الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٧٨ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 114 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( ومنهم أميون ) أي : ومن أهل الكتاب ، قاله مجاهد : والأميون جمع أمي ، وهو : الرجل الذي لا يحسن الكتابة ، قاله أبو العالية ، والربيع ، وقتادة ، وإبراهيم النخعي ، وغير واحد وهو ظاهر في قوله تعالى : ( لا يعلمون الكتاب ) [ إلا أماني ] ) أي : لا يدرون ما فيه .
ولهذا في صفات النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمي ; لأنه لم يكن يحسن الكتابة ، كما قال تعالى : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ) [ العنكبوت : 48 ] وقال عليه الصلاة والسلام : " إنا أمة أمية ، لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا " الحديث .
أي : لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب وقال تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) [ الجمعة : 2 ] .
وقال ابن جرير : نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتاب دون أبيه ، قال : وقد روي عن ابن عباس ، رضي الله عنهما قول خلاف هذا ، وهو ما حدثنا به أبو كريب : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : ( ومنهم أميون ) قال : الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله ، ولا كتابا أنزله الله ، فكتبوا كتابا بأيديهم ، ثم قالوا لقوم سفلة جهال : ( هذا من عند الله ) وقال : قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم ، ثم سماهم أميين ، لجحودهم كتب الله ورسله .
ثم قال ابن جرير : وهذا التأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم .
وذلك أن الأمي عند العرب : الذي لا يكتب .
قلت : ثم في صحة هذا عن ابن عباس ، بهذا الإسناد ، نظر .
والله أعلم .
قوله تعالى : ( إلا أماني ) قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : ( إلا أماني ) إلا أحاديث .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : ( إلا أماني ) يقول : إلا قولا يقولونه بأفواههم كذبا .
وقال مجاهد : إلا كذبا .
وقال سنيد ، عن حجاج ، عن ابن جريج عن مجاهد : ( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ) قال : أناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئا ، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله ، ويقولون : هو من الكتاب ، أماني يتمنونها .
وعن الحسن البصري ، نحوه .
وقال أبو العالية ، والربيع وقتادة : ( إلا أماني ) يتمنون على الله ما ليس لهم .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( إلا أماني ) قال : تمنوا فقالوا : نحن من أهل الكتاب .
وليسوا منهم .
قال ابن جرير : والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس ، وقال مجاهد : إن الأميين الذين وصفهم الله أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزل الله على موسى شيئا ، ولكنهم يتخرصون الكذب ويتخرصون الأباطيل كذبا وزورا .
والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه .
ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه : " ما تغنيت ولا تمنيت " .
يعني ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون ) ولا يدرون ما فيه ، وهم يجحدون نبوتك بالظن .
وقال مجاهد : ( وإن هم إلا يظنون ) يكذبون .
وقال قتادة : وأبو العالية ، والربيع : يظنون الظنون بغير الحق .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (ومنهم أميون)، ومن هؤلاء -اليهود الذين قص الله قصصهم في هذه الآيات, وأيأس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من إيمانهم فقال لهم: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ ، وهم إذا لقوكم قالوا: آمنا، كما:- 1352 - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (ومنهم أميون)، يعني: من اليهود.
1353 - وحُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.
1354 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (ومنهم أميون)، قال: أناس من يهود.
* * * قال أبو جعفر: يعني بـ " الأميين " ، الذين لا يكتبون ولا يقرءون.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " (1) يقال منه: " رجل أمي بين الأمية ".
(2) كما:- 1356 - حدثني المثنى قال، حدثني سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن &; 2-258 &; المبارك, عن سفيان, عن منصور، عن إبراهيم: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب)، قال: منهم من لا يحسن أن يكتب.
(3) 1357 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ومنهم أميون) قال: أميون لا يقرءون الكتاب من اليهود.
* * * وروي عن ابن عباس قول خلاف هذا القول, وهو ما:- 1358 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (ومنهم أميون)، قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله, ولا كتابا أنـزله الله, فكتبوا كتابا بأيديهم, &; 2-259 &; ثم قالوا لقوم سِفلة جهال: هذا من عند الله.
وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم, ثم سماهم أميين، لجحودهم كتب الله ورسله.
(4) * * * قال أبو جعفر: وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم, وذلك أن " الأمي" عند العرب: هو الذي لا يكتب.
* * * قال أبو جعفر: وأرى أنه قيل للأمي" أمي"؛ نسبة له بأنه لا يكتب إلى " أمه ", لأن الكتاب كان في الرجال دون النساء, فنسب من لا يكتب ولا يخط من الرجال -إلى أمه- في جهله بالكتابة، دون أبيه، كما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب "، وكما قال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [ الجمعة: 2].
(5) فإذا كان معنى " الأمي" في كلام العرب ما وصفنا, فالذي هو أولى بتأويل الآية ما قاله النخعي، من أن معنى قوله: (ومنهم أميون): ومنهم من لا يحسن أن يكتب.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (لا يعلمون الكتاب)، لا يعلمون ما في الكتاب الذي أنـزله الله، ولا يدرون ما أودعه الله من حدوده وأحكامه وفرائضه، كهيئة البهائم, كالذي:- 1359 - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا &; 2-260 &; معمر, عن قتادة في قوله,(ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني): إنما هم أمثال البهائم، لا يعلمون شيئا.
1360 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (لا يعلمون الكتاب)، يقول: لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه.
1361 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (لا يعلمون الكتاب) لا يدرون ما فيه.
1362 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (لا يعلمون الكتاب) قال: لا يدرون بما فيه.
1363 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (لا يعلمون الكتاب)، لا يعلمون شيئا, لا يقرءون التوراة.
ليست تستظهر، إنما تقرأ هكذا.
فإذا لم يكتب أحدهم، لم يستطع أن يقرأ.
(6) 1364 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله,(لا يعلمون الكتاب)، قال: لا يعرفون الكتاب الذي أنـزله الله.
* * * قال أبو جعفر: وإنما عني بـ " الكتاب ": التوراة, ولذلك أدخلت فيه " الألف واللام " لأنه قصد به كتاب معروف بعينه.
* * * ومعناه: ومنهم فريق لا يكتبون، ولا يدرون ما في الكتاب الذي عرفتموه الذي هو عندهم - وهم ينتحلونه ويدعون الإقرار به - من أحكام الله وفرائضه، وما فيه من حدوده التي بينها فيه.
[واختلف أهل التأويل في تأويل قوله] (7) (إلا أماني) فقال بعضهم بما:- &; 2-261 &; 1365 - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (إلا أماني)، يقول: إلا قولا يقولونه بأفواههم كذبا.
1366 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (لا يعلمون الكتاب إلا أماني): إلا كذبا.
1367 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، مثله.
* * * وقال آخرون بما:- 1368 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (إلا أماني)، يقول: يتمنون على الله ما ليس لهم.
1369 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: (إلا أماني)، يقول: يتمنون على الله الباطل وما ليس لهم.
1370 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح,[عن معاوية بن صالح]، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (لا يعلمون الكتاب إلا أماني)، يقول: إلا أحاديث.
1371 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني)، قال: أناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئا, وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله, ويقولون: هو من الكتاب.
أماني يتمنونها.
1372 - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (إلا أماني)، يتمنون على الله ما ليس لهم.
1373 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (إلا أماني)، قال: تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب.
وليسوا منهم.
* * * &; 2-262 &; قال أبو جعفر: وأولى ما روينا في تأويل قوله: (إلا أماني)، بالحق، وأشبهه بالصواب, الذي قاله ابن عباس - الذي رواه عنه الضحاك - وقول مجاهد: إن " الأميين " الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية، أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنـزله الله على موسى شيئا, ولكنهم يتخرصون الكذب ويتقولون الأباطيل كذبا وزورا.
(8) * * * و " التمني" في هذا الموضع, هو تخلق الكذب وتخرصه وافتعاله.
يقال منه: " تمنيت كذا "، إذا افتعلته وتخرصته.
ومنه الخبر الذي روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: " ما تغنيت ولا تمنيت "، (9) يعني بقوله: " ما تمنيت "، ما تخرصت الباطل، ولا اختلقت الكذب والإفك.
* * * والذي يدل على صحة ما قلنا في ذلك - وأنه أولى بتأويل قوله: (إلا أماني) من غيره من الأقوال - قول الله جل ثناؤه: وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ .
فأخبر عنهم جل ثناؤه أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب، ظنا منهم لا يقينا.
ولو كان معني ذلك أنهم " يتلونه "، لم يكونوا ظانين, وكذلك لو كان معناه: " يشتهونه ".
لأن الذي يتلوه، إذا تدبره علمه.
ولا يستحق - الذي يتلو كتابا قرأه، وإن لم يتدبره بتركه التدبر أن يقال: هو ظان لما يتلو، إلا أن يكون شاكا في نفس ما يتلوه، لا يدري أحق هو أم باطل.
ولم يكن القوم - الذين كانوا يتلون التوراة على عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود -فيما بلغنا- &; 2-263 &; شاكين في التوراة أنها من عند الله.
وكذلك " المتمني" الذي هو في معنى " المشتهي" غير جائز أن يقال: هو ظان في تمنيه.
لأن التمني من المتمني، إذا تمنى ما قد وجد عينه.
فغير جائز أن يقال: هو شاك، فيما هو به عالم.
لأن العلم والشك معنيان ينفي كل واحد منهما صاحبه، لا يجوز اجتماعهما في حيز واحد.
والمتمني في حال تمنيه، موجود تمنيه، فغير جائز أن يقال: هو يظن تمنيه.
(10) * * * وإنما قيل: (لا يعلمون الكتاب إلا أماني)، والأماني من غير نوع " الكتاب ", كما قال ربنا جل ثناؤه: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [ النساء: 157] و " الظن " من " العلم " بمعزل.
وكما قال: وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [ الليل: 19-20]، وكما قال الشاعر: (11) ليس بينــي وبيــن قيس عتــاب غــير طعــن الكُــلَى وضـرب الرقـاب (12) وكما قال نابغة بني ذبيان: حــلفت يمينــا غـير ذي مَثْنَويـة, ولا علـم إلا حسـنَ ظـن بصـاحب (13) &; 2-264 &; في نظائر لما ذكرنا يطول بإحصائها الكتاب.
(14) ويخرجُ بـ " إلا " ما بعدها من معنى ما قبلها ومن صفته, وإن كان كل واحد منهما من غير شكل الآخر ومن غير نوعه.
ويسمي ذلك بعض أهل العربية " استثناء منقطعا "، لانقطاع الكلام الذي يأتي بعد " إلا " عن معنى ما قبلها.
وإنما يكون ذلك كذلك، في كل موضع حسن أن يوضع فيه مكان " إلا "" لكن "؛ فيعلم حينئذ انقطاع معنى الثاني عن معنى الأول, ألا ترى أنك إذا قلت: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) ثم أردت وضع " لكن " مكان " إلا " وحذف " إلا " , وجدت الكلام صحيحا معناه، صحته وفيه " إلا "؟
وذلك إذا قلت: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب لكن أماني.
يعني: لكنهم يتمنون.
وكذلك قوله: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ، لكن اتباع الظن, بمعنى: لكنهم يتبعون الظن.
وكذلك جميع هذا النوع من الكلام على ما وصفنا.
* * * وقد ذكر عن بعض القَرَأَة أنه قرأ: (15) (إلا أماني) مخففة.
ومن خفف ذلك وجهه إلى نحو جمعهم " المفتاح "" مفاتح ", و " القرقور "،" قراقر ", (16) وأن &; 2-265 &; ياء الجمع لما حذفت خففت الياء الأصلية - أعني من " الأماني" - كما جمعوا " الأثفية "" أثافي" مخففة, كما قال زهير بن أبي سلمى: أثـافيَ سُـفْعا فـي مُعَـرَّسِ مِرْجَـل ونُؤْيـا كجِذم الحـوض لـم يَتَثَلَّـم (17) وأما من ثقل: (أماني) فشدد ياءها، فإنه وجه ذلك إلى نحو جمعهم " المفتاح مفاتيح, والقرقور قراقير, والزنبور زنابير "، فاجتمعت ياء " فعاليل " ولامها، وهما جميعا ياآن، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارتا ياء واحدة مشددة.
* * * فأما القراءة التي لا يجوز غيرها عندي لقارئ في ذلك، فتشديد ياء " الأماني", لإجماع القَرَأَة على أنها القراءة التي مضى على القراءة بها السلف - مستفيض ذلك بينهم، غير مدفوعة صحته - وشذوذ القارئ بتخفيفها عما عليه الحجة مجمعة في ذلك.
(18) وكفى دليلا على خطأ قارئ ذلك بتخفيفها، (19) إجماعها على تخطئته.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (78) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وإن هم إلا يظنون)، وما هم، كما قال جل ثناؤه: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ إبراهيم: 11]، يعني بذلك: ما نحن إلا بشر مثلكم.
* * * ومعنى قوله: (إلا يظنون): إلا يشكون، ولا يعلمون حقيقته وصحته.
و " الظن " - في هذا الموضع- الشك.
&; 2-266 &; فمعنى الآية: ومنهم من لا يكتب ولا يخط ولا يعلم كتاب الله ولا يدري ما فيه، إلا تخرصا وتقولا على الله الباطل، ظنا منه أنه محق في تخرصه وتقوله الباطل.
* * * وإنما وصفهم الله تعالى ذكره بأنهم في تخرصهم على ظن أنهم محقون وهم مبطلون, لأنهم كانوا قد سمعوا من رؤسائهم وأحبارهم أمورا حسبوها من كتاب الله, ولم تكن من كتاب الله, فوصفهم جل ثناؤه بأنهم يتركون التصديق بالذي يوقنون به أنه من عند الله مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم, ويتبعون ما هم فيه شاكون, وفي حقيقته مرتابون، مما أخبرهم به كبراؤهم ورؤساؤهم وأحبارهم عنادا منهم لله ولرسوله, ومخالفة منهم لأمر الله، واغترارا منهم بإمهال الله إياهم.
وبنحو ما قلنا في تأويل قوله: (وإن هم إلا يظنون)، قال فيه المتأولون من السلف: 1374 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وإن هم إلا يظنون) إلا يكذبون.
1375 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
1376 - حدثنا القاسم قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد مثله.
1377 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: (لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون)، أي لا يعلمون ولا يدرون ما فيه, وهم يجحدون نبوتك بالظن.
1378 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وإن هم إلا يظنون)، قال: يظنون الظنون بغير الحق.
1379 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن &; 2-267 &; الربيع, عن أبي العالية قال: يظنون الظنون بغير الحق.
1380 - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.
--------------- الهوامش : (1) الحديث : 1355 - هو حديث صحيح .
ورواه البخاري 4 : 108 - 109 (من الفتح) ، ورواه أيضًا مسلم وأبو داود والنسائي ، كما في الجامع الصغير للسيوطي ، رقم : 2521 .
(2) كان في المطبوعة : "أي بين الأمية" ، فحذفت"أي" ، فليس ذلك مما يقال .
(3) قوله "لا يحسن أن يكتب" نفى لمعرفة الكتابة، لا لجودة معرفة الكتابة، كما يسبق إلى الوهم.
وقديما قام بعض أساتذتنا يدعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يعرف الكتابة، ولكنة لا يحسنها، لخبر استدل به هو - أو اتبع فيه من استدل به من أعاجم المستشرقين - وهو ما جاء في تاريخ الطبري 3: 80 في شرح قصة الحديبية، حين جاء سهيل بن عمرو، لكتابة الصلح.
روى الطبري عن البراء بن عازب قال:"..
فلما كتب الكتاب، كتب:"هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله"، فقالوا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، ولكن أنت محمد بن عبد الله.
قال: أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله.
قال لعلي: امح"رسول الله".
قال: لا والله لا أمحاك أبدا.
فأخذه رسول الله وليس يحسن يكتب: "فكتب مكان "رسول الله" "محمد"، فكتب: " هذا ما قاضى عليه محمد" .
فظن أولا أن ضمير الفاعل في قوله "فكتب مكان "رسول الله" - محمد" ، هو رسول الله صلى الله عليه.
وليس كذلك بل هو: علي بن أبي طالب الكاتب.
وفي الكلام اختصار، فإنه لما أمر عليا أن يمحو الكتاب فأبى، أخذه رسول الله، وليس يحسن يكتب، فمحاه.
وتفسير ذلك قد أتى في حديث البخاري عن البراء بن عازب أيضًا 3: 184:"فقال لعلى" امحه.
فقال على: ما أنا بالذي أمحاه فمحاه رسول الله صلى عليه وسلم بيده".وأخرى أنه أخطأ في معنى"يحسن"، فإنها هنا بمعنى"يعلم"، وهو أدب حسن في العبارة، حتى لا ينفي عنه العلم، وقد جاء في تفسير الطبري 21: 6 في تفسير قوله تعالى:"أحسن كل شيء خلقه"، ما نصه:"معنى ذلك: أعلم كل شيء خلقه.
كأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى أنه ألهم كل خلقه ما يحتاجون إليه.
وأنه قوله:"أحسن"، إنما هو من قول القائل:"فلا يحسن كذا"، إذا كان يعلمه".
هذا، والعرب تتأدب بمثل هذا، فتضع اللفظ مكان اللفظ؛ وتبطل بعض معناه، ليكون تنـزيها للسان، أو تكرمه للذي تخبر عنه.
فمعنى قوله:"ليس يحسن يكتب"، أي ليس يعرف يكتب.
وقد أطال السهيلي في الروض الأنف 1: 230 بكلام ليس يغني في تفسير هذا الكلمة.
(4) قال ابن كثير في تفسيره 1 : 215 ، وساق الخبر وكلام الطبري ، ثم قال : "قلت : في صحة هذا عن ابن عباس - بهذا الإسناد - نظر ، والله أعلم" .
(5) اقتصر في المطبوعة على قوله : "رسولا منهم" ، وأتممت الآية ، لأنه يستدل بها على أنه جاء يعلم الأمين"الكتاب" .
(6) الأثر : 1363 - كان في المطبوعة : "حدثنا بشر قال أخبرنا ابن وهب .
.
" ، وهو سهو من الناسخ ، والإسناد كثير الدوران في التفسير ، أقربه رقم 1357 .
(7) ما بين القوسين زيادة يقتضيها الكلام .
وكأن الناسخ سها فأغفلها .
(8) في المطبوعة : "وأنهم لا يفقهون" بزيادة الواو ، وهو خطأ لا يستقيم ، والصواب ما أثبته من ابن كثير 1 : 216 .
(9) في الفائق 1 : 163 عن عثمان رضي الله عنه : "قد اختبأت عند الله خصالا : إني لرابع الإسلام ، وزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته ثم ابنته ، وبايعته بيدي هذه اليمنى فما مسست بها ذكرى ، وما تغنيت ولا تمنيت ، ولا شربت خمرا في جاهلية ولا إسلام" .
وروى الطبري في تاريخه في خبر مقتله رضي الله عنه 5 : 130 ، أن الرجل الذي انتدب لقتله دخل عليه فقال له : "اخلعها وندعك .
فقال : ويحك!
ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام ، ولا تغنيت ولا تمنيت ، ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولست خالعا قميصا كسانيه الله عز وجل" .
(10) في المطبوعة : "غير جائز" ، والصواب إثبات الفاء .
(11) هو عمرو بن الأيهم التغلبي النصراني ، وقيل اسمه : عمير ، وقيل هو أعشى تغلب .
روي عن الأخطل أنه قيل له وهو يموت : على من تخلف قومك؟
قال : على العميرين .
يعني القطامي عمير ابن أشيم ، وعمير بن الأهتم .
(12) سيبويه 1 : 365 ، والوحشيات رقم : 55 ، ومعجم الشعراء : 242 ، وحماسة البحتري : 32 ، وانظر تحقيق الراجكوتي في سمط اللآلئ : 184 .
والشعر يقوله في هجاء قيس عيلان يقول فيها : قــاتل اللــه قيس عيــلان طـرا مـا لهـم دون غـدرة مـن حجـاب ثم إن سيبويه أنشد البيت برفع"غير" ، على البدل من"عتاب" ، اتساعا ومجازا .
(13) ديوانه : 42 ، وسيبويه 1 : 365 ، وغيرهما ، وروايتهم جميعا : "بصاحب" ، وكان في الأصل المطبوع"بغائب" ، وأظن أن ما كان في الطبري خطأ من النساخ ، لأنه لا يتفق مع الشعر .
فالنابغة يمدح بهذه الأبيات عمرو بن الحارث الأعرج الغساني ، فيقول قبله : عــلى لعمــرو نعمـة بعـد نعمـة لوالــده, ليســت, بـذات عقـارب حـــــلفت يمينـــــا .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
لئــن كـان للقـبرين : قـبر بجـلق وقـبر بصيـداء الـذي عنـد حـارب وللحــارث الجــفني سـيد قومـه ليلتمســن بــالجيش دار المحـارب وقوله : "مثنوية" أي استثناء .
فهو يقول لعمرو : حلفت يمينا لئن كان من هو - من ولد هؤلاء الملوك من آبائه ، الذين عدد قبورهم ومآثرهم - ليغزون من حاربه في عقر داره وليهزمنه ، ولم أقل هذا عن علم إلا ما عندي في صاحبي من حسن الظن .
فرواية الطبري لا تستقيم ، إن صحت عنه .
(14) انظر سيبويه 1 : 363 - 366"هذا باب يختار فيه النصب ، لأن الآخر ليس من نوع الأول" .
ثم الباب الذي يليه : "هذا باب ما لا يكون إلا على معنى : ولكن" .
(15) في المطبوعة : "بعض القراء" و"لإجماع القراء" ، ورددته إلى ما جرى عليه الطبري آنفًا .
(16) انظر معاني القرآن للفراء : 1 : 49 .
(17) ديوانه : 7 المرجل : قدر يطبخ فيها ، ومعرس المرجل : حيث يقام فيه ، من التعريس : وهو النزول والإقامة, وسفع جمع أسفع : والسفعة: سواد تخالطه حمرة ، من أثر النار ودخانها .
والنؤي : ما يقام من الحجارة حول الخباء حتى لا يدخله ماء المطر .
وجذم الحوض : حرفه وأصله .
يعني : النؤي قد ذهب أعلاه وبقى أصله لم يتحطم ، كبقايا الحوض .
يقول : عرفت الدار بهذه الآثار ، قبله : "فلأيا عرفت الدار بعد توهم" ، "ونصب"أثافي" بقوله : "توهم" .
(18) سياق العبارة : لإجماع القَرَأَة على أنها القراءة .
.
وعلى شذوذ القارئ بتخفيفها" على العطف .
(19) في المطبوعة : "وكفى خطأ على قارئ ذلك" ، وهو ليس بكلام صحيح ، والصواب ما أثبته ، استظهار من عبارة الطبري ، فيما سلف من أشباه ذلك .
قوله تعالى : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنونفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ومنهم أميون أي من اليهود .
وقيل : من اليهود والمنافقين أميون ، أي من لا يكتب ولا يقرأ ، واحدهم أمي ، منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادة أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها ، ومنه قوله عليه السلام : إنا أمة أمية لا نكتب ولا [ ص: 7 ] نحسب الحديث .
وقد قيل لهم إنهم أميون لأنهم لم يصدقوا بأم الكتاب ، عن ابن عباس .
وقال أبو عبيدة : إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم ، كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب ، فكأنه قال : ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب .
عكرمة والضحاك : هم نصارى العرب .
وقيل : هم قوم من أهل الكتاب ، رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أميين .
علي رضي الله عنه : هم المجوس .قلت : والقول الأول أظهر ، والله أعلم .لثانية : قوله تعالى : لا يعلمون الكتاب إلا أماني " إلا " ها هنا بمعنى لكن ، فهو استثناء منقطع ، كقوله تعالى : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن .
وقال النابغة :حلفت يمينا غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بصاحبوقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج ( إلا أماني ) خفيفة الياء ، حذفوا إحدى الياءين استخفافا .
قال أبو حاتم : كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدد ، فلك فيه التشديد والتخفيف ، مثل أثافي وأغاني وأماني ، ونحوه .
وقال الأخفش : هذا كما يقال في جمع مفتاح : مفاتيح ومفاتح ، وهي ياء الجمع .
قال النحاس : الحذف في المعتل أكثر ، كما قال الشاعر [ هو ذو الرمة ] :وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ثلاث الأثافي والرسوم البلاقعوالأماني جمع أمنية وهي التلاوة ، وأصلها أمنوية على وزن أفعولة ، فأدغمت الواو في الياء فانكسرت النون من أجل الياء فصارت أمنية ، ومنه قوله تعالى : إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته .
وقال كعب بن مالك : [ ص: 8 ] :تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادروقال آخر :تمنى كتاب الله آخر ليله تمني داود الزبور على رسلوالأماني أيضا الأكاذيب ، ومنه قول عثمان رضي الله عنه : ما تمنيت منذ أسلمت ، أي ما كذبت .
وقول بعض العرب لابن دأب وهو يحدث : أهذا شيء رويته أم شيء تمنيته ؟
أي افتعلته .
وبهذا المعنى فسر ابن عباس ومجاهد أماني في الآية .
والأماني أيضا ما يتمناه الإنسان ويشتهيه .
قال قتادة : إلا أماني يعني أنهم يتمنون على الله ما ليس لهم .
وقيل : الأماني التقدير ، يقال : مني له أي قدر ، قاله الجوهري ، وحكاه ابن بحر ، وأنشد قول الشاعر :لا تأمنن وإن أمسيت في حرم حتى تلاقي ما يمني لك المانيأي يقدر لك المقدر .الثالثة : قوله تعالى : وإن هم إلا يظنون إن بمعنى ما النافية ، كما قال تعالى : إن الكافرون إلا في غرور .
ويظنون يكذبون ويحدثون ، لأنهم لا علم لهم بصحة ما يتلون ، وإنما هم مقلدون لأحبارهم فيما يقرءون به .فائدة : قال أبو بكر الأنباري : وقد حدثنا أحمد بن يحيى النحوي أن العرب تجعل الظن علما وشكا وكذبا ، وقال : إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين ، وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك ، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب ، قال الله عز وجل وإن هم إلا يظنون أراد إلا يكذبون .الرابعة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : نعت الله تعالى أحبارهم بأنهم يبدلون ويحرفون فقال وقوله الحق : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم الآية .
وذلك أنه لما درس الأمر فيهم ، وساءت رعية علمائهم ، وأقبلوا على الدنيا حرصا وطمعا ، طلبوا أشياء تصرف وجوه الناس إليهم ، فأحدثوا في شريعتهم وبدلوها ، وألحقوا ذلك بالتوراة ، وقالوا لسفهائهم هذا من عند الله ، ليقبلوها عنهم فتتأكد رياستهم وينالوا به حطام الدنيا وأوساخها .
وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا : ليس علينا في الأميين سبيل ، وهم العرب ، أي ما أخذنا من أموالهم فهو حل لنا .
وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا : لا يضرنا ذنب ، فنحن أحباؤه وأبناؤه ، تعالى الله عن ذلك !
وإنما كان في التوراة " يا أحباري ويا أبناء رسلي " فغيروه وكتبوا " يا أحبائي ويا أبنائي " فأنزل الله [ ص: 9 ] تكذيبهم : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم .
فقالت : لن يعذبنا الله ، وإن عذبنا فأربعين يوما مقدار أيام العجل ، فأنزل الله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا قال ابن مقسم : يعني توحيدا ، بدليل قوله تعالى : إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا يعني لا إله إلا الله فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ثم أكذبهم فقال : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون .
فبين تعالى أن الخلود في النار والجنة إنما هو بحسب الكفر والإيمان ، لا بما قالوه .
{ وَمِنْهُمْ } أي: من أهل الكتاب { أُمِّيُّونَ } أي: عوام, ليسوا من أهل العلم، { لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ } أي: ليس لهم حظ من كتاب الله إلا التلاوة فقط, وليس عندهم خبر بما عند الأولين الذين يعلمون حق المعرفة حالهم, وهؤلاء إنما معهم ظنون وتقاليد لأهل العلم منهم.
فذكر في هذه الآيات علماءهم, وعوامهم, ومنافقيهم, ومن لم ينافق منهم, فالعلماء منهم متمسكون بما هم عليه من الضلال، والعوام مقلدون لهم, لا بصيرة عندهم فلا مطمع لكم في الطائفتين.
وقوله تعالى: {ومنهم أميون} أي من اليهود أميون لا يحسنون القراءة والكتابة، جمع أمي منسوب إلى الأم كأنه باق على ما انفصل من الأم لم يتعلم كتابة ولا قراءة.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب".
وقيل: هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة.
{لا يعلمون الكتاب إلا أماني} قرأ أبو جعفر: أماني بتخفيف الياء كل القرآن حذف إحدى الياءين (تخفيفاً)، وقراءة العامة بالتشديد، وهي جمع الأمنية وهي التلاوة.
قال الله تعالى: {إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [52-الحج] أي في قراءته، قال أبو عبيدة: "إلا تلاوته وقراءته عن ظهر القلب لا يقرؤونه من كتاب"، وقيل: يعلمونه حفظاً وقراءة لا يعرفون معناه.
وقال ابن عباس: "يعني غير عارفين بمعاني الكتاب"، وقال مجاهد وقتادة: "إلا كذباً وباطلاً".
قال الفراء: "الأماني: الأحاديث المفتعلة"، قال عثمان رضي الله عنه: "ما تمنيت منذ أسلمت (أي ما كذبت)"؛ وأراد بها الأشياء التي كتبها علماؤهم من عند أنفسهم ثم أضافوها إلى الله عز وجل من تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم وغيره.
وقال الحسن وأبو العالية: "هي من التمني، وهي أمانيهم الباطلة التي تمنوها على الله عز وجل مثل قولهم: {لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} [111-البقرة]، وقولهم: {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة}[80-البقرة]، وقولهم: {نحن أبناء الله وأحباؤه} [18- المائدة] فعلى هذا تكون (إلا) بمعنى (لكن) أي لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون أشياء تحصل لهم".
{وإن هم} وما هم.
{إلا يظنون} "وما هم إلا يظنون ظناً وتوهماً لا يقيناً" قاله قتادة والربيع.
قال مجاهد: "يكذبون".
«ومنهم» أي اليهود «أميون» عوام «لا يعلمون الكتاب» التوراة «إلا» لكن «أمانيَّ» أكاذيب تلقَّوْها من رؤسائهم فاعتمدوها «وإن» ما «هم» في جحد نبوة النبي وغيره مما يختلقونه «إلا يظنون» ظناً ولا علم لهم.
ومن اليهود جماعة يجهلون القراءة والكتابة، ولا يعلمون التوراة وما فيها من صفات نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وما عندهم من ذلك إلا أكاذيبُ وظنون فاسدة.
ثم بين القرآن الكريم بعد ذلك حال عوام اليهود ومقلديهم ، بعد أن بين حال علمائهم ومنافقيهم فقال تعالى : ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) أي : ومن اليهود قوم أميون لا يحسنون الكتابة ، ولا يعلمون من كتابهم التوراة سوى أكاذيب اختلقها لهم علماؤهم أو أمنيات باطلة يقدرونها في أنفسهم بدون حق ، أو قراءات عارية عن التدبر والفهم ، وقصارى أمرهم الظن من غير أن يصلوا إلى مرتبة اليقين المبني على البرهان القاطع والدليل الساطع .فالآية الكريمة فيها زيادة تيئيس للمؤمنين من إيمان كافة اليهود بفرقهم المختلفة .
فإنهم قد وصلوا إلى حال من الشناعة لا مطمع معها في هداية ، فعلماؤهم محرفون لكتاب الله على حسب أهوائهم وشهواتهم ، وعوامهم لا يعرفون من كتابهم إلا الأكاذيب والأوهام التي وضعها لهم أحبارهم ، وأمة هذا شأن علمائها وعوامها لا ينتظر منها أن تستجيب للحق أو أن تقبل على الصراط المستقيم .و ( الأماني ) - بالتشديد - جمع أمنية ، مأخوذة من تمني الشيء أي : أحب أن يحصل عليه ، أو من تمنى إذا كذب ، أو من تمنى الكتاب أي قرأه .فإن فسرنا الأماني بالأول كان قوله تعالى ( إِلاَّ أَمَانِيَّ ) معناه : إلا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله لا يؤاخذهم بخطاياهم ، وأن آياءهم الأنبياء يشفعون لهم ، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات .وإن فسرناها بالكذب ، كان قوله تعالى : ( إِلاَّ أَمَانِيَّ ) معناه : إلا ما يقرءونه من قراءات خالية من التدبر ، وعارية عن الفهم .
من قوله تمنى كتاب الله أول ليله .
.
.
أي قرأ .هذا ، وقد رجح ابن جرير تفسير ( الأماني ) بالأكاذيب فقال : ما ملخصه " وأولى ما روينا في تأويل قوله تعالى : ( إِلاَّ أَمَانِيَّ ) بالصواب ، أن هؤلاء الأميين لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله على موسى شيئاً ، ولكنهم يتخرصون الكذب ، ويتقولون الأباطيل كذباً وزوراً ، والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه وافتعاله بدليل قوله تعالى بعد ( وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) فأخبر عنهم أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ظناً منهم لا يقيناً " .والذي نراه أن المعاني الثلاثة للأماني تنطبق على اليهود ، وكلها حصلت منهم؛ وما دام يصدق عليهم المعاني الثلاثة لغة فجميعها مرادة من الآية ، ولا معنى لأن نشتغل بترجيح بعضها على بعض كما فعل ابن جرير وغيره .وعلى أي تفسير من هذه التفاسير للأماني ، فالاستثناء منقطع ، لأن أي واحد من هذه المعاني ليس من علم الكتاب الحقيقي في شيء .وفي قوله تعالى : ( وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) زيادة تجهيل لهم ، لأن أمنياتهم هذه من باب الأوهام التي لا تستند إلى دليل أو شبه دليل ، أو من باب الظن الذي هو ركون النفس إلى وجه من وجهين يحتملهما الأمر دون أن تبلغ في ذلك مرتبة القطع واليقين .
وهذا النوع من العلم لا يكفي في معرفة أصول الدين التي يقوم عليها الإِيمان العميق ، فهم ليسوا على علم يقيني من أمور دينهم ، وإنما هم يظنونها ظناً بدون استيقان ، والظن لا يغني من الحق شيئاً .
اعلم أن المراد بقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ ﴾ اليهود لأنه تعالى لما وصفهم بالعناد وأزال الطمع عن إيمانهم بين فرقهم، فالفرقة الأولى هي الفرقة الضالة المضلة، وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.
والفرقة الثانية: المنافقون، والفرقة الثالثة: الذين يجادلون المنافقين، والفرقة الرابعة: هم المذكورون في هذه الآية وهم العامة الأميون الذين لا معرفة عندهم بقراءة ولا كتابة وطريقتهم التقليد وقبول ما يقال لهم، فبين الله تعالى أن الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الامتناع واحداً بل لكل قسم منهم سبب آخر ومن تأمل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من شرح فرق اليهود وجد ذلك بعينه في فرق هذه الأمة، فإن فيهم من يعاند الحق ويسعى في إضلال الغير وفيهم من يكون متوسطاً، وفيهم من يكون عامياً محضاً مقلداً، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في الأمي فقال بعضهم هو من لا يقر بكتاب ولا برسول.
وقال آخرون: من لا يحسن الكتابة والقراءة وهذا الثاني أصوب لأن الآية في اليهود وكانوا مقرين بالكتاب والرسول ولأنه عليه الصلاة والسلام قال: «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» وذلك يدل على هذا القول، ولأن قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب ﴾ لا يليق إلا بذلك.
المسألة الثانية: الأماني جمع أمنية ولها معانٍ مشتركة في أصل واحد، أحدها: ما تخيله الإنسان فيقدر في نفسه وقوعه ويحدثها بكونه، ومن هذا قولهم: فلان يعد فلاناً ويمنيه ومنه قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً ﴾ فإن فسرنا الأماني بهذا كان قوله: (إلا أماني إلا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله تعالى لا يؤاخذهم بخطاياهم) وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة.
وثانيها: ﴿ إِلاَّ أَمَانِىَّ ﴾ إلا أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد، قال أعرابي لابن دأب في شيء حدث به: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته.
وثالثها: ﴿ إِلاَّ أَمَانِىَّ ﴾ أي إلا ما يقرأون من قوله: تمنى كتاب الله أول ليلة.
قال صاحب الكشاف والاشتقاق منى من، إذا قدر لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوز ما يتمناه، وكذلك المختلق والقاريء يقدر أن كلمة كذا بعد كذا، قال أبو مسلم: حمله على تمني القلب أولى بدليل قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ أي تمنيهم.
وقال الله تعالى: ﴿ لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ ﴾ وقال: ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ برهانكم ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلاّ يظنون ﴾ بمعنى يقدرون ويخرصون.
وقال الأكثرون: حمله على القراءة أولى كقوله تعالى: ﴿ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِي أُمْنِيَّتِهِ ﴾ ولأن حمله على القراءة أليق بطريقة الاستثناء لأنا إذا حملناه على ذلك كان له به تعلق فكأنه قال: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه، ثم إنهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وإذا حمل على أن المراد الأحاديث والأكاذيب أو الظن والتقدير وحديث النفس كان الاستثناء فيه نادراً.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَمَانِىَّ ﴾ من الاستثناء المنقطع، قال النابغة: حلفت يميناً غير ذي مثنوية *** ولا علم إلا حسن ظن بغائب وقرئ إلا أماني بالتخفيف.
أما قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ فكالمحقق لما قلناه لأن الأماني إن أريد بها التقدير والفكر لأمور لا حقيقة لها، فهي ظن ويكون ذلك تكراراً.
ولقائل أن يقول: حديث النفس غير والظن غير فلا يلزم التكرار وإذا حملناه على التلاوة عليهم يحسن معناه، فكأنه تعالى قال: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا بأن يتلى عليهم فيسمعوه وإلا بأن يذكرهم تأويله كما يراد فيظنون، وبين تعالى أن هذه الطريقة لا توصل إلى الحق، وفي الآية مسائل.
أحدها: أن المعارف كسبية لا ضرورية فلذلك ذم من لا يعلم ويظن.
وثانيها: بطلان التقليد مطلقاً وهو مشكل لأن التقليد في الفروع جائز عندنا.
وثالثها: أن المضل وإن كان مذموماً فالمغتر بإضلال المضل أيضاً مذموم لأنه تعالى ذمهم وإن كانوا بهذه الصفة.
ورابعها: أن الاكتفاء بالظن في أصول الدين غير جائز والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ ﴾ فقالوا: الويل كلمة يقولها كل مكروب، وقال ابن عباس: إنه العذاب الأليم.
وعن سفيان الثوري: إنه مسيل صديد أهل جهنم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره» قال القاضي: ويل يتضمن نهاية الوعيد والتهديد فهذا القدر لا شبهة فيه سواء كان الويل عبارة عن وادٍ في جهنم أو عن العذاب العظيم.
أما قوله تعالى: ﴿ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ﴾ ففيه وجهان.
الأول: أن الرجل قد يقول كتبت إذا أمر بذلك ففائدة قوله: ﴿ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ أنه لم يقع منهم إلا على هذا الوجه.
الثاني: أنه تأكيد وهذا الموضع مما يحسن فيه التأكيد كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه: يا هذا كتبته بيمينك.
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله ﴾ فالمراد أن من يكتب هذه الكتابة ويكسب هذا الكسب في غاية الرداءة لأنهم ضلوا عن الدين وأضلوا وباعوا آخرتهم بدنياهم، فذنبهم أعظم من ذنب غيرهم، فإن المعلوم أن الكذب على الغير بما يضر يعظم إثمه فكيف بمن يكذب على الله ويضم إلى الكذب الإضلال ويضم إليهما حب الدنيا والاحتيال في تحصيلها ويضم إليها أنه مهد طريقاً في الإضلال باقياً على وجه الدهر، فلذلك عظم تعالى ما فعلوه.
فإن قيل: إنه تعالى حكى عنهم أمرين.
أحدهما: كتبة الكتاب والآخر: إسناده إلى الله تعالى على سبيل الكذب، فهذا الوعيد مرتب على الكتبة أو على إسناد المكتوب إلى الله أو عليهما معاً؟
قلنا: لا شك أن كتبة الأشياء الباطلة لقصد الإضلال من المنكرات والكذب على الله تعالى أيضاً كذلك والجمع بينهما منكر عظيم جداً.
أما قوله تعالى: ﴿ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ فهو تنبيه على أمرين.
الأول: أنه تنبيه على نهاية شقاوتهم لأن العاقل يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في الآخرة لأجل الأجر العظيم في الدنيا، فكيف يليق به أن يرضى بالعقاب العظيم في الآخرة لأجل النفع الحقير في الدنيا.
الثاني: أنه يدل على أنهم ما فعلوا ذلك التحريف ديانة بل إنما فعلوه طلباً للمال والجاه، وهذا يدل على أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم، لأن الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبة ورضا، ومع ذلك فقد نبه تعالى على تحريمه.
أما قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ فالمراد أن كتبتهم لما كتبوه ذنب عظيم بانفراده، وكذلك أخذهم المال عليه، فلذلك أعاد ذكر الويل في الكسب، ولو لم يعد ذكره كان يجوز أن يقال: إن مجموعهما يقتضي الوعيد العظيم دون كل واحد منهما، فأزال الله تعالى هذه الشبهة واختلفوا في قوله تعالى: ﴿ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ هل المراد ما كانوا يأخذون على هذه الكتابة والتحريف فقط أو المراد بذلك سائر معاصيهم والأقرب في نظام الكلام أنه راجع إلى المذكور من المال المأخوذ على هذا الوجه وإن كان الأقرب من حيث العموم أنه يشمل الكل، لكن الذي يرجح الأول أنه متى لم يقيد كسبهم بهذا القيد لم يحسن الوعيد عليه لأن الكسب يدخل فيه الحلال والحرام، فلابد من تقييده وأولى ما يقيد به ما تقدم ذكره.
قال القاضي: دلت الآية على أن كتابتهم ليست خلقاً لله تعالى، لأنها لو كانت خلقاً لله تعالى لكانت إضافتها إليه تعالى بقولهم: ﴿ هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ ذلك حقيقة لأنه تعالى إذا خلقها فيهم فهب أن العبد مكتسب إلا أن انتساب الفعل إلى الخالق أقوى من انتسابه إلى المكتسب فكان اسناد تلك الكتبة إلى الله تعالى أولى من إسنادها إلى العبد، فكان يجب أن يستحقوا الحمد على قولهم فيها.
أنها من عند الله ولما لم يكن كذلك علمنا أن تلك الكتبة ليست مخلوقة لله تعالى.
والجواب: أن الداعية الموجبة لها من خلق الله تعالى بالدلائل المذكورة فهي أيضاً تكون كذلك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ ﴾ لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها.
﴿ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب ﴾ التوراة ﴿ إِلاَّ أَمَانِىَّ ﴾ إلا ما هم عليه من أمانيهم، وأن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة.
وقيل: إلا أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد.
قال أعرابي لابن دأب في شيء حدّث به: أهذا شيء رويته، أم تمنيته، أم اختلقته، وقيل: إلا ما يقرؤون من قوله: تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ والاشتقاق من منى إذا قدّر، لأن المتمني يقدّر في نفسه ويحزر ما يتمناه، وكذلك المختلق والقارئ يقدر أن كلمة كذا بعد كذا.
وإلا أمانيّ: من الاستثناء المنقطع.
وقرئ: ﴿ أماني ﴾ بالتخفيف.
ذكر العلماء الذين عاندوا بالتحريف مع العلم والاستيقان، ثم العوامّ الذين قلدوهم، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن العالم عليه أن يعمل بعلمه، وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظنّ وهو متمكن من العلم.
﴿ يَكْتُبُونَ الكتاب ﴾ المحرّف ﴿ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ تأكيد، وهو من محاز التأكيد، كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه: يا هذا كتبته بيمينك هذه.
﴿ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ من الرشا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ ﴾ جَهَلَةٌ لا يَعْرِفُونَ الكِتابَةَ فَيُطالِعُوا التَّوْراةَ ويَتَحَقَّقُوا ما فِيها.
أوِ التَّوْراةَ ﴿ إلا أمانِيَّ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ.
والأمانِيُّ: جُمَعُ أمْنِيَّةٍ وهي في الأصْلِ ما يُقَدِّرُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِن مُنى إذا قَدَرَ، ولِذَلِكَ تُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ وعَلى ما يُتَمَنّى وما يُقْرَأُ والمَعْنى لَكِنْ يَعْتَقِدُونَ أكاذِيبَ أخَذُوها تَقْلِيدًا مِنَ المُحَرِّفِينَ أوْ مَواعِيدَ فارِغَةً.
سَمِعُوها مِنهم مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا، وأنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً.
وقِيلَ إلّا ما يَقْرَءُونَ قِراءَةً عارِيَةً عَنْ مَعْرِفَةِ المَعْنى وتَدَبُّرِهِ مِن قَوْلِهِ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ...
تَمَنِّيَ داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رِسْلِ وَهُوَ لا يُناسِبُ وصْفَهم بِأنَّهم أُمِّيُّونَ.
﴿ وَإنْ هم إلا يَظُنُّونَ ﴾ ما هم إلّا قَوْمٌ يَظُنُّونَ لا عِلْمَ لَهُمْ، وقَدْ يُطْلَقُ الظَّنُّ بِإزاءِ العِلْمِ عَلى كُلِّ رَأْيٍ واعْتِقادٍ مِن غَيْرِ قاطِعٍ، وإنْ جَزَمَ بِهِ صاحِبُهُ: كاعْتِقادِ المُقَلِّدِ والزّائِغِ عَنِ الحَقِّ لِشُبْهَةٍ.
﴿ فَوَيْلٌ ﴾ أيْ تَحَسَّرَ وهَلَكَ.
ومَن قالَ إنَّهُ وادٍ أوْ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ فَمَعْناهُ: أنَّ فِيها مَوْضِعًا يَتَبَوَّأُ فِيهِ مَن جُعِلَ لَهُ الوَيْلُ، ولَعَلَّهُ سَمّاهُ بِذَلِكَ مَجازًا.
وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ وإنَّما ساغَ الِابْتِداءُ بِهِ نَكِرَةً لِأنَّهُ دُعاءٌ.
﴿ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي المُحَرِّفِينَ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ ما كَتَبُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ.
﴿ بِأيْدِيهِمْ ﴾ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُهُ بِيَمِينِي ﴿ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ كَيْ يَحْصُلُوا بِهِ عَرْضًا مِن أعْراضِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ وإنْ جُعْلٌ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما اسْتَوْجَبُوهُ مِنَ العِقابِ الدّائِمِ.
﴿ فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ يَعْنِي المُحَرِّفَ.
﴿ وَوَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الرُّشى.
<div class="verse-tafsir"
{وَمِنْهُمُ} ومن اليهود {أُمِّيُّونَ} لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها {لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب} التوراة {إلا أماني} الاماهم عليه من أمانيهم وأن الله يعفوا عنهم ويرحمهم ولا تمسهم النار إلا أياماً معدودة أو إلا أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد ومنه قول عثمان رضى الله عنه ما تمنيت منذ أسلمت أو إلا ما يقرءون من قوله ...
تمنى كتاب الله أول ليلة ...
وآخرها لا في حمام المقادر ...
أي لا يعلمون هؤلاء حقيقة المنزل وإنما يقرءون أشياء أخذوها من أخبارهم والاستثناء منقطع {وَإِنْ هُمْ} وما هم {إِلاَّ يَظُنُّونَ} لا يدرون ما فيه فيجحدون نبوتك بالظن ذكر العلماء الذين
البقرة (٧٩ _ ٨٣)
عئائدوا بالتحريف مع العلم ثم العوام الذين قلدوهم
﴿ ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ قَبائِحِ جَهَلَةِ اليَهُودِ، إثْرَ بَيانِ شَنائِعِ الطَّوائِفِ السّالِفَةِ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ﴿ وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ وعَلَيْهِ الجَمْعُ، وقِيلَ: عَلى ﴿ وإذا لَقُوا ﴾ واخْتارَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّهُ وهَذا الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ لِبَيانِ أصْنافِ اليَهُودِ اسْتِطْرادًا لِأُولَئِكَ المُحَرِّفِينَ، والأُمِّيُّونَ جَمْعُ أُمِّيٍّ، وهو كَما في المُغْرِبِ: مَن لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، مَنسُوبٌ إلى أُمَّةِ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا لا يَكْتُبُونَ، ولا يَقْرَؤُونَ، أوْ إلى الأُمِّ، بِمَعْنى أنَّهُ كَما ولَدَتْهُ أُمُّهُ، أوْ إلى أُمِّ القُرى، لِأنَّ أهْلَها لا يَكْتُبُونَ غالِبًا، والمُرادُ أنَّهم جَهَلَةٌ، والكِتابُ التَّوْراةُ كَما يَقْتَضِيهِ سِباقُ النَّظْمِ، وسِياقُهُ، فاللّامُ فِيهِ إمّا لِلْعَهْدِ، أوْ أنَّهُ مِنَ الأعْلامِ الغالِبَةِ، وجَعْلُهُ مَصْدَرَ كَتَبَ كِتابًا، واللّامُ لِلْجِنْسِ بَعِيدٌ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (أُمِيُّونَ) بِالتَّخْفِيفِ، ﴿ إلا أمانِيَّ ﴾ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وأصْلُها أُمْنُونَةٌ أُفْعُولَةٌ، وهو في الأصْلِ ما يُقَدِّرُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِن مُنى، إذا قَدَّرَ، ولِذَلِكَ تُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ وعَلى ما يُتَمَنّى، وما يُقْرَأُ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّ الأمانِيَّ هُنا الأكاذِيبُ، إلّا أكاذِيبَ أخَذُوها تَقْلِيدًا مِن شَياطِينِهِمُ المُحَرِّفِينَ، وقِيلَ: إلّا ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِيِّهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْفُو عَنْهُمْ، ويَرْحَمُهُمْ، ولا يُؤاخِذُهم بِخَطاياهم وأنَّ آبائَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ، وقِيلَ: إلّا مَواعِيدَ مُجَرَّدَةً سَمِعُوها مِن أحْبارِهِمْ، مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا، وأنَّ النّارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ، والِاسْتِثْناءُ عَلى ذَلِكَ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأباطِيلِ أوْ سَمِعُوهُ مِنَ الأكاذِيبِ لَيْسَ مِنَ الكِتابِ، وقِيلَ: إلّا ما يَقْرَؤُونَ قِراءَةً عادِيَّةً عَنْ مَعْرِفَةِ المَعْنى، وتَدَبُّرِهِ، فالِاسْتِثْناءُ حِينَئِذٍ مُتَّصِلٌ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ أيْضًا، إذْ لَيْسَ ما يُتْلى مِن جِنْسِ عِلْمِ الكِتابِ، واعْتُرِضَ هَذا الوَجْهُ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ تَفْسِيرَ الآتِي بِما في المُغْرِبِ، وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ لا يَقْرَأُ مِنَ الكِتابِ ولا يَعْلَمُ الخَطَّ، وإمّا عَلى سَبِيلِ الأخْذِ مِنَ الغَيْرِ، فَكَثِيرًا ما يَقْرَؤُونَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِالمَعانِي، ولا بِصُوَرِ الحُرُوفِ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ، إذْ لا يُقالُ لِلْحافِظِ الأعْمى: إنَّهُ أُمِّيٌّ، نَعَمْ إذا فُسِّرَ الأُمِّيُّ بِمَن لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ والقِراءَةَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ لا يُنافِي أنْ يَكْتُبَ، ويَقْرَأ في الجُمْلَةِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ أخَذَ الكِتابَ، ولَيْسَ يُحْسِنُ الكَتْبَ، فَكَتَبَ هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» إلَخْ، ومَن فَسَّرَ الأُمِّيَّ بِما تَقَدَّمَ أوَّلَ الحَدِيثِ بِأنْ كَتَبَ فِيهِ بِمَعْنى أمَرَ بِالكِتابَةِ، وأطالَ بَعْضُ شُرّاحِ الحَدِيثِ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، ولَيْسَ هَذا مَحَلَّهُ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ جَمّازٍ، عَنْ نافِعٍ، وهارُونَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (أمانِيَ) بِالتَّخْفِيفِ، ﴿ وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ ﴾ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، والمُسْتَثْنى مَحْذُوفٌ أُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، أيْ ما هم إلّا قَوْمٌ قُصارى أمْرِهِمُ الظَّنُّ مِن غَيْرِ أنْ يَصِلُوا إلى مَرْتَبَةِ العِلْمِ، فَأنّى يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ المُؤَسَّسُ عَلى قَواعِدِ اليَقِينِ، وقَدْ يُطْلَقُ الظَّنُّ عَلى ما يُقابِلُ العِلْمَ اليَقِينِيَّ عَنْ دَلِيلٍ قاطِعٍ سَواءٌ قُطِعَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، أوْ بِدَلِيلٍ غَيْرِ صَحِيحٍ، أوْ لَمْ يُقْطَعْ، فَلا يُنافِي نِسْبَةَ الظَّنِّ إلَيْهِمْ، إنْ كانُوا جازِمِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا، يعني المنافقين منهم قالُوا للمؤمنين آمَنَّا، أي أقررنا بالذي أقررتم به.
وهم منافقو أهل الكتاب.
وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ، يعني إذا رجعوا إلى رؤسائهم، قالُوا لبعضهم: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، أي أتخبرونهم بأن ذكر محمد في كتابكم فيكون ذلك حجة عليكم؟
أَفَلا تَعْقِلُونَ أن ذلك حجة لهم عليكم؟
لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ، أي ليخاصموكم عِنْدَ رَبِّكُمْ باعترافكم أن محمدا نبي لا تتبعوه أَفَلا تَعْقِلُونَ؟
أي أفليس لكم ذهن الإنسانية؟
لا ينبغي لكم هذا فيما بينكم.
أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ.
قال بعضهم: ما يسرون فيما بينهم وما يعلنون مع أصحاب محمد .
قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتابَ، أي مّنْ أَهْلِ الكتاب وهم السفلة أميون لا يقرءون الكتاب، لا يحسنون قراءة الكتاب ولا كتابته.
وقال الزجاج: الأمي المنسوب إلى ما عليه جبلة الأمة، يعني هو على الخلقة التي خلق عليها لأن الإنسان في الأصل لا يعلم شيئاً ما لم يتعلَّم.
إِلَّا أَمانِيَّ، قال بعضهم: إِلا التلاوة، وهذا كما قال في آية أخرى إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: 52] ، أي في تلاوته.
يقول: إن السفلة منهم كانوا لا يعرفون من التوراة شيئاً سوى تلاوته.
وقال بعضهم: إلا أماني: إلا أباطيل.
وروي عن عثمان بن عفان أنه قال: منذ أسلمت ما تغنيت ولا تمنيت، أي ما تكلمت بالباطل.
وروي في الخبر أن الإنسان إذا ركب دابته ولم يذكر الله تعالى، صكّه الشيطان في قفاه ويقول له: تغنَّ فإن لم يحسن الغناء، يقول له: تمنَّ أي تكلم بالباطل.
وَإِنْ هُمْ، أي وما هم إِلَّا يَظُنُّونَ، لأنه قد ظهر لهم الكذب من رؤسائهم فكانوا يشكون في أحاديثهم وكانوا يظنون من غير يقين.
وروي عن رسول الله أنه قال: «إياكم والظن فإنه من أكذب الحديث» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ...
الآية: المعنى: وهم أيضاً، إذا لُقُوا يفعلون هذا، فكيف يُطْمَع في إيمانهم، ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنَفاً فيه كشف سرائرهم ورد في التفسير أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «لاَ يَدْخُلَنَّ عَلَيْنَا قَصَبَةَ «١» المَدِينَةِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ» ، فقال كَعْبُ بن الأشْرَفِ وأشباهه: اذهبوا وتحسَّسوا أخبارَ من آمَنَ بمحمَّد، وقولوا لهم: آمنا، واكفروا إِذا رجعتم، فنزلتْ هذه الآية، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في المنافقين من اليهود «٢» ، وروي عنه أيضاً أنها نزلَتْ في قومٍ من اليهود، قالوا لبعض المؤمنين: نحن نؤمن أنه نبيٌّ، ولكن ليس إلَيْنا، وإنما هو إليكم خاصّة، فلما دخلوا، قال بعضهم: لم تُقِرُّونَ بنبوءته «٣» ، وقال أبو العالية وقتادةُ: إِن بعض اليهود تكلَّم بما في التوراة من صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقال لهم كفرةُ الأحبار: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي: عرَّفكم من صفة محمَّد صلّى الله عليه وسلم «٤» .
ولِيُحَاجُّوكُمْ: من الحجة، وعِنْدَ رَبِّكُمْ: معناه: في الآخرة.
وقول تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ: قيل: هو من قول الأحبار لَلأتباعِ، وقيل: هو خطابٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين، أي: أفلا تعقلون أن بني إِسرائيل لا يؤمنون، وهم بهذه الأحوال.
وأُمِّيُّونَ هنا: عبارةٌ عن عامَّة اليهود، وجهلتهم، أي: أنهم لا يطمع في إيمانهم لما غمرهم من الضَّلاَل، والأُمِّيُّ في اللغة: الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتابٍ نُسِبَ إلى الأُمِّ إِما لأنه بحالِ أمِّه من عَدَمِ الكتب، لا بحال أبيه إذ النساء ليس من شغلهن الكَتْبُ قاله الطبريُّ وإما لأنه بحال ولدته أمه فيها، لم ينتقل عنها.
والْكِتابَ: التوراة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم أُمِّيُّونَ ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ.
والأُمِّيُّ: الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وفي تَسْمِيَتِهِ بِالأُمِّيِّ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِأنَّهُ عَلى خِلْقَةِ الأُمَّةُ الَّتِي لَمْ تَتَعَلَّمِ الكِتابَ، فَهو عَلى جِبِلَّتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ يُنْسَبُ إلى أُمِّهِ، لِأنَّ الكِتابَةَ في الرِّجالِ كانَتْ دُونَ النِّساءِ.
وقِيلَ: لِأنَّهُ عَلى ما ولَدَتْهُ أُمُّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ الكِتابَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَدْرُونَ ما فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أمانِيَّ ﴾ جُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى تَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، بِتَخْفِيفِ الياءِ، وكَذَلِكَ: ﴿ تِلْكَ أمانِيُّهُمْ ﴾ و ﴿ لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ ﴾ في ﴿ أُمْنِيَّتِهِ ﴾ ﴿ وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ ﴾ كُلُّهُ بِتَخْفِيفِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ مِن "أمانِيِّهِمْ" .
ولا بِخِلافٍ في فَتْحِ ياءِ "الأمانِي" .
وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الأكاذِيبُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا أمانِي: يُرِيدُ إلّا قَوْلًا يَقُولُونَهُ بِأفْواهِهِمْ كَذِبًا.
وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ.
وذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ قالَ لِابْنِ دَأْبٍ وهو يُحَدِّثُ: أهَذا شَيْءٌ رَوَيْتَهُ، أمْ شَيْءٌ تَمَنَّيْتَهُ؟
يُرِيدُ: افْتَعَلْتَهُ؟
.
والثّانِي: أنَّ الأمانِيَّ: التِّلاوَةُ، فَمَعْناهُ: يَعْلَمُونَ فِقْهَ الكِتابِ، إنَّما يَقْتَصِرُونَ عَلى ما يَسْمَعُونَهُ يُتْلى عَلَيْهِمْ.
قالَ الشّاعِرُ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ تَمَنِّيَ داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رِسْلِ وَهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ والزَّجّاجِ.
.
والثّالِثُ: أنَّها أمانِيُّهم عَلى اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ هم إلا يَظُنُّونَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ، فَإنْ كَذَبَ الرُّؤَساءُ أوْ صَدَّقُوا، تابَعُوهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ ﴿ وَمِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلا أمانِيَّ وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ ﴾ المَعْنى: وهم أيْضًا إذا "لَقُوا" يَفْعَلُونَ هَذا، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في إيمانِهِمْ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مَقْطُوعًا مِن مَعْنى الطَمَعِ، فِيهِ كَشْفُ سَرائِرِهِمْ.
ووَرَدَ في التَفْسِيرِ أنَّ النَبِيَّ قالَ: «لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْنا قَصَبَةَ المَدِينَةِ إلّا مُؤْمِنٌ».
فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ووَهْبُ بْنُ يَهُودا، وأشْباهُهُما: اذْهَبُوا وتَحَسَّسُوا أخْبارَ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، وقُولُوا لَهم آمَنّا، واكْفُرُوا إذا رَجَعْتُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ أنَّهُ نَبِيٌّ، ولَكِنْ لَيْسَ إلَيْنا، وإنَّما هو إلَيْكم خاصَّةً، فَلَمّا خَلَوْا قالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ وقَدْ كُنّا قَبْلُ نَسْتَفْتِحُ بِهِ؟
فَهَذا هو الَّذِي فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِن عِلْمِهِ، وأصْلُ "خَلا" خُلَوَ تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا.
وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: إنَّ بَعْضَ اليَهُودِ تَكَلَّمَ بِما في التَوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ، فَقالَ لَهم كَفَرَةُ الأحْبارِ: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكم.
أيْ عَرَّفَكم مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ فَيَحْتَجُّونَ عَلَيْكم إذْ تُقِرُّونَ بِهِ ولا تُؤْمِنُونَ بِهِ؟
وقالَ السُدِّيُّ: إنَّ بَعْضَ اليَهُودِ حَكى لِبَعْضِ المُسْلِمِينَ ما عُذِّبَ بِهِ أسْلافُهُمْ، فَقالَ بَعْضُ الأحْبارِ: ﴿ أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ ﴾ مِنَ العَذابِ، فَيَحْتَجُّونَ عَلَيْكُمْ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ أكْرَمُ عَلى اللهِ حِينَ لَمْ يَفْعَلْ بِنا مِثْلَ هَذا؟، وفَتَحَ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْنى: حَكَمَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: «إنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ: يا إخْوَةَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ.
فَقالَ الأحْبارُ لِأتْباعِهِمْ: ما عَرَفَ هَذا إلّا مِن عِنْدِكم.
أتُحَدِّثُونَهُمْ؟» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا إذا سُئِلُوا عن شَيْءٍ قالُوا: في التَوْراةِ كَذا وكَذا، فَكَرِهَتِ الأحْبارُ ذَلِكَ ونَهَوْا في الخَلْوَةِ عنهُ، فَفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ.
والفَتْحُ في اللُغَةِ يَنْقَسِمُ أقْسامًا تَجْمَعُها بِالمَعْنى التَوْسِعَةُ وإزالَةُ الإبْهامِ، وإلى هَذا يَرْجِعُ الحُكْمُ وغَيْرُهُ، والفَتّاحُ هو القاضِي بِلُغَةِ اليَمَنِ، و"يُحاجُّوكُمْ" مِنَ الحُجَّةِ وأصْلُهُ مِن حَجَّ إذا قَصَدَ، لِأنَّ المُتَحاجِّينَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْصِدُ غَلَبَةَ الآخَرِ، و ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ "عِنْدَ" بِمَعْنًى: في رَبِّكُمْ، أيْ فَيَكُونُونَ أحَقَّ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ، قِيلَ: هو مِن قَوْلِ الأحْبارِ لِلْأتْباعِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ مِنَ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لا يُؤْمِنُونَ وهم بِهَذِهِ الأحْوالِ؟
والعَقْلُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَلا يَعْلَمُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلٍ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "أو لا تَعْلَمُونَ" بِالتاءِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ.
والَّذِي أسَرُّوهُ: كُفْرُهُمْ، والَّذِي أعْلَنُوهُ: قَوْلُهُمْ: آمَنّا، هَذا في سائِرِ اليَهُودِ، والَّذِي أسَرَّهُ الأحْبارُ: صِفَةُ مُحَمَّدٍ والمَعْرِفَةُ بِهِ، والَّذِي أعْلَنُوهُ: الجَحْدُ بِهِ، ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ الجَمِيعَ.
و"أُمِّيُّونَ" هُنا عِبارَةٌ عن جَهَلَةٍ بِالتَوْراةِ.
قالَ أبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: المَعْنى ومِن هَؤُلاءِ اليَهُودِ المَذْكُورِينَ.
فالآيَةُ مُنَبِّهَةٌ عَلى عامَّتِهِمْ وأتْباعِهِمْ، أيْ أنَّهم مِمَّنْ لا يَطْمَعُ في إيمانِهِمْ، لِما غَمَرَهم مِنَ الضَلالِ.
وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالأُمِّيِّينَ قَوْمٌ ذَهَبَ كُتّابُهم لِذُنُوبٍ رَكِبُوها فَبَقُوا أُمِّيِّينَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ والضَحّاكُ: هم في الآيَةِ نَصارى العَرَبِ، وقِيلَ: عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَجُوسُ، والضَمِيرُ في "مِنهُمْ" عَلى هَذِهِ الأقْوالِ هو لِلْكُفّارِ أجْمَعِينَ، وقَوْلُ أبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ أوجَهُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُمِّيُّونَ" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، والأُمِّيُّ في اللُغَةِ الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ في كِتابٍ، نُسِبَ إلى الأُمِّ، إمّا لِأنَّهُ بِحالِ أُمِّهِ مِن عَدَمِ الكِتابِ، لا بِحالِ أبِيهِ، إذِ النِساءُ لَيْسَ مَن شَغَلَهُنَّ الكِتابُ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، وإمّا لِأنَّهُ بِحالٍ ولَدَتْهُ أُمُّهُ فِيها، لَمْ يَنْتَقِلْ عنها، وقِيلَ: نُسِبَ إلى الأُمَّةِ وهي القامَةُ والخِلْقَةُ، كَأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الآدَمِيِّينَ إلّا ذَلِكَ، وقِيلَ: نُسِبَ إلى الأُمَّةِ عَلى سَذاجَتِها قَبْلَ أنْ تُعْرَّفَ المَعارِفُ، فَإنَّها لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ، ولِذَلِكَ قالَ النَبِيُّ في العَرَبِ: «إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ» الحَدِيثُ، والألِفُ واللامُ في "الكِتابَ" لِلْعَهْدِ، ويَعْنِي بِهِ التَوْراةَ في قَوْلِ أبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ.
والأمانِيُّ جَمْعُ أمْنِيَةٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ "أمانِي" بِتَخْفِيفِ الياءِ، وأصْلُ أُمْنِيةٍ أمْنُويَةٍ عَلى وزْنِ (أُفْعُولَةٍ)، ويُجْمَعُ هَذا الوَزْنُ عَلى (أفاعِلَ)، وعَلى هَذا يَجِبُ تَخْفِيفُ الياءِ، ويُجْمَعُ عَلى (أفاعِيلَ) فَعَلى هَذا يَجِيءُ أمانِيِي، أُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ فَجاءَ "أمانِيَّ" واخْتَلَفَ في مَعْنى "أمانِيَّ" فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي هُنا مِن تَمَنِّي الرَجُلِ إذا تَرَجّى فَمَعْناهُ أنَّ مِنهم مَن لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وإنَّما يَقُولُ بِظَنِّهِ شَيْئًا سَمِعَهُ فَيَتَمَنّى أنَّهُ مِنَ الكِتابِ، وقالَ آخَرُونَ: هي مِن تَمَنّى إذا تَلا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَمَنّى كِتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادَرِ فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا سَماعَ شَيْءٍ يُتْلى لا عِلْمَ لَهم بِصِحَّتِهِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هي مِن تَمَنّى الرَجُلُ إذا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ مُخْتَلَقٍ كَذِبٍ، وذَكَرَ أهْلُ اللُغَةِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: تَمَنّى الرَجُلُ إذا كَذَبَ، واخْتَلَقَ الحَدِيثَ، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما تَمَنَّيْتُ ولا تَغَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ.
فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ مِنهم أُمِّيِّينَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أنَّهم يَسْمَعُونَ مِنَ الأحْبارِ أشْياءَ مُخْتَلَقَةً يَظُنُّونَها مِنَ الكِتابِ، و"إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ في المَيْلِ إلى أحَدِ الجائِزَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
معطوف على قوله: ﴿ وقد كان فريق منهم يسمعون ﴾ [البقرة: 75] عطف الحال على الحال و ﴿ منهم ﴾ خبر مقدم وتقديمه للتشويق إلى المسند إليه كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ [البقرة: 8] والمعنى كيف تطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم محرفين وفريق جهلة وإذا انتفى إيمان أهل العلم منهم المظنون بهم تطلب الحق المنجي والاهتداء إلى التفرقة بينه وبين الباطل فكانوا يحرفون الدين ويكابرون فيما يسمعون من معجزة القرآن في الإخبار عن أسرار دينهم فكيف تطمعون أيضاً في إيمان الفريق الأميين الذين هم أبعد عن معرفة الحق وألهى عن تطلبه وأضل في التفرقة بين الحق والباطل وأجدر بالاقتداء بأئمتهم وعلمائهم فالفريق الأول هم الماضون.
وعلى هذا فجملة ﴿ ومنهم أميون ﴾ معطوفة على جملة ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ إلخ باعتبار كونها معادلاً لها من جهة ما تضمنته من كونها حالة فريق منهم وهذه حالة فريق آخر.
وأما قوله: ﴿ وإذا لقوا ﴾ [البقرة: 76] وقوله: ﴿ وإذا خلا ﴾ [البقرة: 76] فتلك معطوفات على جملة ﴿ وقد كان فريق ﴾ عطف الحال على الحال أيضاً لكن باعتبار ما تضمنته الجملة الأولى من قوله: ﴿ يسمعون ﴾ الذي هو حال من أحوال اليهود وبهذا لا يجيء في جملة ﴿ ومنهم أميون ﴾ التخيير المبني على الخلاف في عطف الأشياء المتعددة بعضها على بعض هل يجعل الأخير معطوفاً على ما قبله من المعطوفات أو معطوفاً على المعمول الأول لأن ذلك إذا كان مرجع العطف جهة واحدة وهنا قد اختلفت الجهة.
والأمي من لا يعرف القراءة والكتابة والأظهر أنه منسوب إلى الأمة بمعنى عامة الناس فهو يرادف العامي، وقيل: منسوب إلى الأم وهي الوالدة أي إنه بقي على الحالة التي كان عليها مدة حضانة أمه إياه فلم يكتسب علماً جديداً ولا يعكر عليه أنه لو كان كذلك لكان الوجه في النسب أن يقولوا أمهى بناء على أن النسب يرد الكلمات إلى أصولها وقد قالوا في جمع الأم: أمهات فردُّوا المفرد إلى أصله فدلوا على أن أصل أم أمهة لأن الأسماء إذا نقلت من حالة الاشتقاق إلى جعلها أعلاماً قد يقع فيها تغيير لأصلها.
وقد اشتهر اليهود عند العرب بوصف أهل الكتاب فلذلك قيل هنا: ﴿ ومنهم أميون ﴾ أي ليس جميعهم أهل كتاب.
ولم تكن الأمية في العرب وصف ذم لكنها عند اليهود وصف ذم كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيلاً ﴾ [آل عمران: 75] وقال ابن صَيَّاد للنبيء صلى الله عليه وسلم «أشهد أنك رسول» وذلك لما تقتضيه الأميين من قلة المعرفة ومن أجل ذلك كانت الأمية معجزة للنبيء صلى الله عليه وسلم حيث كان أعلم الناس مع كونه نشأ أميًّا قبل النبوءة وقد قال أبو الوليد الباجي: إن الله علّم نبيه القراءة والكتابة بعد تحقق معجزة الأمية بأن يطلعه على ما يعرف به ذلك عند الحاجة استناداً لحديث البخاري في صلح الحديبية وأيده جماعة من العلماء في هذا وأنكر عليه أكثرهم مما هو مبسوط في ترجمته في كتاب «المدارك» لعياض وما أراد إلا إظهار رأيه.
والكتاب إما بمعنى التوراة اسم للمكتوب وإما مصدر كتب أي لا يعلمون الكتابة ويبعده قوله بعده: ﴿ إلا أماني ﴾ فعلى الوجه الأول يكون قوله: ﴿ لا يعلمون الكتاب ﴾ أثراً من آثار الأمية أي لا يعلمون التوراة إلا علماً مختلطاً حاصلاً مما يسمعونه ولا يتقنونه، وعلى الوجه الثاني تكون الجملة وصفاً كاشفاً لمعنى الأميين كقول أوس بن حجر: الألمعي الذي يظن بك الظ *** ن كأن قد رأى وقد سمعا والأمانيُّ بالتشديد جمع أُمْنِيَّة على وزن أفاعيل وقد جاء بالتخفيف فهو جمع على وزن أفاعل عند الأخفش كما جمع مفتاح على مفاتِح ومفاتيح، والأمنية كأثْفِيَّة وأُضحية أفْعُولة كالأعجوبة والأضحوكة والأكذوبة والأغلوطة، والأماني كالأعاجيب والأضاحيك والأكاذيب والأغاليط، مشتقة من مَنَى كرمى بمعنى قدَّر الأمرَ ولذلك قيل تمنى بمعنى تكلف تقدير حصول شيء متعذر أو متعسر، ومنَّاه أي جعله مَانياً أي مقدِّراً كناية عن الوعد الكاذب لأنه ينقل الموعود من تقدير حصول الشيء اليومَ إلى تقدير حصوله غداً، وهكذا كما قال كعب بن زهير: فلا يَغُرَّنْك ما مَنَّت وما وعدت *** إن الأَماني والأحلامَ تضليل ولأن الكاذب ما كذب إلا لأنه يتمنى أن يكون ما في نفس الأمر موافقاً لخبره فمن أجل ذلك حدثت العلاقة بين الكذب والتمني فاستعملت الأمنية في الأكذوبة، فالأماني هي التقادير النفسية أي الاعتقادات التي يحسبها صاحبها حقاً وليست بحق أو هي الفعال التي يحسبها العامة من الدين وليست منه بل ينسون الدين ويحفظونها، وهذا دأب الأمم الضالة عن شرعها أن تعتقد مالها من العوائد والرسوم والمواسم شرعاً، أو هي التقادير التي وضعها الأحبار موضع الوَحي الإلهي إما زيادة عليه حتى أنستهم الأصل وإما تضليلاً وهذا أظهر الوجوه.
وقيل: الأماني هنا الأكاذيب أي ما وضعه لهم الذين حرفوا الدين، وقد قيل الأماني القراءة أي لا يعلمون الكتاب إلا كلمات يحفظوها ويدرسونها لا يفقهون منها معنى كما هو عادة الأمم الضالة إذ تقتصر من الكتب على السرد دون فهم وأنشدوا على ذلك قول حسان في رثاء عثمان رضي الله عنه: تمنَّى كتابَ الله أوَّلَ لَيْلِهِ *** وآخِرَه لاَقى حمام المَقَادِر أي قرأ القرآن في أول الليل الذي قُتل في آخره.
وعندي أن الأماني هنا التمنيات وذلك نهاية في وصفهم بالجهل المركب أي هم يزعمون أنهم يعلمون الكتاب وهم أميون لا يعلمونه ولكنهم يدَّعون ذلك لأنهم تمنوا أن يكونوا علماءَ فلما لم ينالوا العلم ادعوه باطلاً فإن غي العالم إذا اتهم بميسم العلماء دل ذلك على أنه يتمنى لو كان عالماً، وكيفما كان المراد فالاستثناء منقطع لأن واحداً من هاته المعاني ليس من علم الكتاب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم أُمِّيُّونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأُمِّيَّ: الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وأظْهَرُ تَأْوِيلِهِ.
والثّانِي: أنَّ الأُمِّيِّينَ: قَوْمٌ لَمْ يُصَدِّقُوا رَسُولًا أرْسَلَهُ اللَّهُ، ولا كِتابًا أنْزَلَهُ اللَّهُ، وكَتَبُوا كِتابًا بِأيْدِيهِمْ، وقالَ الجُهّالُ لِقَوْمِهِمْ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَفي تَسْمِيَةِ الَّذِي لا يَكْتُبُ بِالأُمِّيِّ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأُمَّةِ، أيْ عَلى أصْلِ ما عَلَيْهِ الأُمَّةُ، لِأنَّهُ باقٍ عَلى خِلْقَتِهِ مِن أنَّهُ لا يَكْتُبُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى وإنَّ مُعاوِيَةَ الأكْرَمِينَ حِسانُ الوُجُوهِ طِوالُ الأُمَمْ والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأُمِّ، وفي أخْذِهِ مِنَ الأُمِّ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنها، لِأنَّهُ عَلى ما ولَدَتْهُ أُمُّهُ مِن أنَّهُ لا يَكْتُبُ.
والثّانِي: أنَّهُ نُسِبَ إلى أُمِّهِ، لِأنَّ الكِتابَ في الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، فَنُسِبَ مَن لا يَكْتُبُ مِنَ الرِّجالِ إلى أُمِّهِ، لِجَهْلِها بِالكِتابِ دُونَ أبِيهِ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلا أمانِيَّ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلاَّ أمانِيَّ: يَعْنِي: إلّا كَذِبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ: ولَكِنَّما ذاكَ الَّذِي كانَ مِنكُما ∗∗∗ أمانِيُّ ما لاقَتْ سَماءً ولا أرْضا والثّانِي: إلاَّ أمانِيَّ، يَعْنِي، أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ عَلى اللَّهِ ما لَيْسَ لَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: إلاَّ أمانِيَّ، يَعْنِي [إلّا أمانِيَّ] يَعْنِي إلّا تِلاوَةً مِن غَيْرِ فَهْمٍ قالَهُ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ \[سُورَةُ الحَجِّ: ٥٢\] يَعْنِي ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ، وقالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ والرّابِعُ: أنَّ الأمانِيَّ: التَّقْدِيرُ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ولا تَقُولَنْ لِشَيْءٍ سَوْفَ أفْعَلُهُ ∗∗∗ حَتّى تَبَيَّنَ ما يُمَنِّي لَكَ المانِي (وَإلّا): في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى (لَكِنْ) وهو عِنْدَهم مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ ﴾ قالَ النّابِغَةُ: حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ ∗∗∗ ولا عِلْمَ إلّا حُسْنُ ظَنٍّ بِصاحِبِ ﴿ وَإنْ هم إلا يَظُنُّونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَكْذِبُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: يُحَدِّثُونَ، قالَهُ البَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ﴾ في الوَيْلِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّقْبِيحُ، وهو قَوْلُ الأصْمَعِيِّ.
وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ ﴾ .
وقالَ الشّاعِرُ: كَسا اللُّؤْمُ سَهْمًا خُضْرَةً في جُلُودِها ∗∗∗ فَوَيْلٌ لِسَهْمٍ مِن سَرابِيلِها الخُضْرِ والثّالِثُ: أنَّهُ الحُزْنُ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الخِزْيُ والهَوانُ.
والخامِسُ: أنَّ الوَيْلَ وادٍ في جَهَنَّمَ، وهَذا قَوْلُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ.
والسّادِسُ: أنَّهُ جَبَلٌ في النّارِ، وهو قَوْلُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ.
﴿ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ﴾ أيْ يُغَيِّرُونَ ما في الكِتابِ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ونَعْتِهِ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِأيْدِيهِمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ تَحْقِيقَ الإضافَةِ، وإنْ كانَتِ الكِتابَةُ لا تَكُونُ إلّا بِاليَدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ والثّانِي: أنَّ مَعْنى ﴿ بِأيْدِيهِمْ ﴾ أيْ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السَّرّاجِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لِيَأْخُذُوا بِهِ عَرَضَ الدُّنْيا، لِأنَّهُ قَلِيلُ المُدَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ﴾ وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ قَلِيلٌ لِأنَّهُ حَرامٌ.
﴿ وَوَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن تَحْرِيفِ كُتُبِهِمْ.
والثّانِي: مِن أيّامِ مَعاصِيهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله، ولا كتاباً أنزله، فكتبوا كتاباً بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: هذا من عند الله.
وقال: قد أخبرهم أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله ورسله.
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب ﴾ قال: منهم من لا يحسن أن يكتب.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب ﴾ قال: لا يدرون ما فيه ﴿ وإن هم إلا يظنون ﴾ وهم يجحدون نبوّتك بالظن.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب ﴾ قال: ناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئاً، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون هو من الكتاب أماني تمنونها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا أماني ﴾ قال: إلا أحاديث.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا أماني ﴾ قال: إلا قولاً يقولون بأفواههم كذباً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ إلا أماني ﴾ قال: إلا كذباً ﴿ وإن هم إلا يظنون ﴾ قال: الا يكذبون.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ﴾ قال أبو إسحاق: معنى الأمي في اللغة: المنسوب إلى ما عليه جبلّة (١) (٢) وقال غيره: قيل للذي لا يكتب: أمِّي؛ لأن الكتابة مكتسبة، فكأنه نُسِبَ إلى ما ولد عليه، أي: هو على ما ولدته أمّه.
وقال ابن الأنباري: إنما سمّي الذي لا يكتب، ولا يقرأ: أمّيّاً؛ لأنه نسب إلى أمّه، إذ كان النساءُ لا يكتبن في ذلك الدّهر (٣) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَمَانِىَّ ﴾ جَمْعُ أُمْنِيّة، وأُمْنِيَّة في الأَصْلِ.
أُمْنُوية فقلبت الواو ياءً لسكونها ثم أدغمت (٤) (٥) (٦) (٧) فأمَّا الغواشي والجوابي (٨) (٩) والأمنيَّة: من التمنّي، كالأغنية من التغنّي.
قال الكسائي: أصل التمني في اللغة: حديثُ الرجلِ نفسَه، والعرب تقول: تركتُه قاعدًا يتمنى، أي: يحدث نفسَه.
وأنشد لكعب بن مالك (١٠) (١١) (١٢) أي: قرأ، يسمّى (١٣) (١٤) (١٥) وقال غيره: أصل هذه الكلمة عند أهل اللّغة من التقدير.
والتمني: هو تقدير شيء تودُه، والمنيّة مقدرةٌ على العباد، والمَنَى الذي يوزن به: مقدار معروف، والمَنِيُّ: الذي يقدَّرُ منه الولد، والتمني: التلاوة؛ لأنها حكاية على مقدار المحكيِ، والمنا (١٦) (١٧) (١٨) والأمنية في هذه الآية: التلاوة؛ لأنها حكاية للكلام على مقدار حُروفه من غير زيادة.
وقال ابن السكيت: يقال: هو مُنّي (١٩) (٢٠) وقال الفراء: يقال: مَنىَ الله لك ما يَسُرّك، أي: قَدّر لك.
وأنشد: ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله ...
حتى تَبَيّنَ (٢١) (٢٢) (٢٣) أي: ما يقدر لك القادر (٢٤) فأمَّا التفسير، فقال ابن عباس: ﴿ إِلَّا أَمَانِيَّ ﴾ : إلا أحاديث (٢٥) وقال الفرَّاء: الأماني: الأحاديث المفتعلة، يقول الله: لا يعلمون الكتاب ولكن هو أحاديث مفتعلة ليست من كتاب الله يسمعونها من كبرائهم (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) قال ابن الأنباري (٣١) فَلا يَغُرَّنْكَ مَا مَنَّتْ ومَا وَعَدَتْ ...
إنَّ الأمَانِيَّ وَالأحْلامَ تَضْلِيلُ (٣٢) وقال أبو عبيدة (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) وقيل: يقرءون في الكتاب ولا يعلمونه بقلوبهم، فهم لا يعلمون الكتاب إلا تلاوة ولا يعملون به (٣٨) (٣٩) قال ابن الأزهري: والتلاوة سميت أمنية؛ لأن تالي القرآن إذا مر بآية رحمة تمنّاها، وإذا مرّ بآية عذاب تمنّى أن يُوَقّاه (٤٠) وقال الحسن (٤١) (٤٢) (٤٣) ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴾ ، وقولهم: ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا ﴾ ، وقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ ﴾ .
قال ابن الأنباري: والاستثناء على هذا التأويل منقطع عن الأوّل، يريد.
لا يعلمون الكتاب البتة، لكنهم يتمنون على الله مالا ينالون (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ أي: لا يعلمون، (٤٥) (٤٦) (٤٧) قال ابن عبّاس في قوله: (وإن هُم إلّا يظنون): أي: لا يعلمون الكِتَابَ، ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظَنّ (٤٨) قالَ أصحاب المعاني: ذمّ الله بهذه الآية قومًا من اليهود، لا يحسنون شيئًا وليسُوا على بصيرة إلّا ما يحدّثونَ به، أو إلّا ما يقرءون عن غَيْرِ عِلم به (٤٩) قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ الآية.
قال ابن عباس: الوَيْل شِدّة العَذَاب (٥٠) وقال الزجّاج: الويل كلمة يستعملها كل واقع في هَلَكة، وأصله في اللغة: العذاب (٥١) وقال ابن قتيبة: قال الأصمعي: الويل تقبيح (٥٢) ﴿ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ .
وروى الأزهري عن المنذري عن أبي طالب النحوي أنه قال: قولهم: ويل (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) وحكى ابن الأنباري عن الفراء: أن أصل هذه الكلمة: وي لفلان، وهو حكاية صوتِ المصاب وَي وَي، فكثر الاستعمال للحرفين، يعني: وي لفلان فوُصِلتْ اللام بوي وَجُعِلَتْ معها حرفًا واحدًا، ثم خُبِّر عَن ويل بلام أُخرى.
وقرأت على أبي الحُسين الفسوي، فقلت: أخبركم حمد بن محمد الفقيه، قال: أخبرني أبو عمر (٥٧) (٥٨) تَوَيّل إذ ملأتُ يدي وكانَتْ ...
يميني لا تعلّلُ (٥٩) (٦٠) قال أبو عمرو: يقال في هذا أيضًا: وال يَوِيلُ، على وزن مال يميل.
انتهت الحكايةُ.
وسمعتُ من يوثق بعلمه يقول: أخطأ أبو عمرو، لم يأت من هذا الباب ما أَوَّلُه واوٌ ولا ياءٌ في الأجوف.
وروي عن أبي سعيد الخدري (٦١) (٦٢) قال النحويون: وذكر اليد في قوله: ﴿ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ تحقيق للإضافة وإن كانت الكتابة لا تقع إلا باليد، وقد أُكدّت الإضافة بذكر اليد (٦٣) (٦٤) ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ وقوله: ﴿ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا ﴾ .
ومعناه: مما تولينا عمله، ولما (٦٥) والأصل في هذا: أنه قد يضاف الفعل إلى الفاعل وغير الفاعل له، كقوله: ﴿ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ﴾ ، والمراد بذلك: أنه يأمر بالذبح فَيُمتثل أمره.
فلما كان الفعلُ قد يُضاف إلى غير الفاعل أُكّدَت الإِضافة بذكر اليد؛ للتحقق وينتفي الاحتمال، ثم استعمل هذا التأكيد (٦٦) وقال ابن السراج: معنى يكتبون بأيديهم، أي: من تلقائهم ومن قبل أنفسهم من غير أن يكون أُنزل عَلَيهم أو على من قبلهم (٦٧) (٦٨) (٦٩) قال المفسرون: هذا في اليهود، عَمَدوا إلى صفة محمد فكتبوا صفته على غير ما كانت في التوراة، وأخذوا عليه الأموال، وقبلوا الهدايا (٧٠) ﴿ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ يقال: كسبت الشيء كسبًا، وكَسَبْتُ الرجلَ مالًا فَكَسَبه وهذا أحد ما جاء على فَعَلْتُه فَفَعَل، ومعنى الكسب: فعل يُجتلَب به نفع، أو يُستدفَع به ضرر، واكتسب الخطيئة إنما ذلك لأنه يَجتلب به تعجّلَ المنفعة وينسَى ما عليه فيه من تأجّل المضرّة.
(١) في (ش): (حيلة).
(٢) "معاني القرآن" 1/ 159.
وفي "تهذيب اللغة" 1/ 204 مادة (أم) النص هكذا: معنى الأمي في اللغة المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه.
(٣) ينظر.
"تهذيب اللغة" 1/ 204 - 205، و"المحيط في اللغة" للصاحب بن عباد 10/ 459، "تفسير القرطبي" 2/ 4، و"اللسان" 1/ 123.
(٤) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3254 (٥) ساقطة من (أ) و (ش).
(٦) قال أبو حاتم: كل جمع من هذا النحو، واحده مشدّد فلك فيه التخفيف والتشديد، مثل: بَخَاتي، وأثافي، وأغاني، وأماني ونحوها ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 376 - 377، "تهذيب اللغة" 4/ 3454، "المحتسب" لابن جني 1/ 94 "تفسير الثعلبي" 1/ 999.
(٧) القرقور: السفينة العظيمة الطويلة.
(٨) في (م): (الجواني).
(٩) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 49، "معاني القرآن" للأخفش الأوسط 1/ 117 - 118، "تفسير الطبري" 2/ 376 - 377، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 159، "تهذيب اللغة" 4/ 345، "المحتسب" لابن جني 1/ 94.
(١٠) هو: كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين خلفوا فتاب الله عليهم، اختلف في تاريخ وفاته بين 40 و50 هـ وغيرها.
ينظر: "أسد الغابة" 4/ 487 - 489، "الإصابة": 3/ 302.
(١١) كذا في الأصل: وآخرها، وفي "تفسير الثعلبي" 1/ 1000، "اللسان" 7/ 4284، "تفسير القرطبي" 2/ 6: وآخره.
(١٢) البيت في "ديوانه" ص 294 قاله في رثاء عثمان بن عفان، وينظر "تفسير ابن عطية" 1/ 169، "القرطبي" 2/ 5، وقيل: هو لحسان بن ثابت كما في "تفسير أبي حيان" 6/ 386، وليس في "ديوانه"، وبلا نسبة في "لسان العرب" 7/ 4284، و"مقاييس اللغة" 5/ 277، وكتاب "العين" 8/ 390.
ينظر "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية"، للدكتور/ أميل بديع يعقوب 3/ 370.
وحمام المقادر: الموت.
(١٣) في: (م) لعلها (يسمي).
(١٤) في (م) و (ش): (ما).
(١٥) في (ش): تحدث نفسه.
(١٦) في (م): (المنا الذي).
(١٧) ينظر: "القاموس" 1336: (مادة: المنا).
(١٨) في (م): (أمنيت).
(١٩) في (ش): (تمني).
(٢٠) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3454 ولم أجده في كتابيه:"تهذيب الألفاظ"، و"إصلاح المنطق".
(٢١) في (م): (يبين).
وفي (ش): (بين) وفي "تهذيب اللغة" 4/ 3454: تُلاقيَ.
(٢٢) في (ش): (تمنى).
(٢٣) البيت لأبي قلابة الهذلي، في "شرح أشعار الهذليين" ص 713، ولسويد بن عامر "المصطلقي في لسان العرب" 7/ 4282، وذكره في "تهذيب اللغة" عن الفراء ولم ينسبه 4/ 3454.
(٢٤) لم أجده في مظنته من "معاني القرآن" للفراء، ونقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3454.
(٢٥) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" 2/ 261، و"ابن أبي حاتم" 1/ 152.
(٢٦) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 49 - 50.
(٢٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 999، وينظر: "البغوي" 1/ 88، "الخازن" 1/ 77.
(٢٨) في (ش): (تتمنى).
في (أ) و (م): (تمتني)، وما في (ش) موافق لما في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 159.
(٢٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 159.
(٣٠) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 15/ 534.
(٣١) في (م): (الأنبار).
(٣٢) البيت لكعب بن زهير، ينظر: "ديوانه" ص 9، "لسان العرب" 7/ 4284، "المعجم المفصل" 6/ 347.
(٣٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 999، وليس هو في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة.
(٣٤) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3456 (٣٥) ينظر: "تفسير غريب القرآن" ص 46.
(٣٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 159.
(٣٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 999، "تفسير البغوي" 1/ 88 "زاد المسير" 1/ 105.
(٣٨) في الأصل (يعلمون)، وهو تحريف.
(٣٩) ينظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 56.
(٤٠) "تهذيب اللغة" 15/ 534.
(٤١) ذكره "الثعلبي" في "تفسيره" عنه 2/ 1001، وينظر: "الوسيط" للمصنف 1/ 162، و"البغوي" 1/ 88.
(٤٢) أخرجه الطبري في تفسيره بمعناه 2/ 374 - 375، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 152، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1001.
(٤٣) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/، وفي "تفسير الطبري" بمعناه 1/ 375، وذكره "أبن أبي حاتم" 1/ 152 عنه وعن الربيع بن أنس بلا إسناد، وينظر: "التفسير الصحيح" 1/ 180.
(٤٤) وقد رجح الشنقيطي هذا القول في أضواء البيان 1/ 141 وبين أن مما يدل لهذا القول: قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ وقوله ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ وبين أن القول الأول لا يتناسب مع قوله: ومنهم أميون لأن الأمي لا يقرأ.
== ويؤيد ذلك ما ورد بأسانيد صحيحة عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وأبي العالية.
ينظر: "التفسير الصحيح" 1/ 180.
(٤٥) زيادة من (ش).
(٤٦) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 377، "تفسير الثعلبي" 1/ 1001، "تفسير البغوي" 1/ 115.
(٤٧) نقل القرطبىِ في "تفسيره" 2/ 6 عن أبي بكر الأنباري عن أحمد بن يحيى النحوي: أن العرب تجعل الظن علمًا وشكًّا وكذبًا، وقال: إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين، وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب.
(٤٨) رواه الطبري في تفسيره 1/ 277.
(٤٩) ينظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 1/ 365، "تفسير القرطبي" 2/ 6.
(٥٠) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1003، والبغوي في "تفسيره" 1/ 115، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 378 بلفظ: فالعذاب عليهم.
(٥١) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 160.
(٥٢) ينظر: "اللسان" 11/ 739.
(٥٣) في "تهذيب اللغة": (ويله).
(٥٤) في الأصل ويه، والمثبت من "اللسان".
(٥٥) الندبة: وهي نداء متفجع عليه حقيقة أوحكما أو متوجع منه.
ينظر: "طرح التثريب" 1/ 154، "المصباح المنير" ص 597.
(٥٦) "تهذيب اللغة" 4/ 3969.
(٥٧) هو: محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر اللغوي الزاهد، المعروف بغلام ثعلب، لازم ثعلبًا في العربية فأكثر عنه إلى الغاية، له مصنفات كثيرة منها: "فائت الفصيح"، و"الياقوتة"، وغيرها، توفي سنة 345 هـ.
ينظر: "سير أعلام النبلاء" 15/ 508 - 513، و"تاريخ بغداد" 2/ 356 - 359.
(٥٨) ساقطة من (ش).
(٥٩) في (ش): (لا تغلل).
(٦٠) البيت بلا نسبة في: "الممتع في التصريف" 2/ 568، وفي "لسان العرب" 8/ 4939، "المعجم المفصل" 6/ 587.
(٦١) هو: الصحابي الجليل، سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، اشتهر بكنيته أبو سعيد الخدري، من فقهاء الصحابة ومكثريهم في رواية الحديث، شهد ما بعد أحد، وتوفي سنة 74 هـ.
ينظر: "أسد الغابة" 2/ 365، و"الأعلام" 3/ 87.
(٦٢) أخرجه أحمد 3/ 75، وعبد بن حميد 924، والترمذي في التفسير، سورة الأنبياء برقم (3164)،، الطبري في تفسيره 1/ 378، والحاكم 2/ 507 أبو يعلى في "مسنده" 2/ 523 والبيهقي في "البعث والنشور" برقم 537 من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، ودراج ضعيف، وصححه الحاكم، وأحمد شاكر وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث ابن لهيعة وتعقبه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 125 فقال: لم يتفرد به ابن لهيعة كما ترى ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعا منكر، والله أعلم.
(٦٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1004، "تفسير القرطبي" 2/ 8.
(٦٤) هذا تأويل من المؤلف رحمه الله، جرى فيه على مذهب الأشاعرة.
والصواب ما عليه السلف من إثبات الصفات لله من غير تَأَويل ولا تكييف ولا تمثيل.
(٦٥) في (أ) و (م): (كما).
(٦٦) في (ش): (التاليد).
(٦٧) انظر: "تفسير القرطبي" 2/ 8.
(٦٨) في (ش): (يبيع).
(٦٩) في (ش): (بقوله).
(٧٠) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 378، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 244 - 247، "تفسير السمرقندي" 1/ 132، "تفسير الثعلبي" 3/ 1003.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ﴾ أي الذين لا يقرأون ولا يكتبون فهم ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب ﴾ والمراد قوم من اليهود وقيل: من المجوس وهذا غير صحيح، لأن الكلام عن اليهود ﴿ إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ تلاوة بغير فهم، أو أكاذيب، وما تتمناه النفوس ﴿ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ تحقيق لافترائهم ﴿ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ عرض الدنيا من الرياسة والرشوة وغير ذلك مما يكسبون من الدنيا أو هي الذنوب ﴿ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ أربعين يوماً عدد عبادتهم العجل وقيل سبعة أيام ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: تقرير يقتضي إبطال ﴿ بلى ﴾ تحقيق لطول مكثهم في النار، لقولهم ما لا يعلمون ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: في الكفار لأنها ردّ على اليهود، ولقوله بعدها ﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ فلا حجة فيها لن قال بتخليد العصاة في النار ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله ﴾ جواب لقسم يدل عليه الميثاق، وقيل: خبر بمعنى النهي، ويرجحه قراءة لا يعبدون وقيل: الأصل: ب ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ثم حذفت الباء.
وأن ﴿ وبالوالدين ﴾ يتعلق بإحسان، أو يمحذوف تقديره: أحسنوا، ووكد بإحساناً ﴿ وَذِي القربى ﴾ القرابة ﴿ واليتامى ﴾ جمع يتيم: وهو من فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من سائر الحيوان من فقد أمه، وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهم، فقدم الوالدين لحقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إلا أماني ﴾ حيث كان خفيفاً: يزيد إلا قوله ﴿ تلك أمانيهم ﴾ ﴿ وليس بأمانيكم ولا أماني ﴾ ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ فإن أربعتهن بالإسكان عنده ﴿ بأيديهم ﴾ بضم الهاء: يعقوب، وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة ﴿ خطيآته ﴾ بالجمع: أبو جعفر ونافع.
الوقوف: ﴿ يعلمون ﴾ (ه) ﴿ آمنا ﴾ (ج) والوصل أجوز لبيان حالتيهما المتناقضتين وهو المقصود ﴿ عند ربكم ﴾ (ط) ﴿ أفلا تعقلون ﴾ (ه) ﴿ يعلنون ﴾ (ه) ﴿ يظنون ﴾ (ج) ﴿ قليلاً ﴾ (ط) ﴿ يكسبون ﴾ (ه) ﴿ معدودة ﴾ (ط) ﴿ ما لا تعلمون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن الجملة مبتدأ وخبر بعد خبر.
﴿ خالدون ﴾ (ه) ﴿ الجنة ﴾ (ج) ﴿ خالدون ﴾ (ه).
التفسير: لما ذكر الله وتعالى قبائح أسلاف اليهود وسوء معاملتهم مع نبيهم، أردفها قبائح أخلافهم المعاصرين لرسول الله فكأنه قيل: إذا كان هذا أفعالهم فيما بينهم، فكيف تطمعون أيها النبي والمؤمنون في أن يؤمنوا أي يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم؟
كقوله ﴿ فآمن له لوط ﴾ ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ طائفة من أسلافهم ﴿ يسمعون كلام الله ﴾ وهو ما يتلونه من التوراة ﴿ ثم يحرفونه ﴾ كما حرفوا صفة رسول الله وآية الرجم.
وقيل: هم قوم من الذين حضروا الميقات، سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به ونهى عنه ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس ﴿ من بعد ما عقلوه ﴾ فهموه وضبطوه بعقولهم من غير ما شبهة ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم مفترون كذابون.
والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك كما تقول للرجل: كيف تطمع أن يفلح فلان وأستاذه فلان يأخذ عنه لا عن غيره؟
فهؤلاء المقلدة لا يقبلون إلا قول معلميهم وأحبارهم الذين تعمدوا التحريف عناداً أو لضرب من الأغراض الدنيوية ﴿ وإذا لقوا ﴾ أي اليهود قال منافقوهم: آمنا بأنكم على الحق ونشهد أن صاحبكم صادق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا.
﴿ وإذا خلا بعضهم ﴾ الذين لم ينافقوا ﴿ إلى بعض ﴾ الذين نافقوا ﴿ قالوا ﴾ عاتبين عليهم ﴿ أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ﴾ بما بين لكم في التوراة من نعته وصفته مأخوذ من قولهم "قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه، أو قال المنافقون لغيرهم يرونهم التصلب في دينهم: أتحدثونهم إنكاراً عليهم أن يفتحوا عليهم شيئاً في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود ﴿ ليحاجوكم به عند ربكم ﴾ ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه.
جعلوا محاجتهم به وقولهم "هو في كتابكم هكذا" محاجة عند الله.
ألا تراك تقول: هو في كتاب الله كذا وهو عند الله كذا بمعنى واحد؟
وعن الحسن: ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم من اتباع الرسل محاجة فيه أي دينه.
وقال الأصم: يحاجوكم يوم القيامة عند المساءلة فيكون زيادة في توبيخكم، فكان القوم يعتقدون أن ذلك مما يزيد في فضيحتهم في الآخرة.
وقيل: ليحاجوكم به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه: أزحت علتك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي، فإن قبلت أحسنت إلى نفسك، وإن جحدت كنت الخاسر الخائب.
وقيل: لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله كما يقال: فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي.
وهذا عند الشافعي كذا، وعند أبي حنيفة كذا ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه فإنكم إذا حدثتموهم بالذي يحاجونكم به رجع وباله عليكم ﴿ أو لا يعلمون أن الله يعلم ﴾ جميع ﴿ ما يسرون وما يعلنون ﴾ ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان، خوّفهم الله بذلك لأنهم كانوا يعرفون أن الله يعلم السر والعلانية ﴿ ومنهم أميون ﴾ لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها كأنه منسوب إلى الأم وهو أصل الشيء، فالأمي على أصل فطرته لم يكتسب علماً وكتابة ﴿ لا يعلمون الكتاب ﴾ التوراة ﴿ إلا أماني ﴾ وأحدها أمنية على أفعولة من مني إذا قدر.
تقول: منه تمنيت الشيء ومنيته غيري تمنية، لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوّز ما يتمناه، وأماني اليهود هي أن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وما يمنيهم الأحبار من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة.
وقيل: الأماني الأكاذيب المختلفة التي سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد.
يقال: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته؟
وذلك أن المختلق يقدر أن كلمة كذا بعد كذا.
وفي الصحاح أنه مقلوب المين وهو الكذب.
وقيل: إلا ما يقرأون من قولهم "تمنيت الكتاب قرأته" قال الشاعر يرثي عثمان: تمنـــى كتــــاب الله أوّل ليلـــــــة *** وآخرهــــا لا فـــي حمــــام المقـــــادر والقارئ مقدر الكلمات كالمختلق، وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً كأنه قيل: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه.
ثم إ نهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وعلى الأول يكون استثناء منقطعاً.
ومن قرأ ﴿ أماني ﴾ بالتخفيف حذف المد كما يقال مفاتح ﴿ وإن هم إلا يظنون ﴾ كالمحقق لما تقدمه من قوله ﴿ لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ ذكر الفرقة الضالة المضلة المحرفة، ثم الفرقة المنافقين منهم، ثم الفرقة المجادلة لأهل النفاق، ثم العوام المقلدة، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن للعالم أن يعمل بعلمه وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن إن كان متمكناً من العلم ولا سيما في أصول الدين، الويل كلمة يقولها كل مكروب، وعن ابن عباس: أنه العذاب الأليم.
وعن الثوري: صديد أهل الجحيم.
وعن رسول الله : "واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره" وقال عطاء بن يسار: الويل واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره.
ولا شبهة في دلالتها على نهاية الوعيد والتهديد ﴿ يكتبون الكتاب ﴾ المحرف ﴿ بأيديهم ﴾ تأكيد كما تقول للمنكر هذا ما كتبته بيمينك.
حكى عنهم أمرين: كتبة الكتاب وإسناده إلى الله.
فالوعيد مرتب على كل منهما وعلى مجموعهما إلا أنه على الثاني أبلغ ولهذا جيء بــ "ثم" وقوله ﴿ ليشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ تنبيه على شقاوتهم، فإنهم استبدلوا النفع الحقير العاجل الزائل بالأجر العظيم الآجل الدائم ﴿ فويل لهم مما كتبت أيديهم ﴾ أي مما أسلفت من كتبها ما لم يكن يحل لهم ﴿ وويل لهم مما يكسبون ﴾ بذلك بعد من الرشا على التحريف وفي إعادة الويل في الكسب دليل على أن الوعيد كما يلحقهم بسبب الكتبة وإسنادها إلى الله، فكذلك يلحقهم بسبب أخذ المال عليه ليعلم أن أخذ المال على الباطل محرم وإن كان بالتراضي ﴿ وقالوا لن تمسنا النار ﴾ نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو جزمهم بأن الله لا يعذبهم إلا أياماً معدودة قليلة، وهذا الجزم مما لا سبيل إليه بالعقل ألبتة، ولا دليل له سمعياً فلا يجزم به عاقل.
والأيام المعدودة قالوا: أربعون يوماً هي أيام عبادة العجل.
وعن مجاهد قالوا: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً لأن يوماً عند الله ألف سنة.
وأيام معدودة ومعدودات كلاهما فصيح مثل الأيام مضت ومضين.
والعهد ههنا يجري مجرى الوعد والخبر، لأن خبره كالعهود المؤكدة منا بالقسم والنذر.
و ﴿ أتخذتم ﴾ استفهام بطريق الإنكار، وإنه يدل على عدم الدليل السمعي.
﴿ فلن يخلف الله عهده ﴾ لتنزهه عن كل نقيصة وخلاف الخبر أنقص النقائص.
فإن قيل: هب أن الخلف في الوعد لؤم ونقيصة، لكنه في الوعيد كرم ولطف.
قلنا: الخلف من حيث هو كذب قبيح لا يجوّزه كامل، ولعل للكرم طريقاً آخر سوى هذا فتأمل.
و "أم" إما معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقدير لأن العلم واقع بكون أحدهما وهذا من الكامل المنصف نحو ﴿ وإِنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ ، ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى "بل أتقولون" كأنه أعرض عن الاستفهام الأول واستأنف سؤالاً ثانياً.
فالاستفهام الأول لتقرير النفي، والاستفهام الثاني لتقرير الإثبات.
وفي الآية تنبيه على أن القول بغير دليل باطل وأن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلا لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي.
ولا حجة لمنكري القياس وخبر الواحد فيه لأنه لما دل الدليل على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد، كان وجوب العمل معلوماً فكان القول به قولاً بالمعلوم ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله ﴿ لن تمسنا النار ﴾ أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله ﴿ هم فيها خالدون ﴾ عن ابن عباس: وجد أهل الكتاب ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين فقالوا: لن نعذب في النار إلا ما وجدنا في التوراة، وإذا كان يوم القيامة أقحموا في النار فساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شفير سقر وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزنة أهل النار: يا أعداء الله، زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياماً معدودة، فقد انقضى العدد وبقي الأبد.
قلت: وفي مثل حالهم ضلال الفلاسفة القائلين بأن الأرواح وإن صارت مكدرة بقبائح أفعال الأشباح، إلا أنها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من قبائح الأعمال إلا أياماً معدودة بقدر فطام الأرواح عن لبان التمتعات الحيوانية، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى حسن المآب.
ومنهم من زعم أن استيفاء اللذات الحسية يقلل التعلقات الدنيوية ويسهل عروج الروح إلى عالمه العلوي، وكل هذا خيال فاسد ومتاع كاسد، وإنه قول من لم يجرب ولم يجد من نفسه أنها كيف تتدنس وتتكدر بالأخلاق الذميمة البهيمية والسبعية، وكيف تتصفى وتتطهر بالأخلاق الحميدة الروحانية الملكية، فغمر بصدإ مرآة القلب بحيث لا يبقى فيه شيء من الصفاء الفطري ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ فلا يجلوها إلا مرور الدهور وكرور الأعصار.
وقد ينضم الكفر إلى تلك الأخلاق فيبقى خالداً مخلداً في النار، في ويل طويل وزفير وعويل، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
والسيئة أصلها سيوئة من ساءه يسوءه سوأ ومساءة، فقلبت الواو ياء وأدغمت، وهي من الصفات الغالبة.
وقوله ﴿ سيئة ﴾ يتناول جميع المعاصي صغرت أو كبرت، فضم إليها شرط آخر وهو كون السيئة محيطة به ليختص بالكبيرة.
ولفظ الإحاطة حقيقة في المجسمات إحاطة السور بالبلد والظرف بالمظروف، فنقل إلى الخطيئة وهي عرض لمعنيين من جهة أن المحيط يستر المحاط به.
والكبيرة تستر الطاعات، ومن جهة أن الكبيرة تحبط الطاعات وتستولي عليها إحاطة العدو بالإنسان بحيث لا يتمكن الإنسان من الخلاص عنهم.
والآية وإن وردت في اليهود فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبمثلها تتمسك المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة، وفسر غيرهم الخطيئة المحيطة بالكفر فيه تتحقق الإحاطة التامة.
واعلم أن في المسألة خلافاً لأهل القبلة.
منهم من قطع بوعيدهم إما مؤبداً - وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج - وإما منقطعاً - وهو قول بشر المريسي والخالدي ومنهم من قطع بأنه وعيد لهم وينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر.
والذي عليه أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والإمامية، القطع بأنه يعفو عن بعض العصاة، وأنه إذا عذب أحدهم فلا يعذبه أبداً، لكنا نتوقف في حق البعض المعفو عنه والبعض المعذب على التعيين.
أما المعتزلة فاستدلوا بعمومات وردت في وعيد الفساق كقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها ﴾ وقوله ﴿ وإن الفجار لفي جحيم ﴾ وقوله ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ ومن الحديث "من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة.
ومن قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" وعن أبي سعيد الخدري قال "والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا دخل النار" وإذا استحقوا النار ببغضهم فلأن يستحقوا النار بقتلهم أولى.
وأجيب بالمنع من أن هذه الصيغ للعموم بدليل صحة إدخال الكل والبعض عليها نحو: كل من دخل داري فله كذا، أو بعض من دخل.
ولا يلزم منه تكرير ولا تناقض، ولأن الأكثر قد يطلق عليه لفظ الكل، ولاحتمال المخصصات.
القاطعون بنفي العقاب عن أهل الكبائر احتجوا بنحو قوله ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى.
الذي كذب وتولى ﴾ وبالعمومات الواردة في الوعد مثل ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ الآية.
حكم بالفلاح على كل من آمن.
وعورض بعمومات الوعيد.
أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض والتوقف في البعض، فقد تمسكوا بنحو قوله عز من قائل ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وبأن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضتا فلا بد من الترجيح لجانب الوعد بصرف التأويل إليه، لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف، وإهمال الوعد باضد.
وأيضاً القرآن مملوء من قوله ﴿ عفواً غفوراً ﴾ ﴿ رحيماً ﴾ ﴿ كريماً ﴾ .
وكذا الأخبار في هذا المعنى تكاد تبلغ حد التواتر.
وأيضاً إن صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان، ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر، ولا يهدمه ما سوى الكفر من المعاصي، ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة؟
إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي، وإذا دلت الآيات على الوعد والوعيد فلا بد من التوفيق بينهما.
فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب ثم إلى دار العقاب وهو باطل بالإجماع، أو يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب.
واعلم أن مذهب الأصحاب إلى الأدب أقرب من حيث إنهم يصفونه بصفات الجمال كالعفو والمغفرة، وبصفات الجلال كالقهر والانتقام، ولكن لا يوجبون عليه ثواباً ولا عقاباً، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
ومن حيث إنهم لا يعينون البعض المستحق للثواب ولا البعض المستحق للعقاب من المسلمين، لأن فعله مبرأ عن التعلل بلواحق الغايات وسوابق البواعث.
ومذهب المعتزلة إلى الاحتياط أقرب، فإن من خوّفك حتى تبلغ الأمن خير ممن أمنك حتى تبلغ الجوف.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ﴾ .
قيل: الآية - وإن خرجت على عموم الخطاب - فالمراد منها الخصوص، وهو الرسول .
وإلى هذا يذهب أَكثر أَهل التفسير.
وقيل: المراد منها - بعموم الخطاب - العموم؛ يعني: النبيَّ ، وأَصحابه؛ وكأَنها خرجت على النهي عن طمع الإيمان منهم، كأَنه قال: لا تطمعوا في إيمانهم.
كقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ﴾ ؛ أي: لا تُنقذ.
وكقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ﴾ ؛ أَي: لا تسمع الصم.
وقوله: ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ...
﴾ الآية.
لقائلٍ أن يقول: أَليس فيما كان فريقٌ منهم يسمعُون كلام الله ثم يحرفونه ما يجب أَن يدفع الطمع عن إيمان هؤلاء؟
فهو - والله أعلم - لوجهين: أَحدهما: أَنهم كانوا أصحاب تقليد؛ كقوله: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ﴾ .
فأَخبر - عز وجل - أَن هؤلاء - وإن رأَوْا الآيات العجيبة - فإنهم لا يؤمنون أَبداً؛ لأَنهم أَصحاب تقليد، لا ينظرون إلى الحجج والآيات.
والثاني: أَنهم - معَ كثرة ما عاينوا من الآيات، وشاهدوا من العجائب في عهد رسول الله موسى - لم يطمع في إيمانهم، فيكف طمعتم أَنتم في إيمان هؤلاء، وهم أَتباعهم؟
والله الموفق.
ولهذا وجهان آخران: أحدهما: كأَنه قال: لا تطمع في إيمانهم؛ لأَنهم - في علم الله على ما عليه من ذكر.
والثاني: لأن أولئك كانوا خيراً من هؤلاءِ، وأَرغبَ في الحق منهم، ثم لم يؤمنوا مع سماع الحجج، وما يجب به الإيمان، فكيف تطمع في إيمان هؤلاء؟
وقوله: ﴿ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أنه من عند الله، ويعلمون أَنه رسول الله، وأَنه حقّ.
وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا ﴾ .
فقد ذكرنا فيما تقدم أَنها في المنافقين نزلت.
وقوله: ﴿ وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: خلا بعض المنافقين إلى بعض، قالوا: أَتحدثونهم بكذا.
ويحتمل: خلاء المنافقين إلى اليهود.
وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .
قيل: فتح الله؛ قصَّ الله.
وقيل: فتح الله؛ بيَّن الله.
وقيل: فتح الله؛ قضى الله.
وقيل: منّ الله عليكم في التوراة.
وكله يرجع إلى واحد.
وقوله: ﴿ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ .
أي: باعترافكم عند هؤلاءِ.
ويحتمل: على إضمار رسول الله كأَنه قال: ليحاجوكم بإقراركم عند رسول الله .
ويحتمل: على معنى ليحاجوكم به عند ربكم أي في ربكم؛ إذ العرب تستعمل حروف الخفض بعضها في موضع بعض.
ويحتمل: عند ربكم، أَي: يوم القيامة.
ويكون ليحاجوكم بما عند الله؛ أَي: بالذي جاءكم من عند الله.
لكن لقائل أَن يقول: ما معنى ذكرِ المحاجَّةِ عند ربكم، والمحاجةُ يومئذٍ لا تكون إلا عنده، ولا تكون ليحاجوكم بها عند الله؛ أَي: بالذي جاءَكم من عند الله؟
قيل: لأَن ذلك أَشد إِظهاراً، وأَقلّ كتماناً؛ لما سبق منهم الإِقرارُ بذلك؛ لذلك نهوا عن ذلك، لأَنهم كانوا يَنْهوْن أولئك عن الإِقرار بالإِيمان عند المؤمنين، وإظهار ما في التوراة من بَعث رسول الله وَصِفته.
وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .
أَنَّ هذه حجةٌ لهم عليكم، حيث تعترفون به، وتظهرون نعته وصفته ثم لا تبايعونه.
ويحتمل: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أَنه حق.
وقوله: ﴿ أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .
قيل: ﴿ مَا يُسِرُّونَ ﴾ في الخلوة؛ من الكفر به والتكذيب له ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ لأصحابه؛ من التصديق له والإِيمان به.
وقيل: ﴿ مَا يُسِرُّونَ ﴾ من كتمان نعته وصفته.
﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ من إظهار نعته وصفته الذي في التوراة.
ويحتمل: ما يُسِرُّ هؤلاءِ لهم من النهي عن إظهار ما في التوراة، وما يُعْلِنُ هؤلاء للمؤمنين من إظهار نعته وصفته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .
يقول: مِنَ اليهود من لا يقرأ التوراة ولا يعرفها، إلا أَن يحدثهم العلماء والرؤساء عنها.
والأُمِّيُّ: الذي لا يكتب، ولا يقرأ عن كتابة، لكنه يقرأ لا عن كتابة، كالنبي ، كان لا يكتب، ولا يقرأ عن كتابة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ .
ويقال أَيضاً: الذي لا يقرأ ولا يكتب، لا عن كتابة، ولا؛ غير كتابة.
وقوله: ﴿ إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ .
قيل: أَحاديث باطلة يحدث لهم، وهو قول ابن عباس.
وقيل: إلا أَمانيّ، يعني إلا كذباً.
وقال الكسائي: إلا أَماني: إلا تِلاوة؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ ﴾ يعني: في تلاوته.
وقوله: ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ ، يقول: ما هم إلا ظن يظنون في غير يقين.
وأَصله: أَي لا يعلمونَ علم الكتاب، إنما عندهم أَمانيُّ النفس وشهواتها؛ كقوله: ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: الويلُ: الشدةُ.
وقيل: الويلُ: وادٍ في جهنم.
وقيل: الويل: هو قول كلِّ مكروب وملهوف يقول: ويلٌ له بكذا.
وقوله: ﴿ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: يكتبون: يمحون نعته، وصفته عن التوراة.
ويحتمل: يكتبون: يُحْدثون كتابة، على خلاف نعته وصفته، ثم يقولون: هذا من عند الله؛ فتكون الكتابة في هذا إثباتاً؛ كقوله: ﴿ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ ﴾ ، والمثبت: هو ذلك الملحق ليظن أنه كذلك في الأَصل.
وقوله: ﴿ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .
قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ .
ذكر لهم ثلاث ويلاتٍ: ويل؛ بإِحداث كتابة ببعث رسول الله ومحوه وتغييره.
والثاني: بقولهم: هذا من عند الله.
والثالث: وويل لهم مما يكسبون من المأْكلة والهدايا.
<div class="verse-tafsir"
ومن اليهود طائفة، لا يعلمون التوراة إلا تلاوة، ولا يفهمون ما دلت عليه، وليس معهم إلا أكاذيب أخذوها من كبرائهم، يظنون أنها التوراة التي أنزلها الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.kBk8d"
كان النبي وأصحابه يرون أن أولى الناس بالإيمان وأقربهم منه اليهود، لأنهم موحدون ومصدقون بالوحي والبعث في الجملة، ولذلك كانوا يطمعون بدخولهم في الإسلام أفواجًا، لأنه مصدق لما معهم في الجملة، ومجل لجميع شبهات الدين، وحال لجميع إشكالاته بالتفصيل، وواضع له على قواعد لا ترهق الناس عسرًا ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ .
كان هذا الطمع في إيمانهم مبنيًا على وجه نظري معقول لولا أنهم اكتفوا بجعل الدين رابطة جسدية جنسية، ولم يجعلوه هداية روحية، ولذلك كانوا يتصرفون فيه باختلاف المذاهب والآراء، ويحرفون كلمه عن مواضعها بحسب الأهواء، وما أعذر الله المؤمنين في طمعهم هذا إلا بعد ما قص عليهم من نبأ بني إسرائيل الذين كانوا على عهد التشريع وشاهدوا من الآيات ما علم به أنهم في المجاحدة والمعاندة على عرق راسخ ونحيزة موروثة لا يكفي في زلزالها كون القرآن مبينًا في نفسه لا يتطرق إليه شك، ولذلك بدأ السورة بوصف الكتاب بهذا وكونه هدى للمتقين من أهل الكتاب وغيرهم.
وثنى ببيان أن من الناس من يعانده ويباهته، ومنهم المذبذب الذي يميل مع الريحين، فلا يثبت مع أحد الفريقين، ثم أفاض في شرح حال بني إسرائيل الذين لم يؤمن منهم إلا قليل من أهل العلم والتقوى، وكان الأكثرون أشد الناس استكبارًا عن الإيمان وإيذاء للرسول ولمن اتبعه من المؤمنين.
و بعد هذا كله أنكر علی المؤمنين ذلك الطمع بدخول اليهود في دين الله أفواجًا، ووصل الإنكار بحجة واقعة ناهضة، تجعل تلك الحجة النظرية داحضة فعلم بهذا أن الكلام لا يزال متصلًا في موضوع الكتاب وأصناف الناس بالنسبة إلى الإيمان به وعدم الإيمان.
كلما بعد العهد جاء ما يذكر به تذكيرًا.
قال تعالى ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ كان الظاهر أن يكون الخطاب للنبي خاصة ولكن خاطب المؤمنين معه لأنهم كانوا يشاركونه في الألم من إيذائهم والطمع بهدايتهم فأشركهم بالتسلية كما سبق، ولأن طمع بعض المؤمنين بإيمانهم كان يحملهم على الانبساط معهم في المعاشرة إلى حد الإفضاء إليهم ببعض الشؤون الملية المحضة واتخاذهم بطانة، وكان يعقب ذلك من الضرر ما يعقب حتى نهاهم الله تعالى عن اتخاذ البطانة من دون المؤمنين إذا كانوا موصوفين بأوصاف هؤلاء، وذلك قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ والآية الآتية تدل على هذا الإفضاء أيضًا.
أما الحجة التي وصلها بإنكار الطمع بإيمانهم للدلالة على أنه طمع في غير مطمع فهي تعمد تحريف كلام الله ممن سمعه منهم.
وذلك أن موسى اختار بأمر الله سبعين رجلًا من قومه لسماع الوحي ومشاهدة الحال التي يكلمه الله تعالى بها وقد سمعوا كلام الله تعالى على الوجه الذي لا نعرفه، وإنما نعرف أنهم صحبوه إلى حيث كان يناجي الله تعالى، وكان من شأن الله تعالى معهم أن صدقوا بأن ما جاء به موسى هو وحي من الله تعالى.
والتصديق بذلك لا يتوقف على معرفة كيفيته وكنهه فإن أكثر ما نصدق به تصديق يقين لا نعرف حقيقته و كنهه ولا كيفية تكوينه و إيجاده، وقد كان من أولئك المختارين أنهم لما رجعوا إلى قومهم حرفوا كلام الله الذي حضروا وحيه وأذعنوا له بأن صرفوه عن وجهه بالتأويل -كما حققه ابن جرير الطبري وغيره- وهذا التحريف ثابت عندهم منصوص في التوراة والتاريخ الديني الذي يسمی التاريخ المقدس.
فدل هذا وما سبقه على أن القسوة المانعة من التأثر والتدبر، ومكابرة الحق والتفصي من عقال الشريعة، كان شنشنة قديمة فيهم، ثم تأصل فصار غريزة مطبوعة، فإعراضهم عن القرآن لا يستلزم الطعن عليه، ولا القول بجواز تسلق شيء من الريب إليه، فإنهم قد حرفوا وبدلوا، وعاندوا وجحدوا، وهم يشاهدون الآيات الحسية، ويؤخذون بالعقوبات المعاشية، فكيف يستنكر بعد هذا أن يعرضوا عن دين دلائله عقلية، وآيته الكبرى معنوية، وهي القرآن المعجز بما فيه من علوم الهداية، ودقائق البلاغة، وأنباء الغيب على أنه من أمي عاش أربعين سنة لم يؤثر عنه فيها شيء من العلم، ولم يزاحم فحول البلاغة في نثر ولا نظم، وفهم تلك الدلائل إنما يكون من ذوي العقول الحرة والقلوب السليمة، الذين لطف شعورهم، ورق وجدانهم وصحت أذواقهم.
قال ابن جرير: لو كان المراد بما هنا تحريف كلام التوراة المكتوب لما قال ﴿ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ﴾ فزيادة ﴿ يَسْمَعُون ﴾ هنا لا بد لها من حكمة ولولا ذلك لجاء الكلام علی نسق الآيات الأخرى التي ذكر فيها التحريف كأن يكون"وقد كان فريق منهم يحرف كلام الله".
وقوله تعالى ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ ﴾ نص في التعمد وسوء القصد، وإبطال لما عساه يعتذر لهم به من سوء الفهم ثم قال ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي كانوا يفعلون فعلتهم الشنعاء في حال العلم بالصواب واستحضاره لا أنهم كانوا على نسيان أو ذهول.
وفي هذين القيدين من النهي والتشنيع عليهم ما لا مزيد عليه.
وكيف وقد بطل بهما عذر الخطأ والنسيان، وسجل عليهم تعمد الفسوق والعصيان.
ثم بعد هذا الاحتجاج انتقل إلى بيان بعض أحوال الذين كانوا في زمن التنزيل، وقد غير الأسلوب هنا فإنه كان يحكي سيئاتهم مبتدئًا بكلمة ﴿ وَإِذَا ﴾ لأنه تذكير بما كان في الزمان الماضي.
والابتداء بكلمة ﴿ وَإِذَا ﴾ هنا هو المناسب في الحكاية عن حال واقعة في الحال، مستمرة في الاستقبال والمراد من حكاية أحوال الحاضرين بيان أنها مساوية لأحوال سلفهم الغابرين، وأنه لا يرجى من هؤلاء أفضل مما كان من أولئك.
قال: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ أفلا تعقلون.
ترشد هذه الآية إلى طور من أطوار البشر في زمن الإصلاح، وهي أن جماهير الناس يقعون في الحيرة بين الهداية الجديدة والتقاليد القديمة.
لا ينظرون إلى الحق فيتحروا اتباعه أين كان ولكنهم يفكرون في منفعتهم الخاصة.
يقولون: نخشى أن نجهر بالجديد فيخذل حزبه، ويتفرق شمله، فنكون من الخاسرين، ولا نأمن إن بقينا على القديم أن يتقلص ظله، ويذل أهله، فنكون مع الضالين.
فالحزم أن نوافق كل حزب نخلو به ونعتذر إلى الآخر إذا هو علم بما كان منا إلى أن نتبين الفوز في أحد الفريقين: فيكونون هكذا مذبذبين كما قال تعالى ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ إلخ الضمير في قالوا الثانية غير الضمير في قالوا الأولى كما هو ظاهر من السياق، ولا لبس فيه ولا اشتباه، ومثله مستفيض في كلام البلغاء وفي التنزيل أيضًا كقوله تعالى ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ فإن المنهى عن العضل الأولياء لا المطلقون.
والكلام في القرآن للمكلفين كافة فيوجه كل كلام إلى صاحبه الذي يتعين أن يكون له بقرينة الحال أو المقال.
فإذا وجه الخطاب بالطلاق إلى الأزواج لأنه لا يكون إلا منهم فكذلك يوجه الخطاب بالنهي عن العضل -وهو منع المرأة من التزوج- إلى الأولياء لأنه لا يكون إلا منهم.
وعلى هذه الطريقة يتخرج قوله ﴿ قَالُوا آمَنَّا ﴾ وقوله ﴿ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ ﴾ فالكلام في مجموع اليهود، ويوجه الأول إلى الذين يلاقون المؤمنين (والثاني) إلى الذين يلاقيهم هؤلاء من قومهم ويعذلونهم على الإفضاء إلى المؤمنين بما فتح الله عليهم.
المراد بالفتح هنا الإنعام بالشريعة والأحكام، والبشارة بالنبي ، شبه الذي يعطي الشريعة بالمحصور يفتح عليه فيخرج من الضيق.
أو معنى ﴿ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ بما حكم به وأخذ به الميثاق عليكم من الإيمان بالنبي الذي يجيئكم مصدقًا لما معكم ونصره.
وقوله ﴿ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ معناه يقيمون به عليكم الحجة من كتاب ربكم وهو التوراة من حيث أن ما تحدثونهم به موافق لما في القرآن فلهم أن يقولوا: لولا أن محمدًا نبي لما علم بهذا الذي حكاه عنكم وقد كان مثلنا لا يعرف من أمر الكتاب شيئًا: هذا ما جرى عليه المحققون في تفسير ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ وهو أنه بمعنى في كتابه فهو كقوله في أهل الإفك ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ أي في حكمه المبين في كتابه.
وذهب مفسرنا "الجلال" إلى أن معناه المحاجة في الأخرة.
والنظم لا يأباه، ولكن فيه اعترافًا من اللائمين المؤنبين بأن المسلمين على الحق الذي لا ينجي عند الله سواه.
ومن اعتقد هذا لا يجعله تعليلًا للإنكار على من يراه من قومه يحدث المؤمنين بما يوافقهم ويقوي حجتهم، بل فيه أيضًا أن ترك تحديثهم لا يمنعها في الآخرة.
مثل هذه الذبذبة تكون من الأمم في طور الضعف ولا سيما ضعف الإرادة والعلم، ولو كان لأولئك القوم إرادة قوية لثبتوا ظاهرًا على ما يعتقدونه باطلًا ولم يصانعوا مخالفيهم من أهل الملة الأولى أو الملة الآخرة، وقد وبخهم الله تعالى وأنكر عليهم هذا التلون والدهان في الدين ولقاء كل فريق بوجه يظهرون له ما يسرون من أمر الآخر فقال ﴿ أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ يعني أيقول اللائمون أو المنافقون كلهم ما قالوا، ويكتمون من صفات النبي ما كتموا، ويحرفون من كتابهم ما حرفوا، ولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون من كفر وكيد، وما يعلنون من إظهار إيمان وود، فإن كانوا مؤمنين بإحاطة علمه تعالى فلم لا يحفلون باطلاعه على ظواهرهم، وإحاطته بما يجول في أطواء ضمائرهم، وبما يترتب على علمه من خزي في الدنيا وعذاب في الأخرة.
وهو الذي يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وإنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه، فإذا هو صارعه صرعه، والعاقبة للتقوى.
قال تعالى ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ .
ذلك الذي تقدم هو شأن علمائهم: يحرفون كتاب الله ويخرجون من حكمه بالتأويل، وهذا هو شأن عامتهم: لا علم لهم بشيء من الكتاب، ولا معرفة لهم بالأحكام، وما عندهم من الدين فهو أماني يتمنونها وتجول صورها في خيالاتهم، وهذه الصور هي كل ما عندهم من العلم بدينهم، وما هم على بينة منها، وإنما هي ظنون يلهون بها.
وهذا هو محل الذم لا مجرد كونهم أميين، فإن الأمي قد يتلقى العلم من العلماء الثقات ويعقله عنهم بدليله فيكون علمه صحيحًا وهؤلاء لم يكونوا كذلك.
فإن قيل: لم سمي ما كانوا عليه من الأماني ظنًا مع أنهم أخذوه عن رؤساء دينهم الموثوق بهم عندهم وسلموه تسليمًا فلم يكن في نفوسهم ما يخالفه ومثل هذا يسمى اعتقادًا وعلمًا؟
نقول: إنما العلم بالدليل، ولا يسمى مثل ذلك علمًا إلا من لا يعرف معنى العلم.
على أنه لم يكن راجحًا ومسلمًا إلا لأن مقابله لم يخطر ببالهم، ولو أورد عليهم لتزلزل ما عندهم ثم زال، أو ظهر فيه الشك وتطرق إليه الاحتمال، ويصح أن يقال في مثل هؤلاء إن الظن أو التردد كان نائمًا في نفوسهم وهو عرضة لأن يوقظه نقيضه ويذهب به متى طرأ.
ونوم الظن لا يصح أن يسمى اعتقادًا.
هذه الأماني توجد في كل الأمم في حال الضعف والانحطاط، يفتخرون بما بين أيديهم من الشريعة وبسلفهم الذين كانوا مهتدين بها وبما لهم من الآثار التي كانت ثمرة تلك الهداية، وتسول لهم الأماني أن ذلك كافٍ في نجاتهم وسعادتهم وفضلهم على سائر الناس.
هكذا كان اليهود في زمن التنزيل، و قد اتبعنا سننهم وتلونا تلوهم فظهر فينا تأويل الحديث الصحيح "لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع".
وإننا نقرأ أخبارهم فنسخر منهم ولا نسخر من أنفسنا، ونعجب لهم كيف رضوا بالأماني ونحن غارقون فيها.
ثم إن الآية تدل على بطلان التقليد وعدم الاعتداد بإيمان صاحبه وقد مضى على هذا إجماع الصدر الأول وأهل القرون الثلاثة، وإنما كان الجاهل يأخذ عن العالم العقيدة ببرهانها والأحكام بروايتها، ولا يتقلد رأيه كيفما كان، من غير بينة ولا برهان.
وفسر بعضهم الأماني بالأكاذيب ابتداء ومنهم من فسرها بالقراءات أي أنهم لاحظ لهم من الكتاب إلا قراءة ألفاظه من غير فهم ولا اعتبار يظهر أثرهما في العمل.
فهو على حد ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾ وقد ورد التمني بمعنى القراءة ومنه قول الشاعر: تمني كتاب الله أول ليله تمني داود الزبور علی رسل وهذا النوع من التمني قد برز فيه المسلمون حتى سبقوا من قبلهم فقد أمسوا أكثر الأمم تلاوة لكتابهم وأقلهم فهمًا له واهتداء به.
إنما يحسن تفسير هذه الآيات من كان على علم بتاريخ اليهود في ذلك العصر ووقوف على حالهم، وإن كانت إلا نسخة من حال بعض الشعوب الموجودين الآن..
كانوا أكثر الناس مراء وجدالًا في الحق وإن كان بينًا باهرًا، وأشد الناس كذبًا وغرورًا وأكلًا لأموال الناس بالباطل كالربا الفاحش وغشًا وتدليسًا وتلبيسًا، وكانوا مع ذلك يعتقدون أنهم شعب الله الخاص وأفضل الناس كما يعتقد أشباههم في هذا الزمان.
فهذه هي الأماني التي صدتهم عن قبول الإسلام.
وأما اللفظ والنظم ففيه أن قوله تعالى ﴿ إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ استثناء منقطع والعلم المنفي قاصر لا يشمل الأماني.
ويصح أن يكون متعديًا والآية على حد قولهم "ما علمت فلانًا إلا فاضلًا" ويكون المعنى أنهم إنما يعلمون من الكتاب أنه مجموعة أماني يمنونها أنفسهم، فهم لا يأخذون منه إلا ما هو لهم ويمدهم في غرورهم، وأما ما ينبههم على سيئات أعمالهم فكأنه غير معروف لهم من الكتاب .
ثم قال جل ثناؤه: <div class="verse-tafsir"