمسكوا .

2445 - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } يعني الليل من النهار .

فأحل لكم المجامعة والأكل والشرب حتى يتبين لكم الصبح , فإذا تبين الصبح حرم عليهم المجامعة والأكل والشرب حتى يتموا الصيام إلى الليل .

فأمر بصوم النهار إلى الليل , وأمر بالإفطار بالليل .

2446 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو بكر بن عياش , وقيل له : أرأيت قول الله تعالى : { الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } ؟

قال : " إنك لعريض القفا " , قال : هذا ذهاب الليل ومجيء النهار .

قيل له : الشعبي عن عدي بن حاتم ؟

قال : نعم , حدثنا حصين .

وعلة من قال هذه المقالة وتأول الآية هذا التأويل ما : 2447 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا حفص بن غياث , عن مجالد بن سعيد , عن الشعبي , عن عدي بن حاتم , قال : قلت يا رسول الله , قول الله : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } قال : " هو بياض النهار وسواد الليل " 2448 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن نمير وعبد الرحيم بن سليمان , عن مجالد , عن سعيد , عن عامر , عن عدي بن حاتم , قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمني الإسلام , ونعت لي الصلوات , كيف أصلي كل صلاة لوقتها , ثم قال : " إذا جاء رمضان فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر , ثم أتم الصيام إلى الليل " , ولم أدر ما هو , ففعلت خيطين من أبيض وأسود , فنظرت فيهما عند الفجر , فرأيتهما سواء .

فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله كل شيء أوصيتني قد حفظت , غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود , قال : " وما منعك يا ابن حاتم ؟

" وتبسم كأنه قد علم ما فعلت .

قلت : فتلت خيطين من أبيض وأسود فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء .

فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رئي نواجذه , ثم قال : " ألم أقل لك من الفجر ؟

إنما هو ضوء النهار وظلمة الليل " .

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مالك بن إسماعيل , قال : ثنا داود وابن علية جميعا , عن مطرف , عن الشعبي , عن عدي بن حاتم , قال : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود , أهما خيطان أبيض وأسود ؟

فقال : وإنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين " , ثم قال : " لا ولكنه سواد الليل وبياض النهار " .

2449 - حدثني أحمد بن عبد الرحيم البرقي , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : ثنا أبو غسان , قال : ثنا أبو حازم عن سهل بن سعد , قال : نزلت هذه الآية : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } فلم ينزل { من الفجر } قال : فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض , فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له ; فأنزل الله بعد ذلك : { من الفجر } فعلموا إنما يعني بذلك : الليل والنهار .

وقال متأولو قول الله تعالى ذكره : { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } أنه بياض النهار وسواد الليل , صفة ذلك البياض أن يكون منتشرا مستفيضا في السماء يملأ بياضه وضوءه الطرق , فأما الضوء الساطع في السماء فإن ذلك غير الذي عناه الله بقوله : { الخيط الأبيض من الخيط الأسود } .

ذكر من قال ذلك : 2450 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني , قال : ثنا معتمر بن سليمان , قال : سمعت عمران بن حدير , عن أبي مجلز : الضوء الساطع في السماء ليس بالصبح , ولكن ذاك الصبح الكذاب , إنما الصبح إذا انفضح الأفق .

2451 - حدثني سلم بن جنادة السوائي , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن مسلم , قال : لم يكونوا يعدون الفجر فجركم هذا , كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق .

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عثام , عن الأعمش , عن مسلم : ما كانوا يرون إلا أن الفجر الذي يستفيض في السماء .

2452 - حدثنا الحسن بن عرفة , قال : ثنا روح بن عبادة , قال : ثنا ابن جريج , قال : أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول : هما فجران , فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئا , ولكن الفجر الذي يستبين على رءوس الجبال هو الذي يحرم الشراب .

2453 - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي , قال : ثنا أبو أسامة , عن محمد بن أبي ذؤيب , عن الحرث بن عبد الرحمن , عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان , قال : " الفجر فجران , فالذي كأنه ذنب السرحان لا يحرم شيئا , وأما المستطير الذي يأخذ الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الصوم " .

2454 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع وإسماعيل بن صبيح وأبو أسامة , عن أبي هلال , عن سوادة بن حنظلة , عن سمرة بن جندب , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل , ولكن الفجر المستطير في الأفق " .

2455 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معاوية بن هشام الأسدي , قال : ثنا شعبة , عن سوادة قال : سمعت سمرة بن جندب يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه وهو يقول : " لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر وينفجر " .

وقال آخرون : الخيط الأبيض : هو ضوء الشمس , والخيط الأسود : هو سواد الليل .

ذكر من قال ذلك : 2456 - حدثنا هشام بن السري , قال : ثنا عبادة بن حميد , عن الأعمش , عن إبراهيم التيمي , قال : سافر أبي مع حذيفة قال : فسار حتى إذا خشينا أن يفجأنا الفجر , قال : هل منكم من أحد آكل أو شارب ؟

قال : قلت له : أما من يريد الصوم فلا .

قال : بلى !

قال : ثم سار حتى إذا استبطأنا الصلاة نزل فتسحر .

2457 - حدثنا هناد وأبو السائب , قالا : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن إبراهيم التيمي , عن أبيه , قال : خرجت مع حذيفة إلى المدائن في رمضان , فلما طلع الفجر , قال : هل منكم من أحد آكل أو شارب ؟

قلنا : أما رجل يريد أن يصوم فلا .

قال : لكني !

قال : ثم سرنا حتى استبطأنا الصلاة , قال : هل منكم أحد يريد أن يتسحر ؟

قال : قلنا أما من يريد الصوم فلا .

قال : لكني !

ثم نزل فتسحر , ثم صلى .

2458 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو بكر , قال : ربما شربت بعد قول المؤذن - يعني في رمضان - قد قامت الصلاة .

قال : وما رأيت أحدا كان أفعل له من الأعمش , وذلك لما سمع , قال : حدثنا إبراهيم التيمي عن أبيه قال : كنا مع حذيفة نسير ليلا , فقال : هل منكم متسحر الساعة ؟

قال : ثم سار , ثم قال حذيفة : هل منكم متسحر الساعة ؟

قال : ثم سار حتى استبطأنا الصلاة , قال : فنزل فتسحر .

2459 - حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني , قال : ثنا مصعب بن المقدام , قال : ثنا إسرائيل , قال : ثنا أبو إسحاق عن هبيرة , عن علي , أنه لما صلى الفجر , قال : هذا حين يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر .

2460 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن الصلت , قال : ثنا إسحاق بن حذيفة العطار , عن أبيه , عن البراء , قال : تسحرت في شهر رمضان , ثم خرجت , فأتيت ابن مسعود , فقال : اشرب !

فقلت : إني قد تسحرت .

فقال : اشرب !

فشربنا ثم خرجنا والناس في الصلاة .

2461 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو معاوية , عن الشيباني , عن جبلة بن سحيم , عن عامر بن مطر , قال أتيت عبد الله بن مسعود في داره , فأخرج فضلا من سحوره , فأكلنا معه , ثم أقيمت الصلاة فخرجنا فصلينا .

2462 - حدثنا خلاد بن أسلم , قال : ثنا أبو بكر بن عياش , عن أبي إسحاق , عن عبد الله بن معقل , عن سالم مولى أبي حذيفة قال , كنت أنا وأبو بكر الصديق فوق سطح واحد في رمضان , فأتيت ذات ليلة فقلت : ألا تأكل يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

فأومأ بيده أن كف , ثم أتيته مرة أخرى , فقلت له : ألا تأكل يا خليفة رسول الله ؟

فأومأ بيده أن كف .

ثم أتيته مرة أخرى , فقلت : ألا تأكل يا خليفة رسول الله ؟

فنظر إلى الفجر ثم أومأ بيده أن كف .

ثم أتيته فقلت : ألا تأكل يا خليفة رسول الله ؟

قال , هات غذاءك !

قال : فأتيته به فأكل ثم صلى ركعتين , ثم قام إلى الصلاة .

2463 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا شعبة , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : الوتر بالليل والسحور بالنهار .

وقد روي عن إبراهيم غير ذلك .

2464 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , عن حماد , عن إبراهيم , قال : السحور بليل , والوتر بليل .

2465 - حدثنا حكام عن ابن أبي جعفر , عن المغيرة , عن إبراهيم , قال : السحور والوتر ما بين التثويب والإقامة .

2466 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن شبيب بن غرقدة , عن عروة , عن حبان , قال : تسحرنا مع علي ثم خرجنا وقد أقيمت الصلاة فصلينا .

2467 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان , عن شبيب , عن حبان بن الحرث , قال : مررت بعلي وهو في دار أبي موسى وهو يتسحر , فلما انتهيت إلى المسجد أقيمت الصلاة .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن أبي إسحاق , عن أبي السفر , قال : صلى علي بن أبي طالب الفجر , ثم قال : هذا حين يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر .

وعلة من قال هذا القول أن القول إنما هو النهار دون الليل .

قالوا : وأول النهار طلوع الشمس , كما أن آخره غروبها .

قالوا : ولو كان أوله طلوع الفجر لوجب أن يكون آخره غروب الشفق .

قالوا : وفي إجماع الحجة على أن آخر النهار غروب الشمس دليل واضح , على أن أوله طلوعها .

قالوا : وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تسحر بعد طلوع الفجر أوضح الدليل على صحة قولنا .

ذكر الأخبار التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك : 2468 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو بكر , عن عاصم , عن زر , عن حذيفة , قال : قلت : تسحرت مع النبي صلى الله عليه وسلم ؟

قال : نعم , قال : لو أشاء لأقول هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع .

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو بكر , قال : ما كذب عاصم على زر , ولا زر على حذيفة , قال : قلت له : يا أبا عبد الله تسحرت مع النبي صلى الله عليه وسلم ؟

قال : نعم هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع .

2469 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان , عن عاصم , عن زر , عن حذيفة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتسحر وما أرى مواقع النبل .

قال : قلت أبعد الصبح ؟

قال : هو الصبح إلا أنه لم تطلع الشمس .

2470 - حدثنا ابن حميد , قال : حدثنا الحكم بن بشير , قال : حدثنا عمرو بن قيس وخلاد الصفار , عن عاصم بن بهدلة , عن زر بن حبيش , قال : أصبحت ذات يوم فغدوت إلى المسجد , فقلت : لو مررت على باب حذيفة !

ففتح لي فدخلت , فإذا هو يسخن له طعام , فقال : اجلس حتى تطعم !

فقلت : إني أريد الصوم .

فقرب طعامه فأكل وأكلت معه , ثم قام إلى لقحة في الدار , فأخذ يطلب من جانب وأحلب أنا من جانب , فناولني , فقلت : ألا ترى الصبح ؟

فقال : اشرب !

فشربت , ثم جئت إلى باب المسجد فأقيمت الصلاة , فقلت له : أخبرني بآخر سحور تسحرته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم !

فقال : هو الصبح إلا أنه لم تطلع الشمس .

2471 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي , قال : ثنا روح بن جنادة , قال : ثنا حماد , عن محمد بن عمرو , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة , عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه " .

2472 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا روح بن جنادة , قال : ثنا حماد , عن عمار بن أبي عمار , عن أبي هريرة , عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله , وزاد فيه : وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر .

2473 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الحسين .

وحدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق , قال : سمعت أبي قال : أخبرنا الحسين بن واقد قالا جميعا , عن أبي غالب , عن أبي أمامة قال : أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر , قال : أشربها يا رسول الله ؟

قال : " نعم " , فشربها .

2474 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا يونس , عن أبيه , عن عبد الله , قال : قال بلال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أؤذنه بالصلاة وهو يريد الصوم , فدعا بإناء فشرب , ثم ناولني فشربت , ثم خرج إلى الصلاة .

* - حدثني محمد بن أحمد الطوسي , قال : ثنا عبيد الله بن موسى , قال : أخبرنا إسرائيل , عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مغفل , عن بلال قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أوذنه بصلاة الفجر وهو يريد الصيام , فدعا بإناء فشرب , ثم ناولني فشربت , ثم خرجنا إلى الصلاة .

وأولى التأويلين بالآية , التأويل الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " الخيط الأبيض : بياض النهار , والخيط الأسود : سواد الليل " وهو المعروف في كلام العرب , قال أبو دؤاد الإيادي : فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا وأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شرب أو تسحر ثم خرج إلى الصلاة , فإنه غير دافع صحة ما قلنا في ذلك ; لأنه غير مستنكر أن يكون صلى الله عليه وسلم شرب قبل الفجر , ثم خرج إلى الصلاة , إذ كانت الصلاة صلاة الفجر هي على عهده كانت تصلى بعد ما يطلع الفجر ويتبين طلوعه ويؤذن لها قبل طلوعه .

وأما الخبر الذي روي عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتسحر وأنا أرى مواقع النبل , فإنه قد استثبت فيه , فقيل له : أبعد الصبح ؟

فلم يجب في ذلك بأنه كان بعد الصبح , ولكنه قال : هو الصبح .

وذلك من قوله يحتمل أن يكون معناه هو الصبح لقربه منه وإن لم يكن هو بعينه , كما تقول العرب : " هذا فلان شبها " , وهي تشير إلى غير الذي سمته , فتقول : " هو هو " تشبيها منها له به , فكذلك قول حذيفة : هو الصبح , معناه : هو الصبح شبها به وقربا منه .

وقال ابن زيد في معنى الخيط الأبيض والأسود ما : 2475 - حدثني به يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } قال : الخيط الأبيض الذي يكون من تحت الليل يكشف الليل , والأسود : ما فوقه .

وأما قوله : { من الفجر } فإنه تعالى ذكره يعني : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود الذي هو من الفجر .

وليس ذلك هو جميع الفجر , ولكنه إذا تبين لكم أيها المؤمنون من الفجر ذلك الخيط الأبيض الذي يكون من تحت الليل الذي فوقه سواد الليل , فمن حينئذ فصوموا , ثم أتموا صيامكم من ذلك إلى الليل .

وبمثل ما قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول : 2476 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { من الفجر } قال : ذلك الخيط الأبيض هو من الفجر نسبة إليه , وليس الفجر كله , فإذا جاء هذا الخيط وهو أوله فقد حلت الصلاة وحرم الطعام والشراب على الصائم .

وفي قوله تعالى ذكره : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل } أوضح الدلالة على خطأ قول من قال : حلال الأكل والشرب لمن أراد الصوم إلى طلوع الشمس ; لأن الخيط الأبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر , وقد جعل الله تعالى ذكره ذلك حدا لمن لزمه الصوم في الوقت الذي أباح إليه الأكل والشرب والمباشرة .

فمن زعم أن له أن يتجاوز ذلك الحد , قيل له : أرأيت إن أجاز له آخر ذلك ضحوة أو نصف النهار ؟

فإن قال : إن قائل ذلك مخالف للأمة قيل له : وأنت لما دل عليه كتاب الله ونقل الأمة مخالف , فما الفرق بينك وبينه من أصل أو قياس ؟

فإن قال : الفرق بيني وبينه أن الله أمر بصوم النهار دون الليل , والنهار من طلوع الشمس .

قيل له : كذلك يقول مخالفوك : والنهار عندهم أوله طلوع الفجر , وذلك هو ضوء الشمس وابتداء طلوعها دون أن يتتام طلوعها , كما أن آخر النهار ابتداء غروبها دون أن يتتام غروبها .

ويقال لقائلي ذلك : إن كان النهار عندكم كما وصفتم هو ارتفاع الشمس , وتكامل طلوعها وذهاب جميع سدفة الليل وغبس سواده , فكذلك عندكم الليل هو تتام غروب الشمس وذهاب ضيائها وتكامل سواد الليل وظلامه .

فإن قالوا : ذلك كذلك .

قيل لهم : فقد يجب أن يكون الصوم إلى مغيب الشفق وذهاب ضوء الشمس وبياضها من أفق السماء .

فإن قالوا : ذلك كذلك , أوجبوا الصوم إلى مغيب الشفق الذي هو بياض .

وذلك قول إن قالوه مدفوع بنقل الحجة التي لا يجوز فيما نقلته مجمعة عليه الخطأ والسهو على تخطئته .

وإن قالوا : بل أول الليل ابتداء سدفته وظلامه ومغيب عين الشمس عنا .

قيل لهم : وكذلك أول النهار : طلوع أول ضياء الشمس ومغيب أوائل سدفة الليل .

ثم يعكس عليه القول في ذلك , ويسأل الفرق بين ذلك , فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله .

وأما الفجر , فإنه مصدر من قول القائل : تفجر الماء يتفجر فجرا : إذا انبعث وجرى , فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلع الشمس فجر , لانبعاث ضوئه عليهم وتورده عليم بطرقهم ومحاجهم تفجر الماء المنفجر من منبعه .ثم أتموا الصيام إلى الليل وأما قوله : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } فإنه تعالى ذكره حد الصوم بأن آخر وقته إقبال الليل , كما حد الإفطار وإباحة الأكل والشرب والجماع وأول الصوم بمجيء أول النهار وأول إدبار آخر الليل , فدل بذلك على أن لا صوم بالليل كما لا فطر بالنهار في أيام الصوم , وعلى أن المواصل مجوع نفسه في غير طاعة ربه .

كما : 2477 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو معاوية ووكيع وعبدة , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن عاصم بن عمر , عن عمر , قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم " .

2478 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو بكر بن عياش , قال : ثنا أبو إسحاق الشيباني , وحدثنا هناد بن السري , قال : ثنا أبو عبيدة وأبو معاوية , عن شيبان , وحدثنا ابن المثنى , قال : ثنا أبو معاوية , وحدثني أبو السائب , قال : ثنا ابن إدريس , عن الشيباني قالوا جميعا في حديثهم عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير وهو صائم , فلما غربت الشمس قال لرجل : " انزل فاجدل لي " قالوا : لو أمسيت يا رسول الله !

فقال : " انزل فاجدح لي !

" فقال الرجل : يا رسول الله لو أمسيت !

قال : " انزل فاجدح لي !

" قال : يا رسول الله إن علينا نهارا !

فقال له الثالثة , فنزل فجدح له .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أقبل الليل من ههنا " - وضرب بيده نحو المشرق - " فقد أفطر الصائم " .

2479 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن رفيع , قال : فرض الله الصيام إلى الليل , فإذا جاء الليل فأنت مفطر إن شئت فكل , وإن شئت فلا تأكل .

2480 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا داود , عن أبي العالية أنه سئل عن الوصال في الصوم فقال : افترض الله على هذه الأمة صوم النهار , فإذا جاء الليل فإن شاء أكل وإن شاء لم يأكل .

* - حدثني يعقوب , قال : حدثني ابن علية , عن داود بن أبي هند , قال : قال أبو العالية في الوصال في الصوم , قال : قال الله : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } فإذا جاء الليل فهو مفطر , فإن شاء أكل , وإن شاء لم يأكل .

2481 - حدثني المثنى , قال : ثنا ابن دكين , عن مسعر , عن قتادة , قال : قالت عائشة : { أتموا الصيام إلى الليل } يعني أنها كرهت الوصال .

فإن قال قائل : فما وجه وصال من واصل ؟

فقد علمت بما : 2482 - حدثكم به أبو السائب , قال : ثنا حفص , عن هشام بن عروة , قال : كان عبد الله بن الزبير يواصل سبعة أيام , فلما كبر جعلها خمسا , فلما كبر جدا جعلها ثلاثا .

2483 - حدثنا أبو السائب , قال : ثنا حفص , عن عبد الملك , قال : كان ابن أبي يعمر يفطر في كل شهر مرة .

2484 - حدثنا ابن أبي بكر المقدمي , قال : ثنا الفروي , قال : سمعت مالكا يقول : كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل ليلة ست عشرة وليلة سبع عشرة من رمضان لا يفطر بينهما , فلقيته فقلت له : يا أبا الحرث ماذا تجده يقويك في وصالك ؟

قال : السمن أشربه أجده يبل عروقي , فأما الماء فإنه يخرج من جسدي .

وما أشبه ذلك ممن فعل ذلك , ممن يطول بذكرهم الكتاب .

قيل : وجه من فعل ذلك إن شاء الله تعالى على طلب الخموصة لنفسه والقوة , لا على طلب البر بفعله .

وفعلهم ذلك نظير ما كان عمر بن الخطاب يأمرهم به بقوله : " اخشوشنوا وتمعددوا وانزوا على الخيل نزو

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقونفيه ست وثلاثون مسألة :الأولى : قوله تعالى : أحل لكم لفظ أحل يقتضي أنه كان محرما قبل ذلك ثم نسخ .

روى أبو داود عن ابن أبي ليلى قال وحدثنا أصحابنا قال : وكان الرجل إذا أفطر فنام [ ص: 293 ] قبل أن يأكل لم يأكل حتى يصبح ، قال : فجاء عمر فأراد امرأته فقالت : إني قد نمت ، فظن أنها تعتل فأتاها ، فجاء رجل من الأنصار فأراد طعاما فقالوا : حتى نسخن لك شيئا فنام ، فلما أصبحوا نزلت عليه هذه الآية ، وفيها : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ، وروى البخاري عن البراء قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي ، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما - وفي رواية : كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما - فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها : أعندك طعام ؟

قالت لا ، ولكن أنطلق فأطلب لك ، وكان يومه يعمل ، فغلبته عيناه ، فجاءته امرأته فلما رأته قالت : خيبة لك فلما انتصف النهار غشي عليه ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ففرحوا فرحا شديدا ، ونزلت : وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، وفي البخاري أيضا عن البراء قال : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله ، وكان رجال يخونون أنفسهم ، فأنزل الله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم يقال : خان واختان بمعنى من الخيانة ، أي تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم ، ومن عصى الله فقد خان نفسه إذ جلب إليها العقاب ، وقال القتبي : أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه ، وذكر الطبري : أن عمر رضي الله تعالى عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمر عنده ليلة فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت له : قد نمت ، فقال لها : ما نمت ، فوقع بها .

وصنع كعب بن مالك مثله ، فغدا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أعتذر إلى الله وإليك ، فإن نفسي زينت لي فواقعت أهلي ، فهل تجد لي من رخصة ؟

فقال لي : لم تكن حقيقا بذلك يا عمر فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن .

وذكره النحاس ومكي ، وأن عمر نام ثم وقع بامرأته ، وأنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فنزلت : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن الآية .[ ص: 294 ] الثانية : قوله تعالى : ليلة الصيام الرفث ليلة نصب على الظرف وهي اسم جنس فلذلك أفردت .

و الرفث : كناية عن الجماع لأن الله عز وجل كريم يكني ، قاله ابن عباس والسدي .

وقال الزجاج : الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته ، وقاله الأزهري أيضا ، وقال ابن عرفة : الرفث ها هنا الجماع ، والرفث : التصريح بذكر الجماع والإعراب به .

قال الشاعرويرين من أنس الحديث زوانيا وبهن عن رفث الرجال نفاروقيل : الرفث أصله قول الفحش ، يقال : رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح ، ومنه قول الشاعر :ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلموتعدى الرفث بإلى في قوله تعالى جده : الرفث إلى نسائكم ، وأنت لا تقول : رفثت إلى النساء ، ولكن جيء به محمولا على الإفضاء الذي يراد به الملابسة في مثل قوله : وقد أفضى بعضكم إلى بعض .

ومن هذا المعنى : وإذا خلوا إلى شياطينهم كما تقدم ، وقوله : يوم يحمى عليها أي يوقد ; لأنك تقول : أحميت الحديدة في النار ، وسيأتي ، ومنه قوله : فليحذر الذين يخالفون عن أمره ، حمل على معنى ينحرفون عن أمره أو يروغون عن أمره ; لأنك تقول : خالفت زيدا ، ومثله قوله تعالى : وكان بالمؤمنين رحيما حمل على رءوف في نحو بالمؤمنين رءوف رحيم ، ألا ترى أنك تقول : رؤفت به ، ولا تقول رحمت به ، ولكنه لما وافقه في المعنى نزل منزلته في التعدية ، ومن هذا الضرب قول أبي كبير الهذلي :حملت به في ليلة مزءودة كرها وعقد نطاقها لم يحللعدى " حملت " بالباء ، وحقه أن يصل إلى المفعول بنفسه ، كما جاء في التنزيل : حملته أمه كرها ووضعته كرها ولكنه قال : حملت به ; لأنه في معنى حبلت به .[ ص: 295 ] الثالثة : قوله تعالى : هن لباس لكم ابتداء وخبر ، وشددت النون من هن لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر .

وأنتم لباس لهن أصل اللباس في الثياب ، ثم سمي امتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسا ، لانضمام الجسد إلى الجسد وامتزاجهما وتلازمهما تشبيها بالثوب ، وقال النابغة الجعدي :إذا ما الضجيع ثنى جيدها تداعت فكانت عليه لباساوقال أيضا :لبست أناسا فأفنيتهم وأفنيت بعد أناس أناساوقال بعضهم : يقال لما ستر الشيء وداراه : لباس ، فجائز أن يكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل ، كما ورد في الخبر ، وقيل : لأن كل واحد منهما ستر لصاحبه فيما يكون بينهما من الجماع من أبصار الناس ، وقال أبو عبيد وغيره : يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك .

قال رجل لعمر بن الخطاب :ألا أبلغ أبا حفص رسولا فدى لك من أخي ثقة إزاريقال أبو عبيد : أي نسائي ، وقيل نفسي ، وقال الربيع : هن فراش لكم ، وأنتم لحاف لهن .

مجاهد : أي سكن لكم ، أي يسكن بعضكم إلى بعض .الرابعة : قوله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم يستأمر بعضكم بعضا في مواقعة المحظور من الجماع والأكل بعد النوم في ليالي الصوم ، كقوله تعالى : تقتلون أنفسكم يعني يقتل بعضكم بعضا ، ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه بأنه يخونها ، وسماه خائنا لنفسه من حيث كان ضرره عائدا عليه ، كما تقدم .

وقوله : فتاب عليكم يحتمل معنيين : أحدهما - قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم .

والآخر : التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة ، كقوله تعالى : علم أن لن تحصوه فتاب عليكم يعني خفف عنكم ، وقوله عقيب القتل الخطأ : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله يعني تخفيفا ; لأن القاتل خطأ لم يفعل شيئا تلزمه التوبة منه ، وقال تعالى : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وإن لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب التوبة منه .

وقوله : وعفا عنكم يحتمل العفو من الذنب ، ويحتمل التوسعة [ ص: 296 ] والتسهيل ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم : أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله يعني تسهيله وتوسعته ، فمعنى علم الله أي علم وقوع هذا منكم مشاهدة فتاب عليكم بعد ما وقع ، أي خفف عنكم وعفا أي سهل .

وتختانون من الخيانة ، كما تقدم .

قال ابن العربي : وقال علماء الزهد : وكذا فلتكن العناية وشرف المنزلة ، خان نفسه عمر رضي الله عنه فجعلها الله تعالى شريعة ، وخفف من أجله عن الأمة فرضي الله عنه وأرضاه .قوله تعالى : فالآن باشروهن كناية عن الجماع ، أي قد أحل لكم ما حرم عليكم .

وسمي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه .

قال ابن العربي : ( وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه لا جوع قيس ; لأنه لو كان السبب جوع قيس لقال : فالآن كلوا ، ابتدأ به لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله ) .الخامسة : قوله تعالى : وابتغوا ما كتب الله لكم قال ابن عباس ومجاهد والحكم بن عيينة وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك : معناه وابتغوا الولد ، يدل عليه أنه عقيب قوله : فالآن باشروهن ، وقال ابن عباس : ما كتب الله لنا هو القرآن .

الزجاج : أي ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه وأمرتم به ، وروي عن ابن عباس ومعاذ بن جبل أن المعنى وابتغوا ليلة القدر ، وقيل : المعنى اطلبوا الرخصة والتوسعة ، قاله قتادة .

قال ابن عطية : وهو قول حسن .

قيل : وابتغوا ما كتب الله لكم من الإماء والزوجات .

وقرأ الحسن البصري والحسن ابن قرة ( واتبعوا ) من الاتباع ، وجوزها ابن عباس ، ورجح ابتغوا من الابتغاء .السادسة : وكلوا واشربوا هذا جواب نازلة قيس ، والأول جواب عمر ، وقد ابتدأ بنازلة عمر لأنه المهم فهو المقدم .السابعة : قوله تعالى : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر حتى غاية للتبيين ، ولا يصح أن يقع التبيين لأحد ويحرم عليه الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر ، واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك ، فقال الجمهور : ذلك الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة ، وبهذا جاءت الأخبار ومضت عليه الأمصار .

روىمسلم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا ، وحكاه حماد بيديه قال : يعني معترضا ، وفي حديث ابن مسعود : إن الفجر ليس الذي يقول هكذا - وجمع أصابعه ثم [ ص: 297 ] نكسها إلى الأرض - ولكن الذي يقول هكذا - ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه ، وروى الدارقطني عن عبد الرحمن بن عباس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هما فجران فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئا ولا يحرمه وأما المستطيل الذي عارض الأفق ففيه تحل الصلاة ويحرم الطعام هذا مرسل وقالت طائفة : ذلك بعد طلوع الفجر وتبينه في الطرق والبيوت ، روي ذلك عن عمر وحذيفة وابن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش سليمان وغيرهم أن الإمساك يجب بتبيين الفجر في الطرق وعلى رءوس الجبال .

وقال مسروق : لم يكن يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت ، وروى النسائي عن عاصم عن زر قال قلنا لحذيفة : أي ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قال : هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع ، وروى الدارقطني عن طلق بن علي أن نبي الله قال : كلوا واشربوا ولا يغرنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعرض لكم الأحمر .

قال الدارقطني : قيس بن طلق ليس بالقوي ، وقال أبو داود : هذا مما تفرد به أهل اليمامة .

قال الطبري : والذي قادهم إلى هذا أن الصوم إنما هو في النهار ، والنهار عندهم من طلوع الشمس ، وآخره غروبها ، وقد مضى الخلاف في هذا بين اللغويين .

وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : إنما هو سواد الليل وبياض النهار الفيصل في ذلك ، وقوله أياما معدودات وروى الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له .

تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل بن فضالة بهذا الإسناد ، وكلهم ثقات .

وروي عن حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له .

رفعه عبد الله بن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء ، وروي عن حفصة مرفوعا من [ ص: 298 ] قولها ، ففي هذين الحديثين دليل على ما قاله الجمهور في الفجر ، ومنع من الصيام دون نية قبل الفجر ، خلافا لقول أبي حنيفة ، وهي :الثامنة : وذلك أن الصيام من جملة العبادات فلا يصح إلا بنية ، وقد وقتها الشارع قبل الفجر ، فكيف يقال : إن الأكل والشرب بعد الفجر جائز .

وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال : نزلت وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل من الفجر وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله بعد " من الفجر " فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار .

وعن عدي بن حاتم قال قلت : يا رسول الله ، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان ؟

قال : إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين - ثم قال - لا بل هو سواد الليل وبياض النهار .

أخرجه البخاري ، وسمي الفجر خيطا لأن ما يبدو من البياض يرى ممتدا كالخيط .

قال الشاعر :الخيط الابيض ضوء الصبح منفلق والخيط الاسود جنح الليل مكتوموالخيط في كلامهم عبارة عن اللون ، والفجر مصدر فجرت الماء أفجره فجرا إذا جرى وانبعث ، وأصله الشق ، فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها : فجر لانبعاث ضوئه ، وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر ، تسميه العرب الخيط الأبيض ، كما بيناه .

قال أبو داود الإيادي :فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أناراوقال آخر :قد كاد يبدو وبدت تباشره وسدف الليل البهيم ساتره[ ص: 299 ] وقد تسميه أيضا الصديع ، ومنه قولهم : انصدع الفجر ، قال بشر بن أبي خازم أو عمرو بن معديكرب :ترى السرحان مفترشا يديه كأن بياض لبته صديعوشبهه الشماخ بمفرق الرأس فقال :إذا ما الليل كان الصبح فيه أشق كمفرق الرأس الدهينويقولون في الأمر الواضح : هذا كفلق الصبح ، وكانبلاج الفجر ، وتباشير الصبح .

قال الشاعر [ هو حميد الأرقط ] :فوردت قبل انبلاج الفجر وابن ذكاء كامن في كفرالتاسعة : قوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل جعل الله جل ذكره الليل ظرفا للأكل والشرب والجماع ، والنهار ظرفا للصيام ، فبين أحكام الزمانين وغاير بينهما ، فلا يجوز في اليوم شيء مما أباحه بالليل إلا لمسافر أو مريض ، كما تقدم بيانه ، فمن أفطر في رمضان من غير من ذكر فلا يخلو إما أن يكون عامدا أو ناسيا ، فإن كان الأول فقال مالك : من أفطر في رمضان عامدا بأكل أو شرب أو جماع فعليه القضاء والكفارة ، لما رواه في موطئه ، ومسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا الحديث ، وبهذا قال الشعبي ، وقال الشافعي وغيره : إن هذه الكفارة إنما تختص بمن أفطر بالجماع ، لحديث أبي هريرة أيضا قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت يا رسول الله قال : وما أهلكك قال : وقعت على امرأتي في رمضان ، الحديث ، وفيه ذكر الكفارة على الترتيب ، أخرجه مسلم وحملوا هذه القضية على القضية الأولى فقالوا : هي واحدة ، وهذا غير مسلم به بل هما قضيتان مختلفتان ; لأن مساقهما مختلف ، وقد علق الكفارة على من أفطر مجردا عن القيود فلزم مطلقا ، وبهذا قال مالك وأصحابه والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور والطبري وابن المنذر ، وروي ذلك عن عطاء في رواية ، وعن الحسن والزهري ، ويلزم الشافعي القول به فإنه يقول : ترك [ ص: 300 ] الاستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم الحكم ، وأوجب الشافعي عليه مع القضاء العقوبة لانتهاك حرمة الشهر .العاشرة : واختلفوا أيضا فيما يجب على المرأة يطؤها زوجها في رمضان ، فقال مالك وأبو يوسف وأصحاب الرأي : عليها مثل ما على الزوج ، وقال الشافعي : ليس عليها إلا كفارة واحدة ، وسواء طاوعته أو أكرهها ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب السائل بكفارة واحدة ولم يفصل .

وروي عن أبي حنيفة : إن طاوعته فعلى كل واحد منهما كفارة ، وإن أكرهها فعليه كفارة واحدة لا غير ، وهو قول سحنون بن سعيد المالكي ، وقال مالك : عليه كفارتان ، وهو تحصيل مذهبه عند جماعة أصحابه .الحادية عشرة : واختلفوا أيضا فيمن جامع ناسيا لصومه أو أكل ، فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق : ليس عليه في الوجهين شيء ، لا قضاء ولا كفارة ، وقال مالك والليث والأوزاعي : عليه القضاء ولا كفارة ، وروي مثل ذلك عن عطاء .

وقد روي عن عطاء أن عليه الكفارة إن جامع ، وقال : مثل هذا لا ينسى ، وقال قوم من أهل الظاهر : سواء وطئ ناسيا أو عامدا فعليه القضاء والكفارة ، وهو قول ابن الماجشون عبد الملك ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل ; لأن الحديث الموجب للكفارة لم يفرق فيه بين الناسي والعامد .

قال ابن المنذر : لا شيء عليه .الثانية عشرة : قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي : إذا أكل ناسيا فظن أن ذلك قد فطره فجامع عامدا أن عليه القضاء ولا كفارة عليه .

قال ابن المنذر : وبه نقول ، وقيل في المذهب : عليه القضاء والكفارة إن كان قاصدا لهتك حرمة صومه جرأة وتهاونا .

قال أبو عمر : وقد كان يجب على أصل مالك ألا يكفر ; لأن من أكل ناسيا فهو عنده مفطر يقضي يومه ذلك ، فأي حرمة هتك وهو مفطر ، وعند غير مالك : ليس بمفطر كل من أكل ناسيا لصومه .قلت : وهو الصحيح ، وبه قال الجمهور : إن كل من أكل أو شرب ناسيا فلا قضاء عليه وإن صومه تام ، لحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه ولا قضاء عليه - في رواية - وليتم صومه فإن الله أطعمه وسقاه .

أخرجه الدارقطني ، وقال : إسناد صحيح وكلهم ثقات .

قال أبو بكر الأثرم : [ ص: 301 ] سمعت أبا عبد الله يسأل عمن أكل ناسيا في رمضان ، قال : ليس عليه شيء لحديث أبي هريرة .

ثم قال أبو عبد الله مالك : وزعموا أن مالكا يقول عليه القضاء وضحك ، وقال ابن المنذر : لا شيء عليه ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أكل أو شرب ناسيا : يتم صومه وإذا قال ( يتم صومه ) فأتمه فهو صوم تام كامل .قلت : وإذا كان من أفطر ناسيا لا قضاء عليه وصومه صوم تام فعليه إذا جامع عامدا القضاء والكفارة - والله أعلم - كمن لم يفطر ناسيا ، وقد احتج علماؤنا على إيجاب القضاء بأن قالوا : المطلوب منه صيام يوم تام لا يقع به خرم ، لقوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل وهذا لم يأت به على التمام فهو باق عليه ، ولعل الحديث في صوم التطوع لخفته ، وقد جاء في صحيحي البخاري ومسلم : من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فلم يذكر قضاء ولا تعرض له ، بل الذي تعرض له سقوط المؤاخذة والأمر بمضيه على صومه وإتمامه ، هذا إن كان واجبا فدل على ما ذكرناه من القضاء ، فأما صوم التطوع فلا قضاء فيه لمن أكل ناسيا ، لقوله صلى الله عليه وسلم : لا قضاء عليه .قلت : هذا ما احتج به علماؤنا وهو صحيح ، لولا ما صح عن الشارع ما ذكرناه ، وقد جاء بالنص الصريح الصحيح وهو ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة أخرجه الدارقطني وقال : تفرد به ابن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري ، فزال الاحتمال وارتفع الإشكال ، والحمد لله ذي الجلال والكمال .الثالثة عشرة : لما بين سبحانه محظورات الصيام وهي الأكل والشرب والجماع ، ولم يذكر المباشرة التي هي اتصال البشرة بالبشرة كالقبلة والجسة وغيرها ، دل ذلك على صحة صوم من قبل وباشر ; لأن فحوى الكلام إنما يدل على تحريم ما أباحه الليل وهو الأشياء الثلاثة ، ولا دلالة فيه على غيرها بل هو موقوف على الدليل ; ولذلك شاع الاختلاف فيه ، واختلف علماء السلف فيه ، فمن ذلك المباشرة .

قال علماؤنا : يكره لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها ، لئلا يكون سببا إلى ما يفسد الصوم .

روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان ينهى عن القبلة والمباشرة للصائم ، وهذا - والله أعلم - خوف ما يحدث عنهما ، فإن قبل وسلم فلا جناح عليه ، وكذلك إن باشر .

وروى البخاري عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر [ ص: 302 ] وهو صائم ، وممن كره القبلة للصائم عبد الله بن مسعود وعروة بن الزبير ، وقد روي عن ابن مسعود أنه يقضي يوما مكانه ، والحديث حجة عليهم .

قال أبو عمر : ولا أعلم أحدا رخص فيها لمن يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه ، فإن قبل فأمنى عليه القضاء ولا كفارة ، قاله أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن والشافعي ، واختاره ابن المنذر وقال : لا ليس لمن أوجب عليه الكفارة حجة .

قال أبو عمر : ولو قبل فأمذى لم يكن عليه شيء عندهم ، وقال أحمد : من قبل فأمذى أو أمنى فعليه القضاء ولا كفارة عليه ، إلا على من جامع فأولج عامدا أو ناسيا ، وروى ابن القاسم عن مالك فيمن قبل أو باشر فأنعظ ولم يخرج منه ماء جملة عليه القضاء ، وروى ابن وهب عنه لا قضاء عليه حتى يمذي .

قال القاضي أبو محمد : واتفق أصحابنا على ألا كفارة عليه ، وإن كان منيا فهل تلزمه الكفارة مع القضاء ، فلا يخلو أن يكون قبل قبلة واحدة فأنزل ، أو قبل فالتذ فعاود فأنزل ، فإن كان قبل قبلة واحدة أو باشر أو لمس مرة فقال أشهب وسحنون : لا كفارة عليه حتى يكرر ، وقال ابن القاسم : يكفر في ذلك كله ، إلا في النظر فلا كفارة عليه حتى يكرر .

وممن قال بوجوب الكفارة عليه إذا قبل أو باشر أو لاعب امرأته أو جامع دون الفرج فأمنى : الحسن البصري وعطاء وابن المبارك وأبو ثور وإسحاق ، وهو قول مالك في المدونة ، وحجة قول أشهب : أن اللمس والقبلة والمباشرة ليست تفطر في نفسها ، وإنما يبقى أن تئول إلى الأمر الذي يقع به الفطر ، فإذا فعل مرة واحدة لم يقصد الإنزال وإفساد الصوم فلا كفارة عليه كالنظر إليها ، وإذا كرر ذلك فقد قصد إفساد صومه فعليه الكفارة كما لو تكرر النظر .

قال اللخمي : واتفق جميعهم في الإنزال عن النظر ألا كفارة عليه إلا أن يتابع ، والأصل أنه لا تجب الكفارة إلا على من قصد الفطر وانتهاك حرمة الصوم ، فإذا كان ذلك وجب أن ينظر إلى عادة من نزل به ذلك ، فإن كان ذلك شأنه أن ينزل عن قبلة أو مباشرة مرة ، أو كانت عادته مختلفة : مرة ينزل ، ومرة لا ينزل ، رأيت عليه الكفارة ; لأن فاعل ذلك قاصد لانتهاك صومه أو متعرض له ، وإن كانت عادته السلامة فقدر أن يكون منه خلاف العادة لم يكن عليه كفارة ، وقد يحتمل قول مالك في وجوب الكفارة ; لأن ذلك لا يجري إلا ممن يكون ذلك طبعه واكتفى بما ظهر منه .

وحمل أشهب الأمر على الغالب من الناس أنهم يسلمون من ذلك ، وقولهم في النظر دليل على ذلك .[ ص: 303 ] قلت : ما حكاه من الاتفاق في النظر وجعله أصلا ليس كذلك ، فقد حكى الباجي في المنتقى " فإن نظر نظرة واحدة يقصد بها اللذة فقد قال الشيخ أبو الحسن : عليه القضاء والكفارة .

قال الباجي : وهو الصحيح عندي ; لأنه إذا قصد به الاستمتاع كان كالقبلة وغير ذلك من أنواع الاستمتاع ، والله أعلم " ، وقال جابر بن زيد والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي فيمن ردد النظر إلى المرأة حتى أمنى : فلا قضاء عليه ولا كفارة ، قاله ابن المنذر .

قال الباجي : وروى في المدونة ابن نافع عن مالك أنه إن نظر إلى امرأة متجردة فالتذ فأنزل عليه القضاء دون الكفارة .الرابعة عشرة : والجمهور على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب ، وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وذلك جائز إجماعا ، وقد كان وقع فيه بين الصحابة كلام ثم استقر الأمر على أن من أصبح جنبا فإن صومه صحيح .قلت : أما ما ذكر من وقوع الكلام فصحيح مشهور ، وذلك قول أبي هريرة : من أصبح جنبا فلا صوم له ، أخرجه الموطأ وغيره ، وفي كتاب النسائي أنه قال لما روجع : والله ما أنا قلته ، محمد صلى الله عليه وسلم والله قاله .

وقد اختلف في رجوعه عنها ، وأشهر قوليه عند أهل العلم أنه لا صوم له ، حكاه ابن المنذر ، وروي عن الحسن بن صالح ، وعن أبي هريرة أيضا قول ثالث قال : إذا علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر ، وإن لم يعلم حتى أصبح فهو صائم ، روي ذلك عن عطاء وطاوس وعروة بن الزبير ، وروي عن الحسن والنخعي أن ذلك يجزي في التطوع ويقضى في الفرض .قلت : فهذه أربعة أقوال للعلماء فيمن أصبح جنبا ، والصحيح منها مذهب الجمهور ، لحديث عائشة رضي الله عنها وأم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في [ ص: 304 ] رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم ، أخرجهما البخاري ومسلم ، وهو الذي يفهم من ضرورة قوله تعالى : فالآن باشروهن الآية ، فإنه لما مد إباحة الجماع إلى طلوع الفجر فبالضرورة يعلم أن الفجر يطلع عليه وهو جنب ، وإنما يتأتى الغسل بعد الفجر ، وقد قال الشافعي : ولو كان الذكر داخل المرأة فنزعه مع طلوع الفجر أنه لا قضاء عليه ، وقال المزني : عليه القضاء لأنه من تمام الجماع ، والأول أصح لما ذكرنا ، وهو قول علمائنا .الخامسة عشرة : واختلفوا في الحائض تطهر قبل الفجر وتترك التطهر حتى تصبح ، فجمهورهم على وجوب الصوم عليها وإجزائه ، سواء تركته عمدا أو سهوا كالجنب ، وهو قول مالك وابن القاسم ، وقال عبد الملك : إذا طهرت الحائض قبل الفجر فأخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر ; لأنها في بعضه غير طاهرة ، وليست كالجنب لأن الاحتلام لا ينقض الصوم ، والحيضة تنقضه .

هكذا ذكره أبو الفرج في كتابه عن عبد الملك ، وقال الأوزاعي : تقضي لأنها فرطت في الاغتسال ، وذكر ابن الجلاب عن عبد الملك أنها إن طهرت قبل الفجر في وقت يمكنها فيه الغسل ففرطت ولم تغتسل حتى أصبحت لم يضرها كالجنب ، وإن كان الوقت ضيقا لا تدرك فيه الغسل لم يجز صومها ويومها يوم فطر ، وقاله مالك ، وهي كمن طلع عليها الفجر وهي حائض ، وقال محمد بن مسلمة في هذه : تصوم وتقضي ، مثل قول الأوزاعي ، وروي عنه أنه شذ فأوجب على من طهرت قبل الفجر ففرطت وتوانت وتأخرت حتى تصبح - الكفارة مع القضاء .السادسة عشرة : وإذا طهرت المرأة ليلا في رمضان فلم تدر أكان ذلك قبل الفجر أو بعده ، صامت وقضت ذلك اليوم احتياطا ، ولا كفارة عليها .السابعة عشرة : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أفطر الحاجم والمحجوم .

من حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس وحديث رافع بن خديج ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وصحح أحمد [ ص: 305 ] حديث شداد بن أوس ، وصحح علي بن المديني حديث رافع بن خديج ، وقال مالك والشافعي والثوري : لا قضاء عليه ، إلا أنه يكره له ذلك من أجل التغرير ، وفي صحيح مسلم من حديث أنس أنه قيل له : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم ؟

قال لا ، إلا من أجل الضعف ، وقال أبو عمر : حديث شداد ورافع وثوبان عندنا منسوخ بحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( احتجم صائما محرما ) لأن في حديث شداد بن أوس وغيره أنه صلى الله عليه وسلم مر عام الفتح على رجل يحتجم لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فقال : أفطر الحاجم والمحجوم واحتجم هو صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع وهو محرم صائم ، فإذا كانت حجته صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة ; لأنه صلى الله عليه وسلم لم يدركه بعد ذلك رمضان ; لأنه توفي في ربيع الأول .الثامنة عشرة : قوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل أمر يقتضي الوجوب من غير خلاف .

وإلى غاية ، فإذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه ، كقوله اشتريت الفدان إلى حاشيته ، أو اشتريت منك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة - والمبيع شجر ، فإن الشجرة داخلة في المبيع .

بخلاف قولك : اشتريت الفدان إلى الدار ، فإن الدار لا تدخل في المحدود إذ ليس من جنسه ، فشرط تعالى تمام الصوم حتى يتبين الليل ، كما جوز الأكل حتى يتبين النهار .التاسعة عشرة : من تمام الصوم استصحاب النية دون رفعها ، فإن رفعها في بعض النهار ونوى الفطر إلا أنه لم يأكل ولم يشرب فجعله في المدونة مفطرا وعليه القضاء ، وفي كتاب ابن حبيب أنه على صومه ، قال : ولا يخرجه من الصوم إلا الإفطار بالفعل وليس بالنية ، وقيل : عليه القضاء والكفارة ، وقال سحنون : إنما يكفر من بيت الفطر ، فأما من نواه في نهاره فلا يضره ، وإنما يقضي استحسانا .قلت : هذا حسن .الموفية عشرين : قوله تعالى : إلى الليل إذا تبين الليل سن الفطر شرعا ، أكل أو لم يأكل .

قال ابن العربي : وقد سئل الإمام أبو إسحاق الشيرازي عن رجل حلف بالطلاق ثلاثا أنه [ ص: 306 ] لا يفطر على حار ولا بارد ، فأجاب أنه بغروب الشمس مفطر لا شيء عليه ، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : إذا جاء الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم ، وسئل عنها الإمام أبو نصر بن الصباغ صاحب الشامل فقال : لا بد أن يفطر على حار أو بارد ، وما أجاب به الإمام أبو إسحاق أولى ; لأنه مقتضى الكتاب والسنة .الحادية والعشرون : فإن ظن أن الشمس قد غابت لغيم أو غيره ثم ظهرت الشمس فعليه القضاء في قول أكثر العلماء ، وفي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس ، قيل لهشام : فأمروا بالقضاء ، قال : فلا بد من قضاء ؟

.

قال عمر في الموطأ في هذا : الخطب يسير ، وقد اجتهدنا في الوقت يريد القضاء ، وروي عن عمر أنه قال : لا قضاء عليه ، وبه قال الحسن البصري : لا قضاء عليه كالناسي ، وهو قول إسحاق وأهل الظاهر ، وقول الله تعالى : إلى الليل يرد هذا القول ، والله أعلم .الثانية والعشرون : فإن أفطر وهو شاك في غروبها كفر مع القضاء ، قاله مالك إلا أن يكون الأغلب عليه غروبها ، ومن شك عنده في طلوع الفجر لزمه الكف عن الأكل ، فإن أكل مع شكه فعليه القضاء كالناسي ، لم يختلف في ذلك قوله ، ومن أهل العلم بالمدينة وغيرها من لا يرى عليه شيئا حتى يتبين له طلوع الفجر ، وبه قال ابن المنذر ، وقال إلكيا الطبري : ( وقد ظن قوم أنه إذا أبيح له الفطر إلى أول الفجر فإذا أكل على ظن أن الفجر لم يطلع فقد أكل بإذن الشرع في وقت جواز الأكل فلا قضاء عليه ، كذلك قال مجاهد وجابر بن زيد ، ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غم عليه الهلال في أول ليلة من رمضان فأكل ثم بان أنه من رمضان ، والذي نحن فيه مثله ، وكذلك الأسير في دار الحرب إذا أكل ظنا أنه من شعبان ثم بان خلافه ) .الثالثة والعشرون : قوله تعالى : إلى الليل فيه ما يقتضي النهي عن الوصال ، إذ الليل غاية الصيام ، وقالته عائشة ، وهذا موضع اختلف فيه ، فمن واصل عبد الله بن الزبير وإبراهيم التيمي وأبو الجوزاء وأبو الحسن الدينوري وغيرهم .

