الآية ٧٩ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٧٩ من سورة البقرة

فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ ٧٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٩ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ) الآية : هؤلاء صنف آخر من اليهود ، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله ، وأكل أموال الناس بالباطل .

والويل : الهلاك والدمار ، وهي كلمة مشهورة في اللغة .

وقال سفيان الثوري ، عن زياد بن فياض : سمعت أبا عياض يقول : ويل : صديد في أصل جهنم .

وقال عطاء بن يسار .

الويل : واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " ويل واد في جهنم ، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره " .

ورواه الترمذي عن عبد بن حميد ، عن الحسن بن موسى ، عن ابن لهيعة ، عن دراج ، به .

وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة .

قلت : لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى ، ولكن الآفة ممن بعده ، وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعا منكر ، والله أعلم .

وقال ابن جرير : حدثنا المثنى ، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح العشيري حدثنا علي بن جرير ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن كنانة العدوي ، عن عثمان بن عفان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) قال : " الويل جبل في النار .

وهو الذي أنزل في اليهود ; لأنهم حرفوا التوراة ، زادوا فيها ما أحبوا ، ومحوا منها ما يكرهون ، ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة .

ولذلك غضب الله عليهم ، فرفع بعض التوراة ، فقال : ( فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) .

وهذا غريب أيضا جدا .

[ وعن ابن عباس : الويل : السعير من العذاب ، وقال الخليل بن أحمد : الويل : شدة الشر ، وقال سيبويه : ويل : لمن وقع في الهلكة ، وويح لمن أشرف عليها ، وقال الأصمعي : الويل : تفجع والويل ترحم ، وقال غيره : الويل الحزن .

وقال الخليل : وفي معنى ويل : ويح وويش وويه وويك وويب ، ومنهم من فرق بينها ، وقال بعض النحاة : إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة ; لأن فيها معنى الدعاء ، ومنهم من جوز نصبها ، بمعنى : ألزمهم ويلا .

قلت : لكن لم يقرأ بذلك أحد ] .

وعن عكرمة ، عن ابن عباس : ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ) قال : هم أحبار اليهود .

وكذا قال سعيد ، عن قتادة : هم اليهود .

وقال سفيان الثوري ، عن عبد الرحمن بن علقمة : سألت ابن عباس عن قوله تعالى : ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ) قال : نزلت في المشركين وأهل الكتاب .

وقال السدي : كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم ، يبيعونه من العرب ، ويحدثونهم أنه من عند الله ، ليأخذوا به ثمنا قليلا .

وقال الزهري : أخبرني عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس أنه قال : يا معشر المسلمين ، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء ، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه ، أحدث أخبار الله تقرؤونه محضا لم يشب ؟

وقد حدثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه ، وكتبوا بأيديهم الكتاب ، وقالوا : هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ; أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ؟

ولا والله ما رأينا منهم أحدا قط سألكم عن الذي أنزل إليكم .

رواه البخاري من طرق عن الزهري .

وقال الحسن بن أبي الحسن البصري : الثمن القليل : الدنيا بحذافيرها .

وقوله تعالى : ( فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) أي : فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان ، والافتراء ، وويل لهم مما أكلوا به من السحت ، كما قال الضحاك عن ابن عباس : ( فويل لهم ) يقول : فالعذاب عليهم ، من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب ، ( وويل لهم مما يكسبون ) يقول : مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَوَيْلٌ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (فويل).

فقال بعضهم بما:- 1381 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق عن الضحاك, عن ابن عباس (فويل)، يقول: فالعذاب عليهم.

(20) * * * وقال آخرون بما:- 1382 - حدثنا به ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن زياد بن فياض قال: سمعت أبا عياض يقول: الويل: ما يسيل من صديد في أصل جهنم.

(21) 1383 - حدثنا بشر بن أبان الحطاب قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن زياد بن فياض, عن أبي عياض في قوله: (فويل)، قال: صهريج في أصل جهنم، يسيل فيه صديدهم.

(22) &; 2-268 &; 1384 - حدثنا علي بن سهل الرملي قال، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء قال، حدثنا سفيان عن زياد بن فياض, عن أبي عياض قال: الويل، واد من صديد في جهنم.

(23) 1385 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران، عن شقيق قال: (ويل)، ما يسيل من صديد في أصل جهنم.

* * * وقال آخرون بما:- 1386 - حدثنا به المثنى قال، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري.

قال، حدثنا علي بن جرير, عن حماد بن سلمة بن عبد الحميد بن جعفر, عن كنانة العدوي, عن عثمان بن عفان, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الويل جبل في النار ".

(24) &; 2-269 &; 1387 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عمرو بن الحارث, عن دراج, عن أبي الهيثم, عن أبي سعيد, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ويل واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ إلى قعره ".

(25) * * * قال أبو جعفر: فمعنى الآية - على ما روي عمن ذكرت قوله في تأويل (ويل)-: فالعذاب = الذي هو شرب صديد أهل جهنم في أسفل الجحيم = لليهود الذين يكتبون الباطل بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله.

* * * &; 2-270 &; القول في تأويل قوله تعالى : لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا قال أبو جعفر: يعني بذلك الذين حرفوا كتاب الله من يهود بني إسرائيل, وكتبوا كتابا على ما تأولوه من تأويلاتهم، مخالفا لما أنـزل الله على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم, ثم باعوه من قوم لا علم لهم بها، ولا بما في التوراة، جهال بما في كتب الله - لطلب عرض من الدنيا خسيس, فقال الله لهم: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ، كما:- 1388 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا)، قال: كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم، يبيعونه من العرب, ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنا قليلا.

1389 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله, ولا كتابا أنـزله الله, فكتبوا كتابا بأيديهم, ثم قالوا لقوم سِفلة جهال: هذا من عند الله " ليشتروا به ثمنا قليلا ".

قال: عرضا من عرض الدنيا.

1390 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله)، قال: هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله، يحرفونه.

1391 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله, إلا أنه قال: ثم يحرفونه.

&; 2-271 &; 1392 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن قتادة: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) الآية, وهم اليهود.

1393 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله)، قال: كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتابا بأيديهم، ليتأكلوا الناس, فقالوا: هذا من عند الله, وما هو من عند الله.

(26) 1394 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا)، قال: عمدوا إلى ما أنـزل الله في كتابهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فحرفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا, فقال: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ .

1395 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام قال، حدثنا علي بن جرير, عن حماد بن سلمة, عن عبد الحميد بن جعفر, عن كنانة العدوي, عن عثمان بن عفان رضي الله عنه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ، الويل: جبل في النار، وهو الذي أنـزل في اليهود، لأنهم حرفوا التوراة, وزادوا فيها ما يحبون, ومحوا منها ما يكرهون, ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة.

فلذلك غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة، فقال: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ .

(27) 1396 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني سعيد بن أبي &; 2-272 &; أيوب, عن محمد بن عجلان, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار.

قال: ويل، واد في جهنم، لو سيرت فيه الجبال لانماعت من شدة حره.

(28) * * * قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: ما وجه قوله: (29) (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم)؟

وهل تكون الكتابة بغير اليد، حتى احتاج المخاطبون بهذه المخاطبة، إلى أن يخبروا عن هؤلاء - القوم الذين قص الله قصتهم - أنهم كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم؟

قيل له: إن الكتاب من بني آدم، وإن كان منهم باليد, فإنه قد يضاف الكتاب إلى غير كاتبه وغير المتولي رسم خطه فيقال: " كتب فلان إلى فلان بكذا "، وإن كان المتولي كتابته بيده، غير المضاف إليه الكتاب, إذا كان الكاتب كتبه بأمر المضاف إليه الكتاب.

فأعلم ربنا بقوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) عباده المؤمنين، أن أحبار اليهود تلي كتابة الكذب والفرية على الله بأيديهم، على علم منهم وعمد للكذب على الله، ثم تنحله إلى أنه من عند الله وفي كتاب الله، (30) تَكَذُّبا على الله وافتراء عليه.

فنفى جل ثناؤه بقوله: (يكتبون الكتاب بأيديهم)، أن يكون ولي كتابة ذلك بعض جهالهم بأمر علمائهم وأحبارهم.

وذلك نظير قول القائل: " باعني فلان عينُه كذا وكذا, فاشترى فلان نفسه كذا "، يراد بإدخال " النفس والعين " في ذلك، نفي اللبس عن سامعه، أن يكون المتولي بيع ذلك أو شراءه، غير الموصوف له أمره, (31) ويوجب حقيقة الفعل للمخبر &; 2-273 &; عنه، فكذلك قوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم).

* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (فويل لهم مما كتبت أيديهم)، أي فالعذاب - في الوادي السائل من صديد أهل النار في أسفل جهنم - لهم, يعني: للذين يكتبون الكتاب، الذي وصفنا أمره، من يهود بني إسرائيل محرفا, ثم قالوا: هذا من عند الله، ابتغاء عرض من الدنيا به قليل ممن يبتاعه منهم.

* * * وقوله: (مما كتبت أيديهم)، يقول: من الذي كتبت أيديهم من ذلك، وويل لهم أيضا(مما يكسبون)، يعني: مما يعملون من الخطايا, ويجترحون من الآثام, ويكسبون من الحرام، بكتابهم الذي يكتبونه بأيديهم, بخلاف ما أنـزل الله, ثم يأكلون ثمنه، وقد باعوه ممن باعوه منهم على أنه من كتاب الله، كما:- 1397 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (وويل لهم مما يكسبون)، يعني: من الخطيئة.

1398 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (فويل لهم)، يقول: فالعذاب عليهم.

قال: يقول: من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب، (وويل لهم مما يكسبون)، يقول: مما يأكلون به من السفلة وغيرهم.

* * * قال أبو جعفر: وأصل " الكسب ": العمل.

فكل عامل عملا بمباشرة منه لما عمل ومعاناة باحتراف, فهو كاسب لما عمل, كما قال لبيد بن ربيعة: &; 2-274 &; لمعفـــر قهــد تنــازع شــلوه غبس كواســب لا يُمَــنُّ طعامُهـا (32) -------------- الهوامش : (20) في المطبوعة : "فويل لهم" .

والصواب حذف"لهم" ، ليست من الآية هنا .

(21) الخبر : 1382 - سفيان : هو الثوري .

زياد بن فياض الخزاعي : ثقة ، مات سنة 129 .

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 1 /334 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 /542 .

أبو عياض : هو عمرو بن الأسود العنسي ، تابعي ثقة ، كان من عباد أهل الشأم وزهادهم .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 220 - 221 .

(22) الخبر : 1383 - بشر بن أبان الحطاب ، شيخ الطبري : لم أجد له ترجمة ولا ذكرا فيما بين يدى من المراجع .

(23) الخبر : 1384 - علي بن سهل الرملي ، شيخ الطبري : ثقة ، مات سنة 261 .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 /189 .

وزيد بن أبي الزرقاء الموصلي ، نزيل الرملة : ثقة ، مات سنة 194 .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 /1 /361 ، وابن أبي حاتم 1 / 2/ 575 .

سفيان هو الثوري .

"عن زياد بن فياض" ، كالإسنادين اللذين قبله .

وفي المطبوعة : "سفيان بن زياد بن فياض" ، وهو تحريف .

(24) الحديث: 1386 - هذا الإسناد مشكل.

ووقع فيه هنا خطأ.

من الناسخ أو الطابع، صححناه من الرواية الآتية: 1395 فقد كان فيه"حماد بن سلمة بن عبد الحميد بن جعفر"؛ وصوابه"عن عبد الحميد بن جعفر"، كما هو بديهي.

أما ما أشكل علينا فيه: فراويان لم نجد لهما ذكرا ولا ترجمة.

أحدهما:"إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري".

وسيأتي في الإسناد الآخر"إبراهيم بن عبد السلام" فقط.

ولم أستطع أن أعرف من هو؟

وقد نقل ابن كثير 1: 217 الحديث الآتي: 1395، وأكمل نسب هذا الشيخ، ولكنه وقع فيه هكذا "إبراهيم بن عبد السلام، حدثنا صالح القشيري"!

وأنا لست على ثقة من دقة التصحيح في طبعة تفسير ابن كثير، وأرى أن ما نسخة الطبري أقرب إلى الصحة.

الراوي الآخر:"على بن جرير".

وقد أتعبنى أن أعرف من هو؟

مع البحث في كل المراجع، وتقليبه على كل الاحتمالات.

أما عبد الحميد بن جعفر: فإنه الأنصاري الأوسى المدني، وهو ثقة، وثقه أحمد وابن سعد وغيرهما، مات سنة 153، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 3 / 1 /10.

و"كنانة العدوي":هو كنافة ابن نعيم، وهو تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري 4 / 1 /236، وابن أبي حاتم 3 / 2 /169.

ولكني أخشى أن لا يكون أدرك عثمان بن عفان، فإنهم لم يذكروا له رواية إلا عن أبي برزة الأسلمي وقصيبة بن المخارق، وهما متأخران كثيرا عن عثمان.

وأيا ما كان، فهذا الحديث لا أظنه مما يقوم إسناده.

وهو مختصر من الحديث الآتي: 1395.

والحافظ ابن كثير حين ذكره عن الطبري، وصفه بأنه"غريب جدا".

وقد ذكره السيوطي أيضًا 1: 82، ولم ينسباه لغير الطبري.

فالله أعلم.

(25) الحديث : 1387 - إسناده صحيح .

عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري : ثقة حافظ متقن ، مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7 / 2 / 203 وابن أبي حاتم 3 / 1 / 225 .

دراج ، بفتح الدال وتشديد الراء : هو ابن سمعان ، أبو السمح ، المصري القاص ، وهو ثقة ، فيه خلاف كثير .

والراجح عندنا أنه ثقة ، كما بينا ذلك في شرح المسند : 6634 ، وفي تعليقنا على تهذيب السنن : 2388 .

أبو الهيثم : هو سليمان بن عمرو العتواري المصري ، كان يتيما لأبي سعيد الخدري ، وكان في حجره .

وهو تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 2 / 28 - 29 ، وابن أبي حاتم 2 /1 / 131 - 132 .

والحديث رواه ابن أبي حاتم - كما نقل عنه ابن كثير 1 : 217 - عن يونس بن عبد الأعلى ، شيخ الطبري هنا ، بهذا الإسناد .

ورواه الحاكم في المستدرك 4 : 596 ، من طريق بحر بن نصر .

عن ابن وهب ، بهذا الإسناد ، بزيادة في آخره .

وقال : "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" .

ووافقه الذهبي .

ورواه أحمد في المسند : 11735 (ج 3 ص 75 حلبي) ، عن حسن بن موسى ، عن ابن لهيعة ، عن دراج ، به ، بزيادة في آخره .

وقال ابن كثير - عقب رواية ابن أبي حاتم : "ورواه الترمذي عن عبد بن حميد ، عن الحسن بن موسى .

.

وقال هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة .

قلت [القائل ابن كثير] : لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى .

ولكن الآفة ممن بعده!

وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعا - منكر"!

أقول : وابن كثير يريد بذلك جرح دراج أبي السمح ، وجعله علة الحديث .

والصحيح ما ذهبنا إليه .

وقد رواه ابن حبان في صحيحه أيضًا .

كما في الدر المنثور 1 : 82 .

(26) يقال فلان يستأكل الضعفاء : يأخذ أموالهم ويأكلها .

أما قوله : "ليتأكلوا" ، فلم أجد في المعاجم"يتأكل" ، فإن صح نص الطبري ، وإلا فهي عربية معرقة ، صح أو لم يصح .

(27) الحديث : 1395 - مضى الكلام فيه مفصلا : 1386 .

(28) سيرت : أدخلت ودفعت لتسير .

وانماع الملح في الماء : ذاب .

وفي اللسان روى تفسير عطاء ، وفيه : "لماعت" ، أي ذابت وسالت .

(29) في المطبوعة : "فما وجه فويل للذين .

.

" ، كأنه سقط حرف من ناسخ أو طابع .

(30) يقال : نحل فلان فلانا شعرا : نسبه إليه باطلا .

وكره الطبري أن يقول ما لا يجوز لأحد في ذكر ربه سبحانه وتعالى ، فانتهج طريقا في أساليب العربية ، فقال : "فنحله إلى أنه من عند الله" أي نسبه باطلا إلى أنه من عند الله .

ولم يعد الفعل إلى مفعوليه .

(31) كان في المطبوعة : "أن يكون المتولى بيع ذلك وشراءه ، غير الموصوف به بأمره" وهو كلام غير واضح ولا مفهوم ، فآثرت أن أصححه ما استطعت .

(32) من معلقته النبيلة .

واللام في قوله"لمعفر" ، ترده إلى البيت قبله : خنسـاء ضيعـت الفَرِيـرَ, فلـم يَرِم عُـرض الشـقائق طوفهـا وبُغَامهـا والخنساء : البقرة الوحشية ، والفرير : ولدها .

والشقائق : أرض غليظة بين رملتين ، أودعت هناك فيه ولدها .

وطوفها طوافها حائرة .

بغامها : صوتها صائحة باكية .

ظلت تطوف وتنادي ولدها .وقوله:"لمعفر"، أي طوفها وبغامها من أجل"معفر".

والمعفر: الذي ألقي في العفر، وهو التراب، صادت ولدها الذئاب.

قهد: هو ولد البقر، لطيف الجسم أبيض اللون.

والشلو: العضو من اللحم، أو الجسد كله.

وغبس: غبر، وهي الذئاب.

لا يمن طعامها: تكسب طعامها بنفسها، فلا يمن عليها أحد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون فيه خمس مسائل :الأولى قوله : فويل اختلف في الويل ما هو ، فروى عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل من نار .

وروى أبو سعيد الخدري أن الويل واد في جهنم بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفا .

وروى سفيان وعطاء بن يسار : إن الويل في هذه الآية واد يجري بفناء جهنم من صديد أهل النار .

وقيل : صهريج في جهنم .

وحكى الزهراوي عن آخرين : أنه باب من أبواب جهنم .

وعن ابن عباس : الويل المشقة من العذاب .

وقال الخليل : الويل شدة الشر .

الأصمعي : الويل تفجع وترحم .

سيبويه : ويل لمن وقع في الهلكة ، وويح زجر لمن أشرف على الهلكة .

ابن عرفة : الويل الحزن : يقال : تويل الرجل إذا دعا بالويل ، وإنما يقال ذلك عند الحزن والمكروه ، ومنه قوله : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم .

وقيل : [ ص: 10 ] أصله الهلكة ، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل ، ومنه قوله تعالى : ياويلتنا مال هذا الكتاب .

وهي الويل والويلة ، وهما الهلكة ، والجمع الويلات ، قال :له الويل إن أمسى ولا أم هاشموقال أيضا :فقالت لك الويلات إنك مرجليوارتفع " ويل " بالابتداء ، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأن فيه معنى الدعاء .

قال الأخفش : ويجوز النصب على إضمار فعل ، أي ألزمهم الله ويلا .

وقال الفراء : الأصل في الويل " وي " أي حزن ، كما تقول : وي لفلان ، أي حزن له ، فوصلته العرب باللام وقدروها منه فأعربوها .

والأحسن فيه إذا فصل عن الإضافة الرفع ; لأنه يقتضي الوقوع .

ويصح النصب على معنى الدعاء ، كما ذكرنا .قال الخليل : ولم يسمع على بنائه إلا ويح وويس وويه وويك وويل وويب ، وكله يتقارب في المعنى .

وقد فرق بينها قوم ، وهي مصادر لم تنطق العرب منها بفعل .

قال الجرمي : ومما ينتصب انتصاب المصادر ويله وعوله وويحه وويسه ، فإذا أدخلت اللام رفعت فقلت : ويل له ، وويح له .الثانية : قوله تعالى : للذين يكتبون الكتابة معروفة .

وأول من كتب بالقلم وخط به إدريس عليه السلام ، وجاء ذلك في حديث أبي ذر ، خرجه الآجري وغيره .

وقد قيل : إن آدم عليه السلام أعطي الخط فصار وراثة في ولده .الثالثة : قوله تعالى : بأيديهم تأكيد ، فإنه قد علم أن الكتب لا يكون إلا باليد ، فهو مثل قوله : ولا طائر يطير بجناحيه ، وقوله : يقولون بأفواههم .

وقيل : فائدة بأيديهم بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم ، فإن من تولى الفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله وإن كان رأيا له وقال ابن السراج : بأيديهم كناية عن أنهم من تلقائهم دون أن ينزل عليهم ، وإن لم تكن حقيقة في كتب أيديهم .الرابعة : في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع ، فكل من بدل وغير أو ابتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه فهو داخل تحت هذا الوعيد [ ص: 11 ] الشديد ، والعذاب الأليم ، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته لما قد علم ما يكون في آخر الزمان فقال : ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة الحديث ، وسيأتي .

فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه فيضلوا به الناس ، وقد وقع ما حذره وشاع ، وكثر وذاع ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .الخامسة : ليشتروا به ثمنا قليلا وصف الله تعالى ما يأخذونه بالقلة ، إما لفنائه وعدم ثباته ، وإما لكونه حراما ; لأن الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله .

قال ابن إسحاق والكلبي : كانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم ربعة أسمر ، فجعلوه آدم سبطا طويلا ، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم : انظروا إلى صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا ، وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب ، فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم ، فمن ثم غيروا .ثم قال تعالى : فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون قيل من المآكل .

وقيل من المعاصي .

وكرر الويل تغليظا لفعلهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

توعد تعالى المحرفين للكتاب, الذين يقولون لتحريفهم وما يكتبون: { هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } وهذا فيه إظهار الباطل وكتم الحق, وإنما فعلوا ذلك مع علمهم { لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } والدنيا كلها من أولها إلى آخرها ثمن قليل، فجعلوا باطلهم شركا يصطادون به ما في أيدي الناس, فظلموهم من وجهين: من جهة تلبيس دينهم عليهم, ومن جهة أخذ أموالهم بغير حق, بل بأبطل الباطل, وذلك أعظم ممن يأخذها غصبا وسرقة ونحوهما، ولهذا توعدهم بهذين الأمرين فقال: { فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } أي: من التحريف والباطل { وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } من الأموال، والويل: شدة العذاب والحسرة, وفي ضمنها الوعيد الشديد.

قال شيخ الإسلام لما ذكر هذه الآيات من قوله: { أَفَتَطْمَعُونَ } إلى { يَكْسِبُونَ } فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه, وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة, على ما أصله من البدع الباطلة.

وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني, وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتابا بيده مخالفا لكتاب الله, لينال به دنيا وقال: إنه من عند الله, مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدين, وهذا معنى الكتاب والسنة, وهذا معقول السلف والأئمة, وهذا هو أصول الدين, الذي يجب اعتقاده على الأعيان والكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة, لئلا يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله.

وهذه الأمور كثيرة جدا في أهل الأهواء جملة, كالرافضة, وتفصيلا مثل كثير من المنتسبين إلى الفقهاء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {فويل} قال الزجاج: "ويل كلمة يقولها كل واقع في هلكة".

وقيل: هو دعاء الكفار على أنفسهم بالويل والثبور، وقال ابن عباس: "شدة العذاب"، وقال سعيد بن المسيب: "ويل واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لانماعت من شدة حره".

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنا طاهر محمد بن أحمد بن الحارث أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث أنه حدث عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره، والصعود جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفاً ثم يهوي فهو كذلك".

{للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً} وذلك أن أحبار اليهود خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فاحتالوا في تعويق اليهود عن الإيمان به فعمدوا إلى صفته في التوراة، وكانت صفته فيها: حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل العينين، ربعة، فغيروها وكتبوا مكانها طوال أزرق سبط الشعر فإذا سألهم سفلتهم عن صفته قرؤوا ما كتبوا فيجدونه مخالفاً لصفته فيكذبونه وينكرونه.

قال الله تعالى: {فويل لهم مما كتبت أيديهم} يعني ما كتبوا بأنفسهم اختراعاً من تغيير نعت محمد صلى الله عليه وسلم.

{وويل لهم مما يكسبون} من المآكل ويقال: من المعاصي.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فويل» شدة عذاب «للذين يكتبون الكتاب بأيديهم» أي مختلقاً من عندهم «ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا» من الدنيا وهم اليهود غيَّروا صفة النبي في التوراة وآية الرجم وغيرها وكتبوها على خلاف ما أنزل «فويل لهم مما كتبت أيديهم» من المختلق «وويل لهم مما يكسبون» من الرشا جمع رشوة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فهلاك ووعيد شديد لأحبار السوء من اليهود الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله وهو مخالف لما أنزل الله على نبيِّه موسى عليه الصلاة والسلام؛ ليأخذوا في مقابل هذا عرض الدنيا.

فلهم عقوبة مهلكة بسبب كتابتهم هذا الباطل بأيديهم، ولهم عقوبة مهلكة بسبب ما يأخذونه في المقابل من المال الحرام، كالرشوة وغيرها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين القرآن الكريم فرق اليهود ، توعد الذين يحرفون الكلم عن مواضعه بسوء المصير فقال تعالى : ( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ) :والمعنى : فهلاك وفضيحة وخزى لأولئك الأحبار من اليهود الذين يكتبون الكتابات المحرفة والتأويلات الفاسدة بأيديهم ، بدلا مما اشتملت عليه الكتب من حقائق ، ثم يقولون لجهالهم ومقلديهم كذباً وبهتاناً هذا من عند الله ، ومن نصوص التوراة التي أنزلها الله على موسى ، ليأخذوا في نظير ذلك عرضاً يسيراً من حطام الدنيا ، فعقوبة عظيمة لهم بسبب ما قاموا به من تحريف وتبديل لكلام الله ، وخزى كبير لهم من أجل ما اكتسبوه من أموال بغير حق .فالآية الكريمة فيها تهديد شديد لأحبار اليهود الذين تجرءوا على كتاب الله بالتحريف والتبديل ، وباعوا دينهم بدنياهم ، وزعموا أن ما كتبوه هو من عند الله .وصرح - سبحانه - بأن الكتابة ب ( أَيْدِيهِمْ ) ليؤكد أنهم قد باشروها عن تعمد وقصد ، وليدفع توهم أنهم أمروا غيرهم بكتابتها ، ولتصور حالتهم في النفوس كما وقعت ، حتى ليكاد السامع لذلك أن يكون مشاهداً لهيئتهم .وقوله تعالى : ( ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله ) كشف عن كذبهم وفجورهم ، فهم يحرفون الكلم عن مواضعه ، ثم يزعمون أنه من عند الله ليتقبله أتباعهم بقوة واطمئنان .ثم بين - سبحانه - العلة التي حملنه على التحريف والكذب فقال تعالى : ( لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ) أي كتبوا الكتابة بأيديهم ، ونسبوها إلى الله زوراً وبهتاناً؛ ليحصلوا على عرض قليل من أعراض الدنيا ، كاجتلاب الأموال الحرام ، وانتحال العلم لأنفسهم والطمع في الرئاسة والجاه ، وإرضاء العامة بما يوافق أهواءهم .وعبر - سبحانه - عن الثمن بأنه قليل ، لأنه مهما كثر فهو قليل بالنسبة إلى ما استوجبوه من العذاب ، وحرموه من الثواب المقيم .وقوله تعالى : ( فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ) تهديد لهم مرتب على كتابة الكتاب المحرف ، وعلى أكلهم أموال الناس بالباطل ، فهو وعيد لهم على الوسيلة - وهي الكتابة - وعلى الغاية - وهي أخذ المال بغير حق - .قال الشيخ القاسمي : قال الراغب : فإن قيل : لم ذكر ( يَكْسِبُونَ ) بلفظ المستقبل ، و ( كَتَبَتْ ) بلفظ الماضي؟

قيل : تنبيهاً على ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ، " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " فنبه بالآية إلى أن ما أثبتوه من التأويلات الفاسدة التي يعتمدها الجهلة هو اكتساب وزر يكتسبونه حالا فحالا ، وعبر بالكتابة دون القول لأنها متضمنة له وزيادة ، فهي كذب باللسان واليد .

وكلام اليد يبقى رسمه ، أما القول فقد يضمحل أثره " .وبهذا تكون الآيات الكريمة قد دمغت اليهود برذيلة التحريف لكلام الله عن تعمد وإصرار ووصفتهم بالنفاق والخداع ، ووبختهم على بلادة أذهانهم وسوء تصورهم لعلم الله - تعالى - وتوعدتهم بسوء المصير جزاء كذبهم على الله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المراد بقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ ﴾ اليهود لأنه تعالى لما وصفهم بالعناد وأزال الطمع عن إيمانهم بين فرقهم، فالفرقة الأولى هي الفرقة الضالة المضلة، وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.

والفرقة الثانية: المنافقون، والفرقة الثالثة: الذين يجادلون المنافقين، والفرقة الرابعة: هم المذكورون في هذه الآية وهم العامة الأميون الذين لا معرفة عندهم بقراءة ولا كتابة وطريقتهم التقليد وقبول ما يقال لهم، فبين الله تعالى أن الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الامتناع واحداً بل لكل قسم منهم سبب آخر ومن تأمل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من شرح فرق اليهود وجد ذلك بعينه في فرق هذه الأمة، فإن فيهم من يعاند الحق ويسعى في إضلال الغير وفيهم من يكون متوسطاً، وفيهم من يكون عامياً محضاً مقلداً، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في الأمي فقال بعضهم هو من لا يقر بكتاب ولا برسول.

وقال آخرون: من لا يحسن الكتابة والقراءة وهذا الثاني أصوب لأن الآية في اليهود وكانوا مقرين بالكتاب والرسول ولأنه عليه الصلاة والسلام قال: «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» وذلك يدل على هذا القول، ولأن قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب ﴾ لا يليق إلا بذلك.

المسألة الثانية: الأماني جمع أمنية ولها معانٍ مشتركة في أصل واحد، أحدها: ما تخيله الإنسان فيقدر في نفسه وقوعه ويحدثها بكونه، ومن هذا قولهم: فلان يعد فلاناً ويمنيه ومنه قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً  ﴾ فإن فسرنا الأماني بهذا كان قوله: (إلا أماني إلا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله تعالى لا يؤاخذهم بخطاياهم) وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة.

وثانيها: ﴿ إِلاَّ أَمَانِىَّ ﴾ إلا أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد، قال أعرابي لابن دأب في شيء حدث به: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته.

وثالثها: ﴿ إِلاَّ أَمَانِىَّ ﴾ أي إلا ما يقرأون من قوله: تمنى كتاب الله أول ليلة.

قال صاحب الكشاف والاشتقاق منى من، إذا قدر لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوز ما يتمناه، وكذلك المختلق والقاريء يقدر أن كلمة كذا بعد كذا، قال أبو مسلم: حمله على تمني القلب أولى بدليل قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ  ﴾ أي تمنيهم.

وقال الله تعالى: ﴿ لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وقال: ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ برهانكم  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلاّ يظنون  ﴾ بمعنى يقدرون ويخرصون.

وقال الأكثرون: حمله على القراءة أولى كقوله تعالى: ﴿ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِي أُمْنِيَّتِهِ  ﴾ ولأن حمله على القراءة أليق بطريقة الاستثناء لأنا إذا حملناه على ذلك كان له به تعلق فكأنه قال: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه، ثم إنهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وإذا حمل على أن المراد الأحاديث والأكاذيب أو الظن والتقدير وحديث النفس كان الاستثناء فيه نادراً.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَمَانِىَّ ﴾ من الاستثناء المنقطع، قال النابغة: حلفت يميناً غير ذي مثنوية *** ولا علم إلا حسن ظن بغائب وقرئ إلا أماني بالتخفيف.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ فكالمحقق لما قلناه لأن الأماني إن أريد بها التقدير والفكر لأمور لا حقيقة لها، فهي ظن ويكون ذلك تكراراً.

ولقائل أن يقول: حديث النفس غير والظن غير فلا يلزم التكرار وإذا حملناه على التلاوة عليهم يحسن معناه، فكأنه تعالى قال: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا بأن يتلى عليهم فيسمعوه وإلا بأن يذكرهم تأويله كما يراد فيظنون، وبين تعالى أن هذه الطريقة لا توصل إلى الحق، وفي الآية مسائل.

أحدها: أن المعارف كسبية لا ضرورية فلذلك ذم من لا يعلم ويظن.

وثانيها: بطلان التقليد مطلقاً وهو مشكل لأن التقليد في الفروع جائز عندنا.

وثالثها: أن المضل وإن كان مذموماً فالمغتر بإضلال المضل أيضاً مذموم لأنه تعالى ذمهم وإن كانوا بهذه الصفة.

ورابعها: أن الاكتفاء بالظن في أصول الدين غير جائز والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ ﴾ فقالوا: الويل كلمة يقولها كل مكروب، وقال ابن عباس: إنه العذاب الأليم.

وعن سفيان الثوري: إنه مسيل صديد أهل جهنم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره» قال القاضي: ويل يتضمن نهاية الوعيد والتهديد فهذا القدر لا شبهة فيه سواء كان الويل عبارة عن وادٍ في جهنم أو عن العذاب العظيم.

أما قوله تعالى: ﴿ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ﴾ ففيه وجهان.

الأول: أن الرجل قد يقول كتبت إذا أمر بذلك ففائدة قوله: ﴿ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ أنه لم يقع منهم إلا على هذا الوجه.

الثاني: أنه تأكيد وهذا الموضع مما يحسن فيه التأكيد كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه: يا هذا كتبته بيمينك.

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله ﴾ فالمراد أن من يكتب هذه الكتابة ويكسب هذا الكسب في غاية الرداءة لأنهم ضلوا عن الدين وأضلوا وباعوا آخرتهم بدنياهم، فذنبهم أعظم من ذنب غيرهم، فإن المعلوم أن الكذب على الغير بما يضر يعظم إثمه فكيف بمن يكذب على الله ويضم إلى الكذب الإضلال ويضم إليهما حب الدنيا والاحتيال في تحصيلها ويضم إليها أنه مهد طريقاً في الإضلال باقياً على وجه الدهر، فلذلك عظم تعالى ما فعلوه.

فإن قيل: إنه تعالى حكى عنهم أمرين.

أحدهما: كتبة الكتاب والآخر: إسناده إلى الله تعالى على سبيل الكذب، فهذا الوعيد مرتب على الكتبة أو على إسناد المكتوب إلى الله أو عليهما معاً؟

قلنا: لا شك أن كتبة الأشياء الباطلة لقصد الإضلال من المنكرات والكذب على الله تعالى أيضاً كذلك والجمع بينهما منكر عظيم جداً.

أما قوله تعالى: ﴿ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ فهو تنبيه على أمرين.

الأول: أنه تنبيه على نهاية شقاوتهم لأن العاقل يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في الآخرة لأجل الأجر العظيم في الدنيا، فكيف يليق به أن يرضى بالعقاب العظيم في الآخرة لأجل النفع الحقير في الدنيا.

الثاني: أنه يدل على أنهم ما فعلوا ذلك التحريف ديانة بل إنما فعلوه طلباً للمال والجاه، وهذا يدل على أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم، لأن الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبة ورضا، ومع ذلك فقد نبه تعالى على تحريمه.

أما قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ فالمراد أن كتبتهم لما كتبوه ذنب عظيم بانفراده، وكذلك أخذهم المال عليه، فلذلك أعاد ذكر الويل في الكسب، ولو لم يعد ذكره كان يجوز أن يقال: إن مجموعهما يقتضي الوعيد العظيم دون كل واحد منهما، فأزال الله تعالى هذه الشبهة واختلفوا في قوله تعالى: ﴿ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ هل المراد ما كانوا يأخذون على هذه الكتابة والتحريف فقط أو المراد بذلك سائر معاصيهم والأقرب في نظام الكلام أنه راجع إلى المذكور من المال المأخوذ على هذا الوجه وإن كان الأقرب من حيث العموم أنه يشمل الكل، لكن الذي يرجح الأول أنه متى لم يقيد كسبهم بهذا القيد لم يحسن الوعيد عليه لأن الكسب يدخل فيه الحلال والحرام، فلابد من تقييده وأولى ما يقيد به ما تقدم ذكره.

قال القاضي: دلت الآية على أن كتابتهم ليست خلقاً لله تعالى، لأنها لو كانت خلقاً لله تعالى لكانت إضافتها إليه تعالى بقولهم: ﴿ هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ ذلك حقيقة لأنه تعالى إذا خلقها فيهم فهب أن العبد مكتسب إلا أن انتساب الفعل إلى الخالق أقوى من انتسابه إلى المكتسب فكان اسناد تلك الكتبة إلى الله تعالى أولى من إسنادها إلى العبد، فكان يجب أن يستحقوا الحمد على قولهم فيها.

أنها من عند الله ولما لم يكن كذلك علمنا أن تلك الكتبة ليست مخلوقة لله تعالى.

والجواب: أن الداعية الموجبة لها من خلق الله تعالى بالدلائل المذكورة فهي أيضاً تكون كذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ ﴾ لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها.

﴿ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب ﴾ التوراة ﴿ إِلاَّ أَمَانِىَّ ﴾ إلا ما هم عليه من أمانيهم، وأن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة.

وقيل: إلا أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد.

قال أعرابي لابن دأب في شيء حدّث به: أهذا شيء رويته، أم تمنيته، أم اختلقته، وقيل: إلا ما يقرؤون من قوله: تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ والاشتقاق من منى إذا قدّر، لأن المتمني يقدّر في نفسه ويحزر ما يتمناه، وكذلك المختلق والقارئ يقدر أن كلمة كذا بعد كذا.

وإلا أمانيّ: من الاستثناء المنقطع.

وقرئ: ﴿ أماني ﴾ بالتخفيف.

ذكر العلماء الذين عاندوا بالتحريف مع العلم والاستيقان، ثم العوامّ الذين قلدوهم، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن العالم عليه أن يعمل بعلمه، وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظنّ وهو متمكن من العلم.

﴿ يَكْتُبُونَ الكتاب ﴾ المحرّف ﴿ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ تأكيد، وهو من محاز التأكيد، كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه: يا هذا كتبته بيمينك هذه.

﴿ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ من الرشا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ ﴾ جَهَلَةٌ لا يَعْرِفُونَ الكِتابَةَ فَيُطالِعُوا التَّوْراةَ ويَتَحَقَّقُوا ما فِيها.

أوِ التَّوْراةَ ﴿ إلا أمانِيَّ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ.

والأمانِيُّ: جُمَعُ أمْنِيَّةٍ وهي في الأصْلِ ما يُقَدِّرُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِن مُنى إذا قَدَرَ، ولِذَلِكَ تُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ وعَلى ما يُتَمَنّى وما يُقْرَأُ والمَعْنى لَكِنْ يَعْتَقِدُونَ أكاذِيبَ أخَذُوها تَقْلِيدًا مِنَ المُحَرِّفِينَ أوْ مَواعِيدَ فارِغَةً.

سَمِعُوها مِنهم مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا، وأنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً.

وقِيلَ إلّا ما يَقْرَءُونَ قِراءَةً عارِيَةً عَنْ مَعْرِفَةِ المَعْنى وتَدَبُّرِهِ مِن قَوْلِهِ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ...

تَمَنِّيَ داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رِسْلِ وَهُوَ لا يُناسِبُ وصْفَهم بِأنَّهم أُمِّيُّونَ.

﴿ وَإنْ هم إلا يَظُنُّونَ ﴾ ما هم إلّا قَوْمٌ يَظُنُّونَ لا عِلْمَ لَهُمْ، وقَدْ يُطْلَقُ الظَّنُّ بِإزاءِ العِلْمِ عَلى كُلِّ رَأْيٍ واعْتِقادٍ مِن غَيْرِ قاطِعٍ، وإنْ جَزَمَ بِهِ صاحِبُهُ: كاعْتِقادِ المُقَلِّدِ والزّائِغِ عَنِ الحَقِّ لِشُبْهَةٍ.

﴿ فَوَيْلٌ ﴾ أيْ تَحَسَّرَ وهَلَكَ.

ومَن قالَ إنَّهُ وادٍ أوْ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ فَمَعْناهُ: أنَّ فِيها مَوْضِعًا يَتَبَوَّأُ فِيهِ مَن جُعِلَ لَهُ الوَيْلُ، ولَعَلَّهُ سَمّاهُ بِذَلِكَ مَجازًا.

وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ وإنَّما ساغَ الِابْتِداءُ بِهِ نَكِرَةً لِأنَّهُ دُعاءٌ.

﴿ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي المُحَرِّفِينَ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ ما كَتَبُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ.

﴿ بِأيْدِيهِمْ ﴾ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُهُ بِيَمِينِي ﴿ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ كَيْ يَحْصُلُوا بِهِ عَرْضًا مِن أعْراضِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ وإنْ جُعْلٌ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما اسْتَوْجَبُوهُ مِنَ العِقابِ الدّائِمِ.

﴿ فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ يَعْنِي المُحَرِّفَ.

﴿ وَوَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الرُّشى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَوَيْلٌ} في الحديث ويل واد في جهنم {لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب} المحرف {بِأَيْدِيهِمْ} من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون منزلاً وذكر الأيدي للتأكيد وهو من مجاز التأكيد {ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً} عوضاً يسيراً {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} من الرشا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ﴾ الوَيْلُ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِمْ: والَ مَصْنُوعٌ كَما في البَحْرِ، ومِثْلُهُ ويْحٌ، ووَيْبٌ، ووَيْسٌ، ووَيْهٌ، وعَوْلٌ، ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، ويُقالُ: ويْلَةٌ ويُجْمَعُ عَلى ويْلاتٍ، وإذا أُضِيفَ فالأحْسَنُ فِيهِ النَّصْبُ، ولا يَجُوزُ غَيْرُهُ عِنْدَ بَعْضٍ، وإذا أفْرَدْتَهُ اخْتِيرَ الرَّفْعُ، ومَعْناهُ الفَضِيحَةُ والحَسْرَةُ، وقالَ الخَلِيلُ: شِدَّةُ الشَّرِّ، وابْنُ المُفَضَّلِ: الحُزْنُ، وغَيْرُهُما: الهَلَكَةُ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ، وقَدْ تَكُونُ تَرَحُّمًا، ومِنهُ: «(ويْلُ أُمِّهِ، مِسْعَرَ حَرْبٍ)،» ووَرَدَ مِن طُرُقٍ صَحَّحَها الحُفّاظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «(الوَيْلُ وادٍ في جَهَنَّمَ يَهْوِي بِهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا، قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ)،» وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: «(إنَّهُ جَبَلٌ فِيها)،» وإطْلاقُهُ عَلى ذَلِكَ إمّا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وإمّا مَجازٌ لُغَوِيٌّ، مِن إطْلاقِ لَفْظِ الحالِّ عَلى المَحَلِّ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، لِأنَّ العَرَبَ تَكَلَّمَتْ بِهِ في نَظْمِها ونَثْرِها قَبْلَ أنْ يَجِيءَ القُرْآنُ، ولَمْ تُطْلِقْهُ عَلى ذَلِكَ، وعَلى كُلِّ حالٍ هو هُنا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لِلَّذِينَ)، فَإنْ كانَ عِلْمًا لِما في الخَبَرِ، فَظاهِرٌ، وإلّا فالَّذِي سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ كَوْنُهُ دُعاءً، وقَدْ حُوِّلَ عَنِ المَصْدَرِ المَنصُوبِ لِلدِّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ، ومِثْلُهُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ غَيْرُ مُخْبَرٍ عَنْهُ، وقِيلَ: لِتَخَصُّصِ النَّكِرَةِ فِيهِ بِالدّاعِي كَما تَخَصَّصَ سَلامٌ في (سَلامٌ عَلَيْكَ) بِالمُسَلِّمِ، فَإنَّ المَعْنى: سَلامِي عَلَيْكَ، وكَذَلِكَ المَعْنى ها هُنا: دُعائِي عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ ثابِتٌ لَهُمْ، والكِتابَةُ مَعْرُوفَةٌ، وذَكَرَ الأيْدِيَ تَأْكِيدًا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ المَجازِ، ويُقالُ: أوَّلُ مَن كَتَبَ بِالقَلَمِ إدْرِيسُ، وقِيلَ: آدَمُ عَلَيْهِما السَّلامُ، والمُرادُ بِالكِتابِ المُحَرَّفُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم كَتَبُوا في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ صُورَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبَثُّوها في سُفَهائِهِمْ، وفي العَرَبِ، وأخْفَوْا تِلْكَ النُّسَخَ الَّتِي كانَتْ عِنْدَهم بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ، وصارُوا إذا سُئِلُوا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُونَ: ما هَذا هو المَوْصُوفُ عِنْدَنا في التَّوْراةِ، ويُخْرِجُونَ التَّوْراةَ المُبْدَّلَةَ، ويَقْرَؤُونَها، ويَقُولُونَ: هَذِهِ التَّوْراةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ ما كَتَبُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ، ورَوَّجُوهُ عَلى العامَّةِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ما انْفَكَّ كِتابٌ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ مِن تَضَمُّنِ ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَكِنْ بِإشارَةٍ لا يَعْرِفُها إلّا العالِمُونَ، ولَوْ كانَ مُتَجَلِّيًا لِلْعَوامِّ لَما عُوتِبَ عُلَماؤُهم في كِتْمانِهِ، ثُمَّ ازْدادَ ذَلِكَ غُمُوضًا بِنَقْلِهِ مِن لِسانٍ إلى لِسانٍ، وقَدْ وُجِدَ في التَّوْراةِ ألْفاظٌ إذا اعْتَبَرْتَها وجَدْتَها دالَّةً عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَعْرِيضٍ هو عِنْدَ الرّاسِخِينَ جَلِيٌّ، وعِنْدَ العامَّةِ خَفِيٌّ، فَعَمِدَ إلى ذَلِكَ أحْبارٌ مِنَ اليَهُودِ، فَأوَّلُوهُ، وكَتَبُوا تَأْوِيلاتِهِمُ المُحَرَّفَةَ بِأيْدِيهِمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، إعْظامًا لِشَأْنِهِ، وتَمْكِينًا لَهُ في قُلُوبِ أتْباعِهِمُ الأُمِّيِّينَ، (وثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، فَإنَّ نِسْبَةَ المُحَرَّفِ والتَّأْوِيلِ الزّائِغِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ صَرِيحًا أشَدُّ شَناعَةً مِن نَفْسِ التَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ، والإشارَةُ إمّا إلى الجَمِيعِ، أوْ إلى الخُصُوصِ.

﴿ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ أيْ لِيُحَصِّلُوا بِما أشارُوا إلَيْهِ غَرَضًا مِن أغْراضِ الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ، وهو وإنْ جَلَّ أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما اسْتَوْجَبُوهُ مِنَ العَذابِ الدّائِمِ، وحُرِمُوهُ مِنَ الثَّوابِ المُقِيمِ، وهو عِلَّةٌ لِلْقَوْلِ كَما في البَحْرِ، ولا أرى في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى المَنعِ مِن أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى كِتابَةِ المَصاحِفِ، ولا عَلى كَراهِيَةِ بَيْعِها، والأعْمَشُ تَأوَّلَ الآيَةَ واسْتَدَلَّ بِها عَلى الكَراهَةِ، وطَرْفُ المُنْصِفِ أعْمى عَنْ ذَلِكَ، نَعَمْ ذَهَبَ إلى الكَراهَةِ جَمْعٌ مِنهُمُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وبِهِ قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ، لَكِنْ لا أظُنُّهم يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمامُ البَحْثِ في مَحَلِّهِ.

﴿ فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ ﴾ الفاءُ لِتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ﴾ إلَخْ، حَيْثُ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوَيْلِ لِلْمَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ لِأجْلِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، بِناءً عَلى التَّعْلِيقِ بِالوَصْفِ مِن غَيْرِ دِلالَةٍ عَلى أنَّ ثُبُوتَهُ لِأجْلِ مَجْمُوعِ ما ذُكِرَ أوَّلًا، بَلْ كَلِّ واحِدٍ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ويْلٌ لَهم إلَخْ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّنْصِيصِ بِالعِلَّةِ، ولا يَخْفى ما في هَذا الِإجْمالِ والتَّفْصِيلِ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَعِيدِ والزَّجْرِ والتَّهْوِيلِ.

(ومِن) تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(ويْلٌ)، أوْ بِالِاسْتِقْرارِ في الخَبَرِ، (وما) قِيلَ: مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ كَتَبَتْهُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، الأوَّلُ أدْخَلُ في الزَّجْرِ عَنْ تَعاطِي المُحَرَّفِ، والثّانِي في الزَّجْرِ عَنِ التَّحْرِيفِ، (وما) الثّانِيَةُ مِثْلُها، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ المَصْدَرِيَّةَ في المَوْضِعَيْنِ لَفْظًا ومَعْنًى لِعَدَمِ تَقْدِيرِ العائِدِ، ولِأنَّ مَكْسُوبَ العَبْدِ حَقِيقَةً فِعْلُهُ الَّذِي يُعاقَبُ عَلَيْهِ ويُثابُ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ العَبْدَ كَما يُعاقَبُ عَلى نَفْسِ فِعْلِهِ يُعاقَبُ عَلى أثَرِ فِعْلِهِ، لِإفْضائِهِ إلى حَرامٍ آخَرَ، وهو هُنا يُفْضِي إلى إضْلالِ الغَيْرِ، وأكْلِ الحَرامِ، وغايَرَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُ بَيَّنَ في الأُولى اسْتِحْقاقَهُمُ العِقابَ بِنَفْسِ الفِعْلِ، وفي الثّانِيَةِ اسْتِحْقاقَهم لَهُ بِأثَرِهِ، ولِذا جاءَ بِالفاءِ، ولا يَخْفى أنَّهُ كَلامٌ خالٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، كَما لا يَخْفى عَلى أرْبابِ التَّدْقِيقِ، ومِمّا ذَكَرْنا ظَهَرَ فائِدَةُ ذِكْرِ الوَيْلِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وقِيلَ: فائِدَتُهُ أنَّ اليَهُودَ جَنَوْا ثَلاثَ جِناياتٍ: تَغْيِيرَ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأخْذَ الرِّشْوَةَ، فَهُدِّدُوا بِكُلِّ جِنايَةٍ بِالوَيْلِ، وكَأنَّهُ جَعَلَ الفائِدَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ﴾ إلى آخِرِ المَعْطُوفِ كَما في خَبَرِ «(لا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعاءِ)» وهو عَلى بُعْدِهِ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ وجْهُ إيرادِ الفاءِ في الثّانِي، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ مَفْعُولَ الكَسْبِ خاصٌّ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ(ما يَكْسِبُونَ) جَمِيعُ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، لِيَشْمَلَ القَوْلَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وعَدَمَ التَّعَرُّضِ لِلْقَوْلِ لِما أنَّهُ مِن مَبادِي تَرْوِيجِ ”ما كَتَبَتْ أيْدِيهمْ“ والآيَةُ نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ خافُوا أنْ تَذْهَبَ رِياسَتُهم بِإبْقاءِ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى حالِها، فَغَيَّرُوها، وقِيلَ: خافَ مُلُوكُهم عَلى مَلِكِهِمْ، إذا آمَنَ النّاسُ، فَرَشَوْهم فَحَرَّفُوا والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِنَبِيٍّ، ولَمْ يَتَّبِعُوا كِتابًا، بَلْ كَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا، وحَلَّلُوا فِيهِ ما اخْتارُوا، وحَرَّمُوا ما اخْتارُوا، وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، غَيْرُ مَرْضِيٍّ، كالقَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْحٍ، كاتِبِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كانَ يُغَيِّرُ القُرْآنَ، فارْتَدَّ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ، الويل: الشدة من العذاب.

ويقال: الويل كلمة تستعمل عند الشدة ويقال: يا ويلاه.

ويقال: الويل وادٍ في جهنم.

قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر أنه قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدّثنا وكيع بن سفيان، عن زياد، عن أبي عياض قال: الويل واد في أصل جهنم يسيل فيه صديدهم.

وإنما صار رفعاً بالابتداء.

وقال الزجاج: ولو كان هذا في غير القرآن لجاز (فويلاً) على معنى: جعل الله ويلاً للذين يكتبون الكتاب، إلا أنه لم يقرأ.

وذلك أن رؤساء اليهود محوا نعت محمد  ثم كتبوا غير نعته، ثُمَّ يَقُولُونَ للسفلة هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، أي عرضاً يسيراً من مال الدنيا.

وروي عن إبراهيم النخعي أنه كره أن يكتب المصحف بالأجر، وتأول هذه الآية فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ.

إلى قوله: لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا وغيره من العلماء أباحه.

ثم قال: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ، أي مما يصيبهم من العذاب وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ، أي مما يصيبون فجعل الويل لهم ثلاث مرات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والأَمَانِيُّ: جمع أُمْنِيَّة، واختلف في معنى أَمانِيَّ، فقالت طائفة: هي هاهنا من:

تمنَّى الرجل، إذا ترجى، فمعناه أن منهم من لا يكْتُب ولا يقرأ، وإنما يقول بظنِّه شيئاً سمعه، فيتمنى أنه من الكتاب.

وقال آخرون: هي من تمنى إذا تلا، ومنه قول الشاعر: [الطويل]

تمنى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ...

وَآخِرَهُ لاقى حِمَامَ المَقْادِرِ «١»

فمعنى الآية: أنهم لا يَعْلَمُون الكتاب إِلاَّ سماع شيْءٍ يتلى، لا عِلْمَ لهم بصحَّته.

وقال الطبريُّ: هي من تَمَنَّى الرجُلِ، إذا حدَّث بحديث مختلَقٍ كذبٍ، أي: لا يعلمون الكتاب إِلا سماعَ أشياء مختلَقَةٍ من أحبارهم، يظنُّونها من الكتاب.

ص «٢» : وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ: «إن» : نافية بمعنى «ما» .

انتهى.

وقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ...

الآية.

٢٦ أقال الخليلُ: «الوَيْلُ» : شِدَّةُ الشر، وهو مصدر، / لا فِعْلَ له، ويجمع على وَيْلاَتٍ، والأحسن فيه إِذا انفصل: الرفْعُ لأنه يقتضي الوقُوعَ، ويصحُّ النصب على معنى الدُّعَاء، أي: ألزمه اللَّه وَيْلاً، ووَيْلٌ ووَيْحٌ ووَيْسٌ تتقاربُ في المعنى، وقد فرق بينها قوم.

وروى سفيانُ، وعطاءُ بنُ يَسارٍ أن الوَيْلَ في هذه الآية وادٍ يجري بفناءِ جهنَّم من صديد أهل النار «٣» .

وروى أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم «أنه وادٍ في جهنَّم بيْن جبَلَيْنِ يَهْوِي فيه الهاوِي أربعِينَ خَرِيفاً» «١» .

وروى عثمانُ بن عفّان عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم «أنه جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ النَّار» «٢» ، والذين يكْتُبُونَ:

هم الأحبار والرؤساء.

وبِأَيْدِيهِمْ قال ابن السَّرَّاج «٣» : هي كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، والذي بدّلوه هو صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم ليستديمُوا رياستهم ومكاسبهم، وذكر السُّدِّيُّ أنهم كانوا يكتبون كتبا يبدّلون فيها صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم ويبيعونَهَا من الأَعراب، ويبثُّونها في أتباعهم، ويقولون هي من عبد اللَّه «٤» ، والثَّمَنُ: قيل: عَرَضُ الدنيا، وقيل: الرُّشَا والمآكل التي كانت لهم، ويَكْسِبُونَ معناه: من المعاصي، وقيل: من المال الذي تضمنه ذكر الثَّمَن.

وقوله تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ...

الآية: روى ابن زَيْد وغيره أنَّ سببها أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ لِلْيَهُودِ: «مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟

فَقَالُوا: نَحْنُ، ثمّ تخلفونا أنتم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ ﴾ هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ [الَّذِينَ ] بَدَّلُوا التَّوْراةَ وغَيَّرُوا صِفَةَ النَّبِيِّ  فِيها.

وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ وسُفْيانَ.

فَأمّا الوَيْلُ: فَرَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: "وَيْلٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، يَهْوِي الكافِرُ فِيهِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ"» وقالَ الزَّجّاجُ: الوَيْلُ: كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ لِكُلِّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ، ويَسْتَعْمِلُها هو أيْضًا.

وأصْلُها في اللُّغَةِ: العَذابُ، والهَلاكُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُقالُ: مَعْنى الوَيْلِ المَشَقَّةُ مِنَ العَذابِ.

ويُقالُ: أصْلُهُ: ويْ لِفُلانٍ، أيْ: حُزْنٌ لِفُلانٍ، فَكَثُرَ الِاسْتِعْمالُ لِلْحَرْفَيْنِ، فَوَصَلَتِ اللّامُ بِ "وَيْ" وجُعِلَتْ حَرْفًا واحِدًا، ثُمَّ خَبَّرَ عَنْ "وَيْلٍ" بِلامٍ أُخْرى، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ.

والكِتابُ هاهُنا: التَّوْراةُ.

وذِكْرُ الأيْدِي تَوْكِيدٌ، والثَّمَنُ القَلِيلُ: ما يَفْنى مِنَ الدُّنْيا.

وَفِيما يَكْسِبُونَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَوَّضَ ما كَتَبُوا.

والثّانِي: إثْمُ ما فَعَلُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهِ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ "الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِمُ الأحْبارُ والرُؤَساءُ، قالَ الخَلِيلُ: الوَيْلُ شِدَّةُ الشَرِّ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: الوَيْلُ القُبُوحُ، وهو مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ، ويُجْمَعُ عَلى ويْلاتٍ، والأحْسَنُ فِيهِ -إذا انْفَصَلَ- الرَفْعُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي الوُقُوعَ ويَصِحُّ النَصْبُ عَلى مَعْنى الدُعاءِ، أيْ ألْزَمَهُ اللهُ ويْلًا.

ووَيْلٌ، ووَيْحٌ، ووَيْسٌ، ووَيْبٌ، تَتَقارَبُ في المَعْنى، وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَها قَوْمٌ، ورَوى سُفْيانُ، وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ، أنَّ الوَيْلَ في هَذِهِ الآيَةِ وادٍ يَجْرِي بِفَناءِ جَهَنَّمَ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَهْوِي فِيهِ الهاوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا»، وقالَ أبُو عِياضٍ: إنَّهُ صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ.

ورَوى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ جَبَلٌ مِن جِبالِ النارِ»، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن آخَرِينَ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ.

و( الَّذِينَ يَكْتُبُونَ ) هُمُ الأحْبارُ الَّذِينَ بَدَّلُوا التَوْراةَ، وقَوْلُهُ "بِأيْدِيهِمْ" بَيانٌ لِجُرْمِهِمْ وإثْباتٌ لِمُجاهَرَتِهِمُ اللهَ.

وَفَرَّقَ بَيْنَ مَن كَتَبَ وبَيْنَ مَن أمَرَ، إذِ المُتَوَلِّي لِلْفِعْلِ أشَدُّ مُواقَعَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ، وإنْ كانَ رَأْيًا لَهُ، وقالَ ابْنُ السَرّاجِ: هو كِنايَةٌ عن أنَّهُ مِن تِلْقائِهِمْ دُونَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً في كُتُبِ أيْدِيهِمْ.

والَّذِي بَدَّلُوا هو صِفَةُ النَبِيِّ  لِيَسْتَدِيمُوا رِياسَتَهم ومَكاسِبَهُمْ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ صِفَتُهُ في التَوْراةِ أسْمَرَ رَبْعَةً فَرَدُّوهُ آدَمَ طَوِيلًا، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم كانُوا يَكْتُبُونَ كُتُبًا يُبَدِّلُونَ فِيها صِفَةَ النَبِيِّ  ويَبِيعُونَها مِنَ الأعْرابِ، ويَبُثُّونَها في أتْباعِهِمْ، ويَقُولُونَ: هي مِن عِنْدِ اللهِ.

وتَناسُقُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها يُعْطِي أنَّ هَذا الكَتْبَ والتَبْدِيلَ إنَّما هو لِلْأتْباعِ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما قُرِئَ لَهم.

والثَمَنُ قِيلَ: عَرَضُ الدُنْيا، وقِيلَ: الرِشا والمَآكِلُ الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، ووَصَفَهُ بِالقِلَّةِ إمّا لِفِنائِهِ، وإمّا لِكَوْنِهِ حَرامًا.

وكُرِّرَ الوَيْلُ لِتَكْرارِ الحالاتِ الَّتِي اسْتَحَقُّوهُ بِها، و"يَكْسِبُونَ" مَعْناهُ مِنَ المَعاصِي والخَطايا، وقِيلَ: مِنَ المالِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ذِكْرُ الثَمَنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النارُ ﴾ الآيَةُ، رَوى ابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُ، أنَّ سَبَبَها «أنَّ النَبِيَّ  قالَ لِلْيَهُودِ: "مَن أهْلُ النارِ"؟

فَقالُوا: نَحْنُ، ثُمَّ تَخْلُفُونَنا أنْتُمْ، فَقالَ لَهُمْ: "كَذَبْتُمْ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا لا نَخْلُفُكُمْ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ويُقالُ: إنَّ السَبَبَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ أنْ يُدْخِلَهُمُ النارَ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العَجَلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ.

وَقالَتْ طائِفَةٌ: قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ في التَوْراةِ أنَّ طُولَ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأنَّهم يَقْطَعُونَ في كُلِّ يَوْمِ سَنَةً، حَتّى يُكْمِلُوها وتَذْهَبَ جَهَنَّمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، إنَّهم قالُوا: إنَّ مُدَّةَ الدُنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّ اللهَ تَعالى يُعَذِّبُهم بِكُلِّ ألِفٍ سَنَةٍ يَوْمًا.

و"أتَّخَذْتُمْ" أصْلُهُ: أئِتَّخَذْتُمْ، وزْنُهُ أفْتَعَلْتُمْ مِنَ الأخْذِ، سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ الثانِيَةُ لِامْتِناعِ جَمْعِ هَمْزَتَيْنِ فَجاءَ "أيِتَّخَذْتُمْ"، فاضْطَرَبَتِ الياءُ في التَصْرِيفِ جاءَتْ ألِفًا في "يِاتَّخَذُوا"، وواوًا في مُوتَّخَذٌ، فَبُدِّلَتْ بِحَرْفٍ جَلْدٍ ثابِتٍ وهو التاءُ وأُدْغِمَتْ، فَلَمّا دَخَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ ألِفُ التَقْرِيرِ اسْتُغْنِيَ عن ألِفِ الوَصْلِ.

ومَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ "أنِ اتَّخَذْتُمْ" مِن تَخِذَ لا مِن أخَذَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.

وقالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: العَهْدُ مِنَ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المِيثاقُ والمَوْعِدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ هَلْ قُلْتُمْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وآمَنتُمْ، وأطَعْتُمْ، فَتُدْلُونَ بِذَلِكَ، وتَعْلَمُونَ أنَّكم خارِجُونَ مِنَ النارِ؟

فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَجِيءُ المَعْنى: هَلْ عاهَدَكُمُ اللهُ عَلى هَذا الَّذِي تَدَّعُونَ؟

وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ؟

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ.

و"بَلى" رَدٌّ بَعْدَ النَفْيِ، بِمَنزِلَةِ نَعَمْ بَعْدَ الإيجابِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُها "بَلِ" الَّتِي هَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، وزِيدَتْ عَلَيْها الياءُ لِيَحْسُنَ الوَقْفُ عَلَيْها، وضَمَّنَتِ الياءُ مَعْنى الإيجابِ والإنْعامِ بِما يَأْتِي بَعْدَها.

وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي حَرْفٌ مِثْلُ "بَلْ" وغَيْرُهُ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ لِقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النارُ ﴾ ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الخُلُودَ في النارِ والجَنَّةِ بِحَسَبِ الكُفْرِ والإيمانِ.

و"مَن" شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ و"أُولَئِكَ" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، و"الفاءُ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَ الشَرْطِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: السَيِّئَةُ: الشِرْكُ،كَقَوْلِهِ ﴿ وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ  ﴾ والخَطِيئاتُ كَبائِرُ الذُنُوبِ، وقالَ قَوْمٌ "خَطِيئَتُهُ" بِالإفْرادِ، وقالَ قَوْمٌ: السَيِّئَةُ هُنا الكَبائِرُ وأفْرَدَها وهي بِمَعْنى الجَمْعِ لَمّا كانَتْ تَدُلُّ عَلى الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ  ﴾ والخَطِيئَةُ: الكُفْرُ، ولَفْظَةُ الإحاطَةِ تُقَوِّي هَذا القَوْلَ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحائِطِ المُحْدِقِ بِالشَيْءِ.

وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، والأعْمَشُ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ: مَعْنى الآيَةِ: ماتَ بِذُنُوبٍ لَمْ يَتُبْ مِنها، وقالَ الرَبِيعُ أيْضًا: ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والسُدِّيُّ: كُلُّ ما تَوَعَّدَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنارِ فَهي الخَطِيئَةُ المُحِيطَةُ.

والخُلُودُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الإطْلاقِ والتَأْبِيدِ في المُشْرِكِينَ، ومُسْتَعارٌ بِمَعْنى الطُولِ في العَصاةِ، وإنَّ عُلِمَ انْقِطاعُهُ كَما يُقالُ: مَلِكٌ خالِدٌ، ويُدْعى لِلْمَلِكِ بِالخُلْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ يَدُلُّ هَذا التَقْسِيمُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ الآيَةُ، في الكُفّارِ، لا في العُصاةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: "وَأحاطَتْ" لِأنَّ العاصِيَ مُؤْمِنٌ فَلَمْ تُحِطْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ الرَدَّ كانَ عَلى كُفّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَهُمُ المُرادُ بِالخُلُودِ، واللهُ أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء للترتيب والتسبب فيكون ما بعدها مترتباً على ما قبلها والظاهر أن ما بعدها مترتب على قوله: ﴿ وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ﴾ [البقرة: 75] الدال على وقوع تحريف منهم عن عمد فرُتب عليه الإخبار باستحقاقهم سوء الحالة، أو رتب عليه إنشاء استفظاع حالهم، وأعيد في خلال ذلك ما أجمل في الكلام المعطوف عليه إعادة تفصيل.

ومعنى: ﴿ يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ أنهم يكتبون شيئاً لم يأتهم من رسلهم بل يضعونه ويبتكرونه كما دل عليه قوله: ﴿ ثم يقولون هذا من عند الله ﴾ المشعر بأن ذلك قولهم: بأفواههم ليس مطابقاً لما في نفس الأمر.

و (ثم) للترتيب الرتبي لأن هذا القول أدخل في استحقاقهم الويل من كتابة الكتاب بأيديهم إذ هو المقصود.

وليس هذا القول متراخياً عن كتابتهم ما كتبوه في الزمان بل هما متقارنان.

والويل لفظ دال على الشر أو الهلاك ولم يسمع له فعل من لفظه فلذلك قيل هو اسم مصدر، وقال ابن جني: هو مصدر امتنع العرب من استعمال فعله لأنه لو صُرِّف لوجوب اعتلال فائه وعينه بأن يجتمع فيه إعلالان أي فيكون ثقيلاً، والويلة: البلية.

وهي مؤنث الويل قال تعالى: ﴿ قالوا يا ويلتنا ﴾ [الكهف: 49] وقال امرئ القيس: فقالت لك الويلات إنَّك مُرْجِلِي *** ويستعمل الويل بدون حرف نداء كما في الآية ويستعمل بحرف النداء كقوله تعالى: ﴿ قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين ﴾ [الأنبياء: 14] كما يقال يا حسرتا.

فأما موقعه من الإعراب فإنه إذا لم يضف أُعْرِب إعرابَ الأسماء المبتدإِ بها وأُخْبر عنه بلام الجر كما في هذه الآية وقوله: ﴿ ويل للمطففين ﴾ [المطففين: 1] قال الجوهري: وينصب فيقال: ويلاً لزيد وجعل سيبويه ذلك قبيحاً وأوجب إذا ابتدئ به أن يكون مرفوعاً، وأما إذا أضيف فإنه يضاف إلى الضمير غالباً كقوله تعالى: ﴿ ويْلَكم ثوابُ الله خير لمن آمن ﴾ [القصص: 80] وقوله: ﴿ وَيْلك آمِن ﴾ [الأحقاف: 17] فيكون منصوباً وقد يضاف إلى الاسم الظاهر فيعرب إعراب غير المضاف كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بصير: «وَيْلُ أمِّه مِسْعَرَ حَرْبٍ» ولما أشبه في إعرابه المصادر الآتية بدلاً من أفعالها نصباً ورفعاً مثل: حمداً لله وصبرٌ جميل كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ الحمدُ لله ﴾ [الفاتحة: 2] قال أكثر أئمة العربية: إنه مصدر أُميتَ فعله، ومنهم من زعم أنه اسم وجعل نصبَهَ في حالة الإضافة نصباً على النداء بحذف حرف النداء لكثرة الاستعمال فأصل وَيلَه يا ويله بدليل ظهور حرف النداء معه في كلامهم.

وربما جعلوه كالمندوب فقالوا: ويْلاَه وقد أعربه الزجاج كذلك في سورة طه.

ومنهم من زعم أنه إذا نصب فعلى تقدير فعل، قال الزجاج في قوله تعالى: ﴿ ويْلَكم لا تفتروا على الله كذباً ﴾ [طه: 61] في طه يجوز أن يكون التقدير ألزمكم الله ويلاً.

وقال الفراء إن ويل كلمة مركبة من وَيْ بمعنى الحُزن ومن مجرورٍ باللام المكسورة فلما كثر استعمال اللام مع وَيْ صيروهما حرفاً واحداً فاختاروا فتح اللام كما قالوا يَالَ ضَبَّةَ ففتحوا اللام وهي في الأصل مكسورة.

وهو يستعمل دعاء وتعجباً وزجراً مثل قولهم: لا أب لك، وثكلتك أمك.

ومعنى: فويل للذين يكتبون الكتاب } دعاء مستعمل في إنشاء الغضب والزجر، قال سيبويه: لا ينبغي أن يقال ﴿ ويل للمطففين ﴾ دعاء لأنه قبيح في اللفظ ولكن العباد كُلموا بكلامهم وجاء القرآن على لغتهم على مقدار فهمهم أي هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم.

وقد جاء على مثال ويل ألفاظ وهي وَيْح ووَيْس ووَيْب ووَيْه ووَيْكَ.

وذكر ﴿ بأيديهم ﴾ تأكيد مثل نَظَرْتُه بعيني ومثل: ﴿ يقولون بأفواههم ﴾ [آل عمران: 167] وقوله: ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ [الأنعام: 38] والقصد منه تحقيق وقوع الكتابة ورفع المجاز عنها وأنهم في ذلك عامدون قاصدون.

وقوله: ﴿ ليشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ هو كقوله: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ [البقرة: 41] والثمن المقصود هنا هو إرضاء العامة بأن غيّروا لهم أحكام الدين على ما يوافق أهواءهم أو انتحال العلم لأنفسهم مع أنهم جاهلون فوضعوا كتباً تافهة من القصص والمعلومات البسيطة ليتفيهقوا بها في المجامع لأنهم لما لم تصل عقولهم إلى العلم الصحيح وكانوا قد طمعوا في التصدر والرئاسة الكاذبة لفقوا نتفاً سطحية وجمعوا موضوعات وفراغات لا تثبت على محك العلم الصحيح ثم أشاعوها ونسبوها إلى الله ودينه وهذه شنشنة الجهلة المتطلعين إلى الرئاسة عن غير أهلية ليظهروا في صور العلماء لدى أنظار العامة ومن لا يميز بين الشحم والورم.

وقوله: ﴿ فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ﴾ تفصيل لجنس الويل إلى ويلين وهما ما يحصل لهم من الشر لأجل ما وضعوه وما يحصل لهم لأجل ما اكتسبوه من جراء ذلك فهو جزاء بالشر على الوسيلة وعلى المقصد، وليس في الآية ثلاث وَيْلات كما قد توهم ذلك.

وكأن هذه الآية تشير إلى ما كان في بني إسرائيل من تلاشي التوراة بعد تخريب بيت المقدس في زمن بختنصر ثم في زمن طيطس القائد الروماني وذلك أن التوراة التي كتبها موسى عليه السلام قد أمر بوضعها في تابوت العهد حسبما ذلك مذكور في سفر التثنية وكان هذا التابوت قد وضعه موسى في خيمة الاجتماع ثم وضعه سليمان في الهيكل فلما غزاهم بختنصر سنة 588 قبل المسيح أحرق الهيكل والمدينة كلها بالنار وأخذ معظم اليهود فباعهم عبيداً في بلده وترك فئة قليلة بأورشليم قصرهم على الغراسة والزراعة ثم ثاروا على بختنصر وقتلوا نائبه وهربوا إلى مصر ومعهم أرميا فخربت مملكة اليهود.

ومن المعلوم أنهم لم يكونوا يومئذ يستطيعون إنقاذ التوراة وهم لم يكونوا من حفظتها لأن شريعتهم جعلت التوراة أمانة بأيدي اللاويين كما تضمنه سفر التثنية وأمر موسى القوم بنشر التوراة لهم بعد كل سبع سنين تمضي وقال موسى ضعوا هذا الكتاب عند تابوت العهد ليكون هناك شاهداً عليكم لأني أعرف تمردكم وقد صرتم تقاومون ربكم وأنا حي فأحرى أن تفعلوا ذلك بعد موتي ولا يخفى أن اليهود قد نبذوا الديانة غير مرة وعبدوا الأصنام في عهد رحبعام بن سليمان ملك يهوذا وفي عهد يوربعام غلام سليمان ملك إسرائيل قبل تخريب بيت المقدس وذلك مؤذن بتناسي الدين ثم طرأ عليه التخريب المشهور ثم أعقبه التخريب الروماني في زمن طيطس سنة 40 للمسيح ثم في زمن أدريان الذي تم على يده تخريب بلد أورشليم بحيث صيرها مزرعة وتفرق من أبقاه السيف من اليهود في جهات العالم.

ولهذا اتفق المحققون من العلماء الباحثين عن تاريخ الدين على أن التوراة قد دخلها التحريف والزيادة والتلاشي وأنهم لما جمعوا أمرهم عقب بعض مصائبهم الكبرى افتقدوا التوراة فأرادوا أن يجمعوها من متفرق أوراقهم وبقايا مكاتبهم.

وقد قال: (لنجرك) أحد اللاهوتيين من علماء الإفرنج إن سفر التثنية كتبه يهودي كان مقيماً بمصر في عهد الملك يوشيا ملك اليهود وقال غيره: إن الكتب الخمسة التي هي مجموع التوراة قد دخل فيها تحريف كثير من علم صموئيل أو عزير (عزرا).

ويذكر علماؤنا أن اليهود إنما قالوا عزير ابن الله لأنه ادعى أنه ظفر بالتوراة.

وكل ذلك يدل على أن التوراة قد تلاشت وتمزقت والموجود في سفر الملوك الثاني من كتبهم في الإصحاح الحادي والعشرين أنهم بينما كانوا بصدد ترميم بيت المقدس في زمن يوشيا ملك يهوذا ادعى حلقيا الكاهن أنه وجد سفر الشريعة في بيت الرب وسلمه الكاهن لكاتب الملك فلما قرأه الكاتب على الملك مزق ثيابه وتاب من ارتداده عن الشريعة وأمر الكهنة بإقامة كلام الشريعة المكتوب في السفر الذي وجده حلقيا الكاهن في بيت الرب اه.

فهذا دليل قوي على أن التوراة كانت مجهولة عندهم منذ زمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم أُمِّيُّونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأُمِّيَّ: الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وأظْهَرُ تَأْوِيلِهِ.

والثّانِي: أنَّ الأُمِّيِّينَ: قَوْمٌ لَمْ يُصَدِّقُوا رَسُولًا أرْسَلَهُ اللَّهُ، ولا كِتابًا أنْزَلَهُ اللَّهُ، وكَتَبُوا كِتابًا بِأيْدِيهِمْ، وقالَ الجُهّالُ لِقَوْمِهِمْ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفي تَسْمِيَةِ الَّذِي لا يَكْتُبُ بِالأُمِّيِّ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأُمَّةِ، أيْ عَلى أصْلِ ما عَلَيْهِ الأُمَّةُ، لِأنَّهُ باقٍ عَلى خِلْقَتِهِ مِن أنَّهُ لا يَكْتُبُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى وإنَّ مُعاوِيَةَ الأكْرَمِينَ حِسانُ الوُجُوهِ طِوالُ الأُمَمْ والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأُمِّ، وفي أخْذِهِ مِنَ الأُمِّ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنها، لِأنَّهُ عَلى ما ولَدَتْهُ أُمُّهُ مِن أنَّهُ لا يَكْتُبُ.

والثّانِي: أنَّهُ نُسِبَ إلى أُمِّهِ، لِأنَّ الكِتابَ في الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، فَنُسِبَ مَن لا يَكْتُبُ مِنَ الرِّجالِ إلى أُمِّهِ، لِجَهْلِها بِالكِتابِ دُونَ أبِيهِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلا أمانِيَّ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلاَّ أمانِيَّ: يَعْنِي: إلّا كَذِبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ: ولَكِنَّما ذاكَ الَّذِي كانَ مِنكُما ∗∗∗ أمانِيُّ ما لاقَتْ سَماءً ولا أرْضا والثّانِي: إلاَّ أمانِيَّ، يَعْنِي، أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ عَلى اللَّهِ ما لَيْسَ لَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: إلاَّ أمانِيَّ، يَعْنِي [إلّا أمانِيَّ] يَعْنِي إلّا تِلاوَةً مِن غَيْرِ فَهْمٍ قالَهُ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ \[سُورَةُ الحَجِّ: ٥٢\] يَعْنِي ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ، وقالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ والرّابِعُ: أنَّ الأمانِيَّ: التَّقْدِيرُ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ولا تَقُولَنْ لِشَيْءٍ سَوْفَ أفْعَلُهُ ∗∗∗ حَتّى تَبَيَّنَ ما يُمَنِّي لَكَ المانِي (وَإلّا): في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى (لَكِنْ) وهو عِنْدَهم مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ  ﴾ قالَ النّابِغَةُ: حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ ∗∗∗ ولا عِلْمَ إلّا حُسْنُ ظَنٍّ بِصاحِبِ ﴿ وَإنْ هم إلا يَظُنُّونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَكْذِبُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: يُحَدِّثُونَ، قالَهُ البَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ﴾ في الوَيْلِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّقْبِيحُ، وهو قَوْلُ الأصْمَعِيِّ.

وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ  ﴾ .

وقالَ الشّاعِرُ: كَسا اللُّؤْمُ سَهْمًا خُضْرَةً في جُلُودِها ∗∗∗ فَوَيْلٌ لِسَهْمٍ مِن سَرابِيلِها الخُضْرِ والثّالِثُ: أنَّهُ الحُزْنُ، قالَهُ المُفَضَّلُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الخِزْيُ والهَوانُ.

والخامِسُ: أنَّ الوَيْلَ وادٍ في جَهَنَّمَ، وهَذا قَوْلُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ.

والسّادِسُ: أنَّهُ جَبَلٌ في النّارِ، وهو قَوْلُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ.

﴿ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ﴾ أيْ يُغَيِّرُونَ ما في الكِتابِ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ونَعْتِهِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِأيْدِيهِمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ تَحْقِيقَ الإضافَةِ، وإنْ كانَتِ الكِتابَةُ لا تَكُونُ إلّا بِاليَدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ والثّانِي: أنَّ مَعْنى ﴿ بِأيْدِيهِمْ ﴾ أيْ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السَّرّاجِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لِيَأْخُذُوا بِهِ عَرَضَ الدُّنْيا، لِأنَّهُ قَلِيلُ المُدَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ﴾ وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ قَلِيلٌ لِأنَّهُ حَرامٌ.

﴿ وَوَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن تَحْرِيفِ كُتُبِهِمْ.

والثّانِي: مِن أيّامِ مَعاصِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج وكيع وابن المنذر والنسائي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ قال: نزلت في أهل الكتاب.

وأخرج أحمد وهناد بن السري بن الزهد وعبد بن حميد والترمذي وابن أبي الدنيا في صفة النار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ويل وادٍ في حهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره» .

وأخرج ابن جرير عن عثمان بن عفان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «في قوله: ﴿ فويل لهم مما كتبت أيديهم ﴾ قال: الويل جبل في النار، وهو الذي أنزل في اليهود لأنهم حرفوا التوراة، زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما كانوا يكرهون، ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة» .

وأخرج البزار وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في النار حجراً يقال لها ويل يصعد عليه العرفاء وينزلون فيه» .

وأخرج الحربي في فوائده عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «ويحك يا عائشة...

!

فجزعت منها.

فقال لي: يا حميراء إن ويحك أو ويك رحمة فلا تجزعي منها، ولكن اجزعي من الويل» .

وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوّة عن علي بن أبي طالب قال: الويح والويل بابان.

فأما الويح فباب رحمة، وأما الويل فباب عذاب.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني والبيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: ويل وادٍ في جهنم يسيل من صديد أهل النار.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن النعمان بن بشير قال: الويل واد من فيح في جهنم.

وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن عطاء بن يسار قال: ويل واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت من شدة حره.

وأخرج هناد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ويل سيل من صديد في أصل جهنم وفي لفظ ويل واد في جهنم يسيل فيه صديده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى عفرة قال: إذا سمعت الله يقول: ويل هي النار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب...

﴾ الآية.

قال: هم أحبار اليهود، وجدوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبة في التوراة أكحل أعين ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، فلما وجدوه في التوراة محوه حسداً وبغياً، فأتاهم نفر من قريش فقالوا: تجدون في التوراة نبياً أمياً؟

فقالوا: نعم، نجده طويلاً أزرق سبط الشعر، فانكرت قريش وقالوا: ليس هذا منا.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: وصف الله محمداً صلى الله عليه وسلم في التوراة، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حسده أحبار اليهود فغيَّروا صفته في كتابهم، وقالوا: لا نجد نعته عندنا، وقالوا للسفلة: ليس هذا نعت النبي الذي يحرم كذا وكذا كما كتبوه، وغيَّروا نعت هذا كذا كما وصف فلبسوا على الناس، وإنما فعلوا ذلك لأن الأحبار كانت لهم مأكلة يطعمهم إياها السفلة لقيامهم على التوراة، فخافوا أن تؤمن السفلة فتنقطع تلك المأكلة.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه أحدث أخباراً لله تعرفونه غضاً محضاً لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسائلهم، ولا والله ما رأينا منهم أحداً قط سألكم عن الذي أنزل إليكم؟.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال كان ناس من اليهود يكتبون كتاباً من عندهم، ويبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، فيأخذون ثمناً قليلاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتاباً بأيديهم ليتأكلوا الناس، فقالوا: هذه من عند الله وما هي من عند الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ليشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ قال: عرضاً من عرض الدنيا ﴿ فويل لهم مما يكسبون ﴾ يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود في المصاحف وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي.

أنه كره كتابة المصاحف بالأجر، وتلا هذه الآية ﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم...

﴾ الآية.

وأخرج وكيع عن الأعمش.

أنه كره أن يكتب المصاحف بالأجر، وتأوّل هذه الآية ﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ﴾ .

وأخرج وكيع وابن أبي داود عن محمد بن سيرين أنه كان يكره شراء المصاحف وبيعها.

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن أبي داود عن أبي الضحى قال: سألت ثلاثة من أهل الكوفة عن شراء المصاحف.

عبد الله بن يزيد الخطمي، ومسروق بن الأجدع، وشريحاً، فكلهم قال: لا نأخذ لكتاب الله ثمناً.

وأخرج ابن أبي داود من طريق قتادة عن زرارة عن مطرف قال: شهدت فتح تستر مع الأشعري، فأصبنا دانيال بالسوس، وأصبنا معه ربطتين من كتان، وأصبنا معه ربعة فيها كتاب الله، وكان أول من وقع عليه رجل من بلعنبر يقال له حرقوص، فأعطاه الأشعري الربطتين وأعطاه مائتي درهم، وكان معنا أجير نصراني يسمى نعيماً فقال: بيعوني هذه الربعة بما فيها، فقالوا: إن يكن فيها ذهب أو فضة أو كتاب الله؟

قال: فإن الذي فيها كتاب الله، فكرهوا أن يبيعوه الكتاب فبعناه الربعة بدرهمين ووهبنا له الكتاب.

قال قتادة: فمن ثم كره بيع المصاحف لأن الأشعري وأصحابه كرهوا بيع ذلك الكتاب.

وأخرج ابن أبي داود من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن: أنهما كرها بيع المصاحف.

وأخرج ابن أبي داود عن حماد بن أبي سليمان أنه سئل عن بيع المصاحف فقال: كان إبراهيم يكره بيعها وشراءها.

وأخرج ابن أبي داود عن سالم قال: كان ابن عمر إذا أتى على الذي يبيع المصاحف قال: بئس التجارة.

وأخرج ابن أبي داود عن عبادة بن نسي.

أن عمر كان يقول: لا تبيعوا المصاحف ولا تشتروها.

وأخرج ابن أبي داود عن ابن سيرين وإبراهيم.

أن عمر كان يكره بيع المصاحف وشراءها.

وأخرج ابن أبي داود عن ابن مسعود: أنه كره بيع المصاحف وشراءها.

وأخرج ابن أبي داود من طريق نافع عن ابن عمر قال: وددت أن الأيدي تقطع على بيع المصاحف.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود من طريق سعيد بن جبير قال: وددت أن الأيدي قطعت على بيع المصاحف وشرائها.

وأخرج ابن أبي داود عن عكرمة قال: سمعت سالم بن عبد الله يقول: بئس التجارة المصاحف.

وأخرج ابن أبي داود عن جابر بن عبد الله: أنه كره بيع المصاحف وشراءها.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود عن عبد الله بن شقيق العقيلي: أنه كان يكره بيع المصاحف قال: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشددون في بيع المصاحف ويرونه عظيماً.

وأخرج ابن أبي داود عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: أنه كره بيع المصاحف كراهية شديدة، وكان يقول: أعن أخاك بالكتاب أو هب له.

وأخرج ابن أبي داود عن علي بن حسين قال: كانت المصاحف لا تباع، وكان الرجل يأتي بورقة عند المنبر فيقول من الرجل يحتسب فيكتب لي؟

ثم يأتي الآخر فيكتب حتى يتم المصحف.

وأخرج ابن أبي داود عن مسروق وعلقمة وعبد الله بن يزيد الأنصاري وشريح وعبادة.

أنهم كرهوا بيع المصاحف وشراءها، وقالوا: لا نأخذ لكتاب الله ثمناً.

وأخرج ابن أبي داود عن إبراهيم عن أصحابه قال: كانوا يكرهون بيع المصاحف وشراءها.

وأخرج ابن أبي داود عن أبي العالية.

أنه كان يكره بيع المصاحف، وقال: وددت أن الذين يبيعون المصاحف ضربوا.

وأخرج ابن أبي داود عن ابن سيرين قال: كانوا يكرهون بيع المصاحف وكتابتها بالأجر.

وأخرج ابن أبي داود عن ابن جريج قال: قال عطاء: لم يكن من مضى يبيعون المصاحف إنما حدث ذلك الآن، وإنما يجلسون بمصاحفهم في الحجر فيقول أحدهم للرجل إذا كان كاتباً وهو يطوف: يا فلان إذا فرغت تعال فاكتب لي.

قال: فيكتب المصحف وما كان من ذلك حتى يفرغ من مصحفه.

وأخرج ابن أبي داود عن عمرو بن مرة قال: كان في أوّل الزمان يجتمعون فيكتبون المصاحف، ثم أنهم استأجروا العباد فكتبوها لهم، ثم أن العباد بعد أن كتبوها باعوها، وأوّل من باعها هم العباد.

وأخرج أبو عبيد وابن أبي داود عن عمران بن جرير قال: سألت أبا مجلز عن بيع المصاحف قال: إنما بيعت في زمن معاوية فلا تبعها.

وأخرج ابن أبي داود عن محمد بن سيرين قال: كتاب الله أعز من أن يباع.

وأخرج ابن سعيد عن حنظلة قال: كنت أمشي مع طاوس فمر بقوم يبيعون المصاحف فاسترجع.

ذكر من رخص في بيعها وشرائها.

أخرج ابن أبي داود عن ابن عباس أنه سئل عن بيع المصاحف فقال: لا بأس، إنما يأخذون أجور أيديهم.

وأخرج ابن أبي داود عن ابن الحنفية أنه سئل عن بيع المصاحف قال: لا بأس، إنما يبيع الورق.

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن أبي داود عن الشعبي قال: لا بأس ببيع المصاحف، إنهم لا يبيعون كتاب الله إنما يبيعون الورق وعمل أيديهم.

وأخرج ابن أبي داود عن جعفر عن أبيه قال: لا بأس بشراء المصاحف وأن يعطى الأجر على كتابتها.

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن أبي داود عن مطر الوراق.

أنه سئل عن بيع المصاحف فقال: كان خيرا أو حبرا هذه الأمة لا يريان ببيعها بأساً، الحسن والشعبي.

وأخرج ابن أبي داود عن حميد.

أن الحسن كان يكره بيع المصاحف، فلم يزل به مطر الوراق حتى رخص فيه.

وأخرج ابن أبي داود من طرق عن الحسن قال: لا بأس ببيع المصاحف وشرائها ونقطها بالآجر.

وأخرج ابن أبي داود عن الحكم: أنه كان لا يرى بأساً بشراء المصاحف وبيعها.

وأخرج أبو عبيد وابن أبي داود عن أبي شهاب موسى بن نافع قال: قال لي سعيد بن جبير: هل لك في مصحف عندي قد كفيتك عرضه فتشتريه؟

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن أبي داود من طرق عن ابن عباس قال: اشتر المصاحف ولا تبعها.

وأخرج ابن أبي داود عن ابن عباس قال: رخص في شراء المصاحف وكره في بيعها.

قال ابن أبي داود: كذا قال رخص كأنه صار مسنداً.

وأخرج أبو عبيد وابن أبي داود عن جابر بن عبد الله في بيع المصاحف قال: ابتعها ولا تبعها.

وأخرج ابن أبي داود عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير.

مثله.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر.

مثله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ﴾ أي الذين لا يقرأون ولا يكتبون فهم ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب ﴾ والمراد قوم من اليهود وقيل: من المجوس وهذا غير صحيح، لأن الكلام عن اليهود ﴿ إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ تلاوة بغير فهم، أو أكاذيب، وما تتمناه النفوس ﴿ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ تحقيق لافترائهم ﴿ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ عرض الدنيا من الرياسة والرشوة وغير ذلك مما يكسبون من الدنيا أو هي الذنوب ﴿ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ أربعين يوماً عدد عبادتهم العجل وقيل سبعة أيام ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: تقرير يقتضي إبطال ﴿ بلى ﴾ تحقيق لطول مكثهم في النار، لقولهم ما لا يعلمون ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: في الكفار لأنها ردّ على اليهود، ولقوله بعدها ﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ فلا حجة فيها لن قال بتخليد العصاة في النار ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله ﴾ جواب لقسم يدل عليه الميثاق، وقيل: خبر بمعنى النهي، ويرجحه قراءة لا يعبدون وقيل: الأصل: ب ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ثم حذفت الباء.

وأن ﴿ وبالوالدين ﴾ يتعلق بإحسان، أو يمحذوف تقديره: أحسنوا، ووكد بإحساناً ﴿ وَذِي القربى ﴾ القرابة ﴿ واليتامى ﴾ جمع يتيم: وهو من فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من سائر الحيوان من فقد أمه، وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهم، فقدم الوالدين لحقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إلا أماني ﴾ حيث كان خفيفاً: يزيد إلا قوله ﴿ تلك أمانيهم ﴾ ﴿ وليس بأمانيكم ولا أماني ﴾ ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ فإن أربعتهن بالإسكان عنده ﴿ بأيديهم ﴾ بضم الهاء: يعقوب، وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة ﴿ خطيآته ﴾ بالجمع: أبو جعفر ونافع.

الوقوف: ﴿ يعلمون ﴾ (ه) ﴿ آمنا ﴾ (ج) والوصل أجوز لبيان حالتيهما المتناقضتين وهو المقصود ﴿ عند ربكم ﴾ (ط) ﴿ أفلا تعقلون ﴾ (ه) ﴿ يعلنون ﴾ (ه) ﴿ يظنون ﴾ (ج) ﴿ قليلاً ﴾ (ط) ﴿ يكسبون ﴾ (ه) ﴿ معدودة ﴾ (ط) ﴿ ما لا تعلمون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن الجملة مبتدأ وخبر بعد خبر.

﴿ خالدون ﴾ (ه) ﴿ الجنة ﴾ (ج) ﴿ خالدون ﴾ (ه).

التفسير: لما ذكر الله  وتعالى قبائح أسلاف اليهود وسوء معاملتهم مع نبيهم، أردفها قبائح أخلافهم المعاصرين لرسول الله  فكأنه قيل: إذا كان هذا أفعالهم فيما بينهم، فكيف تطمعون أيها النبي  والمؤمنون في أن يؤمنوا أي يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم؟

كقوله ﴿ فآمن له لوط ﴾ ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ طائفة من أسلافهم ﴿ يسمعون كلام الله ﴾ وهو ما يتلونه من التوراة ﴿ ثم يحرفونه ﴾ كما حرفوا صفة رسول الله  وآية الرجم.

وقيل: هم قوم من الذين حضروا الميقات، سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به ونهى عنه ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس ﴿ من بعد ما عقلوه ﴾ فهموه وضبطوه بعقولهم من غير ما شبهة ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم مفترون كذابون.

والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك كما تقول للرجل: كيف تطمع أن يفلح فلان وأستاذه فلان يأخذ عنه لا عن غيره؟

فهؤلاء المقلدة لا يقبلون إلا قول معلميهم وأحبارهم الذين تعمدوا التحريف عناداً أو لضرب من الأغراض الدنيوية ﴿ وإذا لقوا ﴾ أي اليهود قال منافقوهم: آمنا بأنكم على الحق ونشهد أن صاحبكم صادق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا.

﴿ وإذا خلا بعضهم ﴾ الذين لم ينافقوا ﴿ إلى بعض ﴾ الذين نافقوا ﴿ قالوا ﴾ عاتبين عليهم ﴿ أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ﴾ بما بين لكم في التوراة من نعته وصفته مأخوذ من قولهم "قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه، أو قال المنافقون لغيرهم يرونهم التصلب في دينهم: أتحدثونهم إنكاراً عليهم أن يفتحوا عليهم شيئاً في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود ﴿ ليحاجوكم به عند ربكم ﴾ ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه.

جعلوا محاجتهم به وقولهم "هو في كتابكم هكذا" محاجة عند الله.

ألا تراك تقول: هو في كتاب الله كذا وهو عند الله كذا بمعنى واحد؟

وعن الحسن: ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم  من اتباع الرسل محاجة فيه أي دينه.

وقال الأصم: يحاجوكم يوم القيامة عند المساءلة فيكون زيادة في توبيخكم، فكان القوم يعتقدون أن ذلك مما يزيد في فضيحتهم في الآخرة.

وقيل: ليحاجوكم به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه: أزحت علتك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي، فإن قبلت أحسنت إلى نفسك، وإن جحدت كنت الخاسر الخائب.

وقيل: لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله كما يقال: فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي.

وهذا عند الشافعي كذا، وعند أبي حنيفة كذا ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه فإنكم إذا حدثتموهم بالذي يحاجونكم به رجع وباله عليكم ﴿ أو لا يعلمون أن الله يعلم ﴾ جميع ﴿ ما يسرون وما يعلنون ﴾ ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان، خوّفهم الله  بذلك لأنهم كانوا يعرفون أن الله يعلم السر والعلانية ﴿ ومنهم أميون ﴾ لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها كأنه منسوب إلى الأم وهو أصل الشيء، فالأمي على أصل فطرته لم يكتسب علماً وكتابة ﴿ لا يعلمون الكتاب ﴾ التوراة ﴿ إلا أماني ﴾ وأحدها أمنية على أفعولة من مني إذا قدر.

تقول: منه تمنيت الشيء ومنيته غيري تمنية، لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوّز ما يتمناه، وأماني اليهود هي أن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وما يمنيهم الأحبار من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة.

وقيل: الأماني الأكاذيب المختلفة التي سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد.

يقال: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته؟

وذلك أن المختلق يقدر أن كلمة كذا بعد كذا.

وفي الصحاح أنه مقلوب المين وهو الكذب.

وقيل: إلا ما يقرأون من قولهم "تمنيت الكتاب قرأته" قال الشاعر يرثي عثمان: تمنـــى كتــــاب الله أوّل ليلـــــــة *** وآخرهــــا لا فـــي حمــــام المقـــــادر والقارئ مقدر الكلمات كالمختلق، وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً كأنه قيل: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه.

ثم إ نهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وعلى الأول يكون استثناء منقطعاً.

ومن قرأ ﴿ أماني ﴾ بالتخفيف حذف المد كما يقال مفاتح ﴿ وإن هم إلا يظنون ﴾ كالمحقق لما تقدمه من قوله ﴿ لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ ذكر الفرقة الضالة المضلة المحرفة، ثم الفرقة المنافقين منهم، ثم الفرقة المجادلة لأهل النفاق، ثم العوام المقلدة، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن للعالم أن يعمل بعلمه وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن إن كان متمكناً من العلم ولا سيما في أصول الدين، الويل كلمة يقولها كل مكروب، وعن ابن عباس: أنه العذاب الأليم.

وعن الثوري: صديد أهل الجحيم.

وعن رسول الله  : "واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره" وقال عطاء بن يسار: الويل واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره.

ولا شبهة في دلالتها على نهاية الوعيد والتهديد ﴿ يكتبون الكتاب ﴾ المحرف ﴿ بأيديهم ﴾ تأكيد كما تقول للمنكر هذا ما كتبته بيمينك.

حكى عنهم أمرين: كتبة الكتاب وإسناده إلى الله.

فالوعيد مرتب على كل منهما وعلى مجموعهما إلا أنه على الثاني أبلغ ولهذا جيء بــ "ثم" وقوله ﴿ ليشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ تنبيه على شقاوتهم، فإنهم استبدلوا النفع الحقير العاجل الزائل بالأجر العظيم الآجل الدائم ﴿ فويل لهم مما كتبت أيديهم ﴾ أي مما أسلفت من كتبها ما لم يكن يحل لهم ﴿ وويل لهم مما يكسبون ﴾ بذلك بعد من الرشا على التحريف وفي إعادة الويل في الكسب دليل على أن الوعيد كما يلحقهم بسبب الكتبة وإسنادها إلى الله، فكذلك يلحقهم بسبب أخذ المال عليه ليعلم أن أخذ المال على الباطل محرم وإن كان بالتراضي ﴿ وقالوا لن تمسنا النار ﴾ نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو جزمهم بأن الله  لا يعذبهم إلا أياماً معدودة قليلة، وهذا الجزم مما لا سبيل إليه بالعقل ألبتة، ولا دليل له سمعياً فلا يجزم به عاقل.

والأيام المعدودة قالوا: أربعون يوماً هي أيام عبادة العجل.

وعن مجاهد قالوا: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً لأن يوماً عند الله ألف سنة.

وأيام معدودة ومعدودات كلاهما فصيح مثل الأيام مضت ومضين.

والعهد ههنا يجري مجرى الوعد والخبر، لأن خبره  كالعهود المؤكدة منا بالقسم والنذر.

و ﴿ أتخذتم ﴾ استفهام بطريق الإنكار، وإنه يدل على عدم الدليل السمعي.

﴿ فلن يخلف الله عهده ﴾ لتنزهه  عن كل نقيصة وخلاف الخبر أنقص النقائص.

فإن قيل: هب أن الخلف في الوعد لؤم ونقيصة، لكنه في الوعيد كرم ولطف.

قلنا: الخلف من حيث هو كذب قبيح لا يجوّزه كامل، ولعل للكرم طريقاً آخر سوى هذا فتأمل.

و "أم" إما معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقدير لأن العلم واقع بكون أحدهما وهذا من الكامل المنصف نحو ﴿ وإِنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ ، ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى "بل أتقولون" كأنه أعرض عن الاستفهام الأول واستأنف سؤالاً ثانياً.

فالاستفهام الأول لتقرير النفي، والاستفهام الثاني لتقرير الإثبات.

وفي الآية تنبيه على أن القول بغير دليل باطل وأن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلا لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي.

ولا حجة لمنكري القياس وخبر الواحد فيه لأنه لما دل الدليل على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد، كان وجوب العمل معلوماً فكان القول به قولاً بالمعلوم ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله ﴿ لن تمسنا النار ﴾ أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله  ﴿ هم فيها خالدون ﴾ عن ابن عباس: وجد أهل الكتاب ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين فقالوا: لن نعذب في النار إلا ما وجدنا في التوراة، وإذا كان يوم القيامة أقحموا في النار فساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شفير سقر وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزنة أهل النار: يا أعداء الله، زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياماً معدودة، فقد انقضى العدد وبقي الأبد.

قلت: وفي مثل حالهم ضلال الفلاسفة القائلين بأن الأرواح وإن صارت مكدرة بقبائح أفعال الأشباح، إلا أنها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من قبائح الأعمال إلا أياماً معدودة بقدر فطام الأرواح عن لبان التمتعات الحيوانية، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى حسن المآب.

ومنهم من زعم أن استيفاء اللذات الحسية يقلل التعلقات الدنيوية ويسهل عروج الروح إلى عالمه العلوي، وكل هذا خيال فاسد ومتاع كاسد، وإنه قول من لم يجرب ولم يجد من نفسه أنها كيف تتدنس وتتكدر بالأخلاق الذميمة البهيمية والسبعية، وكيف تتصفى وتتطهر بالأخلاق الحميدة الروحانية الملكية، فغمر بصدإ مرآة القلب بحيث لا يبقى فيه شيء من الصفاء الفطري ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون  ﴾ فلا يجلوها إلا مرور الدهور وكرور الأعصار.

وقد ينضم الكفر إلى تلك الأخلاق فيبقى خالداً مخلداً في النار، في ويل طويل وزفير وعويل، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

والسيئة أصلها سيوئة من ساءه يسوءه سوأ ومساءة، فقلبت الواو ياء وأدغمت، وهي من الصفات الغالبة.

وقوله ﴿ سيئة ﴾ يتناول جميع المعاصي صغرت أو كبرت، فضم إليها شرط آخر وهو كون السيئة محيطة به ليختص بالكبيرة.

ولفظ الإحاطة حقيقة في المجسمات إحاطة السور بالبلد والظرف بالمظروف، فنقل إلى الخطيئة وهي عرض لمعنيين من جهة أن المحيط يستر المحاط به.

والكبيرة تستر الطاعات، ومن جهة أن الكبيرة تحبط الطاعات وتستولي عليها إحاطة العدو بالإنسان بحيث لا يتمكن الإنسان من الخلاص عنهم.

والآية وإن وردت في اليهود فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبمثلها تتمسك المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة، وفسر غيرهم الخطيئة المحيطة بالكفر فيه تتحقق الإحاطة التامة.

واعلم أن في المسألة خلافاً لأهل القبلة.

منهم من قطع بوعيدهم إما مؤبداً - وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج - وإما منقطعاً - وهو قول بشر المريسي والخالدي ومنهم من قطع بأنه وعيد لهم وينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر.

والذي عليه أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والإمامية، القطع بأنه  يعفو عن بعض العصاة، وأنه إذا عذب أحدهم فلا يعذبه أبداً، لكنا نتوقف في حق البعض المعفو عنه والبعض المعذب على التعيين.

أما المعتزلة فاستدلوا بعمومات وردت في وعيد الفساق كقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها  ﴾ وقوله ﴿ وإن الفجار لفي جحيم  ﴾ وقوله ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ ومن الحديث "من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة.

ومن قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" وعن أبي سعيد الخدري قال  "والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا دخل النار" وإذا استحقوا النار ببغضهم فلأن يستحقوا النار بقتلهم أولى.

وأجيب بالمنع من أن هذه الصيغ للعموم بدليل صحة إدخال الكل والبعض عليها نحو: كل من دخل داري فله كذا، أو بعض من دخل.

ولا يلزم منه تكرير ولا تناقض، ولأن الأكثر قد يطلق عليه لفظ الكل، ولاحتمال المخصصات.

القاطعون بنفي العقاب عن أهل الكبائر احتجوا بنحو قوله  ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين  ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله  ﴾ ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم  ﴾ ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى.

الذي كذب وتولى  ﴾ وبالعمومات الواردة في الوعد مثل ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك  ﴾ الآية.

حكم بالفلاح على كل من آمن.

وعورض بعمومات الوعيد.

أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض والتوقف في البعض، فقد تمسكوا بنحو قوله عز من قائل ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وبأن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضتا فلا بد من الترجيح لجانب الوعد بصرف التأويل إليه، لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف، وإهمال الوعد باضد.

وأيضاً القرآن مملوء من قوله ﴿ عفواً غفوراً ﴾ ﴿ رحيماً ﴾ ﴿ كريماً ﴾ .

وكذا الأخبار في هذا المعنى تكاد تبلغ حد التواتر.

وأيضاً إن صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان، ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر، ولا يهدمه ما سوى الكفر من المعاصي، ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة؟

إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي، وإذا دلت الآيات على الوعد والوعيد فلا بد من التوفيق بينهما.

فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب ثم إلى دار العقاب وهو باطل بالإجماع، أو يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب.

واعلم أن مذهب الأصحاب إلى الأدب أقرب من حيث إنهم يصفونه بصفات الجمال كالعفو والمغفرة، وبصفات الجلال كالقهر والانتقام، ولكن لا يوجبون عليه ثواباً ولا عقاباً، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

ومن حيث إنهم لا يعينون البعض المستحق للثواب ولا البعض المستحق للعقاب من المسلمين، لأن فعله مبرأ عن التعلل بلواحق الغايات وسوابق البواعث.

ومذهب المعتزلة إلى الاحتياط أقرب، فإن من خوّفك حتى تبلغ الأمن خير ممن أمنك حتى تبلغ الجوف.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ﴾ .

قيل: الآية - وإن خرجت على عموم الخطاب - فالمراد منها الخصوص، وهو الرسول  .

وإلى هذا يذهب أَكثر أَهل التفسير.

وقيل: المراد منها - بعموم الخطاب - العموم؛ يعني: النبيَّ  ، وأَصحابه؛ وكأَنها خرجت على النهي عن طمع الإيمان منهم، كأَنه قال: لا تطمعوا في إيمانهم.

كقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ  ﴾ ؛ أي: لا تُنقذ.

وكقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ  ﴾ ؛ أَي: لا تسمع الصم.

وقوله: ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ...

﴾ الآية.

لقائلٍ أن يقول: أَليس فيما كان فريقٌ منهم يسمعُون كلام الله ثم يحرفونه ما يجب أَن يدفع الطمع عن إيمان هؤلاء؟

فهو - والله أعلم - لوجهين: أَحدهما: أَنهم كانوا أصحاب تقليد؛ كقوله: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ  ﴾ .

فأَخبر - عز وجل - أَن هؤلاء - وإن رأَوْا الآيات العجيبة - فإنهم لا يؤمنون أَبداً؛ لأَنهم أَصحاب تقليد، لا ينظرون إلى الحجج والآيات.

والثاني: أَنهم - معَ كثرة ما عاينوا من الآيات، وشاهدوا من العجائب في عهد رسول الله موسى  - لم يطمع في إيمانهم، فيكف طمعتم أَنتم في إيمان هؤلاء، وهم أَتباعهم؟

والله الموفق.

ولهذا وجهان آخران: أحدهما: كأَنه قال: لا تطمع في إيمانهم؛ لأَنهم - في علم الله على ما عليه من ذكر.

والثاني: لأن أولئك كانوا خيراً من هؤلاءِ، وأَرغبَ في الحق منهم، ثم لم يؤمنوا مع سماع الحجج، وما يجب به الإيمان، فكيف تطمع في إيمان هؤلاء؟

وقوله: ﴿ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أنه من عند الله، ويعلمون أَنه رسول الله، وأَنه حقّ.

وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا ﴾ .

فقد ذكرنا فيما تقدم أَنها في المنافقين نزلت.

وقوله: ﴿ وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: خلا بعض المنافقين إلى بعض، قالوا: أَتحدثونهم بكذا.

ويحتمل: خلاء المنافقين إلى اليهود.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

قيل: فتح الله؛ قصَّ الله.

وقيل: فتح الله؛ بيَّن الله.

وقيل: فتح الله؛ قضى الله.

وقيل: منّ الله عليكم في التوراة.

وكله يرجع إلى واحد.

وقوله: ﴿ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ .

أي: باعترافكم عند هؤلاءِ.

ويحتمل: على إضمار رسول الله  كأَنه قال: ليحاجوكم بإقراركم عند رسول الله  .

ويحتمل: على معنى ليحاجوكم به عند ربكم أي في ربكم؛ إذ العرب تستعمل حروف الخفض بعضها في موضع بعض.

ويحتمل: عند ربكم، أَي: يوم القيامة.

ويكون ليحاجوكم بما عند الله؛ أَي: بالذي جاءكم من عند الله.

لكن لقائل أَن يقول: ما معنى ذكرِ المحاجَّةِ عند ربكم، والمحاجةُ يومئذٍ لا تكون إلا عنده، ولا تكون ليحاجوكم بها عند الله؛ أَي: بالذي جاءَكم من عند الله؟

قيل: لأَن ذلك أَشد إِظهاراً، وأَقلّ كتماناً؛ لما سبق منهم الإِقرارُ بذلك؛ لذلك نهوا عن ذلك، لأَنهم كانوا يَنْهوْن أولئك عن الإِقرار بالإِيمان عند المؤمنين، وإظهار ما في التوراة من بَعث رسول الله  وَصِفته.

وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أَنَّ هذه حجةٌ لهم عليكم، حيث تعترفون به، وتظهرون نعته وصفته ثم لا تبايعونه.

ويحتمل: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أَنه حق.

وقوله: ﴿ أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .

قيل: ﴿ مَا يُسِرُّونَ ﴾ في الخلوة؛ من الكفر به والتكذيب له ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ لأصحابه؛ من التصديق له والإِيمان به.

وقيل: ﴿ مَا يُسِرُّونَ ﴾ من كتمان نعته وصفته.

﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ من إظهار نعته وصفته الذي في التوراة.

ويحتمل: ما يُسِرُّ هؤلاءِ لهم من النهي عن إظهار ما في التوراة، وما يُعْلِنُ هؤلاء للمؤمنين من إظهار نعته وصفته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

يقول: مِنَ اليهود من لا يقرأ التوراة ولا يعرفها، إلا أَن يحدثهم العلماء والرؤساء عنها.

والأُمِّيُّ: الذي لا يكتب، ولا يقرأ عن كتابة، لكنه يقرأ لا عن كتابة، كالنبي  ، كان لا يكتب، ولا يقرأ عن كتابة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ .

ويقال أَيضاً: الذي لا يقرأ ولا يكتب، لا عن كتابة، ولا؛ غير كتابة.

وقوله: ﴿ إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ .

قيل: أَحاديث باطلة يحدث لهم، وهو قول ابن عباس.

وقيل: إلا أَمانيّ، يعني إلا كذباً.

وقال الكسائي: إلا أَماني: إلا تِلاوة؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ  ﴾ يعني: في تلاوته.

وقوله: ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ ، يقول: ما هم إلا ظن يظنون في غير يقين.

وأَصله: أَي لا يعلمونَ علم الكتاب، إنما عندهم أَمانيُّ النفس وشهواتها؛ كقوله: ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: الويلُ: الشدةُ.

وقيل: الويلُ: وادٍ في جهنم.

وقيل: الويل: هو قول كلِّ مكروب وملهوف يقول: ويلٌ له بكذا.

وقوله: ﴿ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: يكتبون: يمحون نعته، وصفته عن التوراة.

ويحتمل: يكتبون: يُحْدثون كتابة، على خلاف نعته وصفته، ثم يقولون: هذا من عند الله؛ فتكون الكتابة في هذا إثباتاً؛ كقوله: ﴿ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ  ﴾ ، والمثبت: هو ذلك الملحق ليظن أنه كذلك في الأَصل.

وقوله: ﴿ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ .

ذكر لهم ثلاث ويلاتٍ: ويل؛ بإِحداث كتابة ببعث رسول الله  ومحوه وتغييره.

والثاني: بقولهم: هذا من عند الله.

والثالث: وويل لهم مما يكسبون من المأْكلة والهدايا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فهلاك وعذاب شديد ينتظر هؤلاء الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون -كذبًا-: هذا من عند الله؛ ليستبدلوا بالحق واتباع الهدى ثمنًا زهيدًا في الدنيا، مثل المال والرئاسة، فهلاك وعذاب شديد لهم على ما كتبته أيديهم مما يَكْذِبون به على الله، وهلاك وعذاب شديد لهم على ما يكسبونه من وراء ذلك من مال ورئاسة.

<div class="verse-tafsir" id="91.r0Ed8"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قال المفسر "الجلال" إنهم كانوا يكتبون الأحكام على خلاف ما هي عليه في الكتاب كآية الرجم ووصف النبي  .

ولو كان هذا هو المراد من هذه الآية لما بدئ الكلام بالفاء، وإنما الآية وعيد على أن لبسوا على الناس بالكتابة وتأليف الكتب الدينية وإيهام العامة أن كل ما كتبوه فيها مأخوذ من كتاب الله، كما يعتقد المقلدون من كل ملة بكتب الدين التي يؤلفها علماؤهم في الأصول والفروع حتى إن بعضهم يقول إن اختلافها لا ينافي كونها من عند الله خلافًا لقوله تعالى ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا  ﴾ .

فهذه الكتب هي مثار الأماني والغرور ولذلك أنذر على أصحابها الهلاك بعدما ذكر أصناف اليهود من منافقين ومحرفين وأميين فقال: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  ﴾ .

من شاء أن يرى نسخة مما كان عليه أولئك اليهود فلينظر فيما بين يديه فإنه يراها واضحة جلية.

يرى كتبًا ألفت في عقائد الدين وأحكامه حرفوا فيها مقاصده وحولوها إلى ما يغر الناس ويمنيهم ويفسد عليهم دينهم، ويقولون هي من عند الله وما هي من عند الله، وإنما هي صادة عن النظر في كتاب الله والاهتداء به.

ولا يعمل هذا إلا أحد رجلين: رجل مارق من الدين يتعمد إفساده ويتوخى إضلال أهله فيلبس لباس الدين ويظهر بمظهر أهل الصلاح يخادع بذلك الناس ليقبلوا ما يكتب ويقول.

ورجل يتحرى التأويل ويستنبط الحيل ليسهل على الناس مخالفة الشريعة ابتغاء المال والجاه.

وفي هذا المقام نستطيع ذكر وقائع كثيرة للقضاة والمأذونين، وللعلماء والواعظين، فسقوا فيها عن أمر ربهم، فمنهم من يتأول ويغتر بأنه يقصد نفع أمته كما كان أحبار اليهود يفتون بأكل الربا أضعافًا مضاعفة ليستغني شعب إسرائيل، ومنهم من يفعل ما يفعل عامدًا عالمًا أنه مبطل ولكن تغره أماني الشفاعات والمكفرات.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله