الآية ٧٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٧٧ من سورة البقرة

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ٧٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ) قال أبو العالية : يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به ، وهو يجدونه مكتوبا عندهم .

وكذا قال قتادة .

وقال الحسن : ( أن الله يعلم ما يسرون ) قال : كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وخلا بعضهم إلى بعض ، تناهوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما فتح الله عليهم مما في كتابهم ، خشية أن يحاجهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما في كتابهم عند ربهم .

( وما يعلنون ) يعني : حين قالوا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : آمنا .

وكذا قال أبو العالية ، والربيع ، وقتادة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (أَوَلَا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون)، أولا يعلم - هؤلاء اللائمون من اليهود إخوانهم من أهل ملتهم, على كونهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وعلى إخبارهم المؤمنين بما في كتبهم من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه, القائلون لهم: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ - أن الله عالم بما يسرون، فيخفونه عن المؤمنين في خلائهم = من كفرهم، وتلاومهم بينهم على إظهارهم ما أظهروا لرسول الله وللمؤمنين به من الإقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم, وعلى قيلهم لهم: آمنا, ونهي بعضهم بعضا أن يخبروا المؤمنين بما فتح الله للمؤمنين عليهم, وقضى لهم عليهم في كتبهم، من حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ومبعثه = وما يعلنون، فيظهرونه لمحمد صلى الله عليه وسلم ولأصحابه المؤمنين به إذا لقوهم، من قيلهم لهم: آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، نفاقا وخداعا لله ولرسوله وللمؤمنين؟

كما:- 1350 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (أَوَلَا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون)، من كفرهم وتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم إذا خلا بعضهم إلى بعض,(وما يعلنون) إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا ليرضوهم بذلك.

1351 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن &; 2-257 &; الربيع, عن أبي العالية: (أَوَلَا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون)، يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتكذيبهم به, وهم يجدونه مكتوبا عندهم، (وما يعلنون)، يعني: ما أعلنوا حين قالوا للمؤمنين: آمنا

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ وبخهم توبيخا يتلى فقال : " أولا يعلمون " الآية .فهو استفهام معناه التوبيخ والتقريع .وقرأ الجمهور " يعلمون " بالياء , وابن محيصن بالتاء , خطابا للمؤمنين .والذي أسروه كفرهم , والذي أعلنوه الجحد به .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } فهم وإن أسروا ما يعتقدونه فيما بينهم, وزعموا أنهم بإسرارهم لا يتطرق عليهم حجة للمؤمنين, فإن هذا غلط منهم وجهل كبير, فإن الله يعلم سرهم وعلنهم, فيظهر لعباده ما أنتم عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قال الله تعالى : ( أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون ) يخفون ( وما يعلنون ) يبدون يعني اليهود .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

قال تعالى «أو لا يعلمون» الاستفهام للتقرير والواو الداخلة عليها للعطف «أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون» ما يخفون وما يظهرون من ذلك وغيره فيرعَوُوا عن ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أيفعلون كلَّ هذه الجرائم، ولا يعلمون أن الله يعلم جميع ما يخفونه وما يظهرونه؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وبخهم الله على جهلهم بحقيقة علمه فقال تعالى : ( أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) أي : أيقول الذين لم ينافقوا من اليهود لإِخوانهم الذين نافقوا ما قالوا ، ويكتمون من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ما كتموا ، ويحرفون من كتاب الله ما حرفوا ، ولا يعلمون أن الله يعلم .

ما يخفون من كفر وحقد ، وما يظهرون من إيمان وود؟فالآية الكريمة فيها توبيخ وتجهيل لليهود الذين عاتبوا المنافقين منهم على تحديث المؤمنين بما في توراتهم مما يؤيد صدق النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم لو كانوا مؤمنين إيماناً صادقاً بإحاطة علمه بسرهم وعلانيتهم ، لما نهوا إخوانهم عن تحديث المؤمنين بما فيها فإن ما فيها من صفات للنبي صلى الله عليه وسلم من الحقائق التي أمرهم الله ببيانها ونهاهم عن كتمانها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم والمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجوكم به، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف بشهادة التوراة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا حجة أقوى من ذلك، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضاً من الاعتراف بذلك عند محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال القفال: قوله: ﴿ فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ مأخوذ من قولهم قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه.

أما قوله: ﴿ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنهم جعلوا محاجتهم به وقوله هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله، ألا تراك تقول هو في كتاب الله هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد.

وثانيها: قال الحسن: أي ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم الله تعالى من اتباع الرسل تصح أن توصف بأنها محاجة فيه لأنها محاجة في دينه.

وثالثها: قال الأصم: المراد يحاجوكم يوم القيامة وعند التساؤل فيكون ذلك زائداً في توبيخكم وظهور فضيحتكم على رؤوس الخلائق في الموقف لأنه ليس من اعتراف بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإنكار فكان القوم يعتقدون أن ظهور ذلك مما يزيد في انكشاف فضيحتهم في الآخرة.

ورابعها: قال القاضي أبو بكر: إن المحتج بالشيء قد يحتج ويكون غرضه من إظهار تلك الحجة حصول السرور بسبب غلبة الخصم وقد يكون غرضه منه الديانة والنصيحة، فقط ليقطع عذر خصمه ويقرر حجة الله عليه فقال القوم عند الخلوة قد حدثتموهم بما فتح الله عليكم من حجتهم في التوراة فصاروا يتمكنون من الاحتجاج به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه قد أوجبت عليك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي فإن قبلت أحسنت إلى نفسك وإن جحدت كنت الخاسر الخائب.

وخامسها: قال القفال: يقال: فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي، وهذا عند الشافعي حلال وعند أبي حنيفة حرام، أي في حكمهما وقوله: ﴿ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ أي لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله.

وتأول بعض العلماء قوله تعالى: ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فأولئك عِندَ الله هُمُ الكاذبون  ﴾ أي في حكم الله وقضائه لأن القاذف إذا لم يأت بالشهود لزمه حكم الكاذبين وإن كان في نفسه صادقاً.

أما قوله: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنه يرجع إلى المؤمنين فكأنه تعالى قال: أفلا تعقلون لما ذكرته لكم من صفتهم أن الأمر لا مطمع لكم في إيمانهم.

وهو قول الحسن.

وثانيها: أنه راجع إليهم فكأن عند ما خلا بعضهم ببعض قالوا لهم أتحدثونهم بما يرجع وباله عليكم وتصيرون محجوجين به، أفلا تعقلون أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه.

وهذا الوجه أظهر لأنه من تمام الحكاية عنهم فلا وجه لصرفه عنهم إلى غيرهم.

أما قوله تعالى: ﴿ أَوْ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ ففيه قولان، الأول: وهو قول الأكثرين إن اليهود كانوا يعرفون الله ويعرفون أنه تعالى يعلم السر والعلانية فخوفهم الله به.

الثاني: أنهم ما علموا بذلك فرغبهم بهذا القول في أن يتفكروا فيعرفوا أن لهم رباً يعلم سرهم وعلانيتهم وأنهم لا يأمنون حلول العقاب بسبب نفاقهم، وعلى القولين جميعاً، فهذا الكلام زجر لهم عن النفاق، وعن وصية بعضهم بعضاً بكتمان دلائل نبوة محمد.

والأقرب أن اليهود المخاطبين بذلك كانوا عالمين بذلك، لأنه لا يكاد يقال على طريق الزجر: أولا يعلم كيت وكيت إلا وهو عالم بذلك الشيء، ويكون ذلك الشيء زاجراً له عن ذلك الفعل، وقال بعضهم: هؤلاء اليهود كيف يستجيزون أن يسر إلى إخوانهم النهي عن إظهار دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهم ليسوا كالمنافين الذين لا يعلمون الله ولا يعلمون كونه عالماً بالسر والعلانية، فشأنهم من هذه الجهة أعجب.

قال القاضي: الآية تدل على أمور.

أحدها: أنه تعالى إن كان هو الخالق لأفعال العباد فكيف يصح أن يزجرهم عن تلك الأقوال والأفعال.

وثانيها: أنها تدل على صحة الحجاج والنظر وأن ذلك كان طريقة الصحابة والمؤمنين وأن ذلك كان ظاهراً عند اليهود حتى قال بعضهم لبعض ما قالوه.

وثالثها: أنها تدل على أن الحجة قد تكون إلزامية لأنهم لما اعترفوا بصحة التوراة وباشتمالها على ما يدل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا جرم لزمهم الاعتراف بالنبوة ولو منعوا إحدى تينك المقدمتين لما تمت الدلالة.

ورابعها: أنها تدل على أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية يكون أعظم جرماً ووزراً، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَفَتَطْمَعُونَ ﴾ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ﴿ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ﴾ أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم، كقوله: ﴿ فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾ [العنكبوت: 26] يعني اليهود، ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ ﴾ طائفة فيمن سلف منهم ﴿ يَسْمَعُونَ كلام الله ﴾ وهو ما يتلونه من التوراة ﴿ ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ ﴾ كما حرّفوا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وآية الرجم، وقيل: كان قوم من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به ونهى، ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس.

وقرئ ﴿ كلم الله ﴾ ﴿ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ ﴾ من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم ولم تبق لهم شبهة في صحته ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهم كاذبون مفترون.

والمعنى: إن كفر هؤلاء وحرّفوا فلهم سابقة في ذلك.

﴿ وَإِذَا لَقُواْ ﴾ يعني اليهود ﴿ قَالُواْ ﴾ قال منافقوهم ﴿ ءَامَنَّا ﴾ بأنكم على الحق، وأنّ محمداً هو الرسول المبشر به ﴿ وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ ﴾ الذين لم ينافقوا ﴿ إلى بَعضٍ ﴾ الذين نافقوا ﴿ قَالُواْ ﴾ عاتبين عليهم ﴿ أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ بما بين لكم في التوراة من صفة محمد.

أو قال المنافقون لأعقابهم يرونهم التصلب في دينهم: أتحدّثونهم، إنكاراً عليهم أن يفتحوا عليهم شيئاً في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود ﴿ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه، جعلوا محاجتهم به، وقولهم هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله.

ألا تراك تقول: هو في كتاب الله هكذا.

وهو عند الله هكذا، بمعنى واحد.

﴿ يَعْلَمُ ﴾ جميع ﴿ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَعْنِي مُنافِقِيهِمْ.

﴿ قالُوا آمَنّا ﴾ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ، وإنَّ رَسُولَكم هو المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ ﴿ وَإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا ﴾ أيِ الَّذِينَ لَمْ يُنافِقُوا مِنهم عاتِبِينِ عَلى مَن نافَقَ.

﴿ أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ بِما بَيَّنَ لَكم في التَّوْراةِ مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ  ، أوِ الَّذِينَ نافَقُوا لِأعْقابِهِمْ إظْهارًا لِلتَّصَلُّبِ في اليَهُودِيَّةِ، ومَنعًا لَهم عَنْ إبْداءِ ما وجَدُوا في كِتابِهِمْ، فَيُنافِقُونَ الفَرِيقَيْنِ.

فالِاسْتِفْهامُ عَلى الأوَّلِ تَقْرِيعٌ وعَلى الثّانِي إنْكارٌ ونَهْيٌ ﴿ لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ لِيَحْتَجُّوا عَلَيْكم بِما أنْزَلَ رَبُّكم في كِتابِهِ، جَعَلُوا مُحاجَّتَهم بِكِتابِ اللَّهِ وحُكْمِهِ مُحاجَّةً عِنْدَهُ كَما يُقالُ عِنْدَ اللَّهِ كَذا، ويُرادُ بِهِ أنَّهُ جاءَ في كِتابِهِ وحُكْمِهِ، وقِيلَ عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكُمْ، أوْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ رَبِّكم.

وقِيلَ عِنْدَ رَبِّكم في القِيامَةِ وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الإخْفاءُ لا يَدْفَعُهُ.

﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ إمّا مِن تَمامِ كَلامِ اللّائِمِينَ وتَقْدِيرِهِ: أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّهم يُحاجُّونَكم بِهِ فَيُحِجُّونَكُمْ، أوْ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَتَطْمَعُونَ ﴾ ، والمَعْنى: أفَلا تَعْقِلُونَ حالَهم وأنْ لا مَطْمَعَ لَكم في إيمانِهِمْ.

﴿ أوَلا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، أوِ اللّائِمِينَ، أوْ كِلَيْهِما، أوْ إيّاهم والمُحَرِّفِينَ.

﴿ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ ومِن جُمْلَتِهِما إسْرارُهُمُ الكُفْرَ وإعْلانُهُمُ الإيمانَ، وإخْفاءُ ما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وإظْهارُ غَيْرِهِ، وتَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ ومَعانِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أو لا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ} جميع {مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أوَلا يَعْلَمُونَ ﴾ فَإنَّهُ تَجْهِيلٌ لَهم مِنهُ تَعالى فِيما حَكى عَنْهُمْ، فَيَكُونُ تَوْسِيطُ خِطابِ المُؤْمِنِينَ في أثْنائِهِ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرَةِ ولِحائِها، عَلى أنَّ في تَخْصِيصِ الخِطابِ بِالمُؤْمِنِينَ تَعَسُّفًا ما، وفي تَعْمِيمِهِ لِلنَّبِيِّ  سُوءُ أدَبٍ كَما لا يَخْفى، والِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلْإنْكارِ مَعَ التَّقْرِيعِ، لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا عالِمِينَ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى، والمَقْصُودُ بَيانُ شَناعَةِ فِعْلِهِمْ بِأنَّهم يَفْعَلُونَ ما ذُكِرَ مَعَ عِلْمِهِمْ.

﴿ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الآتِيَ بِالمَعْصِيَةِ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِها مَعْصِيَةً أعْظَمُ وِزْرًا، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، والضَّمِيرُ لِلْمُوَبَّخِينَ، أيْ أيَلُومُونَهم عَلى التَّحْدِيثِ المَذْكُورِ مَخافَةَ المُحاجَّةِ، ولا يَعْلَمُونَ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ فَقَطْ، أوْ لَهم ولِلْمُوَبَّخِينَ، أوْ لِآبائِهِمُ المُحَرِّفِينَ، والظّاهِرُ حَمْلُ ما في المَوْضِعَيْنِ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الكُفْرُ الَّذِي أسَرُّوهُ، والإيمانُ الَّذِي أعْلَنُوهُ، واقْتَصَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِما، وقِيلَ: العَداوَةُ والصَّداقَةُ، وقِيلَ: صِفَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، الَّتِي في التَّوْراةِ المُنَزَّلَةِ، والصِّفَةُ الَّتِي أظْهَرُوها افْتِراءً عَلى اللَّهِ تَعالى، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الإسْرارَ عَلى الإعْلانِ، إمّا لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ، إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو أوْ مَبادِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ مُضْمَرٌ في القَلْبِ، يَتَعَلَّقُ بِهِ الإسْرارُ غالِبًا، فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِافْتِضاحِهِمْ، ووُقُوعِ ما يَحْذَرُونَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ شُمُولِ عِلْمِهِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، كانَ عِلْمُهُ بِما يُسِرُّونَ أقْدَمَ مِنهُ بِما يُعْلِنُونَهُ مَعَ كَوْنِهِما في الحَقِيقَةِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَإنَّ عِلْمَهُ تَعالى لَيْسَ بِطَرِيقِ حُصُولِ الصُّورَةِ، بَلْ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ في نَفْسِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى لا يَخْتَلِفُ الحالُ بَيْنَ الأشْياءِ البارِزَةِ، ولا الكامِنَةِ، وعَكْسُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ ﴾ لِأنَّ الأصْلَ فِيما تَتَعَلَّقُ المُحاسَبَةُ بِهِ هو الأُمُورُ البادِيَةُ دُونَ الخافِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (أوَ لا تَعْلَمُونَ)، بِالتّاءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ خِطابًا لَهُمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعْرَضَ عَنْ خِطابِهِمْ، وأعادَ الضَّمِيرَ إلى الغَيْبَةِ إهْمالًا لَهُمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا، يعني المنافقين منهم قالُوا للمؤمنين آمَنَّا، أي أقررنا بالذي أقررتم به.

وهم منافقو أهل الكتاب.

وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ، يعني إذا رجعوا إلى رؤسائهم، قالُوا لبعضهم: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، أي أتخبرونهم بأن ذكر محمد  في كتابكم فيكون ذلك حجة عليكم؟

أَفَلا تَعْقِلُونَ أن ذلك حجة لهم عليكم؟

لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ، أي ليخاصموكم عِنْدَ رَبِّكُمْ باعترافكم أن محمدا  نبي لا تتبعوه أَفَلا تَعْقِلُونَ؟

أي أفليس لكم ذهن الإنسانية؟

لا ينبغي لكم هذا فيما بينكم.

أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ.

قال بعضهم: ما يسرون فيما بينهم وما يعلنون مع أصحاب محمد  .

قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتابَ، أي مّنْ أَهْلِ الكتاب وهم السفلة أميون لا يقرءون الكتاب، لا يحسنون قراءة الكتاب ولا كتابته.

وقال الزجاج: الأمي المنسوب إلى ما عليه جبلة الأمة، يعني هو على الخلقة التي خلق عليها لأن الإنسان في الأصل لا يعلم شيئاً ما لم يتعلَّم.

إِلَّا أَمانِيَّ، قال بعضهم: إِلا التلاوة، وهذا كما قال في آية أخرى إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: 52] ، أي في تلاوته.

يقول: إن السفلة منهم كانوا لا يعرفون من التوراة شيئاً سوى تلاوته.

وقال بعضهم: إلا أماني: إلا أباطيل.

وروي عن عثمان بن عفان أنه قال: منذ أسلمت ما تغنيت ولا تمنيت، أي ما تكلمت بالباطل.

وروي في الخبر أن الإنسان إذا ركب دابته ولم يذكر الله تعالى، صكّه الشيطان في قفاه ويقول له: تغنَّ فإن لم يحسن الغناء، يقول له: تمنَّ أي تكلم بالباطل.

وَإِنْ هُمْ، أي وما هم إِلَّا يَظُنُّونَ، لأنه قد ظهر لهم الكذب من رؤسائهم فكانوا يشكون في أحاديثهم وكانوا يظنون من غير يقين.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «إياكم والظن فإنه من أكذب الحديث» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ...

الآية: المعنى: وهم أيضاً، إذا لُقُوا يفعلون هذا، فكيف يُطْمَع في إيمانهم، ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنَفاً فيه كشف سرائرهم ورد في التفسير أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «لاَ يَدْخُلَنَّ عَلَيْنَا قَصَبَةَ «١» المَدِينَةِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ» ، فقال كَعْبُ بن الأشْرَفِ وأشباهه: اذهبوا وتحسَّسوا أخبارَ من آمَنَ بمحمَّد، وقولوا لهم: آمنا، واكفروا إِذا رجعتم، فنزلتْ هذه الآية، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في المنافقين من اليهود «٢» ، وروي عنه أيضاً أنها نزلَتْ في قومٍ من اليهود، قالوا لبعض المؤمنين: نحن نؤمن أنه نبيٌّ، ولكن ليس إلَيْنا، وإنما هو إليكم خاصّة، فلما دخلوا، قال بعضهم: لم تُقِرُّونَ بنبوءته «٣» ، وقال أبو العالية وقتادةُ: إِن بعض اليهود تكلَّم بما في التوراة من صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقال لهم كفرةُ الأحبار: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي: عرَّفكم من صفة محمَّد صلّى الله عليه وسلم «٤» .

ولِيُحَاجُّوكُمْ: من الحجة، وعِنْدَ رَبِّكُمْ: معناه: في الآخرة.

وقول تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ: قيل: هو من قول الأحبار لَلأتباعِ، وقيل: هو خطابٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين، أي: أفلا تعقلون أن بني إِسرائيل لا يؤمنون، وهم بهذه الأحوال.

وأُمِّيُّونَ هنا: عبارةٌ عن عامَّة اليهود، وجهلتهم، أي: أنهم لا يطمع في إيمانهم لما غمرهم من الضَّلاَل، والأُمِّيُّ في اللغة: الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتابٍ نُسِبَ إلى الأُمِّ إِما لأنه بحالِ أمِّه من عَدَمِ الكتب، لا بحال أبيه إذ النساء ليس من شغلهن الكَتْبُ قاله الطبريُّ وإما لأنه بحال ولدته أمه فيها، لم ينتقل عنها.

والْكِتابَ: التوراة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ أوَّلًا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ .

هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، كانُوا إذا لَقُوا النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ قالُوا: آَمَنّا، وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، قالُوا: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُرَسانِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ.

وَفِي مَعْنى ﴿ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِما قَضى اللَّهُ عَلَيْكم، والفَتْحُ: القَضاءُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ  ﴾ قالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: كانَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ آَمَنُوا ثُمَّ نافَقُوا، فَكانُوا يُحَدِّثُونَ المُؤْمِنِينَ بِما عُذِّبُوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم.

[مِنَ العَذابِ، لِيَقُولُوا: نَحْنُ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِنكم، وأكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنكم ] .

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: بِما عَلَّمَكُمُ اللَّهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: الَّذِي فَتَحَهُ عَلَيْهِمْ: ما أنْزَلُهُ مِنَ التَّوْراةِ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ،  ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ المُسْلِمُ يَلْقى حَلِيفَهُ، أوْ أخاهُ مِنَ الرَّضاعَةِ مِنَ اليَهُودِ، فَيَسْألُهُ: أتَجِدُونَ مُحَمَّدًا في كِتابِكُمْ؟

فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، إنَّهُ لَحَقٌّ.

فَسَمِعَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وغَيْرُهُ، فَقالَ لِلْيَهُودِ في السِّرِّ: أتُحَدِّثُونَ أصْحابَ مُحَمَّدٍ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم، أيْ: بِما بَيَّنَ لَكم في التَّوْراةِ مِن أمْرٍ مُحَمَّدٍ لِيُخاصِمُوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم بِاعْتِرافِكم أنَّهُ نَبِيٌّ، أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ هَذا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: في حُكْمِ رَبِّكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ يَوْمَ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلا أمانِيَّ وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ ﴾ المَعْنى: وهم أيْضًا إذا "لَقُوا" يَفْعَلُونَ هَذا، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في إيمانِهِمْ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مَقْطُوعًا مِن مَعْنى الطَمَعِ، فِيهِ كَشْفُ سَرائِرِهِمْ.

ووَرَدَ في التَفْسِيرِ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: «لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْنا قَصَبَةَ المَدِينَةِ إلّا مُؤْمِنٌ».

فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ووَهْبُ بْنُ يَهُودا، وأشْباهُهُما: اذْهَبُوا وتَحَسَّسُوا أخْبارَ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، وقُولُوا لَهم آمَنّا، واكْفُرُوا إذا رَجَعْتُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ أنَّهُ نَبِيٌّ، ولَكِنْ لَيْسَ إلَيْنا، وإنَّما هو إلَيْكم خاصَّةً، فَلَمّا خَلَوْا قالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ وقَدْ كُنّا قَبْلُ نَسْتَفْتِحُ بِهِ؟

فَهَذا هو الَّذِي فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِن عِلْمِهِ، وأصْلُ "خَلا" خُلَوَ تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا.

وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: إنَّ بَعْضَ اليَهُودِ تَكَلَّمَ بِما في التَوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ  ، فَقالَ لَهم كَفَرَةُ الأحْبارِ: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكم.

أيْ عَرَّفَكم مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ فَيَحْتَجُّونَ عَلَيْكم إذْ تُقِرُّونَ بِهِ ولا تُؤْمِنُونَ بِهِ؟

وقالَ السُدِّيُّ: إنَّ بَعْضَ اليَهُودِ حَكى لِبَعْضِ المُسْلِمِينَ ما عُذِّبَ بِهِ أسْلافُهُمْ، فَقالَ بَعْضُ الأحْبارِ: ﴿ أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ ﴾ مِنَ العَذابِ، فَيَحْتَجُّونَ عَلَيْكُمْ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ أكْرَمُ عَلى اللهِ حِينَ لَمْ يَفْعَلْ بِنا مِثْلَ هَذا؟، وفَتَحَ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْنى: حَكَمَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: «إنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ: يا إخْوَةَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ.

فَقالَ الأحْبارُ لِأتْباعِهِمْ: ما عَرَفَ هَذا إلّا مِن عِنْدِكم.

أتُحَدِّثُونَهُمْ؟» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا إذا سُئِلُوا عن شَيْءٍ قالُوا: في التَوْراةِ كَذا وكَذا، فَكَرِهَتِ الأحْبارُ ذَلِكَ ونَهَوْا في الخَلْوَةِ عنهُ، فَفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ.

والفَتْحُ في اللُغَةِ يَنْقَسِمُ أقْسامًا تَجْمَعُها بِالمَعْنى التَوْسِعَةُ وإزالَةُ الإبْهامِ، وإلى هَذا يَرْجِعُ الحُكْمُ وغَيْرُهُ، والفَتّاحُ هو القاضِي بِلُغَةِ اليَمَنِ، و"يُحاجُّوكُمْ" مِنَ الحُجَّةِ وأصْلُهُ مِن حَجَّ إذا قَصَدَ، لِأنَّ المُتَحاجِّينَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْصِدُ غَلَبَةَ الآخَرِ، و ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ "عِنْدَ" بِمَعْنًى: في رَبِّكُمْ، أيْ فَيَكُونُونَ أحَقَّ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ، قِيلَ: هو مِن قَوْلِ الأحْبارِ لِلْأتْباعِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ مِنَ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لا يُؤْمِنُونَ وهم بِهَذِهِ الأحْوالِ؟

والعَقْلُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَلا يَعْلَمُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلٍ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "أو لا تَعْلَمُونَ" بِالتاءِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ.

والَّذِي أسَرُّوهُ: كُفْرُهُمْ، والَّذِي أعْلَنُوهُ: قَوْلُهُمْ: آمَنّا، هَذا في سائِرِ اليَهُودِ، والَّذِي أسَرَّهُ الأحْبارُ: صِفَةُ مُحَمَّدٍ  والمَعْرِفَةُ بِهِ، والَّذِي أعْلَنُوهُ: الجَحْدُ بِهِ، ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ الجَمِيعَ.

و"أُمِّيُّونَ" هُنا عِبارَةٌ عن جَهَلَةٍ بِالتَوْراةِ.

قالَ أبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: المَعْنى ومِن هَؤُلاءِ اليَهُودِ المَذْكُورِينَ.

فالآيَةُ مُنَبِّهَةٌ عَلى عامَّتِهِمْ وأتْباعِهِمْ، أيْ أنَّهم مِمَّنْ لا يَطْمَعُ في إيمانِهِمْ، لِما غَمَرَهم مِنَ الضَلالِ.

وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالأُمِّيِّينَ قَوْمٌ ذَهَبَ كُتّابُهم لِذُنُوبٍ رَكِبُوها فَبَقُوا أُمِّيِّينَ.

وقالَ عِكْرِمَةُ والضَحّاكُ: هم في الآيَةِ نَصارى العَرَبِ، وقِيلَ: عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَجُوسُ، والضَمِيرُ في "مِنهُمْ" عَلى هَذِهِ الأقْوالِ هو لِلْكُفّارِ أجْمَعِينَ، وقَوْلُ أبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ أوجَهُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُمِّيُّونَ" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، والأُمِّيُّ في اللُغَةِ الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ في كِتابٍ، نُسِبَ إلى الأُمِّ، إمّا لِأنَّهُ بِحالِ أُمِّهِ مِن عَدَمِ الكِتابِ، لا بِحالِ أبِيهِ، إذِ النِساءُ لَيْسَ مَن شَغَلَهُنَّ الكِتابُ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، وإمّا لِأنَّهُ بِحالٍ ولَدَتْهُ أُمُّهُ فِيها، لَمْ يَنْتَقِلْ عنها، وقِيلَ: نُسِبَ إلى الأُمَّةِ وهي القامَةُ والخِلْقَةُ، كَأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الآدَمِيِّينَ إلّا ذَلِكَ، وقِيلَ: نُسِبَ إلى الأُمَّةِ عَلى سَذاجَتِها قَبْلَ أنْ تُعْرَّفَ المَعارِفُ، فَإنَّها لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ، ولِذَلِكَ قالَ النَبِيُّ  في العَرَبِ: «إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ» الحَدِيثُ، والألِفُ واللامُ في "الكِتابَ" لِلْعَهْدِ، ويَعْنِي بِهِ التَوْراةَ في قَوْلِ أبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ.

والأمانِيُّ جَمْعُ أمْنِيَةٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ "أمانِي" بِتَخْفِيفِ الياءِ، وأصْلُ أُمْنِيةٍ أمْنُويَةٍ عَلى وزْنِ (أُفْعُولَةٍ)، ويُجْمَعُ هَذا الوَزْنُ عَلى (أفاعِلَ)، وعَلى هَذا يَجِبُ تَخْفِيفُ الياءِ، ويُجْمَعُ عَلى (أفاعِيلَ) فَعَلى هَذا يَجِيءُ أمانِيِي، أُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ فَجاءَ "أمانِيَّ" واخْتَلَفَ في مَعْنى "أمانِيَّ" فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي هُنا مِن تَمَنِّي الرَجُلِ إذا تَرَجّى فَمَعْناهُ أنَّ مِنهم مَن لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وإنَّما يَقُولُ بِظَنِّهِ شَيْئًا سَمِعَهُ فَيَتَمَنّى أنَّهُ مِنَ الكِتابِ، وقالَ آخَرُونَ: هي مِن تَمَنّى إذا تَلا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ  ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَمَنّى كِتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادَرِ فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا سَماعَ شَيْءٍ يُتْلى لا عِلْمَ لَهم بِصِحَّتِهِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هي مِن تَمَنّى الرَجُلُ إذا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ مُخْتَلَقٍ كَذِبٍ، وذَكَرَ أهْلُ اللُغَةِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: تَمَنّى الرَجُلُ إذا كَذَبَ، واخْتَلَقَ الحَدِيثَ، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما تَمَنَّيْتُ ولا تَغَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ.

فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ مِنهم أُمِّيِّينَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أنَّهم يَسْمَعُونَ مِنَ الأحْبارِ أشْياءَ مُخْتَلَقَةً يَظُنُّونَها مِنَ الكِتابِ، و"إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ في المَيْلِ إلى أحَدِ الجائِزَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أن الضمير في ﴿ لقوا ﴾ عائد على بني إسرائيل على نسق الضمائر السابقة في قوله: ﴿ أفتطمعون أن يؤمنوا ﴾ [البقرة: 75] وما بعده، وأن الضمير المرفوع بقالوا عائد عليهم باعتبار فريق منهم وهم الذين أظهروا الإيمان نفاق أو تفادياً من مر المقارعة والمحاجة بقرينة قوله: ﴿ آمنا ﴾ وذلك كثير في ضمائر الأمم والقبائل ونحوها نحو قوله تعالى: ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ﴾ [البقرة: 232] لأن ضمير ﴿ طلقتم ﴾ للمطلقين وضمير ﴿ تعضلوا ﴾ للأولياء لأن الجميع راجع إلى جهة واحدة وهي جهة المخاطبين من المسلمين لاشتمالهم على الصنفين، ومنه أن تقول لئن نزلت ببني فلان ليكرمنك وإنما يكرمك سادتهم وكرماؤهم ويكون الضمير في قوله: ﴿ بعضهم ﴾ عائد إلى الجميع أي بعض الجميع إلى بعض آخر ومعلوم أن القائل من لم ينافق لمن نافق، ثم تلتئم الضمائر بعد ذلك في ﴿ يعلمون ﴾ و ﴿ يُسرون ﴾ و ﴿ يُعلنون ﴾ بلا كلفة وإلى هذه الطريقة ذهب صاحب «الكشاف» ويرجحها عندي أن فيها الاقتصار على تأويل ما به الحاجة والتأويل عند وجود دليله بجنبه وهو ﴿ آمنا ﴾ .

وجملة ﴿ إذا لقوا ﴾ معطوفة على جملة ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ [البقرة: 75] على أنهم حال مثلها من أحوال اليهود وقد قصد منها تقييد النهي أو التعجيب من الطمع في إيمانهم فهو معطوف على الحال بتأويل وقد كان فريق منهم آخرُ إذا لقوا.

وقوله: ﴿ وإذا خلا بعضهم ﴾ معطوف على ﴿ إذا لقوا ﴾ وهم المقصود من الحالية أي والحال أنهم يحصل منهم مجموع هذا لأن مجرد قولهم ﴿ آمنا ﴾ لا يكون سبباً للتعجب من الطمع في إيمانهم فضمير ﴿ بعضهم ﴾ راجع إلى ما رجع إليه ﴿ لقوا ﴾ وهم عموم اليهود.

ونكتة التعبير ب ﴿ قالوا آمنا ﴾ مثلها في نظيره السابق في أوائل السورة [البقرة: 14].

وقوله: ﴿ أتحدثونهم ﴾ استفهام للإنكار أو التقرير أو التوبيخ بقرينة أن المقام دل على أنهم جرى بينهم حديث في ما ينزل من القرآن فاضحاً لأحوال أسلافهم ومثالب سيرتهم مع أنبيائهم وشريعتهم.

والظاهر عندي أن معناه أنهم لما سمعوا من القرآن ما فيه فضيحة أحوالهم وذكر ما لا يعلمه إلا خاصتهم ظنوا أن ذلك خلص للنبيء من بعض الذين أظهروا الإيمان من أتباعهم وأن نفاقهم كان قد بلغ بهم إلى أن أخبروا المسلمين ببعض قصص قومهم ستراً لكفرهم الباطن فوبخوهم على ذلك توبيخ إنكار أي كيف يبلغ بكم النفاق إلى هذا وأن في بعض إظهار المودة للمسلمين كفاية على حد قول المثل الذي حكاه بشار بقوله: واسعدْ بما قال في الحلم ابنُ ذي يَزَن *** يَلْهُو الكِرام ولا يَنْسَوْن أحسابا فحكى الله ذلك عنهم حكاية لحيرتهم واضطراب أمرهم لأنهم كانوا يرسلون نفراً من قومهم جواسيس على النبيء والمسلمين يظهرون الإسلام ويبطنون اليهودية ثم اتهموهم بخرق الرأي وسوء التدبير وأنهم دهبوا يتجسسون فكشفوا أحوال قومهم، ويدل لهذا عندي قوله تعالى بعد: {أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون وأخبار مروية عن بعض التابعين بأسانيد لبيان المتحدث به، فعن السدي كان بعض اليهود يحدث المسلمين بما عذب به أسلافهم، وعن أبي العالية قال بعض المنافقين: إن النبيء مذكور في التوراة، وعن ابن زيد كانوا يخبرون عن بعض قصص التوراة.

والمراد بما فتح الله } إما ما قضى الله به من الأحوال والمصائب فإن الفتح بمعنى القضاء وعليه قوله تعالى: ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ﴾ [الأعراف: 89] والفتاح القاضي بلغة اليمن، وإما بمعنى البيان والتعليم، ومنه الفتح على الإمام في الصلاة بإظهار الآية له وهو كناية مشهورة لأن القضاء يستلزم بيان الحق، ومنه قوله تعالى: ﴿ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ﴾ [البقرة: 89] أي يسألونهم العلم بالأمور التشريعية على أحد وجهين، فالمعنى بما علمكم الله من الدين.

وقوله: ﴿ ليحاجوكم به عند ربكم ﴾ صيغة المفاعلة غير مقصود بها حصول الفعل من جانبين بل هي لتأكيد الاحتجاج أي ليحتجوا عليكم به أي بما فتح الله عليكم.

واللام في قوله تعالى: ﴿ ليحاجوكم ﴾ لام التعليل لكنها مستعملة في التعقيب مجازاً أو ترشيحاً لاستعمال الاستفهام في الإنكار أو التقرير مجازاً فإنه لما كان الاستفهام الموضوع لطلب العلم استعمل هنا في الإنكار أو التقرير مجازاً لأن طلب العلم يستلزم الإقرار والمقرر عليه يقتضي الإنكار لأن المقر به مما ينكر بداهة وكانت المحاجة به عند الله فرعاً عن التحديث بما فتح الله عليهم جعل فرع وقوع التحديث المنكر كأنه علة مسؤول عنها أي لكان فعلكم هذا معللاً بأن يحاجوكم، وهو غاية في الإنكار إذ كيف يسعى أحد في إيجاد شيء تقوم به عليه الحجة فالقرينة هي كون المقام للإنكار لا للاستفهام ولذلك كانت اللام ترشيحاً متميزاً به أيضاً.

والأظهر أن قوله: ﴿ عند ربكم ﴾ ظرف على بابه مراد منه عندية التحاكم المناسب لقوله: ﴿ يحاجوكم ﴾ وذلك يوم القيامة لا محالة أي يجعلون ذلك حجة عليكم أمام الله على صدق رسولهم وعلى تبعتكم في عدم الإيمان به وذلك جار على حكاية حال عقيدة اليهود من تشبيههم الرب سبحانه وتعالى بحكام البشر في تمشي الحيل عليه وفي أنه إنما يأخذ المسببات من أسبابها الظاهرية فلذلك كانوا يرتكبون التحيل في شرعهم وتجد كتبهم ملأى بما يدل على أن الله ظهر له كذا وعلم أن الأمر الفلاني كان على خلاف المظنون وكقولهم في سفر التكوين «وقال الرب هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا يعرف الخير والشر» وقال فيه: «ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه فقال: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته» وجاء في التكوين أيضاً «لما شاخ إسحاق وكلت عيناه عن النظر دعا ابنه الأكبر عيسو وقال له: إني شخت ولست أعرف يوم وفاتي فالآن خذ عدتك واخرج إلى البرية فتصيد لي صيداً واصنع لي أطعمة حتى أباركك قبل أن أموت فسمعت (رفقة) أمهما ذلك فكلمت ابنها يعقوب وقالت: اذهب إلى الغنم وخذ جديين جيدين من المعزى فاصنعهما أطعمة لأبيك حتى يباركك قبل وفاته فقال: يعقوب لأمه إن عيسو أخي رجل أشعر وأنا رجل أملس ربما يجسني أبي فأكون في عينيه كمتهاون وأجلب على نفسي لعنة فقالت: اسمع لقولي فذهب وصنعت له أمه الطعام وأخذت ثياب ابنها الأكبر عيسو وألبستها يعقوب وألبست يديه وملاسة عنقه جلود الجديين فدخل يعقوب إلى أبيه وقال: يا أبي أنا ابنك الأكبر قد فعلت كما كلمتني فجسه إسحاق وقال الصوت صوت يعقوب ولكن اليدين يدا عيسو فباركه (أي جعله نبيئاً) وجاء عيسو وكلم أباه وعلم الحيلة ثم قال لأبيه: باركني أنا فقال قد جاء أخوك بكرة وأخذ بركتك» إلخ فما ظنك بقوم هذه مبالغ عقائدهم أن لا يقولوا لا تعلموهم لئلا يحاجوكم عند الله يوم القيامة وبهذا يندفع استبعاد البيضاوي وغيره أن يكون المراد بعند ربكم يوم القيامة بأن إخفاء الحقائق يوم القيامة لا يفيد من يحاوله حتى سلكوا في تأويل معنى قوله ﴿ عند ربكم ﴾ مسالك في غاية التكلف قياساً منهم لحال اليهود على حال عقائد الإسلام ففسروا (عند) بمعنى الكتاب أو على حذف مضاف أو حذف موصول ثم سلك متعقبوهم في إعرابه غاية الإغراب.

وقوله: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ من بقية مقولهم لقومهم ولا يصح جعله خطاباً من الله للمسلمين تذييلاً لقوله: ﴿ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ﴾ [البقرة: 75] لأن المسلمين وفيهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليسوا جديرين بمثل هذا التوبيخ وحسبهم ما تضمنه الاستفهام من الاستغراب أو النهي.

فإن قلت: لم لم يذكر في الآية جواب المخاطبين بالتبرؤ من أن يكونوا حدثوا المؤمنين بما فتح الله عليهم كما ذكر في قوله المتقدم: {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن؟

قلت: ليس القرآن بصدد حكاية مجادلاتهم وأحوالهم فإنها أقل من ذلك وإنما يحكي منها ما فيه شناعة حالهم وسوء سلوكهم ودوام إصرارهم وانحطاط أخلاقهم فتبريهم مما نسب إليه كبراؤهم من التهمة معلوم، للقطع بأنهم لم يحدثوا المسلمين بشيء ولما دل عليه قوله الآتي أو لا يعلمون أن الله يعلم } إلخ.

وأما ما في الآية المتقدمة من تنصلهم بقولهم ﴿ إنا معكم ﴾ فلأن فيه التسجيل عليهم في قولهم فيه: وقوله: أو لا يعلمون } الآية، الاستفهام فيه على غير حقيقته فهو إما مجاز في التقرير أي ليسوا يعلمون ذلك والمراد التقرير بلازمه وهو أنه إن كان الله يعلمه فقد علمه رسوله وهذا لزوم عرفي ادعائي في المقام الخطابي أو مجاز في التوبيخ والمعنى هو هو، أو مجاز في التحضيض أي هل كان وجود أسرار دينهم في القرآن موجباً لعلمهم أن الله يعلم ما يسرون والمراد لازم ذلك أي يعلمون أنه منزل عن الله أي هلا كان ذلك دليلاً على صدق الرسول عوض عن أن يكون موجباً لتهمة قومهم الذين تحققوا صدقهم في اليهودية، وهذا الوجه هو الظاهر لي ويرجحه التعبير بيعلمون بالمضارع دون علموا.

وموقع الاستفهام مع حرف العطف في قوله: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ وقوله: ﴿ أو لا يعلمون ﴾ سيأتي على نظائره وخلاف علماء العربية فيه عند قوله تعالى: ﴿ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ﴾ [البقرة: 87].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ﴾ في ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عُلَماءُ اليَهُودِ والَّذِينَ يُحَرِّفُونَهُ التَّوْراةُ فَيَجْعَلُونَ الحَلالَ حَرامًا والحَرامَ حَلالًا اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ وإعانَةً لِراشِيهِمْ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى مِن قَوْمِهِ، فَسَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ فَلَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَهُ وحَرَّفُوا القَوْلَ في إخْبارِهِمْ لِقَوْمِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وابْنِ إسْحاقَ.

وَفي كَلامِ اللَّهِ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها التَّوْراةُ الَّتِي عَلِمَها عُلَماءُ اليَهُودِ.

والثّانِي: الوَحْيُ الَّذِي كانُوا يَسْمَعُونَهُ كَما تَسْمَعُهُ الأنْبِياءُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن بَعْدِ ما سَمِعُوهُ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم يُحَرِّفُونَهُ.

والثّانِي: مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ، وهم يَعْلَمُونَ ما في تَحْرِيفِهِ مِنَ العِقابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، إذا خَلَوْا مَعَ المُنافِقِينَ، قالَ لَهُمُ المُنافِقُونَ: أتُحَدِّثُونَ المُسْلِمِينَ، بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، أيْ مِمّا أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ بِهِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكم في التَّوْراةِ، مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  وبَعْثِهِ، ﴿ لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهم أرادُوا قَوْلَ يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ، حِينَ شَبَّهَهُمُ النَّبِيُّ  ، بِأنَّهم إخْوَةُ القِرَدَةِ، فَقالُوا: مَن حَدَّثَكَ بِهَذا؟

وذَلِكَ حِينَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّ ناسًا مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا، ثُمَّ نافَقُوا فَكانُوا يُحَدِّثُونَ المُسْلِمِينَ مِنَ العَرَبِ، بِما عُذِّبَ بِهِ (آباؤُهُمْ) فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم مِنَ العَذابِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

وَفي ﴿ فَتَحَ اللَّهُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما عَلَّمَكُمُ اللَّهُ.

والثّانِي: بِما قَضاهُ اللَّهُ، والفَتْحُ عِنْدَ العَرَبِ القَضاءُ والحُكْمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ألا أبْلِغْ بَنِي عُصُمٍ رَسُولًا بِأنِّي عَنْ فِتاحِكُمُ غَنِيُّ وَيُقالُ لِلْقاضِي: الفَتّاحُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ﴿ لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ فَحُذِفَ ذِكْرُ الكِتابِ إيجازًا.

والثّانِي: ﴿ لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ فَتَظْهَرُ لَهُ الحُجَّةُ عَلَيْكُمْ، فَيَكُونُوا أوْلى بِاللَّهِ مِنكُمْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّالِثُ: ﴿ لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ﴾ أي بصاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم فكان منهم ﴿ ليجادلوكم به عند ربكم ﴾ أي يقرون بأنه نبي وقد علمتم أنه قد أخذ عليكم الميثاق باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كان ينتظر، ونجده في كتابنا اجحدوه ولا تقروا به.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا...

﴾ الآية.

قال: هذه الآية في المنافقين من اليهود.

وقوله: ﴿ بما فتح الله عليكم ﴾ يعني بما أكرمكم به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم فقال: «يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت.

فقالوا: من أخبر هذا الأمر محمداً، ما خرج هذا الأمر إلا منكم ﴿ أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ﴾ بما حكم الله ليكون لهم حجة عليكم» .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن.

فقال: رؤساء اليهود: اذهبوا فقولوا آمنا واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبكر ويرجعون إليهم بعد العصر، وهو قوله: ﴿ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره ﴾ [ آل عمران: 72] وكانوا يقولون: إذا دخلوا المدينة نحن مسلمون ليعلموا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره، فكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون لهم: أليس قد قال لكم في التوراة كذا وكذا؟

فيقولون: بلى.

فإذا رجعوا إلى قومهم قالوا ﴿ أتحدثونهم بما فتح الله عليكم...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: نزلت هذه الآية في ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض ﴿ أتحدثونهم بما فتح الله به عليكم ﴾ من العذاب ليقولوا نحن أحب إلى الله منكم وأكرم على الله منكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة «أن امرأة من اليهود أصابت فاحشة، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبتغون منه الحكم رجاء الرخصة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عالمهم وهو ابن صوريا، فقال له: احكم...

قال: فجبؤه.

والتجبئة يحملونه على حمار ويجعلون على وجهه إلى ذنب الحمار.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبحكم الله حكمت؟

قال: لا.

ولكن نساءنا كن حساناً، فأسرع فيهن رجالنا فغيرنا الحكم، وفيه أنزلت ﴿ وإذا خلا بعضهم إلى بعض...

﴾ الآية» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ﴾ قالوا: هم اليهود، وكانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، فصانعوهم بذلك ليرضوا عنهم، وإذا خلا بعضهم إلى بعض نهى بعضهم بعضاً أن يحدثوا بما فتح الله عليهم، وبين لهم في كتابه من أمر محمد عليه السلام رفعته ونبوته، وقالوا: إنكم إذا فعلتم ذلك احتجوا عليكم بذلك عند ربكم ﴿ أفلا تعقلون، أوَ لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ قال: ما يعلنون من أمرهم وكلامهم إذا لقوا الذين آمنوا، وما يسرون إذا خلا بعضهم إلى بعض من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوباً عندهم.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون ﴾ يعني من كفرهم بمحمد وتكذيبهم به ﴿ وما يعلنون ﴾ حين قالوا للمؤمنين: آمنا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَتَطْمَعُونَ ﴾ خطاب المؤمنين أن ﴿ يُؤْمِنُواْ ﴾ يعني: اليهود، وتعدّى باللام لما تضمن معنى الانقياد ﴿ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ﴾ السبعون الذي يسمع كلام الله على الطور ثم حرفوه، وقيل بنو إسرائيل حرفوا التوراة ﴿ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ بيان لقبح حالهم ﴿ قالوا ﴾ قالها رجل ادعى الإسلام من اليهود، وقيل: قالوها ليدخلوا إلى المؤمنين ويسمعوا إلى أخبارهم ﴿ أَتُحَدِّثُونَهُم ﴾ توبيخ ﴿ بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ فيه ثلاثة أوجه؛ بما حكم عليهم من العقوبات، وبما في كتبهم من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، وبما فتح الله عليهم من الفتح والإنعام، وكل وجه حجة عليهم، ولذلك قالوا: ﴿ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ قيل: في الآخرة وقيل: أي في حكم ربكم وما أنزل في كتابه، فعنده بمعنى حكمه ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ من بقية كلامهم توبيخاً لقولهم.

﴿ أَوَلاَ يَعْلَمُونَ ﴾ الآية من كلام الله رداً عليهم وفضيحة لهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إلا أماني ﴾ حيث كان خفيفاً: يزيد إلا قوله ﴿ تلك أمانيهم ﴾ ﴿ وليس بأمانيكم ولا أماني ﴾ ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ فإن أربعتهن بالإسكان عنده ﴿ بأيديهم ﴾ بضم الهاء: يعقوب، وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة ﴿ خطيآته ﴾ بالجمع: أبو جعفر ونافع.

الوقوف: ﴿ يعلمون ﴾ (ه) ﴿ آمنا ﴾ (ج) والوصل أجوز لبيان حالتيهما المتناقضتين وهو المقصود ﴿ عند ربكم ﴾ (ط) ﴿ أفلا تعقلون ﴾ (ه) ﴿ يعلنون ﴾ (ه) ﴿ يظنون ﴾ (ج) ﴿ قليلاً ﴾ (ط) ﴿ يكسبون ﴾ (ه) ﴿ معدودة ﴾ (ط) ﴿ ما لا تعلمون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن الجملة مبتدأ وخبر بعد خبر.

﴿ خالدون ﴾ (ه) ﴿ الجنة ﴾ (ج) ﴿ خالدون ﴾ (ه).

التفسير: لما ذكر الله  وتعالى قبائح أسلاف اليهود وسوء معاملتهم مع نبيهم، أردفها قبائح أخلافهم المعاصرين لرسول الله  فكأنه قيل: إذا كان هذا أفعالهم فيما بينهم، فكيف تطمعون أيها النبي  والمؤمنون في أن يؤمنوا أي يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم؟

كقوله ﴿ فآمن له لوط ﴾ ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ طائفة من أسلافهم ﴿ يسمعون كلام الله ﴾ وهو ما يتلونه من التوراة ﴿ ثم يحرفونه ﴾ كما حرفوا صفة رسول الله  وآية الرجم.

وقيل: هم قوم من الذين حضروا الميقات، سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به ونهى عنه ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس ﴿ من بعد ما عقلوه ﴾ فهموه وضبطوه بعقولهم من غير ما شبهة ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم مفترون كذابون.

والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك كما تقول للرجل: كيف تطمع أن يفلح فلان وأستاذه فلان يأخذ عنه لا عن غيره؟

فهؤلاء المقلدة لا يقبلون إلا قول معلميهم وأحبارهم الذين تعمدوا التحريف عناداً أو لضرب من الأغراض الدنيوية ﴿ وإذا لقوا ﴾ أي اليهود قال منافقوهم: آمنا بأنكم على الحق ونشهد أن صاحبكم صادق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا.

﴿ وإذا خلا بعضهم ﴾ الذين لم ينافقوا ﴿ إلى بعض ﴾ الذين نافقوا ﴿ قالوا ﴾ عاتبين عليهم ﴿ أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ﴾ بما بين لكم في التوراة من نعته وصفته مأخوذ من قولهم "قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه، أو قال المنافقون لغيرهم يرونهم التصلب في دينهم: أتحدثونهم إنكاراً عليهم أن يفتحوا عليهم شيئاً في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود ﴿ ليحاجوكم به عند ربكم ﴾ ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه.

جعلوا محاجتهم به وقولهم "هو في كتابكم هكذا" محاجة عند الله.

ألا تراك تقول: هو في كتاب الله كذا وهو عند الله كذا بمعنى واحد؟

وعن الحسن: ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم  من اتباع الرسل محاجة فيه أي دينه.

وقال الأصم: يحاجوكم يوم القيامة عند المساءلة فيكون زيادة في توبيخكم، فكان القوم يعتقدون أن ذلك مما يزيد في فضيحتهم في الآخرة.

وقيل: ليحاجوكم به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه: أزحت علتك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي، فإن قبلت أحسنت إلى نفسك، وإن جحدت كنت الخاسر الخائب.

وقيل: لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله كما يقال: فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي.

وهذا عند الشافعي كذا، وعند أبي حنيفة كذا ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه فإنكم إذا حدثتموهم بالذي يحاجونكم به رجع وباله عليكم ﴿ أو لا يعلمون أن الله يعلم ﴾ جميع ﴿ ما يسرون وما يعلنون ﴾ ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان، خوّفهم الله  بذلك لأنهم كانوا يعرفون أن الله يعلم السر والعلانية ﴿ ومنهم أميون ﴾ لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها كأنه منسوب إلى الأم وهو أصل الشيء، فالأمي على أصل فطرته لم يكتسب علماً وكتابة ﴿ لا يعلمون الكتاب ﴾ التوراة ﴿ إلا أماني ﴾ وأحدها أمنية على أفعولة من مني إذا قدر.

تقول: منه تمنيت الشيء ومنيته غيري تمنية، لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوّز ما يتمناه، وأماني اليهود هي أن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وما يمنيهم الأحبار من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة.

وقيل: الأماني الأكاذيب المختلفة التي سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد.

يقال: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته؟

وذلك أن المختلق يقدر أن كلمة كذا بعد كذا.

وفي الصحاح أنه مقلوب المين وهو الكذب.

وقيل: إلا ما يقرأون من قولهم "تمنيت الكتاب قرأته" قال الشاعر يرثي عثمان: تمنـــى كتــــاب الله أوّل ليلـــــــة *** وآخرهــــا لا فـــي حمــــام المقـــــادر والقارئ مقدر الكلمات كالمختلق، وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً كأنه قيل: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه.

ثم إ نهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وعلى الأول يكون استثناء منقطعاً.

ومن قرأ ﴿ أماني ﴾ بالتخفيف حذف المد كما يقال مفاتح ﴿ وإن هم إلا يظنون ﴾ كالمحقق لما تقدمه من قوله ﴿ لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ ذكر الفرقة الضالة المضلة المحرفة، ثم الفرقة المنافقين منهم، ثم الفرقة المجادلة لأهل النفاق، ثم العوام المقلدة، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن للعالم أن يعمل بعلمه وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن إن كان متمكناً من العلم ولا سيما في أصول الدين، الويل كلمة يقولها كل مكروب، وعن ابن عباس: أنه العذاب الأليم.

وعن الثوري: صديد أهل الجحيم.

وعن رسول الله  : "واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره" وقال عطاء بن يسار: الويل واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره.

ولا شبهة في دلالتها على نهاية الوعيد والتهديد ﴿ يكتبون الكتاب ﴾ المحرف ﴿ بأيديهم ﴾ تأكيد كما تقول للمنكر هذا ما كتبته بيمينك.

حكى عنهم أمرين: كتبة الكتاب وإسناده إلى الله.

فالوعيد مرتب على كل منهما وعلى مجموعهما إلا أنه على الثاني أبلغ ولهذا جيء بــ "ثم" وقوله ﴿ ليشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ تنبيه على شقاوتهم، فإنهم استبدلوا النفع الحقير العاجل الزائل بالأجر العظيم الآجل الدائم ﴿ فويل لهم مما كتبت أيديهم ﴾ أي مما أسلفت من كتبها ما لم يكن يحل لهم ﴿ وويل لهم مما يكسبون ﴾ بذلك بعد من الرشا على التحريف وفي إعادة الويل في الكسب دليل على أن الوعيد كما يلحقهم بسبب الكتبة وإسنادها إلى الله، فكذلك يلحقهم بسبب أخذ المال عليه ليعلم أن أخذ المال على الباطل محرم وإن كان بالتراضي ﴿ وقالوا لن تمسنا النار ﴾ نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو جزمهم بأن الله  لا يعذبهم إلا أياماً معدودة قليلة، وهذا الجزم مما لا سبيل إليه بالعقل ألبتة، ولا دليل له سمعياً فلا يجزم به عاقل.

والأيام المعدودة قالوا: أربعون يوماً هي أيام عبادة العجل.

وعن مجاهد قالوا: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً لأن يوماً عند الله ألف سنة.

وأيام معدودة ومعدودات كلاهما فصيح مثل الأيام مضت ومضين.

والعهد ههنا يجري مجرى الوعد والخبر، لأن خبره  كالعهود المؤكدة منا بالقسم والنذر.

و ﴿ أتخذتم ﴾ استفهام بطريق الإنكار، وإنه يدل على عدم الدليل السمعي.

﴿ فلن يخلف الله عهده ﴾ لتنزهه  عن كل نقيصة وخلاف الخبر أنقص النقائص.

فإن قيل: هب أن الخلف في الوعد لؤم ونقيصة، لكنه في الوعيد كرم ولطف.

قلنا: الخلف من حيث هو كذب قبيح لا يجوّزه كامل، ولعل للكرم طريقاً آخر سوى هذا فتأمل.

و "أم" إما معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقدير لأن العلم واقع بكون أحدهما وهذا من الكامل المنصف نحو ﴿ وإِنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ ، ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى "بل أتقولون" كأنه أعرض عن الاستفهام الأول واستأنف سؤالاً ثانياً.

فالاستفهام الأول لتقرير النفي، والاستفهام الثاني لتقرير الإثبات.

وفي الآية تنبيه على أن القول بغير دليل باطل وأن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلا لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي.

ولا حجة لمنكري القياس وخبر الواحد فيه لأنه لما دل الدليل على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد، كان وجوب العمل معلوماً فكان القول به قولاً بالمعلوم ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله ﴿ لن تمسنا النار ﴾ أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله  ﴿ هم فيها خالدون ﴾ عن ابن عباس: وجد أهل الكتاب ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين فقالوا: لن نعذب في النار إلا ما وجدنا في التوراة، وإذا كان يوم القيامة أقحموا في النار فساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شفير سقر وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزنة أهل النار: يا أعداء الله، زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياماً معدودة، فقد انقضى العدد وبقي الأبد.

قلت: وفي مثل حالهم ضلال الفلاسفة القائلين بأن الأرواح وإن صارت مكدرة بقبائح أفعال الأشباح، إلا أنها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من قبائح الأعمال إلا أياماً معدودة بقدر فطام الأرواح عن لبان التمتعات الحيوانية، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى حسن المآب.

ومنهم من زعم أن استيفاء اللذات الحسية يقلل التعلقات الدنيوية ويسهل عروج الروح إلى عالمه العلوي، وكل هذا خيال فاسد ومتاع كاسد، وإنه قول من لم يجرب ولم يجد من نفسه أنها كيف تتدنس وتتكدر بالأخلاق الذميمة البهيمية والسبعية، وكيف تتصفى وتتطهر بالأخلاق الحميدة الروحانية الملكية، فغمر بصدإ مرآة القلب بحيث لا يبقى فيه شيء من الصفاء الفطري ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون  ﴾ فلا يجلوها إلا مرور الدهور وكرور الأعصار.

وقد ينضم الكفر إلى تلك الأخلاق فيبقى خالداً مخلداً في النار، في ويل طويل وزفير وعويل، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

والسيئة أصلها سيوئة من ساءه يسوءه سوأ ومساءة، فقلبت الواو ياء وأدغمت، وهي من الصفات الغالبة.

وقوله ﴿ سيئة ﴾ يتناول جميع المعاصي صغرت أو كبرت، فضم إليها شرط آخر وهو كون السيئة محيطة به ليختص بالكبيرة.

ولفظ الإحاطة حقيقة في المجسمات إحاطة السور بالبلد والظرف بالمظروف، فنقل إلى الخطيئة وهي عرض لمعنيين من جهة أن المحيط يستر المحاط به.

والكبيرة تستر الطاعات، ومن جهة أن الكبيرة تحبط الطاعات وتستولي عليها إحاطة العدو بالإنسان بحيث لا يتمكن الإنسان من الخلاص عنهم.

والآية وإن وردت في اليهود فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبمثلها تتمسك المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة، وفسر غيرهم الخطيئة المحيطة بالكفر فيه تتحقق الإحاطة التامة.

واعلم أن في المسألة خلافاً لأهل القبلة.

منهم من قطع بوعيدهم إما مؤبداً - وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج - وإما منقطعاً - وهو قول بشر المريسي والخالدي ومنهم من قطع بأنه وعيد لهم وينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر.

والذي عليه أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والإمامية، القطع بأنه  يعفو عن بعض العصاة، وأنه إذا عذب أحدهم فلا يعذبه أبداً، لكنا نتوقف في حق البعض المعفو عنه والبعض المعذب على التعيين.

أما المعتزلة فاستدلوا بعمومات وردت في وعيد الفساق كقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها  ﴾ وقوله ﴿ وإن الفجار لفي جحيم  ﴾ وقوله ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ ومن الحديث "من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة.

ومن قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" وعن أبي سعيد الخدري قال  "والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا دخل النار" وإذا استحقوا النار ببغضهم فلأن يستحقوا النار بقتلهم أولى.

وأجيب بالمنع من أن هذه الصيغ للعموم بدليل صحة إدخال الكل والبعض عليها نحو: كل من دخل داري فله كذا، أو بعض من دخل.

ولا يلزم منه تكرير ولا تناقض، ولأن الأكثر قد يطلق عليه لفظ الكل، ولاحتمال المخصصات.

القاطعون بنفي العقاب عن أهل الكبائر احتجوا بنحو قوله  ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين  ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله  ﴾ ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم  ﴾ ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى.

الذي كذب وتولى  ﴾ وبالعمومات الواردة في الوعد مثل ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك  ﴾ الآية.

حكم بالفلاح على كل من آمن.

وعورض بعمومات الوعيد.

أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض والتوقف في البعض، فقد تمسكوا بنحو قوله عز من قائل ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وبأن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضتا فلا بد من الترجيح لجانب الوعد بصرف التأويل إليه، لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف، وإهمال الوعد باضد.

وأيضاً القرآن مملوء من قوله ﴿ عفواً غفوراً ﴾ ﴿ رحيماً ﴾ ﴿ كريماً ﴾ .

وكذا الأخبار في هذا المعنى تكاد تبلغ حد التواتر.

وأيضاً إن صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان، ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر، ولا يهدمه ما سوى الكفر من المعاصي، ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة؟

إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي، وإذا دلت الآيات على الوعد والوعيد فلا بد من التوفيق بينهما.

فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب ثم إلى دار العقاب وهو باطل بالإجماع، أو يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب.

واعلم أن مذهب الأصحاب إلى الأدب أقرب من حيث إنهم يصفونه بصفات الجمال كالعفو والمغفرة، وبصفات الجلال كالقهر والانتقام، ولكن لا يوجبون عليه ثواباً ولا عقاباً، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

ومن حيث إنهم لا يعينون البعض المستحق للثواب ولا البعض المستحق للعقاب من المسلمين، لأن فعله مبرأ عن التعلل بلواحق الغايات وسوابق البواعث.

ومذهب المعتزلة إلى الاحتياط أقرب، فإن من خوّفك حتى تبلغ الأمن خير ممن أمنك حتى تبلغ الجوف.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ﴾ .

قيل: الآية - وإن خرجت على عموم الخطاب - فالمراد منها الخصوص، وهو الرسول  .

وإلى هذا يذهب أَكثر أَهل التفسير.

وقيل: المراد منها - بعموم الخطاب - العموم؛ يعني: النبيَّ  ، وأَصحابه؛ وكأَنها خرجت على النهي عن طمع الإيمان منهم، كأَنه قال: لا تطمعوا في إيمانهم.

كقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ  ﴾ ؛ أي: لا تُنقذ.

وكقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ  ﴾ ؛ أَي: لا تسمع الصم.

وقوله: ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ...

﴾ الآية.

لقائلٍ أن يقول: أَليس فيما كان فريقٌ منهم يسمعُون كلام الله ثم يحرفونه ما يجب أَن يدفع الطمع عن إيمان هؤلاء؟

فهو - والله أعلم - لوجهين: أَحدهما: أَنهم كانوا أصحاب تقليد؛ كقوله: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ  ﴾ .

فأَخبر - عز وجل - أَن هؤلاء - وإن رأَوْا الآيات العجيبة - فإنهم لا يؤمنون أَبداً؛ لأَنهم أَصحاب تقليد، لا ينظرون إلى الحجج والآيات.

والثاني: أَنهم - معَ كثرة ما عاينوا من الآيات، وشاهدوا من العجائب في عهد رسول الله موسى  - لم يطمع في إيمانهم، فيكف طمعتم أَنتم في إيمان هؤلاء، وهم أَتباعهم؟

والله الموفق.

ولهذا وجهان آخران: أحدهما: كأَنه قال: لا تطمع في إيمانهم؛ لأَنهم - في علم الله على ما عليه من ذكر.

والثاني: لأن أولئك كانوا خيراً من هؤلاءِ، وأَرغبَ في الحق منهم، ثم لم يؤمنوا مع سماع الحجج، وما يجب به الإيمان، فكيف تطمع في إيمان هؤلاء؟

وقوله: ﴿ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أنه من عند الله، ويعلمون أَنه رسول الله، وأَنه حقّ.

وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا ﴾ .

فقد ذكرنا فيما تقدم أَنها في المنافقين نزلت.

وقوله: ﴿ وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: خلا بعض المنافقين إلى بعض، قالوا: أَتحدثونهم بكذا.

ويحتمل: خلاء المنافقين إلى اليهود.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

قيل: فتح الله؛ قصَّ الله.

وقيل: فتح الله؛ بيَّن الله.

وقيل: فتح الله؛ قضى الله.

وقيل: منّ الله عليكم في التوراة.

وكله يرجع إلى واحد.

وقوله: ﴿ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ .

أي: باعترافكم عند هؤلاءِ.

ويحتمل: على إضمار رسول الله  كأَنه قال: ليحاجوكم بإقراركم عند رسول الله  .

ويحتمل: على معنى ليحاجوكم به عند ربكم أي في ربكم؛ إذ العرب تستعمل حروف الخفض بعضها في موضع بعض.

ويحتمل: عند ربكم، أَي: يوم القيامة.

ويكون ليحاجوكم بما عند الله؛ أَي: بالذي جاءكم من عند الله.

لكن لقائل أَن يقول: ما معنى ذكرِ المحاجَّةِ عند ربكم، والمحاجةُ يومئذٍ لا تكون إلا عنده، ولا تكون ليحاجوكم بها عند الله؛ أَي: بالذي جاءَكم من عند الله؟

قيل: لأَن ذلك أَشد إِظهاراً، وأَقلّ كتماناً؛ لما سبق منهم الإِقرارُ بذلك؛ لذلك نهوا عن ذلك، لأَنهم كانوا يَنْهوْن أولئك عن الإِقرار بالإِيمان عند المؤمنين، وإظهار ما في التوراة من بَعث رسول الله  وَصِفته.

وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أَنَّ هذه حجةٌ لهم عليكم، حيث تعترفون به، وتظهرون نعته وصفته ثم لا تبايعونه.

ويحتمل: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أَنه حق.

وقوله: ﴿ أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .

قيل: ﴿ مَا يُسِرُّونَ ﴾ في الخلوة؛ من الكفر به والتكذيب له ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ لأصحابه؛ من التصديق له والإِيمان به.

وقيل: ﴿ مَا يُسِرُّونَ ﴾ من كتمان نعته وصفته.

﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ من إظهار نعته وصفته الذي في التوراة.

ويحتمل: ما يُسِرُّ هؤلاءِ لهم من النهي عن إظهار ما في التوراة، وما يُعْلِنُ هؤلاء للمؤمنين من إظهار نعته وصفته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

يقول: مِنَ اليهود من لا يقرأ التوراة ولا يعرفها، إلا أَن يحدثهم العلماء والرؤساء عنها.

والأُمِّيُّ: الذي لا يكتب، ولا يقرأ عن كتابة، لكنه يقرأ لا عن كتابة، كالنبي  ، كان لا يكتب، ولا يقرأ عن كتابة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ .

ويقال أَيضاً: الذي لا يقرأ ولا يكتب، لا عن كتابة، ولا؛ غير كتابة.

وقوله: ﴿ إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ .

قيل: أَحاديث باطلة يحدث لهم، وهو قول ابن عباس.

وقيل: إلا أَمانيّ، يعني إلا كذباً.

وقال الكسائي: إلا أَماني: إلا تِلاوة؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ  ﴾ يعني: في تلاوته.

وقوله: ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ ، يقول: ما هم إلا ظن يظنون في غير يقين.

وأَصله: أَي لا يعلمونَ علم الكتاب، إنما عندهم أَمانيُّ النفس وشهواتها؛ كقوله: ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: الويلُ: الشدةُ.

وقيل: الويلُ: وادٍ في جهنم.

وقيل: الويل: هو قول كلِّ مكروب وملهوف يقول: ويلٌ له بكذا.

وقوله: ﴿ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: يكتبون: يمحون نعته، وصفته عن التوراة.

ويحتمل: يكتبون: يُحْدثون كتابة، على خلاف نعته وصفته، ثم يقولون: هذا من عند الله؛ فتكون الكتابة في هذا إثباتاً؛ كقوله: ﴿ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ  ﴾ ، والمثبت: هو ذلك الملحق ليظن أنه كذلك في الأَصل.

وقوله: ﴿ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ .

ذكر لهم ثلاث ويلاتٍ: ويل؛ بإِحداث كتابة ببعث رسول الله  ومحوه وتغييره.

والثاني: بقولهم: هذا من عند الله.

والثالث: وويل لهم مما يكسبون من المأْكلة والهدايا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هؤلاء اليهود يسلكون هذا المسلك المَشِين وكأنهم يغفُلون عن أن الله يعلم ما يخفون من أقوالهم وأفعالهم وما يعلنون منها، وسيظهرها لعباده ويفضحهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.jy9nd"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان النبي  وأصحابه  يرون أن أولى الناس بالإيمان وأقربهم منه اليهود، لأنهم موحدون ومصدقون بالوحي والبعث في الجملة، ولذلك كانوا يطمعون بدخولهم في الإسلام أفواجًا، لأنه مصدق لما معهم في الجملة، ومجل لجميع شبهات الدين، وحال لجميع إشكالاته بالتفصيل، وواضع له على قواعد لا ترهق الناس عسرًا ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ  ﴾ .

كان هذا الطمع في إيمانهم مبنيًا على وجه نظري معقول لولا أنهم اكتفوا بجعل الدين رابطة جسدية جنسية، ولم يجعلوه هداية روحية، ولذلك كانوا يتصرفون فيه باختلاف المذاهب والآراء، ويحرفون كلمه عن مواضعها بحسب الأهواء، وما أعذر الله المؤمنين في طمعهم هذا إلا بعد ما قص عليهم من نبأ بني إسرائيل الذين كانوا على عهد التشريع وشاهدوا من الآيات ما علم به أنهم في المجاحدة والمعاندة على عرق راسخ ونحيزة موروثة لا يكفي في زلزالها كون القرآن مبينًا في نفسه لا يتطرق إليه شك، ولذلك بدأ السورة بوصف الكتاب بهذا وكونه هدى للمتقين من أهل الكتاب وغيرهم.

وثنى ببيان أن من الناس من يعانده ويباهته، ومنهم المذبذب الذي يميل مع الريحين، فلا يثبت مع أحد الفريقين، ثم أفاض في شرح حال بني إسرائيل الذين لم يؤمن منهم إلا قليل من أهل العلم والتقوى، وكان الأكثرون أشد الناس استكبارًا عن الإيمان وإيذاء للرسول ولمن اتبعه من المؤمنين.

و بعد هذا كله أنكر علی المؤمنين ذلك الطمع بدخول اليهود في دين الله أفواجًا، ووصل الإنكار بحجة واقعة ناهضة، تجعل تلك الحجة النظرية داحضة فعلم بهذا أن الكلام لا يزال متصلًا في موضوع الكتاب وأصناف الناس بالنسبة إلى الإيمان به وعدم الإيمان.

كلما بعد العهد جاء ما يذكر به تذكيرًا.

قال تعالى ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ﴾ كان الظاهر أن يكون الخطاب للنبي  خاصة ولكن خاطب المؤمنين معه لأنهم كانوا يشاركونه في الألم من إيذائهم والطمع بهدايتهم فأشركهم بالتسلية كما سبق، ولأن طمع بعض المؤمنين بإيمانهم كان يحملهم على الانبساط معهم في المعاشرة إلى حد الإفضاء إليهم ببعض الشؤون الملية المحضة واتخاذهم بطانة، وكان يعقب ذلك من الضرر ما يعقب حتى نهاهم الله تعالى عن اتخاذ البطانة من دون المؤمنين إذا كانوا موصوفين بأوصاف هؤلاء، وذلك قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ  ﴾ والآية الآتية تدل على هذا الإفضاء أيضًا.

أما الحجة التي وصلها بإنكار الطمع بإيمانهم للدلالة على أنه طمع في غير مطمع فهي تعمد تحريف كلام الله ممن سمعه منهم.

وذلك أن موسى اختار بأمر الله سبعين رجلًا من قومه لسماع الوحي ومشاهدة الحال التي يكلمه الله تعالى بها وقد سمعوا كلام الله تعالى على الوجه الذي لا نعرفه، وإنما نعرف أنهم صحبوه إلى حيث كان يناجي الله تعالى، وكان من شأن الله تعالى معهم أن صدقوا بأن ما جاء به موسى  هو وحي من الله تعالى.

والتصديق بذلك لا يتوقف على معرفة كيفيته وكنهه فإن أكثر ما نصدق به تصديق يقين لا نعرف حقيقته و كنهه ولا كيفية تكوينه و إيجاده، وقد كان من أولئك المختارين أنهم لما رجعوا إلى قومهم حرفوا كلام الله الذي حضروا وحيه وأذعنوا له بأن صرفوه عن وجهه بالتأويل -كما حققه ابن جرير الطبري وغيره- وهذا التحريف ثابت عندهم منصوص في التوراة والتاريخ الديني الذي يسمی التاريخ المقدس.

فدل هذا وما سبقه على أن القسوة المانعة من التأثر والتدبر، ومكابرة الحق والتفصي من عقال الشريعة، كان شنشنة قديمة فيهم، ثم تأصل فصار غريزة مطبوعة، فإعراضهم عن القرآن لا يستلزم الطعن عليه، ولا القول بجواز تسلق شيء من الريب إليه، فإنهم قد حرفوا وبدلوا، وعاندوا وجحدوا، وهم يشاهدون الآيات الحسية، ويؤخذون بالعقوبات المعاشية، فكيف يستنكر بعد هذا أن يعرضوا عن دين دلائله عقلية، وآيته الكبرى معنوية، وهي القرآن المعجز بما فيه من علوم الهداية، ودقائق البلاغة، وأنباء الغيب على أنه من أمي عاش أربعين سنة لم يؤثر عنه فيها شيء من العلم، ولم يزاحم فحول البلاغة في نثر ولا نظم، وفهم تلك الدلائل إنما يكون من ذوي العقول الحرة والقلوب السليمة، الذين لطف شعورهم، ورق وجدانهم وصحت أذواقهم.

قال ابن جرير: لو كان المراد بما هنا تحريف كلام التوراة المكتوب لما قال ﴿ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ  ﴾ فزيادة ﴿ يَسْمَعُون  ﴾ هنا لا بد لها من حكمة ولولا ذلك لجاء الكلام علی نسق الآيات الأخرى التي ذكر فيها التحريف كأن يكون"وقد كان فريق منهم يحرف كلام الله".

وقوله تعالى ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ  ﴾ نص في التعمد وسوء القصد، وإبطال لما عساه يعتذر لهم به من سوء الفهم ثم قال ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ﴾ أي كانوا يفعلون فعلتهم الشنعاء في حال العلم بالصواب واستحضاره لا أنهم كانوا على نسيان أو ذهول.

وفي هذين القيدين من النهي والتشنيع عليهم ما لا مزيد عليه.

وكيف وقد بطل بهما عذر الخطأ والنسيان، وسجل عليهم تعمد الفسوق والعصيان.

ثم بعد هذا الاحتجاج انتقل إلى بيان بعض أحوال الذين كانوا في زمن التنزيل، وقد غير الأسلوب هنا فإنه كان يحكي سيئاتهم مبتدئًا بكلمة ﴿ وَإِذَا  ﴾ لأنه تذكير بما كان في الزمان الماضي.

والابتداء بكلمة ﴿ وَإِذَا  ﴾ هنا هو المناسب في الحكاية عن حال واقعة في الحال، مستمرة في الاستقبال والمراد من حكاية أحوال الحاضرين بيان أنها مساوية لأحوال سلفهم الغابرين، وأنه لا يرجى من هؤلاء أفضل مما كان من أولئك.

قال: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ  ﴾ أفلا تعقلون.

ترشد هذه الآية إلى طور من أطوار البشر في زمن الإصلاح، وهي أن جماهير الناس يقعون في الحيرة بين الهداية الجديدة والتقاليد القديمة.

لا ينظرون إلى الحق فيتحروا اتباعه أين كان ولكنهم يفكرون في منفعتهم الخاصة.

يقولون: نخشى أن نجهر بالجديد فيخذل حزبه، ويتفرق شمله، فنكون من الخاسرين، ولا نأمن إن بقينا على القديم أن يتقلص ظله، ويذل أهله، فنكون مع الضالين.

فالحزم أن نوافق كل حزب نخلو به ونعتذر إلى الآخر إذا هو علم بما كان منا إلى أن نتبين الفوز في أحد الفريقين: فيكونون هكذا مذبذبين كما قال تعالى ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ  ﴾ إلخ الضمير في قالوا الثانية غير الضمير في قالوا الأولى كما هو ظاهر من السياق، ولا لبس فيه ولا اشتباه، ومثله مستفيض في كلام البلغاء وفي التنزيل أيضًا كقوله تعالى ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ  ﴾ فإن المنهى عن العضل الأولياء لا المطلقون.

والكلام في القرآن للمكلفين كافة فيوجه كل كلام إلى صاحبه الذي يتعين أن يكون له بقرينة الحال أو المقال.

فإذا وجه الخطاب بالطلاق إلى الأزواج لأنه لا يكون إلا منهم فكذلك يوجه الخطاب بالنهي عن العضل -وهو منع المرأة من التزوج- إلى الأولياء لأنه لا يكون إلا منهم.

وعلى هذه الطريقة يتخرج قوله ﴿ قَالُوا آمَنَّا  ﴾ وقوله ﴿ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ  ﴾ فالكلام في مجموع اليهود، ويوجه الأول إلى الذين يلاقون المؤمنين (والثاني) إلى الذين يلاقيهم هؤلاء من قومهم ويعذلونهم على الإفضاء إلى المؤمنين بما فتح الله عليهم.

المراد بالفتح هنا الإنعام بالشريعة والأحكام، والبشارة بالنبي  ، شبه الذي يعطي الشريعة بالمحصور يفتح عليه فيخرج من الضيق.

أو معنى ﴿ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ  ﴾ بما حكم به وأخذ به الميثاق عليكم من الإيمان بالنبي الذي يجيئكم مصدقًا لما معكم ونصره.

وقوله ﴿ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ  ﴾ معناه يقيمون به عليكم الحجة من كتاب ربكم وهو التوراة من حيث أن ما تحدثونهم به موافق لما في القرآن فلهم أن يقولوا: لولا أن محمدًا نبي لما علم بهذا الذي حكاه عنكم وقد كان مثلنا لا يعرف من أمر الكتاب شيئًا: هذا ما جرى عليه المحققون في تفسير ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ  ﴾ وهو أنه بمعنى في كتابه فهو كقوله في أهل الإفك ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ  ﴾ أي في حكمه المبين في كتابه.

وذهب مفسرنا "الجلال" إلى أن معناه المحاجة في الأخرة.

والنظم لا يأباه، ولكن فيه اعترافًا من اللائمين المؤنبين بأن المسلمين على الحق الذي لا ينجي عند الله سواه.

ومن اعتقد هذا لا يجعله تعليلًا للإنكار على من يراه من قومه يحدث المؤمنين بما يوافقهم ويقوي حجتهم، بل فيه أيضًا أن ترك تحديثهم لا يمنعها في الآخرة.

مثل هذه الذبذبة تكون من الأمم في طور الضعف ولا سيما ضعف الإرادة والعلم، ولو كان لأولئك القوم إرادة قوية لثبتوا ظاهرًا على ما يعتقدونه باطلًا ولم يصانعوا مخالفيهم من أهل الملة الأولى أو الملة الآخرة، وقد وبخهم الله تعالى وأنكر عليهم هذا التلون والدهان في الدين ولقاء كل فريق بوجه يظهرون له ما يسرون من أمر الآخر فقال ﴿ أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ  ﴾ يعني أيقول اللائمون أو المنافقون كلهم ما قالوا، ويكتمون من صفات النبي  ما كتموا، ويحرفون من كتابهم ما حرفوا، ولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون من كفر وكيد، وما يعلنون من إظهار إيمان وود، فإن كانوا مؤمنين بإحاطة علمه تعالى فلم لا يحفلون باطلاعه على ظواهرهم، وإحاطته بما يجول في أطواء ضمائرهم، وبما يترتب على علمه من خزي في الدنيا وعذاب في الأخرة.

وهو الذي يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وإنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه، فإذا هو صارعه صرعه، والعاقبة للتقوى.

قال تعالى ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ  ﴾ .

ذلك الذي تقدم هو شأن علمائهم: يحرفون كتاب الله ويخرجون من حكمه بالتأويل، وهذا هو شأن عامتهم: لا علم لهم بشيء من الكتاب، ولا معرفة لهم بالأحكام، وما عندهم من الدين فهو أماني يتمنونها وتجول صورها في خيالاتهم، وهذه الصور هي كل ما عندهم من العلم بدينهم، وما هم على بينة منها، وإنما هي ظنون يلهون بها.

وهذا هو محل الذم لا مجرد كونهم أميين، فإن الأمي قد يتلقى العلم من العلماء الثقات ويعقله عنهم بدليله فيكون علمه صحيحًا وهؤلاء لم يكونوا كذلك.

فإن قيل: لم سمي ما كانوا عليه من الأماني ظنًا مع أنهم أخذوه عن رؤساء دينهم الموثوق بهم عندهم وسلموه تسليمًا فلم يكن في نفوسهم ما يخالفه ومثل هذا يسمى اعتقادًا وعلمًا؟

نقول: إنما العلم بالدليل، ولا يسمى مثل ذلك علمًا إلا من لا يعرف معنى العلم.

على أنه لم يكن راجحًا ومسلمًا إلا لأن مقابله لم يخطر ببالهم، ولو أورد عليهم لتزلزل ما عندهم ثم زال، أو ظهر فيه الشك وتطرق إليه الاحتمال، ويصح أن يقال في مثل هؤلاء إن الظن أو التردد كان نائمًا في نفوسهم وهو عرضة لأن يوقظه نقيضه ويذهب به متى طرأ.

ونوم الظن لا يصح أن يسمى اعتقادًا.

هذه الأماني توجد في كل الأمم في حال الضعف والانحطاط، يفتخرون بما بين أيديهم من الشريعة وبسلفهم الذين كانوا مهتدين بها وبما لهم من الآثار التي كانت ثمرة تلك الهداية، وتسول لهم الأماني أن ذلك كافٍ في نجاتهم وسعادتهم وفضلهم على سائر الناس.

هكذا كان اليهود في زمن التنزيل، و قد اتبعنا سننهم وتلونا تلوهم فظهر فينا تأويل الحديث الصحيح "لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع".

وإننا نقرأ أخبارهم فنسخر منهم ولا نسخر من أنفسنا، ونعجب لهم كيف رضوا بالأماني ونحن غارقون فيها.

ثم إن الآية تدل على بطلان التقليد وعدم الاعتداد بإيمان صاحبه وقد مضى على هذا إجماع الصدر الأول وأهل القرون الثلاثة، وإنما كان الجاهل يأخذ عن العالم العقيدة ببرهانها والأحكام بروايتها، ولا يتقلد رأيه كيفما كان، من غير بينة ولا برهان.

وفسر بعضهم الأماني بالأكاذيب ابتداء ومنهم من فسرها بالقراءات أي أنهم لاحظ لهم من الكتاب إلا قراءة ألفاظه من غير فهم ولا اعتبار يظهر أثرهما في العمل.

فهو على حد ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا  ﴾ وقد ورد التمني بمعنى القراءة ومنه قول الشاعر: تمني كتاب الله أول ليله تمني داود الزبور علی رسل وهذا النوع من التمني قد برز فيه المسلمون حتى سبقوا من قبلهم فقد أمسوا أكثر الأمم تلاوة لكتابهم وأقلهم فهمًا له واهتداء به.

إنما يحسن تفسير هذه الآيات من كان على علم بتاريخ اليهود في ذلك العصر ووقوف على حالهم، وإن كانت إلا نسخة من حال بعض الشعوب الموجودين الآن..

كانوا أكثر الناس مراء وجدالًا في الحق وإن كان بينًا باهرًا، وأشد الناس كذبًا وغرورًا وأكلًا لأموال الناس بالباطل كالربا الفاحش وغشًا وتدليسًا وتلبيسًا، وكانوا مع ذلك يعتقدون أنهم شعب الله الخاص وأفضل الناس كما يعتقد أشباههم في هذا الزمان.

فهذه هي الأماني التي صدتهم عن قبول الإسلام.

وأما اللفظ والنظم ففيه أن قوله تعالى ﴿ إِلاَّ أَمَانِيَّ  ﴾ استثناء منقطع والعلم المنفي قاصر لا يشمل الأماني.

ويصح أن يكون متعديًا والآية على حد قولهم "ما علمت فلانًا إلا فاضلًا" ويكون المعنى أنهم إنما يعلمون من الكتاب أنه مجموعة أماني يمنونها أنفسهم، فهم لا يأخذون منه إلا ما هو لهم ويمدهم في غرورهم، وأما ما ينبههم على سيئات أعمالهم فكأنه غير معروف لهم من الكتاب .

ثم قال جل ثناؤه: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله