الآية ١٨٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٨٨ من سورة البقرة

وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ١٨٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علي ابن أبي طلحة ، وعن ابن عباس : هذا في الرجل يكون عليه مال ، وليس عليه فيه بينة ، فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام ، وهو يعرف أن الحق عليه ، وهو يعلم أنه آثم آكل حرام .

وكذا روي عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، ومقاتل بن حيان ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا : لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم .

وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا إنما أنا بشر ، وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له ، فمن قضيت له بحق مسلم ، فإنما هي قطعة من نار ، فليحملها ، أو ليذرها " .

فدلت هذه الآية الكريمة ، وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر ، فلا يحل في نفس الأمر حراما هو حرام ، ولا يحرم حلالا هو حلال ، وإنما هو يلزم في الظاهر ، فإن طابق في نفس الأمر فذاك ، وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره ; ولهذا قال تعالى : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ) [ أي : طائفة ] ( من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ) أي : تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجون في كلامكم .

قال قتادة : اعلم يا ابن آدم أن قضاء القاضي لا يحل لك حراما ، ولا يحق لك باطلا وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى ويشهد به الشهود ، والقاضي بشر يخطئ ويصيب ، واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة ، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضي به للمبطل على المحق في الدنيا .

وقال أبو حنيفة : حكم الحاكم بطلاق الزوجة إذا شهد عنده شاهدا زور في نفس الأمر ، ولكنهما عدلان عنده يحلها للأزواج حتى للشاهدين ويحرمها على زوجها الذي حكم بطلاقها منه ، وقالوا : هذا كلعان المرأة ، إنه يبينها من زوجها ويحرمها عليه ، وإن كانت كاذبة في نفس الأمر ، ولو علم الحاكم بكذبها لحدها ولما حرمها وهذا أولى .

مسألة : قال القرطبي : أجمع أهل السنة على أن من أكل مالا حراما ولو ما يصدق عليه اسم المال أنه يفسق ، وقال بشر بن المعتمر في طائفة من المعتزلة : لا يفسق إلا بأكل مائتي درهم فما زاد ، ولا يفسق بما دون ذلك ، وقال الجبائي : يفسق بأكل درهم فما فوقه إلا بما دونه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولا يأكل بعضُكم مالَ بعض بالباطل.

فجعل تعالى ذكره بذلك آكلَ مال أخيه بالباطل، كالآكل مالَ نَفسه بالباطل.

ونَظيرُ ذلك قولهُ تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة الحجرات: 11] وقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة النساء: 29] بمعنى: لا يلمزْ بعضكم بعضا، ولا يقتُلْ بعضكم بعضا (83) لأن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامزُه كلامز نفسه، وكذلك تفعل العرب تكني عن نفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها، فتقول: " أخي وأخوك أيُّنا أبطش ".

يعني: أنا وأنت نصْطرع، فننظر أيُّنا أشدّ (84) - فيكني المتكلم عن نفسه بأخيه، لأن أخا الرجل عندها كنفسه، ومن ذلك قول الشاعر: (85) أخِــي وَأَخُــوكَ بِبَطْــنِ النُّسَـيْرِ لَيْسَ بِــهِ مِــنْ مَعَــدٍّ عَــرِيبْ (86) * * * &; 3-549 &; فتأويل الكلام: ولا يأكلْ بعضكم أموال بعضٍ فيما بينكم بالباطل.

" وأكله بالباطل ": أكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه.

* * * وأما قوله: " وتُدلوا بها إلى الحكام " فإنه يعني: وتخاصموا بها - يعني: بأموالكم - إلى الحكام " لتأكلوا فريقا " = طائفة = (87) من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون.

&; 3-550 &; ويعني بقوله: " بالإثم " بالحرام الذي قد حرمه الله عليكم (88) " وأنتم تعلمون "، أي: وأنتم تتعمَّدون أكل ذلك بالإثم، على قصد منكم إلى ما حَرّم الله عليكم منه، ومعرفةٍ بأن فعلكم ذلك معصية لله وإثم .

(89) .

كما: 3059 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتُدلوا بها إلى الحكام " فهذا في الرجل يكون عليه مالٌ، وليس عليه فيه بيِّنة، فيجحد المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف أنّ الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم: آكلٌ حراما.

3060 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " وتُدلوا بها إلى الحكام " قال: لا تخاصم وأنت ظالم.

3061 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

3062 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام " وكان يقال: من مشى مع خصمه وهو له ظالم، فهو آثم حتى يرجع إلى الحق.

واعلم يَا ابن آدم أن قَضاء القاضي لا يُحلّ لك حراما ولا يُحقّ لك باطلا وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرَى ويشهدُ به الشهود، والقاضي بَشر يخطئ ويصيب.

واعلموا أنه من قد قُضي له بالباطل، فإن خصومته لم تنقض حتّى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبُطل للمحق، بأجود مما قُضي به للمبطل على المحقّ في الدنيا (90) .

&; 3-551 &; 3063 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وتدلوا بها إلى الحكام " قال: لا تدلِ بمال أخيك إلى الحاكم وأنتَ تعلم أنك ظالم، فإن قضاءه لا يُحلّ لك شيئا كان حراما عليك.

3064 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون " أما " الباطل " يقول: يظلم الرجل منكم صاحبَه، ثم يخاصمه ليقطع ماله وهو يعلم أنه ظالم، فذلك قوله: " وتدلوا بها إلى الحكام ".

3065- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني خالد الواسطي، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة قوله: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " قال: هو الرجل يشتري السِّلعة فيردُّها ويردُّ معها دَرَاهم.

3066 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " ولا تأكلوا أموالكم بَينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام " يقول: يكون أجدل منه وأعرَف بالحجة، فيخاصمه في ماله بالباطل ليأكل ماله بالباطل.

وقرأ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [سورة النساء: 29] قال: هذا القِمار الذي كان يَعمل به أهل الجاهلية.

* * * وأصل " الإدلاء ": إرسال الرجل الدلو في سَبب متعلقا به في البئر.

(91) فقيل للمحتج لدعواه: " أدلَى بحجة كيت وكيت " إذا كان حجته التي يحتج بها سببا &; 3-552 &; له، هو به متعلقٌ في خصومته، كتعلق المستقي من بئر بدَلو قد أرسلها فيها بسببها الذي الدلو به متعلقة، يقال فيهما جميعا - أعني من الاحتجاج، ومن إرسال الدلو في البئر بسبب: " أدلى فلان بحجته، فهو يُدلي بها إدلاء = وأدلى دلوه في البئر، فهو يدليها إدلاء ".

* * * فأما قوله: " وتدلوا بها إلى الحكام "، فإن فيه وَجهين من الإعراب: أحدهما: أن يكون قوله: " وتُدْلوا " جزما عطفا على قوله: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " أي: ولا تدلوا بها إلى الحكام، وقد ذُكر أن ذلك كذلك في قراءة أُبَيٍّ بتكرير حرف النهي: " وَلا تدلوا بها إلى الحكام ".

والآخر منهما: النصب على الصرْف، (92) فيكون معناه حينئذ: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وأنتم تدلون بها إلى الحكام، كما قال الشاعر: لا تَنْــهَ عَـنْ خُـلُقٍ وَتَـأْتِيَ مِثْلَـهُ عَــارٌ عَلَيْــكَ إذَا فَعَلْــتَ عَظِيـمُ (93) يعني: لا تنه عن خلق وأنتَ تأتي مثله.

وهو أنْ يكون في موضع جزم - على ما ذُكر في قراءة أبيّ - أحسن منه أن يكون نَصبا.

-------------- الهوامش : (83) انظر ما سلف مثل ذلك في 2 : 300 ، ثم الآية : 85 من سورة البقرة 2 : 303 لم يذكر فيها شيئا من ذلك .

ولم يبين هذا البيان فيما سلف .

وهذا دليل على أنه كان أحيانا يختصر الكلام اختصارا ، اعتمادا على ما مضى من كلامه ، أو ما يستقبل منه .

كما قلت في مقدمة التفسير .

(84) انظر تأويل مشكل القرآن : 114 ، هذا بنصه .

(85) هو ثعلبة بن عمرو (حزن) العبدي ، ابن أم حزنة .

ويقال هو من بني شيبان حليف في عبد القيس .

وكان من الفرسان (الاشتقاق لابن دريد : 197) .

وانظر التعليق التالي .

(86) المفضليات : 513 ، وتأويل مشكل القرآن : 114 ، معجم ما استعجم : 1038 .

وفي المطبوعة : "ليس لنا" ، وأثبت ما في المراجع ، وكأنها الصواب .

ويقال : ليس بالدار عريب ، أي ليس بها أحدا .

و"النسير" ، تصغير"النسر" ، وهو مكان بديار بني سليم .

بيد أن ياقوت نقل عن الحازمي أنه بناحية نهاوند ، واستشهد بهذا البيت .

فإن يكن ذلك فابن أم حزنة هذا إسلامي : قال ياقوت ، قال سيف : "سار المسلمون من مرج القلعة نحو نهاوند ، حتى انتهوا إلى قلعة فيها قوم ، ففتحوها ، وخلفوا عليها النسير بن ثور في عجل وحنيفة .

وفتحها بعد فتح نهاوند ، ولم يشهد نهاوند عجلي ولا حنفي ، لأنهم أقاموا مع النسير على القلعة ، فسميت به" (انظر تاريخ الطبري 4 : 243 ، 251) .

فإن صح أن ابن أم حزنة كان في بعث المسلمين ، كان هذا البيت مؤيدا لهذا القول .

فإنه يقول له : أنا وأنت ببطن النسير ، ليس معنا فيه من أبناء معد (وهم العرب) أحد .

وأما عن الحازمي إذا كان الموضع ببلاد العرب ، فهو يقول : ليس به أحد ، وقوله"من معد" فضول من القول .

وقد ترجح عندي أنه شاعر إسلامي ، من بعض شعره في المفضليات رقم 74 ، وفي الوحشيات رقم : 217 ، (وانظر من نسب إلى أمه رقم : 22 ، 32) ، وله شعر في حماسة البحتري : 97 ، 103 .

وإن صحت رواية الطبري : "ليس لنا من معد عريب" .

فعريب ، في هذا البيت ، هو صاحبه الذي ذكره في أول الشعر فقال : إِنَّ عَرِبيًـــــا وَإِنْ سَــــاءَني أَحَــبُّ حَــبِيبٍ وَأَدْنَــى قَـرِيبْ فيكون قوله : "معد" مصدر"عد يعد" .

يقول : أنا وأنت ببطن النسير وحدنا ، لا يعد معنا أحد ، يعني أنهما خاليين بالمكان ، ليس لك من ينصرك ولا لي من ينصرني ، فهناك يظهر صاحب للبأس منهما ، وقال بعد البيت : فأقْسَــــم بِاللّـــهِ لاَ يَـــأتَلِي وأقْسَـــمْتُ إِنْ نلتُــهُ لاَ يَــؤُوبْ فَــأَقْبَلَ نَحْــوِي عَــلَى قُــدْرةٍ فَلَمَّــا دَنَــا صَدَقَتْــه الكَــذُوبْ (87) انظر ما سلف في تفسير"فريق" 2 : 224 ، 402 .

(88) انظر ما سلف في تفسير"الإثم" من هذا الجزء 3 : 399-408 .

(89) في المطبوعة : "معصية الله" ، خطأ .

(90) في المطبوعة : "ويأخذ مما قضي به .

.

" ، والصواب ما أثبت من تفسير ابن كثير 1 : 430 .

(91) السبب : الحبل .

(92) في المطبوعة : "على الظرف" ، وهو محض خطأ .

وقد مضى تفسير معنى"الصرف" في 1 : 569-570 ، واالتعليق : 1 .

(93) سلف تخريج هذا البيت في 1 : 569 ، إلا أني سهوت فلم أذكر أنه آت في هذا الموضع من التفسير ، وفي 9 : 146 (بولاق) ، فقيده .

وانظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1 : 115 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون[ ص: 315 ] فيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم قيل : إنه نزل في عبدان بن أشوع الحضرمي ، ادعى مالا على امرئ القيس الكندي واختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنكر امرؤ القيس وأراد أن يحلف فنزلت هذه الآية ، فكف عن اليمين وحكم عبدان في أرضه ولم يخاصمه .الثانية : الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، والمعنى : لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق ، فيدخل في هذا : القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق ، وما لا تطيب به نفس مالكه ، أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه ، كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك ، ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة ، على ما يأتي بيانه في سورة " النساء " ، وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهما منهيا ومنهيا عنه ، كما قال : ولا تقتلوا أنفسكم .

وقال قوم : المراد بالآية ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل أي في الملاهي والقيان والشرب والبطالة ، فيجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين .الثالثة : من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل ، ومن الأكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل ، فالحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي ; لأنه إنما يقضي بالظاهر ، وهذا إجماع في الأموال ، وإن كان عند أبي حنيفة قضاؤه ينفذ في الفروج باطنا ، وإذا كان قضاء القاضي لا يغير حكم الباطن في الأموال فهو في الفروج أولى .

وروى الأئمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار - في رواية - فليحملها أو يذرها ، وعلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء وأئمة الفقهاء ، وهو نص في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغير حكم الباطن ، وسواء كان ذلك في الأموال والدماء والفروج ، إلا ما حكي عن أبي حنيفة في الفروج ، وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما لعدالتهما عنده فإن فرجها يحل لمتزوجها - ممن يعلم أن القضية باطل - بعد العدة ، وكذلك لو [ ص: 316 ] تزوجها أحد الشاهدين جاز عنده ; لأنه لما حلت للأزواج في الظاهر كان الشاهد وغيره سواء ; لأن قضاء القاضي قطع عصمتها ، وأحدث في ذلك التحليل والتحريم في الظاهر والباطن جميعا ، ولولا ذلك ما حلت للأزواج ، واحتج بحكم اللعان وقال : معلوم أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان الكاذب ، الذي لو علم الحاكم كذبها فيه لحدها وما فرق بينهما ، فلم يدخل هذا في عموم قوله عليه السلام : فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه .

.

.

الحديث .الرابعة : وهذه الآية متمسك كل مؤالف ومخالف في كل حكم يدعونه لأنفسهم بأنه لا يجوز ، فيستدل عليه بقوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، فجوابه أن يقال له : لا نسلم أنه باطل حتى تبينه بالدليل ، وحينئذ يدخل في هذا العموم ، فهي دليل على أن الباطل في المعاملات لا يجوز ، وليس فيها تعيين الباطل .الخامسة : قوله تعالى : بالباطل الباطل في اللغة : الذاهب الزائل ، يقال : بطل يبطل بطولا وبطلانا ، وجمع الباطل بواطل ، والأباطيل جمع البطولة .

وتبطل أي اتبع اللهو ، وأبطل فلان إذا جاء بالباطل ، وقوله تعالى : لا يأتيه الباطل قال قتادة : هو إبليس ، لا يزيد في القرآن ولا ينقص ، وقوله : ويمح الله الباطل يعني الشرك ، والبطلة : السحرة .السادسة : قوله تعالى : وتدلوا بها إلى الحكام الآية .

قيل : يعني الوديعة وما لا تقوم فيه بينة ، عن ابن عباس والحسن .

وقيل : هو مال اليتيم الذي هو في أيدي الأوصياء ، يرفعه إلى الحكام إذا طولب به ليقتطع بعضه وتقوم له في الظاهر حجة ، وقال الزجاج : تعملون ما يوجبه ظاهر الأحكام وتتركون ما علمتم أنه الحق .

يقال : أدلى الرجل بحجته أو بالأمر الذي يرجو النجاح به ، تشبيها بالذي يرسل الدلو في البئر ، يقال : أدلى دلوه : أرسلها ، ودلاها : أخرجها ، وجمع الدلو والدلاء : أدل ودلاء ودلي ، والمعنى في الآية : لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل وبين الإدلاء إلى الحكام بالحجج الباطلة ، وهو كقوله : ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق .

وهو من قبيل قولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، وقيل : المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها ، فالباء إلزاق مجرد .

قال ابن عطية : وهذا القول يترجح ; لأن الحكام مظنة الرشاء إلا من عصم وهو الأقل ، وأيضا فإن اللفظين متناسبان : تدلوا من إرسال الدلو ، والرشوة من الرشاء ، كأنه يمد بها ليقضي الحاجة .[ ص: 317 ] قلت : ويقوي هذا قوله : وتدلوا بها تدلوا في موضع جزم عطفا على تأكلوا كما ذكرنا ، وفي مصحف أبي " ولا تدلوا " بتكرار حرف النهي ، وهذه القراءة تؤيد جزم تدلوا في قراءة الجماعة ، وقيل : تدلوا في موضع نصب على الظرف ، والذي ينصب في مثل هذا عند سيبويه " أن " مضمرة ، والهاء في قوله بها ترجع إلى الأموال ، وعلى القول الأول إلى الحجة ولم يجر لها ذكر ، فقوي القول الثاني لذكر الأموال ، والله أعلم .

في الصحاح .

" والرشوة معروفة ، والرشوة بالضم مثله ، والجمع رشى ورشى ، وقد رشاه يرشوه ، وارتشى : أخذ الرشوة ، واسترشى في حكمه : طلب الرشوة عليه " .قلت : فالحكام اليوم عين الرشا لا مظنته ، ولا حول ولا قوة إلا بالله !

.السابعة : قوله تعالى : لتأكلوا نصب بلام كي .

فريقا أي قطعة وجزءا ، فعبر عن الفريق بالقطعة والبعض ، والفريق : القطعة من الغنم تشذ عن معظمها ، وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، التقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس .

بالإثم معناه بالظلم والتعدي ، وسمي ذلك إثما لما كان الإثم يتعلق بفاعله .

وأنتم تعلمون أي بطلان ذلك وإثمه ، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية .الثامنة : اتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قل أو كثر أنه يفسق بذلك ، وأنه محرم عليه أخذه .

خلافا لبشر بن المعتمر ومن تابعه من المعتزلة حيث قالوا : إن المكلف لا يفسق إلا بأخذ مائتي درهم ولا يفسق بدون ذلك ، وخلافا لابن الجبائي حيث قال : إنه يفسق بأخذ عشرة دراهم ولا يفسق بدونها ، وخلافا لابن الهذيل حيث قال : يفسق بأخذ خمسة دراهم ، وخلافا لبعض قدرية البصرة حيث قال : يفسق بأخذ درهم فما فوق ، ولا يفسق بما دون ذلك ، وهذا كله مردود بالقرآن والسنة وباتفاق علماء الأمة ، قال صلى الله عليه وسلم : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام الحديث ، متفق على صحته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولا تأخذوا أموالكم أي: أموال غيركم، أضافها إليهم, لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه, ويحترم ماله كما يحترم ماله؛ ولأن أكله لمال غيره يُجَرِّئُ غيره على أكل ماله عند القدرة.

ولما كان أكلها نوعين: نوعا بحق, ونوعا بباطل, وكان المحرم إنما هو أكلها بالباطل, قيده تعالى بذلك، ويدخل في ذلك أكلها على وجه الغَصْبِ والسرقة والخيانة في وديعة أو عارية, أو نحو ذلك، ويدخل فيه أيضا, أخذها على وجه المعاوضة, بمعاوضة محرمة, كعقود الربا, والقمار كلها, فإنها من أكل المال بالباطل, لأنه ليس في مقابلة عوض مباح، ويدخل في ذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة, ونحوها، ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل أجرتهم، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه، ويدخل في ذلك أخذ الأجرة على العبادات والقربات التي لا تصح حتى يقصد بها وجه الله تعالى، ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات, والأوقاف، والوصايا, لمن ليس له حق منها, أو فوق حقه.

فكل هذا ونحوه, من أكل المال بالباطل, فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه، حتى ولو حصل فيه النزاع وحصل الارتفاع إلى حاكم الشرع, وأدلى من يريد أكلها بالباطل بحجة, غلبت حجة المحق, وحكم له الحاكم بذلك، فإن حكم الحاكم, لا يبيح محرما, ولا يحلل حراما, إنما يحكم على نحو مما يسمع, وإلا فحقائق الأمور باقية، فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة, ولا شبهة, ولا استراحة.

فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة, وحكم له بذلك, فإنه لا يحل له, ويكون آكلا لمال غيره, بالباطل والإثم, وهو عالم بذلك.

فيكون أبلغ في عقوبته, وأشد في نكاله.

وعلى هذا فالوكيل إذا علم أن موكله مبطل في دعواه, لم يحل له أن يخاصم عن الخائن كما قال تعالى: { وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) قيل نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عايش الكندي ادعى عليه ربيعة بن عبدان الحضرمي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا أنه غلبني عليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي : ألك بينة ) قال لا قال ( فلك يمينه ) فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض ) فأنزل الله هذه الآية ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل أي من غير الوجه الذي أباحه الله وأصل الباطل الشيء الذاهب والأكل بالباطل أنواع قد يكون بطريق الغصب والنهب وقد يكون بطريق اللهو كالقمار وأجرة المغني ، ونحوهما وقد يكون بطريق الرشوة والخيانة ( وتدلوا بها إلى الحكام ) أي تلقوا أمور تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام وأصل الإدلاء إرسال الدلو وإلقاؤه في البئر يقال أدلى دلوه إذا أرسله ودلاه يدلوه إذا أخرجه ، قال ابن عباس : هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه بينة فيجحد المال ويخاصم فيه إلى الحاكم وهو يعرف أن الحق عليه وإنه أثم بمنعه قال مجاهد في هذه الآية لا تخاصم وأنت ظالم قال الكلبي : هو أن يقيم شهادة الزور وقوله ( وتدلوا ) في محل الجزم بتكرير حرف النهي معناه ولا تدلوا بها إلى الحكام وقيل معناه ولا تأكلوا بالباطل وتنسبونه إلى الحكام قال قتادة : لا تدل بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم أنك ظالم فإن قضاءه لا يحل حراما وكان شريح القاضي يقول إني لأقضي لك وإني لأظنك ظالما ولكن لا يسعني إلا أن أقضي بما يحضرني من البينة وإن قضائي لا يحل لك حراما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من النار " .

قوله تعالى : ( لتأكلوا فريقا ) طائفة ( من أموال الناس بالإثم ) بالظلم وقال ابن عباس : باليمين الكاذبة يقطع بها مال أخيه ( وأنتم تعلمون ) أنكم مبطلون

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تأكلوا أموالكم بينكم» أي يأكل بعضكم مال بعض «بالباطل» الحرام شرعا كالسرقة والغصب «و» لا «تُدلوا» تلقوا «بها» أي بحكومتها أو بالأموال رشوة «إلى الحكام لتأكلوا» بالتحاكم «فريقا» طائفة «من أموال الناس» متلبسين «بالإثم وأنتم تعلمون» أنكم مبطلون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا يأكل بعضكم مال بعض بسبب باطل كاليمين الكاذبة، والغصب، والسرقة، والرشوة، والربا ونحو ذلك، ولا تلقوا بالحجج الباطلة إلى الحكام؛ لتأكلوا عن طريق التخاصم أموال طائفة من الناس بالباطل، وأنتم تعلمون تحريم ذلك عليكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

الخطاب في الآية الكريمة موجه إلى المؤمنين كافة في كل زمان ومكان .والمراد بالأكل مطلق الأخذ بغير وجه حق ، وعبر عنه بالأكل ، لأن الأكل أهم وسائل الحياة ، وفيه تصرف الأموال غالباً .والباطل في اللغة : الزائل الذاهب ، يقال : بطل يبطل بطولا وبطلانا .

أي ذهب ضياً وخسراً .

وجمع الباطل أباطيل .

ويقال : بطل الأجير يبطل بطالة إذا تعطل واتبع اللهو .والمراد هنا : كل ما لم يبح الشرع فأخذه من المال وإن طابت به النفس ، كالربا والميسر وثمن الخمر ، والرشوة ، وشهاد الزور ، والسرقة ، والغصب ، ونحو ذلك مما حرمه الله - تعالى - .والباء للسببية ، والجار والمجرور متعلق بالفعل قبله ، وكذلك قوله : ( بَيْنَكُمْ ) .والمعنى : لا يأخذ بعضكم مال بعض ، ويستولي عليه بغير حق ، متذراعاص بالأسباب الباطلة ، والحيل الزائفة ، وما إلى ذلك م وجوه التعدي والظلم .وفي قوله - تعالى - : ( أَمْوَالَكُمْ ) - مع أن أكل المال يتناول مال الإِنسان ومال غيره - في هذا القول إشعار بوحدة الأمة وتكافلها ، وتنبيه إلى أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لما لك أنت ، ففيه هذه الإضافة البليغة تعليل للنهي ، وبيان لحكمة الحكم ، إذا استحلال الإِنسان لمال غيره يجرئ هذا الغير على استحلال مال ذلك الإِنسان المتعدي ، وإذا فشا هذا السلوك في أمة من الأمم أدى بها إلى الضعف والتعادي والتباغض .فيما أحكم هذا التعبير ، وما أجمل هذا التصوير .وقوله : ( وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام ) معطوف على ( وَلاَ تأكلوا ) .والإِدلاء في الأصل : إرسال الدول في البئر للاستقاء .

ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاء؛ ومنه أدلى فلان بحجته ، أي : أرسلها ليصل إلى مراده .والمراد بالإِدلاء هنا : الدفع والإِلقاء بالأموال إلى الغير من أجل الصولو إلى أمر معين .والحكام : جمع حاكم ، وهو الذي يتصدى للفصل بين الناس في خصوماتهم وقضاياهم .والفرق : الطقعة المعزولة من جملة الشيء ، ومنه قيل للقطعة من الغنم تشذ عن معظمها فريق .والإِثم : الفعل الذي يستحق صاحبه الذم والعقاب .

وجمعه آثام .والمعنى : لا يأخذ بعضكم أموال بعض - أيها المسلمون - ولا يستولي عليها بغير حق ، ولا تدلوا بها الحكام ، أي ولا تلقوا أمرها والتحاكم فيها إلى القضاة ، لا من أجل الوصول إلى الحق ، وإنما من أجل أن تأخذوا عن طريق التحاكم قطعة من أموال غيركم متلبسين بالإِثم الذي يؤدي إلى عقابكم ، حال كونكم تعلمون أنكم على باطل ، ولا شك أن إتيان الباطل مع العلم بأنه باطل أدعى إلى التوبيخ من إتيانه على جهالة به .فعل هذا الوجه يكون المراد بالإِدلاء بالأموال إلى الحكام طرحها أمامهم ليقضوا فيها ، وليتوسل بعض الخصوم عن طريق هذا القضاء إلى أكل الأموال بالباطل حين عجزوا عن أكلها بالمغالبة .وهناك وجه آخر تحتمله الآية احتمالا قريباً ، وبه قال كثير من العلماء وهو أن المراد بالإِدلاء بالأموال إلى الحكام ، إلقاءؤها إليهم على سبيسل الرشوة ليصلوا من وراء ذلك إلى أن يحكموا لصالحهم بالباطل ، وعليه يكون المعنى .لا يأخذ بضعكم أموال بعض أيها المسلمون ، ولا تلقوا ببعضها إلى حكام السوء على سبيل الرشوة ، لتتوصلوا بأحكامهم الجائرة إلى أكل فريق من أموال الناس بغير حق .

ولا غربة في أن يعني القرآن في سياسته الرشيدة بالتحذير من جريمة الرشوة ، فإنها المعول الذي يهدم صرح العدل من أساسه وبها تفقد مجالس القضاء حرمتها وكرامتها ، وتصير تلك المجالس موطنا للظلم لا للعدل .وخص القرآن الكريم هذه الصورة بالنهي - وهي صورة الإِدلاء بالأموال إلى الحكام - مع أنه قد ذكر ما يشملها بقوله : ( وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل ) لأنها على وجهي تفسيرها شيديدة الشناعة ، جامعة لمنكرات كثيرة ، كالظلم ، والتباغض والرشوة ، والغصب وغير ذلك .

والحق ، أن هذه الآية الكريمة أصل من الأصول التي يقوم عليها إصلاح المعاملات ، وقد أخذ العلماء منها حرمة أكل أموال الناس بالباطل ، وحرمة إرشاء الحكام ليقوضا لراشي بمال غيره وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم الجميع في الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لعن الله الراشي والمرتشي والراءش " وهو الواسطة الذي يمشي بينهما .كما أخذوا منها أن حكم الحاكم على ما يقتضيه الظاهر من أمر القضية لا يحل في الواقع حراماً ، ولا يحرم حلالاً ، والدليل على ذلك ما أخرجه الشيخان عن أم سلمة - رضي الله عنها - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمع خصومه بباب حجرته ، فخرج إليهم فقال : " إنما أنا بشر وإنه ليأتيني الخصم .

فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه قد صدق ، فأقضى له بذلك .

فمن قضيت له بحق بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها " .قال الإِمام ابن كثير : فدلت هذه الآية الكريمة هذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر ، فلا يحل في نفس الأمر حراماً ولا يحرم حلالا ، وإنم اهو ملزم في الظاهرة فإن طبق في نفس الأمر فذاك وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره .

ولهذا قال - تعالى - في آخر الآية ( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) .

أي تعلمون بطلان ما تدعونه وترجونه في كلامكم .وبذلك تكون الآية الكريمة قد رسمت طريق الحق لمن يريد أن يسير فيه ( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ثم انتقل القرآن إلى الحديث عن الأهلة لما لها من صلة بالصيام وبالقتال في الأشهر الحرام وبمواقيت الحج فقال - تعالى - :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج وَلَيْسَ البر .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم الثامن: من الأحكام المذكورة في هذه السورة: حكم الأموال: اعلم أنهم مثلوا قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم ﴾ بقوله: ﴿ وتلمزوا أَنفُسَكُمْ  ﴾ وهذا مخالف لها، لأن أكله لمال نفسه بالباطل يصح كما يصح أكله مال غيره، قال الشيخ أبو حامد الغزالي في كتاب الإحياء: المال إنما يحرم لمعنى في عينه أو لحال في جهة اكتسابه.

والقسم الأول: الحرام لصفة في عينه.

واعلم أن الأموال إما أن تكون من المعادن أو من النبات، أو من الحيوانات، أما المعادن وهي أجزاء الأرض فلا يحرم شيء منه إلا من حيث يضر بالأكل، وهو ما يجري مجرى السم، وأما النبات فلا يحرم منه إلا ما يزيل الحياة والصحة أو العقل، فمزيل الحياة السموم، ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها، ومزيل العقل الخمر والبنج وسائر المسكرات.

وأما الحيوانات فتنقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل، وما يحل إنما يحل إذا ذبح ذبحاً شرعياً ثم إذا ذبحت فلا تحل بجميع أجزائها بل يحرم منها الفرث والدم، وكل ذلك مذكور في كتب الفقه.

القسم الثاني: ما يحرم لخلل من جهة إثبات اليد عليه، فنقول: أخذ المال إما أن يكون باختيار المتملك، أو بغير اختياره كالإرث، والذي باختياره إما أن يكون مأخوذاً من المالك كأخذ المعادن، وإما أن يكون مأخوذاً من مالك، وذلك إما أن يؤخذ قهراً أو بالتراضي، والمأخوذ قهراً إما أن لسقوط عصمة الملك كالغنائم أو لاستحقاق الأخذ كزكوات الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم، والمأخوذ تراضياً إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة، وإما أن يؤخذ بغير عوض كالهبة والوصية فيحصل من هذا التقسيم أقسام ستة الأول: ما يؤخذ من غير مالك كنيل المعادن، وإحياء الموت، والاصطياد، والاحتطاب، والاستقاء من الأنهار، والاحتشاش، فهذا حلال بشرط أن لا يكون المأخوذ مختصاً بذي حرمة من الآدميين الثاني: المأخوذ قهراً ممن لا حرمة له، وهو الفيء، والغنيمة، وسائر أموال الكفار المحاربين، وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منه الخمس، وقسموه بين المستحقين بالعدل، ولم يأخذوه من كافر له حرمة وأمان وعهد والثالث: ما يؤخذ قهراً باسحقاق عند امتناع من عليه فيؤخذ دون رضاه، وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق، وتم وصف المستحق واقتصر على القدر المستحق الرابع: ما يؤخذ تراضياً بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط العاقدين وشرط اللفظين؛ أعني الإيجاب والقبول مما يعتد الشرع به من اجتناب الشرط المفسد الخامس: ما يؤخذ بالرضا من غير عوض كما في الهبة والوصية والصدقة إذا روعي شرط المعقود عليه، وشرط العاقدين، وشرط العقد، ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره السادس: ما يحصل بغير اختياره كالميراث، وهو حلال إذا كان الموروث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه حلال، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين، وتنفيذ الوصايا، وتعديل القسمة بين الورثة، وإخراج الزكاة والحج والكفارة إن كانت واجبة، فهذا مجامع مداخل الحلال، وكتب الفقه مشتملة على تفاصيلها فكل ما كان كذلك كان مالاً حلالاً، وكل ما كان بخلافه كان حراماً، إذا عرفت هذا فنقول: المال إما أن يكون لغيره أو له، فإن كان لغيره كانت حرمته لأجل الوجوه الستة المذكورة، وإن كان له فأكله بالحرام أن يصرف إلى شرب الخمر والزنا واللواط والقمار أو إلى السرف المحرم، وكل هذه الأقسام داخلة تحت قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل ﴾ واعلم أن سبحانه كرر هذا النهي في مواضع من كتابه فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة  ﴾ وقال: ﴿ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً  ﴾ وقال: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ  ﴾ ثم قال: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ  ﴾ ثم قال: ﴿ وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رؤس أموالكم  ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أصحاب النار فِيهَا خالدون  ﴾ جعل آكل الربا في أول الأمر مؤذناً بمحاربة الله، وفي آخره متعرضاً للنار.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ ﴾ ليس المراد منه الأكل خاصة، لأن غير الأكل من التصرفات كالأكل في هذا الباب لكنه لما كان المقصود الأعظم من المال إنما هو الأكل وقع التعارف فيمن ينفق ماله أن يقال أنه أكله فلهذا السبب عبر الله تعالى عنه بالأكل.

المسألة الثالثة: ﴿ الباطل ﴾ في اللغة الزائل الذاهب، يقال: بطل الشيء بطولاً فهو باطل، وجمع الباطل بواطل، وأباطيل جمع أبطولة، ويقال: بطل الأجير يبطل بطالة إذا تعطل واتبع اللهو.

أما قوله تعالى: ﴿ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الإدلاء مأخوذ من إدلاء الدلو، وهو إرسالك إياها في البئر للإستقاء يقال.

أدليت دلوي أدليها إدلاء فإذا استخرجتها قلت دلوتها قال تعالى: ﴿ فأدلى دَلْوَهُ  ﴾ ، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل أدلاء، ومنه يقال للمحتج: أدلى بحجته، كأنه يرسلها ليصير إلى مراده كإدلاء المستقي الولد ليصل إلى مطلوبه من الماء، وفلان يدلى إلى الميت بقرابة أو رحم، إذا كان منتسباً إليه فيطلب الميراث بتلك النسبة، طلب المستحق بالدلو الماء، إذا عرفت هذا فنقول: أنه داخل في حكم النهي، والتقدير: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ولا تدلوا إلى الحكام، أي لا ترشوها إليهم لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالباطل، وفي تشبيه الرشوة بالإدلاء وجهان: أحدهما: أن الرشوة رشاء الحاجة، فكما أن الدلو المملوء من الماء يصل من البعيد إلى القريب بواسطة الرشاء فالمقصود البعيد يصير قريباً بسبب الرشوة والثاني: أن الحاكم بسبب أخذ الرشوة يمضي في ذلك الحكم من غير تثبت كمضي الدلو في الإرسال، ثم المفسرون ذكروا وجوهاً أحدها: قال ابن عباس والحسن وقتادة: المراد منه الودائع وما لا يقوم عليه بينة.

وثانيها: أن المراد هو مال اليتيم في الأوصياء يدفعون بعضه إلى الحاكم ليبقى عليهم بعضه.

وثالثها: أن المراد من الحاكم شهادة الزور، وهو قول الكلبي.

ورابعها: قال الحسن: المراد هو أن يحلف ليذهب حقه.

وخامسها: هو أن يدفع إلى الحاكم رشوة، وهو أقرب إلى الظاهر، ولا يبعد أيضاً حمل اللفظ على الكل، لأنها بأسره أكل بالباطل.

أما قوله تعالى: ﴿ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فالمعنى وأنتم تعلمون أنكم مبطلون، ولا شك أن الإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح، وصاحبه بالتوبيخ أحق، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال، اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم: عالم بالخصومة وجاهل بها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للعالم، فقال من قضى عليه: يا رسول الله والذي لا إله إلا هو إني محق فقال: إن شئت أعاوده، فعاوده فقضى للعالم، فقال المقضى عليه مثل ما قال أولاً ثم عاوده ثالثاً، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «من اقتطع حق امرئ مسلم بخصومته فإنما اقتطع قطعة من النار» فقال العالم المقضي له: يا رسول الله إن الحق حقه، فقال عليه الصلاة والسلام: «من اقتطع بخصومته وجد له حق غيره فليتبوأ مقعده من النار».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ولا يأكل بعضكم مال بعض ﴿ بالباطل ﴾ بالوجه الذي لم يبحه الله ولم يشرعه.

(و) لا ﴿ تُدْلُواْ بِهَا ﴾ ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام ﴿ لِتَأْكُلُواْ ﴾ بالتحاكم ﴿ فَرِيقاً ﴾ طائفة ﴿ مّنْ أَمْوَالِ الناس بالإثم ﴾ بشهادة الزور، أو باليمين الكاذبة، أو بالصلح، مع العلم بأن المقضي له ظالم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للخصمين: «إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنّ منه شيئاً، فإنما أقضي له قطعة من نار» فبكيا وقال كل واحد منهما: حقي لصاحبي.

فقال: «اذهبا فتوخيا، ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه» وقيل: ﴿ وَتُدْلُواْ بِهَا ﴾ وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة.

وتدلوا: مجزوم داخل في حكم النهي، أو منصوب بإضمار أن، كقوله: ﴿ وَتَكْتُمُواْ الحق ﴾ [البقرة: 42] .

﴿ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنكم على الباطل، وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبه أحق بالتوبيخ.

وروي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاري قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا لا يكون على حالة واحدة؟

فنزلت.

﴿ مَوَاقِيتُ ﴾ معالم يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهنّ ومدد حملهنّ وغير ذلك، ومعالم للحج يعرف بها وقته.

كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً من باب، فإذا كان من أهل المدر نقب نقباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلماً يصعد فيه؛ وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فقيل لهم: ﴿ و لَّيْسَ البر ﴾ بتحرّجكم من دخول الباب ﴿ ولكن البر ﴾ برّ ﴿ مَنِ اتقى ﴾ ما حرّم الله.

فإن قلت: ما وجه اتصاله بما قبله؟

قلت: كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها معلوم-: أنّ كل ما يفعله الله عزّ وجلّ لا يكون إلا حكمة بالغة ومصلحة لعباده، فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البرّ في شيء وأنتم تحسبونها برّاً.

ويجوز أن يجري ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج، لأنه كان من أفعالهم في الحج.

ويحتمل أن يكون هذا تمثيلاً لتعكيسهم في سؤالهم، وأن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره.

والمعنى: ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم، ولكن البرّ برّ من اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله.

ثم قال: ﴿ وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها ﴾ أي وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا.

والمراد وجوب توطين النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال الله حكمة وصواب، من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه؛ لما في السؤال من الاتهام بمقارفة الشك ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 21] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ ﴾ أيْ ولا يَأْكُلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ بِالوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى.

وَبَيْنَ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أوِ الحالِ مِنَ الأمْوالِ.

﴿ وَتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ ﴾ عَطْفٌ عَلى المَنهِيِّ، أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ أنَّ والإدْلاءُ الإلْقاءُ، أيْ ولا تُلْقُوا حُكُومَتَها إلى الحُكّامِ.

﴿ لِتَأْكُلُوا ﴾ بِالتَّحاكُمِ.

﴿ فَرِيقًا ﴾ طائِفَةً.

﴿ مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ ﴾ بِما يُوجِبُ إثْمًا، كَشَهادَةِ الزُّورِ واليَمِينِ الكاذِبَةِ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالإثْمِ.

﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنَّكم مُبْطِلُونَ، فَإنَّ ارْتِكابَ المَعْصِيَةِ مَعَ العِلْمِ بِها أقْبَحُ.

«رُوِيَ أنَّ عَبْدانَ الحَضْرَمِيَّ ادَّعى عَلى امْرِئِ القَيْسِ الكِنْدِيِّ قِطْعَةً مِن أرْضٍ ولَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ  بِأنْ يَحْلِفَ امْرُؤُ القَيْسِ، فَهَمَّ بِهِ فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ  : ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ الآيَةَ.

فارْتَدَعَ عَنِ اليَمِينِ، وسَلَّمَ الأرْضَ إلى عَبْدانَ، فَنَزَلَتْ.» وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَ القاضِي لا يَنْفُذُ باطِنًا، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّما أنا بَشَرٌ وأنْتُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم يَكُونُ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ مِنهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِن حَقِّ أخِيهِ فَإنَّما أقْضِي لَهُ قِطْعَةً مِن نارِهِ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم} أي لا يأكل بعضكم مال بعض {بالباطل} بالوجه الذي لم يبحه الله ولم يشرعه {وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام} ولا تدلوا بها فهو مجزوم داخل في حكم النهي يعني ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام {لِتَأْكُلُواْ} بالتحاكم {فَرِيقاً} طائفة {مّنْ أَمْوَالِ الناس بالإثم} بشهادة الزور أو بالأيمان الكاذبة أو بالصلح مع العلم بأن المقضى له ظالم وقال عليه السلام للخصمين إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئاً فإن ما أقضى له قطعة من نار فبكيا وقال كل واحد منهما حقي لصاحبي وقيل وتدلوا بها وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه

البقرة (١٨٨ _ ١٩٠)

الرشوة يقال أدلى دلوه أي ألقاه في البئر للاستسقاء {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم على الباطل وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح وصاحبه بالتوبيخ أحق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الصِّيامَ وما فِيهِ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَنِ الأكْلِ الحَرامِ المُفْضِي إلى عَدَمِ قَبُولِ عِبادَتِهِ مِن صِيامِهِ واعْتِكافِهِ، فَقالَ: ﴿ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ ﴾ والمُرادُ مِنَ الأكْلِ ما يَعُمُّ الأخْذَ والِاسْتِيلاءَ، وعَبَّرَ بِهِ لِأنَّهُ أهَمُّ الحَوائِجِ - وبِهِ يَحْصُلُ إتْلافُ المالِ غالِبًا - والمَعْنى لا يَأْكُلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ، فَهو عَلى حَدِّ ﴿ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ ولَيْسَ مِن تَقْسِيمِ الجَمْعِ عَلى الجَمْعِ كَما فِي: رَكِبُوا دَوابَّهُمْ، حَتّى يَكُونَ مَعْناهُ لا يَأْكُلُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم مالَ نَفْسِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (بَيْنَكُمْ) فَإنَّهُ بِمَعْنى الواسِطَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ما يُضافُ إلَيْهِ مُنْقَسِمًا إلى طَرَفَيْنِ بِكَوْنِ الأكْلِ والمالِ حالَ الأكْلِ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُما، وذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى المَعْنى المَذْكُورِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَأْكُلُوا كالجارِّ والمَجْرُورِ بَعْدَهُ، أوْ بِمَحْذُوفِ حالٍ مِنَ الأمْوالِ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ الباطِلِ الحَرامُ؛ كالسَّرِقَةِ، والغَصْبِ، وكُلُّ ما لَمْ يَأْذَنْ بِأخْذِهِ الشَّرْعُ.

﴿ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ ﴾ عَطْفٌ عَلى تَأْكُلُوا، فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ مِثْلُهُ مَجْزُومٌ بِما جُزِمَ بِهِ، وجُوِّزَ نَصْبُهُ بِأنْ مُضْمَرَةً، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ وإنْ كانَ لِلنَّهْيِ عَنِ الجَمْعِ، إلّا أنَّهُ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ مَنهِيًّا عَنْهُ، والإدْلاءُ في الأصْلِ إرْسالُ الحَبْلِ في البِئْرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّوَصُّلِ إلى الشَّيْءِ أوِ الإلْقاءِ، والباءُ صِلَةُ الإدْلاءِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً والضَّمِيرُ المَجْرُورُ ( لِلْأمْوالِ )؛ أيْ: لا تَتَوَصَّلُوا، أوْ لا تُلْقُوا بِحُكُومَتِها، والخُصُومَةُ فِيها إلى الحُكّامِ، وقِيلَ: لا تُلْقُوا بَعْضَها إلى حُكّامِ السُّوءِ عَلى وجْهِ الرِّشْوَةِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: ( ولا تُدِلُّوا ﴿ لِتَأْكُلُوا ﴾ بِالتَّحاكُمِ والرَّفْعِ إلَيْهِمْ.

﴿ فَرِيقًا ﴾ قِطْعَةً وجُمْلَةً ﴿ مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما يُوجِبُ إثْمًا كَشَهادَةِ الزُّورِ واليَمِينِ الفاجِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ؛ أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالإثْمِ والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( تأكلوا ) وعَلى الثّانِي حالٌ مِن فاعِلِهِ، وكَذَلِكَ ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ 188﴾ ومَفْعُولُ العِلْمِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: تَعْلَمُونَ أنَّكم مُبْطِلُونَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهُ مُبْطِلٌ، وحَكَمَ لَهُ الحاكِمُ بِأخْذِ مالٍ، فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا، «أنَّ عَبْدانَ بْنَ أشْوَعَ الحَضْرَمِيَّ، وامْرُؤَ القَيْسِ بْنَ عابِسٍ اخْتَصَما في أرْضٍ، ولَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَحْلِفَ امُرُؤُ القَيْسِ فَهَمَّ بِهِ، فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ فارْتَدَعَ عَنِ اليَمِينِ وسَلَّمَ الأرْضَ فَنَزَلَتْ».

واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ حُكْمَ القاضِي لا يَنْفُذُ باطِنًا، فَلا يَحِلُّ بِهِ الأخْذُ في الواقِعِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فَأقْضِيَ لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ مِنهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِن حَقِّ أخِيهِ، فَلا يَأْخُذَنَّهُ، فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ“».

وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلى أنَّ الحاكِمَ إذا حَكَمَ بِبَيِّنَةٍ بِعَقْدٍ أوْ فَسْخِ عَقْدٍ مِمّا يَصِحُّ أنْ يُبْتَدَأ، فَهو نافِذٌ ظاهِرًا وباطِنًا، ويَكُونُ كَعَقْدٍ عَقْداهُ بَيْنَهُما، وإنْ كانَ الشُّهُودُ زُورًا، كَما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا خَطَبَ امْرَأةً هو دُونَها فَأبَتْ، فادَّعى عِنْدَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ تَزَوَّجَها، وأقامَ شاهِدَيْنِ، فَقالَتِ المَرْأةُ: لَمْ أتَزَوَّجْهُ، وطَلَبَتْ عَقْدَ النِّكاحِ، فَقالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: قَدْ زَوَّجَكِ الشّاهِدانِ، وذَهَبَ فِيمَنِ ادَّعى حَقًّا في يَدَيْ رَجُلٍ، وأقامَ بَيِّنَةً تَقْتَضِي أنَّهُ لَهُ، وحَكَمَ بِذَلِكَ الحاكِمُ أنَّهُ لا يُباحُ لَهُ أخْذُهُ، وإنَّ حُكْمَ الحاكِمِ لا يُبِيحُ لَهُ ما كانَ قَبْلُ مَحْظُورًا عَلَيْهِ، وحُمِلَ الحَدِيثُ عَلى ذَلِكَ، والآيَةُ لَيْسَتْ نَصًّا في مُدَّعِي مُخالِفِيهِ؛ لِأنَّهم إنْ أرادُوا أنَّها دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ النُّفُوذِ مُطْلَقًا فَمَمْنُوعٌ، وإنْ أرادُوا أنَّها دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ النُّفُوذِ في الجُمْلَةِ فَمُسَلَّمٌ، ولا نِزاعَ فِيهِ؛ لِأنَّ الإمامَ الأعْظَمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَقُولُ بِذَلِكَ، ولَكِنْ فِيما سَمِعْتُ، والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ في الفُرُوعِ والأُصُولِ، ولَها تَفْصِيلٌ في أدَبِ القاضِي، فارْجِعْ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ، أي بالظلم وشهادة الزور.

وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ، يقول تلجؤوا بالخصومة إلى الحكام.

وقال الزجاج: تعملون بما يوجبه ظاهر الحكم، وتتركون ما علمتم أنه الحق.

لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً، يعني طائفة مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ، أي باليمين الكاذبة وشهادة الزور.

ويقال: بالإثم أي بالجور.

وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه جور.

ويقال: إنكم تعلمون أنكم تأخذون بالباطل.

وهذه الآية نزلت في شأن امرئ القيس بن عباس الكندي وعيدان بن أشوع الحضرمي، اختصما إلى رسول الله  فادعى أحدهما على صاحبه شيئاً، فأراد الآخر أن يحلف بالكذب، فقال رسول الله  : «إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ وَأَرَى أَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ، وَأَنَّهُ لا يَرَى أَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ فَإِنَّما أَقْضِي لَهُ بِقِطْعَةٍ مِنَ النَّارِ» .

فنزلت هذه الآية فيهما، وصارت عامة لجميع الناس.

وروى سعيد بن المسيب عن رسول الله  أنه قال: «شَاهِدُ الزُّورِ إِذَا شَهِدَ لا يَرْفَعُ قَدَمِيْهِ مِنْ مَكانِهِمَا، حَتَّى يَلْعَنُهُ الله مِنْ فَوْقِ عرشه» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ابن عطاء الله في «لطائف المنن» : وإِذا أراد اللَّه أن يعطِيَ عبداً شيئاً وهبه الاضطرار إِلَيْهِ فيه، فيطلبه بالاِضطرارِ، فيعطى، وإِذا أراد اللَّه أن يمنع عبداً أمراً، منعه الاضطرَار إِلَيْه فيه، ثم منعه إِياه، فلا يُخَافُ علَيْكَ أن تضطرَّ، وتطلب، فلا تعطى، بل يُخَافُ عليك أنْ تُحْرَمَ الاضطرارَ، فتحرم الطَّلَب، أو تَطْلُب بغير اضطرارٍ، فتحرم العطاء.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَلْيُؤْمِنُوا بِي، قال أبو رجاءٍ: في أنَّني أجيبُ دعاءهم، وقال غيره: بل ذلك دعاءٌ إِلى الإِيمان بجملته.

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)

وقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ ...

الآيةَ: لفظة أُحِلَّ تقتضي أنه كان محرَّماً قبل ذلك «١» ، ولَيْلَةَ: نصب على الظّرف.

والرَّفَثُ: كناية عن الجِمَاع لأن اللَّه تعالى كريمٌ يُكَنِّي قاله ابن عَبَّاس «٢» وغيره، والرَّفَثُ في غير هذا: ما فَحُشَ من القول، وقال أبو إِسْحَاق «٣» : الرَّفَثُ: كلُّ ما يأتيه الرجُلُ، مع المرأة من قُبْلةٍ، ولَمُسٍ «٤» .

ع «٥» : أو كلامٍ في هذا المعنى، وسببُ هذه الآيةِ فيما قال ابن عَبَّاس وغيره: إِن جماعةً من المسلمين اختانوا أنفُسَهُم، وأصابوا النِّسَاء بعد النّوم، أو بعد صلاة العشاء على

الخلافِ في ذلك، منْهم عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب: جاء إِلى امرأته، فأرادها/، فقالَتْ له قد نمت، ٤٧ أفظنّ أنها تَعْتَلُّ بذلك، فوقع بها، ثم تحقَّق أنها قد كانت نامَتْ، وكان الوطْءُ بعد نَوْمِ أحدهما ممنوعاً، فذهب عُمَرُ، فاعتذر عنْدَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فنَزَلَ صدْرُ الآية «١» ، وروي أن صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ «٢» نام قَبْل الأكْلِ، فبقي كذلك دُونَ أكْلٍ، حتى غُشِيَ علَيْهِ في نهارِهِ المُقْبِلِ، فنَزَلَ فيه مَنْ قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا «٣» .

واللِّبَاسُ: أصله في الثِّيَاب، ثم شبه التباس الرَّجُلٍ بالمرأةِ بذلك.

وتَابَ عَلَيْكُمْ، أي: من المعصية التي وقعتم فيها.

قال ابنُ عبَّاس وغيره: بَاشِرُوهُنَّ كنايةٌ عن الجماعة، وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ «٤» اللَّهُ لَكُمْ.

قال ابن عبَّاس وغيره: أي: ابتغوا الوَلَدَ «٥» ، قال الفَخْر «٦» والمعنى: لا تباشروهن لقضاء الشهوة فقطْ، ولكنْ لابتغاء ما وَضَعَ اللَّه له النِّكاح من التناسُلِ، قال- عليه

السلام-: «تَنَاكَحُوا، تَنَاسَلُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ» «١» انتهى.

وقيل: المعنى: ابتغوا ليلةَ القَدْرِ.

وقيل: ابتغوا الرُّخْصَة، والتوسعَةَ قاله قتادة، وهو قول حَسَنٌ» .

وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ...

الآيةُ: نزلت بسبب صرمة بن قيس، وحَتَّى: غايةٌ للتبيُّن، ولا يصحُّ أن يقع التبيُّن لأحد، ويحرم عليه الأكل إِلا وقدْ مَضَى لطُلُوع الفجْرِ قدْرٌ، والخيط استعارةٌ وتشبيه لرقَّة البياضِ أولاً، ورقَّةُ السوادِ إِلحاقٌ به، والمرادُ فيما قال جميع العلماء «٢» : بياضُ النهارِ، وسوادُ الليل.

ومِنَ الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والْفَجْرِ: مأخوذ من تَفَجُّر الماء لأنه ينفجر شيئاً بعد شيْء، وروي عن سَهْل بن سعدٍ وغيره من الصحَابة أن الآية نزلَتْ إِلا قوله: مِنَ الْفَجْرِ، فصنع بعض الناسِ خَيْطَيْنِ، أَبْيَضَ وأسْوَدَ، فنزَلَ قوله تعالى: مِنَ الْفَجْرِ «٣» .

ع «٤» : ورُوِيَ أنَّهُ كَانَ بَيْنَ طرفَيِ المُدَّة عام من رمضان إلى رمضان تأخّر

البيان «١» إِلى وقت الحاجة، وعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ جعل خيطين على وساده، وأخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلم

فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ» «١» .

واختلف في الحدِّ الذي بتبيُّنه يجبُ الإِمساك، فقال الجمهورُ، وبه أخذ الناس، ومضَتْ عليه الأمصار والأعصار، ووردتْ به الأحاديثُ الصِّحَاحُ: إِنه الفَجْر المُعْتَرِضُ في الأُفُقِ يَمْنَةً ويَسْرَةً، فبطلوعِ أوله في الأفق يجبُ الإمساكُ، وروي عن عثمانَ بن عفَّان، وحذيفةَ بن اليَمَانِ، وابن عبَّاس وغيرهم أن الإِمساك يجبُ بتبيُّن الفَجْر في الطُّرُق، وعلى رءوس الجبالِ «٢» ، وذكر عن حُذَيفة أنه قال: «تسحّرت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم وَهُوَ النَّهارُ إِلاَّ أنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ» «٣» .

ومن أكل، وهو يشكُّ في الفجر، فعليه القضاء عند مالك.

وقوله سبحانه: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أمر يقتضي الوجوب، وإِلى:

غايةٌ، وإِذا كان ما بعدها من جنْسِ ما قبلها، فهو داخلٌ في حكمه، وإِذا كان من غير جنْسه، لم يدخلْ في المحدودِ، والليلُ: الذي يتم به الصيامُ: مَغِيبُ قرص الشمسِ، فمن أفطر شاكًّا في غروبها، فالمشهورُ من المَذْهَب أنَّ عليه القضاءَ والكفَّارةَ.

وروى أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «ثَلاَثةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، والإِمَامُ العَادِلُ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ تعالى: وَعِزَّتِي، لأَنْصُرَنَّكِ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» رواه الترمذيُّ/، وابن ماجة، وابن حِبَّان

في «صحيحه» ، وقال الترمذيُّ: واللفظ له حديثٌ حسنٌ، ولفظ ابن ماجة: «حتى يُفْطِرَ» «١» .

انتهى من «السّلاح» .

وعنه صلّى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَّا تُرَدُّ» ، رواه ابنُ السُّنِّيِّ «٢» .

انتهى من «حِلْيَة النوويِّ» «٣» .

وعنه صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» .

رواه البخاريُّ ومسلم.

انتهى «٤» .

وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا حمَّاد بن سَلَمَةَ، عن واصل «٥» مولى أبي عيينة، عن لقيط أبِي المُغيرَةِ، عن أبي بُرْدَة «٦» : أنَّ أبا موسى الأشعريّ كان في سفينة

في البَحْر مرفوعٍ شراعُها، فإِذا رجُلٌ يقول: يأَهْلَ السفينةِ، قِفُوا سبْعَ مرارٍ، فقلْنا: ألا ترى على أيِّ حالٍ نحْنُ، ثم قال في السابعة، قِفُوا أخبرْكُمْ بقضاءٍ قضاه اللَّه على نَفْسِهِ أنَّه من عَطَّشَ نَفْسَهُ للَّهِ في يومٍ حارٍّ من أيامِ الدُّنْيَا شديدِ الحَرِّ، كان حقًّا على اللَّه أنْ يرويه يوم القيامة، فكان أبو موسى يبتغي اليَوْمَ الشَّديدَ الحَرِّ، فيصومه.

انتهى.

قال يوسُفُ بن يَحْيَى التَّادِلِيُّ في «كتاب التشوُّف» ، وخرَّج عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» عن هشامِ بنِ حَسَّان «١» ، عن واصلِ بن لَقِيط، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قَالَ: «غَزَا النَّاسُ بَرًّا وبحراً، فكنْتُ ممَّن غَزَا في البَحْر، فبينما نحْنُ نسيرُ في البَحْر إِذ سمعنا صوتاً يقول: يأهل السفينة، قِفُوا أخبرْكُم، فنظرنا يميناً وشَمالاً، فلم نر شيئاً إِلا لُجَّةَ البحر، ثم نادى الثانيةَ حتى نادى سبْعَ مراتٍ، يقول كذلك، قال أبو موسى: فلما كانَتِ السابعةُ، قُمْتُ، فقُلْتُ: ما تخبرنا؟

قال: أخبركم بقضاءٍ قضاه اللَّه على نَفْسِهِ أنَّ من عَطِشَ للَّه في يوم حَارٍّ، أنْ يرويه اللَّه يوم القيامة» «٢» ، وذكره ابن حَبِيب في «الواضحة» بلفظ آخر.

انتهى.

قال ابن المبارك: وأخبرنا أبو بكر بن أبي مَرْيَم الغَسَّانيّ «٣» ، قال: حدَّثني ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ «٤» ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ بَاباً، وإِنَّ بابَ العبادة الصيام» «٥» .

انتهى.

وروى البخاريُّ ومسلم في «صحيحيهما» ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ: إِلاَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إِنَّمَا يَدَعُ شَهْوتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» «١» .

انتهى.

وقوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ قالتْ فرقة: المعنى: ولا تجامعوهُنَّ، وقال الجمهور: ذلك يقع على الجِمَاعِ، فما دونه ممّا يتلذّذ به من النساء، وعاكِفُونَ، أيْ: مُلاَزِمُون، قال مالكٌ- رحمه اللَّه- وجماعةٌ معه: لا اعتكاف إلا في مساجد الجُمُعَاتِ «٢» ، وروي عن مالكٍ أيضاً أنَّ ذلك في كل مسجدٍ، ويخرج إِلى الجُمُعة كما يخرج إِلى ضروريِّ أشغالِهِ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٣» : وحرم اللَّه سبحانه المباشَرَةَ في المَسْجد وكذلك تحرم خارجَ المَسْجِدِ لأن معنى الآية، ولا تباشرُوهُنَّ وأنتم ملتزمون لِلاعتكاف في المساجد معتقدون له.

انتهى.

وتِلْكَ إِشارةٌ إِلى هذه الأوامر والنواهِي.

والحُدُودُ: الحواجزُ بيْن الإِباحة والحظر ومنه قيل للبوَّاب حَدَّاد لأنه يمنع ومنه الحَادُّ لأنها تُمنع من الزينة، والآيات: العلامات الهادية إلى الحق.

٤٨ أوقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ...

الآية: الخطاب لأمة/ نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم ويدخلُ في هذه الآيةِ القِمَارُ، والخُدَعُ، والغُصُوب، وجَحْد الحُقُوق، وغَيْرُ ذلك.

وقوله سبحانه: وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ ...

الآية: يقال: أَدْلَى الرَّجُلُ بحجّة، أو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ ﴾ .

سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ عابِسٍ، وعَبْدانَ الحَضْرَمِيَّ، اخْتَصَما في أرْضٍ، وكانَ عَبْدانُ هو الطّالِبُ ولا بَيِّنَةَ لَهُ، فَأرادَ امْرُؤُ القَيْسِ أنْ يَحْلِفَ، فَقَرَأ عَلَيْهِ النَّبِيُّ  : ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا  ﴾ .

فَكَرِهَ أنْ يَحْلِفَ، ولَمْ يُخاصِمْ في الأرْضِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ، مِنهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

ومَعْنى الآَيَةِ: لا يَأْكُلُ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والباطِلُ عَلى وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِن مالِكِهِ، كالسَّرِقَةِ، والغَصْبِ، والخِيانَةِ.

والثّانِي: أنْ يَأْخُذَهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ، كالقِمارِ، والغِناءِ، وثَمَنِ الخَمْرِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الباطِلُ: الظُّلْمُ.

"وَتَدْلُوا" أصْلُهُ في اللُّغَةِ مِن: أدْلَيْتُ الدَّلْوَ: إذا أرْسَلْتَها لِتَمْلَأها، ودَلَوْتُها: إذا أخْرَجْتَها.

ومَعْنى أدْلى فَلانٌ بِحُجَّتِهِ: أرْسَلَها، وأتى بِها عَلى صِحَّةِ.

فَمَعْنى الكَلامِ: تَعْمَلُونَ عَلى ما يُوجِبُهُ إدْلاءُ الحُجَّةِ، وتَخُونُونَ في الأمانَةِ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ الحُجَّةَ عَلَيْكم في الباطِنِ.

وَفِي ها "بِها" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأمْوالِ، كَأنَّهُ قالَ: لا تُصانِعُوا بِبَعْضِها جُوَرَةَ الحُكّامِ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الخُصُومَةِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أعادَ ذِكْرَ الأكْلِ فَقالَ: "وَلا تَأْكُلُوا" "لِتَأْكُلُوا" فالجَوابُ: أنَّهُ وصَلَ اللَّفْظَةَ الأوْلى بِالباطِلِ، والثّانِيَةَ بِالإثْمِ، فَأعادَها لِلزِّيادَةِ في المَعْنى، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ الناسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرُّ مِن اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللهِ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، والمَعْنى: لا يَأْكُلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ، فَأُضِيفَتِ الأمْوالُ إلى ضَمِيرِ المَنهِيِّ لَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مَنهِيًّا عنهُ، وكَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ  ﴾ .

ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ القِمارُ والخِداعُ والغُصُوبُ وجَحْدُ الحَقائِقِ وغَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَدْخُلُ فِيهِ الغَبْنُ في البَيْعِ مَعَ مَعْرِفَةِ البائِعِ بِحَقِيقَةِ ما يَبِيعُ لِأنَّ الغَبْنَ كَأنَّهُ وهَبَهُ.

وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالآيَةِ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ ﴾ أيْ في المَلاهِي والقِيانِ، والشَرابِ، والبَطالَةِ، فَتَجِيءُ عَلى هَذا إضافَةُ المالِ إلى ضَمِيرِ المالِكِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتُدْلُوا بِها ﴾ الآيَةُ، يُقالُ: أدْلى الرَجُلُ بِالحُجَّةِ، أو بِالأمْرِ الَّذِي يَرْجُو النَجاحَ بِهِ، تَشْبِيهًا بِالَّذِي يُرْسِلُ الدَلْوَ في البِئْرِ يَرْجُو بِها الماءَ.

قالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: تُسارِعُونَ في الأمْوالِ إلى المُخاصَمَةِ إذا عَلِمْتُمْ أنَّ الحُجَّةَ تَقُومُ لَكُمْ، إمّا بِألّا تَكُونَ عَلى الجاحِدِ بَيِّنَةٌ، أو يَكُونُ مالَ أمانَةٍ، كاليَتِيمِ ونَحْوِهِ، مِمّا يَكُونُ القَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ، فالباءُ في "بِها" باءُ السَبَبِ.

وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: تَرْشُوا بِها عَلى أكْلِ أكْثَرِ مِنها، فالباءُ إلْزاقُ مُجَرَّدٍ، وهَذا القَوْلُ يَتَرَجَّحُ لِأنَّ الحُكّامَ مَظِنَّةُ الرِشا، إلّا مَن عُصِمَ وهو الأقَلُّ، وأيْضًا فَإنَّ اللَفْظَتَيْنِ مُتَناسِبَتانِ، "تُدْلُوا" مِن أرْسَلَ الدَلْوَ، والرِشْوَةُ مِنَ الرِشاءِ، كَأنَّها يُمَدُّ بِها لِتُقْضى الحاجَةُ.

و"تَدْلُوا" في مَوْضِعِ جَزْمٍ عَطْفًا عَلى "تَأْكُلُوا"، وفي مُصْحَفٍ أُبَيٍّ: "وَلا تُدْلُوا" بِتَكْرارِ حَرْفِ النَهْيِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيَّدُ جَزْمَ "تُدْلُوا" في قِراءَةِ الجَماعَةِ.

وقِيلَ: "تُدْلُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ، وهَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، أنَّ مَعْنى الظَرْفِ هو الناصِبُ، والَّذِي يُنْصَبُ في مِثْلِ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ "أنْ" مُضْمَرَةً.

والفَرِيقُ: القِطْعَةُ والجُزْءُ و"بِالإثْمِ" مَعْناهُ: بِالظُلْمِ والتَعَدِّي، وسُمِّيَ ذَلِكَ إثْمًا لَمّا كانَ الإثْمُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِفاعِلِهِ، ﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ إنَّكم مُبْطِلُونَ آثِمُونَ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في المَعْصِيَةِ والجُرْأةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، وَغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ عَلى سُؤالِ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ النَبِيَّ  عَنِ الهِلالِ.

وما فائِدَةُ مُحاقِهِ وكَمالِهِ ومُخالَفَتِهِ لِحالِ الشَمْسِ؟

وجَمْعٌ وهو واحِدٌ في الحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ هِلالًا في شَهْرٍ غَيْرِ كَوْنِهِ هِلالًا في الآخَرِ، فَإنَّما جَمْعُ أحْوالِهِ مِنَ الهِلالِيَّةِ، والهِلالُ لَيْلَتانِ بِلا خِلافٍ ثُمَّ يَقْمُرُ، وقِيلَ: ثَلاثٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو هِلالٌ حَتّى يَحْجُرَ ويَسْتَدِيرَ لَهُ كالخَيْطِ الرَقِيقِ، وقِيلَ: هو هِلالٌ حَتّى يُبْهِرَ بِضَوْئِهِ السَماءَ وذَلِكَ لَيْلَةَ سَبْعٍ.

وقَوْلُهُ: "مَواقِيتُ" مَعْناهُ: لِمَحَلِّ الدُيُونِ وانْقِضاءِ العَدَدِ والأكْرِيَةِ وما أشْبَهَ هَذا مِن مَصالِحِ العِبادِ، ومَواقِيتُ الحَجِّ أيْضًا يُعْرَفُ بِها وقْتُهُ وأشْهُرُهُ.

وَ"مَواقِيتُ" لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ جَمْعٌ لا نَظِيرَ لَهُ في الآحادِ، فَهو جَمْعٌ ونِهايَةُ جَمْعٍ، إذْ لَيْسَ يُجْمَعُ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "والحَجُّ" بِكَسْرِ الحاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ حَجَّ البَيْتَ  ﴾ في آلِ عِمْرانَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: الحَجُّ كالرَدِّ والشَدِّ، والحَجُّ كالذِكْرِ فَهُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى، وقِيلَ: الفَتْحُ مَصْدَرٌ، والكَسْرُ الِاسْمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيْسَ البِرُّ ﴾ الآيَةُ، قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، والزُهْرِيُّ، وقَتادَةُ: سَبَبُها أنَّ الأنْصارَ كانُوا إذا حَجُّوا أوِ اعْتَمَرُوا يَلْتَزِمُونَ تَشَرُّعا ألّا يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَماءِ حائِلٌ، فَكانُوا يَتَسَنَّمُونَ ظُهُورَ بُيُوتِهِمْ عَلى الجُدْرانِ، وقِيلَ: كانُوا يَجْعَلُونَ في ظُهُورِ بُيُوتِهِمْ فُتُوحًا يَدْخُلُونَ مِنها، ولا يَدْخُلُونَ مِنَ الأبْوابِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا يُشْبِهُهُ فاخْتَصَرْتُهُ، فَجاءَ رَجُلٌ مِنهم فَدَخَلَ مِن بابِ بَيْتِهِ فَعُيِّرَ بِذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقالَ إبْراهِيمُ: كانَ يَفْعَلُ ما ذَكَرَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الحِجازِ.

وقالَ السُدِّيُّ: «ناسٌ مِنَ العَرَبِ، وهُمُ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ.

قالَ: فَدَخَلَ النَبِيُّ  بابًا ومَعَهُ رَجُلٌ مِنهُمْ، فَوَقَفَ ذَلِكَ الرَجُلُ، وقالَ: "إنِّي أُحَمِّسُ" فَقالَ لَهُ النَبِيُّ  ::"وَأنا أُحَمِّسُ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» ورَوى الرَبِيعُ «أنَّ النَبِيَّ  دَخَلَ وخَلْفَهُ رَجُلٌ أنْصارِيٌّ فَدَخَلَ وخَرَقَ عادَةَ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ  : "لِمَ دَخَلْتَ وأنْتَ قَدْ أحْرَمْتَ؟" قالَ: دَخَلْتَ أنْتَ فَدَخَلْتُ بِدُخُولِكَ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ  : "إنِّي أُحَمِّسُ" أيْ مِن قَوْمٍ لا يَدِينُونَ بِذَلِكَ، فَقالَ الرَجُلُ: "وَأنا دِينِي دِينُكَ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ».

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الآيَةُ ضَرْبُ مَثَلٍ، المَعْنى: لَيْسَ البِرُّ أنْ تَسْألُوا الجُهّالَ، ولَكِنِ اتَّقُوا واسْألُوا العُلَماءَ، فَهَذا كَما يُقالُ: أتَيْتُ هَذا الأمْرَ مِن بابِهِ.

وقالَ غَيْرُ أبِي عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَيْسَ البَرُّ أنْ تَشِذُّوا في الأسْئِلَةِ عَنِ الأهِلَّةِ وغَيْرِها، فَتَأْتُونَ الأُمُورَ عَلى غَيْرِ ما يَجِبُ، وهَذا يُحْتَمَلُ، والأوَّلُ أسَدُّ.

وأمّا ما حَكاهُ المَهْدَوِيُّ، ومَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ مِن أنَّ الآيَةَ مَثَلٌ في جِماعِ النِساءِ فَبِعِيدٌ مُغَيَّرٌ نَمَطَ الكَلامِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عنهُ: "البِيُوتَ" بِكَسْرِ الباءِ.

وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "وَلَكِنَّ البِرَّ" بِتَشْدِيدِ نُونِ "لَكُنَّ" ونَصْبِ "البِرَّ"، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللهِ  ﴾ ، "واتَّقُوا مَعْناهُ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ عِقابِهِ وِقايَةً، و"لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، والفَلاحُ: دَرْكُ البُغْيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ ﴾ الآيَةُ، هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الأمْرِ بِالقِتالِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ، والرَبِيعُ: مَعْناها: قاتِلُوا مَن قاتَلَكُمْ، وكَفُّوا عَمَّنْ كَفَّ عنكُمْ، ولا تَعْتَدُوا في قِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلُوكُمْ، وهَذِهِ المُوادَعَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ بَراءَةٍ وبِقَوْلِهِ: ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً  ﴾ .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ: قاتِلُوا الَّذِينَ هم بِحالَةِ مَن يُقاتِلُكُمْ، ولا تَعْتَدُوا في قَتْلِ النِساءِ والصِبْيانِ والرُهْبانِ وشَبَهِهِمْ، فَهي مُحْكَمَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: لا تَعْتَدُوا في القِتالِ لِغَيْرِ وجْهِ اللهِ، كالحَمِيَّةِ وكَسْبِ الذِكْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف جملة على جملة، والمناسبة أن قوله: ﴿ تلك حدود الله فلا تقربوها ﴾ [البقرة: 187] تحذير من الجُرأَة على مخالفة حكم الصيام بالإفطار غير المأذون فيه وهو ضرب من الأكل الحرام فعطف عليه أكل آخر محرم وهو أكل المال بالباطل، والمشاكلة زادت المناسبةَ قوة، وهذا من جملة عداد الأحكام المشروعة لإصلاح ما اختل من أحوالهم في الجاهلية، ولذلك عطف على نظائره وهو مع ذلك أصل تشريع عظيم للأموال في الإسلام.

كان أكل المال بالباطل شنشنة معروفة لأهل الجاهلية بل كان أكثر أحوالهم المالية فإن اكتسابهم كان من الإغارة ومن الميسِر، ومن غصب القوي مال الضعيف، ومن أكل الأولياء أموال الأيتام واليتامى، ومن الغرر والمقامرة، ومن المراباة ونحو ذلك، وكل ذلك من الباطل الذي ليس عن طيب نفس.

والأكل حقيقته إدخال الطعام إلى المعدة من الفم وهو هنا استعارة للأخذ بقصد الانتفاع دون إرجاع؛ لأن ذلك الأخذ يشبه الأَكل من جميع جهاته، ولذلك لا يطلق على إحراق مال الغير اسم الأكل ولا يطلق على القرض والوديعة اسم الأكل، وليس الأكل هنا استعارة تمثيلية؛ إذ لا مناسبة بين هيئة آخذ مال غيره لنفسه بقصد عدم إرجاعه وهيئة الأكل كما لا يخفى.

والأموال جمع مال ونُعرِّفه بأنه «ما بقدره يكون قدر إقامة نظام معاش أفراد الناس في تناول الضروريات والحاجيات والتحسينيَّات بحسب مبلغ حضارتهم حاصلاً بكدح»، فلا يعد الهواء مالاً، ولا ماء المطر والأودية والبحار مالاً، ولا التراب مالاً، ولا كهوف الجبال وظلال الأشجار مالاً، ويعد الماء المحتفر بالآبار مالاً، وتراب المقاطع مالاً، والحشيش والحطب مالاً، وما ينحته المرء لنفسه في جبللٍ مالاً.

والمالُ ثلاثة أنواع: النوع الأول ما تحصل تلك الإقامة بذاته دون توقف على شيء وهو الأطعمة كالحبوب، والثمار، والحيوان لأكله وللانتفاع بصوفه وشعره ولبنه وجلوده ولركوبه قال تعالى: ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين ﴾ [النحل: 80] وقال: ﴿ لتركبوا منها ومنها تأكلون ﴾ [غافر: 79] وقد سمت العرب الإبل مالاً قال زهير: صَحِيحَاتتِ مَاللٍ طَالِعَاتتٍ بمَخْرَم *** وقال عمر: " لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حَمَيْتُ عليهم من بلادهم شبراً " وهذا النوع هو أعلى أنواع الأموال وأثبتها، لأن المنفعة حاصلة به من غير توقف على أحوال المتعاملين ولا على اصطلاحات المنظمين، فصاحبه ينتفع به زمن السلم وزمن الحرب وفي وقت الثقة ووقت الخوف وعند رضا الناس عليه وعدمه وعند احتياج الناس وعدمه، وفي الحديث «يقول ابن آدَمَ مَالِي مَالِي وإنما مالك ما أكلت فأَمريت أو أَعطيتَ فأغنيت» فالحصر هنا للكمال في الاعتبار من حيث النفع المادي والنفع العرضي.

النوع الثاني: ما تحصل تلك الإقامة به وبما يكمله مما يتوقف نفعه عليه كالأرض للزرع وللبناء عليها، والنار للطبخ والإذابة، والماء لسقي الأشجار، وآلات الصناعات لصنع الأشياء من الحطب والصوف ونحو ذلك، وهذا النوع دون النوع الثاني لتوقفه على أشياء ربما كانت في أيدي الناس فضنت بها وربما حالت دون نوالها موانع من حرب أو خوف أو وعورة طريق.

النوع الثالث: ما تحصل الإقامةُ بعوضه مما اصطلح البشر على جعله عوضاً لما يراد تحصيله من الأشياء، وهذا هو المعبَّر عنه بالنَّقد أو بالعُمْلة، وأكثر اصطلاح البشر في هذا النوع على معدني الذهب والفضة وما اصطلح عليه بعض البشر من التعامل بالنحاس والوَدَع والخرزات وما اصطلح عليه المتأخرون من التعامل بالحديد الأبيض وبالأوراق المالية وهي أوراق المصارف المالية المعروفة وهي حجج التزام من المصرف بدفع مقدار ما بالورقة الصادرة منه، وهذا لا يتم اعتباره إلاّ في أزمنة السلم والأَمن وهو مع ذلك متقارب الأفراد، والأوراق التي تروجها الحكومات بمقادير مالية يتعامل بها رعايا تلك الحكومات.

وقولي في التعريف: حاصلاً بكدح، أردت به أن شأنه أن يكون حاصلاً بسعي فيه كلفة ولذلك عبرت عنه بالكدح وذلك للإشارة إلى أن المال يشترط فيه أن يكون مكتسباً والاكتساب له ثلاثة طرق: الطريق الأول: طريق التناول من الأرض قال تعالى: ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ [البقرة: 29] وقال: ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ﴾ [الملك: 15] وهذا كالحطب والحشيش والصيد البري والبحري وثمر شجر البادية والعسل، وهذا قدْ يكون بلا مزاحمة وقد يكون بمزاحمة فيكون تحصيله بالسبق كسكنى الجبال والتقاط الكمأة.

الطريق الثاني: الاستنتاج وذلك بالولادة والزرع والغرس والحلب، وبالصنعة كصنع الحديد والأواني واللباس والسلاح.

الطريق الثالث: التناول من يد الغير فيما لا حاجة له به إما بتعامل بأن يعطيَ المرء ما زاد على حاجته مما يحتاج إليه غيره ويأخذَ من الغير ما زاد على حاجته مما يحتاج إليه هو، أو بإعطاء ما جعله الناس علامة على أن مالكه جدير بأن يأخذ به ما قُدِّر بمقداره كدينار ودرهم في شيء مقوَّم بهما، وإما بقوة وغلبة كالقتال على الأراضي وعلى المياه.

والباطل اسم فاعل من بطل إذا ذهب ضياعاً وخسراً أي بدون وجه، ولا شك أن الوجه هو ما يرضي صاحب المال أعني العِوض في البيوعات وحب المحمدة في التبرعات.

والضمائر في مثل: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم ﴾ إلى آخر الآية عامة لجميع المسلمين، وفعل: ﴿ ولا تأكلوا ﴾ وقع في حَيز النهي فهو عام، فأفاد ذلك نهياً لِجميع المسلمين عن كُل أَكل وفي جميع الأَمْوال، قلنا هنا جمعان جمع الآكلين وجمع الأموال المأكولة، وإذا تقابل جمعان في كلام العرب احتمل أن يكون من مقابلة كل فردٍ من أفراد الجمع بكل فردٍ من أفراد الجمع الآخَر على التوزيع نحو ركب القوم دوابهم وقوله تعالى: ﴿ وخذوا حذركم ﴾ [النساء: 102] ﴿ قوا أنفسكم ﴾ [التحريم: 6]، واحتمل أن يكون كذلك لكن على معنى أن كل فرد يقابل بفرد غيره لا بفرد نفسه نحو قوله: ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم ﴾ [الحجرات: 11] وقوله ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ [النور: 61]، واحتمل أن يكون من مقابلة كل فرد بجميع الأفراد نحو قوله: ﴿ وقِهم السيئات ﴾ [غافر: 9]، والتعويل في ذلك على القرائن.

وقد علم أن هذين الجمعين هنا من النوع الثاني أي لا يأكل بعضهم مال بعض آخر بالباطل؛ بقرينة قوله: ﴿ بينكم ﴾ ؛ لأن بين تقتضي توسطاً خلال طرفين، فعُلم أن الطرفين آكل ومأكول منه والمال بينهما، فلزم أن يكون الآكل غيرَ المأكول وإلاّ لما كانت فائدة لقوله: ﴿ بينكم ﴾ .

ومعنى أكلها بالباطل أكلُها بدون وجه، وهذا الأكل مراتب: المرتبة الأولى: ما علمه جميع السامعين مما هو صريح في كونه باطلاً كالغصب والسرقة والحيلة.

المرتبة الثانية: ما ألحقه الشرع بالباطل فبيَّن أنه من الباطل وقد كان خفياً عنهم وهذا مثل الربا؛ فإنهم قالوا: ﴿ إنَّما البيع مثل الربا ﴾ [البقرة: 275]، ومثل رشوة الحكام، ومثل بيع الثمرة قبل بدو صلاحها؛ ففي الحديث: " أرَأَيْتَ إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه " والأحاديث في ذلك كثيرة قال ابن العربي: هي خمسون حديثاً.

المرتبة الثالثة: ما استنبطه العلماء من ذلك، فما يتحقق فيه وصف الباطل بالنظر وهذا مجال للاجتهاد في تحقيق معنى الباطل، والعلماءُ فيه بين موسع ومضيق مثل ابن القاسم وأشهب مِن المالكية وتفصيله في الفقه.

وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في قضية عبدان الحضرمي وامرئ القيس الكِنْدي اختصما لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض فنزلت هذه الآية والقصة مذكورة في «صحيح مسلم» ولم يذكر فيها أن هذه الآية نزلت فيهما وإنما ذكر ذلك ابن أبي حاتم.

وقوله تعالى: ﴿ وتدلوا بها إلى الحكام ﴾ عطف على ﴿ تأكلوا ﴾ أي لا تدلوا بها إلى الحكام لتتوسلوا بذلك إلى أكل المال بالباطل.

وخص هذه الصورة بالنهي بعد ذكر ما يشملها وهو أَكل الأموال بالباطل؛ لأن هذه شديدة الشناعة جامعة لمحرمات كثيرة، وللدلالة على أن معطي الرشوة آثم مع أنه لم يأكل مالاً بل آكلَ غيره، وجُوز أن تكون الواو للمعية و ﴿ تدلوا ﴾ منصوباً بأن مضمرة بعدها في جواب النهي فيكون النهي عن مجموع الأمرين أي لا تأكلوها بينكم مُدلين بها إلى الحكام لتأكلوا وهو يفضي إلى أن المنهي عنه في هذه الآية هو الرشوة خاصة فيكون المراد الاعتناء بالنهي عن هذا النوع من أكل الأموال بالباطل.

والإدلاء في الأصل إرسال الدلو في البئر وهو هنا مجاز في التوسل والدفع.

فالمعنى على الاحتمال الأول، لا تدفعوا أموالكم للحكام لتأكلوا بها فريقاً من أموال الناس بالإثم؛ فالإدلاء بها هو دفعها لإرشاء الحكام ليقضوا للدافع بمال غيره فهي تحريم للرشوة وللقضاء بغير الحق، ولأَكل المقضي له مالاً بالباطل بسبب القضاء بالباطل.

والمعنى على الاحتمال الثاني لا تأكلوا أموالكم بالباطل في حال انتشاب الخصومات بالأموال لدى الحكام لتتوسلوا بقضاء الحكام، إلى أكل الأموال بالباطل حين لا تستطيعون أكلها بالغَلب، وكأنَّ الذي دعاهم إلى فرض هذا الاحتمال هو مراعاة القصة التي ذكرت في سبب النزول، ولا يخفى أن التقيد بتلك القصة لا وجه له في تفسير الآية، لأنه لو صح سندها لكان حمل الآية على تحريم الرشوة لأجل أكل المال دليلاً على تحريم أكل المال بدون رشوة بدلالة تنقيح المناط.

وعلى ما اخترناه فالآية دلت على تحريم أكل الأموال بالباطل، وعلى تحريم إرشاء الحكام لأكل الأموال بالباطل، وعلى أن قضاء القاضي لاَ يغير صفة أكل المال بالباطل، وعلى تحريم الجور في الحكم بالباطل ولو بدون إرشاء، لأن تحريم الرشوة إنما كان لما فيه من تغيير الحق، ولا جَرم أن هاته الأشياء من أهم ما تصدَّى الإسلام لتأسيسه تغييراً لما كانوا عليه في الجاهلية فإنهم كانوا يستحلون أموال الذين لم يستطيعوا منع أموالهم من الأكل فكانوا يأكلون أموال الضعفاء قال صَنَّان اليَشْكُري: لَوْ كَانَ حَوْضَ حِمَارٍ ما شَرِبْتَ به *** إِلاَّ بإذن حِمارٍ آخِرَ الأَبَدِ لكِنَّه حَوْضُ مَنْ أوْدَى بإخوته *** ريبُ المَنُوننِ فأمسى بَيْضَةَ البَلَدِ وأما إرشاء الحكام فقد كان أهل الجاهلية يبذلون الرُّشا للحكام، ولمَّا تنافر عامر بن الطفيل وعَلْقَمة بن علاثة إلى هرم بن قطبة الفزاري بذل كل واحد منهما مائة من الإبل إن حكم له بالتفضيل على الآخر فلم يقض لواحد منهما بل قضى بينهما بأنهما كركبتي البعير الأَدْرَم الفَحْل تستويان في الوقوع على الأرض فقال الأعشى في ذلك من أبيات: حَكَّمتُموه فقضى بينَكُم *** أَزْهَرُ مثلُ القَمر البَاهِرِ لاَ يَقْبَل الرَّشْوَةَ في حُكمه *** ولاَ يُبالِي غَبن الخاسر ويقال إن أول من ارتشى من حكام الجاهلية هو ضَمرة بن ضمرة النَهْشلي بمائة من الإبل دفعها إليه عباد بن أنف الكلب في منافرة بينه وبين معبد بن نضلة الفقعسي لينفِّره عليه ففعل، ويقال إن أول من ارتشى في الإسلام يَرَفَأُ غلامُ عمر بن الخطاب رشاه المغيرة بن شعبة ليقدمه في الإذن بالدخول إلى عمر؛ لأن يرفأ لما كان هو الواسطة في الإذن للناس وكان الحق في التقديم في الإذن للأسبق، إذ لم يكن مضطراً غيرُه إلى التقديم كان تقديم غير الأسبق اعتداء على حق الأسبق فكان جوراً وكان بذل المال لأجل تحصيله إرشاءً ولا أحسب هذا إلاّ من أكاذيب أصحاب الأهواء للغض من عدالة بعض الصحابة فإنْ صح ولا إِخاله: فالمغيرة لم ير في ذلك بأساً؛ لأن الضر اللاحق بالغير غير معتد به، أو لعله رآه إحساناً ولم يقصد التقديم ففعله يرفأ إكراماً له لأجل نواله، أمَّا يرفأ فلعله لم يهتد إلى دقيق هذا الحكم.

فالرشوة حرمها الله تعالى بنص هاته الآية؛ لأنها إن كانت للقضاء بالجور فهي لأَكل مال بالباطل وليست هي أكل مال بالباطل فلذلك عطف على النهي الأول؛ لأن الحاكم موكِّلٌ المال لا آكل، وإن كانت للقضاء بالحق فهي أكل مال بالباطل؛ لأن القضاء بالحق واجب، ومثلها كل مال يأخذه الحاكم على القضاء من الخصوم إلاّ إذا لم يجعل له شيء من بيت المال ولم يكن له مال فقد أباحوا له أخذ شيء معيَّن على القضاء سواء فيه كلا الخصمين.

ودلالة هذه الآية على أن قضاء القاضي لا يؤثرُ في تغيير حرمة أكل المال من قوله: ﴿ وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم ﴾ فجعل المال الذي يأكله أحد بواسطة الحكم إثماً وهو صريح في أن القضاء لا يُحل حراماً ولا ينفذُ إلاّ ظاهراً، وهذا مما لا شبهة فيه لولا خلاف وقع في المسألة، فإن أبا حنيفة خالف جمهور الفقهاء فقال بأن قضاء القاضي يُحِل الحرام وينفذ باطناً وظاهراً إذا كان بحل أو حِرمة وادَّعاه المحكوم له بسبب معين أي كان القضاء بعقد أو فسخ وكان مستنداً لشهادة شهود وكان المقضي به مما يصح أن يبتدأ، هذا الذي حكاه عنه غالب فقهاء مذهبه وبعضهم يخصه بالنكاح.

واحتج على ذلك بما روي أن رجلاً خطب امرأة هُودونها فأبت إجابته فادعى عليها، عند عليّ أنه تزوجها وأقام شاهدين زوراً فقضى عليٌّ بشهادتهما فقالت المرأة لما قضى عليها، إن كان ولا بد فزوجني منه فقال لها عليٌّ شاهداك زوجاك، وهذا الدليل بعد تسليم صحة سنده لا يزيد على كونه مذهب صحابي وهو لا يعارض الأحوال الشرعية ولا الأحاديث المروية نحو حديث «فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخُذْه فإنما أقتطع له قِطعة من نار» على أن تأويله ظاهر وهو أن علياً اتهمها بأنها تريد بإحداث العقد بعد الحكم إظهار الوهن في الحكم والإعلانَ بتكذيب المحكوم له ولعلها إذا طلب منها العقد أن تمتنع فيصبح الحكم معلقاً.

والظاهر أن مراد أبي حنيفة أن القضاء فيما يقع صحيحاً وفاسداً شرعاً من كل ما ليس فيه حق العبد أن قضاء القاضي بصحته يتنزل منزلة استكمال شروطه توسعة على الناس، فلا يخفى ضعف هذا ولذلك لم يتابعه عليه أحد من أصحابه.

وقوله: ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ حال مؤكدة لأن المدلي بالأموال للحكام ليأكل أموال الناس عالم لا محالة بصنعه، فالمراد من هذه الحال تشنيع الأمر وتفظيعه إعلاناً بأن أكل المال بهذه الكيفية هو من الذين أكلوا أموال الناس عن عِلم وعمد فجرمه أشد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالغَصْبِ والظُّلْمِ.

والثّانِي: بِالقِمارِ والمَلاهِي.

﴿ وَتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ ﴾ مَأْخُوذٌ مِن إدْلاءِ الدَّلْوِ إذا أرْسَلْتَهُ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا مَعْناهُ: وتُقِيمُوا الحُجَّةَ بِها عِنْدَ الحاكِمِ، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ أدْلى بِحُجَّتِهِ إذا قامَ بِها.

وَفي هَذا المالِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوَدائِعُ وما لا تَقُومُ بِهِ بَيِّنَةٌ مِن سائِرِ الأمْوالِ الَّتِي إذا جَحَدَها، حُكِمَ بِجُحُودِهِ فِيها.

والثّانِي: أنَّها أمْوالُ اليَتامى الَّتِي هو مُؤْتَمَنٌ عَلَيْها.

﴿ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِتَأْكُلُوا بَعْضَ أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ، فَعَبَّرَ عَنِ البَعْضِ بِالفَرِيقِ.

والثّانِي: عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وتَقْدِيرُهُ: لِتَأْكُلُوا أمْوالَ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ بِالإثْمِ.

وَفِي (أكْلِهِ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالجُحُودِ.

والثّانِي: بِشَهادَةِ الزُّورِ.

والثّالِثُ: بِرِشْوَةِ الحُكّامِ.

﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها لِلنّاسِ.

والثّانِي: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها إثْمٌ.

قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في امْرِئِ القَيْسِ الكِنْدِيِّ، وعَبْدانَ بْنِ رَبِيعَةَ الحَضْرَمِيِّ، وقَدِ اخْتَصَما في أرْضٍ كانَ عَبْدانُ فِيها ظالِمًا وامْرُؤُ القَيْسِ مَظْلُومًا، فَأرادَ أنْ يَحْلِفَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكَفَّ عَنِ اليَمِينِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ﴾ قال: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال ويخاصمهم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه، وقد علم أنه إثم أكل حرام.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ﴾ قال: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة في الآية قال: لا تدل بمال أخيك إلى الحكام وأنت تعلم أنك ظالم، فإن قضاءه لا يحل لك شيئاً كان حراماً عليك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ يعني بالظلم، وذلك أن امرأ القيس بن عابس وعبدان بن أشوع الحضرمي اختصما في أرض وأراد امرؤ القيس أن يحلف، ففيه نزلت ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ وفي قوله: ﴿ لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإِثم ﴾ يعني طائفة ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ يعني تعلمون أنكم تدعون الباطل.

وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه، فإنما أقطع له قطعة من النار» .

وأخرج أحمد عن أبي حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يحل لامرئ أن يأخذ مال أخيه بغير حقه، وذلك لما حرم الله مال المسلم على المسلم» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس «أنه كان يكره أن يبيع الرجل الثوب ويقول لصاحبه: إن كرهته فرد معه ديناراً» ، فهذا مما قال الله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: قلت لعبد الله بن عمرو: هذا ابن عمك يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، وأن نقتل أنفسنا وقد قال الله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ﴾ إلى آخر الآية.

فجمع يديه فوضعهما على جبهته ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ أي: لا يأكل (١)  (٢) ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ معنى الباطل في اللغة: الذاهب الزائل، يقال: بَطَلَ الشيء يبطُل بُطْلًا وبُطولًا فهو باطل، ويجمع الباطل: بَوَاطل، وأَبَاطِيل جمع أُبْطُولَة، ويقال: بَطَل الأجيرُ يَبْطُلُ بِطَالَة، إذا تَعَطَّل واتبع اللهو، ومثله: تبطّل (٤) قال ابن عباس: يعني: بغير طاعة الله عز وجل، واليمين الكاذبة يقتطع الرجل بها مال أخيه المسلم (٥) قال أهل المعاني: الأكلُ بالباطل على وجهين: أحدهما: أن يكون على جهة الظلم، من نحو: الغَصْب والخيانة والسرقة، والثاني: على جهة اللهو واللعب، كالذي يُؤْخَذُ في القمار والملاهي ونحوها، كلُّ ذلك من أكل المال الباطل (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾ في محل ﴿ وَتُدْلُوا ﴾ من الإعراب قولان (٧) ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ  ﴾ .

وأصل الإدلاء في اللغة: إرسال الدلو وإلقاؤها في البئر، قال الله تعالى: ﴿ فَأَدْلَى دَلْوَهُ  ﴾ ، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاءً، ومنه يقال للمحتج: أدلى بحجته، كأنه يرسلها ليصل إلى مراده إدلاءَ المستقى الدلوَ ليصل إلى مطلوبه من الماء، ويقال: فلان يُدلي إلى الميت بقرابة ورَحِم، إذا كان يَمت إليه من هذا؛ لأنه يطلب الميراث بتلك القرابة طلب المستقي الماء بالدلو (٨) ومعنى قوله: ﴿ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾ أي: تلقون أمورَ تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام.

قال ابن عباس: نزلت في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصم فيه إلى الحكام، وهو يعرف أن الحقَّ عليه، ولعلم أنه آثمٌ آكلُ حرامٍ (٩) وقال الحسن: هو أن يكون على الرجل لصاحبه حَقٌّ، فإذا طالبه به دعاه إلى الحاكم فيحلف له، ولذهب بحقه (١٠) ﴿ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾ أي: تعملون على ما يوجبه ظاهر الحكم والإدلاء بالحجة، وتتركون ما قد علمتم (١١)  : "إنما أنا بشر، ولعل بعضَكُم أن يكون أَلْحَنَ بِحُجَّتِه من بعض" الحديث (١٢) والمختار في هذه الآية ما ذكره الفراء، وهو أنه قال: المعنى: لا تصانعوا بأموالكم الحكام، ليقتطعوا لكم حقًّا لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم (١٣) قال الأزهري: وهذا عندي أصح القولين؛ لأن الهاء في قوله ﴿ بِهَا ﴾ للأموال، وهي على قول الزجاج للحجة، ولا ذكر لها في الكلام (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا ﴾ أي: طائفة (١٦) ﴿ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ ﴾ قال ابن عباس: يريد باليمين الكاذبة (١٧) وقال غيرُه: بالباطل (١٨) ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنكم مبطلون وأنه لا يحلُّ لَكم (١٩) (١) في (أ): (لأكل).

(٢) عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله  : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" أخرجه البخاري في الأدب باب: رحمة الناس والبهائم (6011)، ومسلم في: البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم، وتعاضدهم (2586) (6011) كتاب الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم، ومسلم (2586) كتاب البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم.

(٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 183، "تفسير الثعلبي" 2/ 383، "تفسير البغوي" 1/ 210، "التفسير الكبير" 1/ 116.

وقال: اعلم أنهم مثلوا قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ ﴾ ، بقوله: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ ، وهذا مخالف لها؛ لأن أكله لمال نفسه بالباطل يصح كما يصح أكله مال غيره.

(٤) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 350 بطل، "تفسير الثعلبي" 2/ 383، "الصحاح" 4/ 1635، "المفردات" ص61، "اللسان" 1/ 302 بطل.

(٥) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.

(٦) ينظر.

"تفسير القرطبي" 2/ 317، "زاد المسير" 1/ 194، ونقل عن القاضي يعلى أن الباطل على وجهين: أحدهما: أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه كالسرقة.

والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه كالقمار والغناء وثمن الخمر.

(٧) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 184، "معاني القرآن" للفراء 1/ 115، "تفسير القرطبي" 2/ 319، "التبيان" للعكبري 1/ 120، وذكر الوجهين، وهما: الجزم عطفًا على لا تأكلوا، والنصب على معنى الجمع أي: لا تجمعوا بين أن تأكلوا وتدلوا، وقيل: نصب بإضمار أن الخفيفة، وقال الأخفش: نصب على الجواب بالواو.

ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 386، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 353.

(٨) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 184، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 258، "تهذيب اللغة" 2/ 1214 (دلو)، "تفسير الثعلبي" 2/ 384، "المفردات" ص 178، "التفسير الكبير" 5/ 118.

(٩) رواه الطبري في "تفسيره" عنه 2/ 183، وابن أبي حاتم 1/ 321، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 366 إلى ابن المنذر.

(١٠) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 387، وذكر ابن أبي حاتم 1/ 321، عن الحسن أنه قال: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم.

(١١) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 258.

(١٢) أخرجه البخاري (7169) كتاب الشهادات، باب: موعظة الإمام للخصوم، ومسلم (1713) كتاب الأفضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة.

(١٣) نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1214 (دلو).

(١٤) "تهذيب اللغة" 2/ 1214 (دلو).

(١٥) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 75.

(١٦) "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 322، "تفسير الثعلبي" 2/ 386، "البحر المحيط" 2/ 57.

(١٧) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة.

(١٨) "تفسيرالثعلبي" 2/ 386.

(١٩) "تفسير الطبري" 2/ 183، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 322، "تفسير الثعلبي" 2/ 386، "البحر المحيط" 2/ 52.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تأكلوا أموالكم ﴾ أي يأكل بعضكم مال بعض ﴿ بالباطل ﴾ كالقمار، والغصب، وجحد الحقوق وغير ذلك ﴿ وَتُدْلُواْ ﴾ عطف على: لا تأكلو، أو نصب بإضمار أن وهو مِن: أدلى الرجل بحجته إذا قام بها، والمعنى: نهى عن أن يحتج بحجة باطلة، ليصل بها إلى أكل مال الناس، وقيل: نهى عن رشوة الحكام بأموال للوصول إلى أكل أموال الناس، فالباء على الأوّل سببية، وعلى الثاني للإلصاق ﴿ بالإثم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الباء سببية أو للمصاحبة، والإثم على القول الأوّل في تدلوا: إقامة الحجة الباطلة كشهادة الزور، والأيمان الكاذبة، وعلى القول الثاني: الرشوة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ البيوت ﴾ بضم الباء: أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والبرجمي وهشام غير الحلواني.

الباقون: بكسر الباء.

الوقوف: ﴿ تعلموا ﴾ ه ﴿ عن الأهلة ﴾ ط لابتداء حكم آخر مع النفي ﴿ من اتقى ﴾ ج و ﴿ الحج ﴾ ط ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ أبوابها ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: لما كان الصوم منتهياً إلى الإفطار والإفطار يتضمن الأكل، ناسب أن يردف حكم الصيام بحكم ما يصلح للأكل وما لا يصلح له.

ولما كان الصوم والفطر منوطين برؤية الهلال عقباً بذكر السؤال عن حال الأهلة.

قال الإمام الغزالي في الإحياء: المال يحرم إما لمعنى في عينه أو لخلل في جهة اكتسابه، والأول إما أن يكون من المعادن أو من النبات أو من الحيوان، أما المعادن والنبات فلا يحرم شيء منهما إلا ما يزيل الحياة وهي السموم، أو الصحة وهي الأدوية في غير وقتها، أو العقل كالخمر والبنج وسائر المسكرات.

وأما حدثنا الحيوان فينقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل.

وما يحل فإنما يحل إذا ذبح ذبحاً شرعياً، وإذا ذبح فلا يحل جميع أجزائه بل يحرم منه الدم والفرث وكل ذلك مذكور في كتب الفقه.

والثاني وهو ما يحرم لخلل في جهة إثبات اليد عليه نقول فيه أخذ المال إما أن يكون باختيار المتملك أو بغير اختياره كالإرث.

والذي باختياره إما أن لا يكون مأخوذاً من مالك كالمعادن، وإما أن يكون مأخوذاً من مالك وذلك إما أن يؤخذ قهراً أو بالتراضي.

والمأخوذ قهراً إما أن يكون لسقوط عصمة المالك كالغنائم، أولاً لاستحقاق الأخذ كزكوات الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم.

والمأخوذ تراضياً إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة، وإما أن يؤخذ بغير عوض كالهبة والوصية، فهذه أقسام ستة: الأول: ما لا يؤخذ من مالك كنيل المعادن وإحياء الموات والاصطياد والاحتطاب والاستقاء من الأنهار والاحتشاش، فهذا حلال بشرط أن لا يكون المأخوذ مختصاً بذي حرمة من الآدميين.

الثاني: المأخوذ قهراً ممن لا حرمة له وهو الفيء والغنيمة وسائر أموال الكفار المحاربين وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منه الخمس فقسموه بين المستحقين بالعدل ولم يأخذوه من كافر له حرمة وأمان وعهده.

الثالث: المأخوذ قهراً بالاستحقاق عند امتناع من عليه فيؤخذ دون رضاه وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق وتم وصف المستحق واقتصر على المستحق.

الرابع: ما يؤخذ تراضياً بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط العاقدين وشرط لفظي الإيجاب والقبول مع ما يعتد الشرع به من اجتناب الشروط المفسدة.

الخامس: ما يؤخذ بالرضا من غير عوض كما في الهبة والوصية والصدقة إذا روعي شرط المعقود عليه وشرط العاقدين وشرط العقد ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره.

السادس: ما يحصل بغير اختياره كالميراث وهو حلال إذا كان المورث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه حلال، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا وتعديل القسمة بين الورثة وإفراز الزكاة والحج والكفارة إن كانت واجبة.

فهذه مجامع مداخل الحلال وما سوى ذلك فحرام لا يجوز أكله.

وكذا إن كان من هذه الجهات وصرفه إلى غير المصارف الشرعية كالخمر والزمر والزنا واللواط والميسر والسرف المحرم، وكل هذه الوجوه داخلة تحت قوله  ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ أي بالوجه الذي لم يبحه الله  ولم يشرعه ﴿ بينكم ﴾ أي في المعاملات الجارية بينكم والتصرفات الواقعة بينكم.

وليس المراد منه الأكل خاصة بل غير الأكل من التصرف كالأكل في هذا الباب إلا أنه خص الأكل بالذكر لأنه المقصود الأعظم من المال.

وقد يقال لمن أنفق ماله إنه أكله.

والإدلاء أصله من أدليت دلوي أرسلتها في البئر للاستقاء، فإذا استخرجتها قلت دلوتها.

ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاء.

ومنه يقال للمحتج أدلى بحجته كأنه يرسلها ليصير إلى مراده.

وفلان يدلي إلى الميت بقرابة ورحم إذا كان منتسباً إليه فيطلب الميراث بتلك النسبة طلب المستقي الماء بالدلو.

قوله ﴿ وتدلوا ﴾ داخل في حكم النهي أي ولا تدلوا بها إلى الحكام أي لا ترشوها إليهم، أو لا تلقوا أمرها والحكومة فيها إليهم لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالإثم بشهادة الزور أو باليمين الكاذبة أو بالصلح مع العلم بأن المقضى له ظالم.

والفرق بين الوجهين أن الحكام على الأول حكام السوء الذين يقبلون الرشا التي هي رشا الحاجة، فبها يصير المقصود البعيد قريباً، وإذا أخذها حاكم السوء مضى في الحكم من غير ثبت كمضي الدلو في الإرسال.

وعلى الثاني قد يكون الحاكم عادلاً ولكن قد يشتبه عليه الحق كما روي عن النبي  أنه قال للخصمين: "إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه.

فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئاً فإنما أقضي له قطعة من نار" فبكيا وقال كل واحد منهما: حقي لصاحبي.

فقال: اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه.

"فتوخيا" أي اقصدا الحق فميا تصنعانه من القسمة واقترعا وليأخذ كل منكما ما تخرجه القسمة بالقرعة ثم تحاللا: ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أنكم على الباطل وارتكاب المعاصي مع العلم بقبحها أقبح وصاحبه بالتوبيخ أحق.

روي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاري قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ ألا يكون على حالة واحدة؟

﴿ يسئلونك عن الأهلة ﴾ وقيل: إن السائلين هم اليهود.

ثم إن الله  لم يجبهم بأنه إنما يرى كذلك لأنه يستفيد النور من الشمس وأنه مظلم في ذاته ويفصل أبداً بين المضيء والمظلم منه دائرة لاستداره المنير والمستنير، ويفصل بين المرئي وغير المرئي من القمر أيضاً دائرة.

والدائرتان تتطابقان في الاجتماع بحيث لا يظهر شيء من المستنير وتكون القطعة المظلمة مما يلي البصر وهذه الحالة هي المحاق.

وكذا في الاستقبال لكن القطعة المضيئة هي التي تلي البصر والقمر في هذه الحالة يسمى بدراً.

وفي سائر الأوضاع يتقاطعان.

أما في التربيعين فعلى زوايا قوائم تقريباً، وفي غير التربيعين على زوايا حادة ومنفرجة، وعلى التقديرين تنقسم كرة القمر بهما إلى أربع قطع: اثنتان مضيئتان وهما اللتان تليان الشمس، والباقيتان مظلمتان.

ويقع في مخروط البصر إحدى الأوليين وإحدى الأخريين، لكنه يحس بالمضيئة دون المظلمة.

والقطع الأربع في التربيعين متساويات تقريباً، وفي غيرهما تختلف المتجاورتان وتتساوى المتقابلتان.

والقطعة المرئية من المتجاورتين الواقعتين في مخروط البصر في الربعين الأول والأخير من الشهر أصغرهما، لأن زاوية تلك القطعة أصغر اللتين يليان الإبصار أعني أنها حادة وتسمى القطعة المرئية الصغيرة أول ما يبدو إلى ليلتين هلالاً ويجمع على أهلة، لأنه يتعدد اعتباراً.

وفي الربعين الباقيين من الشهر القطعة المضيئة المرئية أعظم المتجاورتين الموصوفتين لأن زاويتها أعظم المذكورتين أعني أنها منفرجة، وإنما لم يجابوا بذلك لأن المكلف لا يهمه معرفة هذه التصورات في باب العمل، وإنما الذي يعود عليه من فوائده وحكمه في باب التكليف معرفة المواقيت وهي المعالم التي يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهن ومدد حملهن ومعالم للحج يعرف بها وقته.

والميقات من الوقت كالميزان من الوزن، ولعمري إنه لو منع مانع من أن ضبط هذه الأمور لا يتسهل ولا يتسنى إلا بوقوع الاختلاف في تشكلات القمر حيث سمى عوده من كل تشكل إلى مثله ولا سيما من الهلالية إلى مثلها شهراً وبذلك قدر السنون، وضبطت الأوقات والفصول فلن يمكنه جحود فائدته على تقدير وجود، ولو لم يكن في الإظهار رسمة الحدوث والإمكان والزوال والنقصان في الفلكيات حتى لا يظن بها وجوب الوجود، أو الاشتراك في القدم مع مفيض الخير والجود، أو امتناع الخرق والالتئام كما ذهب إلى كل من ذلك طائفة من اللئام لكفى به تنبيهاً وعناية وإرشاداً وهداية إلى افتقار الفلكيات إلى فاعل مختار ومدبر قهار جاعل الظلم والأنوار، ومصير الأهلة والأقمار، وفي إفراد الحج بالذكر مع أن الأهلة مواقيت عبادات أخر كالصوم والزكاة إشارة إلى أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله  له، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر إلى شهر آخر كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء.

ويمكن أن يقال: توقف الصوم على الهلال قد علم من قوله ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن  ﴾ والزكاة تتعلق بالحول.

والأصل في تقدير السنين لعودة الشمس من نقطة كأول الحمل مثلاً إلى مثلها بحركتها الخاصة، والأيمان والجهاد لا يتعلقان بوقت معين، والصلاة تتعلق باليوم بليلته، فلم يبق من الأركان المتعلقة بالشهر سوى الحج فتعين ذكره في هذه الآية والله أعلم.

قوله  عز من قائل ﴿ وليس البر بأن تأتوا البيوت ﴾ عن البراء قال: نزلت هذه الآية فينا.

كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤا لم يدخلوا من قبل أبواب البيوت فجاء رجل من الأنصارفدخل من قبل بابه فكأنه عُير بذلك فنزلت وفي رواية كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله الآية.

والحاصل أن ناساً من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً من باب فإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء.

فقيل لهم: ليس البر بتحرجكم من دخول الباب تشديداً لأمر الإحرام ﴿ ولكن البر من اتقى ﴾ ولكن ذا البر من اتقى مخالفة الله.

وقيل: إن الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر مبن صعصعة سموا حمساً لتشددهم في دينهم والحماسة الشدة.

كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم ألبتة، ولم يجلسوا تحت سقف البيت، ولم يستظلوا الوبر، ولم يأكلوا السمن والأقط.

وعن الحسن والأصم: كان الرجل في الجاهلية إذا هم فتعسر عليه مطلوبه لم يدخل بيته من بابه بل يِأتيه من خلفه، ويبقى على هذه الحالة حولاً كاملاً فنهاهم الله  عن ذلك لأنهم كانوا يفعلونه تطيراً.

وأما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله بناء على الأسباب المروية في نزوله وعليه أكثر المفسرين، فهو أنهم لما سألوا عن الحكمة في اختلاف حال الأهلة قيل لهم: اتركوا السؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم وارجعوا إلى ما البحث عنه أهم، ولا تعتقدوا أن جميع ما سنح لكم هو على شاكلة الصواب: وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم تحسبونها براً وليست من البر في شيء، أو أنه  لما ذكر الحكمة في الأهلة وهي جعلها مواقيت الناس والحج وكان هذا الأمر من الأشياء التي اعتبروها في الحج، فلا جرم تكلم الله تعالى فيه استطراداً، أو اتفق وقوع القصتين في وقت واحد فنزلت الآية فيهما معاً في وقت واحد.

وقيل: إنه تمثيل لتعكيسهم في سؤالهم، فإن الطريق المستقيم هو الاستدلال بالمعلوم على المظنون، فأما أن يستدل بالمظنون على المعلوم فذاك عكس الواجب، ولما ثبت بالدلائل أن للعالم صانعاً مختاراً حكيماً، وثبت أن الحكيم لا يفعل إلا الصواب البريء عن العبث والسفه، فإذا رأينا اختلاف حال القمر وجب أن نعلم أن فيه حكمة ومصلحة، وهذا استدلال بالمعلوم على المجهول.

فأما أن يستدل بعدم علمنا بما فيه من الحكمة على أن فاعله غير حكيم فهو استدلال بالمجهول على المعلوم، فكأنه  يقول: لما لم تعلموا حكمته في اختلاف نور القمر صرتم شاكين في حكمة الخالق أو قاربتم الشك، فقد أتيتم الأمر من ورائه وهذا ليس من البر ولا من كمال العقل، إنما البر أن تأتوا الأمور من وجوهها التي يجب أن تؤتى منها، وهذا باب مشهور في الكناية قال الأعشى: وكأس شربت على رغبة *** وأخرى تداويت منها بها لكي يعلم الناس أني أمرؤ *** أتيت المعيشة من بابها وعن أبي مسلم: أن هذا إشارة إلى ما كانوا يفعلونه من النسيء وكان يقع الحج في غير وقته، فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثلاً لمخالفتهم الواجب في الحج وشهوره.

ثم إنه  أمرهم بالتقوى التي تتضمن الإتيان بجميع الواجبات والاجتناب عن الفواحش والمنكرات إرادة أن يظفروا بالمطالب الدينية والدنيوية والله ولي التوفيق.

التأويل: ﴿ بالباطل ﴾ أي بهوى النفس والحرص والإسراف ﴿ وتدلوا بها إلى الحكام ﴾ يعني النفوس الأمارة بالسوء ﴿ من أموال الناس ﴾ من الأموال التي خلقت للاستعانة بها على العبودية.

الأهلة للزاهدين مواقيت أورادهم وللصديقين مواقيت مراقباتهم.

والحج إشارة إلى ما يرد بحكم الوقت عليهم من غير اختيارهم، فمن كان وقته الصحو كان قيامه بالشريعة، ومن كان وقته المحو فالغالب عليه أحكام الحقيقة، فإن تجلى لهم بوصف الجلال طاشوا، وإن تجلى لهم بوصف الجمال عاشوا، فليس للمحبين وقت إلا أوقات محبوبهم كما ليس لهم وصف إلا أوصاف محبوبهم والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ ﴾ .

قيل: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ولا تدلوا بها إلى الحكام.

وقراءة أُبيّ: "فلا تدلوا بها إلى الحكام"، وجهان: على إضمار لا؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ  ﴾ ، أي: ولا تكتموا الحق.

وقيل: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ ﴾ بما تلبسوا على الحكام، وتقيموا على ذلك حججاً باطلة، على ما جاء عن رسول الله  ، أنه قال: "إنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه المسلم فكأنما قضيت له بقطعة من النار" وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ ﴾ ، جعل مال أخيه كماله، ونفس أخيه كنفسه بقوله  : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ .

فإذا أكل مال أخيه بالباطل لزمه مثله، جعل كأكل ماله بباطل، وجعل قتل نفسه أخيه بالباطل كقتل نفسه بالباطل؛ لأنه إذا قتله بباطل قتل به.

ثم من الناس من استدل بهذا على أبي حنيفة، رضي الله  عنه، فيما يقول بمضي العقد إذا شهد الشهود على ذلك عند الحاكم، وقضى به، ثم ظهر أن الشهود شهود زور؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ ﴾ ، وكما روي من الوعيد للأخذ مكان ما أخذ قطعة من نار، فإذا لم يحل ذلك لم يمض العقد.

غير أن الأصل عندنا في كل ما لو اجتمع الخصمان على ذلك بسبب جعل ذلك لهما، فإذا قضى الحاكم بذلك السبب نفذ.

وقوله: ﴿ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

يعني: طائفة من أموال الناس.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا يأخذ بعضكم مال بعضكم بوجه غير مشروع، كالسرقة والغَصْب والغش، ولا تخاصموا بها إلى الحكام لتأخذوا طائفة من أموال الناس متلبّسين بالمعصية، وأنتم تعلمون أن الله حرم ذلك، فالإقدام على الذنب مع العلم بتحريمه أشد قُبْحًا وأعظم عقوبة.

<div class="verse-tafsir" id="91.egy5G"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام كما تقدم في سرد الأحكام العملية، ولما فرغ من أحكام الصيام، وفيها حكم أكل الإنسان مال نفسه في وقت دون وقت، مهَّد لحكم أكل مال غيره بذكر الحدود العامة والنهي عن قربها ثم قال: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ  ﴾ الخطاب لعامة المكلفين، والمراد لا يأكل بعضكم مال بعض، واختار لفظ أموالكم وهو يصدق بأكل الإنسان مال نفسه للإشعار بوحدة الأمة وتكافلها، وللتنبيه على أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لمالك، لأن استحلال التعدي وأخذ المال بغير حق يعرض كل مال للضياع والذهاب، ففي هذه الإضافة البليغة تعليل للنهي، وبيان لحكمة الحكم، كأنه قال لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، لأن ذلك جناية على نفس الأكل، من حيث هو جناية على الأمة التي هو أحد أعضائها، لا بد أن يصيبه سهم من كل جناية تقع عليها، فهو باستحلاله مال غيره يجرئ غيره على استحلال أكل ماله عند الاستطاعة، فما أبلغ هذا الإيجاز!

وما أجدر هذه الكلمة بوصف الإعجاز.

وفي الإضافة معنى آخر قال بعضهم وهو التنبيه على أنه يجب على الإنسان أن ينفق مال نفسه في سبيل الحق وأن لا يضيعه في سبل الباطل المحرمة، وهذا المعنى صحيح في ذاته، ولكن فهمه من الآية بعيد لقوله ﴿ بَيْنَكُمْ  ﴾ فهو صريح في أن المراد ما يقع به التعامل بين اثنين فأكثر.

والمراد بالأكل مطلق الأخذ والتعبير عن الأخذ بالأكل معروف باللغة تجوزوا فيه قبل نزول القرآن، ومنشأه أن الأكل أعم الحاجات من المال وأكثرها، وإن كان بعض الناس يفضل غير الأكل من الأهواء ينفق فيه المال، فإن هذا لا ينفي أن الحاجة إلى الأكل وتقويم البنية أعظم وأعم.

وأكثر ما يستعمل أكل المال في مقام أخذه بالباطل وقد يستعمل في غيره.

وأما الباطل فهو ما لم يكن في مقابلة شيء حقيقي، وهو من البطل والبطلان، أي الضياع والخسار، فقد حرمت الشريعة أخذ المال بدون مقابلة حقيقية يعتد بها، ورضاء من يؤخذ بها، وكذلك إنفاقه في غير وجه حقيقي نافع.

ومن ذلك تحريم الصدقة على القادر على كسب يكفيه وإن تركه حتى نزل به الفقر اعتمادًا على السؤال.

ومنه تحريم الربا لأنه أكل لأموال الناس بدون مقابل من صاحب المال المعطي، كما يقع في الناس كثيرًا من أكل الربا أضعافًا مضاعفة، وفَرقٌ بينه وبين السلم.

إن روح الشريعة تعلمنا بمثل هذه الآية أنه يُطلب من الإنسان أن يكتسب المال من الطرق الصحيحة والمشروعة التي لا تضر أحدًا، وإنما أجمل وأوجز القرآن في الباطل لأنه من الأمور المعروفة للناس بوجوهه الكثيرة، وحسب المسلم أن يكف عن كل ما يعتقد أنه باطل، على أنه بين هذا الإجمال في أمور قد تخفي على الناس كالإدلاء إلى الحكام الآتي وكتحريم الربا أي ربا الفضل المنهي عنه في الحديث عنه دون ربا النسيئة المحرم بنص القرآن فهو لا خفاء في بطلانه لأنه زيادة في المال لأجل التأخير في أجَل الدين الذي استهلك لا لمنفعة جديدة.

ويدخل في هذا الباب التعدي على الناس بغصب المنفعة بأن يسخر بعضهم بعضًا في عمل لا يعطيه عليه أجرًا، أو ينقصه من الأجر المسمى أو أجر المثل، ويدخل فيخ سائر ضروب التعدي والغش والاحتيال كما يقع من السماسرة فيما يذهبون فيه من مذاهب التلبيس والتدليس، إذ يزينون للناس السلع الرديئة، والبضائع المزجاة، ويسولون لهم فيورطونهم، وكل من باع أو اشترى مستعينًا بإيهام الآخر ما لا حقيقة له ولا صحة بحيث لو عرف الخفايا والقلب وهمه علمًا لما باع أو لما اشترى فهو آكل لماله بالباطل.

ومن هؤلاء الموهمين باعة "التولات" و "التناجيس" و "التمائم"، وكذا العزائم وختمات القرآن والعدد المعلوم من سورة ﴿ يس  ﴾ أو بعض الأذكار، وقد بلغ من هزؤ هؤلاء بالدين أن كان بعض المشهورين منهم يبيع ﴿ يس  ﴾ لقضاء الحاجات أو لرحمة الأموات، يقرأها مرات كثيرة، ويعقد لكل مرة عقدة في خيط يحمله حتى إذا ما جاءه طالب ابتياع القراءة وأخذ منه الثمن بعد المساومة يحل له من تلك العقد، بقدر ما يطلب من العدد!!.

إن كل أجر يؤخذ على عبادة فهو أكل لأموال الناس بالباطل، وقد مضى الصدر الأول ولم يكن أخذ الأجر على عبادة ما معروفًا، ولا يوجد في كلام أهل القرن الأول والثاني كلمة تشعر بذلك، ثم لا يعقل أن تحقق العبادة وتحصل بالأجرة، لأن تحققها إنما يكون بالنية وإرادة وجه الله تعالى وابتغاء مرضاته بامتثال أمره، ومتى شاب هذه النية شائبة من حظ الدنيا خرج العمل عن كونه عبادة خالصة لله، والله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصًا من الحظوظ والشوائب.

من علم العلم والدين بالأجرة فهو كسائر الصناع والأجراء لا ثواب له على أصل العمل بل على اتقانه والإخلاص فيه والنصح لمن يعلمهم، وينبغي للمعلم الذي يعطي راتبًا من الأوقاف الخيرية أن يأخذه إذا كان محتاجًا لأجل سد الحاجة لا بفصد الأجرة على التعليم، وبذلك يكون عابدًا لله تعالى بالتعليم نفسه، وعلامته أن يستعفف إذا هو استغنى، فلا يأخذ من الوقف شيئًا.

وقالوا في المؤذن مثل ما قالوا في معلم القرآن، ويأتي فيه من القصد والنية ما ذكر في المعلم.

ولا خلاف في عدم جواز أخذ الأجرة على جواب السائل عن مسألة دينية تعرض له إذ الإجابة فريضة على العارفين وكتمان العلم محرم عليهم.

وجملة القول أن أكل أموال الناس بالباطل يتحقق في كل أخذ للمال بغير رضى من المأخوذ منه لا شائبة للجهل أو الوهم أو الغش أو الضرر فيه، كالغش بإيهام أن قراءة القرآن بالأجرة تنفع المقروء لأجله حيًا أو ميتًا، مع أنها معصية كما تقدم، وكالضرر العام في الأخلاق والمعاوضات كضرر الربا.

ذكر الأكل مجملًا عامًا ثم بيّن نوعًا منه خصه بالنهي عنه مع دخوله في العام لما يقع من الشبهة فيه لبعض الناس إذ يعتقد بعضهم أن الحاكم الذي هو نائب الشارع في بيان الحق ومنفذ الشرع إذ حكم لإنسان بشيء ولو بغير حق فإنه محل له ولا يكون من الباطل فقال تعالى ﴿ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ  ﴾ أي ولا تلقوا بها إلى الحكام رشوة لهم ﴿ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾ إبطالًا لهذا الاعتقاد ليعلم أن الحق لا يتغير بحكم الحاكم بل هو ثابت في نفسه وليس على الحاكم إلا بيانه وإيصاله إلى مستحقه بالعدل.

إن الحاكم عبارة عن شخص العدل الناطق بما لكل أحد منه.

نعم، إن كان المحكوم له بالباطل في الواقع يعتقد أنه صاحب الحق لشبهة عرضت له وحكم له الحاكم يكون معذورًا فيما يأكله بحكمه، ولا يعذر إذا كان عالمًا بأنه غير محق لأن حكم القاضي على الظاهر فقط.

قد نفت الآية الاشتباه وبينت أن الاستعانة بالحكام على أكل المال بالباطل محرم لأن الحكم لا يغير الحق في نفسه ولا يحله للمحكوم له به، ومع هذا قد اختلف علماؤنا في حكم القاضي هل هو على الظاهر فقط أم ينفذ ظاهرًا وباطنًا ويكون الإثم على القاضي وحده إن تعمد الجور دون المحكوم له، فالجمهور على أن حكم القاضي ينفذ ظاهرًا فقط، وأبو حنيفة على أن حكم القاضي بنحو الطلاق وعقد النكاح أو فسخه ينفذ ظاهرًا وباطنًا وإن كان الشهود زورًا، وأن حكمه بالمال لا ينفذ إلا ظاهرًا فلا يحل للمحكوم له تناوله إذا لم يكن له.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن الإدلاء بمعنى الإلقاء وقالوا إنه في الأصل إلقاء الدلو واختير هذا التعبير لأنه يشعر بعدم الروية.

والضمير في قوله تعالى ﴿ بِهَا  ﴾ قيل إنه يرجع إلى الأموال والمعنى لا تلقوها إليهم بالرشوة وقالوا إن الرشوة رشاء الحكم، وقيل إن المراد ولا تلقوا بحكومة الأموال إلى الحكام، والفريق من الشيء الجملة والطائفة منه، والإثم فسره بعضهم بشهادة الزور، وبعضهم باليمين الفاجرة وهو أعم من ذلك، وإن صح ما ذكروه في سبب نزول الآية وهو؛ ما أخرجه ابن أبي حاتم من مراسيل سعيد بن جبير أن عبد الله بن أشوع الخضرمي وامرؤ القيس بن عابس اختصما في أرض ولم تكن بينة فحكم رسول الله  بأن يحلف امرؤ القيس، فهم به، فنزلت، والمراد بالعلم في قوله ﴿ تَعْلَمُونَ  ﴾ ما يشمل الظن وهو احتراس عمن يأكل معتقدًا أنه حقه، ولذلك أمثلة وفروع لا تحصى، مثل ما إذا علم زيد أن أباه أودع له وديعة كذا عند فلان الذي مات فطالب ولد الميت بذلك وكان هذا يعتقد أن أباه تركه تراثًا فمن حكم له به منهما لا يقال إنه أكله بالإثم.

ونحن نرى ونسمع ونعلم ما عليه المسلمون في هذا العصر، ولا سيما في بلاد مصر، من كثرة التقاضي والخصام، والإدلاء إلى الحكام، حتى إن منهم من لا يطالب غريمه بحقه إلا بواسطة المحكمة، ولعله لو طالبه لما احتاج إلى التقاضي، ومنهم من يحاكم الآخر لمحض الانتقام والإيذاء، وإن أضر بنفسه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل