الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٩ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 157 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( يخادعون الله والذين آمنوا ) أي : بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر ، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك ، وأن ذلك نافعهم عنده ، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين ، كما قال تعالى : ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ) [ المجادلة : 18 ] ؛ ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله : ( وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) يقول : وما يغرون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم ، وما يشعرون بذلك من أنفسهم ، كما قال تعالى : ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ) [ النساء : 142 ] .
ومن القراء من قرأ : " وما يخادعون إلا أنفسهم " ، وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد .
قال ابن جرير : فإن قال قائل : كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعا ، وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية ؟
قيل : لا تمتنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية ، لينجو مما هو له خائف ، مخادعا ، فكذلك المنافق ، سمي مخادعا لله وللمؤمنين ، بإظهاره ما أظهر بلسانه تقية ، مما تخلص به من القتل والسباء والعذاب العاجل ، وهو لغير ما أظهر ، مستبطن ، وذلك من فعله - وإن كان خداعا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسه بذلك من فعله خادع ، لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها ، ويسقيها كأس سرورها ، وهو موردها حياض عطبها ، ومجرعها بها كأس عذابها ، ومزيرها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به ، فذلك خديعته نفسه ، ظنا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه إليها محسن ، كما قال تعالى : ( وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) إعلاما منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم عليها ربهم بكفرهم ، وشكهم وتكذيبهم ، غير شاعرين ولا دارين ، ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون .
وقال ابن أبي حاتم : أنبأنا علي بن المبارك ، فيما كتب إلي ، حدثنا زيد بن المبارك ، حدثنا محمد بن ثور ، عن ابن جريج ، في قوله تعالى : ( يخادعون الله ) قال : يظهرون لا إله إلا الله يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم ، وفي أنفسهم غير ذلك .
وقال سعيد ، عن قتادة : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) نعت المنافق عند كثير : خنع الأخلاق ، يصدق بلسانه وينكر بقلبه ويخالف بعمله ، يصبح على حال ويمسي على غيره ، ويمسي على حال ويصبح على غيره ، ويتكفأ تكفؤ السفينة ، كلما هبت ريح هب معها .
القول في تأويل جل ثناؤه: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا قال أبو جعفر: وخداعُ المنافق ربَّه والمؤمنينَ، إظهارُه بلسانه من القول والتصديق، خلافَ الذي في قلبه من الشكّ والتكذيب، ليدْرَأ عن نفسه، بما أظهر بلسانه، حكمَ الله عز وجلّ - اللازمَ مَن كان بمثل حاله من التكذيب، لو لم يُظْهِرْ بلسانه ما أظهرَ من التصديق والإقرار - من القَتْل والسِّباء.
فذلك خِداعُه ربَّه وأهلَ الإيمان بالله.
فإن قال قائل: وكيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مُخادِعًا، وهو لا يظهر بلسانه خلافَ ما هو له معتقدٌ إلا تَقِيَّةً؟
قيل: لا تمتنعُ العربُ من أنْ تُسمّي من أعطى بلسانه غيرَ الذي هو في ضميره تَقِيَّةً لينجو مما هو له خائف, فنجا بذلك مما خافه - مُخادِعًا لمن تخلص منه بالذي أظهر له من التَّقيّة.
فكذلك المنافق، سمي مخادعًا لله وللمؤمنين، بإظهاره ما أظهر بلسانه تقيَّةً، مما تخلَّص به من القتل والسِّباء والعذاب العاجل, وهو لغير ما أظهر مستبطِنٌ.
وذلك من فعلِه - وإن كان خِدَاعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسه بذلك من فعله خادعٌ، لأنه يُظهر لها بفعله ذلك بها، أنه يُعطيها أمنيَّتها، وُيسقيها كأسَ سُرورها, وهو مُورِدُها به حِياض عَطَبها, ومجَرِّعها به كأس عَذابها, ومُزِيرُها من غَضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به (49) .
فذلك خديعَتُه نفسه، ظَنًّا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه إليها محسن, كما قال جل ثناؤه: وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ، إعلامًا منه عبادَه المؤمنين أنَّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفُسهم في إسخاطهم رَّبهم بكُفْرهم وشكِّهم وتكذيبهم - غيرُ شاعرين ولا دارين, ولكنهم على عَمْيَاء من أمرِهم مُقيمون.
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك، كان ابن زيد يقول.
320- حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت عبد الرحمن بن زيد عن قوله الله جل ذكره: ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) إلى آخر الآية, قال: هؤلاء المنافِقُون، يخادعون الله ورسولَه والذين آمنوا, أنهم مؤمنون بما أظهروا (50) .
وهذه الآية من أوضح الدليل على تكذيب الله جلّ ثناؤه الزاعمين: أن الله لا يُعذِّب من عباده إلا من كَفَر به عنادًا, بعد علمه بوحدانيته, وبعد تقرُّر صحة ما عاندَ ربّه تبارك وتعالى عليه مِن تَوْحيده، والإقرار بكتبه ورُسله - عنده.
لأن الله جلّ ثناؤه قد أخبرَ عن الذين وَصفهم بما وصفهم به من النفاق، وخِداعهم إياه والمؤمنين - أنهم لا يشعرون أنهم مُبْطلون فيما هم عليه من الباطل مُقِيمون, وأنَّهم بخداعهم - الذي يحسبون أنهم به يُخادعون ربهم وأهلَ الإيمان به - مخدوعون.
ثم أخبر تعالى ذكره أنّ لهم عذابًا أليمًا بتكذيبهم بما كانوا يكذِّبون من نبوة نبيّه، واعتقاد الكفر به, وبما كانوا يَكذِبون في زعمهم أنهم مؤمنون, وهم على الكفر مُصِرُّون.
فإن قال لنا قائل: قد علمت أن " المُفاعلة " لا تكون إلا من فاعلَيْن, كقولك: ضاربتُ أخاك, وجالست أباك - إذا كان كل واحد مجالس صَاحبه ومضاربَه.
فأما إذا كان الفعلُ من أحدهما، فإنما يقال: ضربتُ أخاك، وجلست إلى أبيك, فمَنْ خادع المنافق فجاز أن يُقال فيه: خادع الله والمؤمنين؟
قيل: قد قال بعضُ المنسوبين إلى العلم بلغات العرب (51) : إنّ ذلك حرفٌ جاء بهذه الصورة أعني" يُخَادِع " بصورة " يُفَاعل "، وهو بمعنى " يَفْعَل "، في حروفٍ أمثالها شاذةٍ من منطقِ العرب, نظيرَ قولهم: قاتَلك الله, بمعنى قَتَلك الله.
وليس القول في ذلك عندي كالذي قال, بل ذلك من " التفاعل " الذي لا يكون إلا من اثنين، كسائر ما يُعرف من معنى " يفاعل ومُفاعل " في كل كلام العرب.
وذلك: أن المنافق يُخادع الله جل ثناؤه بكَذبه بلسانه - على ما قد تقدّم وصفه - والله تبارك اسمه خادِعُه، بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاةُ نفسه في آجل مَعادِه, كالذي أخبر في قوله: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [سورة آل عمران: 178]، وبالمعنى الذي أخبرَ أنه فاعلٌ به في الآخرة بقوله: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [سورة الحديد: 13]، فذلك نظيرُ سائر ما يأتي من معاني الكلام بـ " يُفاعِل ومُفاعل ".
وقد كان بعض أهل النحو من أهل البصرة يقول: لا تكون المفاعلة إلا من شيئين, ولكنه إنما قيل: " يُخادِعون الله " عند أنفسهم، بظنِّهم أن لا يعاقَبُوا, فقد علموا خلافَ ذلك في أنفسهم، بحجة الله تبارك اسمه الواقعة على خلقه بمعرفته، وما يخدعون إلا أنفسهم.
قال: وقد قال بعضُهم: وَمَا يَخْدَعُونَ يقول: يخدَعُون أنفسهم بالتَّخْلية بها (52) .
وقد تكون المفاعلة من واحد في أشياء كثيرة.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ إن قال قائل: أو ليس المنافقون قد خدعُوا المؤمنين - بما أظهرُوا بألسنتهم من قيل الحق - عن أنفسهم وأموالِهم وذَرَاريهم حتى سلمت لهم دنياهم، وإن &; 1-276 &; كانوا قد كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم؟
قيل: خَطأٌ أن يقال إنهم خَدعوا المؤمنين.
لأنَّا إذا قلنا ذلك، أوجبنا لهم حقيقةَ خدعةٍ جازت لهم على المؤمنين (53) .
كما أنَّا لو قلنا: قتل فلان فلانًا, أوجبنا له حقيقةَ قتلٍ كان منه لفلان.
ولكنا نقول: خادَع المنافقون رَبَّهم والمؤمنين, ولم يَخْدَعوهم بَل خَدعوا أنفسهم, كما قال جل ثناؤه, دون غيرها, نظيرَ ما تقول في رجل قاتَل آخر، فقتَل نفسَه ولم يقتُل صاحبه: قاتَل فلان فلانًا فلم يقتل إلا نفسه, فتوجبُ له مقاتَلةَ صاحبه, وتنفي عنه قتلَه صاحبَه, وتوجب له قتل نفسه.
فكذلك تقول: " خادَعَ المنافقُ ربَّه والمؤمنين فلم يخدعْ إلا نفسه "، فتثبت منه مخادعةَ ربه والمؤمنين, وتنفي عنه أن يكونَ خَدع غير نَفسه، لأن الخادعَ هو الذي قد صحّت الخديعة له، وَوقع منه فعلُها.
فالمنافقون لم يخدَعوا غيرَ أنفسهم, لأنّ ما كان لهم من مال وأهلٍ، فلم يكن المسلمون مَلَكوه عليهم - في حال خِداعهم إياهم عنه بنفاقهم وَلا قَبْلها - فيستنقِذُوه بخداعهم منهم, وإنما دافعوا عنه بكذبهم وإظهارهم بألسنتهم غيرَ الذي في ضمائرهم, ويحكُم الله لهم في أموالهم وأنفسهم وذراريهم في ظاهر أمورِهم بحُكْم ما انتسبوا إليه من الملّة, والله بما يُخْفون من أمورِهم عالم.
وإنما الخادع من خَتَل غيرَهُ عن شيئِه, والمخدوعُ غير عالم بموضع خديعةِ خادعِهِ.
فأما والمخادَع عارفٌ بخداعِ صاحبه إياه = غير لاحقِه من خداعه إيّاه مكروهٌ, بل إنما يَتجافى للظَّانّ به أنه له مُخادع، استدراجًا، ليبلغ غايةً يتكامل له عليه الحُجَّةُ للعقوبة التي هو بها مُوقع عند بلوغه إياها (54) ، والمُسْتَدرَج غيرُ عالم بحال نفسه عند مستدرِجِه, ولا عارف باطِّلاعه على ضميره, وأنّ إمهالَ مستدرِجِه إياه، تركه معاقبته على جرمه (55) ليبلغ المخاتِل المخادِعُ - من استحقاقه عقوبةَ مستدرِجِه، بكثرة إساءته، وطولِ عِصيانه إياه، وكثرة صفح المستدرِج، وطول عفوه عنه أقصى غايةٍ (56) = فإنما هو خادع نفسه لا شك، دون من حدّثته نفسه أنه له مخادعٌ.
ولذلك نَفى الله جل ثناؤه عن المنافق أن يكونَ خدَعَ غيرَ نفسه, إذ كانت الصِّفةُ التي وَصَفنا صفتَه.
وإذ كان الأمر على ما وصفنا من خِدَاع المنافق ربَّه وأهلَ الإيمان به, وأنه غير صائر بخداعه ذلك إلى خديعةٍ صحيحة إلا لنفسه دون غيرها، لما يُوَرِّطها بفعله من الهلاك والعطب - فالواجب إذًا أن يكون الصحيح من القراءة: ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ ) دون ( وما يخادعون ) لأن لفظ " المخادع " غير مُوجب تثبيتَ خديعةٍ على صحَّة, ولفظ " خادع " موجب تثبيت خديعة على صحة.
ولا شك أن المنافق قد أوْجبَ خديعة الله عز وجل لِنَفْسه بما رَكِبَ من خداعه ربَّه ورسولَه والمؤمنين - بنفاقه, فلذلك وجبَت الصِّحةُ لقراءة من قرأ: ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ ).
ومن الدلالة أيضًا على أن قراءة من قرأ: ( وَمَا يَخْدَعُونَ ) أولى بالصحة من قراءة من قرأ: ( وما يخادعون )، أن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يُخادعون الله والمؤمنين في أول الآية, فمحال أن يَنفي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه, لأن ذلك تضادٌّ في المعنى, وذلك غير جائزٍ من الله جلّ وعزّ.
القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: وَمَا يَشْعُرُونَ (9) يعني بقوله جل ثناؤه " وما يَشعرون "، وما يَدْرُون.
يقال: ما شَعَرَ فلانٌ بهذا الأمر, وهو لا يشعر به -إذا لم يَدْرِ ولم يَعْلم- شِعرًا وشعورًا.
وقال الشاعر: عَقَّـوْا بِسَـهمٍ وَلَـمْ يَشْـعُر بِـهِ أَحَـدٌ ثُـمَّ اسْـتَفَاءُوا وَقَـالُوا: حَـبَّذَا الوَضَحُ (57) يعني بقوله: لم يَشعر به، لم يدر به أحد ولم يعلم.
فأخبر الله تعالى ذكره عن المنافقين: أنهم لا يشعرون بأن الله خادِعُهم، بإملائه لهم واستدراجِه إياهم، الذي هو من الله جل ثناؤه إبلاغٌ إليهم في الحجة والمعذرة, ومنهم لأنفسهم خديعةٌ, ولها في الآجل مَضرة.
كالذي-: 321- حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قوله: ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ )، قال: ما يشعرون أنهم ضَرُّوا أنفسهم، بما أسَرُّوا من الكفر والنِّفاق.
وقرأ قول الله تعالى ذكره: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ، قال: هم المنافقون حتى بلغ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [سورة المجادلة: 18]، قد كان الإيمان ينفعهم عندكم (58) .
-------------- الهوامش : (49) في المطبوعة : "ومذيقها من غضب الله" ، وفي المخطوطة : "ومربدها .
.
.
" ، وفي تفسير ابن كثير 1 : 87"ومز برها .
.
.
" ، والصواب ما أثبتناه ، وأزاره : حمله على الزيارة .
وفي حديث طلحة : " .
.
.
حتى أزرته شعوب" ، وشعوب هي المنية ، أي أوردته المنية فزارها .
وجعلها زيارة ، وهي هلاك .
سخرية بهم واستهزاء ، لقبح غرورهم بربهم ، وفرحهم بما مد لهم من العمر والمال والمتاع .
(50) الأثر 320- في الدر المنثور 1 : 30 ، والشوكاني 1 : 30 بتمامه ، ويأتي تمامه في تفسير بقية الآية برقم : 321 .
(51) يعني أبا عبيدة في كتابه"مجاز القرآن" : 31 .
(52) يعني بقوله"بالتخلية بها" ، أي بالانفراد بها وإخفاء ما يبطنون من الكفر .
كأن أراد أن يجعل اشتقاق"يخدعون" من المخدع ، وهو البيت الصغير داخل البيت الكبير ، وأراد الستر الشديد لما يبطنون .
وأخلى بفلان يخلى به إخلاء : انفرد به في مكان خال .
واستعمل"التخلية" بمعنى أنه حمل على الخلوة ، كأنه حمل نفسه على الخلوة بها والانفراد ، ليخفى ما فيها .
وهذا الذي ذكره شرح لبقية الآية الذي سيأتي بعد .
(53) في المطبوعة : "جاءت لهم على المؤمنين" ، وهو خطأ .
(54) في المطبوعة : "التي هو بها موقع" ، وعنى : العقوبة التي هو موقعها به .
.
.
(55) في المطبوعة : "وأن إمهال مستدرجه ، وتركه إياه معاقبته على جرمه" ، وهو خطأ مفسد للمعنى .
(56) سياق هذه العبارة : "ليبلغ المخاتل المخادع .
.
.
أقصى غاية" ، وسياق الذي يليها من صدر الجملة : "فأما والمخادع عارف .
.
.
فإنما هو خادع نفسه .
.
.
" ، وما بينهما فصل طويل .
(57) الشعر للمتنخل الهذلي ، ديوان الهذليين 2 : 31 ، وأمالي القالي 1 : 248 ، وسمط اللآلئ 563 .
عقى بالسهم : رمى به في السماء لا يريد به شيئًا ، وأصله في الثأر والدية ، وذلك أنهم كانوا يجتمعون إلى أولياء المقتول بدية مكملة ، ويسألونهم قبول الدية .
فإن كانوا أقوياء أبوا ذلك ، وإلا أخذوا سهمًا ورموا به في السماء ، فإن عاد مضرجًا بدم ، فقد زعموا أن ربهم نهاهم عن أخذ الدية .
وإن رجع كما صعد ، فقد زعموا أن ربهم أمرهم بالعفو وأخذ الدية .
وكل ذلك أبطل الإسلام .
وفاء واستفاء : رجع .
والوضح : اللبن .
يهجوهم بالذلة والدناءة ، فأهدروا دم قتيلهم ، ورموا بالسهم الذي يزعمونه يأمرهم وينهاهم ، ورجعوا عن طلب الترة إلى قبول الدية ، وآثروا إبل الدية وألبانها على دم قاتل صاحبهم ، وقالوا في أنفسهم : اللبن أحب إلينا من القود وأنفع .
(58) الأثر 321- هو تمام الأثر الذي سلف : 320 .
قوله تعالى : يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرونقال علماؤنا : معنى يخادعون الله أي يخادعونه عند أنفسهم وعلى ظنهم .
وقيل : قال ذلك لعملهم عمل المخادع .
وقيل : في الكلام حذف ، تقديره : يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الحسن وغيره .
وجعل خداعهم لرسوله خداعا له ، لأنه دعاهم برسالته ، وكذلك إذا خادعوا المؤمنين فقد خادعوا الله .
ومخادعتهم : ما أظهروه من الإيمان خلاف ما أبطنوه من الكفر ، ليحقنوا دماءهم وأموالهم ، ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا ، قاله جماعة من المتأولين .
وقال أهل اللغة : أصل الخدع في كلام العرب الفساد ، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي .
وأنشد :أبيض اللون لذيذ طعمه طيب الريق إذا الريق خدع[ ص: 191 ] قلت : ف يخادعون الله على هذا ، أي يفسدون إيمانهم وأعمالهم فيما بينهم وبين الله تعالى بالرياء .
وكذا جاء مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما يأتي .
وفي التنزيل : يراؤون الناس .
وقيل : أصله الإخفاء ، ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء ، حكاه ابن فارس وغيره .
وتقول العرب : انخدع الضب في جحره .قوله تعالى : وما يخدعون إلا أنفسهم نفي وإيجاب ، أي ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم .
ومن كلامهم : من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه .
وهذا صحيح ، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن ، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه .
ودل هذا على أن المنافقين لم يعرفوا الله ; إذ لو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع ، وقد تقدم من قوله عليه السلام أنه قال : لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر قالوا : يا رسول الله ، وكيف يخادع الله ؟
قال : تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره .
وسيأتي بيان الخدع من الله تعالى كيف هو عند قوله تعالى : الله يستهزئ بهم .
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : يخادعون في الموضعين ، ليتجانس اللفظان .
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر : " يخدعون " الثاني .
والمصدر خدع ( بكسر الخاء ) وخديعة ، حكى ذلك أبو زيد .
وقرأ مورق العجلي : " يخدعون الله " ( بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الدال ) على التكثير .
وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بضم الياء وإسكان الخاء وفتح الدال ، على معنى وما يخدعون إلا عن أنفسهم ، فحذف حرف الجر ، كما قال تعالى : واختار موسى قومه أي من قومه .قوله تعالى : وما يشعرون أي يفطنون أن وبال خدعهم راجع عليهم ، فيظنون أنهم قد نجوا بخدعهم وفازوا ، وإنما ذلك في الدنيا ، وفي الآخرة يقال لهم : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا على ما يأتي .
قال أهل اللغة : شعرت بالشيء أي فطنت له ، ومنه الشاعر لفطنته ; لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعاني .
ومنه قولهم : ليت شعري ، أي ليتني علمت .
وإنما هذا مخادعة لله ولعباده المؤمنين.
والمخادعة: أن يظهر المخادع لمن يخادعه شيئا, ويبطن خلافه لكي يتمكن من مقصوده ممن يخادع، فهؤلاء المنافقون, سلكوا مع الله وعباده هذا المسلك, فعاد خداعهم على أنفسهم، فإن هذا من العجائب؛ لأن المخادع, إما أن ينتج خداعه ويحصل له ما يريد أو يسلم, لا له ولا عليه، وهؤلاء عاد خداعهم عليهم, وكأنهم يعملون ما يعملون من المكر لإهلاك أنفسهم وإضرارها وكيدها؛ لأن الله تعالى لا يتضرر بخداعهم [شيئا] وعباده المؤمنون, لا يضرهم كيدهم شيئا، فلا يضر المؤمنين أن أظهر المنافقون الإيمان, فسلمت بذلك أموالهم وحقنت دماؤهم, وصار كيدهم في نحورهم, وحصل لهم بذلك الخزي والفضيحة في الدنيا, والحزن المستمر بسبب ما يحصل للمؤمنين من القوة والنصرة.
ثم في الآخرة لهم العذاب الأليم الموجع المفجع, بسبب كذبهم وكفرهم وفجورهم, والحال أنهم من جهلهم وحماقتهم لا يشعرون بذلك.
{يخادعون الله}: أي يخالفون الله، وأصل الخدع في اللغة الإخفاء، ومنه المخدع للبيت الذي يخفى فيه المتاع فالمخادع يظهر خلاف ما يضمر.
والخدع من الله في قوله: {وهو خادعهم} [182-النساء] أي يظهر لهم ويعجل لهم من النعيم في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم من عذاب الآخرة.
وقيل: أصل الخدع: الفساد؛ معناه يفسدون ما أظهروا من الإيمان بما أضمروا من الكفر.
وقوله: {وهو خادعهم}: أي يفسد عليهم نعيمهم في الدنيا بما يصيرهم إليه من عذاب الآخرة.
-فإن قيل ما معنى قوله: {يخادعون الله} والمفاعلة للمشاركة وقد جل الله تعالى عن المشاركة في المخادعة؟
قيل: قد ترد المفاعلة لا على معنى المشاركة كقولك عافاك الله وعاقبت فلاناً، وطارقت النعل.
وقال الحسن: "معناه يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم"، كما قال الله تعالى: {إن الذين يؤذون الله} [57- الأحزاب] أي أولياء الله.
وقيل: ذكر الله ها هنا تحسين والقصد بالمخادعة الذين آمنوا كقوله تعالى: {فأن لله خمسه وللرسول} [41- الأنفال].
وقيل: معناه يفعلون في دين الله ما هو خداع في دينهم.
{والذين آمنوا}: أي و يخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم (آمنا) وهم غير مؤمنين.
{وما يخدعون} قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وما يخادعون كالحرف الأول وجعلوه من المفاعلة التي تختص بالواحد، وقرأ الباقون: وما يخدعون على الأصل.
{إلا أنفسهم}: لأن وبال خداعهم راجع إليهم؛ لأن الله تعالى يُطْلِع نبيه صلى الله عليه وسلم على نفاقهم فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب في العقبى.
{وما يشعرون}: أي لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم.
«يخادعون الله والذين آمنوا» بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية «وما يخدعون إلا أنفسهم» لأن وبال خداعهم راجع إليهم فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة «وما يشعرون» يعلمون أن خداعهم لأنفسهم، والمخادعة هنا من واحد كعاقبت اللص وذكر الله فيها تحسين، وفي قراءة وما يخدعون.
يعتقدون بجهلهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا بإظهارهم الإيمان وإضمارهم الكفر، وما يخدعون إلا أنفسهم؛ لأن عاقبة خداعهم تعود عليهم.
ومِن فرط جهلهم لا يُحِسُّون بذلك؛ لفساد قلوبهم.
( يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا ) .والخدع في أصل اللغة : الإِخفاء والإِبهام ، يقال خدعه - كمنعه - خدعا ، ختله وأراد به مكروها من حيث لا يعلم؛ وأصله من خدع الضب حارسه إذ أظهر الإِقبال عليه ثم خرج من باب آخر .وخداعهم لله - تعالى - معناه إظهارهم الإِيمان وإبطانهم الكفر ليحقنوا دماءهم وأموالهم ، ويفوزوا بسهم من الغنائم ، وسمى فعلهم هذا خداعاً لله - تعالى - لأن صورته صورة الخداع ، فالجملة الكريمة مسوقة على أسلوب المشاكلة ، ولا يجوز حملها على الحقيقة ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه صنع المنافقين؛ بل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .
قال - تعالى - ( إِنَّ المنافقين يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ )أما خداعهم للمؤمنين فمن مظاهره إظهارهم لهم أنهم إخوانهم في العقيدة وأنهم لا يريدون لهم إلا الخير .
بينما هم في الحقيقة يضمرون لهم إلا الخير .
بينما هم في الحقيقة يضمرون لهم العداوة ويتربصون بهم الدوائر .وجاءت الآية الكريمة هكذا بدون عطف ، لأنها جواب سؤال نشأ من الآية السابقة ، إذ أن قول المنافقين " آمنا " وما هم بمؤمنين ، يثير في نفس السامعين استفهاما عما يدعو هؤلاء لمثل تلك الحالة المضطربة والحياة القلقة المقامة على الكذب ، فكان الجواب : إنهم يفعلون ذلك محاولين مخادعة المؤمنين ، جهلا منهم بصفات خالقهم .وقال القرآن : ( يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا ) .
ولم يذكر مخادعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولعل الحكمة في ذلك أن القرآن يعتبر مخادعة لرسوله ، لأنه هو الذي بعثه إليهم ، وهو المبلغ عن الله أحكامه وشرائعه .
قال - تعالى - :( إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) وقال - تعالى ( مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ) ثم بين - سبحانه - غفلتهم وغباءهم فقال : ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ) .الأنفس : جمع نفس بمعنى ذات الشيء وحقيقته .
وتطلق على الجوهر اللطيف الذي يكون به الحس والحركة والإدراك .ويشعرون : مضارع شعر بالشيء - كنصر وكرم - يقال : شعر بالشيء أي : فطن له ، ومنه الشاعر لفطنته ، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعاني ودقائقها .والشعور : العلم الحاصل بالحواس ، ومنه مشاعر الإنسان أي : حواسه .والمعنى : أن هؤلاء المنافقين لم يخادعوا الله لعلمه بما يسرون ، ولم يخادعوا المؤمنين لأن الله يدفع عنهم ضرر خداع المنافقين ، وإنما يخدعون أنفسهم لأن ضرر المخادعة عائد عليهم ولكنهم لا يشعرون بذلك .
لأن ظلام الغي خالط قلوبهم ، فجعلهم عديمي الشعور ، فاقدى الحس .وأتى بجملة " وما يخدعون إلا أنفسهم " بأسلوب القصر مع أن خداعهم للمؤمنين قد ينالهم بسببه ضرر ، لأن أولئك المنافقين سيصيبهم عذاب شديد بسبب ذلك ، أما المؤمنون فحتى لو نالهم ضرر فلهم عند الله ثوابه .ونفى عنهم الشعور مع سلامة مشاعرهم ، لأنهم لم ينتفعوا من نعمتها ، ولم يستعملوها فيما خلقت له ، فكانوا كالفاقدين لها .
اعلم أن الله تعالى من قبائح المنافقين أربعة أشياء: أحدها: ما ذكره في هذه الآية، وهو أنهم ﴿ يخادعون الله والذين ءَامَنُوا ﴾ فيجب أن يعلم أولاً: ما المخادعة، ثم ثانياً: ما المراد، بمخادعة الله؟
وثالثاً: أنهم لماذا كانوا يخادعون الله؟
ورابعاً: أنه ما المراد بقوله وما يخدعون إلا أنفسهم؟.
المسألة الأولى: اعلم أنه لا شبهة في أن الخديعة مذمومة، والمذموم يجب أن يميز من غيره لكي لا يفعل، وأصل هذه اللفظة الإخفاء، وسميت الخزانة المخدع، والأخدعان عرقان في العنق لأنهما خفيان.
وقالوا: خدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً، وطريق خيدع وخداع، إذا كان مخالفاً للمقصد بحيث لا يفطن له، ومنه المخدع.
وأما حدها فهو إظهار ما يوهم السلامة والسداد، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير والتخلص منه، فهو بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسنة، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين؛ لأن الدين يوجب الاستقامة والعدول عن الغرور والإساءة، كما يوجب المخالصة لله تعالى في العبادة، ومن هذا الجنس وصفهم المرائي بأنه مدلس إذا أظهر خلاف مراده، ومنه أخذ التدليس في الحديث، لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع؛ وإذا أعلن ذلك لا يقال إنه مدلس.
المسألة الثانية: وهي أنهم كيف خادعوا الله تعالى؟
فلقائل أن يقول: إن مخادعة الله تعالى ممتنعة من وجهين: الأول: أنه تعالى يعلم الضمائر والسرائر فلا يجوز أن يخادع، لأن الذي فعلوه لو أظهروا أن الباطن بخلاف الظاهر لم يكن ذلك خداعاً، فإذا كان الله تعالى لا يخفي عليه البواطن لم يصح أن يخادع.
الثاني: أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة الله تعالى، فثبت أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره بل لابد من التأويل وهو من وجهين: الأول: أنه تعالى ذكر نفسه وأراد به رسولة على عادته في تفخيم وتعظيم شأنه.
قال: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ﴾ وقال في عكسه ﴿ واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾ أضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه فالمنافقون لما خادعوا الرسول قيل إنهم خادعوا الله تعالى.
الثاني: أن يقال صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يخادع، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع الله معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم.
المسألة الثالثة: فهي في بيان الغرض من ذلك الخداع وفيه وجوه: الأول: أنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يجرونهم في التعظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان وإن أسروا خلافه فمقصودهم من الخداع هذا.
الثاني: يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أسراره، وإفشاء المؤمنين أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم من الكفار.
الثالث: أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار مثل القتل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» الرابع: أنهم كانوا يطمعون في أموال الغنائم، فإن قيل: فالله تعالى كان قادراً على أن يوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم كيفية مكرهم وخداعهم، فلم لم يفعل ذلك هتكاً لسترهم؟
قلنا: إنه تعالى قادر على استئصال إبليس وذريته ولكنه تعالى أبقاهم وقواهم، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد أو لحكمة لا يطلع عليها إلا هو.
فإن قيل هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح؟
قلنا قال صاحب الكشاف وجهه أن يقال: عنى به فعلت إلا أنه أخرج في زنة فاعلت، لأن الزنة في أصلها للمبالغة والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب، لزيادة قوة الداعي إليه، ويعضده قراءة أبي حيوة يخدعون الله ثم قال: ﴿ يخادعون ﴾ بياناً ليقول ويجوز أن يكون مستأنفاً كأنه قيل ولِمَ يدَّعون الإيمان كاذبين.
وما نفعهم فيه؟
فقيل ﴿ يخادعون ﴾ .
المسألة الرابعة: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمر وما يخادعون والباقون يخدعون وحجة الأولين: مطابقة اللفظ حتى يكون مطابقاً للفظ الأول، وحجة الباقين أن المخادعة إنما تكون بين اثنين، فلا يكون الإنسان الواحد مخادعاً لنفسه، ثم ذكروا في قوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ ﴾ وجهين: الأول: أنه تعالى يجازيهم على ذلك ويعاقبهم عليه فلا يكونون في الحقيقة خادعين إلا أنفسهم عن الحسن.
والثاني: ما ذكره أكثر المفسرين، وهو أن وبال ذلك راجع إليهم في الدنيا، لأن الله تعالى كان يدفع ضرر خداعهم عن المؤمنين ويصرفه إليهم، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ المنافقين يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء ﴾ ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً ﴾ ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴾ ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ ﴿ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ وبقي في الآية بعد ذلك أبحاث.
أحدها: قرئ وما يخادعون من أخدع ويخدعون بفتح الياء بمعنى يختدعون ويخدعون ويخادعون على لفظ ما لم يسم فاعله.
وثانيها: النفس ذات الشيء وحقيقته، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ والمراد بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لا يعدوهم إلى غيرهم.
وثالثها: أن الشعور علم الشيء إذا حصل بالحس، ومشاعر الإنسان حواسه، والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، لكنهم لتماديهم في الغفلة كالذي لا يحس.
أما قوله تعالى: ﴿ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ فاعلم أن المرض صفة توجب وقوع الضرر في الأفعال الصادرة عن موضع تلك الصفة، ولما كان الأثر الخاص بالقلب إنما هو معرفة الله تعالى وطاعته وعبوديته، فإذا وقع في القلب من الصفات ما صار مانعاً من هذه الآثار كانت تلك الصفات أمراضاً للقلب.
فإن قيل: الزيادة من جنس المزيد عليه، فلو كان المراد من المرض هاهنا الكفر والجهل لكان قوله: ﴿ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا ﴾ محمولاً على الكفر والجهل، فيلزم أن يكون الله تعالى فاعلاً للكفر والجهل.
قالت المعتزلة: لا يجوز أن يكون مراد الله تعالى منه فعل الكفر والجهل لوجوه: أحدها: أن الكفار كانوا في غاية الحرص على الطعن في القرآن، فلو كان المعنى ذلك لقالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: إذا فعل الله الكفر فينا، فكيف تأمرنا بالإيمان؟
وثانيها: أنه تعالى لو كان فاعلاً للكفر لجاز منه إظهار المعجزة على يد الكذاب، فكان لا يبقى كون القرآن حجة فكيف نتشاغل بمعانيه وتفسيره.
وثالثها: أنه تعالى ذكر هذه الآيات في معرض الذم لهم على كفرهم فكيف يذمهم على شيء خلقه فيهم.
ورابعها: قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فإن كان الله تعالى خلق ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم، فأي ذنب لهم حتى يعذبهم؟.
وخامسها: أنه تعالى أضافه إليهم بقوله: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ وعلى هذا وصفهم تعالى بأنهم مفسدون في الأرض، وأنهم هم السفهاء، وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، إذا ثبت هذا فنقول: لابد من التأويل وهو من وجوه: الأول: يحمل المرض على الغم، لأنه يقال مرض قلبي من أمر كذا، والمعنى أن المنافقين مرضت قلوبهم لما رأوا ثبات أمر النبي صلى الله عليه وسلم واستعلاء شأنه يوماً فيوماً.
وذلك كان يؤثر في زوال رياستهم، كما روي أنه عليه السلام مر بعبد الله بن أبي بن سلول على حمار، فقال له نح حمارك يا محمد فقد آذتني ريحه، فقال له بعض الأنصار اعذره يا رسول الله، فقد كنا عزمنا على أن نتوجه الرياسة قبل أن تقدم علينا: فهؤلاء لما اشتد عليهم الغم وصف الله تعالى ذلك فقال: ﴿ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا ﴾ أي زادهم الله غماً على غمهم بما يزيد في إعلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم شأنه.
الثاني: أن مرضهم وكفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكاليف، فهو كقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ فَزَادَهُمُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ والسورة لم تفعل ذلك، ولكنهم لما ازدادوا رجساً عند نزولها لما كفروا بها قيل ذلك، وكقوله تعالى حكاية عن نوح ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِىٓ إِلَّا فِرَارًا ﴾ والدعاء لم يفعل شيئاً من هذا، ولكنهم ازدادوا فراراً عنده، وقال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي وَلاَ تَفْتِنّى ﴾ والنبي عليه السلام إن لم يأذن له لم يفتنه، ولكنه كان يفتتن عند خروجه فنسبت الفتنة إليه ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً ﴾ وقال: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ وقولك لمن وعظته فلم يتعظ وتمادى في فساده: ما زادتك موعظتي إلا شراً، ومازادتك إلا فساداً فكذا هؤلاء المنافقون لما كانوا كافرين ثم دعاهم الله إلى شرائع دينه فكفروا بتلك الشرائع وازدادوا بسبب ذلك كفراً لا جرم أضيفت زيادة كفرهم إلى الله.
الثالث: المراد من قوله: ﴿ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا ﴾ المنع من زيادة الألطاف، فيكون بسبب ذلك المنع خاذلاً لهم وهو كقوله: ﴿ قاتلهم الله أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ الرابع: أن العرب تصف فتور الطرف بالمرض، فيقولون: جارية مريضة الطرف.
قال جرير: إن العيون التي في طرفها مرض *** قتلننا ثم لم يحيين قتلانا فكذا المرض هاهنا إنما هو الفتور في النية، وذلك لأنهم في أول الأمر كانت قلوبهم قوية على المحاربة والمنازعة وإظهار الخصومة، ثم انكسرت شوكتهم فأخذوا في النفاق بسبب ذلك الخوف والإنكسار، فقال تعالى: ﴿ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا ﴾ أي زادهم ذلك الانكسار والجبن والضعف، ولقد حقق الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين ﴾ الخامس: أن يحمل المرض على ألم القلب، وذلك أن الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه، فإذا دام به ذلك فربما صار ذلك سبباً لغير مزاج القلب وتألمه، وحمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته، فكان أولى من سائر الوجوه.
أما قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قال صاحب الكشاف: ألم فهو أليم، كوجع فهو وجيع، ووصف العذاب به فهو نحو قوله: تحية بينهم ضرب وجيع.
وهذا على طريقة قولهم: جد جده، والألم في الحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد، أما قوله: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ ففيه أبحاث.
أحدها: أن الكذب هو الخبر عن شيء على خلاف ما هو به والجاحظ لا يسميه كذباً إلا إذا علم المخبر كون المخبر عنه مخالفاً للخبر، وهكذا الآية حجة عليه.
وثانيها: أن قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ صريح في أن كذبهم علة للعذاب الأليم، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حراماً فأما ما روي أن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات، فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به.
وثالثها: في هذه الآية قراءتان: إحداهما: ﴿ يَكْذِبُونَ ﴾ والمراد بكذبهم قوله: ﴿ بالله وباليوم الآخر ﴾ .
والثانية: يكذبون من كذبه الذي هو نقيض صدقه، ومن كذب الذي هو مبالغة في كذب، كما بولغ في صدق فقيل صدق.
<div class="verse-tafsir"
افتتح سبحانه بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ووافق سرهم علنهم وفعلهم قولهم.
ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً قلوباً وألسنة.
ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وأبطنوا خلاف ما أظهروا وهم الذين قال فيهم: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء ﴾ [النساء: 143] وسماهم المنافقين، وكانوا أخبث الكفرة وأبغضهم إليه وأمقتهم عنده؛ لأنهم خلطوا بالكفر تمويهاً وتدليساً، وبالشرك استهزاء وخداعاً.
ولذلك أنزل فيهم ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الاسفل مِنَ النار ﴾ [النساء: 145] ووصف حال الذين كفروا في آيتين، وحال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ومكرهم، وفضحهم وسفههم، واستجهلهم واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، وسجل بطغيانهم، وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً، وضرب لهم الأمثال الشنيعة.
وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة.
وأصل (ناس) أناس، حذفت همزته تخفيفاً كما قيل: لوقة، في ألوقة.
وحذفها مع لام التعريف كاللازم لا يكاد يقال الأناس.
ويشهد لأصله إنسان وأناس وأناسى وإنس.
وسموا لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون، كما سمي الجنّ لاجتنانهم.
ولذلك سموا بشراً.
ووزن ناس فعال؛ لأن الزنة على الأصول.
ألا تراك تقول في وزن (قه) افعل، وليس معك إلا العين وحدها؟
وهو من أسماء الجمع كرخال.
وأما نويس فمن المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان ورويجل.
ولام التعريف فيه للجنس.
ويجوز أن تكون للعهد، والإشارة إلى الذين كفروا المارّ ذكرهم؛ كأنه قيل: ومن هؤلاء من يقول.
وهم عبد الله بن أبيّ وأصحابه ومن كان في حالهم من أهل التصميم على النفاق.
ونظير موقعه موقع القوم في قولك: نزلت ببني فلان فلم يقروني والقوم لئام.
ومن في ﴿ مَن يَقُولُ ﴾ موصوفة، كأنه قيل: ومن الناس ناس يقولون كذا، كقوله: ﴿ مّنَ المؤمنين رِجَالٌ ﴾ [الفتح: 25] إن جعلت اللام للجنس.
وإن جعلتها للعهد فموصولة، كقوله: ﴿ وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى ﴾ [التوبة: 61] .
فإن قلت: كيف يجعلون بعض أولئك والمنافقون غير المختوم على قلوبهم؟
قلت: الكفر جمع الفريقين معاً وصيرهم جنساً واحداً.
وكون المنافقين نوعاً من نوعي هذا الجنس- مغايراً للنوع الآخر بزيادة زادوها على الكفر الجامع بينهما من الخديعة والاستهزاء- لا يخرجهم من أن يكونوا بعضاً من الجنس؛ فإن الأجناس إنما تنوّعت لمغايرات وقعت بين بعضها وبعض.
وتلك المغايرات إنما تأتي بالنوعية ولا تأبى الدخول تحت الجنسية.
فإن قلت: لم اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر؟
قلت: اختصاصهما بالذكر كشف عن إفراطهم في الخبث وتماديهم في الدعارة؛ لأن القوم كانوا يهوداً، وإيمان اليهود بالله ليس بإيمان، لقولهم: ﴿ عُزَيْرٌ ابن الله ﴾ [التوبة: 30] .
وكذلك إيمانهم باليوم الآخر، لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته، فكان قولهم: ﴿ ءَامَنَّا بالله وباليوم الآخر ﴾ خبثاً مضاعفاً وكفراً موجهاً، لأن قولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق وعقيدتهم عقيدتهم، فهو كفر لا إيمان.
فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة للمسلمين واستهزاء بهم، وأروهم أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي، كان خبثاً إلى خبث، وكفراً إلى كفر.
وأيضاً فقد أوهموا في هذا المقال أنهم اختاروا الإيمان من جانبيه، واكتنفوه من قطريه، وأحاطوا بأوّله وآخره.
وفي تكرير الباء أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام.
فإن قلت: كيف طابق قوله: ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ قولهم: ﴿ ءَامَنَّا بالله وباليوم الآخر ﴾ والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل؟
قلت: القصد إلى إنكار ما ادعوه ونفيه، فسلك في ذلك طريق أدّى إلى الغرض المطلوب.
وفيه من التوكيد والمبالغة ما ليس في غيره، وهو إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن تكون طائفة من طوائف المؤمنين، لما علم من حالهم المنافية لحال الداخلين في الإيمان.
وإذا شهد عليهم بأنهم في أنفسهم على هذه الصفة، فقد انطوى تحت الشهادة عليهم بذلك نفى ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل البت والقطع.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا ﴾ [المائدة: 37] هو أبلغ من قولك: وما يخرجون منها.
فإن قلت: فلم جاء الإيمان مطلقاً في الثاني وهو مقيد في الأوّل؟
قلت: يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه، وأن يراد بالإطلاق أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر، ولا من الإيمان بغيرهما.
فإن قلت: ما المراد باليوم الآخر؟
قلت: يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حدّ له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع، لتأخره عن الأوقات المنقضية.
وأن يراد الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة الذي لا حدّ للوقت بعده.
والخدع: أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه.
من قولهم: ضب خادع وخدع، إذا أمر الحارش يده على باب جحره أوهمه إقباله عليه، ثم خرج من باب آخر.
فإن قلت: كيف ذلك ومخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا تخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنون وإن جاز أن يخدعوا لم يجز أن يخدعوا، ألا نرى إلى قوله: واستمطروا مِنْ قُرَيْشٍ كلَّ مِنْخدِعِ وقول ذي الرمّة: إنَّ الحَليمَ وذَا الإِسْلامِ يُخْتَلَبُ فقد جاء النعت بالانخداع ولم يأت بالخدع.
قلت: فيه وجوه.
أحدها: أن يقال كانت صورة صنعهم مع الله حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون، صورة صنع الخادعين.
وصورة صنع الله معهم- حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد شرار الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار- صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامهم عليهم.
والثاني: أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه؛ لأن من كان ادعاؤه الإيمان بالله نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، ولا أن لذاته تعلقاً بكل معلوم، ولا أنه غني عن فعل القبائح؛ فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله في زعمه مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، وتجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم.
والثالث: أن يذكر الله تعالى ويراد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خليفته في أرضه، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده، كما يقال: قال الملك كذا ورسم كذا؛ وإنما القائل والراسم وزيره أو بعض خاصته الذين قولهم قوله ورسمهم رسمه.
مصداقه قوله: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ [الفتح: 10] وقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ [النساء: 80] .
والرابع: أن يكون من قولهم: أعجبني زيد وكرمه، فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله.
وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص، ولما كان المؤمنون من الله بمكان، سلك بهم ذلك المسلك.
ومثله: ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62] وكذلك: ﴿ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ [الأحزاب: 57] ونظيره في كلامهم: علمت زيداً فاضلاً، والغرض فيه ذكر إحاطة العلم بفضل زيد لا به نفسه؛ لأنه كان معلوماً له قديماً؛ كأنه قيل: علمت فضل زيد؛ ولكن ذكر زيد توطئة وتمهيد لذكر فضله.
فإن قلت: هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح؟
قلت: وجهه أن يقال: عنى به (فعلت) إلا أنه أخرج في زنة (فاعلت) لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه.
ويعضده قراءة من قرأ: ﴿ يخادعون الله والذين ءامَنُوا ﴾ وهو أبو حيوة.
و ﴿ يخادعون ﴾ بيان ليقول.
ويجوز أن يكون مستأنفاً كأنه قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين وما رفقهم في ذلك؟
فقيل يخادعون.
فإن قلت: عمّ كانوا يخادعون؟
قلت: كانوا يخادعونهم عن أغراض لهم ومقاصد منها متاركتهم وإعفاؤهم عن المحاربة، وعما كانوا يطرقون به من سواهم من الكفار.
ومنها اصطناعهم بما يصطنعون به المؤمنين من إكرامهم والإحسان إليهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم ونحو ذلك من الفوائد، ومنها اطلاعهم- لاختلاطهم بهم- على الأسرار التي كانوا حراصاً على إذاعتها إلى منابذيهم.
فإن قلت: فلو أظهر عليهم حتى لا يصلوا إلى هذه الأغراض بخداعهم عنها.
قلت: لم يظهر عليهم لما أحاط به علماً من المصالح التي لو أظهر عليهم لانقلبت مفاسد واستبقاء إبليس وذرّيته ومتاركتهم وما هم عليه من إغواء المنافقين وتلقينهم النفاق أشدّ من ذلك.
ولكن السبب فيه ما علمه تعالى من المصلحة.
فإن قلت: ما المراد بقوله: ﴿ وَمَا يَخادعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ ﴾ ؟
قلت: يجوز أن يراد: وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم، ومكرها يحيق بهم، كما تقول: فلان يضارّ فلاناً وما يضارّ إلا نفسه، أي: دائرة الضرار راجعة إليه وغير متخطية إياه، وأن يراد حقيقة المخادعة أي: وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل ويكذبونها فيما يحدثونها به، وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدّثهم بالأماني، وأن يراد: وما يخدعون فجيء به على لفظ (يفاعلون) للمبالغة.
وقرئ: ﴿ وما يخدعون ﴾ ، ويخدعون من خدع.
ويخدعون- بفتح الياء- بمعنى يخدعون.
ويخدعون.
ويخادعون على لفظ ما لم يسم فاعله.
والنفس: ذات الشيء وحقيقته.
يقال عندي كذا نفساً.
ثم قيل للقلب: نفس؛ لأن النفس به.
ألا ترى إلى قولهم: المرء بأصغريه.
وكذلك بمعنى الروح، وللدم نفس؛ لأن قوامها بالدم.
وللماء نفس؛ لفرط حاجتها إليه.
قال الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْء حَي ﴾ [الأنبياء: 30] وحقيقة نفس الرجل بمعنى عين أصيبت نفسه، كقولهم: فلان يؤامر نفسيه- إذا تردّد في الأمر اتجه له رأيان وداعيان لا يدري على أيهما يعرج كأنهم أرادوا داعيي النفس، وهاجسي النفس فسموهما: نفسين، إما لصدورهما عن النفس، وإما لأن الداعيين لما كانا كالمشيرين عليه والآمرين له، شبهوهما بذاتين فسموهما نفسين.
والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم.
والمعنى بمخادعتهم ذواتهم؛ أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم ولا يتخطاهم إلى من سواهم.
ويجوز أن يراد قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم.
والشعور علم الشيء علم حس من الشعار.
ومشاعر الإنسان: حواسه.
والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حسّ له.
واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة ومجازاً، فالحقيقة أن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض.
والمجاز أن يستعار لبعض أعراض القلب، كسوء الاعتقاد، والغل، والحسد والميل إلى المعاصي، والعزم عليها، واستشعار الهوى، والجبن، والضعف، وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض كما استعيرت الصحة والسلامة في نقائض ذلك.
والمراد به هنا ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد والكفر، أو من الغل والحسد والبغضاء، لأن صدورهم كانت تغلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين غلا وحنقاً ويبغضونهم البغضاء التي وصفها الله تعالى في قوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ [آل عمران: 118] ويتحرقون عليهم حسداً ﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ [آل عمران: 120] وناهيك مما كان من ابن أبيّ وقول سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك» .
أو يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخور، لأن قلوبهم كانت قوية، إما لقوة طمعهم فيما كانوا يتحدثون به: أن ريح الإسلام تهب حيناً ثم تسكن ولواءه يخفق أياماً ثم يقرّ، فضعفت حين ملكها اليأس عند إنزال الله على رسوله النصر وإظهار دين الحق على الدين كله.
وإما لجراءتهم وجسارتهم في الحروب فضعفت جبناً وخوراً حين قذف الله في قلوبهم الرعب وشاهدوا شوكة المسلمين وإمداد الله لهم بالملائكة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» ومعنى زيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فسمعوه كفروا به فازدادوا كفراً إلى كفرهم، فكأن الله هو الذي زادهم ما ازدادوه إسناداً للفعل إلى المسبب له، كما أسنده إلى السورة في قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ [التوبة: 125] لكونها سبباً.
أو كلما زاد رسوله نصرة وتبسطاً في البلاد ونقصاً من أطراف الأرض ازدادوا حسداً وغلا وبغضاً وازدادت قلوبهم ضعفاً وقلة طمع فيما عقدوا به رجاءهم وجبناً وخوراً.
ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع.
وقرأ أبو عمر في رواية الأصمعي: مرْض، ومرْضاً، بسكون الراء؛ يقال: ألم فهو ﴿ أَلِيمٌ ﴾ كوجع فهو وجيع ووصف العذاب به نحو قوله: تحِيَّةُ بَيْنَهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ وهذا على طريقة قولهم: جدّ جدّه.
والألم في الحقيقة للمؤلم كما أنّ الجدّ للجادّ.
والمراد بكذبهم قولهم آمنا بالله وباليوم الآخر.
وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته، وتخييل أن العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ مّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ ﴾ [نوح: 71] والقوم كفرة.
وإنما خصت الخطيآت استعظاماً لها وتنفيراً عن ارتكابها.
والكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به وهو قبيح كله.
وأمَّا مَا يروى عن إبراهيم عليه السلام «أنه كذب ثلاث كذبات» .
فالمراد التعريض.
ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمى به.
وعن أبي بكر رضي الله عنه وروى مرفوعاً: «إياكم والكذب فإنه مجانب للإيمان» وقرئ؛ ﴿ يكذبون ﴾ ، من كذبه الذي هو نقيض صدقه؛ أو من كذّب الذي هو مبالغة في كذب، كما بولغ في صدق فقيل: صدّق.
ونظيرهما: بان الشيء وبين، وقلص الثوب وقلص.
أو بمعنى الكثرة كقولهم: موتت البهائم، وبركت الإبل، أو من قولهم: كذب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه؛ لأن المنافق متوقف متردّد في أمره، ولذلك قيل له مذبذب.
وقال عليه السلام: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الخُدْعُ أنْ تُوهِمَ غَيْرَكَ خِلافَ ما تُخْفِيهِ مِنَ المَكْرُوهِ لِتُنْزِلَهُ عَمّا هو فِيهِ، وعَمّا هو بِصَدَدِهِ مِن قَوْلِهِمْ: خَدَعَ الضَّبُّ.
إذْ تَوارى في جُحْرِهِ، وضَبٌّ خادِعٌ وخَدِعٌ إذا أوْهَمَ الحارِشَ إقْبالَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِن بابٍ آخَرَ وأصْلُهُ الإخْفاءُ، ومِنهُ المَخْدَعُ لِلْخِزانَةِ، والأخْدَعانِ لِعِرْقَيْنِ خَفِيَّيْنِ في العُنُقِ، والمُخادِعَةُ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ.
وَخِداعُهم مَعَ اللَّهِ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، ولِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا خَدِيعَتَهُ.
بَلِ المُرادُ إمّا مُخادَعَةُ رَسُولِهِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ عَلى أنَّ مُعامَلَةَ الرَّسُولِ مُعامَلَةُ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ خَلِيفَتُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ﴾ .
﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ .
وإمّا أنَّ صُورَةَ صَنِيعِهِمْ مَعَ اللَّهِ تَعالى مِن إظْهارِ الإيمانِ واسْتِبْطانِ الكُفْرِ، وصُنْعَ اللَّهِ مَعَهم بِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وهم عِنْدَهُ أخْبَثُ الكُفّارِ وأهْلُ الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، اسْتِدْراجًا لَهم وامْتِثالَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ أمْرَ اللَّهِ في إخْفاءِ حالِهِمْ، وإجْراءَ حُكْمَ الإسْلامَ عَلَيْهِمْ مُجاراةً لَهم بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ صُورَةَ صَنِيعِ المُتَخادِعِينَ.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِ ﴿ يُخادِعُونَ ﴾ يَخْدَعُونَ لِأنَّهُ بَيانٌ لِيَقُولَ، أوِ اسْتِئْنافٌ بِذِكْرِ ما هو الغَرَضُ مِنهُ، إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ فِي زِنَةِ فاعَلَ لِلْمُغالَبَةِ، فَإنَّ الزِّنَةَ لَمّا كانَتْ لِلْمُغالَبَةِ والفِعْلُ مَتى غُولِبَ فِيهِ كانَ أبْلَغَ مِنهُ إذا جاءَ بِلا مُقابَلَةِ مُعارِضٍ ومُبارٍ اسْتَصْحَبَتْ ذَلِكَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (يَخْدَعُونَ) .
وكانَ غَرَضُهم في ذَلِكَ أنْ يَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما يَطْرُقُ بِهِ مَن سِواهم مِنَ الكَفَرَةِ، وأنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ما يُفْعَلُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الإكْرامِ والإعْطاءِ، وأنْ يَخْتَلِطُوا بِالمُسْلِمِينَ فَيَطَّلِعُوا عَلى أسْرارِهِمْ ويُذِيعُوها إلى مُنابِذِيهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأغْراضِ والمَقاصِدِ.
(وَما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ) قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو.
والمَعْنى: أنَّ دائِرَةَ الخِداعِ راجِعَةٌ إلَيْهِمْ وضَرَرَها يَحِيقُ بِهِمْ.
أوْ أنَّهم في ذَلِكَ خَدَعُوا أنْفُسَهم لَمّا غَرُّوها بِذَلِكَ.
وخَدَعَتْهم أنْفُسُهم حَيْثُ حَدَّثَتْهم بِالأمانِي الفارِغَةِ وحَمَلَتْهم عَلى مُخادَعَةِ مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
وَقَرَأ الباقُونَ ﴿ وَما يَخْدَعُونَ ﴾ ، لِأنَّ المُخادَعَةَ لا تُتَصَوَّرُ إلّا بَيْنَ اثْنَيْنِ وقُرِئَ و « يَخْدَعُونَ» مِن خَدَعَ و « يُخْدَعُونَ» بِمَعْنى يَخْتَدِعُونَ و « يُخْدَعُونَ» و « يُخادَعُونَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ونُصِبَ (أنْفُسَهُمْ) بِنَزْعِ الخافِضِ، والنَّفْسُ ذاتُ الشَّيْءِ وحَقِيقَتُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِلرُّوحِ لِأنَّ نَفْسَ الحَيِّ بِهِ، ولِلْقَلْبِ لِأنَّهُ مَحَلُّ الرُّوحِ أوْ مُتَعَلِّقُهُ، ولِلدَّمِ لِأنَّ قِوامَها بِهِ، ولِلْماءِ لِفَرْطِ حاجَتِها إلَيْهِ، ولِلرَّأْيِ في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُؤامِرُ نَفْسَهُ لِأنَّهُ يَنْبَعِثُ عَنْها أوْ يُشْبِهُ ذاتًا تَأْمُرُهُ وتُشِيرُ عَلَيْهِ.
والمُرادُ بِالأنْفُسِ هاهُنا ذَواتُهم ويُحْتَمَلُ حَمْلُها عَلى أرْواحِهِمْ وآرائِهِمْ.
وَما يَشْعُرُونَ لا يُحِسُّونَ لِذَلِكَ لِتَمادِي غَفْلَتِهِمْ.
جَعَلَ لُحُوقَ وبالِ الخِداعِ ورُجُوعَ ضَرَرِهِ إلَيْهِمْ في الظُّهُورِ كالمَحْسُوسِ الَّذِي لا يَخْفى إلّا عَلى مَؤْوُفِ الحَواسِّ.
والشُّعُورُ: الإحْساسُ، ومَشاعِرُ الإنْسانِ حَواسُّهُ، وأصْلُهُ الشِّعْرُ ومِنهُ الشِّعارُ.
<div class="verse-tafsir"
{يخادعون الله} أي رسول الله فحذف المضاف كقوله {واسأل القرية} كذا قاله أبو علي رحمه الله وغيره أى يظهرون غير مافى أنفسهم فالخداع إظهار غير ما في النفس وقد رفع الله منزلة النبي صلى الله عليه وسلم حيث جعل خداعه خداعه وهو كقوله {إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فوق أيديهم} وقيل معناه يخادعون الله في زعمهم لأنهم يظنون أن الله ممن يصح خداعه وهذا المثال يقع كثيراً لغير اثنين نحو قولك عاقبت اللص وقد قرئ يخدعون الله وهو بيان ليقول أو مستأنف كأنه قيل ولم يدعون الإيمان كاذبين ومامنفعتهم فى ذلك فقيل يخادعون الله ومنفعتهم في ذلك متاركتهم عن المحاربة التي كانت مع من سواهم من الكفار وإجراء أحكام المؤمنين عليهم ونيلهم من الغنائم وغير ذلك قال صاحب الوقوف الوقف لازم على بمؤمنين لأنه لو وصل لصار التقدير وما هم بمؤمينن مخادعين فينتفى الوصف كقولك ما هو برجل كاذب
البقرة (٩ _ ١١)
والمراد نفي الإيمان عنهم وإثبات الخداع لهم ومن جعل يخادعون حالاً من الضمير في يقول والعامل فيها يقول والتقدير يقول آمنا بالله مخادعين أو حالاً من الضمير في بمؤمنين والعامل فيها اسم الفاعل
والتقدير وما هم بمؤمنين في حال خداعهم لا يقف والوجه الأول {والذين آمنوا} أي يخادعون رسول الله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإضمار الكفر {وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ} أي وما يعاملون تلك المعالمة المشبهة بمعالمة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم وحاصل خداعهم وهو العذاب في الآخرة يرجع إليهم فكأنهم خدعوا أنفسهم وما يخادعون أبو عمرو ونافع ومكي للمطابقة وعذر الأولين أن خدع وخادع هنا بمعنى واحد والنفس ذات الشئ وحقيقته ثم قيل للقلب والروح النفس لأن النفس بهما وللدم نفس لأن قوامها بالدم وللماء نفس لفرط حاجتها إليه والمراد بالأنفس ههنا ذواتهم والمعنى بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لاصق بهم لا يعودهم إلى غيرهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} أن حاصل خداعهم يرجع إليهم والشعور علم الشئ علم حس من الشعار وهو ثوب يلي الجسد ومشاعر الإنسان حواسه لأنها آلات الشعور والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له
﴿ يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ ﴾ أصْلُ الخَدْعِ بِفَتْحِ الخاءِ، وكَسْرِها الإخْفاءُ والإيهامُ وقِيلَ: بِالكَسْرِ اسْمُ مَصْدَرٍ، ومِنهُ المَخْدَعُ لِلْخِزانَةِ والأخْدَعانِ لِعِرْقَيْنِ خَفِيَّيْنِ في مَوْضِعِ المَحْجَمَةِ، وخَدَعَ الضَّبُّ إذا تَوارى واخْتَفى، ويُسْتَعْمَلُ في إظْهارِ ما يُوهِمُ السَّلامَةَ، وإبْطالِ ما يَقْتَضِي الإضْرارَ بِالغَيْرِ، أوِ التَّخَلُّصِ مِنهُ، كَما قالَهُ الإمامُ، وقالَ السَّيِّدُ: هو أنْ يُوهِمَ صاحِبَهُ خِلافَ ما يُرِيدُ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ، وتُصِيبَهُ بِهِ، وفي الكَشْفِ التَّحْقِيقُ أنَّ الخَدْعَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ قائِمَةٌ بِالنَّفْسِ عَقِيبَ اسْتِحْضارِ مُقَدِّماتٍ في الذِّهْنِ مُتَوَصِّلٍ بِها تَوَصُّلًا يُسْتَهْجَنُ شَرْعًا أوْ عَقْلًا أوْ عادَةً إلى اسْتِجْرارِ مَنفَعَةٍ مِن نَيْلِ مَعْرُوفٍ لِنَفْسِهِ أوْ إصابَةِ مَكْرُوهٍ لِغَيْرِهِ، مَعَ خَفائِهِما عَلى المُوَجَّهِ نَحْوَهُ القَصْدُ، بِحَيْثُ لا يَتَأتّى ذَلِكَ النَّيْلُ أوِ الإصابَةُ بِدُونِهِ، أوْ لَوْ تَأتّى لَزِمَ فَوْتُ غَرَضٍ آخَرَ حَسَبَ تَصَوُّرِهِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ: (الحَرْبُ خُدْعَةٌ) مَجازًا، ولا تَخْفى غَرابَتُهُ، والمُخادَعَةُ مُفاعَلَةٌ، والمَعْرُوفُ فِيها أنْ يَفْعَلَ كُلُّ أحَدٍ بِالآخَرِ مِثْلَ ما يَفْعَلُهُ بِهِ، فَيَقْتَضِي هُنا أنْ يَصْدُرَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ اللَّهِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِنَ المُنافِقِينَ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالآخَرِ، وظاهِرُ هَذا مُشْكِلٌ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَخْدَعُ، ولا يُخْدَعُ، أمّا عَلى التَّحْقِيقِ، فَلِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ نَيْلٍ وإصابَةٍ واسْتِجْرارِ مَنفَعَةٍ لِنَفْسِهِ، وهو أيْضًا مُتَعالٍ عَلى التَّعَمُّلِ، واسْتِحْضارِ المُقَدِّماتِ، ولِأنَّهُ جَلَّ عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَ سُرادِقاتِ جَلالِهِ نَقْصُ الِانْفِعالِ وخَفاءٌ مَعْلُومٌ ما عَلَيْهِ، وأمّا عَلى ما ذَكَرَهُ السَّيِّدُ فَلِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أجَلُّ مِن أنْ تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ أوْ يُصِيبَهُ مَكْرُوهٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْمُنافِقِينَ أنْ يَخْدَعُوهُ، ويُوقِعُوا في عِلْمِهِ خِلافَ ما يُرِيدُونَ مِنَ المَكْرُوهِ، ويُصِيبُونَهُ بِهِ مَعَ أنَّهم لِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ عالِمُونَ بِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ، والعاقِلُ لا يَقْصِدُ ما تَحَقَّقَ لَدَيْهِ امْتِناعُهُ، وأمّا أنَّهُ لا يُخْدَعُ، فَلِأنَّهُ وإنْ جازَ عِنْدَنا أنْ يُوقَعَ سُبْحانَهُ في أوْهامِ المُنافِقِينَ خِلافُ ما يُرِيدُهُ مِنَ المَكارِهِ لِيَغْتَرُّوا، ثُمَّ يُصِيبُهم بِهِ، لَكِنْ يَمْتَنِعُ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ لِما يُوهِمُهُ مِن أنَّهُ إنَّما يَكُونُ عَنْ عَجْزٍ عَنِ المُكافَحَةِ، وإظْهارِ المَكْتُومِ، لِأنَّهُ المَعْهُودُ مِنهُ في الإطْلاقِ، كَما في الِانْتِصافِ، ولِذا زِيدَ في تَفْسِيرِهِ مَعَ اسْتِشْعارِ خَوْفٍ، أوِ اسْتِحْياءٍ مِنَ المُجاهَرَةِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ، وإنْ جازَ أنْ يَخْدَعُوا إلّا أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَقْصِدُوا خُدَعَ المُنافِقِينَ، لِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ، بَلْ مَذْمُومٌ مُسْتَهْجَنٌ، وهي أشْبَهُ شَيْءٍ بِالنِّفاقِ، وهم في غِنًى عَنْهُ، عَلى أنَّ الِانْخِداعَ المُتَمَدَّحَ بِهِ، هو التَّخادُعُ بِمَعْنى إظْهارِ التَّأثُّرِ دُونَهُ كَرَمًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ : «(المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ)،» لا الِانْخِداعُ الدّالُّ عَلى البَلَهِ، ولِذا قالَتْ عائِشَةُ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كانَ أعْقَلَ مِن أنْ يَخْدَعَ، وأفْضَلَ مِن أنْ يُخْدَعَ، ويُجابَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ صُورَةَ صَنِيعِهِمْ مَعَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ يَتَظاهَرُونَ بِالإيمانِ وهم كافِرُونَ، وصُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ تَعالى مَعَهم حَيْثُ أمَرَ بِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وهم عِنْدَهُ أهْلُ الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وصُورَةُ صَنِيعِ المُؤْمِنِينَ مَعَهم حَيْثُ امْتَثَلُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ، فَأجْرَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، تُشْبِهُ صُورَةَ المُخادَعَةِ، فَفي الكَلامِ إمّا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ في يُخادِعُونَ وحْدَهُ، أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ في الجُمْلَةِ، وحَيْثُ إنَّ ابْتِداءَ الفِعْلِ في بابِ المُفاعَلَةِ مِن جانِبِ الفاعِلِ صَرِيحًا، وكَوْنَ المَفْعُولِ آتِيًا بِمِثْلِ فِعْلِهِ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ مِن عَرْضِ الكَلامِ حَسُنَ إيرادُ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَمّا أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ صَرِيحًا، وكَوْنُ مُقْتَضى المَقامِ إيرادَ حالِهِمْ خاصَّةً كَما قالَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ مِمّا لا يَخْدِشُ هَذا الوَجْهَ الحَسَنَ، أوْ يُجابُ كَما قِيلَ: بِأنَّ المُرادَ مُخادَعَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ سَلَّمَ، وأُوقِعَ الفِعْلُ عَلى غَيْرِ ما يُوقَعُ عَلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ بَيْنَهُما، وهي الخِلافَةُ، فَهُناكَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ في النِّسْبَةِ الإيقاعِيَّةِ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى رَأْيِ مَن يَكْتَفِي بِالمُلابَسَةِ بَيْنَ ما هو لَهُ، وغَيْرِ ما هو لَهُ، وأمّا عَلى رَأْيِ مَن يَعْتَبِرُ مُلابَسَةَ الفِعْلِ بِغَيْرِ ما هو لَهُ بِأنْ يَكُونَ مِن مَعْمُولاتِهِ فَلا، عَلى أنَّهُ يَبْقى مِنَ الإشْكالِ أنْ لا خَدْعَ مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، ولا مَجالَ لِأنْ يَكُونَ الخَدْعُ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ حَقِيقَةً، ومِنَ الآخَرِ مَجازًا، لِاتِّحادِ اللَّفْظِ، وكَأنَّ المُجِيبَ إمّا قائِلٌ بِجَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، أوْ غَيْرُ قائِلٍ بِامْتِناعِ صُدُورِ الخَدْعِ مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ حَتّى يَتَأتّى لَهم ما يُرِيدُونَ مِن إعْلاءِ الدِّينِ، ومَصالِحِ المُسْلِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ (يَخْدَعُونَ)، والجَوابُ عَمّا يَلْزَمُ هو الجَوابُ فِيما لَزِمَ، وقَدْ تَأتّى فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، كَعافانِي اللَّهُ تَعالى وعاقَبْتُ اللِّصَّ فَلا بُعْدَ في حَمْلِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى ذَلِكَ، ويَكُونُ إيثارُ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِإفادَةِ المُبالَغَةِ في الكَيْفِيَّةِ، فَإنَّ الفِعْلَ مَتى غُولِبَ فِيهِ بُولِغَ بِهِ، أوْ في الكَمِّيَّةِ، كَما في المُمارَسَةِ والمُزاوَلَةِ، فَإنَّهم كانُوا مُداوِمِينَ عَلى الخَدْعِ (ويُخادِعُونَ) إمّا بَيانٌ لِـ(يَقُولُ) لا عَلى وجْهِ العَطْفِ إذْ لا يَجْرِي عَطْفُ البَيانِ في الجُمَلِ عِنْدَ النُّحاةِ، وإنْ أوْهَمَهُ كَلامُ أهْلِ المَعانِي، وإمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يَدَّعُونَ الإيمانَ كاذِبِينَ وماذا نَفَعَهُمْ؟
فَقِيلَ: يُخادِعُونَ إلَخْ، وهَذا في المَآلِ كالأوَّلِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَدَلًا مِن صِلَةِ (مَن) بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (يَقُولُ)، أيْ مُخادِعِينَ، وأبُو البَقاءِ: أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (مُؤْمِنِينَ)، ولَعَلَّ النَّفْيَ مُتَوَجِّهٌ لِلْمُقارَنَةِ، لا لِنَفْسِ الحالِ، كَما فِي: ما جاءَنِي زَيْدٌ، وقَدْ طَلَعَ الفَجْرُ، ﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ عَلى أنَّهُ قَدْ تُجْعَلُ الحالُ ونَحْوُها في مِثْلِ ذَلِكَ قَيْدًا لِلنَّفْيِ لا لِلْمَنفِيِّ كَما قَرَّرُوهُ في لَمْ أُبالِغْ في اخْتِصارِهِ تَقْرِيبًا، وجَعْلُ الجُمْلَةِ صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مَمْنُوعٌ لِمَكانِ النَّفْيِ والقَيْدِ، ولَيْسَتْ حالُ الصِّفَةِ كَصِفَةِ الحالِ، فَلا عَجَبَ في تَجْوِيزِ إحْداهُما، ومَنعِ الأُخْرى، كَما تَوَهَّمَهُ أبُو حَيّانَ في بَحْرِهِ، نَعَمِ التَّعَجُّبُ مِن كَوْنِ الجُمْلَةِ بَيانًا لِلتَّعَجُّبِ مِن كَوْنِهِمْ مِنَ النّاسِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ الغَرَضَ مِن مُخادَعَةِ هَؤُلاءِ لِمَن خادَعُوهُ كالغَرَضِ مِن نِفاقِهِمْ طِبْقَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، فَقَدْ قَصَدُوا تَعْظِيمَهم عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، والتَّطَلُّعَ عَلى أسْرارِهِمْ لِيُفْشُوها، ورَفْعَ القَتْلِ عَنْهُمْ، أوْ ضَرْبَ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، والفَوْزَ بِسَهْمٍ مِنَ الغَنائِمِ ونَحْوَ ذَلِكَ، وثَمَرَةُ مُخادَعَةِ مَن خادَعُوهُ إيّاهم إنْ كانَتْ حِكَمًا إلَهِيَّةً ومَصالِحَ دِينِيَّةً رُبَّما يُؤَدِّي تَرْكُها إلى مَفاسِدَ لا تُحْصى، ومَحاذِيرَ لا تُسْتَقْصى، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو (وما يُخادِعُونَ) وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (وما يَخْدَعُونَ)، وقَرَأ الجارُودُ وأبُو طالُوتَ (وما يُخْدَعُونَ) بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: (وما يُخادَعُونَ) بِفَتْحِ الدّالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا، وقَرَأ قَتادَةُ والعِجْلِيُّ: (وما يُخَدِّعُونَ) مِن خَدَّعَ، مُضاعَفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبَعْضُهم بِفَتْحِ الياءِ، والخاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ المَكْسُورَةِ، وما عَدا القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ شاذَّةٌ وعَلَيْهِما نُصِبَ (أنْفُسَهُمْ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ الصِّرْفَةِ، أوْ مَعَ الفاعِلِيَّةِ مَعْنًى، وأمّا عَلى قِراءَةِ بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، فَهو إمّا عَلى إسْقاطِ الجارِّ أيْ في أنْفُسِهِمْ، أوْ عَنْ أنْفُسِهِمْ، أوْ عَلى التَّمْيِيزِ، عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، أوِ التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ عَلى زَعْمِ بَعْضِهِمْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِتَضْمِينِ الفِعْلِ يَتَنَقَّصُونَ مَثَلًا، ولا يُشْكِلُ عَلى قِراءَةِ (يُخادِعُونَ) أنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ حَصْرُ الخِداعِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى والمُؤْمِنِينَ، وقَدْ أُثْبِتَ أوَّلًا، وإنَّ المُخادَعَةَ إنَّما تَكُونُ في الظّاهِرِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَكَيْفَ يُخادِعُ أحَدٌ نَفْسَهُ، لِأنّا نَقُولُ: المُرادُ أنَّ دائِرَةَ الخِداعِ راجِعَةٌ إلَيْهِمْ، وضَرَرَها عائِدٌ عَلَيْهِمْ، فالخِداعُ هُنا هو الخِداعُ الأوَّلُ، والحَصْرُ بِاعْتِبارِ أنَّ ضَرَرَهُ عائِدٌ إلى أنْفُسِهِمْ، فَتَكُونُ العِبارَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَنِ انْحِصارِ ضَرَرِها فِيهِمْ، أوْ نَجْعَلُ لَفْظَ الخِداعِ مَجازًا مُرْسَلًا عَنْ ضَرَرِهِ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ، وكَوْنُهُ مَجازًا بِاعْتِبارِ الأوَّلِ كَما قالَهُ السَّعْدُ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهم خَدَعُوا أنْفُسَهم لَمّا غَرُّوها بِذَلِكَ، وخَدَعَتْهم حَيْثُ حَدَّثَتْهم بِالأمانِي الخالِيَةِ، فالمُرادُ بِالخِداعِ غَيْرُ الأوَّلِ، والمُخادِعُ والمُخادَعُ مُتَغايِرانِ بِالِاعْتِبارِ، فالخِداعُ عَلى هَذا مَجازٌ عَنْ إيهامِ الباطِلِ، وتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ الحَقِّ، وحَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ بَعِيدٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ مِنَ التَّجْرِيدِ كَقَوْلِهِ: لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهْدِيها ولا مالٌ فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لَمْ يُسْعِدِ الحالُ لا يَرْتَضِيهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، كالقَوْلِ بِأنَّ الكَلامَ مِن بابِ المُبالَغَةِ في امْتِناعِ خِداعِهِمْ لِلَّهِ تَعالى ولِلْمُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ كَما لا يَخْفى خِداعُ المُخادِعِ لِنَفْسِهِ، فَيَمْتَنِعُ خِداعُهُ لَها، يَمْتَنِعُ خِداعُ اللَّهِ تَعالى لِعِلْمِهِ، والمُؤْمِنُونَ لِاطِّلاعِهِمْ بِإعْلامِهِ تَعالى، أوِ الكِنايَةُ عَنْ أنَّ مُخالَفَتَهم ومُعاداتَهم لِلَّهِ تَعالى وأحْبابِهِ مُعامَلَةٌ مَعَ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى والمُؤْمِنِينَ يَنْفَعُونَهم كَأنْفُسِهِمْ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ التَّعْبِيرَ هُنا بِالمُخادَعَةِ لِلْمُشاكَلَةِ، مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنَ المُشاكِلِ والمُشاكَلِ مَجازًا، وكُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ، (والنَّفْسُ) حَقِيقَةُ الشَّيْءِ، وعَيْنُهُ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِالأجْسامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ ﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ وتُطْلَقُ عَلى الجَوْهَرِ البُخارِيِّ اللَّطِيفِ الحامِلِ لِقُوَّةِ الحَياةِ والحِسِّ والحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ، وسَمّاها الحَكِيمُ الرُّوحَ الحَيَوانِيَّةَ، وأوَّلُ عُضْوٍ تَحُلُّهُ القَلْبُ، إذْ هو أوَّلُ ما يُخْلَقُ عَلى المَشْهُورِ، ومِنهُ تَفِيضُ إلى الدِّماغِ، والكَبِدِ، وسائِرِ الأعْضاءِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَنبَتَ الأعْصابِ، إذْ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ العُضْوُ المُسْتَفِيدُ مُنْبِتًا لِآلَةِ الِاسْتِفادَةِ، وقِيلَ: الدِّماغُ، لِأنَّهُ المَنبَتُ ولَمْ تَقُمْ دِلالَةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلى ذَلِكَ، كَما في شَرْحِ القانُونِ لِلْإمامِ الرّازِيِّ، وكَثِيرًا ما تُطْلَقُ عَلى الجَوْهَرِ المُجَرَّدِ المُتَعَلِّقِ بِالبَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ والتَّصَرُّفِ، وهي الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ، المُرادَّةُ فِيمَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، وتُسَمّى النَّفْسَ النّاطِقَةَ وبِتَنَوُّعِ صِفاتِها تَخْتَلِفُ أسْماؤُها، وأحْظى الأعْضاءِ بِإشْراقِ أنْوارِها المَعْنَوِيَّةِ القَلْبُ أيْضًا، ولِذَلِكَ الشَّرَفِ قَدْ يُسَمّى نَفْسًا، وبَعْضُهم يُسَمِّي الرَّأْيَ بِها، والظّاهِرُ في الآيَةِ عَلى ما قِيلَ: المَعْنى الأوَّلُ، إذِ المَقْصُودُ بَيانُ أنَّ ضَرَرَ مُخادَعَتِهِمْ راجِعٌ إلَيْهِمْ، ولا يَتَخَطّاهم إلى غَيْرِهِمْ، ولَيْسَ بِالمُتَعَيِّنِ كَما لا يَخْفى، وتُطْلَقُ عَلى مَعانٍ أُخَرَ سَتَسْمَعُها مَعَ تَحْقِيقِ هَذا المَبْحَثِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وجُمْلَةُ ﴿ وما يَشْعُرُونَ ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ ومَفْعُولُ (يَشْعُرُونَ) مَحْذُوفٌ أيْ: وما يَشْعُرُونَ أنَّهم يَخْدَعُونَها، أوْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ، أوْ إطْلاعَ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى خِداعِهِمْ وكَذِبِهِمْ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ هَلاكَ أنْفُسِهِمْ، وإيقاعَها في الشَّقاءِ الأبَدِيِّ بِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، كَما رُوِيَ عَنْ زَيْدٍ أوِ المُرادُ: لا يَشْعُرُونَ بِشَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ كَما في البَحْرِ أنْ يَكُونَ ﴿ وما يَشْعُرُونَ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْ: وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم غَيْرَ شاعِرِينَ بِذَلِكَ، ولَوْ شَعَرُوا لَما خادَعُوا، والشُّعُورُ الإدْراكُ بِالحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ، ويَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ قالَ الرّاغِبُ: شَعَرْتُ كَذا، يُسْتَعْمَلُ بِوَجْهَيْنِ، بِأنْ يُؤْخَذَ مِن مَسِّ الشَّعْرِ ويُعَبَّرَ عَنْهُ عَنِ اللَّمْسِ، ومِنهُ اسْتُعْمِلَ المَشاعِرُ لِلْحَواسِّ، فَإذا قِيلَ: فُلانٌ لا يَشْعُرُ، فَذَلِكَ أبْلَغُ في الذَّمِّ مِن أنَّهُ لا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ، لِأنَّ حِسَّ اللَّمْسِ أعَمُّ مِن حِسِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، وتارَةً يُقالُ: شَعَرْتُ كَذا، أيْ أدْرَكْتُ شَيْئًا دَقِيقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَعَرْتُهُ أيْ أصَبْتُ شَعْرَهُ نَحْوَ أذَنْتُهُ، ورَأسْتُهُ، وكانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَشُقُّ الشَّعْرَ، إذا دَقَّ النَّظَرُ، ومِنهُ أُخِذَ الشّاعِرُ لِإدْراكِ دَقائِقِ المَعانِي انْتَهى، والآيَةُ تَحْتَمِلُ نَفْيَ الشُّعُورِ بِمَعْنى العِلْمِ، فَمَعْنى ﴿ لا يَشْعُرُونَ ﴾ لا يَعْلَمُونَ، وكَثِيرًا ما ورَدَ بِهَذا المَعْنى، وفي اللَّحاقِ نَوْعُ إشارَةٍ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ نَفْيُهُ بِمَعْنى الإدْراكِ بِالحَواسِّ، فَيُجْعَلُ مُتَعَلِّقُ الفِعْلِ كالمَحْسُوسِ الَّذِي لا يَخْفى إلّا عَلى فاقِدِ الحَواسِّ، ونَفْيُ ذَلِكَ نِهايَةُ الذَّمِّ، لِأنَّ مَن لا يَشْعُرُ بِالبَدِيهِيِّ المَحْسُوسِ مَرْتَبَتُهُ أدْنى مِن مَرْتَبَةِ البَهائِمِ، فَهم كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ، ولَعَلَّ هَذا أوْلى لِما فِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، مَعَ الدِّلالَةِ عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهو أيْضًا أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ﴾ كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وأصل الخداع في اللغة هو الستر.
يقال للبيت الذي يخزن فيه المال: مخدع، والعرب تقول: انخدعت الضب في جحرها.
فكان المنافقون يظهرون الإيمان ويسترون نفاقهم وكفرهم فقال: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا أي يكذبون ويخالفون الله والذين آمنوا ويقال يظنون أنهم يخادعون الله والذين آمنوا، لأنه قد بين في سياق الآية حيث قال تعالى: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ.
روي عن الأخفش أنه قال: اجترءوا على الله، حتى ظنوا أنهم يخادعون الله.
وقال بكر بن جريج: يظهرون لا إله إلا الله، يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم وأنفسهم ويقال: يظهرون غير ما في أنفسهم.
وهذا موافق لما روي عن رسول الله أنه قال: علامة المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب.
وقوله: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ.
قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة الكسائي وَما يَخْدَعُونَ بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف وَمَا يخادعون.
وتفسير القراءتين واحد يعني: وبال الخداع يرجع إليهم ويضر بأنفسهم.
قوله: وَما يَشْعُرُونَ.
قال الكلبي: يعني وما يعلمون أن الله يطلع نبيه على كذبهم وقال بعضهم: معناه وما يشعرون أن وبال الخداع يرجع إليهم.
<div class="verse-tafsir"
الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ» «١» [المطففين: ١٤] » انتهى.
والغِشَاوَةُ: الغطاء المغشي الساتر، وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ: معناه:
لِمخالفتِكَ يا محمَّد، وكفرهم بالله، وعَظِيمٌ: معناه بالإضافة إلى عذاب دونه.
قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ...
إِلَى وَما يَشْعُرُونَ: هذه الآية نزلت في المنافقين، وسَمَّى اللَّهُ تعالى يوم القيامة اليَوْمَ الآخِرَ لأنه لا ليل بعده، ولا يقالُ يوم إِلا لما تقدَّمه ليل، واختلف المتأوِّلون في قوله: يُخادِعُونَ اللَّهَ، فقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى يُخَادِعُون رسول اللَّه «٢» ، فأضافَ الأمرَ إلى اللَّه تجوُّزاً لتعلُّق رسوله به، ومخادعتُهم هي تحيُّلهم في أن يُفْشِيَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم والمؤمنون إليهم أسرارهم.
ع «٣» : تقول: خادَعْتُ الرجُلَ بمعنى: أعملْتُ التحيُّل عليه، فَخَدَعْتُهُ، بمعنى:
تمَّت عليه الحيلة، ونفذ فيه المرادُ، وقال جماعةٌ: بل يخادعون اللَّهَ والمؤمنين بإِظهارهم من الإِيمان خلافَ ما أبطنوا من الكفر، وإِنما خدعوا أنفسهم لحصولهم في العذاب، وَما يَشْعُرُونَ بذلك، معناه: وما يعلمون علْمَ تفطُّن وتَهَدٍّ، وهي لفظة مأخوذة من
الشِّعَار كأن الشيء المتفطَّن له شعار للنَّفْس، وقولهم: لَيْتَ شِعْرِي: معناه: ليت فطنتي تُدْرِكُ.
واختلف، ما الذي نَفَى/ اللَّه عنهم أنْ يشعروا له؟
فقالت طائفة: وما يَشْعُرُونَ أنَّ ضرَرَ تلْكَ المخادَعَةِ راجعٌ عليهم لخلودهم في النَّار، وقال آخرون: وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّه يكشف لك سرّهم ومخادعتهم في قولهم: آمَنَّا.
قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أي: في عقائدهم فسادٌ «١» ، وهم المنافقون، وذلك إما أن يكون شكًّا، وإما جحدًا بسبب حسدهم مع علمهم بصحَّة ما يجحدون، وقال قوم: المَرَضُ غمّهم بظهوره صلّى الله عليه وسلم، فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً، قيل: هو دعاءٌ عليهم، وقيل:
هو خبر أنَّ اللَّه قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحْيِ، ويظهر من البراهين.
ت: لما تكلَّم ع: على تفسير قوله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [الفتح: ٦] .
قال «٢» : كُلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجلَّ، فَإنَّما هو بمعنى إيجاب الشيء لأَنَّ اللَّه تعالى لا يدعو على مخلوقاته، وهي في قبضته، ومن هذا: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ [الهمزة: ١] ، وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] ، وهي كلها أحكام تامَّة تضمنها خبره تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، أي: مؤلم، وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي:
بالكفر وموالاةِ الكفرةِ ولقول المنافقين: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ثلاثُ تأويلاتٍ:
أحدها: جحد أنهم يفسدون، وهذا استمرار منهم على النِّفاق.
والثاني: أنّ يقروا بموالاة الكُفَّار ويدَّعون أنها صلاحٌ من حيث هم قرابةٌ توصل.
والثالث: أنهم يصلحون بين الكفار والمؤمنين.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخادِعُونَ اللَّهَ ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، والجَدُّ بْنُ القَيْسِ؛ إذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا: آمَنّا، ونَشْهَدُ أنَّ صاحِبَكم صادِقٌ، فَإذا خَلَوْا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
فَأمّا التَّفْسِيرُ، فالخَدِيعَةُ: الحِيلَةُ والمَكْرُ، وسُمِّيَتْ خَدِيعَةً، لِأنَّها تَكُونُ في خَفاءٍ.
والمَخْدَعُ: بَيْتٌ داخِلُ البَيْتِ تَخْتَفِي فِيهِ المَرْأةُ، ورَجُلٌ خادِعٌ: إذا فَعَلَ الخَدِيعَةَ، سَواءٌ حَصَلَ مَقْصُودُهُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، فَإذا حَصَلَ مَقْصُودُهُ قِيلَ: قَدْ خَدَعَ.
وانْخَدَعَ الرَّجُلُ: اسْتَجابَ لِلْخادِعِ، سَواءٌ تَعَمَّدَ الِاسْتِجابَةَ أوْ لَمْ يَقْصِدْها، والعَرَبُ تُسَمِّي الدَّهْرَ خِداعًا، لِتَلَوُّنِهِ بِما يُخْفِيهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وَفِي مَعْنى خِداعِهِمُ اللَّهَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا يُخادِعُونَ المُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّهم خادَعُوا اللَّهَ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يُخادِعُونَ نَبِيَّ اللَّهِ فَأقامَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مَقامَهُ كَما قالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّ الخادِعَ عِنْدَ العَرَبِ: الفاسِدُ.
وأنْشَدُوا: [أبْيَضُّ اللَّوْنِ لَذِيذٌ طَعْمُهُ ] طَيِّبُ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خَدَعَ.
أيْ: فَسَدَ.
رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ.
قالَ ابْنُ القاسِمِ: فَتَأْوِيلُ يُخادِعُونَ اللَّهَ: يُفْسِدُونَ ما يُظْهِرُونَ مِنَ الإيمانِ بِما يُضْمِرُونَ مِنَ الكُفْرِ.
والرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ في دِينِ اللَّهِ ما لُو فَعَلُوهُ بَيْنَهم كانَ خِداعًا.
والخامِسُ: أنَّهم كانُوا يُخْفُونَ كُفْرَهم ويُظْهِرُونَ الإيمانَ بِهِ.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: (وَما يُخادِعُونَ) وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: (يَخْدَعُونَ)، والمَعْنى: أنَّ وبالَ ذَلِكَ الخِداعُ عائِدٌ عَلَيْهِمْ.
وَمَتى يَعُودُ وبالُ خِداعِهِمْ عَلَيْهِمْ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: في دارِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ.
أحَدُهُما: بِالِاسْتِدْراجِ والإمْهالِ الَّذِي يَزِيدُهم عَذابًا.
بِاطِّلاعِ النَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ عَلى أحْوالِهِمُ الَّتِي أسَرُّوها.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ عَوْدَ الخِداعِ عَلَيْهِمْ في الآَخِرَةِ.
وفي ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَعُودُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ ضَرْبِ الحِجابِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ يَعُودُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ اطِّلاعِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلَيْهِمْ، فَإذا رَأوْهم طَمِعُوا في نَيْلِ راحَةِ مَن قَبْلَهم، فَقالُوا: ﴿ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ فَيُجِيبُونَهُمْ: ﴿ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ ﴾ .
*** قَوْلُهُ تَعالِي: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ: وما يَعْلَمُونَ.
وفي الَّذِي لَمْ يَشْعُرُوا بِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ إطْلاعُ اللَّهِ نَبِيَّهُ عَلى كَذِبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ إسْرارُهم بِأنْفُسِهِمْ بِكُفْرِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ يُخادِعُونَ اللهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ ﴾ كانَ أصْلُ النُونِ أنْ تُكْسَرَ لِالتِقاءٍ، لَكِنَّها تُفْتَحُ مَعَ الألِفِ واللامِ، ومَن قالَ اسْتُثْقِلَتْ كَسْرَتانِ تَتَوالى في كَلِمَةٍ عَلى حَرْفَيْنِ فَمُعْتَرِضٌ بِقَوْلِهِمْ: مِنِ ابْنِكَ ومِنِ اسْمِكَ وما أشْبَهَهُ، واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في لَفْظَةِ "الناسِ"، فَقالَ قَوْمٌ: هي مِن نَسِيَ، فَأصْلُ ناسٍ نَسِيَ قُلِبَ فَجاءَ نِيسَ، تَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا فَقِيلَ: ناسٌ، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللامُ، وقالَ آخَرُونَ: ناسٌ اسْمٌ مِن أسْماءِ الجُمُوعِ دُونَ هَذا التَعْلِيلِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ.
وقالَ آخَرُونَ: أصْلُ ناسٍ أُناسٌ، دَخَلَتِ الألِفُ واللامُ في الأُناسِ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ فَجاءَ الناسُ، أُدْغِمَتِ اللامُ في النُونِ لِقُرْبِ المَخارِجِ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ ﴾ رَجَعَ مِن لَفْظِ الواحِدِ إلى لَفْظِ الجَمْعِ بِحَسَبِ لَفْظِ "مِنٍ" ومَعْناها، وحَسُنَ ذَلِكَ، لِأنَّ الواحِدَ قَبْلَ الجَمْعِ في الرُتْبَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ مُتَكَلِّمٌ مِن لَفْظِ جَمْعٍ إلى تَوْحِيدٍ، لَوْ قُلْتَ: "وَمِنَ الناسِ مَن يَقُومُونَ ويَتَكَلَّمُ" لَمْ يَجُزْ.
وسَمّى اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ اليَوْمَ الآخِرَ لِأنَّهُ لا لَيْلَ بَعْدَهُ، ولا يُقالُ يَوْمٌ إلّا لِما تَقَدَّمَهُ لَيْلٌ، ثُمَّ نَفى تَعالى الإيمانَ عَنِ المُنافِقِينَ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى الكَرامِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: "إنَّ الإيمانَ قَوْلٌ بِاللِسانِ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدْ بِالقَلْبِ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُخادِعُونَ اللهَ ﴾ ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى يُخادِعُونَ رَسُولَ اللهِ، فَأضافَ الأمْرَ إلى اللهِ تَجَوُّزًا لِتَعَلُّقِ رَسُولِهِ بِهِ، ومُخادَعَتِهِمْ هي تُحِيلُهم في أنْ يُفْشِيَ رَسُولُ اللهِ والمُؤْمِنُونَ لَهم أسْرارَهم فَيَتَحَفَّظُونَ بِما يَكْرَهُونَهُ، ويَتَنَبَّهُونَ مِن ضَرَرِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما يُحِبُّونَهُ.
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: بَلْ يُخادِعُونَ اللهَ والمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ بِأنْ يَظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ خِلافَ ما أبْطَنُوا مِنَ الكُفْرِ، لِيَحْقِنُوا دِماءَهُمْ، ويُحْرِزُوا أمْوالَهُمْ، ويَظُنُّونَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا وخَدَعُوا وفازُوا، وإنَّما خَدَعُوا أنْفُسَهُمْ، لِحُصُولِهِمْ في العَذابِ، وما شَعَرُوا لِذَلِكَ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "يُخادِعُونَ" الثانِي، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو "يُخادِعُونَ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "وَما يَخْدَعُونَ"، وقَرَأ أبُو طالُوتَ عَبْدُ السَلامِ بْنِ شَدّادٍ، والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ "يَخْدَعُونَ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ قَتادَةُ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ "يُخَدِّعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الدالِ وشَدِّها، فَوَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ومَن ذَكَرَ إحْرازَ تَناسُبِ اللَفْظِ، وأنْ يُسَمّى الفِعْلُ الثانِي بِاسْمِ الفِعْلِ الأوَّلِ المُسَبِّبِ لَهُ، ويَجِيءُ ذَلِكَ كَما قالَ الشاعِرُ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا فَجُعِلَ انْتِصارُهُ جَهْلًا، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزَعَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ "فاعِلَ" قَدْ تَجِيءُ مِن واحِدٍ، كَعاقَبْتُ اللِصَّ وطارَقْتُ النَعْلَ.
وتَتَّجِهُ أيْضًا هَذِهِ القِراءَةُ بِأنْ يَنْزِلَ ما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ، ويَهْجِسُ في خَواطِرِهِمْ، مِنَ الدُخُولِ في الدِينِ، والنِفاقِ فِيهِ، والكُفْرِ في الأمْرِ وضِدُّهُ في هَذا المَعْنى بِمَنزِلَةِ مُحاوَرَةِ أجْنَبِيَّيْنِ، فَيَكُونُ الفِعْلُ كَأنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: تَذَكَّرْ مِن أنّى ومِن أيْنَ شُرْبُهُ ∗∗∗ يُؤامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الآبِلُ وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ تَدْرِ ما لا ولَسْتَ قائِلَها ∗∗∗ عَمَّرَكَ ما عِشْتَ آخِرَ الأبَدِ ولَمْ تُؤامِرْ نَفْسَيْكَ مُمْتَرِيًا ∗∗∗ فِيها وفي أُخْتِها ولَمْ تَكَدِ وقالَ الآخَرُ: يُؤامِرُ نَفْسَيْهِ وفي العَيْشِ فُسْحَةٌ ∗∗∗ أيَسْتَرْجِعُ الذَوَبانُ أمْ لا يُطَوِّرُها؟
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: وكُنْتُ كَذاتِ الضِنِيءِ لَمْ تَدْرِ إذْ بَغَتْ ∗∗∗ تُؤامِرُ نَفْسَيْها أتُسْرَقُ أمْ تَزْنِي؟
ووَجْهُ قِراءَةِ عاصِمٍ ومَن ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ هو خَدْعٌ لِأنْفُسِهِمْ يَمْضِي عَلَيْها، تَقُولُ: خادَعْتُ الرَجُلَ بِمَعْنى أعْمَلْتُ التَحَيُّلَ عَلَيْهِ فَخَدَعْتُهُ بِمَعْنى: تَمَّتْ عَلَيْهِ الحِيلَةُ، ونَفَذَ فِيهِ المُرادُ، والمَصْدَرُ خِدْعٌ بِكَسْرِ الخاءِ وخَدِيعَةٌ، حَكى ذَلِكَ أبُو زَيْدٍ، فَمَعْنى الآيَةِ: وما يُنَفِّذُونَ السُوءَ إلّا عَلى أنْفُسِهِمْ وفِيها.
وَوَجْهُ قِراءَةِ أبِي طالُوتَ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يُقَدِّرَ الكَلامَ وما يَخْدَعُونَ إلّا عن أنْفُسِهِمْ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ ووُصِلَ الفِعْلُ.
كَما قالَ تَعالى: ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ﴾ أيْ: مِن قَوْمِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ "يَخْدَعُونَ" أعْمَلَ عَمَلَ يَنْتَقِصُونَ لَمّا كانَ المَعْنى: وما يَنْقُضُونَ ويَسْتَلِبُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ لَيْلَةَ الصِيامِ الرَفَثُ إلى نِسائِكُمْ ﴾ ولا تَقُولُ: رَفَثْتُ إلى المَرْأةِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ بِمَعْنى الإفْضاءِ ساغَ ذَلِكَ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ وإنَّما يُقالُ: هَلْ لَكَ في كَذا، ولَكِنْ لَمّا كانَ المَعْنى: أجْذِبُكَ إلى أنْ تَزَكّى ساغَ ذَلِكَ وحَسُنَ، وهو بابٌ سَنِّيٌّ مِن فَصاحَةِ الكَلامِ.
ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: كَيْفَ تَرانِي قالَبًا مِجَنِّي ∗∗∗ قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي لَمّا كانَتْ قَتْلُ قَدْ دَخَلَها مَعْنى صَرَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها لَمّا كانَتْ رَضِيَتْ قَدْ تَضَمَّنَتْ مَعْنى أقْبَلَتْ عَلَيَّ.
وأمّا الكِسائِيُّ فَقالَ في هَذا البَيْتِ: وصَلَ رَضِيَ بِوَصْلِ نَقِيضِهِ وهو سَخِطَ، وقَدْ تُجْرى أُمُورٌ في اللِسانِ مَجْرى نَقائِضِها.
وَوَجْهُ قِراءَةِ قَتادَةَ المُبالَغَةُ في الخُدْعِ، إذْ هو مَصِيرٌ إلى عَذابِ اللهِ.
قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: خادَعَ مِن واحِدٍ لِأنَّ في المُخادَعَةِ مُهْلَةً، كَما يُقالُ: عالَجَتِ المَرِيضَ لِمَكانِ المُهْلَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِن دَقِيقِ نَظَرِهِ، وكَأنَّهُ يَرُدُّ فاعِلَ إلى الِاثْنَيْنِ ولا بُدَّ مِن حَيْثُ ما فِيهِ مُهْلَةٌ ومُدافَعَةٌ ومُماطَلَةٌ، فَكَأنَّهُ يُقاوِمُ في المَعْنى الَّذِي تَجِيءُ فِيهِ فاعِلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ مَعْناهُ: وما يَعْلَمُونَ عِلْمَ تَفَطُّنٍ وتَهَدٍّ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشِعارِ كَأنَّ الشَيْءَ المُتَفَطِّنَ لَهُ شِعارٌ لِلنَّفْسِ، والشِعارُ: الثَوْبُ الَّذِي يَلِي جَسَدَ الإنْسانِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَعْرِ، والشاعِرِ المُتَفَطِّنِ لِغَرِيبِ المَعانِي، وقَوْلُهم لَيْتَ شِعْرِي مَعْناهُ: لَيْتَ فِطْنَتِي تُدْرَكُ، ومِن هَذا المَعْنى، قَوْلُ الشاعِرِ: عَقْوًا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ ∗∗∗ ثُمَّ اسْتَفاؤُوا وقالُوا: حَبَّذا الوَضَحُ واخْتَلَفَ: ما الَّذِي نَفى اللهُ عنهم أنْ يَشْعُرُوا لَهُ؟
فَقالَتْ طائِفَةٌ: وما يَشْعُرُونَ أنَّ ضَرَرَ تِلْكَ المُخادَعَةِ راجِعٌ عَلَيْهِمْ لِخُلُودِهِمْ في النارِ، وقالَ آخَرُونَ: وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللهَ يَكْشِفُ لَكَ سِرَّهم ومُخادَعَتَهم في قَوْلِهِمْ: آمَنّا.
<div class="verse-tafsir"
جملة: ﴿ يخادعون ﴾ بدل اشتمال من جملة: ﴿ يقول آمنا بالله ﴾ [البقرة: 8] وما معها لأن قولهم ذلك يشتمل على المخادعة.
والخداع مصدر خادع الدال على معنى مفاعلة الخدع، والخدع هو فعل أو قول معه ما يوهم أن فاعله يريد بمدلوله نفع غيره وهو إنما يريد خلاف ذلك ويتكلف ترويجه على غيره ليغيره عن حالة هو فيها أو يصرفه عن أمر يوشك أن يفعله، تقول العرب: خدع الضب إذا أوهم حارشه أنه يحاول الخروج من الجهة التي أدخل فيها الحارش يده حتى لا يرقبه الحارش لعلمه أنه آخذه لا محالة ثم يخرج الضب من النافقاء.
والخداع فعل مذموم إلا في الحرب والانخداع تمشي حيلة المخادع على المخدوع وهو مذموم أيضاً لأنه من البله وأما إظهار الانخداع مع التفطن للحيلة إذا كانت غير مضرة فذلك من الكرم والحلم قال الفرزدق: استمطروا من قريش كل منخدع *** إن الكريمَ إذا خادعته انخدعا وفي حديث " المؤمن غر كريم " أي من صفاته الصفح والتغاضي حتى يظن أنه غر ولذلك عقبه بكريم لدفع الغرية المؤذنة بالبله فإن الإيمان يزيد الفطنة لأن أصول اعتقاده مبنية على نبذ كل ما من شأنه تضليل الرأي وطمس البصيرة ألا ترى إلى قوله: " والسعيد من وعظ بغيره " مع قوله: " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين "، وكلها تنادي على أن المؤمن لا يليق به البله وأما معنى «المؤمن غر كريم» فهو أن المؤمن لما زكت نفسه عن ضمائر الشر وخطورها بباله وحمل أحوال الناس على مثل حاله فعرضت له حالة استئمان تشبه الغرية قال ذو الرمة: تلك الفتاة التي علقتها عرضاً *** إِنَّ الحليم وذا الإسلام يختلب فاعتذر عن سرعة تعلقه بها واختلابها عقله بكرم عقله وصحة إسلامه فإن كل ذلك من أسباب جودة الرأي ورقة القلب فلا عجب أن يكون سريع التأثر منها.
ومعنى صدور الخداع من جانبهم للمؤمنين ظاهر، وأما مخادعتهم الله تعالى المقتضية أن المنافقين قصدوا التمويه على الله تعالى مع أن ذلك لا يقصده عاقل يعلم أن الله مطلع على الضمائر والمقتضية أن الله يعاملهم بخداع، وكذلك صدور الخداع من جانب المؤمنين للمنافقين كما هو مقتضى صيغة المفاعلة مع أن ذلك من مذموم الفعل لا يليق بالمؤمنين فعله فلا يستقيم إسناده إلى الله ولا قصد المنافقين تعلقه بمعاملتهم لله كل ذلك يوجب تأويلاً في معنى المفاعلة الدال عليه صيغة ﴿ يخادعون ﴾ أو في فاعله المقدر من الجانب الآخر وهو المفعول المصرح به.
فأما التأويل في ﴿ يخادعون ﴾ فعلى وجوه: أحدها: أن مفعول خَادع لا يلزم أن يكون مقصوداً للمخادِع بالكسر إذ قد يقصد خداع أحد فيصادف غيره كما يخادع أحد وكيلَ أحد في مال فيقال له أنت تخادع فلاناً وفلاناً تعني الوكيل وموكِّلَه، فهم قصدوا خداع المؤمنين لأنهم يكذّبون أن يكون الإسلام من عند الله فلما كانت مخادعتهم المؤمنين لأجل الدِّين كان خداعهم راجعاً لشارع ذلك الدين، وأمَّا تأويل معنى خداع الله تعالى والمؤمنين إياهم فهو إغضاء المؤمنين عن بوادرهم وفلتات أَلسُنهم وكبواتتِ أفعالهم وهفواتِهم الدال جميعها على نفاقهم حتى لم يزالوا يعاملونهم معاملة المؤمنين فإن ذلك لما كان من المؤمنين بإذن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لقد نهى من استأذنه في أن يقتل عبدَ الله بن أبي ابن سلول، كان ذلك الصنيع بإذن الله فكان مرجعه إلى الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ﴾ في سورة النساء (142)، كما رجع إليه خداعُهم للمؤمنين، وهذا تأويل في المخادعة من جانبيها، كل بما يلائمه.
الثاني: } ما ذكره صاحب «الكشاف» أن ﴿ يخادعون ﴾ استعارة تمثيلية تشبيهاً للهيئة الحَاصلة من معاملتهم للمؤمنين ولدين الله، ومن معاملة الله إياهم في الإملاء لهم والإِبْقاء عليهم، ومعاملة المؤمنين إياهم في إجراء أحكام المسلمين عليهم، بهيئة فعل المتخادعَين.
الثالث: أن يكون خادع بمعنى خدع أي غير مقصود به حصول الفعل من الجانبين بل قَصْدُ المبالغة.
قال ابن عطية عن الخليل: يقال خَادع مِنْ واحد لأن في المخادعة مُهْلةً كما يقال عَالجت المريضَ لمكان المهلة، قال ابن عطية كأنه يرد فَاعَل إلى اثنين ولا بُدَّ من حيثُ إن فيه مهلة ومدافعة ومماطلة فكأنه يقاوم في المعنى الذي يجيء فيه فاعَلَ ا ه.
وهذا يرجع إلى جعل صيغة المفاعلة مستعارة لِمعنى المبالغة بتشبيه الفعل القوي بالفعل الحاصل من فاعَلْين على وجه التبَعية، ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن عامر ومن معه: (يخْدَعون الله).
وهذا إنما يدفع الإشكال عن إسناد صدور الخداع من الله والمؤمنين مع تنزيه الله والمؤمنين عنه، ولا يدفع إشكال صدور الخداع من المنافقين لله.
وأما التأويل في فَاعِل ﴿ يخادعون ﴾ المقدَّر وهو المفعول أيضاً فبأن يُجعل المراد أنهم يخادعون رسول الله فالإسناد إلى الله تعالى إما على طريقة المجاز العقلي لأجل الملابسة بين الرسول ومُرسله وإما مجازٌ بالحذف للمضاففِ، فلا يكون مرادهم خداعَ الله حقيقة، ويبقى أن يكون رسول الله مخدوعاً منهم ومخادعاً لهم، وأما تجويز مخادعة الرسول والمؤمنين للمنافقين لأنها جزاءٌ لهم على خداعهم فذلك غير لائق.
وقوله: ﴿ يخادعون الله ﴾ قرأه نافع وابن كثير وأبو عَمرو وخلَف (يخادعون) بألف بعد الخاء وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب (يخْدَعون) بفتح التحتية وسكون الخاء.
وجملة ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم ﴾ حال من الضمير في ﴿ يُخادعون ﴾ الأول أي يخادعون في حال كونهم لا يخادعون إلا أنفسهم أي خداعهم مقصور عن ذواتهم لا يرجع شيء منه إلى الله والذين آمنوا، فيتعين أن الخداع في قوله ﴿ وما يخادعون ﴾ عينُ الخِداع المتقدم في قوله: ﴿ يخادعون الله ﴾ فَيَرِد إشكال صحة قصر الخِداع على أنفسهم مع إثبات مخادعتهم الله تعالى والمؤمنين.
وقد أجاب صاحب «الكشاف» بما حاصله أن المخادعة الثانية مستعملة في لازم معنى المخادعة الأولى وهو الضُّر فإنها قد استعملت أولاً في مطلق المعاملة الشبيهة بالخداع وهي معاملة الماكر المستخف فأطلق عليها لفظُ المخادعة استعارة ثم أطلقت ثانياً وأريد منها لازِم معنى الاستعارة وهو الضُر لأن الذي يعامَل بالمكر والاستخفاف يتصدى للإنتقام من معامِلِه فقد يجد قدرة من نفسه أو غِرَّةً من صاحبه فيضره ضراً فصار حصول الضر للمعامِل أمراً عرفياً لازماً لمعامَله، وبذلك صح استعمال يخادع في هذا المعنى مجازاً أو كناية وهو من بناء المجاز على المجاز لأن المخادعة أطلقت أولاً استعارة ثم نُزلت منزلة الحقيقة فاستعملت مجازاً في لازم المعنى المستعار له، فالمعنى وما يَضُرون إلا أنفسهم فيجري فيه الوجوه المتعلقة بإطلاق مادة الخداع على فعلهم، ويجئ تأويل معنى جَعل أنفسهم شقاً ثانياً للمخادعة مع أن الأنفس هي عينهم فيكون الخداع استعارة للمعاملة الشبيهة بفعل الجانبين المتخادعين بناء على ما شاع في وِجدان الناس من الإحساس بأن الخواطر التي تدعو إلى ارتكاب ما تَسوء عواقبه أنها فعلُ نفس هي مغايرة للعقل وهي التي تسول للإنسان الخير مرة والشر أخرى وهو تخيُّل بُني على خَطابة أخلاقية لإحداث العداوة بين المرء وبين خواطره الشريرة بجعلها واردة عليه من جهة غير ذاته بل من النَّفْس حتى يتأهب لمقارعتها وعصيان أمرها ولو انتسبت إليه لما رأى من سبيل إلى مدافعتها، قال عمرو بن معديكرب: فجاشَت عليَّ أوَّلَ مرة *** فرُدَّتْ على مكروهها فاستقرتِ وذكر ابن عطية أن أبا عليّ الفارسي أنشد لبعض الأعراب: لم تَدر ما (لا) ولستَ قائلَها *** عُمْرَك ما عِشْتَ آخر الأبد ولم تُؤامر نفسيْك مُمتريا *** فيها وفي أختها ولم تكد يريد بأختها كلمة (نعم) وهي أخت (لا) والمراد أنها أخت في اللسان.
وقلت ومنه قول عروة بن أذينة: وإذا وجدتُ لها وَسَاوِسَ سَلْوَة *** شَفَع الفؤاد إلى الضمير فَسَلَّها فكأنهم لما عصوا نفوسهم التي تدعوهم للإيمان عند سماع الآيات والنذر إذ لا تخلو النفس من أوبة إلى الحق جعل معاملتهم لها في الإعراض عن نصحها وإعراضها عنهم في قلة تجديد النصح لهم وتركهم في غيهم كالمخادعة من هذين الجانبين.
واعلم أن قوله: ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم ﴾ أجمعت القراءات العشر على قراءته بضم التحتية وفتح الخاء بعدها ألف.
والنفس في لسان العرب الذات والقوة الباطنية المعبر عنها بالروح وخاطر العقل.
وقوله: ﴿ وما يشعرون ﴾ عطف على جملة ﴿ وما يخادعون ﴾ والشعور يطلق على العلم بالأشياء الخفية، ومنه سمي الشاعر شاعراً لعلمه بالمعاني التي لا يهتدي إليها كل أحد وقدرته على الوزن والتقفية بسهولة، ولا يحسن لذلك كل أحد، وقولهم ليت شعري في التحير في علم أمر خفي، ولولا الخفاء لما تمنى علمه بل لعلمه بلا تمن، فقولهم هو لا يشعر وصف بعدم الفطنة لا بعدم الإحساس وهو أبلغ في الذم لأن الذم بالوصف الممكن الحصول أنكى من الذم بما يتحقق عدمه فإن إحساسهم أمر معلوم لهم وللناس فلا يغيضهم أن يوصفوا بعدمه وإنما الذي يغيضهم أن يوصفوا بالبلادة.
على أن خفاء مخادعتهم أنفسهم مما لا يمتري فيه واختير مثله في نظيره في الخفاء وهو ﴿ ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ﴾ [البقرة: 12] لأن كليهما أثبت فيه ما هو المآل والغاية وهي مما يخفي واختير في قوله ﴿ ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ﴾ [البقرة: 13] نفي العلم دون نفي الشعور لأن السفه قد يبدو لصاحبه بأقل التفاتة إلى أحواله وتصرفاته لأن السفه أقرب لادعاء الظهور من مخادعة النفس عند إرادة مخادعة الغير ومن حصول الإفساد عند إرادة الإصلاح وعلى الإطلاق الثاني درج صاحب «الكشاف» قال: فهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ، بِأنْ يُظْهِرُوا مِنَ الإيمانِ خِلافَ ما يُبْطِنُونَ مِنَ الكُفْرِ، لِأنَّ أصْلَ الخَدِيعَةِ الإخْفاءُ، ومِنهُ مَخْدَعُ البَيْتِ، الَّذِي يَخْفى فِيهِ، وجَعَلَ اللَّهُ خِداعَهم لِرَسُولِهِ خِداعًا لَهُ، لِأنَّهُ دَعاهم بِرِسالَتِهِ.
﴿ وَما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ في رُجُوعِ وبالِهِ عَلَيْهِمْ.
﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ يَعْنِي وما يَفْطُنُونَ، ومِنهُ سُمِّيَ الشّاعِرُ، لِأنَّهُ يَفْطُنُ لِما لا يَفْطُنُ لَهُ غَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: لَيْتَ شِعْرِي.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد بن منيع في مسنده بسند ضعيف عن رجل من الصحابة.
«أن قائلاً من المسلمين قال: يا رسول الله ما النجاة غداً قال: لا تخادع الله قال وكيف نخادع الله؟
قال أن تعمل بما أمرك به تريد به غيره، فاتقوا الرياء فإنه الشرك بالله، فإن المرائي ينادي به يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا خاسر، يا غادر.
ضل عملك، وبطل أجرك، فلا خلاق لك اليوم عند الله، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع، وقرأ آيات من القرآن ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ﴾ [ الكهف: 110] الآية و ﴿ إن المنافقين يخادعون الله ﴾ [ النساء: 142] الآية» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ يخادعون الله ﴾ قال: يظهرون لا إله إلا الله، يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك.
وأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قوله: ﴿ يخادعون الله والذين آمنوا ﴾ قال: هؤلاء المنافقون، يخادعون الله ورسوله، والذين آمنوا أنهم يؤمنون بما أظهروه.
وعن قوله: ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون ﴾ قال: ما يشعرون بأنهم ضروا أنفسهم بما أسروا من الكفر والنفاق، ثم قرأ ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً ﴾ [ المجادلة: 18] قال هم المنافقون حتى بلغ قوله: ﴿ ويحسبون أنهم على شيء ﴾ .
وأخرج البيهقي في الشعب عن قيس بن سعد قال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم «المكر والخديعة في النار، لكنت أمكر هذه الأمة» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية.
﴿ يُخَادِعُونَ ﴾ : يفاعلون من الخدع والخداع.
واختلف أهل اللغة في أصل الخداع، فقال قوم: (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) - يصف قحوط المطر: خدعت الضباب وجاعت الأعراب (١٥) ويقال: خدع خير (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وطريق خدوع وخادع، إذا كان يبين (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) قال أبو عبيد: قال أبو زيد: خدعته خِدْعا بكسر الخاء وخديعة، وأنشد قول رؤبة (٢٥) فَقَدْ أُدَاهى (٢٦) (٢٧) وأجاز غيره (خَدْعا) بالفتح (٢٨) وعلى هذا الأصل (٢٩) ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ أي: يظهرون غير ما في نفوسهم، ليدرؤوا عنهم أحكام الكفار في ظاهر الشريعة من القتل والجزية وغيرهما.
ولما كان القوم عملوا (٣٠) (٣١) وقال آخرون: أصل الخداع والخدع من الفساد (٣٢) (٣٣) (٣٤) .................
....
إذا الرِّيقُ خَدَعْ (٣٥) قال ابن الأعرابي: خدع الريق أي: فسد (٣٦) ومنه الحديث: "يكون قبل خروج الدجال سنون خداعة" (٣٧) قال شمر: هي الفواسد، قال: ويقال: السوق خادعة، إذا لم يقدر على الشيء إلا بغلاء فهي فاسدة (٣٨) (٣٩) (٤٠) ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ وتأويله (٤١) (٤٢) ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ ؟
والجواب عن هذا من وجوه: قال محمد بن القاسم (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) وهذا الذي قاله محمد بن القاسم مطرد (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) وقال الحسن: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ أي: نبيه، لأن الله بعث نبيه (٥٨) ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ .
وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ﴾ فعلى هذا من خادعه فقد خادع الله، كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ﴾ أي أولياءه، وعلى (٥٩) (٦٠) وقيل: إن ذكر الله ههنا تحسين وتزيين لافتتاح الكلام، والقصد (٦١) (٦٢) ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ﴾ .
قرئ بوجهين (٦٣) (٦٤) ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ فلما وقع الاتفاق على الألف في قوله: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ أجري الثاني على (٦٥) (٦٦) فَنَجْهَلَ فوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا (٦٧) وقوله تعالى: ﴿ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) تذكر من أنّى ومن أين شربه ...
يؤامر نفسَيه كذي الهَجْمة الأَبِلْ (٧٦) فجعل ما يكون من ورود الماء (٧٧) (٧٨) ﴿ قَالَ اعْلَمْ أَنَ اَللَّهَ عَلىَ كلِّ شئٍ قَدِيرٌ ﴾ بالجزم (٧٩) (٨٠) ومن قرأ ﴿ يَخْدَعُونَ ﴾ قال: إن فَعَلَ [أولى بفعل] (٨١) (٨٢) (٨٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ﴾ (٨٤) (٨٥) (٨٦) (٨٧) (٨٨) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ﴾ .
النفس: تستعمل (٨٩) (٩٠) (٩١) (٩٢) (٩٣) (٩٤) وقال ابن الأنباري: سميت النفس نفسا لتولد النفس منها، كما سموا الروح روحا؛ لأن الروح موجود به (٩٥) (٩٦) ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ﴾ (٩٧) وفي قوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ﴾ (٩٨) (٩٩) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ أي ما يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم، وأن وبال خداعهم يعود إليهم، وفي هذا دليل على أنهم كانوا جهالاً بالله سبحانه وبدينه.
و (الشِّعْر): العلم، وهو في الأصل (شِعْرَة) (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) قال الفرزدق (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) أراد: لبسن الفرند الخسرواني مشاعر فوقه المفوف من خز العراق، أي جعلنها الشعار.
فالشعر ضرب من العلم مخصوص، وكل مشعور به معلوم، وليس كل معلوم مشعورا (١٠٨) (١٠٩) وقوله في وصف الكافرين ﴿ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ أبلغ في الذم من وصفهم بأنهم لا يعلمون؛ لأن البهيمة قد تشعر من حيث تحس (١١٠) ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ ولم يقل: (ولكن لا تعلمون) لأن المؤمنين إذا أخبرهم الله تعالى بأنهم أحياء علموا أنهم أحياء، فلا يجوز أن ينفي الله العلم عنهم بحياتهم، إذ (١١١) (١١٢) (١١٣) (١١٤) ﴿ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ (١١٥) (١) فيه طمس في (ب).
(٢) انظر "العين" 1/ 133، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 161، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 993.
(٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 49 ب، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 993.
(٤) (قال ومن) فيه طمس في (ب).
(٥) في (أ)، (ج) (جرشته).
الخدع: التواري، وخَدْعُ الضب إنما يكون من شدة حذره، وصفة خدعه أنه يعمد بذنبه باب جحره ليضرب به من يعتدى عليه، فيجئ المحترش: أي المعتدى فيخرج الضب ذنبه إلى نصف الجحر، فإن دخل عليه شيء ضربه، وإلا بقى في جحره.
وقد ورد المثل (أخدع من ضب)، انظر "المستقصى في أمثال العرب" 1/ 92، 95، "مجمع الأمثال" 1/ 260، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994.
(٦) (منى) غير واضح في (ب).
(٧) انتهى كلام الليث.
"تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994.
(٨) في (ب) (والضب).
(٩) (خدع) غير واضح في (ب).
(١٠) في (ب) (حجر) وفي (ج) (حجره).
(١١) في (ج) (العميثك).
وأبو العميثل أعرابي، اسمه: عبد الله بن خالد، مولى جعفر ابن سليمان، كان يؤدب ولد عبد الله بن طاهر بخراسان، وكان يفخم كلامه ويعربه.
توفي سنة أربعين ومائتين.
انظر ترجمته في "إنباه الرواة" 4/ 143، "وفيات الأعيان" 3/ 89.
(١٢) في (ب) (أجدع).
(١٣) (أذا دخل) غير واضح في (ب).
(١٤) "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وفيه: (إذا دخل في وجاره ملتويا)، والوجار بكسر الواو وفتحها: جحر الضب وغيره.
(١٥) ذكره الأزهري.
"تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وهو في "الفائق" 1/ 256، وفي "النهاية في غريب الحديث" 2/ 14.
(١٦) في (أ)، (ج): (خبر) وفي (ب) بدون نقط، وفي "التهذيب" (خدع خير الرجل أي: قل) 1/ 158.
(١٧) "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994.
(١٨) (قال) ساقط من (أ)، (ج).
(١٩) "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وانظر (العين) 1/ 133.
(٢٠) في (أ)، (ج): (يتبين) وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة".
(٢١) ذكره الأزهري في "التهذيب"، وأنشد بعده بيتا غير بيت الطرماح الذي ذكره المؤلف هنا.
انظر: " التهذيب" (خدع) 1/ 994، (العين) (خدع) 1/ 132.
(٢٢) الطرماح بن حكيم الطائي، والطرماح بكسر الطاء والراء المهملتين، شاعر إسلامي في الدولة المروانية، ولد ونشأ بالشام، ثم انتقل إلى الكوفة، واعتنق مذهب الشراة من الخوارج.
انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 388، "الخزانة" 8/ 74.
(٢٣) في (ب): (بمسى).
(٢٤) البيت من قصيدة للطرماح، يمدح المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وقوله: (خادعة المسلك): تخدع سالكها فلا يهتدي، و (الأرصاد): القوم يرصدون الطرق من المرتفعات، وكون: جالسون، من الوكن وهو موقع الطائر، (الآرام): (الأعلام)، ورد البيت في "العين" (خدع) 1/ 132، "اللسان" (خدع) 2/ 113، "ديوان الطرماح" ص 453.
(٢٥) هو الراجز المشهور ابن الراجز، رؤبة بن العجاج من بني مالك بن سعد بن مناة بن تميم، كان أكثر شعرا من أبيه وأفصح، كان مقيما بالبصرة، ولحق الدولة العباسية كبيرا، ومات بالبادية سنة خمس وأربعين ومائة.
انظر "الشعر والشعراء" ص 392، "تهذيب التهذيب" 1/ 993، "الخزانة" 1/ 89.
(٢٦) في (ب): (أوداهى).
(٢٧) ورد الرجز في (ديوان رؤبة) ص 88، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 993، "اللسان" (خدع) 2/ 1112.
(٢٨) "التهذيب" (خدع) 1/ 993، "اللسان" (خدع) 2/ 112.
(٢٩) وهو أن الخداع من إخفاء الشيء.
(٣٠) (عملوا) ساقطة من (ب).
(٣١) انظر (تفسير الطبري) 1/ 119، وابن كثير 1/ 51.
(٣٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 49 أ، وانظر.
"تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، "الحجة" 1/ 313، والقرطبي في "تفسير" 1/ 170.
(٣٣) "الحجة" 1/ 313، وفي "التهذيب" روى ابن الأنباري عن ثعلب عن ابن الأعرابي ثم ذكره، 1/ 994.
(٣٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣٥) البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكرى، يصف ثغر امرأة وتمامه: أبْيَضُ اللَّوْنِ لَذِيذٌ طَعْمُهُ ...
طَيِّبُ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خَدَعْ البيت ورد في "الحجة" 1/ 313، "التهذيب" (خدع) 1/ 994، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 49 أ، (معجم مقاييس اللغة) (خدع) 2/ 161، "الصحاح" (خدع) 3/ 1202، "اللسان" (خدع) 2/ 1113، "زاد المسير" 1/ 30، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 170، "الدر المصون" 1/ 125.
(٣٦) قال في (الصحاح): خدع الريق، أي: يبس، ثم ذكر البيت وقال: لأنه يغلظ وقت السحر فييبس وينتن.
"الصحاح" (خدع) 3/ 1202.
(٣٧) بهذا اللفظ ذكره الخطابي في "غريب الحديث" 1/ 530، والازهري في "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وابن الجوزي في "غريب الحديث" 1/ 267، وابن الأثير في "النهاية" 2/ 14.
وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة: "سيأتي على الناس سنوات خداعات ...
"، ابن ماجه (4036) كتاب الفتن، باب: شدة الزمان، وأخرجه أحمد في "المسند" ولفظه: "ستأتي على الناس سنون خداعة ...
" الحديث، 2/ 291، == 338، وأخرجه عن أنس بلفظ "إن أمام الدجال سنين خداعة ..
" الحديث، 3/ 220، وذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد) عن عوف بن مالك: (يكون أمام الدجال سنون خوادع ...)، قال: رواه الطبراني بأسانيد، وفي أحسنها ابن اسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات.
"مجمع الزوائد" 7/ 330، وانظر: "المطالب العالية" 18/ 426.
(٣٨) "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994.
(٣٩) أي: أن أصل الخداع من الفساد.
(٤٠) في (أ)، (ب): قال لي الأنباري، وفي (ج): (قال لي ابن الأنباري) وصححت العبارة على ما في "التهذيب" حيث قال: (قال أبو بكر) 1/ 994.
(٤١) في (أ): (معنى تأويله)، وفي (ج) (معنى قوله) وأثبت ما في (ب) لأنه الأنسب.
(٤٢) في (أ)، (ج): (تفسدون)، وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة" وفيه: (قال أبو بكر: فتأويل قوله: (يخادعون الله) يفسدون ..
الخ.
(خدع) 1/ 994.
(٤٣) هو أبو بكر بن الأنباري.
(٤٤) في (ب): (بالاحتيال) ولعلها أولى.
(٤٥) في (أ)، (ج): (ما يذخر).
(٤٦) (ويؤخر) ساقط من (ب).
(٤٧) في (ب): (فعله).
(٤٨) في (ب): (إذا).
(٤٩) (بالله) مكرر في (ج).
(٥٠) في (ج): (خلافه).
(٥١) وإلى هذا المعنى مال الطبري حيث قال رادًّا على أبي عبيدة في دعواه.
أن (يخادع) بمعنى يخدع (قال: (قد قال بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب: إن ذلك الحرف جاء بهذِه الصورة أعني (يخادع) بصورة (يفاعل)، وهو بمعنى (يفعل) في حروف أمثالها شاذة من منطق العرب نظير قولهم: قاتلك الله، بمعنى قتلك الله)، ثم ذكر رأيه: وليس القول في ذلك عندي كالذي قال، بل ذلك من (التفاعل) الذي لا يكون إلا من اثنين، كسائر ما يعرف من معنى (يفاعل ومفاعل) في كل كلام العرب.
وذلك أن المنافق يخادع الله جل ثناؤه بكذبه بلسانه -على ما تقدم وصفه- والله تبارك اسمه خادعه بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاة نفسه في آجل معاده، كالذي أخبر في قوله: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ﴾ ، "تفسيرالطبري" 1/ 119، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 65.
(٥٢) في (ب): (مطردا).
(٥٣) المرأد بالأصلين في الخداع، هل هو من الفساد أو من الإخفاء؟
(٥٤) حيث قال: ويضمرون خلاف ما يظهرون والله عز وجل يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر من عذاب الآخرة.
(٥٥) هذا من قول أبي بكر محمد بن القاسم بن الأنباري كذلك، وقد سبق أن نقل المؤلف جزءًا منه، وانظر بقيته في "التهذيب" (خدع) 2/ 1112.
(٥٦) هو علي بن حازم اللحياني، لغوي معروف، عاصر الفراء وتصدر في أيامه.
انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" ص 195، "إنباه الرواة" 2/ 255، "معجم الأدباء" 14/ 106.
(٥٧) انظر كلام اللحياني في: "التهذيب" (خدع) 1/ 994، وكلام أبي عبيدة في "مجاز القرآن" ص 31 ونحو هذا المعنى ذكر الزجاج في "المعاني" 1/ 50، وسبق ذكر رد الطبري على أبي عبيدة، انظر "تفسير الطبري" 1/ 119، "تفسير البغوي" 1/ 65.
(٥٨) (نبيه) ساقط من (ب).
(٥٩) (الواو) ساقطة من (ب).
(٦٠) ذكره أبو علي في "الحجة"، حيث قال: قال بعض المتأولين أظنه الحسن، ثم ذكره، ووجه هذا القول، كما نقل المؤلف هنا، 1/ 314، 315، ونسب القول للحسن ابن عطية 1/ 163، والبغوي 1/ 65، والقرطبي 1/ 170، وذكره ابن الجوزي ونسبه للزجاج.
"زاد المسير" 1/ 29.
(٦١) في (ب): (الفصل).
(٦٢) ذكره الثعلبي 1/ 49 ب، وفي الأقوال الثلاثة الأخيرة، محاولة تأويل الآية، لنفي الخداع عن الله، وقد انتصر لبعضها أبو علي الفارسي في "الحجة" 1/ 314 - 316.
كما انتصر لها الزمخشري في "الكشاف" وذكر في تفسير الآية وجوها أخرى قريبة منها في المعنى، وقد رد عليه صاحب "الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال".
ومما قاله في رده: (..
ومع ذلك يمنع أن ينسب الخداع إلى الله تعالى لما يوهم ظاهره من أنه يكون عن عجز عن المكافحة وإظهار المكتوم هذا هو الموهم منه في الاطلاق، ولكن حيث أطلقه تعالى مقابلا لما ذكره من خداع المنافقين كمقابلة المكر بمكرهم، علمنا أن المراد منه أنه فعل معهم فعلا سماه خداعا مقابلة ومشاكلة ...
هذا معتقد أهل السنة في هذِه الآية وأمثالها، لا كالزمخشري وشيعته الذين يزعمون أنهم يوحدون فيجحدون وينزهون فيشركون والله الموفق للحق.
"الكشاف" 1/ 171.
و"الإنصاف" بهامشه.
وقد ذكرت فيما سبق قريبا رد الطبري على أبي عبيدة، وذكرت القول الذى ارتضاه في معنى الآية.
(٦٣) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (يخادعون)، (وما يخادعون) بالألف والياء المضمومة.
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (يخادعون) (وما يخدعون) بفتح الياء من غير ألف.
أنظر "السبعة" ص 141، "الحجة" لأبي علي 1/ 313،312، "الكشف" 1/ 224.
(٦٤) في (ب): (تضع).
(٦٥) في (ب): (أجزى الثاني عن الأول).
(٦٦) عبارة أبي علي في "الحجة": (وإذا كانوا قد استجازوا لتشاكل الألفاظ وتشابهها أن يجروا على الثاني طلبا للتشاكل ما لا يصح في المعنى على الحقيقة، فأن يلزم ذلك ويحافظ عليه فيما يصح في المعنى أجدر وأولى، وذلك نحو: ألا لا يجهلن ...) 1/ 315، 316.
(٦٧) عجز بيت من معلقة عمرو بن كلثوم وصدره: ألا لا يجهلن أحد علينا والشاهد فيه: أنه جعل انتصاره جهلا طلبا للمشاكلة، وتسمية للفعل الثاني بالفعل الأول المسبب له.
انظر: "الحجة" 1/ 316، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس 2/ 125، "البحر المحيط" 1/ 57.
(٦٨) والشاهد فيها: أنه سمى القصاص عدوانا، من باب التشاكل اللفظي.
(٦٩) في (ب) (أولا) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 315، 316، وانظر "الكشف عن وجوه القراءات" 1/ 225، "البحر المحيط" 1/ 57.
(٧٠) في (ب): (إذا) ولعله أصوب.
(٧١) في (أ)، (ج): (يقاتلون).
(٧٢) في (ب): (تفسير).
انظر: "الحجة" 1/ 317، "البحر المحيط" 1/ 57.
(٧٣) في "الحجة": (ألا ترى الكميت أو غيره ..)، 1/ 317، وفي "اللسان" نسبه للكميت (أبل) 1/ 10.
والكميت.
هو الكميت بن زيد بن الأخنس من بني أسد، كوفي شاعر، مقدم، عالم بلغات العرب، كان متشيعا (60 - 126هـ).
انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 385، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 318، "الخزانة" 1/ 144.
(٧٤) في (ب) (ألا ترى الكميت في ذلك ذكر حمار).
(٧٥) في (أ)، (ج) (في ذكر حمار أباد الورود).
(٧٦) يؤامر: يشاور الهجمة: القطعة من الإبل، والأبل: على وزن (فَعِل) بفتح الفاء وكسر العين من صيغ المبالغة، وهو من حذق مصلحة الإبل، ورد البيت في "الحجة" 1/ 317 "تفسير ابن عطية" 1/ 161، "اللسان" (أبل) 1/ 10، "البحر المحيط" 1/ 57، فيه (البهجة) والبيت نسبه بعضهم للكميت كما فعل الواحدي، أما أبو علي في "الحجة" فقال: للكميت أو غيره، وهو في "شعر الكميت" جمع داود سلوم ص 396.
(٧٧) في (ب): (للماء).
(٧٨) في (ب): (التمثيل) ومثله فى "الحجة" 1/ 318.
(٧٩) وهي قراءة حمزة والكسائي: (اعلم) ألف وصل وسكون الميم (فعل أمر)، وقراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر: (أعلم) بقطع الألف وضم الميم، (فعل مضارع).
انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 189، "الكشف" 1/ 312.
(٨٠) الكلام في "الحجة"1/ 318، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 312.
(٨١) في جميع النسخ جاءت الجملة: (أن فعل أو لن يفعل الواحد ..) فصححتها على عبارة "الحجة"، لأن المؤلف نقل الكلام منه.
انظر: "الحجة" 1/ 317.
(٨٢) في (أ)، (ج): الأكثر إلا من أن يكون ..)، وعبارة "الحجة" (الذي في أكثر الأمر أن يكون لفاعلين) وهي أوضح 1/ 317.
وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 224.
(٨٣) رجح ابن جرير قراءة ﴿ وما يخدعون ﴾ بدون ألف، وقال: هي أولى بالصحة من قراءة من قرأ ﴿ وما يخادعون ﴾ ، 1/ 120، وكذا مكي حيث قال: وقراءة من قرأ بغير ألف أقوى في نفسي.
ثم ذكر حججه على ذلك، وقال: والقراءة الأخري حسنة ..) وقال: وحمل القراءتين على معنى واحد أحسن وهو أن (خادع) و (خدع) بمعنى واحد في اللغة.
"الكشف" 1/ 225، 227.
(٨٤) على قراءة نافع وأبن كثير وأبي عمرو.
(٨٥) "تفسير الطبري" 1/ 119، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 171، "زاد المسير" 1/ 30، "تفسير ابن كثير" 1/ 51.
(٨٦) انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 95.
(٨٧) في (ب): (العذاب).
(٨٨) انظر: "زاد المسير" 1/ 30، "تفسير البغوي" 1/ 66.
(٨٩) في (ج): (مستعمل).
(٩٠) انظر: "تهذيب اللغة" (نفس) 4/ 3630، "الصحاح" (نفس) 3/ 984.
(٩١) انطر المراجع السابقة.
(٩٢) في (ب) (اليقين).
(٩٣) في أ (للمرأة) وما في (ب، ج) موافق لما في "تهذيب اللغة".
(٩٤) انظر: "تهذيب اللغة" (نفس) 4/ 3631، "الصحاح" (نفس) 3/ 984، وللنفس معان أخرى منها: الجسد، والعين وغير ذلك.
انظر: "الصحاح" (نفس) 3/ 984، "مقاييس اللغة" (نفس) 5/ 460.
(٩٥) "الزاهر" لابن الأنباري 2/ 386، وانظر "تهذيب اللغة" (نفس) 4/ 3629.
(٩٦) في (ب): (وسنذكره).
(٩٧) لفظ الجلالة، ليس في (ج).
(٩٨) على قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو.
(٩٩) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 119 - 120، "البحر المحيط" 1/ 58، "الدر المصون" 1/ 127، 128.
(١٠٠) وقوله: (وهو في الأصل شعرة ...
إلخ) من كلام أبي علي الفارسي أورده ابن سيده في "المخصص" قال (قال أبو علي: ..
فأما شعرت فمصدره: شعرة، بكسر الأول كالفطنة والدرية.
وقالوا: ليت شعري ...
إلخ) "المخصص" 3/ 32، وانظر: "الصحاح" (شعر) 2/ 699، "مقاييس اللغة" 3/ 194، "اللسان" 4/ 2273، "القاموس" ص 416.
(١٠١) في (ب): (الدربة) بالباء الموحدة ن وكذا ورد عند ابن فارس في "المقاييس" 3/ 194.
وعند سيبويه 4/ 44، وابن سيده في "المخصص" 3/ 32، (الدرية) كما هنا.
(١٠٢) قال سيبويه: (هذا باب ما تجيء فيه الفعلة تريد بها ضربا من الفعل)، ثم قال: (..
وقد تجيء الفعلة لا يراد بها هذا المعنى وذلك نحو: الشدة، والشعرة، والدرية ..
وقالوا: ليت شعري في هذا الموضع، استخفافا، لأنه كثر في كلامهم، كما قالوا: ذهب بعذرتها، وقالوا: هو أبو عذرها لأن هذا أكثر ...)، "الكتاب" 4/ 44، وانظر "الصحاح" (شعره) 2/ 699، "اللسان" 4/ 409.
(١٠٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١٠٤) في (ب): (حسن).
(١٠٥) هو الشاعر المشهور همام بن غالب بن صعصعة بن تميم البصري، مات سنة عشر ومائة.
انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 310، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 298، "الخزانة" 1/ 217.
(١٠٦) في (ب): (ليبس).
(١٠٧) البيت في "ديوان الفرزدق" وفيه (دونه) بدل (فوقه) 2/ 24، "المخصص" 3/ 32، "شرح الأبيات المشكلة الإعراب" للفارسي ص 299، "جمهرة أشعار العرب" ص 314، وفيه (الفريد) بدل (الفراند)، و (خزي) بدل (من خز)، و (الفراند): يطلق على وشى السيف، وعلى السيف نفسه، وعلى الورد الأحمر، وقال في "اللسان" (فرند): دخيل معرب اسم ثوب، "اللسان" (فرند) 6/ 3405، و (الفريد): قلائد اللؤلؤ، و (الخسرواني): الذي يشتري بالمال الكثير، ولا تحسب فيه خسارة، و (المشاعر).
الثياب التي يلي البدن، و (المفوف): المُوَشَّى.
(١٠٨) فبينهما عموم وخصوص مطلق.
(١٠٩) في "المخصص": (...
ولهذا لم يجز في وصف الله تعالى كما لم يجز في وصفه (دوى)، وكان قوله تعالى في وصف الكافرين ...).، 3/ 32.
(١١٠) في (ب): (لا تحس).
وفي "المخصص": (..
من حيث كانت تحس ..)،3/ 32.
(١١١) في (ب): (إذا).
(١١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١١٣) في (أ)، (ب) يشعرون (بالياء) وما في (ج) موافق لـ"المخصص" 3/ 32.
وهو الوارد في الآية، وهو ما أثبته.
(١١٤) في "المخصص" (حياتهم) 3/ 32، والمراد الشهداء.
(١١٥) في (المخصص) (لا تشعرون).
انتهى ما نقله الواحدي من كلام أبي علي.
انظر "المخصص" 3/ 32.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يخادعون ﴾ أي يفعلون فعل المخادع، ويرمون الخدع بإظهار خلاف ما يسرون، وقيل: معناه يخدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم ﴾ أي وبال فعلهم راجع عليهم، وقرئ: وما يخدعون بفتح الياء من غير ألف من خدع وهو أبلغ في المعنى، لأنه يقال خادع إذا رام الخداع، وخدع إذا تم له ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ حذف معموله أي: لا يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: و "من الناس" ممالة.
قرأ قتيبة ونصير في القرآن ما كان مكسوراً.
"من يقول" مدغمة النون والتنوين في الياء حيث وقعت: حمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري.
"بمؤمنين" غير مهموز: أبو عمرو وغير شجاع ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها من الأسماء.
"وما يخادعون": أبو عمرو وابن كثير ونافع.
"فزادهم الله" وبابه مما كان ماضياً بالإمالة: حمزة ونصير وابن ذكوان من طريق مجاهد والنقاش بن الأخرم ههنا بالإمالة فقط.
"يكذبون" خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
قيل ﴿ وغيض ﴾ ﴿ وجيء ﴾ بالإشمام: علي وهشام ورويس.
"السفهاء ألا" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
"السفهاء ولا" بقلب الثانية واواً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع.
"السفهاء وألا" بقلب الأولى واواً.
روى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: وكذلك ما أشبهها مما اختلف الهمزتان فيها إلا أن تكون الأولى منهما مفتوحة مثل ﴿ شهداء إذ ﴾ ﴿ وجاء إخوة ﴾ وأشباه ذلك.
"مستهزءون" بترك الهمزة في الحالين: يزيد وافق حمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها، وعن حمزة في الوقف وجهان: الحذف والتليين شبه الياء والواو.
"طغيانهم" حيث كان بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو.
"بالهدى" وما أشبهها من الأسماء والأفعال من ذوات الياء بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.
وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وكذلك كل كلمة تجوز الإمالة فيها وذلك طبعهم وعادتهم.
الوقوف: "بمؤمنين" (م) لما مر في المقدمة الثامنة: "آمنوا" (ج) لعطف الجملتين المتفقتين مع ابتداء النفي.
"يشعرون" (ط) للآية وانقطاع النظم والمعنى، فإن تعلق الجار بما بعده.
"مرض" (لا) لأن الفاء للجزاء وكان تأكيداً لما في قلوبهم.
"مرضاً" (ج) لعطف الجملتين المختلفتين.
"يكذبون" (ه) في "الأرض" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذا" وعامله.
"مصلحون" (ه) "لا يشعرون" (ه) "كما آمن السفهاء" (ط) للابتداء بكلمة التنبيه، ومن وصل فليعجل رد السفه عليهم "لا يعلمون" (5) "آمنا" (ج) لتبدل وجه الكلام معنى مع أن الوصل أولى لبيان حالتيهم المتناقضتين وهو المقصود "شياطينهم" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذاً" "معكم" (لا) تحرزاً عن قول ما لا يقوله مسلم، وإن جاز الابتداء بإنما.
"مستهزءون" (ه) "يعمهون" (ه) "بالهدى" (ص) لانقطاع النفس ولا يلزم العود لأن ما بعده بدون ما قبله مفهوم "مهتدين" التفسير: وفيه مباحث: المبحث الأول: في قوله ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ الآية.
وفيه مسائل: الأولى: عن مجاهد قال: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدها نزلتا في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين.
فأقول: أحوال القلب أربع: الاعتقاد المطابق عن الدليل وهو العلم، والاعتقاد المطابق لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد المحق، والاعتقاد غير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك.
وأحوال اللسان ثلاث: الإقرار والإنكار والسكوت.
كل منها بالاختيار أو بالاضطرار، فيحصل من التراكيب أربعة وعشرون قسماً فلنتكلم في الأحوال القلبية ونجعل البواقي تبعاً لها في الذكر.
(النوع الأول): العرفان القلبي إن انضم إليه الإقرار باللسان اختياراً فصاحبه مؤمن حقاً بالاتفاق، أو اضطراراً فهو منافق، لأنه لولا الخوف لما أقرّ، فهو بقلبه منكر مكذب وجوب الإقرار.
وإن انضم إليه الإنكار اضطراراً فهو مسلم لقوله ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ أو اختياراً فهو كافر معاند.
وإن انضم إليه السكوت اضطراراً فمسلم حقاً لأنه خاف، أو كما عرف مات فجأة فيكون معذوراً أو اختياراً فمسلم أيضاً عند الغزالي وعند كثير من الأئمة لقوله "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" .
(النوع الثاني) الاعتقاد التقليدي إن وجد معه الإقرار اختياراً فهو المسألة المشهورة من أن المقلد مؤمن أم لا، والأكثرون على إيمانه.
أو اضطراراً فمنافق بالطريق الأولى كما مر في النوع الأول.
وإن وجد معه الإنكار اختياراً فلا شك في كفره، أو اضطراراً فمسلم عند من يحكم بإيمان المقلد.
وإن وجد معه السكوت اضطراراً فمسلم بناء على إسلام المقلد، أو ا اختياراً فكافر معاند.
(النوع الثالث): الإنكار القلبي مع الإقرار اللساني إن كان اضطراراً نفاق، وكذا اختياراً لأنه أظهر خلاف ما أضمر.
ومع الإنكار اللساني كفر كيف كان، وكذا مع السكوت.
(النوع الرابع): القلب الخالي عن جميع الاعتقادات مع الإقرار اللساني إن كان اختياراً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر لكنه فعل ما لا يجوز له حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا.
وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً فلا يكفر صاحبه لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً.
والقلب الخالي مع الإنكار اللساني كيف كان نفاق، والقلب الخالي مع اللسان الخالي إن كان في مهلة النظر فذلك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا نفاق.
فظهر من التقسيم أن المنافق هو الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، ومنه "النافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها" فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج.
الثانية: زعم قوم أن الكفر الأصلي أقبح من النفاق، لأن الكافر جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان.
وقال الآخرون: المنافق أيضاً كاذب باللسان لأنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه.
قال عز من قائل: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ وأيضاً إنه قصد التلبيس والكافر الأصلي لا يقصد ذلك.
وأيضاً الكافر الأصلي على طبع الرجال، والمنافق على طبيعة الخنائي.
وأيضاً الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه، والمنافق رضي بالكذب.
وأيضاً المنافق ضم إلى الكفر الاستهزاء والخداع دون الكافر الأصلي، ولغلظ كفر المنافقين قال الله : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ ووصف حال الكفار في آيتين وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم وفضحهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة.
الثالثة: قصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة "الذين كفروا" كما تعطف الجملة على الجملة.
وأصل ناس أناس بدليل إنسان وإنس وأناسي.
حذفت الهمزة تخفيفاً، مع لام التعريف كاللازم.
وقوله "إن المنايا يطلعن على الإناس الآمنينا" قليل.
ونويس من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان.
سموا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم.
ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول كما يقال وزن ق أفعل وهو اسم جمع كرخال للأنثى من أولاد الضأن.
وأما الذي مفرده رخل بكسر الراء فرخال بكسر الراء.
"ومن" في "من يقول" موصوفة إن جعلت اللام في الناس للجنس كقوله ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ ليكون معنى الكلام أن في جنس الإنس طائفة كيت وكيت، فيعود فائدة الكلام إلى الوصف.
وإن لم يكن مفيداً من حيث الحمل لأن الطائفة الموصوفة تكون لا محالة من الناس، ولا يجوز أن تكون "من" موصولة حينئذ، لأن الصلة تكون جملة معلومة الانتساب إلى الموصول فتبطل فائدة الوصف، فيبقى الكلام غير مفيد رأساً.
وإن جعلت اللام للعهد فمن تكون موصولة نحو ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ﴾ وتكون اللام إشارة إلى الذين كفروا لما ذكرهم، ولا يجوز أن تكون "من" موصوفة إذ ذاك، لأن فائدة الكلام تعود إلى الوصف أيضاً، ولكن لا يجاوبه نظم الكلام إذ يصير المعنى أن من المختوم على قلوبهم طائفة يقولون كيت وكيت وما هم بمؤمنين.
ومن البين أن مدلول قوله "وما هم بمؤمنين" معلوم من حال المطبوع على قلوبهم فيقع ذكره ضائعاً، والضمير العائد إلى "من" يكون موحداً تارة باعتبار اللفظ نحو ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة ﴾ ومجموعاً أخرى باعتبار المعنى مثل ﴿ ومنهم من يستمعون إليك ﴾ وقد اجتمع الاعتباران في الآية في "يقول" و "آمنا".
وإنما اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر لأنهما قطرا الإيمان، ومن أحاط بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره.
وفي تكرير الباء إيذان بأنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام.
فإن قلت: إن كان هؤلاء المنافقون من المشركين فظاهر عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وإن كانوا من اليهود فكيف يصح ذلك؟
قلت: إيمان اليهود بالله ليس بإيمان لقولهم "عزير ابن الله" وكذلك إيمانهم باليوم الآخر لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته.
فقولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق بل على عقيدتهم فهو كفر لا إيمان.
فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة واستهزاء وتخييلاً للمسلمين أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي كان خبثاً إلى خبث وكفراً إلى كفر.
والمراد باليوم الآخر إما طرف الأبد الذي لا ينقطع لأنه متأخر عن الأوقات المنقضية، أو الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة التي لا حد للوقت بعده.
فإن قلت: كيف طابق قوله "وما هم بمؤمنين" قولهم "آمنا" والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني بالعكس؟
قلت: لما أتوا بالجملة الفعلية ليكون معناها أحدثنا الدخول في الإيمان لتروج دعواهم الكاذبة، جيء بالجملة الأسمية ليفيد نفي ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل ألبت والقطع وأنهم ليس لهم استئهال أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين، فكان هذا أوكد وأبلغ من أن يقال: إنهم لم يؤمنوا.
ونظير الآية قوله ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ﴾ .
ثم إن قوله "وما هم بمؤمنين" يحتمل أن يكون مقيداً وترك لدلالة التقييد في "آمنا".
ويحتمل الإطلاق أي أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما.
البحث الثاني: في قوله ﴿ يخادعون الله ﴾ إلى ﴿ يكذبون ﴾ .
أعلم أن الله ذكر من قبائح أفعال المنافقين أربعة أشياء: أحدها المخادعة وأصلها الإخفاء، ومنه سميت الخزانة المخدع.
والأخدعان عرفان في العنق خفيان.
وخدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً.
والخديعة مذمومة لأنها إظهار ما يوهم السداد والسلامة وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو التخلص منه، فهي بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسية.
فإن قيل: مخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا يخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الحليم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنين وإن جاز أن يخدعوا كما قال ذو الرمة: تلك الفتاة التي علقتها عرضاً *** إن الحليم ذا الإسلام يختلب لم يجز أن يخدعوا.
قلنا: كانت صورة صنعهم مع الله - حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون - صورة صنع الخادعين، وصورة صنع الله معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم - حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم.
ويحتمل أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه، لأنه من كان ادعاؤه الإيمان بالله تعالى نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، أو تجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم.
ويحتمل أن يذكر الله ويراد الرسول لأنه خليفته والناطق بأوامره ونواهيه مع عباده ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ .
ويحتمل أن يكون من قولهم "أعجبني زيد وكرمه" فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله، وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص.
ولما كان المؤمنون من الله بمكان سلك بهم هذا المسلك ومثله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ { ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله ﴾ وقولهم "علمت زيداً فاضلاً" الغرض ذكر الإحاطة بفضل زيد، لأن زيداً كان معلوماً له قديماً كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكره توطئة وتمهيداً.
ووجه الاختصار بخادعت على واحد أن يقال: عني به فعلت إلا أنه أخرج في زنة "فاعلت" لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه.
"ويخادعون" بيان ليقول، ويجوز أن يكون مستأنفاً كأن قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين؟
فقيل: يخادعون.
وكان غرضهم من الخداع الدفع عن أنفسهم أحكام الكفار من القتل والنهب وتعظيم المسلمين إياهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم واطلاعهم على أسرار المسلمين لاختلاطهم بهم.
والسؤال الذي يذكر ههنا من أنه لم أبقى المنافق على حاله من النفاق ولم يظهر أمره حتى لا يصل من أغراض الخداع إلى ما وصل؟
وأرد على استبقاء الكفار وسائر أعداء الدين، بل على استبقاء إبليس وذريته وتنحل العقدة في الجميع بما سلف لنا من الحقائق ولا سيما في تفسير قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقراءة من قرأ ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم ﴾ أي وما يعاملون تلك المعاملة المضاهية لمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأن مكرهاً يحيق بهم ودائرتها تدور عليهم لأن الله يدفع ضرر الخداع عن المؤمنين ويصرفه إليهم كقوله ﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ﴾ ويحتمل أن يراد حقيقة المخادعة لأنهم يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، وأنفسهم أيضاً تمنيهم وتحدثهم بالأكاذيب.
وأن يراد "وما يخدعون" فجيء به على لفظ يفاعلون للمبالغة.
والنفس ذات الشيء وحقيقته ولا يختص بالأجسام لقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ والشعور علم الشيء علم حس ومشاعر الإنسان حواسه.
والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.
والمرض حالة توجب وقوع الخلل في الأفعال الصادرة عن موضوعها، واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة بأن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض.
ومجازاً بأن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي، فإن صدورهم كانت تغلي على الرسول والمؤمنين غلاً وحنقاً { ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ وناهيك بما كان من ابن أبي، وقول سعد بن عبادة لرسول له اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة - وذلك شيء منظوم بالجواهر شبه التاج - أي يجعلوه ملكاً، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك.
أو يراد ما يداخل قلوبهم من الضعف والخور لأنهم كانوا يطمعون أن ريح الإسلام تهب حيناً ثم تركد، فكانت تقوى قلوبهم بذلك الطمع.
فلما شاهدوا شوكة المسلمين وإعلاء كلمة الحق وما قذف الله في قلوبهم من الرعب ضعفت جبناً وخوراً.
ومعنى زيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فكفروا به ازدادوا كفراً إلى كفرهم، فأسند الفعل إلى المسبب له كما أسند إلى السورة في قوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ وهذا كما قال الحكيم: البدن الغير النقي كلما فدوته زدته شراً.
وكلما زاد رسوله نصرة وتبسطاً ازدادوا حسداً وبغضاً.
ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع، ويحتمل أن يقال: الغل والحسد قد يفضي إلى تغير مزاج القلب ويؤدي إلى تلف صاحبه كقوله: اصبر على مضض الحسو *** د فإن صبرك قاتله النـــــــار تأكــــل نفســـــها *** إن لم تجد ما تأكلـه فإفضاء صاحبه إلى الهلاك هو المعني بالزيادة.
والأليم الوجيع.
ووصف العذاب به على طريقة قولهم "جد جده" والألم بالحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد.
والمراد بكذبهم قولهم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ .
وفي ترتب الوعيد على الكذب دليل على قبح الكذب وسماجته.
وما يروى عن إبراهيم أنه كذب ثلاث كذبات أحدها قوله ﴿ إني سقيم ﴾ وثانيها قوله لسارة حين أراد أن يغصبها ظالم "إنها أختي" وثالثها قوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا ﴾ فالمراد التعريض "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به.
والكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، وقد يعتبر فيه علم المخبر بكون المخبر عنه مخالفاً للخبر، والصدق نقيضه.
وقراءة من قرأ "يكذبون" بالتشديد إما من كذبه الذي هو نقيض صدقه، وإما من كذب الذي هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل "صدق" نحو: بان الشيء وبين الشيء ومنه قوله: قد بين الصبح لذي عينين *** أو بمعنى الكثرة نحو "موتت البهائم"، أو من قولهم "كذب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه" لأن المنافق متوقف متردد في أمره مذبذب بين ذلك.
وقال : "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" وما في قوله "بما كانوا" مصدرية أي بكذبهم، وكان مقحمة لتفيد الثبوت والدوام أي بسبب أن هذا شأنهم وهجيراهم.
البحث الثالث: في قوله ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدو في الأرض ﴾ إلى قوله }ولكن لا يشعرون}.
هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين.
فقوله "وإذا قيل" إما معطوف على "كانوا يكذبون" أي ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وبما كانوا إذا قيل لهم كذا قالوا كذا، وإما على "يقول" أي ومن الناس من إذا قيل له.
ويحتمل أن يقال الواو للاستئناف، وإسناد "قيل" إلى "لا تفسدوا" و "آمنوا" ليس من إسناد الفعل إلى الفعل فإنه لا يصح، ولكنه إسناد إلى لفظ الفعل.
أي وإذا قيل لهم هذا القول نحو: زعموا مطية الكذب.
والقائل لهم إما النبي إذا بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك نصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح، وإما بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبل منهم ويعظمهم، وإما بعض المؤمنين، ولا يجوز أن يكون القائل ممن لا يختص بالدين.
والفساد خروج الشيء عن أن يكون منتفعاً به، ونقيضه الصلاح وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة.
عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي أن المراد بالإفساد المنهي عنه إظهار معصية الله ، فإن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وضبطت الأموال وحفظت الفروج وكان ذلك صلاح الأرض وأهلها.
وأما إذا أهملت الشريعة وأقدم كل واحد على ما يهواه، اشتعلت نوائر الفتن من كل جانب، وحدثت المفاسد.
وقيل: هو مداراة المنافقين الكافرين ومخالطتهم إياهم لأنهم إذا مالوا إلى الكفار مع أنهم في الظاهر مؤمنون، أوْهَمَ ذلك ضعف أمر النبي وأصحابه فيصير سبباً لطمع الكفار في المؤمنين، فتهيج الفتن والحروب.
وقيل: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ويلقون الشبه ويفشون أسرار المؤمنين، ولما نهوا عن الإفساد في الأرض كان قولهم "إنما نحن مصلحون" كالمقابل له.
فههنا احتمالات: أحدها: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، فزعموا أنهم مصلحون.
وثانيها: إذا فسر الإفساد بموالاتهم الكافرين أن يكون مرادهم أن الغرض من تلك الموالاة هو الإصلاح بين المسلمين كقولهم فيما حكى الله ﴿ إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً ﴾ وثالثها: أن يكون المراد إنكار إذاعة أسرار المسلمين ونسبة أنفسهم إلى الاستقامة والسداد، وجيء بأداة القصر دلالة على أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت، أي حالنا مقصورة على الإصلاح لا تتعداه إلى غيره.
"وألا" مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، فيفيد التنبيه على تحقيق ما بعدها كقوله ﴿ أليس ذلك بقادر ﴾ ولإفادتها التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم.
وأختها التي هي "أما" من مقدمات اليمين وطلائعها.
قال: أما والذي أبكى وأضحك والذي *** أمات وأحيا والذي أمره الأمر رد الله ما ادعوه من الانضمام في زمرة المصلحين أبلغ رد من جهة الاستئناف، فإن ادعاءهم ذلك مع توغلهم في الفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكمهم، فرد الله عليهم.
وكان وروده بدون الواو هو المطابق، ومن جهة ما في "ألا" وفي "أن" من التأكيد، ومن قبيل تعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله "لا يشعرون".
البحث الرابع: في قوله ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا ﴾ الآية.
هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين، وذلك أن المؤمنين أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما: تقبيح ما كانوا عليه مما يجرّ إلى الفساد والفتنة، والثاني: دعوتهم إلى الطريقة المثلى من اتباع ذوي الأحلام.
وبعبارة أخرى أمرهم أولاً بالتخلية عما لا ينبغي، وثانياً بالتحلية بما ينبغي لأن كمال حال الإنسان في هاتين.
وكان من جوابهم فيما بينهم أو للقائل أن سفهوهم لتمادي سفههم، وفي هذا تسلية للعالم إذا لم يعرف حقه الجاهل.
وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل وما في "كما" يجوز أن تكون كافة تصحح دخول الجار على الفعل وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة كقولك: يكتب زيد كما يكتب عمرو، أو زيد صديقي كما عمرو أخي.
ويجوز أن تكون مصدرية مثلها في ﴿ بما رحبت ﴾ واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول ومن معه وهم ناس معهودون أي ليكن إيمانكم ثابتاً كما أن إيمان هؤلاء ثابت، أو ليحصل إيمانكم كحصول إيمان هؤلاء، أو آمنوا كما آمن عبد الله بن سلام وأتباعه لأنهم من جلدتهم أي كما آمن أصحابكم.
ويحتمل أن تكون للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية من الإقرار اللساني الناشئ عن الاعتقاد القلبي، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس ومن عداهم كالنسناس في عدم التمييز بين الحق والباطل.
والاستفهام في "أنؤمن" في معنى الإنكار، واللام في "السفهاء" مشار بها إلى الناس كقولك لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك.
فتقول: أوقد فعل السفيه؟
أو للجنس وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه وهو ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة يقال: تسفهت الريح الشجر إذا مالت به، قال ذو الرمة: جرين كما اهتزت رماح تسفهت *** أعاليها مر الرياح النواسم وإنما سفهو المؤمنين مع رجحان عقول أهل الإيمان، لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر الصحيح اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، ولأنهم كانوا في رياسة وثروة وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موالٍ كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم كما قال قوم نوح { ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ﴾ أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه لما غاظهم من إسلامهم وفتَّ في أعضائهم.
عن أنس "أنه سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله وهو في أرض مخترف، فاتى النبي فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي.
فما أوّل أشراط الساعة؟
وما أول طعام أهل الجنة؟
وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟
قال :أخبرني بهن جبريل آنفاً.
أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت.
وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الوالد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت.
قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني.
فجاءت اليهود فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟
قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا.
قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام.
قالوا: أعاذه الله من ذلك.
فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فقالوا: شرنا وابن شرنا فانتقصوه.
قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله" .
ثم إن الله ألقى عليهم هذا اللقب مقروناً بالمؤكدات التي بيناها في قوله "ألا إنهم هم المفسدون" وذلك أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفه فهو السفيه، وكذا من باع آخرته بدنياه.
قال : "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" وأيضاً من السفه معاداة المحمديين ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ .
كالطود يحقر نطحة الأوعال *** إنما فصلت هذه الآية "بلا يعلمون" والتي قبلها "بلا يشعرون" لأن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما النفاق وما يؤول إليه من الفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، وخصوصاً عند العرب في جاهليتهم.
وما كان قائماً بينهم من التحارب والتجاذب فهو كالمحسوس المشاهد، ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.
البحث الخامس: في قوله ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا ﴾ الآيات.
هذا هو النوع الرابع من قبائح أفعالهم، والفرق بين هذه الآية وبين قوله "ومن الناس من يقول آمنا" أن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان معاملتهم مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم.
عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم.
فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.
ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً.
فرجع المسلمون إلى النبي وأخبروه بذلك فنزلت.
ويقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه.
وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، ويجوز أن يكون من خلال بمعنى مضى، وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك، ومنه القرون الخالية، أو من خلوت به إذا سخرت منه وهو من قولك "خلا فلان بعرض فلان" عبث به، ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول: أحمد إليك فلاناً أو أذمه إليك أي أنهي إليك حمدي لفلان أو ذمي.
وعن ابن عباس: إني أحمد إليك عسل الإحليل أي أعلمكم أنه أمر محمود.
وشياطينهم رؤساؤهم وأكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم.
وهم إما أكابر المنافقين فالقائلون.
إنا معكم أي مصاحبوكم وموافقوكم على أمر دينكم أصاغرهم، وإما أكابر الكافرين فالقائلون يحتمل أن يكون جميع المنافقين.
وإنما فسرنا الشياطين بالرؤساء لأنهم هم القادرون على الإفساد في الأرض، وإنما خاطبوا المؤمنين بأضعف الجملتين وهي الفعلية، وشياطينهم بأقواهما أعني الاسمية المحققة بان لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان الناشئ عن صميم القلب منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان كاملون، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه وهكذا كل قول لم يصدر عن صدق رغبة وباعث داخلي، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على وجه التوكيد وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار القائلين "ربنا إننا آمنا" وإما مخاطبة إخوانهم فعن وفور نشاط ورغبة وفي حيز القبول والرواج فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد، وإنما فقد العاطف بين قوله "إنا معكم" وبين قوله "إنما نحن مستهزءون" الأوّل معناه الثبات على الكفر، والثاني ردّ للإسلام.
لأن المستهزئ بالشيء منكر له دافع، ودفع نقيض الشيء إثبات وتأكيد للشيء.
أو لأن الثاني بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو لأنه استئناف كأنه قيل: ما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام؟
فقالوا: إنما نحن مستهزءون.
والاستهزاء السخرية والاستخفاف، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع.
ثم إن الله أجابهم بأشياء: أحدها قول الله "يستهزئ بهم" وهو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، كأنه سئل ما مصير أمرهم وعقبى حالهم؟
فقيل: الله يستهزئ بهم.
وفي الالتفات من الحكاية إلى المظهر، أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي استهزاؤهم بالنسبة إلى ذلك كالعدم.
وفي تخصيص الله بالذكر مع قرينة أن المؤمنين هم الذين استهزئ بهم دلالة على أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.
فإن قيل: الاستهزاء جهالة ﴿ قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ فما معنى استهزاء الله بهم؟
قلنا: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم وهو المقصد الأقصى للمستهزئ، أو سمي جزاء الاستهزاء استهزاء مثل ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ أو عاملهم الله معاملة المستهزئ في الدنيا لأنه كان يطلع الرسول على أسرارهم مع كونهم مبالغين في إخفائها، وفي الآخرة على ما روي عن ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار، فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة - وأهل الجنة ينظرون إليهم - فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذلك قوله { ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون ﴾ فهذا هو الاستهزاء، وإنما لم يقل الله مستهزئ ليكون طبقاً لقوله "إنما نحن مستهزءُون" لأن المراد تجدد الاستهزاء بهم وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم ونزول الآيات في شأنهم { ﴿ أو لايرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون ﴾ وثانيها قوله و"ويمدهم في طغيانهم" هو من مد الجيش أمده إذا زاده وألحق به ما يقوّيه، وكذلك مد الدواة والسراج زادهما ما يصلحهما.
وإنما قلنا: إنه من المدد لا من المد في العمر والإمهال لقراءة نافع في موضع آخر ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي ﴾ على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له قاله في الكشاف، وهو مخالف لنقل الجوهري مده في غيه أي أمهله.
والطغيان الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتوّ، ومعنى مدد الله إياهم في الطغيان يعرف من تفسير ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقد يوجه بأنه لما منعهم ألطافه التي منحها المؤمنين بقيت قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور في صدور المؤمنين، فسمي ذلك التزايد مدداً.
أو بأنه لم يقسرهم، أو بأنه أسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف، لأنه انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب.
ومن هذا القبيل ما قيل: إن النكتة في إضافة الطغيان إليهم هي أن يعلم أن التمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم، وأن الله بريء منه، فإن الانتهاء إلى الله لما كان ضرورياً فكيف يتبرأ من ذلك؟
"ويعمهون" في موضع الحال.
والعمه كالعمى، إلا أن العمى في البصر وفي الرأي، والعمه في الرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه.
وثالثها: قوله ﴿ أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ أي اختاروها عليه واستبدلوها به، وهذه استعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر قال أبو النجم: أخذت بالجمـة رأســـاً أزعرا *** وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمراً جيدراً *** كما اشترى المــلم إذ تنصرا وعن وهب قال الله فيما يعيب به بني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة.
جعلوا لتمكنهم من الهدى بحسب الفطرة الإنسانية الشخصية كأنه في أيديهم، فتركوه واستبدلوا به الضلالة وهي الجور عن القصد وفقد الاهتداء.
وفي المثل "ضل دريص نفقة" أي جحره، والدرص ولد الفأرة ونحوها، يضرب لمن يعيا بأمره.
فاستعيرت الضلالة للذهاب عن الصواب في الدين.
والربح الفضل على رأس المال، والتجارة مصدر وإنما أسند الخسران إليها وهو لصاحبها إسناداً مجازياً لملابسة التجارة بالمشترين.
وقد يقال: ربح عبدك وخسرت جاريتك مجازاً إذا دلت الحال.
ولما ذكر الله شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ما يشاكله ويواخيه من الربح والتجارة لتكون الاستعارة مرشحة كقوله: ولما رأيت النسر عز ابن دأية *** وعشش في وكريه جاش له صدري لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.
"وما كانوا مهتدين" لطرق التجارة لأن مطلوب التاجر في متصرفاته شيئان: سلامة رأس المال والربح.
وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة، والضلالة أمر عدمي فلا عوض ولا معوّض، فلا ربح ولا رأس المال.
وهكذا حال من يدعي الإرادة ولا يخرج من العادة ويريد الجمع بين مقاصد الدنيا ومصالح الدين، كالمنافق أراد الجمع بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من ههنا أدبر النهار من ههنا نعوذ بالله من الغواية، ونسأله أن يعصمنا من الضلالة بعد الهداية.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - في قوم خاص، عَلِمَ الله أَنهم لا يؤمنون فأَخبر عز وجل رسولَه بذلك، فكان كما قال.
وفيه آية النُّبوَّة.
ويحتمل أَيضاً: أَنهم لا يؤمنون ما داموا في كفرهم؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ والكافرون ما داموا كافرين ظالمون.
وقوله: ﴿ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ .
روي عن الحسن: "إن للكافر حدا إذا بلغ ذلك الحد، وعلم الله منه أنه لا يؤمن، طبعَ على قلبه حتى لا يؤمن".
وهذا فاسد على مذهب المعتزلة لوجهين: أحدهما: أَن مذهبهم أَن الكافر مكلف، وإن كان قلبه مطبوعاً عليه.
والثاني: أن الله - عز وجل - عالم بكل من يؤمن في آخر عمره، وبكل من لا يؤمن أَبداً، بلغ ذلك الحد أَو لم يبلغ.
فعلى ما يقوله الحسن إيهام أَنه لا يعلم ما لم يبلغ ذلك.
والمعتزلةُ يقولون: إن قوله: ﴿ خَتَمَ ﴾ ، و ﴿ طَبَعَ ﴾ يُعلم عَلاَمةً في قلبه أَنه لا يؤمن كإعلام الكتب والرسائل.
ولكن عندنا: خلق ظلمة الكفر في قلبه.
والثاني: خلق الختم والطبع على قلبه [إذا فَعَل فِعْل الكفر؛ لأَن] فِعْل الكفر من الكافر مخلوق عندنا، فخلق ذلك الختم عليه؛ وهو كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ أي: خلق الأَكنة.
وغيرهِ من الآيات.
والأَصل في ذلك: أَنه ختم على قلوبهم لما تركوا التأَمل، والتفكر في قلوبهم فلم يقع، وعلى سمعهم لما لم يسمعوا قول الحق والعدل، خلق الثقل عليه، وخلق على أَبصارهم الغطاءَ لما لم ينظروا في أَنفسهم، ولا في خلق الله ليعرفوا زوالها وفناءَها وتغير الأحوال؛ ليعلموا أن الذي خلق هذا دائِم لا يزول أَبداً.
وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ .
إخبار منهم أنهم قالوا ذلك بأَلسنتهم قولا، وأَظهروا خلاف ما في قلوبهم؛ فأَخبر عز وجل نبيّه عليه الصلاة والسلام: أَنهم ليسوا بمؤمنين، أي: بمصدقين بقلوبهم.
وكذلك قوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ .
وكذلك قوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ...
﴾ الآية [النساء: 65].
هذه الآيات كلها تنقض على الكراميَّةِ؛ لأَنهم يقولون: الإِيمان قول باللسان دون التصديق.
فأَخبر الله - عز وجل - عن جملة المنافقين أَنهم ليسوا بمؤمنين لما لم يأْتوا بالتصديق، وهذا يدل على أن الإِيمان تصديق بالقلب.
والكراميّة يقولون: بل هم مؤمنون.
وقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .
لا يقصد أحد مخادعة الله، لكنهم كانوا يقصدون مخادعة المؤمنين، وأَولياءِ الله، فأَضاف الله عز وجل ذلك إلى نفسه؛ لعِظم قدرهم، وارتفاع منزلتهم عند الله؛ وهو كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ، والله لا يحتاج أَن ينصر، ولكن كأَنه قال: إن تنصروا أولياء الله ينصركم؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ والله لا يُبايَع، ولكن إضافة ذلك إلى نفسه؛ لعظم قدر نبيه، وعلو منزلته عند الله ، فكذلك الأَول أَضاف مخادعتهم أَولياءَه إلى نفسه لعلو منزلتهم عند الله وقدرهم لديه.
والمخادعة هو فعل اثنين؛ لخداع هؤلاءِ بحضور المؤمنين؛ لذلك المعنى ذكر المفاعلة.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم ﴾ .
الأول: أي حاصل خداعهم، ووباله يرجع إليهم.
والثاني: أنهم يُظهرون لهم الموافقة ليأْمنوا، فلحقهم خوف دائم بذلك الخداع في الدنيا.
وقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .
الأَول: أي: ما يشعرون أَن حاصل الخداع يرجع إليهم في الآخرة.
والثاني: ما يشعرون أَن الله يظهر، ويطلع نبيه على ما أَضمروا هم في قلوبهم، و الله أعلم.
وقوله: ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ .
يقال: شكٌ ونفاق؛ سَمَّى عز وجل المنافقين مرضى؛ لاضطرابهم في الدين؛ لأَنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين بالقول، ويضمرون الخلاف لهم بالقلب؛ فكان حالهم كحال المريض الذي هو مضطرب بين الموت والحياة؛ إذ المريض يشرف - ربما - على الموت، ويرجو الإقبال عليه منه ثانياً؛ فهو مضطرب بين ذلك، فكذلك هم، لما كانوا مضطربين في دينهم سماهم مرضى.
وأما سائِر الكفرة فإنهم لم يضطربوا في الدين، بل أَظهروا بالقول على ما أَضمروا بالقلب؛ فسماهم موتى، لما لم ينتفعوا بحياتهم، ولم يكتسبوا الحياة الدائمة.
وسمى المؤمنين أَحياء؛ لما انتفعوا بحياتهم، واكتسبوا الحياة الدائمة، لموافقتهم باللسان والقلب جميعاً لدين الله - عز وجل - والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً ﴾ .
اختلف في تأْويله: قالت المعتزلة: هو التخلية بينهم وبين ما اختاروا.
وأما عندنا: فهُو على خلق أَفعال زيادة الكفر والنفاق في قلوبهم، لما زادوا هم في كل وقت من إظهار الموافقة للمؤمنين بالقول، وإضمار الخلاف لهم بالقلب، خلق الله عز وجل تلك الزيادة من المرض في قلوبهم باختيارهم.
وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم في قوله: ﴿ ٱهْدِنَا ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ .
لأَن عذاب الدنيا قد يكون ولا أَلم فيه؛ فأخبر الله عز وجل أن عذاب الآخرة عذاب شديد عظيم، ليس كعذاب الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
يخادعون الله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر، وهم في الحقيقة يخدعون أنفسهم فقط، ولكنهم لا يشعرون بذلك؛ لأن الله تعالى يعلم السر وأخفى، وقد أَطْلَع المؤمنين على صفاتهم وأحوالهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.8L8OB"
سمي يوم القيامة باليوم الآخر لأنه آخر الأيام، فإن اليوم الذي كانت به الحياة الأولى هو ابتداء طور جديد من الحياة ينتهي بالموت، ويوم القيامة ابتداء طور آخر لا موت بعده ..
...
قدمنا أن الكلام من أول السورة في القرآن وأقسام الناس بإزائه وذكرنا منهم ثلاث فرق: فرقتان لهما فيه هدى (إحداهما) المتقون، وبين حالهم بقوله ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ الخ...
ومنهم الذين كانوا يدعون الحنيفيين، والمنصفون من أهل الكتاب الذين كانوا ينتظرون إشراق نور الحق ليهتدوا به، كما تقدم.
(والثانية) هي المذكورة في قوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ إلخ..
وهم كل من آمن بالنبي من أهل الكتاب وغيرهم على التحقيق.
وبينا أنه يوجد بإزاء هاتين الطائفتين طائفتان أخريان لا ترجى هدايتهما بالقرآن: الأولى منهما هي المشروح حالها في قوله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ إلخ..
وهي كما قدمنا تنقسم إلى قسمين: جاحدين لا يسمعون ومعاندين يعرفون الحق ولا يذعنون.
وهذه الآيات التي نحن بصدد تفسيرها الآن هي المبينة لحال الفرقة الرابعة وهي فرقة من الناس توجد في كل آن وفي كل عصر.
وليست الآيات كما قيل في أولئك النفر من المنافقين الذين كانوا في عصر التنزيل،ولذلك قال تعالى في بيان حالهم ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ ولم يقل عنهم إنهم يقولون مع ذلك"وآمنا بك يا محمد"وما كان القرآن ليعتني بأولئك النفر الذين لم يلبثوا أن انقرضوا كل هذه العناية ويطيل في بيان حالهم أكثر مما أَطال في الأصناف الثلاثة الذين هم سائر الناس.
نعم إن الآيات على عمومها تتناول من كان منهم في عصر التنزيل تناولًا أوليًا وتصف حالهم وصفًا مطابقًا، وهي مع ذلك عبرة عامة شاملة لمن مضى ولمن يجيء من هذ الصنف إلى يوم القيامة، وقد كان ويكون من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس ومن كل طائفة تدعي أنها على دين، ولم يحك عنهم دعوى الإيمان بالأنبياء والأعمال الصالحة -مع أن منهم الذين يدعون ذلك- لأن الإيمان باليوم الآخر يتضمن ذلك، فهو إنما يعرف من قبل الأنبياء، وهذا ضرب من ضروب إيجاز القرآن التي بلغت حد الإعجاز.
قد يقال: كان في أولئك القوم من كانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر، كمنافقي اليهود، فلمَ كذبهم ونفى عنهم الإيمان نفيًا مطلقًا مؤكدًا بدخول الباء في خبر"ما"فقال ﴿ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي بداخلين في جماعة المؤمنين الصادقين البتة.
وهو أبلغ من نفي فعل الإيمان المطابق للفظهم والمقيد بالإيمان بالله وباليوم الآخر؟؟
والجواب: إن اعتقادهم التقليدي الضعيف لم يكن له أثر في أخلاقهم وأعمالهم، فلو حُصِّل ما في صدورهم، ومُحِّص ما في قلوبهم، وعرفت مناشئ الأعمال من نفوسهم، لوجد أن ما كان لهم من عمل صالح كصلاة وصدقة فإنما مبعثه رياء الناس، وحب السمعة، وهم من وراء ذلك منغمسون في الشرور، كالإفساد والكذب والغش والخيانة والطمع وغير ذلك من الرذائل التي حكاها عنهم الكتاب ونقلها رواة السنة، وهذه الأعمال تدل على أنهم لا يؤمنون بالله كما يحب ويرضى أن يؤمن به، وهو أن يشعر المؤمن بعظيم سلطانه، ويعلم أنه سبحانه مطلع على سره وإعلانه، لأنه مهيمن على السرائر، وعالم بما في الضمائر، فيرضيه بظاهره وباطنه.
بل كانوا يكتفون ببعض ظواهر العبادات يظنون أنهم يرضون الله تعالى بذلك، والعمل الظاهر الذي لا يصدقه الباطن إذا قصد به إرضاء آخر يسمى في اللغة مداجاة ومداراة ومخادعة، فإن كان يقصد به المخادعة فظاهر، وإلا فيكفي لصحة الإطلاق أن العمل عمل المخادع، لا عما الطائع الخاضع، وهذا مراد القرآن من مخادعة هؤلاء الذين هم أهل الكتاب المؤمنين بالله إيمانًا ناقصًا، لم يقدروا الله فيه حق قدره، ويستحيل أن يقصد المؤمن بالله تعالى مخادعته، ولكنهم لجهلهم بالله ظنوا به ما سوغ وصفهم بما ذكر عنهم.
فهذا هو معنى قوله تعالى ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .
وأما قوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ ﴾ فهو بيانه للواقع، فإن هذه الأعمال لا قيمة له عند الله خلافًا لما يتوهمونه عن غير هدى ولا بينة..
إذا رجع الإنسان إلى نفسه، وأصغى لمناجاة سره، يجد عندما يهم بعمل شيء أن في قلبه طريقين، وفي نفسه مختصمين، أحدهما يأمره بالعمل وسلوك الطريق الأعوج وآخر ينهاه عن العوج، ويأمره بالاستقامة على المنهج، ولا يترجح عنده باعث الشر، ولا يجيب داعي السوء، إلا إذا خدع نفسه بعد المشاورة والمذاكرة المطلوبة فيها، وصرفها عن الحق، وزين لها الباطل، وهذه الشؤون النفسية في غاية الخفاء، تكون المنازعة ثم المخادعة ثم الترجيح ويمر ذلك كله كلمح البصر، وربما لا يلتفت إليه الإنسان بفكره ولذلك قال ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ فإن الشعور هو إدراك ما خفي.
فمعنى نفي الشعور عن المنافقين في مخادعتهم لله تعالى أنهم يجرون في كذبهم وتلبيسهم وريائهم على ما ألفوا وتعودوا، فلا يحاسبون أنفسهم عليه، ولا يراقبون الله فيه، وما كلهم يؤمنون بوجود الله وإحاطة علمه، ومن يؤمن بوجوده لم يترب على خشيته ومراقبته، ولا يفكر فيما يرضيه وفيما يغضبه، فهو يعمل عمل المخادع له وما يشعر بذلك.
وأما مخادعتهم للمؤمنين فظاهرة لأنهم اتخذوهم أعداء وهو عاجزون عن إظهار عداوتهم، فأعمالهم التي يقصدون بها إرضاء المؤمنين كلها خداع ورياء..
هؤلاء المغرورون إذا عرض زاجر الدين بينهم وبين شهواتهم قام لهم من أنفسهم ما يسهل لهم أمره من أمل في الغفران، أو تأويل إلى غير المراد، أو تحريف إلى ما يخالف القصد من الخطاب، وذلك بما في نفوسهم من ملكات السوء المغشاة بصور من العقائد، الملونة بما يتجلى للأعين فيما يسمونه إيمانًا، وما هم في الحقيقة بمؤمنين، وإنما هم خادعون مخدوعون ولكنهم لما عمي عليهم من أمر أنفسهم لا يشعرون، لأن ذلك يمر في أنفسهم وهم عنه غافلون.
وفرق ظاهر بين ما تستحضره النفس من المعلومات وتستعرضه عندما تسأل عنه وما هو راسخ فيها من تلك المعلومات، بصيرورته ملكة في النفس متصرفة في الإرادة باعثة لها على العمل، فمن العلوم ما هو ثابت في النفس ممتزج بها، على النحو الذي ذكرنا فيتبع امتزاجه هذا تمكن ملكات أخر تصدر عنها الأعمال وهي ما يعبر عنه بالأخلاق والصفات كالكرم والشجاعة ونحوهما فإنها إنما تنطبع في النفس تبعًا للعلم الذي يلائمها، وهو العلم الحقيقي الذي تصدر عنه الأعمال وربما يغفل الإنسان عنه ولا يلاحظه عندما يعمل.
وفرق بين ملاحظة العلم واستحضاره، وبين وجوده وتحققه في نفسه.
ومن العلوم ما يلاحظ الإنسان أنه عنده، فهو صورة عند النفس تستحضره عند المناسبة ويغيب عنها عند عدمها، لأنه لم يشربه القلب ولم يمتزج بالنفس فيصير صفة من صفاتها الراسخة التي لا تزايلها، وهذا النوع من العلم يتعلق بما تعلق به النوع الأول، كعلم الحلال والحرام الذي يحصله طلبة الفقه الإسلامي مثلًا، وكعلم مزايا الفضيلة ورزايا الرذيلة الذي يخزنه طلاب علوم الآداب والأخلاق والنظار في كتب الأواخر والأوائل لتعزيز مادة العلم وتوسيع مجال القول وتوفير القدرة على حسن المنطق ونحو ذلك، فهذا العلم كالأداة المنفصلة عن العامل، يبقى في خزانة الخيال، تستحضره النفس عندما تدفعها الشهوة إلى تزيين ظاهر المقال، لا إلى تحسين باطن الحال، ولن يكون لهذا الضرب من العلم أدنى أثر في عمل من أعمال صاحبه.
وتسميته علمًا لأنه يدخل في تعريفه العام"صورة من الشيء حاضرة عند النفس"وعند التدقيق لا ترتفع به منزلته إلى أن يندرج في معنى العلم الحقيقي.
فاستحضار هذا العلم كاستحضار الكتاب واللوح وإدراك ما فيه، ثم الذهول عنه ونسيانه عند الاشتغال بشيء آخر.
فهؤلاء - الذين يخادعون أنفسهم ويخادعون الله تعالى- عندهم علم حقيقي تنبعث عنه أعمالهم، وإن كان باطلًا في نفسه، وهو تصديقهم بما في شهواتهم، من المصلحة لذواتهم، وهو الذي رجح عندهم اختيار ما فيه قضاؤه والانصباب إلى ما تدعو إليه، وهو ما أنساهم ما كانوا خزنوا في أنفسهم من صور الاعتقادات الدينية، فأبعدهم ذلك عن الاعتقاد الحقيقي الذي يعتد به وجعله رسمًا مخزونًا في الخيال، لا أثر له في الأفعال، يدعونه بألسنتهم، وتكذبهم في دعواهم أعمالهم وأحوالهم، ولذلك نسبهم إلى الدعوى القولية ولم يقل فيهم ما قال في ذلك الفريق الأول ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ فإنه هناك ذكر إيمانهم وقفى عليه بذكر العمل يشهد له، ومن هنا يعلم ما الإيمان الذي يعتد به القرآن، وهو يظهر لمن يقرأ القرآن ليحاسب به نفسه، ويزن إيمانه وأعماله بما حكم به على إيمان من قبله وأعمالهم، لا لمن يقرأه على أنه قصة تاريخية مات من يحكي عنها، واستثنى القارئ نفسه ممن حكم عليهم فيها.
فإن كان مات من كانوا سبب النزول فالقرآن حي لا يموت، ينطبق حكمه ويحكم سلطانه على الناس في كل زمان، فكل مؤمن بالله واليوم الآخر، ومع ذلك يصدر في عمله عن شهواته، ولا يمنعه إيمانه عن ركوب خطيئاته، فاعتقاده إنما هو خيال، لا يعلو عن لفظ في مقال، ودعوى عند جدال، فإذا ركن إلى هذا المعتقد فهو خادع لنفسه، مخادع لربه، يظن أن علام الغيوب لا ينظر إلى ما في القلوب.
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ عهد عند العرب التعبير عن العقول بالقلوب، والمرض ما يطرأ على العقول فيضعف تعلقها وإدراكها، والشك والوهم من أعراض هذا المرض، فهو ظلمة تعرض للعقل فتقف بشعاعه أن ينفذ إلى ما وراء التكاليف والأحكام من الأسرار والحكم.
وهذا النفوذ هو الفقه في الدين الذي يسوق النفس إلى الأخذ به ظاهرًا وباطنًا، وقد عبر القرآن عن فقد أمثال هؤلاء لهذا بقوله ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ وربما كان التعبير عن العقول بالقلوب في مثل هذا المقام، لأن القلب يظهر فيه أثر الوجدان الذي هو السائق إلى الأعمال، يظهر لك ذلك بما تجده من اضطراب قلبك عند اشتداد الخوف أو اشتداد الفرح، فإنك تحس بزيادة ضرباته وشدة نبضاته، فصورة الاعتقاد إذا تناولها العقل من طريق التقليد والتسليم، فجعلها في زاوية من زوايا الدماغ لم يكن لها سلطان على القلب ولا تأثير في الوجدان، واعتقاد لا يصحبه هذا السلطان ولا يصدر عنه هذا التأثير، لا يعتد الله تعالى به ولا يستفيد الإنسان منه كما تقدم آنفًا، فمن لم يطرق الإيمان قلبه بقوة البرهان، ولم يحل مذاقه منه في الوجدان، بحيث يكون هو المصرف له في أعماله، لا ينفعه إيمانه، إلا إذا تمرن على الأعمال الصالحة عن فهم وإخلاص، حتى يحدث لقلبه الوجدان الصالح، فأهل اليقين يبعثهم يقينهم على العمل الصالح، وأهل التقليد تلحقهم أعمالهم الصالحة بأهل اليقين في الانتفاع بإيمانهم، وهذا الفريق الذي تحكي عنه الآيات، وتصفه بالكذب والخداع، قد فقد الأمرين معًا، ولا صحة للقلب إلا بهمها، فمن فقدهما مرض ولا يلبث مرضه أن يقتله.
ولضعف العقل أسباب منها ما هو فطري كما هو حال أهل البله والعته، وهو الذي لا يكلف صاحبه ولا يلام، ومنها ما يكون من فساد التربية العقلية كما هو حال المقلدين الذين لا يستعملون عقولهم، وإنما يكتفون بما عليه قومهم من الأوهام والخيالات ويرين على قلوبهم ما يكسبونه من السيئات، وما يكونون عليه من التقاليد والعادات، ولا يعتنون بما أمر الله من تمزيق هذه الحجب، وإزالة هذه السحب، للوقوف على ما وراءها من مخدرات العرفان، ونجوم الفرقان وشموس الإيمان، بل يكتفون بما حكى الله عنهم في قوله ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ حتى يجيء اليوم الذي يقولون فيه ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾ .
كان في قلوبهم المرض قبل مجيء النذير وبيان الرشد من الغي، عندما كانوا في فترة، حظهم من الكتب قراءة ألفاظها ومن الأعمال إقامة صورها ﴿ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ بعد ما جاءهم البرهان المنير ببعثة البشير النذير، ووجدوا منه زعزعة في أنفسهم، ولكن أخذتهم العزة بالإثم فأبوا الإيمان، ونبوا عن القرآن، وزاد تمسكهم بما كانوا عليه واشتد حرصهم عليه، فكان شعاع النور الذي جاء به الرسول عمى في أعينهم ومرضًا على مرضهم، ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي عذاب مؤلم فوق هذه الأمراض، وأليم صيغة فعيل من ألم يألم فهو أليم وصف به العذاب نفسه ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ في دعواهم الإيمان بالله واليوم الآخر، فإنهم يصدقوا بأعمالهم، ما يزعمون من حالهم.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي يكذبون بالتخفيف أي بسبب تكذيبهم النبي والحكم في القراءتين، إثبات جمعهم للرذيلتين، أي الكذب في دعوى الإيمان، وتكذيب النبي والثانية سبب الأولى، وهم إنما كانوا يكذبونه في أنفسهم، وفيما بينهم إذا خلوا إلى شياطينهم والعذاب عقوبة عليهما معًا، أي على التكذيب وهو الكفر، وعلى الكذب في دعوى الإيمان وهو النفاق، وهؤلاء في باطنهم شر من الذين كفروا عنادًا من رؤساء قريش، فإنهم لم يكونوا يكذبونه وإنما كانوا يجحدون جحود استكبار.
قال تعالى ﴿ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ .
والقراءة الأولى هي المشهورة والعذاب فيها مقرون بالكذب لا بالتكذيب.
وقد يقال: لم جعل العذاب جزاء الكذب دون الكفر؟
والجواب أن الكفر داخل في هذا الكذب وإنما اختير لفظ الكذب في التعبير للتحذير عنه.
وبيان فظاعته وعظم جرمه، ولبيان أن الكفر من مشتملاته، وينتهي إليه في غاياته، ولذلك حذر القرآن منه أشد التحذير، وتوعد عليه أسوأ الوعيد، وما فشا الكذب في قوم إلا فشت فيهم كل جريمة وكبيرة، لأنه ينشأ من دناءة النفس وضعف الحياة والمروءة، ومن كان كذلك لا يترك قبيحًا إلا بالعجز عنه، نعوذ بالله تعالى من عمله ومنه.
<div class="verse-tafsir"