تفسير الآية ٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٨ من سورة البقرة

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 159 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٨ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

النفاق : هو إظهار الخير وإسرار الشر ، وهو أنواع : اعتقادي ، وهو الذي يخلد صاحبه في النار ، وعملي وهو من أكبر الذنوب ، كما سيأتي تفصيله في موضعه ، إن شاء الله تعالى ، وهذا كما قال ابن جريج : المنافق يخالف قوله فعله ، وسره علانيته ، ومدخله مخرجه ، ومشهده مغيبه .

وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية ؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق ، بل كان خلافه ، من الناس من كان يظهر الكفر مستكرها ، وهو في الباطن مؤمن ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج ، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب ، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم ، وكانوا ثلاث قبائل : بنو قينقاع حلفاء الخزرج ، وبنو النضير ، وبنو قريظة حلفاء الأوس ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج ، وقل من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضا ؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف ، بل قد كان عليه الصلاة والسلام وادع اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة ، فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته ، وأعلى الإسلام وأهله ، قال عبد الله بن أبي بن سلول ، وكان رأسا في المدينة ، وهو من الخزرج ، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية ، وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم ، فجاءهم الخير وأسلموا ، واشتغلوا عنه ، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله ، فلما كانت وقعة بدر قال : هذا أمر قد توجه ، فأظهر الدخول في الإسلام ، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته ، وآخرون من أهل الكتاب ، فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب ، فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد ، لأنه لم يكن أحد يهاجر مكرها ، بل يهاجر ويترك ماله ، وولده ، وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة .

قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) يعني : المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم .

وكذا فسرها بالمنافقين أبو العالية ، والحسن ، وقتادة ، والسدي .

ولهذا نبه الله - سبحانه - على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون ، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم ، ومن اعتقاد إيمانهم ، وهم كفار في نفس الأمر ، وهذا من المحذورات الكبار ، أن يظن بأهل الفجور خير ، فقال تعالى : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) أي : يقولون ذلك قولا ليس وراءه شيء آخر ، كما قال تعالى : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ) [ المنافقون : 1 ] أي : إنما يقولون ذلك إذا جاءوك فقط ، لا في نفس الأمر ؛ ولهذا يؤكدون في الشهادة بإن ولام التأكيد في خبرها ؛ كما أكدوا قولهم : ( آمنا بالله وباليوم الآخر ) وليس الأمر كذلك ، كما أكذبهم الله في شهادتهم ، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم ، بقوله : ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) [ المنافقون : 1 ] ، وبقوله ( وما هم بمؤمنين ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) قال أبو جعفر: أما قوله: " ومن الناس "، فإن في" الناس " وجهين: أحدهما: أن يكون جمعًا لا واحدَ له من لَفْظِه, وإنما واحدهم " إنسانٌ"، وواحدتهم " إنسانة " (38) .

والوجه الآخر: أن يكون أصله " أُناس " أسقِطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها, ثم دخلتها الألف واللام المعرِّفتان, فأدغِمت اللام - التي دخلت مع الألف فيها للتعريف - في النون, كما قيل في لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [سورة الكهف: 38]، على ما قد بينا في" اسم الله " الذي هو الله (39) .

وقد زعم بعضهم أن " الناس " لغة غير " أناس ", وأنه سمع العرب تصغرهُ" نُوَيْس " من الناس, وأن الأصل لو كان أناس لقيل في التصغير: أُنَيس, فرُدَّ إلى أصله.

وأجمعَ جميع أهل التأويل على أنّ هذه الآية نـزلت في قوم من أهلِ النِّفاق, وأن هذه الصِّفة صِفتُهم.

ذكر من قال ذلك من أهل التأويل بأسمائهم: 312- حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ )، يعني المنافقين من الأوْس والخَزْرج ومَنْ كان على أمرهم.

وقد سُمِّي في حديث ابن عباس هذا أسماؤهم عن أبيّ بن كعب, غير أني تركت تسميتهم كراهة إطالة الكتاب بذكرهم (40) .

313- حدثنا الحسين بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا مَعْمَر, عن قتادة في قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ )، حتى بلغ: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ قال: هذه في المنافقين (41) .

314- حدثنا محمد بن عمرو الباهلي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى بن ميمون, قال: حدثنا عبد الله بن أبي نَجِيح, عن مجاهد, قال: هذه الآية إلى ثلاث عشرة، في نَعت المنافقين.

315- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا أبو حُذيفة, قال: حدثنا شِبْل, عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد، مثله.

316 حدثنا سفيان, قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد، مثله.

317- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن إسماعيل السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليهِ وسلم: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) هم المنافقون.

318- حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق, عن ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس، في قوله: (ومن الناس مَنْ يقول آمنا بالله وباليوم الآخر) إلى فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، قال: هؤلاء أهلُ النفاق.

319- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين بن داود, قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج، في قوله: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) قال: هذا المنافقُ، يخالِفُ قولُه فعلَه، وسرُّه علانِيَتَه ومدخلُه مخرجَه، ومشهدُه مغيبَه (42) .

وتأويل ذلك: أنّ الله جل ثناؤه لما جمع لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أمرَهُ في دار هجرته، واستَقرَّ بها قرارُه، وأظهرَ الله بها كلمتَه, وفشا في دور أهلها الإسلام, وقَهَر بها المسلمون مَنْ فيها من أهل الشرك من عبدة الأوثان, وذَلّ بها مَن فيها من أهل الكتاب - أظهر أحبارُ يَهودها لرسول الله صلى الله عليه وسلم الضَّغائن، وأبدوا له العداوة والشنآنَ، حسدًا وَبغيًا (43) ، إلا نفرًا منهم هداهم الله للإسلام فأسلَموا, كما قال جل ثناؤه: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [سورة البقرة: 109]، وطابَقَهم سرًّا على مُعاداة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه &; 1-271 &; وَبغْيِهم الغوائِل، قومٌ - من أرَاهط الأنصار الذين آوَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونَصَروه (44) - وكانوا قد عَسَوْا في شركهم وجاهليِّتِهم (45) قد سُمُّوا لنا بأسمائهم, كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم وأنسابهم، وظاهروهم على ذلك في خَفاءٍ غير جِهارٍ، حذارَ القتل على أنفسهم، والسِّباءِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وركونًا إلى اليهود لما هم عليه من الشرك وسوء البصيرة بالإسلام.

فكانوا إذا لَقُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به من أصحابه قالوا لهم -حِذارًا على أنفسهم-: إنا مؤمنون بالله وبرسوله وبالبَعْث, وأعطَوْهم بألسنتهم كلمةَ الحقِّ، ليدرأوا عن أنفسهم حُكم الله فيمن اعتقدَ ما هم عليه مقيمون من الشرك، لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من شركهم.

وإذا لقُوا إخوانَهم من اليهود وأهل الشّركِ والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، فخلَوْا بهم قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ .

فإياهم عَنَى جلّ ذكره بقوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ )، يعني بقوله تعالى خبرًا عنهم: آمنّا بالله-: وصدّقنا بالله (46) .

وقد دللنا على أنّ معنى الإيمان: التصديق، فيما مضى قبل من كتابنا هذا (47) .

وقوله: ( وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ )، يعني: بالبعث يوم القيامة، وإنما سُمّى يومُ القيامة " اليومَ الآخر "، لأنه آخر يوم, لا يومَ بعده سواه.

فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم, ولا انقطاعَ للآخرة ولا فناء, ولا زوال؟

قيل: إن اليومَ عند العرب إنما سُمي يومًا بليلته التي قبله, فإذا لم يتقدم النهارَ ليلٌ لم يسمَّ يومًا.

فيوم القيامة يوم لا ليلَ بعده، سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة, فذلك اليوم هو آخر الأيام.

ولذلك سمّاه الله جل ثناؤه " اليوم الآخر ", ونعتَه بالعَقِيم.

ووصفه بأنه يوم عَقيم، لأنه لا ليل بعده (48) .

وأما تأويل قوله: " وما هم بمؤمنين "، ونفيُه عنهم جلّ ذكره اسمَ الإيمان, وقد أخبرَ عنهم أنّهم قد قالوا بألسنتهم: آمَنَّا بالله وباليوم الآخر - فإن ذلك من الله جل وعزّ تكذيبٌ لهم فيما أخبَرُوا عن اعتقادهم من الإيمان والإقرار بالبعث, وإعلامٌ منه نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنّ الذي يُبْدونه له بأفواههم خلافُ ما في ضمائر قلوبهم, وضِدُّ ما في عزائم نفوسهم.

وفي هذه الآية دلالةٌ واضحة على بُطول ما زَعَمتْه الجهميةُ: من أنّ الإيمان هو التصديق بالقول، دون سائر المعاني غيره.

وقد أخبر الله جل ثناؤه عن الذين ذكرهم في كتابه من أهل النفاق، أنهم قالوا بألسنتهم: "آمنا بالله وباليوم الآخر "، ثم نفَى عنهم أن يكونوا مؤمنين, إذْ كان اعتقادهم غيرَ مُصَدِّقٍ قِيلَهُم ذلك.

وقوله " وما هم بمؤمنين "، يعني بمصدِّقين " فيما يزعمون أنهم به مُصَدِّقون.

----------------- الهوامش : (38) في المطبوعة : "واحده إنسان ، وواحدته إنسانة" .

(39) انظر ما مضى ص 125 - 126 .

(40) الخبر 312- مضى نحو معناه : 296 ، وأشرنا إلى هذا هناك .

وأسماء المنافقين ، من الأوس والخزرج ، الذين كره الطبري إطالة الكتاب بذكرهم - حفظها علينا ابن هشام ، في اختصاره سيرة ابن إسحاق ، بتفصيل واف : 355 - 361 (طبعة أوربة) ، 2 : 166 - 174 (طبعة الحلبي) ، 2 : 26 - 29 (الروض الأنف) .

(41) الأثر 313- الحسن بن يحيى ، شيخ الطبري؛ وقع في الأصول هنا"الحسين" ، وهو خطأ .

وقد مضى مثل هذا الإسناد على الصواب ، رقم : 257 .

(42) الروايات 314 - 319 : ساق بعضها ابن كثير 1 : 86 بين نص وإشارة .

وساق بعضها أيضًا السيوطي 1 : 29 .

والشوكاني 1 : 29 .

(43) في : المخطوطة"العداوة والشنار" ، وهو خطأ .

والشنآن والشناءة : البغض يكشف عنه الغيظ الشديد .

شنئ الشيء يشنؤه : أبغضه بغضًا شديدًا .

(44) الغوائل جمع غائلة : وهي : النائبة التي تغول وتهلك .

وأراهط جمع رهط ، والرهط : عدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة ، لا يكون فيهم امرأة .

وعنى بهم العدد القليل من بطون الأنصار .

(45) في المطبوعة : "عتوا في جاهليتهم" وكلتاهما صواب .

عسا الشيء يعسو : اشتد وصلب وغلظ من تقادم العهد عليه ، وعسا الرجل : كبر .

والعاسي : هو الجافي ، ومثله العاتي .

وعتا يعتو ، في معناه .

وانظر ما مضى ص : 36 ، تعليق .

(46) في المطبوعة"وصدقنا بالله" ، وزيادة الواو خطأ .

(47) انظر ما مضى ص : 234 - 235 .

(48) وذلك قول ربنا سبحانه في سورة الحج : 55 : { وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنينفيه سبع مسائل :الأولى : روى ابن جريج عن مجاهد قال : نزلت أربع آيات من سورة البقرة في المؤمنين ، واثنتان في نعت الكافرين ، وثلاث عشرة في المنافقين .

وروى أسباط عن السدي في قوله : ومن الناس قال : هم المنافقون .

وقال علماء الصوفية : الناس اسم جنس ، واسم الجنس لا يخاطب به الأولياء .الثانية : واختلف النحاة في لفظ الناس ، فقيل : هو اسم من أسماء الجموع ، جمع إنسان وإنسانة ، على غير اللفظ ، وتصغيره نويس .

فالناس من النوس وهو الحركة ، يقال : ناس ينوس أي تحرك ، ومنه حديث أم زرع : " أناس من حلي أذني " .

وقيل : أصله من نسي ، فأصل ناس نسي قلب فصار نيس تحركت الياء فانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا ، ثم دخلت الألف واللام فقيل : الناس .

قال ابن عباس : نسي آدم عهد الله فسمي إنسانا .

وقال عليه السلام : نسي آدم [ ص: 188 ] فنسيت ذريته .

وفي التنزيل : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي وسيأتي .

وعلى هذا فالهمزة زائدة ، قال الشاعر :لا تنسين تلك العهود فإنما سميت إنسانا لأنك ناسيوقال آخر :فإن نسيت عهودا منك سالفة فاغفر فأول ناس أول الناسوقيل : سمي إنسانا لأنسه بحواء .

وقيل : لأنسه بربه ، فالهمزة أصلية ، قال الشاعر :وما سمي الإنسان إلا لأنسه ولا القلب إلا أنه يتقلبالثالثة : لما ذكر الله جل وتعالى المؤمنين أولا ، وبدأ بهم لشرفهم وفضلهم ، ذكر الكافرين في مقابلتهم ، إذ الكفر والإيمان طرفان .

ثم ذكر المنافقين بعدهم وألحقهم بالكافرين قبلهم ، لنفي الإيمان عنهم بقوله الحق : وما هم بمؤمنين .

ففي هذا رد على الكرامية حيث قالوا : إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب ، واحتجوا بقوله تعالى : فأثابهم الله بما قالوا .

ولم يقل : بما قالوا وأضمروا ، وبقوله عليه السلام : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم .

وهذا منهم قصور وجمود ، وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة من العمل مع القول والاعتقاد ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان .

أخرجه ابن ماجه في سننه .

فما ذهب إليه محمد بن كرام السجستاني وأصحابه هو النفاق وعين الشقاق ، ونعوذ بالله من الخذلان وسوء الاعتقاد .الرابعة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : المؤمن ضربان : مؤمن يحبه الله ويواليه ، ومؤمن لا يحبه الله ولا يواليه ، بل يبغضه ويعاديه ، فكل من علم الله أنه يوافي بالإيمان ، فالله محب له ، موال له ، راض عنه .

وكل من علم الله أنه يوافي بالكفر ، فالله مبغض له ، ساخط عليه ، معاد له ، لا لأجل إيمانه ، ولكن لكفره وضلاله الذي يوافي به .

والكافر ضربان : كافر يعاقب لا [ ص: 189 ] محالة ، وكافر لا يعاقب .

فالذي يعاقب هو الذي يوافي بالكفر ، فالله ساخط عليه معاد له .

والذي لا يعاقب هو الموافي بالإيمان ، فالله غير ساخط على هذا ولا مبغض له ، بل محب له موال ، لا لكفره لكن لإيمانه الموافي به .

فلا يجوز أن يطلق القول وهي :الخامسة : بأن المؤمن يستحق الثواب ، والكافر يستحق العقاب ، بل يجب تقييده بالموافاة ، ولأجل هذا قلنا : إن الله راض عن عمر في الوقت الذي كان يعبد الأصنام ، ومريد لثوابه ودخوله الجنة ، لا لعبادته الصنم ، لكن لإيمانه الموافي به .

وإن الله تعالى ساخط على إبليس في حال عبادته ، لكفره الموافي به .وخالفت القدرية في هذا وقالت : إن الله لم يكن ساخطا على إبليس وقت عبادته ، ولا راضيا عن عمر وقت عبادته للصنم .

وهذا فاسد ، لما ثبت أن الله سبحانه عالم بما يوافي به إبليس لعنه الله ، وبما يوافي به عمر رضي الله عنه فيما لم يزل ، فثبت أنه كان ساخطا على إبليس محبا لعمر .

ويدل عليه إجماع الأمة على أن الله سبحانه وتعالى غير محب لمن علم أنه من أهل النار ، بل هو ساخط عليه ، وأنه محب لمن علم أنه من أهل الجنة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإنما الأعمال بالخواتيم ولهذا قال علماء الصوفية : ليس الإيمان ما يتزين به العبد قولا وفعلا ، لكن الإيمان جري السعادة في سوابق الأزل ، وأما ظهوره على الهياكل فربما يكون عاريا ، وربما يكون حقيقة .قلت : هذا كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها .

فإن قيل وهي :السادسة : فقد خرج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري من حديث محمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة ، وهو محمد بن أبي قيس ، عن سليمان بن موسى وهو الأشدق ، عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس أخبرنا أبو رزين العقيلي قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأشربن أنا وأنت يا أبا رزين من لبن لم يتغير طعمه قال قلت : كيف يحيي الله الموتى ؟

قال : أما مررت بأرض لك مجدبة ثم مررت بها مخصبة ثم مررت بها مجدبة ثم مررت بها مخصبة قلت : بلى .

قال : " كذلك النشور " قال قلت : كيف لي أن أعلم أني مؤمن ؟

قال : ليس أحد من هذه الأمة - قال ابن أبي قيس : أو قال من أمتي - عمل حسنة وعلم أنها حسنة وأن الله جازيه بها خيرا أو عمل سيئة وعلم أنها سيئة وأن الله جازيه بها شرا أو يغفرها إلا مؤمن .قلت : وهذا الحديث وإن كان سنده ليس بالقوي فإن معناه صحيح وليس بمعارض لحديث ابن مسعود ، فإن ذلك موقوف على الخاتمة ، كما قال عليه السلام : وإنما الأعمال بالخواتيم .

وهذا إنما يدل على أنه مؤمن في الحال ، والله أعلم .السابعة : قال علماء اللغة : إنما سمي المنافق منافقا لإظهاره غير ما يضمر ، تشبيها باليربوع ، له جحر يقال له : النافقاء ، وآخر يقال له : القاصعاء .

وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب ، فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج ، فظاهر جحره تراب ، وباطنه حفر .

وكذلك المنافق ظاهره إيمان ، وباطنه كفر ، وقد تقدم هذا المعنى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قال تعالى في وصف المنافقين الذين ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ...} واعلم أن النفاق هو: إظهار الخير وإبطان الشر، ويدخل في هذا التعريف النفاق الاعتقادي, والنفاق العملي، كالذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: \" آية المنافق ثلات: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا اؤتمن خان \" وفي رواية: \" وإذا خاصم فجر \" وأما النفاق الاعتقادي المخرج عن دائرة الإسلام, فهو الذي وصف الله به المنافقين في هذه السورة وغيرها، ولم يكن النفاق موجودا قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم [من مكة] إلى المدينة, وبعد أن هاجر, فلما كانت وقعة \" بدر \" وأظهر الله المؤمنين وأعزهم، ذل من في المدينة ممن لم يسلم, فأظهر بعضهم الإسلام خوفا ومخادعة, ولتحقن دماؤهم, وتسلم أموالهم, فكانوا بين أظهر المسلمين في الظاهر أنهم منهم, وفي الحقيقة ليسوا منهم.

فمن لطف الله بالمؤمنين, أن جلا أحوالهم ووصفهم بأوصاف يتميزون بها, لئلا يغتر بهم المؤمنون, ولينقمعوا أيضا عن كثير من فجورهم [قال تعالى]: { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ } فوصفهم الله بأصل النفاق فقال: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } فإنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فأكذبهم الله بقوله: { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } لأن الإيمان الحقيقي, ما تواطأ عليه القلب واللسان.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله}: نزلت في المنافقين عبد الله بن أُبَي بن سلول، ومعتب بن قشير، وجَدّ بن قيس وأصحابهم حيث أظهروا كلمة الإسلام ليَسْلَمُوا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واعتقدوا خلافها، وأكثرهم من اليهود.

و{الناس}: جمع إنسان سمي به لأنه عهد إليه فنسي، كما قال الله تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي} [115-طه]، وقيل: لظهوره من قولهم آنست أي أبصرت، وقيل: لأنه يستأنس به.

{وباليوم الآخر}: أي بيوم القيامة.

قال الله تعالى: {وما هم بمؤمنين:}: أي يخالفون الله.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل في المنافقين: «ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر» أي يوم القيامة لأنه آخر الأيام «وما هم بمؤمنين» روعي فيه معنى من، وفي ضمير يقول لفظها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن الناس فريق يتردد متحيِّرًا بين المؤمنين والكافرين، وهم المنافقون الذين يقولون بألسنتهم: صدَّقْنَا بالله وباليوم الآخر، وهم في باطنهم كاذبون لم يؤمنوا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال صاحب الكشاف : " افتتح - سبحانه - كتابه بذكر الذين أخلصوا دينهم الله ، وواطأت قلوبهم ألسنتهم ، ووافق سرهم علنهم ، وفعلهم قولهم ، ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً ، قلوباً وألسنة ، ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وأبطنوا خلاف ما أظهروا .

وهم الذين قال فيهم : ( مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هؤلاء وَلاَ إِلَى هؤلاء ) وسماهم المنافقين وكانوا أخبث الكفرة وأبغضهم إليه وأمقتهم عنده ، لأنهم خلطوا بالكفر تمويهاً وتدليساً ، وبالشرك استهزاء وخداعاً ، ولذلك أنزل فيهم : ( إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار ) ووصف حال الذين كفروا في آيتين ووصف حال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية ، نعى عليهم فيها خبثهم ، ومكرهم وفضحهم ، وسفههم ، واستجهلهم ، واستهزأ بهم ، وتهكم بفعلهم ، وسجل طغيانهم ، ودعاهم صما بكما عميا ، وضرب لهم الأمثال الشنيعة .

وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا ، كما تعطف الجملة على الجملة " .والناس : اسم لجماعة الإِنس : قال القرطبي : " واختلف النحاة في لفظ الناس فقيل : هو من أسماء الجموع ، جمع إنسان وإنسانه على غير اللفظ ، وتصغيره نويس ، فالناس من النوس وهو الحركة ، يقال : ناس ، ينوس أي : تحرك .

وقيل : أصله نسى ، فأصل ناس نسى ، قلب فصار نيس ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً ، ثم دخلت الألف واللام فقيل : الناس ، قال ابن عباس : نسى آدم عهد الله فسمى إنساناً .

وقيل : سمى إنساناً لأنسه بربه ، قال الشاعر :وما سمى الإنسان إلا لأنسه ...

ولا القلب إلا أنه يتقلبواليوم الآخر : هو اليوم الذي يبتدئ بالبعث ولا ينقطع أبداً ، وقد يراد منه اليوم الذي يبتدئ بالبعث وينتهي باستقرار أهل الجنة في الجنة .

وأهل النار في النار .وقال القرآن في شأن المنافقين ( وَمِنَ الناس ) مجرداً إياهم من الوصفين السابقين ، وصف الإيمان ووصف الكفر ، لأنهم لم يكونوا بحسب ظاهر الأمر مع الكافرين ، ولا بحسب باطنه مع المؤمنين ، لذا عبر عنهم بالناس لينطبق التعبير على ما حاولوه لأنفسهم من أتهم لا هم مؤمنون ولا هم كافرون وفي ذلك مبالغة في الحط من شأنهم فهم لم يخرجوا عن كونهم ناساً فقط ، دون أن يصلوا بأوصافهم إلى أهل اليمين أو إلى أهل الشمال الصرحاء في كفرهم ، بل بقوا في منحدر من الأرض ، لا يمر بهم سالك الطريق المستقيم ولا سالك المعوج من الطرق .وعبر القرآن بلفظ ( يَقُولُ آمَنَّا ) ليفيد أنه مجرد قول باللسان ، لا أثر له في القلوب ، وإنما هم يقولون بأفواهم ما ليس في قلوبهم .وحكى القرآن عن هؤلاء المنافقين أنهم اقتصروا في إظهار الإيمان على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ، ليزيدوا في التمويه على المؤمنين بإدعاء أنهم أحاطوا بالإيمان من طرفيه ، لأن من يؤمن بالله واليوم الآخر ، استجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن من شأنه أن يكون - أيضا - مؤمناً برسل الله وملائكته وكتبه .وقد كذبهم الله - تعالى - في دعواهم الإِيمان ، فقال :( وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ) .فهذه الجملة الكريمة رد لما ادعوه من الإِيمان ، ونفى له على أبلغ وجه ، إذ جاء النفي مؤكداً بالباء في قوله ( بِمُؤْمِنِينَ ) .

ثم إن الجملة نفت عنهم الإِيمان على سبيل الإِطلاق ، فهم ليسوا بمؤمنين لا بالله ولا باليوم الآخر ، ولا بكتب الله ولا برسله ولا بملائكته .ثم بين - سبحانه - الدوافع التي دفعتهم إلى أن يقولوا ( آمَنَّا بالله وباليوم الآخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ) فقال :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المفسرين أجمعوا على أن ذلك في وصف المنافقين قالوا: وصف الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين والكافرين والمنافقين فبدأ بالمؤمنين المخلصين الذين صحت سرائرهم وسلمت ضمائرهم، ثم أتبعهم بالكافرين الذين من صفتهم الإقامة على الجحود والعناد، ثم وصف حال من يقول بلسانه إنه مؤمن وضميره يخالف ذلك، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أعلم أن الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلص إلا بتقسيم نذكره فنقول: أحوال القلب أربعة، وهي الاعتقاد المطابق المستفاد عن الدليل وهو العلم؛ والاعتقاد المطابق المستفاد لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد، والاعتقاد الغير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك.