كان ابن الزبير يواصل سبعا ، فإذا أفطر شرب السمن والصبر حتى يفتق أمعاءه ، قال : وكانت تيبس أمعاؤه ، وكان أبو الجوزاء يواصل سبعة أيام وسبع ليال ولو قبض على ذراع الرجل الشديد لحطمها ، وظاهر القرآن والسنة يقتضي المنع ، قال صلى الله عليه وسلم : إذا غابت الشمس من ها هنا وجاء الليل من ها هنا فقد أفطر [ ص: 307 ] الصائم .

خرجه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى .

ونهى عن الوصال ، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال : لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا .

أخرجه مسلم عن أبي هريرة ، وفي حديث أنس : لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم .

خرجه مسلم أيضا ، وقال صلى الله عليه وسلم : إياكم والوصال إياكم والوصال تأكيدا في المنع لهم منه ، أخرجه البخاري ، وعلى كراهية الوصال - لما ذكرنا ولما فيه من ضعف القوى وإنهاك الأبدان - جمهور العلماء ، وقد حرمه بعضهم لما فيه من مخالفة الظاهر والتشبه بأهل الكتاب ، قال صلى الله عليه وسلم : إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر .

خرجه مسلم وأبو داود .

وفي البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر قالوا : فإنك تواصل يا رسول الله ؟

قال : لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني .

قالوا : وهذا إباحة لتأخير الفطر إلى السحر ، وهو غاية في الوصال لمن أراده ، ومنع من اتصال يوم بيوم ، وبه قال أحمد وإسحاق وابن وهب صاحب مالك .

واحتج من أجاز الوصال بأن قال : إنما كان النهي عن الوصال لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام ، فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلفوا الوصال وأعلى المقامات فيفتروا أو يضعفوا عما كان أنفع منه من الجهاد والقوة على العدو ، ومع حاجتهم في ذلك الوقت ، وكان هو يلتزم في خاصة نفسه الوصال وأعلى مقامات الطاعات ، فلما سألوه عن وصالهم أبدى لهم فارقا بينه وبينهم ، وأعلمهم أن حالته في ذلك غير حالاتهم فقال : لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي [ ص: 308 ] ويسقيني ، فلما كمل الإيمان في قلوبهم واستحكم في صدورهم ورسخ ، وكثر المسلمون وظهروا على عدوهم ، واصل أولياء الله وألزموا أنفسهم أعلى المقامات والله أعلم .قلت : ترك الوصال مع ظهور الإسلام وقهر الأعداء أولى ، وذلك أرفع الدرجات وأعلى المنازل والمقامات ، والدليل على ذلك ما ذكرناه ، وأن الليل ليس بزمان صوم شرعي ، حتى لو شرع إنسان فيه الصوم بنية ما أثيب عليه ، والنبي صلى الله عليه وسلم ما أخبر عن نفسه أنه واصل ، وإنما الصحابة ظنوا ذلك فقالوا : إنك تواصل ، فأخبر أنه يطعم ويسقى ، وظاهر هذه الحقيقة : وأنه صلى الله عليه وسلم يؤتى بطعام الجنة وشرابها ، وقيل : إن ذلك محمول على ما يرد على قلبه من المعاني واللطائف ، وإذا احتمل اللفظ الحقيقة والمجاز فالأصل الحقيقة حتى يرد دليل يزيلها ، ثم لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم وهو على عادته كما أخبر عن نفسه ، وهم على عادتهم حتى يضعفوا ويقل صبرهم فلا يواصلوا ، وهذه حقيقة التنكيل حتى يدعوا تعمقهم وما أرادوه من التشديد على أنفسهم ، وأيضا لو تنزلنا على أن المراد بقوله : ( أطعم وأسقى ) المعنى لكان مفطرا حكما ، كما أن من اغتاب في صومه أو شهد بزور مفطر حكما ، ولا فرق بينهما ، قال صلى الله عليه وسلم : من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ، وعلى هذا الحد ما واصل النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر به ، فكان تركه أولى ، وبالله التوفيق .الرابعة والعشرون : ويستحب للصائم إذا أفطر أن يفطر على رطبات أو تمرات أو حسوات من الماء ، لما رواه أبو داود عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي ، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات ، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء ، وأخرجه الدارقطني وقال فيه : إسناد صحيح ، وروى الدارقطني عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال : لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم ، وعن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أفطر : ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله .

خرجه أبو داود أيضا .

وقال الدارقطني : تفرد به الحسين بن واقد إسناده [ ص: 309 ] حسن ، وروى ابن ماجه عن عبد الله بن الزبير قال : أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سعد بن معاذ فقال : أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة ، وروي أيضا عن زيد بن خالد الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من فطر صائما كان له مثل أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئا وروي أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد .

قال ابن أبي مليكة : سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر : اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه .الخامسة والعشرون : ويستحب له أن يصوم من شوال ستة أيام ، لما رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان له كصيام الدهر هذا حديث حسن صحيح من حديث سعد بن سعيد الأنصاري المدني ، وهو ممن لم يخرج له البخاري شيئا ، وقد جاء بإسناد جيد مفسرا من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : جعل الله الحسنة بعشر أمثالها فشهر رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بعد الفطر تمام السنة .

رواه النسائي ، واختلف في صيام هذه الأيام ، فكرهها مالك في موطئه [ ص: 310 ] خوفا أن يلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه ، وقد وقع ما خافه حتى إنه كان في بعض بلاد خراسان يقومون لسحورها على عادتهم في رمضان ، وروى مطرف عن نافع أنه كان يصومها في خاصة نفسه ، واستحب صيامها الشافعي ، وكرهه أبو يوسف .السادسة والعشرون : قوله تعالى : ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد بين جل وتعالى أن الجماع يفسد الاعتكاف .

وأجمع أهل العلم على أن من جامع امرأته وهو معتكف عامدا لذلك في فرجها أنه مفسد لاعتكافه ، واختلفوا فيما عليه إذا فعل ذلك ، فقال الحسن البصري والزهري : عليه ما على المواقع أهله في رمضان ، فأما المباشرة من غير جماع فإن قصد بها التلذذ فهي مكروهة ، وإن لم يقصد لم يكره ; لأن عائشة كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف ، وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ، فدل بذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة ، هذا قول عطاء والشافعي وابن المنذر .

قال أبو عمر : وأجمعوا على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل ، واختلفوا فيما عليه إن فعل ، فقال مالك والشافعي : إن فعل شيئا من ذلك فسد اعتكافه ، قاله المزني ، وقال في موضع آخر من مسائل الاعتكاف : لا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحد ، واختاره المزني قياسا على أصله في الحج والصوم .السابعة والعشرون : قوله تعالى : وأنتم عاكفون جملة في موضع الحال ، والاعتكاف في اللغة : الملازمة ، يقال عكف على الشيء إذا لازمه مقبلا عليه .

قال الراجز :عكف النبيط يلعبون الفنزجاوقال الشاعر :وظل بنات الليل حولي عكفا عكوف البواكي بينهن صريعولما كان المعتكف ملازما للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه لزمه هذا الاسم ، وهو في عرف الشرع : ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع مخصوص ، وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب ، وهو قربة من القرب ونافلة من النوافل عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه ، ويلزمه إن ألزمه نفسه ، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه .الثامنة والعشرون : أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد ، لقول الله تعالى : في المساجد واختلفوا في المراد بالمساجد ، فذهب قوم إلى أن الآية خرجت [ ص: 311 ] على نوع من المساجد ، وهو ما بناه نبي كالمسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد إيلياء ، روي هذا عن حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب ، فلا يجوز الاعتكاف عندهم في غيرها ، وقال آخرون : لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجماعة ; لأن الإشارة في الآية عندهم إلى ذلك الجنس من المساجد ، روي هذا عن علي بن أبي طالب وابن مسعود ، وهو قول عروة والحكم وحماد والزهري وأبي جعفر محمد بن علي ، وهو أحد قولي مالك ، وقال آخرون : الاعتكاف في كل مسجد جائز ، يروى هذا القول عن سعيد بن جبير وأبي قلابة وغيرهم ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما ، وحجتهم حمل الآية على عمومها في كل مسجد له إمام ومؤذن ، وهو أحد قولي مالك وبه يقول ابن علية وداود بن علي والطبري وابن المنذر ، وروى الدارقطني عن الضحاك عن حذيفة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح .

قال الدارقطني : والضحاك لم يسمع من حذيفة .التاسعة والعشرون : وأقل الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم وليلة ، فإن قال : لله علي اعتكاف ليلة لزمه اعتكاف ليلة ويوم ، وكذلك إن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة ، وقال سحنون : من نذر اعتكاف ليلة فلا شيء عليه ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن نذر يوما فعليه يوم بغير ليلة ، وإن نذر ليلة فلا شيء عليه ، كما قال سحنون .

قال الشافعي : عليه ما نذر ، إن نذر ليلة فليلة ، وإن نذر يوما فيوما .

قال الشافعي : أقله لحظة ولا حد لأكثره ، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة : يصح الاعتكاف ساعة ، وعلى هذا القول فليس من شرطه صوم ، وروي عن أحمد بن حنبل في أحد قوليه ، وهو قول داود بن علي وابن علية ، واختاره ابن المنذر وابن العربي ، واحتجوا بأن اعتكاف رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في رمضان ، ومحال أن يكون صوم رمضان لرمضان ولغيره ، ولو نوى المعتكف في رمضان بصومه التطوع والفرض فسد صومه عند مالك وأصحابه ، ومعلوم أن ليل المعتكف يلزمه فيه من اجتناب مباشرة النساء ما يلزمه في نهاره ، وأن ليله داخل في اعتكافه ، وأن الليل ليس بموضع صوم ، فكذلك نهاره ليس بمفتقر إلى الصوم ، وإن صام فحسن ، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في القول الآخر : لا يصح إلا بصوم ، وروي عن ابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم ، وفي الموطأ عن القاسم بن محمد ونافع مولى عبد الله بن عمر : لا اعتكاف إلا بصيام ، لقول الله تعالى في كتابه : وكلوا واشربوا إلى قوله : في المساجد وقالا : فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام .

قال يحيى قال مالك : [ ص: 312 ] وعلى ذلك الأمر عندنا ، واحتجوا بما رواه عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار عن ابن عمر أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند الكعبة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اعتكف وصم .

أخرجه أبو داود ، وقال الدارقطني : تفرد به ابن بديل عن عمرو وهو ضعيف ، وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا اعتكاف إلا بصيام .

قال الدارقطني : تفرد به سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة .

وقالوا : ليس من شرط الصوم عندنا أن يكون للاعتكاف ، بل يصح أن يكون الصوم له ولرمضان ولنذر ولغيره ، فإذا نذره الناذر فإنما ينصرف إلى مقتضاه في أصل الشرع ، وهذا كمن نذر صلاة فإنها تلزمه ، ولم يكن عليه أن يتطهر لها خاصة بل يجزئه أن يؤديها بطهارة لغيرها .الموفية ثلاثين : وليس للمعتكف أن يخرج من معتكفه إلا لما لا بد له منه ، لما روى الأئمة عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان تريد الغائط والبول ، ولا خلاف في هذا بين الأمة ولا بين الأئمة ، فإذا خرج المعتكف لضرورة وما لا بد له منه ورجع في فوره بعد زوال الضرورة بنى على ما مضى من اعتكافه ولا شيء عليه ، ومن الضرورة المرض البين والحيض .

واختلفوا في خروجه لما سوى ذلك ، فمذهب مالك ما ذكرنا ، وكذلك مذهب الشافعي وأبي حنيفة ، وقال سعيد بن جبير والحسن والنخعي : يعود المريض ويشهد الجنائز ، وروي عن علي وليس بثابت عنه ، وفرق إسحاق بين الاعتكاف الواجب والتطوع ، فقال في الاعتكاف الواجب : لا يعود المريض ولا يشهد الجنائز ، وقال في التطوع : يشترط حين يبتدئ حضور الجنائز وعيادة المرضى والجمعة ، وقال الشافعي : يصح اشتراط الخروج من معتكفه لعيادة مريض وشهود الجنائز وغير ذلك من حوائجه ، واختلف فيه عن أحمد ، فمنع منه مرة وقال مرة : أرجو ألا يكون به بأس ، وقال الأوزاعي كما قال مالك : لا يكون في الاعتكاف شرط .

قال ابن المنذر : لا يخرج المعتكف من اعتكافه إلا لما لا بد له منه ، وهو الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج له .[ ص: 313 ] الحادية والثلاثون : واختلفوا في خروجه للجمعة ، فقالت طائفة : يخرج للجمعة ويرجع إذا سلم ; لأنه خرج إلى فرض ولا ينتقض اعتكافه .

ورواه ابن الجهم عن مالك ، وبه قال أبو حنيفة ، واختاره ابن العربي وابن المنذر ، ومشهور مذهب مالك أن من أراد أن يعتكف عشرة أيام أو نذر ذلك لم يعتكف إلا في المسجد الجامع ، وإذا اعتكف في غيره لزمه الخروج إلى الجمعة وبطل اعتكافه ، وقال عبد الملك : يخرج إلى الجمعة فيشهدها ويرجع مكانه ويصح اعتكافه .قلت : وهو صحيح لقوله تعالى : وأنتم عاكفون في المساجد نعم ، وأجمع العلماء على أن الاعتكاف ليس بواجب وأنه سنة ، وأجمع الجمهور من الأئمة على أن الجمعة فرض على الأعيان ، ومتى اجتمع واجبان أحدهما آكد من الآخر قدم الآكد ، فكيف إذا اجتمع مندوب وواجب ، ولم يقل أحد بترك الخروج إليها ، فكان الخروج إليها في معنى حاجة الإنسان .الثانية والثلاثون : المعتكف إذا أتى كبيرة فسد اعتكافه ; لأن الكبيرة ضد العبادة ، كما أن الحدث ضد الطهارة والصلاة ، وترك ما حرم الله تعالى عليه أعلى منازل الاعتكاف في العبادة .

قاله ابن خويز منداد عن مالك .الثالثة والثلاثون : روى مسلم عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه .

.

.

الحديث ، واختلف العلماء في وقت دخول المعتكف في اعتكافه ، فقال الأوزاعي بظاهر هذا الحديث ، وروي عن الثوري والليث بن سعد في أحد قوليه ، وبه قال ابن المنذر وطائفة من التابعين .

وقال أبو ثور : إنما يفعل هذا من نذر عشرة أيام ، فإن زاد عليها فقبل غروب الشمس ، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر ، دخل المسجد قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم .

قال مالك : وكذلك كل من أراد أن يعتكف يوما أو أكثر ، وبه قال أبو حنيفة وابن الماجشون ; لأن أول ليلة أيام الاعتكاف داخلة فيها ، وأنه زمن للاعتكاف فلم يتبعض كاليوم ، وقال الشافعي : إذا قال لله علي يوم دخل قبل طلوع الفجر وخرج بعد غروب الشمس ، خلاف قوله في الشهر ، وقال الليث في أحد قوليه وزفر : يدخل قبل طلوع الفجر ، والشهر واليوم عندهم سواء ، وروي مثل ذلك عن أبي يوسف وبه قال القاضي عبد الوهاب ، وأن الليلة إنما تدخل [ ص: 314 ] في الاعتكاف على سبيل التبع ، بدليل أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم وليس الليل بزمن للصوم ، فثبت أن المقصود بالاعتكاف هو النهار دون الليل .قلت : وحديث عائشة يرد هذا القول وهو الحجة عند التنازع ، وهو حديث ثابت لا خلاف في صحته .الرابعة والثلاثون : استحب مالك لمن اعتكف العشر الأواخر أن يبيت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى ، وبه قال أحمد ، وقال الشافعي والأوزاعي : يخرج إذا غابت الشمس ، ورواه سحنون عن ابن القاسم ; لأن العشر يزول بزوال الشهر ، والشهر ينقضي بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان ، وقال سحنون : إن ذلك على الوجوب ، فإن خرج ليلة الفطر بطل اعتكافه ، وقال ابن الماجشون : وهذا يرده ما ذكرنا من

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كان في أول فرض الصيام، يحرم على المسلمين في الليل بعد النوم الأكل والشرب والجماع، فحصلت المشقة لبعضهم، فخفف الله تعالى عنهم ذلك، وأباح في ليالي الصيام كلها الأكل والشرب والجماع، سواء نام أو لم ينم، لكونهم يختانون أنفسهم بترك بعض ما أمروا به.

{ فتاب } الله { عليكم } بأن وسع لكم أمرا كان - لولا توسعته - موجبا للإثم { وعفا عنكم } ما سلف من التخون.

{ فالآن } بعد هذه الرخصة والسعة من الله { باشروهن } وطأً وقبلةً ولمساً وغير ذلك.

{ وابتغوا ما كتب الله لكم } أي: انووا في مباشرتكم لزوجاتكم التقرب إلى الله تعالى والمقصود الأعظم من الوطء، وهو حصول الذرية وإعفاف فرجه وفرج زوجته، وحصول مقاصد النكاح.

ومما كتب الله لكم ليلة القدر، الموافقة لليالي صيام رمضان، فلا ينبغي لكم أن تشتغلوا بهذه اللذة عنها وتضيعوها، فاللذة مدركة، وليلة القدر إذا فاتت لم تدرك.

{ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } هذا غاية للأكل والشرب والجماع، وفيه أنه إذا أكل ونحوه شاكا في طلوع الفجر فلا بأس عليه.

وفيه: دليل على استحباب السحور للأمر، وأنه يستحب تأخيره أخذا من معنى رخصة الله وتسهيله على العباد.

وفيه أيضا دليل على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل، ويصح صيامه، لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر، أن يدركه الفجر وهو جنب، ولازم الحق حق.

{ ثم } إذا طلع الفجر { أتموا الصيام } أي: الإمساك عن المفطرات { إلى الليل } وهو غروب الشمس ولما كان إباحة الوطء في ليالي الصيام ليست إباحته عامة لكل أحد، فإن المعتكف لا يحل له ذلك، استثناه بقوله: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } أي: وأنتم متصفون بذلك، ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف، وهو لزوم المسجد لطاعة الله [تعالى]، وانقطاعا إليه، وأن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد.

ويستفاد من تعريف المساجد، أنها المساجد المعروفة عندهم، وهي التي تقام فيها الصلوات الخمس.

وفيه أن الوطء من مفسدات الاعتكاف.

{ تلك } المذكورات - وهو تحريم الأكل والشرب والجماع ونحوه من المفطرات في الصيام، وتحريم الفطر على غير المعذور، وتحريم الوطء على المعتكف، ونحو ذلك من المحرمات { حدود الله } التي حدها لعباده، ونهاهم عنها، فقال: { فلا تقربوها } أبلغ من قوله:" فلا تفعلوها " لأن القربان، يشمل النهي عن فعل المحرم بنفسه، والنهي عن وسائله الموصلة إليه.

والعبد مأمور بترك المحرمات، والبعد منها غاية ما يمكنه، وترك كل سبب يدعو إليها، وأما الأوامر فيقول الله فيها: { تلك حدود الله فلا تعتدوها } فينهى عن مجاوزتها.

{ كذلك } أي: بيَّن [الله] لعباده الأحكام السابقة أتم تبيين، وأوضحها لهم أكمل إيضاح.

{ يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } فإنهم إذا بان لهم الحق اتبعوه، وإذا تبين لهم الباطل اجتنبوه، فإن الإنسان قد يفعل المحرم على وجه الجهل بأنه محرم، ولو علم تحريمه لم يفعله، فإذا بين الله للناس آياته، لم يبق لهم عذر ولا حجة، فكان ذلك سببا للتقوى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) فالرفث كناية عن الجماع قال ابن عباس : إن الله تعالى حيي كريم يكني كل ما ذكر في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء ، والدخول والرفث فإنما عنى به الجماع وقال الزجاج : الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء قال أهل التفسير كان في ابتداء الأمر إذا أفطر الرجل حل له الطعام والشراب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد قبلها فإذا صلى العشاء أو رقد قبلها حرم عليه الطعام والنساء إلى الليلة القابلة ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه واقع أهله بعدما صلى العشاء فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة إني رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما كنت جديرا بذلك يا عمر فقام رجال واعترفوا بمثله فنزل في عمر وأصحابه : .

( أحل لكم ) أي أبيح لكم ( ليلة الصيام ) أي في ليلة الصيام ( الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم ) أي سكن لكم ( وأنتم لباس لهن ) أي سكن لهن دليله قوله تعالى : " وجعل منها زوجها ليسكن إليها " ( 189 - الأعراف ) وقيل لا يسكن شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر ، وقيل سمي كل واحد من الزوجين لباسا لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه وقال الربيع بن أنس : هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن قال أبو عبيدة وغيره يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك ، وقيل اللباس اسم لما يواري الشيء فيجوز أن يكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل كما جاء في الحديث : من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه .

.

.

" ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) أي تخونونها وتظلمونها بالمجامعة بعد العشاء قال البراء : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله تعالى " علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم " ( فتاب عليكم ) تجاوز عنكم ( وعفا عنكم ) محا ذنوبكم ( فالآن باشروهن ) جامعوهن حلالا سميت المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة كل واحد منهم لصاحبه ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) أي فاطلبوا ما قضى الله لكم وقيل ما كتب الله لكم في اللوح المحفوظ يعني الولد قاله أكثر المفسرين قال مجاهد : ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه وقال قتادة : وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم بإباحة الأكل والشرب والجماع في اللوح المحفوظ وقال معاذ بن جبل : وابتغوا ما كتب الله لكم يعني ليلة القدر قوله : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ) نزلت في رجل من الأنصار اسمه أبو صرمة بن قيس بن صرمة ، وقال عكرمة : أبو قيس بن صرمة وقال الكلبي : أبو قيس صرمة بن أنس بن أبي صرمة وذلك أنه ظل نهاره يعمل في أرض له وهو صائم فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر وقال لأهله قدمي الطعام فأرادت المرأة أن تطعمه شيئا سخينا فأخذت تعمل له سخينة وكان في الابتداء من صلى العشاء ونام حرم عليه الطعام والشراب فلما فرغت من طعامه إذ هي به قد نام وكان قد أعيا وكل ، فأيقظته فكره أن يعصي الله ورسوله فأبى أن يأكل فأصبح صائما مجهودا فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه فلما أفاق أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له يا أبا قيس ما لك أمسيت طليحا فذكر له ما له فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل ( وكلوا واشربوا ) يعني في ليالي الصوم ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) يعني بياض النهار من سواد الليل سميا خيطين لأن كل واحد منهما يبدو في الابتداء ممتدا كالخيط أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا أبو غسان محمد بن مطرف ثنا أبو حازم عن سهل بن سعد قال أنزلت ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) ولم ينزل قوله : ( من الفجر ) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله تعالى بعده ( من الفجر ) فعلموا إنما يعني بهما الليل والنهار أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا الحجاج بن منهال أخبرنا هشيم أخبرنا حصين بن عبد الرحمن عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال لما نزلت ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر إليهما وإلى الليل فلا يستبين لي فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فقال إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار " .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم " قال كان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت واعلم أن الفجر فجران كاذب وصادق فالكاذب يطلع أولا مستطيلا كذنب السرحان يصعد إلى السماء فبطلوعه لا يخرج الليل ولا يحرم الطعام والشراب على الصائم ثم يغيب فيطلع بعده الفجر الصادق مستطيرا ينتشر سريعا في الأفق فبطلوعه يدخل النهار ويحرم الطعام والشراب على الصائم أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس المحبوبي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا هناد ويوسف بن عيسى قالا أخبرنا وكيع عن أبي هلال عن سوادة بن حنظلة عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق " .

قوله تعالى : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) فالصائم يحرم عليه الطعام والشراب بطلوع الفجر الصادق ويمتد إلى غروب الشمس فإذا غربت حصل الفطر أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا الحميدي أخبرنا سفيان أخبرنا هشام بن عروة قال : سمعت أبي يقول سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم " .

قوله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) [ وقد نويتم الاعتكاف في المساجد وليس المراد عن مباشرتهن في المساجد لأن ذلك ممنوع منه في غير الاعتكاف والعكوف هو الإقامة على الشيء والاعتكاف في الشرع هو الإقامة في المسجد على عبادة الله وهو سنة ولا يجوز في غير المسجد ويجوز في جميع المساجد أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن يوسف أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده " والآية نزلت في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعتكفون في المسجد فإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها ثم اغتسل فرجع إلى المسجد فنهوا عن ذلك ليلا ونهارا حتى يفرغوا من اعتكافهم فالجماع حرام في حال الاعتكاف ويفسد به الاعتكاف أما ما دون الجماع من المباشرات كالقبلة واللمس بالشهوة فمكروه ولا يفسد به الاعتكاف عند أكثر أهل العلم وهو أظهر قولي الشافعي كما لا يبطل به الحج وقالت طائفة يبطل بها اعتكافه وهو قول مالك وقيل إن أنزل بطل اعتكافه وإن لم ينزل فلا كالصوم ، وأما اللمس الذي لا يقصد به التلذذ فلا يفسد به الاعتكاف لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف أدنى إلي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان " .

قوله تعالى : ( تلك حدود الله ) يعني تلك الأحكام التي ذكرها في الصيام والاعتكاف حدود الله أي ما منع الله عنها قال السدي : شروط الله وقال شهر بن حوشب : فرائض الله وأصل الحد في اللغة المنع ومنه يقال للبواب حداد لأنه يمنع الناس من الدخول وحدود الله ما منع الناس من مخالفتها ( فلا تقربوها ) فلا تأتوها ( كذلك ) هكذا ( يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ) لكي يتقوها فينجوا من العذاب

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أُحلَّ لكم ليلة الصيام الرفث» بمعنى الإفضاء «إلى نسائكم» بالجماع، نزل نسخا لما كان في صدر الإسلام على تحريمه وتحريم الأكل والشرب بعد العشاء «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن» كناية عن تعانقهما أو احتياج كل منهما إلى صاحبه «علم الله أنكم كنتم تختانون» تخونون «أنفسكم» بالجماع ليلة الصيام وقع ذلك لعمر وغيره واعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم «فتاب عليكم» قبل توبتكم «وعفا عنكم فالآن» إذ أحل لكم «باشروهن» جامعوهن «وابتغوا» اطلبوا «ما كتب الله لكم» أي أباحه من الجماع أو قدره من الولد «وكلوا واشربوا» الليل كله «حتى يتبيَّن» يظهر «لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر» أي الصادق بيان للخيط الأبيض وبيان الأسود محذوف أي من الليل شبه ما يبدو من البياض وما يمتد معه من الغبش بخيطين أبيض وأسود في الامتداد «ثم أتُّموا الصيام» من الفجر «إلى الليل» أي إلى دخوله بغروب الشمس «ولا تباشروهن» أي نساءكم «وأنتم عاكفون» مقيمون بنية الاعتكاف «في المساجد» متعلق بعاكفون نهيٌ لمن كان يخرج وهو معتكف فيجامع امرأته ويعود «تلك» الأحكام المذكورة «حدود الله» حدَّها لعباده ليقفوا عندها «فلا تقربوها» أبلغ من لا تعتدوها المعبر به في آية أخرى «كذلك» كما بيَّن لكم ما ذكر «يُبيِّن الله آياته للناس لعلهم يتقون» محارمه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أباح الله لكم في ليالي شهر رمضان جماعَ نسائكم، هنَّ ستر وحفظ لكم، وأنتم ستر وحفظ لهن.

علم الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم؛ بمخالفة ما حرَّمه الله عليكم من مجامعة النساء بعد العشاء في ليالي الصيام -وكان ذلك في أول الإسلام-، فتاب الله عليكم ووسَّع لكم في الأمر، فالآن جامعوهن، واطلبوا ما قدَّره الله لكم من الأولاد، وكلوا واشربوا حتى يتبَيَّن ضياء الصباح من سواد الليل، بظهور الفجر الصادق، ثم أتموا الصيام بالإمساك عن المفطرات إلى دخول الليل بغروب الشمس.

ولا تجامعوا نساءكم أو تتعاطوا ما يفضي إلى جماعهن إذا كنتم معتكفين في المساجد؛ لأن هذا يفسد الاعتكاف (وهو الإقامة في المسجد مدة معلومة بنيَّة التقرب إلى الله تعالى).

تلك الأحكام التي شرعها الله لكم هي حدوده الفاصلة بين الحلال والحرام، فلا تقربوها حتى لا تقعوا في الحرام.

بمثل هذا البيان الواضح يبين الله آياته وأحكامه للناس؛ كي يتقوه ويخشَوْه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الحديث المؤثر عن الدعاء ، عاد القرآن إلى الحديث عن أحكام الصيام ، وعن مظاهر رحمة الله بعباده فيما شرع لهم فقال - تعالى - :( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ .

.

.

)روى بعض المفسرين في سبب نزول هذه الآية الكريمة أحاديث تفيد أن المسلمين كانوا عند ما فرض صيام شهر رمضان .

إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويقربون النساء ما لم يناموا ، فإذا ناموا حرم عليهم بعد ذلك الطعام والشراب وقربان النساء حتى يفطروا من الغد .ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ما أخرجه الإِمام أحمد وابن جرير وابن حاتم عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه .

قال : كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فنام حمر عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده ، فأراد امرأته فقالت إني قد نمت ، فقال ما نمت ثم واقعها ، وصنع كعب مثل ذلك .

فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبهر فنزلت .ومنها ما رواه البخاري عن البراء قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإِفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمس .

وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما وفي رواية : كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما .

فلما حضر الإِفطار أتى امرأته فقال لها : أعندك طعام؟

قالت : لا ، ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل ، فغلبته عيناه فجاءته امرأته فما رأته قالت : خيبة لك .

فلما انتصف النهار غشى عليه ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ ) ففرحوا فرحاً شديداً ، ونزلت ( وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر ) .وجمهور المفسرين - كما يقول الإِمام الرازي - على أن هذه الآية من قبيل النسخ ، لأنها قد نسخت ما كان حاصلا في أول فرضية من أن الصائم إذا نام بعد فطره لا يحل له الأكل أو الشرب أو الجماع إلى أن يفطر من الغد .ويرى بعض العلماء أن الآية ليست من قبيل النسخ وإنما هي إرشاد إلى ما شرعه الله - تعالى - لعباده خلال شهر الصوم من إباحة غشيان أزواجهن ليلا .

ومن جواز الأكل والشرب ، حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، وكأن الصحابة كانوا يتحرجون عن ذلك ظناً منهم أنه من تتمة الصوم ، ورأوا أن لا صبر لأنفسهم عن الأكل والشرب والجماع ليلا ، فبين الله لهم أن ذلك حلال لا حرج فيه .وأصحاب هذا الرأي يستشهدون لذلك بما رواه البخاري عن البراء قال : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله ، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله - تعالى - ( عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ) فالمقصود من الآية الكريمة عند هؤلاء رفع ما توهمه بعض الصحابة من أن الأكل أو الشرب أو الجماع لا يجوز ما دامو قد ناموا بعد فطرهم؛ لأن الله - تعالى - رءوف رحيم بهم ، ولم يشرع لهم ما فيه حرج أو مشقة عليهم .وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تسوق لنا لونا من ألوان رحمة الله - تعالى - بعباده فيما شرع لهم من فرائض وأحكام .والمراد بليلة الصيام : الليلة التي يصبح فيها الإِنسان صائما دون تحديد ليلة معينة من شهر رمضان ، فالإِضافة لأدنى ملابسة .قال الجمل وقوله : ( لَيْلَةَ الصيام ) منصوب على الظرف ، وفي الناصب له ثلاثة أقوال :أحدها : وهو المشهور عند المعربين أنه أحل ، وليس بشئ ، لأن الإِحلال ثابت قبل ذلك الوقت .الثاني : أنه مقدر مدلول عليه بلفظ الرفث تقديره : أحل لكم أن ترفثوا ليلة الصيام .الثالث : أنه متعلق بالرفث وذلك على رأى من يرى الاتساع في الظرف والمجرورات " .والرفث في الأصل : الفحش من القول ، وكلام النساء حين الجماع ، كنى به عن المباشرة للزومه لها غالباً .

يقال رفث في لكامه - كنصر وفرح وكرم - وأرفث ، إذا أفحش فيه .

والمراد به في الآية الجماع والمباشرة .وعدي بإلى - مع أن المستعمل الشائع أن يقال : رفث بالمرأة - لتضمنه معنى الإِفضاء كما في قوله - تعالى - : ( وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ) والمعنى : أحل الله لكم في ليالي صومكم الإِفضاء إلى نسائكم ومباشرتهن وقوله - تعالى - ( هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ) وارد مورد المقتضى لإِباحة مباشرة النساء في ليالي الصيام ، ذلك أن كلا مع الزوجين يسكن إلى صاحبه ، ويكون من شدة القرب منه كالثوب الملابس له وكانت العرب تسمى المرأة لباساً ، وهذه حال تقوى معها الدواعي إلى المباشرة ، فمن رفقه - تعالى - بعباده أن أحلها لهم ليلة الصيام .قال الراغب : جعل اللباس كناية عن الزوج لكونه ستراً لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء ، كما أن اللباس ستر عنه أن يبدو منه السوء .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما موقع قوله : ( هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ ) قلت : هو استئناف كالبيان لسبب الإِحلال ، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن وصعب عليكم اجتنابهن ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن " .وفي هذا التعبير القرآني ما فيه من اللطافة والأدب وسمو التصوير لما بين الرجل وزوجه من شدة الاتصال والمودة واستتار كل واحد منهما بصاحبه .وقوله - تعالى - : ( عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ) جملة معترضة بين قوله : ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام ) وبين قوله : ( فالآن بَاشِرُوهُنَّ ) إلخ .وقد جيء بها لبيان حالهم بالنسبة إلى ما فرط منهم ، ولبيان مظهر من مظاهر لطف الله بهم ، ورحمته إياهم .وقوله : ( تَخْتانُونَ ) قال الراغب : الاختيان مراودة الخيانة ، ولم يقل تخونون أنفسكم لأنه لم تكن منهم الخيانة بل كان منهم الاختيان ، فإن الاختيان تحرك شهوة الإِنسان لتحري الخيانة وذلك هو المشار إليه بقوله - تعالى - : ( إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء ) والمعنى : علم الله - تعالى - أنكم كنتم تراودون أنفسكم على مباشرة نسائكم ليلا ، وعلى الأكل بعد النوم ، قبل أن يظهر الفجر الصادق ، بل إن بعضكم قد فعل ذلك ، فكان من رحمة الله بكم أن أباح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصوم ، وأن قبل توبتكم وعفا عنكم ، أي : محا أثر ما فعلتموه من الأكل والجماع قبل أن يأذن لكم بذلك .وجملة ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) معطوفة على محذوف ، والتقدير : قتبتم فتاب عليكم .والذين لا يرون أن الآية ناسخة لحكم سابق عبر عن وجهة نظرهم صاحب المنار فقال : وقوله - تعالى - : ( عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ ) أي : تتنقصونها بعض ما أحل الله لها من اللذات توهما أن من قبلكم كان كذلك فيكون بمعنى التخون أي : النقص من الشيء أو معناه : تخونون أنفسكم إذ تعتقدون شيائً ثم لا تلتزمون العمل به فهو مبالغة من الخيانة التي هي مخالفة مقتضي الأدلة ولم يقل تختانون الله كما قال في آية أخرى : لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم " للإِشعار بأن الله - تعالى - لم يحرم عليهم بعد النوم في الليل ما حرمه على الصائم في النهار ، وإنما ذهب بهم اجتهادهم إلى ذلك فهم قد خانوا أنفسهم في اعتقادها ، فكانوا كمن يتغشى امرأته ظاناً أنها أجنبية ، فعصيانه بحسب اجتهاده لا بحسب الواقع ، فهم على أية حال كانوا عاصين بما فعلوا محتاجين إلى التوبة والعفو ولذلك قال ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ) .وقوله - تعالى - : ( فالآن بَاشِرُوهُنَّ ) الأمر فيه للإِباحة وهو مرتب على قوله : ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ ) .ولفظ ( فالآن ) يطلق حقيقة على الوقت أنت فيه ، وقد يقع على الماضي القريب منك وعلى المستقبل القريب الوقوع تنزيلا له منزلة الحاضر وهو المراد هنا .( بَاشِرُوهُنَّ ) من المباشرة وأصلها اتصال البشرة بالبشرة ، وكنى بها القرآن عن الجماع الذي يستلزمها .وقوله - تعالى - ( وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ ) تأكيد لما قبله .

والابتغاء الطلب والمعنى : لقد أبحنا لكم الإِفضاء إلى نسائكم في ليالي رمضان بعد أن كان محرماً عليكم فضلا منا ورحمة بكم فالآن باشروهن واطلبوا من وراء هذه المباشرة ما كتبه لكم الله من الذرية الصالحة ومن التعفف عن إتيان الحرام .وفي هذا إشعار بأن النكاح شرع ليبتغي به النسل حتى يتحقق ما يريده الله - تعالى - من بقاء النوع الإِنساني ، ومن صيانة المرء نفسه عن الوقوع في فاحشة الزنا .وقوله - تعالى - ( وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر ) معطوف على باشروهن .والمقصود من الخيط الأبيض : أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره .والمقصود من الخيط الأسود : ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة الليل .والمعنى : لقد أبحنا لكم مباشرة النساء في ليالي الصوم ، وأبحنا لكم كذلك أن تأكلوا وأن تشربوا في هذه الليالي حتى يتبين لكم بياض الفجر من سواد الليل .قال الإِمام الرازي : ( الفجر ) مصدر قولك : فجرت الماء أفجره فجراً ، وفجرته تفجيراً قال الأزهري : الفجر أصله الشق ، فعلى هذا الفجر في آخر الليل هو انشقاق ظلمة الليل بنور الصبح .وقد وردت روايات صحيحة تفيد أن قوله : ( مِنَ الفجر ) قد تأخر نزوله عن الجمل السابقة له .

ففي الصحيحين عن سهل به سعد قال أنزلت ( وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر ) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ، ويأكل حتى يتبين له رؤيتها ، فأنزل الله بعده ( مِنَ الفجر ) فعلموا أنه يعني الليل والنهار .ورويا أيضاً عن عدي بن حاتم قال : لما نزلت هذه الآية ( وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر ) عمدت إلى عقالين لي أسود وأبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر في الليل إليهما فلا يتبين لي ، فعمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك فقال : " إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار " ونزل قوله - تعالى - : ( مِنَ الفجر ) .وشبه بياض النهار وسواد الليل بالخيطين : الأبيض والأسود لأن أول ما يبدوا من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه من غبش الليل يكون كالخيط الممدود .وفي الإتيان بلفظ التفعل في قوله : ( حتى يَتَبَيَّنَ .

.

.

) إشعار بأنه لا يكفي إلا التبين الوضاح لا مجرد التوهم ، فقد روى الإِمام مسلم في صحيحه عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر - أو قال - حتى ينفجر الفجر " .وقوله : ( مِنَ الفجر ) بيان للخيط الأبيض .

واكتفى به عن بيان الخيط الأسود ، لأن بيان أحدهما بيان للثاني ، ويجوز أن تكون " من " للتبعيض ، أي : من بعض الفجر .وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل ) بيان لإنتهاء وقت الصيام بعد أن بينت الجملة السابقة بدايته .

أي : ابدءوا صومكم من طلوع الفجر وانتهوا منه بدخول الليل عند غروب الشمس ، إذ الليل لبس بوقت الصيام .قال الإِمام الرازي : كلمة ( إِلَى ) لإنتهاء الغاية ، فظاهر الآية : أن الصوم ينتهي عند دخول الليل ، وذلك لأن غاية الشيء مقطعه ومنتهاه وإنما يكون مقطعاً ومنتهى إذا لم يبق بعد ذلك وقد تجيء هذه الكلة لا للإِنتهاء كما في قوله - تعالى - : ( إِلَى المرافق ) إلا أن ذلك على خلاف الدليل ، والفرقب بين الصورتين أن الليل من جنس النهار فيكون الليل خارجاً عن حكم النهار ، والمرافق من جنس اليد فيكون داخلا فيه " .وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أقبل الليل من هنا وأدبر النهار من هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم " .وكان من عادته صلى الله عليه وسلم تعجيل الفطر ، فقد روى الشيخان عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " .وقد أخذ العلماء من هذه الآية ومن عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله ، أن من واصل الإِمساك عن المفطرات في الليل فلا ثواب له على هذا الإِمساك ، لأنه لم يقع في الوقت لالذي رسمه الشارع لعبادة الصوم ، بل يعد هذا المواصل فاعلا لمحظور ، فلا بد للصائم من تناول شي من المفطرات بعد غروب الشمس ولو قليلا من الماء .

فقد روى الترمذي عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم تكن رطبات فتميرات ، فإن لم تكن تميزات حسا حسوات من ماء ، والوصال - بمعى أن يصوم الشخص اليوم وما بعده من غير أن يتناول مفطراً في الليل الفاصل بينهما - وردت في النهي عنه أحاديث كثيرة ، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تواصلوا ، قالوا : إنك تواصل يا رسول الله .

قال : لست كأحد منكم إني أطعم وأسقى .

أو قال : إني أظل يطعمني ربي ويسقيني " .وروى الإِمام أحمد عن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت : أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعنى بشير وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال : " يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله ثم أتموا الصيام إلى الليل ، فإذا كان الليل فأفطروا " .وقوله : ( وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ ) كان هذا الإِطلاق مظنة لأن يؤخذ منه أن المعتكف كالصائم في أنه يجوز له أن يباشر زوجته ليلا لا نهاراً ، فبين - سبحانه - بهذه الجملة أن المعتكف يحرم عليه أن يباشر النساء فيي الليل والنهار .قال القرطبي : والاعتكاف في اللغة : الملازمة ، يقال عكف على الشيء إذا لازمه مقبلا عليه .قال الشاعر :وظل بنات الليل حولي عكفا ...

عكوف البواكي بينهن صريعولما كان المعتكف ملازماً للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه لزمه هذا الاسم وهو في عرف الشرع : ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في مو ضع مخصوص .وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب وهو قربة من القرب ونافلة من النوافل عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه ، ويلزمه إن ألزمه نفسه ، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه .وأجمع العلماء على أنه لا يكون إلا في المسجد واختلفوا في المراد بالمساجد في قوله - تعالى - ( فِي المساجد ) فذهب قوم إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه نبي كالمسجد الحرام والمسجد النبوي وبيت المقدس ، وقال آخرون لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة ، وقال آخرون الاعتكاف في كل مسجد جائز .والمشار إليه في قوله - تعالى - : ( تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا ) الأحكام التي سبق تقريرها من إيجاب وتحريم وإباحة .والحدود جمع حد ، وهو في اللغة الحاجز بين الشيئين المتقابلين ليمنع من دخول أحدهما في الآخر .

ومنه سمي الحديد حديداً لأنه يمنع وصول السلاح إلى البدن .و سميت الأحكام التي شرعها الله حدوداً لأنها تحجز بين الحق والباطل .أي : تلك الأحكام التي شرعناها لكم من إيجاب الصوم ، وتحريم الأكل والشرب والجماع في نهاره ، وإباحة ذلك في ليله ، هي حدود الله التي لا يحل لكم مخالفتها أو مجازتها .وعبر - سبحانه - عن النهي عن مخالفة تلك الأحكام بقوله : ( فَلاَ تَقْرَبُوهَا ) مبالغة في التحذير من مخالفتها ، لأن النهي عن القرب من الشيء نهى عن إتيانه بالأولى والآية ترشد بقولها ( فَلاَ تَقْرَبُوهَا ) إلى اجتناب ما فيه شبهة كما ترشد إلى ترك الأشياء التي تقضى في غالب أمرها إلى الوقوع في حرام .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل ( فَلاَ تَقْرَبُوهَا ) مع قوله : ( فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله ) قلت : من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق فنهى أن يتعداه .

لأن من تعداه وقع في حيز الباطل ، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حييز الحق والباطل لئلا يداني الباطل ، وأن يكون في الواسطة متباعداً عن الطرف فضلا عن أن يتخطاه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لكل ملك حمى ، وحمى الله محارمه ، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه " فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد .

ويجوز أن يريد بحدود الله محارزه ومناهيه خصوصاً لقوله - تعالى - : ( وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ ) وهي حدود لا تقرب " .ثم ختم - سبحانه - هذه الآية الكريمة بقوله : ( كذلك يُبَيِّنُ الله آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) .أي : مثل ذلك البيان الجامع الذي بين الله به حدوده التي أمركم بالتزامها ونهاكم عن مخالفتها ، يبين لكم آياته ، أي : أدلته وحججه لكي تصونوا أنفسكم عما يؤدي بكم إلى العقوبة ، وتكونوا ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه .وبذلك تكون الآية الكريمة قد ختمت الحديث عن الصوم ، ببيان مظاهر رفق الله بعباده ، ورعايته لمصالحهم ومنافعهم بأسلوب بليغ جمع بين الترغيب والترهيب ، والإِباحة والتحريم ، وغير ذلك من أنواع الهداية والإِرشاد إلى ما يسعد الناس في دينهم ودنياهم .وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن الصيام ، وما يتعلق به من أحكام ، أردف ذلك بالنهي عن أكل الحرام ، لأنه يؤدي إلى عدم قبول العبادات من صيام واعتكاف ودعاء وغير ذلك فقال - تعالى - :( وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: أنه ذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية، وقال أبو مسلم الأصفهاني هذه الحرمة ما كانت ثابتة في شرعنا ألبتة، بل كانت ثابتة في شرع النصارى، والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان ثابتاً في شرعهم، وجرى فيه على مذهبه من أنه لم يقع في شرعنا نسخ ألبتة، واحتج الجمهور على قولهم بوجوه.

الحجة الأولى: أن قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ يقتضي تشبيه صومنا بصومهم، وقد كانت هذه الحرمة ثابتة في صومهم، فوجب بحكم هذا التشبيه أن تكون ثابتة أيضاً في صومنا، وإذا ثبت أن الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، وهذه الآية ناسخة لهذه الحرمة لزم أن تكون هذه الآية ناسخة لحكم كان ثابتاً في شرعنا.

الحجة الثانية: التمسك بقوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ ﴾ ولو كان هذا الحل ثابتا لهذه الأمة من أول الأمر لم يكن لقوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ ﴾ فائدة.

الحجة الثالثة: التمسك بقوله تعالى: ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ ولو كان ذلك حلالاً لهم لما كان بهم حاجة إلى أن يختانون أنفسهم.

الحجة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ﴾ ولولا أن ذلك كان محرماً عليهم وأنهم أقدموا على المعصية بسبب الإقدام على ذلك الفعل، لما صح قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ﴾ .

الحجة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ فالآن باشروهن ﴾ ولو كان الحل ثابتا قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله: ﴿ فالآن باشروهن ﴾ فائدة.

الحجة السادسة: هي أن الروايات المنقولة في سبب نزول هذه الآية دالة على أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، هذا مجموع دلائل القائلين بالنسخ، أجاب أبو مسلم عن هذه الدلائل فقال: أما الحجة الأولى: فضعيفة لأنا بينا أن تشبيه الصوم بالصوم يكفي في صدقه مشابهتهما في أصل الوجوب.

وأما الحجة الثانية: فضعيفة أيضاً لأنا نسلم أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرع من قبلنا، فقوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ ﴾ معناه أن الذي كان محرماً على غيركم فقد أحل لكم.

وأما الحجة الثالثة: فضعيفة أيضاً، وذلك لأن تلك الحرمة كانت ثابتة في شرع عيسى عليه السلام، وأن الله تعالى أوجب علينا الصوم، ولم يبين في ذلك الإيجاب زوال تلك الحرمة فكان يخطر ببالهم أن تلك الحرمة كانت ثابتة في الشرع المتقدم، ولم يوجد في شرعنا ما دل على زوالها فوجب القول ببقائها، ثم تأكد هذا الوهم بقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ فإن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور، فلما كانت هذه الحرمة ثابتة في الشرع المتقدم وجب أن تكون ثابتة في هذا الشرع، وإن لم تكن حجة قوية إلا أنها لا أقل من أن تكون شبهة موهمة فلأجل هذه الأسباب كانوا يعتقدون بقاء تلك الحرمة في شرعنا، فلا جرم شددوا وأمسكوا عن هذه الأمور فقال الله تعالى: ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ وأراد به تعالى النظر للمؤمنين بالتخفيف لهم بما لو لم تتبين الرخصة فيه لشددوا وأمسكوا عن هذه الأمور ونقصوا أنفسهم من الشهوة، ومنعوها من المراد، وأصل الخيانة النقص، وخان واختان وتخون بمعنى واحد كقولهم: كسب واكتسب وتكسب، فالمراد من الآية: علم الله أنه لو لم يتبين لكم إحلال الأكل والشرب والمباشرة طول الليل أنكم كنتم تنقصون أنفسكم شهواتها وتمنعونها لذاتها ومصلحتها بالإمساك عن ذلك بعد النوم كسنة النصارى.

وأما الحجة الرابعة: فضعيفة لأن التوبة من العباد الرجوع إلى الله تعالى بالعبادة ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان، وأما العفو فهو التجاوز فبين الله تعالى إنعامه علينا بتخفيف ما جعله ثقيلاً على من قبلنا كقوله: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ  ﴾ .

وأما الحجة الخامسة: فضعيفة لأنهم كانوا بسبب تلك الشبهة ممتنعين عن المباشرة، فلما بين الله تعالى ذلك وأزال الشبهة فيه لا جرم قال: ﴿ فالئان باشروهن ﴾ .

وأما الحجة السادسة: فضعيفة لأن قولنا: هذه الآية ناسخة لحكم كان مشروعاً لا تعلق له بباب العمل ولا يكون خبر الواحد حجة فيه، وأيضاً ففي الآية ما يدل على ضعف هذه الروايات لأن المذكور في تلك الروايات أن القوم اعترفوا بما فعلوا عند الرسول، وذلك على خلاف قول الله تعالى: ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ لأن ظاهره هو المباشرة، لأنه افتعال من الخيانة، فهذا حاصل الكلام في هذه المسألة.

المسألة الثانية: القائلون بأن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، ثم إنها نسخت ذكروا في سبب نزول هذه الآية أنه كان في أول الشريعة يحل الأكل والشرب والجماع، ما لم يرقد الرجل أو يصل العشاء الآخرة، فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء إلى الليلة الآتية، فجاء رجل من الأنصار عشية وقد أجهده الصوم، واختلفوا في اسمه، فقال معاذ: اسمه أبو صرمة، وقال البراء: قيس بن صرمة، وقال الكلبي: أبو قيس بن صرمة، وقيل: صرمة بن أنس، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبب ضعفه فقال: يا رسول الله عملت في النخل نهاري أجمع حتى أمسيت فأتيت أهلي لتطعمني شيئاً فأبطأت فنمت فأيقظوني، وقد حرم الأكل فقام عمر فقال: يا رسول الله أعتذر إليك من مثله.

رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء الآخرة، فأتيت امرأتي، فقال عليه الصلاة والسلام: «لم تكن جديراً بذلك يا عمر» ثم قام رجال فاعترفوا بالذي صنعوا فنزل قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ ﴾ .

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث ﴾ أي أحل الله وقرأ عبد الله ﴿ الرفوث ﴾ .

المسألة الرابعة: قال الواحدي: ليلة الصيام أراد ليالي الصيام فوقع الواحد موقع الجماعة، ومنه قول العباس بن مرادس: فقلنا أسلموا إنا أخوكم *** فقد برئت من الأحن الصدور وأقول فيه وجه آخر وهو أنه ليس المراد من ﴿ لَيْلَةَ الصيام ﴾ ليلة واحدة بل المراد الإشارة إلى الليلة المضافة إلى هذه الحقيقة.

المسألة الخامسة: قال الليث: الرفث أصله قول الفحش، وأنشد الزجاج: ورب أسراب حجيج كقلم *** عن اللغا ورفث التكلم يقال رفث في كلامه يرفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح قال تعالى: ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ  ﴾ وعن ابن عباس أنه أنشد وهو محرم: وهن يمشين بنا هميساً *** أن يصدق الطير ننك لميسا فقيل له: أترفث؟

فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء فثبت أن الأصل في الرفث هو قول الفحش ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معاني الإفضاء، ثم جعل كناية عن الجماع وعن كل ما يتبعه.

فإن قيل: لم كنى هاهنا عن الجماع بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله: ﴿ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ  ﴾ ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا  ﴾ ﴿ أَوْ لامستم النساء  ﴾ ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ  ﴾ ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ  ﴾ ﴿ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ  ﴾ ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ  ﴾ ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ  ﴾ .

جوابه: السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختيانا لأنفسهم، والله اعلم.

المسألة السادسة: قال الأخفش: إنما عدى الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله: ﴿ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ  ﴾ .

المسألة السابعة: قوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث ﴾ يقتضي حصول الحل في جميع الليل لأن ﴿ لَيْلَةَ ﴾ نصب على الظرف، وإنما يكون الليل ظرفاً للرفث لو كان الليل كله مشغولا بالرفث، وإلا لكان ظرف ذلك الرفث بعض الليل لاكله، فعلى هذا النسخ حصل بهذا اللفظ، وأما الذي بعده في قوله: ﴿ وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود ﴾ فذاك يكون كالتأكيد لهذا النسخ، وأما الذي يقول: إن قوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث ﴾ يفيد حل الرفث في الليل، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به فيكون الناسخ هو قوله: ﴿ كُلُواْ واشربوا ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في تشبيه الزوجين باللباس وجوها أحدها: أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سمي كل واحد منهما لباساً، قال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن، وقال ابن زيد: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، يريد أن كل واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن أبصار الناس.

وثانيها: إنما سمي الزوجان لباساً ليستر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحل، كما جاء في الخبر: «من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه».

وثالثها: أنه تعالى جعلها لباساً للرجل، من حيث إنه يخصها بنفسه، كما يخص لباسه بنفسه، ويراها أهلاً لأن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس.

ورابعها: يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت، لو لم تكن المرأة حاضرة، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار.

وخامسها: ذكر الأصم أن المراد أن كل واحد منهما كان كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي يفعلونه، وهذا ضعيف لأنه تعالى أورد هذا الوصف على طريق الإنعام علينا، فكيف يحمل على التستر بهن في المحظور.

المسألة الثانية: قال الواحدي: إنما وحد اللباس بعد قوله: ﴿ هُنَّ ﴾ لأنه يجري مجرى المصدر، وفعال من مصادر فاعل، وتأويله: هن ملابسات لكم.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما موقع قوله: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ ﴾ فنقول: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا حصلت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن، وضعف عليكم اجتنابهن، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن.

أما قوله تعالى: ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: يقال: خانه يخونه خوناً وخيانة إذا لم يف له، والسيف إذا نبا عن الضربة فقد خانك، وخانه الدهر إذا تغير حاله إلى الشر، وخان الرجل الرجل إذا لم يؤد الأمانة، وناقض العهد خائن، لأنه كان ينتظر منه الوفاء فغدر، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً  ﴾ أي نقضاً للعهد، ويقال للرجل المدين: إنه خائن، لأنه لم يف بما يليق بدينه، ومنه قوله تعالى: ﴿ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول وَتَخُونُواْ أماناتكم  ﴾ وقال: ﴿ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ  ﴾ ففي هذه الآية سمى الله المعصية بالخيانة، وإذا علمت معنى الخيانة، فقال صاحب الكشاف: الاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة.

المسألة الثانية: أن الله تعالى ذكر هاهنا أنهم كانوا يختانون أنفسهم، إلا أنه لم يذكر أن تلك الخيانة كانت فيماذا؟

فلابد من حمل هذه الخيانة على شيء يكون له تعلق بما تقدم وما تأخر، والذي تقدم هو ذكر الجماع، والذي تأخر قوله: ﴿ فالئان باشروهن ﴾ فيجب أن يكون المراد بهذه الخيانة الجماع، ثم هاهنا وجهان: أحدهما: علم الله أنكم كنتم تسرون بالمعصية في الجماع بعد العتمة والأكل بعد النوم وتركبون المحرم من ذلك وكل من عصى الله ورسوله فقد خان نفسه وقد خان الله، لأنه جلب إليها العقاب، وعلى هذا القول يجب أن يقطع على أنه وقع ذلك من بعضهم لأنه لا يمكن حمله على وقوعه من جميعهم، لأن قوله: ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ إن حمل على ظاهره وجب في جميعهم أن يكونوا مختانين لأنفسهم، لكنا قد علمنا أن المراد به التبعيض للعادة والإخبار، وإذا صح ذلك فيجب أن يقطع على وقوع هذا الجماع المحظور من بعضهم، فمن هذا الوجه يدل على تحريم سابق وعلى وقوع ذلك من بعضهم، ولأبي مسلم أن يقول قد بينا أن الخيانة عبارة عن عدم الوفاء بما يجب عليه فأنتم حملتموه على عدم الوفاء بطاعة الله، ونحن حملناه على عدم الوفاء بما هو خير للنفس وهذا أولى، لأن الله تعالى لم يقل: علم الله أنكم كنتم تختانون الله، كما قال: ﴿ لاَ تَخُونُواْ الله  ﴾ ما قال: ﴿ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ فكان حمل اللفظ على ما ذكرناه إن لم يكن أولى فلا أقل من التساوي وبهذا التقدير لا يثبت النسخ.

القول الثاني: أن المراد: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لو دامت تلك الحرمة ومعناه: أن الله يعلم أنه لو دام ذلك التكليف الشاق لوقعوا في الخيانة، وعلى هذا التفسير ما وقعت الخيانة ويمكن أن يقال التفسير الأول أولى لأنه لا حاجة فيه إلى إضمار الشرط وأن يقال بل الثاني أولى، لأن على التفسير الأول يصير إقدامهم على المعصية سبباً لنسخ التكليف، وعلى التقدير الثاني: علم الله أنه لو دام ذلك التكليف لحصلت الخيانة فصار ذلك سبباً لنسخ التكليف رحمة من الله تعالى على عباده حتى لا يقعوا في الخيانة.

أما قوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ فمعناه على قول أبي مسلم فرجع عليكم بالاذن في هذا الفعل والتوسعة عليكم وعلى قول مثبتي النسخ لابد فيه من إضمار تقديره: تبتم فتاب عليكم فيه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَعَفَا عَنكُمْ ﴾ فعلى قول أبي مسلم معناه وسع عليكم أن أباح لكم الأكل والشرب والمعاشرة في كل الليل ولفظ العفو قد يستعمل في التوسعة والتخفيف قال عليه السلام: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» وقال أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله والمراد منه التخفيف بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت ويقال: أتاني هذا المال عفوا، أي سهلا فثبت أن لفظ العفو غير مشعر بسبق التحريم، وأما على قول مثبتي النسخ فقوله: ﴿ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ لابد وأن يكون تقديره: عفا عن ذنوبكم، وهذا مما يقوي أيضاً قول أبي مسلم لأن تفسيره لا يحتاج إلى الإضمار وتفسير مثبتي النسخ يحتاج إلى الإضمار.

أما قوله تعالى: ﴿ فالئان باشروهن ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا أمر وارد عقب الخطر فالذين قالوا: الأمر الوارد عقيب الخطر ليس إلا للإباحة، كلامهم ظاهر وأما الذين قالوا: مطلق الأمر للوجوب قالوا إنما تركنا الظاهر وعرفنا كون هذا الأمر للاباحة بالإجماع.

المسألة الثانية: المباشرة فيها قولان: أحدهما: وهو قول الجمهور أنها الجماع، سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين وإنضمامهما، ومنها ما روي أنه عليه السلام نهى أن يباشر الرجل الرجل، والمرأة المرأة الثاني: وهو قول الأصم: أنه الجماع فما دونه وعلى هذا الوجه اختلف المفسرين في معنى قوله: ﴿ وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد ﴾ فمنهم من حمله على كل المباشرات ولم يقصره على الجماع والأقرب أن لفظ المباشرة لما كان مشتقاً من تلاصق البشرتين لم يكن مختصاً بالجماع بل يدخل فيه الجماع فيما دون الفرج، وكذا المعانقة والملامسة إلا أنهم إنما اتفقوا في هذه الآية على أن المراد به هو الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم، ولأن الرفث المتقدم ذكره لا يراد به إلا الجماع إلا أنه لما كان إباحة الجماع تتضمن إباحة ما دونه صارت إباحته دالة على إباحة ما عداه، فصح هاهنا حمل الكلام على الجماع فقط، ولما كان في الاعتكاف المنع من الجماع لا يدل على المنع مما دونه صلح اختلاف المفسرين فيه، فهذا هو الذي يجب أن يعتمد عليه، على ما لخصه القاضي.

أما قوله: ﴿ وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في الآية وجوها أحدها: وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها، ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل قال عليه السلام: «تناكحوا تناسلوا تكثروا».

وثانيها: أنه نهى عن العزل، وقد رويت الأخبار في كراهية ذلك وقال الشافعي: لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها ولا بأس أن يعزل عن الأمة وروى عاصم عن زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه أنه كان يكره العزل، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعزل عن الحرة إلا باذنها.

وثالثها: أن يكون المعنى: ابتغوا المحل الذي كتب الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله  ﴾ .

ورابعها: أن هذا التأكيد تقديره: فالآن باشروهن وابتغوا هذه المباشرة التي كتبها لكم بعد أن كانت محرمة عليكم.

وخامسها: وهو على قول أبي مسلم: فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم، يعني هذه المباشرة التي كان الله تعالى كتبها لكم وإن كنتم تظنوها محرمة عليكم.

وسادسها: أن مباشرة الزوجة قد تحرم في بعض الأوقات بسبب الحيض والنفاس والعدة والردة فقوله: ﴿ وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ يعني لا تباشروهن إلا في الأحوال والأوقات التي أذن لكم في مباشرتهن.

وسابعها: أن قوله: ﴿ فالئان باشروهن ﴾ إذن في المباشرة وقوله: ﴿ وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ يعني لا تبتغوا هذه المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة لأن ذلك هو الذي كتب الله لكم بقوله: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم  ﴾ .

وثامنها: قال معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء: يعني اطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب فيها إن وجدتموها، وجمهور المحققين استبعدوا هذا الوجه، وعندي أنه لا بأس به، وذلك هو أن الإنسان ما دام قلبه مشتغلا بطلب الشهوة واللذة، لا يمكنه حينئذ أن يتفرغ للطاعة والعبودية والحضور، أما إذا قضى وطره وصار فارغاً من طلب الشهوة يمكنه حينئذ أن يتفرغ للعبودية، فتقدير الآية: فالآن باشروهن حتى تتخلصوا من تلك الخواطر المانعة عن الإخلاص في العبودية، وإذا تخلصتم منها فابتغوا ما كتب الله من الاخلاص في العبودية في الصلاة والذكر والتسبيح والتهليل وطلب ليلة القدر، ولا شك أن هذه الرواية على هذا التقدير غير مستبعدة.

المسألة الثانية: ﴿ كَتَبَ ﴾ فيه وجوه: أحدها: أن ﴿ كَتَبَ ﴾ في هذا الموضوع بمعنى جعل، كقوله: ﴿ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان  ﴾ أي جعل، وقوله: ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين  ﴾ ﴿ فسأكتبها لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ  ﴾ أي اجعلها.

وثانيها: معناه قضى الله لكم كقوله: ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا  ﴾ أي قضاه، وقوله: ﴿ كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى  ﴾ وقوله: ﴿ لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل  ﴾ أي قضى.

وثالثها: أصله هو ما كتب الله في اللوح المحفوظ مما هو كائن، وكل حكم حكم به على عباده فقد أثبته في اللوح المحفوظ.

ورابعها: هو ما كتب الله في القرآن من إباحة هذه الأفعال.

المسألة الثالثة: قرأ ابن عباس ﴿ وابتغوا ﴾ وقرأ الأعمش ﴿ وابغوا ﴾ .

أما قوله: ﴿ وَكُلُواْ واشربوا ﴾ فالفائدة في ذكرهما أن تحريمهما وتحريم الجماع بالليل بعد النوم، لما تقدم احتيج في إباحة كل واحد منها إلى دليل خاص يزول به التحريم، فلو اقتصر تعالى على قوله: ﴿ فالئان باشروهن ﴾ لم يعلم بذلك زوال تحريم الأكل والشرب، فقرن إلى ذلك قوله: ﴿ وَكُلُواْ واشربوا ﴾ لتتم الدلالة على الإباحة.

أما قوله تعالى: ﴿ حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: روي أنه لما نزلت هذه الآية قال عدي بن حاتم أخذت عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما، فلم يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحك، وقال: «إنك لعريض القفا، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل»، وإنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك لعريض القفا» لأن ذلك مما يستدل به على بلاهة الرجل، ونقول: يدل قطعاً على أنه تعالى كنى بذلك عن بياض أول النهار وسواد آخر الليل، وفيه إشكال وهو أن بياض الصبح المشبه بالخيط الأسود هو بياض الصبح الكاذب، لأنه بياض مستطيل يشبه الخيط، فأما بياض الصبح الصادق فهو بياض مستدير في الأفق فكان يلزم بمقتضى هذه الآية أن يكون أول النهار من طلوع الصبح الكاذب وبالإجماع أنه ليس كذلك.

وجوابه: أنه لولا قوله تعالى في آخر هذه الآية: ﴿ مِنَ الفجر ﴾ لكان السؤال لازماً، وذلك لأن الفجر إنما يسمى فجراً لأنه ينفجر منه النور، وذلك إنما يحصل في الصبح الثاني لا في الصبح الأول، فلما دلت الآية على أن الخيط الأبيض يجب أن يكون من الفجر، علمنا أنه ليس المراد منه الصبح الكاذب بل الصبح الصادق، فإن قيل: فكيف يشبه الصبح الصادق بالخيط، مع أن الصبح الصادق ليس بمستطيل والخيط مستطيل.

وجوابه: أن القدر من البياض الذي يحرم هو أول الصبح الصادق، وأول الصبح الصادق لا يكون منتشراً بل يكون صغيراً دقيقاً، بل الفرق بينه وبين الصبح الكاذب أن الصبح الكاذب يطلع دقيقاً، والصادق يبدو دقيقاً، ويرتفع مستطيلاً فزال السؤال، فأما ما حكي عن عدي بن حاتم فبعيد، لأنه يبعد أن يخفى على مثله هذه الإستعارة مع قوله تعالى: ﴿ مِنَ الفجر ﴾ .

المسألة الثانية: لا شك أن كلمة ﴿ حتى ﴾ لانتهاء الغاية، فدلت هذه الآية على أن حل المباشرة والأكل والشرب ينتهي عند طلوع الصبح، وزعم أبو مسلم الأصفهاني لا شيء من المفطرات إلا أحد هذه الثلاثة، فأما الأمور التي تذكرها الفقهاء من تكلف القيء والحقنة والسعوط فليس شيء منها بمفطر، قال لأن كل هذه الأشياء كانت مباحة ثم دلت هذه الآية على حرمة هذه الثلاثة على الصائم بعد الصبح، فبقي ما عداها على الحل الأصلي، فلا يكون شيء منها مفطراً والفقهاء قالوا إن الله تعالى خص هذه الأشياء الثلاثة بالذكر لأن النفس تميل إليها، وأما القيء والحقنة فالنفس تكرههما، والسعوط نادر فلهذا لم يذكرها.

المسألة الثالثة: مذهب أبي هريرة والحسن بن صالح بن جني أن الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال لم يكن له صوم، وهذه الآية تدل على بطلان قولهم لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلى انفجار الصبح لم يمكنه الاغتسال إلا بعد انفجار الصبح.

المسألة الرابعة: زعم الأعمش أنه يحل الأكل والشرب والجماع بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس قياساً لأول النهار على آخره، فكما أن آخره بغروب القرص، وجب أن يكون أوله بطلوع القرص، وقال في الآية أن المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود النهار والليل، ووجه الشبهة ليس إلا في البياض والسواد، فإما أن يكون التشبيه في الشكل مراداً فهذا غير جائز لأن ظلمة الأفق حال طلوع الصبح لا يمكن تشبيهها بالخيط الأسود في الشكل ألبتة، فثبت أن المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود هو النهار والليل ثم لما بحثنا عن حقيقة الليل في قوله: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل ﴾ وجدناها عبارة عن زمان غيبة الشمس بدليل أن الله تعالى سمى ما بعد المغرب ليلاً مع بقاء الضوء فيه فثبت أن يكون الأمر في الطرف الأول من النهار كذلك، فيكون قبل طلوع الشمس ليلاً، وأن لا يوجد النهار إلا عند طلوع القرص، فهذا تقرير قول الأعمش، ومن الناس من سلم أن أول النهار إنما يكون من طلوع الصبح فقاس عليه آخر النهار، ومنهم من قال: لا يجوز الإفطار إلا بعد غروب الحمرة، ومنهم من زاد عليه وقال: بل لا يجوز الإفطار إلا عند طلوع الكواكب، وهذه المذاهب قد انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها فلا فائدة في استقصاء الكلام فيها.

المسألة الخامسة: ﴿ الفجر ﴾ مصدر قولك: فجرت الماء أفجره فجراً، وفجرته تفجيراً.

قال الأزهري: الفجر أصله الشق، فعلى هذا الفجر في آخر الليل هو إنشقاق ظلمة الليل بنور الصبح، وأما في قوله تعالى: ﴿ مِنَ الفجر ﴾ فقيل للتبعيض لأن المعتبر بعض الفجر لا كله، وقيل للتبيين كأنه قيل: الخيط الأبيض الذي هو الفجر.

المسألة السادسة: أن الله تعالى لما أحل الجماع والأكل والشرب إلى غاية تبين الصبح، وجب أن يعرف أن تبين الصبح ما هو؟

فنقول: الطريق إلى معرفة تبين الصبح إما أن يكون قطيعاً أو ظنياً، أما القطعي فبأن يرى طلوع الصبح أو يتيقن أنه مضى من الزمان ما يجب طلوع الصبح عنده وأما الظني فنقول: إما أن يحصل ظن أن الصبح طلع فيحرم الأكل والشرب والوقاع فإن حصل ظن أنه ما طلع كان الأكل والشرب والوقاع مباحاً، فإن أكل ثم تبين بعد ذلك أن ذلك الظن خطأ وأن الصبح كان قد طلع عند ذلك الأكل فقد اختلفوا، وكذلك إن ظن أن الشمس قد غربت فأفطر ثم تبين أنها ما كانت غاربة فقال الحسن: لا قضاء في الصورتين قياساً على ما لو أكل ناسياً، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي في رواية المزني عنه: يجب القضاء لأنه أمر بالصوم من الصبح إلى الغروب ولم يأت به وأما الناسي فعند مالك يجب عليه القضاء، وأما الباقون الذين سلموا أنه لا قضاء قالوا: مقتضى الدليل وجوب القضاء عليه أيضاً، إلا أنا أسقطناه عنه للنص، وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال: أكلت وشربت وأنا صائم فقال عليه الصلاة والسلام: «أطعمك الله وسقاك فأنت ضيف الله فتم صومك».

والقول الثالث: أنه إذا أخطأ في طلوع الصبح لا يجب القضاء، وإذا أخطأ في غروب الشمس يجب القضاء، والفرق أن الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان، والثابت في الليل حل الأكل، وفي النهار حرمته، أما إذا لم يغلب على ظنه لا بقاء الليل ولا طلوع الصبح، بل بقي متوقفاً في الأمرين، فهاهنا يكره له الأكل والشرب والجماع، فإن فعل جاز، لأن الأصل بقاء الليل والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن كلمة ﴿ إلى ﴾ لانتهاء الغاية، فظاهر الآية أن الصوم ينتهي عند دخول الليل، وذلك لأن غاية الشيء مقطعه ومنتهاه، وإنما يكون مقطعاً ومنتهى إذا لم يبق بعد ذلك، وقد تجيء هذه الكلمة لا للانتهاء كما قوله تعالى: ﴿ إِلَى المرافق  ﴾ إلا أن ذلك على خلاف الدليل، والفرق بين الصورتين أن الليل ليس من جنس النهار، فيكون الليل خارجاً عن حكم النهار، والمرافق من جنس اليد فيكون داخلاً فيه، وقال أحمد بن يحيى: سبيل إلى الدخول والخروج، وكلا الأمرين جائز، تقول: أكلت السمكة إلى رأسها، وجائز أن يكون الرأس داخلاً في الأكل وخارجاً منه، إلا أنه لا يشك ذو عقل أن الليل خارج عن الصوم، إذ لو كان داخلاً فيه لعظمت المشقة ودخلت المرافق في الغسل أخذاً بالأوثق، ثم سواء قلنا إنه مجمل أو غير مجمل، فقد ورد الحديث الصحيح فيه، وهو ما روى عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وقد غربت الشمس فقد أفطر الصائم» فهذا الحديث يدل على أن الصوم ينتهي في هذا الوقت.

فأما أنه يجب على المكلف أن يتناول عند هذا الوقت شيئاً، فالدليل عليه ما روى الشافعي رضي الله تعالى عنه بإسناده عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال، قيل: يا رسول الله تواصل، أي كيف تنهانا عن أمر أنت تفعله؟

فقال: «إني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»، وقيل فيه معان أحدها: أنه كان يطعم ويسقى من طعام الجنة والثاني: أنه عليه الصلاة والسلام قال: إني على ثقة من أني لو احتجت إلى الطعام أطعمني مواصلاً، وحكى محمد بن جرير الطبري عن ابن الزبير، أنه كان يواصل سبعة أيام، فلما كبر جعلها خمساً، فلما كبر جداً جعلها ثلاثاً، فظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه يدل على أن هذا النهي نهي تحريم، وقيل: هو نهي تنزيه، لأنه ترك للمباح، وعلى هذا التأويل صح فعل ابن الزبير، إذا عرفت هذا فنقول: إذا تناول شيئاً قليلاً ولو قطرة من الماء، فعلى ذلك هو بالخيار في الإستيفاء إلا أن يخاف المرء من التقصير في صوم المستأنف، أو في سائر العبادات، فيلزم حينئذ أن يتناول من الطعام قدراً يزول به هذا الخوف.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن الليل ما هو؟

فمن الناس من قال: آخر النهار على أوله، فاعتبروا في حصول الليل زوال آثار الشمس، كما حصل اعتبار زوال الليل عند ظهور آثار الشمس ثم هؤلاء منهم من اكتفي بزوال الحمرة، ومنهم من اعتبر ظهور الظلام التام وظهور الكواكب، إلا أن الحديث الذي رواه عمر يبطل ذلك وعليه عمل الفقهاء.

المسألة الثالثة: الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن التبييت والتعيين غير معتبر في صحة الصوم، قالوا: الصوم في اللغة هو الإمساك، وقد وجد هاهنا فيكون صائماً، فيجب عليه إتمامه، لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل ﴾ فوجب القول بصحته، لأن الإمساك حرج ومشقة وعسر وهو منفي بقوله تعالى: ﴿ مَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر  ﴾ ترك العمل به في الصوم الصحيح فيبقى غير الصحيح على الأصل، ثم نقول: مقتضى هذا الدليل، أن يصح صوم الفرض بنية بعد الزوال إلا أنا قلنا: الأقل يلحق بالأغلب فلا جرم أبطلنا الصوم بنية بعد الزوال وصححنا نيته قبل الزوال.

المسألة الرابعة: الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن صوم النفل يجب إتمامه قالوا: لأن قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل ﴾ أمر وهو للوجوب، وهو يتناول كل الصيامات، والشافعية قالوا: هذا إنما ورد لبيان أحكام صوم الفرض، فكان المراد منه صوم الفرض.

الحكم السابع: من الأحكام المذكورة في هذه السورة الاعتكاف: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما بين الصوم، وبين أن من حكمه تحريم المباشرة، كان يجوز أن يظن في الإعتكاف أن حاله كحال الصوم في أن الجماع يحرم فيه نهاراً لا ليلاً، فبين تعالى تحريم المباشرة فيه نهاراً وليلاً، فقال: ﴿ وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد ﴾ ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: الإعتكاف اللغوي ملازمة المرء للشيء وحبس نفسه عليه، براً كان أو إثماً، قال تعالى: ﴿ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ  ﴾ والإعتكاف الشرعي: المكث في بيت الله تقرباً إليه، وحاصله راجع إلى تقييد اسم الجنس بالنوع بسبب العرف، وهو من الشرائع القديمة، قال الله تعالى: ﴿ أن طَهّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد ﴾ .

المسألة الثانية: لو لمس الرجل المرأة بغير شهوة جاز، لأن عائشة رضي الله عنها كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف، أما إذا لمسها بشهوة، أو قبلها، أو باشرها فيما دون الفرج، فهو حرام على المعتكف، وهل يبطل بها اعتكافه؟

للشافعي رحمه الله فيه قولان: الأصح أنه يبطل، وقال أبو حنيفة، لا يفسد الإعتكاف إذا لم ينزل، احتج من قال بالإفساد أن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين، فقوله: ﴿ وَلاَ تباشروهن ﴾ منع من هذه الحقيقة، فيدخل فيه الجماع وسائر هذه الأمور، لأن مسمى المباشرة حاصل في كلها.

فإن قيل: لم حملتم المباشرة في الآية المتقدمة على الجماع؟

قلنا: لأن ما قبل الآية يدل على أنه هو الجماع، وهو قوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث ﴾ وسبب نزول تلك الآية يدل على أنه هو الجماع، ثم لما أذن في الجماع كان ذلك إذناً فيما دون الجماع بطريق الأولى، أما هاهنا فلم يوجد شيء من هذه القرائن، فوجب إبقاء لفظ المباشرة على موضعه الأصلي وحجة من قال: إنها لا تبطل الإعتكاف، أجمعنا على أن هذه المباشرة لا تفسد الصوم والحج، فوجب أن لا تفسد الإعتكاف لأن الاعتكاف ليس أعلى درجة منهما والجواب: أن النص مقدم على القياس.

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن شرط الإعتكاف ليس الجلوس في المسجد وذلك لأن المسجد مميز عن سائر البقاع من حيث إنه بني لإقامة الطاعات فيه، ثم اختلفوا فيه فنقل عن علي رضي الله عنه أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام والحجة فيه قوله تعالى: ﴿ أَن طَهّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين  ﴾ فعين ذلك البيت لجميع العاكفين، ولو جاز الإعتكاف في غيره لما صح ذلك العموم وقال عطاء: لا يجوز إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة، لما روى عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي».

وقال حذيفة: يجوز في هذين المسجدين وفي مسجد بيت المقدس لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا».

وقال الزهري: لا يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة: لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب، وقال الشافعي رضي الله عنه: يجوز في جميع المساجد، إلا أن المسجد الجامع أفضل حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة، واحتج الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية لأن قوله: ﴿ وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد ﴾ عام يتناول كل المساجد.

المسألة الرابعة: يجوز الإعتكاف بغير صوم والأفضل أن يصوم معه، وقال أبو حنيفة لا يجوز إلا بالصوم، حجة الشافعي رضي الله عنه هذه الآية، لأنه بغير الصوم عاكف والله تعالى منع العاكف من مباشرة المرأة ولو كان إعتكافه باطلاً لما كان ممنوعاً ترك العمل بظاهر اللفظ إذا ترك النية فيبقى فيما عداه على الأصل واحتج المزني بصحة قول الشافعي رضي الله عنهما بأمور ثلاثة الأول: لو كان الإعتكاف يوجب الصوم لما صح في رمضان، لأن الصوم الذي هو موجبه إما صوم رمضان وهو باطل لأنه واجب بسبب الشهر لا بسبب الاعتكاف، أو صوم آخر سوى صوم رمضان، وذلك ممتنع وحيث أجمعوا على أنه يصح في رمضان، علمنا أن الصوم لا يوجبه الإعتكاف والثاني: أنه لو كان الإعتكاف لا يجوز إلا مقارناً بالصوم لخرج الصائم بالليل عن الإعتكاف لخروجه فيه عن الصوم، ولما كان الأمر بخلاف ذلك، علمنا أن الإعتكاف يجوز مفرداً أبداً بدون الصوم والثالث: ما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف الله ليلة فقال عليه الصلاة والسلام: «أوف بنذرك».

ومعلوم أنه لا يجوز الصوم في الليل.

المسألة الخامسة: قال الشافعي رضي الله عنه: لا تقدير لزمان الإعتكاف فلو نذر اعتكاف ساعة ينعقد ولو نذر أن يعتكف مطلقاً يخرج عن نذره باعتكافه ساعة، كما لو نذر أن يتصدق مطلقاً تصدق بما شاء من قليل أو كثير، ثم قال الشافعي رضي الله عنه: وأحب أن يعتكف يوماً وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه لا يجوز اعتكاف أقل من يوم بشرط أن يدخل قبل طلوع الفجر، ويخرج بعد غروب الشمس، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه ليس تقدير الإعتكاف بمقدار معين من الزمان أولى من بعض، فوجب ترك التقدير والرجوع إلى أقل ما لابد منه، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن الإعتكاف هو حبس النفس عليه، وذلك لا يحصل في اللحظة الواحدة، ولأن على هذا التقدير لا يتميز المعتكف عمن ينتظر الصلاة.

أما قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ لا يجوز أن يكون إشارة إلى حكم الإعتكاف لأن الحدود جمع ولم يذكر الله تعالى في الإعتكاف إلا حداً واحداً، وهو تحريم المباشرة بل هو إشارة إلى كل ما تقدم في أول آية الصوم إلى هاهنا على ما سبق شرح مسائلها على التفصيل.

المسألة الثانية: قال الليث: حد الشيء مقطعه ومنتهاه قال الأزهري: ومنه يقال للمحروم محدود لأنه ممنوع عن الرزق ويقال للبواب: حداد لأنه يمنع الناس من الدخول وحد الدار ما يمنع غيرها من الدخول فيها، وحدود الله ما يمنع من مخالفتها والمتكلمون يسمون الكلام الجامع المانع: حداً، وسمي الحديد: حديداً لما فيه من المنع، وكذلك إحداد المرأة لأنها تمنع من الزينة إذا عرفت الإشتقاق فنقول: المراد من حدود الله محدوداته أي مقدوراته التي قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة.

أما قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ ففيه إشكالان الأول: أن قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ إشارة إلى كل ما تقدم، والأمور المتقدمة بعضها إباحة وبعضها حظر فكيف قال في الكل ﴿ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ والثاني: أنه تعالى قال في آية أخرى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا  ﴾ وقال في آية المواريث ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ  ﴾ وقال هاهنا: ﴿ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ فكيف الجمع بينهما؟

والجواب عن السؤالين من وجوه: الأول: وهو الأحسن والأقوى أن من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق، فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الضلال، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيز الحق والباطل، لئلا يداني الباطل وأن يكون بعيداً عن الطرف فضلاً أن يتخطاه كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه».

الثاني: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم  ﴾ .

الثالث: أن الأحكام المذكورة فيما قبل وإن كانت كثيرة إلا أن أقربها إلى هذه الآية إنما هو قوله: ﴿ وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد ﴾ وقبل هذه الآية قوله: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل ﴾ وذلك يوجب حرمة الأكل والشرب في النهار، وقبل هذه الآية قوله: ﴿ وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ وهو يقتضي تحريم مواقعة غير الزوجة والمملوكة وتحريم مواقعتهما في غير المأتي وتحريم مواقعتهما في الحيض والنفاس والعدة والردة، وليس فيه إلا إباحة الشرب والأكل والوقاع في الليل، فلما كانت الأحكام المتقدمة أكثرها تحريمات، لا جرم غلب جانب التحريم فقال: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ أي تلك الأشياء التي منعتم عنها إنما منعتم عنها بمنع الله ونهيه عنها فلا تقربوها.

أما قوله تعالى: ﴿ كذلك يبين الله آياته للناس ﴾ ففيه وجوه: أحدها: المراد أنه كما بين ما أمركم به ونهاكم عنه في هذا الموضع، كذلك يبين سائر أدلته على دينه وشرعه.

وثانيها: قال أبو مسلم: المراد بالآيات الفرائض التي بينها كما قال: ﴿ سُورَةٌ أنزلناها وفرضناها وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءايات بينات  ﴾ ثم فسر الآيات بقوله: ﴿ الزانية والزانى  ﴾ إلى سائر ما بينه من أحكام الزنا، فكأنه تعالى قال: كذلك يبين الله للناس ما شرعه لهم ليتقوه بأن يعملوا بما لزم.

وثالثها: يحتمل أن يكون المراد أنه سبحانه لما بين أحكام الصوم على الاستقصاء في هذه الآية بالألفاظ القليلة بياناً سافياً وافياً، قال بعده: ﴿ كذلك يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ لِلنَّاسِ ﴾ أي مثل هذا البيان الوافي الواضح الكامل هو الذي يذكر للناس، والغرض منه تعظيم حال البيان وتعظيم رحمته على الخلق في ذكره مثل هذا البيان.

أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ فقد مر شرحه غير مرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه، فإذا دعى أسرعت تلبيته، ونحوه ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد ﴾ [ق: 16] وقوله عليه الصلاة والسلام: «هو بينكم وبين أعناق رواحلكم» وروي: أنّ أعربياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟

فنزلت: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى ﴾ إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم.

وقرئ ﴿ يرشَدون ويرشِدون ﴾ ، بفتح الشين، وكسرها.

كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد، فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة، ثم إنّ عمر رضي الله عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، وأخبره بما فعل، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما كنت جديراً بذلك يا عمر» فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء، فنزلت.

وقرئ: ﴿ أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث ﴾ ، أي أحلّ الله.

وقرأ عبد الله: ﴿ الرفوث ﴾ ، وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، كلفظ النيك، وقد أرفث الرجل.

وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه أنشد وهو محرم: وهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ** إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِك لَمِيسَا فقيل له: أرفثت؟

فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء.

وقال الله تعالى: ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ ﴾ فكنى به عن الجماع، لأنه لا يكاد يخلو من شيء من ذلك.

فإن قلت: لم كنى عنه هاهنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله: ﴿ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ [النساء: 21] ، ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ﴾ [الأعراف: 189] ، ﴿ باشروهن ﴾ ، ﴿ أَوْ لامستم النساء ﴾ [النساء: 43] ، ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ [النساء: 23] ، ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ ﴾ [البقرة: 223] ، ﴿ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ [البقرة: 237] ، ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ [النساء: 24] ، ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ ﴾ [البقرة: 222] ؟

قلت: استهجاناً لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختياناً لأنفسهم.

فإن قلت: لم عدى الرفث بإلى؟

قلت: لتضمينه معنى الإفضاء.

لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه، شبه باللباس المشتمل عليه.

قال الجعدي: إذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهَا ** تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا فإن قلت: ما موقع قوله: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ ﴾ ؟

قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قلّ صبركم عنهنّ وصعب عليكم اجتنابهنّ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهنّ ﴿ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ تظلمونها وتنقصونها حظها من الخير.

والاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور ﴿ وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة، أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل.

وقيل: هو نهى عن العزل لأنه في الحرائر.

وقيل: وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلّله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرّم.

وعن قتادة: وابتغوا ما كتب الله لكم من الإباحة بعد الحظر.

وقرأ ابن عباس: (واتبعوا) وقرأ الأعمش: (وأتوا) وقيل معناه: واطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها وقمتموها، وهو قريب من بدع التفاسير ﴿ الخيط الابيض ﴾ هو أوّل من يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود.

و ﴿ الخيط الأسود ﴾ ما يمتدّ معه من غبش الليل، شبها بخيطين أبيض وأسود.

قال أبو داؤد: فَلَمَّا أضَاءَتْ لَنَا سَدْفَةٌ ** وَلاَحَ مِنَ الصُّبْحِ خيط أنَارَا وقوله: ﴿ مِنَ الفجر ﴾ بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود.

لأنّ بيان أحدهما بيان للثاني.

ويجوز أن تكون (من) للتبعيض: لأنه بعض الفجر وأوّله.

فإن قلت: أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه؟

قلت: قوله: ﴿ مِنَ الفجر ﴾ أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك: رأيت أسداً مجاز.

فإذا زدت (من فلان) رجع تشبيهاً.

فإن قلت: فلم زيد ﴿ مِنَ الفجر ﴾ حتى كان تشبيهاً؟

وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة؟

قلت: لأنّ من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام، ولو لم يذكر ﴿ مِنَ الفجر ﴾ لم يعلم أن الخيطين مستعاران، فزيد ﴿ مِنَ الفجر ﴾ فكان تشبيهاً بليغاً وخرج من أن يكون استعارة.

فإن قلت: فكيف التبس على عديّ بن حاتم مع هذا البيان حتى قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فضحك وقال: «إن كان وسادك لعريضا» وروي: (إنك لعريض القفا، إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل)؟

قلت: غفل عن البيان، ولذلك عرّض رسول الله صلى الله عليه وسلم قفاه، لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته.

وأنشدتني بعض البدويات لبدوي: عَرِيضُ القَفَا مِيزَانُهُ فِي شِمَالِه ** قَدِ انحص مِنْ حَسْبِ القَرَارِيطِ شَارِبُهْ فإن قلت: فما تقول فيما روي عن سهل بن سعد الساعدي: أنها نزلت ولم ينزل ﴿ مِنَ الفجر ﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له، فنزل بعد ذلك ﴿ مِنَ الفجر ﴾ فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار؟

وكيف جاز تأخير البيان وهو يشبه العبث، حيث لا يفهم منه المراد، إذ ليس باستعارة لفقد الدلالة، ولا بتشبيه قبل ذكر الفجر، فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة وهي غير مرادة؟

قلت: أما من لم يجوّز تأخير البيان- وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو مذهب أبي عليّ وأبي هاشم- فلم يصح عندهم هذا الحديث.

وأما من يجوّزه فيقول: ليس بعبث.

لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد منه ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل ﴾ قالوا: فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفي صوم الوصال ﴿ عاكفون فِي المساجد ﴾ معتكفون فيها.

والاعتكاف أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد فيه.

والمراد بالمباشرة الجماع لما تقدم من قوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ ﴾ ، ﴿ فالن باشروهن ﴾ وقيل معناه: ولا تلامسوهنّ بشهوة، والجماع يفسد الاعتكاف، وكذلك إذا لمس أو قبل فأنزل.

وعن قتادة كان الرجل إذا اعتكف خرج فباشر امرأته ثم رجع إلى المسجد، فنهاهم الله عن ذلك.

وقالوا: فيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد، وأنه لا يختصّ به مسجد دون مسجد.

وقيل: لا يجوز إلا في مسجد نبيّ وهو أحد المساجد الثلاثة.

وقيل: في مسجد جامع.

والعامة على أنه في مسجد جماعة.

وقرأ مجاهد: ﴿ في المسجد ﴾ ﴿ تِلْكَ ﴾ الأحكام التي ذكرت ﴿ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ فلا تغشوها.

فإن قلت: كيف قيل: ﴿ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ مع قوله: ﴿ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله ﴾ [البقرة: 229] ؟

قلت: من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الباطل، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحدّ الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل لئلا يداني الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعداً عن الطرف فضلاً عن أن يتخطاه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد.

ويجوز أن يريد بحدود الله محارمه ومناهيه خصوصاً، لقوله: ﴿ وَلاَ تباشروهن ﴾ وهي حدود لا تقرب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ ﴾ رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا أمْسَوْا حَلَّ لَهُمُ الأكْلُ والشُّرْبُ والجِماعُ إلى أنْ يُصَلُّوا العِشاءَ الآخِرَةَ أوْ يَرْقُدُوا، ثُمَّ: إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ باشَرَ بَعْدَ العِشاءِ فَنَدِمَ وأتى النَّبِيَّ  واعْتَذَرَ إلَيْهِ، فَقامَ رِجالٌ واعْتَرَفُوا بِما صَنَعُوا بَعْدَ العِشاءِ فَنَزَلَتْ.

وَلَيْلَةُ الصِّيامِ: اللَّيْلَةُ الَّتِي تُصْبِحُ مِنها صائِمًا، والرَّفَثُ: كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، لِأنَّهُ لا يَكادُ يَخْلُو مِن رَفَثٍ وهو الإفْصاحُ بِما يَجِبُ أنْ يُكَنّى عَنْهُ، وعُدِّيَ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ، وإيثارُهُ هاهُنا لِتَقْبِيحِ ما ارْتَكَبُوهُ ولِذَلِكَ سَمّاهُ خِيانَةً.

وقُرِئَ « الرُّفُوثُ» ﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ﴾ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ سَبَبَ الإحْلالِ وهو قِلَّةُ الصَّبْرِ عَنْهُنَّ، وصُعُوبَةُ اجْتِنابِهِنَّ لِكَثْرَةِ المُخالَطَةِ وشِدَّةِ المُلابَسَةِ، ولَمّا كانَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ يَعْتَنِقانِ ويَشْتَمِلُ كُلٌّ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ شُبِّهَ بِاللِّباسِ قالَ الجَعْدِيُّ: إذا ما الضَّجِيعُ ثَنّى عِطْفَها...

تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسا أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسْتُرُ حالَ صاحِبِهِ ويَمْنَعُهُ مِنَ الفُجُورِ.

﴿ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ تَظْلِمُونَها بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ، وتَنْقِيصِ حَظِّها مِنَ الثَّوابِ، والِاخْتِيانُ أبْلَغُ مِنَ الخِيانَةِ كالِاكْتِسابِ مِنَ الكَسْبِ.

﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ لَمّا تُبْتُمْ مِمّا اقْتَرَفْتُمُوهُ.

﴿ وَعَفا عَنْكُمْ ﴾ ومَحا عَنْكم أثَرَهُ.

﴿ فالآنَ باشِرُوهُنَّ ﴾ لَمّا نَسَخَ عَنْكُمُ التَّحْرِيمَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالقُرْآنِ، والمُباشَرَةُ: إلْزاقُ البَشَرَةِ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الجِماعِ.

﴿ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ واطْلُبُوا ما قَدَّرَهُ لَكم وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِنَ الوَلَدِ، والمَعْنى أنَّ المُباشِرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ غَرَضُهُ الوَلَدَ فَإنَّهُ الحِكْمَةُ مِن خَلْقِ الشَّهْوَةِ.

وشَرَعَ النِّكاحَ لا قَضاءَ الوَطَرِ، وقِيلَ النَّهْيُ عَنِ العَزْلِ، وقِيلَ عَنْ غَيْرِ المَأْتِيِّ.

والتَّقْدِيرُ وابْتَغُوا المَحِلَّ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم.

﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ﴾ شَبَّهَ أوَّلَ ما يَبْدُو مِنَ الفَجْرِ المُعْتَرِضِ في الأُفُقِ وما يَمْتَدُّ مَعَهُ مِن غَبَشِ اللَّيْلِ، بِخَيْطَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ، واكْتَفى بِبَيانِ الخَيْطِ الأبْيَضِ بِقَوْلِهِ ﴿ مِنَ الفَجْرِ ﴾ عَنْ بَيانِ الخَيْطِ الأسْوَدِ، لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ.

وبِذَلِكَ خَرَجا عَنِ الِاسْتِعارَةِ إلى التَّمْثِيلِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْعِيضِ، فَإنَّ ما يَبْدُو بَعْضُ الفَجْرِ.

وما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ الفَجْرِ، فَعَمَدَ رِجالٌ إلى خَيْطَيْنِ أسْوَدَ وأبْيَضَ ولا يَزالُونَ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ حَتّى يَتَبَيَّنا لَهم فَنَزَلَتْ، إنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ كانَ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضانَ وتَأْخِيرِ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ جائِزَةً، أوِ اكْتَفى أوَّلًا بِاشْتِهارِهِما في ذَلِكَ ثُمَّ صَرَّحَ بِالبَيانِ لِما التَبَسَ عَلى بَعْضِهِمْ وفي تَجْوِيزِ المُباشَرَةِ إلى الصُّبْحِ الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ الغُسْلِ إلَيْهِ وصِحَّةِ صَوْمِ المُصْبِحِ جُنُبًا ﴿ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ ﴾ بَيانٌ لِآخِرِ وقْتِهِ اللَّيْلِ عَنْهُ فَيَنْفِي صَوْمَ الوِصالِ ﴿ وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ ﴾ مُعْتَكِفُونَ فِيها والِاعْتِكافُ هو اللُّبْثُ في المَسْجِدِ بِقَصْدِ القُرْبَةِ.

والمُرادُ بِالمُباشَرَةِ: الوَطْءُ.

وعَنْ قَتادَةَ كانَ الرَّجُلُ يَعْتَكِفُ فَيَخْرُجُ إلى امْرَأتِهِ فَيُباشِرُها ثُمَّ يَرْجِعُ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاعْتِكافَ يَكُونُ في المَسْجِدِ ولا يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ دُونَ مَسْجِدٍ.

وَأنَّ الوَطْءَ يَحْرُمُ فِيهِ ويُفْسِدُهُ لِأنَّ النَّهْيَ في العِباداتِ يُوجِبُ الفَسادَ.

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ أيِ الأحْكامُ الَّتِي ذُكِرَتْ.

﴿ فَلا تَقْرَبُوها ﴾ نَهى أنْ يُقْرَبَ الحَدُّ الحاجِزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ لِئَلّا يُدانِيَ الباطِلَ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَخَطّى عَنْهُ.

كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وإنَّ حِمى اللَّهِ مَحارِمُهُ فَمَن رَتَعَ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ» .

وَهُوَ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ ﴿ فَلا تَعْتَدُوها ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِ ﴿ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ مَحارِمَهُ ومَناهِيَهُ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّبْيِينِ ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ مُخالَفَةَ الأوامِرِ والنَّواهِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)

كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة ثم إن عمر رضى الله عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبي عليه السلام وأخبره بما فعل فقال عليه السلام ما كنت جديراً بذلك فنزل {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث} إي الجماع {إلى نسائكم} عدى بالى لتضمنه معنى الإفضاء وإنما كنى عنه بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يقل الإفضاء إلى نسائكم استقباحاً لما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختياناً لأنفسهم ولما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه شبه باللباس المشتمل عليه بقوله تعالى {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} وقيل لباس أي ستر عن الحرام وهن لباس لكم استئناف كالبيان لسبب الإحلال وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخ الطة والملابسة قل صبركم عنهن وصعب عليكم اجتنابهن فلذا رخص لكم في مباشرتهن {عَلِمَ

الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} تظلمونها بالجماع وتنقصونها حظها من الخير والاختيان من الخيانة كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور {وَعَفَا عنكم} ما فعلتم قبل الرخصة {فالآن باشروهن} جامعوهن في ليالي الصوم وهو أمر إباحة وسميت المجامعه مباشرة لالتصاق بشرتيهما

البقرة (١٨٧ _ ١٨٨)

{وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ} واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة أى لا تباشروالقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل أو وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم {وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض} هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود {مِنَ الخيط الأسود} وهو ما يمتد من سواد الليل شبهاً بخيطين أبيص وأسوج لامتدادهما {مِنَ الفجر} بيان أن الخيط الأبيض من الفجر لا من غيره واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر أو من للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوله وقوله من الفجر أخرجه من باب الاستعارة وصيره تشبيهاً بليغاً كما أن قولك رأيت أسد امجازا فاذا ازدت من فلان رجع تشبيها وعن عدى بن حاتم قال عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتى فنظرت الهيما فلم يتبين لي الأبيض من الأسود فأخبرت النبي عليه السلام بذلك فقال إنك لعريض القفا أي سليم القلب لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل وفي قوله {ثم أتموا الصيام إلى الليل} أى الكف عن هذه الأشياء وفيه دليل على جدواز النية بالنهار في صوم رمضان وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر وعلى نفي الوصال وعلى وجوب الكفارة في الأكل

والشرب وعلى أن الجنابة لا تنافي الصوم {وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد} معتكفون فيها بيّن أن الجماع يحل في ليالي رمضان لكن لغير المعتكف والجملة في موضع الحال وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد {تِلْكَ} الأحكام التي ذكرت {حُدُودُ الله} أحكامه المحدودة {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} بالمخالفة والتغيير {كذلك يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ} شرائعه {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يتقون} المحارم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

والثّانِي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ ﴾ أخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: «كانَ النّاسُ في رَمَضانَ إذا صامَ الرَّجُلُ فَنامَ، حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعامُ والشَّرابُ والنِّساءُ حَتّى يُفْطِرَ مِنَ الغَدِ، فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِن عِنْدِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذاتَ لَيْلَةٍ وقَدْ سَمَرَ عِنْدَهُ، فَوَجَدَ امْرَأتَهُ قَدْ نامَتْ، فَأيْقَظَها وأرادَها، فَقالَتْ: إنِّي قَدْ نِمْتُ، فَقالَ: ما نِمْتِ؟

ثُمَّ وقَعَ بِها، وصَنَعَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَغَدا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرَهُ فَنَزَلَتْ».

وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - بَيْنَما هو نائِمٌ؛ إذْ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ فَأتى أهْلَهُ، ثُمَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أعْتَذِرُ إلى اللَّهِ - تَعالى - وإلَيْكَ مِن نَفْسِي هَذِهِ الخاطِئَةَ، فَإنَّها زُيِّنَتْ لِي، فَواقَعْتُ أهْلِي، هَلْ تَجِدُ لِي مِن رُخْصَةٍ؟

قالَ: ”لَمْ تَكُنْ حَقِيقًا بِذَلِكَ يا عُمَرُ“ فَلَمّا بَلَغَ بَيْتَهُ أرْسَلَ إلَيْهِ، فَأنْبَأهُ بِعُذْرِهِ في آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وأمَرَ اللَّهُ - تَعالى - رَسُولَهُ أنْ يَضَعَها في المِائَةِ الوُسْطى مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، فَقالَ: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ ﴾ إلَخْ،» و ﴿ لَيْلَةَ الصِّيامِ ﴾ اللَّيْلَةُ الَّتِي يُصْبِحُ مِنها صائِمًا، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، والمُرادُ بِها الجِنْسُ، وناصِبُها ﴿ الرَّفَثُ ﴾ المَذْكُورُ أوِ المَحْذُوفُ الدّالُّ هو عَلَيْهِ، بِناءً عَلى أنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ مُتَقَدِّمًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لأحل لِأنَّ إحْلالَ الرَّفَثِ في لَيْلَةِ الصِّيامِ وإحْلالَ الرَّفَثِ الَّذِي فِيها مُتَلازِمانِ، والرَّفَث مِن رَفَثَ في كَلامِهِ وأرْفَثَ وتَرْفُثُ أفْحَشُ وأفْصَحُ بِما يُكَنّى عَنْهُ، والمُرادُ بِهِ هُنا الجِماعُ؛ لِأنَّهُ لا يَكادُ يَخْلُو مِنَ الإفْصاحِ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ أنْشَدَ، وهو مُحْرِمٌ: وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسا إنْ صَدَقَ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسا فَقِيلَ لَهُ: أرَفَثْتَ؟

فَقالَ: إنَّما الرَّفَثُ ما كانَ عِنْدَ النِّساءِ، فالرَّفَثُ فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا وأنْ يَكُونَ فِعْلًا، والأصْلُ فِيهِ أنْ يَتَعَدّى ( بِالباءِ ) وعُدِّيَ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ، ولَمْ يَجْعَلْ مِن أوَّلِ الأمْرِ كِنايَةً عَنْهُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هو الجِماعُ، فَقَصُرَتِ المَسافَةُ، وإيثارُهُ هَهُنا عَلى ما كَنّى بِهِ عَنْهُ في جَمِيعِ القُرْآنِ مِنَ التَّغْشِيَةِ والمُباشَرَةِ واللَّمْسِ والدُّخُولِ ونَحْوِها، اسْتِقْباحًا لِما وُجِدَ مِنهم قَبْلَ الإباحَةِ، ولِذا سَمّاهُ اخْتِيانًا فِيما بَعْدُ، والنِّساءُ جَمْعُ نِسْوَةٍ، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، أوْ جَمْعُ امِرْأةٍ عَلى غَيْرِ اللَّفْظِ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِلِاخْتِصاصِ؛ إذْ لا يَحِلُّ الإفْضاءُ إلّا لِمَنِ اخْتُصَّ بِالمُفْضِي، إمّا بِتَزْوِيجٍ أوْ مِلْكٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ( الرُّفُوثُ ).

﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ﴾ أيْ: هُنَّ سَكَنٌ لَكم وأنْتُمْ سَكَنٌ لَهُنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ حِينَ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، وأنْشَدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَمّا قالَ لَهُ هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟

قَوْلَ الذِّبْيانِيِّ: إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى عِطْفَهُ تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكانَتْ لِباسا ولَمّا كانَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ يَتَعانَقانِ ويَشْتَمِلُ كُلٌّ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ، شُبِّهَ كَلُّ واحِدٍ بِالنَّظَرِ إلى صاحِبِهِ بِاللِّباسِ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسْتُرُ صاحِبَهُ ويَمْنَعُهُ عَنِ الفُجُورِ، وقَدْ جاءَ في الخَبَرِ: «”مَن تَزَوَّجَ فَقَدْ أحْرَزَ ثُلُثَيْ دِينِهِ“،» والجُمْلَتانِ مُسْتَأْنِفَتانِ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا، والبَيانِيُّ يَأْباهُ الذَّوْقُ، ومَضْمُونُهُما بَيانٌ لِسَبَبِ الحُكْمِ السّابِقِ، وهو قِلَّةُ الصَّبْرِ عَنْهُنَّ كَما يُسْتَفادُ مِنَ الأُولى، وصُعُوبَةُ اجْتِنابِهِنَّ كَما تُفِيدُهُ الثّانِيَةُ، ولِظُهُورِ احْتِياجِ الرَّجُلِ إلَيْهِنَّ وقِلَّةِ صَبْرِهِ قُدِّمَ الأوْلى، وفي الخَبَرِ: «”لا خَيْرَ في النِّساءِ ولا صَبْرَ عَنْهُنَّ، يَغْلِبْنَ كَرِيمًا ويَغْلِبُهُنَّ لَئِيمٌ، وأُحِبُّ أنْ أكُونَ كِرِيمًا مَغْلُوبًا، ولا أُحِبُّ أنْ أكُونَ لَئِيمًا غالِبًا“».

﴿ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: أحَلَّ إلَخْ وبَيْنَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، أعْنِي ﴿ فالآنَ ﴾ إلَخْ؛ لِبَيانِ حالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى ما فَرَطَ مِنهم قَبْلَ الإحْلالِ، ومَعْنى عُلِمَ تَعَلَّقَ عِلْمُهُ، و( الِاخْتِيانُ ) تَحَرُّكُ شَهْوَةِ الإنْسانِ لِتَحَرِّي الخِيانَةِ أوِ الخِيانَةُ البَلِيغَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: تُنْقِصُونَ أنْفُسَكم تَنْقِيصًا تامًّا بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ وتَنْقِيصِ حَظِّها مِنَ الثَّوابِ، ويُؤَوَّلُ إلى مَعْنى: تَظْلِمُونَها بِذَلِكَ، والمُرادُ الِاسْتِمْرارُ عَلَيْهِ فِيما مَضى قَبْلَ إخْبارِهِمْ بِالحالِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَتا الماضِي والمُضارِعِ، وهو مُتَعَلِّقُ العِلْمِ، وما تُفْهِمُهُ الصِّيغَةُ الأُولى مِن تَقَدُّمِ كَوْنِهِمْ عَلى الخِيانَةِ عَلى العِلْمِ يَأْبى حَمْلَهُ عَلى الأزَلِيِّ الذّاهِبِ إلَيْهِ البَعْضُ ﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( عِلْمِ ) والفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ، والمُرادُ قَبْلَ تَوْبَتِكم حِينَ تُبْتُمْ عَنِ المَحْظُورِ الَّذِي ارْتَكَبْتُمُوهُ، ﴿ وعَفا عَنْكُمْ ﴾ أيْ: مَحا أثَرَهُ عَنْكم وأزالَ تَحْرِيمَهُ، وقِيلَ: الأوَّلُ لِإزالَةِ التَّحْرِيمِ، وهَذا لِغُفْرانِ الخَطِيئَةِ، ﴿ فالآنَ ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ ﴾ نَظَرًا إلى ما هو المَقْصُودُ مِنَ الإحْلالِ، وهو إزالَةُ التَّحْرِيمِ؛ أيْ: حِينَ نَسَخَ عَنْكم تَحْرِيمَ القُرْبانِ، وهو لَيْلَةُ الصِّيامِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الغايَةُ الآتِيَةُ، فَإنَّها غايَةٌ لِلْأوامِرِ الأرْبَعَةِ الَّتِي هَذا ظَرْفُها، والحُضُورُ المَفْهُومُ مِنهُ بِالنَّظَرِ إلى فِعْلِ نَسْخِ التَّحْرِيمِ، ولَيْسَ حاضِرًا بِالنَّظَرِ إلى الخِطابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ باشِرُوهُنَّ ﴾ ، وقِيلَ: إنَّهُ وإنْ كانَ حَقِيقَةً في الوَقْتِ الحاضِرِ، إلّا أنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى المُسْتَقْبَلِ القَرِيبِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ الحاضِرِ، وهو المُرادُ هُنا أوْ إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ والتَّقْدِيرُ قَدْ أبَحْنا لَكم مُباشَرَتَهُنَّ، وأصْلُ المُباشَرَةِ إلْزاقُ البَشَرَةِ بِالبَشَرَةِ، وأُطْلِقَتْ عَلى الجِماعِ لِلُزُومِها لَها.

﴿ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أيِ: اطْلُبُوا ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لَكم في اللَّوْحِ مِنَ الوَلَدِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وغَيْرِهِمْ، والمُرادُ الدُّعاءُ بِطَلَبِ ذَلِكَ بِأنْ يَقُولُوا: اللَّهُمَّ ارْزُقْنا ما كَتَبْتَ لَنا، وهَذا لا يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ يَعْلَمَ كُلُّ واحِدٍ أنَّهُ قُدِّرَ لَهُ ولَدٌ، وقِيلَ: المُرادُ ما قَدَّرَهُ لِجِنْسِكم والتَّعْبِيرُ بِـ ما نَظَرًا إلى الوَصْفِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والسَّماءِ وما بَناها ﴾ وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُباشِرَ يَنْبَغِي أنْ يَتَحَرّى بِالنِّكاحِ حِفْظَ النَّسْلِ - لا قَضاءَ الشَّهْوَةِ فَقَطْ - لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَعَلَ لَنا شَهْوَةَ الجِماعِ لِبَقاءِ نَوْعِنا إلى غايَةٍ كَما جَعَلَ لَنا شَهْوَةَ الطَّعامِ لِبَقاءِ أشْخاصِنا إلى غايَةٍ، ومُجَرَّدُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا لِلْبَهائِمِ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا الطَّلَبَ كِنايَةً عَنِ النَّهْيِ عَنِ العَزْلِ، أوْ عَنْ إتْيانِ المَحاشِّ، وبَعْضٌ فَسَّرَ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ ما كُتِبَ بِما سَنَّ وشَرِّعَ مِن صَبِّ الماءِ في مَحَلِّهِ؛ أيِ: اطْلُبُوا ذَلِكَ دُونَ العَزْلِ والإتْيانِ المَذْكُورَيْنِ - والمَشْهُورُ حُرْمَتُهُما - أمّا الأوَّلُ فالمَذْكُورُ في الكُتُبِ فِيهِ أنَّهُ لا يَعْزِلُ الرَّجُلُ عَنِ الحُرَّةِ بِغَيْرِ رِضاها، وعَنِ الأمَةِ المَنكُوحَةِ بِغَيْرِ رِضاها أوْ رِضا سَيِّدِها عَلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ الإمامِ وصاحِبَيْهِ، ولا بَأْسَ بِالعَزْلِ عَنْ أمَتِهِ بِغَيْرِ رِضاها؛ إذْ لا حَقَّ لَها.

وأمّا الثّانِي فَسَيَأْتِي بَسْطُ الكَلامِ فِيهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - .

ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أيْضًا، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ: ( ابْتَغُوا ) الرُّخْصَةَ ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ ﴾ تَعالى لَكم فَإنَّ اللَّهَ - تَعالى - يُحِبُّ أنْ تُؤْتى رُخَصُهُ، كَما يُحِبُّ أنْ تُؤْتى عَزائِمُهُ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - كَيْفَ تُقْرَأُ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ ابْتَغَوُا ﴾ أوِ ( اتْبَعُوا ) ؟

فَقالَ: أيُّهُما شِئْتَ، وعَلَيْكَ بِالقِراءَةِ الأُولى، ﴿ وكُلُوا واشْرَبُوا ﴾ اللَّيْلَ كُلَّهُ، ﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ ﴾ أيْ: يَظْهَرَ.

﴿ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ ﴾ وهو أوَّلُ ما يَبْدُو مِنَ الفَجْرِ الصّادِقِ المُعْتَرِضِ في الأُفُقِ قَبْلَ انْتِشارِهِ، وحَمْلُهُ عَلى الفَجْرِ الكاذِبِ المُسْتَطِيلِ المُمْتَدِّ كَذَنَبِ السِّرْحانِ، وهْمٌ ﴿ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ ﴾ وهو ما يَمْتَدُّ مَعَ بَياضِ الفَجْرِ مِن ظُلْمَةِ آخِرِ اللَّيْلِ.

﴿ مِنَ الفَجْرِ ﴾ بَيانٌ لِأوَّلِ الخَيْطَيْنِ، ومِنهُ يَتَبَيَّنُ الثّانِي، وخَصَّهُ بِالبَيانِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، وقِيلَ: بَيانٌ لَهُما بِناءً عَلى أنَّ ( الفَجْرَ ) عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِهِما لِقَوْلِ الطّائِيِّ: وأزْرَقُ الفَجْرِ يَبْدُو ∗∗∗ قَبْلَ أبْيَضِهِ فَهُوَ عَلى وِزانِ قَوْلِكَ: حَتّى يَتَبَيَّنَ العالِمُ مِنَ الجاهِلِ مِنَ القَوْمِ، وبِهَذا البَيانِ خَرَجَ الخَيْطانِ عَنْ الِاسْتِعارَةِ إلى التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ شَرْطَها عِنْدَهم تَناسِيهِ بِالكُلِّيَّةِ، وادِّعاءُ أنَّ المُشَبَّهَ هو المُشَبَّهُ بِهِ لَوْلا القَرِينَةُ والبَيانُ يُنادِي عَلى أنَّ المُرادَ مِثْلُ هَذا الخَيْطِ وهَذا الخَيْطِ؛ إذْ هُما لا يَحْتاجانِ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِن تَبْعِيضِيَّةً؛ لِأنَّ ما يَبْدُو جُزْءٌ مِنَ ( الفَجْرِ ) كَما أنَّهُ فَجْرٌ بِناءً عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الكُلِّ والجُزْءِ، ومِنَ الأُولى قِيلَ: لِابْتِداءِ لِلْغايَةِ، وفِيهِ أنَّ الفِعْلَ المُتَعَدِّيَ بِها يَكُونُ مُمْتَدًّا أوْ أصْلًا لِلشَّيْءِ المُمْتَدِّ، وعَلامَتُها أنْ يَحْسُنَ في مُقابَلَتِها إلى أوْ ما يُفِيدُ مُفادَها، وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، فالظّاهِرُ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ يَتَبَيَّنُ بِتَضْمِينِ مَعْنى التَّمَيُّزِ، والمَعْنى: حَتّى يَتَّضِحَ لَكُمُ الفَجْرُ مُتَمَيِّزًا عَنْ غَبَشِ اللَّيْلِ، فالغايَةُ إباحَةُ ما تَقَدَّمَ.

﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ ﴾ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ ويُمَيَّزَ بَيْنَهُما، ومِن هَذا وجْهُ عَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِـ ﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ﴾ الفَجْرُ، أوْ ﴿ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ﴾ ؛ لِأنَّ تَبَيُّنَ الفَجْرِ لَهُ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ، فَيَصِيرُ الحُكْمُ مُجْمَلًا مُحْتاجًا إلى البَيانِ، وما أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿ وكُلُوا واشْرَبُوا ﴾ إلَخْ، ولَمْ يُنْزَلْ ﴿ مِنَ الفَجْرِ ﴾ فَكانَ رِجالٌ إذا أرادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهم في رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ، فَلا يَزالُ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - بَعْدُ: ﴿ مِنَ الفَجْرِ ﴾ ، فَعَلِمُوا إنَّما يَعْنِي اللَّيْلَ والنَّهارَ، فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلى أنَّ الآيَةَ قَبْلُ مُحْتاجَةٌ إلى البَيانِ بِحَيْثُ لا يُفْهَمُ مِنها المَقْصُودُ إلّا بِهِ، وأنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ جائِزٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الخَيْطانِ مُشْتَهِرَيْنِ في المُرادِ مِنهُما، إلّا أنَّهُ صَرَّحَ بِالبَيانِ لِما التَبَسَ عَلى بَعْضِهِمْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وصَفَ مَن لَمْ يَفْهَمِ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ قَبْلَ التَّصْرِيحِ بِالبَلادَةِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ مَوْقُوفًا عَلى البَيانِ لاسْتَوى فِيهِ الذَّكِيُّ والبَلِيدُ، فَقَدْ أخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وكُلُوا واشْرَبُوا ﴾ إلَخْ عَمَدْتُ إلى عِقالَيْنِ أحَدُهُما أسْوَدُ والآخَرُ أبْيَضُ، فَجَعَلْتُهُما تَحْتَ وِسادَتِي، فَجَعَلْتُ أنْظُرُ إلَيْهِما، فَلا يَتَبَيَّنُ لِيَ الأبْيَضُ مِنَ الأسْوَدِ، فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَقالَ: ”إنَّ وِسادَكَ إذًا لَعَرِيضٌ، إنَّما ذاكَ بَياضُ النَّهارِ مِن سَوادِ اللَّيْلِ“ وفي رِوايَةٍ: ”إنَّكَ لَعَرِيضُ القَفا“،» وقِيلَ: إنَّ نُزُولَ الآيَةِ كانَ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضانَ - وهي مُبْهَمَةٌ - والبَيانُ ضَرُورِيٌّ، إلّا أنَّهُ تَأخَّرَ عَنْ وقْتِ الخِطابِ لا عَنْ وقْتِ الحاجَةِ، وهو لا يَضُرُّ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ هَذا مِن بابِ النَّسْخِ، ألا تَرى أنَّ الصَّحابَةَ عَمِلُوا بِظاهِرِ ما دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، ثُمَّ صارَ مَجازًا بِالبَيانِ، ويَرُدُّهُ عَلى ما فِيهِ أنَّ النَّسْخَ يَكُونُ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ ولَمْ يُعْهَدْ نَسْخٌ هَكَذا، وفي هَذِهِ الأوامِرِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالكِتابِ، بَلْ عَلى وُقُوعِهِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ الحُكْمَ المَنسُوخَ مِن حُرْمَةِ الوِقاعِ والأكْلِ والشُّرْبِ كانَتْ ثابِتَةً بِالسُّنَّةِ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْها، وأحِلُّ أيْضًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّهُ نَسْخٌ بِلا بَدَلٍ وهو مُخْتَلَفٌ فِيهِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى صِحَّةِ صَوْمِ الجُنُبِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن إباحَةِ المُباشَرَةِ إلى تَبَيُّنِ الفَجْرِ إباحَتُها في آخِرِ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ اللَّيْلِ مُتَّصِلٍ بِالصُّبْحِ، فَإذا وقَعَتْ كَذَلِكَ أصْبَحَ الشَّخْصُ جُنُبًا، فَإنْ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ لَمّا جازَتِ المُباشَرَةُ؛ لِأنَّ الجَنابَةَ لازِمَةٌ لَها ومُنافِي اللّازِمِ مُنافٍ لِلْمَلْزُومِ، ولا يَرِدُ خُرُوجُ المَنِيِّ بَعْدَ الصُّبْحِ بِالجِماعِ الحاصِلِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَفْسُدُ الصَّوْمُ لِكَوْنِهِ مُكَمِّلَ الجِماعِ فَهو جِماعٌ واقِعٌ في الصُّبْحِ، ولَيْسَ بِلازِمٍ لِلْجِماعِ كالجَنابَةِ، وخالَفَ في ذَلِكَ بَعْضُهم ومَنَعَ الصِّحَّةَ زاعِمًا أنَّ الغايَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها، واحْتَجَّ بِآثارٍ صَحَّ لَدى المُحَدِّثِينَ خِلافُها.

واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا عَلى جَوازِ الأكْلِ مَثَلًا لِمَن شَكَّ في طُلُوعِ الفَجْرِ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - أباحَ ما أباحَ مُغَيًّا بِتَبَيُّنِهِ، ولا تَبَيُّنَ مَعَ الشَّكِّ خِلافًا لِمالِكٍ.

ومُجاهِدٍ بِها عَلى عَدَمِ القَضاءِ والحالُ هَذِهِ إذا بانَ أنَّهُ أكَلَ بَعْدَ الفَجْرِ؛ لِأنَّهُ أكَلَ في وقْتٍ أُذِنَ لَهُ فِيهِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنصُورٍ مِثْلَهُ، ولَيْسَ بِالمَنصُورِ، والأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - عَلى أنَّ أوَّلَ النَّهارِ الشَّرْعِيِّ طُلُوعُ الفَجْرِ، فَلا يَجُوزُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنَ المَحْظُوراتِ بَعْدَهُ، وخالَفَ في ذَلِكَ الأعْمَشُ ولا يَتْبَعُهُ إلّا الأعْمى، فَزَعَمَ أنَّ أوَّلَهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ كالنَّهارِ العُرْفِيِّ، وجَوَّزَ فِعْلَ المَحْظُوراتِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وكَذا الإمامِيَّةُ، وحَمَلَ ﴿ مِنَ الفَجْرِ ﴾ عَلى التَّبْعِيضِ وإرادَةِ الجُزْءِ الأخِيرِ مِنهُ، والَّذِي دَعاهُ لِذَلِكَ خَبَرُ صَلاةِ النَّهارِ عَجْماءُ، وصَلاةُ الفَجْرِ لَيْسَتْ بِها فَهي في اللَّيْلِ، وأيَّدَهُ بَعْضُهم بِأنَّ شَوْبَ الظُّلْمَةِ بِالضِّياءِ، كَما أنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ اللَّيْلِيَّةِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَ مِنها قَبْلَ طُلُوعِها وتُساوِي طَرَفَيِ الشَّيْءِ، مِمّا يُسْتَحْسَنُ في الحِكْمَةِ وإلى البَدْءِ يَكُونُ العَوْدُ، وفِيهِ أنَّ النَّهارَ في الخَبَرِ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالمَعْنى العُرْفِيِّ، ولَوْ أرادَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في هَذا الحُكْمِ لَقالَ: كُلُوا واشْرَبُوا إلى النَّهارِ ثُمَّ أتَمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأوْفَقُ مِمّا عَدَلَ إلَيْهِ، فَحَيْثُ لَمْ يَفْعَلْ فُهِمَ أنَّ الأمْرَ مَرْبُوطٌ بِالفَجْرِ لا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ، سَواءٌ عُدَّ ذَلِكَ نَهارًا أمْ لا، وما ذُكِرَ مِنَ اسْتِحْسانِ تَساوِي طَرَفَيِ الشَّيْءِ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ، في هَذا البابِ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ بِأنَّ جَعْلَ أوَّلِ النَّهارِ كَأوَّلِ اللَّيْلِ وهُما مُتَقابِلانِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ الصّانِعِ الحَكِيمِ وإلى الِانْتِهاءِ غايَةَ الإتْمامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصِّيامِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ولا يَجُوزُ جَعْلُهُ غايَةً لِلْإيجابِ لِعَدَمِ امْتِدادِهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى نَفْيِ كَوْنِ اللَّيْلِ مَحَلَّ الصَّوْمِ، وأنْ يَكُونَ صَوْمُ اليَوْمَيْنِ صَوْمَةً واحِدَةً، وقَدِ اسْتَنْبَطَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنها حُرْمَةَ الوِصالِ كَما قِيلَ، فَقَدْ رَوى أحْمَدُ مِن طَرِيقِ «لَيْلى امْرَأةِ بَشِيرِ بْنِ الخَصاصِيَةِ، قالَتْ: أرَدْتُ أنْ أصُومَ يَوْمَيْنِ مُواصَلَةً، فَمَنَعَنِي بَشِيرٌ، وقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَهى عَنْهُ، وقالَ: يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّصارى، ولَكِنْ صُومُوا كَما أمَرَكُمُ اللَّهُ - تَعالى -،» و ﴿ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ ﴾ فَإذا كانَ اللَّيْلُ فَأفْطِرُوا، ولا تُدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الصَّوْمُ حَتّى يَتَخَلَّلَ الإفْطارُ خِلافًا لِزاعِمِهِ، نَعَمِ اسْتُدِلَّ بِها عَلى صِحَّةِ نِيَّةِ رَمَضانَ في النَّهارِ، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أتِمُّوا ﴾ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ باشِرُوهُنَّ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ ﴾ وكَلِمَةُ ثُمَّ للتَّراخِي والتَّعْقِيبِ بِمُهْلَةٍ، ( واللّامُ ) في ( الصِّيام ) لِلْعَهْدِ عَلى ما هو الأصْلُ، فَيَكُونُ مُفادُ ﴿ ثُمَّ أتِمُّوا ﴾ إلَخْ الأمْرَ بِإتْمامِ الصِّيامِ المَعْهُودِ؛ أيِ الإمْساكُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالغايَةِ، سَواءٌ فُسِّرَ بِإتْيانِهِ تامًّا، أوْ بِتَصْيِيرِهِ كَذَلِكَ مُتَراخِيًا عَنِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ المُنْقَضِيَةِ بِطُلُوعِ الفَجْرِ، تَحْقِيقًا لِمَعْنى ثُمَّ فَصارَتْ نِيَّةُ الصَّوْمِ بَعْدَ مُضِيِّ جُزْءٍ مِنَ الفَجْرِ؛ لِأنَّ قَصْدَ الفِعْلِ إنَّما يَلْزَمُنا حِينَ تَوَجُّهِ الخِطابِ، وتَوَجُّهُهُ بِالإتْمامِ بَعْدَ الفَجْرِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ الجُزْءِ الَّذِي هو غايَةٌ لِانْقِضاءِ اللَّيْلِ لِمَعْنى التَّراخِي، واللَّيْلُ لا يَنْقَضِي إلّا مُتَّصِلًا بِجُزْءٍ مِنَ الفَجْرِ، فَتَكُونُ النِّيَّةُ بَعْدَ مُضِيِّ جُزْءِ الفَجْرِ الَّذِي بِهِ انْقَطَعَ اللَّيْلُ، وحَصَلَ فِيهِ الإمْساكُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالغايَةِ، فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ وجَبَ وُجُوبَ النِّيَّةِ بَعْدَ المُضِيِّ، أُجِيبَ بِأنَّ تَرْكَ ذَلِكَ بِالإجْماعِ، وبِأنَّ إعْمالَ الدَّلِيلَيْنِ - ولَوْ بِوَجْهٍ - أوْلى مِن إهْمالِ أحَدِهِما، فَلَوْ قُلْنا بِوُجُوبِ النِّيَّةِ كَذَلِكَ عَمَلًا بِالآيَةِ بَطَلَ العَمَلُ بِخَبَرِ: «”لا صِيامَ لِمَن لَمْ يَنْوِ الصِّيامَ مِنَ اللَّيْلِ“،» ولَوْ قُلْنا بِاشْتِراطِ النِّيَّةِ قَبْلَهُ عَمَلًا بِالخَبَرِ بَطَلَ العَمَلُ بِالآيَةِ، فَقُلْنا بِالجَوازِ عَمَلًا بِهِما، فَإنْ قِيلَ: مُقْتَضى الآَيَةِ - عَلى ما ذُكِرَ - الوُجُوبُ وخَبَرُ الواحِدِ لا يُعارِضُها، أُجِيبَ بِأنَّها مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ بِالإجْماعِ، فَلَمْ تَبْقَ قاطِعَةً، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ بَيانًا لَها، ولِبَعْضِ الأصْحابِ تَقْرِيرُ الِاسْتِدْلالِ بِوَجْهٍ آخَرَ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أقَلُّ مُؤْنَةً فَتَدَبَّرْ.

وزَعَمَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ التَّبْيِيتِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ ثُمَّ أتِمُّوا ﴾ صَيِّرُوهُ تامًّا بَعْدَ الِانْفِجارِ، وهو يَقْتَضِي الشُّرُوعَ فِيهِ قَبْلَهُ، وما ذاكَ إلّا بِالنِّيَّةِ؛ إذْ لا وُجُوبَ لِلْإمْساكِ قَبْلُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿ ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ ﴾ أيْ: مُعْتَكِفُونَ فِيها، والِاعْتِكافُ في اللُّغَةِ الِاحْتِباسُ واللُّزُومُ مُطْلَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: فَباتَتْ بَناتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكَّفا عُكُوفَ بَواكِي حَوْلَهُنَّ صَرِيعُ وفي الشَّرْعِ لُبْثٌ مَخْصُوصٌ، والنَّهْيُ عُطِفَ عَلى أوَّلِ الأوامِرِ، والمُباشَرَةُ فِيهِ كالمُباشِرَةِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُرادَ بِها الجِماعُ، إلّا أنَّهُ لَزِمَ مِن إباحَةِ الجِماعِ إباحَةُ اللَّمْسِ والقُبْلَةِ وغَيْرِهِما بِخِلافِ النَّهْيِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيُ عَنِ الجِماعِ النَّهْيَ عَنْهُما، فَهُما إمّا مُباحانِ اتِّفاقًا بِأنْ يَكُونا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وإمّا حَرامانِ بِأنْ يَكُونا بِها، ”يَبْطُلُ الِاعْتِكافُ ما لَمْ يُنْزِلْ“، وصَحَّحَ مُعْظَمُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ البُطْلانَ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ ( المُباشَرَةِ ) مُلاقاةُ البَشْرَتَيْنِ، فَفي الآيَةِ مَنعٌ عَنْ مُطْلَقِ المُباشَرَةِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، فَقَدْ «كانَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - تُرَجِّلُ رَأْسَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهو مُعْتَكِفٌ،» وفي تَقْيِيدِ الِاعْتِكافِ بِالمَساجِدِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ إلّا في المَسْجِدِ؛ إذْ لَوْ جازَ شَرْعًا في غَيْرِهِ لَجازَ في البَيْتِ، وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، ويَخْتَصُّ بِالمَسْجِدِ الجامِعِ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ.

ورُوِيَ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَسْجِدٍ لَهُ إمامٌ ومُؤَذِّنٌ راتِبٌ، وقالَ حُذَيْفَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: يَخْتَصُّ بِالمَساجِدِ الثَّلاثِ، وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - لا يَجُوزُ إلّا في المَسْجِدِ الحَرامِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ: لا يَجُوزُ إلّا فِيهِ أوْ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ يَصِحُّ في جَمِيعِ المَساجِدِ مُطْلَقًا، بِناءً عَلى عُمُومِ اللَّفْظِ، وعَدَمِ اعْتِبارِ أنَّ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى الكامِلِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى صِحَّةِ اعْتِكافِ المَرْأةِ في غَيْرِ المَسْجِدِ بِناءً عَلى أنَّها لا تَدْخُلُ في خِطابِ الرِّجالِ، وعَلى اشْتِراطِ الصَّوْمِ في الِاعْتِكافِ؛ لِأنَّهُ قَصَرَ الخِطابَ عَلى الصّائِمِينَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الصَّوْمُ مِن شَرْطِهِ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ مَعْنًى، وهو المَرْوِيُّ عَنْ نافِعٍ مَوْلى ابْنِ عُمَرَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وعَلى أنَّهُ لا يَكْفِي فِيهِ أقَلُّ مِن يَوْمٍ - كَما أنَّ الصَّوْمَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ - والشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لا يَشْتَرِطُ يَوْمًا ولا صَوْمًا، لِما أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «”لَيْسَ عَلى المُعْتَكِفِ صِيامٌ إلّا أنْ يَجْعَلَهُ عَلى نَفْسِهِ“،» ومِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - رِوايَتانِ أخْرَجَهُما ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقَيْنِ إحْداهُما الِاشْتِراطُ وثانِيَتُهُما عَدَمُهُ، وعَلى أنَّ المُعْتَكِفَ إذا خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ فَباشَرَ خارِجًا جازَ؛ لِأنَّهُ حَصَرَ المَنعَ مِنَ المُباشَرَةِ حالَ كَوْنِهِ فِيهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى: ( لا تُباشِرُوهُنَّ ) حالَ ما يُقالُ لَكُمْ: إنَّكم ﴿ عاكِفُونَ في المَساجِدِ ﴾ ومَن خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ لِقَضاءِ الحاجَةِ فاعْتِكافُهُ باقٍ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْتَكِفُ فَيَخْرُجُ إلى امِرْأتِهِ فَيُباشِرُها ثُمَّ يَرْجِعُ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا عَلى أنَّ الوَطْءَ يُفْسِدُ الِاعْتِكافَ؛ لِأنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ، وهو في العِباداتِ يُوجِبُ الفَسادَ، وفِيهِ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هُنا المُباشَرَةُ حالَ الِاعْتِكافَ، وهو لَيْسَ مِنَ العِباداتِ، لا يُقالُ: إذا وقَعَ أمْرٌ مَنهِيٌّ عَنْهُ في العِبادَةِ، كالجِماعِ في الِاعْتِكافِ، كانَتْ تِلْكَ العِبادَةُ مَنهِيَّةً بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى المَنهِيِّ ومُقارَنَتِها إيّاهُ؛ إذْ يُقالُ: فَرْقٌ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ مَنهِيًّا عَنْهُ بِاعْتِبارِ ما يُقارِنُهُ، وبَيْنَ كَوْنِ المُقارِنِ مَنهِيًّا في ذَلِكَ الشَّيْءِ والكَلامُ في الأوَّلِ، وما نَحْنُ فِيهِ مِن قَبِيلِ الثّانِي، ﴿ تِلْكَ ﴾ أيِ: الأحْكامُ السِّتَّةُ المَذْكُورَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى إيجابِ وتَحْرِيمِ وإباحَةِ ﴿ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ أيْ: حاجِزَةٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ﴿ فَلا تَقْرَبُوها ﴾ كَيْلا يُدانِيَ الباطِلَ، والنَّهْيُ عَنِ القُرْبِ مِن تِلْكَ الحُدُودِ الَّتِي هي الأحْكامُ كِنايَةً عَنِ النَّهْيِ عَنْ قُرْبِ الباطِلِ؛ لِكَوْنِ الأوَّلِ لازِمًا لِلثّانِي، وهو أبْلَغُ مِن لا تعتدوها؛ لِأنَّهُ نَهى عَنْ قُرْبِ الباطِلِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الَّتِي هي أبْلَغُ مِنَ الصَّرِيحِ، وذَلِكَ نَهْيٌ عَنِ الوُقُوعِ في الباطِلِ بِطَرِيقِ الصَّرِيحِ، وعَلى هَذا لا يَشْكُلُ ( لا تَقرِّبُوها ) في تِلْكَ الأحْكامِ، مَعَ اشْتِمالِها عَلى ما سَمِعْتَ، ولا وُقُوعَ ﴿ فَلا تَعْتَدُوها ﴾ ، وفي آيَةٍ أُخْرى؛ إذْ قَدْ حَصَلَ الجَمْعُ، وصَحَّ ( لا تُقَرِّبُوها ) في الكُلِّ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ( حُدُود اللَّهِ ) تَعالى مَحارِمُهُ ومَناهِيهِ؛ إمّا لِأنَّ الأوامِرَ السّابِقَةَ تَسْتَلْزِمُ النَّواهِيَ لِكَوْنِها مُغَيّاةً بِالغايَةِ، وإمّا لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تُباشِرُوهُنَّ ﴾ وأمْثالُهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى ( لا تُقَرِّبُوها ) لا تَتَعَرَّضُوا لَها بِالتَّغْيِيرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الأحْكامِ - ولا يَخْفى ما في الوَجْهَيْنِ مِنَ التَّكْلِيفِ - والقَوْلُ بِأنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ، ( والحَدُّ ) إمّا بِمَعْنى المَنعِ أوْ بِمَعْنى الحاجِزِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى تِلْكَ الأحْكامُ مَمْنُوعاتُ اللَّهِ - تَعالى - عَنِ الغَيْرِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أنْ يَحْكُمَ بِشَيْءٍ، ﴿ فَلا تَقْرَبُوها ﴾ أيْ: لا تَحْكُمُوا عَلى أنْفُسِكم أوْ عَلى عِبادِهِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم بِشَيْءٍ، فَإنَّ الحُكْمَ لِلَّهِ - تَعالى عَزَّ شَأْنُهُ -، وعَلى الثّانِي يُرِيدُ أنَّ تِلْكَ الأحْكامَ حُدُودٌ حاجِزَةٌ بَيْنَ الأُلُوهِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، فالإلَهُ يَحْكُمُ والعِبادُ تَنْقادُ، فَلا تَقْرَبُوا الأحْكامَ؛ لِئَلّا تَكُونُوا مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ تَعالى، لا يَكادُ يُعْرَضُ عَلى ذِي لُبٍّ فَيَرْتَضِيهِ، وهو بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنِ المَقْصُودِ كَما لا يَخْفى.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ التَّبْيِينِ الواقِعِ في أحْكامِ الصَّوْمِ ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ ﴾ إمّا مُطْلَقًا أوِ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى سائِرِ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها ﴿لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ 187﴾ مُخالَفَةَ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِتَقْرِيرِ الأحْكامِ السّابِقَةِ والتَّرْغِيبِ إلى امْتِثالِها، بِأنَّها شُرِعَتْ لِأجْلِ تَقْواكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، يعني فرض عليكم صيام رمضان، كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أي فرض على الذين من قبلكم من أهل الملل كلها.

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الأكل والشرب والجماع بعد صلاة العشاء الآخرة وبعد النوم.

ويقال: كما كتب في الذين من قبلكم في الفرض.

ويقال: كما كتب على الذين من قبلكم في العدد أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ، أي معلومات وإنما صارت الأيام نصباً لنزع الخافض، ومعناه في أيام معدودات.

وقال مقاتل: كل شيء في القرآن معدودة أو معدودات فهو دون الأربعين، وما زاد على ذلك لا يقال معدودة.

ثم قال تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً، فلم يقدر على الصوم أَوْ عَلى سَفَرٍ، فلم يصم.

فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أي فعليه أن يقضيها بعد مضي الشهر مثل عدد الأيام التي فاتته.

وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ، أي يطيقون الصوم فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، أي يدفع لكل مسكين مقدار نصف صاع من حنطة ويفطر ذلك اليوم.

فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً، أي تصدق على مسكينين مكان كل يوم أفطره، فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ من أن يطعم مسكيناً واحداً.

والصيام خير له من الإفطار وهو قوله: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ من أن تفطروا وتطعموا.

قال الكلبي: كان هذا في أول الإسلام ثم نسخت هذه الآية بالآية التي بعدها، وهكذا قال القتبي، وهكذا روي، عن سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، كان من أراد أن يفطر ويفدي فعل، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وهو قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.

وقال الشعبي: لما نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، كان الأغنياء يطعمون ويفطرون ويفتدون ولا يصومون، فصار الصوم على الفقراء، فنسختها هذه الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فوجب الصوم على الغني والفقير، وقال بعضهم: ليست بمنسوخة، وإنما نزلت في الشيخ الكبير.

وروي عن عائشة أنها كانت تقرأ: «وَعَلَى الَّذِينَ يَطُوقُونَهُ» ، يعني يكلفونه فلا يطيقونه.

وروي عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: ليست بمنسوخة وإنما هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة اللذين لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان كل يوم مسكيناً.

قرأ نافع وابن عامر «فِدْيَةُ طَعَامِ مِسْكِينٍ» بضم الهاء وكسر الميم بالألف على الإضافة.

وقرأ الباقون بتنوين الهاء فِدْيَةٌ طَعامُ بضم الميم مّسْكِينٌ بغير ألف.

قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ، قرأ عاصم في رواية حفص: شَهْرُ بفتح الراء والباقون: بالضم.

وإنما صار رفعاً لمعنيين: أحدهما أنه مفعول ما لم يسم فاعله، يقول: كتب عليكم شهر رمضان ومعنى آخر: أنه خبر مبتدأ يعني هذا شهر رمضان.

ومن قرأ بالنصب احتمل أنه صار نصباً لوقوع الفعل عليه، أي صوموا شهر رمضان ويقال: صار نصباً لنزع الخافض، أي: في شهر رمضان.

ويحتمل: عليكم شهر رمضان.

كقوله: صِبْغَةَ اللَّهِ [البقرة: 138] يعني الزموا.

قوله: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، قرأ ابن كثير الْقُرْآنُ بالتخفيف وقرأ الباقون: بالهمز.

وقال ابن عباس في معنى قوله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، يعني أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في السماء الدنيا، ثم أنزل به جبريل على رسول الله  نجوماً نجوماً، أي الآية والآيتين في أوقات مختلفة أنزل عليه في إحدى وعشرين سنة.

وقال مقاتل: أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ كل عام في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، نزل إلى السفرة من اللوح المحفوظ في عشرين سنة.

حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضيل العابد قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة قال: أنزلت التوراة في ثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان، والإنجيل في ثمانية عشرة ليلة، والقرآن في أربعة وعشرين ليلة.

قال الفقيه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم القطان قال: حدثنا محمد بن صالح الترمذي قال: حدثنا سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن جريح قال: قال ابن عباس في قوله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ قال: أنزل القرآن جملة واحدة على جبريل في ليلة القدر.

قال ابن جريج: كان ينزل من القرآن في ليلة القدر كل شيء ينزل في تلك السنة.

فينزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا، ولا ينزل جبريل من ذلك على محمد  إلا كلما أمر به تعالى.

قوله عز وجل: هُدىً لِلنَّاسِ أي القرآن هدى للناس من الضلالة وبياناً لهم.

وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى، يعني بيان الحلال والحرام وَالْفُرْقانِ، أي المخرج من الشبهات فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، أي من كان منكم شاهداً ولم يكن مريضاً ولا مسافراً فليصم الشهر.

وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فأفطر، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يقضيه بعد ذلك.

روي عن عبد الله بن عمر: أنه كان يكره قضاء رمضان متفرقاً.

وعن علي بن أبي طالب مثله.

وقال معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وجماعة من الصحابة: أحصِ العدد وصم كيف شئت.

واختلفوا في حدّ المريض الذي يجوز له الإفطار.

قال بعضهم: إذا كان بحال يخاف على نفسه التلف.

وقال بعضهم: إذا استحق اسم المريض جاز له أن يفطر.

وقال بعضهم: إذا كان بحال يخاف أن يزيد الصوم في مرضه جاز له أن يفطر.

وهو قول أصحابنا.

ثم قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ في الإفطار في حال المرض والسفر، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ بالصوم في المرض والسفر.

وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، قال الكلبي: يعني لتتموا عدة ما أفطرتم من الصوم في السفر أو في المرض.

وقال الضحاك: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، يعني إذا غمّ عليكم هلال شوال فأكملوا الشهر ثلاثين يوماً.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو في رواية هارون: «وَلِتُكَمِّلُوا» بنصب الكاف وتشديد الميم، وقرأ الباقون بالتخفيف وسكون الكاف وهما لغتان يقال: كملت الشيء وأكملته مثل وصَّيت وأوصيت ثم قال: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ، أي لتعظموا الله على مَا هداكم لشرائعه وسننه وأمر دينه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أي لتشكروا الله تعالى على هذه النعمة حيث رخص لكم الفطر في المرض والسفر.

وقال مقاتل: لعلكم تشكرون في هذه النعم أن هداكم لأمر دينه.

وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي وذلك أنه لما نزلت هذه الآية: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] ، قال أصحاب رسول الله  : يا رسول الله في أي وقت ندعو الله حتى يستجاب دعاؤنا؟

فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ، يعني أجيبكم في أي وقت تدعونني.

وقال بعضهم: سأله بعض أصحابه فقالوا: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟

فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.

وقال مقاتل: إن عمر واقع امرأته بعد ما صلى العشاء، فندم على ذلك وبكى إلى رسول الله  فأخبره بذلك ورجع من عنده مغتماً، وكان ذلك قبل الرخصة، فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.

قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم في إحدى الروايتين: «دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي» بالياء والباقون كلهم بحذف الياء.

وأصله بالياء إلا أن الكسر يقوم مقام الياء.

ويقال فإني قريب في الإجابة، أجيب دعوة الداعي إذا دعاني، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بالطاعة، وَلْيُؤْمِنُوا بِي وليصدقوا بوعدي.

قال ابن عباس في رواية الكلبي: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي الاستجابة أن تقولوا بعد صلاتكم: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.

وَلْيُؤْمِنُوا بِي والإيمان أن تقول: آمنت بالله وكفرت بالطاغوت، وأن وعدك حق وأن لقاءك حق، وأشهد أنك أحد فرد صمد، لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفواً أحد، وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنك باعث من في القبور.

وروي عن ابن عباس أنه قال: ما تَرَكْتُ هذه الكلمات دبر كل صلاة منذ نزلت هذه الآية.

وروي عن الكلبي أنه قال: ما تركتها منذ أربعين سنة.

ويقال: معناه أجيبوا لي بالطاعة إذا دعاكم رسول الله- وَلْيُؤْمِنُوا بِي، أي ليصدقوا بتوحيدي.

لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، أي يهتدون من الضلالة.

قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، يعني الجماع.

وروى بكر، عن عبد الله المزني، عن ابن عباس أنه قال: الغشيان واللمس والإفضاء والمباشرة والرفث هو الجماع، ولكن الله حيي كريم يكني بما شاء.

وسبب نزول هذه الآية أن عمر بن الخطاب-  - واقع امرأته بعد صلاة العشاء في شهر رمضان بعد النوم، فأخبر بذلك رسول الله  ، فقال له رسول الله  : «مَا كُنْتَ جَدِيراً بذلك» .

فرجع مغتماً فنزلت هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، أي رخص لكم الجماع مع نسائكم.

هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ، أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن.

ويقال: هن ستر لكم من النار وأنتم ستر لهن من النار.

عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ، أي تظلمون أنفسكم.

قال القتبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه.

وقد سمى الله تعالى هذا الفعل خيانة، لأن الإنسان قد اؤتمن على دينه فإذا فعل بخلاف ما أمر الله به ولم يؤد الأمانة فيه، فقد خانه بمعصيته.

فَتابَ عَلَيْكُمْ، أي فتجاوز عنكم وَعَفا عَنْكُمْ ولم يعاقبكم بما فعلتم.

فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ، أي جامعوهن وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، يعني اطلبوا ما قضى الله لكم من الولد الصالح.

وقال الزجاج: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، أي اتبعوا القرآن فيما أبيح لكم فيه وأمرتم به.

وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، نزلت في شأن صرمة بن قيس عمل في النخيل بالنهار، فلما رجع منزله غلب عليه النوم قبل أن يأكل شيئاً، فأصبح صائماً فأجهده الصوم، فرآه رسول الله  في آخر النهار فقال له: «مَا لَكَ يَا ابْنَ قَيْسٍ أَمْسَيْتَ طَليحاً؟» فقال: ظللت أمس في النخيل نهاري كله أجر بالجرين، حتى أمسيت فأتيت أهلي، فأرادت أن تطعمني شيئاً سخناً فأبطأت علي فنمت فأيقظوني وقد حرم علي الطعام والشراب، فلم آكل فأصبحت صائماً فأمسيت وقد أجهدني الصوم.

فنزلت هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ، وهذا أمر أباحه الله وليس بأمر حتم.

كقوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: 2] وكقوله: فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: 10] .

فلفظه لفظ الأمر والمراد به الإباحة.

وقد أباح الله الأكل والشرب والجماع إلى وقت طلوع الفجر بقوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، أي يستبين لكم بياض النهار من سواد الليل.

ويقال: في الابتداء لما نزل قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، كان بعضهم يأخذ خيطين أحدهما أبيض والآخر أسود يجعل ينظر إليهما ويأكل ويشرب، حتى يتبين له الأسود من الأبيض.

وذكر عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال: أخذت خيطين، فجعلت أنظر إليهما، فلم يتبين الأسود من الأبيض ما لم يسفر الفجر فأتيت رسول الله  فأخبرته، فتبسم وقال: «إِنّكَ لَعَرِيضُ القَفَا إِنَّما هُوَ سَوادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» ، فنزل قوله: مِنَ الْفَجْرِ فارتفع الاشتباه.

ثم قال تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أي إلى أول الليل وهو غروب الشمس.

وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ، يقول: ولا تجامعوهن وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ، يقول: ولا تجامعوهن وأنتم معتكفون فيها، وذلك أنه لما رخص لهم الجماع في ليلة الصيام، فكان الرجل إذا كان معتكفاً فإذا بدا له، خرج بالليل إلى أهله فتغشاها ثم يغسل ويرجع إلى المسجد، فنزلت هذه الآية: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ، أي لا تجامعوهن ليلاً ولا نهاراً وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ قال الكلبي: يعني المباشرة في الاعتكاف معصية الله فَلا تَقْرَبُوها في الاعتكاف.

وقال الزجاج: الحد في اللغة هو المنع، فكل من منع فهو حداد.

ولهذا سمي حد الدار حداً، لأنه يمنع الغير عن دخولها.

كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ، يعني النهي عن الجماع لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الجماع حتى يفرغوا من الاعتكاف.

ويقال تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي جميع ما ذكر الله تعالى من أول الآية إلى آخرها في أمر الصيام وغيره، ونبين لهم الآيات لعلهم يتقون، فينتهون عما نهاهم ويتبعون ما أمرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ حضٌّ على التكبير في آخر رمضان.

قال مالكٌ: وهو من حينِ يَخْرُجُ الرجلُ من منزله إِلى أنْ يخرج الإِمامُ إلى المصلى، ولفظه عند مالك وجماعةٍ من العلماء: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ ثلاثاً.

ومن العلماء من يكبِّر، ويهلِّل، ويسبِّح أثناء التكبيرِ، ومنهم من يقول: اللَّه أكبر كبيراً، والحمدُ للَّهِ كَثيراً، وسبحانَ اللَّهِ بُكْرةً وأصيلاً، وقيل غير هذا.

والجميعُ حسن واسع مع البداءة بالتكبير.

وهَداكُمْ: قيل: المرادُ: لِمَا ضَلَّ فيه النصارى من تبديلِ صيامِهِمْ، وتعميمُ الهدى جيدٌ.

وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ترجٍّ في حق البَشَر، أي: على نعم اللَّه في الهدى.

ص: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علَّةَ الترخيصِ والتيسيرِ، وهذا نوعٌ من اللَّفِّ لطيفُ المسلك انتهى.

وقوله جلَّ وعلا: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ...

الآيةَ.

قال الحسنُ بْنُ أبي الحَسَن: سببُها أن قوما قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيَهُ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيَهُ» ، فنزلتِ الآية «١» .

وأُجِيبُ: قال قومٌ: المعنى: أجيبُ إِن شئْتُ، وقال قوم: إِن اللَّه تعالى يجيب كلَّ الدعاء، فإِما أن تظهر الإِجابةُ في الدنيا، وإما أن يكفِّر عنه، وإِما أن يُدَّخَرَ له أجرٌ في الآخرة، وهذا بحَسَب حديثِ «الموطَّإِ» ، وهو: «مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلاَّ كَانَ بين إحدى ثلاث ...

» «٢» الحديث.

ت: وليس هذا باختلاف قولٍ.

قال ابن رُشْدٍ في «البيان» : الدعاءُ عبادةٌ من العبادات يؤْجر فيها الأجر العظيم، أَجيبَتْ دعوته فيما دعا به، أو لم تُجَبْ، وهأنا أنقل، إِن شاء اللَّه، من صحيح الأحاديث في هذا المَحَلِّ ما يَثْلَجُ له الصَدْرُ، وعن أنسٍ- رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم:

«لاَ تَعْجِزُوا عَنِ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ مَعَ الدُّعَاءِ أَحَدٌ» رواه الحاكم أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ» على الصحيحين، وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ، واللفظ له، وقال الحاكم:

صحيحُ الإِسناد «١» ، وعن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ:

سِلاَحُ المُؤْمِنِ، وَعِمَادُ الدِّينِ، وَنُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيحٌ «٢» ، وعن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ- رضي اللَّه عنهما- عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «يَدْعُو اللَّهُ بِالمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ حتى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: عَبْدِي، إِنِّي أَمَرْتُكَ أَنْ تَدْعُونِي، وَوَعَدْتُّكَ أَنْ أَسْتَجِيبَ لَكَ، فَهَلْ كُنْتَ تَدْعُونِي، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، / فَيَقُولُ: أما إنّك لم ٤٦ أتدعني بِدَعْوَةٍ إِلاَّ استجبت لَكَ، أَلَيْسَ دَعَوْتَنِي يَوْمَ كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عَنْكَ فَفَرَّجْتُ عَنْكَ؟!

فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي يوم كذا وكذا لغم نزل بك، أن أُفَرِّجَ عَنْكَ، فَلَمْ تَرَ فَرَجاً؟

قَالَ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: إِنِّي ادخرت لَكَ بِهَا فِي الجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا [و] كَذَا وَكَذَا، وَدَعَوْتَنِي فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فَقَضَيْتُهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ، فَلَمْ تَرَ قَضَاءَهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ:

إِنِّي ادخرت لَكَ فِي الجَنَّةِ كذا وكذا، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «فَلاَ يَدَعُ اللَّهُ دَعْوَةً دَعَا بِهَا عَبْدُهُ المُؤْمِنُ إِلاَّ بَيَّنَ لَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وإِمَّا أَنْ يَكُونَ ادخر لَهُ فِي الآخِرَةِ، قَالَ:

فَيَقُولُ المُؤْمِنُ فِي ذَلِكَ المَقَامِ: يَا لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ عُجِّلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ دُعَائِهِ» ، رواه الحاكم في «المستدرك» «٣» .

وعن ثَوْبَانَ- رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يَرُدُّ القَدَرِ إِلاَّ الدُّعَاءُ» ، رواه الحاكمُ في «المُسْتَدْرَكِ» ، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» ، واللفظ للحاكمِ، وقال: صحيحُ الإِسناد «١» .

قلت: وقد أخرج ابن المبارك في «رقائقه» هذا الحديثَ أيضاً، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبد اللَّه بن عيسى عن عبد اللَّه بن أبي الجَعْد «٢» ، عن ثوبان «٣» ، قال: قال رسول

الله صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يَرُدُّ القَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» «١» .

انتهى.

وعن عائشةَ- رضي اللَّه عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مَنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإنَّ البَلاَءَ لَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ، فَيَعْتَلِجَانِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» رواه الحاكم في «مستدركه» ، وقال: صحيحُ الإِسناد «٢» ، وقوله «فَيَعْتَلِجَانِ» ، أي: يتصارعان.

وعن سَلْمَانِ»

- رضي اللَّه عنه- قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ عِنْدَ الكُرَبِ، وَالشَّدَائِدِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» ، رواه الحاكمُ أيضاً، وقال: صحيحُ الإِسناد «٤» ، وعن ابْنِ عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من فتح له في

الدُّعَاءِ مِنْكُمْ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ» «١» ، قال الغَزَّالِيُّ- رحمه اللَّه- في كتابِ «الإِحياء» :

«فإِن قلت: فما فائدة الدعاء، والقضاء لا يرد؟

فاعلمْ أنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاء بالدعاءِ، فالدعاءُ سببٌ لردِّ البلاء، واستجلابٌ للرحمة كما أن التُّرْس سبب لردِّ السهم، ثم في الدعاءِ من الفائدة أنه يستدْعِي حضورَ القَلْب، مع اللَّه عزَّ وجلَّ، وذلك منتهى العبادَاتِ، فالدعاء يردّ القلب إلى الله عز وجلّ بالتضرُّع والاستكانةِ» ، فانظره، فإِني اثرت الاختصار، وانظر «سِلاَحَ المُؤْمن» الذي منه نقلْتُ هذه الأحاديثَ.

ومن «جامع الترمذيِّ» .

عن أبي خُزَامَةَ «٢» ، واسمه رفاعة، عن أبيه، قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟

قال: هي من قدر اللَّهُ» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيحٌ «٣» .

وانظر جوابَ عمر لأبي عُبَيْدة «نَعَمْ، نَفِرُّ من قدر اللَّه إِلى قدر اللَّه ...

» الحديث هو من هذا المعنى.

انتهى، والله الموفق بفضله.

٤٦ ب وقوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي/ قال أبو رجاء الخُرَاسانِيُّ «٤» : معناه: «فَلْيَدْعُونِي» .

قال ع «٥» : المعنى: فليطلبوا أن أجيبهم، وهذا هو بابُ «استفعل» ، أي: طلب

الشيء إِلا ما شَذَّ مثل: استغنى اللَّهُ.

وقال مجاهد وغيره: المعنى: فليجيبوا لي فيما دعوتهم إِلَيْه من الإِيمان، أي:

بالطاعة، والعملِ «١» .

فائدةٌ: قال صاحب «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأَعْظَم» وهو إِمام عارفٌ «٢» بعلْمِ الحديث، وكتابه هذا يَشْهَدُ له، قال: ذكر الدِّينَوَرِيُّ «٣» في «كتاب المُجَالَسَة» ، عن ليثِ بنِ سُلَيْمٍ أن رجلاً وقَفَ على قوم، فقال: مَنْ عنده ضيافةٌ هذه الليلةَ، فسكَتَ القومُ، ثم عاد، فقالَ رجُلٌ أعمى: عندي، فذَهَبَ بِهِ إلى منزله، فعشَّاه، ثم حدَّثه ساعةً، ثم وضع لهُ وَضُوءاً، فقام الرجُلُ في جَوْف اللَّيْلِ، فتوضَّأ، وصلى ما قُضِيَ له، ثم جَعَلَ يدعو، فانتبه الأعمى، وجَعَلَ يسمع لدْعَائِهِ، فقال: اللَّهُمَّ، ربَّ الأرواحِ الفانيةِ، والأجسادِ الباليةِ، أسألُكَ بطَاعَةِ الأرواحِ الرَّاجعَةِ إلى أجسادها، وبطاعةِ الأَجْسَادِ الملتئمَةِ في عروقها، وبطاعة القُبُور المتشقِّقة عن أهلها، وبدَعْوتِكَ الصادقةِ فيهم، وأخذِكَ الحقَّ منهم، وتبريز الخلائقِ كلِّهم من مخافَتِكَ ينتظرُونَ قضاءَكَ، ويرْجُون رحمتَكَ، ويخافُونَ عذابَكَ، أَسأَلُك أنْ تَجْعَلَ النُّور في بَصَري، والإِخلاصَ في عَمَلِي، وشُكْرَكَ في قَلْبِي، وذِكْرَكَ في لِسَانِي في الليلِ والنهارِ، ما أبقيتَنِي، قال: فَحَفِظَ الأعمى هذا الدعاءَ، ثم قَامَ، فَتَوضَّأ، وصلى ركعتَيْنِ، ودعا به فأصْبَحَ قدْ رَد اللَّهُ عليه بَصَرَهُ.

انتهى من «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأعظَم» ، وإِطلاَقُ الفناءِ على الأرواحِ فيه تجوُّز، والعقيدةُ أن الأرواح باقيةٌ لا تفنى، وإِنَّما عبر عن مفارقتها لأجسادها بالفَنَاءِ، هذا هو مراده.

وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «إِنَّ القُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، وَبَعْضُهَا أوعى مِنْ بَعْضٍ، فادعوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، حِينَ تَدْعُونَ، وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ» «٤» .

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ ﴾ .

سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ «أنَّ الصَّحابَةَ كانُوا إذا نامَ الرَّجُلُ قَبْلَ الأكْلِ والجِماعِ، حَرُما عَلَيْهِ إلى أنْ يُفْطِرَ، فَجاءَ شَيْخٌ مِنَ الأنْصارِ وهو صائِمٌ إلى أهْلِهِ، فَقالَ عَشَّوْنِي، فَقالُوا: حَتّى نُسَخِّنَ لَكَ طَعامًا، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنامَ، فَجاءُوا بِالطَّعامِ، فَقالَ، قَدْ كُنْتُ نِمْتُ، فَباتَ يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ  ؛ فَأخْبَرَهُ، فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ!

إنِّي أرَدْتُ أهْلِيَ اللَّيْلَةَ، فَقالَتْ، إنَّها قَدْ نامَتْ، فَظَنَنْتُها تَعْتَلِ، فَواقَعْتُها، فَأخْبَرَتْنِي أنَّها قَدْ نامَتْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في عُمْرَ بْنِ الخَطّابِ: ﴿ أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ ﴾ وأنْزَلَ اللَّهُ في الأنْصارِيِّ: ﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ﴾ » هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

واخْتَلَفُوا في اسْمِ هَذا الأنْصارِيِّ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ، قالَهُ البَراءُ.

والثّانِي: صِرْمَةُ بْنُ أنَسٍ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى: صِرْمَةُ بْنُ مالِكٍ.

والثّالِثُ: ضَمْرَةُ بْنُ أنَسٍ.

والرّابِعُ: أبُو قَيْسِ بْنُ عُمَرَ.

وذَكَرَ القَوْلَيْنِ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ.

فَأمّا "الرَّفَثُ" فَقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ في آَخَرِينَ: هو الجِماعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ﴾ .

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اللِّباسَ السَّكَنُ.

ومِثْلُهُ: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا  ﴾ .

أيْ: سَكَنا.

وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُنَّ بِمَنزِلَةِ اللِّباسِ، لِإفْضاءِ كُلِّ واحِدٍ بِبَشْرَتِهِ إلى بَشْرَةِ صاحِبِهِ، فَكَنّى عَنِ اجْتِماعِهِما مُتَجَرِّدِينَ بِاللِّباسِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تُسَمِّي المَرْأةَ: لِباسًا وإزارًا، قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى جِيدَها تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسًا وَقالَ غَيْرُهُ: ألّا أبْلِغْ أبا حَفْصٍ رَسُولًا ∗∗∗ فِدًى لَكَ مِن أخِي ثِقَةٍ إزارِي يُرِيدُ بِالإزارِ: امْرَأتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ: تَخُونُونَها بِارْتِكابِ ما تَحْرُمُ عَلَيْكم.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وعَنى بِذَلِكَ فِعْلَ عُمَرَ، فَإنَّهُ أتى أهْلَهُ، فَلَمّا اغْتَسَلَ أخَذَ يَلُومُ نَفْسَهُ ويَبْكِي ﴿ فالآنَ باشِرُوهُنَّ ﴾ : أصْلُ المُباشَرَةِ: إلْصاقُ البَشْرَةِ بِالبَشْرَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالمُباشِرَةِ هاهُنا: الجِماعُ.

﴿ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الوَلَدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ في آَخَرِينَ.

قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لَمّا كانَتِ المُباشِرَةُ قَدْ تَقَعُ عَلى ما دُونُ الجِماعِ، أباحَهُمُ الجِماعَ الَّذِي يَكُونُ مِن مِثْلِهِ الوَلَدُ، فَقالَ: ﴿ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ يُرِيدُ: الوَلَدَ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي كَتَبَ لَهُمُ الرُّخْصَةَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَيْلَةُ القَدْرِ.

رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ القُرْآَنُ، فَمَعْنى الكَلامِ: اتَّبَعُوا القُرْآَنَ، فَما أُبِيحَ لَكم وأُمِرْتُمْ بِهِ فَهو المُبْتَغى، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

«قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ ﴾ قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، عَمَدْتُ إلى عِقالَيْنِ، أبْيَضَ وأسْوَدَ، فَجَعَلْتُهُما تَحْتَ وِسادَتِي، فَجَعَلْتُ أقُومُ في اللَّيْلِ ولا أسَتُبِينُ الأسْوَدَ مِنَ الأبْيَضِ، فَلَمّا أصْبَحْتُ؛ غَدَوْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَأخْبَرْتُهُ، فَضَحِكَ وقالَ: "إنْ كانَ وِسادُكَ إذًا لِعَرِيضٌ، إنَّما ذاكَ بَياضُ النَّهارِ مِن سَوادِ اللَّيْلِ"» وقالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ: ﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ ﴾ ولَمْ يَنْزِلْ: (مِنَ الفَجْرِ) فَكانَ رِجالٌ إذا أرادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهم في رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأسْوَدَ والخَيْطَ الأبْيَضَ، فَلا يَزالُ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ زِيِّهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ (مِنَ الفَجْرِ) فَعَلِمُوا أنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ اللَّيْلَ والنَّهارَ.

* فَصْلٌ إذا شَكَّ في الفَجْرِ، فَهَلْ يَدَعُ السُّحُورَ أمْ لا؟

فَظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدَعُ السُّحُورَ، بَلْ يَأْكُلُ حَتّى يَسْتَيْقِنَ طُلُوعَ الفَجْرِ.

وقالَ مالِكٌ: أكْرَهُ لَهُ أنْ يَأْكُلَ إذا شَكَّ في طُلُوعِ الفَجْرِ، فَإنَّ أكَلَ فَعَلَيْهِ القَضاءُ.

وقالَ الشّافِعِيُّ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ ﴾ في هَذِهِ المُباشَرَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها المُجامَعَةُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها ما دُونُ الجِماعِ مِنَ اللَّمْسِ والقُبْلَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَ الرَّجُلُ المُعْتَكِفُ إذا خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ، فَلَقِيَ امْرَأتَهُ باشَرَها إذا أرادَ ذَلِكَ، فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ.

* فَصْلٌ الِاعْتِكافُ في اللُّغَةِ: اللَّبْثُ، يُقالُ: فُلانٌ مُعْتَكِفٌ عَلى كَذا، وعاكِفٌ.

وهو فِعْلٌ مَندُوبٌ إلَيْهِ، إلّا أنْ يُنْذِرَهُ الإنْسانُ، فَيَجِبُ.

ولا يَجُوزُ إلّا في مَسْجِدٍ تُقامُ فِيهِ الجَماعاتُ، ولا يُشْتَرَطُ في حَقِّ المَرْأةِ مَسْجِدٌ تُقامُ فِيهِ الجَماعَةُ، إذِ الجَماعَةُ لا تَجِبُ عَلَيْها.

وهَلْ يَصِحُّ بِغَيْرِ صَوْمٍ؟

فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: المُباشِرَةَ ﴿ فَلا تَقْرَبُوها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحُدُودُ ما مَنَعَ اللَّهُ مِن مُخالَفَتِها، فَلا يَجُوزُ مُجاوَزَتُها.

وأصْلُ الحَدِّ في اللُّغَةِ: المَنعُ، ومِنهُ: حَدُّ الدّارِ، وهو ما يَمْنَعُ غَيْرَها مِنَ الدُّخُولِ فِيها.

والحِدادُ في اللُّغَةِ: الحاجِبُ والبَوّابُ، وكُلُّ مَن مَنَعَ شَيْئًا فَهو حِدادٌ.

قالَ الأعْشى: فَقُمْنا ولَمّا يَصِحْ دِيكُنا ∗∗∗ إلى جَوْنَةٍ عِنْدَ حَدّادِها أيْ: عِنْدَ رَبِّها الَّذِي يَمْنَعُها إلّا بِما يُرِيدُهُ.

وأحَدَّتِ المَرْأةُ عَلى زَوْجِها وحَدَّتْ، فَهي حادٌّ، ومُحِدٌّ: إذا قَطَعَتِ الزِّينَةَ، وامْتَنَعَتْ مِنها، وأحْدَدَتِ النَّظَرَ إلى فُلانٍ: إذا مَنَعْتَ نَظَرَكَ مِن غَيْرِهِ.

وسُمِّيَ الحَدِيدُ حَدِيدًا، لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ بِهِ الأعْداءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا البَيانِ الَّذِي ذَكَرَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِيامِ الرَفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عنكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكم وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكم الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِيامِ إلى اللَيْلِ ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهُ فَلا تَقْرَبُوها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ لَفْظَةُ "أُحِلَّ" تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا قَبْلَ ذَلِكَ، و"لَيْلَةَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وهي اسْمُ جِنْسٍ فَلِذَلِكَ أُفْرِدَتْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ عامِرٍ الرامِيِّ الحَضْرَمِيِّ المُحارِبِيِّ: هُمُ المَوْلى وقَدْ جَنَفُوا عَلَيْنا وإنّا مِن عَداوَتِهِمْ لَزُورُ و"الرَفَثُ" كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى كَرِيمٌ يُكَنّى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "الرُفُوثُ".

و"الرَفَثُ" في غَيْرِ هَذا ما فَحُشَ مِنَ القَوْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ....................

∗∗∗ عَنِ اللَغا ورَفَثِ التَكَلُّمِ وقالَ أبُو إسْحاقَ: "الرَفَثُ" كُلُّ ما يَأْتِيهِ الرَجُلُ مَعَ المَرْأةِ مِن قُبْلَةٍ ولَمْسٍ وجِماعٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أو كَلامٌ في هَذِهِ المَعانِي، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «مَن حَجَّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن خَطاياهُ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ».

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ اخْتانُوا أنْفُسَهُمْ، وأصابُوا النِساءَ بَعْدَ النَوْمِ، أو بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ عَلى الخِلافِ.

مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، جاءَ إلى امْرَأتِهِ فَأرادَها فَقالَتْ لَهُ: قَدْ نِمْتُ فَظَنَّ أنَّها تَعْتَلِ فَوَقَعَ بِها، ثُمَّ تَحَقَّقَ أنَّها قَدْ كانَتْ نامَتْ، وكانَ الوَطْءُ بَعْدَ نَوْمِ أحَدِهِما مَمْنُوعًا.

وقالَ السُدِّيُّ: جَرى لَهُ هَذا في جارِيَةٍ لَهُ، قالُوا: فَذَهَبَ عُمَرُ فاعْتَذَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  ، وجَرى نَحْوُ هَذا لِكَعْبِ بْنِ مالِكٍ الأنْصارِيِّ، فَنَزَلَ صَدُرُ الآيَةِ فِيهِمْ، فَهي ناسِخَةٌ لِلْحُكْمِ المُتَقَرِّرِ في مَنعِ الوَطْءِ بَعْدَ النَوْمِ.

وحَكى النَحّاسُ، ومَكِّيُّ أنَّ عُمَرَ نامَ، ثُمَّ وقَعَ بِامْرَأتِهِ، وهَذا عِنْدِي بَعِيدٌ عَلى عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

ورُوِيَ أنَّ صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ، ويُقالُ: صِرْمَةَ بْنَ مالِكٍ، ويُقالُ: أبُو أنَسٍ قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ نامَ قَبْلَ الأكْلِ فَبَقِيَ كَذَلِكَ دُونَ أكْلٍ حَتّى غُشِيَ عَلَيْهِ في نَهارِهِ المُقْبِلُ، فَنَزَلَ فِيهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا ﴾ .

واللِباسُ: أصْلُهُ في الثِيابِ، ثُمَّ شُبِّهَ التِباسُ الرَجُلِ بِالمَرْأةِ وامْتِزاجُهُما وتَلازُمُهِما بِذَلِكَ، كَما قالَ النابِغَةُ: إذا ما الضَجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَداعَتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسًا وقالَ النابِغَةُ أيْضًا: لَبِسْتُ أُناسًا فَأفْنَيْتُهم ∗∗∗ وأفْنَيْتُ بَعْدَ أُناسٍ أُناسًا فَشَبَّهَ خَلْطَتَهُ لَهم بِاللِباسِ.

نَحا هَذا المَنحى في تَفْسِيرِ اللِباسِ الرَبِيعُ، وغَيْرُهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: لِباسٌ: سَكَنَ، أيْ يَسْكُنُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ.

وإنَّما سُمِّيَتْ هَذِهِ الأفْعالُ اخْتِيانًا لِعاقِبَةِ المَعْصِيَةِ وجَزائِها، فَراكِبُها يَخُونُ نَفْسَهُ ويُؤْذِيها.

وتابَ عَلَيْكم مَعْناهُ: مِنَ المَعْصِيَةِ الَّتِي واقَعْتُمُوها، ﴿ وَعَفا عنكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَنِ المَعْصِيَةِ بِعَيْنِها، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وتَأْنِيسًا بِزِيادَةٍ عَلى التَوْبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَفا عَمّا كانَ ألْزَمَكم مِنِ اجْتِنابِ النِساءِ فِيما يُؤْتَنَفُ بِمَعْنى تَرْكِهِ لَكم.

كَما تَقُولُ: شَيْءٌ مَعْفُوٌّ عنهُ أيْ مَتْرُوكٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: "باشِرُوهُنَّ" كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ مَأْخُوذٌ مِنَ البَشْرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا لَفْظَةَ الآنَ في ماضِي قِصَّةِ البَقَرَةِ، ﴿ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وَمُجاهِدٌ، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، والسُدِّيُّ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، مَعْناهُ: ابْتَغَوُا الوَلَدَ.

ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّ المَعْنى وابْتَغَوْا لَيْلَةَ القَدْرِ، وقِيلَ: المَعْنى: ابْتَغَوُا الرُخْصَةَ والتَوْسِعَةَ.

قالَهُ قَتادَةُ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رُوِيَ عنهُ- ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: "واتَّبَعُوا" مِنَ الِإتْباعِ، وجَوَّزَها ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَ ابْتَغُوا مِنَ الِابْتِغاءِ.

﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ صِرْمَةَ بْنِ قَيْسٍ، و"حَتّى" غايَةٌ لِلتَّبَيُّنِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ التَبَيُّنَ لِأحَدٍ ويَحْرُمَ عَلَيْهِ الأكْلُ إلّا وقَدْ مَضى لِطُلُوعِ الفَجْرِ قَدْرٌ، و"الخَيْطُ" اسْتِعارَةٌ وتَشْبِيهٌ لِرِقَّةِ البَياضِ أوَّلًا ورَقَةِ السَوادِ الحافِّ بِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي داوُدَ فَلَمّا بَصَرْنَ بِهِ غَدْوَةً ∗∗∗ ولاحَ مِنَ الفَجْرِ خَيْطٌ أنارا ويُرْوى "فَنارًا".

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "الخَيْطُ": اللَوْنُ، وهَذا لا يَطَّرِدُ لُغَةً، والمُرادُ فِيما قالَ جَمِيعُ العُلَماءِ: بَياضُ النَهارِ وسَوادُ اللَيْلِ، وهو نَصُّ قَوْلِ النَبِيِّ  لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ في حَدِيثِهِ المَشْهُورِ، و"مِنَ" الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، وَ"الفَجْرِ" مَأْخُوذٌ مِن تَفَجُّرِ الماءِ لِأنَّهُ يَتَفَجَّرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

ورُوِيَ عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وغَيْرِهِ مِنَ الصَحابَةِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا قَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الفَجْرِ ﴾ فَصَنَعَ بَعْضُ الناسِ خَيْطَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الفَجْرِ ﴾ ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ طَرَفَيِ المُدَّةِ عامٌ مِن رَمَضانَ إلى رَمَضانَ تَأخَّرَ البَيانُ إلى وقْتِ الحاجَةِ.

وعَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ جَعَلَ خَيْطَيْنِ عَلى وِسادِهِ وأخْبَرَ النَبِيَّ  فَقالَ لَهُ: «إنَّ وِسادَكَ لَعَرِيضٌ»، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهُ: «إنَّكَ لَعَرِيضُ القَفا»، ولِهَذِهِ الألْفاظِ تَأْوِيلانِ.

واخْتَلَفَ في الحَدِّ الَّذِي بِتَبَيُّنِهِ يَجِبُ الإمْساكُ، فَقالَ الجُمْهُورُ -وَبِهِ أخَذَ الناسُ، ومَضَتْ عَلَيْهِ الأمْصارُ والأعْصارُ، ووَرَدَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصِحاحُ -ذَلِكَ الفَجْرُ المُعْتَرِضُ الآخِذُ في الأُفُقِ يَمْنَةً ويَسْرَةً، فَبِطُلُوعِ أوَّلِهِ في الأُفُقِ يَجِبُ الإمْساكُ وهو مُقْتَضى حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وسُمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ.

وَرُوِيَ عن عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وابْنِ عَبّاسٍ وطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، والأعْمَشِ، وغَيْرِهِمْ: أنَّ الإمْساكَ يَجِبُ بِتَبَيُّنِ الفَجْرِ في الطُرُقِ، وعَلى رُؤُوسِ الجِبالِ، وذُكِرَ «عن حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: تَسَحَّرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ  وهو النَهارُ إلّا أنَّ الشَمْسَ لَمْ تَطْلُعْ»، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ صَلّى الصُبْحَ بِالناسِ ثُمَّ قالَ: "الآنَ تَبَيَّنَ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ.

قالَ الطَبَرِيُّ: "وَمِمّا قادَهم إلى هَذا القَوْلِ أنَّهم يَرَوْنَ أنَّ الصَوْمَ إنَّما هو في النَهارِ، والنَهارُ عِنْدَهم مِن طُلُوعِ الشَمْسِ لِأنَّ آخِرَهُ غُرُوبُها، فَكَذَلِكَ أوَّلُهُ طُلُوعُها".

وحَكى النَقّاشُ، عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ أنَّ النَهارَ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ طَرَفَيِ النَهارِ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ في نَفْسِهِ صَحِيحٌ وقَدْ ذُكِرَتْ حُجَّتُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ  ﴾ وفي الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ نَظَرٌ.

ومَن أكَلَ وهو يَشُكُّ: هَلْ طَلَعَ الفَجْرُ أمْ لَمْ يَطْلُعْ؟

فَعَلَيْهِ عِنْدُ مالِكٍ القَضاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أتِمُّوا الصِيامَ إلى اللَيْلِ ﴾ أمْرٌ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، و"إلى" غايَةٌ، إذا كانَ ما بَعْدَها مِن جِنْسِ ما قَبْلَها فَهو داخِلٌ في حُكْمِهِ، كَقَوْلِكَ اشْتَرَيْتُ الفَدّانَ إلى حاشِيَتِهِ، وإذا كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ كَما تَقُولُ: اشْتَرَيْتُ الفَدّانَ إلى الدارِ لَمْ يَدْخُلْ في المَحْدُودِ ما بَعْدَ إلى.

ورَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إلى اللَيْلِ ﴾ يَقْتَضِي النَهْيَ عَنِ الوِصالِ، وقَدْ واصَلَ النَبِيُّ  ونَهى الناسَ عَنِ الوِصالِ، وقَدْ واصَلَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتِ الحُكْمَ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ عَلى قَوْلِ مَن رَأى التَشْبِيهَ في الِامْتِناعِ مِنَ الوَطْءِ والأكْلِ بَعْدَ النَوْمِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وبَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ.

واللَيْلُ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ الصِيامُ مَغِيبُ قُرْصِ الشَمْسِ، فَمَن أفْطَرَ وهو شاكٌّ هَلْ غابَتِ الشَمْسُ، فالمَشْهُورُ مِنَ المَذْهَبِ أنَّ عَلَيْهِ القَضاءَ والكَفّارَةَ، وفي ثَمانِيَةِ أبِي زَيْدٍ: عَلَيْهِ القَضاءُ فَقَطْ قِياسًا عَلى الشَكِّ في الفَجْرِ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ إسْحاقُ والحَسَنُ: لا قَضاءَ عَلَيْهِ كالناسِي عِنْدَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: لا تُجامِعُوهُنَّ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذَلِكَ يَقَعُ عَلى الجِماعِ فَما دُونَهُ مِمّا يَتَلَذَّذُ بِهِ مِنَ النِساءِ، وَ"عاكِفُونَ" مُلازِمُونَ، يُقالُ: عَكَفَ عَلى الشَيْءِ إذا لازَمَهُ مُقْبِلًا عَلَيْهِ، قالَ الراجِزُ: ....................

∗∗∗ عَكَفَ النَبِيطُ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا وقالَ الشاعِرُ: وظَلَّ بَناتُ اللَيْلِ حَوْلِي عُكَّفا ∗∗∗ عُكُوفٌ البَواكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ وقالَ أبُو عَمْرٍو، وأبُو حاتِمٍ: قَرَأ قَتادَةُ: "عَكِفُونَ" بِغَيْرِ ألِفٍ، والِاعْتِكافُ سُنَّةٌ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "فِي المَسْجِدِ" بِالإفْرادِ، وقالَ: وهو المَسْجِدُ الحَرامُ.

قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ وجَماعَةٌ مَعَهُ: لا اعْتِكافَ إلّا في مَساجِدِ الجُمُعاتِ، ورُوِيَ عن مالِكٍ أيْضًا أنَّ ذَلِكَ في كُلِّ مَسْجِدٍ، ويَخْرُجُ إلى الجُمْعَةِ كَما يَخْرُجُ إلى ضَرُورِيِّ أشْغالِهِ، وقالَ قَوْمٌ: لا اعْتِكافَ إلّا في أحَدِ المَساجِدِ الثَلاثَةِ الَّتِي تُشَدُّ المَطِيَّ إلَيْها، وقالَتْ فِرْقَةٌ، لا اعْتِكافَ إلّا في مَسْجِدِ نَبِيٍّ.

وقالَ مالِكٌ: لا يَعْتَكِفُ أقَلَّ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، ومِن نَذَرَ أحَدُهُما لَزِمَهُ الآخَرُ.

وقالَ سَحْنُونُ: مَن نَذَرَ اعْتِكافَ لَيْلَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وقالَتْ طائِفَةٌ: أيُّهُما نَذَرَ اعْتَكَفَهُ ولَمْ يَلْزَمْهُ أكْثَرُ.

وقالَ مالِكٌ: لا اعْتِكافَ إلّا بِصَوْمٍ، وقالَ غَيْرُهُ: يَعْتَكِفُ بِغَيْرِ صَوْمٍ.

ورُوِيَ عن عائِشَةَ أنَّهُ يَعْتَكِفُ في غَيْرِ مَسْجِدٍ، و"تِلْكَ" إشارَةٌ إلى هَذِهِ الأوامِرِ والنَواهِي.

والحُدُودُ: الحَواجِزُ بَيْنَ الإباحَةِ والحَظْرِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَوّابِ حَدّادٌ لِأنَّهُ يَمْنَعُ، ومِنهُ الحادُّ لِأنَّها تَمْنَعُ مِنَ الزِينَةِ،.

والآياتُ: العَلاماتُ الهادِيَةُ إلى الحَقِّ، و"لَعَلَّهُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّهِمْ، وظاهِرُ ذَلِكَ عُمُومٌ، ومَعْناهُ خُصُوصٌ فِيمَن يَسَّرَهُ اللهُ لِلْهُدى بِدَلالَةِ الآياتِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ أنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال في أحكام الصيام إلى بيان أعمال في بعض أزمنة رمضان قد يظن أنها تنافي عبادة الصيام، ولأجل هذا الانتقال فُصلت الجملة عن الجمل السابقة.

وذكروا لسبب نزول هذه الآية كلاماً مضطرباً غير مُبيّن فروى أبو داود عن معاذ بن جبل كان المسلمون إذا نام أحدهم إذا صلى العِشاء وسهر بعدها لم يأكل ولم يباشر أهله بعد ذلك فجاء عُمر يريد امرأتْه فقالت: إني قد نمت فظن أنها تعْتَلُّ فباشرها، وروى البخاري عن البراء بن عازب أن قيس بن صرمة جاء إلى منزله بعد الغروب يريد طعامه فقالت له امرأته: حتى نسخنَ لك شيئاً فنام فجاءت امرأته فوجدته نائماً فقالت: خيبةً لم فبقي كذلك فلما انتصف النهار أغمي عليه من الجوع، وفي كتاب التفسير من صحيح البخاري أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فالن باشروهن وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } عن حديث البراء بن عاوب قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله تعالى: ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ الآية، ووقع لكعب بن مالك مثل ما وقع لعمر، فنزلت هذه الآية بسبب تلك الأحداث، فقيل: كان ترك الأكل ومباشرة النساء من بعد النوم أو من بعد صلاة العشاء حكماً مشروعاً بالسُّنة ثم نسخ، وهذا قول جمهور المفسرين، وأنكر أبو مسلم الأصفهاني أن يكون هذا نسخاً لشيء تقرر في شرعنا وقال: هو نسخ لما كان في شريعة النصارى.

وما شرع الصوم إلاّ إمساكاً في النهار دون الليل فلا أحسب أن الآية إنشاء للإباحة ولكنها إخبار عن الإباحة المتقررة في أصل توقيت الصيام بالنهار، والمقصود منها إبطال شيء توهمه بعض المسلمين وهو أن الأكل بين الليل لا يتجاوز وقتين وقت الإفطار ووقت السحور وجعلوا وقت الإفطار هو ما بين المغرب إلى العشاء، لأنهم كانوا ينامون إثر صلاة العشاء وقيامها فإذا صلوا العشاء لم يأكلوا إلاّ أكلة السحور وأنهم كانوا في أمر الجماع كشأنهم في أمر الطعام وأنهم لما اعتادوا جعل النوم مبدأ وقت الإمساك الليلي ظنوا أن النوم إن حصل في غير إبانة المعتاد يكون أيضاً مانعاً من الأكل والجماععِ إلى وقت السحور وإن وقت السحور لا يباح فيه إلاّ الأكل دون الجماع؛ إذ كانوا يتأثمون من الإصباح في رمضان على جنابة، وقد جاء في «صحيح مسلم» أن أبا هريرة كان يرى ذلك يعني بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل هذا قد سرى إليْهم من أهل الكتاب كما يقتضيه ما رواه محمد بن جرير من طريق السدي، ولعلهم التزموا ذلك ولم يسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعل ذلك لم يتجاوز بعض شهر رمضان من السنة التي شرع لهم فيها صيام رمضان فحدثت هذه الحوادث المختلفة المتقاربة، وذكر ابن العربي في «العارضة» عن ابن القاسم عن مالك كان في أول الإسلام من رقد قبل أن يَطْعَم لم يَطعم من الليل شيئاً فأنزل الله: ﴿ فالئن باشروهن ﴾ فأكلوا بعد ذلك فقوله تعالى: ﴿ علم الله ﴾ دليل على أن القرآن نزل بهذا الحكم لزيادة البيان؛ إذ علم الله ما ضيق به بعض المسلمين على أنفسهم وأوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا يشير إلى أن المسلمين لم يُفشوا ذلك ولا أخبروا به رسول الله ولذلك لا نجد في روايات البخاري والنسائي أن الناس ذكروا ذلك لرسول الله إلاّ في حديث قيْس بن صِرمة عند أبي داود ولعله من زيادات الراوي.

فأَما أن يكون ذلك قد شرع ثم نسخ فلا أحسبه، إذ ليس من شأن الدين الذي شرع الصوم أولَ مرة يوماً في السنة ثم درَّجه فشرع الصوم شهراً على التخيير بينه وبين الإطعام تخفيفاً على المسلمين أن يفرضه بعد ذلك ليلاً ونهاراً فلا يبيح الفطر إلاّ ساعات قليلة من الليل.

ولَيْلةُ الصيام الليلةُ التي يعقبها صيام اليوم الموالي لها جرياً على استعمال العرب في إضافة الليلة لليوم الموالي لها إلاّ ليلةَ عرفة فإن المراد بها الليلة التي بعد يوم عرفة.

والرَّفث في «الأساس» و«اللسان» أن حقيقته الكلام مع النساء في شؤون الالتذاذ بهن ثم أطلق على الجماع كناية، وقيل هو حقيقة فيهما وهو الظاهر، وتعديته بإلى ليتعين المعنى المقصود وهو الإفضاء.

وقول: ﴿ هن لباس لكم ﴾ جملة مستأنفة كالعلة لما قبلها أي أحل لعُسر الاحتراز عن ذلك، ذلك أن الصوم لو فرض على الناس في الليل وهو وقت الاضطجاع لكان الإمساك عن قربان النساء في ذلك الوقت عنتاً ومشقة شديدة ليست موجودة في الإمساك عن قربانهن في النهار؛ لإمكان الاستعانة عليه في النهار بالبعد عن المرأة، فقوله تعالى: ﴿ هن لباس لكم ﴾ استعارة بجامع شدة الاتصال حينئذٍ وهي استعارة أحياها القرآن، لأن العرب كانت اعتبرتها في قوله: لابَسَ الشيءُ الشيءَ، إذا اتصل به لكنهم صيروها في خصوص زنة المفاعلة حقيقةً عُرفية فجاء القرآن فأحياها وصيَّرها استعارة أَصلية جديدة بعد أن كانت تبعية منسية وقريبٌ منها قول امرئ القيس: فسُلِّي ثيابي من ثيابككِ تَنْسِللِ *** و ﴿ تختانون ﴾ قال الراغب: «الاختيان مراودة الخيانة» بمعنى أنه افتعال من الخون وأصله تَخْتَوِنُون فصارت الواو ألِفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وخيانة الأنفس تمثيل لتكليفها ما لم تكلف به كأنَّ ذلك تعزيرٌ بها؛ إذ يوهمها أن المشقة مشروعة عليها وهي ليست بمشروعة، وهو تمثيل لمغالطتها في الترخص بفعل ما ترونه محرماً عليكم فتُقْدِمُون تارة وتحجمون أخرى كمن يحاول خيانة فيكون كالتمثيل في قوله تعالى: ﴿ يخادعون ﴾ [البقرة: 9].

والمعنى هنا أنكم تلجئونها للخيانة أو تنسبونها لها، وقيل: الاختيان أشد من الخيانة كالاكتساب والكَسب كما في «الكشاف» قلت: وهو استعمال كما قال تعالى: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ [النساء: 107].

وقوله تعالى: ﴿ فالئن باشروهن ﴾ الأمر للإباحة، وليس معنى قوله ﴿ فالئن ﴾ إشارة إلى تشريع المباشرة حينئذٍ بل معناه فاللآن اتضح الحكم فباشروهن ولا تختانوا أنفسكم.

والابتغاء الطلب، وما كتبه الله: ما أباحه من مباشرة النساء في غير وقت الصيام أو اطلبوا ما قدر الله لكم من الولد تحريضاً للناس على مباشرة النساء عسى أن يتكون النسل من ذلك وذلك لتكثير الأمة وبقاء النوع في الأرض.

عطف على ﴿ باشروهن ﴾ ، والخيط سلك الكتان أو الصوف أو غيرهما يلفق به بين الثياب بشدة بإبرة أو مِخْيَطٍ، يقال خاط الثوب وخَيَّطه.

وفي خبر قبور بني أمية أنهم وجدوا معاوية رضي الله عنه في قبره كالخيط، والخيط هنا يراد به الشعاع الممتد في الظلام والسوادُ الممتد بجانبه قال أبو دؤاد من شعراء الجاهلية: فَلَمَّا أَضَاءَت لَنَا سَدْفَةٌ *** ولاَحَ من الصُّبْح خَيْطٌ أَنَارَا وقوله: ﴿ من الفجر ﴾ منْ ابتدائية أي الشعاع الناشئ عن الفجر، وقيل بيانية وقيل تبعيضية وكذلك قول أبي دُؤَاد «من الصبح» لأن الخيط شائع في السلك الذي يخاط به فهو قرينة إحدى المعنيين للمشترك، وجعله في «الكشاف» تشبيهاً بليغاً، فلعله لم يثبت عنده اشتهار إطلاقه على هذا المعنى في غير بعض الكلام، كالآية وبيت أبي دُؤاد، وعندي أن القرآن ما أطلقه إلاّ لكونه كالنص في المعنى المراد في اللغة الفصحى دون إرادة التشبيه لأنه ليس بتشبيه واضح.

وقد جيء في الغاية بحتى وبالتَّبَيُّن للدلالة على أن الإمساك يكون عند اتضاح الفجر للناظر وهو الفجر الصادق، ثم قوله تعالى: ﴿ حتى يتبين ﴾ تحديد لنهاية وقت الإفطار بصريح المنطوق؛ وقد علم منه لا محالة أنه ابتداء زمن الصوم، إذ ليس في زمان رمضان إلاّ صوم وفطر وانتهاء أحدهما مبدأ الآخر فكان قوله: ﴿ أتموا الصيام إلى الليل ﴾ بياناً لنهاية وقت الصيام ولذلك قال تعالى: ﴿ ثم أتموا ﴾ ولم يقل ثم صوموا لأنهم صائمون من قبل.

و ﴿ إلى الليل ﴾ غاية اختير لها (إلى) للدلالة على تعجيل الفطر عند غروب الشمس لأن إلى لا تمتد معها الغاية بخلاف حتى، فالمراد هنا مقارنة إتمام الصيام بالليل.

واعلم أن ثم في عطف الجمل للتراخي الرتبي وهو اهتمام بتعيين وقت الإفطار، لأن ذلك كالبشارة لهم، ولا التفات إلى ما ذهب إليه أبو جعفر الخباز السمرقندي من قدماء الحنفية من الاستدلال بثم في هاته الآية على صحة تأخير النية عن الفجر احتجاجاً لمذهب أبي حنيفة من جواز تأخير النية إلى الصحوة الكبرى.

بناء على أن ثم للتراخي وأن إتمام الصيام يستلزم ابتداءه، فكأنه قال ثم بعد تبيين الخيطين من الفجر صوموا أو أتموا الصيام إلى الليل فينتج معنى صوموا بعد تراخ عن وقت الفجر وهو على ما فيه من التكلف والمصير إلى دلالة الإشارة الخفيفة غفلة عن معنى التراخي في عطف (ثم) للجمل.

هذا، وقد رويت قصة في فهم بعض الصحابة لهذه الآية وفي نزولها مفرقة، فروى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال: " لما نزلت ﴿ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ عمدت إلى عِقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي الأبيض من الأسود فغدوت على رسول الله فذكرتُ له ذلك فقال رسول الله: إن وِسادَك لعَرِيض، وفي رواية: إنك لعَرِيض القفا، إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ".

ورَوَيا عن سهل بن سعد قال نزلت: ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ ولم ينزل ﴿ من الفجر ﴾ فكانَ رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولم يزل يأْكل حتى تتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعدُ ﴿ من الفجر ﴾ ، فيظهر من حديث سهل بن سعد أن مثل ما عمله عدي بن حاتم قد كان عمله غيره من قبلِه بمدة طويلة، فإن عَدِياً أَسلَمَ سنة تسع أو سنة عشر، وصيام رمضان فُرض سنة اثنتين ولا يُعقل أن يبقَى المسلمون سبع أو ثمانيَ سنين في مثل هذا الخطأ، فمحل حديث سهل بن سعد على أن يكون ما فيه وقع في أول مُدة شرع الصيام، ومحمل حديث عدي بن حاتم أن عدياً وقع في مثل الخطأ الذي وقع فيه مَن تقدموه، فإن الذي عند مسلم عن عبد الله بن إدريس عن حصين عن الشعبي عن عدي أنه قال لما نزلت: ﴿ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾ الخ فهو قد ذكر الآية مستكملة، فيتعين أن يكون محمل حديث سهل بن سعد على أن ذلك قد عمله بعض الناس في الصوم المفروض قبلَ فَرْض رمضان أي صوممِ عاشوراء أو صوممِ النَّذْر وفي صوم التَّطوع، فلما نزلت آية فرض رمضان وفيها ﴿ من الفجر ﴾ علموا أن ما كانوا يعملونه خطأ، ثم حَدث مثل ذلك لعدي بن حاتم.

وحديث سهل لا شبهة في صحة سنده إلاّ أنه يحتمل أن يكون قوله فيه ولم ينزل ﴿ من الفجر ﴾ وقوله فأنزل الله بعد ذلك ﴿ مِن الفجر ﴾ مروياً بالمعنى فجاء راويه بعبارات قلقة غير واضحة، لأنه لم يقع في «الصحيحين» إلاّ من رواية سعيد بن أبي مريم عن أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد فقال الراوي: «فأنزل بعد أو بعدَ ذلك من الفجر» وكان الأوضح أن يقول فأنزل الله بعدُ: ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ إلى قوله ﴿ من الفجر ﴾ .

وأيّاً ما كان فليس في هذا شيء من تأخير البيان، لأن معنى الخيط في الآية ظاهر للعرب، فالتعبير به من قبيل الظاهر لا من قبيل المجمل، وعدمُ فهم بعضهم المرادَ منه لا يقدح في ظهور الظاهر، فالذين اشتبه عليهم معنى الخيط الأبيض والخيط الأسود، فهموا أَشهر معاني الخيط وظَنوا أن قوله: ﴿ من الفجر ﴾ متعلق بفعل ﴿ يتبين ﴾ على أن تكون (مِنْ) تعليلية أي يكون تبينه بسبب ضوء الفجر، فصنعوا ما صنعوا ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم «إنّ وسادك لعريض أو إنك لعريض القفا» كناية عن قلة الفِطنة وهي كناية موجهة من جوامع كلمه عليه السلام.

وقوله تعالى: ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون ﴾ عطف على قوله ﴿ باشروهن ﴾ لقصد أن يكون المعتكف صالحاً.

وأجمعوا على أنه لا يكون إلاّ في المسجد لهاته الآية، واختلفوا في صفة المسجد فقيل لا بد من المسجد الجامع وقيل مطلق مسجد وهو التحْقيق وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي رحمهم الله، وأحكامه في كتب الفقه وليست من غرض هذا المفسر.

تذييل بالتحذير من مخالفة ما شرع إليه من أحكام الصيام.

فالإشارة إلى ما تقدم، والإخبار عنها بالحدود عيَّن أن المشار إليه هو التحديدات المشتمل عليها الكلام السابق وهي قوله: ﴿ حتى يتبين لكم الخيط ﴾ وقوله: ﴿ إلى الليل ﴾ ﴿ وأنتم عاكفون ﴾ من كل ما فيه تحديد يفضي تجاوزه إلى معصية، فلا يخطر بالبال دخول أحكام الإباحة في الإشارة مثل: ﴿ أحل لكم ﴾ ومثل ﴿ فالئن باشروهن ﴾ .

والحدود الحواجز ونهايات الأشياء التي إذا تجاوزها المرء دخل في شيء آخر، وشبهت الأحكام بالحدود لأن تجاوزها يخرج من حل إلى منع وفي الحديث " وحَدَّ حدوداً فلا تعتدوها " وستأتي زيادة بيان له في قوله تعالى: ﴿ تلك حدود الله فلا تقربوها ﴾ .

وقوله: ﴿ فلا تقربوها ﴾ نهى عن مقاربتها الموقعةِ في الخروج منها على طريق الكناية لأن القرب من الحد يستلزم قصد الخروج غالباً كما قال تعالى: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ [الأنعام: 152]، ولهذا قال تعالى في آيات أخرى: ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ﴾ [البقرة: 229].

كما سيأتي هنالك وفي معنى الآية حديث " من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ".

والقول في: ﴿ كذلك يبين الله آياته للناس ﴾ تقدم نظيره في قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ [البقرة: 143] أي كما بين الله أحكام الصيام يبين آياته للناس أي جميع رياته لجميع الناس، والمقصد أن هذا شأن الله في إيضاح أحكامه لئلا يلتبس شيء منها على الناس، وقوله: ﴿ لعلهم يتقون ﴾ ، أي إرادةً لاتقائهم الوقوع في المخالفة، لأنه لو لم يبين لهم الأحكام لما اهتدوا لطريق الامتثال، أو لعلهم يلتبسون بغاية الامتثال والإتيان بالمأمورات على وجهها فتحصل لهم صفة التقوى الشرعية، إذ لو لم يبين الله لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها؛ وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان وغير مؤاخذيم بإثم التقصير إلاّ أنهم لا يبلغون صفة التقوى أي كمال مصادفة مراد الله تعالى، فلعل يتقون على هذا منزل منزلة اللازم لا يقدَّر له مفعول مثل ﴿ هل يستوى الذين يعلمون ﴾ [الزمر: 9]، وهو على الوجه الأول محذوف المفعول للقرينة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ ﴾ كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (الرَّفَثُ) و(الرُّفُوثُ) جَمِيعًا، وهو الجِماعُ في قَوْلِهِ، وأصْلُهُ فاحِشُ القَوْلِ، كَما قالَ العَجّاجُ: ...

...

...

∗∗∗ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ الكَلامِ فَيُكَنّى بِهِ عَنِ الجِماعِ، لِأنَّهُ إذا ذُكِرَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ كانَ فُحْشًا.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ﴾ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِمَنزِلَةِ اللِّباسِ، لِإفْضاءِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ، يَسْتَتِرُ بِهِ كالثَّوْبِ المَلْبُوسِ، كَما قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: إذا ما الضَّجِيجُ ثَنى عِطْفَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَصارَتْ لِباسا والثّانِي: أنَّهم لِباسٌ يَعْنِي السَّكَنَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا  ﴾ أيْ سَكَنًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ سَبَبُ هَذِهِ الخِيانَةِ الَّتِي كانَ القَوْمُ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ، شَيْئانِ: أحَدُهُما: إتْيانُ النِّساءِ.

الثّانِي: الأكْلُ والشُّرْبُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أباحَ في أوَّلِ الإسْلامِ الأكْلَ والشُّرْبَ والجِماعَ في لَيْلِ الصِّيامِ قَبْلَ نَوْمِ الإنْسانِ، وحَرَّمَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ نَوْمِهِ، حَتّى جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ذاتَ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، يُرِيدُ امْرَأتَهُ، فَقالَتْ لَهُ: إنِّي قَدْ نِمْتُ، وظَنَّ أنَّها تَعْتَلُّ عَلَيْهِ، فَوَقَعَ بِها، وجاءَ أبُو قَيْسٍ ابْنُ صِرْمَةَ، وكانَ يَعْمَلُ في أرْضٍ لَهُ، فَأرادَ الأكْلَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: نُسَخِّرُ لَكَ شَيْئًا، فَغَلَبَتْهُ عَيْناهُ، ثُمَّ أحْضَرَتْ إلَيْهِ الطَّعامَ، فَلَمْ يَأْكُلْ مِنهُ فَلَمّا أصْبَحَ لاقى جَهْدًا.

وَأخْبَرَ عُمَرُ وأبُو قَيْسٍ رَسُولَ اللَّهِ  بِما كانَ مِنهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ ﴿ فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: العَفْوُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ.

والثّانِي: العَفْوُ عَنْ تَحْرِيمِ ذَلِكَ بَعْدَ النَّوْمِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فالآنَ باشِرُوهُنَّ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجِماعَ، لِأنَّ أصْلَ المُباشَرَةِ مِن إلْصاقِ البَشَرَةِ بِالبَشَرَةِ، وكانَ ذَلِكَ مِنهُ بَيانًا لِما كانَ في جِماعِ عُمَرَ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: طَلَبُ الوَلَدِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: لَيْلَةُ القَدْرِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ يَقْرَأُ: ﴿ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ والثّالِثُ: ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لَكم ورَخَّصَ فِيهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى فِيما كانَ مِن شَأْنِ أبِي قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ: ﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ﴾ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالخَيْطِ الأبْيَضِ والخَيْطِ الأسْوَدِ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَواهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ ﴾ ، فَكانَ رِجالٌ إذا أرادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهم في رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ، فَلا يَزالُ يَأْكُلُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدُ ﴿ مِنَ الفَجْرِ ﴾ ، فَعَلِمُوا أنَّهُ إنَّما يَعْنِي اللَّيْلَ والنَّهارَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يُرِيدُ بِالخَيْطِ الأبْيَضِ ضَوْءَ النَّهارِ، وهو الفَجْرُ الثّانِي، وبِالخَيْطِ الأسْوَدِ سَوادَ اللَّيْلِ قَبْلَ الفَجْرِ الثّانِي.

وَرَوى الشَّعْبِيُّ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: أنَّهُ عَهِدَ إلى خَيْطَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ، وجَعَلَهُما تَحْتَ وِسادَتِهِ، فَكانَ يُراعِيهِما في صَوْمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: (إنَّكَ لَعَرِيضُ الوِسادَةِ، إنَّما هو بَياضُ النَّهارِ وسَوادُ اللَّيْلِ).» وسُمِّيَ خَيْطًا، لِأنَّ أوَّلَ ما يَبْدُو مِنَ البَياضِ مُمْتَدٌّ كالخَيْطِ، قالَ الشّاعِرُ: الخَيْطُ الأبْيَضُ ضَوْءُ الصُّبْحِ مُنْفَلِقٌ ∗∗∗ والخَيْطُ الأسْوَدُ لَوْنُ اللَّيْلِ مَكْتُومُ والخَيْطُ في كَلامِهِمْ عِبارَةٌ عَنِ اللَّوْنِ.

والثّالِثُ: ما حُكِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ أنَّ الخَيْطَ الأبْيَضَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ.

وَقَدْ رَوى زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ  يَتَسَحَّرُ وأنا أرى مَواقِعَ النَّبْلِ، قالَ: قُلْتُ بَعْدَ الصُّبْحِ؟

قالَ: هو الصُّبْحُ إلّا أنَّهُ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ)،» وهَذا قَوْلٌ قَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى خِلافِهِ، وقَدْ رَوى سَوادَةُ بْنُ حَنْظَلَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (لا يَمْنَعَنَّكم مِن سُحُورِكم أذانُ بِلالٍ ولا الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ ولَكِنِ الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ في الأُفُقِ)» .

ورَوى الحارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبانَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ  : « (الفَجْرُ فَجْرانِ، فالَّذِي كَأنَّهُ ذَنَبُ السِّرْحانِ لا يُحَرِّمُ شَيْئًا، وأمّا المُسْتَطِيرُ الَّذِي يَأْخُذُ الأُفُقَ فَإنَّهُ يُحِلُّ الصَّلاةَ ويُحَرِّمُ الطَّعامَ).» فَأمّا الفَجْرُ، فَإنَّهُ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِهِمْ: فَجَرَ الماءُ يَفْجُرُ فَجْرًا، إذا جَرى وانْبَعَثَ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لِلطّالِعِ مِن تَباشِيرِ ضِياءِ الشَّمْسِ مِن مَطْلَعِها: (فَجْرٌ) لِانْبِعاثِ ضَوْئِهِ، فَيَكُونُ زَمانُ الصَّوْمِ المُجْمَعُ عَلى تَحْرِيمِ الطَّعامِ والشَّرابِ فِيهِ، وإباحَتُهُ فِيما سِواهُ، ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِي وغُرُوبِ الشَّمْسِ.

رَوى عَطاءٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (أعْظَمُ الصّائِمِينَ أجْرًا أقْرَبُهم مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ إفْطارًا)» .

﴿ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ ﴾ يَعْنِي بِهِ غُرُوبَ الشَّمْسِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عُنِيَ بِالمُباشَرَةِ الجِماعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: ما دُونَ الجِماعِ مِنَ اللَّمْسِ والقُبْلَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ومالِكٍ.

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ أيْ ما حَرَّمَ، وفي تَسْمِيَتِها حُدُودَ اللَّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَدَّها بِالذِّكْرِ والبَيانِ.

والثّانِي: لِما أوْجَبَهُ في أكْثَرِ المُحَرَّماتِ مِنَ الحُدُودِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِآياتِهِ عَلاماتِ مُتَعَبَّداتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ يُرِيدُ بِالآياتِ هُنا الفَرائِضَ والأحْكامَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج وكيع وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب قال: «كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإِفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فكان يومه ذاك يعمل في أرضه، فلما حضر الإِفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟

قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته فلما رأته نائماً قالت: خيبة لك أنمت؟

فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث ﴾ إلى قوله: ﴿ من الفجر ﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً» .

وأخرج البخاري عن البراء قال: لمَّا نزل صوم شهر رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، فكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ﴾ .

وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم بسند حسن عن كعب بن مالك قال: «كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأيقظها وأرادها فقالت: إني قد نمت فقال: ما نمت ثم وقع بها.

وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله: ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا، وأن عمر أصاب أهله بعد صلاة العشاء، وأن صرمة بن قيس غلبته عينه بعد صلاة المغرب فنام فلم يشبع من الطعام، ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فأنزل ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ﴾ يعني بالرفث مجامعة النساء ﴿ كنتم تختانون أنفسكم ﴾ يعني تجامعون النساء، وتأكلون وتشربون بعد العشاء ﴿ فالآن باشروهن ﴾ يعني جامعوهن ﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ يعني الولد ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ فكان ذلك عفواً من الله ورحمة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس «أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ أحل لكم ليلة الصيام ﴾ إلى قوله: ﴿ فالآن باشروهن ﴾ يعني انكحوهن» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «كان الناس أول ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه حتى إذا أمسى طعم من الطعام حتى يمسي من الليلة القابلة، وأن عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سوّلت له نفسه فأتى أهله، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، فإنها زينت لي فواقعت أهلي، هل تجد لي من رخصة؟

قال: لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر.

فلم بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن، وأمر الله رسوله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة، فقال: ﴿ أحل لكم ليلة الصيام ﴾ إلى قوله: ﴿ تختانون أنفسكم ﴾ يعني بذلك الذي فعل عمر، فأنزل الله عفوه فقال: ﴿ فتاب عليكم ﴾ إلى قوله: ﴿ من الخيط الأسود ﴾ فأحل لهم المجامعة والأكل والشرب حتى يتبين لهم الصبح» .

وأخرج ابن جرير عن ثابت «أن عمر بن الخطاب واقع أهله ليلة في رمضان فاشتد ذلك عليه، فأنزل الله: ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ﴾ » .

وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن عباس ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ قال: فكان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك تيسيراً لمن بقي ورخصة ومنفعة، فقال: ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون...

﴾ الآية.

فرخص لهم ويسر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ قال: نزلت في أبي قيس بن صرمة من بني الخزرج.

وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «كانوا إذا صاموا فنام أحدهم قبل أن يطعم لم يأكل شيئاً إلى مثلها من الغد، وإذا نام قبل أن يجامع لم يجامع إلى مثلها، فانصرف شيخ من الأنصار يقال له صرمة بن مالك ذات ليلة إلى أهله وهو صائم، فقال: عشوني.

فقالوا: حتى نجعل لك طعاماً سخناً تفطر عليه، فوضع الشيخ رأسه فغلبته عيناه فنام، فجاؤوا بالطعام وقد نام فقالوا: كل.

فقال: قد كنت نمت، فترك الطعام وبات ليلته يتقلب ظهراً لبطن، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل أهله، فقالت: إنها قد نامت، فظننتها تعتل فواقعتها، فأخبرتني أنها كانت نامت، فأنزل الله في صرمة بن مالك ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾ ونزل في عمر بن الخطاب ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ﴾ إلى آخر الآية» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ قال: كان هذا قبل صوم رمضان، أمروا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر من كل عشرة أيام يوماً، وأمروا بركعتين غدوة وركعتين عشية، فكان هذا بدء الصلاة والصوم، فكانوا في صومهم هذا وبعد ما فرض الله رمضان إذا رقدوا لم يمسوا النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، وكان أناس من المسلمين يصيبون من النساء والطعام بعد رقادهم، وكانت تلك خيانة القوم أنفسهم، فأنزل الله في ذلك القرآن ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: كان أصحاب محمد يصوم الصائم في شهر رمضان، فإذا أمسى أكل وشرب وجامع النساء، فإذا رقد حرم ذلك عليه حتى مثلها من القابلة، وكان منهم رجال يختانون أنفسهم في ذلك، فعفا الله عنهم، أحل لهم ذلك بعد الرقاد وقبله في الليل كله.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي قال: كان المسلمون في أول الإِسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب، إذا نام أحدهم لم يطعم حتى يكون القابلة، فنزلت ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» .

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عن ابن عباس قال: الرفث الجماع.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر قال: الرفث الجماع.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: الدخول، والتغشي، والإِفضاء، والمباشرة، والرفث، واللمس، والمس، والمسيس: الجماع، والرفث في الصيام: الجماع، والرفث في الحج: الإِغراء به.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ﴾ قال: هن سكن لكم وأنتم سكن لهن.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ هن لباس لكم ﴾ قال: هن سكن لكم تسكنون إليهن بالليل والنهار قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت نابغة بن ذبيان وهو يقول: إذا ما الضجيع ثنى عطفها ** تثنت عليه فكانت لباسا وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن يحيى بن العلاء عن ابن أنعم «أن سعد بن مسعود الكندي قال: أتى عثمان بن مظعون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لأستحيي أن ترى أهلي عورتي.

قال: لم، وقد جعلك الله لهم لباساً وجعلهم لك؟!قال: أكره ذلك.

قال: فإنهم يرونه مني وأراه منهم.

قال: أنت رسول الله؟

قال: أنا.

قال: أنت فمن بعدك إذاً؟!

فلما أدبر عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ابن مظعون لحيي ستير» .

وأخرجه ابن سعد عن سعد بن مسعود وعمارة بن غراب اليحصبي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ تختانون ﴾ فال: تقعون عليهن خيانة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فالآن باشروهن ﴾ قال: انكحوهن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال: المباشرة الجماع، ولكن الله كريم يستكني.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: المباشرة في كل كتاب الله الجماع.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ قال: الولد.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وقتادة والضحاك.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ قال: ليلة القدر.

وأخرج البخاري في تاريخه عن أنس في قوله: ﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ قال: ليلة القدر.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ قال: وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء قال: قلت لابن عباس كيف تقرأ هذه الآية ﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ ، أو واتبعوا، قال: أيتهما شئت عليك بالقراءة الأولى.

وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن عائشة قالت «قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم» .

وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أم سلمة «أنها سئلت عن الرجل يصبح جنباً، أيصوم؟

فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع غير احتلام في رمضان، ثم يصوم» .

وأخرج مالك والشافعي ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة «أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أصبح جنباً وأنا أريد الصيام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا أصبح جنباً وأريد الصيام فأغتسل وأصوم ذلك اليوم؟فقال الرجل: إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب وقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي» .

وأخرج أبو بكر بن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والطستي في مسائله عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ ، قال: بياض النهار من سواد الليل وهو الصبح إذ قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول أمية؟: الخيط الأبيض ضوء الصبح منغلق ** والخيط الأسود لون الليل مكموم وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن سهل بن سعد قال: أنزلت ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ ولم ينزل من الفجر، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد ﴿ من الفجر ﴾ فعلموا إنما يعني الليل والنهار.

وأخرج سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عدي بن حاتم قال: «لما أنزلت هذه الآية ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بالذي صنعت فقال: إن وسادك إذا لعريض، إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمني الإِسلام، ونعت لي الصلوات الخمس كيف أصلي كل صلاة لوقتها، ثم قال: إذا جاء رمضان فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتم الصيام إلى الليل، ولم أدر ما هو!

ففتلت خيطين من أبيض وأسود، فنظرت فيهما عند الفجر فرأيتهما سواء، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله كل شيء أوصيتني قد حفظت غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: وما منعك يا ابن حاتم؟

وتبسم كأنه قد علم ما فعلت.

قلت: فتلت خيطين من أبيض وأسود، فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤي نواجذه، ثم قال: ألم أقل لك من الفجر؟

إنما هو ضوء النهار من ظلمة الليل» .

وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير عن عدي بن حاتم قال: «قلت يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان؟

فقال: إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر الجعدي أنه سأل عن هذه الآيه ﴿ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ يعني الليل والنهار.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن علي بن أبي طالب أنه قال حين طلع الفجر: الآن حين تبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن أبي الضحى.

أن رجلاً قال لابن عباس: متى أدع السحور؟

فقال رجل: إذا شككت، فقال ابن عباس: كل ما شككت حين يتبين لك.

وأخرج وكيع عن أبي الضحى قال: كانوا يرون أن الفجر المستفيض في السماء.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن عباس قال: هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئاً، ولكن الفجر الذي يستبين على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب.

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لايمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستظهر في الأفق» .

وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يمنعكم أذان بلال من سحوركم فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه عن طلق بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلوا واشربوا ولا يمنعكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر» .

وأخرج أحمد: ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكنه المعترض الأحمر.

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن جرير والدارقطني والبيهقي عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان «أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الفجر فجران، فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئاً ولا يحرمه، وأما المستطيل الذي يأخذ الأفق فانه يحل الصلاة ويحرم الطعام، وأخرجه الحاكم من طريقه عن جابر موصولاً» .

وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الفجر فجران، فجر يحرم فيه الطعام والشراب ويحل فيه الصلاة، وفجر يحل فيه الطعام ويحرم فيه الصلاة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن يصوم فليتسحر ولو بشيء» وأخرج ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد.

فيمن أفطر ثم طلعت الشمس، قال: يقضي، لأن الله يقول ﴿ أتموا الصيام إلى الليل ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي أمامة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي، فأتياني جبلاً وعراً فقالا لي: اصعد.

فقلت: إني لا أطيقه.

فقالا: إنا سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة!

فقلت: ما هذه الأصوات؟!

قالوا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلقا بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً.

قلت: من هؤلاء؟!

قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت «أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وقال: إنما يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله، وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فافطروا» .

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن عساكر عن أبي ذر «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم واصل يومين وليلة، فأتاه جبريل فقال: إن الله قد قبل وصالك ولا يحل لأحد بعدك، وذلك بأن الله قال: وأتموا الصيام إلى الليل» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن قتادة قال: قالت عائشة ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ يعني أنها كرهت الوصال.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي العالية.

أنه ذكر عنده الوصال فقال: فرض الله الصوم بالنهار فقال: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ فإذا جاء الليل فأنت مفطر، فإن شئت فكل وإن شئت فلا.

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر، إن اليهود والنصارى يؤخرون» .

وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» .

وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال قالوا: إنك تواصل؟

قال: «لست مثلكم إني أطعم وأسقى» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تواصلوا.

قالوا: إنك تواصل؟

قال: إني لست كأحد منكم، إني أبيت أطعم وأسقى» .

وأخرج البخاري وأبو داود عن أبي سعيد «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر.

قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟

قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن عائشة قالت «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم فقالوا: إنك تواصل؟

قال: إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني» .

وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري والنسائي عن أبي هريرة قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟

قال: وأيكم مثلي.

إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم، إني صائم» .

وأخرج البخاري والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يدع» وفي لفظ: «إذا لم يدع الصائم قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رب قائم حظه من القيام السهر، ورب صائم حظه من الصيام الجوع والعطش» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: الغيبة تخرق الصوم والاستغفار يرقعه، فمن استطاع منكم أن يجيء غداً بصومه مرقعاً فليفعل.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل فطرك وصومك سواء.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن طلق بن قيس قال: قال أبو ذر: إذا صمت فتحفظ ما استطعت، فكان طلق إذا كان يوم صومه دخل فلم يخرج إلا للصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن مجاهد قال: خصلتان من حفظهما يسلم له صومه، الغيبة والكذب.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي العالية قال: الصائم في عبادة ما لم يغتب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما صام من ظل يأكل لحوم الناس» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: الكذب يفطر الصائم.

وأخرج البيهقي عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لايقولن أحدكم: إني قمت رمضان كله وصمته.

فلا أدري أكره التزكية أو قال: لا بد من نومة أو رقدة» .

وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون ﴾ قال: المباشرة الملامسة، والمس الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما يشاء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تباشروهن ﴾ الآية.

قال: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلاً أو نهاراً حتى يقضي اعتكافه.

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك قال: كانوا يجامعون وهم معتكفون حتى نزلت ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فنزلت.

وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: كان ناس يصيبون نساءهم وهم عاكفون، فنهاهم الله عن ذلك.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كانوا إذا اعتكفوا فخرج الرجل إلى الغائط جامع امرأته ثم اغتسل ثم رجع إلى اعتكافه، فنهوا عن ذلك.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال.

نهى عن جماع النساء في المساجد كما كانت الأنصار تصنع.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه ويستأنف.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم في معتكف وقع بأهله قال: يستقبل اعتكافه، ويستغفر الله، ويتوب إليه، ويتقرب ما استطاع.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد في المعتكف إذا جامع قال: يتصدق بدينارين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في رجل غشي امرأته وهو معتكف أنه بمنزلة الذي غشي في رمضان، عليه ما على الذي غشي في رمضان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال: من أصاب امرأته وهو معتكف فعليه من الكفارة مثل ما على الذي يصيب في رمضان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: لا يقبل المعتكف ولا يباشر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: المعتكف لا يبيع ولا يبتاع.

قوله تعالى ﴿ وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ .

أخرج الدارقطني والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب وعن عروة عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده، والسنة في المعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإِنسان، ولا يتبع جنازة، ولا يعود مريضاً، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، والسنة إلى آخره.

فقد قيل: أنه من قول عروة وقال الدارقطني: هو من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم» .

وأخرج ابن ماجة والبيهقي وضعفه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «في المعتكف أنه معتكف الذنوب ويجري له من الأجر كأجر عامل الحسنات كلها» .

وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي وضعفه والخطيب في تاريخه عن ابن عباس أنه كان معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل في حاجة فقام معه، وقال: سمعت صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم يقول «من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيراً من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق أبعد مما بين الخافقين» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن علي بن حسين عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من اعتكف عشراً في رمضان كان كحجتين وعمرتين» .

وأخرج البيهقي عن الحسن قال: للمعتكف كل يوم حجة، قال البيهقي: لا يقوله الحسن إلا عن بلاغ بلغه.

وأخرج البيهقي عن زياد بق السكن قال: كان زبيد اليامي وجماعة إذا كان يوم النيروز ويوم المهرجان اعتكفوا في مساجدهم، ثم قالوا: إن هؤلاء قد اعتكفوا على كفرهم واعتكفنا على إيماننا، فاغفر لنا.

وأخرج البيهقي عن عطاء الخراساني قال: إن مثل المعتكف مثل المحرم ألقى نفسه بين يدي الرحمن.

فقال: والله لا أبرح حتى ترحمني.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب قضاء الجوائج عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى الحسين بن علي فسأله أن يذهب معه في حاجة فقال: إني معتكف، فأتى الحسن فأخبره فقال الحسن: لو مشي معك لكان خيراً له من اعتكافه، والله لأن أمشي معك في حاجتك أحب إليّ من أن اعتكف شهراً.

وأخرج البخاري في جزء التراجم بسند ضعيف جداً عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إليّ من أن اعتكف شهراً في مسجدي هذا، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجة حتى يقضيها ثبت الله قدميه يوم تزل الأقدام» .

وأخرج عبد الرزاق عن محمد بن واسع الأزدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أعان أخاه يوماً كان خيراً له من اعتكاف شهر» .

وأخرج الدارقطني عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن المسيب قال: لا اعتكاف إلا في مسجد.

وأخرج الدارقطني والحاكم عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا اعتكاف إلا بصيام» .

وأخرج مالك عن القاسم بن محمد ونافع مولى ابن عمر قالا: لا اعتكاف إلا بصيام لقول الله تعالى ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ﴾ إلى قوله: ﴿ وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ فإنما ذكر الله عز وجل الاعتكاف مع الصيام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: المعتكف عليه الصوم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: لا اعتكاف إلا بصوم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن علي وابن مسعود قالا: المعتكف ليس عليه صوم إلا أن يشرطه على نفسه.

وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» .

وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن علي رضي الله عنه قال: المعتكف يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويأتي الجمعة، ويأتي أهله، ولا يجالسهم.

وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة قالت «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل عليّ رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان» .

وأخرج البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين» .

وأخرج مالك عن أهل الفضل والدين، أنهم كانوا إذا اعتكفوا العشر الأواخر من شهر رمضان، لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا العيد مع الناس.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون للمعتكف أن يبيت ليلة الفطر حتى يكون غدوه منه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مجلز قال: بت ليلة الفطر في المسجد الذي اعتكفت فيه حتى يكون غدوّك إلى مصلاك منه.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نظر الرجل إلى أخيه على شوق خير من اعتكاف سنة في مسجدي هذا» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة «أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت مستحاضة وهي عاكف» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ تلك حدود الله ﴾ يعني طاعة الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ تلك حدود الله ﴾ قال: معصية الله، يعني المباشرة في الاعتكاف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ تلك حدود الله فلا تقربوها ﴾ يعني الجماع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كذلك ﴾ يعني هكذا يبين الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ ﴾ الآية قال المفسرون: كان في أول فرض الصيام الجماع محرَّما في ليل الصيام، والأكل والشرب بعد العشاء الآخرة، فأحل الله عز وجل ذلك كله إلى طلوع الفجر (١) وقوله تعالى: ﴿ لَيْلَةَ الصِّيَامِ ﴾ أراد: لَياليَ الصِّيام، فأوقع الواحد مَوْقِعَ الجماعة (٢) فقلنا اسلموا إنا أخوكم ...

فقد برئت من الإِحنِ الصُّدُور وأما (٣) عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ (٤) (٥) قال أبو إسحاق: الرَّفَثُ: كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة (٦) وقال عطاء فيما روى عن ابن عباس: الرفث: الجماع (٧) قال ابن عباس: إن الله حيي كريم يكني، فما ذكر الله في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول والرفث فإنما يعنى به الجماع (٨) قال الزجاجي: قد تأملنا الألفاظ الواردة عن العرب، المستعملة في معنى الجماع، فما وجدنا فيها لفظةً وُضِعَتْ حقيقة في معنى الجماع حتى لا تستعمل في غيره، لكن الكلمة إذا كثر استعمالها في معنى ويكون موضوعها لمعنى آخر فإنها تصير حقيقةً فيما استعملت فيه كثيرًا، حتى إذا أطلق لم يعرف غير ذلك، كما تقول في المباضعة، فإن أصلها من البَضْع، وهو قَطْعُ اللحم، فإذا أطلق لم يعرف منه غير معنى الجماع، كما أن نفس قولنا: فَرْج كناية، فإذا أطلقوا الفرج لم يعرف منه غير هذا المعنى المقصود إليه.

وقالوا: بَاضَعَها كأنه باشر بُضْعَها، ولم يقولوا: فارجها، وصارت المباضعة كالحقيقة في معنى الجماع؛ لأنهم لا يستعملونها في غيره، ألا ترى أنهم يقولون: غَشِيَها وتَغَشَّاها، ووَطِئَها وتوطاها، وقربها، وبَطَنَها وتَبَطَنَها، وكل هذه الألفاظ موضوعةٌ لغير هذا المعنى (٩) وذكر جماعة من أهل هذه الصناعة: أن صريحَ اللفظ المستعمل في المباضعة قولهم: ناك ينيكُ نَيْكا، وليس كما ذهبوا إليه؛ لأن هذه اللفظة مستعارة أيضا، وقد ذكر أبو زيد عن العرب: ناكَ النعاسُ عينَهُ، ونكح النعاس بمعنى (١٠) وأما معنى النكاح فسنذكره عند قوله: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ  ﴾ ، إن شاء الله.

قال أبو عبيدة: الرّفث إلى نسائكم: الإفضاء إلى نسائكم (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾ أصلُ اللِّباس: ما يَلْبَسُه الإنسان مما يواري جَسَدَه، ثم المرأة تسمى لباسَ الرّجل، والرجل لباس المرأة؛ لانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه، حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب (١٣) (١٤) (١٥) إذا ما الضجيعُ ثنى جيدَها ...

تثنّتْ فكانت عليه لباسا (١٦) والعرب تسمى المرأة: اللباس، والفراش، والإزار، وأم العيال، والرَبَضَ (١٧) فدًى لك من أخي ثقةٍ إزاري (١٨) (١٩) أكِبرٌ غَيّرني أم بيت (٢٠) وقول (٢١) جاء الشتاء ولمّا أتخِذْ رَبَضًا (٢٢) وهذا المعنى الذي ذكرناه في اللباس (٢٣) (٢٤) وقال ابن زيد في قوله: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾ قال: للمواقعة (٢٥) (٢٦) قال عمرو بن يحيى (٢٧) (٢٨) وقيل: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ ﴾ أي: سكن لكم وأنتم سكن لهن، وهو قول ابن عباس في جميع الروايات (٢٩) (٣٠) (٣١) والمعنى: أنكم تلابسونهن وتخالطونهن بالمساكنة، وهن كذلك، أي: قَلَّ ما يَصْبرُ أحد الزوجين عن الآخر.

ويقال: إنما سُمِي الزوجان (٣٢) (٣٣) (٣٤) وإنما وحد (٣٥) ﴿ هُنَّ ﴾ لأنه يجري مجرى المصدر.

وفِعَال من مصادر فاعل، وتأويله: هنّ ملابسات لكم.

وقوله تعالى: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ يقال: خَانه خَوْنًا وخِيانَةً ومَخَانَةً واخْتَانَه اخْتِيانًا: إذا لم يف له، والسيف إذا نبا عن الضريبة فقد خانك، وخَانَه الدهرُ والنعيمُ: إذا تغير حاله إلى شر منها.

قال ابن قتيبة: الخيانة: أن يؤتمن الرجلُ على شيء فلا يؤدي الأمانةَ فيه، وناقض العهدِ خائن؛ لأنه آمن بالعهد فغدره، ومنه قوله: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً  ﴾ .

أي: نقضا للعهد، ويقال لعاصي المسلمين: خائن؛ لأنه مؤتمن على دينه، ومنه قوله: ﴿ لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ  ﴾ ، أي: بالمعاصي (٣٦) وقوله: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ أي: تخونونها بالمعصية، قال ابن عباس: يريد فيما ائتمنتكم عليه (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ﴾ يريد: عمر وأصحابه، وذلك أنه واقع أهله بعد ما صلى العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي، فأتى النبي  وطلب الرخصة، واعترف رجال بمثل ما صنع عمر فنزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ﴾ أمر إباحة (٤٠) (٤١) وقوله تعالى: ﴿ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بهذا: الولد، أي: اطلبوا بالمباشرة ما قضى الله لكم من الولد (٤٢) وقال قتادة: يعنى الرخصةَ التي كتبتُ لكم (٤٣) (٤٤) (٤٥) وقال أبو إسحاق: الصحيح عندي أن ما كتب الله لنا هو (٤٦) (٤٧) (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ﴾ أمر إباحة حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود (٤٩)  أنه قال لعدي بن حاتم: "إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل" (٥٠) وبهذا قال عامة أهل التفسير (٥١) (٥٢) الخيط الأبيض لون الصبح منفلق ...

والخيط الأسود لون الليل مركوم (٥٣) (٥٤) وقال أبو دواد (٥٥) فَلمّا أَضَاءت لنا غُدْوَة ...

ولاحَ من الصُّبْح خَيْطٌ أَنَارا (٥٦) واختلفوا لم سميا خيطين؟

(٥٧) (٥٨) (٥٩) حتى تُخَيَّطَ (٦٠) (٦١) البيت لبدر الهذلي، وأوله: آليت لا أنسى منيحة واحدٍ يعنى بالمنحة: هجاء مهاجيه (٦٢) وقرأت على أبي الحسين الفسوي: أخبركم حمد بن محمد، قال: أنشدنا الحسن بن خلّاد، قال: أنشدني دريد، قال: أنشدنا ابن أخي الأصمعي، عن عَمِّه، لرجل يصف ليلًا: كأن بقايا (٦٣) (٦٤) تخال بقاياه التي أسأر الدجى ...

تمدُّ وشِيعًا فوق أرديةِ الفجرِ (٦٥) فشبهها بالوشيع، وهو فتائل الغزل؛ لما يتراءى في خلاله من خيوط سوادٍ وبياضٍ.

وقال الزجاج: هما فجران، أحدهما: يبدو أسود معترضًا، وهو الخيط الأسود، والأبيض: الذي يطلع ساطعًا يملأ الأفق (٦٦) وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ الفجر: مصدر قولك: فَجَرْتُ الماء أَفْجُره فَجْرًا، وفَجرتُه تفجيرًا، فانفجر انفجارًا، إذا سال.

قال الأزهري: أصله: الشق، ومنه: فَجْرُ السِّكْر (٦٧) (٦٨) قال سهل بن سعد (٦٩) ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾ كان الرجل إذا أراد الصوم ربط في رجله خيطين أسود وأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رِئْيُهُما، فأنزل الله: ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ ، فعلموا أنه يعني: الليل والنهار (٧٠) (٧١) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ جعل الليل منتهى الصوم، ولم يُدْخِل الليلَ في الصوم، كما دخل المرفق في الغسل في قوله: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ  ﴾ لأن الليل ليس من جنس النهار، والمرفق (من جنس اليد) (٧٢) قال أحمد بن يحيى: سبيل الغاية الدخول والخروج، وكلا الأمرين فيهما ممكن، كما تقول: أكلتُ السمكةَ إلى رأسها، جائز أن يكون الرأس داخلًا في الأكل وخارجًا منه، وخرج الليلُ من الصوم؛ لأنه لا يشك ذو عقل أن الليل لا يُصام، ودخلت المرافق في الغسل أخذًا بالأوثق، ثم انضم إلى هذا تبيين السنة (٧٣) وقال قوم: (إلى) في هذه الآية للتحديد، وفي آية الوضوء معناه مع.

كقوله: ﴿ مَنْ أَنصَارِىَ إِلَى اَللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ  ﴾ (٧٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ قال المفسرون: كان الرجلُ يخرجُ من المسجد وهو معتكف فيجامع ثم يعود، فنهوا عن ذلك ما داموا معتكفين (٧٥) (٧٦) وقوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ أشار إلى الأحكام التي ذكرها في هذه الآية.

وأما معنى الحد، فقالَ الليثُ: فَصْل ما بينَ كلِّ شَيْئين: حد، ومنتهى كل شيء حدُّه.

قال الأزهري: ومن هذا: حدود الأرضين، وحدود الحرم.

قال أهل اللغة: أصل الحد: الصرفُ والمنعُ عن (٧٧) وقُمْنا ولَّما يَصِحْ ديكُنَا ...

إلى جَوْنَةٍ عند حَدَّادها (٧٨) يعني: صاحبها الذي يحفظها ويمنعها (٧٩) ......

فاحدُدْها عن الفَنَد (٨٠) (٨١) قال الأزهري: حدود الله على ضربين.

ضرب منها: ما حُدَّ للناسِ في مطاعمهم ومشاربهم ومناكحهم وغيرها مما أحل وحرم، وأمر بالانتهاء إليها (٨٢) والضرب الثاني: عقوبات جعلت لمن تعداها (٨٣) (٨٤) وعلى ما ذكر الأزهري، وهو حسن صحيح، الضرب الأول سمي حدودًا؛ لأنها ممنوعة لا تؤتى، كالأكل بعد الفجر في الصوم، والضرب الثاني: مانعٌ، والمصدر يطلق على المفعول والفاعل كثيرًا، كقولهم: نسجُ اليمن، وضربُ الأمير، وقوله عز وجل: ﴿ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا ﴾ \[تبارك: 30\].

ويؤكد ما ذكرنا من المعنى في الحدود قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ أي: لا تأتوها فبيّن أنها ممنوعة (٨٥) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ ﴾ أي: مثل هذا البيان الذي ذكر (٨٦) (١) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 255، وقد اختصر المؤلف قصة سبب النزول، وهي مطولة، ينظر: في "تفسير الطبري" 2/ 165 - 167، وابن أبي حاتم 1/ 316، "تفسير الثعلبي" 2/ 346، وابن كثير 1/ 235، ورواها البخاري (1915، 4508).

(٢) ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 67.

(٣) في (م): (فأما).

(٤) قبله: وَرَبِّ أسرابِ حجيج كُظَّمٍ وهو للعجاج، من ميميته الطويلة في "ديوانه" ص 296، وأسراب: قطع، وكُظَّم: لا تتكلم بالكلام القبيح واللغا بفتح اللام: اللغو من الكلام.

"معاني القرآن" للزجاج 1/ 269 (٥) ينظر في الرفث؛ "تهذيب اللغة" 2/ 1437، "اللسان" 3/ 1686، "المفردات" ص 205، وقال: الرفث: كلام متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه، وجعل كناية عن الجماع في قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾ ، تنبيها على جواز دعائهن إلى ذلك ومكالمتهن فيه، وعدي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء.

(٦) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 255.

(٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 161 من طريق بكر بن عبد الله المزني عن ابن عباس، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 315 من طريق سعيد بن جبير، قال ابن أبي حاتم: وروي عن عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس والحسن والضحاك وإبراهيم النخعي، وسالم بن عبد الله والسدي، وعمرو بن دينار وقتادة والزهري ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني نحو ذلك.

وينظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 235 - 236، "الدر المنثور" 1/ 358.

(٨) رواه الثوري في "تفسيره" ص 63، والطبري 2/ 161، وابن أبي حاتم 1/ 317، وعزاه في "الدر" 1/ 359 إلى ابن المنذر والبيهقي، وذكره الثعلبي 2/ 349، والبغوي 1/ 207.

(٩) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 48.

(١٠) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3659، "اللسان" 8/ 4537.

(١١) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 67، "البحر المحيط" 1/ 48.

(١٢) لم أجده في "معاني القرآن" للأخفش.

(١٣) في (م): (كالثوب لصاحبه كالثوب).

(١٤) ينظر: "تأويل مشكل القرآن" 141، "تفسير الطبري" 2/ 162، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 256، "تهذيب اللغة" 4/ 3228، 3229، "تفسير الثعلبي" 2/ 351، "البحر المحيط" 1/ 49.

(١٥) هو: قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة الجعدي العامري، شاعر مفلق، صحابي من المعمرين، اشتهر في الجاهلية وسمي النابغة؛ لأنه أقام ثلاثين سنة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله، هجر الأوثان ونهى عن الخمر في الجاهلية، ثم وفد إلى الرسول  فأسلم، توفي سنة 55 هـ.

ينظر: "الإصابة" 3/ 537، "الأعلام" 5/ 207.

(١٦) البيت في "ديوانه" ص 81، "تأويل مشكل القرآن" 142 "الشعر والشعراء" 1/ 299 "تفسير الطبري" 2/ 162، "لسان العرب" 7/ 3986.

ويروى عطفها بدل جيدها.

وتداعت بدل تثنت.

(١٧) في (ش): (الريض).

(١٨) صدر البيت: ألا أبلغ أبا حفص رسولًا وهو لنفيلة الأكبر الأشجعي، وكنيته أبو المنهال، وكان كتب إلى عمر بن == الخطاب أبياتًا من الشعر يشير فيها إلى رجل كان واليًا على مدينتهم في قصة طويلة.

والبيت في "تفسير الثعلبي" 2/ 354 "تاج العروس" 6/ 21، "الإصابة" 1/ 273، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 256، "غريب الحديث" للخطابي 2/ 101.

والبيت للنابغة الجعدي، في "الشعر والشعراء" ص 255، والطبري 3/ 490، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 256.

(١٩) "تفسير الثعلبي" 2/ 354، "غريب الحديث" للخطابي 2/ 101، "الصحاح" للجوهري 2/ 578.

(٢٠) البيت لمجهول، ذكره في "الأمالي" لأبي علي 1/ 21، وفي "أساس البلاغة" 1/ 72 (بيت)، وفي "لسان العرب" 1/ 393 (بيتا).

(٢١) في (ش): (وقال).

(٢٢) عجز البيت: ياويح كفي من حفر القراميص وهو في "اللسان" 3/ 1559، بغير نسبة.

(٢٣) ينظر في اللباس: "تفسير الطبري" 2/ 162، 163، ابن أبي حاتم 1/ 316، "المفردات" 450، " اللسان" 7/ 3986 (لبس).

(٢٤) ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 207 بهذا اللفظ، ورواه الطبري عنه 2/ 163، ابن أبي حاتم 1/ 316 ولفظهما: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن، وكذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 352.

(٢٥) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 163.

(٢٦) "تفسير البغوي" 1/ 207.

(٢٧) في (ش): (عمرو بن بحر) أقول لعله الجاحظ فليلاحظ (٢٨) "حياة الحيوان الكبرى" للدميري 1/ 164.

(ط.

دار الفكر).

(٢٩) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 316، وقال بعده: وروي عن مجاهد وسعيد ابن جبير وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك.

(٣٠) رواه الطبري في "تفسيره" عنه 2/ 163، وابن أبي حاتم 1/ 316.

(٣١) رواه الطبري عنه 2/ 163.

(٣٢) في (م): (سمي الزوجين).

(٣٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 163، "تفسير الثعلبي" 2/ 325، "تفسير البغوي" 1/ 207، "التفسير الكبير" 5/ 106، "البحر المحيط" 1/ 48.

(٣٤) ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 207، دون إسناد، والحديث لفظه في كتب السنة الأخرى: "من تزوج فقد استكمل نصف دينه، أو نصف الإيمان" رواه الطبراني في "الأوسط" عن أنس برقم 7643، ورقم 8789، والأصفهاني في "الترغيب == والترهيب"، والحاكم 2/ 161، وصححه، ولفظه عنده: "من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني".

وضعفه ابن حجر في التلخيص 279، وقال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" 2/ 612 (ط.

دار الكتب العلمية): هذا حديث لا يصح عن رسول الله  ، وإنما يذكر عنه، وفيه آفات منها: يزيد الرقاشي، وهياج يعني ابن بسطام، ومالك بن سليمان.

اهـ.

بتصرف.

وينظر: "كشف الخفا" للعجلوني 2/ 239 برقم2432، "المقاصد الحسنة" للسخاوي ص 638 برقم1098 (ط.

دار الكتاب العربي) وحسن الألباني الحديث بمجموع طرقه كما في "السلسلة الصحيحة" 1/ 200 برقم 625.

(٣٥) في (ش): (وجد).

(٣٦) ينظر في "خان": "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 74، "الكشاف" للزمخشري 1/ 115، وقال: الاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب، فيه زيادة وشدة، "اللسان" 3/ 1294، "المفردات" للراغب ص 167، قال: والاختيان: مراودة الخيانة، ولم يقل تخونوا أنفسكم؛ لأنه لم تكن منهم الخيانة، بل كان منهم الاختيان، فإن الاختيان تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة.

اهـ.

أقول: وسبب النزول يدل على وقوعهم في الجماع المحظور.

(٣٧) هذا من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها.

(٣٨) ينظر أسباب النزول فيما تقدم.

(٣٩) تنظر الروايات في ذلك عند الطبري 2/ 163 - 167، وابن أبي حاتم 1/ 316، والثعلبي 2/ 346.

(٤٠) "تفسير الثعلبي" 2/ 356.

(٤١) "تفسير الطبري" 2/ 168، وابن أبي حاتم 1/ 317، "الثعلبي" 2/ 354، "البغوي" 1/ 207، "التفسير الكبير" 5/ 108.

(٤٢) ذكر الآثار في ذلك: الطبري 2/ 169 - 170، وابن أبي حاتم 1/ 317 عن أنس وابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي والربيع وابن زيد والضحاك بن مزاحم وشريح وعطاء وسعيد بن جبير والحكم بن عتيبة وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان.

وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 355، "تفسير البغوي" 1/ 207، "الدر المنثور" 1/ 359.

(٤٣) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 71، والطبري 2/ 170، وذكره الجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 227.

(٤٤) رواه عنه الطبري 2/ 170، وذكره عنه الثعلبي 2/ 356، البغوي 1/ 207.

(٤٥) رواه عنه الطبري 2/ 170، وابن أبي حاتم 1/ 317، وذكره الثعلبي 2/ 356، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 227.

(٤٦) هو: سقطت من (م).

(٤٧) سقطت من (ش).

(٤٨) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 256 بمعناه، وقد بين الطبري 2/ 170 أن كل الأقوال المذكورة مرادة، وهو مما كتب الله، لكن أشبه المعاني بظاهر الآية من قال: إن المراد به الولد؛ لأنه ورد عقيب قوله: جامعوهن.

(٤٩) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 109، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 91.

(٥٠) أخرجه البخاري (1916) كتاب الصوم، باب قول الله: وكلوا واشربوا، ومسلم (1090) كتاب الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر.

(٥١) ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 68، "تفسير غريب القرآن" ص 74، "تفسير الطبري" 2/ 170 - 172، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 318، "تفسير الثعلبي" 2/ 363، "البغوي" 1/ 208.

(٥٢) هو: أمية بن أبي الصلت بن ربيعة بن عوف، تقدمت ترجمته.

(٥٣) في (ش): (مزكوم).

(٥٤) البيت في "ديوانه" ص 77، وذكره الثعلبي دون نسبة 2/ 364 ولفظه: الخيط الأبيض وقت الصبح منصدع ...

والخيط الاسود جوز الليل مركوم وهو في "تاج العروس"، "الدر المنثور" 1/ 360، وقد ورد في "الديوان"، "الدر المنثور" مكموم، بدل: مركوم.

(٥٥) جارية بن الحجاج بن حذاق، وقيل: حنظلة بن المشرقي، أبو دواد الإيادي، تقدمت ترجمته.

(٥٦) البيت لأبي دواد الإيادي في "ديوانه" ص 352، "الأصمعيات" ص 190، "غريب الحديث" للخطابي 1/ 233، "لسان العرب" 3/ 1302 خيط.

ورواية الطبري في "تفسيره" 2/ 176، سُدْفَة، بدل: غدوة، والسدفة: ظلمة الليل في لغة نجد، والضوء في لغة قيس، وهي أيضًا اختلاط الضوء والظلمة جميعًا وهذا مراد الشاعر.

والخيط: اللون هنا يكون ممتداً كالخيط.

(٥٧) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 176 - 177، "تفسير البغوي" 1/ 208، "التفسير الكبير" 5/ 109 - 110.

(٥٨) في (ش): (إنهما).

(٥٩) في (ش): (شبّها).

(٦٠) في (ش): (تخيط).

(٦١) عجز بيت ذكر الواحدي بعده صدره، وهو من قول بدر بن عامر الهذلي في "الأغاني" 24/ 166.

(٦٢) من قوله البيت: البدر ...

ساقط من: (ش).

(٦٣) في (ش): (بقانا).

(٦٤) في (م): (كأنها سقى).

(٦٥) لم أهتد إلى قائله أو من ذكره.

(٦٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 257، والفجر فجران: أحدهما: يسطع في السماء مستطيلا كذنب السرحان (الذئب) ولا ينتشر، وهو الفجر الكاذب، فذاك لا يحل== الصلاة، ولا يحرم الطعام على الصائم.

والثاني: هو المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق، وهو الفجر الصادق الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام على الصائم، وهو المعني بهذه الآية.

ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 172، والبيهقي 4/ 215، "تفسير الثعلبي" 1/ 334.

(٦٧) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 177، "تهذيب اللغة" 3/ 2743، "تفسير الثعلبي" 2/ 367، "المفردات" 75، "اللسان" 6/ 3351 (فجر).

(٦٨) "تفسير الثعلبي" 2/ 367.

(٦٩) هو سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي، أبو العباس، له ولأبيه صحبة، توفي سنة 88 هـ.

وقيل بعدها.

ينظر: "أسد الغابة" 2/ 472، "تقريب التهذيب" ص 257 (2658).

(٧٠) رواه البخاري (4511) كتاب التفسير، باب: قوله: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض وكذا برقم (1917) كتاب الصوم، باب: قول الله: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ﴾ ، ومسلم (1091) كتاب الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر.

(٧١) ينظر: "تفسير الرازي" 5/ 110، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 94 - 95، وقال: ففي ذلك عدى جواز طلوع الفجر عليه وهو جنب، وذلك جائز إجماعا، وقد كان وقع فيه بين الصحابة رضوان الله عليهم كلام، ثم استقر الأمر على أنه من أصبح جنبا فإن صومه صحيح، وبهذا احتج ابن عباس عليه.

ويعني -رحمه الله- بالخلاف بين الصحابة ما روي عن أبي هريرة أنه قال: من أصبح جنبا فلا صوم له، واختلف في رجوعه كما ذكره القرطبي 2/ 305.

(٧٢) ساقط من (م).

(٧٣) قد بينت السنة ذلك بقوله  : "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"، رواه البخاري (1941) كتاب الصوم، باب:== الصوم في السفر والإفطار، ومسلم (1101) كتاب الصيام، باب: بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار.

(٧٤) ينظر: "المغني" 4/ 432 - 437، "المحرر الوجيز" 2/ 129، "تفسير القرطبي" 2/ 306، "التفسير الكبير" 5/ 111 - 112، وقد نقل كلام الواحدي هذا برمته.

(٧٥) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 257، وروى الطبري في "تفسيره" 2/ 180، عن مجاهد والضحاك والربيع وقتادة معنى ذلك، وينظر ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 319، "تفسير الثعلبي" 2/ 375.

(٧٦) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 180 - 182، "تفسير الثعلبي" 2/ 374، "تفسير القرطبي" 2/ 311، وبين أن من جامع زوجته وهو معتكف عامدا، أنه أفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم، واختلفوا فيما عليه إذا فعل ذلك، فأما المباشرة من غير جماع فإن قصد بها التلذذ فهي مكروهة، وان لم يقصد لم يكره، لأن عائشة كانت ترجل رأس رسول الله  وهو معتكف، رواه البخاري (2028) كتاب الاعتكاف، باب: الحائض ترجل رأس المعتكف، ومسلم (297) كتاب الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله  بيدها، هذا قول عطاء والشافعي وابن المنذر، قال أبو عمر (يعني: ابن عبد البر): وأجمعوا على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل، واختلفوا فيما == عليه إن فعل.

وينظر في المسألة: "الإجماع" لابن المنذر ص 4، "الكافي" لابن عبد البر 1/ 308، "فتح الباري" 4/ 272.

(٧٧) في نسختى (أ) (م): (عن)، وكأن في الكلام باقيًا لم يذكر.

(٧٨) ورد البيت هكذا: فقمنا ولما يصحْ ديكنا ...

إلى خمرة عند حدّادها والبيت في "ديوانه" 69، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308 "مجمل اللغة" 1/ 210، "الصحاح" 2/ 462 "تفسير الثعلبي" 2/ 380، والجونة: خابية الخمر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308.

(٧٩) "تفسير الثعلبي" 2/ 380.

(٨٠) تمام البيت: إلا سليمان إذ قال الإله له ...

قم في البرية فاحددها عن الفند والبيت للنابغة الذبياني في "ديوانه" ص 12، والقرطبي 9/ 260، "البحر المحيط" 5/ 340، "الدر المصون" 6/ 557، "اللسان" 2/ 801، "تاج العروس" 4/ 411== (حدد)، "تفسير الثعلبي" 2/ 380، وروايته (المليك) بدل (الإله).

والفند: الخطأ في الرأي والقول.

(٨١) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 546، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 357، 308، "تفسير الثعلبي" 2/ 379، "تهذيب اللغة" 1/ 759 (حدد).

(٨٢) عبارة الأزهري في "تهذيب اللغة" وأمر بالانتهاء عما نهي عنه منها.

(٨٣) عبارة الأزهري في "تهذيب اللغة" عقوبات جعلت لم ركب ما نهي عنه.

(٨٤) من "تهذيب اللغة" 1/ 759 (حدد) بتصرف.

(٨٥) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 182، "التفسير الكبير" 5/ 115.

(٨٦) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 257، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 183، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 320، "التفسير الكبير" 5/ 116.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أُحِلَّ لَكُمْ ﴾ الآية: كان الأكل والجماع محرّماً بعد النوم في ليل رمضان، فجرت لذلك قصة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه والصرمة بن مالك، فأحلهما الله تخفيفاً على عباده ﴿ الرفث ﴾ هنا الجماع، وإنما تعدّى بإلى لأنه في معنى الإفضاء ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ ﴾ تشبيه بالثياب، لاشتمال كل واحد من الزوجين على الآخر، وهذا تعليل للإباحة ﴿ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ أي تأكلون وتجامعون بعد النوم في رمضان ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ﴾ أي غفر ما وقعتم فيه من ذلك، وقيل: رفع عنكم ذلك الحكم ﴿ باشروهن ﴾ إباحة ﴿ مَا كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ قيل: الولد ينبغي بالجماع، وقيل: الرخصة في الأكل والجماع لمن نام في ليل رمضان بعد منعه ﴿ مِنَ الفجر ﴾ بيان للخيط الأبيض لا للأسود؛ لأنّ الفجر ليس له سواد، والخيط هنا استعارة: يراد بالخيط الأبيض بياض الفجر، وبالخيط الأسود: سواد الليل، وروي أن قوله من الفجر: نزل بعد ذلك بياناً لهذا المعنى، لأنّ بعضهم جعل خيطاً أبيض وخيطاً أسود تحت وسادته، وأكل حتى تبين له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هو بياض النهار وسواد الليل ﴿ إِلَى الليل ﴾ أي إلى أوّل الليل، وهو غروب الشمس.

فمن أفطر قبل ذلك فعليه القضاء والكفارة، ومن شك هل غربت أم لا فأفطر، فعليه القضاء والكفارة أيضاً وقيل القضاء فقط، وقالت عائشة رضي الله عنها: ﴿ إلى الليل ﴾ يقتضي المنع من الوصال، وقد جاء ذلك في الحديث ﴿ وَلاَ تباشروهن ﴾ تحريم للمباشرة حين الاعتكاف، قال الجمهور: المباشرة هنا الجماع فما دونه، وقيل الجماع فقط، ﴿ فِي المساجد ﴾ دليل على جواز الاعتكاف في كل مسجد؛ خلافاً لمن قال: لا اعتكاف إلاّ في المسجد الحرام، ومسجد المدينة، وبيت المقدس: وفيه أيضاً دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلاّ في المساحج، لا في غيرها خلافاص لمن أجازه في غيرها من مفهوم الآية ﴿ حُدُودُ الله ﴾ أحكامه التي أمر بالوقوف عندها ﴿ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ أي لا تقربوا مخالفتها، واستدل بعضهم به على سدّ الذرائع؛ لأنّ المقصود النهي عن المخالفة للحدود لقوله: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾ [البقرة: 229]، ثم نهى هنا عن مقاربة المخالفة سدّاً للذريعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فديةٌ طعام ﴾ مضافاً ﴿ مساكين ﴾ بالجمع: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان.

وروى الحلواني والداري عن هشام والنجاري ﴿ فديةٌ ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع مضافاً إلى مساكين بالجمع.

الباقون: مثل هذا إلا أن ﴿ مسكين ﴾ مفرد مجرور ﴿ فمن تطوع ﴾ بتشديد الطاء والواو وبياء الغيبة وجزم العين: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بلفظ الماضي من باب التفعل ﴿ القرآن ﴾ غير مهموز حيث كان: ابن كثير وعباس وحمزة في الوقف فإذا كان بمعنى القراءة فإن عباساً فيه مخير إن شاء همز وإن شاء لم يهمز كقوله  ﴿ وقرآن الفجر أن قرآن الفجر  ﴾ ﴿ ولا تعجل بالقرآن  ﴾ ﴿ إن علينا جمعه وقرآنه  ﴾ ﴿ فاتبع قرآنه  ﴾ الباقون بالهمز ﴿ اليسر والعسر ﴾ حيث كانا مثقلين: يزيد إلا قوله ﴿ فالجاريات يسرا  ﴾ ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ من التكميل: أبو بكر وحماد وعباس ورويس.

والباقون: من الإكمال.

﴿ الداعي إذا دعاني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.

وافق أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو بالياء في الوصل.

والباقون بغير ياء فيها في الحالين ﴿ في لعلهم ﴾ بفتح الياء: ورش.

الباقون: بالسكون.

الوقوف: ﴿ تتقون ﴾ لا لأن "أياماً" ظرف "الصيام" أو الاتقاء ﴿ معدودات ﴾ ط لأن المرض والسفر عارضان فكانا خارجين عن أصل الوضع ﴿ أخر ﴾ ط لأن خبر الجار منتظر وهو "فدية" فلا تعلق له بما قبله ﴿ مسكين ﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب الأصل ﴿ خير له ﴾ ط لأن التقدير والصوم خيرٌ لكم.

﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ والفرقان ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ فليصمه ﴾ ط للابتداء بشرط آخر ﴿ أخر ﴾ ط ﴿ العسر ﴾ ز قد يجوز ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ط لأن قوله "أجيب مستأنف ﴿ دعان ﴾ ص للفاء ﴿ يرشدون ﴾ ه ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عنكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ لكم ﴾ ص لذلك ﴿ إلى الليل ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان لأن حكم الصوم والاعتكاف مختلفان ولكل واحد شأن ﴿ في المساجد ﴾ ط لأن "تلك" مبتدأ ﴿ فلا تقربوها ﴾ ط لأن كذلك صفة مصدر محذوف أي يبين الله بياناً كبيان ما تقدم ﴿ يتقون ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم آخر.

والصيام مصدر صام كالقيام والعياذ.

وهو في اللغة الإمساك عن الشيء.

قال الخليل: الصوم قيام بلا عمل.

وصام الفرس صوماً أي قام على غير اعتلاف.

وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.

وإنه في الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة تسمى المفطرات كالأكل والشرب والوقاع في زمان مخصوص هو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.

ولا بد في صحته من النية وأن يقع في غير يومي العيد بالاتفاق، وفي غير أيام التشريق عند الأكثرين.

ويوافقه الجديد من قول الشافعي "ومن غير يوم الشك بلا ورد ونذر وقضاء وكفارة".

ولا بد للصائم من الإسلام والنقاء عن الحيض والنفاس، ومن العقل كل اليوم، ومن انتفاء الإغماء في جزء من اليوم.

وقوله  ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ أي على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم.

قال علي كرم الله وجهه: أوّلهم آدم يعني أن الصوم عبادة أصلية قديمة ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم لم يفرضها عليكم وحدكم.

﴿ لعلكم تتقون ﴾ بالمحافظة عليها لقدمها، أو المعاصي لأن في الصوم ظلفاً للنفس عن المناهي ومواقعة السوء، أو لعلكم تنتظمون في سلك أهل التقوى فإن الصوم شعارهم.

وقيل: معناه صومكم كصومهم في عدد الأيام وهو رمضان، كتب على النصارى فأصابهم موتان فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده.

وقيل: كان يقع في البرد الشديد والحر الشديد فشق عليهم فجعلوه بين الشتاء والربيع وزادوا عشرين كفارة.

ومعنى معدودات مؤقتات بعدد معلوم أو قلائل مثل ﴿ دراهم معدودة  ﴾ وأصله أن المال القليل يعدّ عدّاً، والكثير يحثى حثياً كأنه قال: إني رحمتكم فلم أفرض عليكم صيام الدهر كله ولا أكثره ولكن أياماً معدودة قليلة، وعلى هذا يحتمل أن يكون وجه الشبه بين الفرضين مجرد تعليق الصوم بمدة غير متطاولة وإن اختلفت المدتان.

ثم إن الأئمة اختلفوا في هذه الأيام على قولين: الأول: أنها غير رمضان.

فعن عطاء: ثلاثة أيام من كل شهر.

وعن قتادة: هي مع صوم عاشوراء.

ثم اختلفوا أيضاً فقيل: كان تطوّعاً ثم فرض وقيل بل كان واجباً.

واتفقوا أنه نسخ بصوم رمضان واستدلوا على قولهم إنها غير صوم رمضان بما روي عن النبي  "إن صوم رمضان نسخ كل صوم" فدل على أن صوماً آخر كان واجباً.

وأيضاً ذكر حكم المريض والمسافر في هذه الآية وفي التي تتلوها، فلو اتحد الصومان كان تكريراً محضاً.

وأيضاً ذكر في هذه الآية التخيير بين الصوم والفدية وصوم رمضان واجب على التعيين فيختلفان.

والثاني: وهو اختيار أبي مسلم والحسن وأكثر المحققين أنها شهر رمضان أجمل أولاً ذكر الصيام، ثم بينه بعض البيان بقوله ﴿ أياماً معدودات ﴾ ثم كمل البيان بقوله ﴿ شهر رمضان ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن من غير زيادة ولا نقصان.

وأجيب عن استدلالهم الأول بأنه ليس في الخبر أنه نسخ عنه وعن أمته كل صوم فلم لا يجوز أن يراد به نسخ كل صوم وجب الشرائع المتقدمة.

سلمنا أن المراد به صوم ثبت في شرعه ولكن لم لا يجوز أن يكون ناسخاً لصيام وجب بغير هذه الآية.

وعن الثاني أن صوم رمضان كان واجباً مخيراً، وفي الآية الثانية جعل واجباً على التعيين، فأعيد حكم المريض والمسافر ليعلم أن حالهما ثانياً في رخصة الإفطار ووجوب القضاء كحالهما أولاً.

وعن الثالث أن الاختلاف مسلم لكن في التخيير والتعيين، أما في نفس الصوم فلا.

وههنا سؤال وهو أن قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ كيف كان ناسخاً للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ؟

والجواب أن الاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول، بل المقدم في التلاوة يمكن أن يكون ناسخاً والمتأخر منسوخاً كآية الاعتداد بالحول.

وهكذا نجد في القرآن آية مكية متأخرة في التلاوة عن الآية المدنية وذلك كثير.

قال القفال: انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، فبين أولاً أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمم السالفة، فإن الأمور الشاقة إذا عمت خفت.

ثم بين ثانياً وجه الحكمة في إيجاب الصوم وحصول التقوى.

ثم بين ثالثاً أنه مختص بأيام قلائل لا بكلها ولا بأكثرها.

ثم بين رابعاً أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن ليعلم شرفه فتوطن النفس له.

ثم ذكر خامساً إزالة المشقة في إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى زمن الرفاهية والصحة وهي هيئة يكون بها بدن الإنسان في مزاجه وتركيبه بحيث يصدر عنها الأفعال كلها سليمة والمرض زوالها.

واختلف الأئمة في المرض والسفر المبيحين للإفطار على أقوال: أحدها أن أيّ مريض كان، وأيّ مسافر كان، فله أن يترخص تنزيلاً للفظ المطلق على أقل أحواله، وهذا قول الحسن وابن سيرين.

يروى أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع أصبعه.

وعن داود: الرخصة حاصلة في كل سفرٍ ولو كان فرسخاً.

وثانيها أنه المرض الذي لو صام لوقع في مشقة وجهد وكذا السفر وهو قول الأصم.

وحاصله تنزيل اللفظ على أكمل أحواله.

وثالثها وهو قول الشافعي وأكثر الفقهاء أنه الذي يؤدي إلى ضرر في النفس أو زيادة في العلة إذ لا فرق في العقل بين ما يخاف منه وبين ما يؤدي إلى ما يخاف منه كالمحموم إذا خاف أنه لو صام اشتد حماه، والأرمد يخاف أن يشتد وجع عينه.

قالوا: وكيف يمكن أن يقال: كل مرض مرخص مع علمنا بأن في الأمراض ما ينفعه الصوم؟

فالمراد إذن منه ما يؤثر الصوم في تقويته تأثيراً يعتد به والتأثير اليسير لا عبرة به.

المرض المرخص لا يفرق فيه بين أن يعرف كونه كذلك بنفسه أو يخبره بذلك طبيب حاذق بشرط كونه مسلماً بالغاً عدلاً.

وأصل السفر من الكشف لأنه يكشف عن أحوال الرجال وأخلاقهم.

وعن الأزهري: سمي مسافراً لكشف قناع الكن عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء.

قال الأوزاعي: السفر المبيح مسافة يوم.

وعند الشافعي مقدر بستة عشر فرسخاً ولا يحسب منه مسافة الإياب.

كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله  ، وهو الذي قدر أميال البادية، كل ميل اثنا عشر ألف قدم وهي أربعة آلاف خطوة.

وإلى هذه ذهب مالك وأحمد وإسحق، وذلك أن تعب اليوم الواحد يسهل تحمله بخلاف ما إذا تكرر في يومين فحينئذٍ يناسب الرخصة، ولما روى الشافعي عن ابن عباس أن النبي  قال "يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان" قال أهل اللغة: كل بريد أربعة فراسخ.

وروى الشافعي أيضاً أن عطاء قال لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟

فقال: لا فقال: إلى مرّ الظهران؟

فقال: لا.

ولكن اقصر إلى جدّة وعسفان والطائف.

قال مالك: بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد.

وقال أبو حنيفة والثوري: رخصة السفر لا تحصل إلا في ثلاث مراحل، أربعة وعشرين فرسخاً قياساً على المسح.

والإجماع على الرخصة في هذا المدة والخلاف فيما دون ذلك فيبقى المختلف فيه على أصل وجوب الصوم.

وأجيب بأن قوله  "يمسح المقيم يوماً وليلة" لا يدل على أنه لا تحصل الإقامة في أقل من يوم وليلة، لأنه لو نوى الإقامة في موضع الإقامة ساعة يصير مقيماً.

وكذا قوله  "والمسافر ثلاثة أيام" لا يوجب أن لا يحصل السفر في أقل من ثلاثة أيام.

وأيضاً الترجيح للإفطار لقوله  في قصر الصلاة "هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وإنما قيل ﴿ أو على سفرٍ ﴾ دون أن يقول مسافراً كما قال ﴿ مريضاً ﴾ لأن السفر يتعلق بقصده واختياره حتى لو عزم على الإقامة في منزل من المنازل لم يبق على قصد السفر، فلا يصح الإفطار وإن كان مسافراً وهذا بخلاف المرض فإنه صفة قائمة به إن حصلت حصلت وإلا فلا.

وعدّة فعلة من العدّ بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون، وعدة المرأة من هذا.

وإنما قيل ﴿ فعدّة ﴾ على التنكير ولم يقل "فعدتها" أي فعدة الأيام المعدودات للعلم بأنه لا يؤثر عدد على عددها وأنه لا يأتي إلا بمثل ذلك العدد ظاهراً، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة.

والمعنى فعليه صوم عدّة.

وقرئ بالنصب أي فليصم عدّة.

وأخر جمع أخرى تأنيث آخر، وإنه غير مصروف للصفة والعدل من أخر من كذا.

واعلم أن قوماً من علماء الصحابة ذهبوا إلى أنه يجب على المريض والمسافر أن يفطرا ويصوما عدة من أيام أخر وهو قول ابن عباس وابن عمر حتى قالا: لو صام في السفر قضى في الحضر.

واختاره داود بن علي الأصفهاني وهو مذهب الإمامية لأن قوله  ﴿ فعدّة ﴾ أي فعليه عدّة مشعر بالوجوب عليه.

ولأن قوله ﴿ يريد بكم اليسر ﴾ ينبئ عن إرادته الإفطار ولقوله  "ليس من البر الصيام في السفر" وفي الرواية بدل لام التعريف ميم التعريف.

وقوله "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" وذهب أكثر الفقهاء إلى أن هذا الإفطار رخصة فإن شاء أفطر وإن شاء صام لما يجيء من قوله  ﴿ وإن تصوموا خيرٌ لكم ﴾ ولما روى أبو داود في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي  فقال: يا رسول الله هل أصوم في السفر فقال : " صم إن شئت وأفطر إن شئت" .

قالوا وفي الآية إضمار التقدير: فمن كان مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر كقوله  ﴿ أو به أذى من رأسه ففديةٌ  ﴾ أي فحلق فعليه فدية.

ثم اختلف هؤلاء فعن الشافعي وأبو حنيفة ومالك والثوري وأبي يوسف ومحمد: أن الصوم أفضل.

وقالت طائفةٌ: الأفضل الفطر وإليه ذهب ابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحق.

وقيل: أفضل الأمرين أيسرهما على المرء.

واختلف أيضاً في القضاء فعامة العلماء على التخيير.

وعن أبي عبيدة بن الجراح: أن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه إن شئت فواتر وإن شئت ففرّق.

وعن علي كرم الله وجهه وابن عمر والشعبي وغيرهم: أنه يقضي كما فات متتابعاً ويؤيده قراءة أبي ﴿ فعدة من أيامٍ أخر متتابعات ﴾ قوله  ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول: وهو قول أكثر المفسرين: أن المعنى وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم لكونهم مقيمين صحيحين إن أفطروا فدية هي طعام مسكين.

والفدية في معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم عن الشيء وأنه ههنا عند أهل العراق - ومنهم أبو حنيفة - نصف صاع من بر أو صاع من غيره.

وعند أهل الحجاز - ومنهم الشافعي - مدّ من غالب قوت البلد لكل يوم ويصرف إلى الفقير والمسكين.

قالوا: كان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية.

عن سلمة بن الأكوع: لما نزلت ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ كان من أراد أن يفطر يفطر ويفتدي حتى نزلت ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ فنسختها.

من قرأ بإضافة الفدية إلى طعام فالإضافة فيه كهي في قولك "خاتم حديد" ومن قرأ "مساكين" على الجمع فلأن الذين يطيقونه جمع فكل واحد منهم يلزمه طعام مسكين لكل يوم.

والاعتبار بمدّ رسول الله  وهو مائة وثلاثة وسبعون درهماً وثلث الدرهم.

الثاني: أن هذا راجع إلى المسافر والمريض.

وذلك أن المريض والمسافر منهما من لا يطيق أصلاً وإليه الإشارة بقوله ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيامٍ أخر ﴾ ومنهما من يطيق الصوم مع الكلفة وهو المراد بقوله ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ قالوا: هذا أولى ليلزم النسخ أقل، فإن نسخ التخيير بين الصوم والفدية عن المريض المطيق أقل من نسخ التخيير عنه وعن الصحيح المقيم.

الثالث: أنه نزل في الشيخ الهرم.

عن السدي: وعلى هذا لا تكون الآية منسوخة ويؤيده القراءة الشاذة ﴿ يطوّقونه ﴾ تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة أي يكلفونه، أو يقلدونه.

والتركيب يستعمل فيمن يقدر على شيء مع ضرب من المشقة والكلفة وبعضهم أضاف إلى الشيخ الهرم الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما وولديهما.

واتفقوا على أنا لشيخ إذا أفطر فعليه الفدية، وأما الحامل والمرضع إذا أفطرتا فقال الشافعي: عليهما القضاء والفدية لحق الوقت.

وقال أبو حنيفة: لا يجب إلا القضاء كيلا يلزم الجمع بين البدلين.

﴿ فمن تطوّع خيراً ﴾ بأن يطعم مسكينين أو أكثر أو يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب، أو صام مع الفدية عن الزهري.

﴿ فهو ﴾ أي التطوع ﴿ خير له وأن تصوموا ﴾ أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتهم متاعب الصيام ﴿ خيرٌ لكم ﴾ من الفدية وتطوّع الخير.

ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضاً عند من يرى أن الصوم لهما أفضل ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أن الصوم أشق عليكم وأن أجركم على قدر نصبكم، أو تعلمون بالله فتخشونه فتمتثلون أمره ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ أو تعلمون ما في الصوم من الفوائد الدنيوية والأخروية.

عن علي كرم الله وجهه أن النبي  قال "يقول الله عز وجلّ الصوم لي وأنا أجزى به وللصائم فرحتان حين يفطر وحين يلقى ربه.

والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" وعنه  "إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم" وعن أبي هريرة أن النبي  قال "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.

ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" وعنه أن رسول الله  قال "من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً" وعن النبي  "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" وفضيلة الصوم ومنافعه أكثر من أن تحصى ولو لم يكن فيه إلا التشبه بالملائكة والارتقاء من حضيض حظوظ النفس البهيمية إلى ذروة التشبه بالروحانيات المجرّدة لكفى به فضلاً ومنقبة.

هذا صوم الشريعة، فأما صوم الطريقة فالإمساك عما حرم الله عز وجلّ والإفطار بما أباح وأحل، وصوم الحقيقة الإمساك عن الأكوان والإفطار بمشاهدة الرحمن.

صمت عن غيره فلما تجلى *** كأن بي شـاغلٌ عن الإفطار وتشـوّقت مـدة ثـم لمـا *** زارني جَلّ عن مدى الأنظار قوله عز من قائل ﴿ شهر رمضان ﴾ الشهر مأخوذ من الشهرة.

عن مجاهد: رمضان اسم الله  .

وروي عن النبي  "لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله" وعلى هذا شهر رمضان أي شهر الله.

والأكثرون على أنه اسم علم للشهر كرجب وشعبان ومنع الصرف للعلمية والألف والنون.

ثم اختلف في اشتقاقه فعن الخليل: أنه من الرمض بتسكين الميم وهو مطر يأتي وقت الخريف ويطهر وجه الأرض عن الغبار، سمي الشهر بذلك لأنه يطهر الأبدان عن أوضار الأوزار.

وقيل: من الرمض بمعنى شدة الحر من وقع الشمس والأرض رمضاء.

وفي الكشاف: الرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء، سمي بذلك إما لارتماضهم فيه من حر الجوع كما سموه ناتقاً لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم لشدته عليهم، أو لأن الذنوب ترمض فيه أي تحترق.

وروي عن النبي  أنه قال "إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباده" وكأن هذا من قولهم "رمضت النصل" جعلته بين حجرين أملسين ثم دققته ليرق.

وعن الأزهري: أنهم كانوا يرمضون أسلحتهم فيه ليقضوا منها أوطارهم في شوّال قبل دخول الأشهر الحرم.

وقيل: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك.

وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء، وإضافة الشهر إليه إضافة العام إلى الخاص، ولو لم يتلفظ بالشهر جاز كقوله  "من صام رمضان إيماناً" الحديث.

لأن التسمية وقعت برمضان فقط.

وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره ﴿ الذي أنزل فيه القرآن ﴾ أو على أنه بدل من الصيام في قوله ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي أي الأيام المعدودات شهر رمضان.

وعلى هذين الوجهين يكون الموصول مع صلته صفة لشهر رمضان.

قال أبو علي: وهذا أولى ليكون أيضاً في الأمر بصوم الشهر وإلا كان خبراً عن إنزال القرآن فيه.

وقرئ بالنصب على صوموا شهر رمضان أو على الإبدال من ﴿ أياماً ﴾ أو على مفعول ﴿ وأن تصوموا ﴾ وفي هذا الوجه نظر من قبل الفصل بين ﴿ أن تصوموا ﴾ ومعموله بالخبر.

وفائدة وصف الشهر بإنزال القرآن فيه التنبيه على علة تخصيصه بالصوم فيه.

وذلك أنه لما خص بأعظم آيات الربوبية ناسب أن يخص بأشق سمات العبودية فبقدرهضم النفس يترقى العبد في مدارج الأنس ويصل إلى معارج القدس وتنخرق له الحجب الناسوتية ويطلع على الحكم اللاهوتية ويفهم معاني القرآن ويتبدل له العلم بالعيان وكان حينئذٍ من العجائب ما كان.

وفي إنزال القرآن في رمضان أقوال.

فعن سفيان بن عيينة أنزل في فضله القرآن كما تقول أنزل في علي  كذا.

وقال ابن الأنباري: أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن كما تقول: أنزل الله في الزكاة كذا أي في إيجابها، وأنزل في الخمر كذا أي في تحريمها.

والقولان متقاربان، أو هما واحد فإنه لم ينزل سوى قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ﴾ الآيات.

واختيار الجمهور أن الله  أنزل القرآن في رمضان.

عن النبي  "نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين" ثم إنه لا شك أن القرآن قد نزل منجماً مفرقاً على حسب المصالح والوقائع، فأوّلت الآية بأن المراد أنه ابتدئ فيه إنزاله وذلك ليلة القدر.

ومبادئ الملل والدول هي التي يؤرخ بها لشرفها وانضباطها.

وهذا قول محمد بن إسحق.

أو أنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل إلى الأرض نجوماً، وليس يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم، وفيه مصلحة للرسول من حيث توقع الوحي عن أقرب الجهات.

ولعل فيه مصلحة لجبريل المأمور بالإنزال والتأدية ولا سيما على رأي الفلاسفة الذين جبريل عندهم هو العقل الفعال الأخير الذي يدير عالم الكون والفساد وخاصة نوع الإنسان.

وعلى هذا القول يحتمل أن يقال: إن الله  أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزله على محمدٍ  منجماً إلى آخر عمره.

ويحتمل أن يقال: إنه  كان ينزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر كل سنة ما يحتاجون إليه في تلك السنة وكذلك أبداً إلى أن تم إنزاله.

وعلى هذا يكون تعين رمضان الذي أنزل فيه القرآن نوعياً لا شخصياً ﴿ هدى للناس وبيناتٍ ﴾ منصوبان على الحالية أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات من جملة ما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل من الكتب السماوية وذلك أن الهدى قسمان: جلي مكشوف وخفي مشتبه، فوصفه أولاً بجنس الهداية ثم قال: إنه من نوع البين الواضح.

ويحتمل أن يقال: القرآن هدى من نفسه ومع ذلك ففيه أيضاً بينات من هدى الكتب المتقدمة، فيكون المراد بالهدى والفرقان والتوراة والإنجيل، أو يقال: الهدى الأول أصول الدين، والثاني فروعه، فيزول التكرار.

نقل الواحدي عن الأخفش والمازني أن الفاء في ﴿ فمن شهد ﴾ زائدة إذ لا معنى للعطف والجزاء ههنا وهذا وهم لظهور كونها للجزاء كأنه قيل: لما علمتم اختصاص هذا الشهر بفضيلة إنزال القرآن فيه فأنتم أيضاً خصوه بهذه العبادة، ومعنى شهد أي حضر.

ثم قيل: إن مفعوله محذوف ﴿ والشهر ﴾ منصوب على الظرف وكذلك الهاء في ﴿ فليصمه ﴾ ولا يكون مفعولاً به كقولك "شهدت الجمعة" لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان الشهر.

فالمعنى فمن شهد منكم في الشهر المذكور المعلوم البلد أو المقام فليصم في الشهر.

وصاحب هذا القول ارتكب الإضمار حذراً من لزوم التخصيص في حق المسافر إلا أنه يلزمه ما فر منه أية سلك لأن الصبي والمجنون والمريض كل منهم شهد البلد مع أنه لا يجب عليه الصوم.

أما إذا قيل: إن الشهر مفعول به مثل "شهدت عصر فلان وأدركت زمانه" فلا يلزم منه إلا أحد الأمرين وهو التخصيص بقوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدّة من أيامٍ أخر ﴾ فيكون أولى من الأول لأن الإضمار والتخصيص إذا تعارضا فالتخصيص أولى، فكيف إذا وقع الإضمار والتخصيص في جانب والتخصيص وحده في جانب؟

هذا ما قاله الإمام فخر الدين الرازي معترضاً به على صاحب الكشاف وغيره.

(قلت): الإنصاف أن الترجيح مع صاحب الكشاف لأن لزوم الإضمار في الآية ممنوع، وذلك أن ﴿ شهد ﴾ ههنا متروك المفعول كقولهم "فلان يعطى ويمنع" ومعنى من شهد من كان على حالة الحضر سواء كان في البلد أو في منزل من المنازل ونوى الإقامة.

وأما التخصيص فمشترك على القولين إلا أنه على قول صاحب الكشاف أقل لعدم دخول المسافر فيه، فيكون أولى.

فإن قيل: فعلى هذا يكون قوله بعيد ذلك ﴿ أو على سفرٍ ﴾ تكراراً قلنا: إنما أعيد ليترتب عليه حكم القضاء كما للمريض.

وأيضاً لا يلزم من إيجاب الصوم على الحاضر عدم إيجابه على المسافر، ولو سلم فبالمفهوم أوّلاً وبالمنطوق ثانياً، فأين التكرار؟

وإنما وضع المظهر وهو الشهر مقام المضمر حيث لم يقل فمن شهده اعتناء بشأنه واعتلاء لمكانه وتمكيناً في القلوب وتعظيماً في النفوس كقوله: أن يسأل الحق يعطى الحق سائله.

*** وههنا بحث وهو أن قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ جملة شرطية، وما لم يوجد الشرط بتمامه لم يترتب عليه الجزاء، والشهر عبارة عن زمان مخصوص من أوله إلى آخره، فظاهر الآية يقتضي أن الصوم لا يجب عليه إلا عند شهود الجزء الأخير وهو محال لأنه يقتضي إيقاع الفعل في الزمان المنقضي.

وأجيب بأن المراد من الشهر جزء من أجزائه وهذا مجاز مشهور، والمعنى من شهد جزءاً من أجزاء الشهر فليصم كل الشهر.

ثم إن كان هذا الجزء من أول الشهر كما لو شهد هلال رمضان فهذا موافق لما نقل عن علي كرم الله وجهه: أن من دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر وجب أن يصوم الكل.

وأما سائر المجتهدين فيقولون: هذا عام يدخل فيه الحاضر والمسافر إلا أن قوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ ﴾ يخصصه، وإن كان في أثناء الشهر فيوافق قول أبي حنيفة: إن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما مضى.

قلت: لا حاجة إلى ارتكاب التجوز المذكور وهو إطلاق لفظ الشهر على جزء من أجزائه، ولا يلزم منه المحال المذكور إذ المراد من شهد الشهر أجمع فليكن بحيث قد وجد منه الصوم في جميع أيامه، أو المراد من عزم على كونه مقيماً في الشهر فليصمه.

ويعلم منه أنه إن كان حاضراً في بعضه يتعلق إيجاب الصوم بذلك البعض فقط بدليل قوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ ﴾ فإنه لما علم الوجوب للحاضر في كله والرخصة للمسافر في كله علم الحكمان جميعاً للحاضر في بعضه والمسافر في البعض الآخر، فكل يوم مستقل بنفسه فيما يقتضيه، والصوم فيه عبادة مستقلة، وكأن ما نقل عن علي كرم الله وجهه أمر إلزامي رعاية لحرمة الشهر كما لو أدركت الحائض من أول الوقت قدر ما يسع تلك الصلاة، وفي قول قدر ركعة، وفي قول قدر تكبيرة، لزمها قضاؤها إذا طهرت.

وأما أن شهر رمضان بم يثبت حتى يعتبر الشهود فيه فقد قال  "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاستكملوا العدة" يعني عدة شعبان ثلاثين يوماً.

ومهما شهد عند القاضي عدل واحد أنه رأى الهلال ثبت لما روي عن عمر أنه رأى الهلال وحده فشهد عند النبي  فأمر الناس بالصوم.

ولما روي أن علياً  شهد عنده رجل على رؤية هلال رمضان فصام وقال: صيام يوم من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان، وللاحتياط في أمر العبادة.

ولا يثبت الهلال في سائر الشهور إلا برؤية عدلين، وعند أبي حنيفة: يثبت هلال رمضان في الغيم بواحد وفي الصحو تعتبر الاستفاضة.

وإذا رؤي في موضع شمل الحكم لمن هو على ما دون مسافة القصر منه ولا يجب الصوم بذلك على من عداهم.

﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ معناه في اللغة السهولة ومنه اليسار للغني لأنه يتسهل به الأمور وتتسنى المقاصد واليد اليسرى لبقائها على اليسر، أو لأن الأمور تسهل بمعاونتها اليمنى والعسر نقيضه.

وفي الصحاح: قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه.

أوجب الصوم على سبيل السهولة لأنه ما أوجب إلا في مدة قليلة من السنة، ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض والمسافر وههنا يتحقق صدق قوله  "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" .

ومن كمال رأفته  أنه نفى الحرج أولاً ضمناً بقوله ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ثم نفاه صريحاً بقوله ﴿ ولا يريد بكم العسر ﴾ والظاهر أن الألف واللام في اليسر والعسر يفيد العموم، فيمكن أن يستدل به على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق.

والمعتزلة تمسكوا بالآية أنه قد يقع من العبد ما لا يريد الله  ، فإن المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده فقد ما لم يرد الله منه إذ كان لا يريد العسر.

وأجيب بأنا نحمل اللفظ على أنه  لا يأمره بالعسر وإن كان قدير يدمنه العسر فإن الأمر عندنا قد يثبت بدون الإرادة.

فكما أنه يجوز أن يأمر ولا يريد جاز أن يريد ولا يأمر.

قوله ﴿ ولتكملوا ﴾ أجمعوا على أن الفعل المعلل محذوف فيه.

فعن الفراء: التقدير ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون.

شرع جملة ما ذكره وهو الأمر بصوم العدة وتعليم كيفية القضاء والرخصة في إباحة الفطر.

وهذا نوع من اللف لطيف المسلك.

فقوله ﴿ لتكملوا ﴾ علة الأمر بمراعاة العدة ﴿ ولتكبروا ﴾ علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر.

﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ أي إرادة أن تشكروا علة الترخيص والتيسير.

وعن الزجاج: أن المحذوف فعل أمر مقدر قبله كأنه قيل: لتعلموا ما تعملون ولتكملوا.

والفرق أن حذف النون في الأول للنصب وفي هذا للجزم.

ولا يخفى أن قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ يبقى في هذا الوجه غير مرتبط بما قبله إلا أن يقال: إنه في قوة "ولتشكروا".

وفيه أيضاً بعد ويحتمل أن يقال ﴿ ولتكملوا ﴾ معطوف على اليسر كأنه قيل: يريد الله بكم اليسر ويريد بكم لتكملوا كقوله ﴿ يريدون ليطفؤا  ﴾ وإنما قيل ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ ولم يقل "ولتكملوا الشهر" ليشمل عدة أيام الشهر وعدة أيام القضاء جميعاً.

وعدى فعل التكبير بعلى لتضمين معنى الحمد أي ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم.

والمراد بالتكبير قيل: إنه تعظيم الله  والثناء عليه شكراً على ما وفق لهذه الطاعة.

وتمام هذا التكبير إنما يكون بالقول والاعتقاد والعمل.

فالقول أن يقر بصفاته العلى وأسمائه الحسنى وينزهه عما يليق به من ند وصاحبة وولد وتشبيه بالخلق، وكل ذلك لا يعتدّ به إلا مع الاعتقاد القلبي.

وأما العمل فالتعبد بالأوامر والتبعد عن النواهي.

وهذا لا يختص بوقت استكمال عدة رمضان، ولكنه شامل لجميع الأحيان.

وقيل: هو تكبير الفطر وإنه مشروع في العيدين لما روي أنه  كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعاً صوته بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلى.

وأوّل وقته في العيدين جميعاً غروب الشمس ليلة العيد.

وعن أحمد ومالك أنه لا تكبير ليلة العيد وإنما يكبر في يومه.

لنا قوله  ﴿ ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ قال الشافعي: سمعت من أرضى به من أهل العلم بالقرآن يقول ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ أي عدة صوم رمضان ﴿ ولتكبروا الله ﴾ عند إكمالها، وإكمالها بغروب الشمس آخر يوم من رمضان وأما آخر التكبير فأصح الأقوال أنهم يكبرون إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد، لأن الكلام مباح إلى تلك الغاية والتكبير أولى ما يقع به الاشتغال.

والمسنون في صيغته أن يكبر ثلاثاً نسقاً وبه قال مالك.

وقال أحمد وأبو حنيفة: يكبر مرتين.

لنا الرواية عن جابر وابن عباس.

وأيضاً فإنه تكبير موضوع شعاراً للعيد فكان وتراً كتكبير الصلاة.

قال الشافعي: وما زاد من ذكر الله فحسن.

واستحسن في "الأم" أن تكون زيادته ما نقل عن رسول الله  إنه قاله على الصفا وهو: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده لا إله إلا الله والله أكبر" قال في الشامل: والذي يقوله الناس لا بأس به أيضاً وهو: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر والله أكبر ولله الحمد.

يرفع الناس أصواتهم بالتكبير ليلتي العيد في المنازل والمساجد والطرق والأسواق سفراً كانوا أو حاضرين في اليومين في طريق المصلي وبالمصلى إلى الغاية المذكورة سواء كان يصلي المكبر مع الإمام أو لا يصلي.

ويستثني من ذلك الحاج فلا يكبر ليلة الأضحى.

واختلف في أن التكبير في أي العيدين أوكد، ففي القديم ليلة النحر لإجماع السلف عليها، وفي الجديد ليلة الفطر لورود النص فيها.

قوله  ﴿ وإذا سألك عبادي عني ﴾ وجه اتصاله بما قبله هو أنه لما أمر العباد بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر نبههم على أنه مطلع على ذكرهم وشكرهم فيسمع نداءهم ويجيب دعاءهم ولا يخيب رجاءهم، أو أنه أمرهم بالثناء ثم رغبهم في الدعاء تعليماً للمسألة وتنبيهاً على حسن الطلب، وسبب نزوله ما روي أن أعرابياً قال لرسول الله  : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟

وقيل: كان في غزاة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء فقال  : " إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً" .

وعن قتادة أن الصحابة قالوا: يا نبي الله كيف ندعو ربنا فنزلت.

وعن عطاء أنهم سألوا في أي ساعة ندعو فنزلت.

وعن ابن عباس  ما أن يهود أهل المدينة قالوا: يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا؟

فنزلت.

وعن الحسن: سألت الصحابة فقالوا أين ربنا فنزلت.

وقيل: فرض عليهم الصيام كما كتب على الذين من قبلهم أي إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا ربهم في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي  عن توبتهم فنزلت مبشرة بقبول توبتهم.

ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم، وبهذا الوجه تصير الآية مناسبة لما قبلها ولما بعدها.

ثم إن سؤالهم النبي  عن الله إما أن يكون عن ذاته بأن يكون السائل ممن يجوّز التشبيه فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات، وإما أن يكون عن صفاته بأنه هل يسمع دعاءنا، أو عن أفعاله بأنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا، أو كيف أذن في الدعاء وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة، وهل أذن أن ندعوه كيف شئنا، أو ما أذن إلا بأن ندعوه على وجه معين كما قال  ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها  ﴾ وكل هذه الوجوه محتملة لأن قوله ﴿ فإني قريب ﴾ يدل على أن السؤال كان عن الذات وقوله ﴿ أجيب دعوة الداع ﴾ دليل على أن السؤال عن الصفة لأن الإجابة بعد السماع وإطلاق قوله ﴿ إذا دعان ﴾ يرشد إلى الإذن في الدعاء على أي نحو أراد ما لم يتجاوز قانون الأدب عرفاً كقوله  ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها  ﴾ قال العلماء: ليس القرب ههنا بالمكان، لأنه لو كان في المكان كان مشاراً إليه بالحس ومنقسماً إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد.

وكل منقسم مفتقر في تحققه إلى أجزائه.

وكل مفتقر ممكن.

وأيضاً لو كان في المكان، فإما أن يكون غير متناه من جميع الجوانب وهو محال فإن كل بعد متناه ببرهان تناهي الأبعاد أو من جانب واحد فكذلك مع أن كونه بحيث يقتضي جانب منه عدم التناهي، وجانب منه التناهي يوجب كونه مركباً من أجزاء مختلفة الطبائع، أو يكون متناهياً من جميع الجوانب وهو باطل بالاتفاق.

وأيضاً هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب ليس بالجهة لأنه لو كان في المكان لما كان قريباً من الكل بل لو كان قريباً من حملة العرش يكون بعيداً عن غيرهم، ولو كان قريباً من المشرقي كان بعيداً عن المغربي.

قالوا: فثبت أن المراد بالقرب قربه بالتدبير والحفظ والكلاءة.

قال في الكشاف: هو تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه.

فإذا دعى أسرعت تلبيته ونحوه ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  ﴾ وقوله  "هو بينكم وبين أعناق رواحلكم" وقد أشار بعض المحققين إلى أن اتصاف ماهيات الممكنات بوجودها لما كان بإيجاد الصانع فهو كالمتوسط بين ماهياتها ووجوداتها، فيكون أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها بل ماهية كل شيء إنما صارت هي هي بجعل الصانع حتى ماهية الوجود فبه صار الجوهر جوهراً والسواد سواداً والعقل عقلاً والنفس نفساً.

فالصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهيات إلى نفسها (قلت) استصحاب المكان لا يوجب الافتقار إلى المكان.

ولئن سلم أن كل مفتقر إلى المكان ينقسم، فانقسام كل مستصحب للمكان ممنوع، وبراهين تناهي الأبعاد مختلة زيفناها في مواضعها.

فلا ذرة من ذرات العالم إلا ونور الأنوار محيط بها قاهر عليها قريب منها، أقرب من وجودها إليها، لا بمجرد العلم فقط ولا بمعنى الصنع والإيجاد فقط بل بضرب آخر لا يكشف المقال عنه غير الخيال، مع أن التعبير عن بعض ذلك يوجب شنعة الجهال.

شعر: رمزت إليه حذار الرقيب *** وكتمان سر الحبيب حبيب إذا ما تلاشيت في نوره *** يقول لي ادع فإني قريب فإن سألوه  : أين ربنا؟

صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه: هل يسمع ربنا دعاءنا؟

صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه كيف ندعوه أبرفع الصوت أم بإخفائه؟

صح أن يجاب إني قريب، وإن سألوه: هل يعطينا ربنا مطلوبنا بالدعاء صحّ في الجواب فإني قريب، وإن سألوه إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا؟

صَحَّ أن يجاب إني قريب أي بالنظر إليهم والتجاوز عنهم.

واعلم أن الدعاء مصدر دعوت أدعو وقد يكون اسماً.

تقول: سمعت دعاءً كما تقول سمعت صوتاً.

وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه  العناية والاستمداد والمعونة.

قال بعض الظاهريين: لا فائدة في الدعاء لأن المطلوب به إن كان معلوم الوقوع عند الله كان واجب الوقوع وإلا فلا.

ولأن الأقدار سابقة والأقضية جارية وقد جف القلم بما هو كائن، فالدعاء لا يزيد فيها شيئاً ولا ينقص، ولأن المقصود إن كان من صالح العبد فالجواد لطق لا يبخل به، وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه، ولأن أجل مقامات الصدّيقين الرضا بالقضاء وإهمال حظوظ النفس.

والاشتغال بالدعاء ينافي ذلك، ولأن الدعاء شبيه بالأمر أو النهي وذلك خارج عن الأدب، ولهذا ورد في الكلام القدسي "من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين" وقال جمهور العقلاء: إن الدعاء من أعظم مقامات العبودية وإنه من شعار الصالحين ودأب الأنبياء والمرسلين.

والقرآن ناطق بصحته عن الصديقين، والأحاديث مشحونة بالأدعية المأثورة بحيث لا مساغ للإنكار ولا مجال للعناد.

والسبب العقلي فيه أن كيفية علم الله وقضائه وقدره غائبة عن العقول، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقاً بين الرجاء والخوف اللذين بهما تتم العبودية.

وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله وجريان قضائه وقدره في الكل.

وما روي عن جابر أنه "جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ففيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل؟

قال: بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير.

قال: ففيم العمل؟

قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له.

وكل عامل بعمله منبه على ما قلنا، فإنه  علقهم بين الأمرين، رهبهم بسابق القدر ثم رغبهم في العمل ولم يترك أحد الأمرين للآخر فقال: كل ميسر لما خلق له" .

يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق به القدر قبل وجوده إلا أنك تحب أن تعرف الفرق بين الميسر والمسخر كيلا تغرق في لجة القضاء والقدر، وكذا القول في باب الرزق والكسب.

والحاصل أن الأسباب والوسائط والروابط معتبرة في جميع أمور هذا العالم.

ومن جملة الوسائل في قضاء الأوطار الدعاء والالتماس كما في الشاهد.

فلعل الله  قد جعل دعاء العبد سبباً لبعض مناجحه.

فإذا كان كذلك فلا بد أن يدعو حتى يصل إلى مطلوبه، ولم يكن شيء من ذلك خارجاً عن قانون القضاء السابق وناسخاً للكتاب المسطور.

ومن فوائد الدعاء إظهار شعار الذل والانكسار، والإقرار بسمة العجز والافتقار، وتصحيح نسبة العبودية، والانغماس في غمرات النقصان الإمكاني، والإفلاس عن ذروة الترفع، والاستغناء إلى حضيض الاستكانة، والحاجة والفاقة، ولهذا ورد "من لم يسأل الله يغضب عليه" فإذا كان الداعي عارفاً بالله  وعالماً بأنه لا يفعل إلا ما وافق مشيئته وسبق به قضاؤه وقدره، ودعا على النمط المذكور من غير أن يكون في دعائه حظ من حظوظ النفس الأمارة، راجياً فيما عند الله من الخير، خائفاً من الإقدام على موقف المسألة والمناجاة، وأن تكون استجابته صورة الاستدراج، كان دعاؤه خليقاً بالإجابة وجديراً بالقبول وأن تعود بركته عليه قال  "ما من رجلٍ يدعو الله بدعاء إلا استجيب له.

فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل قالوا يا رسول الله وكيف يستعجل؟

قال: يقول دعوت ربي فما استجاب لي" وأما هيئة الداعي فعن أبي هريرة  أن رسول الله  قال "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ" وعن ابن عباس أن رسول الله  قال: "سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم" وأما شرائط الدعاء فمنها بعد ما مر من الإخلاص وغيره تزكية البدن وإصلاحه بلقمة الحلال.

وذكر النبي  الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب.

ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟

وذكر المحققون أن الدعاء مفتاح باب السماء، وأسنانه لقمة الحلال.

وأما وقت الدعاء ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي  قال "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" وعن أبي أمامة قال: يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع؟

قال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات.

وعن أنس أن رسول الله  قال "الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد وزاد في رواية قال: فماذا نقول يا رسول الله؟

قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة" .

وعن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا الدعاء" وعنه أنه قال "من سره أن يستجيب الله له دعاءه عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء" وعنه أن رسول الله  قال: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين" وأما كيفية الدعاء فعن فضالة بن عبيد أن النبي  سمع رجلاً يدعو في صلاته فلم يصلّ على النبي  .

فقال النبي  عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي  ثم ليدع بعد ما شاء" .

وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله  قال "الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد حتى يصلى عليّ فلا تجعلوني كغمر الراكب صلوا عليّ أول الدعاء وأوسطه وآخره" .

ومن لطائف الآية أنه  قال ﴿ فإني قريب ﴾ دون أن يقول "فقل إني قريب" كما قال في سائر الأسئلة والأجوبة.

وذلك في مواضع من كتابه ﴿ ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي  ﴾ ﴿ ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً  ﴾ ﴿ يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي  ﴾ وهذه الأسئلة أصولية.

﴿ يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين  ﴾ ﴿ ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير  ﴾ ﴿ ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى  ﴾ ﴿ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن  ﴾ ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة  ﴾ ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول  ﴾ ﴿ ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي  ﴾ ﴿ ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً  ﴾ فكأنه  يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في الدعاء فلا واسطة بيني وبينك.

وأيضاً في مقام السؤال قال: ﴿ عبادي ﴾ وهذا يدل على أن العبد له، وفي مقام الإجابة قال ﴿ فإني قريب ﴾ وهذا يدل على أنه للعبد.

وأيضاً لم يقل "العبد مني قريب" بل قال ﴿ إني قريب ﴾ منه إشارة إلى أنه ما للتراب ورب الأرباب وإنما يصل من حضيض الإمكان الذاتي إلى ذروة الوجود والبقاء بفضل الواجب وفيضه ﴿ فليستجيبوا لي ﴾ أجاب واستجاب بمعنى يقال: أجاب واستجاب له أي فليمتثلوا أمري إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة ﴿ وليؤمنوا بي ﴾ وليستقيموا وليعزموا على الاستجابة، وليؤمنوا كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم إرادة أن يكونوا من الراشدين المهتدين إلى مصالح دينهم ودنياهم، فإن طاعة الله  هي المستتبعة للخيرات عاجلاً وآجلاً ﴿ من عمل صالحاً من ذكرٍ وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  ﴾ وفي ضده ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ونحشره يوم القيامة أعمى  ﴾ وحاصل الكلام: أنا أجيب دعاءكم مع أني غني عنكم على الإطلاق فكونوا أنتم مجيبين دعوتي مع افتقاركم إليّ من جميع الوجوه.

وفيه نكتة وهي أنه  لم يقل أجب دعائي حتى أجيب دعاءك لئلا يصير المذنب محروماً عن هذا الإكرام بل قال: أنا أجيب دعاءك على جميع أحوالك فكن أنت مجيباً لدعائي وهذا يدل على أن نعمه  شاملة ورحمته كاملة تعم المطيعين والمذنبين والكاملين والناقصين.

وقيل: الدعاء في الآية هو العبادة لما روي عن النعمان بن بشير أن رسول الله  قال "الدعاء هو العبادة" وقرأ ﴿ ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين  ﴾ وعلى هذا فالإجابة عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كقوله  ﴿ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله  ﴾ وقيل: المراد من الدعاء التوبة.

وذلك أن التائب يدعو الله عند التوبة، فإجابة الدعوة على هذا التفسير عبارة عن قبول التوبة.

قوله عز وجل: ﴿ أحل لكم ﴾ الآية جمهور المفسرين على أنها ناسخة لما عليه الناس في أول الإسلام.

روي عن ابن عباس أنه لما نزلت ﴿ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ كانوا إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك تيسيراً لمن بقي ورخصة ومنفعة.

وعن البراء قال: كان أصحاب محمد  إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ويومه حتى يمسي.

وقال: إن قيس بن صرمة الأنصاري، أو صرمة بن قيس، أو قيس بن عمرو - على اختلاف الروايات - كان صائماً.

فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: أعندك طعام؟

قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه.

فذكر ذلك للنبي  فنزلت ﴿ أحل لكم ﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً، وأبو مسلم خالف الجمهور بناء على مذهبه من أنه لم يقع في القرآن نسخ ألبتة.

احتج الجمهور بوجوه منها.

أنه  شبه إيجاب الصوم على هذه الأمة بإيجابه على من قبلهم، فيلزم منه حرمة الأكل والشرب والوقاع بعد النوم في شرعنا كما كانت في شرعهم.

وإذا كانت الحرمة ثابتة فهذه الآية رافعة لها ناسخة لحكمها.

ومنع أبو مسلم من أن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور، فلعلهم إنما كانوا يمتنعون من الأكل والشرب والوقاع اعتقاداً منهم ببقاء تلك الحرمة في شرعنا كما هي في شرع من قبلنا مع جواز كونها مباحة في نفس الأمر.

ومع قيام هذا الاحتمال فلا جزم بالنسخ ومنها قوله تعالى ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ ولو كان ذلك حلالاً لم ينسبوا إلى الخيانة، قيل: إن عمر  واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه.

فأتى النبي  وقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة وأخبره بما فعل.

فقال  : ما كنت جديراً بذلك يا عمر فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء فنزلت.

قال أبو مسلم: أصل الخيانة النقص.

وخان واختان وتخوّن بمعنى واحد مثل كسب واكتسب وتكسب.

والمعنى علم الله أنكم كنتم تنقصون أنفسكم حظها من اللذات لا من الثواب والخير.

ومنها قوله ﴿ فتاب عليكم وعفا عنكم ﴾ والتوبة والعفو يكونان بعد المعصية وارتكاب ما هو محرم.

قال أبو مسلم: التوبة من العباد الرجوع إلى الله بالعبادة، ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان.

والعفو التسهيل والتوسعة والتخفيف.

قال  "عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهماً درهم" وقال "أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله" والمراد التخفيف بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت.

ويقال: أتاني هذا المال عفواً أي سهلاً.

فالمعنى عاد عليكم بالرحمة وسع عليكم بإباحة هذه الأشياء المحرمة على الذين من قبلكم.

وأما الروايات فأخبار آحاد لا يوجب شيء منها حمل القرآن على النسخ.

ولنشتغل بتفسير الألفاظ فنقول: ليلة الصيام قال الواحدي: أراد ليالي الصوم، فوضع الواحد موضع الجمع.

ويمكن أن يقال: أضاف الليلة إلى هذه الحقيقة فتتناول الكل من غير تكلف.

والرفث الجماع.

والرفث أيضاً الفحش من القول وكلام النساء في الجماع.

وقيل لابن عباس.

حين أنشد: وهن يمشين بنا هميسا *** إن تصدق الطير ننك لميسا أترفث وأنت محرم؟

فقال: إنما الرفث ما واجه به النساء.

هميساً أي مشياً ليناً، ولميس اسم امرأة أي أن يصدق الفأل ننكها.

وقال أبو علي: معناه الفرج.

ويقال: جامع الرجل أو ناك.

فإذا أردت الكناية عن هذه العبارة قلت: رفث الرجل.

وإنما كني عنه ههنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يعبر عنه بالإفضاء أو الغشيان أو المس ونحوها كما في مواضع آخر ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض  ﴾ ﴿ فلما تغشاها ﴾ } [الأعراف: 189] ﴿ باشروهن  ﴾ ﴿ من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ أولامستم النساء  ﴾ وفي قوله: ﴿ دخلتم بهن  ﴾ ﴿ فأتوا حرثكم  ﴾ ﴿ فما استمعتم به منهن  ﴾ ﴿ ولا تقربوهنّ  ﴾ حتى استهجان لما وجد منهم قبل الإباحة، أو البيان كما سماه اختياناً لأنفسهم.

قال الأخفش إنما عدي الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض  ﴾ .

﴿ هن لباس لكم ﴾ وجه التشبيه أنهما يعتنقان فينضم جسد أحدهما إلى جسد صاحبه ويشتمل عليه كالثوب.

قال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن.

وقال ابن زيد: كل منهما يستر صاحبه عن الأبصار عند الجماع.

قال الجعدي: إذا ما الضجيع ثنى عطفها *** تثنت فكانت عليه لباساً أو سميا لباساً لستر كل منهما صاحبه عما لا يحل كما في الخبر "من تزوّج فقد أحرز ثلثي دينه" أو المراد تستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت لو لم تكن المرأة حاضرة كما يتستر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار.

وعن الأصم: أن كل واحد منهما كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي كانوا يفعلونه، وزيف بأن هذه القرينة واردة في معرض الإنعام لا في مقام الذم.

ووحد اللباس إما لأنه جنس وإما لأنه مصدر "لابس" وضع موضع الصفة.

وموقع قوله ﴿ هنّ لباس لكم ﴾ استئناف لأنه كالبيان لسبب الإحلال، فإن مثل هذه المخالطة والملابسة توجب قلة الصبر عنهن.

ومعنى ﴿ علم الله ﴾ ظهر معلومه أو هو عالم، ولم يذكر في الآية أن الخيانة فيماذا إلا أن الذي تقدم هو ذكر الجماع والذي تأخر هو مثله بدليل ﴿ فالآن باشروهن ﴾ فتعين أن يكون المراد به الخيانة في الجماع.

ومن المعلوم أن كل واحد منهم لم يختن فالخطاب لبعضهم، وكل من عصى الله ورسوله فقد خان نفسه لأنه جلب إليها العقاب ونقص حظها من الثواب.

وقيل: إن الآية لا تدل على وقوع الخيانة منهم، وإنما المراد علم الله أنكم بحيث لو دام هذا التكليف تختانون أنفسكم فضعفكم وقلة صبركم، فوسع الأمر عليكم حتى لا تقعوا في الخيانة.

﴿ فتاب عليكم ﴾ من الفاء الفصيحة أي فتبتم فقبل توبتكم.

وعلى قول أبي مسلم لا إضمار.

﴿ فالآن باشروهن ﴾ تأكيد لقوله ﴿ أحل لكم ﴾ وفيه ضرب من البيان لأن حل الرفث في ليلة الصيام لا يوجب حله في جميع أجزائها حتى الصباح.

والجمهور على أن المراد بالمباشرة ههنا الجماع، سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين فيه.

ومنه ما روي أنه  قال "لا يباشر الرجل الرجل والمرأة المرأة" وإنما قلنا إنا لمراد بها الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم، ولأن الرفث أريد به ذلك إلا أن إباحة الجماع تتضمن إباحة ما دونه فصح ما نقل عن الأصم أن المراد بها الجماع وغيره ورجع النزاع لفظياً.

وأما المباشرة في قوله ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ فلا يعود النزاع فيها إلى اللفظ، لأن المنع من الجماع لا يدل على المنع مما دونه من الاستمتاعات.

﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ جعل أو قضى أو كتب في اللوح من الولد أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن للغرض الأصلي من النكاح وهو التناسل.

قال  "تناكحوا تكثروا" وقيل: هو نهي عن العزل فقد وردت الأخبار في كراهية ذلك.

وعن الشافعي: لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها، ولا بأس أن يعزل عن الأمة.

وعن علي كرم الله وجهه: أنه كان يكره العزل.

وقيل: اطلبوا المحل الذي حلله الله لكم كقوله  ﴿ فأتوهنّ من حيث أمركم الله  ﴾ وقيل: وابتغوا هذه المباشرة التي كتب الله لكم بعد أن كانت محرمة عليكم، وعن أبي مسلم: وابتغوا المباشرة التي كان الله كتبها لكم، وإن كنتم تظنون أنها محرّمة عليكم.

وقيل: يعني لا تباشروهن إلا في الأوقات والأحوال التي أذن الله لكم في مباشرتهن دون أوقات الحيض والنفاس والعدّة والردة.

وقيل: أي لا تبتغوا المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة وهو الذي كتب في القرآن من قوله ﴿ إلا على أزواجهم أن ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] وعن معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء: اطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها.

واستبعده بعضهم وليس ببعيد، فإن توزع الفكر بسبب الشهوة المشوّشة قد يمنع عن الإخلاص في العبودية ولا يتفرغ المكلف حينئذ لطلب ليلة القدر التي هي حاصل صوم رمضان فقال  ﴿ فالآن باشروهن ﴾ لتفرغوا لطلب الغاية من صيامكم والله أعلم بمراده، عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وجعلت أنظر إليهما من الليل ولا يستبين لي، فإذا تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت.

فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله  فأخبرته فضحك وقال: إنك لعريض القفا إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل.

وكنى رسول الله  بذلك عن بلاهة عديّ وقلة فطنته، وفي الصحيحين أيضاً عن سهل بن سعد: نزلت ولم ينزل ﴿ من الفجر ﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله عز وجل بعد ﴿ من الفجر ﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار.

واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند من يجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره عن وقت الخطاب فجائز عند الأكثرين.

ولما كان من مستعملات العرب إطلاق الخيط الأبيض على أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، والخيط الأسود على ما يمتد معه من غبس الليل قال أبو دواد: فلما أضاءت لنا سدفة *** ولاح من الصبح خيط أنارا والسدفة الضياء المخلوط بالظلام، اقتصر على الاستعارة أوّلاً، ثم لما اشتبه الأمر على بعض من لا دراية له باللغة العربية نزل من الفجر بياناً للخيط الأبيض واستغنى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما يستتبع بيان الآخر.

وخرج الكلام من الاستعارة إلى التشبيه البليغ كما أن قولك "رأيت أسداً" مجاز، فإذا زدت "من فلانٍ" رجع تشبهاً.

فالاستعارة وإن كانت أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة من حيث إنها استعارة كما بين في موضعه إلا أن رفع الاشتباه عن المكلفين أهم وأولى.

فالفصاحة في هذا المقام ترك الاستعارة، وليس هذا من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة على الإطلاق، لأن المحتاجين ههنا إلى البيان ساقطون عن درجة الاعتبار لأن فهم المعنى من اللفظ إنما يعتبر بالنسبة إلى العارف بقوانين العرب واستعمالاتهم لا بالإضافة إلى الأغبياء منهم.

نعم التفهيم يعم البليد والذكي والله المستعان.

ولا يسبقنّ إلى الوهم أن المشبه بالخيط الأبيض هو الصبح الكاذب المستطيل لأنه يناقض ما ورد في الخبر "لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير" وإنما المشبه هو الفجر الصادق، وهو أيضاً يبدو دقيقاً ولكن يرتفع مستطيراً أي منتشراً في الأفق لا مستطيلاً.

ويمكن أن يقال: الفصل المشترك بين ما انفجر من الضياء.

أي انشق وبين ما هو مظلم بعد يشبه خيطين اتصلا عرضاً.

فالذي انتهى إليه الضياء خيط أبيض، والذي ابتدأ منه الظلام خيط أسود.

وقد سبق تقرير الصبح في تفسير قوله  ﴿ واختلاف الليل والنهار  ﴾ فليتذكر.

قيل: ويجوز أن تكون "من" في قوله  ﴿ من الفجر ﴾ للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوّله: ولا شك أن "حتى" لانتهاء الغاية فدلت الآية على أن حل المباشرة والأكل والشرب ينتهي عند طلوع الصبح.

فاستدل بهذا على جواز صوم من يصبح جنباً.

وبقوله ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ على أن الصوم ينتهي عند غروب الشمس، لأن ما بعد "إلى" لا يدخل فيما قبلها وخاصة إذا لم يكن من جنسه، بل على حرمة الوصال.

ويؤيده ما روي أنه  قال: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد غربت الشمس وأفطر الصائم" فيجب على المكلف أن يتناول في هذا الوقت شيئاً.

وكيف لا وقد صح عن النبي  أنه نهى عن الوصال فقيل: يا رسول الله إنك تواصل.

فقال: "إني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .

أي من طعام الجنة، أو إني على ثقة بأني لو احتجت أطعمني من الجنة، أو إني أعطيت قوة من طعم وشرب.

والتحقيق أن استغراقه في مطالعة جلال الله يشغله عن الالتفات إلى ما سواه، فإذا تناول شيئاً قليلاً ولو قطرة من الماء فبعد ذلك كان بالخيار في الاستيفاء إلا أن يخاف التقصير في الصوم المستأنف أو في سائر العبادات فيلزم حينئذ أن يتناول بمقدار الحاجة، وقد يتشبث الحنفي بالآية على جواز النية في نهار صوم رمضان لأن مدة الإمساك هو النهار فقط فيجب قصد الإمساك فيه فقط، ومقتضى هذا الدليل صحة الفرض بنيته بعد الزوال إلا أنا نقول: الأقل ملحق بالأغلب، فأبطلنا الصوم بنيته بعد الزوال وصححناه بنيته قبله.

حجة الشافعي قوله  "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" ويروى "من لم ينو" وإنما جوز في النفل أن ينوي قبل الزوال لأنه  كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: هل من غداء؟

فإن قالوا لا قال: إني صائم، وأيضاً الحنفي: يجب إتمام الصوم النفل لقوله ﴿ ثم أتموا ﴾ والأمر للوجوب.

وقال الشافعي: قد ورد هذا عقيب الفرض فيتخصص به وأعلم أنه  خصص بالذكر من المفطرات الرفث والأكل والشرب لأن النفس تميل إليها.

وهاهنا مفطرات أخر استنبطت من الآية أو استفيدت من السنة فمنها الاستمناء لأن الإيلاج من غير إنزال مبطل.

فالإنزال بنوع شهوة أولى، وكذا الإنزال باللمس أو القبلة دون الفكر أو النظر بشهوة لأن هذا يشبه الاحتلام، وعند مالك الإنزال بالنظر مفطر، وعند أحمد إن كرر النظر حتى أنزل أفطر.

ومنها الاستقاء لقوله  "من ذرعه القيء وهو صائم فلا قضاء عليه ومن استقاء فليقض" ومنها دخول الشيء جوفه من منفذ مفتوح سواء كان فيه قوة محيلة تحيل الواصل إليه من غذاء أو دواء أولا، فالحلق جوف وكذا باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة لما روي عن ابن عباس أن الفطر مما دخل والوضوء مما خرج، فالحقنة مبطلة للصوم وكذا السعوط إذا وصل إلى الدماغ.

ولا بأس بالاكتحال، وليست العين من الأجواف فإنه  اكتحل في رمضان وهو صائم.

وعن مالك وأحمد إنه إذا وجد في الحلق طعماً أفطر.

والتقطير في الأذن إذا وصل إلى الباطن كالسعوط وكذا في الإحليل وإن لم يصل عليه إلى المثانة.

ولا بأس بالفصد والحجامة لكن يكره خيفة الضعف.

احتجم  وهو صائم محرم في حجة الوداع.

وقال أحمد: يفسد الصوم بالحجامة.

ولو دهن رأسه أو بطنه فوصل إلى جوفه بتشرب المسام لم يضر كالاغتسال والانغماس عند الشافعي، ولا بد أن يكون الواصل عن قصد منه فلو طارت ذبابة إلى حلقه أو وصل غبار الطريق أو غربلة الدقيق إلى جوفه لم يفطر.

ولو فتح فاه عمداً لما في الحفظ من العسر.

ولو ضبطت المرأة ووطئت أو وجيء بالسكين أو أوجر بغير اختياره فلا إفطار.

وكذا لو كان مغمى عليه فأوجر معالجة ولو أكره حتى أكل بنفسه أفطر لأنه أتى بضد الصوم، ولا أثر لدفع الضرر كما لو أكل أو شرب لدفع الجوع أو العطش.

وعند أحمد لا يفطر.

وابتلاع الريق الصرف الطاهر من الفم لا يفطر، والنخامة إن لم تحصل في حد الظاهر من الفم لم تضر وإن حصلت فيه بانصبابها من الدماغ إلى الثقبة النافذة منه إلى أقصى الفم فوق الحلقوم، فإن قدر على مجه ولم يمج حتى جرى بنفسه بطل صومه لتقصيره وإلا فلا، وإذا تمضمض فسبق الماء إلى جوفه أو استنشق فوصل الماء إلى دماغه لم يفطر على الأصح إن لم يبالغ وبه قال أحمد.

وعند أبي حنيفة ومالك يفطر وإن بالغ أفطر وفاقاً.

"قال  للقيط بن صبرة: بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" ولو بقي طعام في خلل أسنانه فابتلعه عمداً أفطر خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا كان يسيراً، وربما قدره بالحمصة.

وإن جرى به الريق من غير قصد منه لم يفطر على الأصح.

ولا بد أيضاً في وصول العين من ذكر الصوم، فإذا أكل ناسياً، فإن قل لم يفطر لقوله  "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" وخالف مالك.

وإن كثر أفطر.

ولو جامع ناسياً للصوم فالأصح أنه لا يبطل كما في الأكل.

ولو أكل على ظن أن الصبح لم يطلع بعد، أو أن الشمس قد غربت وكان غالطاً لم يجزئه صومه على الأشهر لأنه تحقق خلاف ما ظنه واليقين مقدم على الظن.

ثم إن كان الصوم واجباً قضى، وإن كان تطوعاً فلا قضاء.

والأحوط في آخر النهار أن لا يأكل إلا بعد تيقن غروب الشمس لأن الأصل بقاء النهار ولو اجتهد وغلب على ظنه دخول الليل بورد أو غيره، فالأصح جواز الأكل، وقد أفطر الناس في زمان عمر ثم انكشف السحاب وظهرت الشمس.

وأما في أول النهار فيجوز الأكل بالظن والاجتهاد إلى طلوع الفجر لأن الأصل بقاء الليل، فإن قيل: إن أول الفجر كيف يدرك ويحس ومتى عرف المترصد الطلوع كان الطلوع الحقيقي مقدماً عليه؟

فيجاب إما بأن المسألة موضوعة على التقدير كدأب الفقهاء في أمثالها وإما بأنا نتعبد بما يطلع عليه.

ولا معنى للصبح إلا بظهور الضوء للناظر وما قبله لا حكم له كالزوال عند زيادة الظل، وإذا كان الشخص عارفاً بالأوقات ومنازل القمر، وكان بحيث لا حائل بينه وبين مطلع الفجر وترصد فمتى أدرك فهو أول الصبح المعتبر، وحينئذ يحرم المفطرات وعن الأعمش أنه يحل الأكل والشرب والوقاع إلى طلوع الشمس قياساً لأول النهار على آخره.

وجعل الخيط الأبيض وقت الطلوع والخيط الأسود ما اتصل به من آخر الليل.

ومن الناس من قال: لا يجوز الإفطار إلا عند غروب الحمرة، كما أنه لا يجوز الأكل إلا إلى طلوع الفجر.

وهذه المذاهب قد انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها.

يحكى عن الأعمش أنه دخل عليه أبو حنيفة يعوده فقال له الأعمش: إنك لثقيل على قلبي وأنت في بيتك فكيف إذا زرتني؟

فسكت عنه أبو حنيفة، فلما خرج قيل له: لم سكت عنه؟

قال: ماذا أقول في رجل ما صام ولا صلى في دهره عنى أنه كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل طلوع الشمس فلا صوم له، وكان لا يغتسل من الإكسال فلا صلاة له.

واعلم أن في الآية ترتيباً عجيباً ونسقاً أنيقاً وذلك أن الرفث لما كان من أشنع الأمور التي يجب الإمساك عنها في رمضان حتى قال بعض الناس إنه كان حراماً في رمضان ليلاً ونهاراً وفيه قد وقعت الخيانة كما مر في الإخبار.

قدم إباحته أولاً ثم بين السبب في إباحته، ثم وبخ المختانون في شأنه وعقب التوبيخ بالعفو وقبول التوبة، ثم أعيد ذكر إباحته ليترتب عليه الغرض الأصلي من الرفث وهو طلب النسل، وليعطف عليه إباحة الأكل والشرب جميع ذلك إلى آخر جزء من أجزاء الليل، ثم لما بين مدة الإفطار وما أبيح فيها بين مدة الصوم الذي هو المقصود الأصلي تلك المدة هي ما بقي من مدة الإفطار إلى تمام أربع وعشرين ساعة هي مجموع اليوم بليلته، أعني من أول الفجر الصادق إلى غروب الشمس، ثم لما كان زمان الاعتكاف مستثنى من ذلك لأنه فهم من الآية أن الإمساك عن الرفث كان مختصاً بنهار رمضان لا بليلته ولا بسائر أيام السنة ولياليها عقب إباحة الرفث فيما سوى نهار رمضان بخطره في حال الاعتكاف فقيل ﴿ ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ قال الشافعي: الاعتكاف حبس المرء نفسه على شيء براً كان أو إثماً.

قال تعالى ﴿ يعكفون على أصنام لهم  ﴾ والاعتكاف الشرعي: المكث في بيت الله تعالى تقربا إليه.

وهو من الشرائع القديمة.

قال  ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين  ﴾ وللأئمة خلاف في المراد من المباشرة ههنا.

فعن الشافعي: في أصح قوليه ووافقه أبو حنيفة وأحمد: إنها الجماع والمقدمات المفضية إلى الإنزال.

لأن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين.

فالمنع من هذه الحقيقة ما دام في المعتكف وحين يخرج لحاجة ولم تتم مدة الاعتكاف منع عن القبلة والعناق وكل ما فيه تلاصق البشرتين.

خالفنا الدليل فيما إذا لم ينزل من هذه الأمور لتبين عدم الشهوة فيها، وقد علم أن اللمس بغير شهوة جائزة لأنه  كان يدني رأسه من عائشة لترجل رأسه وهو  معتكف، فيبقى ما فيه الشهوة على أصل المنع.

احتج من قال إنها لا تبطل الاعتكاف بأن هذه الأمور لا تبطل الصوم والحج فلا تفسد الاعتكاف، لأنه ليس أعلى درجة منهما.

وأجيب بأن النص مقدم على القياس.

واتفقوا على أن شرط الاعتكاف الجلوس في المسجد لأنه مميز عن سائر البقاع من حيث إنه بنى لإقامة الطاعات.

ثم اختلفوا فعن علي  أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام لقوله  ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين  ﴾ أي لجميع العاكفين.

وعن عطاء فيه وفي مسجد المدينة لقوله  "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" وعن حذيفة فيهما وفي مسجد بيت المقدس لقوله  "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" الزهري: لا يصح إلا في الجامع.

أبو حنيفة: لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب.

الشافعي: يجوز في جميع المساجد لإطلاق قوله ﴿ في المساجد ﴾ إلا أن الجامع أولى حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة.

ولا خلاف أن الاعتكاف مع الصوم أفضل وهل يجوز بغير صوم؟

الشافعي: نعم لأنه بغير الصوم عاكف وأنه  منع العاكف من المباشرة ولو كان اعتكافه باطلاً لما كان ممنوعاً.

وأيضاً لو كان الاعتكاف موجباً للصوم لم يصح الاعتكاف في رمضان لأن ذمته مشغولة بالصوم الواجب لشهود الشهر فلا يمكنه الاشتغال بالصوم الذي يوجبه الاعتكاف، لكنهم أجمعوا على صحة الاعتكاف في رمضان.

وأيضاً لو تلازما لخرج المعتكف عن اعتكافه بالليل كما يخرج عن الصوم لكنه لا يخرج.

وأيضاً "روي أن عمر  قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة، فقال  :أوف بنذرك" .

ومعلوم أنه لا يجوز الصوم في الليلة.

أبو حنيفة: لا يجوز لأنه يجب الصيام في الاعتكاف بالنذر فيجب بغير نذر أيضاً كعكسه في الصلاة حال الاعتكاف، وهو أن الصلاة لما لم تجب في النذر بالإجماع لم تجب في غير النذر، أيضاً وفرق بأن الصوم والاعتكاف متقاربان، فكل منهما كف وإمساك، والصلاة أفعال مباشرة لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف فلا يجعل أحدهما وصفاً للآخر، ولهذا قلنا: إنه لو نذر أن يعتكف صائماً أو يصوم معتكفاً لزمه كلاهما، والجمع بينهما.

ولو نذر أن يعتكف مصلياً أو يصلي معتكفاً لزمه كلاهما دون الجمع بينهما.

ويتفرع على المذهبين أنه يجوز أن ينذر اعتكاف ساعة عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة فلا يجوز أقل من يوم بشرط أن يدخل قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس.

قال الشافعي: وأحب أن يعتكف يوماً وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف.

﴿ تلك حدود الله ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من أول آية الصيام إلى ههنا لا إلى عدم المباشرة في الاعتكاف وحده، لأنه حد واحد أللهم إلا أن يراد أمثال تلك الجملة.

وحد الشيء مقطعه ومنتهاه، وحد الدار ما يمنع غيرها أن يدخل فيها، والحد الكلام الجامع لمانع فحدود الله ما منع من مخالفتها بعد أن قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة.

وإنما قال ههنا ﴿ فلا تقربوها ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فلا تعتدوها  ﴾ لأن العامل بشرائع الله أوامر ونواهي منصرف في حيز الحق، فإذا تعداه وقع في حيز الباطل.

فالنهي عن التعدي هو المقصود إلا أن الأحوط أن لا يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل كيلا يذهل فيقع في الباطل.

عن النعمان بن بشير: سمعت رسول الله  يقول "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا ولكل ملك حمى وحمى الله محارمه" .

وقيل: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم  ﴾ وقيل: الأحكام المذكورة بعضها أمر وأكثرها نهي، فغلب جانب التحريم أي لا تقربوا تلك الأشياء التي منعتم عنها.

وأما في الأوامر فقال ﴿ فلا تعتدوها  ﴾ أي اثبتوا عليها ولا تتخطوها، ﴿ كذلك ﴾ أي كما بين ما أمركم به وما نهاكم عنه في هذا المقام ﴿ يبين ﴾ سائر أدلته على دينه وشرعه إرادة أن يتصف الناس بالتقوى جعلنا الله  من المتقين بفضله ورحمته.

التأويل: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" الضمير عائد إلى الحق.

على كل عضو في الظاهر صوم، وعلى كل صفة في الباطن صوم.

فصوم اللسان عن الكذب والنميمة، وصوم العين عن محل الريبة، وصوم السمع عن استماع الملاهي، وعلى هذا فقس البواقي.

وصوم النفس عن التمني والشهوات، وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر عن شهود غير الله ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ أي على بسائطكم وأجزائكم فإنها كانت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقلب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية ﴿ لعلكم تتقون ﴾ مشارب المركبات وتطهرون عن دنس الحظوظ الحيوانيات والروحانيات، فحين يأفل كوكب استدعاء الحظوظ الفانية تطلع شمس حقوق الملاقاة الروحانية الباقية كما قال  "للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه" ﴿ فمن كان منكم مريضاً ﴾ أي وقع له فترة في السلوك لمرض غلبات صفات النفس وكسل الطبيعة ﴿ أو على سفر ﴾ حصل له وقفة للعجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الإلطاف وأشربة الإعطاف فيتداركه في أيام سلامة القلب.

﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ على من كان له قوة في صدق الطلب ﴿ طعام مسكين ﴾ فالطعام كل مشرب غير مشرب ألطاف الحق، والمسكين من يكون مشربه غير ما عند الله ويقنع به، فيدفع تلك المشارب إلى أهاليها ويخرج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشراب مشاربه وهو معنى "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ فمن تطوع خيراً ﴾ فمن زاد في الفداء أي كلما فطم من مشرب وسقى من مشرب آخر.

وروي فدى ذلك المشرب أيضاً أي تركه إلى أن يصير مشربه ترك المشارب كلها وداوم الصوم كقوله تعالى ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ فينزل فيه حقائق القرآن وهذا معنى قوله ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ فيكون على مأدبة الله لا بمعنى أنه يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله حتى تفنيه عن وجوده وتبقيه بشهوده فيكون خلقه القرآن وحينئذ يفرق بين الوجود الحقيقي والوجود المجازي كما قال ﴿ وبينات من الهدى والفرقان ﴾ فيقال يا محمد له أصبت فالزم وهو معنى قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ قال أبو يزيد: ناداني ربي وقال: أنا بدك اللازم فالزم بدك.

رمضان يرمض ذنوب قوم، ورمضان الحقيقي يحرق وجود قوم.

رمضان اسم من أسماء الله أي من حضر مع الله فليمسك عن غير الله ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ وهو مقام الوصول ﴿ ولا يريد بكم العسر ﴾ وهو ما في الطريق من الرياضة والمجاهدة كالطبيب يسقي دواء مراً، فمراده حصول الصحة لا إذاقة مرارة الدواء.

وأيضاً "كل ميسر لما خلق له" لو لم يرد بنا اليسر لم يجعلنا طالبين لليسر (شعر): لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه *** من فيض جودك ما علمتني الطلبا ﴿ ولتكملوا ﴾ عدة أنواع الغاية بجذبات ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ﴿ ولتكبروا الله ﴾ ولتعظموه ﴿ على ما هداكم ﴾ إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ نعمة الوصال بتنزيه ذي الجلال عن إدراك عقول أهل الكمال وإحاطة الوهم والخيال.

قوله  ﴿ أحل لكم ليلة الصيام ﴾ اعلم أن في الإنسان تلوناً في الأحوال.

فتارة يكون بحكم غلبات الصفات الروحانية في ضياء نهار الواردات الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ الإنسانية وهو حالة السكر، وتارة يكون بحكم الدواعي والحاجات البشرية مردوداً إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذه حالة الصحو، فخصه الله  بنهار كشف الأستار وطلوع شموس الأسرار ليصوموا فيه عما سواه، وبليلة إسبال أستار الرحمة ليسكنوا فيها ويستريحوا بها كما منّ الله  بقوله ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً  ﴾ الآيتين.

ومعنى الرفث إلى النساء التمتع بالحظوظ الدنيوية التي تتصرف النفس فيها تصرف الرجال في النساء ﴿ هن لباس لكم ﴾ أي الصفات والحظوظ الإنسانية ستر لكم يحميكم عن حرارة شموس الجلال لكيلا تحرقكم سطوات التجلي ﴿ وأنتم لباس لهن ﴾ تسترون معايب الدنيا بالأموال الصالحة واستعمال الأموال على قوانين الشرع والعقل "نعم المال الصالح للرجل الصالح" ﴿ فالآن باشروهن ﴾ بقدر الحاجة الضرورية ﴿ وابتغوا ﴾ بقوة هذه المباشرة ﴿ ما كتب الله لكم ﴾ من المقامات العلية ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ في ليالي الصحو ﴿ حتى يتبين لكم ﴾ آثار أنوار المحو فالأحوال تنقسم إلى بسط وقبض، وزيادة ونقص، وجذب وحجب، وجمع وفرق، وأخذ ورد، وكشف وستر، وسكر وصحو، وإثبات ومحو، وتمكين وتكوين، كما قيل: كأن شيئاً لم يزل إذا أتى *** كان شيئاً لم يكن إذا مضى ﴿ في المساجد ﴾ أي في مقامات القربة والأنس.

وفيه إشارة إلى أنه يجب أن يكون الاشتغال بالضروريات من حيث الصورة وتكون الأسرار والأرواح مع الحق، وهذا مقام أهل التمكين ﴿ فلا تقربوها ﴾ بالخروج عنها يا أهل الكشوف والعكوف وبالدخول فيها يا أهل الكسوف والخسوف حسبي الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ .

هو على الإضمار - والله أعلم - كأنه قال: وإذا سألك عبادي: "أين أنا عن إجابتهم"، فقل لهم: إني قريب الإحسان، والبر، والكرامة لمن أطاعني.

ويحتمل: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ .

قرب العلم والإجابة، لا قرب المكان والذات كقرب بعضهم من بعض في المكان؛ لأنه كان ولا مكان، ويكون على ما كان، وكذلك قوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ  ﴾ ، ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ  ﴾ ، كل ذلك يرجع إلى قرب العلم والإحاطة وارتفاع الجهات، لا قرب الذات على ما ذكرنا.

وإن كانت القصة على ما قاله بعض أهل التفسير: بأن اليهود قالوا: كيف يسمع ربك دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام، وأن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام؟!

فنزل قوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ ، هذا لما لم يعرفوا الصانع؛ ألا تراهم جعلوا له الولد، وجعلوا له شركاء، فخرج سؤالهم، إن كان، مخرج سؤال المتعنت، لا سؤال المسترشد.

وقوله: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ .

أي: أقبل توحيد الموحد.

وكذلك قال ابن عباس، رضي الله  عنه، في قوله: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ ، أي: وحدوني أغفر لكم.

وقيل: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ ﴾ ، على حقيقة الإجابة.

وقوله: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي ﴾ .

أي: إلى ما دعوتهم.

يحتمل: على ما ذكرنا في قوله: ﴿ أُجِيبُ ﴾ لكم، إذا استجبتم لي بالطاعة والائتمار.

ويحتمل: ﴿ أُجِيبُ ﴾ لكم، إذا أخلصتم الدعاء لي.

ويحتمل: على ابتداء الأمر بالتوحيد، كأنه قال: وحدوني.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ إذا فعلوا ذلك.

وقوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ﴾ .

سماه ﴿ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ﴾ .

الليل مضاف إلى يومه، كأنه قال: ليلة يوم الصوم، وإن لم يكن فيها صوم في الحقيقة؛ لانتظار الصيام فيها بالنهار، على ما جاء عن رسول الله  إذ قال: "منتظر الصلاة ما دام ينتظرها في الصلاة" ، وكذلك قوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، أضاف الصوم إلى الشهر يدخل فيه الليل والنهار؛ لأن اسم الشهر يجمع الليل والنهار جميعاً.

وقوله: ﴿ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ﴾ .

قيل: ﴿ ٱلرَّفَثُ ﴾ ، الجماع.

وهو قول ابن عباس، رضي الله  عنه.

وقيل: ﴿ ٱلرَّفَثُ ﴾ ، هو حاجات الرجال إلى النساء من نحو الجماع، والمس، والتقبيل وغيره.

وقوله: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾ .

قيل: هن ستر لكم عما لا يحل، وأنتم ستر لهن أيضاً.

يعف الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل.

وقيل: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن.

يسكن الزوج بالزوجة، والزوجة بالزوج.

وهو كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً ﴾ ، [النبأ: 10] أي: سكناً، ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ  ﴾ .

ويحتمل: أن يكون أحدهما لباس الآخر بالليالي.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ﴾ .

﴿ تَخْتانُونَ ﴾ وتخونون واحد.

قيل: نزلت الآية في شأن عمر، رضي الله  عنه، وذلك أن الناس إذا صاموا، ثم نام أحد منهم، حرم عليهم الطعام والجماع حتى يفطر من الغد، فواقع عمر، رضي الله  عنه، امرأته يوماً بعد ما نام أو نامت.

فغدا إلى رسول الله  فأخبره بذلك، فنزل قوله: ﴿ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ ، أي: تظلمون؛ لأن كل خائن ظالم نفسه، فتاب الله عليه وعفا عنه، ثم رخص لهم المباشرة بقوله: ﴿ فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ ﴾ على الرخصة، هو على الإباحة، لا على الأمر به.

وقوله: ﴿ وَٱبْتَغُواْ ﴾ .

أي: اتبعوا.

﴿ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

قيل: فيه بوجوه: قيل: ﴿ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، من الولد.

وقيل: ﴿ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، من ليلة القدر، وما فيه من نزول الرحمة.

وقيل: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، من الرخصة، والإباحة في الجماع في ليلة الصيام، والأكل بعد النوم وهو كما جاء: "من لم يقبل رخصنا كما يقبل عزائمنا، فلس منَّا" وقوله: ﴿ وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ ﴾ .

ذكر عن عدي بن حاتم، أنه قال: "كنت أضع خيطين تحت وسادتي بعد نزول هذه الآية: أحدهما أبيض، والآخر أسود، فكنت أنظر فيه متى ما تبين لي إلى أن أتيت رسول الله  ، فأخبرته، فقال: إن وسادك لعريض" ، يعني أن الفجر هو المتعرض في الأفق.

وروي عن رسول الله  ، أنه قال: "لا يغرنكم الفجر المستطيل، إنما الفجر المستطير في الأفق" وروي أنه قال: "الفجر فجران: فجر مستطيل في السماء، وفجر مستطير في الأفق، هو الذي يحرم الطعام على الصائم ويحل الصلاة" وروي أنه قال: "لا يغرنكم أذان بلال، فإنه إنما يؤذن بالليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم" وفي بعض الأخبار قال: "لا يغرنكم أذان بلال على سحوركم، فإنه إنما يؤذن بليل" ، أو كلام نحو هذا.

والأصل في هذا: أن الله عز وجل جعل حد الصيام من وقت تبين النهار إلى وقت غيبوبة الشمس وأباح من وقت غيبوبة الشمس إلى وقت تبين النهار، الطعام، والشراب، والجماع تخفيفاً منه.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ ﴾ .

وقد اختلف أهل التأويل في معنى المباشرة.

قيل: (المباشرة) عنى الله به: الجماع وما دون الجماع، فإنما نهوا عنها.

وقيل: (المباشرة) كناية عن الجماع.

ثم قوله: ﴿ وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ ﴾ ، فيه أدلة من أوجه الآية، كأنها نزلت في نازلة بلوا بها، لا أن كانوا يباشرون نساءهم في المساجد؛ لأن المساجد كانت أجل عندهم من أن يجعلوها مكاناً لوطء النساء.

ولكنه - والله أعلم - أن الاعتكاف: هو اللبث في مكان، يأخذ الحق في نفسه عند عكوفه في المسجد وخروجه منه، فذكر أن العكوف نفسه يحرم الجماع في الأحوال كلها، ليس كالصوم الذي يحرم حالاً دون حال في الوقت الذي لم يكونوا فيها، ليعلموا أن حكم المقام في المساجد أخذ لهم وليسوا هم فيها.

ولم لم يكن شرطاً في ذلك لكان قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ ﴾ كافيا إذ لم يكونوا في المساجد وقت لحوق النهي للمباشرة.

والله أعلم.

وفيه دليل أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، حيث خص المساجد دون غيرها من الأمكنة.

وفيه دليل أن المعتكف قد يخرج من معتكفه، لكنه لا يخرج إلا لما لا بد منه على ما جاء عن رسول الله  : "أنه كان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان".

وحاجة الإنسان يحتمل وجهين.

يحتمل: لما يرفع إليه من الحوائج.

ويحتمل: حاجة الإنسان: الحاجة المعروفة التي لا يحتمل قضاؤها في المسجد.

ثم الضرورة تقع بالخروج في العكوف بوجهين: مرة في نفسه، ومرة في أفعال يكتسبها.

وبهذا يقول أصحابنا، رحمهم الله  ، في فريضة الخروج إلى الجمع؛ لأن من اعتكف على ألا يشهد الجمعة لا يؤذن له في ذلك، لما لا جائز أن يؤذن بإيجاب قربة هي ليست عليه بتضييع أخرى هي عليه؛ إذ ذلك فرض كفاية يسقط بأداء البعض، لذلك كان ما ذكرنا.

فإن قيل: روي أنه كان [يخرج] لاتباع الجنازة وعيادة المريض.

قيل: إن ثبت هذا فهو إذ خرج لوجه أذن [له] بالخروج لذلك الوجه فخرج ثم عاد مريضاً، أو شهد جنازة، وذلك جائز، ولو كان يؤذن لذلك لكان يؤذن لكل قربة؛ إذ الجنازة إذا شيعها الكافي سقط فرض التشييع، فإذا لم يؤذن في غير هذا، وهذا مثل ذلك، أو دونه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ذلك دليل أن الخبر على ما بينت، والله أعلم.

وروي عن عائشة، رضي الله  عنها، أنها قالت: "إن من السنة ألا يخرج المعتكف من معتكفه".

دل هذا من عائشة، رضي الله  عنها، أن خبر علي بن أبي طالب، رضي الله  عنه، على ما ذكرنا، إن ثبت.

وفي قوله: ﴿ وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ ﴾ دليل أن الاعتكاف يكون في جميع المساجد؛ لأنه عم المساجد.

وما روي: أن "لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام" إن ثبت، فهو على التناسخ؛ لأن النبي  اعتكف في مسجد المدينة، فدل فعله أنه منسوخ.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ .

قيل: ﴿ تِلْكَ ﴾ المباشرة معصية، ﴿ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ في الاعتكاف، فحد الأمر ألا تقربوها.

وقيل: إنه جعل لكل طاعة وأمر ونهى حدّاً وغاية، فلا يجاوز ولا يقصر عنه.

وقيل: ﴿ تِلْكَ ﴾ فرائض الله.

وقيل: ﴿ تِلْكَ ﴾ سنن الله.

وكان الأول أقرب والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قد كان في أول الأمر يحرم على الرجل إذا نام في ليلة الصيام ثم استيقظ قبل الفجر أن يأكل أو يقرب أهله، فنسخ الله ذلك، وأباح الله لكم -أيها المؤمنون- في ليالي الصيام جماع نسائكم، فهن ستر وإعفاف لكم، وأنتم ستر وإعفاف لهن، لا يستغني بعضكم عن بعض، عَلِمَ الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم بفعل ما نهاكم عنه، فرحمكم وتاب عليكم، وخفف عنكم، فالآن جامعوهن، واطلبوا ما قدّر الله لكم من الذرية، وكلوا واشربوا في الليل كله، حتَّى يتبين لكم طلوع الفجر الصادق ببياض الفجر وانفصاله عن سواد الليل، ثم أكملوا الصيام بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر حتَّى تغيب الشمس، ولا تجامعوا النساء وأنتم معتكفون في المساجد؛ لأن ذلك يبطله.

تلك الأحكام المذكورة هي حدود الله بين الحلال والحرام فلا تقربوها أبدًا؛ فإن من اقترب من حدود الله يوشك أن يقع في الحرام، وبمثل هذا البيان الواضح الجلي لتلك الأحكام يبين الله آياته للناس لعلهم يتقونه بفعل ما أمر وترك ما نهى.

<div class="verse-tafsir" id="91.bj2kL"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بعد هذا عاد إلى سرد بقية أحكام الصيام فقال ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ  ﴾ .

روي في سبب نزول هذه الآية أن الصحابة كانوا إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويتغشون النساء إلى وقت النوم فإذا نام أحدهم ثم استيقظ من الليل صام ولو كان في أول الليل، وروي أن أهل الكتاب كانوا يصومون كذلك، وأن الصحابة فهموا من قوله تعالى ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ أن التشبيه يتناول كيفية الصوم فوقع لبعضهم أن وقع على امرأته في الليل بعد النوم فشكا ذلك للنبي  ولبعضهم أن نام قبل أن يفطر ثم استيقظ فواصل الصوم إلى اليوم الثاني وكان عاملًا فأضواه الجوع حتى غشي عليه فذكر خبره للنبي  فنزلت، قال بعض المفسرين هذه الآية ناسخة لقوله ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ ، وقال بعضهم لا نسخ هنا فإن التشبيه ليس من كل وجه وإنما هو في الفرضية لا في الكيفية، وهذه الآية متصلة بما قبلها متممة لأحكام الصوم مبينة لما امتاز به صومنا من الرخصة التي لم تكن لمن قبلنا، وإذا صح ما ورد في سبب النزول فهو يدل على أنه عندما فرض الصيام كان كل إنسان يذهب في فهمه مذهبًا كما يؤديه إليه اجتهاده ويراه أحوط وأقرب إلى التقوى، ولذلك قالوا فيما رووه من إتيان عمر أهله بعد النوم إن النبي  قال له:"لم تكن حقيقًا بذلك يا عمر".

وقوله ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ  ﴾ لا يقتضي أنه كان محرمًا بل يكفي فيه أن يتوهم أن من كمال الصيام أو من شروطه عدم الأكل بعد النوم وعدم مقاربة النساء بعده أو مطلقًا.

وهو كقوله تعالى ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ  ﴾ ولم يكن قد سبق نصه في تحريمه.

﴿ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ  ﴾ ..

وقال الزهري: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة.

وقد علمنا القرآن النزاهة في التعبير عن هذا الأمر عند الحاجة إلى الكلام فيه بما ذكره من الكنايات اللطيفة، كقوله: ﴿ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ  ﴾ ، ﴿ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ  ﴾ ، ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ  ﴾ ، ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ  ﴾ .

وقال المفسرون: قد ذكر هنا اللفظ الصريح، والسبب في ذلك استهجان ما وقع منهم.

والصواب أنه جيء باللفظ على خلاف ما جرت عليه سنة الكتاب للإشارة إلى استهجانه في شهر الصوم وإن حل فهو من الحلال المكروه على الجملة.

وقوله ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ  ﴾ ، قول مستأنف سيق لبيان سبب الحكم، أي إذا كان بينكم وبينهن هذه الملابسة والمخالطة فإن اجتنابهن عسر عليكم، فلهذا رخص لكم في مباشرتهن ليلة الصيام.

قاله صاحب الكشاف، فهو يرى أن لفظ لباس هنا مصدر لابسه بمعنى خالطه وعرف دخائله، لا بمعنى ما ورد من إطلاق اللباس والإزرار على المرأة، وهذا هو الرأي الذي أختار.

ثم قال ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ أي تنقصونها بعض ما أحل الله لها من اللذات توهمًا أن من قَبْلكم كان كذلك، فيكون بمعنى التخون أي النقص من الشيء أو معناه تخونون أنفسكم إذ تعتقدون شيئًا ثم لا تلتزمون العمل به، فهو مبالغة من الخيانة، التي هي مخالفة مقتضي الأمانة ولم يقل تختانون الله كما قال ﴿ لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ  ﴾ للإشعار بأن الله تعالى لم يحرم عليهم بعد النوم في الليل ما حرمه على الصائم في النهار، وإنما ذهب بهم اجتهادهم إلى ذلك فهم قد خانوا أنفسهم في اعتقادهم فكانوا كمن يتغشى امرأته ظانًا أنها أجنبية، فعصيانه بحسب اعتقاده لا بحسب الواقع، فهم على أي حال كانوا عاصين بما فعلوا محتاجين إلى التوبة والعفو ولذلك قال ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ  ﴾ فإن كان ذنبهم تحريم ما أباح الله لهم في ليالي الصوم أو التورع عنه ليوافق صيامهم صيام أهل الكتاب من كل وجه فتفسر التوبة بالرجوع عليهم ببيان الرخصة بعد ذكر فرض الصيام مجملًا، والتشبيه فيه مبهمًا، ويكون العفو عن الخطأ في الاجتهاد الذي أدى إلى التضييق على النفس وإيقاعها في الحرج، وإن كان الذنب هو مخالفة الاعتقاد بأن كانوا فهموا من النبي  أو من قوله تعالى ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ تحريم ملامسة النساء ليلًا مطلقًا أو تحريمه كالأكل والشرب بعد النوم في الليل، فالتوبة على ظاهر معناها، أي أن الله قبل توبتكم، وعفا عن خيانتكم أنفسكم ﴿ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُم  ﴾ المباشرة هنا كناية عن المباضعة الزوجية وحقيقتها مس كل بشرة الآخر أي ظاهر جلده، فهي كالملامسة في حقيقتها وكنايتها وهي من نزاهة القرآن، والمعنى فالآن باشروهن إذا أحل لكم الرفث إليهن بالنص الصريح النافي لما فهمتم من الإجمالي في كتابة الصيام عليكم، فالأمر بالمباشرة للإباحة الناسخة أو النافية لذلك الحظر فهي كالأمر بالشيء بعد النهي عنه، واطلبوا بمباشرتهن ما قدره لجنسكم في نظام الفطرة من جعل المباشرة سببًا للنسل، أو ما عسى أن يكون كتبه لكل منكم، بأن تكون مباشرتكم بقصد إحياء سنة الله تعالى في الخليقة.

وزاد بعضهم: لا لمحض شهوة النفس واللذة التي يشارككم فيها البهائم، وهو يشعر أن التمتع باللذة الزوجية مذموم إذا لم يكن لأجل النسل، وليس بصحيح على إطلاقه فإن الزوجين المحرومين من الأولاد أو اللذين رزقا بعض الأولاد ثم انقطع نتاجهما لا يذم ولا يكره لهما الاستمتاع بالمباشرة الزوجية بغير إفراط بل هو مطلوب لإحصان كل منهما للآخر وصده عن الحرام.

ولما قال  للفقراء: "وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟

قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟

"قالوا نعم، قال: "فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".

وقيل إن العبارة تتضمن النهي عن المباشرة المحرمة فإنها لا يقصد بها الولد سواء كانت بالزنا أو غيره، وليس ببعيد.

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ  ﴾ أي ويباح لكم الأكل والشرب كالمباشرة عامة الليل حتى يتبين لكم بياض الفجر، فمتى تبين وجب الصيام.

وما أحسن التعبير عن أول طلوع الفجر بالخيطين، والخيط الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر الصادق، فمتى أسفر لا يظهر وجه لتسميته خيطًا، فما ذهب إليه بعض السلف كالأعمش من ابتداء الصوم من وقت الإسفار تنافيه عبارة القرآن.

﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ  ﴾ فهم من غاية وقت الأكل والشرب في الجملة السابقة مبدأ الصيام، وذكر في هذه غايته وهي ابتداء الليل بغروب قرص الشمس وما يلزمه من ذهاب شعاعها عن جدران البيوت والمآذن، ولا يلزم أهل الأغوار والقيعان ذهاب شعاعها عن شناخيب الجبال العالية بعيدة كانت أو قريبة، وإنما العبرة بمغيب الشمس في أفقهم الذي يتلوه إقبال الليل.

قال  :"إذا أدبر النهار، وأقبل الليل، وغابت الشمس فقد أفطر الصائم" متفق عليه وزاد فيه البخاري "من ههنا" عند ذكر الليل والنهار، والإشارة إلى المغرب والمشرق.

وللمباني العصرية الشامخة في بلاد أمريكا حكمها في ذلك.

وأنت ترى أن هذا التحديد جاء بأسلوب الإطناب لأنه بيان للإجمال بعد وقوع الخطأ فيه، وإنما أخر البيان إلى وقت الحاجة إليه ليكون أوقع في النفس وأظهر في رحمة الشارع الحكيم ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ  ﴾ هذا استثناء من عموم إباحة المباشرة.

والمقام مقام بيان وإيضاح لا يبقى معه للإبهام ولا للإيهام مجال، أي ولا تباشروا النساء حال عكوفكم في المساجد للعبادة، فالمباشرة تبطل الاعتكاف ولو ليلًا كما تبطل الصيام نهارًا.

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ  ﴾ الإشارة إلى الأحكام التي تقدمت كلها، وسميت حدودًا لأنها حددت الأعمال وبينت أطرافها وغاياتها حتى إذا تجاوزها العامل خرج عن حد الصحة وكان عمله باطلًا.

والحد طرف الشيء وما يفصل بين شيئين، أو حدود الله محارمه المبينة بالنهي عنها أو بتحديد الحلال المقابل لها، وقيل إنها خاصة هنا بمباشرة النساء في نهار رمضان أو في حال الاعتكاف في المساجد ولو ليلًا وقوله ﴿ فَلَا تَقْرَبُوهَا  ﴾ هو أبلغ في التحذير من قوله في آية أخرى ﴿ فَلا تَعْتَدُوهَا  ﴾ لأنه يرشد إلى الاحتياط، فمن قرب من الحد أوشك أن يعتديه.

كالشاب يداعب امرأته في النهار، يوشك أن لا يملك أربه فيقع في المباشرة المحرمة أو يفسد صومه بالإنزال فالقرب من الحد يتحقق باستباحة أقصى ما دونه كالاستمتاع من الزوج بما دون الوقاع وكالمبالغة في المضمضة للصائم، وتعديه يتحقق بالوقوع فيما بعده، فالنهي عن الأول يفيد كراهته وشدة تحريم ما بعده، ولم ينهنا الله في كتابه عن قرب حدوده إلا في هذه الآية، وفي الزنا ومال اليتيم، وقد تعدد فيه الوعيد على تعديها، وهذان من كبائر الإثم التي قلما يسلم من قربها من الوقوع فيها.

وفي معنى الأول النهي عن قرب النساء في الصيام والاعتكاف، فتخصيص النهي بها ظاهر، فإن حمل على عموم أحكام الصيام كان فيه دليل على استحباب الإمساك الاحتياطي قبل الفجر وبعد الغروب ولكن هذا قد يعارض الأمر بتعجيل كل منهما وسيأتي بيانه.

وقال بعضهم: معناه لا تقربوها بالتأويل والتحريف ولا بالهوى والرأي بل اقبلوها كما هي، وهذا يشير إلى تخطئة أولئك الصحابة بما كان من اجتهادهم واتباع آراء أنفسهم في أمر ديني يجب فيه الاتباع المحض، كأنه قال لا ينبغي لكم أن تتجاوزوا المنصوص في العبادات لأنها مما لا مجال للرأي فيه بل عليكم فيها بالاتباع المحض، فما أمرتم به فخذوا، وما سكت عنه فذروا، وفي هذا المعنى حديث: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنه".

﴿ كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون  ﴾ أي على هذا النحو من بيان أحكام الصيام في أوله وآخره وحقيقته وعزيمته ورخصته وفائدته وحكمته، يبين الله آياته للناس أتم البيان وأكمله، ليعدهم للتقوى والتباعد عن الوهم والهوى.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل