الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٧٦ من سورة البقرة
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 111 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٧٦ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ) الآية .
قال محمد بن إسحاق : حدثنا محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ) أي بصاحبكم رسول الله ، ولكنه إليكم خاصة .
( وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا ) لا تحدثوا العرب بهذا ، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم ، فكان منهم .
فأنزل الله : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ) أي : تقرون بأنه نبي ، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه ، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ، ونجد في كتابنا .
اجحدوه ولا تقروا به .
يقول الله تعالى : ( أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ) .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : يعني المنافقين من اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : آمنا .
وقال السدي : هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا .
وكذا قال الربيع بن أنس ، وقتادة وغير واحد من السلف والخلف ، حتى قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، فيما رواه ابن وهب عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال : " لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن " .
فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق : اذهبوا فقولوا : آمنا ، واكفروا إذا رجعتم إلينا ، فكانوا يأتون المدينة بالبكر ، ويرجعون إليهم بعد العصر .
وقرأ قول الله تعالى : ( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) [ آل عمران : 72 ] وكانوا يقولون ، إذا دخلوا المدينة : نحن مسلمون .
ليعلموا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره .
فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر .
فلما أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون .
وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون فيقولون : أليس قد قال الله لكم كذا وكذا ؟
فيقولون : بلى .
فإذا رجعوا إلى قومهم [ يعني الرؤساء ] قالوا : ( أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ) الآية .
وقال أبو العالية : ( أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ) يعني : بما أنزل الله عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم .
وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : ( أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ) قال : كانوا يقولون : سيكون نبي .
فخلا بعضهم ببعض فقالوا : ( أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ) .
قول آخر في المراد بالفتح : قال ابن جريج : حدثني القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد ، في قوله تعالى : ( أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ) قال : قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم ، فقال : " يا إخوان القردة والخنازير ، ويا عبدة الطاغوت " ، فقالوا : من أخبر بهذا الأمر محمدا ؟
ما خرج هذا القول إلا منكم ( أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ) بما حكم الله ، للفتح ، ليكون لهم حجة عليكم .
قال ابن جريج ، عن مجاهد : هذا حين أرسل إليهم عليا فآذوا محمدا صلى الله عليه وسلم .
وقال السدي : ( أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ) من العذاب ( ليحاجوكم به عند ربكم ) هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا وكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به .
فقال بعضهم لبعض : ( أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ) من العذاب ، ليقولوا : نحن أحب إلى الله منكم ، وأكرم على الله منكم .
وقال عطاء الخراساني : ( أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ) يعني : بما قضى [ الله ] لكم وعليكم .
وقال الحسن البصري : هؤلاء اليهود ، كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض ، قال بعضهم : لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم ، فيحاجوكم به عند ربكم ، فيخصموكم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا قال أبو جعفر: أما قوله: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا)، فإنه خبر من الله جل ذكره عن الذين أيأس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من إيمانهم - من يهود بني إسرائيل، الذين كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون - وهم الذين إذا لقوا الذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا.
يعني بذلك: أنهم إذا لقوا الذين صدقوا بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله، قالوا: آمنا - أي صدقنا بمحمد وبما صدقتم به، وأقررنا بذلك.
أخبر الله عز وجل أنهم تخلقوا بأخلاق المنافقين، وسلكوا منهاجهم، كما:- 1335 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي ، عن أبيه, عن جده, عن ابن عباس قوله: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم)، وذلك أن نفرا من اليهود كانوا إذا لقوا محمدا صلى الله عليه وسلم قالوا: &; 2-250 &; آمنا, وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم.
1336 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا)، يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا.
* * * وقد روي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر وهو ما:- 1337 - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا)، أي: بصاحبكم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكنه إليكم خاصة.
1338 - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) الآية, قال: هؤلاء ناس من اليهود، آمنوا ثم نافقوا.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) قال أبو جعفر: يعني بقوله: (وإذا خلا بعضهم إلى بعض) أي: إذا خلا بعض هؤلاء اليهود -الذين وصف الله صفتهم- إلى بعض منهم، فصاروا في خلاء من الناس غيرهم, وذلك هو الموضع الذي ليس فيه غيرهم -" قالوا " يعني: قال بعضهم لبعض -: " أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ".
* * * ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (بما فتح الله عليكم).
فقال بعضهم بما:- 1339 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن &; 2-251 &; عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم)، يعني: بما أمركم الله به.
فيقول الآخرون: إنما نستهزئ بهم ونضحك.
* * * وقال آخرون بما:- 1340 - حدثنا ابن حميد قال, حدثنا سلمة، عن ابن اسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ، أي: بصاحبكم رسول الله, ولكنه إليكم خاصة, وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم, فكان منهم.
(99) فأنـزل الله: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم)، أي: تقرون بأنه نبي, وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه, وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا؟
اجحدوه ولا تقروا لهم به.
يقول الله: أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ .
1341 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم)، أي بما أنـزل الله عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم.
1342 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة: (قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم)، أي: بما من الله عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم, فإنكم إذا فعلتم ذلك احتجوا به عليكم، (أفلا تعقلون).
&; 2-252 &; 1343 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم)، ليحتجوا به عليكم.
1344 - حدثني المثنى قال، حدثني آدم قال، حدثنا أبو جعفر قال، قال قتادة: (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم)، يعني: بما أنـزل الله عليكم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته.
* * * وقال آخرون في ذلك بما:- 1345 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم) قال: قول يهود بني قريظة، (100) حين سبهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم إخوة القردة والخنازير, قالوا: من حدثك؟
هذا حين أرسل إليهم عليا فآذوا محمدا, فقال: يا إخوة القردة والخنازير.
(101) 1346 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيقة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله - إلا أنه قال: هذا، حين أرسل إليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وآذوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اخسئوا يا إخوة القردة والخنازير " .
1347 - حدثنا القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، أخبرني القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد في قوله: (أتحدثونهم بما فتح &; 2-253 &; الله عليكم)، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم فقال: " يا إخوان القردة، ويا إخوان الخنازير، ويا عبدة الطاغوت ".
فقالوا: من أخبر هذا محمدا؟
ما خرج هذا إلا منكم!(أتحدثونهم بما فتح الله عليكم)!
بما حكم الله، للفتح ، ليكون لهم حجة عليكم.
قال ابن جريج, عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم عليا فآذوا محمدا صلى الله عليه وسلم.
(102) * * * وقال آخرون بما:- 1348 - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) - من العذاب -" ليحاجوكم به عند ربكم " هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا, فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به, فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب، ليقولوا نحن أحب إلى الله منكم, وأكرم على الله منكم؟
* * * وقال آخرون بما:- 1349 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم): قال: كانوا إذا سئلوا عن الشيء قالوا: أما تعلمون في التوراة كذا وكذا؟
قالوا: بلى!
- قال: وهم يهود - فيقول لهم رؤساؤهم الذين يرجعون إليهم: ما لكم تخبرونهم بالذي أنـزل الله عليكم فيحاجوكم به عند ربكم؟
أفلا تعقلون؟
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن (103) .
فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا آمنا, واكفروا إذا رجعتم.
قال: فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر ويرجعون إليهم بعد العصر (104) وقرأ قول الله: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ آل عمران: 72].
وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون.
ليعلموا خبر رسول الله صلى الله &; 2-254 &; عليه وسلم وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر.
فلما أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهم, قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون.
وكان المؤمنون الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يظنون أنهم مؤمنون, فيقولون لهم: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟
فيقولون: بلى!
فإذا رجعوا إلى قومهم [يعني الرؤساء] - قالوا: " أتحدثونهم بما فتح الله عليكم "، الآية.
(105) * * * وأصل " الفتح " في كلام العرب: النصر والقضاء، والحكم.
يقال منه: " اللهم افتح بيني وبين فلان "، أي احكم بيني وبينه, ومنه قول الشاعر: ألا أبلــغ بنــي عُصْــمٍ رسـولا بـــأني عــن فُتــاحَتكم غنــي (106) قال أبو جعفر: قال: ويقال للقاضي: " الفتاح " (107) ومنه قول الله عز وجل: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [ الأعراف: 89] أي احكم بيننا وبينهم.
* * * فإذا كان معنى الفتح ما وصفنا, تبين أن معنى قوله: (قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم) إنما هو أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم، وقضاه فيكم؟
ومن حكمه جل ثناؤه عليهم ما أخذ به ميثاقهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم, وبما جاء به في التوراة.
ومن قضائه فيهم أن جعل منهم القردة والخنازير, وغير ذلك من أحكامه وقضائه فيهم.
وكل ذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به، حجةً على المكذبين من اليهود &; 2-255 &; المقرين بحكم التوراة، وغير ذلك [من أحكامه وقضائه].
(108) فإذ كان كذلك.
(109) فالذي هو أولى عندي بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى خلقه؟
لأن الله جل ثناؤه إنما قص في أول هذه الآية الخبر عن قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه: آمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم; فالذي هو أولى بآخرها أن يكون نظير الخبر عما ابتدئ به أولها.
وإذا كان ذلك كذلك, فالواجب أن يكون تلاومهم، كان فيما بينهم، فيما كانوا أظهروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه من قولهم لهم: آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به.
وكان قيلهم ذلك، من أجل أنهم يجدون ذلك في كتبهم، وكانوا يخبرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.
فكان تلاومهم -فيما بينهم إذا خلوا- على ما كانوا يخبرونهم بما هو حجة للمسلمين عليهم عند ربهم.
وذلك أنهم كانوا يخبرونهم عن وجود نعت محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم، ويكفرون به, وكان فتح الله الذي فتحه للمسلمين على اليهود، وحكمه عليهم لهم في كتابهم، أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث.
فلما بعث كفروا به، مع علمهم بنبوته.
* * * قال أبو جعفر: وقوله: (أفلا تعقلون)، خبر من الله تعالى ذكره - عن اليهود اللائمين إخوانهم على ما أخبروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فتح الله لهم عليهم - أنهم قالوا لهم: أفلا تفقهون أيها القوم وتعقلون، أن إخباركم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بما في كتبكم أنه نبي مبعوث، حجة لهم عليكم عند ربكم، يحتجون بها عليكم؟
أي: فلا تفعلوا ذلك, ولا تقولوا لهم مثل ما قلتم, ولا تخبروهم &; 2-256 &; بمثل ما أخبرتموهم به من ذلك.
فقال جل ثناؤه: أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ .
* * * --------------------------- الهوامش : (99) قوله : "فكان منهم" ، أي كان منهم النبي الذي كانوا يستفتحون به على مشركي العرب ويستنصرون ، ويرجون أن يكون منهم ، فكان من العرب .
وسيأتي خبر استفتاحهم بعد في تفسير الآية : 89 من سورة البقرة في هذا الجزء .
(100) في المطبوعة : "يهود من قريظة" ، ليست بشيء .
(101) من أول قوله : "قالوا من حدثك؟
.
.
" إلى آخر العبارة ، تفسير للقصة قبله .
وقوله"فقال : يا إخوة القردة والخنازير" من كلام رسول الله صلى الله عليهم وسلم ، لا كلام علي رضي الله عنه .
وسيظهر ذلك في الخبرين بعده .
(102) الأثر : 1347 - في ابن كثير 1 : 214 وفيه : "من أخبر بهذا الأمر محمدا؟
ما خرج هذا القول إلا منكم" .
(103) قصبة القرية : وسطها وجوفها .
وقصبة البلاد : مدينتها ، لأنها تكون في أوسطها .
(104) البكر جمع بكرة (بضم فسكون) : وهي الغدوة ، أول النهار .
(105) الأثر : 1349 في ابن كثير 1 : 213 - 214 ، والزيادة بين القوسين منه .
(106) ينسب للأسعر الجعفي ، ومحمد بن حمران بن أبي حمران .
انظر تعليق الراجكوتي في سمط اللآلئ : 927 .
(107) أمالي القالي 2 : 281 واللسان (فتح) (رسل) ، وغيرهما ، وبنو عصم ، هم رهط عمرو ابن معد يكرب الزبيدي .
وقد اختلفت روايات البيت اختلافا شديدا ، وليس هذا مكان تحقيقها ، لطولها .
(108) ما بين القوسين ، زيادة استظهرتها من سابق بيانه ، ليستقيم الكلام .
(109) في المطبوعة : "فإن كان كذلك" ، والزيادة ماضية على نهج أبي جعفر .
قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنونقوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا هذا في المنافقين .
وأصل لقوا : لقيوا ، وقد تقدم ( وإذا خلا بعضهم إلى بعض ) الآية في اليهود ، وذلك أن ناسا منهم أسلموا ثم نافقوا فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذب به آباؤهم ، فقالت لهم اليهود : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم أي حكم الله عليكم من العذاب ، ليقولوا نحن أكرم على الله منكم ، عن ابن عباس والسدي .
وقيل : إن عليا لما نازل قريظة يوم خيبر سمع سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف إليه وقال : يا رسول الله ، لا تبلغ إليهم ، وعرض له ، فقال : أظنك سمعت شتمي منهم لو رأوني لكفوا عن ذلك ونهض إليهم ، فلما رأوه أمسكوا ، فقال لهم : أنقضتم العهد يا إخوة القردة والخنازير أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته فقالوا : ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل علينا ، من حدثك بهذا ؟
ما خرج هذا الخبر إلا من عندنا !
روي هذا المعنى عن مجاهد .قوله تعالى وإذا خلا الأصل في " خلا " خلو ، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وتقدم معنى خلا في أول السورة .
ومعنى فتح حكم .
والفتح عند العرب : القضاء والحكم ، ومنه قوله تعالى : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين أي الحاكمين ، والفتاح : القاضي بلغة اليمن ، يقال : بيني وبينك الفتاح ، قيل ذلك لأنه ينصر المظلوم على الظالم .
والفتح : النصر ، ومنه قوله : يستفتحون على الذين كفروا ، وقوله : إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح .
ويكون بمعنى الفرق بين الشيئين .قوله تعالى : ليحاجوكم نصب بلام كي ، وإن شئت بإضمار أن ، وعلامة النصب ، حذف النون .
قال يونس : وناس من العرب يفتحون لام كي .
قال الأخفش : لأن الفتح الأصل .
قال خلف الأحمر : هي لغة بني العنبر .
ومعنى ليحاجوكم ليعيروكم ، ويقولوا نحن أكرم على الله منكم .
وقيل : المعنى ليحتجوا عليكم بقولكم ، يقولون كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقه .
وقيل : إن الرجل من اليهود كان يلقى صديقه من المسلمين فيقول له : تمسك بدين محمد فإنه نبي حقا .
( عند ربكم ) قيل في الآخرة ، كما قال : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون .
وقيل : عند ذكر ربكم .
وقيل : عند بمعنى " في " أي ليحاجوكم به في ربكم ، فيكونوا أحق به منكم لظهور الحجة عليكم ، روي عن الحسن .
والحجة : الكلام المستقيم على الإطلاق ، ومن ذلك محجة الطريق .
وحاججت فلانا فحججته ، أي غلبته بالحجة .
ومنه الحديث : ( فحج آدم موسى ) .
أفلا تعقلون قيل : هو من قول الأحبار للأتباع .
وقيل : هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين ، أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال ; ثم وبخهم توبيخا يتلى فقال : أولا يعلمون الآية .
فهو استفهام معناه التوبيخ والتقريع .
وقرأ الجمهور يعلمون بالياء ، وابن محيصن بالتاء ، خطابا للمؤمنين .
والذي أسروه كفرهم ، والذي أعلنوه الجحد به .
ثم ذكر حال منافقي أهل الكتاب فقال: { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا } فأظهروا لهم الإيمان قولا بألسنتهم, ما ليس في قلوبهم، { وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ } فلم يكن عندهم أحد من غير أهل دينهم، قال بعضهم لبعض: { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي: أتظهرون لهم الإيمان وتخبروهم أنكم مثلهم, فيكون ذلك حجة لهم عليكم؟
يقولون: إنهم قد أقروا بأن ما نحن عليه حق, وما هم عليه باطل, فيحتجون عليكم بذلك عند ربكم { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } أي: أفلا يكون لكم عقل, فتتركون ما هو حجة عليكم؟
هذا يقوله بعضهم لبعض.
{وإذا لقوا الذين آمنوا} قال ابن عباس والحسن وقتادة: "يعني منافقي اليهود الذين آمنوا بألسنتهم إذا لقوا المؤمنين المخلصين".
{قالوا آمنا} كإيمانكم.
{وإذا خلا} رجع.
{بعضهم إلى بعض} - كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا وغيرهم من رؤساء اليهود - لأمرهم على ذلك.
{قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} بما قص الله عليكم في كتابكم: أن محمداً حق وقوله صدق.
والفتاح: القاضي.
وقال الكسائي: "بما بينه الله لكم من العلم بصفة النبي صلى الله عليه وسلم ونعته".
وقال الواقدي: "بما أنزل الله عليكم، ونظيره: {لفتحنا عليهم بركات من السماء} [44-الأنعام] أي أنزلنا".
وقال أبو عبيدة: "بما من الله عليكم وأعطاكم".
{ليحاجوكم به} ليخاصموكم، يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يحتجوا بقولكم عليكم فيقولوا قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ثم لا تتبعونه!!
وذلك أنهم قالوا لأهل المدينة حين شاورهم في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم: آمنوا به فإنه حق، ثم قال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما أنزل الله عليكم لتكون لهم الحجة عليكم.
{عند ربكم} في الدنيا والآخرة، وقيل: إنهم أخبروا المؤمنين بما عذبهم الله به على الجنايات فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما أنزل الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به عند ربكم، ليروا الكرامة لأنفسهم عليكم عند الله.
وقال مجاهد: "هو قول يهود بني قريظة قال بعضهم لبعض حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "يا إخوان القردة والخنازير، فقالوا: من أخبرمحمد بهذا؟
ما خرج هذا إلا منكم".
{أفلا تعقلون}.
«وإذا لقوا» أي منافقوا اليهود «الذين آمنوا قالوا آمنا» بأن محمداً نبي وهو المبشر به في كتابنا «وإذا خلا» رجع «بعضهم إلى بعض قالوا» أي رؤساؤهم الذين لم ينافقوا لمن نافق «أتحدثونهم» أي المؤمنين «بما فتح الله عليكم» أي عرَّفكم في التوراة من نعت محمد * «ليحاجوكم» ليخاصموكم واللامُ للصيرورة «به عند ربكم» في الآخرة ويقيموا عليكم الحجة في ترك اتِّباعه مع علمكم بصدقه «أفلا تعقلون» أنهم يحاجونكم إذا حدثتموهم فتنتهوا.
هؤلاء اليهود إذا لقوا الذين آمنوا قالوا بلسانهم: آمنَّا بدينكم ورسولكم المبشَّر به في التوراة، وإذا خلا بعض هؤلاء المنافقين من اليهود إلى بعض قالوا في إنكار: أتحدِّثون المؤمنين بما بيَّن الله لكم في التوراة من أمر محمد؛ لتكون لهم الحجة عليكم عند ربكم يوم القيامة؟
أفلا تفقهون فتحذروا؟
ثم أخبر القرآن الكريم عن بعضهم ، بأنهم قد ضموا إلى رذيلة التحريف رذيلة النفاق والتدليس فقال تعالى : ( وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قالوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ .
أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) .والمعنى : وإذا ما تلافى المنافقون من اليهود مع المؤمنين ، قالوا لهم نفاقاً وخداعاً .
صدقنا أن ما أنتم عليه هو الحق .
وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله ، وإذا ما انفرد بعض اليهود ببعض قال الذين لم ينافقوا لإخرانهم الذين نافقوا معاتبين : أتخبرون المؤمنين بما بينه الله لكم في كتابكم مما يشهد بحقية ما هم عليه ، لتكون لهم الحجة عليهكم يوم القيامة ، أفلا تعقلون أن هذا التحديث يقيم الحجة لهم عليكم؟فالآية الكريمة فيها بيان لنوع آخر من مساوئ اليهود ومخازيهم التي تدعو إلى اليأس من إيمانهم وتكشف النقاب عما كانوا يضمرونه من تدليس .قال الإِمام الرازي : " وإنما عذلوهم على ذلك لأن اليهودي إذا اعترف بصحة التوراة ، واعترف بشهادتها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم كانت الحجة قوية عليه ، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضاً من الاعتراف بذلك أمام المؤمنين " .والاستفهام في قوله تعالى : ( وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قالوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ ) للإِنكار والتوبيخ والفتح يطلق على القضاء ومنه قوله تعالى : ( رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق ) أي : افض بيننا وبين قومنا بالحق .قال ابن جرير : " أصل الفتح في كلام العرب القضاء والحكم والمعنى أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاه فيكم؟
ومن حكمه - تعالى - وقضائه فيهم أخذه ميثاقهم بأن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد بشرت به التوراة " .وقوله تعالى : ( لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ) متعلق بالحديث ومرادهم تأكيد النكير على إخوانهم الذين أظهروا إيمانهم نفاقاً ، فكأنهم يقولون لهم : أتحدثون المؤمنين بما يفضحكم يوم القيامة أمام الخالق - عز وجل - وفي حكمه وقضائه ، لأنهم سيقولون لكم .ألم تحدثونا في الدنيا بما في كتابكم من حقيقة ديننا وصدق نبينا؟
فيكون ذلك زائداً في ظهور فضيحتكم وتوبيخكم على رءوس الخلائق يوم الموقف العظيم ، لأنه ليس من اعترف بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإِنكار .وجملة ( أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) من بقية مقولهم لمن نافق منهم ، وقد أتوا بها لزيادة توبيخهم لهم حتى لا يعودوا إلى التحدث مع المؤمنين .والمعنى : أليست لكم عقول تحجزكم عن أن تحدثوا المؤمنين بما يقيم لهم الحجة عليكم يوم القيامة؟
اعلم أنه سبحانه لما ذكر قبائح أفعال أسلاف اليهود إلى هاهنا، شرح من هنا قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، قال القفال رحمه الله: إن فيما ذكره الله تعالى في هذه السورة من أقاصيص بني إسرائيل وجوهاً من المقصد، أحدها: الدلالة بها على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عنها من غير تعلم، وذلك لا يمكن أن يكون إلا بالوحي ويشترك في الانتفاع بهذه الدلالة أهل الكتاب والعرب، أما أهل الكتاب فلأنهم كانوا يعلمون هذه القصص فلما سمعوها من محمد من غير تفاوت أصلاً، علموا لا محالة أنه ما أخذها إلا من الوحي.
وأما العرب فلما يشاهدون من أن أهل الكتاب يصدقون محمداً في هذه الأخبار.
وثانيها: تعديد النعم على بني إسرائيل وما منّ الله تعالى به على أسلافهم من أنواع الكرامة والفضل كالإنجاء من آل فرعون بعدما كانوا مقهورين مستعبدين ونصره إياهم وجعلهم أنبياء وملوكاً وتمكينه لهم في الأرض وفرقه بهم البحر وإهلاكه عدوهم وإنزاله النور والبيان عليهم بواسطة إنزال التوراة والصفح عن الذنوب التي ارتكبوها من عبادة العجل ونقض المواثيق ومسألة النظر إلى الله جهرة، ثم ما أخرجه لهم في التيه من الماء العذب من الحجر وإنزاله عليهم المن والسلوى ووقايتهم من حر الشمس بتظليل الغمام، فذكرهم الله هذه النعم القديمة والحديثة.
وثالثها: إخبار النبي عليه السلام بتقديم كفرهم وخلافهم وشقاقهم وتعنتهم مع الأنبياء ومعاندتهم لهم وبلوغهم في ذلك ما لم يبلغه أحد من الأمم قبلهم، وذلك لأنهم بعد مشاهدتهم الآيات الباهرة عبدوا العجل بعد مفارقة موسى عليه السلام إياهم بالمدة اليسيرة، فدل على بلادتهم، ثم لما أمروا بدخول الباب سجداً وأن يقولوا حطة ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم ويزيد في ثواب محسنهم بدلوا القول وفسقوا، ثم سألوا الفوم والبصل بدل المن والسلوى، ثم امتنعوا من قبول التوراة بعد إيمانهم بموسى وضمانهم له بالمواثيق أن يؤمنوا به وينقادوا لما يأتي به حتى رفع فوقهم الجبل ثم استحلوا الصيد في السبت واعتدوا، ثم لما أمروا بذبح البقرة شافهوا موسى عليه السلام بقولهم: ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ ، ثم لما شاهدوا إحياء الموتى ازدادوا قسوة، فكأن الله تعالى يقول: إذا كانت هذه أفعالهم فيما بينهم ومعاملاتهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به وأنقذهم من الرق والآفة بسببه، فغير بديع ما يعامل به أخلافهم محمداً عليه السلام، فليهن عليكم أيها النبي والمؤمنون ما ترونه من عنادهم وإعراضهم عن الحق.
ورابعها: تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من نزول العذاب عليهم كما نزل بأسلافهم في تلك الوقائع المعدودة.
وخامسها: تحذير مشركي العرب أن ينزل العذاب عليهم كما نزل على أولئك اليهود.
وسادسها: أنه احتجاج على مشركي العرب المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ كذلك يُحْيىِ الله الموتى ﴾ إذا عرفت هذا فنقول: إنه عليه السلام كان شديد الحرص على الدعاء إلى الحق وقبولهم الإيمان منه، وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم، فقص الله تعالى عليه أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل الكتاب في زمانه من قلة القبول والاستجابة، فقال تعالى: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: في قوله تعالى: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ﴾ وجهان: الأول: وهو قول ابن عباس أنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لأنه هو الداعي وهو المقصود بالاستجابة واللفظ وإن كان للعموم، لكنا حملناه على الخصوص لهذه القرينة، روي أنه عليه السلام حين دخل المدينة ودعا اليهود إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية.
الثاني: وهو قول الحسن أنه خطاب مع الرسول والمؤمنين.
قال القاضي: وهذا أليق بالظاهر لأنه عليه السلام وإن كان الأصل في الدعاء فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها، فصح أن يقول تعالى: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ﴾ ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا كان ذلك صحيحاً فلا وجه لترك الظاهر.
المسألة الثانية: المراد بقوله: ﴿ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ﴾ هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول عليه السلام لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا وخلافه لأن الطمع إنما يصح في المستقبل لا في الواقع.
المسألة الثالثة: ذكروا في سبب الاستبعاد وجوهاً: أحدها: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه السلام، وكان هو السبب في أن الله خلصهم من الذل وفضلهم على الكل، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين.
الثاني: أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك، بل غيره وبدله.
الثالث: أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه.
المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: القوم مكلفون بأن يؤمنوا بالله.
فما الفائدة في قوله: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ﴾ الجواب: أنه يكون إقراراً لهم بما دعوا إليه ولو كان الإيمان لله كما قال تعالى: ﴿ فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾ لما أقر بنبوته وبتصديقه، ويجوز أن يراد بذلك أن يؤمنوا لأجلكم ولأجل تشددكم في دعائهم إليه فيكون هذا معنى الإضافة.
أما قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ ﴾ فقد اختلفوا في ذلك الفريق، منهم من قال: المراد بالفريق من كان في أيام موسى عليه السلام لأنه تعالى وصف هذا الفريق بأنهم يسمعون كلام الله.
والذين سمعوا كلام الله هم أهل الميقات، ومنهم من قال: بل المراد بالفريق من كان في زمن محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا أقرب لأن الضمير في قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ ﴾ راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ﴾ وقد بينا أن الذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام.
فإن قيل: الذين سمعوا كلام الله هم الذين حضروا الميقات، قلنا: لا نسلم بل قد يجوز فيمن سمع التوراة أن يقال: إنه سمع كلام الله كما يقال لأحدنا سمع كلام الله إذا قرئ عليه القرآن.
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال القفال: التحريف التغيير والتبديل وأصله من الانحراف عن الشيء والتحريف عنه، قال تعالى: ﴿ إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ ﴾ والتحريف هو إمالة الشيء عن حقه، يقال: قلم محرف إذا كان رأسه قط مائلاً غير مستقيم.
المسألة الثانية؛ قال القاضي: إن التحريف إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى، وحمل التحريف على تغيير اللفظ أولى من حمله على تغيير المعنى، لأن كلام الله تعالى إذا كان باقياً على جهته وغيروا تأويله فإنما يكونون مغيرين لمعناه لا لنفس الكلام المسموع، فإن أمكن أن يحمل على ذلك كما روي عن ابن عباس من أنهم زادوا فيه ونقصوا فهو أولى، وإن لم يمكن ذلك فيجب أن يحمل على تغيير تأويله وإن كان التنزيل ثابتاً، وإنما يمتنع ذلك إذا ظهر كلام الله ظهوراً متواتراً كظهور القرآن، فأما قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع تحريف نفس كلامه، لكن ذلك ينظر فيه، فإن كان تغييرهم له يؤثر في قيام الحجة به فلابد من أن يمنع الله تعالى منه وإن لم يؤثر في ذلك صح وقوعه فالتحريف الذي يصح في الكلام يجب أن يقسم على ما ذكرناه، فأما تحريف المعنى فقد يصح على وجه ما، لم يعلم قصد الرسول باضطرار فإنه متى علم ذلك امتنع منهم التحريف لما تقدم من علمهم بخلافه كما يمتنع الآن أن يتأول متأول تحريم لحم الخنزير والميتة والدم على غيرها.
المسألة الثالثة: اعلم أنا إن قلنا بأن المحرفين هم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام، فالأقرب أنهم حرفوا ما لا يتصل بأمر محمد صلى الله عليه وسلم.
روي أن قوماً من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به موسى وما نهى عنه، ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس، وأما إن قلنا: المحرفون هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام فالأقرب أن المراد تحريف أمر محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك إما أنهم حرفوا نعت الرسول وصفته أو لأنهم حرفوا الشرائع كما حرفوا آية الرجم وظاهر القرآن لا يدل على أنهم أي شيء حرفوا.
المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول اليأس من إيمان الباقين، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين؟
أجاب القفال عنه فقال: يحتمل أن يكون المعنى كيف يؤمن هؤلاء وهم إنما يأخذون دينهم ويتعلمونه من قوم هم يتعمدون التحريف عناداً، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وغيروه عن وجهه والمقلدة لا يقبلون إلا ذلك ولا يلتفتون إلى قول أهل الحق وهو كقولك للرجل: كيف تفلح وأستاذك فلانا أي وأنت عنه تأخذ ولا تأخذ عن غيره.
المسألة الخامسة: اختلفوا في قوله: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ ﴾ فقال قائلون: آيسهم الله تعالى من إيمان هذه الفرقة وهم جماعة بأعيانهم.
وقال آخرون: لم يؤيسهم من ذلك إلا من جهة الاستبعاد له منهم مع ما هم عليه من التحريف والتبديل والعناد، قالوا: وهو كما لا نطمع لعبيدنا وخدمنا أن يملكوا بلادنا.
ثم إنا لا نقطع بأنهم لا يملكون بل نستبعد ذلك.
ولقائل أن يقول: إن قوله تعالى: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ﴾ استهفام على سبيل الإنكار، فكان ذلك جزماً بأنهم لا يؤمنون ألبتة فإيمان من أخبر الله عنه أنه لا يؤمن ممتنع، فحينئذ تعود الوجوه المقررة للخبر على ما تقدم.
أما قوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ ﴾ ، فالمراد أنهم علموا بصحته وفساد ما خلقوه فكانوا معاندين مقدمين على ذلك بالعمد، فلأجل ذلك يجب أن يحمل الكلام على أنهم العلماء منهم وأنهم فعلوا ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه الله تعالى من بعد في قوله تعالى: ﴿ واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ وقال تعالى: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ ﴾ [الأنعام: 20] ويجب أن يكون في عددهم قلة لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم كتمان ما يعتقدون لأنا إن جوزنا ذلك لم يعلم المحق من المبطل وإن كثر العدد.
أما قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ فلقائل أن يقول: قوله تعالى: ﴿ عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ تكرار لا فائدة فيه: أجاب القفال عنه من وجهين: الأول: من بعد ما عقلوه مراد الله فأولوه تأويلاً فاسداً يعلمون أنه غير مراد الله تعالى.
الثاني: أنهم عقلوا مراد الله تعالى، وعلموا أن التأويل الفاسد يكسبهم الوزر والعقوبة من الله تعالى، ومتى تعمدوا التحريف مع العلم بما فيه من الوزر كانت قسوتهم أشد وجراءتهم أعظم، ولما كان المقصود من ذلك تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتصبيره على عنادهم فكلما كان عنادهم أعظم كان ذلك في التسلية أقوى، وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: قال القاضي قوله تعالى: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ﴾ على ما تقدم تفسيره، يدل على أن إيمانهم من قبلهم لأنه لو كان بخلق الله تعالى فيهم لكان لا يتغير حال الطمع فيهم بصفة الفريق الذي تقدم ذكرهم، ولما صح كون ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لأن على هذا القول أمرهم في الإيمان موقوف على خلقه تعالى ذلك، وزواله موقوف على أن لا يخلقه فيهم ومن وجه آخر وهو أعظامه تعالى لذنبهم في التحريف من حيث فعلوه وهم يعلمون صحته، ولو كان ذلك من خلقه لكان بأن يعلموا أو لا يعلموا لا يتغير ذلك وإضافته تعالى التحريف إليهم على وجه الذم تدل على ذلك، واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة.
المسألة الثانية: قال أبو بكر الرازي: تدل الآية على أن العالم المعاند فيه أبعد من الرشد وأقرب إلى اليأس من الجاهل، لأن قوله تعالى: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ﴾ يفيد زوال الطمع في رشدهم لمكابرتهم الحق بعد العلم به.
<div class="verse-tafsir"
معنى ﴿ ثُمَّ قَسَتْ ﴾ استبعاد القسوة من بعد ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها ونحوه: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار وأنّ المواعظ لا تؤثر فيها.
و ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى إحياء القتيل، أو إلى جميع ما تقدّم من الآيات المعدودة ﴿ فَهِىَ كالحجارة ﴾ فهي في قسوتها مثل الحجارة ﴿ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ منها، (وأشد) معطوف على الكاف، إما على معنى أو مثل أشد قسوة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وتعضده قراءة الأعمش بنصب الدال عطفاً على الحجارة، وإمَّا على: أو هي في أنفسها أشد قسوة.
والمعنى أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلاً.
أو من عرفها شبهها بالحجارة، أو قال: هي أقسى من الحجارة.
فإن قلت: لم قيل: أشد قسوة، وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟
قلت: لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة.
ووجه آخر: وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة، كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشدّ قسوة.
وقرئ: ﴿ قساوة ﴾ .
وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس، كقولك: زيد كريم وعمرو أكرم.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنَ الحجارة ﴾ بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدّة القسوة، وتقرير لقوله: (أو أشدّ قسوة).
وقرئ (وإنْ) بالتخفيف.
وهي (إن) المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة.
ومنها قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ ﴾ [يس: 33] .
والتفجر: التفتح بالسعة والكثرة.
وقرأ مالك بن دينار ﴿ ينفجر ﴾ بالنون.
﴿ يَشَّقَّقُ ﴾ يتشقق.
وبه قرأ الأعمش.
والمعنى إنّ من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير، ومنها ما ينشق انشقاقاً بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضاً ﴿ يَهْبِطُ ﴾ يتردى من أعلى الجبل.
وقرئ بضم الباء.
والخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله تعالى وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به.
وقرئ ﴿ يعملون ﴾ بالياء والتاء، وهو وعيد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَتَطْمَعُونَ ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ ﴿ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ﴾ أنْ يُصَدِّقُوكُمْ، أوْ يُؤْمِنُوا لِأجْلِ دَعْوَتِكم.
يَعْنِي اليَهُودَ.
﴿ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ طائِفَةٌ مِن أسْلافِهِمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ يَعْنِي التَّوْراةَ.
﴿ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ﴾ كَنَعْتِ مُحَمَّدٍ ، وآيَةِ الرَّجْمِ.
أوْ تَأْوِيلَهُ فَيُفَسِّرُونَهُ بِما يَشْتَهُونَ.
وقِيلَ هَؤُلاءِ مِنَ السَّبْعِينَ المُخْتارِينَ سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ تَعالى حِينَ كَلَّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالطُّورِ، ثُمَّ قالُوا سَمْعَنا اللَّهَ تَعالى يَقُولُ في آخِرِهِ: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَفْعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ فافْعَلُوا وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَفْعَلُوا.
﴿ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ ﴾ أيْ فَهِمُوهُ بِعُقُولِهِمْ ولَمْ يَبْقَ لَهم فِيهِ رِيبَةٌ.
﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهم مُفْتَرُونَ مُبْطِلُونَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ أحْبارَ هَؤُلاءِ ومُقَدَّمِيهِمْ كانُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، فَما ظَنُّكَ بِسَفَلَتِهِمْ وجُهّالِهِمْ، وأنَّهم إنْ كَفَرُوا وحَرَّفُوا فَلَهم سابِقَةٌ في ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
{وإذا لقوا} أى المنافقين أو اليهود {الذين آمنوا} أى
المخلصين من أصحاب محمد عليه السلام {قَالُواْ} أي المنافقون {آمنَا} بأنكم على الحق وأن محمداً هو الرسول المبشر به {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ} الذين لم ينافقوا {إلى بَعْضِ} إلى الذين نافقوا {قَالُواْ} عاتبين عليهم {أَتُحَدِّثُونَهُم} أتخبرون أصحاب محمد عليه السلام {بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ} بما بين الله لكم في التوراة من صفة محمد عليه السلام {لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ} ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه جعلوا محاجتهم به وقولهم هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله ألا تراك تقول هو في كتاب الله تعالى هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد وقيل هذا على إضمار المضاف أي عند كتاب ربكم وقيل ليجادلوكم ويخاصموكم به بما قلتم لهم عند ربكم في الآخرة يقولون كفرتم بعد أن وقفتم على صدقه {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أن هذه حجة عليكم حيث تعترفون به ثم لا تتابعونه
﴿ وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَيْسَتْ إثْرَ بَيانِ ما صَدَرَ عَنْ أسْلافِهِمْ لِبَيانِ ما صَدَرَ عَنْهم بِالذّاتِ مِنَ الشَّنائِعِ المُؤَيِّسَةِ عَنْ إيمانِهِمْ مِن نِفاقِ بَعْضٍ، وعِتابِ آخَرِينَ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَسْمَعُونَ) وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ﴾ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وضَمِيرُ (لَقُوا) لِلْيَهُودِ عَلى طِبْقِ ﴿ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ﴾ وضَمِيرُ (قالُوا) لِلاقِينَ، لَكِنْ لا يَتَصَدّى الكُلُّ لِلْقَوْلِ حَقِيقَةً، بَلْ بِمُباشَرَةِ مُنافِقِيهِمْ، وسُكُوتِ الباقِينَ، فَهو مِن إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ لِلْكُلِّ، ومِثْلُهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وهَذا أدْخَلُ كَما قالَ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ في تَقْبِيحِ حالِ السّاكِتِينَ أوَّلًا العاتِبِينَ ثانِيًا، لِما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى نِفاقِهِمْ، واخْتِلافِ أحْوالِهِمْ، وتَناقُضِ آرائِهِمْ مِن إسْنادِ القَوْلِ إلى المُباشِرِينَ خاصَّةً بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ قالَ: مُنافِقُوهم كَما فَعَلَهُ البَعْضُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِمُنافِقِي اليَهُودِ كالثّانِي، لِيَتَّحِدَ فاعِلُ الشَّرْطِ والجَزاءُ مُراعاةً لِحَقِّ النَّظْمِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ في تَفْسِيرِ (وإذا لَقُوا) يَعْنِي مُنافِقِي اليَهُودِ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصَ قالُوا، إلّا أنَّ السِّباقَ واللَّحاقَ كَما رَأيْتَ، وسَتَرى يُبْعِدانِ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (لاقَوْا).
﴿ وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ﴾ أيْ إذا انْفَرَدَ بَعْضُ المَذْكُورِينَ وهُمُ السّاكِتُونَ مِنهم بَعْدَ فَراغِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالمُؤْمِنِينَ مُتَوَجِّهِينَ مُنْضَمِّينَ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنهُمْ، وهم مَن نافَقَ، وهَذا كالنَّصِّ عَلى اشْتِراكِ السّاكِتِينَ في لِقاءِ المُؤْمِنِينَ، إذِ الخُلُوُّ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الِاشْتِغالِ، ولِأنَّ عِتابَهم مُعَلَّقٌ بِمَحْضِ الخُلُوِّ، ولَوْلا إنَّهم حاضِرُونَ عِنْدَ المُقاوَلَةِ لَوَجَبَ أنْ يُجْعَلَ سَماعُهم مِن تَمامِ الشَّرْطِ، ولِأنَّ فِيهِ زِيادَةَ تَشْنِيعٍ لَهم عَلى ما أُوتُوا مِنَ السُّكُوتِ، ثُمَّ العِتابِ، ﴿ قالُوا ﴾ أيْ أُولَئِكَ البَعْضُ الخالِي مُوَبِّخِينَ لِمُنافِقِيهِمْ عَلى ما صَنَعُوا بِحَضْرَتِهِمْ.
﴿ أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ تُخْبِرُونَ المُؤْمِنِينَ بِما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى لَكم خاصَّةً مِن نَعْتِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ مِن أخْذِ العُهُودِ عَلى أنْبِيائِكم بِتَصْدِيقِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونُصْرَتِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالفَتْحِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ سِرٌّ مَكْتُومٌ، وبابٌ مُغْلَقٌ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِقَوْلِهِمْ: آمَنّا، بَلْ عَلَّلُوهُ بِما ذُكِرَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ التَّوْبِيخِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ هَذا التَّوْبِيخِ مِن جِهَةِ المُنافِقِينَ لِأعْقابِهِمْ وبَقاياهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُنافِقُوا، وحِينَئِذٍ يَكُونُ البَعْضُ الَّذِي هو فاعِلُ (خَلا) عِبارَةً عَنِ المُنافِقِينَ، وفِيهِ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَكْثِيرًا لِلْمَعْنى، والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ، ونَهْيٌ عَنِ التَّحْدِيثِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وإنْ جَلَّ قائِلُهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ فِيهِ رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ ودُونَ ذَلِكَ خَرْطُ القَتادِ.
﴿ لِيُحاجُّوكم بِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّحْدِيثِ دُونَ الفَتْحِ، خِلافًا لِمَن تَكَلَّفَ لَهُ، والمُرادُ تَأْكِيدُ النَّكِيرِ، وتَشْدِيدُ التَّوْبِيخِ، فَإنَّ التَّحْدِيثَ، وإنْ كانَ مُنْكَرًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لِهَذا الغَرَضِ مِمّا لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ، والمُفاعَلَةُ هُنا غَيْرُ مُرادَةٍ، والمُرادُ لِيَحْتَجُّوا بِهِ عَلَيْكُمْ، إلّا أنَّهُ إنَّما أتى بِها لِلْمُبالَغَةِ، وذَكَرَ ابْنُ تَمْجِيدٍ أنَّهُ لَوْ ذَهَبَ أحَدٌ إلى المُشارَكَةِ بَيْنَ المُحْتَجِّ والمُحْتَجِّ عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ مِن جانِبٍ احْتِجاجٌ، ومَن جانِبٍ آخَرَ سَماعٌ، لَكانَ لَهُ وجْهٌ كَما في بايَعْتُ زَيْدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ هُنا، فَتَذَكَّرْ، واللّامُ هَذِهِ لامُ كَيْ، والنَّصْبُ بِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها، أوْ بِها، وهي مُفِيدَةٌ لِلتَّعْلِيلِ، ولَعَلَّهُ هُنا مَجازٌ، لِأنَّ المُحَدِّثِينَ لَمْ يَحُومُوا حَوْلَ ذَلِكَ الغَرَضِ، لَكِنَّ فِعْلَهم ذَلِكَ لَمّا كانَ مُسْتَتْبِعًا لَهُ البَتَّةَ جُعِلُوا كَأنَّهم فاعِلُونَ لَهُ إظْهارًا لِكَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ أرائِهِمْ، وضَمِيرُ (بِهِ) راجِعٌ إلى ﴿ بِما فَتَحَ اللَّهُ ﴾ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ أيْ في كِتابِهِ وحُكْمِهِ، وهو عِنْدَ عِصابَةٍ بَدَلٌ مِن (بِهِ) ومَعْنى كَوْنِهِ بَدَلًا مِنهُ أنَّ عامِلَهُ الَّذِي هو نائِبٌ عَنْهُ بَدَلٌ مِنهُ، إمّا بَدَلُ الكُلِّ، إنْ قَدَّرَ صِيغَةَ اسْمِ الفاعِلِ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ إنْ قَدَّرَ مَصْدَرًا، وفائِدَتُهُ بَيانُ جِهَةِ الِاحْتِجاجِ بِما فَتَحَ اللَّهُ تَعالى، فَإنَّ الِاحْتِجاجَ بِهِ يُتَصَوَّرُ عَلى وُجُوهٍ شَتّى، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُحاجُّوكم بِهِ بِكَوْنِهِ في كِتابِهِ، أيْ يَقُولُوا: إنَّهُ مَذْكُورٌ في كِتابِهِ الَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، وبِما ذُكِرَ يَظْهَرُ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: (بِهِ) أيْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ وانْدَفَعَ ما قِيلَ، لا يَصِحُّ جَعْلُهُ بَدَلًا لِوُجُوبِ اتِّحادِ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ في الإعْرابِ، وها هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ لِكَوْنِ الثّانِي ظَرْفًا، والأوَّلِ مَفْعُولًا بِهِ بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بِما عِنْدَ رَبِّكُمْ، فَيَكُونُ الظَّرْفُ حالًا مِن ضَمِيرِ (بِهِ)، وفائِدَتُهُ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِ الِاحْتِجاجِ بِأمْرٍ ثابِتٍ عِنْدَهُ تَعالى، وإنْ كانَ مُسْتَفادًا مِن كَوْنِهِ بِما فَتَحَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكُمْ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمُرادُ مِنَ الذِّكْرِ الكِتابُ، وجَعْلُ المُحاجَّةِ بِما فَتَحَ اللَّهُ تَعالى بِاعْتِبارِ أنَّهُ في الكِتابِ مُحاجَّةٌ عِنْدَهُ تَوَسُّعًا، وهَذِهِ الأقْوالَ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُحاجَّةِ في الدُّنْيا، وهو ظاهِرٌ لِأنَّها دارُ المُحاجَّةِ، والتَّأْوِيلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ وقِيلَ: عِنْدَ رَبِّكم عَلى ظاهِرِهِ، والمُحاجَّةُ يَوْمَ القِيامَةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الإخْفاءَ لا يَدْفَعُ هَذِهِ المُحاجَّةَ لِأنَّهُ إمّا لِأجْلِ أنْ لا يَطَّلِعَ المُؤْمِنُونَ عَلى ما يَحْتَجُّونَ بِهِ، وهو حاصِلٌ لَهم بِالوَحْيِ، أوْ لِيَكُونَ لِلْمُحْتَجِّ عَلَيْهِمْ طَرِيقٌ إلى الإنْكارِ، وإذًا لا يُمْكِنُ عِنْدَهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يُظَنُّ بِأهْلِ الكِتابِ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ إخْفاءً ما في الكِتابِ في الدُّنْيا يَدْفَعُ المُحاجَّةَ، بِكَوْنِهِ فِيهِ في العُقْبى، لِأنَّهُ اعْتِقادٌ مِنهم بِأنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ ما أنْزَلَ في كِتابِهِ، وهم بُرَآءُ مِنهُ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ لِيُحاجُّوكم يَوْمَ القِيامَةِ، وعِنْدَ المَسائِلِ، فَيَكُونُ زائِدًا في ظُهُورِ فَضِيحَتِكُمْ، وتَوْبِيخِكُمْ، عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ في المَوْقِفِ العَظِيمِ، فَكانَ القَوْمُ يَعْتَقِدُونَ أنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ في الدُّنْيا يَزِيدُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَنِ اعْتَرَفَ، وكَتَمَ، وبَيْنَ مَن ثَبَتَ عَلى الإنْكارِ، أوْ بِأنَّ المُحاجَّةَ بِأنَّكم بَلَّغْتُمْ وخالَفْتُمْ تَنْدَفِعُ بِالإخْفاءِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ الإخْفاءَ حِينَئِذٍ إنَّما يَدْفَعُ الِاحْتِجاجَ بِإقْرارِهِمْ، لا بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، عَلى أنَّ المَدْفُوعَ في الوَجْهِ الأوَّلِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ والفَضِيحَةِ، لا المُحاجَّةُ، وقِيلَ: (عِنْدَ رَبِّكُمْ) بِتَقْدِيرِ (مِن عِنْدِ رَبِّكُمْ) وهو مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتَكَبَ في فَصِيحِ الكَلامِ، وجَوَّزَ الدّامِغانِيُّ أنْ يَكُونَ عِنْدَ لِلزُّلْفى، أيْ لِيُحاجُّوكم بِهِ مُتَقَرِّبِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو بَعِيدٌ أيْضًا، كَقَوْلِ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ: إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ المُحاجَّةُ بِهِ عِنْدَ الرَّبِّ عِبارَةً عَنِ المُباهَلَةِ في تَحَقُّقِ ما يُحَدِّثُونَهُ، وعَلَيْهِ تَكُونُ المُحاجَّةُ عَلى مُقْتَضى المُفاعَلَةِ، وعِنْدِي أنَّ رُجُوعَ ضَمِيرِ (بِهِ) (لِما فَتَحَ اللَّهُ) مِن حَيْثُ إنَّهُ مُحَدَّثٌ بِهِ، وجُعِلَ القَيْدُ هو المَقْصُودُ، أوْ لِلتَّحْدِيثِ المَفْهُومِ مِن (أتُحَدِّثُونَهُمْ)، وحَمْلُ ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ، والتِزامُ أنَّ الإخْفاءَ يَدْفَعُ هَذا الِاحْتِجاجَ لَيْسَ بِالبَعِيدِ، إلّا أنَّ أحَدًا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، ولَعَلَّهُ أوْلى مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَتَدَبَّرْ، ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى ﴿ أتُحَدِّثُونَهُمْ ﴾ والفاءُ لِإفادَةِ تَرَتُّبِ عَدَمِ عَقْلِهِمْ عَلى تَحْدِيثِهِمْ، وإمّا عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ ألا تَتَأمَّلُونَ فَلا تَعْقِلُونَ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِإنْكارِ التَّحْدِيثِ، وهو مِن تَمامِ كَلامِ اللّائِمِينَ، ومَفْعُولُهُ إمّا ما ذُكِرَ أوَّلًا، أوْ لا مَفْعُولَ لَهُ، وهو أبْلَغُ، وقِيلَ: هو خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَتَطْمَعُونَ ﴾ ، والمَعْنى: أفَلا تَعْقِلُونَ حالَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ، وأنْ لا مَطْمَعَ في إيمانِهِمْ، وهم عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، والأخْلاقِ القَبِيحَةِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
قوله: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، قال الزجاج: تأويل قست في اللغة أي غلظت ويبست، فتأويل القسوة في القلب ذهاب اللين والرحمة والخشوع.
وقوله: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، قد قيل: من بعد إحياء الميت، ويحتمل بعد الآيات التي ذكرت، نحو مسخ القردة والخنازير ورفع الجبل وتفجير الأنهار من الحجر وغير ذلك.
وقال بعض الحكماء: معنى قوله: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ، أي يبست.
ويبس القلب أن ييبس عن ماءين أحدهما: ماء خشية الله والثاني: ماء شفقة الخلق.
ثم قال تعالى: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ، وكل قلب لا يكون فيه خشية الله تعالى فهو كالحجارة.
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً، قال بعضهم: بل أشد قسوة مثل قوله تعالى: إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 147] بمعنى بل يزيدون، وكقوله: كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [النحل: 77] ، أي بل هو أدنى.
وقال بعضهم: معناه وأشد قسوة الألف زائدة.
وقال الزجاج: أو للتخيير يعني إن شئتم شبهتم قسوتها بالحجارة أو بما هو أشد قسوة فأنتم مصيبون كقوله تعالى: كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [البقرة: 19] ثم قال تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ فأعذر الحجارة وعاب قلوبهم، حين لم تلن بذكر الله ولا بالموعظة فقال: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ، يعني الحجر الذي منه العيون في الجبل.
ويقال أراد به حجر موسى- - الذي كان يخرج منه العيون.
وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ، أي من الحجارة ما يتصدع فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
ويقال: كل حجر يتردى من رأس الجبل إلى الأرض فهو من خشية الله.
ويقال: أراد به الجبل الذي صار دكاً حين كلم الله موسى- -.
ويقال: هو جميع الجبال، وما يزول الحجر من مكانه إلا من خشية الله تعالى.
وقال بعضهم: هو على وجه المثال، يعني لو كان له عقل لهبط من خشية الله تعالى، وهو قول المعتزلة وهو خلاف أقاويل أهل التفسير.
قوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، قرأ ابن كثير وابن عامر يعملون بالياء والباقون بالتاء.
واختلفوا في مواضع أخرى.
قرأ حمزة والكسائي في كل موضع وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالياء.
وفي كل موضع وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود: 123] بالتاء.
واختلفت الروايات عن غيرهما.
وهذا كلام التهديد، يعني أن الله تعالى يجازيكم بما تعملون فيحذركم بذلك.
ثم ذكر التعزية للنبي لكيلا يحزن على تكذيبهم إياه، وأخبره أنهم من أهل السوء الذين مضوا فقال تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ، قال ابن عباس: يعني النبيّ خاصة.
وقال بعضهم: أراد به النبيّ وأصحابه، أفتطمعون أن يصدقوكم وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ؟
فإن أراد به النبيّ خاصة، فمعناه أفتطمع أن يصدقوك؟
وقد يذكر لفظ الجماعة ويراد به الواحد، كما قال في آية أخرى مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ [يونس: 83] ، وقال تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ [القصص: 76] ، وقال تعالى: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ [هود: 14] ، أراد به النبي خاصة كذلك هاهنا.
ثم قال: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ، قال في رواية الكلبي: يعني السبعين الذين ساروا مع موسى- - إلى طور سيناء فسمعوا هناك كلام الله تعالى، فلما رجعوا قال سفهاؤهم: إن الله أمر بكذا بخلاف ما أمرهم، فذلك قوله تعالى: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أي غيروه من بعد ما حفظوه وفهموه.
وقال بعضهم: إنما أراد به الذين يغيرون التوراة.
وقال بعضهم: يغيرون تأويله وهم يعلمون.
<div class="verse-tafsir"
ذلك خوف الفضيحة في أمر القاتل «١» .
وفَادَّارَأْتُمْ: معناه: تدافعتم قتل القتيل، وفِيها، أي: في النَّفْس.
وقوله تعالى: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
: آية من اللَّه تعالى على يدَيْ موسى عليه السلام أن أمرهم أن يضربوا ببعض البقرة القتيلَ، فيحيى ويخبر بقاتله، فقيل: ضربوه، وقيل: ضربوا قبره لأن ابن عباس ذكر أنَّ أمر القتيل وقع قَبْل جواز البَحْر، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنَةً.
وقوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى ...
الآيةَ: في هذه الآية حض على العبرة، ودلالةٌ على البعث في الآخرة، وظاهرها أنها خطاب لبني إسرائيل حينئذ، حكي لمحمّد صلّى الله عليه وسلم، ليعتبر به إلى يوم القيامة.
وذهب الطبريُّ إلى أنها خطاب لمعاصري محمّد صلّى الله عليه وسلم، وأنها مقطوعة من قوله:
اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
، وروي أن هذا القتيل لما حَيِيَ، وأخبر بقاتله، عاد ميتا كما كان.
وقوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ...
الآية: أي: صلبت وجفَّت، وهي عبارة عن خلوِّها من الإنابة والإذعان لآيات اللَّه تعالى، قال قتادة وغيره: المراد قلوب بني إسرائيل جميعاً في معاصيهم، وما ركبوه بعد ذلك «٢» ، و «أَوْ» : لا يصحُّ أن تكون هنا للشكِّ، فقيل: هي بمعنى «الواو» ، وقيل: للإضراب، وقيل: للإبهام، وقيل غير ذلك «٣» .
وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ ...
الآية: معذرةٌ للحجارة، وتفضيلٌ لها على قلوبهم، قال قتادة: عذر اللَّه تعالى الحجارة، ولم يعذِر شقيَّ بني آدم «١» .
ت: وروى البَزَّار عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «أَرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ: جُمُودُ العَيْنِ، وَقَسَاوَةُ القَلْبِ، وَطُولُ الأَمَلِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا» «٢» .
انتهى من «الكوكب الدّرّيّ» لأبي
العباس أحمد بن سَعْد التُّجِيبِيِّ، قال الغَزَّاليُّ في «المِنْهَاج» : واعلم أن أول الذنب قسوةٌ، وآخره، والعياذ باللَّه، شؤمٌ وشِقْوَةٌ، وسوادُ القلْب يكون من الذنوب، وعلامةُ سواد القلب ألاَّ تجد للذنوب مفزعاً، ولا للطاعات موقعاً، ولا للموعظة منجعاً.
انتهى.
وقيل في هبوط الحجارة: تفيُّؤ ظلالها، وقيل: إن اللَّه تعالى يخلُقُ في بعض الأحجار خشيةً وحياةً، يهبط بها من عُلْوٍ تواضعاً، وقال مجاهد: ما تردى حجرٌ من رأسِ جبلٍ، ولا تَفَجَّرَ نهر من حَجَر، ولا خَرَج ماء منه، إلا من خشية الله عز وجلّ نزل بذلك القرآن «١» ، وقال مثله ابْنُ جُرَيْجٍ «٢» .
وقوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ...
الآية: الخطاب للمؤمنين من أصحاب محمّد صلّى الله عليه وسلم وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار ٢٥ ب الذي كان بينهم، ومعنى هذا الخطابِ التقرير/ على أمر فيه بُعْد إذ قد سلف لأسلاف هؤلاء اليهودِ أفاعيلُ سوءٍ، وهؤلاء على ذلك السَّنَن.
وتحريفُ الشيء: إِمالته من حالٍ إلى حال، وذهب ابن عبَّاس إلى أن تحريفهم وتبديلهم إِنما هو بالتأويل، ولفْظُ التوراة باق «٣» ، وذهب جماعة من العلماء إلى أنهم بدَّلوا ألفاظاً من تلقائهم، وأنَّ ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن اللَّه تعالى ضَمِنَ حفظه.
قلْتُ: وعن ابن إسحاق أن المراد ب «الفريقِ» هنا طائفةٌ من السبعين الذين سمعوا كلامَ اللَّه مع موسى.
انتهى من «مختصر الطبريِّ» وهذا يحتاج إلى سند صحيح.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ .
فِي المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ النَّبِيُّ ، خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُونَ، تَقْدِيرُهُ: أفَتَطْمَعُونَ أنْ تُصْدِّقُوا نَبِيَّكم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الأنْصارُ، فَإنَّهم لَمّا أسْلَمُوا أحَبُّوا إسْلامَ اليَهُودِ لِلرَّضاعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم، ذَكَرَهُ النَّقّاشُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وألِفُ "أفَتَطْمَعُونَ" ألِفُ اسْتِخْبارٍ، كَأنَّهُ آَيَسَهم مِنَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ.
وَفِي سَماعِهِمْ لِكَلامِ اللَّهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَرَؤُوا التَّوْراةَ فَحَرَّفُوها، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ في آَخَرِينَ، فَيَكُونُ سَماعُهم لِكَلامِ اللَّهِ بِتَبْلِيغِ نَبِيِّهِمْ، وتَحْرِيفِهِمْ: تَغْيِيرُ ما فِيها.
والثّانِي: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى، فَسَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ كِفاحًا عِنْدَ الجَبَلِ، فَلَمّا جاؤُوا إلى قَوْمِهِمْ قالُوا: قالَ لَنا: كَذا وكَذا، وقالَ في آَخِرِ قَوْلِهِ: إنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا تَرْكَ ما أنْهاكم عَنْهُ؛ فافْعَلُوا ما تَسْتَطِيعُونَ.
هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، مِنهُمُ التِّرْمِذِيُّ صاحِبُ "النَّوادِرِ" هَذا القَوْلُ إنْكارٌ شَدِيدٌ، وقالَ إنَّما خَصَّ بِالكَلامِ مُوسى وحْدَهُ، وإلّا فَأيُّ مِيزَةٍ؟!
وجَعَلَ هَذا مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي رَواها الكَلْبِيُّ وكانَ كَذّابًا.
وَمَعْنى ﴿ عَقَلُوهُ ﴾ سَمِعُوهُ ووَعَوْهُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم حَرَّفُوهُ.
والثّانِي: وهم يَعْلَمُونَ عِقابَ تَحْرِيفِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أو أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِن الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللهِ وما اللهِ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ "قَسَتْ" أيْ صَلَبَتْ وجَفَّتْ، وهي عِبارَةٌ عن خُلُوِّها مِنَ الإنابَةِ والإذْعانِ لِآياتِ اللهِ تَعالى.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ قُلُوبُ ورَثَةِ القَتِيلِ، لِأنَّهم حِينَ حَيِيَ، قالَ إنَّهم قَتَلُوهُ، وعادَ إلى حالِ مَوْتِهِ أنْكَرُوا قَتْلَهُ، وقالُوا: كَذَبَ.
بَعْدَ ما رَأوا هَذِهِ الآيَةَ العُظْمى لَكِنْ نَفَّذَ حُكْمَ اللهِ تَعالى بِقَتْلِهِمْ.
قالَ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: ولَمْ يَرِثْ قاتِلٌ مِن حِينَئِذٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِمَثَلِهِ جاءَ شَرْعُنا وحَكى مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في المُوَطَّأِ: أنَّ قِصَّةَ أُحَيْحَةَ بْنِ الجَلّاحِ في عَمِّهِ هي الَّتِي كانَتْ سَبَبًا ألّا يَرِثَ قاتِلٌ ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ الإسْلامُ، كَما ثَبَتَ كَثِيرًا مِن نَوازِلِ الجاهِلِيَّةِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: إنَّما أرادَ اللهُ قُلُوبَ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا في مَعاصِيهِمْ وما رَكَّبُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهِيَ كالحِجارَةِ ﴾ الآيَةُ، الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِهِيَ، تَقْدِيرُهُ: فَهي مِثْلُ الحِجارَةِ ﴿ أو أشَدُّ ﴾ مُرْتَفَعٌ بِالعَطْفِ عَلى الكافِ، "أوَ" عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ تَكْرارِ هِيَ، و"قَسْوَةً" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.
والعُرْفِ في "أو"، أنَّها لِلشَّكِّ، وذَلِكَ لا يَصِحُّ في هَذِهِ الآيَةُ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "أو"، هُنا، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي بِمَعْنى الواوُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ آثِمًا أو كَفُورًا ﴾ ، أيْ وكَفُورًا.
وكَما قالَ الشاعِرُ: نالَ الخِلافَةَ أو كانَتْ لَهُ قَدَرًا كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ أيْ وكانَتْ لَهُ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: هي بِمَعْنى بَلْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ ﴾ ، المَعْنى بَلْ يَزِيدُونَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْناها التَخْيِيرُ، أيْ شَبَّهُوها بِالحِجارَةِ تُصِيبُوا، أو بِأشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ تُصِيبُوا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي عَلى بابِها في الشَكِّ، ومَعْناهُ عِنْدَكم أيُّها المُخاطَبُونَ، وفي نَظَرِكم أنْ لَوْ شاهَدْتُمْ قَسْوَتَها لَشَكَكْتُمْ: أهِيَ كالحِجارَةِ أو أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ؟
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي عَلى جِهَةِ الإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الأُسُودِ الدُؤَلِيِّ: أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا ∗∗∗ وعَبّاسًا وحَمْزَةُ أو عَلِيًّا ولَمْ يَشُكَّ أبُو الأُسُودِ، وإنَّما قَصَدَ الإبْهامَ عَلى السامِعِ، وقَدْ عُورِضَ أبُو الأُسُودِ في هَذا واحْتَجَّ بِقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿ وَإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ، وهَذِهِ الآيَةُ مُفارِقَةٌ لِبَيْتِ أبِي الأُسُودِ، ولا يَتِمُّ مَعْنى الآيَةِ إلّا بـِ "أو"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أرادَ اللهُ تَعالى أنَّ فِيهِمْ مَن قَلْبُهُ كالحَجَرِ، وفِيهِمْ مَن قَلْبُهُ أشَدُّ مِنَ الحَجَرِ، فالمَعْنى فَهي فِرْقَتانِ كالحِجارَةِ أو أشَدَّ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُكَ أطْعَمْتُكَ الحُلْوَ أوِ الحامِضَ، تُرِيدُ أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ ما أطْعَمْتَهُ عن هَذَيْنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أرادَ عَزَّ وجَلَّ أنَّها كانَتْ كالحِجارَةِ يَتَرَجّى لَها الرُجُوعُ والإنابَةُ كَما تَتَفَجَّرُ الأنْهارُ ويَخْرُجُ الماءُ مِنَ الحِجارَةِ، ثُمَّ زادَتْ قُلُوبُهم بَعْدَ ذَلِكَ قَسْوَةً بِأنْ صارَتْ في حَدِّ مَن لا تُرْجى إنابَتُهُ، فَصارَتْ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ فَلَمْ تَخْلُ أنْ كانَتْ كالحِجارَةِ طَوْرًا أو أشَدَّ طَوْرًا، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "قَساوَةً"، والمَعْنى واحِدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ ﴾ الآيَةُ مَعْذِرَةٌ لِلْحِجارَةِ، وتَفْضِيلٌ لَها عَلى قُلُوبِهِمْ في مَعْنى قِلَّةِ القَسْوَةِ.
وقالَ قَتادَةُ: عَذَرَ اللهُ تَعالى الحِجارَةَ ولَمْ يَعْذُرْ شَقِيَّ بَنِي آدَمَ.
وقَرَأ قَتادَةُ: "وَإنَّ"، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكَذَلِكَ في الثانِيَةِ والثالِثَةِ، وفَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ النافِيَةِ لامُ التَأْكِيدِ في "لَمّا"، و"ما" في مَوْضِعِ نَصْبِ اسْمٍ لـِ "إنَّ"، ودَخَلَتِ اللامُ عَلى اسْمِ "إنَّ" لَمّا حالَ بَيْنَهُما المَجْرُورُ، ولَوِ اتَّصَلَ الِاسْمُ بـِ "إنَّ" لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ اللامِ لِثِقَلِ اجْتِماعِ تَأْكِيدَيْنِ.
وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ "يَنْفَجِرُ" بِالنُونِ وياءٍ مِن تَحْتٍ قَبْلَها وكَسْرِ الجِيمِ.
ووَحَّدَ الضَمِيرَ في "مِنهُ" حَمْلًا عَلى لَفْظِ "ما".
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والضَحّاكُ "مِنها الأنْهارُ" حَمْلًا عَلى الحِجارَةِ.
و"الأنْهارُ" جَمْعُ نَهْرٍ، وهو ما كَثُرَ ماؤُهُ جَرْيًا مِنَ الأخادِيدِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ في المَوْضِعَيْنِ وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ.
و"يَشَّقَّقُ" أصْلُهُ يَتَشَقَّقُ، أُدْغِمَتِ التاءُ في الشِينِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ العُيُونِ الَّتِي لَمْ تُعَظَّمْ حَتّى تَكُونَ أنْهارًا، أو عَنِ الحِجارَةِ الَّتِي تَشَقَّقُ وإنْ لَمْ يَجْرِ ماءٌ مُنْفَسِحٌ.
وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: "يَنْشَقَّقُ" بِالنُونِ.
وقِيلَ في هُبُوطِ الحِجارَةِ: تَفَيُّؤُ ظِلالِها، وَقِيلَ: المُرادُ الجَبَلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ دَكًّا، وقِيلَ: إنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ في بَعْضِ الأحْجارِ خَشْيَةً وحَياةً يَهْبِطُ بِها مِن عُلُوٍّ تَواضُعًا.
ونَظِيرُ هَذِهِ الحَياةِ حَياةُ الحَجَرِ المُسْلِمِ عَلى النَبِيِّ ، وحَياةُ الجِزْعِ الَّذِي أنَّ لِفَقْدِ النَبِيِّ .
وقِيلَ: لَفْظَةُ الهُبُوطِ مَجازٌ، وذَلِكَ أنَّ الحِجارَةَ -لَمّا كانَتِ القُلُوبُ تَعْتَبِرُ بِخَلْقِها، وتَخْشَعُ بِبَعْضِ مَناظِرِها- أُضِيفَ تَواضُعُ الناظِرِ إلَيْها، كَما قالَتِ العَرَبُ: "ناقَةٌ تاجِرَةٌ"، أيْ تَبْعَثُ مَن يَراها عَلى شِرائِها.
وقالَ مُجاهِدٌ: "ما تَرَدّى حَجَرٌ مِن رَأْسِ جَبَلٍ، ولا تَفَجَّرَ نَهْرٌ مِن حَجَرٍ، ولا خَرَجَ ماءٌ مِنهُ إلّا ﴿ مِن خَشْيَةِ اللهِ ﴾ نَزَلَ بِذَلِكَ القُرْآنُ"، وقالَ مِثْلُهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ: أنَّ الخَشْيَةَ لِلْحِجارَةِ مُسْتَعارَةٌ كَما اسْتُعِيرَتِ الإرادَةُ لِلْجِدارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ ﴾ ، وكَما قالَ زَيْدُ الخَيْلِ: بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حُجُراتِهِ ∗∗∗ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وكَما قالَ جَرِيرٌ: ......................................
∗∗∗......
والجِبالُ الخُشَّعُ أيْ مَن رَأى الحَجَرَ هابِطًا تَخَيَّلَ فِيهِ الخَشْيَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ بَراعَةَ مَعْنى الآيَةِ تَخْتَلُّ بِهِ، بَلِ القَوِيُّ أنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ لِلْحِجارَةِ قَدْرًا ما مِنَ الإدْراكِ تَقَعُ بِهِ الخَشْيَةُ والحَرَكَةُ.
و"بِغافِلٍ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ خَبَرُ "ما"، لِأنَّها الحِجازِيَّةُ، يُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولُ الباءِ في الخَبَرِ، وإنْ كانَتِ الباءُ قَدْ تَجِيءُ شاذَّةً مَعَ التَمِيمِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، والمُخاطَبَةُ عَلى هَذا لِمُحَمَّدٍ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ﴾ الآيَةُ.
الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ، وذَلِكَ أنَّ الأنْصارَ كانَ لَهم حِرْصٌ عَلى إسْلامِ اليَهُودِ لِلْحِلْفِ والجِوارِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم.
ومَعْنى هَذا الخِطابُ التَقْرِيرُ عَلى أمْرٍ فِيهِ بُعْدٌ، إذْ قَدْ سَلَفَتْ لِأسْلافِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ أفاعِيلُ سُوءٍ، وهَؤُلاءِ عَلى ذَلِكَ السَنَنِ.
والفَرِيقُ: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كالحِزْبِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: عُنِيَ بِالفَرِيقِ هُنا الأحْبارُ الَّذِينَ حَرَّفُوا التَوْراةَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ .
وقِيلَ: المُرادُ كُلُّ مَن حَرَّفَ في التَوْراةِ شَيْئًا حُكْمًا أو غَيْرَهُ، كَفِعْلِهِمْ في آيَةِ الرَجْمِ ونَحْوِها، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ والرَبِيعُ: عُنِيَ السَبْعُونَ الَّذِينَ سَمِعُوا مَعَ مُوسى، ثُمَّ بَدَّلُوا بَعْدَ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي هَذا القَوْلِ ضَعْفٌ، ومَن قالَ إنَّ السَبْعِينَ سَمِعُوا ما سَمِعَ مُوسى فَقَدْ أخْطَأ، وأذْهَبَ فَضِيلَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، واخْتِصاصَهُ بِالتَكْلِيمِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ كَلِمَ اللهُ"، وتَحْرِيفُ الشَيْءِ إمالَتُهُ مَن حالٍ إلى حالٍ، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى أنَّ تَحْرِيفَهم وتَبْدِيلَهم إنَّما هو بِالتَأْوِيلِ، ولَفْظُ التَوْراةِ باقٍ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهم بَدَّلُوا ألْفاظًا مِن تِلْقائِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ في التَوْراةِ لِأنَّهُمُ اسْتَحْفَظُوها، وغَيْرُ مُمْكِنٍ في القُرْآنِ لِأنَّ اللهَ تَعالى ضَمِنَ حِفْظَهُ.
<div class="verse-tafsir"
هذا اعتراض استطرادي بين القصة الماضية والقصة التي أولها: ﴿ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تَعبدون ﴾ [البقرة: 83] فجميع الجمل من قوله تعالى: ﴿ أفتطمعون إلى قوله: وإذ أخذنا ﴾ داخلة في هذا الاستطراد.
والفاء لتفريع الاستفهام الإنكاري أو التعجيبي على جملة ﴿ ثم قست ﴾ [البقرة: 74] أو على مجموع الجمل السابقة لأن جميعها مما يقتضي اليأس من إيمانهم بما جاء به النبيء صلى الله عليه وسلم فكأنَّه قيل: فلا تطمعوا أن يؤمنوا لكم أو فَاعْجَبُوا من طمعكم، وسيأتي تحقيق موقع الاستفهام مع حرف العطف في مثله عند قوله تعالى: ﴿ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ﴾ [البقرة: 87].
والطمع ترقب حصول شيء محبوب وهو يرادف الرجاء وهو ضد اليأس، والطمع يتعدى بفي حذفت هنا قبل (أَنْ).
فإن قلت، كيف يُنهى عن الطمع في إيمانهم أو يُعَجَّب به والنبيء والمسلمون مأمورون بدعوة أولئك إلى الإيمان دائماً؟
وهل لمعنى هذه الآية ارتباط بمسألة التكليف بالمحال الذي استحالته لتعلق عِلْمِ الله بعدم وقوعه؟
قلت: إنما نُهينا عن الطمع في إيمانهم لا عن دعائهم للإيمان لأننا ندعوهم للإيمان وإن كنا آيسين منه لإقامة الحجة عليهم في الدنيا عند إجراء أحكام الكفر عليهم وفي الآخرة أيضاً، ولأن الدعوة إلى الحق قد تصادف نفساً نيّرة فتنفعها، فإن استبعاد إيمانه حُكم على غالبهم وجَمْهَرتهم أما الدعوة فإنها تقع على كل فرد منهم والمسألة أخص من تلكَ المسألة لأن مسألة التكليف بالمحال لتعلق العلم بعدم وقوعه مفروضة فيما عَلِمَ الله عدَم وقوعه وتلك قد كنا أجبنا لكم فيها جواباً واضحاً وهو أن الله تعالى وإن عَلِمَ عدم إيمان مثل أبي جهل إلا أنه لم يطلعنا على ما عَلمه فيه والأوامر الشرعية لم تجيءْ بتخصيص أحد بدعوة حتى يقال كيف أُمر مع علم الله بأنه لا يؤمن، وأما هذه الآية فقد أظهرت نفي الطماعية في إيمان من كان دأبهم هذه الأحوال فالجواب عنها يرجع إلى الجواب الأعم وهوأن الدعاء لأجل إقامة الحجة وهو الجواب الأعم لأصحابنا في مسألة التكليف بما علم الله عدم وقوعه، على أن بعض أحوالهم قد تتغير فيكون للطماعية بعدَ ذلك حظ.
واللام في قوله: ﴿ لكم ﴾ لتضمين ﴿ يؤمنوا ﴾ معنى يُقِرُّوا وكأنَّ فيه تلميحاً إلى أن إيمانهم بصدق الرسول حاصل ولكنهم يكابرون ويجحدون على نحو قوله تعالى: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴾ [البقرة: 146] الآية فما أبدعَ نسج القرآن.
ويجوز حمل اللام على التعليل وجعل ﴿ يؤمنوا ﴾ مُنزَّلاً منزلة اللازم تعريضاً بهم بأنهم لم يؤمنوا بالحق الذي جاءهم على ألسنة أنبيائهم وهم أخص الناس بهم أفتطمعون أن يعترفوا به لأجلكم.
وقوله: ﴿ وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ﴾ جملة حالية هي قيدُ إنكار الطمع في إيمانهم فيكون قد عُلل هذا الإنكار بعلتين إحداهما بالتفريع على ما عَلِمْناه، والثانية بالتقييد بما عَلَّمَنَاه.
وقوله: ﴿ فريق منهم ﴾ يحتمل أن يريد من قومهم الأقدمين أومن الحاضرين في زمن نزول الآية.
وسماعهم كلامَ الله على التقديرين هو سماع الوحي بواسطة الرسول إن كان الفريق من الذين كانوا زمن موسى أو بواسطة النقل إن كان من الذين جاءوا من بعده.
أما سماع كلام الله مباشرة فلم يقع إلا لموسى عليه السلام.
وأيًّا ما كان فالمقصود بهذا الفريق جمع من علمائهم دون عامتهم.
والتحريف أصله مصدر حَرَّف الشيء إذا مال به إلى الحرف وهو يقتضي الخروج عن جادة الطريق، ولمَّا شاع تشبيه الحق والصواب والرشد والمكارم بالجادة وبالصراط المستقيم شاع في عكسه تشبيه ما خالف ذلك بالانحراف وببنيات الطريق.
قال الأشتر: بقَّيْتُ وفْرى وانحرفتُ عن العُلا *** ولَقِيتُ أَضْيَافِي بوَجْهٍ عَبُوسٍ ومن فروع هذا التشبيه قولهم: زَاغ، وحاد ومَرق، وألْحَد وقوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ [الحج: 11].
فالمراد بالتحريف إخراج الوحي والشريعة عما جاءت به، إما بتبديل وهو قليل وإما بكتمان بعض وتناسيه وإما بالتأويل البعيد وهو أكثر أنواع التحريف.
وقوله: ﴿ وهم يعلمون ﴾ حال من ﴿ فريق ﴾ وهو قيد في القَيد يعني يسمعونه ثم يعقلونه ثم يحرفونه وهم يعلمون أنهم يحرفون، وأن قوماً توارثوا هذه الصفة لا يطمع في إيمانهم لأن الذين فعلوا هذا إما أن يكونوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو بني عمهم فالغالب أن يكون خلقهم واحداً وطباعهم متقاربة كما قال نوح عليه السلام: ﴿ ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً ﴾ [نوح: 27] وللعرب والحكماء في هذا المعنى أقوال كثيرة مرجعها إلى أن الطباع تورث، ولذلك كانوا يصفون القبيلة بصفات جمهورها، أو أراد بالفريق علماءهم وأحبارهم، فالمراد لا طمع لكم في إيمان قوم هذه صفات خاصتهم وعلمائهم فكيف ظنكم بصفات دهمائمهم لأن الخاصة في كل أمة هم مظهر محامدها وكمالاتها فإذا بلغت الخاصة في الانحطاط مبلغاً شنيعاً فاعلم أن العامة أفظع وأشنع، وأراد بالعامة الموجودين منهم زمن القرآن لأنهم وإن كان فيهم علماء إلا أنهم كالعامة في سوء النظر ووهن الوازع.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ اخْتُلِفَ في المُشارِ إلَيْهِ بِالقَسْوَةِ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بَنُو أخِي المَيِّتِ حِينَ أنْكَرُوا قَتْلَهُ، بَعْدَ أنْ سَمِعُوهُ مِنهُ عِنْدَ إحْياءِ اللَّهِ لَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أشارَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّهِمْ، ومَن قالَ بِهَذا قالَ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ: أيْ مِن بَعْدِ آياتِهِ كُلِّها الَّتِي أظْهَرَها عَلى مُوسى.
وَفي قَسْوَتِها وجْهانِ: أحَدُهُما: صَلابَتُها حَتّى لا تَلِينَ.
والثّانِي: عُنْفُها حَتّى لا تَرْأفَ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن بَعْدِ إحْياءِ المَوْتى، ويَكُونُ هَذا الخِطابُ راجِعًا إلى جَماعَتِهِمْ.
والثّانِي: مِن بَعْدِ كَلامِ القَتِيلِ، ويَكُونُ الخِطابُ راجِعًا إلى بَنِي أخِيهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً ﴾ يَعْنِي القُلُوبَ الَّتِي قَسَتْ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى ( أوْ ) في هَذا المَوْضِعِ وأشْباهِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى ﴾ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إبْهامٌ عَلى المُخاطَبِينَ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى عالِمًا، أيْ ذَلِكَ هُوَ، كَما قالَأبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أوْ عَلِيّا ∗∗∗ فَإنْ يَكُ حُبُّهم رُشْدًا أُصِبْهُ ∗∗∗ ولَسْتُ بِمُخْطِئٍ إنْ كانَ غَيّا وَلا شَكَّ، أنَّ أبا الأسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ، لَمْ يَكُنْ شاكًّا في حُبِّهِمْ، ولَكِنْ أبْهَمَ عَلى مَن خاطَبَهُ، وقَدْ قِيلَ لِأبِي الأسْوَدِ حِينَ قالَ ذَلِكَ: شَكَكْتَ؟
فَقالَ: كَلّا، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ وقالَ: أفَكانَ شاكًّا مَن أخْبَرَ بِهَذا؟
والثّانِي: أنَّ ( أوْ ) هَهُنا بِمَعْنى الواوِ، وتَقْدِيرُهُ: فَهو كالحِجارَةِ وأشَدُّ قَسْوَةً، ومِثْلُهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: جاءَ الخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ والثّالِثُ: أنَّ ( أوْ ) في هَذا المَوْضِعِ، بِمَعْنى بَلْ أشَدُّ قَسْوَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ ﴾ يَعْنِي بَلْ يَزِيدُونَ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْناها الإباحَةُ وتَقْدِيرُهُ، فَإنْ شَبَّهْتُمُوها بِالحِجارَةِ كانَتْ مِثْلَها، وإنْ شَبَّهْتُمُوها بِما هو أشَدُّ، كانَتْ مِثْلَها.
والخامِسُ: فَهي كالحِجارَةِ، أوْ أشَدُّ قَسْوَةً عِنْدَكم.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ ﴾ يَعْنِي أنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما هو أنْفَعُ مِن قُلُوبِكُمُ القاسِيَةِ، لِتَفَجُّرِ الأنْهارِ مِنها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ فاخْتَلَفُوا في ضَمِيرِ الهاءِ في (مِنها)، إلى ماذا يَرْجِعُ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: إلى القُلُوبِ لا إلى الحِجارَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: وإنَّ مِنَ القُلُوبِ لَما يَخْضَعُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الحِجارَةِ، لِأنَّها أقْرَبُ مَذْكُورٍ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، في هَذِهِ الحِجارَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها البَرَدُ الهابِطُ مِنَ السَّحابِ، وهَذا قَوْلٌ تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّها حِجارَةُ الجِبالِ الصَّلْدَةُ، لِأنَّها أشَدُّ صَلابَةً.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجَبَلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ دَكًّا، حِينَ كَلَّمَ مُوسى.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ الجِبالِ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، في تَأْوِيلِ هُبُوطِها، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: إنَّ هُبُوطَ ما هَبَطَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، نَزَلَ في ذَلِكَ القُرْآنُ.
والثّانِي: ...
...
...
والثّالِثُ: أنَّ مَن عَظَّمَ مِن أمْرِ اللَّهِ، يُرى كَأنَّهُ هابِطٌ خاشِعٌ، كَما قالَ جَرِيرٌ: لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ والرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ أعْطى بَعْضَ الجِبالِ المَعْرِفَةَ، فَعَقَلَ طاعَةَ اللَّهِ، فَأطاعَهُ، كالَّذِي رُوِيَ عَنِ الجِذْعِ، الَّذِي كانَ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ النَّبِيُّ ، فَلَمّا تَحَوَّلَ عَنْهُ حَنَّ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ في الجاهِلِيَّةِ إنِّي لَأعْرِفُهُ الآنَ» ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: إنَّ مِنَ الجِبالِ ما لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ، لَهَبَطَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَذَلُّلًا وخُضُوعًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ثم قال الله لنبيه ومن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم ﴿ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ﴾ وليس قوله التوراة كلهم، وقد سمعها ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم...
﴾ الآية.
قال: فالذين يحرفونه والذين يكتبونه هم العلماء منهم، والذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم هؤلاء كلهم يهود.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ يسمعون كلام الله ﴾ قال: هي التوراة حرفوها.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ : خطاباً لبني إسرائيل ﴿ مِّن بَعْدِ ذلك ﴾ أي بعد إحياء القتيل وما جرى في القصة من العجائب، وذلك بيان لقبح قسوة قلوبهم بعد ما رأوا تلك الآيات ﴿ أَوْ أَشَدُّ ﴾ عطف على موضع الكاف أو خبر ابتداء، أي: هي أشدّ، أدلّ على فرط القسوة ﴿ وَإِنَّ مِنَ الحجارة ﴾ الآية؛ تفضيل الحجارة على قلوبهم ﴿ يَهْبِطُ ﴾ أي يتردّى من علو إلى أسفل، والخشية عبارة عن انقيادها، وقيل: حقيقة، وأن كل حجر يهبط فمن خشية الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يأمركم ﴾ بالاختلاس: أبو عمرو وكذلك كل فعل مستقبل مهموز من ذوات الراء.
﴿ هزؤا ﴾ ساكنة الزاء مهموزة، حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل.
وقرأ حمزة مبدلة الواو من الهمزة في الوقف لمكان الخط، وقرأ حفض غير الخراز مثقلاً غير مهموز، الباقون: مثقلاً مهموزاً ﴿ جئت ﴾ وبابه بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى وحمزة في الوقت ﴿ فأدارأتم ﴾ بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف، ﴿ عما يعملون ﴾ بالياء التحتانية: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ بقرة ﴾ (ط) ﴿ هزواً ﴾ (ط) ﴿ الجاهلين ﴾ (ه) نصف الجزء ﴿ ما هي ﴾ (ط) ﴿ ولا بكر ﴾ (ط) لأن التقدير هي عوان ﴿ بين ذلك ﴾ (ط) على تقدير قد تبين لكم ﴿ فافعلوا ما تؤمرون ﴾ (ه) ﴿ ما لونها ﴾ (ط) ﴿ صفراء ﴾ (لا) إلى آخر الآية لأن الجملة صفة بعد صفة ﴿ الناظرين ﴾ (ه) ﴿ ما هي ﴾ (لا) لأن التقدير فإن البقر أو لأن البقر إيلاء لعذر تكرار السؤال ﴿ علينا ﴾ (ط) ﴿ لمهتدون ﴾ (ه) ﴿ الحرث ﴾ (ج) لأن قوله ﴿ مسلمة ﴾ صفة بقرة أو خبر محذوف أي هي مسلمة ﴿ لا شية فيها ﴾ (ط) ﴿ جئت بالحق ﴾ (ط) لأن التقدير فطلبوها فوجدوها ﴿ فذبحوها ﴾ (ط) ﴿ يفعلون ﴾ (ه) ﴿ فادارأتم فيها ﴾ (ط) ﴿ يكتمون ﴾ (ه) ج للآية والفاء بعدها ﴿ ببعضها ﴾ (ط) لأن التقدير فضربوه فحيي فقيل لهم ﴿ كذلك يحيي الله الموتى ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ (ه) ﴿ قسوة ﴾ (ط) ﴿ الأنهار ﴾ (ط) ﴿ الماء ﴾ (ط) ﴿ خشية الله ﴾ (ط) لتفصيل دلائل القدرة ﴿ تعملون ﴾ (ه).
التفسير: عن ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى ، فاجتهد موسى في تعرف القاتل.
فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه إن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة.
فعجبوا من ذلك فشددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعين لم يجدوها بذلك النعت إلا عند يتيم.
وذلك أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة فذبحوها، وأمر موسى أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل فصار المقتول حياً وسمى لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً.
واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره إلى وقت الحاجة فمختلف فيه، فالمجوزون استدلوا بالآية قالوا: أمروا بذبح بقرة معينة بدليل تعيينها بسؤالهم آخراً، وبدليل أنه لم يؤمر بمتجدد بل المأمور به في الثانية هو المأمور به في الأولى بالاتفاق، وبدليل المطابقة لما ذبح.
والمانعون قالوا: معناه اذبحوا أية بقرة شئتم بدليل تنكير بقرة، وهو ظاهر في أن المراد بقرة غير معينة، وبدليل أن ابن عباس قال: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وبدليل التعنيف في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ ولو كانت معينة لما استحقوا التعنيف على السؤال.
وأجيب بأن ترك الظاهر يجوز لموجب راجح، وما نقل عن ابن عباس خبر الواحد، والتعنيف يجوز أن يكون لتفريطهم في الامتثال بعد حصول البيان التام.
ويتفرع على قول المانعين أن التكليف يكون متغايراً فكلفوا في الأول أيّ بقرة كانت، وثانياً أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث.
ثم اختلف القائلون بهذا المذهب.
منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً كل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارضاً ولا بكراً وصفراء فاقعاً لونها.
ومنهم من يقول: إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف، وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند ترك الامتثال.
وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر وأنه تكليف بعد تكليف، دل على أن الأسهل قد ينسخ بالأشق، فإن المربي لولده قد يأمره بالسهل اختباراً، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب.
ويدل أيضاً على جواز النسخ قبل الفعل وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى ، ويدل أيضاً على أن الزيادة في الخطاب نسخ له.
﴿ أتتخذنا هزواً ﴾ استفهام بطريقة الإنكار، معناه لا تجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوءاً بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء.
كان القوم ظنوا أنه يداعبهم لأنه من المحتمل أن موسى أمرهم بذبح البقرة، وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء.
ويحتمل أنه وإن كان قد تبين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يحيا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة.
واختلف العلماء ههنا فعن بعضهم تكفيرهم بهذا القول لأنهم إن شكوا في قدرة الله على إحياء الموتى فقد كفروا، وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى هل هو بأمر الله فقد جوزوا الخيانة على موسى في الوحي، وذلك أيضاً كفر.
وعن آخرين أنه لا يوجب الكفر لأن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه يداعبهم مداعبة حقة، أو المراد ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء ﴿ من الجاهلين ﴾ إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، فإن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل، ومنصب النبوّة يجل عن ذلك كما يقول الرجل عند مثل ذلك: أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، أو أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لما في الاستهزاء من نقصان الدين والعقاب الشديد.
وقيل: نفس الهزء قد يسمى جهلاً، فإن الجهل ضد الحلم، كما أنه ضد العلم.
ثم إن قيل: إن المأمور بذبحه بقرة معينة في نفسها غير مبينة التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام.
أما على قول القائل إنها للعموم فلا بد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار فذكروا وجوهاً أحدها: أنه لما أخبرهم بشأن البقرة تعجبوا وظنوا أن البقرة التي لها مثل هذه الخاصية لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك لأن هذه الآية العجيبة لا تكون خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله على يد موسى، أو لعل القوم أرادوا قتل أي بقرة كانت إلا أن القاتل خاف من الفضيحة فألقى شبهة في البين وقال: المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، فلما وقعت المنازعة رجعوا إلى موسى، أو الخطاب وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فسألوا مزيد البيان وإزالة الاحتمال، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة.
فإن قيل: السؤال بما هو لطلب الحقيقة والحقيقة لا تعلم إلا بأجزائها ومقوماتها لا بصفاتها الخارجة، فالجواب بالأوصاف الخارجة لا يكون مطابقاً للسؤال.
قلنا: من البين أن مقصودهم من قولهم "ما البقرة" ليس طلب ماهيتها النوعية فإن ذلك كالمفروغ منه عندهم، وإنما وقع السؤال عن المشخصات.
فالظاهر يقتضي أن يقال: أي بقرة هي؟
فإن مطلب "أي" السؤال عن الصفات الذاتية والخواص.
فسبب العدول إما إقامة الحقيقة الشخصية مقام الحقيقة النوعية فإن الشخص من حيث هو شخص حقيقة أيضاً قد يطلب تصورها، وإما لأنهم تصوروا أن البقرة التي لها هذه الخاصية العجيبة حقيقتها مغايرة لحقيقة سائر البقرات وإن كانت صورتها موافقة لصورتها، وإما لأن السؤال عن الجزئيات كزيد وعمرو إنما يكون بـ "من" إذا كان طلباً للعوارض، وههنا الجزئي غير ذي عقل فناسب أن يقام ما مقام "من".
الفارض المسنة، وقد فرضت فروضاً فهي فارض كطالق كأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها.
والبكر الفتية، وكان الأظهر أنها التي لم تلد كما في الإنسان.
والعوان النصف قال: نواعم بين أبكار وعون.
*** وقد غونت وقال: فــإن أتــوك وقـــالــوا إنهـــا نصـــف *** فــإن أطيــب نصفيهــا الــــذي ذهبـــا وقد يستدل من هذا على جواز الاجتهاد واستعمال غلبة الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا بطريق الاجتهاد.
وإنما جاز دخول "بين" على لفظة "ذلك" مع أنه لا يدخل إلا على متعدد، لأنها في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.
وإنما أشير بذلك إلى مؤنثين وهو للإشارة إلى واحد مذكر على تأويل ما ذكر وما تقدم للاختصار في الكلام ﴿ ما تؤمرون ﴾ مثل: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به.
بمعنى ما تؤمرون به، أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير، ولما بين لهم كمال حالها في السن شرعوا في تعرف حال اللون.
والفقوع أشد ما يكون من الصفرة.
يقال في التوكيد أصفر فاقع مثل أسود حالك، وأحمر قانئ، وارتفع اللون على أنه فاعل سببي لفاقع.
والفرق بين قولك "صفراء فاقعة" و "صفراء فاقع لونها" أن في الثاني تأكيداً ليس في الأول، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل: شديد الصفرة صفرتها مثل جد جده، وجنونه مجنون.
وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.
والسرور حالة نفسانية تعرض عند اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع.
وعن علي : من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله ﴿ سر الناظرين ﴾ وعن الحسن البصري: صفراء فاقع لونها سوداء شديدة السواد، ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها يعلوه صفرة وبه فسر قوله ﴿ جمالات صفر ﴾ ﴿ إن البقر تشابه علينا ﴾ لأن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير ﴿ وإنا إن شاء الله لمهتدون ﴾ عن النبي أنه قال "والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً" وفيه دليل على أن الاستثناء مندوب في كل عمل صالح يراد تحصيله، ففيه استعانة بالله وتفويض للأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن.
والمعنى إنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها، أو إنا إن شاء الله على هدى في استقصاء السؤال أي نرجو أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث، أو إنا إن شاء الله تعريفنا إياها بالزيادة لنا في البيان نهتدي لها، أو إنا إن شاء الله نهتدي للقاتل ﴿ لا ذلول ﴾ صفة لبقرة مثل لا فارض أي بقرة غير ذلول لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحرث.
"لا" الأولى للنفي والثانية مزيدة للتوكيد، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.
والذل بالكسر اللين ضد الصعوبة، ودابة ذلول بينة الذل "فعول" بمعنى "فاعل"، ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث.
تقول: رجل صبور وامرأة صبور ﴿ مسلمة ﴾ سلمها الله من العيوب مطلقاً، أو معفاة من العلم وحشية مرسلة عن الحبس، أو مخلسة اللون لم يشب صفرتها شيء من الألوان.
وعلى هذا يكون ﴿ لا شية فيها ﴾ كالبيان.
والشية كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره أي لا لون فيها يخالف سائر لونها فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر "وشاة" إذا خلط بلونه لوناً آخر، أصلها وشية حذف فاؤها كما هو "عدة" و "زنة" ﴿ الآن ﴾ اسم للوقت الذي أنت فيه وهو ظرف غير متمكن وقع معرفة، وليس الألف واللام فيه للتعريف لأنه ليس له ما يشركه وهو يائي ﴿ جئت بالحق ﴾ أي بحقيقة وصف البقرة أو ما بقي إشكال في أمرها فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف ﴿ فذبحوها ﴾ والذبح هو قطع أعلى العنق وهو المستحب في الغنم والبقر.
والنحر هو قطع اللبة أسفل العنق وهو المستحب في الإبل.
والمرعي في الحالتين قطع الحلقوم والمرئ لكن عنق الإبل طويل، فإذا قطع أعلاه تباطأ الزهوق.
ولا يكره الذبح في الإبل والنحر في البقر والغنم وإن كان خلاف المستحب ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ استبطاء لهم، وأنهم لكثرة استكشافهم ما كاد ينقطع خيط أشباههم.
وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها.
وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل.
وقد يستدل بهذا على أن الأمر للوجوب بل للفور وإلا لما ترتب هذا الذم على تثاقلهم ﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم ﴿ فادارأتم فيها ﴾ فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدفعه ويزحمه، أو ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره أو يدفع بعضكم بعضاً عن البراءة ويتهمه.
وأصله تدارأتم أدغمت التاء في الدال فاحتيج إلى همزة الوصل، ويحتمل أن يرجع الضمير في "فيها" إلى القتلة المعلومة من قتلتم ﴿ والله مخرج ﴾ مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتيل.
وقد حكي ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ كما حكي الحاضر في قوله ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه ﴾ فلهذا صح عمل اسم الفاعل.
وهذه الجملة معترضة، وفيها دليل على جواز عموم النص الوارد على السبب الخاص، لأن هذا يتناول كل المكتومات.
وفيها دليل على أن الله لا يحب الفساد، وأنه سيجعل إلى زواله سبيلاً، وأن ما يسّره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فالله سيظهره، ويعضده قوله "إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس " وكذلك المعصية والضمير في ﴿ اضربوه ﴾ عائد إلى النفس، والتذكير على تأويل الشخص أو الإنسان، ويحتمل أن يعود إلى القتيل بدلالة ﴿ قتلتم ﴾ أو ﴿ ما كنتم تكتمون ﴾ واختلف في البعض من البقرة فقيل لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة من بين الكتفين، والظاهر أنهم كانوا مخيرين بين أيّ بعض أرادوا، وههنا محذوف بدلالة الفاء الفصيحة والمعنى فضربوه فحيي فقلنا كذلك يحيي الله الموتى.
روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً وقال: قتلني فلان وفلان - وهما ابنا عمه - ثم سقط ميتاً فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك، ويؤيده قوله نبينا "ليس للقاتل من الميراث شيء" والسر فيه أنه استعجل الميراث فناسب أن يعارض بنقيض مقصوده وهو قول الشافعي.
ولم يفرق بين أن يكون القتل مستحقاً كالعادل إذا قتل الباغي، أو غير مستحق عمداً كان أو خطأ.
وعند أبي حنيفة لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه.
وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله.
ومحل ﴿ كذلك ﴾ نصب على المصدر أي يحيي الله الموتى مثل ذلك الإحياء.
وهذا الكلام إما مع الذين حضروا حياة القتيل لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا بذلك من طريق العيان والمشاهدة، وشتان بين عين اليقين وعلم اليقين.
وإما أن يكون مع منكري البعث في زمن رسول الله .
وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير "فقلنا" بعد تقدير "فضربوه فحيي" ﴿ ويريكم آياته ﴾ دلائله على أنه قادر على كل شيء.
فدلالة هذه القصة على وجود الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإعدام آية، ودلالتها على صدق موسى آية، ودلالتها على براءة ساحة من سوى القاتل آية، ودلالتها على حشر الأموات آية، فهي وإن كانت واحدة إلا أنها في الحقيقة آيات عدة.
ويمكن أن يراد بالآيات غير هذه أي مثل هذه الإراءة يريكم سائر الإراءات، كما أن مثل هذا الإحياء يحيي سائر الأموات.
وفي قوله ﴿ كذلك ﴾ دون أن يقال كهذا تعظيم للمشار إليه بتبعيده كما قلنا في ﴿ ذلك الكتاب ﴾ ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ تعملون على قضية عقولكم، فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها إذ لا أثر للمخصصات في ذلك.
فإن قيل: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أنه قادر على إحيائه ابتداء؟
قلنا: الفائدة فيه كون الحجة آكد وعن الحيلة أبعد، فقد كان يجوز لملحد أن يتوهم أن موسى إنما أحياه بضرب من السحر، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه، أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، ولما في ذبح البقرة من القربان وأداء التكليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على طلب الحوائج، وما في التشديد عليهم لأجل تشديدهم من اللطف لهم وللآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله على الفور ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البر بالأبوين والإشفاق على الأولاد، وتجهيل المستهزئ بما لا يعلم تأويله من كلام الحكيم، وبيان أن من حق المتقرب به إلى الرب أن يكون من أحسن ما يتقرب به، فتيّ السن حسن اللون بريئاً من العيوب ثميناً نفيساً "أسمنوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" فإن قيل: هلا قدم ذكر القتيل على الأمر بذبح البقرة كما هو حق القصة؟
قلنا: لأنها كانت تكون حينئذ قصة واحدة ويذهب الغرض في ثنية التقريع بالاستهزاء وترك المبادرة بالامتثال أولاً، وبقتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية ثانياً، على أنها دلت على اتحاد القصتين برجوع الضمير في ﴿ ببعضها ﴾ إلى البقرة وهي مذكورة في الأولى.
قوله ﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ الآية.
خطاب لأولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى، أو للذين هم في زمن محمد من بعد ذلك الإحياء، أو من بعد ذلك الذي عددنا من جميع الآيات الباهرات والمعجزات الظاهرات.
ومعنى "ثم" استبعاد القسوة من بعدما يوجب اللين والرقة.
وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار والاتعاظ فهي كالحجارة مثلها في القسوة، أو هي أشد قسوة من الحجارة.
فمن عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، ويجوز أن يقدر مضاف أي هي كالحجارة أو مثل أشد قسوة.
فمن عرفها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى من الحجارة كالحديد مثلاً.
وإنما قيل: أشد قسوة مع إمكان بناء أفعل التفضيل من فعل القسوة، لكونه أدل على فرط القسوة، أو لأنه لم يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة منها، وحذف هذا الراجع لعدم الالتباس نحو: زيد كريم وعمر أكرم.
وكلمة "أو" ههنا ليست للشك، فعلام الغيوب لا يشك في شيء، وإنما هي للتخيير بأيهما شئت شبهت فكنت صدوقاً، ولو جمعت بينهما جاز.
ثم أخذ في بيان فضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة فقال ﴿ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ أي إن منها للذي فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الغزير، وإن منها للذي ينشق انشقاقاً طولاً أو عرضاً فينبع منه الماء وذلك بحسب كثرة المادة وقلتها، فإن الأبخرة تجمع في باطن الأرض.
ثم إن كان ظاهر الأرض رخواً نفشت وانفصلت، وإن كان صلباً حجرياً اجتمعت وصارت مياهاً، ولا يزال يتواتر مددها إلى أن تنشق الأرض من مزاحمتها وتسيل أنهاراً أو عيوناً.
وأما قلوب هؤلاء فلا تنشرح للحق ولا تتأثر من الوعظ والنصح بعد مشاهدة الآيات ومعاينة الدلائل.
ويشقق أصله يتشقق فأدغم التاء في الشين كقولهم "يذكر" في "يتذكر" ﴿ لما يهبط ﴾ للذي يتردى من أعلى الجبل وذلك من خشية الله، إما لأنه خلق فيه الحياة والعقل والإدراك كما يروى من تسبيح الحصى في كف النبي ، وإما لأن الخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع عما يريد بها من الإهباط والانفصال عن كلها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تأتمر، وقيل: أن يتزلزل من أجل أن تحصل خشية الله في قلوب عباده فيفزعون إليه بالتضرع والدعاء ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ وعيد، والمعنى أنه بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم فيجازيهم في الدنيا والآخرة ﴿ فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عداً ﴾ ووصفه بأنه ليس بغافل لا يوهم جواز الغفلة عليه لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها مثل ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ .
التأويل: ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني وهو الجهاد الأكبر موتوا قبل أن تموتوا.
اقتلوني يا ثقاتي *** إن في قتلي حياتي وحياتي في مماتي *** ومماتي في حياتي مت بالإرادة تحيا بالطبيعة.
وقال بعضهم: مت بالطبيعة تحيا بالحقيقة ﴿ ما هي إنها بقرة ﴾ نفس تصلح للذبح بسيف الصدق ﴿ لا فارض ﴾ في سن الشيخوخة فيعجز عن وظائف سلوك الطريق لضعف القوى البدنية كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد ﴿ ولا بكر ﴾ في سن شرخ الشباب يستهويه سكره ﴿ عوان بين ذلك ﴾ لقوله ﴿ حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ﴾ .
﴿ بقرة صفراء ﴾ إشارة إلى صفرة وجوه أصحاب الرياضيات ﴿ فاقع لونها ﴾ يريد أنها صفرة زين لا صفرة شين فإنها سيماء الصالحين.
﴿ لا ذلول تثير الأرض ﴾ لا تحتمل ذلة الطمع ولا تثير بآلة الحرص أرض الدنيا لطلب زخارفها ومشتهياتها ﴿ ولا تسقي ﴾ حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الخالق، فيذهب ماؤه عند الحق وعند الخلق ﴿ مسلمة ﴾ من آفات صفاتها ليس فيها علامة طلب غير الله ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ بمقتضى الطبيعة لولا فضل الله وحسن توفيقه.
﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ يعني القلب ﴿ فادّارأتم ﴾ فاختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أو من النفس الأمارة ﴿ فقلنا اضربوه ببعضها ﴾ ضرب لسان بقرة النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر فحيي بإذن الله وقال ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ ﴿ وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ مراتب القلوب في القسوة مختلفة، فالتي يتفجر منها الأنهار قلوب يظهر عليها الغليان أنوار الروح يترك اللذات والشهوات بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهبانيين والهنود، والتي تشقق فيخرج منها الماء هي التي يظهر عليها في بعض الأوقات عند انخراق الحجب البشرية من أنوار الروح فيريه بعض الآيات والمعاني المعقولة كما يكون لبعض الحكماء، والتي تهبط من خشية الله ما يكون لبعض أهل الأديان والملل من قبول عكس أنوار الروح من وراء الحجب فيقع فيها الخوف والخشية، وهذه المراتب مشتركة بين المسلمين وغيرهم.
والفرق أنها في المسلمين مؤيدة بنور الإيمان فيزيدوا في قربهم وقبولهم ودرجاتهم، ولغيرهم ليست مؤيدة بالإيمان فيزيدوا في غرورهم وعجبهم وبعدهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق ورؤية برهانه.
فإراءة الآيات للخواص ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ ﴿ ويريكم آياته لعلكم تعقلون ﴾ لكن إراءة البرهان لأخص الخواص كما في حق يوسف ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ سئل الحسن بن منصور عن البرهان فقال: واردات ترد على القلوب فتعجز النفوس عن تكذيبها.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ .
قيل: قُتِل قتيلٌ في بني إِسرائيل، وأُلْقيَ على باب غيرِهم؛ فتنازعوا فيه واختلفوا؛ فأَمر الله نبيَّه موسى أَن يذبحوا بقرةً، فقال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ فاضربوه ببعضها ذلك الميت؛ فيحيى، فيقول: مَنْ قتلني.
وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ * قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ ﴾ .
قال بعضُهم: كفروا بهذا القول؛ لأَنهم سمَّوْه هازئاً، ومن سَمَّى رسولاً من الرسل هازئاً يكفر؛ أَلا ترى أَنهم قالوا في الآخِر: ﴿ قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ؟!
دل أَن ما قال لهم أَولَ مرَّةٍ ليس بحق عندهم.
وليس هذا بشيء.
ولا يحتمل ما قالوا.
ولكن يحمل على المجازاة، كأَنهم قالوا: أتجازينا بهذا لما مضى منا وسبق من العصيان بك، والخلاف لك؟!
لما لم يعلموا أَنه من عند الله يأْمر بذلك.
وهذا وأَمثاله على المجازاة جائزٌ على ما ذكرنا من الاستهزاءِ، والمخادعة، والمكر، كله على المجازاة جائز.
وكقول نوح لقومه: ﴿ فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾ على المجازاة [جائز على ما ذكرنا من الاستهزاء]؛ فكذلك الأَول.
وأما الاستهزاء فيما بين الخلق فهو جهل يسخر بعضهم ببعض؛ لجهلٍ بأَحوال أَنفسهم؛ إذ كلهم سواء مِن جهة الجوْهر والخِلْقة، وتركيب الجوارح، وتصوير الصُّور، وتمثيلها.
أَلا ترى: أن موسى أجاب لهم عن الهزء بالجهْل، فقال: ﴿ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ ؟!
دل أَن الهزء في الخلق لجهلٍ فيهم، وبالله التوفيق.
ثم استدل قوم بهذه الآية على: عموم الخطاب وقت قرْع السمع؛ لأَنه أَمرهم بذبح بقرة لم يبين لهم كيفيَّتها، ولا ماهيتها وقت الخطاب، إلا بعد البحث والسؤال عنها؛ فثبت أَنه على العموم.
أَلا ترى ما روي في الخبر: "لو عمدوا إلى أَدنى بقرة لأَجزأتهم، لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم" لكن هذا لا يصح؛ لأَنه دعوى على الله، لحدوث شيء في أَمره، وبُدُوٍّ في حكمه، فذلك كفرٌ، لا يقوله مسلم، فضلاً عن أَن يقولَ به رسولٌ من الرسل.
تأْويل هذا أَنه قال: إنه يقول كذا، فلو كان الأَول على غير ذلك لكان قد بدا له فيما عم وفسر بما لم يكن أَرادَ.
وذلك معنى البداءِ، بل معنى الرجوع عن الأَول مما أَراد، والتفسير له بغَيره، ولا قوة إلا بالله.
ثم في الآية دليل خصوص الخطاب من وجهين: أَحدهما: أَخذُ كل آيةٍ خرجت في الظاهر على العموم حتى الخصوص.
والثاني: جواز تأْخير البيان على تقدم الأَمر به؛ لما ذكرنا: أنها لو حملت على العموم - وهو مرادها - ثم ظهر الخصوص، فهو بدو وحدوث في الأَحكام والشرائع، فذلك حال من جهل العواقب والنهايات، الله عن ذلك.
ومعنى سُؤالهم؛ بدعاءِ الرب لهم: البيان بما أريد جعل ذلك آية؛ فوقع عندهم: أَنْ لا كل بقرة تصلح للآيات، ولذلك لم يسأَلوا موسى عن تفسيرها؛ إذ الله - - هو الذي يعلم الآيات.
والحرف الثاني هو الأَول الذي قلنا: إليه انصرف المراد في الابتداءِ؛ لما يوجبه، وأَن الأَمر بالذبح في الابتداءِ كان على ما آل أَمرها إليه وظهر.
لكنهم أمروا بالسؤال عنها، والبحث عن أَحوالها؛ ليصلوا إلى المراد فيه، لا أَنه أَحدث لهم ذلك بالسؤال.
وعلى ذلك: ما روي في الخبر: "أَن صلة الرحم تزيد في العمر" أَي: لما علم من عبده أَنه يصل رحمه، جعل مدة عمره أَكثر مما لو علم أَنه لا يصل، لا أَنه يجعل أَجله إلى وقتٍ، فإذا وصل رحمه زادَ على ذلك.
لا على ما يقوله المعتزلة: أَن الله - - يجعل لكل أَحد أَجلين، فإذا وَصَل رحمه أَماته في أَبْعد الأَجلين، وإذا لم يصل جعلَ أَجله الأولَ.
فهذا أَمر من يجهل العواقب، فأَما من كان عالماً بالعواقب فلا؛ لأَنه بدوٌّ ورجوعٌ عما تقدم من الأَمر.
ثم من استدل بهذه الآية: بقبول قول أَولياءِ المقتول وَهِمَ؛ لأَوجهٍ: أَحدها: ما لا يقبل قول القتيل قبل خروج الروح منه: إنَّ فلاناً قتلني، في قطع حَق الميراث، وإغرام الدية.
والثاني: أَن ذلك كان آية عظيمة لهم، لم يكن ذلك لغيرهم.
والثالث: أَن أَولياء المقتول قد كانوا - قبل أَن يحيى - يدَّعون عليهم القتل، فلو كان لهم حق القبول، لم يحتج إلى تلك الآية.
والرابع: أَن قبول قول الميت أَحق من قبول قول الولي؛ لأَن الوليَّ ينتفع بقوله، والميت لا ينتفع بقوله شيئاً، ثم القتيل لا يقبل قوله في شريعتنا فكذلك الولي، والله الموفق.
ثُم وَجْه جعْلِ البقرة آيةً دون غيرها من البهائم وجهان: أَحدهما: ما رُوي أَن رجلاً كان بارّاً بوالديْه، محسناً إليهما عاطفاً عليهما، وكانت له بقرة على تلك الصفة والشبه، فأَراد الله - عز وجل - أَن يوصل إليه في الدنيا جزاء ما كان منه بمكان والديْهِ.
والثاني: أَنهم كانوا يعبدون البُقُور والعَجَاجيل، وحُبِّبَ ذلك إليهم؛ كقوله: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ ﴾ ، ثم تابوا وعادوا إلى عبادة الله وطاعته، فأَراد الله أَن يمتحنهم بذبح ما حُبِّب إليهم؛ ليظهر منهم حقيقة التوبة، وانقلاع ما كان في قلُوبهم من حب البُقُور والعجاجيل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لاَّ فَارِضٌ ﴾ .
يقول: ليست بكبيرة.
وقوله: ﴿ وَلاَ بِكْرٌ ﴾ .
ولا شابة.
وقوله: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ ﴾ .
بين الشابة والكبيرة.
وقيل: ﴿ لاَّ فَارِضٌ ﴾ : لا كبيرة، على ما ذكرنا ﴿ وَلاَ بِكْرٌ ﴾ ، أَي: ولا ما [لا] تلد، ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ﴾ أي: قد ولدت بطناً أَو بَطنَين.
وقوله: ﴿ صَفْرَآءُ ﴾ .
قيل: الصفراءُ؛ التي تضرب إلى السواد، وذلك لشدته.
وقيل: الصفراءُ؛ من الصّفَر المعروف.
وقوله: ﴿ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا ﴾ .
قيل: صاَفٍ.
وقوله: ﴿ تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ ﴾ .
تُعْجِب الناظرين.
وقيل: ﴿ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا ﴾ ؛ صَفْرَاءُ الظلف والقَرن، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ .
وقوم موسى مع غلظ أفهامهم، ورقة عقولهم - أَعرف لله، وأَمهلُ توحيداً من المعتزلة؛ لأَنهم قالوا: إنْ شَاءَ الله لكنا من المهتدين.
والمعتزلة يقولون: قد شاءَ الله أَن يهتدوا، وشاءُوا هُم ألا يهتدوا؛ فغلَبَتْ مشيئَتُهم على مشيئة الله على قولهم - فنعُوذ بالله من السَّرَفِ في القول، والجهل في الدين.
وقوله: ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا ﴾ .
قيل: لم يذللها لِلعمل؛ أَي: لم يزرع عليها، ولا هي مما يُسقى عليها الحرث.
وقيل: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ ﴾ ؛ أي: بقرة وحشية صعبة، تثير الأَرض، ولكن إثارة الأَرض لم تذللها؛ لصعوبتها وشدتها.
وقوله: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ ، خوفاً على أَنفسهم أَن يفتضحوا لظهور القاتل.
وقيل: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ لغلاءِ ثمنها.
والأولُ أَقرب، والله أعلم.
وقيل: إنهم استقصَوْأ في صفة تلك البقرة، والسؤال عن أحوالها، والاستقصاءُ في الشيء ربما يكون للمدافعة، والله الموفق.
وفي قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ دليلٌ لأَبي حنيفةَ - رَحمَهُ الله وَأصحابِه - أَن من حَلَف لا يأْكل لحم بقرَةٍ، فأَكل لحْم ثَور حنث؛ لأَن الله ذكر البقرةَ, ثم بين في آخره ما يدل على أَنه أَراد به الثورَ؛ لقوله: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ ﴾ .
والثوْرُ هو الذي يثير الأَرض، ويسقي الحرث، دون الأُنثى منها؛ لذلك كان الجواب على ما ذكرنا.
إلا أَن يكونوا هُمْ كانوا يحرثون بالأُنثى منها كما يَحرث أَهل الزمان بالذكَر، فحينئذ لا يكون فيه دليلٌ لما ذكرنا، والله أَعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ .
في الآية: دليلٌ مُرادِ الخصوص - وإن خرجت في الظاهر مخرج العموم - لأَنه قال عز وجل: ﴿ قَتَلْتُمْ ﴾ ، وإنما قتله واحد، وقال: ﴿ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ ، وإنما كان كتمه الذي قتله.
لذلك قلنا: ألا نصْرف مرادَ الآية إلى العموم بلفظ العموم، ولا إلى الخصوص بلفظ الخصوص إلا بعد قيام الدليل والبرهان على ذلك، والله الموفق.
وقوله: ﴿ فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ﴾ .
قال بعضهم: بفخذها الأَيمن.
لكن هذا لا يعلم إلا بخبر عن الله ، ولكن يقال: ﴿ بِبَعْضِهَا ﴾ بقدر ما في الكتاب.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .
أَي: هكذا يُحيي الله الموتى، من الوجه الذي لا يتوهمون إحياءَه، بضرب بعض البقرة عليه.
وكذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ ﴾ .
فكما أَحيا الأَرض بَعد موتها بالمطر المنزل من السماءِ، يقدر على إحياءِ الموتى، وبعثهم على الوجه الذي لا يظنون ولا يتوهمون، والله أعلم.
ويحتمل: إحياء ذلك القتيل لهم، لما لم يكونوا اطمَأَنُّوا على إِحياءِ الموتى؛ فأَرَاهُم الله - عز وجل - ذلك؛ ليطمئنوا، وليَسْتَقِروا على ذلك، ولا يضْطَربوا فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ .
يحتمل: يُريكم آيات وحدانيته.
ويحتمل: يريكم آيات إِحياءِ الموتى، وآيات البعث.
ويحتمل: آياته فيما تحتاجون إليه، كما أَرى من تقدمكم عند حاجاتهم.
ويحتمل: ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ آيات نبوة محمد ؛ إذ هو خبَّر عن الغيب.
وأَوضح آيات الرسالة؛ الخَبَرُ عن الغيْبِ، وذكرُ القصة على الوجه الذي يعلم أَن الاختراع لا يبلغ ذلك؛ لتعلموا أَنه بالله علم؛ إذ لم يذكر له خط كتاب، ولا اختلافٌ إلى من عنده.
على أَنه لو كان مسموعاً منهم، يجرى على مثله القول بالزيادة والنقصان، ولكن منعهم الله عن ذلك - إذ علموا صدقه - إشفاقاً على أَنفسهم، أَن ينزل عليهم نِقْمة الله.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ .
لكي تَعقلُوا آيات وحدانيته، وتعقلوا أَنه قادر على إِحياءِ الموتى بَعْدَ الموت.
وقوله: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ .
ضرب الله لقلوبهم مثلاً بالحجارة، وشبهها بها، لتساويها، وشدة صلابتها، وأَنها أَشدُّ قسوةً من الحجارة، وذلك: أَن من الحجارة - مع صلابتها وشدتها، مع فقد أسباب الفهم والعقل عنها، وزوال الخطاب منها - ما تخضع له، وتتصدع؛ كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ...
﴾ الآية [الأعراف: 143].
وقلبُ الكافر - مع وجود أسباب الفهم والعقل، وسعة سببية القبول - لا يخضع له، ولا يلين.
وكذلك أَخبر الله عز وجل عن الجبال أَنها تلينُ، وتخضع لهول ذلك اليوم بقوله: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ .
وقلبُ الكافر لا يلين أَبداً.
أَو أَن يقال: إنّ الله عز وجل جعل من الجبال مَنافِع للخلق مع صلابتها وشدتها حتى يتفجر منه الأَنهار والمياه.
وقلبُ الكافر - مع احتمال ذلك وإمكانه - لا منفعة منه لأَحدٍ.
وبالله التوفيق.
ثم وجه حكمة ضرب قلوبهم مثلاً بالحجارة، وتشبيهها بها، دونَ غيرها من الأَشياء الصُّلبة؛ من الحديد، والصُّفْر، وغيرهما، وذلك - والله أعلم - أَن الحديد تُلينه النار، وكذلك الصُّفْر حتى تضرب منهما الأَواني.
والحجرُ لا تُلينهُ النار ولا شيء؛ لذلك شبه قلب الكافر بها.
وهذا - والله أعلم - في قوم علم الله أَنهم لا يؤمنون أَبداً.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .
خرجت على الوعيد - أَبلغ الوعيد - والوعظ؛ حين ذَكرهم علمه بما يعملون.
<div class="verse-tafsir"
من تناقضات اليهود ومكرهم أنهم إذا لقي بعضُهم المؤمنين اعترفوا لهم بصدق النبي محمد وصحة رسالته وهو ما تشهد له التوراة، ولكن حين يخلو اليهود بعضهم ببعض يتلاومون فيما بينهم بسبب هذه الاعترافات؛ لأن المسلمين يقيمون عليهم بها الحجة فيما صدر عنهم من الاعتراف بصدق النبوة.
من فوائد الآيات أن بعض قلوب العباد أشد قسوة من الحجارة الصلبة؛ فلا تلين لموعظة، ولا ترق لذكرى.
أن الدلائل والبينات -وإن عظمت- لا تنفع إن لم يكن القلب مستسلمًا خاشعًا لله.
كشفت الآيات حقيقة ما انطوت عليه أنفس اليهود، حيث توارثوا الرعونة والخداع والتلاعب بالدين.
<div class="verse-tafsir" id="91.doKBb"
القسوة: الصلابة، وهي من صفات الأجسام.
ووصف القلوب والنفوس بالقسوة مجاز.
وهو هنا استعارة بالكتابة.
ويصح في ﴿ أو ﴾ الترديد والتشكيك، وهو بالنسبة للمخاطبين لا إلى المتكلم، أو باعتبار ما يعهد في التخاطب العربي، كأن عربيًا يحدث آخر ويقول له: إن هذه القلوب في قسوتها تشبه الحجارة أو تزيد عليها.
ويصح فيها التقسيم أي أن القسوة عمت قلوبكم، فأقلها قسوة تشبه الحجر الصلد، ومنها ما هو أشد منه قسوة.
وأظهر منهما أن تكون للإضراب على طريقة المبالغة، أي بل هي أشد قسوة من الحجارة، إذ لا شعور فيها يأتي بخير ولا عاطفة تفيض منها بعبرة والحجارة ليست كذلك لأن منها ما يفيض بالخيرات ومنها ما يكون موضع ظهور آثار القدرة الإلهية.
وصف الحجارة بالثلاث الصفات الآتية بعد أن شبه القلوب بها في الصلابة المطلقة، وفرق بين القلوب وبينها بالإضراب والانتقال إلى أن القلوب أشد صلابة، وأراد أن يبين بهذه الصفات وجه ضعف الصلابة في الحجارة وشدتها في القلوب فكأن الكلام يشبه أن يكون عذرًا عن الحجارة دون القلوب، والمراد بالقلوب ما اعتبرت عنوانًا له وهو الوجدان والعقل وأكثر ما تستعمل في الأول لأنه سائق الإقناع والإذعان، ويطلق لفظ القلب على النفس الناطقة لأن من شأن القلب أن يتأثر مما يتأثر منه الوجدان أو العقل أو الروح مطلقًا.
وفي الكلام من المبالغة أن هذه القلوب فقدت خاصة التأثر والانفعال بما يرد عليها من المواعظ والآيات التي هي من خواص الروح الإنساني حتى كأن أصحابها هبطوا من درجة الحيوان إلى دركة الجماد كالحجارة، بل نزلوا عن درجة الحجارة أيضًا، وذلك ما أفاده قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ التفجر تفعل من الفجر وهو الشق الواسع يكون للمطاوعة كفجرته فتفجر "بالتشديد فيهما" ويكون لتكرر الفعل وحصوله مرة أخرى، ومثله التشقق إلا أنه أعم، ولما في التفجر من معنى السعة عبر به عن خروج الأنهار من الصخور الكبار وهو معهود في الجبال، وعبر بالتشقق لخروج الماء الذي يصدق بالقليل منه.
والمعنى أن هذه الحجارة على صلابتها وقسوتها تتأثر بالماء الرقيق اللطيف فيشقها وينفذ منها بقلة أو كثرة فيحيي الأرض وينفع النبات والحيوان.
وأما هذه القلوب فلم تعد تتأثر بالحكم والنذر ولا بالعظات والعبر، فالحكم لا تقوى على شقها والنفوذ منها إلى أعماق الوجدان، وأنوار الفطرة قد انطفأت فيها فلا يظهر شعاعها على إنسان -ومن الحجارة ما يشقه الماء القليل كماء العيون والينابيع الحجرية، ومنها ما لا يفجره إلا الماء القوي الغمر الذي يسمى نهرًا ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ وهو ما ينحط من أعلى الجبل ومن أثنائه بسبب أثر من آثار القهر الإلهي كالبراكين والصواعق التي تهبط بها الصخور وتندك الجبال، وقد جعل هذا شبهًا للآيات الإلهية التي أظهرها على يد عبده ونبيه موسى ، فهي حوادث عظيمة في الكون تفزع بها نفوس المؤمنين إلى الله، وتخشع لأمره ونهيه، لعظمتها وخفاء سر إيجادها، كما تفزع النفوس من حوادث البراكين والصواعق التي تدك الصخور وتدمر الحصون، وقد أصبحت تلك القلوب بعد مشاهدة الآيات لا تتأثر بها ولا تزداد إيمانًا.
فملخص التشبيه أن قلوبكم تشبه الحجارة في القسوة بل تزيد في القساوة عنها، فإن الحجارة الصم تتأثر في باطنها بالماء اللطيف النافع بعضها بالقوي منه وبعضها بالضعيف، ولكن قلوبكم لا تتأثر بالحكم والمواعظ التي من شأنها التأثير في الوجدان، والنفوذ إلى الجنان، والحجارة تتأثر بالحوادث الهائلة التي يحدثها الله في الكون كالصواعق والزلازل، ولكن قلوبكم لم تتأثر بتلك الآيات الإلهية التي تشبهها، فلا أفادت فيها المؤثرات الداخلية ولا المؤثرات الخارجية كما أفادت في الأحجار، فبذلك كانت قلوبكم أشد قسوة.
ثم هددهم بقوله ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ أي فهو سيربيكم بضروب النقم، إذا لم تتربوا بصنوف النعم.
<div class="verse-tafsir"