فهذه أقسام أربعة، وأما أحوال اللسان فثلاثة: الإقرار؛ والإنكار، والسكوت.

فيحصل من تركيباتها اثنا عشر قسماً.

النوع الأول: ما إذا حصل العرفان القلبي فهاهنا إما أن ينضم إليه الإقرار باللسان أو الإنكار باللسان أو السكوت.

القسم الأول: ما إذا حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان فهذا الإقرار إن كان اختيارياً فصاحبه مؤمن حقاً بالإتفاق، وإن كان اضطرارياً وهو ما إذا عرف بقلبه ولكنه يجد من نفسه أنه لولا الخوف لما أقر، بل أنكر، فهذا يجب أن يعد منافقاً؛ لأنه بقلبه منكر مكذب، فإذا كان باللسان مقراً مصدقاً وجب أن يعد منافقاً لأنه بقلبه منكر مكذب بوجوب الإقرار.

القسم الثاني: أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني فهذا الإنكار إن كان اضطرارياً كان صاحبه مسلماً، لقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان  ﴾ وإن كان اختيارياً كان كافراً معانداً.

القسم الثالث: أن يحصل العرفان القلبي ويكون اللسان خالياً عن الإقرار والإنكار، فهذا السكوت إما أن يكون اضطرارياً أو اختيارياً، فإن كان اضطرارياً فذلك إذا خاف ذكره باللسان فهذا مسلم حقاً أو كما إذا عرف الله بدليله ثم لما تمم النظر مات فجأة، فهذا مؤمن قطعاً، لأنه أتى بكل ما كلف به ولم يجد زمان الإقرار والإنكار فكان معذوراً فيه، وأما إن كان اختيارياً فهو كمن عرف الله بدليله ثم إنه لم يأت بالإقرار، فهذا محل البحث، وميل الغزالي رحمه الله إلى أنه يكون مؤمناً لقوله عليه السلام: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان».

وهذا الرجل قلبه مملوء من نور الإيمان فكيف لا يخرج من النار.

النوع الثاني: أن يحصل في القلب الاعتقاد التقليدي، فإما أن يوجد معه الإقرار، أو الإنكار أو السكوت.

القسم الأول: أن يوجد معه الإقرار، ثم ذلك الإقرار إن كان اختيارياً فهذا هو المسألة المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا؟

وإن كان اضطرارياً فهذا يفرع على الصورة الأولى، فإن حكمنا في الصورة الأولى بالكفر، فها هنا لا كلام، وإن حكمنا هناك بالإيمان وجب أن يحكم هاهنا بالنفاق، لأن في هذه الصورة لو كان القلب عارفاً لكان هذا الشخص منافقاً، فبأن يكون منافقاً عند التقليد كان أولى.

القسم الثاني: الاعتقاد التقليدي مع الإنكار اللساني، ثم هذا الإنكار إن كان اختيارياً فلا شك في الكفر، وإن كان اضطرارياً وحكمنا بإيمان المقلد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصورة.

القسم الثالث: الاعتقاد التقليدي مع السكوت اضطرارياً كان أو اختيارياً، وحكمه حكم القسم الثالث من النوع الأول إذا حكمنا بإيمان المقلد.

النوع الثالث: الإنكار القلبي فإما أن يوجد معه الإقرار اللساني، أو الإنكار اللساني، أو السكوت.

القسم الأول: أن يوجد معه الإقرار اللساني، فذلك الإقرار إن كان اضطرارياً فهو المنافق وإن كان اختيارياً فهو مثل أن يعتقد بناءً على شبهة أن العالم قديم ثم بالاختيار أقر باللسان أن العالم محدث، وهذا غير مستبعد، لأنه إذا جاز أن يعرف بالقلب ثم ينكر باللسان وهو كفر الجحود والعناد، فلم لا يجوز أن يجهل بالقلب ثم يقر باللسان؟

فهذا القسم أيضاً من النفاق.

القسم الثاني: أن يوجد الإنكار القلبي ويوجد الإنكار اللساني فهذا كافر وليس بمنافق، لأنه ما أظهر شيئاً بخلاف باطنه.

القسم الثالث: أن يوجد الإنكار القلبي مع السكوت اللساني فهذا كافر وليس بمنافق لأنه ما أظهر شيئاً.

النوع الرابع: القلب الخالي عن جميع الاعتقادات فهذا إما أن يوجد معه الإقرار أو الإنكار أو السكوت.

القسم الأول: إذا وجد الإقرار فهذا الإقرار إما أن يكون اختيارياً أو اضطرارياً، فإن كان اختيارياً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر، لكنه فعل ما لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا؟

وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً لم يكفر صاحبه، لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً.

القسم الثاني: القلب الخالي مع الإنكار باللسان وحكمه على العكس من حكم القسم العاشر القسم الثالث: القلب الخالي مع اللسان الخالي، فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا يحكم عليه بالنفاق البتة، فهذه هي الأقسام الممكنة في هذا الباب، وقد ظهر منه أن النفاق ما هو، وأنه الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ما في ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، وإذ عرفت هذا ظهر أن قوله: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله وباليوم الآخر ﴾ المراد منه المنافقون والله أعلم.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المنافق؟

قال قوم كفر الكافر الأصلي أقبح، لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان.

وقال آخرون بل المنافق أيضاً كاذب باللسان، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه، ولذلك قال تعالى: ﴿ قَالَتِ الأعراب ءامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون  ﴾ ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة.

أحدها: أنه قصد التلبيس والكافر الأصلي ما قصد ذلك.

وثانيها: أن الكافر عى طبع الرجال، والمنافق على طبع الخنوثة.

وثالثها: أن الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه ولم يرض إلا بالصدق، والمنافق رضي بذلك.

ورابعها: أن المنافق ضم إلى كفره الاستهزاء بخلاف الكافر الأصلي، ولأجل غلظ كفره قال تعالى: ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار  ﴾ .

وخامسها: قال مجاهد: إنه تعالى ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات، ثم ثنى بذكر الكفار في آيتين ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية، وذلك يدل على أن المنافق أعظم جرماً.

وهذا بعيد، لأن كثرة الاقتصاص بخبرهم لا توجب كون جرمهم أعظم، فإن عظم فلغير ذلك، وهو ضمهم إلى الكفر وجوهاً من المعاصي كالمخادعة والاستهزاء، وطلب الغوائل إلى غير ذلك، ويمكن أن يجاب عنه بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم تدل على أن الاهتمام بدفع شرهم أشد من الاهتمام بدفع شر الكفار، وذلك يدل على أنهم أعظم جرماً من الكفار.

المسألة الثالثة: هذه الآية دالة على أمرين: الأول: أنها تدل على أن من لا يعرف الله تعالى وأقر به فإنه لا يكون مؤمناً، لقوله: ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ وقالت الكرامية: إنه يكون مؤمناً الثاني: أنها تدل على بطلان قول من زعم أن كل المكلفين عارفون بالله، ومن لم يكن به عارفاً لا يكون مكلفاً أما الأول فلأن هؤلاء المنافقين لو كانوا عارفين بالله وقد أقروا به لكان يجب أن يكون إقرارهم بذلك إيماناً، لأن من عرف الله تعالى وأقر به لابد وأن يكون مؤمناً وأما الثاني فلأن غير العارف لو كان معذوراً لما ذم الله هؤلاء على عدم العرفان، فبطل قول من قال من المتكلمين: إن من لا يعرف هذه الأشياء يكون معذوراً.

المسألة الرابعة: ذكروا في اشتقاق لفظ الإنسان وجوهاً: أحدها: يروى عن ابن عباس أنه قال: سمي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي، وقال الشاعر: سميت إنساناً لأنك ناسي *** وقال أبو الفتح البستي: يا أكثر الناس إحساناً إلى الناس *** وأكثر الناس إفضالاً على الناس نسيت عهدك والنسيان مغتفر *** فاغفر فأول ناس أول الناس وثانيها: سمي إنساناً لاستئناسه بمثله.

وثالثها: قالوا: الإنسان إنما سمي إنساناً لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون من قوله: ﴿ آنس مِن جَانِبِ الطور نَاراً  ﴾ كما سمي الجن لاجتنانهم.

واعلم أنه لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقاً من شيء آخر وإلا لزم التسلسل، وعلى هذا لا حاجة إلى جعل لفظ الإنسان مشتقاً من شيء آخر.

المسألة الخامسة: قال ابن عباس: أنها نزلت في منافقي أهل الكتاب، منهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير، وجد ابن قيس، كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون إنا لنجد في كتابنا نعته وصفته ولم يكونوا كذلك إذا خلا بعضهم إلى بعض.

المسألة السادسة: لفظة من لفظة صالحة للتثنية، والجمع، والواحد.

أما في الواحد فقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ  ﴾ وفي الجمع كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ  ﴾ والسبب فيه أنه موحد اللفظ مجموع المعنى، فعند التوحيد يرجع إلى اللفظ.

وعند الجمع يرجع إلى المعنى، وحصل الأمران في هذه الآية؛ لأن قوله تعالى: ﴿ يقُولُ ﴾ لفظ الواحد و ﴿ آمنا ﴾ لفظ الجمع وبقي من مباحث الآية أسئلة.

السؤال الأول: المنافقون كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر ولكنهم كانوا منكرين لنبوته عليه السلام فلم كذبهم في إدعائهم الإيمان بالله واليوم الآخر؟

والجواب: إن حملنا هذه الآية على منافقي المشركين فلا إشكال، لأن أكثرهم كانوا جاهلين بالله ومنكرين البعث والنشور وإن حملناها على منافقي أهل الكتاب وهم اليهود فإنما كذبهم الله تعالى لأن إيمان اليهود بالله ليس بإيمان، لأنهم يعتقدونه جسماً، وقالوا عزير بن الله، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ليس بإيمان، فلما قالوا آمنا بالله كان خبثهم فيه مضاعفاً لأنهم كانوا بقلوبهم يؤمنون به على ذلك الوجه الباطل، وباللسان يوهمون المسلمين بهذا الكلام إنا آمنا لله مثل إيمانكم، فلهذا كذبهم الله تعالى فيه.

السؤال الثاني: كيف طابق قوله: ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ قولهم: ﴿ آمنا بالله ﴾ والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل؟

والجواب: أن من قال فلان ناظر في المسألة الفلانية، فلو قلت إنه لم يناظر في تلك المسألة كنت قد كذبته، أما لو قلت إنه ليس من الناظرين كنت قد بالغت في تذكيبه، يعني أنه ليس من هذا الجنس، فكيف يظن به ذلك؟

فكذا هاهنا لما قالوا آمنا بالله فلو قال الله ما آمنوا كان ذلك تكذيباً لهم أما لما قال: ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ كان ذلك مبالغة في تكذيبهم، ونظيره قوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا ﴾ هو أبلغ من قولهم: وما يخرجون منها.

السؤال الثالث: ما المراد باليوم الآخر؟

الجواب: يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم، الذي لا ينقطع له أمد، ويجوز أن يراد به الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة.

وأهل النار النار؛ لأنه آخر الأوقات المحدودة، وما بعده فلا حد له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الختم والكتم أخوان؛ لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه.

والغشاوة: الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة.

فإن قلت: ما معنى الختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار؟

قلت: لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز، ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه وهما الاستعارة والتمثيل.

أما الاستعارة فأن تجعل قلوبهم لأن الحق لا ينفذ فيها ولا يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه واستكبارهم عن قبوله واعتقاده، وأسماعهم لأنها تمجه وتنبو عن الإصغاء إليه وتعاف استماعه كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لأنها لا تجتلي آيات الله المعروضة ودلائله المنصوبة كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين كأنما غطي عليها وحجبت، وحيل بينها وبين الإدراك.

وأمّا التمثيل فأن تمثل حيث لم يستنفعوا بها في الأغراض الدينية التي كلفوها وخلقوا من أجلها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها بالختم والتغطية.

وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان والعيّ ختماً عليه فقال: خَتَمَ الإله عَلى لِسَانِ عُذَافِرٍ ** خَتْماً فلَيْسَ عَلى الكلامِ بقَادِرِ وإذا أَرَادَ النَّطْقَ خِلْتَ لِسَانَهُ ** لَحْماً يُحَرِّكُهُ لِصَقْرٍ نَاقِرِ فإن قلت: فلم أسند الختم إلى الله تعالى وإسناده إليه يدل على المنع من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه وهو قبيح والله يتعالى عن فعل القبيح علواً كبيراً لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عنه.

وقد نص على تنزيه ذاته بقوله: ﴿ وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ [ق: 29] ، ﴿ وَمَا ظلمناهم ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين ﴾ [الزخرف: 76] ، ﴿ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء ﴾ [الأعراف: 28] ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل؟

قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها.

وأما إسناد الختم إلى الله عز وجل، فلينبه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخلقي غير العرضي.

ألا ترى إلى قولهم: فلان مجبول على كذا ومفطور عليه، يريدون أنه بليغ في الثبات عليه.

وكيف يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم؟

ويجوز أن تضرب الجملة كما هي، وهي ختم الله على قلوبهم مثلاً كقولهم: سال به الوادي، إذا هلك.

وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته؛ وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء؛ فكذلك مثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليها نحو قلوب الأغتام التي هي في خلوّها عن الفطن كقلوب البهائم، أو بحال قلوب البهائم أنفسها، أو بحال قلوب مقدّر ختم الله عليها حتى لا تعي شيئاً ولا تفقه، وليس له عزّ وجلّ فعل في تجافيها عن الحق ونبوّها عن قبوله، وهو متعال عن ذلك.

ويجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير الله لله، فيكون الختم مسنداً إلى اسم الله على سبيل المجاز.

وهو لغيره حقيقة.

تفسير هذا: أنّ للفعل ملابسات شتى.

يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له؛ فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة؛ وذلك لمضاهاتها للفاعل في ملابسة الفعل، كما يضاهي الرجل الأسد في جراءته فيستعار له اسمه، فيقال في المفعول به: عيشة راضية، وماء دافق.

وفي عكسه: سيل مفعم.

وفي المصدر: شعر شاعر، وذيل ذائل.

وفي الزمان نهاره صائم.

وليله قائم.

وفي المكان: طريق سائر، ونهر جار.

وأهل مكة يقولون: صلى المقام.

وفي المسبب: بنى الأمير المدينة، وناقة صبوث وحلوب.

وقال: إِذَا رَدَّ عَافِي الْقِدْرِ مَنْ يَسْتَعِيرُها فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر؛ إلا أنّ الله سبحانه لما كان هو الذي أقدره ومكنه، أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب.

ووجه رابع: وهو أنهم لما كانوا على القطع والبت ممن لا يؤمن ولا تغنى عنهم الآيات والنذر، ولا تجدى عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة إن أعطوها.

لم يبق بعد استحكام العلم بأنه لا طريق إلى أن يؤمنوا طوعاً واختياراً طريق إلى إيمانهم إلا القسر والإلجاء، وإذا لم تبق طريق إلا أن يقسرهم الله ويلجئهم ثم لم يقسرهم ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض في التكليف، عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم، إشعاراً بأنهم الذين ترامى أمرهم في التصميم على الكفر والإصرار عليه إلى حدّ لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء، وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغي واستشرائهم في الضلال والبغي.

ووجه خامس: وهو أن يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً بهم من قولهم: ﴿ في قُلُوبُنَا أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ [فصلت: 5] ونظيره في الحكاية والتهكم قوله تعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة ﴾ [البينة: 1] فإن قلت: اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية فعلى أيهما يعوّل؟

قلت: عل دخولها في حكم الختم لقوله تعالى: ﴿ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة ﴾ [الجاثية: 23] ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم.

فإن قلت: أيّ فائدة في تكرير الجارّ في قوله: ﴿ وعلى سمعهم ﴾ ؟

قلت: لو لم يكرّر لكان انتظاماً للقلوب والأسماع في تعدية واحدة؛ وحين استجدّ للأسماع تعدية على حدة، كان أدل على شدة الختم في الموضعين.

ووحد السمع كما وحد البطن في قوله: كلوا في بعض بطنكم تعفوا، يفعلون ذلك إذا أمن اللبس.

فإذا لم يؤمن كقولك: فرسهم، وثوبهم، وأنت تريد الجمع رفضوه.

ولك أن تقول: السمع مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع.

فلمح الأصل يدل عليه جمع الأذن في قوله: ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ [فصلت: 5] وأن تقدّر مضافاً محذوفاً: أي وعلى حواس سمعهم.

وقرأ ابن أبي عبلة: وعلى أسماعهم.

فإن قلت: هلا منع أبا عمرو والكسائي من إمالة أبصارهم ما فيه من حرف الاستعلاء وهو الصاد؟

قلت: لأنّ الراء المكسورة تغلب المستعلية، لما فيه من التكرير كأن فيها كسرتين، وذلك أعون شيء على الإمالة وأن يمال له ما لا يمال.

والبصر نور العين، وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات.

كما أن البصيرة نور القلب، وهو ما به يستبصر ويتأمل.

وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما الله فيهما آلتين للإبصار والاستبصار.

وقرئ ﴿ غِشاوةً ﴾ بالكسر والنصب.

و ﴿ غُشاةٌ ﴾ : بالضم والرفع.

و ﴿ غَشاوةً ﴾ : بالفتح والنصب.

و ﴿ غِشوةُ ﴾ : بالكسر والرفع.

و ﴿ غَشوةٌ ﴾ : بالفتح والرفع والنصب.

و ﴿ عشاوةٌ ﴾ : بالعين غير المعجمة والرفع، من العشا.

والعذاب: مثل النكال بناء ومعنى؛ لأنك تقول: أعذب عن الشيء، إذا أمسك عنه.

كما تقول: نكل عنه.

ومنه العذب؛ لأنه يقمع العطش ويردعه، بخلاف الملح فإنه يزيده.

ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخاً؛ لأنه ينقخ العطش أي يكسره.

وفراتاً، لأنه يرفته على القلب.

ثم اتسع فيه فسمى كل ألم فادح عذاباً، وإن لم يكن نكالاً أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة.

والفرق بين العظيم والكبير، أن العظم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، فكأن العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير.

ويستعملان في الجثث والأحداث جميعاً.

تقول: رجل عظيم وكبير، تريد جثته أو خطره.

ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله.

ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله.

اللَّهم أجرنا من عذابك ولا تبلنا بسخطك يا واسع المغفرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ لَمّا افْتَتَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِشَرْحِ حالِ الكِتابِ وساقَ لِبَيانِهِ، ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ تَعالى وواطَأتْ فِيهِ قُلُوبُهم ألْسِنَتَهُمْ، وثَنّى بِأضْدادِهِمُ الَّذِينَ مَحَضُوا الكُفْرَ ظاهِرًا وباطِنًا ولَمْ يَلْتَفِتُوا لَفْتَةً رَأْسًا، ثَلَّثَ بِالقِسْمِ الثّالِثِ المُذَبْذَبِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم تَكْمِيلًا لِلتَّقْسِيمِ، وهم أخْبَثُ الكَفَرَةِ وأبْغَضُهم إلى اللَّهِ لِأنَّهم مَوَّهُوا الكُفْرَ وخَلَطُوا بِهِ خِداعًا واسْتِهْزاءً، ولِذَلِكَ طَوَّلَ في بَيانِ خُبْثِهِمْ وجَهْلِهِمْ واسْتَهْزَأ بِهِمْ، وتَهَكَّمَ بِأفْعالِهِمْ وسَجَلَ عَلى عَمَهِهِمْ وطُغْيانِهِمْ، وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثالَ وأنْزَلَ فِيهِمْ ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ﴾ وقِصَّتُهم عَنْ آخِرِها مَعْطُوفَةٌ عَلى قِصَّةِ المُصِرِّينَ.

والنّاسُ أصْلُهُ أُناسٌ لِقَوْلِهِمْ: إنْسانٌ وأنَسٌ وأناسِيٌّ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ حَذْفَها في لَوَقَةٍ وعُوِّضَ عَنْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ ولِذَلِكَ لا يَكادُ يُجْمَعُ بَيْنَهُما.

وقَوْلُهُ: إنَّ المَنايا يَطَّلِعْنَ عَلى الإناسِ الآمِنِينا شاذٌّ.

وهو اسْمُ جَمْعٍ كَرِجالٍ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ فَعالٌ في أبْنِيَةِ الجَمْعِ.

مَأْخُوذٌ مِن أنِسَ لِأنَّهم يَسْتَأْنِسُونَ بِأمْثالِهِمْ.

أوْ آنَسَ لِأنَّهم ظاهِرُونَ مُبْصِرُونَ، ولِذَلِكَ سُمُّوا بَشَرًا كَما سُمِّيَ الجِنُّ جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ.

واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، ومِن مَوْصُوفَةٌ إذْ لا عَهْدَ فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ النّاسِ ناسٌ يَقُولُونَ.

أوْ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودِ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ومَن مَوْصُولَةٌ مُرادٌ بِها ابْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ ونُظَراؤُهُ، فَإنَّهم مِن حَيْثُ إنَّهم صَمَّمُوا عَلى النِّفاقِ دَخَلُوا في عِدادِ الكُفّارِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ، واخْتِصاصُهم بِزِياداتٍ زادُوها عَلى الكُفْرِ لا يَأْبى دُخُولَهم تَحْتَ هَذا الجِنْسِ، فَإنَّ الأجْناسَ إنَّما تَتَنَوَّعُ بِزِياداتٍ يَخْتَلِفُ فِيها أبْعاضُها فَعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ تَقْسِيمًا لِلْقِسْمِ الثّانِي.

واخْتِصاصُ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ بِالذِّكْرِ تَخْصِيصٌ لِما هو المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ الإيمانِ وادِّعاءٌ بِأنَّهُمُ احْتازُوا الإيمانَ مِن جانِبَيْهِ وأحاطُوا بِقُطْرَيْهِ، وإيذانٌ بِأنَّهم مُنافِقُونَ فِيما يَظُنُّونَ أنَّهم مُخْلِصُونَ فِيهِ، فَكَيْفَ بِما يَقْصِدُونَ بِهِ النِّفاقَ، لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يَهُودًا وكانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ إيمانًا كَلا إيمانٍ، لِاعْتِقادِهِمُ التَّشْبِيهَ واتِّخاذَ الوَلَدِ، وأنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ، وأنَّ النّارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً وغَيْرَها، ويَرَوْنَ المُؤْمِنِينَ أنَّهم آمَنُوا مِثْلَ إيمانِهِمْ.

وبَيانٌ لِتَضاعُفِ خُبْثِهِمْ وإفْراطِهِمْ في كُفْرِهِمْ، لِأنَّ ما قالُوهُ لَوْ صَدَرَ عَنْهم لا عَلى وجْهِ الخِداعِ والنِّفاقِ وعَقِيدَتُهم عَقِيدَتُهم لَمْ يَكُنْ إيمانًا، فَكَيْفَ وقَدْ قالُوهُ تَمْوِيهًا عَلى المُسْلِمِينَ وتَهَكُّمًا بِهِمْ.

وفي تَكْرارِ الباءِ ادِّعاءُ الإيمانِ بِكُلِّ واحِدٍ عَلى الأصالَةِ والِاسْتِحْكامِ.

والقَوْلُ هو التَّلَفُّظُ بِما يُفِيدُ، ويُقالُ بِمَعْنى المَقُولِ، ولِلْمَعْنى المُتَصَوَّرِ في النَّفْسِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِاللَّفْظِ ولِلرَّأْيِ والمَذْهَبِ مَجازًا.

والمُرادُ بِاليَوْمِ الآخِرِ مِن وقْتِ الحَشْرِ إلى ما لا يَنْتَهِي.

أوْ إلى أنْ يَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ لِأنَّهُ آخِرُ الأوْقاتِ المَحْدُودَةِ.

﴿ وَما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ إنْكارُ ما ادَّعَوْهُ ونَفْيُ ما انْتَحَلُوا إثْباتَهُ، وكانَ أصْلُهُ وما آمَنُوا لِيُطابِقَ قَوْلَهم في التَّصْرِيحِ بِشَأْنِ الفِعْلِ دُونَ الفاعِلِ لَكِنَّهُ عَكَسَ تَأْكِيدًا.

أوْ مُبالَغَةً في التَّكْذِيبِ، لِأنَّ إخْراجَ ذَواتِهِمْ مِن عِدادِ المُؤْمِنِينَ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم في ماضِي الزَّمانِ، ولِذَلِكَ أكَّدَ النَّفْيَ بِالباءِ وأطْلَقَ الإيمانَ عَلى مَعْنى أنَّهم لَيْسُوا مِنَ الإيمانِ في شَيْءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَيَّدَ بِما قُيِّدُوا بِهِ لِأنَّهُ جَوابُهُ.

والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى الإيمانَ وخالَفَ قَلْبُهُ لِسانَهُ بِالِاعْتِقادِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، لِأنَّ مَن تَفَوَّهَ بِالشَّهادَتَيْنِ فارِغَ القَلْبِ عَمّا يُوافِقُهُ أوْ يُنافِيهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا.

والخِلافُ مَعَ الكَرامِيَّةِ في الثّانِي فَلا يَنْهَضُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الأخر} افتتح سبحانه وتعالى بذكر

الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ثم ثنى بالكافرين قلوباً وألسنة ثم ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وهم أخبث الكفرة لأنهم خلطوا بالكفر استهزاءً وخداعاً ولذا أنزل فيهم إِنَّ المنافقين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار وقال مجاهد أربع آيات من أول السورة في نعت المؤمنين وآيتان في ذكر الكافرين وثلاث عشرة آية في المنافقين نعى عليهم فيها نكرهم وخبثهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم عمههم ودعاهم صمابكما عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة وأصل ناس أناس حذفت همزته تخفيفاً وحذفها كاللازم مع لام التعريف لا يكاد يقال الأناس

البقرة (٨ _ ٩)

ويشهد لأصله إنسان وأناس وإنس وسموا به لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول فإنك تقول وزن قه افعل وليس معك إلا العين وهو من أسماء الجمع ولام التعريف فيه للجنس ومن موصوفة ويقول صغة لها كأنه قيل ومن الناس ناس يقولون كذا وإنما خصوا الإيمان بالله وباليوم الآخر وهو الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع وإنما سمي بالآخر لتأخره عن الأوقات المنقضية أو الوقت المعهود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار لأنهم أوهموا في هذا المقال أنهم أحاطوا بجانبي الإيمان أوله وآخره وهذا لأن حاصل المسائل الاعتقادية يرجع إلى مسائل المبدأ وهي العلم بالصانع وصفاته وأسمائه ومسائل المعاد وهي العلم بالنشور والبعث من القبور والصراط والميزان وسائر أحوال الآخرة وفي تكرير الباء إشارة إلى أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانيين على صفة الصحة والاستحكام إنما طابق قوله {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} وهو في ذكر شأن الفاعل لا الفعل قولهم آمنا بالله وباليوم الآخر وهو في ذكر شأن الفعل لا الفاعل لأن المراد إنكار ما ادعوه

ونفيه على أبلغ وجه وآكده وهو إخراج ذواتهم من أن تكون طائفة من المؤمنين ونحوه قوله تعالى {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ من النار وما هم بخارجين منها} فهوأبلغ من قولك وما يخرجون منها وأطلق الإيمان في الثاني بعد تقييده في الأول لأنه يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه ويحتمل أن يراد نفي أصل الإيمان وفي ضمنه نفي المذكور أولاً والآية تنفي قول الكرامية إن الإيمان هو الإقرار باللسان لا غير لأنه نفى عنهم اسم الإيمان مع وجود الإقرار منهم وتؤيد قول أهل السنة إنه إقرار باللسان وتصديق بالجنان ودخلت الباء في خبر ما مؤكدة للنفي لأنه يستدل به السامع على الجحد إذا غفل عن أول الكلام ومن موحد اللفظ فلذا قيل يقول وجمع وماهم بمؤمنين نظراً إلى معناه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها إلى آخِرِ القِصَّةِ مَعْطُوفَةٌ عَلى قِصَّةِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وكُلٌّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ مَسُوقٌ لِغَرَضٍ، إلّا أنَّ فِيهِما مِنَ النَّعْيِ عَلى أهْلِ الضَّلالِ ما لا يَخْفى، وقَدْ سِيقَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً لِنَعْيِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ سَتَرُوا الكُفْرَ، وأظْهَرُوا الإسْلامَ، فَهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ أعْظَمُ جُرْمًا مِن سائِرِ الكُفّارِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ﴾ والنّاسُ أصْلُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ أُناسٌ، وهو جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِإنْسانٍ، وقَدْ حُذِفَتْ فاؤُهُ تَخْفِيفًا، فَوَزْنُهُ فُعالٌ، ويَشْهَدُ لِأصْلِهِ إنْسانٌ، وإنْسٌ وأناسِيُّ، ونَقْصُهُ وإتْمامُهُ جائِزانِ، إذا نُكِّرَ، فَإذا عُرِّفَ بِألْ فالأكْثَرُ نَقْصُهُ، ومَن عَرَّفَ خَصَّ بِالبَلاءِ، ويَجُوزُ إتْمامُهُ عَلى قِلَّةٍ كَما في قَوْلِهِ: إنَّ المَنايا يَطَّلِعْنَ عَلى الأُناسِ الآمِنِينا وهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الأُنْسِ ضِدَّ الوَحْشَةِ لِأُنْسِهِ بِجِنْسِهِ، لِأنَّهُ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، ومِن هُنا قِيلَ: وما سُمِّيَ الإنْسانُ إلّا لِأُنْسِهِ ∗∗∗ ولا القَلْبُ إلّا أنَّهُ يَتَقَلَّبُ أوْ مِن آنَسَ أيْ أبْصَرَ، قالَ تَعالى: ﴿ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا ﴾ وجاءَ بِمَعْنى سَمِعَ وعَلِمَ، وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ ظاهِرٌ مَحْسُوسٌ، وذَهَبَ السَّكّاكِيُّ إلى أنَّهُ اسْمٌ تامٌّ، وعَيْنُهُ واوٌ مِن نَوَسَ، إذا تَحَرَّكَ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِهِ عَلى نُوَيْسٍ، فَوَزْنُهُ فَعْلٌ، وفي الكَشّافِ أنَّهُ مِنَ المُصَغَّرِ الآتِي عَلى خِلافِ مُكَبَّرِهِ، كَأُنَيْسِيانٍ ورُوَيْجِلٍ، وقِيلَ: مِن نَسِيَ بِالقَلْبِ، لِقَوْلِهِ تَعالى في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَوَزْنُهُ حِينَئِذٍ فَلْعٌ، ولا يُسْتَعْمَلُ في الغالِبِ إلّا في بَنِي آدَمَ، وحَكى ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ ناسٍ مِنَ العَرَبِ: أُناسٌ مِنَ الجِنِّ، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مَجازٌ، وإذا أُخِذَ مِن نَوَسَ يَكُونُ صِدْقُ المَفْهُومِ عَلى الجِنِّ ظاهِرًا لا سِيَّما إذا قُلْنا: إنَّ النَّوْسَ تَذَبْذُبُ الشَّيْءِ في الهَواءِ، وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عاصِمٍ أنَّهُ جَزَمَ بِأنَّ كُلًّا مِن ناسٍ وأُناسٍ مادَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ واللّامُ فِيهِ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ الخارِجِيِّ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَمِن نَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ، وإنْ كانَ الثّانِي فَهي مَوْصُولَةٌ مُرادًا بِها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وأشْياعُهُ، وجَوَّزَ ابْنُ هِشامٍ وجَماعَةٌ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً عَلى تَقْدِيرِ الجِنْسِ، ومَوْصُوفَةً عَلى تَقْدِيرِ العَهْدِ لِأنَّ بَعْضَ الجِنْسِ قَدْ يَتَعَيَّنُ بِوَجْهٍ ما وبَعْضَ المُعَيَّنِينَ قَدْ يُجْهَلُ، بِاعْتِبارِ حالٍ مِن أحْوالِهِ، كَأهْلِ مَحَلَّةٍ مَحْصُورِينَ فِيهِمْ قاتِلٌ لَمْ يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ كَوْنُهُ قاتِلًا، وإنْ عُرِفَ شَخْصُهُ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ عِنْدَ هَؤُلاءِ، وقِيلَ: إنَّ التَّخْصِيصَ هو الأنْسَبُ، لِأنَّ المُعَرَّفَ بِلامِ الجِنْسِ لِعَدَمِ التَّوْقِيتِ فِيهِ قَرِيبٌ مِنَ النَّكِرَةِ، وبَعْضُ النَّكِرَةِ نَكِرَةٌ، فَناسَبَ مِنَ المَوْصُوفَةِ لِلطِّباقِ، والأمْرُ بِخِلافِهِ في العَهْدِ، وعَلى هَذا الأُسْلُوبِ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ ﴾ ﴿ ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ﴾ لِأنَّهُ أُرِيدَ في الأوَّلِ الجِنْسُ وفي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ في الثّانِي طائِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ، ولَمّا كانَ في الآيَةِ تَفْصِيلٌ مَعْنَوِيٌّ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ الكافِرِينَ، ثُمَّ عَقَّبَ بِالمُنافِقِينَ، فَصارَ نَظِيرًا لِلتَّفْصِيلِ اللَّفْظِيِّ، وفي قُوَّةِ تَفْصِيلِ النّاسِ إلى مُؤْمِنٍ، وكافِرٍ، ومُنافِقٍ - تَضَمُّنُ الإخْبارِ عَمَّنْ يَقُولُ بِأنَّهُ مِنَ النّاسِ - فائِدَةٌ، ولَكَ أنْ تَحْمِلَهُ عَلى مَعْنى: مَن يَخْتَفِي مِنَ المُنافِقِينَ مَعْلُومٌ لَنا، ولَوْلا أنَّ السَّتْرَ مِنَ الكَرَمِ فَضَحْتُهُ، فَيَكُونُ مُفِيدًا أيْضًا، ومُلَوِّحًا إلى تَهْدِيدٍ ما، وقِيلَ: المُرادُ بِكَوْنِهِمْ مِنَ النّاسِ أنَّهم لا صِفَةَ لَهم تُمَيِّزُهم سِوى الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ، أوِ المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ تُنافِي الإنْسانِيَّةَ، فَيُتَعَجَّبُ مِنها، أوْ مَناطُ الفائِدَةِ الوُجُودُ أيْ إنَّهم مَوْجُودُونَ فِيما بَيْنَهُمْ، أوْ إنَّهم مِنَ النّاسِ لا مِنَ الجِنِّ، إذْ لا نِفاقَ فِيهِمْ، أوِ المُرادُ بِالنّاسِ المُسْلِمُونَ، والمَعْنى أنَّهم يُعَدُّونَ مُسْلِمِينَ، أوْ يُعامَلُونَ مُعامَلَتَهم فِيما لَهم وعَلَيْهِمْ، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ الكَلَفِ والتَّكَلُّفِ، ولِكُلِّ ساقِطَةٍ لاقِطَةٌ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ هُنا أنْ تَكُونَ (مِن) مَوْصُولَةً، مُدَّعِيًا أنَّها إنَّما تَكُونُ مَوْصُوفَةً إذا وقَعَتْ في مَكانٍ يَخْتَصُّ بِالنَّكِرَةِ في الأكْثَرِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ قَلِيلٌ حَتّى أنَّ السَّكّاكِيَّ عَلى عُلُوِّ كَعْبِهِ أنْكَرَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ولا يَرِدُ عَلى إرادَةِ العَهْدِ أنَّهُ كَيْفَ يَدْخُلُ المُنافِقُونَ مُطْلَقًا في الكَفَرَةِ المُصِرِّينَ المَحْكُومِ عَلَيْهِمْ بِالخَتْمِ، وإنَّ ﴿ ومِنَ النّاسِ ﴾ الآيَةَ، وقَعَ عَدِيلًا لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَيانًا لِلْقِسْمِ الثّالِثِ المُذَبْذَبِ فَلا يَدْخُلُ فِيهِ، لِأنَّ المُرادَ بِالمُنافِقِينَ المُصَمِّمُونَ مِنهُمُ، المَخْتُومُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ لا مُطْلَقُ المُنافِقِينَ، ولِأنَّ اخْتِصاصَهم بِخَلْطِ الخِداعِ، والِاسْتِهْزاءِ مَعَ الكُفْرِ لا يُنافِي دُخُولَهم تَحْتَ الكَفَرَةِ المُصِرِّينَ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ صارُوا قِسْمًا ثالِثًا، فالقِسْمَةُ ثُنائِيَّةٌ بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ، ثُلاثِيَّةٌ بِالِاعْتِبارِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: (يَقُولُ) (وآمَنّا) مُراعاةً لِلَفْظِ (مِن) ومَعْناها، ولَوْ راعى الأوَّلَ فَقَطْ لَقالَ: آمَنتُ، أوِ الثّانِيَ فَقَطْ لَقالَ: يَقُولُونَ، ولَمّا رُوعِيا جَمِيعًا حَسُنَ مُراعاةُ اللَّفْظِ أوَّلًا، إذْ هو في الخارِجِ قَبْلَ المَعْنى، والواحِدُ قَبْلَ الجَمْعِ، ولَوْ عُكِسَ جازَ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ لا يَجُوزُ الرُّجُوعُ مِن جَمْعٍ إلى تَوْحِيدٍ، ويَرُدُّهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَسْتُ مِمَّنْ يَكِعُّ أوْ يَسْتَكِينُونَ ∗∗∗ إذا كافَحَتْهُ خَيْلُ الأعادِي واقْتَصَرَ مِن مُتَعَلِّقِ الإيمانِ عَلى اللَّهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، مَعَ أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِأفْواهِهِمْ بِجَمِيعِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّهُما المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ الإيمانِ، إذْ مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى عَلى ما يَلِيقُ بِجَلالِ ذاتِهِ آمَنَ بِكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، وشَرائِعِهِ، ومَن عَلِمَ أنَّهُ إلَيْهِ المَصِيرُ اسْتَعَدَّ لِذَلِكَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِدَعْوى حِيازَةِ الإيمانِ بِطَرَفَيْهِ المَبْدَإ والمَعادِ، وما طَرِيقُهُ العَقْلُ والسَّمْعُ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإيمانَ بِالنُّبُوَّةِ، أوْ أنَّ تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم يُبْطِنُونَ الكُفْرَ فِيما لَيْسُوا فِيهِ مُنافِقِينَ في الجُمْلَةِ، لِأنَّ القَوْمَ في المَشْهُورِ كانُوا يَهُودًا، وهم مُخْلِصُونَ في أصْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ عَلى ظَنِّهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ كانُوا يُنافِقُونَ في كَيْفِيَّةِ الإيمانِ بِهِما، ويَرَوْنَ المُؤْمِنِينَ أنَّ إيمانَهم بِهِما مِثْلُ إيمانِهِمْ فَكَيْفَ فِيما يَقْصِدُونَ بِهِ النِّفاقَ المَحْضَ ولَيْسُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ أصْلًا، كَنُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والقُرْآنِ، أوْ أنَّهم قَصَدُوا بِتَخْصِيصِ الإيمانِ بِهِما التَّعَرُّضَ بِعَدَمِ الإيمانِ بِخاتَمِ الرُّسُلِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما بَلَّغَهُ، فَفي ذَلِكَ بَيانٌ لِمَزِيدِ خُبْثِهِمْ، وهَذا لَوْ قُصِدَ حَقِيقَتُهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ إيمانًا، لِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإقْرارِ بِما جاءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَكَيْفَ وهو مُخادَعَةٌ وتَلْبِيسٌ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ غَرَضُهُمُ المُبالَغَةَ في خُلُوصِ إسْلامِهِمْ بِأنَّهم تَرَكُوا عَقائِدَهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في المَبْدَإ والمَعادِ، واعْتَرَفُوا أنَّهم كانُوا في ضَلالٍ، خَصُّوا إيمانَهم بِذَلِكَ، لِأنَّهم كانُوا قائِلِينَ بِسائِرِ الأُصُولِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَلَيْسَ في الإيمانِ بِها اعْتِرافٌ بِذَلِكَ وأيْضًا، تَرْكُ الرّاسِخِ في القَلْبِ مِمّا عَلَيْهِ الإباءُ بِتَرْكِ الإيمانِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُسَلَّماتِ، فَكَأنَّهم لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مِمّا لا شُبْهَةَ في أنَّهم مُعْتَقِدُونَ لَهُ بَعْدَ اعْتِقادِهِمْ ما هو أشَدُّ مِنهُ عَلَيْهِمْ، وحَمْلُ: ﴿ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ عَلى القَسَمِ مِنهم عَلى الإيمانِ سَمِجٌ بِاللَّهِ، وأسْمَجُ مِنهُ بِمَراتِبِ حَمْلِهِ عَلى القَسَمِ مِنهُ تَعالى عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ بِتَقْدِيرِ، ما آمَنُوا وما هم بِمُؤْمِنِينَ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الباءُ صِلَةَ الإيمانِ، وكُرِّرَتْ مُبالَغَةً في الخَدِيعَةِ والتَّلْبِيسِ بِإظْهارِ أنَّ إيمانَهم تَفْصِيلِيٌّ مُؤَكَّدٌ قَوِيٌّ، واليَوْمُ الآخِرُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الوَقْتُ الدّائِمُ مِنَ الحَشْرِ بِحَيْثُ لا يَتَناهى، أوْ ما عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ إلى اسْتِقْرارِ كُلٍّ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فِيما أُعِدَّ لَهُ، وسُمِّيَ آخِرًا، لِأنَّهُ آخِرُ الأوْقاتِ المَحْدُودَةِ، والأشْبَهُ هو الأوَّلُ لِأنَّ إطْلاقَ اليَوْمِ شائِعٌ عَلَيْهِ في القُرْآنِ سَواءٌ كانَ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، ولِأنَّ الإيمانَ بِهِ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِالثّانِي، لِدُخُولِهِ فِيهِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ، نَعَمِ المُناسِبُ لِلَّفْظِ اليَوْمُ لُغَةً، هو الثّانِي، لِمَحْدُودِيَّتِهِ، وهو عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُغايِرٌ لِما عِنْدَ النّاسِ لِأنَّ اليَوْمَ عُرْفًا مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، وشَرْعًا عَلى الصَّحِيحِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الصّادِقِ إلى الغُرُوبِ، واصْطِلاحًا مِن نِصْفِ النَّهارِ إلى نِصْفِ النَّهارِ، والأمْرُ وراءَ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ حَيْثُ قَدَّمَ الفاعِلَ وأُولى حَرْفِ النَّفْيِ رَدٌّ لِدَعْوى أُولَئِكَ المُنافِقِينَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، لِأنَّ انْخِراطَهم في سِلْكِ المُؤْمِنِينَ مِن لَوازِمِ ثُبُوتِ الإيمانِ الحَقِيقِيِّ لَهُمْ، وانْتِفاءُ اللّازِمِ أعْدَلُ شاهِدٍ عَلى انْتِفاءِ المَلْزُومِ، وقَدْ بُولِغَ في نَفْيِ اللّازِمِ بِالدِّلالَةِ عَلى دَوامِهِ المُسْتَلْزِمِ لِانْتِفاءِ حُدُوثِ المَلْزُومِ مُطْلَقًا، وأكَّدَ ذَلِكَ النَّفْيُ بِالباءِ أيْضًا، وهَذا سَبَبُ العُدُولِ عَنِ الرَّدِّ بِما آمَنُوا المُطابِقِ لِصَدْرِ الكَلامِ، وبَعْضُهم يُجْرِي الكَلامَ عَلى التَّخْصِيصِ، وأنَّ الكُفّارَ لَمّا رَأوْا أنْفُسَهم أنَّهم مِثْلُ المُؤْمِنِينَ في الإيمانِ الحَقِيقِيِّ وادَّعَوْا مُوافَقَتَهُمْ، قِيلَ في جَوابِهِمْ: ﴿ وما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ عَلى قَصْرِ الإفْرادِ، والذَّوْقُ يُبْعِدُهُ، وإطْلاقُ الوَصْفِ لِلْإشارَةِ إلى العُمُومِ، وأنَّهم لَيْسُوا مِنَ الإيمانِ في شَيْءٍ، وقَدْ يُقَيَّدُ بِما قُيِّدَ بِهِ سابِقُهُ لِأنَّهُ واقِعٌ في جَوابِهِ، إلّا أنَّ نَفْيَ المُطْلَقِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ المُقَيَّدِ فَهو أبْلَغُ وأوْكَدُ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ بِقَلْبِهِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا، وأمّا عَلى أنَّ مَن أقَرَّ بِلِسانِهِ، ولَيْسَ في قَلْبِهِ ما يُوافِقُهُ أوْ يُنافِيهِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، فَلا لِوُجُودِ المُنافِي في المُنافِقِ هُنا، لِأنَّهُ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قَلْبِهِ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَذَّبَهُ، ولَيْسَ إلّا لِعَدَمِ مُطابَقَةِ التَّصْدِيقِ القَلْبِيِّ لِلِّسانِيِّ، كَذا قِيلَ، ودَقَّقَ بَعْضُهم مُدَّعِيًا أنَّ مَن يَجْعَلُ الإيمانَ الإقْرارَ اللِّسانِيَّ سَواءً يَشْتَرِطُ الخُلُوَّ عَنِ الإنْكارِ والتَّكْذِيبِ أمْ لا يَشْتَرِطُ أنْ يَكُونَ الإقْرارَ بِالشَّهادَتَيْنِ، ولا يَكْفِي عِنْدَهُ نَحْوَ: آمَنتُ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، لِأنَّ المَدارَ عَلى النُّطْقِ بِهِما كَما ورَدَ في الصَّحِيحِ حَتّى اشْتَرَطَ بَعْضُهم لَفْظَ أشْهَدُ، والِاسْمَ الخاصَّ بِهِ تَعالى، واسْمَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلَيْسَ في الآيَةِ حِينَئِذٍ دَلِيلٌ عَلى إبْطالِ مَذْهَبِ الكَرامِيَّةِ بِوَجْهٍ، فَلْيُتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ: (من) للتبعيض، فإنه أراد به بعض الناس ولم يرد به جميع الناس، فكأنه قال: بعض الناس يقولون: آمنا بالله.

وقد قيل: معناه: ومن الناس ناس يقولون: آمنا بالله، يعني صدقنا بالله وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وبالبعث.

بعد الموت وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يعني ليسوا بمصدقين، بل هم منافقون منهم: عبد الله بن أبي ابن سلول الخزرجي، ومعتب بن قشير، وجد بن قيس، ومن تابعهم من المنافقين.

وفي هذه الآية دليل على أن القول بغير تصديق القلب لا يكون إيماناً، لأن المنافقين كانوا يقولون بألسنتهم، ولم يكن لهم تصديق القلب، فنفى الله الإيمان عنهم فقال: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

به، حلالا كان أو حراما، ويُنْفِقُونَ: معناه هنا: يؤْتُونَ ما ألزمهُمُ الشرعُ من زكاةٍ، وما ندبهم إِلَيْهِ من غير ذلك.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: اختلف المتأوِّلون من المراد بهذه الآية والتي قبلها، فقال قوم: الآيتان جميعاً في جميع المؤمنينَ، وقال آخرون: هما في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتاب، وقال آخرون: الآية الأولى في مُؤْمِنِي العربِ، والثانيةُ في مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام «١» وفيه نزلت.

وقوله: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ: يعني القرآن، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يعني: الكتب السالفة، ويُوقِنُونَ معناه: يعلَمُونَ عِلْماً متمكِّناً في نفوسهم، واليقين أعلى درجات العلم.

وقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ إِشارة إِلى المذكورين، والهدى هنا:

الإِرشاد، والفلاحُ: الظَّفَر بالبغية، وإدراك الأمل.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ...

إلى عَظِيمٌ: اختلف فيمن نزلَتْ هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامَّة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها، فقال قوم: هي فيمن سبق في علْمِ اللَّه، أنه لا يؤمِنُ، وقال ابن عَبَّاسٍ: نزَلَتْ في حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ، وأَبِي ياسِرِ بنِ أَخْطَبَ، وكعب بن الأَشْرَفِ «١» ، ونظرائهم «٢» .

والقولُ الأول هو المعتمد عليه.

وقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ معناه: معتدلٌ عندهم، والإِنذار: إعلام بتخويف، هذا حدُّه، وقوله تعالى: خَتَمَ: مأخوذ من الخَتْم، وهو الطبعُ، والخاتَمُ: الطابَعُ قال في مختصر الطبريِّ: والصحيح أن هذا الطبع حقيقة «٣»

لا أنه مجاز «١» فقد جاء عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم: «إنَّ العَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً، نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ، وَنَزَعَ واستغفر، صُقِلَ «٢» قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ، زَادَتْ حتى تَغَلَّقَ قلبه، فذلك

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها في المُنافِقِينَ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ.

رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانُوا يَتَخَوَّفُونَ مِن هَذِهِ الآَيَةِ.

وقالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآَيَةُ نَعْتُ المُنافِقِ، يَعْرِفُ بِلِسانِهِ، ويُنْكِرُ بِقَلْبِهِ، [وَ ]يُصَدِّقُ بِلِسانِهِ، ويُخالِفُ بِعَمَلِهِ ويُصْبِحُ عَلى حالَةٍ، ويُمْسِي عَلى غَيْرِها، ويَتَكَفَّأُ تَكْفُّأ السَّفِينَةِ، كُلَّما هَبَّتْ رِيحٌ هَبَّ مَعَها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ مَعْنى الكُفْرِ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: كَفْرٌ إذا غَطّى وسَتَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ......................................

في لَيْلَةِ كَفْرِ النُجُومِ غَمامُها أيْ: سَتْرُها، ومِنهُ سُمِّيَ اللَيْلُ كافِرًا لِأنَّهُ يُغَطِّي كُلَّ شَيْءٍ بِسَوادِهِ، قالَ الشاعِرُ: فَتَذْكُرُ ثِقْلًا رَثِيدًا بَعْدَ ما ∗∗∗ ألْقَتْ ذَكاءَ يَمِينِها في كافِرٍ ومِنهُ قِيلَ لِلزُّرّاعِ: كُفّارٌ، لِأنَّهم يُغَطُّونَ الحَبَّ.

فـَ "كَفَرَ" في الدِينِ مَعْناهُ: غَطّى قَلْبَهُ بِالرَيْنِ عَنِ الإيمانِ، أو غَطّى الحَقَّ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ.

واخْتَلَفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى أنَّها غَيْرُ عامَّةٍ، لِوُجُودِ الكُفّارِ قَدْ أسْلَمُوا بَعْدَها، فَقالَ قَوْمٌ: هي فِيمَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَعْلَمَ أنَّ في الناسِ مَن هَذِهِ حالُهُ دُونَ أنْ يُعِينَ أحَدٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وأبِي ياسِرِ بْنِ أخْطَبَ، وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ونُظَرائِهِمْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: نَزَلَتْ في قادَةِ الأحْزابِ وهم أهْلُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَكَذا حُكِيَ هَذا القَوْلُ، وهو خَطَأٌ، لِأنَّ قادَةَ الأحْزابِ قَدْ أسْلَمَ كَثِيرٌ مِنهُمْ، وإنَّما تَرْتِيبُ الآيَةِ في أصْحابِ القَلِيبِ، والقَوْلُ الأوَّلُ مِمّا حَكَيْناهُ هو المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وكُلُّ مَن عَيَّنَ أحَدًا فَإنَّما مُثِّلَ بِمَن كَشَفَ الغَيْبُ -بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ- أنَّهُ في ضِمْنِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ومَعْناهُ: مُعْتَدِلٌ عِنْدَهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَيْلٌ يَقُولُ الناسُ مِن ظُلُماتِهِ ∗∗∗ سَواءٌ صُحَيْحاتُ العُيُونِ وعَوَرُها قالَ أبُو عَلِيٍّ: في اللَفْظَةِ أرْبَعُ لُغاتٍ: سِوى "بِكَسْرِ السِينِ"، وسَواءِ "بِفَتْحِها والمَدِّ"، وهاتانِ لُغَتانِ مَعْرُوفَتانِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ السِينَ ويَمُدُّ، ومِنهم مَن يَضُمُّ أوَّلَهُ ويَقْصُرُهُ، وهاتانِ اللُغَتانِ أقَلُّ مِن تِينِكَ، ويُقالُ: سِيِّي بِمَعْنى سَواءٌ كَما قالُوا: قِي، وقِواءٍ".

و"سَواءٌ" رُفِعَ عَلى خَبَرِ إنَّ، أو رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ فِيما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ "لا يُؤْمِنُونَ".

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: "آنْذَرْتَهُمْ" بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ، وكَذَلِكَ ما أشْبَهَ ذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ كانَتْ قِراءَةُ الكِسائِيُّ إذا خَفَّفَ، غَيْرَ أنَّ مَدَّ أبِي عَمْرٍو أطْوَلُ مِن مَدِّ ابْنِ كَثِيرٍ لِأنَّهُ يُدْخِلُ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ ألِفًا، وابْنُ كَثِيرٍ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، ورَوى قالُونُ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عن نافِعٍ إدْخالَ الألْفِ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ مَعَ تَخْفِيفِ الثانِيَةِ، ورَوى عنهُ ورْشٌ تَخْفِيفَ الثانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ دُونَ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، فَأمّا عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ -إذا حَقَّقَ- وابْنُ عامِرٍ، فَبِالهَمْزَتَيْنِ "أأنْذَرْتَهُمْ"، وما كانَ مِثْلُهُ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "أنْذَرَتْهُمْ" بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الأُولى، وتَدُلُّ "أمْ" عَلى الألِفِ المَحْذُوفَةِ.

وكَثُرَ مَكِّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ جائِزاتٍ لَمْ يَقْرَأْ بِها، وحِكايَةُ مِثْلِ ذَلِكَ في كُتُبِ التَفْسِيرِ عَناءٌ.

والإنْذارُ إعْلامٌ بِتَخْوِيفٍ، هَذا حَدُّهُ، وأنْذَرَتْ فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ  ﴾ وقالَ: ﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا  ﴾ وأحَدُ المَفْعُولَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ الخَبَرُ، وإنَّما جَرى عَلَيْهِ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ فِيهِ التَسْوِيَةَ الَّتِي هي في الِاسْتِفْهامِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ مُخْبِرًا: سَواءٌ عَلَيَّ أقْعَدْتَ أمْ ذَهَبْتَ، وإذا قُلْتَ مُسْتَفْهِمًا: أخَرَجَ زَيْدٌ أمْ قامَ؟

فَقَدِ اسْتَوى الأمْرانِ عِنْدَكَ، هَذانَ في الخَبَرِ، وهَذانَ في الِاسْتِفْهامِ، وعَدَمُ عِلْمِ أحَدِهِما بِعَيْنِهِ، فَلَمّا عَمَّتْهُما التَسْوِيَةُ جَرى عَلى هَذا الخَبَرِ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ لِمُشارَكَتِهِ إيّاهُ في الإبْهامِ، وكُلُّ اسْتِفْهامٍ تَسْوِيَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ كُلُّ تَسْوِيَةٍ اسْتِفْهامًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَتَمَ اللهُ ﴾ مَأْخُوذٌ مِنَ الخَتْمِ وهو الطَبْعُ، والخاتَمُ الطابَعُ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ، وأنَّ القَلْبَ عَلى هَيْئَةِ الكَفِّ يَنْقَبِضُ مَعَ زِيادَةِ الضَلالِ والإعْراضِ إصْبَعًا إصْبَعًا، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ عَلى المَجازِ، وأنَّ ما اخْتَرَعَ اللهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والضَلالِ والإعْراضِ عَنِ الإيمانِ سَمّاهُ خَتْمًا.

وقالَ آخَرُونَ مِمَّنْ حَمَلَهُ عَلى المَجازِ: الخَتْمُ هُنا أُسْنِدَ إلى اللهِ تَعالى لَمّا كَفَرَ الكافِرُونَ بِهِ، وأعْرَضُوا عن عِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، كَما يُقالُ: أهْلَكَ المالُ فُلانًا، وإنَّما أهْلَكَهُ سُوءُ تَصَرُّفِهِ فِيهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "وَعَلى سَمْعِهِمْ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَعَلى أسْماعِهِمْ"، وهو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَصْدَرٌ يَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وأيْضًا فَلَمّا أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ جَماعَةٍ دَلَّ المُضافُ إلَيْهِ عَلى المُرادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى مَواضِعِ سَمْعِهِمْ فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.

و"الغِشاوَةُ": الغِطاءُ المَغْشِيُّ الساتِرُ.

ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: هَلّا سَألْتَ بَنِي ذُبْيانَ ما حَسْبِي ∗∗∗ إذا الدُخانُ تَغَشّى الأشْمَطَ البَرِما وقالَ الآخَرُ: تَبِعْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَعْتُ نَفَسِي ألُومُها ورَفْعُ "غِشاوَةٌ" عَلى الِابْتِداءِ، وما قَبْلُهُ خَبَرُهُ.

وقَرَأ عاصِمٌ فِيما رَوى المُفَضَّلُ الضَبِّيُّ عنهُ "غِشاوَةً" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً، والخَتْمُ -عَلى هَذا التَقْدِيرِ- في القُلُوبِ والأسْماعِ، والغِشاوَةِ عَلى الأبْصارِ، والوَقْفِ عَلى قَوْلِهِ: "وَعَلى سَمْعِهِمْ"، وقَرَأ الباقُونَ "غِشاوَةٌ" بِالرَفْعِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقِراءَةُ الرَفْعِ أولى؛ لِأنَّ النَصْبَ: إمّا أنْ تَحْمِلَهُ عَلى خَتْمِ الظاهِرِ فَيَعْتَرِضُ في ذَلِكَ أنَّكَ حُلْتَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِهِ، وهَذا عِنْدَنا إنَّما يَجُوزُ في الشِعْرِ، وإمّا أنَّ تَحْمِلَهُ عَلى فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَتْمٌ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ، فَيَجِيءُ الكَلامُ مِن بابِ: ......................................

∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وقَوْلُ الآخَرِ: ......................................

∗∗∗ عَلَفَتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ولا تَكادُ تَجِدُ هَذا الِاسْتِعْمالَ في حالِ سِعَةٍ واخْتِيارٍ، فَقِراءَةُ الرَفْعِ أحْسَنُ، وتَكُونُ الواوُ عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، قالَ: ولَمْ أسْمَعْ مِنَ الغِشاوَةِ فِعْلًا مُصَرَّفًا بِالواوِ، فَإذا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وكانَ مَعْناها مَعْنى ما اللامُ مِنهُ الياءُ مِن غَشِيَ يُغْشى بِدَلالَةِ قَوْلِهِمُ: الغَشَيانُ، فالغِشاوَةُ مِن غَشِيَ كالجَباوَةُ مِن جَبَيْتُ في أنَّ الواوَ كَأنَّها بَدَلٌ مِنَ الياءِ إذْ لَمْ يُصْرُفْ مِنهُ فِعْلٌ كَما لَمْ يُصْرَفْ مِنَ الجِباوَةِ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الغِشاوَةُ عَلى الأسْماعِ والأبْصارِ -والوَقْفُ في قَوْلِهِ: "عَلى قُلُوبِهِمْ"، وقالَ آخَرُونَ: الخَتْمُ في الجَمِيعِ، والغِشاوَةُ هي الخاتَمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ ذَكَرْنا اعْتِراضَ أبِي عَلِيٍّ هَذا القَوْلَ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "غَشْوَةَ" بِفَتْحِ الغَيْنِ والرَفْعِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقالَ الثَوْرِيُّ: كانَ أصْحابُ عَبْدِ اللهِ يَقْرَؤُونَها "غَشْيَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ والياءِ والرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "غُشاوَةً" بِضَمِّ الغَيْنِ، وقُرِئَتْ "غَشاوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وأصْوَبُ هَذِهِ القِراءاتِ المَقْرُوءِ بِها ما عَلَيْهِ السَبْعَةُ مِن كَسْرِ الغَيْنِ عَلى وزْنِ "عِمامَةٍ"، والأشْياءُ الَّتِي هي أبَدًا مُشْتَمِلَةٌ هَكَذا يَجِيءُ وَزْنُها كالضِمامَةِ والعِمامَةِ والكِتابَةِ والعِصابَةِ والرَبابَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ مَعْناهُ: بِمُخالَفَتِكَ يا مُحَمَّدُ، وكَفْرُهم بِاللهِ، اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ، و"عَظِيمٌ" مَعْناهُ بِالإضافَةِ إلى عَذابٍ دُونَهُ يَتَخَلَّلُهُ فُتُورٌ، وبِهَذا التَخَلُّلِ المُتَصَوِّرِ يَصِحُّ أنْ يَتَفاضَلَ العَرْضانِ كَسِوادَيْنِ: أحَدُهُما أشْبَعُ مِنَ الآخَرِ إذْ قَدْ تَخَلَّلَ الآخَرُ ما لَيْسَ بِسَوادٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا فريق آخر وهو فريق له ظاهر الإيمان وباطنه الكفر وهو لا يعدُو أن يكون مبطناً الشرك أو مبطناً التمسك باليهودية ويجمعه كله إظهار الإيمان كذباً، فالواو لِعطف طائفة من الجمل على طائفة مسوققٍ كل منهما لغرض جمعتهما في الذكر المناسبة بين الغرضين فلا يتطلب في مثله إلا المناسبة بين الغرضين لا المناسبةُ بين كل جملة وأخرى من كلا الغرضين على ما حققه التفتزاني في ﴿ شرح الكشاف ﴾ ، وقال السيد إنه أصل عظيم في باب العطف لم ينتبه له كثيرون فأشكل عليهم الأمر في مواضع شتى وأصله مأخوذ من قول «الكشاف»: «وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة ﴿ الذين كفروا ﴾ [البقرة: 6] كما تُعطف الجملة على الجملة» فأفاد بالتشبيه أن ذلك ليس من عطف الجملة على الجملة.

قال المحقق عبد الحكيم: وهذا ما أهمله السكاكي أي في أحوال الفصل والوصل وتفرد به صاحب «الكشاف».

واعلم أن الآيات السابقة لما انتقل فيها من الثناء على القرآن بذكر المهتدين به بنوعيْهم الذين يؤمنون بالغيب والذين يؤمنون بما أنزل إليك إلى آخر ما تقدم، وانتقل من الثناء عليهم إلى ذكر أضدادهم وهم الكافرون الذين أريد بهم الكافرون صراحةً وهم المشركون، كان السامع قد ظن أن الذين أظهروا الإيمان داخلون في قوله ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ [البقرة: 3] فلم يكن السامع سائلاً عن قسم آخر وهم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الشرك أو غيرَه وهم المنافقون الذين هم المراد هنا بدليل قوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ﴾ [البقرة: 14] الخ، لأنه لغرابته وندرة وصفه بحيث لا يخطر بالبال وجوده ناسب أن يذكر أمره للسامعين، ولذلك جاء بهذه الجملة معطوفة بالواو إذ ليست الجملة المتقدمة مقتضية لها ولا مثيرة لمدلولها في نفوس السامعين، بخلاف جملة: ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم ﴾ [البقرة: 6] تُرك عطفها على التي قبلها لأن ذكر مضمونها بعد المؤمنين كان مترقباً للسامع، فكان السامع كالسائل عنه فجاء الفصل للاستئناف البياني.

وقوله: ﴿ ومن الناس ﴾ خبر مقدم لا محالة وقد يتراءى أن الإخبار بمثله قليل الجدوى لأنه إذا كان المبتدأ دالاً على ذات مثله، أو معنى لا يكون إلا في الناس كانَ الإخبار عن المبتدأ بأنه من الناس أو في الناس غير مجد بخلاف قولك الخَضِر من الناس، أي لا من الملائكة فإن الفائدة ظاهرة، فوجه الإخبار بقولهم من الناس في نحو الآية ونحو قول بعض أعزة الأصحاب في تهنئة لي بخطة القضاء: في الناس من ألقَى قِلادتها إلى *** خَلففٍ فحرَّم ما ابْتَغَى وأباحا إن القصد إخفاء مدلول الخبر عنه كما تقول قال هذا إنسانٌ وذلك عندما يكون الحديث يكسب ذماً أو نقصاناً، ومنه قول النبيء صلى الله عليه وسلم «ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله» وقد كثر تقديم الخبر في مثل هذا التركيب لأن في تقديمه تنبيهاً للسامع على عجيب ما سيذكر، وتشويقاً لمعرفة ما يتم به الإخبار ولو أُخر لكان موقعه زائداً لحصول العلم بأن ما ذكره المتكلم لا يقع إلا من إنسان كقول موسى بننِ جابر الحنفي: ومن الرجال أسنة مذروبة *** ومزنَّدون وشاهد كالغائب وقد قيل إن موقع ﴿ من الناس ﴾ مؤذن بالتعجب وإن أصل الخبر إفادة أن فاعل هذا الفعل من الناس لئلا يظنه المخاطَب من غير الناس لشناعة الفعل، وهذا بعيد عن القصد لأنه لو كان كما قال لم يكن للتقديم فائدة بل كان تأخيره أولى حتى يتقرر الأمر الذي يوهم أن المبتدأ ليس ﴿ من الناس ﴾ ، هذا توجيه هذا الاستعمال وذلك حيث لا يكون لظاهر الإخبار بكون المتحدث عنه من أفراد الناس كبير فائدة فإن كان القصد إفادة ذلك حيث يجهله المخاطب كقولك من الرجال من يَلْبَس برقعاً تريد الإخبار عن القوم المُدْعَوْن بالمُلَثَّمِين (من لَمْتُونة)، أو حيث ينزَّل المخاطَب منزلة الجاهل كقول عبد الله بن الزَّبِير (بفتح الزاي وكسر الباء): وفي الناس إنْ رثَّت حبالُك وَاصل *** وفي الأَرض عن دار القِلَى مُتَحَوَّل إذا كان حال المخاطبين حالَ من يظن أن المتكلم لا يجد من يصله إن قطعه هو، فذِكر ﴿ من الناس ﴾ ونحوه في مثل هذا وارد على أصل الإخبار، وتقديم الخبر هنا للتشويق إلى استعلام المبتدأ وليس فيه إفادة تخصيص.

وإذا علمت أن قوله ﴿ من الناس ﴾ مؤذن بأن المتحدث عنهم ستساق في شأنهم قصة مذمومة وحالة شنيعة إذ لا يُستر ذكرهم إلا لأن حالهم من الشناعة بحيث يستحي المتكلم أن يصرح بموصوفها وفي ذلك من تحقير شأن النفاق ومذمته أمر كبير، فوردت في شأنهم ثلاثَ عشرة آيةً نُعِيَ عليهم فيها خُبثهم ومكرهم، وسوء عواقبهم، وسفه أحلامهم، وجهالتهم، وأردف ذلك كله بشتم واستهزاء وتمثيل حالهم في أشنع الصور وهم أحرياء بذلك فإن الخطة التي تدربوا فيها تجمع مذام كثيرة إذِ النفاق يجمع الكذب، والجبن، والمكيدة، وأفنَ الرأي، والبلَه، وسوءَ السلوك، والطمَع، وإضاعَة العمر، وزوالَ الثقة، وعداوةَ الأصحاب، واضمحلالَ الفضيلة.

أما الكذب فظاهر، وأما الجبن فلأنه لولاه لما دعاه داع إلى مخالفة ما يبطن، وأما المكيدة فإنه يحمل على اتقاء الاطلاع عليه بكل ما يمكن، وأما أَفَن الرأي فلأن ذلك دليل على ضعف في العقل إذ لا داعي إلى ذلك، وأما البلَه فللجهل بأن ذلك لا يطول الاغترار به، وأما سوء السلوك فلأنَّ طَبْع النفاق إخفاء الصفات المذمومة، والصفات المذمومة، إذا لم تظهر لا يمكن للمربي ولا للصديق ولا لعموم الناس تغييرها على صاحبها فتبقى كما هي وتزيد تمكناً بطول الزمان حتى تصير ملكة يتعذر زوالها، وأما الطمع فلأن غالب أحوال النفاق يكون للرغبة في حصول النفع، وأما إضاعة العمر فلأن العقل ينصرف إلى ترويج أحوال النفاق وما يلزم إجراؤه مع الناس ونصْببِ الحيل لإخفاء ذلك وفي ذلك ما يصرف الذهن عن الشغل بما يجدي، وأما زوال الثقة فلأن الناس إن اطلعوا عليه ساء ظنهم فلا يثقون بشيء يقع منه ولو حَقاً، وأما عداوة الأصحاب فكذلك لأنه إذا عَلِم أن ذلك خلُق لصاحبه خَشِيَ غدره فحذره فأدى ذلك إلى عداوته، وأما اضمحلال الفضيلة فنتيجة ذلك كله.

وقد أشار قوله تعالى: ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ إلى الكذب، وقولُه: ﴿ يخادعون ﴾ [البقرة: 9] إلى المكيدة والجبن، وقوله: ﴿ ما يخادعون إلا أنفسهم ﴾ [البقرة: 9] إلى أفن الرأي، وقوله: ﴿ وما يشعرون ﴾ [البقرة: 9] إلى البلَه، وقوله: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ [البقرة: 10] إلى سوء السلوك، وقوله: ﴿ فزادهم الله مرضاً ﴾ [البقرة: 10] إلى دوام ذلك وتزايدِه مع الزمان، وقولُه: ﴿ قالوا إنما نحن مصلحون ﴾ [البقرة: 11] إلى إضاعة العمر في غير المقصود، وقولُه: ﴿ قالوا إنا معكم ﴾ [البقرة: 14] مؤكَّداً بإنَّ إلى قلة ثقة أصحابهم فيهم، وقولُه: ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ [البقرة: 16] إلى أن أمرهم لم يحظ بالقبول عند أصحابهم، وقوله: ﴿ صم بكم عمي فهم لا يعقلون ﴾ [البقرة: 18] إلى اضمحلال الفضيلة منهم وسيجيء تفصيل لهذا، وجمع عند قوله تعالى: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ .

والناس اسم جمع إنْسِيّ بكسر الهمزة وياء النسب فهو عوض عن أَنَاسِيَ الذي هو الجمع القياسي لإنْس وقد عوضوا عن أناسي أُناس بضم الهمزة وطرح ياء النسب، دَلّ على هذا التعويض ظهور ذلك في قول عَبيد بن الأبرص الأسدي يخاطب امرأ القيس: إنَّ المنايا يطَّلِعْ *** نَ على الأُناس الآمِنِينا ثم حذفوا همزته تخفيفاً، وحذفُ الهمزة للتخفيف شائع كما قالوا لُوقَة في أَلُوقَة وهي الزُّبدة، وقد التزم حذف همزة أناس عند دخول أل عليه غالباً بخلاف المجرد من أل فذكر الهمزة وحذفُها شائع فيه وقد قيل إن نَاس جمع وإنه من جموع جاءت على وزن فُعال بضم الفاء مثل ظُؤار جمع ظِئْر، ورُخال جمع رَخِل وهي الأنثى الصغيرة من الضأن ووزن فُعال قليل في الجموع في كلام العرب وقد اهتم أئمة اللغة بجمع ما ورد منه فذكرها ابن خالويه في «كتاب (لَيْس)» وابنُ السكيت وابن بري.

وقد عد المتقدمون منها ثمانية جُمعت في ثلاثة أبيات تُنسب للزمخشري والصحيح أنها لصدر الأفاضل تلميذه ثم ألْحَقَ كثير من اللغويين بتلك الثماننِ كلماتتٍ أخر حتى أُنِهيتَ إلى أربع وعشرين جمعاً ذكرها الشهاب الخفاجي في «شرح درة الغواص» وذكر معظَمَها في «حاشيته على تفسير البيضاوي» وهي فائدة من علم اللغة فارجعوا إليها إن شئتم.

وقيل إن ما جاء بهذا الوزن أسماء جموع، وكلام «الكشاف» يؤذن به ومفرد هذا الجمع إنسي أو إنس أو إنسان وكله مشتق من أَنِسَ ضد توحش لأن الإنسان يألف ويأْنَس.

والتعريف في الناس للجنس لأن ما علمت من استعماله في كلامهم يؤيد إرادة الجنس ويجوز أن يكون التعريف للعهد والمعهود هم الناس المتقدم ذكرهم في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ [البقرة: 6] أو الناس الذين يعهدهم النبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمون في هذا الشأن، و(مَنْ) موصولة والمراد بها فريق وجماعة بقرينة قوله ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ وما بعده من صيغ الجمع.

والمذكور بقوله: ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ الخ قسم ثالث مقابل للقسمين المتقدمين للتمايز بين الجميع بأَشْهر الصفات وإن كان بين البعض أو الجميع صفات متفقة في الجملة فلا يشتبه وجه جعل المنافقين قسيماً للكافرين مع أنهم منهم لأن المراد بالتقسيم الصفات المخصصة.

وإنما اقتصر القرآن من أقوالهم على قولهم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ مع أنهم أظهروا الإيمان بالنبيء صلى الله عليه وسلم إيجازاً لأن الأول هو مبدأ الاعتقادات كلها لأن من لم يؤمن برب واحد لا يصل إلى الإيمان بالرسول إذ الإيمان بالله هو الأصل وبه يصلح الاعتقاد وهو أصل العمل، والثاني هو الوازع والباعث في الأعمال كلها وفيه صلاح الحال العملي أوهم الذين اقتصروا في قولهم على هذا القول لأنهم لغلوهم في الكفر لا يستطيعون أن يذكروا الإيمان بالنبيء صلى الله عليه وسلم استثقالاً لهذا الاعتراف فيقتصرون على ذكر الله واليوم الآخر إيهاماً للاكتفاء ظاهراً ومحافظة على كفرهم باطناً لأن أكثرهم وقادتهم من اليهود.

وفي التعبير بيقول في مثل هذا المقام إيماء إلى أن ذلك قول غير مطابق للواقع لأن الخبر المحكي عن الغير إذا لم يتعلق الغرض بذكر نصه وحكى بلفظ يقول أوْمأ ذلك إلى أنه غير مطابق لاعتقاده أو أن المتكلم يكذبه في ذلك، ففيه تمهيد لقوله: ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ وجملة وما هم بمؤمنين في موضع الحال من ضمير ﴿ يقول ﴾ أي يقول هذا القول في حال أنهم غير مؤمنين.

والآية أشارت إلى طائفة من الكفار وهم المنافقون الذين كان بعضهم من أهل يثرب وبعضهم من اليهود الذين أظهروا الإسلام وبقيتهم من الأعراب المجاورين لهم، ورد في حديث كعب بن مالك أن المنافقين الذين تخلفوا في غزوة تبوك بضعة وثمانون، وقد عرف من أسمائهم عبد الله بن أبي بن سلول وهو رأس المنافقين، والجد بن قيس، ومعتب بن قشير، والجلاس بن سويد الذي نزل فيه: ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ﴾ [التوبة: 74]، وعبد الله بن سبأ اليهودي ولَبيد بن الأَعْصَم من بني زُريق حليف اليهود كما في باب السحر من كتاب الطب من «صحيح البخاري»، والأخْنَس أُبَىُّ بنُ شَرِيق الثقفي كان يظهر الود والإيمان وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يعجبك ﴾ [البقرة: 204]، وزَيد بن اللُّصَيْت القَيْنُقَاعي ووديعة بن ثابت من بني عَمرو بن عَوف، ومُخَشِّن بن حُمَيِّر الأشجعي اللذين كانا يثبطان المسلمين من غزوة تبوك، وقد قيل إن زيد بن اللُّصَيْت تابَ وحسن حاله، وقيل لا، وأما مُخَشِّن فتاب وعفا الله عنه وقُتل شهيداً يوم اليمامة.

وفي كتاب «المرتبة الرابَعة» لابن حزم قد ذكر قوم مُعتِّب بن قشير الأوسي من بني عَمرو بن عوف في المنافقين وهذا باطل لأن حضوره بدراً يبطل هذا الظن بلا شك ولكنه ظهر منه يوم أحد ما يدل على ضعف إيمانه فلَمزوه بالنفاق فإنه القائل يوم أُحد: ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا ﴾ [آل عمران: 154]، رواه عنه الزبير بن العوام قال ابن عطية كان مغموصاً بالنفاق.

ومن المنافقين أبو عَفَك أحدُ بني عَمرو بن عوف ظهر نفاقه حين قَتَل رسولُ الله الحارثَ بن سويد بن صامت وقال شعراً يعرض بالنبيء صلى الله عليه وسلم وقد أمر رسول الله بقتل أبي عَفَك فقتَله سالم بن عُمير، ومن المنافقات عَصماء بنت مروان من بني أمية بننِ زيد نافقت لما قتل أبو عَفَك وقالت شعراً تعرض بالنبي قتلها عمير بن عدي الخطمي وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ينتطح فيها عَنْزَانِ»، ومن المنافقين بشير بنُ أُبيرق كان منافقاً يهجو أصحاب رسول الله وشهد أحداً ومنهم ثعلبة بن حاطب وهو قد أسلم وعد من أهل بدر، ومنهم بشر المنافق كان من الأنصار وهو الذي خاصم يهودياً فدعا اليهوديُّ بشراً إلى حكم النبيء فامتنع بِشر وطلب المحاكمة إلى كعب بن الأشرف وهذا هو الذي قتله عُمر وقصته في قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ﴾ في سورة النساء (60).

وعن ابن عباس أن المنافقين على عهد رسول الله كانوا ثلاثمائة من الرجال ومائة وسبعين من النساء، فأما المنافقون من الأوس والخزرج فالذي سن لهم النفاق وجمعهم عليه هو عبد الله بن أُبى حسَداً وحنَقاً على الإسلام لأنه قد كان أهل يثرب بعد أن انقضت حروب بُعاث بينهم وهلك جل ساداتهم فيها قد اصطلحوا على أن يجعلوه ملكاً عليهم ويعصبوه بالعصابة.

قال سعد بن عبادة للنبيء في حديث البخاري: اعف عنه يا رسول الله واصفح فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شَرِق بذلك ا ه.

وأما اليهود فلأنهم أهل مكر بكل دين يظهر ولأنهم خافوا زوال شوكتهم الحالية من جهات الحجاز، وأما الأعراب فهم تبع لهؤلاء ولذلك جاء: ﴿ الأعرابُ أشد كفراً ونفاقاً ﴾ [الأعراف: 97] الآية، لأنهم يقلدون عن غير بصيرة وكل من جاء بعدهم على مثل صفاتهم فهو لاحق بهم فيما نعى الله عليهم وهذا معنى قول سلمان الفارسي في تفسير هذه الآية: «لم يجيء هؤلاء بعد» قال ابن عطية معنى قوله أنهم لم ينقرضوا بل يجيئون من كل زمان ا ه، يعني أن سلمان لا ينكر ثبوت هذا الوصف لطائفة في زمن النبوة ولكن لا يرى المقصد من الآية حصر المذمة فيهم بل وفي الذين يجيئون من بعدهم.

وقوله: ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ جيء في نفي قولهم بالجُملة الاسمية ولم يجيء على وزان قولهم: ﴿ آمَنَّا ﴾ بأن يقال وما آمنوا لأنهم لما أثبتوا الإيمان لأنفسهم كان الإتيان بالماضي أشمل حالاً لاقتضائه تحقق الإيمان فيما مضى بالصراحة ودوامَه بالالتزام؛ لأن الأصل ألا يتغير الاعتقاد بلا موجب كيف والدين هو هو، ولما أريد نفي الإيمان عنهم كان نفيه في الماضي لا يسلتزم عدم تحققه في الحال بلهَ الاستقبال فكان قوله: ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ دالاً على انتفائه عنهم في الحال، لأن اسم الفاعل حقيقة في زمن الحال وذلك النفي يستلزم انتفاءه في الماضي بالأُوْلى، ولأن الجملة الفعلية تدل على الاهتمام بشأن الفعل دون الفاعل فلذلك حكى بها كلامهم لأنهم لما رأوا المسلمين يتطلبون معرفة حصول إيمانهم قالوا ﴿ آمنَّا ﴾ ، والجملةُ الاسمية تدل على الاهتمام بشأن الفاعل أي إن القائلين ﴿ آمنا ﴾ لم يقع منهم إيمان فالاهتمام بهم في الفعل المنفي تسجيل لكذبهم وهذا من مواطن الفروق بين الجملتين الفعلية والاسمية وهو مُصَدَّق بقاعدة إفادة التقديم الاهتمام مطلقاً وإن أهملوا التنبيه على جريان تلك القاعدة عندما ذكروا الفروق بين الجملة الفعلية والاسمية في كتب المعاني وأشار إليه صاحب «الكشاف» هنا بكلام دقيق الدلالة.

فإن قلت: كان عبد الله بن سَعْد بن أبي سرح أسلم ثم ارتد وزعم بعد ردته أنه كان يكتب القرآن وأنه كان يُملي عليه النبيء صلى الله عليه وسلم عزيز حكيم مثلاً فيكتبها غفور رحيم مَثَلاً والعكسُ وهذا من عدم الإيمان فيكون حينئذٍ من المنافقين الذين آمنوا بعد، فالجواب أن هذا من نقل المؤرخين وهم لا يعتد بكلامهم في مثل هذا الشأن لا سيما وولاية عبد الله ابن أبي سرح الإمارة من جملة ما نقمه الثوار على عثمان وتحامُل المؤرخين فيها معلوم لأنهم تلقوها من الناقمين وأشياعهم، والأدلة الشرعية تنفي هذا لأنه لو صح للزم عليه دخول الشك في الدين ولو حاول عبد الله هذا لأَعلم الله تعالى به رسولَه لأنه لا يجوز على الرسول السهو والغفلة فيما يرجع إلى التبليغ على أنه مزيف من حيث العقل إذ لو أراد أن يكيد للدين لكان الأجدر به تحريف غير ذلك، على أن هذا كلام قاله في وقت ارتداده وقوله حينئذٍ في الدين غير مصدَّق لأنه متهم بقصد ترويج ردته عند المشركين بمكة وقد علمت من المقدمة الثامنة من هذا التفسير أن العمدة في آيات القرآن على حفظ حُفَّاظه وقراءة النبيء صلى الله عليه وسلم وإنما كان يأمر بكتابته لقصد المراجعة للمسلمين إذا احتاجوا إليه، ولم يَرْوِ أَحَدٌ أنه وقع الاحتياج إلى مراجعة ما كُتب من القرآن إلا في زمن أبي بكر، ولم ينقل أن حفاظ القرآن وجدوا خلافاً بين محفوظهم وبين الأصول المكتوبة، على أن عبد الله بن أبي سرح لم يكن منفرداً بكتابة الوحي فقد كان يكتب معه آخرون.

ونفي الإيمان عنهم مع قولهم ﴿ آمنا ﴾ دليل صريح على أن مسمى الإيمان التصديق وأن النطق بما يدل على الإيمان قد يكون كاذباً فلا يكون ذلك النطق إيماناً، والإيمان في الشرع هو الاعتقاد الجازم بثبوت ما يعلم أنه من الدين علماً ضرورياً بحيث يكون ثابتاً بدليل قطعي عند جميع أئمة الدين ويشتهر كونه من مقومات الاعتقاد الإسلامي اللازم لكل مسلم اشتهاراً بين الخاصة من علماء الدين والعامة من المسلمين بحيث لا نزاع فيه فقد نقل الإيمان في الشرع إلى تصديق خاص وقد أفصح عنه الحديث الصحيح عن عُمر أن جبريل جاء فسأل النبيء صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: " الإيمانُ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوممِ الآخر وتؤمنَ بالقدَر خيره وشره " وقد اختلفت علماء الأمة في ماهية الإيمان ما هو وتطرقوا أيضاً إلى حقيقة الإسلام ونحن نجمع متناثر المنقول منهم مع ما للمحققين من تحقيق مذاهبهم في جملة مختصرة.

وقد أرجعنا متفرق أقوالهم في ذلك إلى خمسة أقوال: القول الأول: قول جمهور المحققين من علماء الأمة قالوا إن الإيمان هو التصديق لا مسمى له غيرُ ذلك وهو مسماه اللغوي فينبغي ألا ينقل من معناه لأن الأصل عدم النقل إلا أنه أطلق على تصديق خاص بأشياء بيّنها الدين وليس استعمال اللفظ العام في بعض أفراده بنقله له عن معناه اللغوي وغلب في لسان الشرعيين على ذلك التصديق واحتجوا بعدة أدلة هي من أخبار الآحاد ولكنها كثيرة كثرةً تلحقها بالمستفيض.

من ذلك حديث جبريل المتقدم وحديث سعد أنه قال «يا رسول الله: مالك عن فلان فإني لأراه مؤمناً فقال: أوْ مسلماً»، قالوا وأما النطق والأعمال فهي من الإسلام لا من مفهوم الإيمان لأن الإسلام الاستسلام والانقياد بالجسد دون القلب ودليل التفرقة بينهما اللغة وحديث جبريل، وقوله تعالى: ﴿ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾ [الحجرات: 14] ولما رواه مسلم عن طلحة بن عبيد الله أنه جاء رجل من نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، فإذا هو يسأل عن الإسلام فبين له النبيء صلى الله عليه وسلم أن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، ونسب هذا القول إلى مالك بن أنس أخذاً من قوله في «المدونة»: «من اغتسل وقد أجمع على الإسلام بقلبه أجزأَه» قال ابن رشد لأن إسلامه بقلبه فلو مات مات مؤمناً، وهو مأخذ بعيد وستعلم أن قول مالك بخلافه.

ونسب هذا أيضاً إلى الأشعري قال إمام الحرمين في «الإرشاد» وهو المرضي عندنا، وبه قال الزهري من التابعين.

القول الثاني: إن الإيمان هو الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان بالشهادتين للإقرار بذلك الاعتقاد فيكون الإيمان منقولاً شرعاً لهذا المعنى فلا يعتد بالاعتقاد شرعاً إلا إذا انضم إليه النطق ونقل هذا عن أبي حنيفة ونسبه النووي إلى جمهور الفقهاء والمحدِّثين والمتكلمين ونسبه الفخر إلى الأشعري وبشر المريسي، ونسبه الخفاجي إلى محققي الأشاعرة واختاره ابن العربي، قال النووي وبذلك يكون الإنسان من أهل القبلة.

قلت ولا أحسب أن بين هذا والقول الأول فرقاً وإنما نظر كل قيل إلى جانب، فالأول نظر إلى جانب المفهوم والثاني نظر إلى الاعتداد ولم يعتنوا بضبط عباراتهم حتى يرتفع الخلاف بينهم وإن كان قد وقع الخلاف بينهم في أن الاقتصار على الاعتقاد هل هو منج فيما بين المرء وبين ربه أو لا بد من الإقرار؟

حكاه البيضاوي في «التفسير» ومال إلى الثاني ويؤخذ من كلامهم أنه لو ترك الإقرار لا عن مكابرة كان ناجياً مثل الأخرس والمغفل والمشتغل شغلاً اتصل بموته.

واحتجوا بإطلاق الإيمان على الإسلام والعكس في مواضع من الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ﴾ [الذاريات: 35، 36] وفي حديث وفد عبد القيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله أتدرون ما الإيمان بالله؟

شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة " الخ وهذه أخبار آحاد فالاستدلال بها في أصل من الدين إنما هو مجرد تقريب على أن معظمها لا يدل على إطلاق الإيمان على حالة ليس معها حالة إسلام.

القول الثالث: قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل ذلك أنهم لكمال حالهم ومجيئهم في فاتحة انبثاق أنوار الدين لم يكونوا يفرضون في الإيمان أحوالاً تقصر في الامتثال، ونسب ذلك إلى مالك وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي وابن جريج والنخعي والحسن وعطاء وطاووس ومجاهد وابن المبارك والبخاري ونسب لابن مسعود وحذيفة وبه قال ابن حزم من الظاهرية وتمسك به أهل الحديث لأخذهم بظاهر ألفاظ الأحاديث، وبذلك أثبتوا الزيادة والنقص في الإيمان بزيادة الأعمال ونقصها لقوله تعالى: ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ [الفتح: 4] الخ.

وجاء في الحديث: " الإيمان بضع وسبعون شعبة " فدل ذلك على قبوله للتفاضل.

وعلى ذلك حمل قوله صلى الله عليه وسلم " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " أي ليس متصفاً حينئذٍ بكمال الإيمان.

ونقل عن مالك أنه يزيد ولا ينقص فقيل إنما أمسك مالك عن القول بنقصانه خشية أن يظن به موافقة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب.

قال ابن بطال وهذا لا يخالف قول مالك بأن الإيمان هو التصديق وهو لا يزيد ولا ينقص لأن التصديق أول منازل الإيمان ويوجب للمصدق الدخول فيه ولا يوجب له استكمال منازله وإنما أراد هؤلاء الأئمة الرد على المرجئة في قولهم إن الإيمان قول بلا عمل ا ه.

ولم يتابعهم عليه المتأخرون لأنهم رأوه شرحاً للإيمان الكامل وليس فيه النزاع إنما النزاع في أصل مسمى الإيمان وأول درجات النجاة من الخلود ولذلك أنكر أكثر المتكلمين أن يقال الإيمان يزيد وينقص وتأولوا نحو قوله تعالى: ﴿ ليزدادوا إيماناً ﴾ [الفتح: 4] بأن المراد تعدد الأدلة حتى يدوموا على الإيمان وهو التحقيق.

القول الرابع: قول الخوارج والمعتزلة إن الإيمان اعتقاد ونطق وعمل كما جاء في القول الثالث إلا أنهم أرادوا من قولهم حقيقة ظاهره من تركب الإيمان من مجموع الثلاثة بحيث إذا اختل واحد منها بطل الإيمان، ولهم في تقرير بطلانه بنقص الأعمال الواجبة مذاهب غير منتظمة ولا معضودة بأدلة سوى التعلق بظواهر بعض الآثار مع الإهمال لما يعارضها من مثلها.

فأما الخوارج فقالوا إن تارك شيء من الأعمال كافر غير مؤمن وهو خالد في النار فالأعمال جزء من الإيمان وأرادوا من الأعمال فعل الواجبات وترك المحرمات ولو صغائر، إذ جميع الذنوب عندهم كبائر، وأما غير ذلك من الأعمال كالمندوبات والمستحبات فلا يوجب تركها خلوداً، إذ لا يقول مسلم إن ترك السنن والمندوبات يوجب الكفر والخلود في النار، وكذلك فعل المكروهات.

وقالت الإباضية من الخوارج إن تارك بعض الواجبات كافر لكن كفره كفر نعمة لا شرك، نقله إمام الحرمين عنهم وهو الذي سمعناه من طلبتهم.

وأما المعتزلة فقد وافقوا الخوارج في أن للأعمال حظاً من الإيمان إلا أنهم خالفوهم في مقاديرها ومذاهب المعتزلة في هذا الموضع غير منضبطة، فقال قدماؤهم وهو المشهور عنهم إن العاصي مخلد في النار لكنه لا يوصف بالكفر ولا بالإيمان ووصفوه بالفسق وجعلوا استحقاق الخلود لارتكاب الكبيرة خاصة، وكذلك نسب إليهم ابن حزم في كتاب «الفصل»، وقال واصل بن عطاء الغزّال إن مرتكب الكبيرة منزلة بين المنزلتين أي لا يوصف بإيمان ولا كفر فيفارق بذلك قول الخوارج وقول المرجئة ووافقه عمرو بن عبيد على ذلك.

وهذه هي المسألة التي بسببها قال الحسن البصري لواصل وعمرو بن عبيد اعتزل مجلسنا.

ودرج على هذا جميعهم، لكنهم اضطربوا أو اضطرب النقل عنهم في مسمى المنزلة بين المنزلتين، فقال إمام الحرمين في «الإرشاد» إن جمهورهم قالوا إن الكبيرة تحبط ثواب الطاعات وإن كثرت، ومعناه لا محالة أنها توجب الخلود في النار وبذلك جزم التفتزاني في «شرح الكشاف» وفي «المقاصد»، وقال إن المنزلة بين المنزلتين هي موجبة للخلود وإنما أثبتوا المنزلة لعدم إطلاق اسم الكفر ولإجراء أحكام المؤمنين على صاحبها في ظاهر الحال في الدنيا بحيث لا يعتبر مرتكب المعصية كالمرتد فيقتل.

وقال في «المقاصد» ومثله في «الإرشاد»: المختار عندهم خلاف المشتهر فإن أبا علي وابنه وكثيراً من محققيهم ومتأخريهم قالوا إن الكبائر إنما توجب دخول النار إذا زاد عقابها على ثواب الطاعات فإن أرْبت الطاعات على السيئات درأت السيئات، وليس النظر إلى أعداد الطاعات ولا الزلات، وإنما النظر إلى مقدار الأجور والأوزار فرب كبيرة واحدة يغلب وزرها طاعات كثيرة العدد، ولا سبيل إلى ضبط هذه المقادير بل أمرها موكول إلى علم الله تعالى، فإن استوت الحسنات والسيئات فقد اضطربوا في ذلك فهذا محل المنزلة بين المنزلتين.

ونقل ابن حزم في «الفِصَل» عن جماعة منهم، فيهم بشر المريسي والأصَم من استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف ولهم وقفة لا يدخلون النار مدة ثم يدخلون الجنة ومن رجحت سيئاته فهو مجازى بقدْر ما رجح له من الذنوب فمِن لفحة واحدة إلى بقاء خمسين ألف سنة في النار ثم يخرجون منها بالشفاعة.

وهذا يقتضي أن هؤلاء لا يرون الخلود.

وقد نقل البعض عن المعتزلة أن المنزلة بين المنزلتين لا جنة ولا نار إلا أن التفتزاني في «المقاصد» غلَّط هذا البعض وكذلك قال في «شرح الكشاف».

وقد قرر صاحب «الكشاف» حقيقة المنزلة بين المنزلتين بكلام مجمل فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ من سورة البقرة (26) والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلتي المؤمن والكافر.

وقالوا إن أول من حد له هذا الحد أبو حذيفة واصل بن عطاء وكونه بين بين أن حكمه حكم المؤمن في أنه يناكَح ويوارَث ويغسَّل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وهو كالكافر في الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته وأن لا تقبل له شهادة ا ه، فتراه مع إيضاحه لم يذكر فيه أنه خالد في النار وصرح في قوله تعالى: ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ﴾ في سورة النساء (93) بما يعمم خلود أهل الكبائر دون توبة في النار.

قلت وكان الشأن أن إجراء الأحكام الإسلامية عليه في الدنيا يقتضي أنه غير خالد إذ لا يعقل أن تجري عليه أحكام المسلمين وتنتفي عنه الثمرة التي لأجلها فارق الكفر إذ المسلم إنما أسلم فراراً من الخلود في النار فكيف يكون ارتكاب بعض المعاصي موجباً لانتقاض فائدة الإسلام، وإذا كان أحد لا يَسْلم من أن يقارف معصية وكانت التوبة الصادقة قد تتأخر وقد لا تحصل فيلزمهم ويلزم الخوارج أن يعُدوا جمهور المسلمين كفاراً وبئس مُنكراً من القول.

على أن هذا مما يجرّيء العصاة على نقض عرى الدين إذ ينسَلُّ عنه المسلمون لانعدام الفائدة التي أسلموا لأجلها بحكم: أنا الغريق فما خوفي من البلل، ومن العجيب أن يَصدر هذا القول من عاقل فضلاً عن عالم، ثم الأعجب منه عكوف أتباعهم عليه تَلُوكه ألسنتهم ولا تفقهه أفئدتهم وكيف لم يقيض فيهم عالم منصف ينبري لهاته الترهات فيهذبها أو يؤولها كما أراد جمهور علماء السنة من صدر الأمة فَمن يليهم.

القول الخامس:} قالت الكرامية الإيمان هو الإقرار باللسان إذا لم يخالف الاعتقادُ القولَ فلا يشترط في مسمى الإيمان شيء من المعرفة والتصديق، فأما إذا كان يعتقد خلاف مقاله بطل إيمانه وهذا يرجع إلى الاعتداد بإيمان من نطق بالشهادتين وإن لم يَشغل عقله باعتقاد مدلولهما بل يكتفَى منه بأنه لا يضمر خلاف مدلولهما وهذه أحوال نادرة لا ينبغي الخوض فيها.

أو أرادوا أنه تجري عليه في الظاهر أحكام المؤمنين مع أن الكرامية لا ينكرون أن من يعتقد خلاف ما نطق به من الشهادتين أنه خالد في النار يوم القيامة، وفي «تفسير الفخر» أن غَيلان الدمشقي وافق الكرامية.

هذه جوامع أقوال الفرق الإسلامية في مسمى الإيمان.

وأنا أقول كلمة أربأُ بها عن الانحيَاز إلى نصرة وهي أن اختلاف المسلمين في أول خطوات مسيرهم وأول موقف من مواقف أنظارهم وقد مضت عليه الأيام بعد الأيام وتعاقبت الأقوام بعد الأقوام يعد نقصاً علمياً لا ينبغي البقاء عليه، ولا أَعْرِفَنِّي بعد هذا اليوم ملتفتاً إليه.

لا جرم أن الشريعة أول ما طلبت من الناس الإيمان والإسلام ليخرجوا بذلك من عقائد الشرك ومناوأة هذا الدين فإذا حصل ذلك تهيأت النفوس لقبول الخيرات وأفاضت الشريعة عليها من تلك النيرات فكانت في تلقي ذلك على حسب استعدادها زينة لمعاشها في هذا العالم ومعادها، فالإيمان والإسلام هما الأصلان اللذان تنبعث عنهما الخيرات، وهما الحد الفاصل بين أهل الشقاء وأهل الخير حداً لا يقبل تفاوتاً ولا تشككاً، لأن شأن الحدود أن لا تكون متفاوتة كما قال الله تعالى: ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ [يونس: 32]، ولا يدعي أحد أن مفهوم الإيمان هو مفهوم الإسلام، فيكابرَ لغة تتلَى عليه، كيف وقد فسره الرسول لذلك الجالس عند ركبتيه.

فما الذين ادعَوْه إلا قوم قد ضاقت عليهم العبارة فأرادوا أن الاعتداد في هذا الذي لا يكون إلا بالأمرين وبذلك يتضح وجه الاكتفاء في كثير من مواد الكتاب والسنة بأحد اللفظين، في مقام خطاب الذين تحلوا بكلتا الخصلتين، فانتظم القولان الأول والثاني.

إن موجب اضطراب الأقوال في التمييز بين حقيقة الإيمان وحقيقة الإسلام أمران: أحدهما أن الرسالة المحمدية دعت إلى الاعتقاد بوجود الله ووحدانيته وبصدق محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بالغيب ودعت إلى النطق بما يدل على حصول هذا الاعتقاد في نفس المؤمن لأن الاعتقاد لا يعرف إلا بواسطة النطق ولم يقتنع الرسول من أحد بما يُحصِّل الظن بأنه حصَل له هذا الاعتقاد إلا بأن يعترف بذلك بنطقه إذا كان قادراً.

الثاني: أن المؤمنين الذين استجابوا دعوة الرسول لم تكن ظواهرهم مخالفة لعقائدهم إذ لم يكن منهم مسلم يبطن الكفر فكان حصول معنى الإيمان لهم مقارناً لحصول معنى الإسلام وصدَق عليهم أنهم مؤمنون ومسلمون، ثم لما نبع النفاق بعد الهجرة طرأ الاحتياج إلى التفرقة بين حال الذين اتصفوا بالإيمان والإسلام وبين حال الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر تفرقة بالتحذير والتنبيه لا بالتعيين وتمييز الموصوف، لذا كانت ألفاظ القرآن وكلام النبيء تجري في الغالب على مراعاة غالب أحوال المسلمين الجامعين بين المعنيين وربما جرت على مراعاة الأحوال النادرة عند الحاجة إلى التنبيه عليها كما في قوله تعالى: ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمانُ في قلوبكم ﴾ [الحجرات: 14] وكما في قول النبيء لمن قال له: مَالَكَ عن فلان فوالله إني لأراه مُؤْمناً قال: «أوْ مسلما».

فحاصل معنى الإيمان حصول الاعتقاد بما يجب اعتقاده، وحاصل معنى الإسلام إظهار المرء أنه أسلم نفسه لاتَّباع الدين ودعوة الرسول، قال تعالى: ﴿ إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ﴾ [الأحزاب: 35] الآية.

وهل يخامركم شك في أن الشريعة ما طلبت من الناس الإيمان والإسلام لمجرد تعمير العالم الأخروي من جنة ونار لأن الله تعالى قادر على أن يخلق لهذين الموضعين خلْقاً يعمرونهما إن شاء خَلْقَهما، ولكن الله أراد تعمير العالَمين الدنيوي والأخروي، وجعل الدنيا مِصْقَلَة النفوس البشرية تهيئها للتأهل إلى تعمير العالم الأخروي لتلتحق بالملائكة، فجعل الله الشرائع لكف الناس عن سيء الأفعال التي تصدر عنهم بدواعي شهواتهم المفسدة لفطرتهم، وأراد الله حفظ نظام هذا العالم أيضاً ليبقى صالحاً للوفاء بمراد الله إلى أمدٍ أرادَه، فشرع للناس شرْعاً ودعا الناس إلى اتباعه والدخول إلى حظيرته ذلك الدخول المسمى بالإيمان وبالإسلام لاشتراط حصولهما في قِوام حقيقة الانضواء تحت هذا الشرع، ثم يستتبع ذلك إظهارَ تمكين أنفسهم من قبول ما يُرسم لهم من السلوك عن طيب نفس، وثقةٍ بمآلي نزاهة أو رجس.

وذلك هو الأعمال ائتماراً وانتهاءً وفعلاً وانكفافاً.

وهذه الغاية هي التي تتفاوت فيها المراتب إلاَّ أن تفاوت أهلها فيها لا ينقص الأصل الذي به دخلوا فإن الآتي بالبعض من الخير قد أتى بما كان أحسنَ من حاله قبل الإيمان، والآتي بمعظم الخير قد فاق الذي دونَه، والآتي بالجميع بقدر الطاقة هو الفائز، بحيث إن الشريعة لا تَعدِم منفعة تحصل من أفراد هؤلاء الذين تسموا بالمؤمنين والمسلمين ومن تلك المراتب حماية الحوزة والدفاع عن البيضة، فهل يشك أحد في أن عَمرو بن معديكرب أيامَ كان لا يرى الانتهاء عن شرب الخمر ويقول إن الله تعالى قال: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ [المائدة: 91] فقلنا لا إنه قد دَلَّ جهادُه يوم القادِسية على إيمانه وعلى تحقيق شيء كثير من أجزاء إسلامه فهل يُعد سواءً والكافرين في كونه يخلد في النار؟

فالأعمال إذن لها المرتبة الثانية بعد الإيمان والإسلام لأنها مكملة المقصد لا ينازع في هذين أعني كونَها في الدرجة الثانية وكونَها مقصودة إلا مكابر.

ومما يؤيد هذا أكمل تأييد ما ورد في «الصحاح» في حديث معاذ بن جبل أن النبيء صلى الله عليه وسلم كان بعثه إلى اليمن فقال له: " إنَّك ستأتي قوماً من أهل الكتاب فإذا جئتهم فادْعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (أي ينطقوا بذلك نطقاً مطابقاً لاعتقادهم) فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة " الخ فلولا أن للإيمان وللإسلام الحظ الأول لما قدمه، ولولا أن الأعمال لا دخل لها في مسمى الإسلام لما فرَّق بينهما، لأن الدعوة للحق يجب أن تكون دفعة وإلا لكان الرضا ببقائه على جزء من الكفر ولو لحظة مع توقع إجابته للدين رضىً بالكفر وهو من الكفر فكيف يأمر بسلوكه المَعصوم عن أن يُقِرّ أحداً على باطل، فانتظم القول الثالث للقولين.

ومما لا شبهة فيه أن استحقاق الثواب والعقاب على قدر الأعمال القلبية والجوارحية فالأمر الذي لا يحصُل شيءٌ من المطلوب دونَه لا يُنجي من العذاب إلا جميعُه فوجب أن يكون من لم يؤمن ولم يسلم مخلَّداً في النار لأنه لا يحصل منه شيء من المقصود بدون الإيمان والإسلام، وأما الأمور التي يقرُب فاعلها من الغاية بمقدار ما يخطُو في طرقها فثوابها على قدر ارتكابها والعقوبة على قدر تركها، ولا ينبغي أن ينازِع في هذا غيرُ مكابر، إذ كيف يستوي عندالله العليممِ الحكيم رجلان أحدهما لم يؤمن ولم يسلم والآخر آمن وأسلَم وامتثل وانتهى، إلا أنه اتبع الأمَّارة بالسوء في خصلة أو زلة فيحكم بأن كلا الرجلين في عذاب وخلود؟

وهل تبقى فائدة لكل مرتكب معصية في البقاء على الإسلام إذا كان الذي فر من أجله للإسلام حاصلاً على كل تقدير وهو الخلود في النار حتى إذا أراد أن يتوب آمَن يومئذٍ؟

وهل ينكر أحد أن جل الأمة لا يخلون من التلبس بالمعصية والمعصيتين إذ العصمة مفقودة فإذا كان ذلك قبل التوبة كفراً فهل يقول هذا العاقل إن الأمة في تلك الحالة متصفة بالكفر ولا إخال عاقلاً يلتزمها بعد أن يسمعها، أفهل يموه أحد بعد هذا أن يأخذ من نحو قوله تعالى: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ [البقرة: 143] يعني الصلاة، إن الله سمَّي الصلاة إيماناً ولولا أن العمل من الإيمان لما سميت كذلك بعد أن بينَّا أن الأعمال هي الغاية من الإيمان والإسلام فانتظم القول الرابع والخامس لثلاثة الأقوال لمن اقتدى في الإنصاف بأهل الكمال.

ثم على العالم المتشبع بالاطلاع على مقاصد الشريعة وتصاريفها أن يفرق بين مقامات خطابها فإن منها مقام موعظة وترغيب وترهيب وتبشير وتحذير، ومنها مقام تعليم وتحقيق فيرد كل وارد من نصوص الشريعة إلى مورده اللائق ولا تتجاذبه المتعارضات مجاذبة المماذق فلا يحتج أحد بما ورد في أثبت أوصاف الموصوف، وأثبت أحد تلك الأوصاف تارة في سياق الثناء عليه إذ هو متصف بها جميعاً، فإذا وصف تارة بجميعها لم يكن وصفه تارة أخرى بواحد منها دالاً على مساواة ذلك الواحد لبقيتها، فإذا عرضت لنا أخبار شرعية جمعت بين الإيمان والأعمال في سياق التحذير أو التحريض لم تكن دليلاً على كون حقيقة أحدهما مركبة ومقومة من مجموعهما فإنما يحتج محتج بسياق التفرقة والنفي أو بسياق التعليم والتبيين فلا ينبغي لمنتسب أن يجازف بقولة سخيفة ناشئة عن قلة تأمل وإحاطة بموارد الشريعة وإغضاء عن غرضها ويؤول إلى تكفير جمهور المسلمين وانتقاض الجامعة الإسلامية بل إنما ينظر إلى موارد الشريعة نظرة محيطة حتى لا يكون ممن غابت عنه أشياء وحضره شيء، بل يكون حكمه في المسألة كحكم فتاة الحي.

أما مسألة العفو عن العصاة فهي مسألة تتعلق بغرضنا وليست منه، والأشاعرة قد توسعوا فيها وغيرهم ضيقها وأمرها موكول إلى علم الله إلا أن الذي بلغنا من الشرع هو اعتبار الوعد والوعيد وإلا لكان الزواجر كضرب في بارد الحديد وإذا علمتم أن منشأ الخلاف فيها هو النظر لدليل الوجوب أو الجواز علمتم خروج الخلاف فيها من الحقيقة إلى المجاز ولا عجب أعجب من مرور الأزمان على مثل قولة الخوارج والإباضية والمعتزلة ولا ينبري من حذاق علمائهم من يهذب المراد أو يؤول قول قدمائه ذلك التأويل المعتاد، وكأني بوميض فطنة نبهائهم أخذ يلوح من خِلل الرماد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ الخَتْمُ الطَّبْعُ، ومِنهُ خَتْمُ الكِتابِ، وفِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: أنَّ القَلْبَ مِثْلُ الكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ العَبْدُ ذَنْبًا ضُمَّ مِنهُ كالإصْبَعِ، فَإذا أذْنَبَ ثانِيًا ضُمَّ مِنهُ كالإصْبَعِ الثّانِيَةِ، حَتّى يُضَمَّ جَمِيعُهُ ثُمَّ يُطْبَعَ عَلَيْهِ بِطابَعٍ.

والثّانِي: أنَّها سِمَةٌ تَكُونُ عَلامَةً فِيهِمْ، تَعْرِفُهُمُ المَلائِكَةُ بِها مِن بَيْنِ المُؤْمِنِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ كُفْرِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِ ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، تَشْبِيهًا بِما قَدِ انْسَدَّ وخُتِمَ عَلَيْهِ، فَلا يَدْخُلُهُ خَيْرٌ.

والرّابِعُ: أنَّها شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى قُلُوبِهِمْ، بِأنَّها لا تَعِي الذِّكْرَ ولا تَقْبَلُ الحَقَّ، وعَلى أسْماعِهِمْ بِأنَّها لا تُصْغِي إلَيْهِ، والغِشاوَةُ: تَعامِيهِمْ عَنِ الحَقِّ.

وَسُمِّيَ القَلْبُ قَلْبًا لِتَقَلُّبِهِ بِالخَواطِرِ، وقَدْ قِيلَ: ما سُمِّيَ القَلْبُ إلّا مِن تَقَلُّبِهِ والرَّأْيُ يَصْرِفُ، والإنْسانُ أطْوارُ والغِشاوَةُ: الغِطاءُ الشّامِلُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ﴾ يعني المنافقين من الأوس والخزرج، ومن كان على أمرهم.

وأخرج ابن اسحق وابن جرير عن ابن عباس.

أن صدر سورة البقرة إلى المائة منها.

هي في رجال سماهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار يهود، ومن المنافقين من الأوس والخزرج.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ﴾ قال: المراد بهذه الآية المنافقون.

وأخرج عبد الرزاق وابن جريرعن قتادة في قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ حتى بلغ ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ قال: هذه في المنافقين.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ الآية.

قال: هذا نعت المنافق.

نعت عبداً خائن السريرة، كثير الأخلاف، يعرف بلسانه، وينكر بقلبه، ويصدق بلسانه، ويخالف بعمله، ويصبح على حال، ويمسي على غيره، ويتكفأ تكفؤ السفينة، كلما هبت ريح هب فيها.

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن سيرين قال: لم يكن عندهم شيء أخوف من هذه الآية ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن عتيق قال: كان محمد يتلو هذه الآية عند ذكر الحجاج ويقول: أنا لغير ذلك أخوف ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ﴾ .

وأخرج ابن سعد عن أبي يحيى قال سأل رجل حذيفة وأنا عنده فقال: ما النفاق؟

قال: أن تتكلم باللسان، ولا تعمل به.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ الآية.

روى ثعلب عن سلمه (١) (٢) (٣) ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ  ﴾ .

المعنى: مثقال ذرة (٤) قال أبو عبيد (٥) (٦) (٧) أي: مذ حجج (٨) (٩) ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً  ﴾ .

معناه: بدلكم (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) إن المنايا يَطّلعـ ...

ـنَ على الأناس الآمنينا (٢٣) قال الأزهري: وهذا قول حذاق (٢٤) (٢٥) (٢٦) فمن قال: (أنيس) وهو قول أكثر النحويين (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) قال (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) قال الأزهري (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وذكر أبو علي في "المسائل الحلبية" (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) ولو جاز لقائل أن (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) وقوله تعالى: ﴿ مَن يَقُولُ ﴾ .

روى سلمة، عن الفراء، عن الكسائي (٥٢) ﴿ مِنَ ﴾ يكون اسماً، ويكون شرطاً ويكون معرفة، ويكون نكرة، ويكون للواحد والاثنين (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ (اليوم) مقداره من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، وجمعه: أيام، وكان الأصل (أيوام) واجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما الأخرى بالسكون، فأدغمت (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ .

دخلت (الباء) مؤكدة لمعنى النفي، لأنك إذا قلت: (ما زيد أخوك) فلم يسمع السامع (ما) ظن أنك موجب، فإذا قلت: (ما زيد بأخيك) (٦٨) (٦٩) ﴿ وَمَا هُمْ ﴾ بعد التوحيد في ﴿ مَنْ يَقُولُ ﴾ لأن لفظ (٧٠) (٧١) قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في المنافقين (٧٢) (٧٣) ﴿ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ فدل أن حقيقة الإيمان ليس الإقرار فقط (٧٤) (١) هو سلمة بن عاصم النحوي، روى عن الفراء، كان أديبا فاضلا، سمع منه ثعلب كتاب "لمعاني" للفراء، توفي بعد السبعين ومائتين.

انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" ص 137، "معجم الأدباء" 3/ 391، "إنباه الرواة" 2/ 56، "غاية النهاية" 1/ 311.

(٢) في "تهذيب اللغة" (سلمه عن الفراء ثم ذكره بنصه).

"التهذيب" (من) 4/ 3453.

(٣) في "التهذيب": (تكون) في المواضع الثلاثة.

(٤) في "التهذيب": (أي: ما يعزب عن علمه من مثقال ذرة) 4/ 3453.

(٥) "تهذيب اللغة" (من) 4/ 3454.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٧) مطلع قصيدة لزهير يمدح هرم بن سنان وصدره: لمن الديار بقنة الحجر القنة: أعلى الجبل، الحجر: بكسر الحاء منازل ثمود، ويروى بالفتح موضع باليمامة، أقوين: أقفرت، الحجج: بكسر الحاء جمع حجة وهي السنة، ومن شهر: واحد الشهور، ويروى ومن دهر.

ورد البيت في "تهذيب اللغة" (من) 4/ 3454، "الجمل المنسوب" للخليل ص 161، "الجمل" للزجاجي ص 139، "مغني اللبيب" 1/ 335، "الهمع" 3/ 226، "شرح المفصل" 4/ 293،8/ 11، "الإنصاف" ص 315، "الخزانة" 9/ 439، "شرح ديوان زهير" ص 86.

(٨) أي: مذ حجج ومذ شهر.

(٩) في "التهذيب": (من) 4/ 3454.

(١٠) في (ب): (بدله).

(١١) عند أبي عبيد وتكون (من) بمعنى: اللام الزائدة.

انظر بقية كلامه في "التهذيب" (من) 4/ 3454، وذكر ابن هشام في "مغني اللبيب": أن (من) تأتي على خمسة عشر وجها، 1/ 318.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٣) (التهذيب) (أنس) 1/ 216.

(١٤) في (ب) (أبي القاسم).

(١٥) في (ج) (سأل).

(١٦) (عن الناس) ساقط من (ب).

(١٧) في (التهذيب): (فقال أصله (الأناس)، لأن أصله (أناس) فالألف فيه أصلية .....) 1/ 217.

(١٨) في (ب): (التعريف).

(١٩) في "التهذيب" (وأصل تلك اللام سكون أبدا إلا في أحرف قليلة، مثل: الاسم والابن، وما أشبهها من الألفات الوصلية، فلما زادوهما على أناس صار الاسم: الأناس.

...) 1/ 217.

(٢٠) في (ب): (فاستقلوها).

(٢١) في "التهذيب": (.....

فتركوها وصار باقي الاسم (ألناس) بتحريك اللام في الضمة، فلما تحركت اللام والنون أدغموا اللام في النون ...) 1/ 217.

(٢٢) في "التهذيب": (فلما طرحوا الألف واللام ابتداء والاسم فقالوا: قال ناس من الناس.

انتهى كلام أبي الهيثم في "التهذيب"، وقول الواحدي: وقد استعمله الشاعر ...

الخ مع البيت ليس في "التهذيب" 1/ 217.

(٢٣) البيت لذي جدن الحميري، ورد في "مجالس العلماء" للزجاجي ص 70، "الخزانة" 2/ 280، "الخصائص" 3/ 151، "تفسير البيضاوي" 1/ 99، "الدر المصون" 1/ 119، "اللسان" (نوس) 8/ 4575.

(٢٤) في (ب): (خلاف).

(٢٥) في "التهذيب": (قلت: وهذا الذي قاله أبو الهيثم تعليل النحويين) وفي الهامش في (ج) (قول حذاق النحويين)، "التهذيب" 1/ 217.

(٢٦) قال الطبري: (في الناس وجهان: أحدهما: أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه، وإنما واحدهم (إنسان) وواحدتهم (إنسانة).

والوجه الأخر: أن يكون أصله (أناس) أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها، ثم دخلتها الألف واللام المعرفتان ...) 1/ 116، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 158 - 159، (البحر) 1/ 52 (الدر المصون) 1/ 118.

(٢٧) قال سيبويه: (ليس من العرب أحد إلا ويقول: نويس)، انظر "الكتاب" 3/ 457، وانظر "المسائل الحلبيات" لأبي علي الفارسي ص 171، 172.

(٢٨) (دل على) مطموس في (ب).

(٢٩) (الحركة) ساقطة من (ب).

(٣٠) في (ب): (إذ بريدت).

(٣١) في (ب): (أرلى).

قطعة من حديث طويل، فقد أخرج البخاري بسنده عن عائشة، قالت (جلس إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً ...)، وفيه: (قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع أناس من حلي أذني .....).

أخرجه البخاري (5189) كتاب النكاح، باب: حسن المعاشرة مع الأهل، ومسلم (2448) كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل عائشة، قال ابن حجر اختلف في رفعه ووقفه، ثم ذكر الخلاف في ذلك، وقال: (قلت: المرفوع منه في الصحيحين: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) وباقيه من قول عائشة، وجاء خارج الصحيحين مرفوعا كله ...).

(الفتح) 9/ 255 - 257.

وقد == ذكر علماء اللغة وغريب الحديث أجزاء من الحديث، لما فيه من الألفاظ، فذكره أبو عبيد في "غريب الحديث"، 1/ 364 - 376، وورد في "الفائق" 3/ 48، 49، وذكر قطعة منه الأزهري في "التهذيب" 3/ 2451، وذكره السيوطي من طرق كثيرة في "المزهر" 2/ 449.

(٣٢) المراد الأزهري فبعد كلامه السابق الذي ذكره الواحدي وهو قوله: (قلت: وهذا الذي قاله أبو الهيثم تعليل النحويين ...

قال: وإنسان في الأصل: إنسيان وهو فعليان من الإنس ...

إلخ) وما بينهما ليس في "التهذيب".

انظر "التهذيب" 1/ 216.

(٣٣) في (ب): (معنى).

(٣٤) في (ج): (بين).

(٣٥) انظر "تهذيب اللغة" (أنس) 1/ 216، وانظر "الكتاب" 3/ 486.

(٣٦) "تهذيب اللغة" (أنس).

(٣٧) في "التهذيب" (قلت: واصل الإنس والأنس والإنسان من الإيناس وهو الإبصار)، وفي الهامش في (ج) (وأصل الإنسان والناس من أنس يؤنس إذا أبصر)، 216 - 217.

(٣٨) انتهى كلام الأزهري.

انظر: "التهذيب" 1/ 216 - 217.

(٣٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 49 أ، والقرطبي 1/ 168.

(٤٠) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 171، والقرطبي 1/ 168، "الدر المصون" 1/ 119 ،120.

(٤١) في (ب): (الجلسه).

"المسائل الحلبيات" أحد كتب أبي علي المشهورة، طبع بتحقيق د/ حسن هنداوي، وقد نقل الواحدي كلام أبي علي بمعناه.

انظر: "المسائل الحلبيات" ص 168 - 173.

(٤٢) في (ب): (الإنسان).

(٤٣) لم أجد هذا القول للكسائي في "المسائل الحلبيات".

انظر: "المسائل الحلبيات" ص168 - 173، وانظر "تهذيب اللغة" (أنس) 1/ 216 - 217.

(٤٤) انظر "الكتاب" 2/ 196.

(٤٥) قوله: (وقالوا: الإنس والأنس والأنسي والأناسي) ليس فىِ "الحلبيات"، انظر ص 168 - 173.

(٤٦) في (ب): (فائده).

(٤٧) في (ج): (وأوئله).

أنظر: "المسائل الحلبيات" ص 168.

(٤٨) (أن) ساقطة من (ب).

(٤٩) إذا حذفت الهمزة منه يصير (ويلمه) الأصل فيها (ويل لأمه) أدغمت (لام) ويل في الجارة في (لأمه) ثم حذفت (لام) ويل لكثرة الاستعمال ثم حذفت الهمزة.

انظر "المسائل الحلبيات" ص 43.

(٥٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٥١) في (ج): (فاء العمل).

(٥٢) في "التهذيب" سلمة عن الفراء عن الكسائي قال: (من) تكون اسما، وتكون جحدا، وتكون استفهاما، وتكون شرطا، وتكون معرفة، وتكون نكرة، وتكون للواحد، وتكون للأثنين، وتكون خصوصا، وتكون للأناس، والملائكة والجن وتكون للبهائم إذا خلطت بغيرها.

"التهذيب" (من) 4/ 3453، وذكر في "مغني اللبيب" أن (من) تأتي على خمسة أوجه 1/ 327.

(٥٣) في (ب): وللأثنين.

(٥٤) في (ب): (تكون).

(٥٥) في (أ)، (ج): (الأنس).

(٥٦) في (ب): (للملائكة وللجن).

(٥٧) في "التهذيب" (قلت: هذِه الوجوه التي ذكرها الكسائي موجودة فىِ الكتاب ...)، ثم ذكر الأزهري أمثلة لها من القرآن.

"التهذيب" 4/ 3453.

(٥٨) أي: السكون.

(٥٩) في (ب): (من).

(٦٠) قال الزجاج في (المعاني): (لأنها لا تكون اسما تاما في الخبر إلا بصلة، فلا يكون الإعراب في بعض الاسم)، 1/ 49.

(٦١) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" وفيه: (وجعلوا الياء هي الغالبة) أي: غلبوا (الياء) فقلبوا (الواو) (ياء) وأدغموها في (الياء).

انظر "تهذيب اللغة" (يوم)، 4/ 3990.

(٦٢) ذكره الأزهري عن الليث.

"التهذيب" (أخر) 1/ 131.

(٦٣) في (ب): (وسمى).

(٦٤) في (ب): (إلا أنه).

(٦٥) في (ب): (أنه).

(٦٦) قال الطبري: فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاع للآخرة، ولا فناء ولا زوال؟

قيل: إن اليوم عند العرب، إنما سمي يوما بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدم النهار ليل لم يسم، فيوم القيامة يوم لا ليل بعده ....

1/ 117.

(٦٧) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 159.

(٦٨) في (ب): (أخيك).

(٦٩) ذكره الزجاج بنصه، دون قوله.

وإن لم يسمع (ما)، "معاني القرآن" 1/ 50.

(٧٠) (لفظ) ساقط من (ب).

(٧١) (من) لها لفظ ومعنى، فلفظها مفرد مذكر، ومعناها يصلح للجمع وغيره، فيجوز مراعاة اللفظ فيعود الضمير مفردا، ويجوز مراعاة المعنى فيعود الضمير جمعا.

انظر"الدر المصون" 1/ 121.

(٧٢) في (ب): (للمنافقين).

(٧٣) قال الطبري: أجمع جميع أهل التأويل على أن الآية نزلت في قوم من أهل النفاق.

الطبري 1/ 268، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 49، "تفسير أبي الليث" 1/ 94، وابن عطية1/ 159، وابن كثير 1/ 50.

(٧٤) قال الطبري: (وفي هذِه الآية دلالة واضحة على بطول ما زعمته الجهمية من أن الإيمان هو التصديق بالقول دون سائر المعاني غيره ...)، 1/ 117، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 94، وابن عطية 1/ 159.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنَ الناس ﴾ أصل الناس أناس لأنه مشتق من الإنس وهو اسم جمع وحذفت الهمزة مع لام التعريف تخفيفاً ﴿ مَن يَقُولُ ﴾ أن كان اللام في الناس للجنس فمن موصوفة وإن جعلتها للعهد فمن موصولة، وأفرد الضمير في يقول رعياً للفظ: ومن ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ هم المنافقون، وكانوا جماعة من الأوس والخزرج، رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، يظهرون الإسلام ويسرّون الكفر، ويسمى الآن من كان كذلك: زنديقاً، وهم في الآخرة مخلدون في النار، وأما في الدنيا؛ عدلان، فمذهب مالك: القتل، دون الاستتابة، ومذهب الشافعي الاستتابة وترك القتل، فإن قيل كيف جاء قولهم ﴿ آمَنَّا ﴾ جملة فعلية ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ جملة اسمية فهلا طابقتها؟

فالجواب: أن قولهم: آمنا مقيداً بالله وباليوم الآخر، وما هم بمؤمنين مطلقاً؟

فالجواب أنه يحتمل وجهين: التقييد؛ فتركه لدلالة الأول عليه، والإطلاق، وهو أعم في سلبهم من الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: "أأنذرتهم" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.

وروى الحلواني عن هشام "آءنذرتهم" بهمزتين بينهما مدة، والباقون يهمزون الأولى ويلينون الثانية.

والتليين جعل الهمزة بين بين أي بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركة الهمزة.

"وعلى أبصارهم" ممالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وابن حمدون وحمدويه وحمزة، وفي رواية ابن سعدان وأبي عمرو.

كذلك قوله عز وجل ﴿ بقنطار ﴾ و ﴿ بالأسحار ﴾ و ﴿ كالفخار ﴾ و ﴿ الغار ﴾ و ﴿ من أنصار ﴾ و ﴿ أشعارها ﴾ وأشباه ذلك حيث كان يعني إذا كان قبل الألف حرف مانع وبعدها راء مكسورة في موضع اللام، لأن الراء المكسورة تغلب الحروف المستعلية.

"غشاوة" بالفصل.

وقرأ حمزة في رواية خلف وابن سعدان وخلف لنفسه.

وأبو إسحق إبراهيم بن أحمد عن أبي الحرث عن علي وورش من طريق البخاري مدغمة النون والتنوين في الواو في جميع القرآن.

"عظيم" بالإشمام في الوقف، وكذلك إذا كانت الكلمة مكسورة: حمزة وعلي وخلف وهو الاختيار عندنا.

الوقوف: "لا يؤمنون" (ه) "على سمعهم" (ط) لأن الواو للاستئناف.

"غشاوة" (ز) لأن الجملتين وإن اتفقتا نظماً فالأولى بيان وصف موجود، والثانية إثبات عذاب موعود.

"عظيم" (ه) التفسير: وفيه مسائل: الأولى: فيما يتعلق بأن أما عمله من نصب الاسم ورفع الخبر فمعلوم من علم النحو.

وأما فائدته فما ذكره المبرد في جواب الكندي من أن قولهم "عبد الله قائم" إخبار عن قيامه، وقولهم: "إن عبد الله قائم" جواب عن سؤال سائل، وقولهم: "إن عبد الله لقائم" جواب عن إنكار منكر لقيامه.

وقد يضاف إليه القسم أيضاً نحو "والله إن عبد الله لقائم.

قال أبو نواس: عليك باليأس من الناس *** إن غنى نفسك في اليأس حسن موقع "إن" لأن الغالب على الناس خلاف هذا الظن، وقد يجيء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لم يوجد كقولك "إنه كان مني إليه إحسان فقابلني بالسوء" وكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ فيما توهمت كقوله  حكاية عن أم مريم ﴿ قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت  ﴾ وكذلك قول نوح ﴿ رب إن قومي كذبون  ﴾ .

الثانية: لما قدم ذكر أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم الموجبة لامتداحه إياهم بها، عقب ذلك بذكر أضدادهم وهم المردة من الكفار الذين لا ينجع فيهم الهدى وسواء عليهم الإنذار وعدمه.

وإنما فقد العاطف بين القصتين خلاف ما في نحو قوله  ﴿ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم  ﴾ لتباين الجملتين ههنا في الغرض والأسلوب، إذ الأولى مسبوقة بذكر الكتاب وإنه هدى للمتقين، والثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت، وذلك إذا جعلت "الذين يؤمنون" مبتدأ و "أولئك" خبره، لأن الكلام المبتدأ على سبيل الاستئناف مبني على تقدير سؤال، وذلك إدراج له في حكم المتقين وتصييره تبعاً له في المعنى، فحكمه حكم الأول.

وكذا إذا جعلت الموصول الثاني مبتدأ و "أولئك" خبره، لأن الجملة برأسها من مستتبعات "هدى للمتقين" لارتباط بينهما من حيث المعنى.

الثالثة: التعريف في "الذين" إما أن يراد به ناس معهودون بأعيانهم كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وإما أن يراد به الجنس متناولاً كل من صمم على كفره تصميماً لا يرعوي بعده فقط دون من عداهم من الكفار الذين أسلموا بدليل الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم.

الرابعة: الكفر نقيض الإيمان فيختلف تعريفه باختلاف تعريف الإيمان، وقد تقدم.

وأصل الكفر الستر والتغطية ومنه الكافر لأنه يستر الحق ويجحده، والزارع كافر لأنه يستر الحب، والليل المظلم كافر لأنه بظلمته يستر كل شيء، والكافر الذي كفر درعه بثوب أي غطى ولبسه فوقه.

قال في التفسير الكبير: "كفروا" إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي فيقتضي كون المخبر عنه متقدماً على ذلك الإخبار.

فللمعتزلة أن يحتجوا بهذا على أن كلام الله محدث، فإن القديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير.

قلت: التحقيق في هذا وأمثاله أن كلامه  أزلي إلا أن حكمته في باب التفهيم والتعليم اقتضت أن يكون كلامه على حسب وصوله إلى السامعين ضرورة كونهم متزمنين، فكل ما هو متقدم على زمان الوصول وقع الإخبار عنه في الأزل بلفظ الماضي، وكل ما هو متأخر عن زمان الوصول وقع الإخبار عنه بلفظ المستقبل نحو ﴿ لتدخلن المسجد الحرام  ﴾ ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب  ﴾ وإلا اختل نظام التفاهم والتخاطب.

ومن هذا يعلم أن قوله ﴿ سنلقي ﴾ ليس كونه مستقبلاً بالنظر إلى الأزل مقصوداً بالنسبة إلى المخاطبين، وإنما المقصود استقباله بالنظر إلى زمان نزول الآية فافهم.

الخامسة: "سواء" اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر ﴿ تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم  ﴾ ﴿ في أربعة أيام سواء للسائلين  ﴾ يعني مستوية، وارتفاعه على أنه خبر "إن" و "أأنذرتهم أم لم تنذرهم" في موضع الفاعل أي مستو عليهم إنذارك وعدمه نحو: إن زيداً مختصم أخوه وابن عمه.

ويحتمل أن يكون أأنذرتهم أم لم تنذرهم" في موضع الابتداء، و "سواء" خبر مقدم، والجملة خبر "إن".

و إنما صح وقوع الفعل مخبراً عنه مع أنه أبداً خبر نظراً إلى المعنى كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.

معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل، فإن "أن" مع الفعل في تقدير المصدر على الفعل وهو النهي، وقد جردت الهمزة.

و "أم" لمعنى الاستواء وسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً.

قال سيبويه: هذا مثل قولهم "اللهم اغفر لنا أيتها العصابة" يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذاك جرى على صورة النداء ولا نداء.

ومعنى الاستواء في الداخل عليهما "الهمزة" و "أم" استواؤهما في علم المستفهم، لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن لكن لا بعينه وكلاهما معلوم بعلم غير معين.

والحاصل أن الاستفهام يلزمه معنيان: أحدهما استواء طرفي الحكم في ذهن المستفهم، والثاني طلب معرفة أحدهما فجرد هذا الترتيب لمعنى الاستواء وسلخ عنه الطلب.

وفائدة العدول عن العبارة الأصلية وهي سواء عليهم الإنذار وعدمه، أن يعلم أن قطع الرجاء وحصول اليأس عنهم إنما حصل بعد إصرارهم وكانوا قبل ذلك مرجواً منهم الإيمان، لا في علم الله  بل في علمنا، فنزلت الآية بحسب ما يليق بحالنا في باب التقرير والتصوير.

أو نقول: فائدته أن يعلم أن استواء الطرفين بلغ مبلغاً يصح أن يستفهم عنه لكونه خالياً عن شوب التخمين وترجيح أحد الطرفين بوجه، فإن قول القائل "الإنذار وعدمه مستويان عليهم" يمكن أن يحمل على التقريب لا التحقيق، بخلاف ما لو أخبر عن الأمرين بطريق الهمزة وأم فافهم.

والإنذار التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن المقام مقام المبالغة، وتأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع.

وقوله "لا يؤمنون" إما جملة مؤكدة للتي قبلها، أو خبر لأن والجملة قبلها اعتراض.

السادسة: الختم والكتم أخوان، لأن في الاستيثاق من الشيء يضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه.

والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل عليه كالعصابة والعمامة.

والقلب يراد به تارة اللحم الصنوبري المودع في التجويف الأيسر من الصدر وهو محل الروح الحيواني الذي هو منشأ الحس والحركة وينبعث منه إلى سائر الأعضاء بتوسط الأوردة والشرايين، ويراد به تارة اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وبها يستعد لامتثال الأوامر والنواهي والقيام بمواجب التكاليف ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب  ﴾ .

وهي من عالم الأمر الذي لا يتوقف وجوده على مادة ومدة بعد إرادة موجده له ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  ﴾ .

كما أن البدن بل اللحم الصنوبري من عالم الخلق الذي هو نقيض ذلك ﴿ ألا له الخلق والأمر  ﴾ .

وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة ﴿ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها  ﴾ وبالروح ﴿ قل الروح من أمر ربي  ﴾ ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ والسمع قوة مرتبة في العصب المتفرق في سطح الصماخ، تدرك صورة ما يتأدى إليه بتموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع مقاوم له انضغاطاً بعنف يحدث منه تموّج فاعل للصوت، فيتأدى إلى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ ويموّجه بشكل نفسه وتماس أمواج تلك الحركة تلك العصبة فتسمع قاله ابن سينا.

ولعل هذا في الشاهد فقط، وأما البصر فقال ابن سينا: هي قوة مرتبة في العصبة ا لمجوفة تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام ذوات اللون المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام الصيقلية.

وزعم غيره أن البصر يخرج منه شيء فيلاقي المبصر ويأخذ صورته من خارج ويكون من ذلك إبصار.

وفي الأكثر يسمون ذلك الخارج شعاعاً.

والحق عندي أن نسبة البصر إلى العين نسبة البصيرة إلى القلب، ولكل من العين والقلب نور.

أما نور العين فمنطبع فيها لأنه من عالم الخلق، فهو نور جزئي ومدركه جزئي، وأما نور القلب فمفارق لأنه من عالم الأمر، وهو نور كلي ومدركه كلي.

وإدراك كل منهما عبارة عن وقوع مدركه في ذلك النور، ولكل منهما بل لكل فرد من كل منهما حد ينتهي إليه بحسب شدته وضعفه.

ويتدرج في الضعف بحسب تباعد المرئي حتى لا يدركه، أو يدركه أصغر مما هو عليه.

ولا يلزم من قولنا "إن للبصر نوراً يقع في المرئي" أن يشتد النور إذا اجتمع بصراء كثيرة في موضع واحد قياساً على أنوار الكواكب والسرج، فإن ذلك الانضمام من خواص الأنوار المحسوسات، والملزومات المختلفة لا تستدعي الاشتراك في اللوازم.

وهذا القدر من التحقيق في تفسير القلب والسمع والبصر كافٍ بحسب المقام.

ثم اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم لقوله  ﴿ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة  ﴾ ولهذا يوقف على "سمعهم" دون "قلوبهم".

وفي تكرير الجار إيذان باستقلال الختم على كل من القلب والسمع، وإنما وحد السمع لوجوه منها: أمن اللبس كما في قوله: كلوا في بعض بطنكم تعفوا.

فإن زمانكم زمن خميص.

إذ لا يلتبس أن لكل واحد بطناً، ولهذا إذا لم يؤمن نحو فرسهم وثوبهم والمراد الجمع رفضوه.

ومنها أن السمع في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع فلمح الأصل، ولهذا جمع الأذن في قوله ﴿ وفي آذاننا وقر  ﴾ .

ومنها أن يقدر مضاف محذوف أي على حواس سمعهم، ومنها الاستدلال بما قبله وبما بعده على أن المراد به الجمع مثل ﴿ عن اليمين والشمائل  ﴾ ﴿ يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ .

السابعة: من الناس من قال: السمع أفضل من البصر، لتقديمه في اللفظ ولأنه شرط النبوة.

فما بعث رسول أصم بخلاف البصر فمن الأنبياء من كان مبتلى بالعمى، ولأن السمع سبب وصول المعارف ونتائج العقول إلى الفهم، والبصر سبب وصول المحسوسات إلى المبصر.

ولأن السمع يتصرف في الجهات الست دون البصر، ولأن فاقد السمع في الأصل فاقد النطق، بخلاف فاقد البصر.

ومنهم من فضل البصر لأن متعلق الأبصار النور، ومتعلق الأسماع الريح.

والبصر يرى من بعيد دون السمع، ولأن عجائب الله  في تخليق العين أكثر منها في تخليق السمع.

وقد أسمع الله كلامه موسى من غير سبق سؤال ونوقش في الرؤية وفي المثل "ليس وراء العيان بيان".

وفي العين جمال الوجه دون السمع.

والحق أن من فقد حساً فقد فقد علماً وهو المتوقف على ذلك الحس.

ولا ريب أن معظم العلوم يتوقف تحصيلها على البصر والإرشاد، والتعليم على الإطلاق يتوقف على السمع.

فكل من الحواس في موضعه ضروري، وتفضيل البعض على البعض تطويل بلا طائل، فسبحان من دقت في كل مصنوع حكمته وأحسن كل شيء خلقه.

الثامنة: الآية الأولى فيها الإخبار بأن الذين كفروا لا يؤمنون، والإنذار وعدمه عليهم سيان.

والآية الثانية فيها بيان السبب الذي لأجله لم يؤمنوا وهو الختم والتغشية، فاحتج أهل السنة بالآيتين ونظائرهما على تكليف ما لا يطاق، وعلى أن الله  هو الذي خلق فيهم الداعية الموجبة للكفر وختم على قلوبهم وسمعهم ومنعهم عن قبول الحق والصدق، وكل بتقديره ولا يسأل عما يفعل.

وأما المعتزلة وأمثالهم فيقولون: كيف ينشئ فيهم الكفر ثم يقول: لم تكفرون؟

وخلق فيهم ما به لبس الحق بالباطل ثم يقول لم تلبسون الحق بالباطل؟

ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن الكفر باختيار العبد وقدرته.

فتأولوا الآية على انها جارية مجرى قولهم "فلان مجبول على كذا أو مفطور عليه" يريدون أنه بليغ في الثبات عليه، أو على أنها تمثيل لحال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليه حتى دخلوا في زمرة الأنعام لا تعي شيئاً ولا تفقه كقولهم "سال به الوادي" إذا هلك، و "طارت به العنقاء" إذا أطال الغيبة.

وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته، وإنما مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء، والشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر.

إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره ومكنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب في قولهم "بنى الأمير المدينة" أو أنهم لما ترقى أمرهم في التصميم على الكفر إلى حدّ لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء، ثم لم يقسرهم الله ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض من التكليف، عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم.

أو يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً بهم من قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب  ﴾ ويحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال: لا، لأنهم نزهوه عما يشبه الظلم والقبيح ولا يليق بالحكمة.

وسئل عن أهل الجبر فقال: لا، لأنهم عظموه حتى لا يكون لغيره قدرة وتأثير وإيجاد.

وزعم الإمام فخر الدين أن إثبات الإله يلجئ إلى القول بالجبر لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع، وإثبات الرسول يلجئ إلى القول بالقدر لأنه لو لم يقدر العبد على الفعل فأيّ فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب؟

أو نقول: لما رجعنا إلى الفطرة السليمة وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه يترجح أحدهما على الآخر إلا المرجح، وهذا يقتضي الجبر.

ونجد تفرقة ضرورية بين حركات الإنسان الاختيارية وبين حركات الجمادات والحركات الاضطرارية، وذلك يقتضي مذهب الاعتزال فلذلك بقيت هذه المسألة في حيز الإشكال.

قلت - وبالله  التوفيق -: عندي أن المسألة في غاية الاستنارة والسطوع إذا لوحظت المبادئ ورتبت المقدمات، فإن مبدأ الكل لو لم يكن قادراً على كل الممكنات وخرج شيء من الأشياء عن علمه وقدرته وتأثيره وإيجاده بواسطة أو بغير واسطة لم يصلح لمبدئية الكل.

فالهداية والضلالة، والإيمان والكفر، والخير والشر، والنفع والضر، وسائر المتقابلات، كلها مستندة ومنتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإردته.

والآيات الناطقة بصحة هذه القضية كقوله  ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين  ﴾ ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها  ﴾ ﴿ قل كل من عند الله  ﴾ كثيرة.

وكذا الأحاديث "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" "احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى" الحديث.

فهذه القضية مطابقة للعقل والنقل، وبقي الجواب عن اعتراضات المخالف.

أما حكاية التنزيه عن الظلم والقبائح فأقول: لا ريب أنه تعالى منزه عن جميع القبائح، ولكن لا بالوجه الذي يذكره المخالف إذ يلزم منه النقص من جهة أخرى وهو الخلل في مبدئيته للكل وفي كونه مالك الملك.

بل الوجه أن يقال: إن لله تعالى صفتي لطف وقهر، ومن الواجب في الحكمة أن يكون الملك.

ولا سيما ملك الملوك، كذلك، إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر، ومن منع ذلك كابر وعاند.

ولا بد لكل من الوصفين من مظهر، فالملائكة ومن ضاهاهم من الأخيار مظاهر اللطف، والشياطين ومن والاهم من الأشرار مظاهر القهر، ومظاهر اللطف هم أهل الجنة والأعمال المستتبعة لها، ومظاهر القهر هم أهل النار والأفعال المعقبة إياها.

وههنا سر وهو أن اللطف والقهر والجنة والنار إنما يصح وجود كل من كل منهما بوجود الآخر، فلولا القهر لم يتحقق اللطف، ولولا النار لم تثبت الجنة، كما أنه لولا الألم لم تتبين اللذة، ولولا الجوع والعطش لم يظهر الشبع والري.

ولله در القائل: "وبضدها تتبين الأشياء".

فخلق الله  للجنة خلقاً يعملون بعمل أهل الجنة، وللنار خلقاً يعملون بعمل أهل النار.

ولا اعتراض لأحد عليها في تخصيص كل من الفريقين بما خصصوا به فإنه لو عكس الأمر لكان الاعتراض بحاله.

وههنا تظهر حقيقة الشقاوة والسعادة ﴿ فمنهم شقي وسعيد  ﴾ الآية: وقال  : "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد" الحديث.

وإذا تؤمل فيما قلت، ظهر أن لا وجه بعد ذلك لإسناد الظلم والقبائح إليه  ، لأن هذا الترتيب والتمييز من لوازم الوجود والإيجاد كما يشهد به العقل الصريح، ولا سيما عند المخالف القائل بالتحسين والتقبيح العقليين.

وليت شعري لم لا ينسب الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرفه وزيراً قريباً وبعضهم كناساً بعيداً لأن كلاً منهما من ضرورات المملكة، وينسب الظلم إليه  في تخصيص كل من عبيده بما خصص به، مع أن كلاً منهم ضروري في مقامه؟!

فهذا القائل بهدم بناء حكمته،  ، ويدعي أنه يحفظه فأفسد حين أصلح.

وأما قوله "أي فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب" ففي غاية السخافة، لأنا لما بينا أنه  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فكيف يبقى للمعترض أن يقول: لما جعل الله  الشيء الفلاني سبباً وواسطة للشيء الفلاني؟

كما أنه ليس له أن يقول مثلاً لم جعل الشمس سبباً لإنارة الأرض؟

غاية ما في الباب أن يقول إذا علم الله  أن الكافر لا يؤمن فلم يأمره بالإيمان ويبعث إليه النبي  فأقول: فائدة بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالحقيقة ترجع إلى المؤمنين الذين جعل الله بعثهم وإنزالها سبباً وواسطة لاهتدائهم ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها  ﴾ كما أن فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحاح.

وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى المختوم على قلوبهم فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكمه ﴿ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون  ﴾ غاية ذلك إلزام الحجة وإقامة البينة عليهم ظاهراً ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل  ﴾ ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً  ﴾ وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم في أصل الخلقة ناقصون أشقياء.

وهذا المعنى ربما لا يظهر لهم أيضاً لغاية نقصانهم كما أن الأكمة ربما لا يصدق البصراء ولا يعرف أن التقصير والنقصان منه، وأن سائر الشرائط من محاذاة المرئي وظهور النير موجودة وإنما يعرف نقصانهم أرباب الأبصار.

وأما حديث التفرقة الضرورية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية كالرعشة مثلاً فأقول: لا ريب أن للإنسان إرادات وقوى بها يتم له حصول الملائم واجتناب المنافي، إلا أن تلك الإرادات والقوى مستندة إلى الله  ، فكأنه لا اختيار له.

والتفرقة المذكورة سببها في أن الرعشة نقصت واسطة هي الداعية، وفي الحركة المسماة بالاختيارية زادتواسطة فافهم هذه الحقائق والإشارات واستعن بها في سائر ما يقرع سمعك من هذا القبيل،فلعلنا لا نكررها في كل موضع حذراً من التطويل.

ومن لم يستضئ بمصباح لا يستفيدبإصباح ﴿ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل  ﴾ .

التاسعة: العذاب مثل النكال؛ بناء ومعنى، لأنك تقول: أعزب عن الشيء إذا أمسك عنه كما تقول: نكل عنه.

ومنه العذاب لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده.

ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذاباً وإن لم يكن نكالاً أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة.

والفرق بين العظيم والكبير، أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، ويستعملان في المعاني والأعيان جميعاً.

تقول: رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره.

ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله.

ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله نعوذ بالله منه.

العاشرة:اتفق المسلمون أكثرهم على أنه يحسن من الله  تعذيب الكفار.

وقال بعضهم: لا يحسن، وفسروا قوله "ولهم عذاب عظيم" وكذا كل وعيد ورد في القرآن بأنهم يستحقون ذلك، لكن كرمه يوجب عليه العفو.

وذكروا أيضاً دلائل عقلية مبنية على الحسن والقبح كقولهم: التعذيب ضرر خالٍ عن المنفعة لأن الله  منزه عن ذلك والعبد يتضرر به، ولو سلم أنه ينتفع به فالله قادر على إيصال النفع إليه من غير توسط ذلك العذاب، والضرر خال عن المنافع قبيح بالبديهة.

وكقولهم: علم أن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان، فتكليفه أمراً متى لم يفعل ترتب عليه العذاب، وما كان مستعقباً للضرر من غير نفع كان قبيحاً، فلم يبق إلا أن يقال: لم يوجد هذا التكليف، أو وجد لكنه لا يستعقب العقاب.

وكقولهم: إنه  هو الخالق لداعية المعصية، فيقبح أن يعاقب عليها.

وكقولهم: إن العبد لو واظب على الكفر طول عمره فإذا تاب ثم مات عفا الله عنه.

أترى هذا الكرم العظيم ما بقي في الآخرة، أو سلبت عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون عن معاصيهم، وإذا تابوا فلم لا يقبل الله منهم توبتهم؟

ولم كان في الدنيا بحيث قال: ﴿ ادعوني أستجب لكم  ﴾ وفي الآخرة بحيث لا يجيب دعاءهم إلا بقوله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] وأجيب بأن تعذيبهم نقل إلينا بالتواتر عن النبي  فلا مصير إلى إنكاره، والشبه التي تمسكتم بها تنهدم بانهدام قاعدة الحسن والقبح.

وأقول: قد بينت بالبرهان النير في المسألة الثامنة أن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في حكمته  ، وكل ما تقتضيه حكمته وكماله كان حسناً.

ومن ظن أنه قبيح كان الخلل في عقله وقصور في فهمه، فلا قبيح في النظر إلا وهو حسن من جهات أخرى لا يعلمها إلا منشئها وموجدها.

وهل يستقبح أحد وقوع بعض الأحجار للملوك تيجاناً وبعضها للحشوش جدراناً، أو وقوع بعض من الحديد سيفاً يتقلده الناس وبعضه نعلاً يطؤها الأفراس، حيث يرى كلاً منهما في مصالح الوجود ضرورياً؟

ثم العذاب وهو بالحقيقة البعد من الله  لازم للكفر والعصيان، والملزوم لا ينفك من اللازم.

وأما سبب عدم انتفاع الكافر والعاصي بالإيمان والتوبة بعد المفارقة، فذلك أن محل الكسب هو الدنيا، والتكليف بامتثال الأوامر والنواهي إنما وقع فيها.

فليس لأحد أن يؤخر الامتثال إلى الآخرة.

ألا ترى أنه لو قال طبيب حاذق لمريض: اشرب الدواء الفلاني في اليوم الفلاني فقصر وأخر حتى إذا مضى وقته وأشرف على الهلاك قال: إني أشرب الآن، لم ينفعه ذلك الدواء ولا يسعه إلا الهلاك؟

وكذا لو قال ملك لواحد: افعل الأمر الفلاني في هذا الوقت ففعله في وقت آخر لم يعد ممتثلاً ولا ينفعه الائتمار به لأن غرض الامتثال قد فات، ولا سيما إذا فعل بعد أن يرى أمارات الغضب وعلامات العذاب { ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون  ﴾ .

 .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

﴿ الۤـمۤ ﴾ قيل: فيه وجوهٌ: روى عن ابن عباس -  ما - قال: قوله: ﴿ الۤـمۤ ﴾ أنا الله أعلم.

وقيل: إنه قسم أقسم بها.

وقيل: إن هذه الحروف المعجمة مفتاح السورة.

وقيل: إن كل حرف من هذه الحروف كناية اسم من أسماءِ الله: الأَلف الله، واللام لطفه، والميم ملكه.

وقيل: إن اللام آلاؤه، والميم مجدهُ.

وقيل: إن الأَلف هو الله، واللام جبريل، والميم محمد.

وقيل: إنها من التشبيب؛ ليفصل بين المنظوم من الكلام، والمنثور من نحو الشعر ونحوه.

وقيل: إن تفسير هذه الحروف المقطعة ما أَلحق ذكرها بها على أَثرها نحو قوله: ﴿ الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ \[أول سورة البقرة\]، ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ هو تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ \[أول سورة آل عمران\]، ﴿ الۤمۤصۤ * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ \[أول سورة الأعراف\]، و ﴿ الۤر كِتَابٌ ﴾ \[أول سورة هود، وإبراهيم\]، و ﴿ الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ﴾ \[أول سورة لقمان\] كلُّ ملحقٍ بها فهو تفسيرُها.

وقيل: إن فيها بيان غاية ملك هذه الأُمة من حساب الجُمَّل، ولكنهم عدوا بعضها وتركوا البعض.

وقيل: إنه من المتشابه الذي لم يطلع الله خلقه علم ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاءَ من المحن.

وقيل: إنهم كانوا لا يستمعون لهذا القرآن؛ كقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً  ﴾ فأنزل الله عز وجل هذه الحروف المعجمة ليستمعوا إليها فيلزمهم الحجة.

والأصل في الحروف المقطعة: أنه يجوز أن تكون على القَسَم بها على ما ذكرنا.

وأريد بالقدْر الذي ذكر كليةُ الحروف بما كان من شأْن العرب القسمُ بالذي جلَّ قدْرُه، وعظم خطره.

وهي مما بها قوام الدارين، وبها يتصل إلى المنافع أَجمع.

مع ما دّلت على نعمتين عظيمتين - اللسان والسمع - وهما مجرى كل أنواع الحكمة، فأَقسم بها على معنى إضمار ربّها، أَو على ما أَجلّ قدرها في أعين الخلق، فيقسم بها، ولله ذلك، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: أَن يكون بمعنى الرمز والتضمين في كل حرف منها أمراً جليلاً يعظم خطره على ما عند الناس في أَمر حساب الجُمل.

ثم يُخرَّج على الرمز بِها عن أَسماءِ الله وصفاته ونعمه على خلقه، أَو على بيانِ منتهى هذه الأُمة، أَو عددِ أَئمتها، وملوكها، والبقاع التي ينتهي أمرها، وذلك هو في نهاية الإيجاز، بل بالاكتفاءِ بالرمز عن الكلام، وبما هو بمعنى من الإشارة في الاكتفاءِ بها عن البسط، ولا قوة إلا بالله؛ ليُعلم الخلائقَ قدرة الله، وأَنَّ له أَنْ يضمن ما شاء فيما شاءَ على ما عليه أَمرُ الخلائق من لطيف الأَشياءِ التي كادت العقولُ وأَسباب الإدراك تقصر عنها، وكنهِها التي يدركها كل أَحد، وبين الأَمرين، فعلى ذلك أَمر تركيب الكلام، ولا قوة إلا بالله.

ويجوز أن يكون بمعنى اسم السور، ولله تسميتها بما شاءَ كما سمى كتبه، وعلى ذلك منتهى أَسماءِ الأَجناس خمسة أحرف، وكذلك أمر السور، دليل ذلك وصْلُ كل سورة فتحت بها إليها، كأَنه بنى بها.

ولا قوة إلا بالله.

ويجوز أن يكون على التشبيب، على ما ذكرنا للتفصيل بين المنظوم من الكلام والمنثور في المتعارف أن المنظوم في الشاهد يشبب فيخرج عن المقصود بذلك الكلام، فعلى ذلك أمر الكلام المنزل.

أَلا ترى أَنه خرج على ما عليه فنون الكلام في الشاهد إلا أَنه على وجه ينقطع له المثال من كلامهم، فمثله أَمر التشبيب.

ولا قوة إلا بالله.

وجائِز: أن يكون الله أَنزلها على ما أَراد؛ ليمتحن عبادَه بالوقف فيها، وتسليم المراد في حقيقة معناه والذي له يزول ذلك، ويعترف أَنه من المتشابه، وفيها جاءَ تعلق الملحدة، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: أَن يكون إذ علم الله من تعنت قوم وإعراضهم عنه وقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ أَنزل على وجه يبعثهم على التأَمل في ذلك بما جاءَ بالعجيب الذي لم يكونوا يعرفون ذلك: إما لما عندهم أَنه كأَحدهم، أو لسبيل الطعن؛ إذ خرج عن المعهود عندهم، فتلا عليهم ما يضطرهم إلى العلم بالنزول من عند من يملك تدبير الأشياءِ؛ ولذلك اعترضوا لهذه الأَحرف بالتأَمل فيها من بين الجميع.

ولا قوة إلا بالله.

وقيل: إنه دعا خلقه إلى ذلك، والله أَعلم بما أَراد.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ .

أي: هذا الكتاب، إشارة إلى ما عنده، وذلك شائع في اللغة، جائز بمعنى هذا.

وقيل: ذلك بمعنى ذلك، إشارة إلى ما في أَيدي السفرة والبررة.

وقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

قيل: فيه وجوهٌ؛ لكن الحاصل يرجع إلى وجهين: أي: لا ترتابوا فيه أنه من عند الله.

وقيل: لا ريب فيه أنه منزل على أَيدي الأُمناءِ والثقات.

وقوله: ﴿ هُدًى ﴾ .

قيل فيه بوجهين: ﴿ هُدًى ﴾ : أَي: بياناً ووضوحاً، فلو كان المراد هذا، فالتَّقيُّ وغير التَّقِيِّ سواء.

والثاني: هُدىً أي: رشداً، وحجة، ودليلاً.

ثم اختلفوا في الدليل: فقال الراوندي: الدليل إنما يكون دليلاً بالاستدلال؛ لأَنه فعل المستدل.

مشتق من الاستدلال؛ كالضرب من الضارب وغيره.

وقال غير هؤلاءِ: الدليل بنفسه دليل، وإن لم يستدل به؛ لأَنه حجة، والحجة حجة وإن لم يحتج بها.

غير أَن الدليل يكون دليلاً بالاستدلال، ومن لم يستدل به فلا يكون له دليلاً، وإن كان بنفسه دليلاً، بل يكون عليه عمى وحيرة كقوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ  ﴾ ثم قال: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً  ﴾ .

وقوله: ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

قيل: فيه بوجهين: يؤمنون بالله غيباً، ولم يطلبوا منه ما طلبه الأُمم السالفة، من أنبيائهم؛ كقول بني إسرائيل لموسى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ .

والثاني: يؤمنون بغيب القرآن، وبما يخبرهم القرآن من الوعدِ والوعيدِ، والأَمر والنهي، والبعث، والجنة، والنار.

والإيمانُ إنما يكون بالغيب؛ لأَنه تصديق، والتصديقُ والتكذيب إنما يكونان عن الخبر، والخبرُ يكون عن غيب لا عن مشاهدة.

والآية تنقض قول من يقول: بأَن جميع الطاعات إيمان؛ لأَنه أَثبت لهم اسم الإيمان دون إقامة الصلاة والزكاة بقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: الصلاةَ المعروفةَ، يقيمونها بتمام ركوعها وسجودها، والخشوغ، والخضوع له فيها، وإخلاص القلب في النِّية؛ على ما جَاءَ في الخبر "انْظُر مَنْ تُنَاجِي" ويحتمل: الحمد له والثناء عليه.

فإن كان المراد هذا فهو لا يحتمل النسخ، ولا الرفع في الدنيا والآخرة.

وقوله: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ .

من الأموال يحتمل فرضاً ونفلاً.

ويحتمل: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ من القوى في الأَنفس وسلامة الجوارح، ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾ : يعينون.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

يحتمل وجهين: أي: ما أنزل إليك من القرآن.

ويحتمل: ما أنزل إليك من الأَحكام، والشرائع التي ليس ذكرها في القرآن.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ .

يحتمل وجهين أيضاً: يعني الكتب التي أنزلت على سائِر الأَنبياءِ عليهم السلام.

ويحتمل: الشرائع، والأَخبار سوى الكتب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ .

بمعنى يؤمنون.

والإيقان بالشيء هو العلم به.

والإيمان هو التصديق، لكنه إذا أَيقن آمن به وصدق به لعلمه به؛ لأَن طائفة من الكفار كانوا على ظن من البعث؛ كقوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ  ﴾ فأَخبر عز وجل عن حال هؤلاءِ أَنهم على يقين، ليسوا على الظن والشك كأُولئك.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .

قِيل: على صواب، ورشد من ربهم.

وقيل: إنهم على بيان من ربهم، لكن البيان ليس المؤمنُ أحقَّ به من الكافر؛ لأَنه يبين للكافر جميع ما يحتاج إليه، إما من جهة العقل، وإما من جهة السمع.

فظهر بهذا أَن الأَول أَقرب إلى الاحتمال من الثاني.

وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: الباقون في نعم الله والخير.

وقيل: الظافرون بحاجاتهم، يقال: أَفلح، أَي: ظفر بحاجته.

وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ هم السعداءُ، يقال: أَفلح، أي: سعد.

وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ الناجون؛ يقال: أَفلح، أي: نجا.

وكله يرجع إلى واحد؛ كقوله: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ  ﴾ وكل واحد ممن زحزح عن النار فقد فاز ومن أُدخل الجنة فقد فاز فكذلك الأَول.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن الناس طائفة يزعمون أنهم مؤمنون، يقولون ذلك بألسنتهم خوفًا على دمائهم وأموالهم، وهم في الباطن كافرون.

<div class="verse-tafsir" id="91.JwW2b"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان الذي تقدم بيانًا من الله تعالى لصنفين من الناس لهم في القرآن هداية ولنفوسهم إلى الاهتداء به انبعاث: الأول - من الصنفين أولئك الذين يبلغهم لأول مرة، وهم ممن يخشى الله ويهاب سلطانه، وفي أصول اعتقادهم الإيمان بما وراء الحس، على ما تقدم.

والثاني - أولئك الذين آمنوا بما أنزل إلى النبي  وما أنزل من قبله.

وهذا الصنف قد يجتمع مع الذي قبله فيمن كانوا متقين مؤمنين بالغيب، ثم آمنوا بالنبي وبما جاء به، وقد يفترق الصنفان فيمن بقي إلى اليوم لم تبلغه الدعوة وهو على تلك الأوصاف، ومن ولد من آباء مؤمنين ثم صدق إيمانه بعد أن بلغ رشده وملك عقله.

أما هاتان الآيتان فقد بينتا حال طائفة ثالثة من الناس وهم الكافرون، ثم يبين قوله تعالى ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ  ﴾ الخ..

حال طائفة أخرى أخص منها وهم المنافقون، الذين يظهر من أقوالهم وفي بعض أفعالهم أنهم مؤمنون، ولكنهم في حقيقة أمرهم كافرون، بل شر من الكافرين.

فهذه أقسام أربعة ينقسم إليها الناس إذا بلغهم القرآن ونظروا فيه، ودعوا إلى الإيمان به والأخذ بهديه.

بيَّن الله تعالى لنبيه أنه إذا كان يوجد في الناس من لا يؤمن بالقرآن فليس هذا عيبًا وتقصيرًا في هداية الكتاب، وإنما العيب فيهم لا في الكتاب، لأنه هداية كسائر الهدايات الطبيعية التي أعرض الناس وعموا عنها، كهداية العقل والسمع والبصر ونحوها مما أكرم الله به هذا النوع البشري، وقد يحكم الرجل بأن في العمل مضرة تلحق به، ومع ذلك يعدل عن حكمه انتهازًا للذة زينها له حسه أو وهمه، ويأتي ذلك العمل على ما يعلم من سوء مغبته، فاحتقار الرجل لعقل نفسه لا يعد عيبًا في تلك الموهبة الإلهية ولا يحط من شأن النعمة فيها.

انظر إلى رجل يغمض عينيه ويمشي في طريق لا يعرفها فيسقط في حفرة وتتحطم عظامه، هل ينقص ذلك من قدر بصره، ويبخس من حق الله في الإحسان به، على هذا الذي لم يرد أن يستعمله فيما خلق له؟!

ففي الكلام تسلية لأهل الحق وسيدهم هو النبي  ، فهو تسلية له أولًا وبالأولى.

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ ..

الكفر هنا عبارة عن جحود ما صرح الكتاب المنزل أنه من عند الله، أو جحود الكتاب نفسه، أو النبي الذي جاء به، وبالجملة ما علم من الدين بالضرورة بعد ما بلغت الجاحد رسالة النبي  بلاغًا صحيحًا، وعرضت عليه الأدلة على صحتها لينظر فيها فأعرض عن شيء من ذلك وجحد عنادًا أو تساهلًا أو استهزاءً.

نعني بذلك أنه لم يستمر في النظر حتى يؤمن.

ولم نسمع أن أحدًا من الصحابة  ، كفر أحدًا بما وراء هذا.

فما عداه من الأفاعيل والأقاويل المخالفة لبعض ما أسند إلى الدين، ولم يصل العلم بأنه منه إلى حد الضرورة -أي لم يكن سنده قطعيًا كسند الكتاب- فلا يعد منكره كافرًا إلا إذا قصد بالإنكار تكذيب النبي  ، فمتى كان للمنكر سند من الدين يستند إليه فلا يكفر، وإن ضعفت شبهته في الاستناد إليه، ما دام صادق النية فيما يعتقد، ولم يستهن بشيء مما ثبت بالقطع وروده عن المعصوم  .

وقد تجرأ بعض المتأخرين على تكفير من يتأول بعض الظنيات، أو يخالف شيئًا مما سبق الاجتهاد فيه، أو ينكر بعض المسائل الخلافية، فجرؤوا الناس على هذا الأمر العظيم، حتى صاروا يكفرون من يخالفهم في بعض العادات، وإن كانت من البدع المحظورات، ثم هم على عقائد الكافرين، وأخلاق المنافقين، ويعملون أعمال المشركين ويصفون أنفسهم بالمؤمنين الصادقين.

الكافرون أقسام: (منهم) من يعرف الحق وينكره عنادًا، وهؤلاء هم الأقلون ولا ثبات لهم ولا قوام، وكان منهم في زمن النبي  جماعة من المشركين واليهود، ولم يلبثوا أن انقرضوا.

كنت قلت في هذا المعنى كلمة جديرة بأن تحفظ وهي:"إن جحود الحق مع العلم به كاليقين في العلم كلاهما قليل في الناس".

(ومنهم) من لا يعرف الحق، ولا يريد ولا يحب أن يعرفه، وهم الذين قال الله تعالى فيهم ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ  وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ .

هؤلاء كلما صاح بهم صائح الحق فزعوا ونفروا، وأعرضوا واستكبروا، ففي أنفسهم شعور بالحق، ولكنهم يجدون فيها زلزلة، كلما لاح لهم شعاعه يحجبونه عن أعينهم بأيديهم، وسبب ذلك أنهم لم يستعملوا أنظارهم في فهم الحق، ويخافون لو استعملوها أن ينقصهم شيء مما يظنونه خيرًا ويتوهمونه معقودًا بعقائدهم التي وجدوا عليها آباءهم وساداتهم.

(ومنهم)من مرضت نفسه واعتل وجدانه، فلا يذوق للحق لذة، ولا تجد نفسه فيه رغبة، بل انصرف عنه إلى هموم أُخَرَ، ملكت قلبه وأسرت فؤاده، كالهموم التي غلبت أغلب الناس اليوم على دينهم وعقولهم، وهي ما استغرقت كل ما توفر لديهم من عقل وإدراك، واستنفدت كل ما يملكون من حول وقوة في سبيل كسب مال أو توفير لذة جسمانية، أو قضاء شهوة وهمية، فعمي عليهم كل سبيل سوى سبل ما استهلكوا فيه، فإذا عرض عليهم حق أو ناداهم إليه منادٍ، رأيتهم لا يفهمون ما يقول الداعي ولا يميزون بين ما يدعو إليه، وبين ما هم عليه، فيكون حظ الحق منهم الاستهزاء والاستهانة بأمره، فإذا وعدهم أو أوعدهم النذير، قالوا: لا نصدق ولا نكذب حتى ننتهي إلى ذلك المصير، وهذا القسم، كالذي قبله، كثير العدد في الناس في كل زمان ومكان، خصوصًا في الأمم التي يفشو فيها الجهل، وتنطمس من أفرادها أعين الفطرة، وتنضب من أنفسهم ينابيع الفضائل، فيصبحون كالبهائم السائمة لا همَّ لهم إلا فيما يملأ بطونهم أو يداعب أوهامهم، ويصح جمع هذين القسمين تحت قسم واحد وهو قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين، والقسم الأول هو قسم المعاندين المكابرين.

فكل من هذه الفرق ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ  ﴾ ..

الإنذار الإخبار والإعلام بالشيء المقترن بالتخويف مما يترتب عليه من فعل يتضمن ذمه وطلب تركه أو ترك لأمر يتضمن مدحه وطلب فعله، نصًا أو اقتضاءً، والسواء اسم مصدر بمعنى الاستواء.

والمعنى أن الذين كفروا ولم يدخلوا في قسم المستعدين للإيمان لرسوخهم في الكفر، يستوي الإنذار وعدمه بالنسبة إليهم في الواقع، فالذي يعرض عن النور مع العلم به ويغمض عينيه كيلا يراه بغضًا له لذاته أو تأذيًا به، أو عنادًا وعداوة لمن دعاه إليه - ماذا يفيده النور، وماذا يعيب النور من إعراضه؟

والذي لا يعرف النور ولا يحب أن يعرفه لأن فساد طبيعته وخبث تربيته أنآه عنه وأبعده، وجعله يألف الظلمة كالخفاش، أو أفسد الجهل وجدانه فأصبح لا يميز بين نور وظلمة، ولا بين نافع وضار، ولا بين لذيذ ومؤلم، ماذا عساه يفيده النور مهما سطع، أو يؤثر فيه الضوء مهما ارتفع.

ثم وصف سبحانه فقدهم لهذا الاستعداد، ورسوخهم في الكفر الذي لم يبق معه محل لغيره بهذا التعبير البليغ ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ  ﴾ .

يقولون إن الختم والطبع والرين ألفاظ تجري على شيء واحد وهو: تغطية الشيء والحيلولة بينه وبين ما من شأنه أن يدخله ويمسه، والقلوب مراد بها العقول، والمراد بالسمع والأسماع، وأفراده لأن أصله مصدر ومن شأن المصادر أن لا تجمع، وقد لوحظ هنا الأصل، والأبصار العيون التي تدرك المبصرات من الأشكال والألوان.

وأنا أرى في مسألة هذا الجمع والإفراد رأيًا آخر، إذ لو صح ما قيل فإن البصر أيضًا مصدر فلماذا جمعه؟..

والذي أراه أن العقل له وجوه كثيرة في إدراك المعقولات، فليس الناس فيه سواء، فجمع لاختلاف الناس فيه، وأنواع تصرفهم في وجوهه، بخلاف السمع فإن أسماع الناس تتساوى في إدراك المسموعات، فلا تتشعب تشعب العقول في إدراك المعقولات، وأما الأبصار فهي مثل العقول في التشعب، وأعظم معين للعقول في إدراكها، لأن أنواع المبصرات كثيرة فتعطي للعقل مواد كثيرة، والسمع لا يدرك إلا الصوت، وليس في الكلام عند النقل طريق من طرق العلم اليقيني إلا التواتر، بخلاف ما نقطع فيه الضرورة من طريق العقل والبصر فهو كثير، فالأوليات: كالحكم بأن الجزء أصغر من الكل وأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، والقضايا التي قياساتها معها، من المعقولات المحضة.

والتجربيات والحدسيات يشترك فيها العقل والبصر، والقسم الأعظم من المشاهدات سبيل الإدراك فيه البصر، فالعقول والأبصار بمنزلة ينابيع كثيرة تنبجس من كل منها عيون للعلم مختلفة، بخلاف السمع فإنه ينبوع واحد لا اختلاف فيما يصدر عنه، فالحاصل أن العقول والأبصار تتصرف في مدركات كثيرة فكأنها صارت بذلك كثيرة فجمعت، وأما السمع فلا يدرك إلا شيئًا واحدًا فأفرد.

وهنا يسأل سائل: كيف هذا وقد قالوا: إن السمع أفضل من البصر؟

والجواب: أنا لا أتكلم في التفضيل، ذلك إلى الله ورسوله، وإنما أشرح موجودًا وأبين مناسبة اللفظ له، وأن المشاهدة قاضية بأن العقل لا منتهى لتصرفه، وبأن أقل ما قيل في البصر أنه يدرك الألوان، والأشكال، والمقادير، والسمع لا يدرك إلا الأصوات فقط، كما أن الذوق لا يحس إلا بالمذوقات وحدها، وإن كان ما يصل من طريق السمع قد يتضمن حكاية عن معقول أو مبصر، ولكن وروده على الحكاية لا يغير من حقيقته، فهو معقول أو مبصر.

فمن ذكر لك برهانًا على حقيقة علمية فإنما تسمع منه الأصوات والحروف، وأما فهمك المقدمات ووصولك منها إلى النتائج فهو من طريق عقلك لا من طريق سمعك، فإن كان حديث الأفضلية يستند إلى جميع المدركات قد يمكن أن يعبر عنها بالكلم -وهو مسموع- فقد بينا لك ما فيه، ويعارضه أن جميع ضروب الكلام يصح أن تكتب وطريق فهمها من الرقم إنما هو البصر، والحق أن المعول عليه في تعدد الطريق ليس ما يكون من قبيل الحكاية، بل ما يكون من طبيعة القوة.

وأما انطباق الكلام على تلك الأقسام السابقة وبيان حرمانهم وكونهم كما وصفوا -فهو بالنسبة إلى الطائفة التي عاندت الحق وهي تعرفه- ظاهر، لأنهم لما عاندوا الحق، لأنه لم يأت على أيديهم، فقد طبع على قلوبهم بطابع ذلك العناد نفسه، فإنه قد حيل بين عقولهم وإدراك ما يصيرون إليه بالإصرار على الباطل من ضعف أمر وفساد حال في الدنيا، وشقاء وخلود في نكال الآخرة، ثم هم قد حجبوا به عن إدراك ما يتبع ذلك الحق من المعارف والحقائق الأخرى، فقد ختم على قلوبهم بالنسبة إلى ما حجبوا عنه.

وأما الختم على سمعهم فلأنهم صموا عن سماع الحق واستماع القول لفهمه، فمن أعرض عن فهم الحق فهو لم يسمع إلا صوتًا لم ينفذ شيء من معناه إلى موضع الإدراك الحقيقي منه، فقد ختم على سمعه فلا ينفذ إليه شيء ينتفع به.

وأما الأبصار فإنما كانت غشاوات عند هؤلاء الجاحدين، لأن فائدة البصر، هي التوقي من الخطر، والعبرة بما يبصر، فمن لم ينظر في الآيات الكونية التي تقع تحت بصره كل يوم، كأنه لم يبصر شيئًا منها، فقد ضرب على بصره بغشاوة.

وأما بالنسبة إلى القسمين الآخرين اللذين جمعا تحت قسم واحد وهو قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين كما سبق فالختم على القلوب والسمع والأبصار ظاهر، لأنهم لم ينتفعوا بشيء من هذه القوى حتى في فهم ما يعرض عليهم، ورؤية ما يقع تحت حواسهم.

والكلام كله ضرب من التمثيل يعرفه اللسان وتعهده اللغة.

ولما كان حديث الختم تمثيلًا لفقد حقيقة الفهم والحرمان من فوائد تلك المواهب الإلهية: مواهب العقل والسمع والأبصار كان إسناده إلى الله تأكيدًا لمعنى الحرمان، وتقريرًا لمعصية الخسران، لأن ما ختم بيد الله لا تفضه يد سواه.

وأما النكتة في استعمال الختم مع القلب والسمع، والغشاوة مع البصر، فهي أن الختم من شأنه أن يكون على المكنون المستور.

وهكذا موضع حس السمع، ومع الإدراك من العقل.

والأسماع في ظاهره الخلقة، وأما البصر فالحاسة منه ظاهرة منكشفة، ومثل هذه الدقائق هي المرادة بقول صاحب التلخيص"ولكل كلمة مع صاحبتها مقام".

والمعنى هو ما بيناه.

والله أعلم.

﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ التنكير فيه للتعظيم والتهويل، ووصفه مع ذلك بعظيم يدل على أنه بالغ حد العظمة كمًا وكيفًا، فهو شديد الإيلام، وطويل الزمان.

وهل هذا العذاب في الدنيا أم في الآخرة؟

قال في آية أخرى ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ فيؤخذ من هذه الآية ومن آيات أخرى أن الإعراض عن هدى الإسلام، وما أرشد إليه من إصلاح المعاش والمعاد، جزاؤه الضنك والضيق وفقد العزة والسلطة في الدنيا، والعذاب العظيم في العقبى.

وهنا يسأل سائل: هل الآية نص في التكليف بالمحال؟

والجواب: لا، وأنا لا أحب أن أحشر المسائل الخلافية في تفسير القرآن، بل أحب أن أبين المعنى الذي كان يفهمه الصحابة  ، وما كان يخطر على بال أحد منهم التكليف بالمحال.

على أن الاتفاق واقع بين الأئمة بل بين الأمة على أن التكليف بالمحال غير واقع، وإن الله"لا يكلف نفسًا إلا وسعها"كما صرح به الكتاب وتضافرت عليه الأحاديث النبوية، فما بقي من مواضع الخلاف لا يمس نصوص الكتاب العزيز الذي ﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل