الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٠ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 155 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال السدي ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية : ( في قلوبهم مرض ) قال : شك ، ( فزادهم الله مرضا ) قال : شكا .
وقال [ محمد ] بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس [ في قوله ] ( : ( في قلوبهم مرض ) قال : شك .
وكذلك قال مجاهد ، وعكرمة ، والحسن البصري ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة .
وعن عكرمة ، وطاوس : ( في قلوبهم مرض ) يعني : الرياء .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : ( في قلوبهم مرض ) قال : نفاق ( فزادهم الله مرضا ) قال : نفاقا ، وهذا كالأول .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( في قلوبهم مرض ) قال : هذا مرض في الدين ، وليس مرضا في الأجساد ، وهم المنافقون .
والمرض : الشك الذي دخلهم في الإسلام ( فزادهم الله مرضا ) قال : زادهم رجسا ، وقرأ : ( فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) [ التوبة : 124 ، 125 ] قال : شرا إلى شرهم وضلالة إلى ضلالتهم .
وهذا الذي قاله عبد الرحمن - رحمه الله - حسن ، وهو الجزاء من جنس العمل ، وكذلك قاله الأولون ، وهو نظير قوله تعالى أيضا : ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) [ محمد : 17 ] .
وقوله ( بما كانوا يكذبون ) وقرئ : يكذبون ، وقد كانوا متصفين بهذا وهذا ، فإنهم كانوا كذبة يكذبون بالحق يجمعون بين هذا وهذا .
وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه - عليه السلام - عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم ، وذكروا أجوبة عن ذلك منها ما ثبت في الصحيحين : أنه قال لعمر : أكره أن يتحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم ، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر ، فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون : إن محمدا يقتل أصحابه ، قال القرطبي : وهذا قول علمائنا وغيرهم كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم مع علمه بشر اعتقادهم .
قال ابن عطية : وهي طريقة أصحاب مالك نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون .
ومنها : ما قال مالك ، رحمه الله : إنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه .
قال القرطبي : وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه ، وإن اختلفوا في سائر الأحكام ، قال : ومنها ما قال الشافعي : إنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم ؛ لأن ما يظهرونه يجب ما قبله .
ويؤيد هذا قوله - عليه الصلاة والسلام - في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين وغيرهما : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله عز وجل .
ومعنى هذا : أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرا ، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة ، وإن لم يعتقدها لم ينفعه في الآخرة جريان الحكم عليه في الدنيا ، وكونه كان خليط أهل الإيمان ( ينادونهم ألم نكن معكم قالوا : بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ) الآية [ الحديد : 14 ] ، فهم يخالطونهم في بعض المحشر ، فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) [ سبأ : 54 ] ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم كما نطقت بذلك الأحاديث ، ومنها ما قاله بعضهم : أنه إنما لم يقتلهم لأنه كان يخاف من شرهم مع وجوده - عليه السلام - بين أظهرهم يتلو عليهم آيات الله مبينات ، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون ، قال مالك : المنافق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزنديق اليوم .
قلت : وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر هل يستتاب أم لا .
أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا ، أو يتكرر منه ارتداده أم لا ، أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه ؟
على أقوال موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام .
( تنبيه ) قول من قال : كان عليه الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقا في غزوة تبوك الذين هموا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلماء الليل عند عقبة هناك ؛ عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها فأوحى الله إليه أمرهم فأطلع على ذلك حذيفة .
ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها والله أعلم .
فأما غير هؤلاء فقد قال تعالى : ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ) الآية ، وقال تعالى : ( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ) ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم وإنما كانت تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم كما قال تعالى : ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ) وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبي بن سلول وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين ومع هذا لما مات [ صلى عليه ] صلى الله عليه وسلم وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين ، وقد عاتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيه فقال : إني أكره أن تتحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه وفي رواية في الصحيح إني خيرت فاخترت وفي رواية لو أني أعلم لو زدت على السبعين يغفر الله له لزدت .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال أبو جعفر: وأصل المرَض: السَّقم, ثم يقال ذلك في الأجساد والأديان.
فأخبر الله جلّ ثناؤه أن في قلوب المنافقين مَرَضًا، وإنما عنى تبارك وتعالى بخبره &; 1-279 &; عن مرض قلوبهم، الخبرَ عن مرض ما في قلوبهم من الاعتقاد = ولكن لمّا كان معلومًا بالخبَر عن مرض القلب، أنَّه معنىٌّ به مرضُ ما هم معتقدُوه من الاعتقاد -استغنى بالخبَر عن القلب بذلك = والكفاية عن تصريح الخبَر عن ضمائرهم واعتقاداتهم (59) كما قال عُمر بن لَجَأ: وَسَـــبَّحَتِ الْمَدِينَــةُ, لا تَلُمْهَــا, رَأَتْ قَمَـــرًا بِسُـــوقِهِمُ نَهَــارَا (60) يريد: وسبَّح أهل المدينة، فاستغنى بمعرفة السامعين خَبَرَه بالخبَرِ عن المدينة، عن الخبر عن أهلها.
ومثله قول عنترة العبسي: هَـلا سَـأَلتِ الْخَـيْلَ يَـا ابْنَـةَ مَالِكٍ? إنْ كُــنْتِ جَاهِلَـةً بِمَـا لَـمْ تَعْلَمِـي (61) يريد: هلا سألتِ أصحاب الخيل؟
ومنه قولهم: " يا خَيْلَ الله اركبي", يراد: يا أصحاب خيل الله اركبوا.
والشواهد على ذلك أكثر من أن يُحصيها كتاب, وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه.
فكذلك معنى قول الله جل ثناؤه: ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) إنما يعني: في اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه في الدين، والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم, وبما جاء به من عند الله - مَرَض وسُقْم.
فاجتزأ بدلالة الخبَر عن قلوبهم على معناه، عن تصريح الخبر عن اعتقادهم.
والمرضُ الذي ذكر الله جل ثناؤه أنّه في اعتقاد قلوبهم الذي وصفناه: هو شكُّهم في أمر محمد وما جاء به من عند الله، وتحيُّرُهم فيه, فلا هم به موقنون إيقان إيمان, ولا هم له منكرون إنكارَ إشراك، ولكنهم، كما وصفهم الله عز وجل، مُذَبْذَبُونَ بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء (62) كما يقال: فلانٌ يمَرِّضُ في هذا الأمر, أي يُضَعِّف العزمَ ولا يصحِّح الروِيَّة فيه.
وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك، تَظاهر القول في تفسيره من المفسِّرين.
* ذكر من قال ذلك: 322- حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " في قلوبهم مرضٌ"، أي شكٌّ.
323- وحدِّثت عن المِنْجَاب, قال: حدثنا بشر بن عُمارة, عن أبي رَوْق، عن الضحاك, عن ابن عباس, قال: المرض: النفاق.
324- حُدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرّة الهمداني، عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " في قلوبهم مرضٌ" يقول: في قلوبهم شكّ.
325- حُدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال عبد الرحمن بن زيد، في قوله: " في قلوبهم مَرَضٌ"، قال: هذا مرض في الدِّين، وليس مَرَضًا في الأجساد، قال: وهم المنافقون.
326- حدثني المثنَّى بن إبراهيم، قال: حدثنا سُوَيْد بن نصر, قال: أخبرنا ابنُ المبارك قراءةً، عن سعيد، عن قتادة، في قوله " في قلوبهم مَرَض " قال: في قلوبهم رِيبَة وشك في أمر الله جل ثناؤه.
327- وحدِّثت عن عمّار بن الحسن, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس: " في قلوبهم مَرَضٌ" قال: هؤلاء أهلُ النفاق, والمرضُ الذي في قلوبهم: الشك في أمر الله تعالى ذكره.
328- حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال عبد الرحمن بن زيد: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ حتى بلغ ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) قال: المرض: الشكّ الذي دخلهم في الإسلام (63) .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا قد دللنا آنفًا على أن تأويل المرض الذي وصَف الله جل ثناؤه أنه في قلوب المنافقين، هو الشكُّ في اعتقادات قلوبهم وأديانهم، وما هم عليه - في أمر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر نبوته وما جاء به - مقيمون.
فالمرض الذي أخبرَ الله جل ثناؤه عنهم أنَّه زادهم على مرضهم، نظيرُ ما كان في قلوبهم من الشَّكِّ والحيْرة قبل الزيادة, فزادهم الله بما أحدث من حدوده وفرائضِه - التي لم يكن فرضَها قبلَ الزيادة التي زادها المنافقين - من الشك والحيرة، إذْ شكُّوا وارتَابوا في الذي أحدَث لهم من ذلك - (64) إلى المرض والشك الذي كان في قلوبهم في السَّالف، من حدوده وفرائضه التي كان فَرَضها قبل ذلك.
كما زاد المؤمنين به إلى إيمانهم الذي كانوا عليه قبل ذلك، بالذي أحدث لهم من الفرائض والحدود إذْ آمنوا به، إلى إيمانهم بالسالف من حُدُوده وفرائضه - إيمانًا.
كالذي قال جل ثناؤه في تنـزيله: وَإِذَا مَا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [سورة التوبة: 124، 125].
فالزيادة التي زِيدَها المنافقون من الرَّجاسة إلى رَجاستهم، هو ما وصفنا.
والتي زِيدَها المؤمنون إلى إيمانهم، هو ما بيَّنا.
وذلك هو التأويل المجمَعُ عليه.
ذكرُ بعض من قال ذلك من أهل التأويل: 329- حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " فزادهم الله مَرَضًا "، قال: شكًّا.
330- حدثني موسى بن هارون, قال: أخبرنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدِّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهمداني، عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " فزادَهُم الله مَرَضًا "، يقول: فزادهم الله رِيبَة وشكًّا.
331- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا سُوَيْد بن نصر, قال: أخبرتا ابن المبارك قراءةً، عن سعيد، عن قتادة: " فزادهم الله مرضًا "، يقول: فزادهم الله ريبةً وشكًّا في أمْر الله.
332- حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد، في قول الله: " في قلوبهم مَرَضٌ فزادهم الله مَرَضًا "، قال: زادهم رِجْسًا، وقرأ قول الله عز وجل: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ قال: شرًّا إلى شرِّهم, وضلالةً إلى ضلالتهم.
333- وحدِّثت عن عمّار بن الحسن, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " فزادهم الله مَرَضًا "، قال: زادهم الله شكًّا (65) .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قال أبو جعفر: والأليم: هو المُوجعُ.
ومعناه: ولهم عذاب مؤلم.
بصرفِ" مؤلم " إلى " أليم " (66) ، كما يقال: ضَرْبٌ وجيعُ بمعنى مُوجع, والله بَديع السموات والأرض، بمعنى مُبْدِع.
ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي: أَمِــنْ رَيْحَانَــةَ الــدَّاعي السَّـمِيعُ يُـــؤَرِّقنُي وأَصْحَــابِي هُجُــوعُ (67) بمعنى المُسْمِع.
ومنه قول ذي الرمة: وَتَــرْفَعُ مِــنْ صُـدُورِ شَـمَرْدَلاتٍ يَصُــدُّ وُجُوهَهَــا وَهَــجُ أَلِيــمُ (68) ويروى " يَصُكُّ", وإنما الأليم صفةٌ للعذاب, كأنه قال: ولهم عذاب مؤلم.
وهو مأخوذ من الألم, والألم: الوَجَعُ.
كما-: 334- حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع, قال: الأليم، المُوجع.
335- حدثنا يعقوب, قال: حدثنا هُشيم, قال: أخبرنا جُوَيْبر, عن الضحاك قال: الأليمُ, الموجع (69) .
336- وحدِّثت عن المِنْجاب بن الحارث, قال: حدثنا بشْر بن عُمارة, عن أبي رَوْق, عن الضحاك في قوله " أليم "، قال: هو العذاب المُوجع.
وكل شيء في القرآن من الأليم فهو الموجع (70) .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) اختلفت القَرَأة في قراءة ذلك (71) فقرأه بعضهم: ( بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) مُخَفَّفة الذَّال مفتوحة الياء, وهي قراءة عُظْم أهل الكوفة.
وقرأه آخرون: " يُكَذِّبُونَ" بضم الياء وتشديد الذال, وهي قراءة عُظْم أهل المدينة والحجاز والبصرة (72) .
وكأنّ الذين قرءوا ذلك، بتشديد الذال وضم الياء، رأوا أن الله جل ثناؤه إنما أوجب للمنافقين العذابَ الأليم بتكذيبهم نبيَّه صلى الله عليه وسلم وبما جاء به, وأن الكذِبَ لولا التكذيبُ لا يُوجب لأحدٍ اليَسير من العذاب, فكيف بالأليم منه؟
وليس الأمر في ذلك عندي كالذي قالوا.
وذلك: أنّ الله عز وجل أنبأ عن المنافقين في أول النبأ عنهم في هذه السورة، بأنهم يَكذِبون بدَعْواهم الإيمانَ، وإظهارهم ذلك بألسنتهم، خِداعًا لله عز وجلّ ولرسوله وللمؤمنين, فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا &; 1-285 &; بذلك من قيلهم، مع استسرارهم الشكَّ والريبة, وَمَا يَخْدَعُونَ بصنيعهم ذلك إِلا أَنْفُسَهُمْ دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ وَمَا يَشْعُرُونَ بموضع خديعتهم أنفسَهم، واستدراج الله عز وجل إيّاهم بإملائه لهم، فِي قُلُوبِهِمْ شك النفاق وريبَتُه (73) والله زائدهم شكًّا وريبة بما كانوا يَكذِبون الله ورسوله والمؤمنين بقَوْلهم بألسنتهم آمنَّا بالله وباليوم الآخر، وهم في قيلهم ذلك كَذَبة، لاستسرارهم الشَّكَّ والمرض في اعتقادات قلوبهم في أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
فأولى في حكمة الله جل جلاله، أن يكون الوعيد منه لهم على ما افتتح به الخبَر عنهم من قبيح أفعالهم وذميم أخلاقهم, دون ما لم يَجْرِ له ذكر من أفعالهم.
إذْ كان سائرُ آيات تنـزيله بذلك نـزل، وهو: أن يَفتتِح ذكر محاسن أفعالِ قومٍ، ثم يختم ذلك بالوعيد على ما افتتح به ذِكره من أفعالهم, ويفتتح ذِكْر مساوي أفعالِ آخرين، ثم يختم ذلك بالوعيدِ على ما ابتدأ به ذكرَه من أفعالهم.
فكذلك الصحيح من القول - في الآيات التي افتتح فيها ذِكر بعض مساوى أفعال المنافقين - أنْ يختم ذلك بالوعيد على ما افتتح به ذِكرَه من قبائح أفعالهم.
فهذا هذا (74) ، مع دلالة الآية الأخرى على صحة ما قلنا، وشهادتِها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا, وأنّ الصواب من التأويل ما تأوّلنا، من أنّ وعيد الله المنافقين في هذه الآية العذابَ الأليمَ على الكذب الجامع معنى الشكّ والتكذيب, وذلك قولُ الله تبارك وتعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سورة المنافقون: 1، 2].
والآية &; 1-286 &; الأخرى في المجادلة: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [سورة المجادلة: 16].
فأخبر جل ثناؤه أنّ المنافقين - بقيلهم ما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم, مع اعتقادهم فيه ما هم معتقدون - كاذبون.
ثم أخبر تعالى ذكره أنّ العذاب المُهينَ لهم، على ذلك من كذبهم.
ولو كان الصحيح من القراءة على ما قرأه القارِئون في سورة البقرة: " ولهم عذاب أليم بما كانوا يُكَذِّبون " لكانت القراءةُ في السورة الأخرى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لمكذِّبون, ليكون الوعيدُ لهم الذي هو عَقِيب ذلك وعيدًا على التكذيب لا على الكذب.
وفي إجماع المسلمين على أنّ الصواب من القراءة في قوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ بمعنى الكذب - وأن إيعاد الله تبارك وتعالى فيه المنافقين العذابَ الأليمَ على ذلك من كذبهم - أوضحُ الدّلالة على أن الصحيح من القراءة في سورة البقرة: " بما كانوا يَكْذِبون " بمعنى الكذِب, وأن الوعيدَ من الله تعالى ذِكره للمنافقين فيها على الكذب - حقٌّ - لا على التكذيب الذي لم يجر له ذِكر - نظيرَ الذي في سورة المنافقين سواءً.
وقد زعم بعضُ نحويِّي البصرة أن " ما " من قول الله تبارك اسمه " بما كانوا يكذبون "، اسم للمصدر, كما أنّ" أنْ" و " الفعل " اسمان للمصدر في قولك: أحب أن تَأتيني, وأن المعنى إنما هو بكَذبِهم وتَكْذِيبهم.
قال: وأدخل " كان " ليخبر أنه كان فيما مضى, كما يقال: ما أحسن ما كان عبدُ الله، فأنت تعجَبُ من عبد الله لا من كونه, وإنما وَقع التعجُّب في اللفظ على كوْنه.
وكان بعض نحويِّي الكوفة يُنكر ذلك من قوله ويستخطئه، ويقول: إنما ألغِيَت " كان " في التعجُّب، لأن الفعل قد تقدَّمها, فكأنه قال: " حَسَنًا كان زيد " و " حَسَن كان زَيْدٌ" يُبْطِلُ" كان ", ويُعْمِل مع الأسماء والصِّفات التي بألفاظِ الأسماء، إذا جاءت قبل " كان "، ووقعت " كان " بينها وبين الأسماء.
وأما العِلَّة في إبطالها إذا أبطِلت في هذه الحال، فَلِشَبَهِ الصِّفات والأسماء بـ " فعل " و " يفعل " اللتين لا يظهرُ عمل &; 1-287 &; " كان " فيهما.
ألا ترى أنك تقول: " يقوم كان زيد ", ولا يظهر عمل " كان " في" يقوم ", وكذلك " قام كان زيد ".
فلذلك أبطل عملها مع " فاعل " تمثيلا بـ " فعل " و " يفعل ", وأعملت مع " فاعل " أحيانًا لأنه اسم، كما تعمل في الأسماء.
فأما إذا تقدمت " كان " الأسماءَ والأفعالَ، وكان الاسم والفِعْلُ بعدها, فخطأ عنده أن تكون " كان " مبطلة.
فلذلك أحال قول البصريّ الذي حكيناه, وتأوّل قول الله عز وجل " بما كانوا يكذبون " أنه بمعنى: الذي يكذبونه.
----------------- الهوامش : (59) في المطبوعة : "والكناية عن تصريح الخبر .
.
.
" ، وقوله : "والكفاية عن تصريح الخبر .
.
.
" معطوف على قوله"الخبر عن مرض ما في قلوبهم .
.
.
" (60) يأتي البيت في تفسير آية البقرة : 110 (1 : 391 بولاق) .
(61) في معلقته المشهورة .
(62) تضمين آية سورة النساء : 143 .
(63) الأخبار : 322 - 328 ، نقلها ابن كثير 1 : 88 ، والسيوطي 1 : 30 ، والشوكاني 1 : 30 - مع تتمتها الآتية في تفسير بقية الآية ، بالأرقام : 329 ، 336 ، 330 ، 332 ، 331 ، 333 - على هذا التوالي .
ولكن 336 لم يذكر فيه"عن ابن عباس" .
و"المنجاب" في 323 ، 336 : هو ابن الحارث بن عبد الرحمن التميمي ، من شيوخ مسلم ، روى عنه في صحيحه ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وهو بكسر الميم وسكون النون وفتح الجيم وآخره باء موحدة .
(64) سياق العبارة : "فزادهم الله بما أحدث من حدوده .
.
.
من الشك والحيرة .
.
.
إلى المرض والشك الذي كان في قلوبهم .
.
.
" .
(65) الأخبار : 329 - 333 : هي تمام الآثار السالفة : 322 - 328 .
(66) في المطبوعة : "فصرف مؤلم .
.
" .
(67) الأصمعيات : 43 ، ويأتي في تفسير آية سورة يونس : 1 (11 : 58 بولاق) .
وريحانة : هي بنت معديكرب ، أخت عمرو بن معديكرب ، وهي أم دريد بن الصمة ، وكان أبوه الصمة ، سباها وتزوجها .
(الأغاني 10 : 4) .
(68) ديوانه : 592 .
وقوله"ونرفع من صدور .
.
" أي نستحثها في السير ، والإبل إذا أسرعت رفعت من صدورها .
وشمردلات جمع شمردلة : وهي الناقة الحسنة الجميلة الخلق الفتية السريعة .
وقوله"يصد وجوهها" أي يستقبل وجوهها ويضربها وهج أليم ، فتصد وجوهها أي تلويها كالمعرضة عن لذعته .
ورواية ديوانه : "يصك" ، وصكة صكة : ضربة ضربة شديدة .
والوهج : حرارة الشمس ، أو حرارة النار من بعيد .
(69) الأثر 335- يعقوب : هو ابن إبراهيم الدورقي الحافظ .
هشيم - بضم الهاء : هو ابن بشير ، بفتح الباء وكسر الشين المعجمة ، بن القاسم ، أبو معاوية الواسطي ، إمام حافظ كبير ، روى عنه الأئمة : أحمد وابن المديني وغيرهما ، وقال عبد الرحمن بن مهدي : "كان هشيم أحفظ للحديث من سفيان الثوري" .
ومعنى هذا الأثر مضمن في الذي بعده : 336 .
(70) الأثر 336- ذكره السيوطي 1 : 30 .
وأشار إليه الشوكاني 1 : 30 .
(71) في المطبوعة : "اختلفت القراء" ، والقَرَأَة : جمع قارئ ، وانظر ما مضى ، 51 تعليق ، وص 64 تعليق : 4 ، وص 109 تعليق : 1 .
(72) في المطبوعة : "قراءة معظم أهل الكوفة" ، و"قراءة معظم أهل المدينة .
.
.
" ، وعظم الناس : معظمهم وأكثرهم .
وانظر التعليق السالف ، ثم ص 109 تعليق : 1 .
(73) في المطبوعة : "في قلوبهم شك ، أي نفاق وريبة" .
والذي في المخطوطة أصح .
(74) في المطبوعة : "فهذا مع دلالة الآية الأخرى .
.
" ، ولم يأت في الجملة خبر قوله"فهذا" ، والذي في المخطوطة هو الصواب .
قوله تعالى : في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون[ ص: 192 ] قوله تعالى : في قلوبهم مرض ابتداء وخبر .
والمرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم .
وذلك إما أن يكون شكا ونفاقا ، وإما جحدا وتكذيبا .
والمعنى : قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد .
قال ابن فارس اللغوي : المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر .
والقراء مجمعون على فتح الراء من ( مرض ) إلا ما روى الأصمعي عن أبي عمرو أنه سكن الراء .قوله تعالى : فزادهم الله مرضا قيل : هو دعاء عليهم .
ويكون معنى الكلام : زادهم الله شكا ونفاقا جزاء على كفرهم وضعفا عن الانتصار وعجزا عن القدرة ، كما قال الشاعر :يا مرسل الريح جنوبا وصبا إذ غضبت زيد فزدها غضباأي لا تهدها على الانتصار فيما غضبت منه .
وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدعاء على المنافقين والطرد لهم ; لأنهم شر خلق الله .
وقيل : هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم ، أي فزادهم الله مرضا إلى مرضهم ، كما قال في آية أخرى : فزادتهم رجسا إلى رجسهم .
وقال أرباب المعاني : في قلوبهم مرض أي بسكونهم إلى الدنيا وحبهم لها وغفلتهم عن الآخرة وإعراضهم عنها .
وقوله : فزادهم الله مرضا أي وكلهم إلى أنفسهم ، وجمع عليهم هموم الدنيا فلم يتفرغوا من ذلك إلى اهتمام بالدين .
ولهم عذاب أليم بما يفنى عما يبقى .
وقال الجنيد : علل القلوب من اتباع الهوى ، كما أن علل الجوارح من مرض البدن .قوله تعالى : ولهم عذاب أليم ( أليم ) في كلام العرب معناه مؤلم أي موجع ، مثل السميع بمعنى المسمع ، قال ذو الرمة يصف إبلا :ونرفع من صدور شمردلات يصك وجوهها وهج أليموآلم إذا أوجع .
والإيلام : الإيجاع .
والألم : الوجع ، وقد ألم يألم ألما .
والتألم : التوجع .
ويجمع أليم على ألماء مثل كريم وكرماء ، وآلام مثل أشراف .قوله تعالى : بما كانوا يكذبون ما مصدرية ، أي بتكذيبهم الرسل وردهم على الله جل وعز وتكذيبهم بآياته ، قاله أبو حاتم .
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف ، ومعناه بكذبهم وقولهم آمنا وليسوا بمؤمنين .مسألة : واختلف العلماء في إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع علمه بنفاقهم على أربعة أقوال :القول الأول : قال بعض العلماء : إنما لم يقتلهم ; لأنه لم يعلم حالهم أحد سواه .
وقد اتفق العلماء على بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه ، وإنما اختلفوا في سائر الأحكام .
قال ابن العربي : وهذا منتقض ، فقد قتل بالمجذر بن زياد الحارث بن سويد بن الصامت ; لأن المجذر قتل أباه سويدا يوم بعاث ، فأسلم الحارث وأغفله يوم أحد فقتله ، فأخبر به جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقتله به ; لأن قتله كان غيلة ، وقتل الغيلة حد من حدود الله .قلت : وهذه غفلة من هذا الإمام ; لأنه إن ثبت الإجماع المذكور فليس بمنتقض بما ذكر ; لأن الإجماع لا ينعقد ولا يثبت إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي ، وعلى هذا فتكون تلك قضية في عين بوحي ، فلا يحتج بها أو منسوخة بالإجماع .
والله أعلم .القول الثاني : قال أصحاب الشافعي : إنما لم يقتلهم لأن الزنديق وهو الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان يستتاب ولا يقتل .
قال ابن العربي : وهذا وهم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستتبهم ولا نقل ذلك أحد ، ولا يقول أحد إن استتابة الزنديق واجبة ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم مع علمه بهم .
فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال : إن استتابة الزنديق جائزة قال قولا لم يصح لأحد .القول الثالث : إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه ، وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله لعمر : معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي أخرجه [ ص: 194 ] البخاري ومسلم .
وقد كان يعطي للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم تألفا ، وهذا هو قول علمائنا وغيرهم .
قال ابن عطية .
وهي طريقة أصحاب مالك رحمه الله في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ، نص على هذا محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل الأبهري وابن الماجشون ، واحتج بقوله تعالى : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض إلى قوله : وقتلوا تقتيلا .
قال قتادة : معناه إذا هم أعلنوا النفاق .
قال مالك رحمه الله : النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم ، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة ، وهو أحد قولي الشافعي .
قال مالك : وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه ; إذ لم يشهد على المنافقين .
قال القاضي إسماعيل : لم يشهد على عبد الله بن أبي إلا زيد بن أرقم وحده ، ولا على الجلاس بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه ، ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل .
وقال الشافعي رحمه الله محتجا للقول الآخر : السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن بالإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه .
وبه قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وغيرهم .قال الشافعي وأصحابه .
وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم ; لأن ما يظهرونه يجب ما قبله .
وقال الطبري : جعل الله تعالى الأحكام بين عباده على الظاهر ، وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه ، فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر ; لأنه حكم بالظنون ، ولو كان ذلك لأحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا ، ووكل سرائرهم إلى الله .
وقد كذب الله ظاهرهم في قوله : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون قال ابن عطية : ينفصل المالكيون عما لزموه من هذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم فيها ، وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموص عليه بالنفاق ، وبقي لكل واحد منهم أن يقول : لم أرد بها وما أنا إلا مؤمن ، ولو عين أحد لما جب كذبه شيئا .
قلت : هذا الانفصال فيه نظر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أو كثيرا منهم بأسمائهم [ ص: 195 ] وأعيانهم بإعلام الله تعالى إياه ، وكان حذيفة يعلم ذلك بإخبار النبي عليه السلام إياه حتى كان عمر رضي الله عنه يقول له : يا حذيفة هل أنا منهم ؟
فيقول له : لا .القول الرابع : وهو أن الله تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيه عليه السلام بكونه ثبتهم أن يفسدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم فلم يكن في تبقيتهم ضرر ، وليس كذلك اليوم ; لأنا لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا وجهالنا .
وقوله: { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } والمراد بالمرض هنا: مرض الشك والشبهات والنفاق، لأن القلب يعرض له مرضان يخرجانه عن صحته واعتداله: مرض الشبهات الباطلة, ومرض الشهوات المردية، فالكفر والنفاق والشكوك والبدع, كلها من مرض الشبهات، والزنا, ومحبة [الفواحش و]المعاصي وفعلها, من مرض الشهوات ، كما قال تعالى: { فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } وهي شهوة الزنا، والمعافى من عوفي من هذين المرضين, فحصل له اليقين والإيمان, والصبر عن كل معصية, فرفل في أثواب العافية.
وفي قوله عن المنافقين: { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } بيان لحكمته تعالى في تقدير المعاصي على العاصين, وأنه بسبب ذنوبهم السابقة, يبتليهم بالمعاصي اللاحقة الموجبة لعقوباتها كما قال تعالى: { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } وقال تعالى: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } وقال تعالى: { وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ } فعقوبة المعصية, المعصية بعدها, كما أن من ثواب الحسنة, الحسنة بعدها، قال تعالى: { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى }
{في قلوبهم مرض}: شك ونفاق، وأصل المرض الضعف.
وسمي الشك في الدين مرضاً لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف البدن.
{فزادهم الله مرضاً}: لأن الآيات كانت تنزل تترى، آية بعد آية، كلما كفروا بآية ازدادوا كفراً ونفاقاً وذلك معنى قوله تعالى: {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم} [125-التوبة].
وقرأ ابن عامر وحمزة فـ(زادهم) بالإمالة، وزاد حمزة إمالة (زاد) حيث وقع و(زاغ) و(خاب) و(طاب) و(حاق) و(ضاق)، والآخرون لا يميلونها.
{ولهم عذاب أليم}: مؤلم يخلص وجعه إلى قلوبهم.
{بما كانوا يكذبون}: ما للمصدر أي بتكذيبهم الله ورسوله في السر.
قرأ الكوفيون (يكذبون) بالتخفيف أي بكذبهم (إذ) قالوا آمنا وهم غير مؤمنين.
«في قلوبهم مرض» شك ونفاق فهو يمرض قلوبهم أي يضعفها «فزادهم الله مرضاً» بما أنزله من القرآن لكفرهم به «ولهم عذاب أليم» مؤلم «بما كانوا يُكذّبوِن» بالتشديد أي: نبي الله، وبالتخفيف أي قولهم آمنا.
في قلوبهم شكٌّ وفساد فابْتُلوا بالمعاصي الموجبة لعقوبتهم، فزادهم الله شكًا، ولهم عقوبة موجعة بسبب كذبهم ونفاقهم.
ثم بين - سبحانه - العلة في خداعهم لله وللمؤمنين فقال : ( فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ) .والمرض : العلة في البدن ونقيضه الصحة ، وقد يستعمل على وجه الاستعارة فيما يعرض للمرء فيخل بكمال نفسه ، كسوء العقيدة والحسد ، والبغضاء والنفاق ، وهو المراد هنا .وسمي ما هم فيه من نفاق وكفر مرضا ، لكونه مانعا لهم من إدراك الفضائل .
كما أن مرض الأبدان يمنعها من التصرف الكامل .وجعل القرآن قلوبهم ظرفا للمرض ، للإٍشعار بأنه تمكن منها تمكناً شديداً كما يتمكن الظرف من المظروف فيه .ثم أخبر - سبحانه - بأنهم بسبب سوء أعمالهم قد زادهم الله ضلالا وخسراً فقال : ( فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً ) .لأنهم استمروا في نفاقهم وشكهم ، ومن سنة الله أن المريض إذا لم يعالج مرضه زاد لا محالة مرضه ، إذ المرض ينشئ المرض ، والانحراف يبدأ يسيراً ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد .والمعنى : أن هؤلاء المنافقين قد زادهم رجساً على رجسهم ، ومرضا على مرضهم ، وحسدا على حسدهم ، لأنهم عموا وصموا عن الحق ، ولأنهم كانوا يحزنون لأي نعمة تنزل بالمؤمنين .
كما قال - تعالى : ( إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا ) ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال : ( وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) .( أَلِيمٌ ) أي : مؤلم وموجع وجعاً شديدا .
من ألم - كفرح - فهو ألم ، وآلمه يؤلمه إيلاما ، أي : أوجعه إيجاعاً شديدا .والكذب : الإِخبار عن الشيء بخلاف الواقع .
ولقد كان المنافقون كاذبين في قولهم " آمنا بالله وباليوم الآخر " وهم غير مؤمنين ، وجعلت الآية الكريمة العذاب الأليم مرتبا على كذبهم مع أنهم كفرة ، والكفر أكبر معصية من الكذب ، للإشعار بقبح الكذب ، وللتنفير منه بأبلغ وجه ، فهؤلاء المنافقون قد جمعوا الخستين ، الكفر الذي توعد الله مرتكبه بالعذاب العظيم ، والكذب الذي توعد الله مقترفة بالعقاب الأليم .وعبر بقوله : ( كَانُوا يَكْذِبُون ) لإفادة تجدد الكذب وحدوثه منهم حيناً بعد حين ، وأن هذه الصفة هي أخص صفاتهم ، وأبرز جرائمهم .
اعلم أن الله تعالى من قبائح المنافقين أربعة أشياء: أحدها: ما ذكره في هذه الآية، وهو أنهم ﴿ يخادعون الله والذين ءَامَنُوا ﴾ فيجب أن يعلم أولاً: ما المخادعة، ثم ثانياً: ما المراد، بمخادعة الله؟
وثالثاً: أنهم لماذا كانوا يخادعون الله؟
ورابعاً: أنه ما المراد بقوله وما يخدعون إلا أنفسهم؟.
المسألة الأولى: اعلم أنه لا شبهة في أن الخديعة مذمومة، والمذموم يجب أن يميز من غيره لكي لا يفعل، وأصل هذه اللفظة الإخفاء، وسميت الخزانة المخدع، والأخدعان عرقان في العنق لأنهما خفيان.
وقالوا: خدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً، وطريق خيدع وخداع، إذا كان مخالفاً للمقصد بحيث لا يفطن له، ومنه المخدع.
وأما حدها فهو إظهار ما يوهم السلامة والسداد، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير والتخلص منه، فهو بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسنة، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين؛ لأن الدين يوجب الاستقامة والعدول عن الغرور والإساءة، كما يوجب المخالصة لله تعالى في العبادة، ومن هذا الجنس وصفهم المرائي بأنه مدلس إذا أظهر خلاف مراده، ومنه أخذ التدليس في الحديث، لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع؛ وإذا أعلن ذلك لا يقال إنه مدلس.
المسألة الثانية: وهي أنهم كيف خادعوا الله تعالى؟
فلقائل أن يقول: إن مخادعة الله تعالى ممتنعة من وجهين: الأول: أنه تعالى يعلم الضمائر والسرائر فلا يجوز أن يخادع، لأن الذي فعلوه لو أظهروا أن الباطن بخلاف الظاهر لم يكن ذلك خداعاً، فإذا كان الله تعالى لا يخفي عليه البواطن لم يصح أن يخادع.
الثاني: أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة الله تعالى، فثبت أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره بل لابد من التأويل وهو من وجهين: الأول: أنه تعالى ذكر نفسه وأراد به رسولة على عادته في تفخيم وتعظيم شأنه.
قال: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ﴾ وقال في عكسه ﴿ واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾ أضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه فالمنافقون لما خادعوا الرسول قيل إنهم خادعوا الله تعالى.
الثاني: أن يقال صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يخادع، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع الله معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم.
المسألة الثالثة: فهي في بيان الغرض من ذلك الخداع وفيه وجوه: الأول: أنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يجرونهم في التعظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان وإن أسروا خلافه فمقصودهم من الخداع هذا.
الثاني: يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أسراره، وإفشاء المؤمنين أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم من الكفار.
الثالث: أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار مثل القتل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» الرابع: أنهم كانوا يطمعون في أموال الغنائم، فإن قيل: فالله تعالى كان قادراً على أن يوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم كيفية مكرهم وخداعهم، فلم لم يفعل ذلك هتكاً لسترهم؟
قلنا: إنه تعالى قادر على استئصال إبليس وذريته ولكنه تعالى أبقاهم وقواهم، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد أو لحكمة لا يطلع عليها إلا هو.
فإن قيل هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح؟
قلنا قال صاحب الكشاف وجهه أن يقال: عنى به فعلت إلا أنه أخرج في زنة فاعلت، لأن الزنة في أصلها للمبالغة والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب، لزيادة قوة الداعي إليه، ويعضده قراءة أبي حيوة يخدعون الله ثم قال: ﴿ يخادعون ﴾ بياناً ليقول ويجوز أن يكون مستأنفاً كأنه قيل ولِمَ يدَّعون الإيمان كاذبين.
وما نفعهم فيه؟
فقيل ﴿ يخادعون ﴾ .
المسألة الرابعة: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمر وما يخادعون والباقون يخدعون وحجة الأولين: مطابقة اللفظ حتى يكون مطابقاً للفظ الأول، وحجة الباقين أن المخادعة إنما تكون بين اثنين، فلا يكون الإنسان الواحد مخادعاً لنفسه، ثم ذكروا في قوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ ﴾ وجهين: الأول: أنه تعالى يجازيهم على ذلك ويعاقبهم عليه فلا يكونون في الحقيقة خادعين إلا أنفسهم عن الحسن.
والثاني: ما ذكره أكثر المفسرين، وهو أن وبال ذلك راجع إليهم في الدنيا، لأن الله تعالى كان يدفع ضرر خداعهم عن المؤمنين ويصرفه إليهم، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ المنافقين يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء ﴾ ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً ﴾ ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴾ ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ ﴿ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ وبقي في الآية بعد ذلك أبحاث.
أحدها: قرئ وما يخادعون من أخدع ويخدعون بفتح الياء بمعنى يختدعون ويخدعون ويخادعون على لفظ ما لم يسم فاعله.
وثانيها: النفس ذات الشيء وحقيقته، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ والمراد بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لا يعدوهم إلى غيرهم.
وثالثها: أن الشعور علم الشيء إذا حصل بالحس، ومشاعر الإنسان حواسه، والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، لكنهم لتماديهم في الغفلة كالذي لا يحس.
أما قوله تعالى: ﴿ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ فاعلم أن المرض صفة توجب وقوع الضرر في الأفعال الصادرة عن موضع تلك الصفة، ولما كان الأثر الخاص بالقلب إنما هو معرفة الله تعالى وطاعته وعبوديته، فإذا وقع في القلب من الصفات ما صار مانعاً من هذه الآثار كانت تلك الصفات أمراضاً للقلب.
فإن قيل: الزيادة من جنس المزيد عليه، فلو كان المراد من المرض هاهنا الكفر والجهل لكان قوله: ﴿ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا ﴾ محمولاً على الكفر والجهل، فيلزم أن يكون الله تعالى فاعلاً للكفر والجهل.
قالت المعتزلة: لا يجوز أن يكون مراد الله تعالى منه فعل الكفر والجهل لوجوه: أحدها: أن الكفار كانوا في غاية الحرص على الطعن في القرآن، فلو كان المعنى ذلك لقالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: إذا فعل الله الكفر فينا، فكيف تأمرنا بالإيمان؟
وثانيها: أنه تعالى لو كان فاعلاً للكفر لجاز منه إظهار المعجزة على يد الكذاب، فكان لا يبقى كون القرآن حجة فكيف نتشاغل بمعانيه وتفسيره.
وثالثها: أنه تعالى ذكر هذه الآيات في معرض الذم لهم على كفرهم فكيف يذمهم على شيء خلقه فيهم.
ورابعها: قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فإن كان الله تعالى خلق ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم، فأي ذنب لهم حتى يعذبهم؟.
وخامسها: أنه تعالى أضافه إليهم بقوله: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ وعلى هذا وصفهم تعالى بأنهم مفسدون في الأرض، وأنهم هم السفهاء، وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، إذا ثبت هذا فنقول: لابد من التأويل وهو من وجوه: الأول: يحمل المرض على الغم، لأنه يقال مرض قلبي من أمر كذا، والمعنى أن المنافقين مرضت قلوبهم لما رأوا ثبات أمر النبي صلى الله عليه وسلم واستعلاء شأنه يوماً فيوماً.
وذلك كان يؤثر في زوال رياستهم، كما روي أنه عليه السلام مر بعبد الله بن أبي بن سلول على حمار، فقال له نح حمارك يا محمد فقد آذتني ريحه، فقال له بعض الأنصار اعذره يا رسول الله، فقد كنا عزمنا على أن نتوجه الرياسة قبل أن تقدم علينا: فهؤلاء لما اشتد عليهم الغم وصف الله تعالى ذلك فقال: ﴿ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا ﴾ أي زادهم الله غماً على غمهم بما يزيد في إعلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم شأنه.
الثاني: أن مرضهم وكفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكاليف، فهو كقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ فَزَادَهُمُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ والسورة لم تفعل ذلك، ولكنهم لما ازدادوا رجساً عند نزولها لما كفروا بها قيل ذلك، وكقوله تعالى حكاية عن نوح ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِىٓ إِلَّا فِرَارًا ﴾ والدعاء لم يفعل شيئاً من هذا، ولكنهم ازدادوا فراراً عنده، وقال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي وَلاَ تَفْتِنّى ﴾ والنبي عليه السلام إن لم يأذن له لم يفتنه، ولكنه كان يفتتن عند خروجه فنسبت الفتنة إليه ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً ﴾ وقال: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ وقولك لمن وعظته فلم يتعظ وتمادى في فساده: ما زادتك موعظتي إلا شراً، ومازادتك إلا فساداً فكذا هؤلاء المنافقون لما كانوا كافرين ثم دعاهم الله إلى شرائع دينه فكفروا بتلك الشرائع وازدادوا بسبب ذلك كفراً لا جرم أضيفت زيادة كفرهم إلى الله.
الثالث: المراد من قوله: ﴿ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا ﴾ المنع من زيادة الألطاف، فيكون بسبب ذلك المنع خاذلاً لهم وهو كقوله: ﴿ قاتلهم الله أنى يُؤْفَكُونَ ﴾ الرابع: أن العرب تصف فتور الطرف بالمرض، فيقولون: جارية مريضة الطرف.
قال جرير: إن العيون التي في طرفها مرض *** قتلننا ثم لم يحيين قتلانا فكذا المرض هاهنا إنما هو الفتور في النية، وذلك لأنهم في أول الأمر كانت قلوبهم قوية على المحاربة والمنازعة وإظهار الخصومة، ثم انكسرت شوكتهم فأخذوا في النفاق بسبب ذلك الخوف والإنكسار، فقال تعالى: ﴿ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا ﴾ أي زادهم ذلك الانكسار والجبن والضعف، ولقد حقق الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين ﴾ الخامس: أن يحمل المرض على ألم القلب، وذلك أن الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه، فإذا دام به ذلك فربما صار ذلك سبباً لغير مزاج القلب وتألمه، وحمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته، فكان أولى من سائر الوجوه.
أما قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قال صاحب الكشاف: ألم فهو أليم، كوجع فهو وجيع، ووصف العذاب به فهو نحو قوله: تحية بينهم ضرب وجيع.
وهذا على طريقة قولهم: جد جده، والألم في الحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد، أما قوله: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ ففيه أبحاث.
أحدها: أن الكذب هو الخبر عن شيء على خلاف ما هو به والجاحظ لا يسميه كذباً إلا إذا علم المخبر كون المخبر عنه مخالفاً للخبر، وهكذا الآية حجة عليه.
وثانيها: أن قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ صريح في أن كذبهم علة للعذاب الأليم، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حراماً فأما ما روي أن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات، فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به.
وثالثها: في هذه الآية قراءتان: إحداهما: ﴿ يَكْذِبُونَ ﴾ والمراد بكذبهم قوله: ﴿ بالله وباليوم الآخر ﴾ .
والثانية: يكذبون من كذبه الذي هو نقيض صدقه، ومن كذب الذي هو مبالغة في كذب، كما بولغ في صدق فقيل صدق.
<div class="verse-tafsir"
افتتح سبحانه بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ووافق سرهم علنهم وفعلهم قولهم.
ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً قلوباً وألسنة.
ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وأبطنوا خلاف ما أظهروا وهم الذين قال فيهم: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء ﴾ [النساء: 143] وسماهم المنافقين، وكانوا أخبث الكفرة وأبغضهم إليه وأمقتهم عنده؛ لأنهم خلطوا بالكفر تمويهاً وتدليساً، وبالشرك استهزاء وخداعاً.
ولذلك أنزل فيهم ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الاسفل مِنَ النار ﴾ [النساء: 145] ووصف حال الذين كفروا في آيتين، وحال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ومكرهم، وفضحهم وسفههم، واستجهلهم واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، وسجل بطغيانهم، وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً، وضرب لهم الأمثال الشنيعة.
وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة.
وأصل (ناس) أناس، حذفت همزته تخفيفاً كما قيل: لوقة، في ألوقة.
وحذفها مع لام التعريف كاللازم لا يكاد يقال الأناس.
ويشهد لأصله إنسان وأناس وأناسى وإنس.
وسموا لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون، كما سمي الجنّ لاجتنانهم.
ولذلك سموا بشراً.
ووزن ناس فعال؛ لأن الزنة على الأصول.
ألا تراك تقول في وزن (قه) افعل، وليس معك إلا العين وحدها؟
وهو من أسماء الجمع كرخال.
وأما نويس فمن المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان ورويجل.
ولام التعريف فيه للجنس.
ويجوز أن تكون للعهد، والإشارة إلى الذين كفروا المارّ ذكرهم؛ كأنه قيل: ومن هؤلاء من يقول.
وهم عبد الله بن أبيّ وأصحابه ومن كان في حالهم من أهل التصميم على النفاق.
ونظير موقعه موقع القوم في قولك: نزلت ببني فلان فلم يقروني والقوم لئام.
ومن في ﴿ مَن يَقُولُ ﴾ موصوفة، كأنه قيل: ومن الناس ناس يقولون كذا، كقوله: ﴿ مّنَ المؤمنين رِجَالٌ ﴾ [الفتح: 25] إن جعلت اللام للجنس.
وإن جعلتها للعهد فموصولة، كقوله: ﴿ وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى ﴾ [التوبة: 61] .
فإن قلت: كيف يجعلون بعض أولئك والمنافقون غير المختوم على قلوبهم؟
قلت: الكفر جمع الفريقين معاً وصيرهم جنساً واحداً.
وكون المنافقين نوعاً من نوعي هذا الجنس- مغايراً للنوع الآخر بزيادة زادوها على الكفر الجامع بينهما من الخديعة والاستهزاء- لا يخرجهم من أن يكونوا بعضاً من الجنس؛ فإن الأجناس إنما تنوّعت لمغايرات وقعت بين بعضها وبعض.
وتلك المغايرات إنما تأتي بالنوعية ولا تأبى الدخول تحت الجنسية.
فإن قلت: لم اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر؟
قلت: اختصاصهما بالذكر كشف عن إفراطهم في الخبث وتماديهم في الدعارة؛ لأن القوم كانوا يهوداً، وإيمان اليهود بالله ليس بإيمان، لقولهم: ﴿ عُزَيْرٌ ابن الله ﴾ [التوبة: 30] .
وكذلك إيمانهم باليوم الآخر، لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته، فكان قولهم: ﴿ ءَامَنَّا بالله وباليوم الآخر ﴾ خبثاً مضاعفاً وكفراً موجهاً، لأن قولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق وعقيدتهم عقيدتهم، فهو كفر لا إيمان.
فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة للمسلمين واستهزاء بهم، وأروهم أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي، كان خبثاً إلى خبث، وكفراً إلى كفر.
وأيضاً فقد أوهموا في هذا المقال أنهم اختاروا الإيمان من جانبيه، واكتنفوه من قطريه، وأحاطوا بأوّله وآخره.
وفي تكرير الباء أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام.
فإن قلت: كيف طابق قوله: ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ قولهم: ﴿ ءَامَنَّا بالله وباليوم الآخر ﴾ والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل؟
قلت: القصد إلى إنكار ما ادعوه ونفيه، فسلك في ذلك طريق أدّى إلى الغرض المطلوب.
وفيه من التوكيد والمبالغة ما ليس في غيره، وهو إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن تكون طائفة من طوائف المؤمنين، لما علم من حالهم المنافية لحال الداخلين في الإيمان.
وإذا شهد عليهم بأنهم في أنفسهم على هذه الصفة، فقد انطوى تحت الشهادة عليهم بذلك نفى ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل البت والقطع.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا ﴾ [المائدة: 37] هو أبلغ من قولك: وما يخرجون منها.
فإن قلت: فلم جاء الإيمان مطلقاً في الثاني وهو مقيد في الأوّل؟
قلت: يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه، وأن يراد بالإطلاق أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر، ولا من الإيمان بغيرهما.
فإن قلت: ما المراد باليوم الآخر؟
قلت: يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حدّ له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع، لتأخره عن الأوقات المنقضية.
وأن يراد الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة الذي لا حدّ للوقت بعده.
والخدع: أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه.
من قولهم: ضب خادع وخدع، إذا أمر الحارش يده على باب جحره أوهمه إقباله عليه، ثم خرج من باب آخر.
فإن قلت: كيف ذلك ومخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا تخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنون وإن جاز أن يخدعوا لم يجز أن يخدعوا، ألا نرى إلى قوله: واستمطروا مِنْ قُرَيْشٍ كلَّ مِنْخدِعِ وقول ذي الرمّة: إنَّ الحَليمَ وذَا الإِسْلامِ يُخْتَلَبُ فقد جاء النعت بالانخداع ولم يأت بالخدع.
قلت: فيه وجوه.
أحدها: أن يقال كانت صورة صنعهم مع الله حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون، صورة صنع الخادعين.
وصورة صنع الله معهم- حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد شرار الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار- صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامهم عليهم.
والثاني: أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه؛ لأن من كان ادعاؤه الإيمان بالله نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، ولا أن لذاته تعلقاً بكل معلوم، ولا أنه غني عن فعل القبائح؛ فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله في زعمه مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، وتجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم.
والثالث: أن يذكر الله تعالى ويراد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خليفته في أرضه، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده، كما يقال: قال الملك كذا ورسم كذا؛ وإنما القائل والراسم وزيره أو بعض خاصته الذين قولهم قوله ورسمهم رسمه.
مصداقه قوله: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ [الفتح: 10] وقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ [النساء: 80] .
والرابع: أن يكون من قولهم: أعجبني زيد وكرمه، فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله.
وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص، ولما كان المؤمنون من الله بمكان، سلك بهم ذلك المسلك.
ومثله: ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62] وكذلك: ﴿ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ [الأحزاب: 57] ونظيره في كلامهم: علمت زيداً فاضلاً، والغرض فيه ذكر إحاطة العلم بفضل زيد لا به نفسه؛ لأنه كان معلوماً له قديماً؛ كأنه قيل: علمت فضل زيد؛ ولكن ذكر زيد توطئة وتمهيد لذكر فضله.
فإن قلت: هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح؟
قلت: وجهه أن يقال: عنى به (فعلت) إلا أنه أخرج في زنة (فاعلت) لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه.
ويعضده قراءة من قرأ: ﴿ يخادعون الله والذين ءامَنُوا ﴾ وهو أبو حيوة.
و ﴿ يخادعون ﴾ بيان ليقول.
ويجوز أن يكون مستأنفاً كأنه قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين وما رفقهم في ذلك؟
فقيل يخادعون.
فإن قلت: عمّ كانوا يخادعون؟
قلت: كانوا يخادعونهم عن أغراض لهم ومقاصد منها متاركتهم وإعفاؤهم عن المحاربة، وعما كانوا يطرقون به من سواهم من الكفار.
ومنها اصطناعهم بما يصطنعون به المؤمنين من إكرامهم والإحسان إليهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم ونحو ذلك من الفوائد، ومنها اطلاعهم- لاختلاطهم بهم- على الأسرار التي كانوا حراصاً على إذاعتها إلى منابذيهم.
فإن قلت: فلو أظهر عليهم حتى لا يصلوا إلى هذه الأغراض بخداعهم عنها.
قلت: لم يظهر عليهم لما أحاط به علماً من المصالح التي لو أظهر عليهم لانقلبت مفاسد واستبقاء إبليس وذرّيته ومتاركتهم وما هم عليه من إغواء المنافقين وتلقينهم النفاق أشدّ من ذلك.
ولكن السبب فيه ما علمه تعالى من المصلحة.
فإن قلت: ما المراد بقوله: ﴿ وَمَا يَخادعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ ﴾ ؟
قلت: يجوز أن يراد: وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم، ومكرها يحيق بهم، كما تقول: فلان يضارّ فلاناً وما يضارّ إلا نفسه، أي: دائرة الضرار راجعة إليه وغير متخطية إياه، وأن يراد حقيقة المخادعة أي: وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل ويكذبونها فيما يحدثونها به، وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدّثهم بالأماني، وأن يراد: وما يخدعون فجيء به على لفظ (يفاعلون) للمبالغة.
وقرئ: ﴿ وما يخدعون ﴾ ، ويخدعون من خدع.
ويخدعون- بفتح الياء- بمعنى يخدعون.
ويخدعون.
ويخادعون على لفظ ما لم يسم فاعله.
والنفس: ذات الشيء وحقيقته.
يقال عندي كذا نفساً.
ثم قيل للقلب: نفس؛ لأن النفس به.
ألا ترى إلى قولهم: المرء بأصغريه.
وكذلك بمعنى الروح، وللدم نفس؛ لأن قوامها بالدم.
وللماء نفس؛ لفرط حاجتها إليه.
قال الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْء حَي ﴾ [الأنبياء: 30] وحقيقة نفس الرجل بمعنى عين أصيبت نفسه، كقولهم: فلان يؤامر نفسيه- إذا تردّد في الأمر اتجه له رأيان وداعيان لا يدري على أيهما يعرج كأنهم أرادوا داعيي النفس، وهاجسي النفس فسموهما: نفسين، إما لصدورهما عن النفس، وإما لأن الداعيين لما كانا كالمشيرين عليه والآمرين له، شبهوهما بذاتين فسموهما نفسين.
والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم.
والمعنى بمخادعتهم ذواتهم؛ أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم ولا يتخطاهم إلى من سواهم.
ويجوز أن يراد قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم.
والشعور علم الشيء علم حس من الشعار.
ومشاعر الإنسان: حواسه.
والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حسّ له.
واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة ومجازاً، فالحقيقة أن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض.
والمجاز أن يستعار لبعض أعراض القلب، كسوء الاعتقاد، والغل، والحسد والميل إلى المعاصي، والعزم عليها، واستشعار الهوى، والجبن، والضعف، وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض كما استعيرت الصحة والسلامة في نقائض ذلك.
والمراد به هنا ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد والكفر، أو من الغل والحسد والبغضاء، لأن صدورهم كانت تغلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين غلا وحنقاً ويبغضونهم البغضاء التي وصفها الله تعالى في قوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ [آل عمران: 118] ويتحرقون عليهم حسداً ﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ [آل عمران: 120] وناهيك مما كان من ابن أبيّ وقول سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك» .
أو يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخور، لأن قلوبهم كانت قوية، إما لقوة طمعهم فيما كانوا يتحدثون به: أن ريح الإسلام تهب حيناً ثم تسكن ولواءه يخفق أياماً ثم يقرّ، فضعفت حين ملكها اليأس عند إنزال الله على رسوله النصر وإظهار دين الحق على الدين كله.
وإما لجراءتهم وجسارتهم في الحروب فضعفت جبناً وخوراً حين قذف الله في قلوبهم الرعب وشاهدوا شوكة المسلمين وإمداد الله لهم بالملائكة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» ومعنى زيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فسمعوه كفروا به فازدادوا كفراً إلى كفرهم، فكأن الله هو الذي زادهم ما ازدادوه إسناداً للفعل إلى المسبب له، كما أسنده إلى السورة في قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ [التوبة: 125] لكونها سبباً.
أو كلما زاد رسوله نصرة وتبسطاً في البلاد ونقصاً من أطراف الأرض ازدادوا حسداً وغلا وبغضاً وازدادت قلوبهم ضعفاً وقلة طمع فيما عقدوا به رجاءهم وجبناً وخوراً.
ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع.
وقرأ أبو عمر في رواية الأصمعي: مرْض، ومرْضاً، بسكون الراء؛ يقال: ألم فهو ﴿ أَلِيمٌ ﴾ كوجع فهو وجيع ووصف العذاب به نحو قوله: تحِيَّةُ بَيْنَهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ وهذا على طريقة قولهم: جدّ جدّه.
والألم في الحقيقة للمؤلم كما أنّ الجدّ للجادّ.
والمراد بكذبهم قولهم آمنا بالله وباليوم الآخر.
وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته، وتخييل أن العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ مّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ ﴾ [نوح: 71] والقوم كفرة.
وإنما خصت الخطيآت استعظاماً لها وتنفيراً عن ارتكابها.
والكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به وهو قبيح كله.
وأمَّا مَا يروى عن إبراهيم عليه السلام «أنه كذب ثلاث كذبات» .
فالمراد التعريض.
ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمى به.
وعن أبي بكر رضي الله عنه وروى مرفوعاً: «إياكم والكذب فإنه مجانب للإيمان» وقرئ؛ ﴿ يكذبون ﴾ ، من كذبه الذي هو نقيض صدقه؛ أو من كذّب الذي هو مبالغة في كذب، كما بولغ في صدق فقيل: صدّق.
ونظيرهما: بان الشيء وبين، وقلص الثوب وقلص.
أو بمعنى الكثرة كقولهم: موتت البهائم، وبركت الإبل، أو من قولهم: كذب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه؛ لأن المنافق متوقف متردّد في أمره، ولذلك قيل له مذبذب.
وقال عليه السلام: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ المَرَضُ حَقِيقَةٌ فِيما يَعْرِضُ لِلْبَدَنِ فَيُخْرِجُهُ عَنِ الِاعْتِدالِ الخاصِّ بِهِ ويُوجِبُ الخَلَلَ في أفْعالِهِ.
ومَجازٌ في الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي تُخِلُّ بِكَمالِها كالجَهْلِ وسُوءِ العَقِيدَةِ والحَسَدِ والضَّغِينَةِ وحُبِّ المَعاصِي، لِأنَّها مانِعَةٌ مِن نَيْلِ الفَضائِلِ، أوْ مُؤَدِّيَةٌ إلى زَوالِ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ الأبَدِيَّةِ.
والآيَةُ الكَرِيمَةُ تَحْتَمِلُهُما فَإنَّ قُلُوبَهم كانَتْ مُتَألِّمَةً تَحَرُّقًا عَلى ما فاتَ عَنْهم مِنَ الرِّياسَةِ، وحَسَدًا عَلى ما يَرَوْنَ مِن ثَباتِ أمْرِ الرَّسُولِ واسْتِعْلاءِ شَأْنِهِ يَوْمًا فَيَوْمًا، وزادَ اللَّهُ غَمَّهم بِما زادَ في إعْلاءِ أمْرِهِ وإشادَةِ ذِكْرِهِ، ونُفُوسُهم كانَتْ مَوْصُوفَةً بِالكُفْرِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ ومُعاداةِ النَّبِيِّ ونَحْوِها، فَزادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ بِالطَّبْعِ.
أوْ بِازْدِيادِ التَّكالِيفِ وتَكْرِيرِ الوَحْيِ وتَضاعُفِ النَّصْرِ، وكانَ إسْنادُ الزِّيادَةِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ إنَّهُ مُسَبِّبٌ مَن فَعَلَهُ وإسْنادُها إلى السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى فَزادَتْهم رِجْسًا لِكَوْنِها سَبَبًا.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمَرَضِ ما تَداخَلَ قُلُوبَهم مِنَ الجُبْنِ والخَوَرِ حِينَ شاهَدُوا شَوْكَةَ المُسْلِمِينَ وإمْدادِ اللَّهِ تَعالى لَهم بِالمَلائِكَةِ، وقَذَفَ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ وبِزِيادَتِهِ تَضْعِيفَهُ بِما زادَ لِرَسُولِ اللَّهِ نُصْرَةً عَلى الأعْداءِ وتَبَسُّطًا في البِلادِ.
﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ يُقالُ: ألِمَ فَهو ألِيمٌ كَوَجِعَ فَهو وجِيعٌ، وُصِفَ بِهِ العَذابُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: جَدَّ جَدُّهُ.
﴿ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ قَرَأها عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والمَعْنى بِسَبَبِ كَذِبِهِمْ أوْ بِبَدَلِهِ جَزاءً لَهم وهو قَوْلُهم آمَنّا.
وقَرَأ الباقُونَ ﴿ يَكْذِبُونَ ﴾ ، مِن كَذَبَهُ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقُلُوبِهِمْ، وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ.
أوْ مِن كَذَّبَ الَّذِي هو لِلْمُبالَغَةِ أوْ لِلتَّكْثِيرِ مِثْلَ بَيَّنَ الشَّيْءَ ومَوَّتَتِ البَهائِمُ.
أوْ مِن كَذَبَ الوَحْشِيُّ إذا جَرى شَوْطًا وقَفَ لِيَنْظُرَ ما وراءَهُ فَإنَّ المُنافِقَ مُتَحَيِّرٌ مُتَرَدِّدٌ.
والكَذِبُ: هو الخَبَرُ عَنِ الشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ.
وهو حَرامٌ كُلُّهُ لِأنَّهُ عَلَّلَ بِهِ اسْتِحْقاقَ العَذابِ حَيْثُ رُتِّبَ عَلَيْهِ.
وما رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَبَ ثَلاثَ كَذَباتٍ، فالمُرادُ التَّعْرِيضُ.
ولَكِنْ لَمّا شابَهُ الكَذِبَ في صُورَتِهِ سُمِّيَ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} أي شك ونفاق لأن الشك تردد بين الأمرين والمنافق متردد في الحديث مثل المنافق كمثل الشاة العاثرة بين الغنمين والمريض متردد بين الحياة والموت ولأن المرض ضد الصحة والفساد يقابل الصحة فصار المرض اسماً لكل فساد والشك والنفاق فساد في القلب {فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا} أي ضعفاً عن الانتصار وعجزاً عن الاقتدار وقيل المراد به خلق النفاق في حالة البقاء بخلق أمثاله كما عرف في زيادة الإيمان {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فعيل بمعنى مفعل أي مؤلم {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} كوفي أي بكذبهم في قولهم آمنا بالله وباليوم الآخر فما مع الفعل بمعنى
المصدر والكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به يكذبون غيرهم أي بتكذيبهم النبي عليه السلام فيما جاء به وقيل هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل صدق ونظيرهما بان الشيء وبين
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ المَرَضُ بِفَتْحِ الرّاءِ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ، وبِسُكُونِها كَما قَرَأ الأصْمَعِيُّ، عَنْ أبِي عُمَرَ، وعَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ حالَةٌ خارِجَةٌ عَنِ الطَّبْعِ، ضارَّةٌ بِالفِعْلِ، وعِنْدَ الأطِبّاءِ، يُقابِلُ الصِّحَّةَ، وهي الحالَةُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْها الأفْعالُ سَلِيمَةً، والمُرادُ مِنَ الأفْعالِ ما هو مُتَعارَفٌ، وهي إمّا طَبِيعِيَّةٌ كالنُّمُوِّ، أوْ حَيَوانِيَّةٌ كالنَّفْسِ، أوْ نَفْسانِيَّةٌ كَجَوْدَةِ الفِكْرِ، فالحَوْلُ والحَدَبُ مَثَلًا مَرَضٌ عِنْدَهم دُونَ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَدْ يُطْلَقُ المَرَضُ لُغَةً عَلى أثَرِهِ، وهو الألَمُ، كَما قالَهُ جَمْعٌ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِمْ، وعَلى الظُّلْمَةِ كَما في قَوْلِهِ: فِي لَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ فَما يُحَسُّ بِها نَجْمٌ ولا قَمَرُ وعَلى ضَعْفِ القَلْبِ، وفُتُورِهِ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى ما يُعَرِّضُ المَرْءَ مِمّا يُخِلُّ بِكَمالِ نَفْسِهِ كالبَغْضاءِ، والغَفْلَةِ، وسُوءِ العَقِيدَةِ والحَسَدِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَوانِعِ الكَمالاتِ المُشابِهَةِ لِاخْتِلالِ البَدَنِ، المانِعِ عَنِ المَلاذِّ، والمُؤَدِّيَةِ إلى الهَلاكِ الرُّوحانِيِّ الَّذِي هو أعْظَمُ مِنَ الهَلاكِ الجِسْمانِيِّ، والمَنقُولُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وسائِرِ السَّلَفِ الصّالِحِ حَمْلُ المَرَضِ في الآيَةِ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ، ولا شَكَّ أنَّ قُلُوبَ المُنافِقِينَ كانَتْ مَلْأى مِن تِلْكَ الخَبائِثِ الَّتِي مَنَعَتْهم مِمّا مَنَعَتْهُمْ، وأوْصَلَتْهم إلى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، ولا مانِعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يُحْمَلَ المَرَضُ أيْضًا عَلى حَقِيقَتِهِ الَّذِي هو الظُّلْمَةُ، ﴿ ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ ﴾ وكَذا عَلى الألَمِ، فَإنَّ في قُلُوبِ أُولَئِكَ ألَمًا عَظِيمًا بِواسِطَةِ شَوْكَةِ الإسْلامِ وانْتِظامِ أُمُورِهِمْ غايَةَ الِانْتِظامِ، فالآيَةُ عَلى هَذا مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ، ونَصْبُ القَرِينَةِ المانِعَةِ في المَجازِ إنَّما يُشْتَرَطُ في تَعْيِينِهِ دُونَ احْتِمالِهِ، فَإذا تَضَمَّنَ نُكْتَةً ساوى الحَقِيقَةَ، فَيُمْكِنُ الحَمْلُ عَلَيْهِما نَظَرًا إلى الأصالَةِ، والنُّكْتَةِ، إلّا أنَّهُ يَرِدُ هُنا أنَّ الألَمَ مُطْلَقًا لَيْسَ حَقِيقَةَ المَرَضِ، بَلْ حَقِيقَتُهُ الألَمُ لِسُوءِ المِزاجِ، وهو مَفْقُودٌ في المُنافِقِينَ، والقَوْلُ بِأنَّ حالَهُمُ الَّتِي هم عَلَيْها تُفْضِي إلَيْهِ في غايَةِ الرَّكاكَةِ، عَلى أنَّ قُلُوبَ أُولَئِكَ لَوْ كانَتْ مَرِيضَةً لَكانَتْ أجْسامُهم كَذَلِكَ، أوْ لَكانَ الحِمامُ عاجَلَهُمْ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ والقانُونُ الطِّبِّيُّ، أمّا الأوَّلُ فَلِقَوْلِهِ : «(إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً)» الحَدِيثَ، وأمّا الثّانِي، فَلِأنَّ الحُكَماءَ بَعْدَ أنْ بَيَّنُوا تَشْرِيحَ القَلْبِ قالُوا: إذا حَصَلَتْ فِيهِ مادَّةٌ غَلِيظَةٌ، فَإنْ تَمَكَّنَتْ مِنهُ ومِن غُلافِهِ، أوْ مِن أحَدِهِما، عاجَلَتِ المَنِيَّةُ صاحِبَهُ، وإنْ لَمْ تَتَمَكَّنْ تَأخَّرَتِ الحَياةُ مُدَّةً يَسِيرَةً، ولا سَبِيلَ إلى بَقائِها مَعَ مَرَضِ القَلْبِ، فالأوْلى دِرايَةً ورِوايَةً حَمْلُهُ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ، ومِنهُ الجُبْنُ، والخَوَرُ، وقَدْ داخَلَ ذَلِكَ قُلُوبَ المُنافِقِينَ حِينَ شاهَدُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ ما شاهَدُوا، والتَّنْوِينُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ نَوْعٌ غَيْرُ ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ مِنَ الأمْراضِ، ولَمْ يُجْمَعْ كَما جُمِعَ القُلُوبُ، لِأنَّ تَعْدادَ المَحالِّ يَدُلُّ عَلى تَعْدادِ الحالِّ عَقَلًا، فاكْتَفى بِجَمْعِها عَنْ جَمْعِهِ، والجُمْلَةُ الأُولى إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ المُوجِبِ لِخِداعِهِمْ، وما هم فِيهِ مِنَ النِّفاقِ، أوْ مُقَرِّرَةٌ لِما يُفِيدُهُ ﴿ وما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ مِنِ اسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ، أوْ تَعْلِيلٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهم لا يُؤْمِنُونَ؟
فَقالَ: في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَمْنَعُهُ، أوْ مُقَرِّرَةٌ لِعَدَمِ الشُّعُورِ، وإنْ كانَ سَبِيلُ قَوْلِهِ: ﴿ وما يَشْعُرُونَ ﴾ سَبِيلَ الِاعْتِراضِ عَلى ما قِيلَ، وجُمْلَةُ ﴿ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ إمّا دُعائِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والمُعْتَرِضَةُ قَدْ تَقْتَرِنُ بِالفاءِ كَما في قَوْلِهِ: واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ ∗∗∗ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلَّما قَدِرا كَما صَرَّحَ في التَّلْوِيحِ وغَيْرِهِ نَقْلًا عَنِ النُّحاةِ، أوْ إخْبارِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الأُولى، وعَطْفُ الماضِي عَلى الِاسْمِيَّةِ لِنُكْتَةٍ، إنْ أُرِيدَ في الأُولى أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ غَضًّا طَرِيًّا إلى زَمَنِ الإخْبارِ، وفي الثّانِيَةِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِازْدِيادِ مَرَضِهِمُ المُحَقَّقِ، إذْ لَوْلا تَدَنُّسُ فِطْرَتِهِمْ لازْدادُوا بِما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ شِفاءً، ولا يَتَكَرَّرُ هَذا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ ﴾ لِلْفَرْقِ بَيْنَ زِيادَةِ المَرَضِ، وزِيادَةِ الطُّغْيانِ، عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِن زِيادَةِ التَّوْكِيدِ مَعَ بُعْدِ المَسافَةِ، وأيْضًا الدُّعاءُ إنْ لَمْ يَكُنْ جارِيًا عَلى لِسانِ العِبادِ، أوْ مُرادًا بِهِ مُجَرَّدُ السَّبِّ، والتَّنْقِيصِ يَكُونُ إيجابًا مِنهُ سُبْحانَهُ، فَيُؤَوَّلُ إلى ما آلَ إلَيْهِ الإخْبارُ، وزِيادَةُ اللَّهِ تَعالى مَرَضَهُمْ، إمّا بِتَضْعِيفِ حَسَدِهِمْ بِزِيادَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، أوْ ظُلْمَةِ قُلُوبِهِمْ بِتَجَدُّدِ كُفْرِهِمْ بِما يُنْزِلُهُ سُبْحانَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ، فَهم في ظُلُماتٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، أوْ بِتَكْثِيرِ خَوْفِهِمْ ورُعْبِهِمُ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَرْكُ مُجاهَرَتِهِمْ بِالكُفْرِ بِسَبَبِ إمْدادِ اللَّهِ تَعالى الإسْلامَ، ورَفْعِ أعْلامِهِ عَلى أعْلامِ الإعْزازِ والِاحْتِرامِ، أوْ بِإعْظامِ الألَمِ بِزِيادَةِ الغُمُومِ، وإيقادِ نِيرانِ الهُمُومِ.
والغَمُّ يَخْتَرِمُ النُّفُوسَ نَحافَةً ∗∗∗ ويُشِيبُ ناصِيَةَ الصَّبِيِّ ويُهْرِمُ ويَكُونُ ذَلِكَ بِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى لَهُمُ المُتَجَدِّدَةِ، وفِعْلِهِمْ لَها مَعَ كُفْرِهِمْ بِها، وبِتَكْلِيفِ النَّبِيِّ لَهم بِبَعْضِ الأُمُورِ، وتَخَلُّفِهِمْ عَنْهُ الجالِبِ لِما يَكْرَهُونَهُ مِن لَوْمِهِمْ، وسُوءِ الظَّنِّ بِهِمْ، فَيَغْتَمُّونَ إنْ فَعَلُوا، وإنْ تَرَكُوا، ونِسْبَةُ الزِّيادَةِ إلى اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةٌ، ولَوْ فُسِّرَتْ بِالطَّبْعِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ بِالأسْبابِ، وبِغَيْرِها، ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإسْنادَ مَجازًا في بَعْضِ الوُجُوهِ، ولَعَلَّهُ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، وأغْرَبَ بَعْضُهم فَقالَ: الإسْنادُ مَجازِيٌّ، كَيْفَما كانَ المَرَضُ، وحُمِلَ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ لَيْسَ هُنا مَن يَزِيدُهم مَرَضًا حَقِيقَةً، عَلى رَأْيِ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ في أنَّهُ لا يَلْزَمُ في الإسْنادِ المَجازِيِّ أنْ يَكُونَ لِلْفِعْلِ فاعِلٌ يَكُونُ الإسْنادُ إلَيْهِ حَقِيقَةً مِثْلَ: يَزِيدُكَ وجْهُهُ حُسْنًا ∗∗∗ إذا ما زِدْتَهُ نَظَرًا فَتَدَبَّرْ، وإنَّما عَدّى سُبْحانَهُ الزِّيادَةَ إلَيْهِمْ لا إلى القُلُوبِ، فَلَمْ يَقُلْ: فَزادَها، إمّا ارْتِكابًا لِحَذْفِ المُضافِ أيْ فَزادَ اللَّهُ قُلُوبَهم مَرَضًا، أوْ إشارَةً إلى أنَّ مَرَضَ القَلْبِ مَرَضٌ لِسائِرِ الجَسَدِ، أوْ رَمْزًا إلى أنَّ القَلْبَ هو النَّفْسُ النّاطِقَةُ، ولَوْلاها ما كانَ الإنْسانُ إنْسانًا، وإعادَةُ مَرَضٍ مُنَكَّرًا لِكَوْنِهِ مُغايِرًا لِلْأوَّلِ، ضَرُورَةَ أنَّ المَزِيدَ يُغايِرُ المَزِيدَ عَلَيْهِ، وتَوَهَّمَ مَن زَعَمَ أنَّهُ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، والألِيمُ فَعِيلٌ مِنَ الألَمِ، بِمَعْنى مُفْعِلٍ، كالسَّمِيعِ بِمَعْنى مُسْمِعٍ، وعَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن ألِمَ الثُّلاثِيِّ كَوَجِيعٍ، وإسْنادُهُ إلى العَذابِ مَجازٌ عَلى حَدِّ جَدَّ جِدُّهُ، ولَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وجُعِلَ بَدِيعُ السَّماواتِ، مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، أيْ بَدِيعَةٌ سَماواتُهُ، وسَمِيعٌ في قَوْلِهِ: أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ بِمَعْنى سامِعٍ، أيْ أمِن رَيْحانَةَ داعٍ مِن قَلْبِي سامِعٌ لِدُعاءِ داعِيها، بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، فَإنَّ أكْثَرَ القَلَقِ والأرَقِ إنَّما يَكُونُ مِن دَواعِي النَّفْسِ، وأفْكارِها، فَعَلى هَذا يَكُونُ تَفْسِيرُهُ بِمُؤْلِمٍ اسْمِ فاعِلٍ بَيانًا لِحاصِلِ المَعْنى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ (ألِيمٌ)، فَهو مُوجِعٌ، وقَدْ جُمِعَ لِلْمُنافِقِينَ نَوْعانِ مِنَ العَذابِ، عَظِيمٌ وألِيمٌ، وذَلِكَ لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ هُنا، والِانْدِراجِ مَعَ الكُفّارِ هُناكَ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِبَيانِ وعِيدِ النِّفاقِ والخِداعِ، والباءُ إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ، أوْ لِلْبَدَلِيَّةِ، (وما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ مُؤَوَّلَةٌ بِمَصْدَرِ كانَ إنْ كانَ، أوْ بِمَصْدَرٍ مُتَصَيَّدٍ مِنَ الخَبَرِ، كالكَذِبِ، وإمّا مَوْصُولَةٌ واسْتَظْهَرَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ الضَّمِيرَ المُقَدَّرَ عائِدٌ عَلى ما أوْرَدَهُ في البَحْرِ، بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ثَمَّ مُقَدَّرٌ بَلْ مَن قَرَأ: (يَكْذِبُونَ) بِالتَّخْفِيفِ، وهُمُ الكُوفِيُّونَ، فالفِعْلُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، ومَن قَرَأ: بِالتَّشْدِيدِ، كَنافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عُمَرَ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ بِكَوْنِهِمْ يُكَذِّبُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما جاءَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُشَدَّدُ في مَعْنى المُخَفَّفِ لِلْمُبالَغَةِ في الكَيْفِ كَما قالُوا، فِي: بانَ الشَّيْءُ، وبَيَّنَ، وصَدَقَ وصَدَّقَ، وقَدْ يَكُونُ التَّضْعِيفُ لِلزِّيادَةِ في الكَمِّ، كَمَوَّتَتِ الإبِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَذَبَ الوَحْشُ إذا جَرى ووَقَفَ لِيَنْظُرَ ما وراءَهُ، وتِلْكَ حالُ المُتَحَيِّرِ، وهي حالُ المُنافِقِ، فَفي الكَلامِ حِينَئِذٍ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ : «(مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَلِ الشّاةِ العاثِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ، تُعِيرُ إلى هَذِهِ مَرَّةً، وإلى هَذِهِ مَرَّةً)،» والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ لِعَذابٍ، لا لِألِيمٍ، كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ لِأنَّ الأصْلَ في الصِّفَةِ أنْ لا تُوصَفَ، والكَذِبُ هو الإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ النِّسْبَةِ أوِ المَوْضُوعِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ عِنْدَنا، وفي الِاعْتِقادِ عِنْدَ النِّظامِ، وفِيهِما عِنْدَ الجاحِظِ، وكُلٌّ مَقْصُودٌ مَحْمُودٌ يُمْكِنُ التَّواصُلُ إلَيْهِ بِالصِّدْقِ والكَذِبِ جَمِيعًا، فالكَذِبُ فِيهِ حَرامٌ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يُمْكِنْ إلّا بِالكَذِبِ، فالكَذِبُ فِيهِ مُباحٌ، إنْ كانَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ المَقْصُودِ مُباحًا، وواجِبٌ إنْ كانَ واجِبًا، وصُرِّحَ في الحَدِيثِ بِجَوازِهِ في ثَلاثِ مَواطِنَ، في الحَرْبِ، وإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وكَذِبِ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ لِيُرْضِيَها، ولا حَصْرَ، ولِهَذا جازَ تَلْقِينُ الَّذِينَ أقَرُّوا بِالحُدُودِ الرُّجُوعَ عَنِ الإقْرارِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُقابَلَ بَيْنَ مَفْسَدَةِ الكَذِبِ والمَفْسَدَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الصِّدْقِ، فَإنْ كانَتِ المَفْسَدَةُ في الصِّدْقِ أشَدَّ ضَرَرًا فَلَهُ الكَذِبُ، وإنْ كانَ عَكْسُهُ أوْ شَكَّ حَرُمَ عَلَيْهِ، فَما قالَهُ الإمامُ البَيْضاوِيُّ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّ الكَذِبَ حَرامٌ كُلُّهُ يُوشِكُ أنْ يَكُونَ مِمّا سَها فِيهِ، وفي الآيَةِ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الصِّدْقِ والتَّصْدِيقِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا سَمِعَ تَرَتُّبَ العَذابِ عَلى الكَذِبِ دُونَ النِّفاقِ الَّذِي هو هو تَخَيَّلَ في نَفْسِهِ تَغْلِيظَ اسْمِ الكَذِبِ، وتَصَوَّرَ سَماجَتَهُ، فانْزَجَرَ عَنْهُ أعْظَمَ انْزِجارٍ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ، ويُمْكِنُ في غَيْرِها أيْضًا، لِأنَّ نِسْبَةَ الصّادِقِ إلى الكَذِبِ كَذِبٌ، وكَذا كَثْرَتُهُ، وإنْ تُكِلِّفَ في المَعْنى الأخِيرِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن (كَذَّبَ) المُتَعَدِّي، كَأنَّهُ يُكَذِّبُ رَأْيَهُ، فَيَقِفُ لِيَنْظُرَ، لَكِنْ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في هَذا المَعْنى، وكانَتْ حالَةُ المُنافِقِ شَبِيهَةً بِهَذا جازَ أنْ يُسْتَعارَ مِنهُ لَها، أمْكَنَ عَلى بُعْدٍ بَعِيدٍ ذَلِكَ التَّحْرِيضُ، ولا يَرِدُ عَلى تَحْرِيمِ الكَذِبِ في بَعْضِ وُجُوهِهِ ما رُوِيَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يَقُولُ: «(لَسْتُ لَها، إنِّي كَذَبْتُ ثَلاثَ كَذِباتٍ)،» وعَنى كَما في رِوايَةِ أحْمَدَ: (إنِّي سَقِيمٌ) و(بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ)، وقَوْلُهُ لِلْمَلِكِ في جَوابِ سُؤالِهِ عَنِ امْرَأتِهِ سارَةَ: (هِيَ أُخْتِي)، حِينَ أرادَ غَصْبَها، وكانَ مِن طَرِيقِ السِّياسَةِ التَّعَرُّضُ لِذاتِ الأزْواجِ دُونَ غَيْرِهِنَّ بِدُونِ رِضاهُنَّ، فَإنَّها إنْ كانَتْ مِنَ الكَذِبِ المُحَرَّمِ، فَأيْنَ العِصْمَةُ، وهو أبُو الأنْبِياءِ!
وإنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَقَدْ أخْبَرَ يَوْمَ القِيامَةِ بِخِلافِ الواقِعِ، وحاشاهُ، حَيْثُ إنَّ المَفْهُومَ مِن ذَلِكَ الكَلامِ: أنِّي أذْنَبْتُ فَأسْتَحِي أنْ أشْفَعَ، وهَلْ يَسْتَحِي مِمّا لا إثْمَ فِيهِ، ولِقُوَّةِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قَطَعَ الرّازِيُّ بِكَذِبِ الرِّوايَةِ صِيانَةً لِساحَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ المَعارِيضِ، وفِيها مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ، وقَدْ صَدَرَتْ مِن سَيِّدِ أُولِي العِصْمَةِ كَقَوْلِهِ مِمّا في حَدِيثِ الهِجْرَةِ، وتَسْمِيَتُهُ كَذِبًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِلِاشْتِراكِ في الصُّورَةِ، فَهي مِنَ المَعارِيضِ الصّادِقَةِ كَما سَتَراهُ بِأحْسَنِ وجْهٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَوْضِعِهِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى لِينِ العَرِيكَةِ مَعَ الأعْداءِ، ومِثْلُهُ مِمَّنْ تَكَفَّلَ اللَّهُ تَعالى بِحِمايَتِهِ يُناسِبُهُ المُبارَزَةُ فَلِعُدُولِهِ عَنِ الأوْلى بِمَقامِهِ عَدَّ ذَلِكَ في ذَلِكَ المَقامِ ذَنْبًا، وسَمّاهُ كَذِبًا لِكَوْنِهِ عَلى صُورَتِهِ، وما وقَعَ لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في مِثْلِ هَذا المَقامِ حَتّى يَسْتَحْيِيَ مِنهُ، فَلِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، عَلى أنّا نَقُولُ: إنَّها لَوْ كانَتْ كَذِبًا حَقِيقَةٌ لا ضَرَرَ فِيها، ولا اسْتِحْياءَ مِنها، كَيْفَ، وقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(ما مِنها كَذْبَةٌ إلّا جادَلَ بِها عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى)» فَهي مِنَ الكَذِبِ المُباحِ، لَكِنْ لَمّا كانَ مَقامُ الشَّفاعَةِ هو المَقامُ المَحْمُودُ المَخْبُوءُ لِلْحَبِيبِ لا الخَلِيلِ أظْهَرَ الِاسْتِحْياءَ لِلدَّفْعِ عَنْهُ بِما يَظُنُّ أنَّهُ مِمّا يُوجِبُ ذَلِكَ، وهو لا يُوجِبُهُ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّواضُعِ، وإظْهارِ العَجْزِ، والدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ مِمّا لا يَخْفى، فَكَأنَّهُ قالَ: أنا لا آمَنُ مِنَ العِتابِ عَلى كَذِبٍ مُباحٍ، فَكَيْفَ لِي بِالشَّفاعَةِ لَكم في هَذا المَقامِ، فَلْيُحْفَظْ، ثُمَّ إنَّ الإتْيانَ بِالأفْعالِ المُضارِعَةِ في أخْبارِ الأفْعالِ الماضِيَةِ النّاقِصَةِ أمْرٌ مُسْتَفِيضٌ كَأصْبَحَ يَقُولُ كَذا، وكادَتْ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ، ومَعْناهُ أنَّهُ في الماضِي كانَ مُسْتَمِرًّا مُتَجَدِّدًا بِتَعاقُبِ الأمْثالِ، والمُضِيِّ، والِاسْتِقْبالِ بِالنِّسْبَةِ لِزَمانِ الحُكْمِ، وقَدْ عُدَّ الِاسْتِمْرارُ مِن مَعانِي (كانَ)، فَلا إشْكالَ في ﴿ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ حَيْثُ دَلَّتْ (كانَ) عَلى انْتِسابِ الكَذِبِ إلَيْهِمْ في الماضِي، ويَكْذِبُونَ عَلى انْتِسابِهِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ والزَّمانُ فِيهِما مُخْتَلِفٌ، ودَفْعُهُ بِأنَّ (كانَ) دالَّةٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ، (ويُكَذِّبُونَ) دَلَّ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ الدّاخِلِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ عَلى عِلّاتِهِ، يُغْنِي اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأمالَ حَمْزَةُ (فَزادَهُمْ) في عَشَرَةِ أفْعالٍ، ووافَقَهُ ابْنُ ذَكْوانَ في إمالَةِ جاءَ، وشاءَ، وزادَ هَذِهِ، وعَنْهُ خِلافٌ في (زادَ) غَيْرِها، والإمالَةُ لِتَمِيمٍ، والتَّفْخِيمُ لِلْحِجازِ، وقَدْ نَظَمَ أبُو حَيّانَ تِلْكَ العَشَرَةَ فَقالَ: وعَشَرَةُ أفْعالٍ تُمالُ لِحَمْزَةَ ∗∗∗ فَجاءَ وشاءَ ضاقَ رانَ وكَمَّلا ؎بِزادَ وخابَ طابَ خافَ مَعًا وحا ∗∗∗ قَ زاغَ سِوى الأحْزابِ مَعَ صادِها فَلا <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني شكاً ونفاقاً وظلمة وضعفاً، لأن المريض فيه فترة ووهن، والشاك أيضاً في أمره فترة وضعف.
فعبَّر بالمرض عن الشك، لأن المنافقين فيهم ضعف ووهن، ألا ترى إلى قوله تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [المنافقون: 4] .
ويقال: إن المريض تعرض للهلاك، فسمي النفاق مرضاً، لأن النفاق قد يهلك صاحبه، لأن الخلق على مراتب ثلاث، ميت في الأحوال كلها كالكافر، وحي في الأحوال كلها كالمؤمن لقوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الأنعام: 122] ، ومريض كالمنافق.
ثم قال تعالى: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وهذا اللفظ يحتمل معنين: يحتمل الخبر عن الماضي، ويحتمل الدعاء فإن كان المراد به الخبر فمعناه: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً إلى مرضهم، كما قال في آية أخرى فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: 125] ، لأن كل سورة نزلت يشكون فيها، فكان ذلك المرض لهم، وللمؤمنين زيادة اليقين.
وإن كان المراد به الدعاء، فمعناه: فزادهم الله مرضاً على مرضهم، على وجه الذم والطرد لهم، كما قال في آية أخرى قاتَلَهُمُ اللَّهُ [التوبة: 30] أو لعنهم الله، فإن قيل: كيف يجوز أن يحمل على وجه الدعاء، وإنما يحتاج إلى الدعاء عند العجز؟
قيل له: هذا تعليم من الله تعالى أَنَّهُ يجوز الدعاء على المنافقين والطرد لهم، لأنهم شر خلق الله تعالى، لأنه وعد لهم يوم القيامة الدرك الأسفل من النار.
ثم قال: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني مؤلم، أي عذاب وجيع الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم.
قوله: بِما كانُوا يَكْذِبُونَ أي مجازاة لهم بتكذيبهم.
قرأ حمزة وابن عامر فَزادَهُمُ اللَّهُ بكسر الزاي، وهي لغة بعض العرب، وقرأ عاصم وأبو عمرو بالفتح، وهي اللغة الظاهرة، وقرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي يَكْذِبُونَ بتخفيف الذال، وقرأ الباقون بالتشديد.
فمن قرأ بالتخفيف فمعناه: بما كانوا يكذبون بقولهم أنهم مؤمنون، وجحدوا في السر لأنهم كفروا بالله وبمحمد في السر.
ومن قرأ بالتشديد فمعناه: بما كانوا يكذبون، يعني ينسبون محمداً إلى الكذب، ويجحدون نبوته.
<div class="verse-tafsir"
الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ» «١» [المطففين: ١٤] » انتهى.
والغِشَاوَةُ: الغطاء المغشي الساتر، وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ: معناه:
لِمخالفتِكَ يا محمَّد، وكفرهم بالله، وعَظِيمٌ: معناه بالإضافة إلى عذاب دونه.
قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ...
إِلَى وَما يَشْعُرُونَ: هذه الآية نزلت في المنافقين، وسَمَّى اللَّهُ تعالى يوم القيامة اليَوْمَ الآخِرَ لأنه لا ليل بعده، ولا يقالُ يوم إِلا لما تقدَّمه ليل، واختلف المتأوِّلون في قوله: يُخادِعُونَ اللَّهَ، فقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى يُخَادِعُون رسول اللَّه «٢» ، فأضافَ الأمرَ إلى اللَّه تجوُّزاً لتعلُّق رسوله به، ومخادعتُهم هي تحيُّلهم في أن يُفْشِيَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم والمؤمنون إليهم أسرارهم.
ع «٣» : تقول: خادَعْتُ الرجُلَ بمعنى: أعملْتُ التحيُّل عليه، فَخَدَعْتُهُ، بمعنى:
تمَّت عليه الحيلة، ونفذ فيه المرادُ، وقال جماعةٌ: بل يخادعون اللَّهَ والمؤمنين بإِظهارهم من الإِيمان خلافَ ما أبطنوا من الكفر، وإِنما خدعوا أنفسهم لحصولهم في العذاب، وَما يَشْعُرُونَ بذلك، معناه: وما يعلمون علْمَ تفطُّن وتَهَدٍّ، وهي لفظة مأخوذة من
الشِّعَار كأن الشيء المتفطَّن له شعار للنَّفْس، وقولهم: لَيْتَ شِعْرِي: معناه: ليت فطنتي تُدْرِكُ.
واختلف، ما الذي نَفَى/ اللَّه عنهم أنْ يشعروا له؟
فقالت طائفة: وما يَشْعُرُونَ أنَّ ضرَرَ تلْكَ المخادَعَةِ راجعٌ عليهم لخلودهم في النَّار، وقال آخرون: وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّه يكشف لك سرّهم ومخادعتهم في قولهم: آمَنَّا.
قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أي: في عقائدهم فسادٌ «١» ، وهم المنافقون، وذلك إما أن يكون شكًّا، وإما جحدًا بسبب حسدهم مع علمهم بصحَّة ما يجحدون، وقال قوم: المَرَضُ غمّهم بظهوره صلّى الله عليه وسلم، فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً، قيل: هو دعاءٌ عليهم، وقيل:
هو خبر أنَّ اللَّه قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحْيِ، ويظهر من البراهين.
ت: لما تكلَّم ع: على تفسير قوله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [الفتح: ٦] .
قال «٢» : كُلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجلَّ، فَإنَّما هو بمعنى إيجاب الشيء لأَنَّ اللَّه تعالى لا يدعو على مخلوقاته، وهي في قبضته، ومن هذا: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ [الهمزة: ١] ، وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] ، وهي كلها أحكام تامَّة تضمنها خبره تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، أي: مؤلم، وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي:
بالكفر وموالاةِ الكفرةِ ولقول المنافقين: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ثلاثُ تأويلاتٍ:
أحدها: جحد أنهم يفسدون، وهذا استمرار منهم على النِّفاق.
والثاني: أنّ يقروا بموالاة الكُفَّار ويدَّعون أنها صلاحٌ من حيث هم قرابةٌ توصل.
والثالث: أنهم يصلحون بين الكفار والمؤمنين.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ المَرَضُ هاهُنا: الشَّكُّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
﴿ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ هَذا الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، و"الألِيمُ" بِمَعْنى المُؤْلِمِ، والجُمْهُورُ يَقْرَؤُونَ (يُكَذِّبُونَ) بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ سِوى أبانَ، عَنْ عاصِمٍ بِالتَّخْفِيفِ مَعَ فَتْحِ الياءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ ﴿ ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ المَرَضُ عِبارَةٌ مُسْتَعارَةٌ لِلْفَسادِ الَّذِي في عَقائِدِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَكُونَ شَكًّا، وإمّا جَحْدًا بِسَبَبِ حَسَدِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ ما يَجْحَدُونَ، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ.
وقالَ قَوْمٌ: المَرَضُ غَمَّهم بِظُهُورِ أمْرِ رَسُولِ اللهِ .
وقَرَأ الأصْمَعِيُّ عن أبِي عُمَرَ: "مَرْضٌ" بِسُكُونِ الراءِ، وهي لُغَةٌ في المَصْدَرِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: ولَيْسَ بِتَخْفِيفٍ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا ﴾ فَقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو خَبَرُ أنَّ اللهَ قَدْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، وهَذِهِ الزِيادَةُ هي بِما يَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ، ويَظْهَرُ مِنَ البَراهِينِ، فَهي عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ عَمًى، وكُلَّما كَذَبُوا زادَ المَرَضُ، وقَرَأ حَمْزَةُ "فَزِادَهُمْ" بِكَسْرٍ الزايِ وكَذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ، وكانَ نافِعٌ يُشِمُّ الزايَ إلى الكَسْرِ، وفَتَحَ الباقُونَ.
و"ألِيمٌ" مَعْناهُ مُؤْلِمٌ، كَما قالَ الشاعِرُ، وهو عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبٍ: أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعُ......................................
بِمَعْنى مُسْمِعٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الذالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ، فالقِراءَةُ بِالتَثْقِيلِ يُؤَيِّدُها قَوْلُهُ تَعالى قَبْلُ: ﴿ وَما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ فَهَذا إخْبارٌ بِأنَّهم يُكَذِّبُونَ، والقِراءَةُ بِالتَخْفِيفِ يُؤَيِّدُها أنَّ سِياقَ الآياتِ إنَّما هي إخْبارٌ بِكَذِبِهِمْ، والتَوَعُّدُ بِالعَذابِ الألِيمِ مُتَوَجِّهٌ عَلى التَكْذِيبِ، وعَلى الكَذِبِ في مِثْلِ هَذِهِ النازِلَةِ إذْ هو مُنْطَوٍ عَلى الكُفْرِ، وقِراءَةُ التَثْقِيلِ أرْجَحُ.
وَ"إذا" ظَرْفُ زَمانٍ.
وحُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّها في قَوْلِكَ في المُفاجَأةِ: "خَرَجَتْ فَإذا زِيدَ" ظَرْفُ مَكانٍ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ جُثَّةً، وهَذا مَرْدُودٌ، لِأنَّ المَعْنى: خَرَجَتْ فَإذا حُضُورُ زَيْدٍ، فَإنَّما تَضَمَّنَتِ المَصْدَرَ كَما يَقْتَضِيهِ سائِرُ ظُرُوفِ الزَمانِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: "اليَوْمَ خَمْرٌ، وغَدًا أمْرٌ" فَمَعْناهُ وُجُودُ خَمْرٍ، ووُقُوعُ أمْرٍ، والعامِلُ في "إذا" في هَذِهِ الآيَةِ: قالُوا.
وأصْلُ "قِيلَ" قَوْلٌ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى القافِ فَقُلِبَتْ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "قِيلَ وغِيضَ وسِيءَ وسِيئَتْ وحِيلَ وسِيقَ وجِيءَ" بِضَمِّ أوائِلِ ذَلِكَ كُلِّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ كَسَرَ "غِيضَ وقِيلَ وجِيءَ"، الغَيْنُ والقافُ والجِيمُ، حَيْثُ وقَعَ مِنَ القُرْآنِ، وضَمَّ نافِعٌ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ حَرْفَيْنِ "سِيءَ وسِيئَتْ" وكَسْرِ ما بَقِيَ.
وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، يَكْسِرُونَ أوائِلَ هَذِهِ الحُرُوفِ كُلِّها.
والضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ المُشارِ إلَيْهِمْ قَبْلُ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: الإشارَةُ هُنا هي إلى مُنافِقِي اليَهُودِ.
وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: لَمْ يَنْقَرِضُوا، بَلْ هم يَجِيئُونَ في كُلِّ زَمانٍ.
و ﴿ لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ مَعْناهُ: بِالكُفْرِ ومُوالاةُ الكَفَرَةِ، و"نَحْنُ" اسْمٌ مِن ضَمائِرِ الرَفْعِ مَبْنِيٌّ عَلى الضَمِّ إذْ كانَ اسْمًا قَوِيًّا يَقَعُ لِلْواحِدِ المُعَظَّمِ، والِاثْنَيْنِ، والجَماعَةِ، فَأُعْطِيَ أسْنى الحَرَكاتِ، وأيْضًا فَلَمّا كانَ في الأغْلَبِ ضَمِيرُ جَماعَةٍ، وضَمِيرُ الجَماعَةِ في الأسْماءِ الظاهِرَةِ الواوُ أُعْطِي الضَمَّةَ إذْ هي أُخْتُ الواوِ؟
ولِقَوْلِ المُنافِقِينَ: ﴿ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: جَحَدَ أنَّهم يُفْسِدُونَ، وهَذا اسْتِمْرارٌ مِنهم عَلى النِفاقِ.
والثانِي: أنْ يُقِرُّوا بِمُوالاةِ الكُفّارِ، ويَدَّعُونَ أنَّها صَلاحٌ مِن حَيْثُ أنَّهم قَرابَةٌ تُوصَلُ، والثالِثُ: أنَّهم مُصْلِحُونَ بَيْنَ الكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ، فَلِذَلِكَ يُداخِلُونَ الكُفّارَ.
و"ألا" اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، و"إنَّ" بِكَسْرِ الألْفِ اسْتِئْنافٌ، و"هُمُ" الثانِي رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و"المُفْسِدُونَ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ "إنَّ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا، ويُسَمِّيهِ الكُوفِيُّونَ العِمادَ، ويَكُونُ "المُفْسِدُونَ" خَبَرُ "إنَّ"، فَعَلى هَذا لا مَوْضِعَ لـِ "هُمُ" مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ في "إنَّهُمْ"، فَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ.
ودَخَلَتِ الألِفُ واللامُ في قَوْلِهِ: "المُفْسِدُونَ" لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَفْظَةِ في قَوْلِهِ: "لا تُفْسِدُوا" فَكَأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ العَهْدِ، ولَوْ جاءَ الخَبَرُ عنهم ولَمْ يَتَقَدَّمْ مِنَ اللَفْظَةِ ذِكْرٌ لَكانَ "ألا إنَّهم مُفْسِدُونَ" قالَهُ الجُرْجانِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الألِفُ واللامُ تَتَضَمَّنُ المُبالَغَةَ كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ هو الرَجُلُ"، أيْ: حَقُّ الرَجُلِ، فَقَدْ تَسْتَغْنِي عن مُقَدِّمَةٍ تَقْتَضِي عَهْدًا و"لَكِنْ" بِجُمْلَتِهِ حَرْفُ اسْتِدْراكٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هُنا: لا يَشْعُرُونَ أنَّهم مُفْسِدُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: لا يَشْعُرُونَ أنَّ اللهَ يَفْضَحُهُمْ، وهَذا مَعَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم "إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ" جَحْدًا مَحْضًا لِلْإفْسادِ، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ هو بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: "إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ" اعْتِقادًا مِنهم أنَّهُ صَلاحٌ في صِلَةِ القَرابَةِ، أو إصْلاحٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف محض لعَدِّ مساويهم ويجوز أن يكون بيانياً لجواب سؤال متعجب ناشئ عن سماع الأحوال التي وصفوا بها قبل في قوله تعالى: ﴿ يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ﴾ [البقرة: 9] فإن من يسمع أن طائفة تخادع الله تعالى وتخادع قوماً عديدين وتطمع أن خداعها يتمشى عليهم ثم لا تشعر بأن ضرر الخداع لاحق بها لطائفة جديرة بأن يتعجب من أمرها المتعجب ويتساءل كيف خطر هذا بخواطرها فكان قوله: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ بياناً وهو أن في قلوبهم خللاً تزايد إلى أن بلغ حد الأفن.
ولهذا قدم الظرف وهو ﴿ في قلوبهم ﴾ للاهتمام لأن القلوب هي محل الفكرة في الخداع فلما كان المسؤول عنه هو متعلقها وأثرها كان هو المهتم به في الجواب.
وتنوين ﴿ مرض ﴾ للتعظيم.
وأطلق القلوب هنا على محل التفكير كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ [البقرة: 7].
والمرض حقيقة في عارض للمزاج يخرجه عن الاعتدال الخاص بنوع ذلك الجسم خروجاً غير تام وبمقدار الخروج يشتد الألم فإن تم الخروج فهو الموت، وهو مجاز في الأعراض النفسانية العارضة للأخلاق البشرية عروضاً يخرجها عن كمالها، وإطلاق المرض على هذا شائع مشهور في كلام العرب، وتدبير المزاج لإزالة هذا العارض والرجوع به إلى اعتداله هو الطب الحقيقي ومجازي كذلك قال علقمة بن عبدة الملقب بالفحل: فإن تسألوني بالنساءِ فإنني *** خبير بأدواء النساء طَبيب فذكر الأدواء والطب لفساد الأخلاق وإصلاحها.
والمراد بالمرض في هاته الآية هو معناه المجازي لا محالة لأنه هو الذي اتصف به المنافقون وهو المقصود من مذمتهم وبيان منشأ مساوي أعمالهم.
ومعنى ﴿ فزادهم الله مرضاً ﴾ أن تلك الأخلاق الذميمة الناشئة عن النفاق والملازمة له كانت تتزايد فيهم بتزايد الأيام لأن من شأن الأخلاق إذا تمكنت أن تتزايد بتزايد الأيام حتى تصير ملكات كما قال المعلوط القُرَيْعي: ورَجِّ الفتى للخير ما إنْ رأيتَه *** على السِّنِّ خيراً لا يزال يزيد وكذلك القول في الشر ولذلك قيل: من لم يتحلم في الصغر لا يتحلم في الكبر، وقال النابغة يهجو عامر بن الطفيل: فإنك سوف تحلم أو تَنَاهَى *** إذا ماشِبْتَ أو شاب الغراب وإنما كان النفاق موجباً لازدياد ما يقارنه من سيء الأخلاق لأن النفاق يستر الأخلاق الذميمة فتكون محجوبة عن الناصحين والمربين والمرشدين وبذلك تتأصل وتتوالد إلى غير حد فالنفاق في كتمه مساوئ الأخلاق بمنزلة كتم المريض داءه عن الطبيب، وإليك بيان ما ينشأ عن النفاق من الأمراض الأخلاقية في الجدول المذكور هنا وأشرنا إلى ما يشير إلى كل خلق منها في الآيات الواردة هنا أو في آيات أخرى في هذا الجدول: صفحة مستقلة للرسم ص 280 الأصل.
اعلم أن هذه طباع تنشأ عن النفاق أو تقارنه من حيث هو ولا سيما النفاق في الدين فقد نبهنا الله تعالى لمذام ذلك تعليماً وتربية فإن النفاق يعتمد على ثلاث خصال وهي: الكذب القولي، والكذب الفعلي وهو الخداع، ويقارن ذلك الخوف لأن الكذب والخداع إنما يصدران ممن يتوقى إظهار حقيقة أمره وذلك لا يكون إلا لخوف ضر أو لخوف إخفاق سعي وكلاهما مؤذن بقلة الشجاعة والثبات والثقةِ بالنفس وبحسن السلوك، ثم إن كل خصلة من هاته الخصال الثلاث الذميمة توكّد هنَوات أخرى، فالكذب ينشأ عن شيء من البله لأن الكاذب يعتقد أن كذبه يتمشى عند الناس وهذا من قلة الذكاء لأن النبيه يعلم أن في الناس مثله وخيراً منه، ثم البله يؤدي إلى الجهل بالحقائق وبمراتب العقول، ولأن الكذب يعود فِكر صاحبه بالحقائق المحرَّفة وتشتبه عليه مع طول الاسترسال في ذلك حتى إنه ربما اعتقد ما اختلقه واقعاً، وينشأ عن الأمرين السفه وهو خلل في الرأي وأَفَن في العقل، وقد أصبح علماء الأخلاق والطب يعدون الكذب من أمراض الدماغ.
وأما نشأةُ العجب والغرور والكفر وفساد الرأي عن الغباوة والجهل والسفهِ فظاهرة، وكذلك نشأة العزلة والجبن والتستر عن الخوف، وأما نشأة عداوة الناس عن الخداع فلأن عداوة الأضداد تبدأُ من شعورهم بخداعه، وتعقبها عداوة الأصحاب لأنهم إذا رأوا تفنن ذلك الصاحب في النفاق والخداع داخلهم الشك أن يكون إخلاصه الذي يظهره لهم هو من المخادعة فإذا حصلت عداوة الفريقين تصدى الناس كلهم للتوقي منه والنكاية به، وتصدى هو للمكر بهم والفساد ليصل إلى مرامه، فرمته الناس عن قَوس واحدة واجتنى من ذلك أن يصير هُزأة للناس أجمعين.
وقد رأيتم أن الناشئ عن مرض النفاق والزائد فيه هو زيادة ذلك الناشئ أي تأصله وتمكنه وتولد مذمات أخرى عنه، ولعل تنكير (مرض) في الموضعين أشعر بهذا فإن تنكير الأول للإشارة إلى تنويععٍ أو تكثيرٍ، وتنكيرَ الثاني ليشير إلى أن المزيد مرض آخر على قاعدة إعادةِ النكرةِ نكرةً.
وإنما أسندت زيادة مرض قلوبهم إلى الله تعالى مع أن زيادة هاته الأمراض القلبية من ذاتها لأن الله تعالى لما خلَق هذا التولُّد وأسبابه وكان أمراً خفياً نبه الناس على خطر الاسترسال في النوايا الخبيثة والأعمال المنكرة، وأنه من شأنه أن يزيد تلك النوايا تمكناً من القلب فيعسر أو يتعذر الإقلاع عنها بعد تمكنها، وأسندت تلك الزيادة إلى اسمه تعالى لأن الله تعالى غضب عليهم فأهملهم وشأنهم ولم يتداركهم بلطفه الذي يوقظهم من غفلاتهم لينبه المسلمين إلى خطر أمرها وأنها مما يعسر إقلاع أصحابها عنها ليكون حذرهم من معاملتهم أشد ما يمكن.
فجملة: ﴿ فزادهم الله مرضاً ﴾ خبرية معطوفة على قوله: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ واقعة موقع الاستئناف للبيان، داخلةٌ في دفع التعجب، أي إن سبب توغلهم في الفساد ومحاولتهم ما لا يُنال لأن في قلوبهم مرضاً ولأنه مرض يتزايد مع الأيام تزايداً مجعولاً من الله فلا طمع في زواله.
وقال بعض المفسرين: هي دعاءٌ عليهم كقول جبير بن الأضبط: تَبَاعَد عني فَطْحَل إذْ دَعوتُه *** أَمِينَ فزادَ الله مَا بينَنا بُعدا وهو تفسير غير حسن لأنه خلاف الأصل في العطف بالفاء ولأن تصدي القرآن لشتمهم بذلك ليس من دأبه، ولأن الدعاء عليهم بالزيادة تنافي ما عهد من الدعاء للضالين بالهداية في نحو: «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون».
وقوله: ﴿ ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ﴾ معطوف على قوله: ﴿ فزادهم الله مرضاً ﴾ إكمالاً للفائدة فكمل بهذا العطف بيانُ ما جره النفاق إليهم من فساد الحال في الدنيا والعذاب في الآخرة.
وتقديم الجار والمجرور وهو ﴿ لهم ﴾ للتنبيه على أنه خبر لانعت حتى يستقر بمجرد سماع المبتدأ العلم بأن ذلك من صفاتهم فلا تلهو النفس عن تلقيه.
والأليم فَعيل بمعنى مفعول لأن الأكثر في هذه الصيغة أن الرباعي بمعنى مُفعَل وأصله عذاب مؤلَم بصيغة اسم المفعول أي مؤلَمٌ من يعذَّب به على طريقة المجاز العقلي لأن المؤلَم هو المعذب دون العذاب كما قالوا جَدّ جِدّه، أو هو فعيل بمعنى فاعل من أَلِمَ بمعنى صار ذا ألَم، وإما أن يكون فعيل بمعنى مفعِل أي مؤلِمْ بكسر اللام، فقيل لم يثبت عن العرب في هذه المادة وثبت في نظيرها نحو الحَكيم والسميع بمعنى المسمِع كقول عمرو بن معديكرب: وخيلٍ قد دَلَفْتُ لها بخيل *** تحيةُ بينهم ضرب وَجِيع أي موجع، واختلف في جواز القياس عليه والحق أنه كثير في الكلام البليغ وأن منع القياس عليه للمولدين قصد منه التباعد عن مخالفة القياس بدون داع لئلا يلتبس حال الجاهل بحال البليغ فلا مانع من تخريج الكلام الفصيح عليه.
وقوله: ﴿ بما كانوا يكذبون ﴾ الباء للسببية.
وقرأ الجمهور (يُكذِّبون) بضم أوله وتشديد الذال.
وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بفتح أوله وتخفيف الذال أي بسبب تكذيبهم الرسول وإخبارَه بأنه مرسل من الله وأن القرآن وحي الله إلى الرسول، فمادة التفعيل للنسبة إلى الكذب مثل التعديل والتجريح، وأما قراءة التخفيف فعلى كذبهم الخاص في قولهم: ﴿ آمنا بالله ﴾ [البقرة: 8] وعلى كذبهم العام في قولهم: ﴿ إنما نحن مصلحون ﴾ [البقرة: 11] فالمقصود كذبهم في إظهار الإيمان وفي جعل أنفسهم المصلحين دون المؤمنين.
والكذب ضد الصدق، وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة المائدة (103).
و(ما) المجرورة بالباء مصدرية، والمصدر هو المنسبك من كان أي الكون.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: شَكٌّ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: نِفاقٌ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أُجامِلُ أقْوامًا حَياءً وقَدْ أرى صُدُورَهُمُ تَغْلِي عَلَيَّ مِراضُها والثّالِثُ: أنَّ المَرَضَ الغَمُّ بِظُهُورِ أمْرِ النَّبِيِّ عَلى أعْدائِهِ، وأصْلُ المَرَضِ الضَّعْفُ، يُقالُ: مَرَّضَ في القَوْلِ إذا ضَعَّفَهُ.
﴿ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ زِيادَةِ مَرَضِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ الفَرائِضِ، والحُدُودِ.
﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ يَعْنِي: (مُؤْلِمٌ).
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مرض ﴾ قال: شك ﴿ فزادهم الله مرضاً ﴾ أي قال: شكاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود مثله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ قال: النفاق ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ قال: نكال موجع ﴿ بما كانوا يكذبون ﴾ قال: يبدلون ويحرّفون.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله تعالى ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ قال: النفاق.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول الشاعر: أجامل أقواماً حياء وقد أرى ** صدورهم تغلي عليّ مراضها قال: فأخبرني عن قوله: ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ قال: ﴿ الأليم ﴾ الموجع قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول الشاعر: نام من كان خلياً من ألم ** وبقيت الليل طولاً لم أنم وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن ﴿ أليم ﴾ فهو الموجع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: ﴿ الأليم ﴾ الموجع في القرآن كله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ مرض ﴾ قال: ريبة وشك في أمر الله ﴿ فزادهم الله مرضاً ﴾ قال: ريبة وشكاً ﴿ ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ﴾ قال: إياكم والكذب فإنه من باب النفاق، وإنا والله ما رأينا عملاً قط أسرع في فساد قلب عبد من كبر أو كذب.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ قال: هذا مرض في الدين، وليس مرضاً في الأجساد.
وهم المنافقون و ﴿ المرض ﴾ الشك الذي دخل في الإِسلام.
وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ قال: هؤلاء أهل النفاق.
والمرض الذي في قلوبهم الشك في أمر الله عز وجل ﴿ فزادهم الله مرضاً ﴾ قال: شكاً.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: العذاب الأليم.
هو الموجع وكل شيء في القرآن من ﴿ الأليم ﴾ فهو الموجع.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ : قال أبو بكر بن الأنباري (١) (٢) (٣) قالت ليلى الأخيلية (٤) إذا هبط الحَجَّاج أرضًا مريضةً ...
تتبَّع أقصى (٥) (٦) أرادت: أرضا فاسدة.
وقال آخر: ألم تر أن الأرض أضحت مريضة ...
لفقد الحسين والبلاد اقشعرت (٧) وقال غيره: أصل المرض الضعف، يقال (٨) (٩) (١٠) (١١) رَاحَتْ لأربعك الرياح مريضة (١٢) ثعلب عن ابن الأعرابي (١٣) (١٤) (١٥) وقال الأزهري: أخبرني المنذري، عن بعض أصحابه قال: المرض إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها، قال: والمرض: الظلمة، وأنشد (١٦) ولَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِنْ كُلِّ ناحيةٍ ...
فما يُضيءُ لها شَمْسٌ ولا قَمَرُ (١٧) هذا (١٨) (١٩) قال ابن عباس في قلوبهم مرض: أي شك ونفاق (٢٠) (٢١) وقال ابن جرير (٢٢) (٢٣) وليس الأمر على ما قال؛ لأن الشك في القلب على الحقيقة، فأي فائدة لتقدير الاعتقاد ههنا؛ ولأن الشك ينافي الاعتقاد، وهم ليسوا معتقدين (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ فَزَادَهُمُ اَللَّهُ مَرَضًا ﴾ .
يقال: زاد يزيد زيادة وزيدا (٢٦) كذلك زَيْدُ المَرْءِ بعدَ انتِقَاصِه (٢٧) وقال ذو الإصبع (٢٨) وأنتمُ معشرٌ زَيْدٌ على مائة ...
فأجمِعُوا أمركم طُرًّا فكيدوني (٢٩) كأنه (٣٠) (٣١) (٣٢) ﴿ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ (٣٣) ﴿ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا ﴾ (٣٤) وكان حمزة يميل (زاد) في جميع القرآن [[قال ابن مجاهد: (قرأ حمزة [وحده] ﴿ فَزَادَهُمُ اللَّهُ ﴾ بكسر الزاي [المراد الإمالة] وكذلك (شاء) و (جاء) و (خاب) و (طاب) و (ضاق) و (خاف) و (حاق) ...
ثم قال.
وكان ابن عامر يكسر من ذلك كله ثلاثة أحرف: (فزادهم) و (شاء) و (جاء)، "السبعة" لابن مجاهد ص 141، 142، وذكر نحوه مكي، وقال: ووافقه ابن ذكوان في (جاء) و (شاء) حيث وقعا وعلى إمالة (زاد) في أول سورة البقرة خاصة.
"الكشف" 1/ 174، وانظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 320.]] كأنه أراد أن يدل بالإمالة على أن العين (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) ومما يقوي الإمالة في (زاد) ونحوه: أنه اجتمع فيه أمران كل واحد يوجب الإمالة: أحدهما: ما ذكرنا (٤٦) (٤٧) (٤٨) ومعنى قوله.
﴿ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ أى: شكًّا على شكٍّ وفسادَا على فساد (٤٩) (٥٠) (٥١) ﴿ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ﴾ .
قال أبو إسحاق (٥٢) (٥٣) (٥٤) وقوله تعالى ﴿ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ (٥٥) ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ ﴾ الآية [التوبة: 124].
وقوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ ﴾ .
أصل العذاب في كلام العرب: من العذب، وهو المنع؛ يقال: عَذَبتَه عَذْبًا أي منعتَه مَنْعَا، فعَذَبَ عُذوبًا أي امتنع (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) وقوله تعالى: ﴿ أَلِيمٌ ﴾ الأليم بمعنى المؤلم (٦٠) (٦١) (٦٢) وترفع (٦٣) (٦٤) (٦٥) وقال عمرو (٦٦) (٦٧) أي: المسمع.
ومعنى العذاب الأليم (٦٨) "قوله تعالى: ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ .
(ما) في تأويل المصدر (٦٩) ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا ﴾ ، إن شاء الله.
وحقيقة الكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وقد يستعار لفظ الكذب فيما ليس بكذب في الحقيقة (٧٠) (٧١) (٧٢) كأنها لما أوهمته خلاف الحقيقة كانت بمنزلة ما كذبته (٧٣) وقرأ أهل الكوفة (٧٤) ﴿ يَكْذِبُونَ ﴾ بالتخفيف من الكذب، وهو أشبه بما قبله وبما بعده؛ لأن قبله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ وهذا كذب منهم، وبعده قوله: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ وهذا يدل على كذبهم في دعوى الإيمان.
وأيضا فإن قوله تعالى ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ لا يخلو إما أن يراد به المنافقون، أو المشركون، أو الفريقان جميعاً.
فإن أراد المنافقين فقد (٧٥) ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) ﴾ .
وإن كانوا المشركين فقد قال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ ﴾ .
وإن كانوا الفريقين فقد أخبر عنهم جميعا بالكذب الذي يلزم (٧٦) ومن شدد (٧٧) (٧٨) ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ ﴾ وقوله: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ ، ﴿ وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ﴾ ونحوها من الآيات (٧٩) (١) انظر: "الزاهر" 1/ 585، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 171، "تفسير النسفي" 1/ 18، "البحر اليحيط" 1/ 53.
قال ابن فارس: (الميم والراء والضاد) أصل صحيح يدل على ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان، ..) ، "مقاييس اللغة" (مرض) 5/ 311، "تهذيب اللغة" (مرض) 4/ 3378.
(٢) (معناه) مكرر في (ب).
(٣) في "التهذيب" (أرض مريضة، إذا ضاقت بأهلها، وأرض مريضة: إذا كثر بها الهرج والفتن والقتل "تهذيب اللغة" مرض) 12/ 35.
(٤) هي ليلى بنت الأخيل من عقيل بن كعب، أشعر النساء، لا يقدم عليها غير الخنساء، رثت عثمان - - ودخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنت.
انظر ترجمتها في: "الشعر والشعراء" ص 291، "الأعلام" 5/ 249.
(٥) في (ب): (دهاء).
(٦) ورد البيت في "الزاهر" 1/ 560، 586، "أساس البلاغة" (مرض) 2/ 379، "جواهر البلاغة" للهاشمي ص 315.
(٧) البيت من قصيدة لسليمان بن قَنَّة يرثي الحسين بن علي - - وردت في "الاستيعاب" 1/ 444، "سير أعلام النبلاء" 3/ 319، "والبداية والنهاية" 8/ 211، والقصيدة في حماسة أبي تمام بشرح المرزوقي، دون البيت المستشهد به هنا 2/ 961.
(٨) في (ب): (فقال يقال).
(٩) في (أ)، (ج): (غير) وفي (ب) (عن) والصواب (عين) قال الثعلبي: (المرض في العين: فتورالنظر) "تفسير الثعلبي" 1/ 50 أ، وانظر "الصحاح" (مرض) 3/ 1106 "البحر المحيط" 1/ 53.
(١٠) (أي) ساقطة من (ب).
(١١) في (ب): (يفسر).
(١٢) لم أعثر عليه ولم أعرف قائله فيما اطلعت عليه والله أعلم.
(١٣) في "التهذيب" ثعلب عن ابن الأعرابي ..
ثم ذكره، "تهذيب اللغة" (مرض) 4/ 3378.
(١٤) (الواو) ساقطة من (ب).
(١٥) في "التهذيب": (مرض فلان في حاجتى) 4/ 3378.
(١٦) في "التهذيب": (وأنشد أبو العباس)، 4/ 3378، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر" قال: أنشدنا أبو العباس 1/ 585.
(١٧) البيت لأبي حية النميري ولفظه في "التهذيب" (فلا يضيء) 4/ 3778، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 585 والكرماني في "لباب التفسير" 1/ 126 (رسالة دكتوراه)، وورد في "اللسان" (مرض) 7/ 4180، "البحر المحيط" 1/ 35، "الدر المصون" 1/ 129.
(١٨) (هذا) ساقط من (ب).
(١٩) في (ب): (والجهل هذا والحيرة) وفي ج (والحيرة والجهل).
(٢٠) أخرج ابن جرير بسنده عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (في قلوبهم مرض) أي شك وأخرج بسنده عن الضحاك عن ابن عباس قال: المرض: النفاق، "تفسير الطبري" 1/ 280، وأخرجهما ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 43، وانظر "تفسير ابن كثير" 1/ 52، "الدر" 1/ 67 - 68.
(٢١) انظر أقوالهم والآثار عنهم في: "تفسير الطبري" 1/ 122، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 43 - 44، "تفسير ابن كثير" 1/ 52، "الدر" 1/ 67 - 68.
(٢٢) "تفسير الطبري" 1/ 122، نقل الواحدي كلامه بتصرف.
(٢٣) قوله: (كقولهم: يا خيل الله اركبي) ذكره ابن الأنباري في "الزاهر"، قال ومعناه.
فرسان خيل الله اركبوا وابشروا بالجنة.
"الزاهر" 2/ 100، ومنه الحديث (يا خيل الله اركبي) ذكره ابن الأثير في "النهاية" 2/ 94، وذكره السيوطي في "الدرر المنتثرة"، وعزاه للعسكري في "الأمثال"، "الدرر المنتثرة" ص 144 (463)، وذكره العجلوني في "كشف الخفاء" وعزاه لأبي الشيخ في "الناسخ والمنسوخ"، وللعسكري ولابن عائذ في "المغازي" وغيرهم.
انظر "كشف الخفاء" 2/ 379، 380، وقد رجعت إلى "جمهرة الأمثال" للعسكري ولم أجده، وترجم أبو داود في "سننه" (باب في النداء عند النفير: يا خيل الله اركبي) كتاب (الجهاد) وساق حديث سمرة بن جندب: أما بعد: فإن النبي - - سمى خيلنا خيل الله (2560)، "سنن أبي داوود" 3/ 55 معه "معالم السنن".
(٢٤) في (ب): (بمعتقدين).
(٢٥) وفيما قاله الواحدي وجاهة وقوة.
(٢٦) "الحجة" لأبي علي 1/ 322.
(٢٧) أنشده أبو زيد مع ثلاثة أبيات قبله ونسبها لحسان السعدي ورواية أبي زيد له مع عجزه: كذلك زيد المرء ثم انتقاصه ...
وتكراره في إثره بعد ما مضى "النوادر" ص 358 وأنشد الأبيات المرتضى في "أماليه" ونسبها لبعض شعراء طيى والشطر الأخير عنده: (يعود إلى مثل الذي كان قد بدا) 1/ 416.
وهو في "الحجة" وفيه (ثم) بدل (بعد) وفي الحاشية في ط (بعد) مكان (ثم) 1/ 322، ويظهر أن نسخة (ط) هي التي اعتمد المؤلف عليها.
(٢٨) هو حرثان بن محرث ذو الإصبع العدواني شاعر جاهلي معمر عاش ثلاثمائة سنة انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 473، "الخزانة" 5/ 284.
(٢٩) البيت ضمن قصيدة لذى الإصبع العدواني في "المفضليات" ص 161، وفيه بدل (طرا)، (كلا) ووردت في ص 163، وفيه (شتى)، وهي في "الأمالي" لأبي علي القالي1/ 256، وفي "شرح المفصل" لابن يعيش 1/ 30.
(٣٠) في (ب): (كان).
(٣١) في (ب): (على مائة فأجمعوا).
(٣٢) أي: (زاد).
(٣٣) في (ب): (تعدى) تصحيف والآية من سورة الكهف: 13.
(٣٤) الكلام نقله عن "الحجة" لأبي علي1/ 322.
(٣٥) في (ب): (المعين).
(٣٦) في جميع النسخ (لتحافظ) بالتاء، وكتبتها بالياء حسب ما ورد في "الحجة" والكلام منقول منه وهو الصحيح، انظر "الحجة"1/ 326، 327.
(٣٧) في (أ)، جـ، (فأبدوا) وأثبت ما في (ب).
(٣٨) في (ب): (أفضل).
(٣٩) في (ب): (النصح).
(٤٠) جمع (أبيض) على القياس (بوض) فأبدلوا ضمة (الباء) كسرة حتى لا تقلب الياء واوا.
(٤١) في (ب): (الصحيح).
(٤٢) نحو (الياء).
(٤٣) أي ما كان أصل العين فيه ياء.
(٤٤) في "الحجة": (زاد وباع وناب وعاب) 1/ 327.
(٤٥) (في الكلمة) ساقط من (ب).
(٤٦) وهو أن تمال الألف ليعلم أنها من الياء،.
"الحجة" 1/ 328.
(٤٧) كذا ورد في "الحجة" 1/ 328 والمراد أن الحرف الأول من فعل زاد يكون مكسورا إذ أسند هذا الفعل إلى تاء المتكلم أو المخاطب أو المخاطبة فتقول: زدتُ، زِدتَ، زِدتِ انظر "الكشف" 1/ 174.
(٤٨) الكلام بتصرف يسير من "الحجة" 1/ 327، 328.
(٤٩) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 122 - 123، و"تفسير البغوي" 1/ 66، "تفسير ابن كثير" 1/ 52.
(٥٠) المعنى صحيح فإن الله خالق كل شيء من الطاعات والكفر لكن السلف لم يستعملوا هذا اللفظ تأدبا مع الله تعالى انظر التعليق السابق عند تفسير قوله تعالى: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلىَ قُلوُبِهِم ﴾ .
(٥١) في (ب): (سمرص).
(٥٢) هو الزجاج.
(٥٣) (المرض) ساقط من (ب).
(٥٤) في (ب): (على).
(٥٥) كلام الزجاج: (وقوله: ﴿ فَزَادهمُ الله مَرَضًا ﴾ فيه جوابان قال بعضهم زادهم الله بكفرهم كما قال عز وجل: ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ وقال بعض أهل اللغة: فزادهم الله بما أنزل عليهم من القرآن ...)، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 51.
(٥٦) انظر.
"تهذيب اللغة" (عذب) 3/ 2365، "تفسير الدر المصون" 1/ 178 "تفسير البيضاوي" 1/ 10.
(٥٧) انظر: "تهذيب اللغة" (عذب) 3/ 2364، "الصحاح" (عذب) 1/ 178، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب، "الكشاف" 1/ 164.
(٥٨) في (ب): (في).
(٥٩) انظر: "مقاييس اللغة" (عذب) 4/ 260، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب، "الكشاف" 1/ 165، "تفسير البيضاوي" 1/ 10، "تفسير القرطبي" 1/ 172.
(٦٠) انظر.
"تفسير الطبري" 1/ 123، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 51، "تفسير أبي الليث" 1/ 95.
(٦١) في (أ)، (ج) (السمع) وأثبت ما في (ب).
(٦٢) هو غيلان بن عقبة من بني صعب بن مالك بن عدي بن عبد مناة، و (الرُّمَّة) بضم الراء وتشديد الميم: قطعة من الحبل الخلق، قيل إن مية لقبته بذلك، شاعر إسلامي عاصر جرير والفرزدق.
انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 350، "وفيات الأعيان" 4/ 11، "الخزانة" 1/ 106.
(٦٣) كذا في (أ)، (ج) وفي (ب) محتملة ونحوه في "تفسير الطبري" وما عداه من المصادر فيها: (نرفع).
(٦٤) في (ب) (هجم).
(٦٥) قوله: الشمردلات الإبل الحسان الجميلة الخلق، يصك: يضرب، وهج أليم: شدة الحرارة، البيت في "ديوانه" 2/ 677، "مجاز القرآن" 1/ 32 و"تفسير الطبري" 1/ 123، وفيه (يصد) بدل (يصك)، "تفسير القرطبي" 1/ 198، و"الدر المصون" 1/ 130.
(٦٦) هو عمرو بن معد يكرب، وفد على النبي سنة تسع أو عشر، فأسلم، فارس مشهور، له وقائع في الجاهلية والإسلام، انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 235، "الإصابة" 3/ 18، "الخزانة" 2/ 444.
(٦٧) تمامه: يؤرقني وأصحابي هجوع وريحانة: أخت عمرو، وكان الصمة أبو دريد قد غزا بني زبيد وسباها، وغزاهم عمرو مرارًا ولم يقدر عليها، وقيل: ريحانة امرأة أراد أن يتزوجها فهو يشبب بها.
البيت في "الشعر والشعراء" ص 235، و"تفسير الطبري" 1/ 123، "معاني القرآن" للزجاج1/ 51، و"تفسير الثعلبي" 1/ 50 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 165، "الأصمعيات" ص 172، "البحر المحيط" 1/ 59.
(٦٨) في (ب): (هو العذاب الذي ...).
(٦٩) هذا على قول من يجعل لـ (كان) مصدرًا ومن لا يجيز ذلك يجعل ما بمعنى الذي وسيأتي للمسألة مزيد إيضاح عند قوله ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا ﴾ ، وقد ذكر المذهبين الطبري في "تفسيره" 1/ 123، وأبو حيان في "البحر" 1/ 60 والسمين الحلبي في "الدر المصون" 1/ 130.
(٧٠) قال أبو حيان: والكذب له محامل في لسان العرب، أحدها: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه.
والثاني: الإخبار بالذي يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق.
والثالث: الخطأ.
الرابع: البطول.
الخامس: الإغراء بلزوم المخاطب الشيء المذكور.
"البحر المحيط" 1/ 60، وانظر: "الكشاف" 1/ 178، "الدر المصون" 1/ 132.
(٧١) هو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة التغلبي، الشاعر المشهور كان نصرانيًّا == ومات على ذلك، مدح بني أمية وكان مقدما عندهم.
انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 319، "الخزانة" 1/ 459.
(٧٢) البيت مطلع قصيدة للأخطل يهجو بها جريرا وقوله (كذبتك عينك): أي خيل إليك، وواسط: مكان بين البصرة والكوفة.
البيت من شواهد سيبويه 3/ 174.
وورد في "المقتضب" 3/ 295، "تهذيب اللغة" (الكذب) 4/ 3114، "مغنى اللبيب" 1/ 45.
(٧٣) انظر: "تهذيب اللغة" (كذب) 4/ 3114.
(٧٤) عاصم وحمزة والكسائي انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 143، "الحجة" لأبي علي 1/ 329، "الكشف" لمكي1/ 227، و"تفسير الطبري" 1/ 121 - 123.
(٧٥) في (أ)، (ج): (وقد) وأثبت ما في (ب) ومثله في "الحجة" 1/ 338.
(٧٦) في (ب): (يلتزم).
(٧٧) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر "السبعة" لابن مجاهد ص 43.
(٧٨) في (أ)، (ج): (الثقيل) وأثبت ما في (ب) ومثله في "الحجة" 1/ 338.
(٧٩) أخذه عن "الحجة" لأبي علي، بتصرف 1/ 337.
وانظر "الكشف" لمكي 1/ 228، وقد رجح مكي قراءة (التشديد) ورجح الطبري قراءة (التخفيف) 1/ 123.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ يحتمل أن يكون حقيقة، وهو الألم الذي يجدونه من الخوف وغيره، وأن يكون مجازاً بمعنى الشك أو الحسد ﴿ فَزَادَهُمُ ﴾ يحتمل الدعاء والخبر ﴿ يَكْذِبُونَ ﴾ بالتشديد أي يكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم وقرئ: بالتخفيف أي يكذبون في قولهم ﴿ آمنا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
القراءات: و "من الناس" ممالة.
قرأ قتيبة ونصير في القرآن ما كان مكسوراً.
"من يقول" مدغمة النون والتنوين في الياء حيث وقعت: حمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري.
"بمؤمنين" غير مهموز: أبو عمرو وغير شجاع ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها من الأسماء.
"وما يخادعون": أبو عمرو وابن كثير ونافع.
"فزادهم الله" وبابه مما كان ماضياً بالإمالة: حمزة ونصير وابن ذكوان من طريق مجاهد والنقاش بن الأخرم ههنا بالإمالة فقط.
"يكذبون" خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
قيل ﴿ وغيض ﴾ ﴿ وجيء ﴾ بالإشمام: علي وهشام ورويس.
"السفهاء ألا" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
"السفهاء ولا" بقلب الثانية واواً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع.
"السفهاء وألا" بقلب الأولى واواً.
روى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: وكذلك ما أشبهها مما اختلف الهمزتان فيها إلا أن تكون الأولى منهما مفتوحة مثل ﴿ شهداء إذ ﴾ ﴿ وجاء إخوة ﴾ وأشباه ذلك.
"مستهزءون" بترك الهمزة في الحالين: يزيد وافق حمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها، وعن حمزة في الوقف وجهان: الحذف والتليين شبه الياء والواو.
"طغيانهم" حيث كان بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو.
"بالهدى" وما أشبهها من الأسماء والأفعال من ذوات الياء بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.
وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وكذلك كل كلمة تجوز الإمالة فيها وذلك طبعهم وعادتهم.
الوقوف: "بمؤمنين" (م) لما مر في المقدمة الثامنة: "آمنوا" (ج) لعطف الجملتين المتفقتين مع ابتداء النفي.
"يشعرون" (ط) للآية وانقطاع النظم والمعنى، فإن تعلق الجار بما بعده.
"مرض" (لا) لأن الفاء للجزاء وكان تأكيداً لما في قلوبهم.
"مرضاً" (ج) لعطف الجملتين المختلفتين.
"يكذبون" (ه) في "الأرض" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذا" وعامله.
"مصلحون" (ه) "لا يشعرون" (ه) "كما آمن السفهاء" (ط) للابتداء بكلمة التنبيه، ومن وصل فليعجل رد السفه عليهم "لا يعلمون" (5) "آمنا" (ج) لتبدل وجه الكلام معنى مع أن الوصل أولى لبيان حالتيهم المتناقضتين وهو المقصود "شياطينهم" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذاً" "معكم" (لا) تحرزاً عن قول ما لا يقوله مسلم، وإن جاز الابتداء بإنما.
"مستهزءون" (ه) "يعمهون" (ه) "بالهدى" (ص) لانقطاع النفس ولا يلزم العود لأن ما بعده بدون ما قبله مفهوم "مهتدين" التفسير: وفيه مباحث: المبحث الأول: في قوله ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ الآية.
وفيه مسائل: الأولى: عن مجاهد قال: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدها نزلتا في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين.
فأقول: أحوال القلب أربع: الاعتقاد المطابق عن الدليل وهو العلم، والاعتقاد المطابق لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد المحق، والاعتقاد غير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك.
وأحوال اللسان ثلاث: الإقرار والإنكار والسكوت.
كل منها بالاختيار أو بالاضطرار، فيحصل من التراكيب أربعة وعشرون قسماً فلنتكلم في الأحوال القلبية ونجعل البواقي تبعاً لها في الذكر.
(النوع الأول): العرفان القلبي إن انضم إليه الإقرار باللسان اختياراً فصاحبه مؤمن حقاً بالاتفاق، أو اضطراراً فهو منافق، لأنه لولا الخوف لما أقرّ، فهو بقلبه منكر مكذب وجوب الإقرار.
وإن انضم إليه الإنكار اضطراراً فهو مسلم لقوله ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ أو اختياراً فهو كافر معاند.
وإن انضم إليه السكوت اضطراراً فمسلم حقاً لأنه خاف، أو كما عرف مات فجأة فيكون معذوراً أو اختياراً فمسلم أيضاً عند الغزالي وعند كثير من الأئمة لقوله "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" .
(النوع الثاني) الاعتقاد التقليدي إن وجد معه الإقرار اختياراً فهو المسألة المشهورة من أن المقلد مؤمن أم لا، والأكثرون على إيمانه.
أو اضطراراً فمنافق بالطريق الأولى كما مر في النوع الأول.
وإن وجد معه الإنكار اختياراً فلا شك في كفره، أو اضطراراً فمسلم عند من يحكم بإيمان المقلد.
وإن وجد معه السكوت اضطراراً فمسلم بناء على إسلام المقلد، أو ا اختياراً فكافر معاند.
(النوع الثالث): الإنكار القلبي مع الإقرار اللساني إن كان اضطراراً نفاق، وكذا اختياراً لأنه أظهر خلاف ما أضمر.
ومع الإنكار اللساني كفر كيف كان، وكذا مع السكوت.
(النوع الرابع): القلب الخالي عن جميع الاعتقادات مع الإقرار اللساني إن كان اختياراً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر لكنه فعل ما لا يجوز له حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا.
وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً فلا يكفر صاحبه لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً.
والقلب الخالي مع الإنكار اللساني كيف كان نفاق، والقلب الخالي مع اللسان الخالي إن كان في مهلة النظر فذلك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا نفاق.
فظهر من التقسيم أن المنافق هو الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، ومنه "النافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها" فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج.
الثانية: زعم قوم أن الكفر الأصلي أقبح من النفاق، لأن الكافر جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان.
وقال الآخرون: المنافق أيضاً كاذب باللسان لأنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه.
قال عز من قائل: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ وأيضاً إنه قصد التلبيس والكافر الأصلي لا يقصد ذلك.
وأيضاً الكافر الأصلي على طبع الرجال، والمنافق على طبيعة الخنائي.
وأيضاً الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه، والمنافق رضي بالكذب.
وأيضاً المنافق ضم إلى الكفر الاستهزاء والخداع دون الكافر الأصلي، ولغلظ كفر المنافقين قال الله : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ ووصف حال الكفار في آيتين وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم وفضحهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة.
الثالثة: قصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة "الذين كفروا" كما تعطف الجملة على الجملة.
وأصل ناس أناس بدليل إنسان وإنس وأناسي.
حذفت الهمزة تخفيفاً، مع لام التعريف كاللازم.
وقوله "إن المنايا يطلعن على الإناس الآمنينا" قليل.
ونويس من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان.
سموا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم.
ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول كما يقال وزن ق أفعل وهو اسم جمع كرخال للأنثى من أولاد الضأن.
وأما الذي مفرده رخل بكسر الراء فرخال بكسر الراء.
"ومن" في "من يقول" موصوفة إن جعلت اللام في الناس للجنس كقوله ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ ليكون معنى الكلام أن في جنس الإنس طائفة كيت وكيت، فيعود فائدة الكلام إلى الوصف.
وإن لم يكن مفيداً من حيث الحمل لأن الطائفة الموصوفة تكون لا محالة من الناس، ولا يجوز أن تكون "من" موصولة حينئذ، لأن الصلة تكون جملة معلومة الانتساب إلى الموصول فتبطل فائدة الوصف، فيبقى الكلام غير مفيد رأساً.
وإن جعلت اللام للعهد فمن تكون موصولة نحو ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ﴾ وتكون اللام إشارة إلى الذين كفروا لما ذكرهم، ولا يجوز أن تكون "من" موصوفة إذ ذاك، لأن فائدة الكلام تعود إلى الوصف أيضاً، ولكن لا يجاوبه نظم الكلام إذ يصير المعنى أن من المختوم على قلوبهم طائفة يقولون كيت وكيت وما هم بمؤمنين.
ومن البين أن مدلول قوله "وما هم بمؤمنين" معلوم من حال المطبوع على قلوبهم فيقع ذكره ضائعاً، والضمير العائد إلى "من" يكون موحداً تارة باعتبار اللفظ نحو ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة ﴾ ومجموعاً أخرى باعتبار المعنى مثل ﴿ ومنهم من يستمعون إليك ﴾ وقد اجتمع الاعتباران في الآية في "يقول" و "آمنا".
وإنما اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر لأنهما قطرا الإيمان، ومن أحاط بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره.
وفي تكرير الباء إيذان بأنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام.
فإن قلت: إن كان هؤلاء المنافقون من المشركين فظاهر عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وإن كانوا من اليهود فكيف يصح ذلك؟
قلت: إيمان اليهود بالله ليس بإيمان لقولهم "عزير ابن الله" وكذلك إيمانهم باليوم الآخر لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته.
فقولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق بل على عقيدتهم فهو كفر لا إيمان.
فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة واستهزاء وتخييلاً للمسلمين أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي كان خبثاً إلى خبث وكفراً إلى كفر.
والمراد باليوم الآخر إما طرف الأبد الذي لا ينقطع لأنه متأخر عن الأوقات المنقضية، أو الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة التي لا حد للوقت بعده.
فإن قلت: كيف طابق قوله "وما هم بمؤمنين" قولهم "آمنا" والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني بالعكس؟
قلت: لما أتوا بالجملة الفعلية ليكون معناها أحدثنا الدخول في الإيمان لتروج دعواهم الكاذبة، جيء بالجملة الأسمية ليفيد نفي ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل ألبت والقطع وأنهم ليس لهم استئهال أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين، فكان هذا أوكد وأبلغ من أن يقال: إنهم لم يؤمنوا.
ونظير الآية قوله ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ﴾ .
ثم إن قوله "وما هم بمؤمنين" يحتمل أن يكون مقيداً وترك لدلالة التقييد في "آمنا".
ويحتمل الإطلاق أي أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما.
البحث الثاني: في قوله ﴿ يخادعون الله ﴾ إلى ﴿ يكذبون ﴾ .
أعلم أن الله ذكر من قبائح أفعال المنافقين أربعة أشياء: أحدها المخادعة وأصلها الإخفاء، ومنه سميت الخزانة المخدع.
والأخدعان عرفان في العنق خفيان.
وخدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً.
والخديعة مذمومة لأنها إظهار ما يوهم السداد والسلامة وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو التخلص منه، فهي بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسية.
فإن قيل: مخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا يخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الحليم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنين وإن جاز أن يخدعوا كما قال ذو الرمة: تلك الفتاة التي علقتها عرضاً *** إن الحليم ذا الإسلام يختلب لم يجز أن يخدعوا.
قلنا: كانت صورة صنعهم مع الله - حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون - صورة صنع الخادعين، وصورة صنع الله معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم - حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم.
ويحتمل أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه، لأنه من كان ادعاؤه الإيمان بالله تعالى نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، أو تجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم.
ويحتمل أن يذكر الله ويراد الرسول لأنه خليفته والناطق بأوامره ونواهيه مع عباده ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ .
ويحتمل أن يكون من قولهم "أعجبني زيد وكرمه" فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله، وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص.
ولما كان المؤمنون من الله بمكان سلك بهم هذا المسلك ومثله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ { ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله ﴾ وقولهم "علمت زيداً فاضلاً" الغرض ذكر الإحاطة بفضل زيد، لأن زيداً كان معلوماً له قديماً كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكره توطئة وتمهيداً.
ووجه الاختصار بخادعت على واحد أن يقال: عني به فعلت إلا أنه أخرج في زنة "فاعلت" لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه.
"ويخادعون" بيان ليقول، ويجوز أن يكون مستأنفاً كأن قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين؟
فقيل: يخادعون.
وكان غرضهم من الخداع الدفع عن أنفسهم أحكام الكفار من القتل والنهب وتعظيم المسلمين إياهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم واطلاعهم على أسرار المسلمين لاختلاطهم بهم.
والسؤال الذي يذكر ههنا من أنه لم أبقى المنافق على حاله من النفاق ولم يظهر أمره حتى لا يصل من أغراض الخداع إلى ما وصل؟
وأرد على استبقاء الكفار وسائر أعداء الدين، بل على استبقاء إبليس وذريته وتنحل العقدة في الجميع بما سلف لنا من الحقائق ولا سيما في تفسير قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقراءة من قرأ ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم ﴾ أي وما يعاملون تلك المعاملة المضاهية لمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأن مكرهاً يحيق بهم ودائرتها تدور عليهم لأن الله يدفع ضرر الخداع عن المؤمنين ويصرفه إليهم كقوله ﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ﴾ ويحتمل أن يراد حقيقة المخادعة لأنهم يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، وأنفسهم أيضاً تمنيهم وتحدثهم بالأكاذيب.
وأن يراد "وما يخدعون" فجيء به على لفظ يفاعلون للمبالغة.
والنفس ذات الشيء وحقيقته ولا يختص بالأجسام لقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ والشعور علم الشيء علم حس ومشاعر الإنسان حواسه.
والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.
والمرض حالة توجب وقوع الخلل في الأفعال الصادرة عن موضوعها، واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة بأن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض.
ومجازاً بأن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي، فإن صدورهم كانت تغلي على الرسول والمؤمنين غلاً وحنقاً { ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ وناهيك بما كان من ابن أبي، وقول سعد بن عبادة لرسول له اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة - وذلك شيء منظوم بالجواهر شبه التاج - أي يجعلوه ملكاً، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك.
أو يراد ما يداخل قلوبهم من الضعف والخور لأنهم كانوا يطمعون أن ريح الإسلام تهب حيناً ثم تركد، فكانت تقوى قلوبهم بذلك الطمع.
فلما شاهدوا شوكة المسلمين وإعلاء كلمة الحق وما قذف الله في قلوبهم من الرعب ضعفت جبناً وخوراً.
ومعنى زيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فكفروا به ازدادوا كفراً إلى كفرهم، فأسند الفعل إلى المسبب له كما أسند إلى السورة في قوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ وهذا كما قال الحكيم: البدن الغير النقي كلما فدوته زدته شراً.
وكلما زاد رسوله نصرة وتبسطاً ازدادوا حسداً وبغضاً.
ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع، ويحتمل أن يقال: الغل والحسد قد يفضي إلى تغير مزاج القلب ويؤدي إلى تلف صاحبه كقوله: اصبر على مضض الحسو *** د فإن صبرك قاتله النـــــــار تأكــــل نفســـــها *** إن لم تجد ما تأكلـه فإفضاء صاحبه إلى الهلاك هو المعني بالزيادة.
والأليم الوجيع.
ووصف العذاب به على طريقة قولهم "جد جده" والألم بالحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد.
والمراد بكذبهم قولهم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ .
وفي ترتب الوعيد على الكذب دليل على قبح الكذب وسماجته.
وما يروى عن إبراهيم أنه كذب ثلاث كذبات أحدها قوله ﴿ إني سقيم ﴾ وثانيها قوله لسارة حين أراد أن يغصبها ظالم "إنها أختي" وثالثها قوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا ﴾ فالمراد التعريض "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به.
والكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، وقد يعتبر فيه علم المخبر بكون المخبر عنه مخالفاً للخبر، والصدق نقيضه.
وقراءة من قرأ "يكذبون" بالتشديد إما من كذبه الذي هو نقيض صدقه، وإما من كذب الذي هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل "صدق" نحو: بان الشيء وبين الشيء ومنه قوله: قد بين الصبح لذي عينين *** أو بمعنى الكثرة نحو "موتت البهائم"، أو من قولهم "كذب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه" لأن المنافق متوقف متردد في أمره مذبذب بين ذلك.
وقال : "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" وما في قوله "بما كانوا" مصدرية أي بكذبهم، وكان مقحمة لتفيد الثبوت والدوام أي بسبب أن هذا شأنهم وهجيراهم.
البحث الثالث: في قوله ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدو في الأرض ﴾ إلى قوله }ولكن لا يشعرون}.
هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين.
فقوله "وإذا قيل" إما معطوف على "كانوا يكذبون" أي ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وبما كانوا إذا قيل لهم كذا قالوا كذا، وإما على "يقول" أي ومن الناس من إذا قيل له.
ويحتمل أن يقال الواو للاستئناف، وإسناد "قيل" إلى "لا تفسدوا" و "آمنوا" ليس من إسناد الفعل إلى الفعل فإنه لا يصح، ولكنه إسناد إلى لفظ الفعل.
أي وإذا قيل لهم هذا القول نحو: زعموا مطية الكذب.
والقائل لهم إما النبي إذا بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك نصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح، وإما بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبل منهم ويعظمهم، وإما بعض المؤمنين، ولا يجوز أن يكون القائل ممن لا يختص بالدين.
والفساد خروج الشيء عن أن يكون منتفعاً به، ونقيضه الصلاح وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة.
عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي أن المراد بالإفساد المنهي عنه إظهار معصية الله ، فإن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وضبطت الأموال وحفظت الفروج وكان ذلك صلاح الأرض وأهلها.
وأما إذا أهملت الشريعة وأقدم كل واحد على ما يهواه، اشتعلت نوائر الفتن من كل جانب، وحدثت المفاسد.
وقيل: هو مداراة المنافقين الكافرين ومخالطتهم إياهم لأنهم إذا مالوا إلى الكفار مع أنهم في الظاهر مؤمنون، أوْهَمَ ذلك ضعف أمر النبي وأصحابه فيصير سبباً لطمع الكفار في المؤمنين، فتهيج الفتن والحروب.
وقيل: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ويلقون الشبه ويفشون أسرار المؤمنين، ولما نهوا عن الإفساد في الأرض كان قولهم "إنما نحن مصلحون" كالمقابل له.
فههنا احتمالات: أحدها: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، فزعموا أنهم مصلحون.
وثانيها: إذا فسر الإفساد بموالاتهم الكافرين أن يكون مرادهم أن الغرض من تلك الموالاة هو الإصلاح بين المسلمين كقولهم فيما حكى الله ﴿ إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً ﴾ وثالثها: أن يكون المراد إنكار إذاعة أسرار المسلمين ونسبة أنفسهم إلى الاستقامة والسداد، وجيء بأداة القصر دلالة على أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت، أي حالنا مقصورة على الإصلاح لا تتعداه إلى غيره.
"وألا" مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، فيفيد التنبيه على تحقيق ما بعدها كقوله ﴿ أليس ذلك بقادر ﴾ ولإفادتها التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم.
وأختها التي هي "أما" من مقدمات اليمين وطلائعها.
قال: أما والذي أبكى وأضحك والذي *** أمات وأحيا والذي أمره الأمر رد الله ما ادعوه من الانضمام في زمرة المصلحين أبلغ رد من جهة الاستئناف، فإن ادعاءهم ذلك مع توغلهم في الفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكمهم، فرد الله عليهم.
وكان وروده بدون الواو هو المطابق، ومن جهة ما في "ألا" وفي "أن" من التأكيد، ومن قبيل تعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله "لا يشعرون".
البحث الرابع: في قوله ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا ﴾ الآية.
هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين، وذلك أن المؤمنين أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما: تقبيح ما كانوا عليه مما يجرّ إلى الفساد والفتنة، والثاني: دعوتهم إلى الطريقة المثلى من اتباع ذوي الأحلام.
وبعبارة أخرى أمرهم أولاً بالتخلية عما لا ينبغي، وثانياً بالتحلية بما ينبغي لأن كمال حال الإنسان في هاتين.
وكان من جوابهم فيما بينهم أو للقائل أن سفهوهم لتمادي سفههم، وفي هذا تسلية للعالم إذا لم يعرف حقه الجاهل.
وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل وما في "كما" يجوز أن تكون كافة تصحح دخول الجار على الفعل وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة كقولك: يكتب زيد كما يكتب عمرو، أو زيد صديقي كما عمرو أخي.
ويجوز أن تكون مصدرية مثلها في ﴿ بما رحبت ﴾ واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول ومن معه وهم ناس معهودون أي ليكن إيمانكم ثابتاً كما أن إيمان هؤلاء ثابت، أو ليحصل إيمانكم كحصول إيمان هؤلاء، أو آمنوا كما آمن عبد الله بن سلام وأتباعه لأنهم من جلدتهم أي كما آمن أصحابكم.
ويحتمل أن تكون للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية من الإقرار اللساني الناشئ عن الاعتقاد القلبي، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس ومن عداهم كالنسناس في عدم التمييز بين الحق والباطل.
والاستفهام في "أنؤمن" في معنى الإنكار، واللام في "السفهاء" مشار بها إلى الناس كقولك لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك.
فتقول: أوقد فعل السفيه؟
أو للجنس وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه وهو ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة يقال: تسفهت الريح الشجر إذا مالت به، قال ذو الرمة: جرين كما اهتزت رماح تسفهت *** أعاليها مر الرياح النواسم وإنما سفهو المؤمنين مع رجحان عقول أهل الإيمان، لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر الصحيح اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، ولأنهم كانوا في رياسة وثروة وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موالٍ كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم كما قال قوم نوح { ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ﴾ أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه لما غاظهم من إسلامهم وفتَّ في أعضائهم.
عن أنس "أنه سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله وهو في أرض مخترف، فاتى النبي فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي.
فما أوّل أشراط الساعة؟
وما أول طعام أهل الجنة؟
وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟
قال :أخبرني بهن جبريل آنفاً.
أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت.
وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الوالد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت.
قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني.
فجاءت اليهود فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟
قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا.
قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام.
قالوا: أعاذه الله من ذلك.
فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فقالوا: شرنا وابن شرنا فانتقصوه.
قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله" .
ثم إن الله ألقى عليهم هذا اللقب مقروناً بالمؤكدات التي بيناها في قوله "ألا إنهم هم المفسدون" وذلك أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفه فهو السفيه، وكذا من باع آخرته بدنياه.
قال : "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" وأيضاً من السفه معاداة المحمديين ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ .
كالطود يحقر نطحة الأوعال *** إنما فصلت هذه الآية "بلا يعلمون" والتي قبلها "بلا يشعرون" لأن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما النفاق وما يؤول إليه من الفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، وخصوصاً عند العرب في جاهليتهم.
وما كان قائماً بينهم من التحارب والتجاذب فهو كالمحسوس المشاهد، ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.
البحث الخامس: في قوله ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا ﴾ الآيات.
هذا هو النوع الرابع من قبائح أفعالهم، والفرق بين هذه الآية وبين قوله "ومن الناس من يقول آمنا" أن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان معاملتهم مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم.
عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم.
فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.
ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً.
فرجع المسلمون إلى النبي وأخبروه بذلك فنزلت.
ويقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه.
وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، ويجوز أن يكون من خلال بمعنى مضى، وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك، ومنه القرون الخالية، أو من خلوت به إذا سخرت منه وهو من قولك "خلا فلان بعرض فلان" عبث به، ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول: أحمد إليك فلاناً أو أذمه إليك أي أنهي إليك حمدي لفلان أو ذمي.
وعن ابن عباس: إني أحمد إليك عسل الإحليل أي أعلمكم أنه أمر محمود.
وشياطينهم رؤساؤهم وأكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم.
وهم إما أكابر المنافقين فالقائلون.
إنا معكم أي مصاحبوكم وموافقوكم على أمر دينكم أصاغرهم، وإما أكابر الكافرين فالقائلون يحتمل أن يكون جميع المنافقين.
وإنما فسرنا الشياطين بالرؤساء لأنهم هم القادرون على الإفساد في الأرض، وإنما خاطبوا المؤمنين بأضعف الجملتين وهي الفعلية، وشياطينهم بأقواهما أعني الاسمية المحققة بان لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان الناشئ عن صميم القلب منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان كاملون، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه وهكذا كل قول لم يصدر عن صدق رغبة وباعث داخلي، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على وجه التوكيد وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار القائلين "ربنا إننا آمنا" وإما مخاطبة إخوانهم فعن وفور نشاط ورغبة وفي حيز القبول والرواج فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد، وإنما فقد العاطف بين قوله "إنا معكم" وبين قوله "إنما نحن مستهزءون" الأوّل معناه الثبات على الكفر، والثاني ردّ للإسلام.
لأن المستهزئ بالشيء منكر له دافع، ودفع نقيض الشيء إثبات وتأكيد للشيء.
أو لأن الثاني بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو لأنه استئناف كأنه قيل: ما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام؟
فقالوا: إنما نحن مستهزءون.
والاستهزاء السخرية والاستخفاف، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع.
ثم إن الله أجابهم بأشياء: أحدها قول الله "يستهزئ بهم" وهو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، كأنه سئل ما مصير أمرهم وعقبى حالهم؟
فقيل: الله يستهزئ بهم.
وفي الالتفات من الحكاية إلى المظهر، أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي استهزاؤهم بالنسبة إلى ذلك كالعدم.
وفي تخصيص الله بالذكر مع قرينة أن المؤمنين هم الذين استهزئ بهم دلالة على أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.
فإن قيل: الاستهزاء جهالة ﴿ قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ فما معنى استهزاء الله بهم؟
قلنا: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم وهو المقصد الأقصى للمستهزئ، أو سمي جزاء الاستهزاء استهزاء مثل ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ أو عاملهم الله معاملة المستهزئ في الدنيا لأنه كان يطلع الرسول على أسرارهم مع كونهم مبالغين في إخفائها، وفي الآخرة على ما روي عن ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار، فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة - وأهل الجنة ينظرون إليهم - فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذلك قوله { ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون ﴾ فهذا هو الاستهزاء، وإنما لم يقل الله مستهزئ ليكون طبقاً لقوله "إنما نحن مستهزءُون" لأن المراد تجدد الاستهزاء بهم وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم ونزول الآيات في شأنهم { ﴿ أو لايرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون ﴾ وثانيها قوله و"ويمدهم في طغيانهم" هو من مد الجيش أمده إذا زاده وألحق به ما يقوّيه، وكذلك مد الدواة والسراج زادهما ما يصلحهما.
وإنما قلنا: إنه من المدد لا من المد في العمر والإمهال لقراءة نافع في موضع آخر ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي ﴾ على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له قاله في الكشاف، وهو مخالف لنقل الجوهري مده في غيه أي أمهله.
والطغيان الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتوّ، ومعنى مدد الله إياهم في الطغيان يعرف من تفسير ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقد يوجه بأنه لما منعهم ألطافه التي منحها المؤمنين بقيت قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور في صدور المؤمنين، فسمي ذلك التزايد مدداً.
أو بأنه لم يقسرهم، أو بأنه أسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف، لأنه انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب.
ومن هذا القبيل ما قيل: إن النكتة في إضافة الطغيان إليهم هي أن يعلم أن التمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم، وأن الله بريء منه، فإن الانتهاء إلى الله لما كان ضرورياً فكيف يتبرأ من ذلك؟
"ويعمهون" في موضع الحال.
والعمه كالعمى، إلا أن العمى في البصر وفي الرأي، والعمه في الرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه.
وثالثها: قوله ﴿ أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ أي اختاروها عليه واستبدلوها به، وهذه استعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر قال أبو النجم: أخذت بالجمـة رأســـاً أزعرا *** وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمراً جيدراً *** كما اشترى المــلم إذ تنصرا وعن وهب قال الله فيما يعيب به بني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة.
جعلوا لتمكنهم من الهدى بحسب الفطرة الإنسانية الشخصية كأنه في أيديهم، فتركوه واستبدلوا به الضلالة وهي الجور عن القصد وفقد الاهتداء.
وفي المثل "ضل دريص نفقة" أي جحره، والدرص ولد الفأرة ونحوها، يضرب لمن يعيا بأمره.
فاستعيرت الضلالة للذهاب عن الصواب في الدين.
والربح الفضل على رأس المال، والتجارة مصدر وإنما أسند الخسران إليها وهو لصاحبها إسناداً مجازياً لملابسة التجارة بالمشترين.
وقد يقال: ربح عبدك وخسرت جاريتك مجازاً إذا دلت الحال.
ولما ذكر الله شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ما يشاكله ويواخيه من الربح والتجارة لتكون الاستعارة مرشحة كقوله: ولما رأيت النسر عز ابن دأية *** وعشش في وكريه جاش له صدري لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.
"وما كانوا مهتدين" لطرق التجارة لأن مطلوب التاجر في متصرفاته شيئان: سلامة رأس المال والربح.
وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة، والضلالة أمر عدمي فلا عوض ولا معوّض، فلا ربح ولا رأس المال.
وهكذا حال من يدعي الإرادة ولا يخرج من العادة ويريد الجمع بين مقاصد الدنيا ومصالح الدين، كالمنافق أراد الجمع بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من ههنا أدبر النهار من ههنا نعوذ بالله من الغواية، ونسأله أن يعصمنا من الضلالة بعد الهداية.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - في قوم خاص، عَلِمَ الله أَنهم لا يؤمنون فأَخبر عز وجل رسولَه بذلك، فكان كما قال.
وفيه آية النُّبوَّة.
ويحتمل أَيضاً: أَنهم لا يؤمنون ما داموا في كفرهم؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ والكافرون ما داموا كافرين ظالمون.
وقوله: ﴿ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ .
روي عن الحسن: "إن للكافر حدا إذا بلغ ذلك الحد، وعلم الله منه أنه لا يؤمن، طبعَ على قلبه حتى لا يؤمن".
وهذا فاسد على مذهب المعتزلة لوجهين: أحدهما: أَن مذهبهم أَن الكافر مكلف، وإن كان قلبه مطبوعاً عليه.
والثاني: أن الله - عز وجل - عالم بكل من يؤمن في آخر عمره، وبكل من لا يؤمن أَبداً، بلغ ذلك الحد أَو لم يبلغ.
فعلى ما يقوله الحسن إيهام أَنه لا يعلم ما لم يبلغ ذلك.
والمعتزلةُ يقولون: إن قوله: ﴿ خَتَمَ ﴾ ، و ﴿ طَبَعَ ﴾ يُعلم عَلاَمةً في قلبه أَنه لا يؤمن كإعلام الكتب والرسائل.
ولكن عندنا: خلق ظلمة الكفر في قلبه.
والثاني: خلق الختم والطبع على قلبه [إذا فَعَل فِعْل الكفر؛ لأَن] فِعْل الكفر من الكافر مخلوق عندنا، فخلق ذلك الختم عليه؛ وهو كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ أي: خلق الأَكنة.
وغيرهِ من الآيات.
والأَصل في ذلك: أَنه ختم على قلوبهم لما تركوا التأَمل، والتفكر في قلوبهم فلم يقع، وعلى سمعهم لما لم يسمعوا قول الحق والعدل، خلق الثقل عليه، وخلق على أَبصارهم الغطاءَ لما لم ينظروا في أَنفسهم، ولا في خلق الله ليعرفوا زوالها وفناءَها وتغير الأحوال؛ ليعلموا أن الذي خلق هذا دائِم لا يزول أَبداً.
وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ .
إخبار منهم أنهم قالوا ذلك بأَلسنتهم قولا، وأَظهروا خلاف ما في قلوبهم؛ فأَخبر عز وجل نبيّه عليه الصلاة والسلام: أَنهم ليسوا بمؤمنين، أي: بمصدقين بقلوبهم.
وكذلك قوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ .
وكذلك قوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ...
﴾ الآية [النساء: 65].
هذه الآيات كلها تنقض على الكراميَّةِ؛ لأَنهم يقولون: الإِيمان قول باللسان دون التصديق.
فأَخبر الله - عز وجل - عن جملة المنافقين أَنهم ليسوا بمؤمنين لما لم يأْتوا بالتصديق، وهذا يدل على أن الإِيمان تصديق بالقلب.
والكراميّة يقولون: بل هم مؤمنون.
وقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .
لا يقصد أحد مخادعة الله، لكنهم كانوا يقصدون مخادعة المؤمنين، وأَولياءِ الله، فأَضاف الله عز وجل ذلك إلى نفسه؛ لعِظم قدرهم، وارتفاع منزلتهم عند الله؛ وهو كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ، والله لا يحتاج أَن ينصر، ولكن كأَنه قال: إن تنصروا أولياء الله ينصركم؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ والله لا يُبايَع، ولكن إضافة ذلك إلى نفسه؛ لعظم قدر نبيه، وعلو منزلته عند الله ، فكذلك الأَول أَضاف مخادعتهم أَولياءَه إلى نفسه لعلو منزلتهم عند الله وقدرهم لديه.
والمخادعة هو فعل اثنين؛ لخداع هؤلاءِ بحضور المؤمنين؛ لذلك المعنى ذكر المفاعلة.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم ﴾ .
الأول: أي حاصل خداعهم، ووباله يرجع إليهم.
والثاني: أنهم يُظهرون لهم الموافقة ليأْمنوا، فلحقهم خوف دائم بذلك الخداع في الدنيا.
وقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .
الأَول: أي: ما يشعرون أَن حاصل الخداع يرجع إليهم في الآخرة.
والثاني: ما يشعرون أَن الله يظهر، ويطلع نبيه على ما أَضمروا هم في قلوبهم، و الله أعلم.
وقوله: ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ .
يقال: شكٌ ونفاق؛ سَمَّى عز وجل المنافقين مرضى؛ لاضطرابهم في الدين؛ لأَنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين بالقول، ويضمرون الخلاف لهم بالقلب؛ فكان حالهم كحال المريض الذي هو مضطرب بين الموت والحياة؛ إذ المريض يشرف - ربما - على الموت، ويرجو الإقبال عليه منه ثانياً؛ فهو مضطرب بين ذلك، فكذلك هم، لما كانوا مضطربين في دينهم سماهم مرضى.
وأما سائِر الكفرة فإنهم لم يضطربوا في الدين، بل أَظهروا بالقول على ما أَضمروا بالقلب؛ فسماهم موتى، لما لم ينتفعوا بحياتهم، ولم يكتسبوا الحياة الدائمة.
وسمى المؤمنين أَحياء؛ لما انتفعوا بحياتهم، واكتسبوا الحياة الدائمة، لموافقتهم باللسان والقلب جميعاً لدين الله - عز وجل - والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً ﴾ .
اختلف في تأْويله: قالت المعتزلة: هو التخلية بينهم وبين ما اختاروا.
وأما عندنا: فهُو على خلق أَفعال زيادة الكفر والنفاق في قلوبهم، لما زادوا هم في كل وقت من إظهار الموافقة للمؤمنين بالقول، وإضمار الخلاف لهم بالقلب، خلق الله عز وجل تلك الزيادة من المرض في قلوبهم باختيارهم.
وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم في قوله: ﴿ ٱهْدِنَا ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ .
لأَن عذاب الدنيا قد يكون ولا أَلم فيه؛ فأخبر الله عز وجل أن عذاب الآخرة عذاب شديد عظيم، ليس كعذاب الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
والسبب أن في قلوبهم شكًّا، فزادهم الله شكًّا إلى شكِّهم، والجزاء من جنس العمل، ولهم عذاب أليم في الدرك الأسفل من النار، بسبب كذبهم على الله وعلى الناس، وتكذيبهم بما جاء به محمد .
<div class="verse-tafsir" id="91.m0bMY"
سمي يوم القيامة باليوم الآخر لأنه آخر الأيام، فإن اليوم الذي كانت به الحياة الأولى هو ابتداء طور جديد من الحياة ينتهي بالموت، ويوم القيامة ابتداء طور آخر لا موت بعده ..
...
قدمنا أن الكلام من أول السورة في القرآن وأقسام الناس بإزائه وذكرنا منهم ثلاث فرق: فرقتان لهما فيه هدى (إحداهما) المتقون، وبين حالهم بقوله ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ الخ...
ومنهم الذين كانوا يدعون الحنيفيين، والمنصفون من أهل الكتاب الذين كانوا ينتظرون إشراق نور الحق ليهتدوا به، كما تقدم.
(والثانية) هي المذكورة في قوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ إلخ..
وهم كل من آمن بالنبي من أهل الكتاب وغيرهم على التحقيق.
وبينا أنه يوجد بإزاء هاتين الطائفتين طائفتان أخريان لا ترجى هدايتهما بالقرآن: الأولى منهما هي المشروح حالها في قوله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ إلخ..
وهي كما قدمنا تنقسم إلى قسمين: جاحدين لا يسمعون ومعاندين يعرفون الحق ولا يذعنون.
وهذه الآيات التي نحن بصدد تفسيرها الآن هي المبينة لحال الفرقة الرابعة وهي فرقة من الناس توجد في كل آن وفي كل عصر.
وليست الآيات كما قيل في أولئك النفر من المنافقين الذين كانوا في عصر التنزيل،ولذلك قال تعالى في بيان حالهم ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ ولم يقل عنهم إنهم يقولون مع ذلك"وآمنا بك يا محمد"وما كان القرآن ليعتني بأولئك النفر الذين لم يلبثوا أن انقرضوا كل هذه العناية ويطيل في بيان حالهم أكثر مما أَطال في الأصناف الثلاثة الذين هم سائر الناس.
نعم إن الآيات على عمومها تتناول من كان منهم في عصر التنزيل تناولًا أوليًا وتصف حالهم وصفًا مطابقًا، وهي مع ذلك عبرة عامة شاملة لمن مضى ولمن يجيء من هذ الصنف إلى يوم القيامة، وقد كان ويكون من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس ومن كل طائفة تدعي أنها على دين، ولم يحك عنهم دعوى الإيمان بالأنبياء والأعمال الصالحة -مع أن منهم الذين يدعون ذلك- لأن الإيمان باليوم الآخر يتضمن ذلك، فهو إنما يعرف من قبل الأنبياء، وهذا ضرب من ضروب إيجاز القرآن التي بلغت حد الإعجاز.
قد يقال: كان في أولئك القوم من كانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر، كمنافقي اليهود، فلمَ كذبهم ونفى عنهم الإيمان نفيًا مطلقًا مؤكدًا بدخول الباء في خبر"ما"فقال ﴿ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي بداخلين في جماعة المؤمنين الصادقين البتة.
وهو أبلغ من نفي فعل الإيمان المطابق للفظهم والمقيد بالإيمان بالله وباليوم الآخر؟؟
والجواب: إن اعتقادهم التقليدي الضعيف لم يكن له أثر في أخلاقهم وأعمالهم، فلو حُصِّل ما في صدورهم، ومُحِّص ما في قلوبهم، وعرفت مناشئ الأعمال من نفوسهم، لوجد أن ما كان لهم من عمل صالح كصلاة وصدقة فإنما مبعثه رياء الناس، وحب السمعة، وهم من وراء ذلك منغمسون في الشرور، كالإفساد والكذب والغش والخيانة والطمع وغير ذلك من الرذائل التي حكاها عنهم الكتاب ونقلها رواة السنة، وهذه الأعمال تدل على أنهم لا يؤمنون بالله كما يحب ويرضى أن يؤمن به، وهو أن يشعر المؤمن بعظيم سلطانه، ويعلم أنه سبحانه مطلع على سره وإعلانه، لأنه مهيمن على السرائر، وعالم بما في الضمائر، فيرضيه بظاهره وباطنه.
بل كانوا يكتفون ببعض ظواهر العبادات يظنون أنهم يرضون الله تعالى بذلك، والعمل الظاهر الذي لا يصدقه الباطن إذا قصد به إرضاء آخر يسمى في اللغة مداجاة ومداراة ومخادعة، فإن كان يقصد به المخادعة فظاهر، وإلا فيكفي لصحة الإطلاق أن العمل عمل المخادع، لا عما الطائع الخاضع، وهذا مراد القرآن من مخادعة هؤلاء الذين هم أهل الكتاب المؤمنين بالله إيمانًا ناقصًا، لم يقدروا الله فيه حق قدره، ويستحيل أن يقصد المؤمن بالله تعالى مخادعته، ولكنهم لجهلهم بالله ظنوا به ما سوغ وصفهم بما ذكر عنهم.
فهذا هو معنى قوله تعالى ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .
وأما قوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ ﴾ فهو بيانه للواقع، فإن هذه الأعمال لا قيمة له عند الله خلافًا لما يتوهمونه عن غير هدى ولا بينة..
إذا رجع الإنسان إلى نفسه، وأصغى لمناجاة سره، يجد عندما يهم بعمل شيء أن في قلبه طريقين، وفي نفسه مختصمين، أحدهما يأمره بالعمل وسلوك الطريق الأعوج وآخر ينهاه عن العوج، ويأمره بالاستقامة على المنهج، ولا يترجح عنده باعث الشر، ولا يجيب داعي السوء، إلا إذا خدع نفسه بعد المشاورة والمذاكرة المطلوبة فيها، وصرفها عن الحق، وزين لها الباطل، وهذه الشؤون النفسية في غاية الخفاء، تكون المنازعة ثم المخادعة ثم الترجيح ويمر ذلك كله كلمح البصر، وربما لا يلتفت إليه الإنسان بفكره ولذلك قال ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ فإن الشعور هو إدراك ما خفي.
فمعنى نفي الشعور عن المنافقين في مخادعتهم لله تعالى أنهم يجرون في كذبهم وتلبيسهم وريائهم على ما ألفوا وتعودوا، فلا يحاسبون أنفسهم عليه، ولا يراقبون الله فيه، وما كلهم يؤمنون بوجود الله وإحاطة علمه، ومن يؤمن بوجوده لم يترب على خشيته ومراقبته، ولا يفكر فيما يرضيه وفيما يغضبه، فهو يعمل عمل المخادع له وما يشعر بذلك.
وأما مخادعتهم للمؤمنين فظاهرة لأنهم اتخذوهم أعداء وهو عاجزون عن إظهار عداوتهم، فأعمالهم التي يقصدون بها إرضاء المؤمنين كلها خداع ورياء..
هؤلاء المغرورون إذا عرض زاجر الدين بينهم وبين شهواتهم قام لهم من أنفسهم ما يسهل لهم أمره من أمل في الغفران، أو تأويل إلى غير المراد، أو تحريف إلى ما يخالف القصد من الخطاب، وذلك بما في نفوسهم من ملكات السوء المغشاة بصور من العقائد، الملونة بما يتجلى للأعين فيما يسمونه إيمانًا، وما هم في الحقيقة بمؤمنين، وإنما هم خادعون مخدوعون ولكنهم لما عمي عليهم من أمر أنفسهم لا يشعرون، لأن ذلك يمر في أنفسهم وهم عنه غافلون.
وفرق ظاهر بين ما تستحضره النفس من المعلومات وتستعرضه عندما تسأل عنه وما هو راسخ فيها من تلك المعلومات، بصيرورته ملكة في النفس متصرفة في الإرادة باعثة لها على العمل، فمن العلوم ما هو ثابت في النفس ممتزج بها، على النحو الذي ذكرنا فيتبع امتزاجه هذا تمكن ملكات أخر تصدر عنها الأعمال وهي ما يعبر عنه بالأخلاق والصفات كالكرم والشجاعة ونحوهما فإنها إنما تنطبع في النفس تبعًا للعلم الذي يلائمها، وهو العلم الحقيقي الذي تصدر عنه الأعمال وربما يغفل الإنسان عنه ولا يلاحظه عندما يعمل.
وفرق بين ملاحظة العلم واستحضاره، وبين وجوده وتحققه في نفسه.
ومن العلوم ما يلاحظ الإنسان أنه عنده، فهو صورة عند النفس تستحضره عند المناسبة ويغيب عنها عند عدمها، لأنه لم يشربه القلب ولم يمتزج بالنفس فيصير صفة من صفاتها الراسخة التي لا تزايلها، وهذا النوع من العلم يتعلق بما تعلق به النوع الأول، كعلم الحلال والحرام الذي يحصله طلبة الفقه الإسلامي مثلًا، وكعلم مزايا الفضيلة ورزايا الرذيلة الذي يخزنه طلاب علوم الآداب والأخلاق والنظار في كتب الأواخر والأوائل لتعزيز مادة العلم وتوسيع مجال القول وتوفير القدرة على حسن المنطق ونحو ذلك، فهذا العلم كالأداة المنفصلة عن العامل، يبقى في خزانة الخيال، تستحضره النفس عندما تدفعها الشهوة إلى تزيين ظاهر المقال، لا إلى تحسين باطن الحال، ولن يكون لهذا الضرب من العلم أدنى أثر في عمل من أعمال صاحبه.
وتسميته علمًا لأنه يدخل في تعريفه العام"صورة من الشيء حاضرة عند النفس"وعند التدقيق لا ترتفع به منزلته إلى أن يندرج في معنى العلم الحقيقي.
فاستحضار هذا العلم كاستحضار الكتاب واللوح وإدراك ما فيه، ثم الذهول عنه ونسيانه عند الاشتغال بشيء آخر.
فهؤلاء - الذين يخادعون أنفسهم ويخادعون الله تعالى- عندهم علم حقيقي تنبعث عنه أعمالهم، وإن كان باطلًا في نفسه، وهو تصديقهم بما في شهواتهم، من المصلحة لذواتهم، وهو الذي رجح عندهم اختيار ما فيه قضاؤه والانصباب إلى ما تدعو إليه، وهو ما أنساهم ما كانوا خزنوا في أنفسهم من صور الاعتقادات الدينية، فأبعدهم ذلك عن الاعتقاد الحقيقي الذي يعتد به وجعله رسمًا مخزونًا في الخيال، لا أثر له في الأفعال، يدعونه بألسنتهم، وتكذبهم في دعواهم أعمالهم وأحوالهم، ولذلك نسبهم إلى الدعوى القولية ولم يقل فيهم ما قال في ذلك الفريق الأول ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ فإنه هناك ذكر إيمانهم وقفى عليه بذكر العمل يشهد له، ومن هنا يعلم ما الإيمان الذي يعتد به القرآن، وهو يظهر لمن يقرأ القرآن ليحاسب به نفسه، ويزن إيمانه وأعماله بما حكم به على إيمان من قبله وأعمالهم، لا لمن يقرأه على أنه قصة تاريخية مات من يحكي عنها، واستثنى القارئ نفسه ممن حكم عليهم فيها.
فإن كان مات من كانوا سبب النزول فالقرآن حي لا يموت، ينطبق حكمه ويحكم سلطانه على الناس في كل زمان، فكل مؤمن بالله واليوم الآخر، ومع ذلك يصدر في عمله عن شهواته، ولا يمنعه إيمانه عن ركوب خطيئاته، فاعتقاده إنما هو خيال، لا يعلو عن لفظ في مقال، ودعوى عند جدال، فإذا ركن إلى هذا المعتقد فهو خادع لنفسه، مخادع لربه، يظن أن علام الغيوب لا ينظر إلى ما في القلوب.
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ عهد عند العرب التعبير عن العقول بالقلوب، والمرض ما يطرأ على العقول فيضعف تعلقها وإدراكها، والشك والوهم من أعراض هذا المرض، فهو ظلمة تعرض للعقل فتقف بشعاعه أن ينفذ إلى ما وراء التكاليف والأحكام من الأسرار والحكم.
وهذا النفوذ هو الفقه في الدين الذي يسوق النفس إلى الأخذ به ظاهرًا وباطنًا، وقد عبر القرآن عن فقد أمثال هؤلاء لهذا بقوله ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ وربما كان التعبير عن العقول بالقلوب في مثل هذا المقام، لأن القلب يظهر فيه أثر الوجدان الذي هو السائق إلى الأعمال، يظهر لك ذلك بما تجده من اضطراب قلبك عند اشتداد الخوف أو اشتداد الفرح، فإنك تحس بزيادة ضرباته وشدة نبضاته، فصورة الاعتقاد إذا تناولها العقل من طريق التقليد والتسليم، فجعلها في زاوية من زوايا الدماغ لم يكن لها سلطان على القلب ولا تأثير في الوجدان، واعتقاد لا يصحبه هذا السلطان ولا يصدر عنه هذا التأثير، لا يعتد الله تعالى به ولا يستفيد الإنسان منه كما تقدم آنفًا، فمن لم يطرق الإيمان قلبه بقوة البرهان، ولم يحل مذاقه منه في الوجدان، بحيث يكون هو المصرف له في أعماله، لا ينفعه إيمانه، إلا إذا تمرن على الأعمال الصالحة عن فهم وإخلاص، حتى يحدث لقلبه الوجدان الصالح، فأهل اليقين يبعثهم يقينهم على العمل الصالح، وأهل التقليد تلحقهم أعمالهم الصالحة بأهل اليقين في الانتفاع بإيمانهم، وهذا الفريق الذي تحكي عنه الآيات، وتصفه بالكذب والخداع، قد فقد الأمرين معًا، ولا صحة للقلب إلا بهمها، فمن فقدهما مرض ولا يلبث مرضه أن يقتله.
ولضعف العقل أسباب منها ما هو فطري كما هو حال أهل البله والعته، وهو الذي لا يكلف صاحبه ولا يلام، ومنها ما يكون من فساد التربية العقلية كما هو حال المقلدين الذين لا يستعملون عقولهم، وإنما يكتفون بما عليه قومهم من الأوهام والخيالات ويرين على قلوبهم ما يكسبونه من السيئات، وما يكونون عليه من التقاليد والعادات، ولا يعتنون بما أمر الله من تمزيق هذه الحجب، وإزالة هذه السحب، للوقوف على ما وراءها من مخدرات العرفان، ونجوم الفرقان وشموس الإيمان، بل يكتفون بما حكى الله عنهم في قوله ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ حتى يجيء اليوم الذي يقولون فيه ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾ .
كان في قلوبهم المرض قبل مجيء النذير وبيان الرشد من الغي، عندما كانوا في فترة، حظهم من الكتب قراءة ألفاظها ومن الأعمال إقامة صورها ﴿ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ بعد ما جاءهم البرهان المنير ببعثة البشير النذير، ووجدوا منه زعزعة في أنفسهم، ولكن أخذتهم العزة بالإثم فأبوا الإيمان، ونبوا عن القرآن، وزاد تمسكهم بما كانوا عليه واشتد حرصهم عليه، فكان شعاع النور الذي جاء به الرسول عمى في أعينهم ومرضًا على مرضهم، ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي عذاب مؤلم فوق هذه الأمراض، وأليم صيغة فعيل من ألم يألم فهو أليم وصف به العذاب نفسه ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ في دعواهم الإيمان بالله واليوم الآخر، فإنهم يصدقوا بأعمالهم، ما يزعمون من حالهم.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي يكذبون بالتخفيف أي بسبب تكذيبهم النبي والحكم في القراءتين، إثبات جمعهم للرذيلتين، أي الكذب في دعوى الإيمان، وتكذيب النبي والثانية سبب الأولى، وهم إنما كانوا يكذبونه في أنفسهم، وفيما بينهم إذا خلوا إلى شياطينهم والعذاب عقوبة عليهما معًا، أي على التكذيب وهو الكفر، وعلى الكذب في دعوى الإيمان وهو النفاق، وهؤلاء في باطنهم شر من الذين كفروا عنادًا من رؤساء قريش، فإنهم لم يكونوا يكذبونه وإنما كانوا يجحدون جحود استكبار.
قال تعالى ﴿ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ .
والقراءة الأولى هي المشهورة والعذاب فيها مقرون بالكذب لا بالتكذيب.
وقد يقال: لم جعل العذاب جزاء الكذب دون الكفر؟
والجواب أن الكفر داخل في هذا الكذب وإنما اختير لفظ الكذب في التعبير للتحذير عنه.
وبيان فظاعته وعظم جرمه، ولبيان أن الكفر من مشتملاته، وينتهي إليه في غاياته، ولذلك حذر القرآن منه أشد التحذير، وتوعد عليه أسوأ الوعيد، وما فشا الكذب في قوم إلا فشت فيهم كل جريمة وكبيرة، لأنه ينشأ من دناءة النفس وضعف الحياة والمروءة، ومن كان كذلك لا يترك قبيحًا إلا بالعجز عنه، نعوذ بالله تعالى من عمله ومنه.
<div class="verse-tafsir"