الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٨٩ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 169 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال العوفي عن ابن عباس : سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة ، فنزلت هذه الآية : ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس [ والحج ] ) يعلمون بها حل دينهم ، وعدة نسائهم ، ووقت حجهم .
وقال أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : بلغنا أنهم قالوا : يا رسول الله ، لم خلقت الأهلة ؟
فأنزل الله ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ) يقول : جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم ، وعدة نسائهم ، ومحل دينهم .
وكذا روي عن عطاء ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي ، والربيع بن أنس ، نحو ذلك .
وقال عبد الرزاق ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جعل الله الأهلة مواقيت للناس ، فصوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما " .
ورواه الحاكم في مستدركه ، من حديث ابن أبي رواد ، به .
وقال : كان ثقة عابدا مجتهدا شريف النسب ، فهو صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .
وقال محمد بن جابر ، عن قيس بن طلق ; عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جعل الله الأهلة ، فإذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " .
وكذا روي من حديث أبي هريرة ، ومن كلام علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه .
وقوله : ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها ) قال البخاري : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره ، فأنزل الله ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها ) .
وكذا رواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، قال : كانت الأنصار إذا قدموا من سفر لم يدخل الرجل من قبل بابه ، فنزلت هذه الآية .
وقال الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر : كانت قريش تدعى الحمس ، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام ، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام ، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بستان إذ خرج من بابه ، وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري ، فقالوا : يا رسول الله ، إن قطبة بن عامر رجل تاجر وإنه خرج معك من الباب .
فقال له : " ما حملك على ما صنعت ؟
" قال : رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت .
فقال : " إني [ رجل ] أحمس " .
قال له : فإن ديني دينك .
فأنزل الله ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها ) رواه ابن أبي حاتم .
ورواه العوفي عن ابن عباس بنحوه .
وكذا روي عن مجاهد ، والزهري ، وقتادة ، وإبراهيم النخعي ، والسدي ، والربيع بن أنس .
وقال الحسن البصري : كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا وخرج من بيته يريد سفره الذي خرج له ، ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره ، لم يدخل البيت من بابه ، ولكن يتسوره من قبل ظهره ، فقال الله تعالى : ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها [ ولكن البر من اتقى ] ) الآية .
وقال محمد بن كعب : كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت ، فأنزل الله هذه الآية .
وقال عطاء بن أبي رباح : كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا منازلهم من ظهورها ويرون أن ذلك أدنى إلى البر ، فقال الله تعالى : ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) وقوله : ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) أي : اتقوا الله فافعلوا ما أمركم به ، واتركوا ما نهاكم عنه ( لعلكم تفلحون ) غدا إذا وقفتم بين يديه ، فيجزيكم بأعمالكم على التمام ، والكمال .
القول في تأويل قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ قال أبو جعفر: ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن زيادة الأهلة ونقصانها واختلاف أحوالها، فأنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية، جوابا لًهُم فيما سألوا عنه.
ذكر الأخبار بذلك: 3067 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده قوله: " يَسألُونك عن الأهلة قُلْ هيَ مواقيت للناس "، قال قتادة: سألوا نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك: لم جُعلت هذه الأهلة؟
فأنـزل الله فيها ما تَسمعون: " هي مَواقيتُ للناس "، فجعلها لصوم المسلمين ولإفطارهم، ولمناسكهم وحجّهم، ولعدة نسائهم وَمحلّ دَينهم في أشياء، والله أعلم بما يُصلح خلقه.
3068 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: ذكر لنا أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لم خُلقت الأهلة؟
فأنـزل الله تعالى: " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيتُ للناس والحج " جعلها الله مواقيتَ لصوم المسلمين وإفطارهم ولحجهم ومناسكهم وعدّة نسائهم وَحلّ ديونهم (94) .
3069- حدثنا الحسن بن يحيى، قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا &; 3-554 &; معمر، عن قتادة في قوله: " مواقيتُ للناس والحج " قال: هي مواقيت للناس في حجهم وصومهم وفطرهم ونُسكهم.
3070 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال الناس: لم خلقت الأهلة؟
فنـزلت: " يسألونك عن الأهلة قُل هي مواقيت للناس "، لصَومهم وإفطارهم وَحجهم وَمَناسكهم - قال: قال ابن عباس: ووقتَ حجهم، وعدة نسائهم، وَحلّ دَينهم.
3071- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يسألونك عن الأهلة قلْ هي مواقيت للناس " فهي مواقيت الطلاق والحيض والحج.
3072 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، حدثنا الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس "، يعني: حَلّ دينهم، ووقت حجهم، وعدة نسائهم.
3073- حدثني محمد بن سعد، قال، حدثني أبي، قال، حدثني عمي، قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: سأل الناسُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنـزلت هذه الآية: " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس " يعلمون بها حَلّ دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم.
3074 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله بن يحيى، عن علي: أنه سئل عن قوله: " مواقيت للناس "، قال: هي مواقيتُ الشهر: هكذا وهكذا وهكذا - وقبض إبهامه - فإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فأتموا ثَلاثين (95) .
* * * &; 3-555 &; قال أبو جعفر: فتأويل الآية - إذا كان الأمرُ على ما ذكرنا عمن ذكرنا عنهُ قوله في ذلك-: يسألونك يا محمد عن الأهلة ومحاقها وسِرَارِها وَتمامها واستوائها، وتغير أحوالها بزيادة ونُقصان وَمحاق واستسرار، وما المعنى الذي خَالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة أبدًا على حال واحدة لا تتغير بزيادة ولا نقصان؟
- فقلْ يا محمد: خالف بين ذلك ربُّكم لتصييره الأهلة = التي سألتم عن أمرها، ومخالفة ما بينها وبين غيرها فيما خالف بينها وبينه = مواقيتَ لكم ولغيركم من بني آدم في معايشهم، ترقبون بزيادتها ونقصانها ومحاقِها واستسرارها وإهلالكم إياها، أوقات حَلّ ديونكم، وانقضاء مدة إجارة من استأجرتموه، وتصرُّم عدة نسائكم، ووقت صومكم وإفطاركم، فجعلها مواقيت للناس.
* * * وأما قوله " والحج "، فإنه يعني: وللحجِّ، يقول: وجعلها أيضًا ميقاتًا لحجكم، تعرفون بها وقت مناسككم وحَجكم.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) قال أبو جعفر: قيل: نـزلت هذه الآية في قوم كانوا لا يدخلون - إذا أحرموا - بيوتَهم من قبل أبوابها.
&; 3-556 &; * ذكر من قال ذلك: 3075- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: كانت الأنصار إذا حَجوا ورَجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظُهورها.
قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنـزلت هذه الآية: " وليسَ البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها " (96) .
3076 - حدثني سفيان بن وكيع، قال، حدثني أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كانوا في الجاهلية إذا أحرموا، أتُوا البيوت من ظهورها، ولم يأتوا من أبوابها، فنـزلت: " وليس البر بأن تأتوا البيوتَ من ظهورها " ..الآية (97) .
3077 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال، سمعت داود، عن قيس بن حبتر: أن ناسا كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطا من بابه، ولا دارا من بابها أو بيتا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دارا، وكان رجل من الأنصار يقال له: " رفاعة بن تابوت " فجاء فتسوَّر الحائط، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما خرَج من باب الدار - أو قال: من باب البيت - خرج معه رفاعة، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ذلك؟
قال: يا رسول الله، رأيتُك خرجتَ منه، فخرجت منه!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّي رجلٌ أحْمس!
فقال: إن تكن رَجلا أحْمس، فإنّ ديننا واحد!
فأنـزل الله تعالى ذكره: " وليسَ البر بأن تأتوا البيوتَ من ظُهورها ولكن &; 3-557 &; البر من اتقى وأتوا البيوتَ من أبوابها " (98) .
3078 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " وليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظُهورها " يقول: ليس البرّ بأن تأتوا البيوت من كُوَّات في ظهور البيوت، وأبواب في جنوبها، تجعلها أهل الجاهلية.
فنُهوا أن يدخلوا منها، وأمِروا أن يدخلوا من أبوابها.
3079- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
3080 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، &; 3-558 &; قال: كان ناسٌ من أهل الحجاز إذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب بيوتهم ودخلوا من ظهورها، فنـزلت: " ولكن البر من اتقى " الآية.
3081 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكنّ البر من اتقى وأتوا البيوتَ من أبوابها " قال: كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم نَقب كُوَّة في ظهر بيته فجعل سُلَّمًا، فجعل يدخل منها.
قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ومعه رجل من المشركين، قال: فأتى الباب ليدخل، فدخل منه.
قال: فانطلق الرجل ليدخل من الكوة.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شأنك؟
فقال: إنّي أحمس!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أحمس.
3082- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: كان ناسٌ من الأنصار إذا أهلُّوا بالعمرة لم يَحل بينهم وبين السماء شيء يتحرَّجون من ذلك، وكان الرجل يخرج مُهلا بالعمرة فتبدو له الحاجة بعد ما يخرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سَقف الباب أن يحول بينه وبين السماء، فيفتح الجدار من وَرَائه، ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته.
فتخرج إليه من بيته، حتى بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَّ زمنَ الحديبية بالعمرة، فدخل حجرة، فدخل رجل على أثره، من الأنصار من بني سَلِمة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنّي أحمس!
قال الزهري: وكانت الحُمس لا يبالون ذلك.
فقال الأنصاري: وأنا أحمس!
يقول: وأنا على دينك، فأنـزل الله تعالى ذكره: " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظُهورها ".
3084 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وليس البر بأن تأتوا البيوت " الآية كلها.
قال قتادة: كان هذا الحي من الأنصار في الجاهلية، إذا أهلَّ أحدُهم بحجّ أو عمرة لا يدخلُ دارا من بابها، إلا أن يتسور حائطا تسوُّرًا، وأسلموا وهم كذلك.
فأنـزل الله تعالى ذكره &; 3-559 &; في ذلك ما تسمعون، ونهاهم عن صنيعهم ذلك، وأخبرهم أنه ليس من البر صنيعهم ذلك، وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها.
3085 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " فإن ناسا من العرَب كانوا إذا حجُّوا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها كانوا يَنقبون في أدبارِها، فلما حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، أقبل يمشي ومعه رجل من أولئك وهو مسلم.
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم باب البيت احتبس الرجل خلفه وأبى أن يدخل، قال: يا رسول الله، إني أحمس!
- يقول: إنّي محرم - وكان أولئك الذين يفعلون ذلك يسمون " الحُمس "، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أيضا أحمس!
فادخل.
فدخل الرجل، فأنـزل الله تعالى ذكره: " وأتوا البيوت من أبوابها ".
3086 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال، حدثني عمي، قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظُهورها ولكنّ البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها "، وأنّ رجالا من أهل المدينة كانوا إذا خاف أحدُهم من عَدوِّه شيئا أحرم فأمِن، فإذا أحرم لم يلج من باب بيته واتخذ نَقبا من ظَهر بيته.
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كان بها رجلٌ محرم كذلك - وأنّ أهل المدينة كانوا يُسمُّون البستان " الحُشّ" - وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخل بُستانًا، فدخله من بابه، ودخل معه ذلك المحرم، فناداه رجلٌ من ورائه: يا فلان، إنك محرم وقد دخلت!
فقال: أنا أحمس!
فقال: يا رسول الله، إن كنت محرما فأنا محرم، وإن كنت أحمسَ فأنا أحمسُ!
فأنـزل الله تعالى ذكره: " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظُهورها "، إلى آخر الآية، فأحل الله للمؤمنين أن يدخلوا من أبوابها.
3087 - حدثت عن عمار بن الحسن، قال حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، &; 3-560 &; عن أبيه، عن الربيع قوله: " وليسَ البر بأنْ تأتوا البيوتَ من ظهورها ولكن البر مَن اتقى وأتوا البيوت من أبوابها " قال: كان أهل المدينة وغيرُهم إذا أحرمُوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها، وذلك أن يتسوَّرُوها، فكان إذا أحرم أحدُهم لا يدخل البيت إلا أن يتسوّره من قِبَل ظَهره.
وأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل ذات يوم بيتا لبعض الأنصار، فدخل رجلٌ على أثره ممن قد أحرم، فأنكروا ذلك عليه، وقالوا: هذا رجل فاجرٌ!
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لم دخلت من الباب وقد أحرمت؟
فقال: رأيتك يا رسول الله دخلتَ فدخلتُ على أثرك!
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنّي أحمس!
- وقريش يومئذ تُدعى الحُمس - فلما أن قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال الأنصاري: إن ديني دينك!
فأنـزل الله تعالى ذكره: " وليس البر بأن تأتوا البيوتَ من ظهورها " الآية.
3088 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، قال، قال ابن جريج: قلت لعطاء قوله: " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " قال: كان أهل الجاهلية يأتون البيوت من ظهورها ويرَوْنه برًّا، فقال: " البر "، ثم نعت " البر " وأمر بأن يأتوا البيوت من أبوابها = قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدا يقول: كانت هذه الآية في الأنصار، يأتون البيوت من ظهورها، يتبرَّرُون بذلك.
* * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: وليس البر أيها الناس بأن تأتوا البيوت في حال إحرامكم من ظهورها، ولكن البر من اتقى الله فخافه وتجنب محارمه، وأطاعه بأداء فرائضه التي أمره بها، فأما إتيانُ البيوت من ظهورها فلا برَّ لله فيه، فأتوها من حيثُ شئتُم من أبوابها وغير أبوابها، ما لم تعتقدوا تحريم إتيانها من أبوابها في حال من الأحوال، فإن ذلك غيرُ جائزٍ لكم اعتقادُه، لأنه مما لم أحرمه عليكم.
* * * &; 3-561 &; القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: واتقوا الله أيها الناس، فاحذروه وارهبوه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه، واجتناب ما نهاكم عنه، لتفلحوا فتنجحوا في طلباتكم لديه، وتدركوا به البقاءَ في جَنَّاته والخلودَ في نعيمه.
* * * وقد بينا معنى " الفلاح " فيما مضى قبلُ بما يدل عليه (99) .
-------------- الهوامش : (94) هكذا جاء في هذه الآثار 3068 ، 3070 ، 3072 ، 3073"حل ديونهم" .
والذي في كتب اللغة : "حل الدين يحل حلولا ومحلا (بكسر الحاء)" : أي وجب .
وأستظهر أن يكون هذا المصدر"حلا" بفتح الحاء كنظائرها من اللغة كقولهم : "صد يصد صدا وصدودا" ، ولو كسرت الحاء لكان وجها .
وهذه الرواية قاضية على صحة هذا المصدر .
(95) الخبر : 3074- جابر : هو ابن يزيد الجعفي ، بينا أنه ضعيف جدا ، في : 2340 .
وأما شيخه"عبد الله بن يحيى" : فما عرفت من هو؟
وأكبر ظني أن الاسم محرف ، لم أستطع الوصول إلى صحته .
وهذا الخبر لم يذكره ابن كثير ، ولا السيوطي .
وإنما أشار إليه ابن كثير إشارة 1 : 430 .
وقد ورد معناه مرفوعا ، في حديث صحيح ، رواه الحاكم 1 : 423 ، من حديث عبد الله بن عمر .
وصححه ووافقه الذهبي .
وذكره ابن كثير 1 : 430 ، من رواية عبد الرزاق ، ثم أشار إلى رواية الحاكم إياه .
وذكره السيوطي 1 : 203-204 ، ونسبه أيضًا للبيهقي .
(96) الحديث : 3075- رواه أبو داود الطيالسي : 717 ، عن شعبة ، بهذا الإسناد ، نحوه .
ورواه البخاري مطولا 3 : 494 ، عن أبي الوليد ، عن شعبة ، بهذا الإسناد .
وذكره السيوطي 1 : 204 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم .
وسيأتي معناه بإسناد آخر ، عقبه .
(97) الحديث : 3076- هو مكرر ما قبله .
وهو في تفسير وكيع ، كما ذكر السيوطي 1 : 204 .
ورواه البخاري 8 : 137 ، عن عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، بهذا الإسناد .
(98) الحديث : 3077- داود : هو ابن أبي هند ، مضت ترجمته : 1608 .
قيس بن حبتر النهشلي التميمي : تابعي ثقة ، وثقه أبو زرعة ، والنسائي ، وغيرهما .
"حبتر" : بفتح الحاء المهملة والتاء المثناة بينهما باء موحدة ساكنة .
ووقع في المطبوعة هنا"جبير" ، وهو تصحيف .
ووقع أيضًا هكذا مصحفا في المواضع التي سنشير إليها من الفتح والإصابة والدر المنثور ، في هذا الحديث .
وهذا إسناد مرسل ، لأنه عن تابعي مرفوعا ، فهو ضعيف .
والحديث ذكره السيوطي 1 : 204 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن المنذر .
وذكره الحافظ في الإصابة 2 : 209 ، من تفسير عبد بن حميد .
وذكره أيضًا في الفتح 3 : 494 ، مختصرا ، ونسبه لعبد بن حميد ، وابن جرير ، وصرح في الموضعين بأنه حديث مرسل .
الأحمس : هو المتشدد فيه دينه الصلب .
ثم كانت الحمس (جمع أحمس) هم قريش .
وخزاعة ، لنزولها مكة ومجاورتها قريشا ، وكل من ولدت قريش من العرب وكنانة ، وجديلة قيس - وهم فهم وعدوان ابنا عمرو بن قيس عيلان ، وبنو عامر بن صعصعة ، وكل من نزل مكة من قبائل العرب .
فكانت الحمس قد شددوا في دينهم على أنفسهم ، فكانوا إذا نسكوا لم يسلأوا سمنا ، ولم يطبخوا أقطا ، ولم يدخروا لبنا ، ولم يحولوا بين مرضعة ورضاعها حتى يعافه ، ولم يحركوا شعرا ولا ظفرا ، ولا يبتنون في حجهم شعرا ولا وبرا ولا صوفا ولا قطنا ، ولا يأكلون لحما ، ولا يلبسون إلا جديدا ، ولا يطوفون بالبيت إلا في حذائهم وثيابهم ، ولا يمشون المسجد بأقدامهم تعظيما لبقعته ، ولا يدخلون البيوت من أبوابها ، ولا يخرجون إلى عرفات ، يقولون : "نحن أهل الله" ، ويلزمون مزدلفة حتى يقضوا نسكهم ، ويطوفون بالصفا والمروة إذا انصرفوا من مزدلفة ، ويسكنون في ظعنهم قباب الأدم الحمر (المحبر لابن حبيب : 178-180 ، ثم سيرة ابن هشام 1 : 211-216 / والطبري في التفسير رقم : 3840) .
(99) انظر ما سلف 1 : 249-250 .
قوله تعالى : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون[ ص: 318 ] فيه اثنتا عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : يسألونك عن الأهلة هذا مما سأل عنه اليهود واعترضوا به على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال معاذ : يا رسول الله ، إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة فما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يستوي ويستدير ، ثم ينتقص حتى يعود كما كان ؟
فأنزل الله هذه الآية .
وقيل : إن سبب نزولها سؤال قوم من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم عن الهلال وما سبب محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس ، قاله ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم .الثانية : قوله تعالى : عن الأهلة الأهلة جمع الهلال ، وجمع وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالا واحدا في شهر ، غير كونه هلالا في آخر ، فإنما جمع أحواله من الأهلة .
ويريد بالأهلة شهورها ، وقد يعبر بالهلال عن الشهر لحلول فيه ، كما قال :أخوان من نجد على ثقة والشهر مثل قلامة الظفروقيل : سمي شهرا لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلون عليه ، ويطلق لفظ الهلال لليلتين من آخر الشهر ، وليلتين من أوله ، وقيل : لثلاث من أوله ، وقال الأصمعي : هو هلال حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق ، وقيل : بل هو هلال حتى يبهر بضوئه السماء ، وذلك ليلة سبع .
قال أبو العباس : وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه .
ومنه استهل الصبي إذا ظهرت حياته بصراخه ، واستهل وجهه فرحا وتهلل إذا ظهر فيه السرور .
قال أبو كبير :وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهللويقال : أهللنا الهلال إذا دخلنا فيه .
قال الجوهري : " وأهل الهلال واستهل على ما لم يسم فاعله ، ويقال أيضا : استهل بمعنى تبين ، ولا يقال : أهل ويقال : أهللنا عن ليلة كذا ، ولا يقال : أهللناه فهل ، كما يقال : أدخلناه فدخل ، وهو قياسه " : قال أبو نصر عبد الرحيم القشيري في تفسيره : ويقال : أهل الهلال واستهل وأهللنا الهلال واستهللنا .الثالثة : قال علماؤنا : من حلف ليقضين غريمه أو ليفعلن كذا في الهلال أو رأس الهلال أو عند الهلال ، ففعل ذلك بعد رؤية الهلال بيوم أو يومين لم يحنث .
وجميع الشهور تصلح لجميع العبادات والمعاملات على ما يأتي .قوله تعالى : قل هي مواقيت للناس والحج تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر [ ص: 319 ] ونقصانه ، وهو زوال الإشكال في الآجال والمعاملات والإيمان والحج والعدد والصوم والفطر ومدة الحمل والإجارات والأكرية ، إلى غير ذلك من مصالح العباد ، ونظيره قوله الحق : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب على ما يأتي ، وقوله : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب .
وإحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام .الرابعة : وبهذا الذي قررناه يرد على أهل الظاهر ومن قال بقولهم : إن المساقاة تجوز إلى الأجل المجهول سنين غير معلومة ، واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل اليهود على شطر الزرع والنخل ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من غير توقيت ، وهذا لا دليل فيه ; لأنه عليه السلام قال لليهود : أقركم فيها ما أقركم الله .
وهذا أدل دليل وأوضح سبيل على أن ذلك خصوص له ، فكان ينتظر في ذلك القضاء من ربه ، وليس كذلك غيره ، وقد أحكمت الشريعة معاني الإجارات وسائر المعاملات ، فلا يجوز شيء منها إلا على ما أحكمه الكتاب والسنة ، وقال به علماء الأمة .الخامسة : مواقيت المواقيت : جمع الميقات وهو الوقت ، وقيل : الميقات منتهى الوقت .
ومواقيت لا تنصرف ; لأنه جمع لا نظير له في الآحاد ، فهو جمع ونهاية جمع ، إذ ليس يجمع فصار كأن الجمع تكرر فيها ، وصرفت " قوارير " في قوله : قواريرا لأنها وقعت في رأس آية فنونت كما تنون القوافي ، فليس هو تنوين الصرف الذي يدل على تمكن الاسم .السادسة : والحج بفتح الحاء قراءة الجمهور ، وقرأ ابن أبي إسحاق بالكسر في جميع القرآن ، وفي قوله : حج البيت في " آل عمران " .
سيبويه : الحج كالرد والشد ، والحج كالذكر ، فهما مصدران بمعنى وقيل : الفتح مصدر ، والكسر الاسم .السابعة : أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت ، وأنه لا يجوز النسيء فيه عن وقته ، بخلاف ما رأته العرب ، فإنها كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور ، فأبطل الله قولهم وفعلهم ، على ما يأتي بيانه في " براءة " إن شاء الله تعالى .الثامنة : استدل مالك رحمه الله وأبو حنيفة وأصحابهما في أن الإحرام بالحج يصح في [ ص: 320 ] غير أشهر الحج بهذه الآية ; لأن الله تعالى جعل الأهلة كلها ظرفا لذلك ، فصح أن يحرم في جميعها بالحج ، وخالف في ذلك الشافعي ، لقوله تعالى : الحج أشهر معلومات على ما يأتي ، وأن معنى هذه الآية أن بعضها مواقيت للناس ، وبعضها مواقيت للحج ، وهذا كما تقول : الجارية لزيد وعمرو ، وذلك يقضي أن يكون بعضها لزيد وبعضها لعمرو ، ولا يجوز أن يقال : جميعها لزيد وجميعها لعمرو ، والجواب أن يقال : إن ظاهر قوله هي مواقيت للناس والحج يقتضي كون جميعها مواقيت للناس وجميعها مواقيت للحج ، ولو أراد التبعيض لقال : بعضها مواقيت للناس وبعضها مواقيت للحج ، وهذا كما تقول : إن شهر رمضان ميقات لصوم زيد وعمرو ، ولا خلاف أن المراد بذلك أن جميعه ميقات لصوم كل واحد منهما ، وما ذكروه من الجارية فصحيح ; لأن كونها جمعاء لزيد مع كونها جمعاء لعمرو مستحيل ، وليس كذلك في مسألتنا ، فإن الزمان يصح أن يكون ميقاتا لزيد وميقاتا لعمرو ، فبطل ما قالوه .التاسعة : لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوما من السلع بثمن معلوم إلى أجل معلوم من شهور العرب أو إلى أيام معروفة العدد أن البيع جائز ، وكذلك قالوا في السلم إلى الأجل المعلوم ، واختلفوا في من باع إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى العطاء وشبه ذلك ، فقال مالك : ذلك جائز لأنه معروف ، وبه قال أبو ثور ، وقال أحمد : أرجو ألا يكون به بأس ، وكذلك إلى قدوم الغزاة ، وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء ، وقالت طائفة .
ذلك غير جائز ; لأن الله تعالى وقت المواقيت وجعلها علما لآجالهم في بياعاتهم ومصالحهم .
كذلك قال ابن عباس ، وبه قال الشافعي والنعمان .
قال ابن المنذر : قول ابن عباس صحيح .العاشرة : إذا رئي الهلال كبيرا فقال علماؤنا : لا يعول على كبره ولا على صغره وإنما هو ابن ليلته .
روى مسلم عن أبي البختري قال : خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة قال : تراءينا الهلال ، فقال بعض القوم : هو ابن ثلاث ، وقال بعض القوم : هو ابن ليلتين .
قال : فلقينا ابن عباس فقلنا : إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم هو ابن ثلاث ، وقال بعض القوم هو ابن ليلتين ، فقال : أي ليلة رأيتموه ؟
قال فقلنا : ليلة كذا وكذا ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله مده للرؤية فهو لليلة رأيتموه .[ ص: 321 ] الحادية عشرة : قوله تعالى : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها اتصل هذا بذكر مواقيت الحج لاتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلة وعن دخول البيوت من ظهورها ، فنزلت الآية فيهما جميعا ، وكان الأنصار إذا حجوا وعادوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم ، فإنهم كانوا إذا أهلوا بالحج أو العمرة يلتزمون شرعا ألا يحول بينهم وبين السماء حائل ، فإذا خرج الرجل منهم بعد ذلك ، أي من بعد إحرامه من بيته ، فرجع لحاجة لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء ، فكان يتسنم ظهر بيته على الجدران ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته .
فكانوا يرون هذا من النسك والبر ، كما كانوا يعتقدون أشياء نسكا ، فرد عليهم فيها ، وبين الرب تعالى أن البر في امتثال أمره .
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم رجل منهم بالحج فإن كان من أهل المدر - يعني من أهل البيوت - نقب في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج ، أو يضع سلما فيصعد منه وينحدر عليه ، وإن كان من أهل الوبر - يعني أهل الخيام - يدخل من خلف الخيام الخيمة ، إلا من كان من الحمس ، وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرته ودخل خلفه رجل أنصاري منبني سلمة ، فدخل وخرق عادة قومه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( لم دخلت وأنت قد أحرمت ) ، فقال : دخلت أنت فدخلت بدخولك ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني أحمس ) أي من قوم لا يدينون بذلك ، فقال له الرجل : وأنا ديني دينك ، فنزلت الآية ، وقال ابن عباس وعطاء وقتادة ، وقيل : إن هذا الرجل هو قطبة بن عامر الأنصاري .والحمس : قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر بن صعصعة وبنو نصر بن معاوية ، وسموا حمسا لتشديدهم في دينهم ، والحماسة الشدة .
قال العجاج :وكم قطعنا من قفاف حمسأي شداد ، ثم اختلفوا في تأويلها ، فقيل ما ذكرنا ، وهو الصحيح ، وقيل : إنه النسيء وتأخير الحج به ، حتى كانوا يجعلون الشهر الحلال حراما بتأخير الحج إليه ، والشهر الحرام حلالا بتأخير الحج عنه ، فيكون ذكر البيوت على هذا مثلا لمخالفة الواجب في الحج [ ص: 322 ] وشهوره .
وسيأتي بيان النسيء في سورة ( براءة ) إن شاء الله تعالى ، وقال أبو عبيدة : الآية ضرب مثل ، المعنى ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن اتقوا الله واسألوا العلماء ، فهذا كما تقول : أتيت هذا الأمر من بابه ، وحكى المهدوي ومكي عن ابن الأنباري ، والماوردي عن ابن زيد أن الآية مثل في جماع النساء ، أمر بإتيانهن في القبل لا من الدبر ، وسمي النساء بيوتا للإيواء إليهن كالإيواء إلى البيوت .
قال ابن عطية : وهذا بعيد مغير نمط الكلام ، وقال الحسن : كانوا يتطيرون ، فمن سافر ولم تحصل حاجته كان يأتي بيته من وراء ظهره تطيرا من الخيبة ، فقيل لهم : ليس في التطير بر ، بل البر أن تتقوا الله وتتوكلوا عليه .قلت : القول الأول أصح هذه الأقوال ، لما رواه البراء قال : كان الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت من أبوابها ، قال : فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه ، فقيل له في ذلك ، فنزلت هذه الآية : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها وهذا نص في البيوت حقيقة .
خرجه البخاري ومسلم ، وأما تلك الأقوال فتؤخذ من موضع آخر لا من الآية ، فتأمله ، وقد قيل : إن الآية خرجت مخرج التنبيه من الله تعالى على أن يأتوا البر من وجهه ، وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به ، فذكر إتيان البيوت من أبوابها مثلا ليشير به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي ندبنا الله تعالى إليه .قلت : فعلى هذا يصح ما ذكر من الأقوال .
والبيوت جمع بيت ، وقرئ بضم الباء وكسرها .
وتقدم معنى التقوى والفلاح فلا معنى للإعادة .الثانية عشرة : في هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب .
قال ابن خويز منداد : إذا أشكل ما هو بر وقربة بما ليس هو بر وقربة أن ينظر في ذلك العمل ، فإن كان له نظير في الفرائض والسنن فيجوز أن يكون ، وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة .
قال : وبذلك جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر حديث ابن عباس قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه ، فقالوا : هو أبو إسرائيل ، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه ، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان غير قربة مما لا أصل له في شريعته ، وصحح ما كان قربة مما له نظير في الفرائض والسنن .
يقول تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ } جمع - هلال - ما فائدتها وحكمتها؟
أو عن ذاتها، { قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ } أي: جعلها الله تعالى بلطفه ورحمته على هذا التدبير يبدو الهلال ضعيفا في أول الشهر, ثم يتزايد إلى نصفه, ثم يشرع في النقص إلى كماله, وهكذا, ليعرف الناس بذلك, مواقيت عباداتهم من الصيام, وأوقات الزكاة, والكفارات, وأوقات الحج.
ولما كان الحج يقع في أشهر معلومات, ويستغرق أوقاتا كثيرة قال: { وَالْحَجِّ } وكذلك تعرف بذلك, أوقات الديون المؤجلات, ومدة الإجارات, ومدة العدد والحمل, وغير ذلك مما هو من حاجات الخلق، فجعله تعالى, حسابا, يعرفه كل أحد, من صغير, وكبير, وعالم, وجاهل، فلو كان الحساب بالسنة الشمسية, لم يعرفه إلا النادر من الناس.
{ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا } وهذا كما كان الأنصار وغيرهم من العرب, إذا أحرموا, لم يدخلوا البيوت من أبوابها, تعبدا بذلك, وظنا أنه بر.
فأخبر الله أنه ليس ببر لأن الله تعالى, لم يشرعه لهم، وكل من تعبد بعبادة لم يشرعها الله ولا رسوله, فهو متعبد ببدعة، وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها لما فيه من السهولة عليهم, التي هي قاعدة من قواعد الشرع.
ويستفاد من إشارة الآية أنه ينبغي في كل أمر من الأمور, أن يأتيه الإنسان من الطريق السهل القريب, الذي قد جعل له موصلا، فالآمر بالمعروف, والناهي عن المنكر, ينبغي أن ينظر في حالة المأمور, ويستعمل معه الرفق والسياسة, التي بها يحصل المقصود أو بعضه، والمتعلم والمعلم, ينبغي أن يسلك أقرب طريق وأسهله, يحصل به مقصوده، وهكذا كل من حاول أمرا من الأمور وأتاه من أبوابه وثابر عليه, فلا بد أن يحصل له المقصود بعون الملك المعبود.
{ وَاتَّقُوا اللَّهَ } هذا هو البر الذي أمر الله به, وهو لزوم تقواه على الدوام, بامتثال أوامره, واجتناب نواهيه, فإنه سبب للفلاح, الذي هو الفوز بالمطلوب, والنجاة من المرهوب، فمن لم يتق الله تعالى, لم يكن له سبيل إلى الفلاح, ومن اتقاه, فاز بالفلاح والنجاح.
قوله تعالى : ( يسألونك عن الأهلة ) نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاريين قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلئ نورا ثم يعود دقيقا كما بدأ ولا يكون على حالة واحدة ؟
فأنزل الله تعالى ( يسألونك عن الأهلة ) وهي جمع هلال مثل رداء وأردية سمي هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته من قولهم استهل الصبي إذا صرخ حين يولد وأهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية ( قل هي مواقيت للناس والحج ) جمع ميقات أي فعلنا ذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم ، والإفطار وآجال الديون وعدد النساء ، وغيرها فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) قال أهل التفسير كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته ليدخل منه ويخرج أو يتخذ سلما فيصعد منه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك برا إلا أن يكون من الحمس وهم قريش وكنانة ، [ وخزاعة وثقيف وخثعم ، وبنو عامر بن صعصعة وبنو مضر بن معاوية سموا حمسا لتشددهم في دينهم والحماسة الشدة والصلابة ] فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بيتا لبعض الأنصار ، فدخل رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن التابوت على أثره من الباب وهو محرم فأنكروا عليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لم دخلت من الباب وأنت محرم قال رأيتك دخلت فدخلت على أثرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أحمس فقال الرجل إن كنت أحمسيا فإني أحمسي رضيت بهديك وسمتك ، ودينك فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال الزهري : كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فتبدو له الحاجة بعدما يخرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء فيفتح الجدار من ورائه ثم يقول في حجرته فيأمر بحاجته حتى بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرة فدخل رجل على أثره من الأنصار من بني سلمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لم فعلت ذلك قال لأني رأيتك دخلت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أحمس فقال الأنصاري وأنا أحمس يقول وأنا على دينك فأنزل الله تعالى ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر الغيوب ، والجيوب ، والعيون وشيوخا بكسر أوائلهن لمكان الياء وقرأ الباقون بالضم على الأصل وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " جيوبهن بكسر الجيم وقرأ أبو بكر وحمزة " الغيوب بكسر العين ( ولكن البر من اتقى ) أي البر بر من اتقى ( وأتوا البيوت من أبوابها ) في حال الإحرام ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) .
«يسألونك» يا محمد «عن الأهلة» جمع هلال لمَ تبدو دقيقة ثم تزيد حتى تمتلئ نورا ثم تعود كما بدت ولا تكون على حالة واحدة كالشمس «قل» لهم «هي مواقيت» جمع ميقات «للناس» يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم وعُدد نسائهم وصيامهم وإفطارهم «والحج» عطف على الناس أي يعلم بها وقته فلو استمرت على حالة لم يعرف ذلك «وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها» في الإحرام كغيره بأن تنقبوا فيها نقبا تدخلون منه وتخرجون وتتركوا الباب وكانوا يفعلون ذلك ويزعمونه برّا «ولكنَّ البرَّ» أي ذا البِر «من اتقى» الله بترك مخالفته «وأتوا البيوت من أبوابها» في الإحرام «واتقوا الله لعلكم تفلحون» تفوزون.
يسألك أصحابك -أيها النبي-: عن الأهلة وتغيُّر أحوالها، قل لهم: جعل اللهُ الأهلة علامات يعرف بها الناس أوقات عباداتهم المحددة بوقت مثل الصيام والحج، ومعاملاتهم.
وليس الخير ما تعودتم عليه في الجاهلية وأول الإسلام من دخول البيوت من ظهورها حين تُحْرِمون بالحج أو العمرة، ظانين أن ذلك قربة إلى الله، ولكن الخير هو فِعْلُ مَنِ اتقى الله واجتنب المعاصي، وادخلوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم بالحج أو العمرة، واخشوا الله تعالى في كل أموركم، لتفوزوا بكل ما تحبون من خيري الدنيا والآخرة.
ورد في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : " بلغنا أن بعض الناس قالوا : يا رسول الله ، لم خلقت الأهلة فنزلت " .والأهلة : جمع الهلال ، وهو الكوكب الذي يبزغ في أول كل شهر ، ويسمى هلالا لثلثا ليال أو لسبع ليلا من ظهوره ، ثم يسمى بعد ذلك قمرا إلى أن يعود من الشهر الثاني .قال بعضهم : وهو مشتق من استهل الصبي إذا بكى وصاح حين يولد ، ومنه أهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية ، وسمى بذلك لأنه حين يرى يهل الناس بذكره أو بالتكبير ، ولهذا يقال أهل الهلال واستهل .والمواقيت : جمع ميقات بمعنى الوقت ، وهو ما يقدر لعمل من الأعمال وقيل : الميقات منتهى الوقت .والمعنى : يسألك بعض الناس عن الحكمة من خلق الأهلة ، قل لهم - يا محمد 0 إن الله - تعالى - قد خلقها لتكون معالم يوقت ويحدد بها الناس صومهم ، وزكاتهم ، وحجهم ، وعدة نسائهم ، ومدد حملهن ، ومدة الرضاع ، وغير ذلك مما يتعلق بأمور معاشهم .قال - تعالى - : ( هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق يُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) وخص الجح بالكر مع أن الأهلة مواقيت لعبادات أخرى كالصوم والزكاة للتبيه على أن الحج مقصور وقد أدائه على الزمن الذي عينه الله - تعالى - وأنه لا يجوز نقله إلى وقت آخر كما كانت العرب تفعل ، إذ كانوا ينقلون ما شاؤوا من الأشهر الحرام الأربعة التي من جملتها ذو الحجدة إلى شهر آخر غير حرام ، وهو النسيء المشار إليه بقوله - تعالى - : ( إِنَّمَا النسياء زِيَادَةٌ فِي الكفر ) وخص الشارع المواقيت بالأهلة وأشهرها دون الشمس وأشهرها ، لأن الأشهر الهلالية تعرف برؤية الهلال ومحاقه ، وذلك ما لا يخفى على أحد من الخاصة أو العامة أينما كانوا بخلاف الأشهر الشمسية ، فإن معرفتها تنبني على النظر في حركات الفلك وهي لا تتيسر ألا للعارفين بدقائق علم الفلك .هذا ، وم الروايات التي وردت في سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس قال : نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم قالا : يا رسول الله .
ما بال الهلال يبدو - أو يطلع - دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستدير ، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان ، لا يكون على حال واحد؟
فنزلت .وعلى هذه الرواية يكون الجواب بقوله - تعالى - : ( قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج ) من قبيل أسلوب الحكيم ، وهو إجابة السائل بغير ما يتطلبه سؤاله ، بتنزيل سؤاله منزلة غيره ، تنبيها له على أن ذلك الغير هو الأولى بالسؤال لأنه هو المهم بالنسبة له .فأنت ترى هنا أن السائلين قد سألأوا عن سبب اختلاف الأهلة بالزيادة والنقصان ، فأجيبوا ببيان الحكمة من خلقها ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : عليكم أن تسألوا عن الحكمة والفائدة من خلق الأهلة لأن هذا هو الأليق بحالكم وهو ما أجبتكم عليه ، لا أن تسألوا عن سبب تزايدها في أول الشهر وتناقصها في آخره ، لأن هذا من اختصاص علماء الهيئة ، وأنتم لستم في حاجة إلى معرفة ذلك في هذا الوقت .ولعلماء البلاغة كلام جيد في مزايا ما يسمونه بأسلوب الحكيم ، فقد قال السكاكي ما ملخصه : " ولهذا النوع - أعني إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر - أساليب متفننة ، ولكل من تلك الأساليب عرق في البلاغة يتشرب من أفانين سحرها ، ولا كأسلوب الحكيم فيها .
وهو تلقى المخاطب بغير ما يترقب ، أو السائل بغير ما يتطلب ، كما قال - تعالى - ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة ) الآية .
قالوا في السؤال ما بال الهلال يبدوا دقيقاً .
.
ألخ فأجيبوا بما ترى .
وإن هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام فحرك من نشاط السامع ما سلبه حكم الوقور ، وأبرزه في معرض المسحور ، وهل ألان شكيمة " الحجاج الثقفي " لذلك الرجل الخارجي ، وسل سخيمته ، حتى آثر أن يحسن على أن يسيء غير أن سحره بهذا الأسلوب؟
إذ توعده الحجاج بالقيد في قوله " لأحملنك على الأدهم " فقال الخارجي متغابيا : مثل الأمير بحمل على الأدهم الأشهب .
مبرزاً وعيده في معرض الوعد ، متوصلا أن يريه بألطف وجه : أن رجلا مثله جدير بأن يعد لا أن يوعد " .وقوله - تعالى - : ( وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا ولكن البر مَنِ اتقى وَأْتُواْ البيوت مِنْ أَبْوَابِهَا ) هذا القول الكريم نهى لجماعة المسلمين عن عادة كونا يفعلونها في الجاهلية ، وهي أنهم كانوا إذا عادوا من حجهم أو أحرموا لا يدخلون من أبواب بيوتهم ، بل كانوا يدخلون من نقب ينقبونه في ظهور بيوتهم .أخرج البخاري عن أبي إسحاق قال : سمعت البراء - رضي الله عنه - يقول : نزلت هذه الآية فينا .
كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه فكأنه عير بذلك فنزلت : ( وَلَيْسَ البر ) إلخ .والمعنى : وليس من البر ما كنتم تفعلونهن في الجاهلية من دخولكم البيوت من ظهورها عند إحرامكم أو عودتكم من حجكم ، وكلن البر الحق الجامع لخصال الخير يكون في تقوى الله بأن تمتثلوا أوامرره وتجتنبوا نواهيه ، وإذا ثبت ذلك فعليكم أن تأتوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم أو رجوعكم من حجكم .وفي الأمر بأتيان البيوت من أبوابها إشعار بأن إيتانها من ظهورا ابسم الدين غير مأذون فيه ، وكل ما يفعل باسم الدين وليس له في الدين من شاهد فهو بدعة ، وكل بدعة ضلالة .وفي الآية الكريمة تعريض بمن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما هو ليس من العلم المختص بالنبوة ، ولا تتوقف معرفته على الوحي ، فهذا السائل في سؤاله مثله كمثل من يدخل البيت من ظهره لا من بابه .قال بعضهم : وذلك لأن العلم على ضربين : علم دنيوي يتعلق بأمر المعاش - كمعرفة الصنائع ومعرفة حركات ومعرفة المعادن والنبات ، وقد جعل الله لنا سبيلا إلى معرفة ذلك غير لسان بينه صلى الله عليه وسلم .وعلم شرعي يتعلق بالعبادات والمعاملات والعقيدة ولا سبيل إلى أخذه إلا من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم .فلما جاءوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عما أمكنهم معرفته من غير جهته أجابهم .
ثم بين لهم أن البر في التقوى وذلك يكون بالعلم والعمل المختص بالدين " .قا صاحب الكشاف : فإن قلت .
ما وجه اتصال قوله - تعالى - ( وَلَيْسَ البر ) إلخ بما قبله؟
قلت : كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها : إن كل ما يفعله الله - تعالى - لا يكون إلا عن حكمة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تعفلونهها أنتم مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها برا .
ويجوز أن يكون ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج ، لأنه كان من أفعالهم في الحج .
ويحتمل أن يكون هذا لتعكيسهم في سؤالهم وأن مثلهم كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره .
والمعنى : ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم ، ولكن البر بر من اتقى ذلبك وتجنبه ولم يجسر على مثله ثم قال : ( وَأْتُواْ البيوت مِنْ أَبْوَابِهَا ) أي : باشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا ، والمراد وجوب توطين النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال الله حكمة وصواب .وقوله - تعالى - ( واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) أمر بالتقوى التي تتضمن القيام بجميع الواجبات واجتناب البدع والمنكرات .
أي : افعلوا ما أمركم الله به ، واجتنبوا ما نهاكم عنه ، لتكونوا من المفلحين ، وهم الفائزون بالحياة المطمئنة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد رددت عقول الناس إلى النظر والتأمل في سنن الله وفي خلفه على النحو الذي ينشئ التقوى في النفوس ، ويوجه إلأى العمل الصالح الذي يرضى الله - تعالى - .وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين بطاعته وتقواه ، وحضهم على الجهاد في سبيله إذ هو من أجل مظاهرها ، وبصرهم بحكمته وآدابه فقال - تعالى - :( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ .
.
.
)
الحكم التاسع: في الآية مسائل: المسألة الأولى: نقل عن ابن عباس أنه قال: ما كان قوم أقل سؤالاً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم سألوا عن أربعة عشر حرفاً فأجيبوا.
وأقول: ثمانية منها في سورة البقرة أولها: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ .
وثانيها: هذه الآية ثم الستة الباقية بعد في سورة البقرة، فالمجموع ثمانية في هذه السورة والتاسع: قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ والعاشر: في سورة الأنفال ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال ﴾ والحادي عشر: في بني إسرائيل ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح ﴾ والثاني عشر: في الكهف ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين ﴾ والثالث عشر: في طه ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال ﴾ والرابع عشر: في النازعات ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة ﴾ ولهذه الأسئلة ترتيب عجيب: اثنان منها في الأول في شرح المبدأ فالأول: قوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي ﴾ وهذا سؤال عن الذات والثاني: قوله: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة ﴾ وهذا سؤال عن صفة الخلاقية والحكمة في جعل الهلال على هذا الوجه، واثنان منها في الآخرة في شرح المعاد أحدهما: قوله: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال ﴾ والثاني: قوله: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها ﴾ ونظير هذا أنه ورد في القرآن سورتان أولهما: ﴿ يا أيها الناس ﴾ أحدهما: في النصف الأول: وهي السورة الرابعة من سورة النصف الأول، فإن أولاها الفاتحة وثانيتها البقرة.
وثالثها آل عمران ورابعتها النساء وثانيتهما: في النصف الثاني من القرآن وهي أيضاً السورة الرابعة من سور النصف الثاني أولاها مريم، وثانيتها طه، وثالثتها الأنبياء، ورابعتها الحج، ثم ﴿ يا أيها الناس ﴾ التي في النصف الأول تشتمل على شرح المبدأ فقال: ﴿ يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ و ﴿ يا أيها الناس ﴾ التي في النصف الثاني تشتمل على شرح المعاد فقال: ﴿ يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيء عَظِيمٌ ﴾ فسبحان من له في هذا القرآن أسرار خفية، وحكم مطوية لا يعرفها إلا الخواص من عبيده.
المسألة الثانية: روي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم وكل واحد منهما كان من الأنصار قالا يا رسول الله: ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا، لا يكون على حالة واحدة كالشمس، فنزلت هذه الآية ويروى أيضاً عن معاذ أن اليهود سألت عن الأهلة.
واعلم أن قوله تعالى: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة ﴾ ليس فيه بيان إنهم عن أي شيء سألوا لكن الجواب كالدال على موضع السؤال، لأن قوله: ﴿ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج ﴾ يدل على أن سؤالهم كان على وجه الفائدة والحكمة في تغير حال الأهلة في النقصان والزيادة، فصار القرآن والخبر متطابقين في أن السؤال كان عن هذا المعنى.
المسألة الثالثة: الأهلة جمع هلال وهو أول حال القمر حين يراه الناس، يقال له: هلال ليلتين من أول الشهر ثم يكون قمراً بعد ذلك، وقال أبو الهيثم: يسمى القمر ليلتين من أول الشهر هلالاً، وكذلك ليلتين من آخر الشهر، ثم يسمى ما بَين ذلك قمراً، قال الزجاج: فعال يجمع في أقل العدد على أفعلة، نحو مثال وأمثلة، وحمار وأحمرة، وفي أكثر العدد يجمع على فعل مثل حمر لأنهم كرهوا في التضعيف فعل، نحو هلل وخلل، فاقتصروا على جمع أدنى العدد.
أما قوله تعالى: ﴿ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج ﴾ مسألتان: المسألة الأولى: المواقيت جمع الميقات بمعنى الوقت كالميعاد بمعنى الوعد، وقال بعضهم الميقات منتهى الوقت، قال الله تعالى: ﴿ فَتَمَّ ميقات رَبّهِ ﴾ والهلال ميقات الشهر، ومواضع الإحرام مواقيت الحج لأنها مواضع ينتهي إليها، ولا تصرف مواقيت لأنها غاية الجموع، فصار كأن الجمع يكرر فيها فإن قيل: لم صرفت قوارير؟
قيل: لأنها فاصلة وقعت في رأس آية، فنون ليجري على طريقة الآيات، كما تنون القوافي، مثل قوله: أقل اللوم عاذل والعتابن *** المسألة الثانية: اعلم أنه سبحانه وتعالى جعل الزمان مقدراً من أربعة أوجه: السنة والشهر واليوم والساعة، أما السنة فهي عبارة عن الزمان الحاصل من حركة الشمس من نقطة معينة من الفلك بحركتها الحاصلة عن خلاف حركة الفلك إلى أن تعود إلى تلك النقطة بعينها، إلا أن القوم اصطلحوا على أن تلك النقطة نقطة الإعتدال الربيعي وهو أول الحمل، وأما الشهر فهو عبارة عن حركة القمر من نقطة معينة من فلكه الخاص به إلى أن يعود إلى تلك النقطة، ولما كان أشهر أحوال القمر وضعه مع الشمس، وأشهر أوضاعه من الشمس هو الهلال العربي، مع أن القمر في هذا الوقت يشبه الموجود بعد العدم والمولود الخارج من الظلم لا جرم جعلوا هذا الوقت منتهى للشهر، وأما اليوم بليلته فهو عبارة عن مفارقة نقطة من دائرة معدل النهار نقطة من دائرة الأفق، أو نقطة من دائرة نصف النهار وعودها إليها، فالزمان المقدر عبارة عن اليوم بليلته، ثم أن المنجمين اصطلحوا على تعيين دائرة نصف النهار مبدأ لليوم بليلته، أما أكثر الأمم فإنهم جعلوا مبادئ الأيام بلياليها من مفارقة الشمس أفق المشرق وعودها إليه من الغداة، واحتج من نصر مذهبهم بأن الشمس عند طلوعها كالموجود بعد العدم فجعله أولا أولى، فزمان النهار عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأرض، وزمان الليل عبارة عن كونها تحت الأرض، وفي شريعة الإسلام يفتتحون النهار من أول وقت طلوع الفجر في وجوب الصلاة والصوم وغيرهما من الأحكام، وعند المنجمين مدة الصوم في الشرع هي زمان النهار كله مع زيادة من زمان الليل معلومة المقدار محدودة المبدأ، وأما الساعة فهي على قسمين: مستوية جزء من أربعة وعشرين من يوم وليلة، فهذا كلام مختصر في تعريف السنة والشهر واليوم والساعة.
فنقول: أما السنة فهي عبارة عن دورة الشمس فتحدث بسببها الفصول الأربعة، وذلك لأن الشمس إذا حصلت في الحمل فإذا تركت من هذا الموضع إلى جانب الشمال، أخذ الهواء في جانب الشمال شيئاً من السخونة لقربها من مسامتة الرؤوس، ويتواتر الإسخان إلى أن تصل أول السرطان، وتشتد الحرارة ويزداد الحر ما دامت في السرطان والأسد لقربها من سمت الرؤوس، ويتواتر الإسخان، ثم ينعكس إلى أن يصل الميزان: وحينئذ يطيب الهواء ويعتدل، ثم يأخذ الحر في النقصان والبرد في الزيادة، ولا يزال يزداد البرد إلى أن تصل الشمس إلى أول الجدي، ويشتد البرد حينئذ لبعدها عن سمت الرؤوس، ويتواتر البرد ثم إن الشمس تأخذ في الصعود إلى ناحية الشمال، وما دامت في الجدي والدلو، فالبرد أشد ما يكون إلى أن تنتهي إلى الحمل، فحينئذ يطيب الهواء ويعتدل، وعادت الشمس إلى مبدأ حركتها وانتهى زمان السنة نهايته، وحصلت الفصول الأربعة التي هي الربيع والصيف والخريف والشتاء، ومنافع الفصول الأربعة وتعاقباً ظاهرة مشهورة في الكتب.
وأما الشهر فهو عبارة عن دورة القمر في فلكه الخاص وزعموا أن نوره مستفاد من الشمس وأبداً يكون أحد نصفيه مضيئاً بالتمام إلا أنه عند الاجتماع يكون النصف المضيء هو النصف الفوقاني فلا جرم نحن لا نرى من نوره شيئاً وعند الاستقبال يكون نصفه المضيء مواجهاً لنا فلا جرم نراه مستنيراً بالتمام، وكلما كان القمر أقرب إلى الشمس، كان المرئي من نصفه المضيء أقل وكلما كان أبعد كان المرئي من نصفه المضيء أكثر، ثم أنه من وقت الإجتماع إلى وقت الإنفصال يكون كل ليلة أبعد من الشمس، ويرى كل ليلة ضوءه أكثر من وقت الإستقبال إلى وقت الاجتماع، ويكون كل ليلة أقرب إلى الشمس، فلا جرم يرى كل ليلة ضوءه أقل، ولا يزال يقل ويقل: ﴿ حتى عَادَ كالعرجون القديم ﴾ فهذا ما قاله أصحاب الطبائع والنجوم.
وأما الذي يقوله الأصوليون فهو أن القمر جسم، والأجسام كلها متساوية في الجسمية، والأشياء المتساوية في تمام الماهية يمتنع اختلافها في اللوازم، وهذه مقدمة يقينية فإذن حصول الضوء في جرم الشمس والقمر أمر جائز أن يحصل، وما كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه إلا بسبب الفاعل المختار، وكل ما كان فعلاً لفاعل مختار، فإن ذلك يكون قادراً على إيجاده وعلى إعدامه، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى إسناد هذه الإختلافات الحاصلة في نور القمر إلى قربها وبعدها من الشمس، بل عندنا أن حصول النور في جرم الشمس إنما كان بسبب إيجاد القادر المختار، وكذا الذي في جرم القمر.
بقي هاهنا أن يقال الفاعل المختار لم خصص القمر دون الشمس بهذه الإختلافات، فنقول لعلماء الإسلام في هذا المقام جوابان: أحدهما: أن يقال: إن فاعلية الله تعالى لا يمكن تعليلها بغرض ومصلحة، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن من فعل فعلاً لغرض فإن قدر على تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة، فحينئذ يكون فعل تلك الواسطة عبثاً، وإن لم يقدر فهو عاجز.
وثانيها: أن كل من فعل فعلا لغرض، فإن كان وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده فهو ناقص بذاته، مستكمل بغيره، وإن لم يكن أولى له لم يكن غرضا.
وثالثها: أنه لو كان فعله معللا بغرض فذلك الغرض إن كان محدثاً افتقر إحداثه إلى غرض آخر، وإن كان قديما لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال، فلا جرم قالوا: كل شيء صنعه ولا علة لصنعه، ولا يجوز تعليل أفعاله وأحكامه ألبتة ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ﴾ .
والجواب الثاني: قول من قال: لابد في أفعال الله وأحكامه من رعاية المصالح والحكم، والقائلون بهذا المذهب سلموا أن العقول البشرية قاصرة في أكثر المواضع عن الوصول إلى أسرار حكم الله تعالى في ملكه وملكوته، وقد دللنا على أن القوم إنما سألوا عن الحكمة في اختلاف أحوال القمر فالله سبحانه وتعالى ذكر وجوه الحكمة فيه وهو قوله: ﴿ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج ﴾ وذكر هذا المعنى في آية أخرى وهو قوله: ﴿ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب ﴾ وقال في آية ثالثة ﴿ فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل وَجَعَلْنَا ءايَةَ النهار مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب ﴾ وتفصيل القول فيه أن تقدير الزمان بالشهور فيه منافع بعضها متصل بالدين وبعضها بالدنيا، أما ما يتصل منها بالدين فكثيرة منها الصوم، قال الله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرآن ﴾ .
وثانيها: الحج، قال الله تعالى: ﴿ الحج أَشْهُرٌ معلومات ﴾ .
وثالثها: عدة المتوفى عنها زوجها قال الله تعالى: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ .
ورابعها: النذور التي تتعلق بالأوقات، ولفضائل الصوم في أيام لا تعلم إلا بالأهلة.
وأما ما يتصل منها بالدنيا فهو كالمداينات والإجارات والمواعيد ولمدة الحمل والرضاع كما قال: ﴿ وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً ﴾ وغيرها فكل ذلك مما لا يسهل ضبط أوقاتها إلا عند وقوع الإختلاف في شكل القمر.
فإن قيل: لا نسلم أنا نحتاج في تقدير الأزمنة إلى حصول الشهر، وذلك لأنه يمكن تقديرها بالسنة التي هي عبارة عن دورة الشمس وبإجرائها مثل أن يقال: كلفتكم بالطاعة الفلانية في أول السنة، أو في سدسها، أو نصفها، وهكذا سائر الأجزاء، ويمكن تقديرها بالأيام مثل أن يقال: كلفتم بالطاعة الفلانية في اليوم الأول من السنة وبعد خمسين يوماً من أول السنة، وأيضاً بتقدير أن يساعد على أنه لابد مع تقدير الزمان بالسنة وباليوم تقديره بالقمر لكن الشهر عبارة عن دورة من اجتماعه مع الشمس إلى أن يجتمع معها مرة أخرى هذا التقدير حاصل سواء حصل الإختلاف في أشكال نوره أو لم يحصل، ألا ترى أن تقدير السنة بحركة الشمس وإن لم يحصل في نور الشمس اختلافا، فكذا يمكن تقدير الشمس بحركة القمر، وإن لم يحصل في نور القمر إختلاف، وإذا لم يكن لنور القمر مخالفة بحال ولا أثر في هذا الباب لم يجز تقديره به.
والجواب عن السؤال الأول: أن ما ذكرتم وإن كان ممكنا إلا أن إحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام لأن الأهلة اثنا عشر شهراً، والأيام كثيرة، ومن المعلوم أن تقسيم جملة الزمان إلى السنين، ثم تقسيم كل سنة إلى الشهور، ثم تقسيم الشهور إلى الأيام، ثم تقسيم كل يوم إلى الساعات، ثم تقسيم كل ساعة إلى الأنفاس أقرب إلى الضبط وأبعد عن الخبط، ولهذا قال سبحانه: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً ﴾ وهذا كما أن المصنف الذي يراعي حسن الترتيب يقسم تصنيفه إلى الكتب، ثم كل كتاب إلى الأبواب، ثم كل باب إلى الفصول ثم كل فصل إلى المسائل فكذا هاهنا الجواب عنه.
وأما السؤال الثاني: فجوابه ما ذكرتم، إلا أنه متى كان القمر مختلف الشكل، كان معرفة أوائل الشهور وأنصافها وأواخرها أسهل مما إذا لم يكن كذلك، وأخبر جل جلاله أنه دبر الأهلة هذا التدبير العجيب لمنافع عباده في قوام دنياهم مع ما يستدلون بهذه الأحوال المختلفة على وحدانية الله سبحانه وتعالى وكمال قدرته، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض واختلاف اليل والنهار لايات لأُوْلِى الألباب ﴾ وقال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السماء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً ﴾ وأيضاً لو لم يقع في جرم القمر هذا الاختلاف لتأكدت شبه الفلاسفة في قولهم: أن الأجرام الفلكية لا يمكن تطرق التغيير إلى أحوالها، فهو سبحانه وتعالى بحكمته القاهرة أبقى الشمس على حالة واحدة، وأظهر الإختلاف في أحوال القمر ليظهر للعاقل أن بقاء الشمس على أحوالها ليس إلا بإبقاء الله وتغير القمر في أشكاله ليس إلا بتغيير الله فيصير الكل بهذا الطريق شاهداً على افتقارها إلى مدبر حكيم قادر قاهر، كما قال: ﴿ وَإِن مّن شَيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ إذا عرفت هذه الجملة فنقول: أنه لما ظهر أن الإختلاف في أحوال القمر معونة عظيمة في تعيين الأوقات من الجهات التي ذكرناها نبه تعالى بقوله: ﴿ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج ﴾ على جميع هذه المنافع، لأن تعديد جميع هذه الأمور يقضي إلى الإطناب والاقتصار على البعض دون البعض ترجيح من غير مرجح فلم يبق إلا الاقتصار على كونه ميقاتاً فكان هذا الاقتصار دليلاً على الفصاحة العظيمة.
أما قوله تعالى: ﴿ والحج ﴾ ففيه إضمار تقديره وللحج كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم ﴾ أي لأولادكم، واعلم أنا بينا أن الأهلة مواقيت لكثير من العبادات فإفراد الحج بالذكر لابد فيه من فائدة ولا يمكن أن يقال تلك الفائدة هي أن مواقيت الحج لا تعرف إلا بالأهلة، قال تعالى: ﴿ الحج أَشْهُرٌ معلومات ﴾ وذلك لأن وقت الصوم لا يعرف إلا بالأهلة، قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرآن ﴾ وقال عليه السلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».
وأحسن الوجوه فيه ما ذكره القفال رحمه الله: وهو أن إفراد الحج بالذكر إنما كان لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرضه وأنه لا يجوز نقل الحج من تلك الأشهر إلى أشهر كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها أحدها: قال الحسن والأصم كان الرجل في الجاهلية إذا هم بشيء فتعسر عليه مطلوبه لم يدخل بيته من بابه بل يأتيه من خلفه ويبقى على هذه الحالة حولاً كاملاً، فنهاهم الله تعالى عن ذلك لأنهم كانوا يفعلونه تطيراً، وعلى هذا تأويل الآية ليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها على وجه التطير، لكن البر من يتقي الله ولم يتق غيره ولم يخف شيئاً كان يتطير به، بل توكل على الله تعالى واتقاه وحده، ثم قال: ﴿ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي لتفوزوا بالخير في الدين والدنيا كقوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمْرِهِۦ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا ﴾ ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ وتمام التحقيق في الآية أن من رجع خائباً يقال: ما أفلح وما أنجح، فيجوز أن يكون الفلاح المذكور في الآية هو أن الواجب عليكم أن تتقوا الله حتى تصيروا مفلحين منجحين وقد وردت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن التطير، وقال: لا عدوى ولا طيرة وقال من رده عن سفره تطير فقد أشرك أو كما قال وأنه كان يكره الطيرة ويحب الفأل الحسن وقد عاب الله تعالى قوماً تطيروا بموسى ومن معه ﴿ قَالُواْ اطيرنا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ الله ﴾ .
الوجه الثاني: في سبب نزول هذه الآية، روي أنه في أول الإسلام كان إذا أحرم الرجل منهم فإن كان من أهل المدن نقب في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلماً يصعد منه سطح داره ثم ينحدر، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء، فقيل لهم: ليس البر بتحرجكم عن دخول الباب، ولكن البر من اتقى.
الوجه الثالث: أن أهل الجاهلية إذا أحرم أحدهم نقب خلف بيته أو خيمته نقباً منه يدخل ويخرج إلا الحمس، وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخيثم وبنو عامر بن صعصعة وبنو نصر بن معاوية، وهؤلاء سموا حمساً لتشددهم في دينهم، الحماسة الشدة، وهؤلاء متى أحرموا لم يدخلوا بيوتهم ألبتة ولا يستظلون الوبر ولا يأكلون السمن والأقط، ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كام محرماً ورجل آخر كان محرماً، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حال كونه محرماً من باب بستان قد خرب فأبصره ذلك الرجل الذي كان محرماً فاتبعه، فقال عليه السلام: «تنح عني»، قال: ولم يا رسول الله؟
قال: «دخلت الباب وأنت محرم» فوقف ذلك الرجل فقال: إني رضيت بسنتك وهديك وقد رأيتك دخلت فدخلت فأنزل الله تعالى هذه الآية وأعلمهم أن تشديدهم في أمر الإحرام ليس ببر ولكن البر من اتقى مخالفة الله وأمرهم بترك سنة الجاهلية فقال: ﴿ وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها ﴾ فهذا ما قيل في سبب نزول هذه الآية.
المسألة الثانية: ذكروا في تفسير الآية ثلاثة أوجه: الأول: وهو قول أكثر المفسرين حمل الآية على هذه الأحوال التي رويناها في سبب النزول، إلا أن على هذا التقدير صعب الكلام في نظم الآية، فإن القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكمة في تغيير نور القمر، فذكر الله تعالى الحكمة في ذلك، وهي قوله: ﴿ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج ﴾ فأي تعلق بين بيان الحكمة في اختلاف نور القمر، وبين هذه القصة، ثم القائلون بهذا القول أجابوا عن هذا السؤال من وجوه: أحدها: أن الله تعالى لما ذكر أن الحكمة في اختلاف أحوال الأهلة جعلها مواقيت للناس والحج، وكان هذا الأمر من الأشياء التي اعتبروها في الحج لا جرم تكلم الله تعالى فيه.
وثانيها: أنه تعالى إنما وصل قوله: ﴿ وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا ﴾ بقوله: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة ﴾ لأنه إنما اتفق وقوع القصتين في وقت واحد فنزلت الآية فيهما معاً في وقت واحد ووصل أحد الأمرين بالآخر.
وثالثها: كأنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال الأهلة فقيل لهم: اتركوا السؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم وارجعوا إلى ما البحث عنه أهم لكم فإنكم تظنون أن إتيان البيوت من ظهورها بر وليس الأمر كذلك.
القول الثاني: في تفسير الآية أن قوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا ﴾ مثل ضربه الله تعالى لهم، وليس المراد ظاهره، وتفسيره أن الطريق المستقيم المعلوم هو أن يستدل بالمعلوم على المظنون، فأما أن يستدل بالمظنون على المعلوم فذاك عكس الواجب وضد الحق وإذا عرفت هذا فنقول: إنه قد ثبت بالدلائل أن للعالم صانعاً مختاراً حكيماً، وثبت أن الحكيم لا يفعل إلا الصواب البريء عن العبث والسفه، ومتى عرفنا ذلك، وعرفنا أن اختلاف أحوال القمر في النور من فعله علمنا أن فيه حكمة ومصلحة، وذلك لأن علمنا بهذا الحكيم الذي لا يفعل إلا الحكمة يفيدنا القطع بأن فيه حكمة، لأنه استدلال بالمعلوم على المجهول، فأما أن يستدل بعدم علمنا بما فيه من الحكمة على أن فاعله ليس بالحكيم، فهذا الاستدلال باطل، لأنه استدلال بالمجهول على القدح في المعلوم إذا عرفت هذا فالمراد من قوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا ﴾ يعني أنكم لما لم تعلموا حكمته في اختلاف نور القمر صرتم شاكين في حكمة الخالق، فقد أتيتم الشيء لا من البر ولا من كمال العقل إنما البر بأن تأتوا البيوت من أبوابها فتستدلوا بالمعلوم المتيقن وهو حكمة خالقها على هذا المجهول فتقطعوا بأن فيه حكمة بالغة، وإن كنتم لا تعلمونها، فجعل إتيان البيوت من ظهورها كناية عن العدول عن الطريق الصحيح، وإتيانها من أبوابها كناية عن التمسك بالطريق المستقيم، وهذا طريق مشهور في الكناية فإن من أرشد غيره إلى الوجه الصواب يقول له: ينبغي أن تأتي الأمر من بابه وفي ضده يقال: إنه ذهب إلى الشيء من غير بابه قال تعالى: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ ﴾ وقال: ﴿ واتخذتموه وَرَاءكُمْ ﴾ فلما كان هذا طريقاً مشهوراً معتاداً في الكنايات، ذكره الله تعالى هاهنا، وهذا تأويل المتكلمين ولا يصح تفسير هذه الآية فإن تفسيرها بالوجه الأول يطرق إلى الآية سوء الترتيب وكلام الله منزه عنه.
القول الثالث: في تفسير الآية ما ذكره أبو مسلم، أن المراد من هذه الآية ما كانوا يعلمونه من النسيء، فإنهم كانوا يخرجون الحج عن وقته الذي عينه الله له فيحرمون الحلال ويحلون الحرام فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثل لمخالفة الواجب في الحج وشهوره.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ ولكن البر مَنِ اتقى ﴾ تقديره: ولكن البر بر من اتقى فهو كقوله: ﴿ ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله ﴾ وقد تقدم تقريره.
المسألة الرابعة: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم، وقالون عن نافع البيوت: بكسر الباء لأنهم استثقلوا الخروج من ضمة باء إلى ياء، والباقون بالضم على الأصل وللقراء فيها وفي نظائرها نحو بيوت، وعيون، وجيوب: مذاهب واختلافات يطول تفصيلها.
أما قوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ فقد بينا دخول كل واجب واجتناب كل محرم تحته ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ لكي تفلحوا، والفلاح هو الظفر بالبغية، قالت المعتزلة: وهذا يدل على إرادته تعالى الفلاح من جميعهم، لأنه لا تخصيص في الآية والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولا يأكل بعضكم مال بعض ﴿ بالباطل ﴾ بالوجه الذي لم يبحه الله ولم يشرعه.
(و) لا ﴿ تُدْلُواْ بِهَا ﴾ ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام ﴿ لِتَأْكُلُواْ ﴾ بالتحاكم ﴿ فَرِيقاً ﴾ طائفة ﴿ مّنْ أَمْوَالِ الناس بالإثم ﴾ بشهادة الزور، أو باليمين الكاذبة، أو بالصلح، مع العلم بأن المقضي له ظالم.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للخصمين: «إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنّ منه شيئاً، فإنما أقضي له قطعة من نار» فبكيا وقال كل واحد منهما: حقي لصاحبي.
فقال: «اذهبا فتوخيا، ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه» وقيل: ﴿ وَتُدْلُواْ بِهَا ﴾ وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة.
وتدلوا: مجزوم داخل في حكم النهي، أو منصوب بإضمار أن، كقوله: ﴿ وَتَكْتُمُواْ الحق ﴾ [البقرة: 42] .
﴿ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنكم على الباطل، وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبه أحق بالتوبيخ.
وروي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاري قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا لا يكون على حالة واحدة؟
فنزلت.
﴿ مَوَاقِيتُ ﴾ معالم يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهنّ ومدد حملهنّ وغير ذلك، ومعالم للحج يعرف بها وقته.
كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً من باب، فإذا كان من أهل المدر نقب نقباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلماً يصعد فيه؛ وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فقيل لهم: ﴿ و لَّيْسَ البر ﴾ بتحرّجكم من دخول الباب ﴿ ولكن البر ﴾ برّ ﴿ مَنِ اتقى ﴾ ما حرّم الله.
فإن قلت: ما وجه اتصاله بما قبله؟
قلت: كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها معلوم-: أنّ كل ما يفعله الله عزّ وجلّ لا يكون إلا حكمة بالغة ومصلحة لعباده، فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البرّ في شيء وأنتم تحسبونها برّاً.
ويجوز أن يجري ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج، لأنه كان من أفعالهم في الحج.
ويحتمل أن يكون هذا تمثيلاً لتعكيسهم في سؤالهم، وأن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره.
والمعنى: ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم، ولكن البرّ برّ من اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله.
ثم قال: ﴿ وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها ﴾ أي وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا.
والمراد وجوب توطين النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال الله حكمة وصواب، من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه؛ لما في السؤال من الاتهام بمقارفة الشك ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 21] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ ﴾ سَألَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنْمٍ فَقالا: (ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو دَقِيقًا كالخَيْطِ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَسْتَوِيَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ حَتّى يَعُودَ كَما بَدَأ) ﴿ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ﴾ فَإنَّهم سَألُوا عَنِ الحِكْمَةِ في اخْتِلافِ حالِ القَمَرِ وتَبَدُّلِ أمْرِهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُجِيبَ بِأنَّ الحِكْمَةَ الظّاهِرَةَ في ذَلِكَ أنْ تَكُونَ مَعالِمَ لِلنّاسِ يُؤَقِّتُونَ بِها أُمُورَهُمْ، ومَعالِمَ لِلْعِباداتِ المُؤَقَّتَةِ يُعْرَفُ بِها أوْقاتُها.
وخُصُوصًا الحَجَّ فَإنَّ الوَقْتَ مُراعًى فِيهِ أداءً وقَضاءً.
والمَواقِيتُ: جَمْعُ مِيقاتٍ، مِنَ الوَقْتِ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُدَّةِ والزَّمانِ: أنَّ المُدَّةَ المُطْلَقَةَ امْتِدادُ حَرَكَةِ الفَلَكِ مِن مَبْدَئِها إلى مُنْتَهاها.
والزَّمانُ: مُدَّةٌ مَقْسُومَةٌ، والوَقْتُ: الزَّمانُ المَفْرُوضُ لِأمْرٍ.
﴿ وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ وحَفْصٌ بِضَمِّ الباءِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ.
﴿ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى ﴾ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِتَخْفِيفِ ولَكِنْ، ورَفْعِ البِرِّ.
كانَتِ الأنْصارُ إذا أحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا دارًا ولا فُسْطاطًا مِن بابِهِ، وإنَّما يَدْخُلُونَ مِن نَقْبٍ أوْ فُرْجَةٍ وراءَهُ، ويَعُدُّونَ ذَلِكَ بِرًّا، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَيْسَ بِبِرٍّ وإنَّما البِرُّ: بِرُّ مِنِ اتَّقى المَحارِمَ والشَّهَواتِ، ووَجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّهم سَألُوا عَنِ الأمْرَيْنِ.
أوْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّها مَواقِيتُ الحَجِّ وهَذا أيْضًا مِن أفْعالِهِمْ في الحَجِّ ذَكَرَهُ لِلِاسْتِطْرادِ، أوْ أنَّهم لَمّا سَألُوا عَمّا لا يَعْنِيهِمْ ولا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ النُّبُوَّةِ وتَرَكُوا السُّؤالَ عَمّا يَعْنِيهِمْ ويَخْتَصُّ بِعِلْمِ النُّبُوَّةِ، عَقَّبَ بِذِكْرِهِ جَوابَ ما سَألُوهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَسْألُوا أمْثالَ ذَلِكَ ويَهْتَمُّوا بِالعِلْمِ بِها، أوْ أنَّ المُرادَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى تَعْكِيسِهِمْ في السُّؤالِ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ مَن تَرَكَ بابَ البَيْتِ ودَخَلَ مِن ورائِهِ.
والمَعْنى: ولَيْسَ البَرَّ بِأنْ تَعْكِسُوا مَسائِلَكم ولَكِنَّ البَرَّ بِرَّ مَنِ اتَّقى ذَلِكَ ولَمْ يَجْسُرْ عَلى مِثْلِهِ.
﴿ وَأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها ﴾ إذْ لَيْسَ في العُدُولِ بِرٌّ فَباشِرُوا الأُمُورَ مِن وُجُوهِها.
﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في تَغْيِيرِ أحْكامِهِ والِاعْتِراضِ عَلى أفْعالِهِ.
﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ لِكَيْ تَظْفَرُوا بِالهُدى والبِرِّ.
<div class="verse-tafsir"
قال معاذ بن جبل يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا
لا يكون على حالة واحدة كالشمس فنزل {يسألونك عَنِ الأهلة} جمع هلال سمي به لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته {قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج} أي معالم يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم وأيام حيضهن ومدة حملهن وغير ذلك ومعالم للحج يعرف بها وقته كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دار ولا فسطاطاً من باب فإن كان من أهل الدر نقب نقباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فنزل {وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا} أي ليس البر بتحرجكم من دخول الباب ولا خلاف في رفع البر هنا لأن الآية ثمة تحتمل الوجهين كما بينا فجاز الرفع والنصب ثمة وهذه لا تحتمل إلا وجهاً واحداً وهو الرفع إذ الباء لا تدخل إلا على خبر ليس {ولكن البر} بر {مَنِ اتقى} ما حرم الله البيوت وبابه مدني وبصري وحفص وهو الأصل مثل كعب وكعوب ومن كسر الباء فلمكان الياء بعدها ولكن هي توجب الخروج من كسر إلى ضم وكأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها معلوم أن كل ما يفعله الله تعالى لا يكون إلا حكمة فدعوا السؤال عنه وانظروا في خصلة واحدة تفعلونها مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها براً فهذا وجه اتصاله بما قبله ويحتمل أن يكون ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت الحج لأنه كان من أفعالهم في الحج ويحتمل أن يكون هذا تمثيلاً لتعكيسهم في سؤالهم وإن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخل من ظهره والمعنى ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم ولكن البر بر من اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله
{وَأْتُواْ البيوت من أبوابها} أى وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا أو المراحد وجوب الاعتقاد بأن جميع أفعاله تعالى حكمة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك فى ذلك متى لا يسأل عنه لما في السؤال من الاتهام بمقارفة الشك لا يسأل عما يفعل وهم يسألون {واتقوا الله} فيما أمركم به ونهاكم عنه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} لتفوزوا بالنعيم السرمدي
﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنَ غُنْمٍ قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو ويَطْلُعُ دَقِيقًا مِثْلَ الخَيْطِ ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَعْظُمَ ويَسْتَوِيَ ويَسْتَدِيرَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ ويَدِقُّ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ لا يَكُونُ عَلى حالٍ واحِدٍ فَنَزَلَتْ،» وفي رِوايَةٍ «أنَّ مُعاذًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اليَهُودَ يُكْثِرُونَ مَسْألَتَنا عَنِ الأهِلَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».
فَيُرادُ بِالجَمْعِ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى ما فَوْقَ الواحِدِ أوْ يُنْزِلُ الحاضِرُونَ المُتَرَقِّبُونَ لِلْجَوابِ مَنزِلَةَ السّائِلِ، وظاهِرُهُ المُتَبادِرُ عَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ، بِناءً عَلى أنَّ سُؤالَ اليَهُودِ مِن بَعْضِ أصْحابِهِ بِمَنزِلَةِ السُّؤالِ مِنهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إذْ هو طَرِيقُ عِلْمِهِمْ، ومُسْتَمَدُّ فَيْضِهِمْ، والأهِلَّة جَمْعُ هِلالٍ، واشْتِقاقُهُ مِنِ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ إذا بَكى وصاحَ حِينَ يُولَدُ، ومِنهُ أهْلُ القَوْمِ بِالحَجِّ إذا رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَّلْبِيَةِ، وسُمِّيَ بِهِ القَمَرَ في لَيْلَتَيْنِ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ أوْ في ثَلاثٍ أوْ حَتّى يَحْجُرَ، وتَحْجِيرُهُ أنْ يَسْتَدِيرَ بِخَطٍّ دَقِيقٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأصْمَعِيُّ، أوْ حَتّى يُبْهِرَ ضَوْءُهُ سَوادَ اللَّيْلِ، وغَيّا ذَلِكَ بَعْضُهم بِسَبْعِ لَيالٍ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ حِينَ يَرى يُهِلُّ النّاسُ بِذِكْرِهِ أوْ بِالتَّكْبِيرِ، ولِهَذا يُقالُ: أهَلَّ الهَلالُ واسْتُهِلَّ ولا يُقالُ هَلَّ، والسُّؤالُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَنِ الغايَةِ والحِكْمَةِ، وأنْ يَكُونَ عَنِ السَّبَبِ والعِلَّةِ، ولا نَصَّ في الآيَةِ، والخَبَرُ عَلى أحَدِهِما، أمّا المَلْفُوظُ مِنَ الآيَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا المَحْذُوفُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُقَدِّرَ ما سَبَبُ اخْتِلافِها، وأنْ يُقَدِّرَ ما حِكْمَتَهُ، وهي وإنْ كانَتْ في الظّاهِرِ سُؤالًا عَنِ التَّعَدُّدِ، إلّا أنَّها في الحَقِيقَةِ مُتَضَمِّنَةً لِلسُّؤالِ عَنِ اخْتِلافِ التَّشَكُّلاتِ النُّورِيَّةِ؛ لِأنَّ التَّعَدُّدَ يَتْبَعُ اخْتِلافَها إذْ لَوْ كانَ الهِلالُ عَلى شَكْلٍ واحِدٍ لا يَحْصُلُ التَّعَدُّدُ كَما لا يَخْفى، وأمّا الخَبَرُ فَلِأنَّ ما فِيهِ يُسْألُ بِها عَنِ الجِنْسِ وحَقِيقَتِهِ، فالمَسْؤُولُ حِينَئِذٍ حَقِيقَةُ أمْرِ الهَلالِ وشَأْنِهِ حالَ اخْتِلافِ تَشَكُّلاتِهِ النُّورِيَّةِ، ثُمَّ عَوْدِهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ الأمْرُ المَسْؤُولُ عَنْ حَقِيقَتِهِ يَحْتَمِلُ ذَيْنَكَ الأمْرَيْنِ بِلا رَيْبٍ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الجَوابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ﴾ مُطابِقًا مُبَيِّنًا لِلْحِكْمَةِ الظّاهِرَةِ اللّائِقَةِ بِشَأْنِ التَّبْلِيغِ العامِّ، المُذَكِّرَةُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ - تَعالى - ومَزِيدُ رَأْفَتِهِ - سُبْحانَهُ -، وهي أنْ يَكُونَ مَعالِمُ لِلنّاسِ يُوَقِّتُونَ بِها أُمُورَهُمُ الدُّنْيَوِيَّةَ، ويَعْلَمُونَ أوْقاتَ زُرُوعِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ ومَعالِمَ لِلْعِباداتِ المُوَقَّتَةِ يُعْرَفُ بِها أوْقاتُها؛ كالصِّيامِ والإفْطارِ، وخُصُوصًا الحَجَّ، فَإنَّ الوَقْتَ مُراعًى فِيهِ أداءً وقَضاءً، ولَوْ كانَ الهِلالُ مُدَوَّرًا كالشَّمْسِ أوْ مُلازِمًا حالَةً واحِدَةً لَمْ يَكَدْ يَتَيَسَّرُ التَّوْقِيتُ بِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الحِكْمَةَ الباطِنَةَ لِذَلِكَ، مِثْلَ كَوْنِ اخْتِلافِ تَشَكُّلاتِهِ سَبَبًا عادِيًّا أوْ جَعْلِيًّا لِاخْتِلافِ أحْوالِ المَوالِيدِ العُنْصُرِيَّةِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ؛ لِأنَّهُ مِمّا لَمَّ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، ويُسَمّى القَوْلُ بِالمُوجَبِ، وهو تَلَقِّي السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَطَلَّبُ بِتَنْزِيلِ سُؤالِهِ مَنزِلَةَ غَيْرِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الأوْلى بِحالِهِ، واخْتارَهُ السَّكّاكِيُّ وجَماعَةٌ، فَيَكُونُ في هَذا الجَوابِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأوْلى عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ السُّؤالِ أنْ يَسْألُوا عَنِ الحِكْمَةِ لا عَنِ السَّبَبِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ صَلاحُ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، والنَّبِيُّ إنَّما بُعِثَ لِبَيانِ ذَلِكَ، لا لِأنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - لَيْسُوا مِمَّنْ يَطَّلِعُ عَلى دَقائِقِ عِلْمِ الهَيْئَةِ المَوْقُوفَةِ عَلى الأرْصادِ والأدِلَّةِ الفَلْسَفِيَّةِ كَما وُهِمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِهِ في حَقِّ أُولَئِكَ المَشّائِينَ في رِكابِ النُّبُوَّةِ، والمُرْتاضِينَ في رُواقِ الفُتُوَّةِ والفائِزِينَ بِإشْراقِ الأنْوارِ، والمُطَّلِعِينَ بِأرْصادِ قُلُوبِهِمْ عَلى دَقائِقِ الأسْرارِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ نَقْصًا مِن قَدْرِهِمْ، إلّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ الِاخْتِلافِ ما بُيِّنَ في عِلْمِ الهَيْئَةِ مِن بَعْدِ القَمَرِ عَنِ الشَّمْسِ وقُرْبِهِ إلَيْها، وهو باطِلٌ عِنْدَ أهْلِ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أُمُورٍ لَمْ يَثْبُتْ جَزْمًا شَيْءٌ مِنها، غايَةُ الأمْرِ أنَّ الفَلاسِفَةَ الأُوَلَ تَخَيَّلُوها مُوافِقَةً لِما أبْدَعَهُ الحَكِيمُ المُطْلَقُ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ مَوْلانا الشَّيْخِ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في فُتُوحاتِهِ، ومِمّا يُنادِي عَلى أنَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مُجَرَّدُ تَخَيُّلٍ لا تَأْباهُ الحِكْمَةُ، ولَيْسَ مُطابِقًا لِما في نَفْسِ الأمْرِ أنَّ المُتَأخِّرِينَ مِمّا انْتَظَمَ في سِلْكِ الفَلاسِفَةِ كَهِرْشِلِ الحَكِيمِ وأتْباعِهِ أصْحابِ الرَّصْدِ والزَّيْجِ الجَدِيدِ تَخَيَّلُوا خِلافَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأوَّلُونَ في أمْرِ الهَيْئَةِ، وقالُوا بِأنَّ الشَّمْسَ مَرْكَزٌ والأرْضُ وكَذا النُّجُومُ دائِرَةٌ حَوْلَها وبَنَوْا حُكْمَ الكُسُوفِ والخُسُوفِ ونَحْوِهِ عَلى ذَلِكَ، وبَرْهَنُوا عَلَيْهِ ورَدُّوا مُخالِفِيهِ، ولَمْ يَتَخَلَّفْ شَيْءٌ مِن أحْكامِهِمْ في هَذا البابِ، بَلْ يَقَعُ حَسْبَما يَقَعُ ما يَقُولُهُ الأوَّلُونَ مَبْنِيًّا عَلى زَعْمِهِمْ، فَحَيْثُ اتُّفِقَتِ الأحْكامُ مَعَ اخْتِلافِ المَبْنَيَيْنِ وتَضادِّ المَشائَيْنِ، ورَدِّ أحَدِ الزَّعْمَيْنِ بِالآخَرِ ارْتَفَعَ الوُثُوقُ بِكِلا المَذْهَبَيْنِ، ووَجَبَ الرُّجُوعُ إلى العِلْمِ المُقْتَبَسِ مِن مِشْكاةِ الرِّسالَةِ والمُنْقَدِحِ مِن أنْوارِ شَمْسِ السِّيادَةِ والبَسالَةِ، والِاعْتِمادِ عَلى ما قالَهُ الشّارِعُ الأعْظَمُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ إمْعانِ النَّظَرِ فِيهِ، وحَمْلِهِ عَلى أحْسَنِ مَعانِيهِ، وإذا أمْكَنَ الجَمْعُ بَيْنَ ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ كَيْفَ كانُوا مِمّا يَقْبَلُهُ العَقْلُ وبَيْنَ ما يَقُولُهُ سَيِّدُ الحُكَماءِ ونُورُ أهْلِ الأرْضِ والسَّماءِ، فَلا بَأْسَ بِهِ، بَلْ هو الألْيَقُ الأحْرى في دَفْعِ الشُّكُوكِ الَّتِي كَثِيرًا ما تَعْرِضُ لِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ، وإذا لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْكَ بِما دارَتْ عَلَيْهِ أفْلاكُ الشَّرْعِ وتَنَزَّلَتْ بِهِ أمْلاكُ الحَقِّ.
إذا قالَتْ حَذامُ فَصَدِّقُوها فَإنَّ القَوْلَ ما قالَتْ حَذامُ وسَيَأْتِي تَتِمَّةٌ لِهَذا المَبْحَثِ - إنَّ شاءَ اللَّهُ تَعالى -، والمَواقِيت جَمْعُ مِيقاتٍ صِيغَةُ آلَةٍ؛ أيْ ما يُعْرَفُ بِهِ الوَقْتُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُدَّةِ والزَّمانِ - عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ - أنَّ المُدَّةَ المُطْلَقَةَ امْتِدادُ حَرَكَةِ الفَلَكِ في الظّاهِرِ مِن مَبْدَئِها إلى مُنْتَهاها، والزَّمانَ مُدَّةٌ مَقْسُومَةٌ إلى السِّنِينَ والشُّهُورِ والأيّامِ والسّاعاتِ، والوَقْتَ الزَّمانُ المُقَدَّرُ والمُعَيَّنُ، وقُرِئَ بِإدْغامِ نُونِ عَنْ في الأهِلَّةِ بَعْدَ النَّقْلِ والحَذْفِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ الإحْرامِ بِالحَجِّ في كُلِّ السَّنَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ بَلْ رُبَّما يُسْتَدَلُّ بِها عَلى خِلافِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يُحْتَجْ إلى الهِلالِ في الحَجِّ، وإنَّما احْتِيجَ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ خاصًّا بِأشْهُرٍ مَعْلُومَةٍ مُحْتاجَةٍ في تَمْيِيزِها عَنْ غَيْرِها إلَيْهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ في بَيانِ حُكْمِ الصِّيامِ، وذِكْرُ شَهْرِ رَمَضانَ وبَحْثُ الأهِلَّة يُلائِمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الصَّوْمَ مَقْرُونٌ بِرُؤْيَةِ الهِلالِ، وكَذا الإفْطارُ، ولِهَذا قالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» هَذا.
* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ، أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ قَوانِينَ جَلِيلَةً مِن قَوانِينِ العَدالَةِ، فَمِنها القِصاصُ الَّذِي فُرِضَ لِإزالَةِ عُدْوانِ القُوَّةِ السَّبُعِيَّةِ، وهو ظِلٌّ مِن ظِلالِ عَدْلِهِ، فَإذا تَصَرَّفَ في عَبْدِهِ بِإفْنائِهِ وقَتْلِهِ بِسَيْفِ حُبِّهِ عَوَّضَهُ عَنْ حُرِّ رُوحِهِ رُوحًا، وعَنْ عَبْدِ قَلْبِهِ قَلْبًا، وعَنْ أُنْثى نَفْسِهِ نَفْسًا، فَإنَّهُ كَما ( كَتَبَ القِصاصَ ) في قَتْلاكم ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ في قَتْلاهُ، فَفي بَعْضِ الآثارِ مِن طُرُقِ القَوْمِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَقُولُ: مَن أحَبَّنِي قَتَلْتُهُ، ومَن قَتَلْتُهُ فَأنا دِيَتُهُ، ولَكم في مُقاصَّةِ اللَّهِ - تَعالى - إيّاكم بِما ذُكِرَ حَياةٌ عَظِيمَةٌ، لا مَوْتَ بَعْدَها يا أُولِي العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ قِشْرِ الأوْهامِ وغَواشِي التَّعَيُّناتِ والإجْرامِ؛ لِكَيْ تَتَّقُوا تَرْكَهُ أوْ شِرْكَ وجُودِكُمْ، ومِنها الوَصِيَّةُ الَّتِي هي قانُونٌ آخَرُ فُرِضَ لِإزالَةِ نُقْصانِ القُوَّةِ المَلَكِيَّةِ وقُصُورِها عَمّا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ، ووَصِيَّةُ أهْلِ اللَّهِ تَعالى - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمُ - المُحافَظَةُ عَلى عَهْدِ الأزَلِ بِتَرْكِ ما سِوى الحَقِّ، ومِنها ( الصِّيامُ )، وهو قانُونٌ فُرِضَ لِإزالَةِ تَسَلُّطِ القُوى البَهِيمِيَّةِ، وهو عِنْدَ أهْلِ الحَقِيقَةِ الإمْساكُ عَنْ كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ وحَرَكَةٍ لَيْسَ بِالحَقِّ لِلْحَقِّ، و( الأيّامُ المَعْدُودَةُ ) هي أيّامُ الدُّنْيا الَّتِي سَتَنْقَرِضُ عَنْ قَرِيبٍ، فاجْعَلْها كُلَّها أيّامَ صَوْمِكَ، واجْعَلْ فِطْرَكَ في عِيدِ لِقاءِ اللَّهِ - تَعالى -، وشَهْرُ رَمَضانَ هو وقْتُ احْتِراقِ النَّفْسِ واضْمِحْلالِها بِأنْوارِ تَجَلِّياتِ القُرْبِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ، وهو العِلْمُ الإجْمالِيُّ الجامِعُ هِدايَةً لِلنّاسِ إلى الوَحْدَةِ بِاعْتِبارِ الجَمْعِ، ودَلائِلُ مُفَصَّلَةٌ مِنَ الجَمْعِ، والفَرْقُ: فَمَن حَضَرَ مِنكم ذَلِكَ الوَقْتَ وبَلَغَ مَقامَ الشُّهُودِ فَلْيُمْسِكْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إلّا لَهُ وبِهِ وفِيهِ ومِنهُ وإلَيْهِ، ومَن كانَ مُبْتَلًى بِأمْراضِ القَلْبِ والحُجُبِ النَّفْسانِيَّةِ المانِعَةِ عَنِ الشُّهُودِ، ﴿ أوْ عَلى سَفَرٍ ﴾ وتَوَجَّهَ إلى ذَلِكَ المَقامِ، فَعَلَيْهِ مَراتِبُ أُخَرُ يَقْطَعُها حَتّى يَصِلَ إلَيْهِ، ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ﴾ والوُصُولُ إلى مَقامِ التَّوْحِيدِ والِاقْتِدارِ بِقُدْرَتِهِ، ﴿ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ﴾ وتَكَلُّفَ الأفْعالِ بِالنَّفْسِ الضَّعِيفَةِ، ﴿ ولِتُكْمِلُوا ﴾ عِدَّةَ المَراتِبِ ولِتُعَظِّمُوا اللَّهَ - تَعالى - عَلى هِدايَتِهِ لَكم إلى مَقامِ الجَمْعِ، ﴿ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ بِالِاسْتِقامَةِ، ﴿ وإذا سَألَكَ عِبادِي ﴾ المُخْتَصُّونَ بِي المُنْقَطِعُونَ إلَيَّ عَنْ مَعْرِفَتِي، ﴿ فَإنِّي قَرِيبٌ ﴾ مِنهم بِلا أيْنَ ولا بَيْنَ ولا إجْماعَ ولا افْتِراقَ، ﴿ أُجِيبُ ﴾ مَن يَدْعُونِي بِلِسانِ الحالِ، والِاسْتِعْدادِ بِإعْطائِهِ ما اقْتَضى حالُهُ، واسْتِعْدادُهُ ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾ بِتَصْفِيَةِ اسْتِعْدادِهِمْ، ولِيُشاهِدُونِي عِنْدَ التَّصْفِيَةِ حِينَ أتَجَلّى في مَرايا قُلُوبِهِمْ لِكَيْ يَسْتَقِيمُوا في مَقامِ الطُّمَأْنِينَةِ وحَقائِقِ التَّمْكِينِ.
ولَمّا كانَ لِلْإنْسانِ تَلَوُّناتٌ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأسْماءِ، فَتارَةً يَكُونُ بِحُكْمِ غَلَباتِ الصِّفاتِ الرُّوحانِيَّةِ في نَهارِ الوارِداتِ الرَّبّانِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَصُومُ عَنِ الحُظُوظِ الإنْسانِيَّةِ، وتارَةً يَكُونُ بِحُكْمِ الدَّواعِي والحاجاتِ البَشَرِيَّةِ مَرْدُودًا بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ إلى ظُلُماتِ الصِّفاتِ الحَيَوانِيَّةِ، وهَذا وقْتُ الغَفْلَةِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ ذَلِكَ الإمْساكَ، أباحَ لَهُ التَّنَزُّلَ بَعْضَ الأحايِينِ إلى مُقارَنَةِ النُّفُوسِ، وهو الرَّفَثُ إلى النِّساءِ، وعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ﴾ أيْ: لا صَبْرَ لَكم عَنْها بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ لِكَوْنِها تُلابِسُكم وكَوْنِكم تُلابِسُونَهُنَّ بِالتَّعَلُّقِ الضَّرُورِيِّ، ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ وتُنْقِصُونَها حُظُوظَها الباقِيَةَ بِاسْتِراقِ تِلْكَ الحُظُوظِ الفانِيَةِ في أزْمِنَةِ السُّلُوكِ والرِّياضَةِ، فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ، ﴿ فالآنَ ﴾ أيْ وقْتَ الِاسْتِقامَةِ والتَّمْكِينِ حالَ البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، ﴿ باشِرُوهُنَّ ﴾ بِقَدْرِ الحاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ، ﴿ وابْتَغُوا ﴾ بِقُوَّةِ هَذِهِ المُباشَرَةِ ﴿ ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ مِنَ التَّقْوى والتَّمَكُّنِ عَلى تَوْفِيرِ حُقُوقِ الِاسْتِقامَةِ والوُصُولِ إلى المَقاماتِ العَقْلِيَّةِ، ﴿ وكُلُوا واشْرَبُوا ﴾ في لَيالِي الصَّحْوِ حَتّى يَظْهَرَ لَكم بَوادِرُ الحُضُورِ ولَوامِعُهُ، وتَغْلِبُ آثارُهُ وأنْوارُهُ عَلى سَوادِ الغَفْلَةِ وظُلْمَتِها، ثُمَّ كُونُوا عَلى الإمْساكِ الحَقِيقِيِّ بِالحُضُورِ مَعَ الحَقِّ، حَتّى يَأْتِيَ زَمانُ الغَفْلَةِ الأُخْرى، فَإنَّ لِكُلِّ حاضِرٍ سَهْمًا مِنها، ولَوْلا ذَلِكَ لَتَعَطَّلَتْ مَصالِحُ المَعاشِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِخَبَرِ: ”لِي مَعَ اللَّهِ وقْتٌ لا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولِي وقْتٌ مَعَ حَفْصَةَ وزَيْنَبَ“، ولا تُقارِبُوهُنَّ حالَ اعْتِكافِكم وحُضُورِكم في مَقاماتِ القُرْبَةِ والأُنْسِ ومَساجِدِ القُلُوبِ، ولا تَأْكُلُوا أمْوالَ مَعارِفِكم بَيْنَكم بِباطِلِ شَهَواتِ النَّفْسِ، وتُرْسِلُوا بِها إلى حُكّامِ النُّفُوسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ لِتَأْكُلُوا الطّائِفَةَ مِن أمْوالِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ بِالظُّلْمِ لِصَرْفِكم إيّاها في مَلاذِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ ﴿ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ ذَلِكَ إثْمٌ ووَضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ ﴾ وهي الطَّوالِعُ القَلْبِيَّةُ عِنْدَ إشْراقِ نُورِ الرُّوحِ عَلَيْها ﴿ قُلْ هي مَواقِيتُ ﴾ لِلسّالِكِينَ يُعْرَفُ بِها أوْقاتُ وُجُوبِ المُعامَلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ وعَزِيمَةُ السُّلُوكِ وطَوافُ بَيْتِ القَلْبِ، والوُقُوفُ في عَرَفَةَ العِرْفانِ، والسَّعْيُ مِن صَفْوَةِ الصَّفا ومَرْوَةِ المَرْوَةِ، وقِيلَ: ﴿ الأهِلَّةِ ﴾ لِلزّاهِدِينَ مَواقِيتُ أوْرادِهِمْ، ولِلصِّدِّيقِينَ مَواقِيتُ مُراقَباتِهِمْ، والغالِبُ عَلى الأوَّلِينَ القِيامُ بِظَواهِرِ الشَّرِيعَةِ، وعَلى الآخَرِينَ القِيامُ بِأحْكامِ الحَقِيقَةِ، فَإنْ تَجَلّى عَلَيْهِمْ بِوَصْفِ الجَلالِ طاشُوا، وإنْ تَجَلّى عَلَيْهِمْ بِوَصْفِ الجَمالِ عاشُوا، فَهم بَيْنَ جَلالٍ وجَمالٍ وخُضُوعٍ ودَلالٍ، نَفَعَنا اللَّهُ - تَعالى - بِهِمْ، وأفاضَ عَلَيْنا مِن بَرَكاتِهِمْ، ﴿ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبُخارِيُّ عَنِ البَراءِ، قالَ: كانُوا إذا أحْرَمُوا في الجاهِلِيَّةِ أتَوُا البَيْتَ مِن ظَهْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ ولَيْسَ البِرُّ ﴾ الآيَةَ، وكَأنَّهم كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الدُّخُولِ مِنَ البابِ مِن أجْلِ سَقْفِ البابِ أنْ يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّماءِ، كَما صَرَّحَ بِهِ الزُّهْرِيُّ في رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْهُ - ويَعُدُّونَ فِعْلَهم ذَلِكَ بِرًّا - فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَيْسَ بِبِرٍّ ﴿ ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى ﴾ أيْ: بِرُّ مَنِ اتَّقى المَحارِمَ والشَّهَواتِ، أوْ لَكِنَّ ذا البَرِّ أوِ البارَّ مَن اتَّقى والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ النَّفْيِ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَقُولِ ( قُلْ ) فَلا بُدَّ مِنَ الجامِعِ بَيْنَهُما، فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم سَألُوا عَنِ الأمْرَيْنِ كَيْفَ ما اتُّفِقَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما في الجَوابِ، بِناءً عَلى الِاجْتِماعِ الِاتِّفاقِيِّ في السُّؤالِ، والأمْرُ الثّانِي مُقَدَّرٌ، إلّا أنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَهُ إيجازًا واكْتِفاءً بِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ، وإيذانًا بِأنَّ هَذا الأمْرَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ، فَيُحْتاجُ إلى السُّؤالِ عَنْهُ، أوْ يُقالُ: إنَّ السُّؤالَ واقِعٌ ﴿ عَنِ الأهِلَّةِ ﴾ فَقَطْ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ إمّا عَلى الحَقِيقَةِ مَذْكُورٌ لِلِاسْتِطْرادِ؛ حَيْثُ ذَكَرَ مَواقِيتَ الحَجِّ، والمَذْكُورُ أيْضًا مِن أفْعالِهِمْ فِيهِ إلّا الخَمْسَ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اللّائِقَ بِحالِهِمْ أنْ يَسْألُوا عَنْ أمْثالِ هَذا الأمْرِ، ولا يَتَعَرَّضُوا بِما لا يُهِمُّهم عَنْ أمْرِ الأهِلَّة وإمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ حالَهم في سُؤالِهِمْ عَمّا لا يَهُمُّ، وتَرْكُ المُهِمِّ بِحالٍ مِن تَرْكِ البابِ، وأتى مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعْكِيسِهِمُ الأمْرَ في هَذا السُّؤالِ، فالمَعْنى ﴿ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ ﴾ تَعْكِسُوا مَسائِلَكم ﴿ ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى ﴾ ذَلِكَ ولَمْ يُجْبِرْ عَلى مِثْلِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ( يَسْألُونَك ) والجامِعُ بَيْنَهُما أنَّ الأوَّلَ قَوْلٌ لا يَنْبَغِي، والثّانِيَ فِعْلٌ لا يَنْبَغِي وقْعًا مِنَ الأنْصارِ عَلى ما تَحْكِيهِ بَعْضُ الرِّواياتِ.
﴿ وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها ﴾ إذْ لَيْسَ في العُدُولِ بِرٌّ، وباشِرُوا الأُمُورَ عَنْ وُجُوهِها، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿ ولَيْسَ البِرُّ ﴾ إمّا لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ ( ولا تَأْتُوا البُيُوت مَنَّ ظهورها ) أوْ لِكَوْنِهِ مَقُولَ القَوْلِ، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ جائِزٌ فِيما لَهُ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ سِيَّما بَعْدَ القَوْلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وكَثِيرٌ بِكَسْرِ باءِ ( البِيُوتِ ) حَيْثُما وقَعَ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في تَغْيِيرِ أحْكامِهِ، كَإتْيانِ البُيُوتِ مِن أبْوابِها، والسُّؤالِ عَمّا لا يَعْنِي، ومِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ المُودَعَةِ في مَصْنُوعاتِهِ - تَعالى - بَعْدَ العِلْمِ، بِأنَّهُ أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، أوْ في جَمِيعِ أُمُورِكم.
﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ 189﴾ أيْ: لِكَيْ تَفُوزُوا بِالمَطْلُوبِ مِنَ الهُدى والبِرِّ، فَإنَّ مَن اتَّقى اللَّهَ - تَعالى - تَفَجَّرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ، وانْكَشَفَتْ لَهُ دَقائِقُ الأسْرارِ حَسَبَ تَقْواهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ.
الأهلة: جمع هلال واشتقاقه من قولهم: استهل الصبي إذا صاح وأهلّ بالحج: أي رفع صوته بالتلبية.
وكذلك الهلال يسمى هلالاً، لأنه يهل الناس بذكره أي يرفعون الصوت عند رؤيته وإنما سمي الشهر شهراً لشهرته.
وقال الضحاك في معنى الآية: إن المسلمين سألوا رسول الله عن خرص النخيل والتصرف في زيادة الشهر ونقصانه، فنزلت هذه الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ.
قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ، أي التصرف في حال زيادته ونقصانه سواء.
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت هذه الآية في شأن معاذ بن جبل، وثعلبة بن عنمة الأنصاري، لأنهما قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو فيطلع دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم ينقص؟!
فنزلت هذه الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ أي هي: علامات للناس في حل ديونهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم ووقت الحج.
ثم قال تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى قال الضحاك: وذلك أن الكفار كانوا لا يدخلون البيت في أشهر الحج من بابه، وكانوا يدخلونه من أعلاه، فنزلت هذه الآية.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وذلك أن الناس كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا أحرم رجل منهم قبل الحج، فإن كان من أهل المدن يعني من أهل البيوت، ثقب في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج، أو يضع سلماً فيصعد منه وينحدر عليه وإن كان من أهل الوبر يعني من أهل الخيام، يدخل من خلف الخيمة إلا من الحمس.
وإنما سموا الحمس، لأنهم يحمسون في دينهم، أي شددوا على أنفسهم، فحرموا أشياء أحلها الله لهم، وحللوا أشياء كانت حراماً على غيرهم وهو الدخول من الباب.
فنزلت هذه الآية: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها، يعني ليس التقوى بأن تأتوا البيوت من خلفها إذا أحرمتم.
وَلكِنَّ الْبِرَّ، يعني التقوى مَنِ اتَّقى، أي أطاع الله واتبع أمره.
ويقال: ولكن ذو البر من اتقى الشرك والمعاصي.
ثم قال تعالى: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها، يعني ادخلوها محلين ومحرمين.
وَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تقتلوا الصيد في إحرامكم وهذا قول الكلبي.
وقال مقاتل: واتقوا الله ولا تعصوه.
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، أي تنجون من العقوبة.
<div class="verse-tafsir"
بأمْر يرجُو النَّجاح به، تشبيهاً بالذي يرسل الدَّلْو في البِئْر يرجُو بها الماءَ، قال قومٌ: معنى الآية: تُسَارعون في الأموال إِلى المخاصَمَة، إِذا علمْتم أنَّ الحُجَّة تقوم لكم إِمَّا بأن لا تكون على الجاحِدِ بيِّنة، أو يكون مالَ أمانةٍ كاليتيم ونحوه ممَّا يكون القول فيه قوله، فالباء في «بهاء» باءُ السبب «١» ، وقيل: معنى الآية: تُرْشُوا بهَا على أكْل أكثر منْها، فالباء إِلزاقٌ مجرَّدٌ وهذا القول يترجَّح لأن الحكَّام مَظِنَّةُ الرُّشَا، إِلاَّ من عُصِمَ، وهو الأقل، وأيضاً، فإِن اللفظتين متناسبتَان.
تُدْلُوا: من إِرسال الدلْوِ، والرِّشْوَةُ: من الرِّشَاءِ كأنها يمدُّ بها لتقضي الحاجة.
والفريق: القطعة، والجزء.
وبِالْإِثْمِ أي: بالظلم.
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: أنكم مبطلون.
وقوله تعالَى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قال ابنْ عَبَّاس، وغيره: نَزلَتْ على سؤالِ قَوْمٍ من المسلمين النبيّ صلّى الله عليه وسلم عنِ الهِلاَلِ، وما فائدةُ مُحَاقِهِ، وكمالِهِ، ومخالفته لحال الشمس «٢» .
ومَواقِيتُ أي: لمحَلِّ الدُّيون، وانقضاءِ العِدَدِ والأَكْرِيَةِ، وما أشبه، هذا من مصالحِ العبادِ، ومواقيت للحَجِّ أيضاً: يعرف بها وقته وأشهره.
وقوله سبحانه: وَلَيْسَ الْبِرُّ ...
الآية: قال البَرَاء بن عَازِبٍ «٣» ، والزهريّ،
وقتادة: سببها أن الأنصار كانوا إِذا حَجُّوا، أو اعتمروا، يلتزمون تشرُّعاً ألاَّ يحول بينهم وبَيْن السماء حائلٌ، فكانوا يتسنَّمون ظهور بيوتِهِم على الجُدُرَاتِ «١» ، وقيل: كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فُتُوحاً يدخلُون منْها، ولا يدخلون من الأبواب «٢» ، وقيل غير هذا ممَّا يشبهه «٣» .
وقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...
الآيةُ هي أول آية نزلَتْ في الأمر بالقتالِ.
قال ابن زَيْد، والربيعُ: قوله: وَلا تَعْتَدُوا أي: في قتالِ مَنْ لم يقاتلْكم، وهذه الموادَعَةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً «٤» [التوبة: ٣٦] ، وقال ابن عبّاس وغيره:
وَلا تَعْتَدُوا في قتْلِ النساءِ، والصبيانِ، والرهبانِ، وشبههم فهي مُحْكَمَةٌ «١» .
وقوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ...
الآية: قال ابْنُ إِسحاق وغيره: نزَلَتْ هذه الآيةُ في شأنِ عَمْرو بن الحَضْرَمِيِّ، وواقدٍ، وهي سَرِيَّةُ عبد اللَّه بن جَحْش «٢» ، وثَقِفْتُمُوهُمْ معناه: أحكمتم غلبتهم، يقال: رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، إِذا كان محكِماً لما يتناوَلُهُ من الأمور «٣» .
وأَخْرِجُوهُمْ: خطاب لجميع المؤمنين، والضمير لكفار قريش.
والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، أي: الفتنةُ التي حملوكم علَيْها، ورامُوكم بِهَا على الرُّجوع إِلى الكفر- أشدُّ من القتْل، ويحتمل أن يكون المعنى: والفتنةُ، أي: الكفر والضَّلال الذي هم فيه أَشَدُّ في الحَرَمِ، وأعظم جُرْماً من القتل الَّذي عيَّروكم به في شأن ابْنِ الحَضْرَمِيِّ.
وقوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ...
الآية.
قال الجمهورُ «٤» : كان هذا ثُمَّ نُسِخَ، وقال مجاهد: الآية محكمةٌ «٥» ، ولا يجوز قتال أحد، يعني: عند المسجد الحرام، إِلا بعد أن يقاتل.
قلت: وظاهر قوله صلّى الله عليه وسلم: «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي» «٦» يقوي قول مجاهد، وهذا هو الراجح عند الإمام
الفَخْر «١» ، وأنَّ الآية محكمةٌ، ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم.
انتهى.
٤٨ ب قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» وقد روى الأئمّة/ عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال يَوْمَ فَتْح مكَّة: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تعالى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تعالى إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهَا لأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» «٣» .
فقد ثبت النهْيُ عن القتالِ فيها قُرآناً وسُنَّة، فإِن لجأ إِليها كافرٌ، فلا سبيل إِلَيْه، وأما الزانِي والقاتلُ، فلا بُدَّ من إِقامة الحَدِّ عليه إِلا أنْ يبتدىء الكافر بالقتَال فيها، فيقتل بنصِّ القرآن.
انتهى.
وقرأ حمزة والكسائيّ «٤» : «وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حتى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فاقتلوهم» ، أي: فإِن قتلوا منْكم، والانتهاء في هذه الآية هو الدخول في الإسلام.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ ﴾ .
هَذِهِ الآَيَةُ مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ﴿ والحَجِّ ﴾ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ، وهو «أنَّ رَجُلَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ!
ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو دَقِيقًا، ثُمَّ يَزِيدُ ويَمْتَلِئُ حَتّى يَسْتَدِيرَ ويَسْتَوِيَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ ويَدُقُّ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ؟
فَنَزَلَتْ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ﴾ » هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ﴾ إلى آخِرِها، يَدُلُّ عَلى سَبَبٍ آَخَرَ، وهو أنَّهم كانُوا إذا حَجُّوا، ثُمَّ قَدِمُوا المَدِينَةَ، لَمْ يَدْخُلُوا مِن بابٍ، ويَأْتُونَ البُيُوتَ مِن ظُهُورِها، فَنَسِيَ رَجُلٌ، فَدَخَلَ مِن بابٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ﴾ هَذا قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ.
وَفِيما كانُوا لا يَدْخُلُونَ البُيُوتَ مِن أبْوابِها لِأجْلِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ الإحْرامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وقَيْسُ النَّهْشَلِيُّ.
والثّانِي: لِأجْلِ دُخُولِ الشَّهْرِ الحَرامِ، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ.
والثّالِثُ: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا هَمَّ أحَدُهم بِالشَّيْءِ فاحْتَبَسَ عَنْهُ؛ لَمْ يَأْتِ بَيْتَهُ مِن بابِهِ حَتّى يَأْتِيَ الَّذِي كانَ هَمَّ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ كانُوا إذا رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ فَعَلُوا ذَلِكَ، رَواهُ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ أبِيهِ.
فَأمّا التَّفْسِيرُ؛ فَإنَّما سَألُوهُ عَنْ وجْهِ الحِكْمَةِ في زِيادَةِ الأهِلَّةِ ونُقْصانِها، فَأخْبَرَهم أنَّها مَقادِيرٌ لِما يَحْتاجُ النّاسُ إلَيْهِ في صَوْمِهِمْ وحَجِّهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ.
والأهِلَّةُ: جَمْعُ هِلالٍ.
وكَمْ يَبْقى الهِلالُ عَلى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ؟
فِيهِ لِلْعَرَبِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يُسَمّى هِلالًا لِلَيْلَتَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ.
والثّانِي: لِثَلاثِ لَيالٍ، ثُمَّ يُسَمّى: قَمَرًا.
والثّالِثُ: إلى أنْ يَحْجُرَ، وتَحْجِيرُهُ: أنْ يَسِيرَ بِخُطَّةٍ دَقِيقَةٍ، وهو قَوْلُ الأصْمَعِيِّ.
والرّابِعُ: إلى أنْ يُبْهِرَ ضَوْؤُهُ سَوادَ اللَّيْلِ.
حَكى هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ السَّرِيِّ، واخْتارَ الأوَّلَ، قالَ: واشْتِقاقُ الهِلالِ مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ: إذا بَكى حِينَ يُولَدُ.
وأهْلُ القَوْمِ بِالحَجِّ: إذا رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَّلْبِيَةِ، فَسُمِّيَ هِلالًا، لِأنَّهُ حِينَ يَرى يَهِلُّ النّاسُ بِذِكْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى ﴾ مَثَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في البُيُوتِ وما أشْبَهَها، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ باءٍ "البِيُوتَ" وعَيْنِ "العِيُونِ" وغَيْنِ "الغِيُوبِ" ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ ضَمَّ باءَ "البُيُوتِ" وعَيْنِ "العُيُونَ" وغَيْنَ "الغُيُوبِ" وجِيمَ "الجُيُوبِ" وشِينَ "الشُّيُوخِ" ورَوى عَنْهُ قالُونُ أنَّهُ كَسَرَ باءَ "البُيُوتِ" وقَرَأ أبُو عُمَرَ، وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الأحْرُفِ الخَمْسَةِ، وكَسَرَهُنَّ جَمِيعًا حَمْزَةُ، واخْتَلَفَ عَنْ عاصِمٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن ضَمَّ "البُيُوتَ" فَعَلى أصْلِ الجَمْعِ: بَيْتٌ وبُيُوتٌ، مِثْلُ: قَلْبٍ وقُلُوبٍ، وفَلْسٍ وفُلُوسٍ.
ومِن كَسْرِ، فَإنَّما كَسَرَ لِلْياءِ الَّتِي بَعْدَ الباءِ، وذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ رَدِيءٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فَعَوْلٌ بِكَسْرِ الفاءِ.
وسَمِعْتُ شَيْخَنا أبا مَنصُورٍ اللُّغَوِيَّ يَقُولُ: إذا كانَ الجَمْعُ عَلى فَعَوْلٍ، وثانِيهِ ياءٌ؛ جازَ فِيهِ الضَّمُّ والكَسْرُ، تَقُولُ: بُيُوتٌ وبِيُوتٌ، وشُيُوخٌ وشِيُوخٌ، وقُيُودٌ وقِيُودٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ الناسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرُّ مِن اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللهِ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، والمَعْنى: لا يَأْكُلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ، فَأُضِيفَتِ الأمْوالُ إلى ضَمِيرِ المَنهِيِّ لَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مَنهِيًّا عنهُ، وكَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ .
ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ القِمارُ والخِداعُ والغُصُوبُ وجَحْدُ الحَقائِقِ وغَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَدْخُلُ فِيهِ الغَبْنُ في البَيْعِ مَعَ مَعْرِفَةِ البائِعِ بِحَقِيقَةِ ما يَبِيعُ لِأنَّ الغَبْنَ كَأنَّهُ وهَبَهُ.
وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالآيَةِ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ ﴾ أيْ في المَلاهِي والقِيانِ، والشَرابِ، والبَطالَةِ، فَتَجِيءُ عَلى هَذا إضافَةُ المالِ إلى ضَمِيرِ المالِكِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتُدْلُوا بِها ﴾ الآيَةُ، يُقالُ: أدْلى الرَجُلُ بِالحُجَّةِ، أو بِالأمْرِ الَّذِي يَرْجُو النَجاحَ بِهِ، تَشْبِيهًا بِالَّذِي يُرْسِلُ الدَلْوَ في البِئْرِ يَرْجُو بِها الماءَ.
قالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: تُسارِعُونَ في الأمْوالِ إلى المُخاصَمَةِ إذا عَلِمْتُمْ أنَّ الحُجَّةَ تَقُومُ لَكُمْ، إمّا بِألّا تَكُونَ عَلى الجاحِدِ بَيِّنَةٌ، أو يَكُونُ مالَ أمانَةٍ، كاليَتِيمِ ونَحْوِهِ، مِمّا يَكُونُ القَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ، فالباءُ في "بِها" باءُ السَبَبِ.
وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: تَرْشُوا بِها عَلى أكْلِ أكْثَرِ مِنها، فالباءُ إلْزاقُ مُجَرَّدٍ، وهَذا القَوْلُ يَتَرَجَّحُ لِأنَّ الحُكّامَ مَظِنَّةُ الرِشا، إلّا مَن عُصِمَ وهو الأقَلُّ، وأيْضًا فَإنَّ اللَفْظَتَيْنِ مُتَناسِبَتانِ، "تُدْلُوا" مِن أرْسَلَ الدَلْوَ، والرِشْوَةُ مِنَ الرِشاءِ، كَأنَّها يُمَدُّ بِها لِتُقْضى الحاجَةُ.
و"تَدْلُوا" في مَوْضِعِ جَزْمٍ عَطْفًا عَلى "تَأْكُلُوا"، وفي مُصْحَفٍ أُبَيٍّ: "وَلا تُدْلُوا" بِتَكْرارِ حَرْفِ النَهْيِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيَّدُ جَزْمَ "تُدْلُوا" في قِراءَةِ الجَماعَةِ.
وقِيلَ: "تُدْلُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ، وهَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، أنَّ مَعْنى الظَرْفِ هو الناصِبُ، والَّذِي يُنْصَبُ في مِثْلِ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ "أنْ" مُضْمَرَةً.
والفَرِيقُ: القِطْعَةُ والجُزْءُ و"بِالإثْمِ" مَعْناهُ: بِالظُلْمِ والتَعَدِّي، وسُمِّيَ ذَلِكَ إثْمًا لَمّا كانَ الإثْمُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِفاعِلِهِ، ﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ إنَّكم مُبْطِلُونَ آثِمُونَ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في المَعْصِيَةِ والجُرْأةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، وَغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ عَلى سُؤالِ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ النَبِيَّ عَنِ الهِلالِ.
وما فائِدَةُ مُحاقِهِ وكَمالِهِ ومُخالَفَتِهِ لِحالِ الشَمْسِ؟
وجَمْعٌ وهو واحِدٌ في الحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ هِلالًا في شَهْرٍ غَيْرِ كَوْنِهِ هِلالًا في الآخَرِ، فَإنَّما جَمْعُ أحْوالِهِ مِنَ الهِلالِيَّةِ، والهِلالُ لَيْلَتانِ بِلا خِلافٍ ثُمَّ يَقْمُرُ، وقِيلَ: ثَلاثٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو هِلالٌ حَتّى يَحْجُرَ ويَسْتَدِيرَ لَهُ كالخَيْطِ الرَقِيقِ، وقِيلَ: هو هِلالٌ حَتّى يُبْهِرَ بِضَوْئِهِ السَماءَ وذَلِكَ لَيْلَةَ سَبْعٍ.
وقَوْلُهُ: "مَواقِيتُ" مَعْناهُ: لِمَحَلِّ الدُيُونِ وانْقِضاءِ العَدَدِ والأكْرِيَةِ وما أشْبَهَ هَذا مِن مَصالِحِ العِبادِ، ومَواقِيتُ الحَجِّ أيْضًا يُعْرَفُ بِها وقْتُهُ وأشْهُرُهُ.
وَ"مَواقِيتُ" لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ جَمْعٌ لا نَظِيرَ لَهُ في الآحادِ، فَهو جَمْعٌ ونِهايَةُ جَمْعٍ، إذْ لَيْسَ يُجْمَعُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "والحَجُّ" بِكَسْرِ الحاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ حَجَّ البَيْتَ ﴾ في آلِ عِمْرانَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: الحَجُّ كالرَدِّ والشَدِّ، والحَجُّ كالذِكْرِ فَهُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى، وقِيلَ: الفَتْحُ مَصْدَرٌ، والكَسْرُ الِاسْمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيْسَ البِرُّ ﴾ الآيَةُ، قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، والزُهْرِيُّ، وقَتادَةُ: سَبَبُها أنَّ الأنْصارَ كانُوا إذا حَجُّوا أوِ اعْتَمَرُوا يَلْتَزِمُونَ تَشَرُّعا ألّا يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَماءِ حائِلٌ، فَكانُوا يَتَسَنَّمُونَ ظُهُورَ بُيُوتِهِمْ عَلى الجُدْرانِ، وقِيلَ: كانُوا يَجْعَلُونَ في ظُهُورِ بُيُوتِهِمْ فُتُوحًا يَدْخُلُونَ مِنها، ولا يَدْخُلُونَ مِنَ الأبْوابِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا يُشْبِهُهُ فاخْتَصَرْتُهُ، فَجاءَ رَجُلٌ مِنهم فَدَخَلَ مِن بابِ بَيْتِهِ فَعُيِّرَ بِذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقالَ إبْراهِيمُ: كانَ يَفْعَلُ ما ذَكَرَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الحِجازِ.
وقالَ السُدِّيُّ: «ناسٌ مِنَ العَرَبِ، وهُمُ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ.
قالَ: فَدَخَلَ النَبِيُّ بابًا ومَعَهُ رَجُلٌ مِنهُمْ، فَوَقَفَ ذَلِكَ الرَجُلُ، وقالَ: "إنِّي أُحَمِّسُ" فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ::"وَأنا أُحَمِّسُ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» ورَوى الرَبِيعُ «أنَّ النَبِيَّ دَخَلَ وخَلْفَهُ رَجُلٌ أنْصارِيٌّ فَدَخَلَ وخَرَقَ عادَةَ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "لِمَ دَخَلْتَ وأنْتَ قَدْ أحْرَمْتَ؟" قالَ: دَخَلْتَ أنْتَ فَدَخَلْتُ بِدُخُولِكَ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "إنِّي أُحَمِّسُ" أيْ مِن قَوْمٍ لا يَدِينُونَ بِذَلِكَ، فَقالَ الرَجُلُ: "وَأنا دِينِي دِينُكَ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ».
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الآيَةُ ضَرْبُ مَثَلٍ، المَعْنى: لَيْسَ البِرُّ أنْ تَسْألُوا الجُهّالَ، ولَكِنِ اتَّقُوا واسْألُوا العُلَماءَ، فَهَذا كَما يُقالُ: أتَيْتُ هَذا الأمْرَ مِن بابِهِ.
وقالَ غَيْرُ أبِي عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَيْسَ البَرُّ أنْ تَشِذُّوا في الأسْئِلَةِ عَنِ الأهِلَّةِ وغَيْرِها، فَتَأْتُونَ الأُمُورَ عَلى غَيْرِ ما يَجِبُ، وهَذا يُحْتَمَلُ، والأوَّلُ أسَدُّ.
وأمّا ما حَكاهُ المَهْدَوِيُّ، ومَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ مِن أنَّ الآيَةَ مَثَلٌ في جِماعِ النِساءِ فَبِعِيدٌ مُغَيَّرٌ نَمَطَ الكَلامِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عنهُ: "البِيُوتَ" بِكَسْرِ الباءِ.
وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "وَلَكِنَّ البِرَّ" بِتَشْدِيدِ نُونِ "لَكُنَّ" ونَصْبِ "البِرَّ"، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ ، "واتَّقُوا مَعْناهُ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ عِقابِهِ وِقايَةً، و"لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، والفَلاحُ: دَرْكُ البُغْيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ ﴾ الآيَةُ، هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الأمْرِ بِالقِتالِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ، والرَبِيعُ: مَعْناها: قاتِلُوا مَن قاتَلَكُمْ، وكَفُّوا عَمَّنْ كَفَّ عنكُمْ، ولا تَعْتَدُوا في قِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلُوكُمْ، وهَذِهِ المُوادَعَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ بَراءَةٍ وبِقَوْلِهِ: ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً ﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ: قاتِلُوا الَّذِينَ هم بِحالَةِ مَن يُقاتِلُكُمْ، ولا تَعْتَدُوا في قَتْلِ النِساءِ والصِبْيانِ والرُهْبانِ وشَبَهِهِمْ، فَهي مُحْكَمَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: لا تَعْتَدُوا في القِتالِ لِغَيْرِ وجْهِ اللهِ، كالحَمِيَّةِ وكَسْبِ الذِكْرِ.
<div class="verse-tafsir"
اعتراض بين شرائع الأحكام الراجعة إلى إصلاح النظام، دعا إليه ما حدث من السؤال، فقد روى الواحدي أنها نزلت بسبب أن أحد اليهود سأل أنصارياً عن الأهلة وأحوالها في الدقة إلى أن تصير بدراً ثم تتناقص حتى تختفي فسأل الأنصاري رسول الله فنزلت هذه الآية، ويظهر أن نزولها متأخر عن نزول آيات فرض الصيام ببضع سنين؛ لأن آية: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها يَسْھَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج } متصلة بها.
وسيأتي أن تلك الآية نزلت في عام الحديبية أو عام عمرة القضية.
فمناسبة وضعها في هذا الموضع هي توقيت الصيام بحلول شهر رمضان، فكان من المناسبة ذكر المواقيت لإقامة نظام الجامعة الإسلامية على أكمل وجه، ومن كمال النظام ضبط الأوقات، ويظهر أن هذه الآية أيضاً نزلت بعد أن شرع الحج أي بعد فتح مكة، لقوله تعالى: ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ .
وابتدئت الآية ب ﴿ يسألونك ﴾ لأن هنالك سؤالاً واقعاً عن أمر الأهلة.
وجميع الآيات التي افتتحت ب ﴿ يسألونك ﴾ هي متضمنة لأحكام وقع السؤال عنها فيكون موقعها في القرآن مع آيات تناسبها نزلت في وقتها أو قرنت بها.
وروي أن الذي سأله عن ذلك معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة الأنصاري فقالا: ما بال الهلال يبدو دقيقاً ثم يزيد حتى يمتلئ ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، قال العراقي لم أقف لهذا السبب على إسناد.
وجمع الضمير في قوله: ﴿ يسألونك ﴾ مع أن المروي أن الذي سأله رجلان نظراً لأن المسؤول عنه يهم جميع السامعين أثناء تشريع الأحكام؛ ولأن من تمام ضبط النظام أن يكون المسؤول عنه قد شاع بين الناس واستشرف كثير منهم لمعرفته سواء في ذلك من سأل بالقول ومن سأل في نفسه.
وذكر فوائد خلق الأهلة في هذا المقام للإيماء إلى أن الله جعل للحج وقتاً من الأشهر لا يقبل التبديل وذلك تمهيداً لإبطال ما كان في الجاهلية من النسئ في أشهر الحج في بعض السنين.
والسؤال: طلب أحدٍ من آخر بذلَ شيء أو إخباراً بخبر، فإذا كان طلب بذل عُدّي فعل السؤال بنفسه وإذا كان طلب إخبار عدي الفعل بحرف «عن» أو ما ينوب منابه.
وقد تكررت في هذه السورة آيات مفتتحة ب ﴿ يسألونك ﴾ وهي سبع آيات غير بعيد بعضها عن بعض، جاء بعضها غير معطوف بحرف العطف وهي أربع وبعضها معطوفاً به وهي الثلاث الأواخر منها، وأما غير المفتتحة بحرف العطف فلا حاجة إلى تبيين تجردها عن العاطف؛ لأنها في استئناف أحكام لا مقارنة بينها وبين مضمون الجمل التي قبلها فكانت جديرة بالفصل دون عطف، ولا يتطلب لها سوى المناسبة لمواقعها.
وأما الجمل الثلاث الأواخر المفتتحة بالعاطف فكل واحدة منها مشتملة على أحكام لها مزيد اتصال بمضمون ما قبلها فكان السؤال المحكي فيها مما شأنه أن ينشأ عن التي قبلها فكانت حقيقةً بالوصل بحرف العطف كما سيتضح في مواقعها.
والسؤال عن الأهلة لا يتعلق بذواتها إذ الذوات لا يسأل إلا عن أحوالها، فيُعلم هنا تقدير وحذف أي عن أحوال الأهلة، فعلى تقدير كون السؤال واقعاً بها غير مفروض فهو يحتمل السؤال عن الحكمة ويحتمل السؤال عن السبب، فإن كان عن الحكمة فالجواب بقوله: ﴿ قل هي مواقيت للناس ﴾ جار على وفق السؤال، وإلى هذا ذهب صاحب «الكشاف»، ولعل المقصود من السؤال حينئذٍ استثبات كون المراد الشرعي منها موافقاً لما اصطلحوا عليه؛ لأن كونها مواقيت ليس مما يخفى حتى يسأل عنه، فإنه متعارف لهم، فيتعين كون المراد من سؤالهم إن كان واقعاً هو تحقق الموافقة للمقصد الشرعي.
وإن كان السؤال عن السبب فالجواب بقوله: ﴿ قل هي مواقيت ﴾ غير مطابق للسؤال، فيكون إخراجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بصرف السائل إلى غير ما يتطلب، تنبيهاً على أن ما صرف إليه هو المهم له، لأنهم في مبدأ تشريع جديد والمسؤول هو الرسول عليه الصلاة والسلام وكان المهم لهم أن يسألوه عما ينفعهم في صلاح دنياهم وأخراهم، وهو معرفة كون الأهلة ترتبت عليها آجال المعاملات والعبادات كالحج والصيام والعدة، ولذلك صرفهم عن بيان مسؤولهم إلى بيان فائدة أخرى، لا سيما والرسول لم يجيء مبيناً لعلل اختلاف أحوال الأجرام السماوية، والسائلون ليس لهم من أصول معرفة الهيئة ما يهيئهم إلى فهم ما أرادوا علمه بمجرد البيان اللفظي بل ذلك يستدعى تعليمهم مقدمات لذلك العلم، على أنه لو تعرض صاحب الشريعة لبيانه لبين أشياء من حقائق العلم لم تكن معروفة عندهم ولا تقبلها عقولهم يومئذٍ، ولكان ذلك ذريعة إلى طعن المشركين والمنافقين بتكذيبه، فإنهم قد أسرعوا إلى التكذيب فيما لم يطلعوا على ظواهره كقولهم: ﴿ هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذباً أم به جنة ﴾ [سبأ: 7، 8] وقولهم: ﴿ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلاّ اختلاق ﴾ [ص: 7] وعليه فيكون هذا الجواب بقوله: ﴿ هي مواقيت للناس والحج ﴾ تخريجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر كقول الشاعر.
أنشده في «المفتاح» ولم ينسبه ولم أقف على قائله ولم أره في غيره .
*** أتت تشتكي منّي مزاولة القرى وقد رأت الأضياف يَنْحَوْن منزلي *** فقلت لها لمّا سمعت كلامها هم الضيف جِدِّي في قراهم وعجِّلي *** وإلى هذا نحا صاحب «المفتاح» وكأنه بناه على أنهم لا يظن بهم السؤال عن الحكمة في خلق الأهلة لظهورها، وعلى أن الوارد في قصة معاذ وثعلبة يشعر بأنهما سألا عن السبب إذ قالا: ما بال الهلال يبدو دقيقاً الخ.
والأهلة: جمع هلال وهو القمر في أول استقباله الشمس كل شهر قمري في الليلة الأولى والثانية، قيل والثالثة، ومن قال إلى سبع فإنما أراد المجاز، لأنه يشبه الهلال، ويطلق الهلال على القمر ليلة ست وعشرين وسبع وعشرين لأنه في قدر الهلال في أول الشهر، وإنما سمي الهلال هلالاً لأن الناس إذا رأوه رفعوا أصواتهم بالإخبار عنه ينادي بعضهم بعْضاً لذلك، وإن هَلَّ وأهَلَّ بمعنى رفع صوته كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وما أهل به لغير الله ﴾ [البقرة: 173].
وقوله: ﴿ مواقيت للناس ﴾ أي مواقيت لما يُوقَّت من أعمالهم فاللام للعلة أي لفائدة الناس وهو على تقدير مضاف أي لأعمال الناس، ولم تذكر الأعمال الموقَّتة بالأهلة ليشمل الكلام كل عمل محتاج إلى التوقيت، وعطف الحج على الناس مع اعتبار المضاف المحذوف من عطف الخاص على العام للاهتمام به واحتياج الحج للتوقيت ضروري؛ إذ لو لم يوقّت لجاء الناس للحج متخالفين فلم يحصل المقصود من اجتماعهم ولم يجدوا ما يحتاجون إليه في أسفارهم وحلولهم بمكة وأسواقها؛ بخلاف الصلاة فليست موقتة بالأهلة، وبخلاف الصوم فإن توقيته بالهلال تكميلي له؛ لأنه عبادة مقصورة على الذات فلو جاء بها المنفرد لحصل المقصد الشرعي ولكن شُرع فيه توحيد الوقت ليكون أخف على المكلفين، فإن الصعب يخف بالاجتماع وليكون حالهم في تلك المدة متماثلاً فلا يشق أحد على آخر في اختلاف أوقات الأكل والنوم ونحوهما.
والمواقيت جمع ميقات والميقات جاء بوزن اسم الآلة من وقَّت وسمى العرب به الوقت، وكذلك سُمي الشهر شهراً مشتقاً من الشهرة، لأن الذي يرى هلال الشهر يشهره لدى الناس.
وسمى العرب الوقت المعيَّن ميقاتاً كأنه مبالغة وإلاّ فهو الوقت عينه.
وقيل: الميقات أخص من الوقت، لأنه وقت قُدّر فيه عمل من الأعمال، قلت: فعليه يكون صوغه بصيغة اسم الآلة اعتباراً بأن ذلك العمل المعيَّن يكون وسيلة لتحديد الوقت فكأنه آلة للضبط والاقتصار على الحج دون العمرة لأن العمرة لا وقت لها فلا تكون للأهلة فائدة في فعلها.
ومجيء ذكر الحج في هاته الآية، وهي من أول ما نزل بالمدينة، ولم يكن المسلمون يستطيعون الحج حينئذٍ لأن المشركين يمنعونهم إشارة إلى أن وجوب الحج ثابت ولكن المشركين حالوا دون المسلمين ودونه ().
وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ في [سورة آل عمران: 97] وعند قوله: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ [البقرة: 197] في هذه السورة.
معطوفة على ﴿ يسألونك ﴾ وليست معطوفة على جملة ﴿ هي مواقيت ﴾ لأنّه لم يكن مما سألوا عنه حتى يكون مقولاً للمجيب.
ومناسبة هذه الجملة للتي قبلها أن سبب نزولها كان موالياً أو مقارناً لسبب نزول الآية التي قبلها وأن مضمون كلتا الجملتين كان مثار تردد وإشكال عليهم من شأنه أن يسأل عنه، فكانوا إذا أحرموا بالحج أو العمرة من بلادهم جعلوا من أحكام الإحرام ألا يدخل المحرم بيته من بابه أو لا يدخل تحت سقف يحول بينه وبين السماء، وكان المحرمون إذا أرادوا أخذ شيء من بيوتهم تسنَّموا على ظهور البيوت أو اتخذوا نقباً في ظهور البيوت إن كانوا من أهل المدر، وإن كانوا من أهل الخيام دخلوا من خلف الخيمة، وكان الأنصار يدينون بذلك، وأما الحُمس فلم يكونوا يفعلون هذا، والحمس جمع أحمس والأحمس المتشدد بأمر الدين لا يخالفه، وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجُشم وبنو نصر ابن معاوية ومدلج وعَدوان وعَضْل وبنو الحارث بن عبد مناة، وبنو عامر بن صعصعة وكلهم من سكان مكة وحرمها ما عدا بني عامر بن صعصعة فإنهم تحمسوا لأن أمهم قرشية.
ومعنى نفي البر عن هذا نفي أن يكون مشروعاً أو من الحنيفية، وإنما لم يكن مشروعاً لأنه غلو في أفعال الحج، فإن الحج وإن اشتمل على أفعال راجعة إلى ترك الترفه عن البدن كترك المخيط وترك تغطية الرأس إلاّ أنه لم يكن المقصد من تشريعه إعنات الناس بل إظهار التجرد وترك الترفه، ولهذا لم يكن الحمس يفعلون، ذلك لأنهم أقرب إلى دين إبراهيم، فالنفي في قوله: ﴿ وليس البر ﴾ نفي جنس البر عن هذا الفعل بخلاف قوله المتقدم ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم ﴾ [البقرة: 177] والقرينة هنا هي قوله: ﴿ وأتوا البيوت من أبوابها ﴾ ولم يقل هنالك: واستقبلوا أية جهة شئتم، والمقصود من الآيتين إظهار البر العظيم وهو ما ذكر بعد حرف الاستدراك في الآيتين بقطع النظر عما نفي عنه البر، وهذا هو مناط الشبه والافتراق بين الآيتين.
روى الواحدي في «أسباب النزول» أن النبي صلى الله عليه وسلم أهلَّ عام الحديبية من المدينة وأنه دخل بيتاً وأن أحداً من الأنصار، قيل: اسمه قطبة بن عامر وقيل: رفاعة بن تابوت.
كان دخل ذلك البيت من بابه اقتداء برسول الله فقاله له النبي صلى الله عليه وسلم لم دخلت وأنْتَ قد أحرمت؟
فقال له الأنصاري: دخلت أنت فدخلت بدخولك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إني أحمس فقال له الأنصاري: وأنا ديني دينك رضيت بهديك فنزلت الآية، فظاهر هذه الروايات أن الرسول نهى غير الحُمس عن ترك ما كانوا يفعلونه حتى نزلت الآية في إبطاله، وفي «تفسير ابن جرير وابن عطية» عن السدي ما يخالف ذلك وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل باباً وهو محرم وكان معه رجل من أهل الحجاز فوقف الرجل وقال: إني أحمس فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: وأنا أحمس فنزلت الآية، فهذه الرواية تقتضي أن النبي أعلن إبطال دخول البيوت من ظهورها.
وأن الحمس هم الذين كانوا يدخلون البيوت من ظهورها، وأقول: الصحيح من ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها فجاء رجل فدخل من بابه فكأنَّه عبّر بذلك هذه الآية، ورواية السدي وهَم، وليس في الصحيح ما يقتضي أن رسول الله أمر بذلك ولا يظن أن يكون ذلك منه، وسياق الآية ينافيه.
وقوله: ﴿ ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر ﴾ [البقرة: 177].
و ﴿ اتقى ﴾ فعل منزل منزلة اللازم؛ لأن المراد به من اتصف بالتقوى الشرعية بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات.
وُجر ﴿ بأن تأتوا ﴾ بالباء الزائدة لتأكيد النفي بلَيْس، ومقتضى تأكيد النفي أنهم كانوا يظنون أن هذا المنفي من البر ظناً قوياً فلذلك كانَ مقتضى حالهم أن يؤكَّد نفيُ هذا الظن.
وقوله: ﴿ وأتوا البيوت من أبوابها ﴾ معطوف على جملة ﴿ وليس البر ﴾ عطف الإنشاء على الخبر الذي هو في معنى الإنشاء؛ لأن قوله: ﴿ ليس البر ﴾ في معنى النهي عن ذلك فكان كعطف أمر على نهي.
وهذه الآية يتعين أن تكون نزلت في سنة خمس حين أزمع النبي صلى الله عليه وسلم الخروج إلى العمرة في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة والظاهر أن رسول الله نوى أن يحج بالمسلمين إن لم يصده المشركون، فيحتمل أنها نزلت في ذي القعدة أو قبله بقليل.
وقرأ الجمهور «البيوت» في الموضعين في الآية بكسر الباء على خلاف صيغة جمع فَعْل على فُعول فهي كسرةٌ لمناسبة وقوع الياء التحتية بعد حركة الضم للتخفيف كما قرأوا ﴿ عيون ﴾ [الحجر: 45].
وقرأه أبو عمرو وورش عن نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر بضم الباء على أصل صيغة الجمع مع عدم الاعتداد ببعض الثقل؛ لأنه لا يبلغ مبلغ الثقل الموجب لتغيير الحركة، قال ابن العربي في «العواصم»: والذي أَختاره لنفسي إذا قرأتُ أكسر الحروف المنسوبة إلى قالون إلاّ الهمزة فإني أتركه أصلاً إلاّ فيما يحيل المعنى أو يلبسه ولا أكسر باء بيوت ولا عَين عيون، وأطال بما في بعضه نظر، وهذا اختيار لنفسه بترجيح بعض القراءات المشهورة على بعض.
وقد تقدم خلاف القراء في نصب ﴿ البر ﴾ من قوله: ﴿ ليس البر ﴾ [البقرة: 177] وفي تشديد نون ﴿ لكن ﴾ من قوله: وقوله واتقوا الله لعلكم تفلحون} أي تظفَرون بمطلبكم من البر: فإن البر في اتباع الشرع فلا تفعلوا شيئاً إلا إذا كان فيه مرضاة الله ولا تتبعوا خطوات المبتدعين الذين زادوا في الحج ما ليس من شرع إبراهيم.
وقد قيل في تفسير الآية وجوه واحتمالات أخرى كلها بعيدة: فقيل إن قوله ﴿ وليس البر ﴾ مثل ضربه الله لما كانوا يأتونه من النسيء قاله أبو مسلم وفيه بعد حقيقة ومجازاً ومعنى؛ لأن الآيات خطاب للمسلمين وهم الذين سألوا عن الأهلة، والنسيء من أحوال أهل الجاهلية، ولأنه يئول إلى استعارة غير رشيقة، وقيل: مثل ضرب لسؤالهم عن الأهلة من لا يعلم وأمرهم بتفويض العلم إلى الله وهو بعيد جداً لحصول الجواب من قبل، وقيل: كانوا ينذرون إذا تعسر عليهم مطلوبهم ألاّ يدخلوا بيوتهم من أبوابها فنهوا عن ذلك وهذا بعيدٌ معنى، لأن الكلام مع المسلمين وهم لا يفعلون ذلك، وسَنَداً، إذ لم يروِ أحد أن هذا سبب النزول.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها، «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنَ غَنَمَةَ، وهُما مِنَ الأنْصارِ، سَألا النَّبِيَّ عَنْ زِيادَةِ الأهِلَّةِ ونَشْأتِها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وأُخِذَ اسْمُ الهِلالِ مِنِ اسْتِهْلالِ النّاسِ بِرَفْعِ أصْواتِهِمْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، والمَواقِيتُ: مَقادِيرُ الأوْقاتِ لِدُيُونِهِمْ وحَجِّهِمْ، ويُرِيدُ بِالأهِلَّةِ شُهُورَها، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الهِلالِ بِالشَّهْرِ لِحَوْلِهِ فِيهِ، قالَ الشّاعِرُ: أخَوانِ مِن نَجْدٍ عَلى ثِقَةٍ والشَّهْرُ مِثْلُ قُلامَةِ الظُّفْرِ ∗∗∗ حَتّى تَكامَلَ في اسْتِدارَتِهِ ∗∗∗ في أرْبَعٍ زادَتْ عَلى عَشْرِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ ذَلِكَ، ما رَوى داوُدُ عَنْ قَيْسِ بْنِ جُبَيْرٍ: «أنَّ النّاسَ كانُوا إذا أحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا حائِطًا مِن بابِهِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ دارًا، وكانَ رَجُلٌ مِنالأنْصارِ يُقالُ لَهُ رِفاعَةُ بْنُ أيُّوبَ، فَجاءَ فَتَسَوَّرَ الحائِطَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَلَمّا خَرَجَ مِن بابِ الدّارِ خَرَجَ رِفاعَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: (ما حَمَلَكَ عَلى ذَلِكَ؟
فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَأيْتُكَ خَرَجْتَ مِنهُ فَخَرَجْتُ مِنهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : إنِّي رَجُلٌ أحْمَسُ فَقالَ: إنْ تَكُنْ أحْمَسَ فَدِينُنا واحِدٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ البِرَّ ﴾ الآيَةَ،» وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ، وقَوْلُهُ: أحْمَسُ يَعْنِي مِن قُرَيْشٍ، كانُوا يُسَمَّوْنَ (الحُمْسَ) لِأنَّهم تَحَمَّسُوا في دِينِهِمْ أيْ تَشَدَّدُوا، والحَماسَةُ الشِّدَّةُ، قالَ العَجّاجُ: وكَمْ قَطَعْنا مِن قِفافٍ حُمْسِ أيْ شِدادٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: عَنى بِالبُيُوتِ النِّساءَ، سُمِّيَتْ بُيُوتًا لِلْإيواءِ إلَيْهِنَّ، كالإيواءِ إلى البُيُوتِ، ومَعْناهُ: لا تَأْتُوا النِّساءَ مِن حَيْثُ لا يَحِلُّ مِن ظُهُورِهِنَّ، وأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ يَحِلُّ مِن قُبُلِهِنَّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ في النَّسِيءِ وتَأْخِيرِ الحَجِّ بِهِ، حِينَ كانُوا يَجْعَلُونَ الشَّهْرَ الحَلالَ حَرامًا بِتَأْخِيرِ الحَجِّ، والشَّهْرَ الحَرامَ حَلالًا بِتَأْخِيرِ الحَجِّ عَنْهُ، ويَكُونُ ذِكْرُ البُيُوتِ وإتْيانِها مِن ظُهُورِها مَثَلًا لِمُخالَفَةِ الواجِبِ في الحَجِّ وشُهُورِهِ، والمُخالَفَةُ إتْيانُ الأمْرِ مِن خَلْفِهِ، والخَلْفُ والظَّهْرُ في كَلامِ العَرَبِ واحِدٌ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا خَرَجَ لِحاجَتِهِ، فَعادَ ولَمْ يَنْجَحْ لَمْ يَدْخُلْ مِن بابِهِ، ودَخَلَ مِن ورائِهِ، تَطَيُّرًا مِنَ الخَيْبَةِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَأْتُوا بُيُوتَهم مِن أبْوابِها.
والخامِسُ: مَعْناهُ لَيْسَ البَرَّ أنْ تَطْلُبُوا الخَيْرَ مِن غَيْرِ أهْلِهِ، وتَأْتُوهُ مِن غَيْرِ بابِهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.
والقَوْلُ السّادِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُمْ، بِأنْ يَأْتُوا البِرَّ مِن وجْهِهِ، ولا يَأْتُوهُ مِن غَيْرِ وجْهِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس في قوله: ﴿ يسألونك عن الأهلة ﴾ قال: نزلت في معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنمة، وهما رجلان من الأنصار قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد؟
فنزلت ﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ﴾ في محل دينهم، ولصومهم، ولفطرهم، وعدة نسائهم، والشروط التي تنتهي إلى أجل معلوم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: «سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: لم جعلت الأهلة؟
فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الأهلة ﴾ الآية.
فجعلها لصوم المسلمين، ولإِفطارهم، ولمناسكهم، وحجهم، ولعدة نسائهم، ومحل دينهم في أشياء، والله أعلم بما يصلح خلقه» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: «ذكر لنا أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لم خلقت الأهلة؟
فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الأهلة ﴾ الآية.
جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين، وإفطارهم، ولحجهم، ومناسكهم، ولعدة نسائهم، ومحل دينهم» .
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس مثله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية ﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ﴾ يعلمون بها حل دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم» .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ﴾ قال: لحجكم، وصومكم، وقضاء ديونكم، وعدة نسائكم.
وأخرج الطستي عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ مواقيت للناس ﴾ قال: في عدة نسائهم، ومحل دينهم، وشروط الناس، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: والشمس تجري على وقت مسخرة ** إذا قضت سفراً استقبلت سفرا وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جعل الله الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته، وافطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً» .
وأخرج أحمد والطبراني وابن عدي والدارقطني بسند ضعيف عن طلق بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جعل الله الأهلة مواقيت للناس فإذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» .
وأما قوله تعالى: ﴿ وليس البر بأن تأتوا البيوت ﴾ الآية.
أخرج وكيع والبخاري وابن جرير عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿ وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها ﴾ .
وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء.
كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن جابر قال: «كانت قريش تدعي الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإِحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإِحرام، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري فقالوا: يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل فاجر، وإنه خرج معك من الباب فقال له: ما حملك على ما صنعت؟
قال: رأيتك فعلته ففعلته كما فعلت.
قال: إني رجل أحمس.
قال له: فإن ديني دينك.
فأنزل الله: ﴿ وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس «أن رجالاً من أهل المدينة كانوا إذا خاف أحدهم من عدوّه شيئاً آخر فأمن، فإذا أحرم لم يلج من باب بيته واتخذ نقباً من ظهر بيته، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كان بها رجل محرم كذلك، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بستاناً، فدخله من بابه ودخل معه ذلك المحرم، فناداه رجل من ورائه: يا فلان إنك محرم وقد دخلت مع الناس.
فقال: يا رسول الله إن كنت محرماً فأنا محرم، وإن كنت أحمس فأنا أحمس.
فأنزل الله: ﴿ وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ﴾ إلى آخر الآية.
فأحل للمؤمنين أن يدخلوا من أبوابها» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قيس بن جبير النهشلي «أن الناس كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطاً من بابه ولا داراً من بابها، وكانت الحمس يدخلون البيوت من أبوابها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه داراً، وكان رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن تابوت فتسوّر الحائط، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرج من باب الدار خرج معه رفاعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ذلك؟
قال: يا رسول الله رأيتك خرجت منه فخرجت منه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رجل أحمس.
فقال: إن تكن رجلاً أحمس فإن ديننا واحد، فأنزل الله: ﴿ وليس البر...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير عن الزهري قال: «كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء يتحرجون من ذلك، وكان الرجل يخرج مهلاً بالعمرة فتبدو له الحاجة فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء، فيفتح الجدار من ورائه، ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته، حتى بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة، فدخل حجرة، فدخل رجل على أثره من الأنصار من بني سلمة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إني أحمس.
وكان الحمس لا يبالون ذلك، فقال الأنصاري: وأنا أحمس.
يقول: وأنا على دينك.
فأنزل الله: ﴿ وليس البر...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: «إن ناساً من العرب كانوا إذا حجوا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها كانوا ينقبون في أدبارها، فلما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوادع أقبل يمشي ومعه رجل من أولئك وهو مسلم، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم باب البيت احتبس الرجل خلفه وأبى أن يدخل.
قال: يا رسول الله إني أحمس.
وكان أولئك الذين يفعلون ذلك يسمون الحمس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أيضاً أحمس فادخل، فدخل الرجل، فأنزل الله: ﴿ وأتوا البيوت من أبوابها ﴾ » .
وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي في الآية قال: كان الرجل من أهل الجاهلية إذا أتى البيت من بيوت بعض أصحابه أو ابن عمه رفع البيت من خلفه أي بيوت الشعر ثم يدخل، فنهوا عن ذلك وأمروا أن يأتوا البيوت من أبوابها، ثم يسلموا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله: ﴿ وليس البر ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا البيوت من ظهورها، ويرون أن ذلك أدنى إلى البر، فأنزل الله الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية قال: كان الرجل في الجاهلية يهم بالشيء يصنعه فيحبس عن ذلك، فكان لا يأتي بيته من قبل بابه حتى يأتي الذي كان هم به وأراده.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ﴾ الآية.
قال المفسرون: سأل معاذ بن جبل رسول الله عن زيادة القمر ونقصانه؟
فأنزل الله هذه الآية (١) والأهلة: جمع هِلال، وهو غُرّة القمر حين يراها (٢) (٣) وقال أبو الهيثم: يسمى القمر لليلتين من أول الشهر وليلتين (٤) (٥) ويقال: أُهِلّ الهلال، واستُهِلّ، وأهللنا الهلال، واستَهْلَلْناه (٦) (٧) (٨) (٩) قال ابو إسحاق: فِعَالٌ يجمع في أقل العدد على أَفْعِلَة، نحو: مِثَال وأَمْثِلَة، وحِمَارٌ وأَحْمِرَة، وفي أكثر العدد يجمع على فُعُل، نحو: مُثُل وحُمُر، إلَّا أنهم كَرِهوا في التضعيف فُعُلا، نحو هُلُل وحُلُل (١٠) (١١) أخبرَ اللهُ سبحانه أن الحكمةَ في زيادة القمر ونقصانه زوال الالتباس عن أوقات الناس في حَجِّهم (١٢) ﴿ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ (١٣) والمواقيت: جمع الميقات، والميقات: الوقت، كالميعاد بمعنى الوعد.
وقال بعضهم: الميقات: منتهى الوقت، قال الله تعالى ﴿ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ ﴾ والهلال: ميقات الشهر، ومواضع الإحرام: مواقيت للحج؛ لأنها مقادير يُنْتَهَى (١٤) (١٥) ﴿ قَوَارِيرَ ﴾ ؟
قيل: لأنها فاصلة وقعت في رأس آية، فنُوِّن ليجري على طريقة الآيات كما ينون القوافي في مثل: أقلي اللومَ عاذلَ والعتابا (١٦) فالألفُ بدلٌ من التنوين، وليس هو تنوين الصرف الذي يدل على تَمَكُّن الاسم، وإنما هو للفاصلة (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ﴾ قال عامة أهل التفسير: كان أهلُ الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم نَقَبَ في بيته نَقْبًا من مُؤَخَّرِه يخرج منه ويدخل، إلا قريشًا ومن دانوا بدينهم، فبينما رسول الله وهو (١٨) : "إني أحمس" (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى ﴾ كقوله: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ ، وقد مرَّ.
وذهب أبو عبيدة في تفسير هذه الآية إلى غير ما ذكرنا، وهو أنه قال: معناه: ليس البرُّ بأن تطلبوا الخير من غير أهله، وتلتمسوا الأمر من غير بابه، ﴿ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ .
أي: اطلبوا الخير من وجهه والأمر من بابه (٢٢) واختلف القراء في ﴿ الْبُيُوتَ ﴾ وأخواته، كالجيوب والغيوب، فقرؤوا بضم أولها وكسره (٢٣) (٢٤) (٢٥) ﴿ اَلْبُيُوتَ ﴾ يستجاز فيه ما ذكرنا للتقريب والتوفيق بين الحرفين.
ومما يدل على جواز ذلك: أنه إذا كانت عين الحرف ياءً جوزوا كسر الفاء في التحقير، فقالوا: عِيَيْنَةُ وبِيَيْتٌ، بكسر الفاء، للتقريب من الياء، وإن لم يكُن في أبنية التحقير على هذا الوزن.
ويدلّ على صحة هذا: أنه قد جاء في الجموع ما لزمته الكسرة في الفاء، وذلك قولهم في جمع قوس: قِسي، فلولا أن الكسر قد تَمَكَّن في هذا الباب للتقريب من الياء ما كان الحرف يجيء على الكسر خاصة حتى لا يستعمل فيه غيره (٢٦) (١) رواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" 1/ 493، وعزاه السيوطي في "لباب النقول" == ص 35 أيضًا إلى ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به، وذكره أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 188، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 390، وضعف إسناده السيوطي كما في "الدر" 1/ 367، ووهاه المناوي في "الفتح السماوي" 1/ 232، وذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 166 والواحدي في "أسباب النزول" ص 56 عن الكلبي، وكذا ذكره الحيري في "الكفاية" 1/ 132، قال الحافظ في "العجاب": وقد توارد من لا يد لهم في صناعة الحديث على الجزم بأن هذا كان سبب النزول مع وهاء السند فيه، ولا شعور عندهم بذلك، بل كاد يكون مقطوعا به لكثرة من ينقله من المفسرين وغيرهم.
اهـ.
وقد روى الطبري في "تفسيره" 2/ 185، عن قتادة والربيع وابن جريج وكذا ابن أبي حاتم 1/ 322 عن أبي العالية، قالوا: إن أناسا سألوا رسول الله لم خلقت الأهلة؟
فانزل الله تعالى هذه الآية (٢) في (م): (تراها).
(٣) في (م) و (أ): (له).
(٤) من قوله: (ثم يكون قمرًا بعد ذلك).
ساقط من (أ)، (م).
(٥) "تفسيرالثعلبي" 2/ 392.
(٦) في (م): (استهللنا).
(٧) في (م): (بعد).
(٨) البيت بلا نسبة في "لسان العرب" 8/ 4690 (هلل).
ورواية "تهذيب اللغة" 4/ 3784 (هلل: ويومٌ بعده يومٌ قريب).
(٩) ينظر في هلال: "تهذيب اللغة" 4/ 3784 - 3788، "المفردات" ص522، "اللسان" 8/ 4690 (هلل).
(١٠) في "معاني القرآن" للزجاج: نحو هلل وخلل، فقالوا: أهلة وأخلة.
(١١) من "معاني القرآن" 1/ 262.
(١٢) في (ش): (حجتهم).
(١٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 392، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 185، "البحر المحيط" 2/ 61.
(١٤) في (ش): (تنتهى).
(١٥) ينظر في المواقيت: "تفسير الثعلبي" 2/ 392، "المفردات" 544، "البحر المحيط" 2/ 59، "اللسان" 8/ 4690 (هلل).
(١٦) عجز البيت: وقولي إن أصبت لقد أصابا مطلع قصيدة لجرير يهجو فيها عبيدا الراعي والفرزدق في "ديوانه" ص 813، "أوضح المسالك" 1/ 14.
وقوله: عاذل: هو مرخم عاذلة، وهو اسم فاعل مؤنث من العذل، وهو اللوم والتوبيخ.
(١٧) ينظر: "البحر المحيط" 8/ 397، "أوضح المسالك" 1/ 14.
(١٨) ساقطة من (ش).
(١٩) الأحمس: هو المتشدد في دينه، والحُمْس: قريش وخزاعة، وكل من ولدت قريش من العرب، وكل من نزل مكة من قبائل العرب، فكانت الحمس قد شددوا في دينهم على أنفسهم، فكانوا إذا نسكوا لم يسلأوا سمنا، ولم يطبخوا أقطا، ولم يدخروا لبنا، ولم يحولوا بين مرضعة ورضاعها حتى يعافه، ولم يحركوا شعرا ولا ظفرا، ولا يبتنون في حجهم شعرا ولا وبرا ولا صوفا ولا قطنا، ولا يأكلون لحما، ولا يلبسون إلا جديدا، ولا يطوفون بالبيت إلا في حذائهم وثيابهم، ولا يمشون المسجد بأقدامهم تعظيما لبقعته، ولا يدخلون البيوت من أبوابها، ولا يخرجون إلى عرفات يقولون نحن أهل الله ويلزمون مزدلفة حتى يقضوا نسكهم.
ينظر: "المحبر" ص178 - 180، "سيرة ابن هشام" 1/ 211 - 216، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 262، وهذا من تعليق محمود شاكر على "تفسير الطبري" 2/ 187، وقيل: سموا حمسا بالكعبة؛ لأنها حمساء، حجرها أبيض يضرب إلى السواد، والأول أشهر وأصح.
"فتح الباري" 3/ 603.
(٢٠) سقطت من (ش).
(٢١) أورده بهذا اللفظ الثعلبي 2/ 394، وكذا ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 56، دون سند، وقد جمعه من آثار متفرقة كما ذكر الحافظ في "العجاب" 1/ 458، وقد روي نحو هذا عن جابر، رواه ابن أبي حاتم 1/ 323، والحاكم 1/ 657، وصححه وعزاه الحافظ في "الفتح" 3/ 621 إلى ابن خزيمة وعبد بن حميد وأبي الشيخ وبقي، وقال في "العجاب" 1/ 456: هو على شرط مسلم ولكن اختلف في إرساله ووصله، وروى الطبري 2/ 188، وابن أبي حاتم 1/ 323 من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه، كما رواه الطبري 3/ 556 عن قيس بن حبتر، وأصل السبب رواه البخاري (1803) كتاب العمرة، باب: قول الله تعالى: ﴿ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ ، ومسلم (3026) كتاب التفسير من حديث البراء بن عازب.
(٢٢) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 68، ولفظه: اطلبوا البر من أهله ووجهه، ولا تطلبوه عند الجهلة المشركين.
(٢٣) قال في "النشر" 2/ 226: واختلفوا في الضم والكسر من (بيوت، والغيوب، وعيون، وشيوخا، وجيوب) فقرأ بضم الباء من (البيوت وبيوت) حيث وقع: أبو جعفر والبصريان (أبو عمرو ويعقوب) وورش وحفص، وقرأ بكسر الغين من (الغيوب) وذلك حيث وقع: حمزة وأبو بكر، وقرأ بكسر العين من (العيون وعيون)، والشين من (شيوخا) وهو في في كافر، والجيم من (جيوبهن)، وهو في سورة النور: ابن كثير وحمزة والكسائي وابن ذكوان وأبو بكر، إلا أنه اختلف عنه في الجيم من جيوبهن.
(٢٤) هكذا بالأصل، وفي الحجة: مِحِك.
(٢٥) في (م): (الكلام).
(٢٦) من "الحجة" 2/ 282 - 283 باختصار وتصرف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة ﴾ سببها أنهم سألوا عن الهلال، وما فائدته ومخالفته لحال الشمس، والهلال ليلتان من أوّل الشهر، وقيل: ثلاث، ثم يقال له قمر ﴿ مواقيت ﴾ جمع ميقات لمحل الديون والأكريه والقضاء والعدد وغير ذلك.
ثم ذكر الحج اهتماماً بذكره، وإن كان قد دخل في المواقيت للناس ﴿ وَلَيْسَ البر ﴾ الآية: كان قوم إذا رجعوا من الحج لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، وإنما يدخلون من ظهورها، ويقولون: لا يحول بيننا وبين السماء شيء فنزلت الآية: إعلاماً بأنّ ذلك ليس من البر، وإنما ذكر ذلك بعد ذكر الحج لأنه كان عندهم من تمام الحج، وقيل: المعنى ليس البر أن تسألوا عن الأهلة وغيرها مما لا فائدة لكم فيه، فتأتون الأمور على غير ما يجب، فعلى هذا البيوت وأبوابها وظهورها استعارة: يراد بالبيوت المسائل، وبظهورها السؤال عما لا يفيد، وأبوابها السؤال عما يحتاج إليه ﴿ البر مَنِ اتقى ﴾ تأويله مثل البر من آمن.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ البيوت ﴾ بضم الباء: أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والبرجمي وهشام غير الحلواني.
الباقون: بكسر الباء.
الوقوف: ﴿ تعلموا ﴾ ه ﴿ عن الأهلة ﴾ ط لابتداء حكم آخر مع النفي ﴿ من اتقى ﴾ ج و ﴿ الحج ﴾ ط ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ أبوابها ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تفلحون ﴾ ه.
التفسير: لما كان الصوم منتهياً إلى الإفطار والإفطار يتضمن الأكل، ناسب أن يردف حكم الصيام بحكم ما يصلح للأكل وما لا يصلح له.
ولما كان الصوم والفطر منوطين برؤية الهلال عقباً بذكر السؤال عن حال الأهلة.
قال الإمام الغزالي في الإحياء: المال يحرم إما لمعنى في عينه أو لخلل في جهة اكتسابه، والأول إما أن يكون من المعادن أو من النبات أو من الحيوان، أما المعادن والنبات فلا يحرم شيء منهما إلا ما يزيل الحياة وهي السموم، أو الصحة وهي الأدوية في غير وقتها، أو العقل كالخمر والبنج وسائر المسكرات.
وأما حدثنا الحيوان فينقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل.
وما يحل فإنما يحل إذا ذبح ذبحاً شرعياً، وإذا ذبح فلا يحل جميع أجزائه بل يحرم منه الدم والفرث وكل ذلك مذكور في كتب الفقه.
والثاني وهو ما يحرم لخلل في جهة إثبات اليد عليه نقول فيه أخذ المال إما أن يكون باختيار المتملك أو بغير اختياره كالإرث.
والذي باختياره إما أن لا يكون مأخوذاً من مالك كالمعادن، وإما أن يكون مأخوذاً من مالك وذلك إما أن يؤخذ قهراً أو بالتراضي.
والمأخوذ قهراً إما أن يكون لسقوط عصمة المالك كالغنائم، أولاً لاستحقاق الأخذ كزكوات الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم.
والمأخوذ تراضياً إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة، وإما أن يؤخذ بغير عوض كالهبة والوصية، فهذه أقسام ستة: الأول: ما لا يؤخذ من مالك كنيل المعادن وإحياء الموات والاصطياد والاحتطاب والاستقاء من الأنهار والاحتشاش، فهذا حلال بشرط أن لا يكون المأخوذ مختصاً بذي حرمة من الآدميين.
الثاني: المأخوذ قهراً ممن لا حرمة له وهو الفيء والغنيمة وسائر أموال الكفار المحاربين وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منه الخمس فقسموه بين المستحقين بالعدل ولم يأخذوه من كافر له حرمة وأمان وعهده.
الثالث: المأخوذ قهراً بالاستحقاق عند امتناع من عليه فيؤخذ دون رضاه وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق وتم وصف المستحق واقتصر على المستحق.
الرابع: ما يؤخذ تراضياً بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط العاقدين وشرط لفظي الإيجاب والقبول مع ما يعتد الشرع به من اجتناب الشروط المفسدة.
الخامس: ما يؤخذ بالرضا من غير عوض كما في الهبة والوصية والصدقة إذا روعي شرط المعقود عليه وشرط العاقدين وشرط العقد ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره.
السادس: ما يحصل بغير اختياره كالميراث وهو حلال إذا كان المورث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه حلال، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا وتعديل القسمة بين الورثة وإفراز الزكاة والحج والكفارة إن كانت واجبة.
فهذه مجامع مداخل الحلال وما سوى ذلك فحرام لا يجوز أكله.
وكذا إن كان من هذه الجهات وصرفه إلى غير المصارف الشرعية كالخمر والزمر والزنا واللواط والميسر والسرف المحرم، وكل هذه الوجوه داخلة تحت قوله ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ أي بالوجه الذي لم يبحه الله ولم يشرعه ﴿ بينكم ﴾ أي في المعاملات الجارية بينكم والتصرفات الواقعة بينكم.
وليس المراد منه الأكل خاصة بل غير الأكل من التصرف كالأكل في هذا الباب إلا أنه خص الأكل بالذكر لأنه المقصود الأعظم من المال.
وقد يقال لمن أنفق ماله إنه أكله.
والإدلاء أصله من أدليت دلوي أرسلتها في البئر للاستقاء، فإذا استخرجتها قلت دلوتها.
ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاء.
ومنه يقال للمحتج أدلى بحجته كأنه يرسلها ليصير إلى مراده.
وفلان يدلي إلى الميت بقرابة ورحم إذا كان منتسباً إليه فيطلب الميراث بتلك النسبة طلب المستقي الماء بالدلو.
قوله ﴿ وتدلوا ﴾ داخل في حكم النهي أي ولا تدلوا بها إلى الحكام أي لا ترشوها إليهم، أو لا تلقوا أمرها والحكومة فيها إليهم لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالإثم بشهادة الزور أو باليمين الكاذبة أو بالصلح مع العلم بأن المقضى له ظالم.
والفرق بين الوجهين أن الحكام على الأول حكام السوء الذين يقبلون الرشا التي هي رشا الحاجة، فبها يصير المقصود البعيد قريباً، وإذا أخذها حاكم السوء مضى في الحكم من غير ثبت كمضي الدلو في الإرسال.
وعلى الثاني قد يكون الحاكم عادلاً ولكن قد يشتبه عليه الحق كما روي عن النبي أنه قال للخصمين: "إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه.
فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئاً فإنما أقضي له قطعة من نار" فبكيا وقال كل واحد منهما: حقي لصاحبي.
فقال: اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه.
"فتوخيا" أي اقصدا الحق فميا تصنعانه من القسمة واقترعا وليأخذ كل منكما ما تخرجه القسمة بالقرعة ثم تحاللا: ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أنكم على الباطل وارتكاب المعاصي مع العلم بقبحها أقبح وصاحبه بالتوبيخ أحق.
روي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاري قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ ألا يكون على حالة واحدة؟
﴿ يسئلونك عن الأهلة ﴾ وقيل: إن السائلين هم اليهود.
ثم إن الله لم يجبهم بأنه إنما يرى كذلك لأنه يستفيد النور من الشمس وأنه مظلم في ذاته ويفصل أبداً بين المضيء والمظلم منه دائرة لاستداره المنير والمستنير، ويفصل بين المرئي وغير المرئي من القمر أيضاً دائرة.
والدائرتان تتطابقان في الاجتماع بحيث لا يظهر شيء من المستنير وتكون القطعة المظلمة مما يلي البصر وهذه الحالة هي المحاق.
وكذا في الاستقبال لكن القطعة المضيئة هي التي تلي البصر والقمر في هذه الحالة يسمى بدراً.
وفي سائر الأوضاع يتقاطعان.
أما في التربيعين فعلى زوايا قوائم تقريباً، وفي غير التربيعين على زوايا حادة ومنفرجة، وعلى التقديرين تنقسم كرة القمر بهما إلى أربع قطع: اثنتان مضيئتان وهما اللتان تليان الشمس، والباقيتان مظلمتان.
ويقع في مخروط البصر إحدى الأوليين وإحدى الأخريين، لكنه يحس بالمضيئة دون المظلمة.
والقطع الأربع في التربيعين متساويات تقريباً، وفي غيرهما تختلف المتجاورتان وتتساوى المتقابلتان.
والقطعة المرئية من المتجاورتين الواقعتين في مخروط البصر في الربعين الأول والأخير من الشهر أصغرهما، لأن زاوية تلك القطعة أصغر اللتين يليان الإبصار أعني أنها حادة وتسمى القطعة المرئية الصغيرة أول ما يبدو إلى ليلتين هلالاً ويجمع على أهلة، لأنه يتعدد اعتباراً.
وفي الربعين الباقيين من الشهر القطعة المضيئة المرئية أعظم المتجاورتين الموصوفتين لأن زاويتها أعظم المذكورتين أعني أنها منفرجة، وإنما لم يجابوا بذلك لأن المكلف لا يهمه معرفة هذه التصورات في باب العمل، وإنما الذي يعود عليه من فوائده وحكمه في باب التكليف معرفة المواقيت وهي المعالم التي يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهن ومدد حملهن ومعالم للحج يعرف بها وقته.
والميقات من الوقت كالميزان من الوزن، ولعمري إنه لو منع مانع من أن ضبط هذه الأمور لا يتسهل ولا يتسنى إلا بوقوع الاختلاف في تشكلات القمر حيث سمى عوده من كل تشكل إلى مثله ولا سيما من الهلالية إلى مثلها شهراً وبذلك قدر السنون، وضبطت الأوقات والفصول فلن يمكنه جحود فائدته على تقدير وجود، ولو لم يكن في الإظهار رسمة الحدوث والإمكان والزوال والنقصان في الفلكيات حتى لا يظن بها وجوب الوجود، أو الاشتراك في القدم مع مفيض الخير والجود، أو امتناع الخرق والالتئام كما ذهب إلى كل من ذلك طائفة من اللئام لكفى به تنبيهاً وعناية وإرشاداً وهداية إلى افتقار الفلكيات إلى فاعل مختار ومدبر قهار جاعل الظلم والأنوار، ومصير الأهلة والأقمار، وفي إفراد الحج بالذكر مع أن الأهلة مواقيت عبادات أخر كالصوم والزكاة إشارة إلى أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله له، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر إلى شهر آخر كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء.
ويمكن أن يقال: توقف الصوم على الهلال قد علم من قوله ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ والزكاة تتعلق بالحول.
والأصل في تقدير السنين لعودة الشمس من نقطة كأول الحمل مثلاً إلى مثلها بحركتها الخاصة، والأيمان والجهاد لا يتعلقان بوقت معين، والصلاة تتعلق باليوم بليلته، فلم يبق من الأركان المتعلقة بالشهر سوى الحج فتعين ذكره في هذه الآية والله أعلم.
قوله عز من قائل ﴿ وليس البر بأن تأتوا البيوت ﴾ عن البراء قال: نزلت هذه الآية فينا.
كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤا لم يدخلوا من قبل أبواب البيوت فجاء رجل من الأنصارفدخل من قبل بابه فكأنه عُير بذلك فنزلت وفي رواية كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله الآية.
والحاصل أن ناساً من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً من باب فإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء.
فقيل لهم: ليس البر بتحرجكم من دخول الباب تشديداً لأمر الإحرام ﴿ ولكن البر من اتقى ﴾ ولكن ذا البر من اتقى مخالفة الله.
وقيل: إن الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر مبن صعصعة سموا حمساً لتشددهم في دينهم والحماسة الشدة.
كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم ألبتة، ولم يجلسوا تحت سقف البيت، ولم يستظلوا الوبر، ولم يأكلوا السمن والأقط.
وعن الحسن والأصم: كان الرجل في الجاهلية إذا هم فتعسر عليه مطلوبه لم يدخل بيته من بابه بل يِأتيه من خلفه، ويبقى على هذه الحالة حولاً كاملاً فنهاهم الله عن ذلك لأنهم كانوا يفعلونه تطيراً.
وأما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله بناء على الأسباب المروية في نزوله وعليه أكثر المفسرين، فهو أنهم لما سألوا عن الحكمة في اختلاف حال الأهلة قيل لهم: اتركوا السؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم وارجعوا إلى ما البحث عنه أهم، ولا تعتقدوا أن جميع ما سنح لكم هو على شاكلة الصواب: وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم تحسبونها براً وليست من البر في شيء، أو أنه لما ذكر الحكمة في الأهلة وهي جعلها مواقيت الناس والحج وكان هذا الأمر من الأشياء التي اعتبروها في الحج، فلا جرم تكلم الله تعالى فيه استطراداً، أو اتفق وقوع القصتين في وقت واحد فنزلت الآية فيهما معاً في وقت واحد.
وقيل: إنه تمثيل لتعكيسهم في سؤالهم، فإن الطريق المستقيم هو الاستدلال بالمعلوم على المظنون، فأما أن يستدل بالمظنون على المعلوم فذاك عكس الواجب، ولما ثبت بالدلائل أن للعالم صانعاً مختاراً حكيماً، وثبت أن الحكيم لا يفعل إلا الصواب البريء عن العبث والسفه، فإذا رأينا اختلاف حال القمر وجب أن نعلم أن فيه حكمة ومصلحة، وهذا استدلال بالمعلوم على المجهول.
فأما أن يستدل بعدم علمنا بما فيه من الحكمة على أن فاعله غير حكيم فهو استدلال بالمجهول على المعلوم، فكأنه يقول: لما لم تعلموا حكمته في اختلاف نور القمر صرتم شاكين في حكمة الخالق أو قاربتم الشك، فقد أتيتم الأمر من ورائه وهذا ليس من البر ولا من كمال العقل، إنما البر أن تأتوا الأمور من وجوهها التي يجب أن تؤتى منها، وهذا باب مشهور في الكناية قال الأعشى: وكأس شربت على رغبة *** وأخرى تداويت منها بها لكي يعلم الناس أني أمرؤ *** أتيت المعيشة من بابها وعن أبي مسلم: أن هذا إشارة إلى ما كانوا يفعلونه من النسيء وكان يقع الحج في غير وقته، فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثلاً لمخالفتهم الواجب في الحج وشهوره.
ثم إنه أمرهم بالتقوى التي تتضمن الإتيان بجميع الواجبات والاجتناب عن الفواحش والمنكرات إرادة أن يظفروا بالمطالب الدينية والدنيوية والله ولي التوفيق.
التأويل: ﴿ بالباطل ﴾ أي بهوى النفس والحرص والإسراف ﴿ وتدلوا بها إلى الحكام ﴾ يعني النفوس الأمارة بالسوء ﴿ من أموال الناس ﴾ من الأموال التي خلقت للاستعانة بها على العبودية.
الأهلة للزاهدين مواقيت أورادهم وللصديقين مواقيت مراقباتهم.
والحج إشارة إلى ما يرد بحكم الوقت عليهم من غير اختيارهم، فمن كان وقته الصحو كان قيامه بالشريعة، ومن كان وقته المحو فالغالب عليه أحكام الحقيقة، فإن تجلى لهم بوصف الجلال طاشوا، وإن تجلى لهم بوصف الجمال عاشوا، فليس للمحبين وقت إلا أوقات محبوبهم كما ليس لهم وصف إلا أوصاف محبوبهم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ .
يحتمل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ ، أي: سألوك عن الأهلة.
ويحتمل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ \[أنهم يسألونك\] من بعد، فإن كان على هذا ففيه دليل رسالته؛ لأنه كان كما أخبر من السؤال له.
ثم معنى السؤال عن الأهلة - والله أعلم - هو أنهم لما رأوا الشمس تطلع دائماً على حالة واحدة، ورأوا القمر مختلف الأحوال من الزيادة والنقصان فحملهم ذلك على السؤال عن حال القمر، فأخبر - عز وجل - أنه جعل الهلال معرفاً للخلق الأوقات والآجال والمدد ومعرفة وقت الحج؛ لأنه لو جعل معرفة ذلك بالأيام لاشتد حساب ذلك عليهم، ولتعذر معرفة السنين والأوقات بالأيام.
فجعل - عز وجل - بلطفه وبرحمته، الأهلة ليعرفوا بذلك الأوقات والآجال، ويعرفوا وقت الحج، ووقت الزكاة؛ طلباً للتخفيف والتيسير عليهم.
ثم قال: ﴿ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ ، جعل الأهلة كلها وقتاً للحج.
ولهذا قال أصحابنا: إنه يجوز الإحرام في الأوقات كلها، على ما يجوز بقاء الإحرام في الأوقات كلها.
وأما أفعال الحج: فإنها لا تجوز إلا في وقت فعل الحج، وهو قوله: ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ ، فإنما هي على أفعال فيه، دليله قوله: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ ﴾ ، ولا تفرض من الحج في غير الإحرام؛ دل أنه عنى به أفعال الحج، وقد جاء: أنه سمى الإحرام على الانفراد حجّاً، وسمى الطواف بالبيت حجّاً، والوقوف حجّاً، وقال: "الحج عرفة" وسمى الذبح حجّاً، حيث قال: "أفضل الحج العج والثج" .
وإنما سمى كلاًّ منها حجّاً؛ لما جعل لها أوقاتاً معلومة يؤدى فيها.
وأما الإحرام فإنه جعل الأشهر كلها وقتاً له بقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا ﴾ .
لا معنى لعطف هذا على الأول إلا على إضمار السؤال، كأنهم سألوه عن الأهلة وعن إتيان البيوت من ظهورها، فأخبر: أن ليس البر في إتيان البيوت من ظهورها.
﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
ثم اختلف في القصة هذا الكلام: قال بعضهم: إن بعض العرب إذا أحرم أحدهم لم يدخل بيته من بابه، ولكن يدخل من ظهر البيت؛ مخافة تغطية الرأس إذا دخل من بابه.
وقيل: إن بعض العرب إذا خرج أحدهم لحاجة ولم يقض حاجته، فرجع لم يدخل البيت من بابه، ولكن يدخل من وراء ظهره، يكره دخول بيت غير منجح - يتطيرون به - ويتفاءلون قضاءها ثانياً.
فقال الله عز وجل: ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ ﴾ فما تصنعون ، ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ ، واتبع أمر الله، وانتهى عما نهى عنه، ويأتي ﴿ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ .
ويحتمل: أن يكون على التمثيل والرمز، ليس على التحقيق؛ كقوله: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ ، وكقوله: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ ، فهو ليس على حقيقة الطرح وراء الظهر، ولكن كانوا لا يسمعون كلام الله ولا يعبئون به.
وكذلك كلام رسول الله : لا يسمعونه ولا يكترثون إليه، فأخبر أنه كالمنبوذ والمطروح وراء الظهر لما لم يعملوا به؛ فعلى ذلك الأول، أخبر أنه ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ ﴾ في ترك اتباع محمد والائتمار بأمره، أي: ليس فعلى البر مخالفة محمد [فيما يأمر]، ولكن البر فب الاتباع له والائتمار بأمره.
وقال القرامطة: إن المراد من الأبواب هو علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، والبيوت بيوت رسول الله .
أمروا بإتيان رسول الله من عند علي، رضي الله عنه، على ما جاء أنه قال: "أنا مدينة العلم وعلي بابها".
فمن أراد الدخول في البيت، لا بد من أن يأتي الباب فيدخل من الباب.
لكن الجواب لقولهم على قدر ما تأولوا - أنه ذكر البيوت، وذكر الأبواب أيضاً والبيوت كثيرة، والأبواب كذلك أيضاً، فعليٌّ وغيره من الصحابة من نحو أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضوان الله عليهم أجمعين، فيه شرع سواء؛ ألا ترى أنه قال: "أنا مدينة الحكمة"، والمدينة لا يعرف لها باب واحد، بل يكون لها أبواب؛ فدل أن تأويلهم في علي، رضي الله عنه، خاصة، لا يصح.
وبالله العصمة.
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
أي: اتقوا الله ولا تعصوه، ولا تتركوا أمره، وانتهوا عن مناهيه.
وقوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ ﴾ .
﴿ سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ : دينه وطاعته، أي: في إظهار دينه.
قيل: هي أول آية نزلت في الأمر بالقتال.
وقيل: أول آية نزلت في الأمر بالقتال قوله: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ﴾ .
ويحتمل: أنه أخبر كأنهم نهوا أولاً ثم أذن لهم فقاتلوا فأنكر عليهم، فأنزل الله أنه أذن لهم إخباراً.
فلا يدري أيتهما أول، ولكن فيه الأمر بالقتال، والنهي عن الاعتداء هاهنا: قيل: هو نهي عن قتل الذراري والنساء والشيخ الفاني، على ما جاء أنه بعث سرية أوصى لهم ألا يقتلوا وليداً ولا شيخاً.
وقيل: نهاهم أن يقتلوهم في الشهر الحرام إلا أن يبدأهم المشركون بالقتال.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ .
أي أنه لا يحب الاعتداء، لم يحب من اعتدى.
وقوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ .
قيل: لفظ ﴿ حَيْثُ ﴾ يعبر عن المكان؛ ففيه إذن بقتلهم في جميع الأمكنة، وفي تعميم الأمكنة تعميم الأوقات، فهو على عموم المكان إلا فيما استثنى من المسجد الحرام مطلقاً.
وأما قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ ﴾ ، فالاستثناء فيه مقيد، فلا يخرج عن ذلك العام.
والله أعلم.
ثم منهم من جعل لهم القتال في الحرم وفي أشهر الحج بظاهر هذه الآية.
ومنهم من قال: لا يقتل فيهما جميعاً.
وقال أصحابنا - رحمهم الله : يقتل في الشهر الحرام، ولا يقتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال، فحينئذ يقتلهم.
وكذلك يقولون فيمن قتل آخر ثم التجأ إلى الحرم: لم يقتل فيه، ولكن لا يؤاكل ولا يشارب ولا يجالس حتى يضطر فيخرج، فيقتل.
وإذا قتل في الحرم يقتل.
فعلى ذلك لا يقاتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال، فعند ذلك يحل القتل.
وإنما لم يحل القتال في الحرم إلا أن يبدءوهم به، وإن كان ظاهر قوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ يبيح القتل في الأمكنة كلها، بقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ﴾ ، استثنى الحرم دون غيره من الأماكن.
وأما قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ ظاهر هذه الآية يحرم القتال في أشهر الحج، لكن فيه دليل حل القتال بقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ ، يعني بالفتنة الشرك، جعل القتل فيه كبيراً، ثم أخبر أن الشرك فيه أكبر وأعظم من القتل.
فالأصل عندنا: أن الابتلاء إذا كان من وجهين يختار الأيسر منهما والأخف؛ فلذلك قلنا: إنه يختار القتل في الحرم على بقاء الفتنة - وهو الشرك - إذ هو أكبر وأعظم.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ .
يحتمل: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ ﴾ من مكة كما ﴿ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ عام الحديبية.
ويحتمل: أن أمرهم بأن يضيقوا عليهم ويضطروهم إلى الخروج كما فعل أهل مكة بهم.
ويحتمل: الإخراج على ما جاء: "ألا لا يحجن مشرك بعد عامي هذا" ويحتمل: أن يمنعوهم عن الدخول فيه؛ كقوله : ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ ، وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ، المنع عن الشرك إخراجاً.
وقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ .
أي: الشرك أعظم جرماً عند الله من القتل فيه.
وقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ .
كما ذكرنا أن هذا وقوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ ، كله يخرج على المجازاة لهم.
وفيه لغة أخرى: "ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه".
فإذا قتلونا لا سبيل لنا أن نقتلهم، فما معنى هذا؟
قيل: يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ ﴾ ، أي: إذا قتلوا واحداً منكم فحينئذ تقتلونهم، أو لا تقتلونهم حتى يبدءوا هم بالقتل، أو أن يقول: لا تقتلوهم حتى يقتلوا بعضكم، فإذا فعلوا ذلك فحينئذ تقتلونهم.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
أي هكذا جزاء من لم يقبل نعم الله، ولم يستقبلها بالشكر.
ويحتمل: كذلك جزاء من بدأ بالقتال في الحرم أن يقتل.
وقوله: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ ﴾ عن الشرك، وأسلموا يتغمدهم الله برحمته.
ويحتمل: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ ﴾ عن بدء القتال، وأسلموا، فإن الله يرحمهم ويغفر ذنوبهم.
وقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ ﴾ .
أنه أمرنا بالقتال مع الكفرة ليسلموا.
فإن قيل: أيش الحكمة في قتل الكفرة، وهو في الظاهر غير مستحسن في العقل؟
قيل: إنا نقاتلهم ليسلموا، ولا نقتلهم إلا أن يأبوا الإسلام، فإذا أبوا ذلك ثم لم نقتلهم لا يسلمون أبداً؛ لذلك قتلناهم، إذ في القتل ذهاب الفتنة.
ويحتمل: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، على وجه الأرض، أي تطهر من الشرك.
وقال قوم: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ ﴾ هاهنا العذاب، أي: قاتلوا حتى لا يقدروا عليه كفار.
وقوله: ﴿ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ ﴾ .
أي: ليكون ﴿ ٱلدِّينُ ﴾ دين الله في الأرض لا الشرك.
و ﴿ ٱلدِّينُ ﴾ : الحكم.
وقوله: ﴿ فَإِنِ ٱنْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
فإن قيل: فإذا صار الدين كله لله، فلا ظالم هنالك، فما معنى هذا الكلام؟
قيل: يحتمل: أن لا عدوان إلا على الظالم الذي أحدث الظلم من بعد.
ويحتمل: أن لا عدوان إلا على من بقي منهم مع الظلم.
فإن قيل: فلم سمي عدواناً، والعدوان هو ما لا يحل؟
قيل: لأنه جزاء العدوان، وإن لم يكن هو في الحقيقة عدواناً، فسمي باسمه كما سمى جزاء السيئة سيئة وإن لم يكن هو سيئة في الحقيقة؛ كقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ ، وكما سمى جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن هو في الحقيقة اعتداء؛ فكذلك الأول.
وقوله: ﴿ ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ .
قيل: خرج النبي في الشهر الحرام يريد مكة فصده المشركون عن دخولها، فجاء من عام قابل في الشهر الحرام فدخلها وأقام ثلاثاً، وقضى عمرته التي فاتته في العام الأول، فسميت عمرة القضاء، فذلك تأويل قوله: ﴿ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ ، هذه الثانية صارت قصاصاً بالأول.
وقيل: إن [في] الجاهلية كانوا يعظمون الشهر الحرام، ولا يقاتلون فيه، فلما أن ظهر الإسلام عظمه أهل الإسلام أيضاً، ولم يقاتلوا فيه، حتى جعل الكفار يغيرون على أهل الإسلام ويستنصرون عليهم، حتى نسخ ذلك وأمروا بالقتال فيه بقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ ﴾ ، كأنه قال: ما هتكتم من حرمة الشهر قصاص لما هتكوا.
وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ .
قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
يحتمل: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ مخالفة الله.
أو: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ عذاب الله.
وقوله: ﴿ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
يعني: مع المؤمنين جملة.
ويحتمل: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ القتال في الحرم قبل أن يبدءوا هم، فـ ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ في النصر والمعونة لهم.
وقوله: ﴿ وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: [أمر بالإنفاق ترتيباً] على الخروج إلى الجهاد، وإلا فكلٌّ منفق على نفسه بما يعلم حاجته إليه، ولا يلقي نفسه في الهلاك من حيث منع الإنفاق.
وقيل: في قوله : ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ ، هو أن يذنب ذنباً ثم ييأس عن العفو عنه.
وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: لا تضنوا بالإنفاق مخافة الفوت في الوقت الثاني؛ فإنه يخلف لكم ما أنفقتم.
وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: أعينوا أصحابكم، ولا تلقوهم إلى التهلكة بترك المعونة لهم بالإنفاق والتجهيز لهم.
وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: تصدقوا، فإن فيه حياة أبدانكم وأنفسكم.
وقوله: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ .
قيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ إلى أصحابكم بالإعانة والتصدق.
وقيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ الظن بالله في الإنفاق.
وقيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ الظن بربكم في الخروج إلى الغزو.
ويحتمل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ أي أسلموا.
وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ يعني: المؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
يسألونك -أيها الرسول- عن تكوين الأهلة وتغير أحوالها، قل مجيبًا إياهم عن حكمة ذلك: إنها مواقيت للناس، يعرفون بها أوقات عباداتهم؛ كأشهر الحج، وشهر الصيام، وتَمَام الحَوْل في الزكاة، ويعرفون أوقاتهم في المعاملات؛ كتحديد آجال الديات والديون.
وليس البر والخير أن تأتوا البيوت من ظهورها عند إحرامكم بالحج أو العمرة -كما كنتم تزعمون في الجاهلية- ولكن البر حقيقةً برُّ من اتقى الله في الظاهر والباطن، ولكن مجيئكم للبيوت من أبوابها، فهو أيسر لكم وأبعد عن المشقة؛ لأن الله لم يكلفكم بما فيه عسر ومشقة عليكم، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية من العمل الصالح، لعلكم تفلحون بنيل ما ترغبون فيه، والنجاة مما ترهبون منه.
<div class="verse-tafsir" id="91.pk6ox"
ذكر الله تعالى حكم الأموال عقب ذكر أحكام الصيام لما تقدم من المناسبة، والصيام عبادة موقوته لا يتعدى فرضها شهر رمضان، والأموال وسيلة لعبادة الحج، وهو يكون في الأشهر الحرم، ولعبادة القتال مدافعة عن الملة والأمة، وهي قد كانت ممنوعة في هذه الأشهر، فناسب أن يعقب بعد أحكام الصيام والأموال بذكر ما يشرع في الأشهر الحرم من الحج ومن القتال عند الاعتداء على المسلمين، ويبدأ ذلك بذكر حكمة اختلاف الأهلة، قال ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ أي مواقيت لهم في صيامهم وحجهم من العبادات، وفي نحو عدة النساء وآجال العقود من المعاملات، فإن التوقيت بها يسهل على العالم بالحساب والجاهل به، وعلى أهل البدو والحضر، فهي مواقيت لجميع الناس، وأما السنة الشمسية فإن شهورها تعرف بالحساب فهي لا تصلح إلا للحاسبين، ولم يقدروا على ضبطها إلا بعد ارتقاء العلوم الرياضية بزمن طويل وقد ورد في أسباب نزول الآية أن بعضهم سأل النبي عن الأهلة مطلقًا، وأن بعضهم سأل لم خلقت؟
والروايتان عن ابن أبي حاتم.
وأخرج أبو نعيم وابن عساكر من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن معاذ بن جبل وثعلبه بن غنيمة قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد؟
فنزلت وقد اشتهر هذا السبب لأن علماء البلاغة يذكرونه في مطابقة الجواب للسؤال وعدمها، وزعموا أن مراد السائلين بيان السبب الطبيعي لهذا الاختلاف، وأن الجواب إنما جاء ببيان الحكمة دون بيان العلة لأنه موضوع الدين، جريًا على ما يسمى في البلاغة أسلوب الحكيم أو الأسلوب الحكيم، كأنه قال: كان عليكم أن تسألوا عن الحكمة والفائدة في اختلاف الأهلة إن لم تكونوا تعرفونها، وإلا فعليكم الاكتفاء بها وعدم مطالبة الشارع بما ليس من الشرع.
ففي الكلام تعريض بأن سؤالهم في غير محله، ولن توجه هذا السؤال ممن يتعلم علم الفلك إلى أستاذه فيه لما عد قبيحًا ولا قيل إنه في غير محله، ولكنه موجه من أمي إلى نبي لا إلى فلكي، فهو قبيح من هذا الوجه، لا لذاته، وإلا لكان النظر في السموات والأرض لأجل الوقوف على أسرار الخليقة وأسباب ما فيها من الآيات والعبر مذمومًا، وكيف يذم وقد أرشدنا الله تعالى إليه، وحثنا في كتابه عليه ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
العلوم التي نحتاج إليها في حياتنا على أقسام منها: ما لا نحتاج فيه إلى أستاذ كالمحسوسات والوجدانات فهذا هو القسم الأول.
ومنها ما لا نجد له أستاذًا لأنه مما لا مطمع للبشر في الوصول إليه البتة وهو كيفية التكوين والإيجاد الأول المعبر عنه بسر القدر.
يمكن للنباتي أن يعرف ما يتكون منه النبات وكيف ينبت وينمو ويتغذى، وللطبيب أن يعرف كيف الحيوان والأطوار التي يندرج فيها منذ يكون نطفة إلى أن يكون إنسانًا مستقلًا عاقلًا، ولكن لا يعرف نباتي ولا طبيب كيف وجدت أنواع النبات وأنواع الحيوان أو مادتهما لأول مرة، ولا كيف وجد غيرهما من المخلوقات، ومن هنا تعلمون أن العلاقة بين الخالق والمخلوق من هذه الجهة -جهة الإيجاد والخلق- لا يمكن اكتناهها، وكذلك لا يمكن اكتناه ذات الله تعالى وصفاته، وهذا هو القسم الثاني: ومنها ما يتيسر للناس أن يعرفوه بالنظر والاستدلال والتجربة والبحث كالعلوم الرياضية والطبيعية والزراعية والصناعات والهيئة الفلكية، ومنها أسباب أطوار الهلال، وتنقله من حال إلى حال، أي المعبر عنه بقوله تعالى ﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾ .
وهذا هو القسم الثالث.
القسم الرابع: ما يجب علينا للخالق العظيم الذي أودع في فطرنا الشعور بسلطانه وهدى عقولنا إلى الإيمان به بما نراه من آياته في الآفاق وفي أنفسنا، فإن هذا الشعور وهذه الهداية مبهمان لا سبيل لنا إلى تحديدهما، من حيث ما يجب اعتقاده في الله تعالى، وفي حكمة خلقنا ومراده منا، وما يتبع ذلك من أمر مصيرنا، ومن حيث ما يجب له الشكر والعبادة.
وهذا مما لا سبيل إلى معرفته بطريق صناعي أو كسب بشري، فقد وقعت الأمم في الحيرة والخطأ في مسائله لجهلهم بالصلة والنسبة بين المخلوق والخالق، فمنهم من وصفه تعالى بما لا يصح أن يوصف به، ومنهم من توهم أن أعمالنا تفيده أو تؤلمه، وأنه ينعم علينا أو ينتقم منا بالمصائب لأجل ذلك، ومنهم من توهم أن الحياة الأخرى تكون بهذه الأجساد والجزاء فيها يكون بهذا المتاع، فاخترعوا الأدوية لحفظ أجسادهم ومتاعهم، ولذا كان الإنسان عاجزًا عن تحديد ما يجب عليه ويحتاج إليه من الإيمان بالله وبالحياة الأخرى وما يجب عليه في الحياة الأولى شكرًا لله واستعدادًا لتلك الحياة لأن الحواس والعقل لا يدركان ذلك، فلا شك أنه محتاج إلى عقل آخر يدرك به ما يعوز أفراده من هذه الأمور، وهذا العقل هو النبي المرسل.
وبقى قسم خامس: وهو ما يستطيع العقل البشري إدراك الفائدة منه، ولكنه عرضة للخطأ فيه دائمًا لما يعرض له من الأهواء والشهوات التي تلقي الغشاوة على الأبصار والبصائر، فتحول دون الوصول إلى الحقيقة، أو تشبه النافع بالضار، وتلبس الحق بالباطل، مثال ذلك السعاية والمحل يدرك العقل ما فيه من الضرر والقبح ولكنه إذا رأى لنفسه فائدة من السعاية بشخص زينها له هواه فيراها حسنة من حيث يخفي عليه ضررها لذاتها، وكذلك شرب الخمر والحشيش قد يعرف الإنسان مضرتهما في غيره، ولكن الشهوة تحجبه عن إدراك ذلك في نفسه فيؤثر حكم لذته على حكم عقله الذي ينهاه عن كل ضار فصار محتاجًا إلى معلم آخر ينصر العقل على الهوى، ووازع يكبح من جماع الشهوة ليكون على هدى.
فما يمكن للإنسان أن يصل إليه بنفسه، لا يطالب الأنبياء ببيانه، ومطالبتهم به جهل بوظيفتهم وإهمال للمواهب والقوى التي وهبه الله إياها ليصل بها إلى ذلك، وكذلك لا يطالبون بما يستحيل على البشر الوصول إليه كقول بعض بني إسرائيل لموسى ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ وأما ما كان إدراكه ممكنًا، وكسبه بالحس والعقل متعذرًا أو تحديده متعسرًا، فهو الذي نحتاج فيه إلى هاد يخبر عن الله تعالى لنأخذه عنه بالإيمان والتسليم، ولذلك قلنا إن الرسول عقل للأمة وهداية وراء هداية الحواس والوجدان والعقل.
لو كان من وظيفة النبي أن يبين العلوم الطبيعية والفلكية لكان يجب أن تعطل مواهب الحس والعقل، وينزع الاستقلال من الإنسان، ويلزم بأن يتلقى كل فرد من أفراده كل شيء بالتسليم، ولوجب أن يكون عدد الرسل في كل أمة كافيًا لتعليم أفرادها في كل زمن كل ما يحتاجون إليه من أمور معاشهم ومعادهم، وإن شئت فقل: لوجب أن لا يكون الإنسان هذا النوع الذي نعرفه، نعم إن الأنبياء ينبهون الناس بالإجمال إلى استعمال حواسهم وعقولهم في كل ما يزيد منافعهم ومعارفهم التي ترتقي بها نفوسهم، ولكن مع وصلها بالتنبيه على ما يقوي الإيمان ويزيد في العبرة.
وقد أرشدنا نبينا إلى وجوب استقلالنا دونه في مسائل دنيانا في واقعة تأبير النخل إذ قال "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، ومن ههنا كان السؤال عن حقيقة الروح خطأ وقد أمر الله نبيه أن يجيب السائلين بقوله ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ أي أنها من المخلوقات التي لا يُسأل النبي عنها، كما كان السؤال عن علة الاختلاف أطوار الأهلة خطأ لا تصبح مجاراة السائل عليها، بل عده القرآن من قبيل إتيان البيوت من ظهورها، كما في تتمة الآية.
فإن قيل: إن التاريخ من العلوم التي يسهل على البشر تدوينها والاستغناء بها عن الوحي، فلماذا أكثر سرد الأخبار التاريخية في القرآن وكانت في التوراة أكثر؟
والجواب ليس في القرآن شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار للأمم أو البلاد لمعرفة أحوالها، وإنما هي الآيات والعبر تجلت في سياق الوقائع بين الرسل وأقوامهم، لبيان سنن الله تعالى فيهم، إنذارًا للكافرين بما جاء به محمد وتثبيتًا لقلبه وقلوب المؤمنين به، ولذلك لم تذكر قصة بترتيبها وتفاصيلها، وإنما يذكر موضع العبرة فيها.
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ وكل ما تراه في هذه التوراة التي عند القوم من القصص المسهبة، والتاريخ المتصل من ذكر خلق آدم وما بعده فهي مما ألحق بالتوراة بعد موسى بقرون، بل كتب أكثر تواريخ العهد القديم بعد السبي ورجوع بني إسرائيل من بابل.
وإذا كان ما ورد في السؤال عن الأهلة لم يصح سندًا كما تقدم فلا ينفي ذلك أن السؤال قد وقع بالفعل، ولا أن الرواية التي قالوها هي في نفسها صحيحة، فما كل ما لم يصح سنده باطل، ولا كل ما صح سنده واقع، فرب سند قالوا إنه صحيح لأنهم لا يعرفون جارحًا في أحد من رجاله وهو غير صحيح لأن فيهم من خفي كذبه واستتر أمره.
يدل على السؤال في الجملة قوله ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ ويستأنس لقول من قال إن السؤال كان على العلة والسبب قوله تعالى ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ﴾ فإن فيه تعريضًا بأن من يسأل النبي عما لم يبعث النبي لبيانه ولا يتوقف عرفانه على الوحي فهو في طلبه الشيء من غير مطلبه كمن يطلب دخول البيت من ظهره دون بابه، وبهذا التقرير يكون الاتصال والالتحام بين أجزاء الآية أحكم وأقوى، ولولا أن هذا مفيد لحكم من أحكام الحج الذي يعرف ميقاته بالأهلة لكان لا معنى له إلا تأديب السائلين بتمثيل ذلك السؤال بمثال لا يرتضيه عاقل، وهو إتيان البيوت من ظهورها، وإرشادهم إلى ما ينبغي أن يستفيدوه، وتحسينه لهم بجعله كإتيان البيوت من أبوابها.
روى البخاري وابن جرير عن البراء قالوا كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله الآية، وبعد أن أعلمهم الله تعالى بخطئهم في ذلك بيّن لهم البر الحقيقي فقال ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي أن البر هو تقوى الله تعالى بالتخلي عن المعاطي والرذائل، وعمل الخير والتحلي بالفضائل، واتباع الحق واجتناب الباطل، فأوا البيوت من أبوابها، وليكن باطنكم عنوانًا لظاهركم بطلب الأمور كلها من مواضعها، واتقوا الله رجاء أن تفلحوا في أعمالكم، وتبلغوا غاية آمالكم، فمن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا.
ومن مباحث اللفظ أن الأهلة جمع هلال وهو القمر في ليلتين أو ثلاث من أول الشهر على الأشْهَر، وقيل حتى يحجر أي يستدير بخط دقيق، وقيل حتى يبهر ضؤوه سواد الليل، وقدروا ذلك بسبع، وقالوا إنه مأخوذ من استهل الصبي إذا صرخ حين الولادة، وذلك أنهم كانوا يرفعون أصواتهم عند رؤيته للإعلام بها يقولون الهلال والله، وأهَلَّ الرجل رفع صوته عند رؤيته، وأهَلَّ بالحج رفع صوته بالتلبية وأهَلَّ بذكر الله وباسم الله، وأهَل القوم واستهلوا رأوا الهلال، ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"