الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٨ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 170 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
النفاق : هو إظهار الخير وإسرار الشر ، وهو أنواع : اعتقادي ، وهو الذي يخلد صاحبه في النار ، وعملي وهو من أكبر الذنوب ، كما سيأتي تفصيله في موضعه ، إن شاء الله تعالى ، وهذا كما قال ابن جريج : المنافق يخالف قوله فعله ، وسره علانيته ، ومدخله مخرجه ، ومشهده مغيبه .
وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية ؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق ، بل كان خلافه ، من الناس من كان يظهر الكفر مستكرها ، وهو في الباطن مؤمن ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج ، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب ، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم ، وكانوا ثلاث قبائل : بنو قينقاع حلفاء الخزرج ، وبنو النضير ، وبنو قريظة حلفاء الأوس ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج ، وقل من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضا ؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف ، بل قد كان عليه الصلاة والسلام وادع اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة ، فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته ، وأعلى الإسلام وأهله ، قال عبد الله بن أبي بن سلول ، وكان رأسا في المدينة ، وهو من الخزرج ، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية ، وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم ، فجاءهم الخير وأسلموا ، واشتغلوا عنه ، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله ، فلما كانت وقعة بدر قال : هذا أمر قد توجه ، فأظهر الدخول في الإسلام ، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته ، وآخرون من أهل الكتاب ، فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب ، فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد ، لأنه لم يكن أحد يهاجر مكرها ، بل يهاجر ويترك ماله ، وولده ، وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة .
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) يعني : المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم .
وكذا فسرها بالمنافقين أبو العالية ، والحسن ، وقتادة ، والسدي .
ولهذا نبه الله - سبحانه - على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون ، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم ، ومن اعتقاد إيمانهم ، وهم كفار في نفس الأمر ، وهذا من المحذورات الكبار ، أن يظن بأهل الفجور خير ، فقال تعالى : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) أي : يقولون ذلك قولا ليس وراءه شيء آخر ، كما قال تعالى : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ) [ المنافقون : 1 ] أي : إنما يقولون ذلك إذا جاءوك فقط ، لا في نفس الأمر ؛ ولهذا يؤكدون في الشهادة بإن ولام التأكيد في خبرها ؛ كما أكدوا قولهم : ( آمنا بالله وباليوم الآخر ) وليس الأمر كذلك ، كما أكذبهم الله في شهادتهم ، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم ، بقوله : ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) [ المنافقون : 1 ] ، وبقوله ( وما هم بمؤمنين ) .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) قال أبو جعفر: أما قوله: " ومن الناس "، فإن في" الناس " وجهين: أحدهما: أن يكون جمعًا لا واحدَ له من لَفْظِه, وإنما واحدهم " إنسانٌ"، وواحدتهم " إنسانة " (38) .
والوجه الآخر: أن يكون أصله " أُناس " أسقِطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها, ثم دخلتها الألف واللام المعرِّفتان, فأدغِمت اللام - التي دخلت مع الألف فيها للتعريف - في النون, كما قيل في لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [سورة الكهف: 38]، على ما قد بينا في" اسم الله " الذي هو الله (39) .
وقد زعم بعضهم أن " الناس " لغة غير " أناس ", وأنه سمع العرب تصغرهُ" نُوَيْس " من الناس, وأن الأصل لو كان أناس لقيل في التصغير: أُنَيس, فرُدَّ إلى أصله.
وأجمعَ جميع أهل التأويل على أنّ هذه الآية نـزلت في قوم من أهلِ النِّفاق, وأن هذه الصِّفة صِفتُهم.
ذكر من قال ذلك من أهل التأويل بأسمائهم: 312- حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ )، يعني المنافقين من الأوْس والخَزْرج ومَنْ كان على أمرهم.
وقد سُمِّي في حديث ابن عباس هذا أسماؤهم عن أبيّ بن كعب, غير أني تركت تسميتهم كراهة إطالة الكتاب بذكرهم (40) .
313- حدثنا الحسين بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا مَعْمَر, عن قتادة في قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ )، حتى بلغ: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ قال: هذه في المنافقين (41) .
314- حدثنا محمد بن عمرو الباهلي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى بن ميمون, قال: حدثنا عبد الله بن أبي نَجِيح, عن مجاهد, قال: هذه الآية إلى ثلاث عشرة، في نَعت المنافقين.
315- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا أبو حُذيفة, قال: حدثنا شِبْل, عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد، مثله.
316 حدثنا سفيان, قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد، مثله.
317- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن إسماعيل السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليهِ وسلم: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) هم المنافقون.
318- حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق, عن ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس، في قوله: (ومن الناس مَنْ يقول آمنا بالله وباليوم الآخر) إلى فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، قال: هؤلاء أهلُ النفاق.
319- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين بن داود, قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج، في قوله: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) قال: هذا المنافقُ، يخالِفُ قولُه فعلَه، وسرُّه علانِيَتَه ومدخلُه مخرجَه، ومشهدُه مغيبَه (42) .
وتأويل ذلك: أنّ الله جل ثناؤه لما جمع لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أمرَهُ في دار هجرته، واستَقرَّ بها قرارُه، وأظهرَ الله بها كلمتَه, وفشا في دور أهلها الإسلام, وقَهَر بها المسلمون مَنْ فيها من أهل الشرك من عبدة الأوثان, وذَلّ بها مَن فيها من أهل الكتاب - أظهر أحبارُ يَهودها لرسول الله صلى الله عليه وسلم الضَّغائن، وأبدوا له العداوة والشنآنَ، حسدًا وَبغيًا (43) ، إلا نفرًا منهم هداهم الله للإسلام فأسلَموا, كما قال جل ثناؤه: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [سورة البقرة: 109]، وطابَقَهم سرًّا على مُعاداة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه &; 1-271 &; وَبغْيِهم الغوائِل، قومٌ - من أرَاهط الأنصار الذين آوَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونَصَروه (44) - وكانوا قد عَسَوْا في شركهم وجاهليِّتِهم (45) قد سُمُّوا لنا بأسمائهم, كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم وأنسابهم، وظاهروهم على ذلك في خَفاءٍ غير جِهارٍ، حذارَ القتل على أنفسهم، والسِّباءِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وركونًا إلى اليهود لما هم عليه من الشرك وسوء البصيرة بالإسلام.
فكانوا إذا لَقُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به من أصحابه قالوا لهم -حِذارًا على أنفسهم-: إنا مؤمنون بالله وبرسوله وبالبَعْث, وأعطَوْهم بألسنتهم كلمةَ الحقِّ، ليدرأوا عن أنفسهم حُكم الله فيمن اعتقدَ ما هم عليه مقيمون من الشرك، لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من شركهم.
وإذا لقُوا إخوانَهم من اليهود وأهل الشّركِ والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، فخلَوْا بهم قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ .
فإياهم عَنَى جلّ ذكره بقوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ )، يعني بقوله تعالى خبرًا عنهم: آمنّا بالله-: وصدّقنا بالله (46) .
وقد دللنا على أنّ معنى الإيمان: التصديق، فيما مضى قبل من كتابنا هذا (47) .
وقوله: ( وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ )، يعني: بالبعث يوم القيامة، وإنما سُمّى يومُ القيامة " اليومَ الآخر "، لأنه آخر يوم, لا يومَ بعده سواه.
فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم, ولا انقطاعَ للآخرة ولا فناء, ولا زوال؟
قيل: إن اليومَ عند العرب إنما سُمي يومًا بليلته التي قبله, فإذا لم يتقدم النهارَ ليلٌ لم يسمَّ يومًا.
فيوم القيامة يوم لا ليلَ بعده، سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة, فذلك اليوم هو آخر الأيام.
ولذلك سمّاه الله جل ثناؤه " اليوم الآخر ", ونعتَه بالعَقِيم.
ووصفه بأنه يوم عَقيم، لأنه لا ليل بعده (48) .
وأما تأويل قوله: " وما هم بمؤمنين "، ونفيُه عنهم جلّ ذكره اسمَ الإيمان, وقد أخبرَ عنهم أنّهم قد قالوا بألسنتهم: آمَنَّا بالله وباليوم الآخر - فإن ذلك من الله جل وعزّ تكذيبٌ لهم فيما أخبَرُوا عن اعتقادهم من الإيمان والإقرار بالبعث, وإعلامٌ منه نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنّ الذي يُبْدونه له بأفواههم خلافُ ما في ضمائر قلوبهم, وضِدُّ ما في عزائم نفوسهم.
وفي هذه الآية دلالةٌ واضحة على بُطول ما زَعَمتْه الجهميةُ: من أنّ الإيمان هو التصديق بالقول، دون سائر المعاني غيره.
وقد أخبر الله جل ثناؤه عن الذين ذكرهم في كتابه من أهل النفاق، أنهم قالوا بألسنتهم: "آمنا بالله وباليوم الآخر "، ثم نفَى عنهم أن يكونوا مؤمنين, إذْ كان اعتقادهم غيرَ مُصَدِّقٍ قِيلَهُم ذلك.
وقوله " وما هم بمؤمنين "، يعني بمصدِّقين " فيما يزعمون أنهم به مُصَدِّقون.
----------------- الهوامش : (38) في المطبوعة : "واحده إنسان ، وواحدته إنسانة" .
(39) انظر ما مضى ص 125 - 126 .
(40) الخبر 312- مضى نحو معناه : 296 ، وأشرنا إلى هذا هناك .
وأسماء المنافقين ، من الأوس والخزرج ، الذين كره الطبري إطالة الكتاب بذكرهم - حفظها علينا ابن هشام ، في اختصاره سيرة ابن إسحاق ، بتفصيل واف : 355 - 361 (طبعة أوربة) ، 2 : 166 - 174 (طبعة الحلبي) ، 2 : 26 - 29 (الروض الأنف) .
(41) الأثر 313- الحسن بن يحيى ، شيخ الطبري؛ وقع في الأصول هنا"الحسين" ، وهو خطأ .
وقد مضى مثل هذا الإسناد على الصواب ، رقم : 257 .
(42) الروايات 314 - 319 : ساق بعضها ابن كثير 1 : 86 بين نص وإشارة .
وساق بعضها أيضًا السيوطي 1 : 29 .
والشوكاني 1 : 29 .
(43) في : المخطوطة"العداوة والشنار" ، وهو خطأ .
والشنآن والشناءة : البغض يكشف عنه الغيظ الشديد .
شنئ الشيء يشنؤه : أبغضه بغضًا شديدًا .
(44) الغوائل جمع غائلة : وهي : النائبة التي تغول وتهلك .
وأراهط جمع رهط ، والرهط : عدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة ، لا يكون فيهم امرأة .
وعنى بهم العدد القليل من بطون الأنصار .
(45) في المطبوعة : "عتوا في جاهليتهم" وكلتاهما صواب .
عسا الشيء يعسو : اشتد وصلب وغلظ من تقادم العهد عليه ، وعسا الرجل : كبر .
والعاسي : هو الجافي ، ومثله العاتي .
وعتا يعتو ، في معناه .
وانظر ما مضى ص : 36 ، تعليق .
(46) في المطبوعة"وصدقنا بالله" ، وزيادة الواو خطأ .
(47) انظر ما مضى ص : 234 - 235 .
(48) وذلك قول ربنا سبحانه في سورة الحج : 55 : { وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } .
قوله تعالى : ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنينفيه سبع مسائل :الأولى : روى ابن جريج عن مجاهد قال : نزلت أربع آيات من سورة البقرة في المؤمنين ، واثنتان في نعت الكافرين ، وثلاث عشرة في المنافقين .
وروى أسباط عن السدي في قوله : ومن الناس قال : هم المنافقون .
وقال علماء الصوفية : الناس اسم جنس ، واسم الجنس لا يخاطب به الأولياء .الثانية : واختلف النحاة في لفظ الناس ، فقيل : هو اسم من أسماء الجموع ، جمع إنسان وإنسانة ، على غير اللفظ ، وتصغيره نويس .
فالناس من النوس وهو الحركة ، يقال : ناس ينوس أي تحرك ، ومنه حديث أم زرع : " أناس من حلي أذني " .
وقيل : أصله من نسي ، فأصل ناس نسي قلب فصار نيس تحركت الياء فانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا ، ثم دخلت الألف واللام فقيل : الناس .
قال ابن عباس : نسي آدم عهد الله فسمي إنسانا .
وقال عليه السلام : نسي آدم [ ص: 188 ] فنسيت ذريته .
وفي التنزيل : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي وسيأتي .
وعلى هذا فالهمزة زائدة ، قال الشاعر :لا تنسين تلك العهود فإنما سميت إنسانا لأنك ناسيوقال آخر :فإن نسيت عهودا منك سالفة فاغفر فأول ناس أول الناسوقيل : سمي إنسانا لأنسه بحواء .
وقيل : لأنسه بربه ، فالهمزة أصلية ، قال الشاعر :وما سمي الإنسان إلا لأنسه ولا القلب إلا أنه يتقلبالثالثة : لما ذكر الله جل وتعالى المؤمنين أولا ، وبدأ بهم لشرفهم وفضلهم ، ذكر الكافرين في مقابلتهم ، إذ الكفر والإيمان طرفان .
ثم ذكر المنافقين بعدهم وألحقهم بالكافرين قبلهم ، لنفي الإيمان عنهم بقوله الحق : وما هم بمؤمنين .
ففي هذا رد على الكرامية حيث قالوا : إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب ، واحتجوا بقوله تعالى : فأثابهم الله بما قالوا .
ولم يقل : بما قالوا وأضمروا ، وبقوله عليه السلام : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم .
وهذا منهم قصور وجمود ، وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة من العمل مع القول والاعتقاد ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان .
أخرجه ابن ماجه في سننه .
فما ذهب إليه محمد بن كرام السجستاني وأصحابه هو النفاق وعين الشقاق ، ونعوذ بالله من الخذلان وسوء الاعتقاد .الرابعة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : المؤمن ضربان : مؤمن يحبه الله ويواليه ، ومؤمن لا يحبه الله ولا يواليه ، بل يبغضه ويعاديه ، فكل من علم الله أنه يوافي بالإيمان ، فالله محب له ، موال له ، راض عنه .
وكل من علم الله أنه يوافي بالكفر ، فالله مبغض له ، ساخط عليه ، معاد له ، لا لأجل إيمانه ، ولكن لكفره وضلاله الذي يوافي به .
والكافر ضربان : كافر يعاقب لا [ ص: 189 ] محالة ، وكافر لا يعاقب .
فالذي يعاقب هو الذي يوافي بالكفر ، فالله ساخط عليه معاد له .
والذي لا يعاقب هو الموافي بالإيمان ، فالله غير ساخط على هذا ولا مبغض له ، بل محب له موال ، لا لكفره لكن لإيمانه الموافي به .
فلا يجوز أن يطلق القول وهي :الخامسة : بأن المؤمن يستحق الثواب ، والكافر يستحق العقاب ، بل يجب تقييده بالموافاة ، ولأجل هذا قلنا : إن الله راض عن عمر في الوقت الذي كان يعبد الأصنام ، ومريد لثوابه ودخوله الجنة ، لا لعبادته الصنم ، لكن لإيمانه الموافي به .
وإن الله تعالى ساخط على إبليس في حال عبادته ، لكفره الموافي به .وخالفت القدرية في هذا وقالت : إن الله لم يكن ساخطا على إبليس وقت عبادته ، ولا راضيا عن عمر وقت عبادته للصنم .
وهذا فاسد ، لما ثبت أن الله سبحانه عالم بما يوافي به إبليس لعنه الله ، وبما يوافي به عمر رضي الله عنه فيما لم يزل ، فثبت أنه كان ساخطا على إبليس محبا لعمر .
ويدل عليه إجماع الأمة على أن الله سبحانه وتعالى غير محب لمن علم أنه من أهل النار ، بل هو ساخط عليه ، وأنه محب لمن علم أنه من أهل الجنة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإنما الأعمال بالخواتيم ولهذا قال علماء الصوفية : ليس الإيمان ما يتزين به العبد قولا وفعلا ، لكن الإيمان جري السعادة في سوابق الأزل ، وأما ظهوره على الهياكل فربما يكون عاريا ، وربما يكون حقيقة .قلت : هذا كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها .
فإن قيل وهي :السادسة : فقد خرج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري من حديث محمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة ، وهو محمد بن أبي قيس ، عن سليمان بن موسى وهو الأشدق ، عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس أخبرنا أبو رزين العقيلي قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأشربن أنا وأنت يا أبا رزين من لبن لم يتغير طعمه قال قلت : كيف يحيي الله الموتى ؟
قال : أما مررت بأرض لك مجدبة ثم مررت بها مخصبة ثم مررت بها مجدبة ثم مررت بها مخصبة قلت : بلى .
قال : " كذلك النشور " قال قلت : كيف لي أن أعلم أني مؤمن ؟
قال : ليس أحد من هذه الأمة - قال ابن أبي قيس : أو قال من أمتي - عمل حسنة وعلم أنها حسنة وأن الله جازيه بها خيرا أو عمل سيئة وعلم أنها سيئة وأن الله جازيه بها شرا أو يغفرها إلا مؤمن .قلت : وهذا الحديث وإن كان سنده ليس بالقوي فإن معناه صحيح وليس بمعارض لحديث ابن مسعود ، فإن ذلك موقوف على الخاتمة ، كما قال عليه السلام : وإنما الأعمال بالخواتيم .
وهذا إنما يدل على أنه مؤمن في الحال ، والله أعلم .السابعة : قال علماء اللغة : إنما سمي المنافق منافقا لإظهاره غير ما يضمر ، تشبيها باليربوع ، له جحر يقال له : النافقاء ، وآخر يقال له : القاصعاء .
وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب ، فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج ، فظاهر جحره تراب ، وباطنه حفر .
وكذلك المنافق ظاهره إيمان ، وباطنه كفر ، وقد تقدم هذا المعنى .
قال تعالى في وصف المنافقين الذين ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ...} واعلم أن النفاق هو: إظهار الخير وإبطان الشر، ويدخل في هذا التعريف النفاق الاعتقادي, والنفاق العملي، كالذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: \" آية المنافق ثلات: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا اؤتمن خان \" وفي رواية: \" وإذا خاصم فجر \" وأما النفاق الاعتقادي المخرج عن دائرة الإسلام, فهو الذي وصف الله به المنافقين في هذه السورة وغيرها، ولم يكن النفاق موجودا قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم [من مكة] إلى المدينة, وبعد أن هاجر, فلما كانت وقعة \" بدر \" وأظهر الله المؤمنين وأعزهم، ذل من في المدينة ممن لم يسلم, فأظهر بعضهم الإسلام خوفا ومخادعة, ولتحقن دماؤهم, وتسلم أموالهم, فكانوا بين أظهر المسلمين في الظاهر أنهم منهم, وفي الحقيقة ليسوا منهم.
فمن لطف الله بالمؤمنين, أن جلا أحوالهم ووصفهم بأوصاف يتميزون بها, لئلا يغتر بهم المؤمنون, ولينقمعوا أيضا عن كثير من فجورهم [قال تعالى]: { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ } فوصفهم الله بأصل النفاق فقال: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } فإنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فأكذبهم الله بقوله: { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } لأن الإيمان الحقيقي, ما تواطأ عليه القلب واللسان.
قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله}: نزلت في المنافقين عبد الله بن أُبَي بن سلول، ومعتب بن قشير، وجَدّ بن قيس وأصحابهم حيث أظهروا كلمة الإسلام ليَسْلَمُوا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واعتقدوا خلافها، وأكثرهم من اليهود.
و{الناس}: جمع إنسان سمي به لأنه عهد إليه فنسي، كما قال الله تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي} [115-طه]، وقيل: لظهوره من قولهم آنست أي أبصرت، وقيل: لأنه يستأنس به.
{وباليوم الآخر}: أي بيوم القيامة.
قال الله تعالى: {وما هم بمؤمنين:}: أي يخالفون الله.
ونزل في المنافقين: «ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر» أي يوم القيامة لأنه آخر الأيام «وما هم بمؤمنين» روعي فيه معنى من، وفي ضمير يقول لفظها.
ومن الناس فريق يتردد متحيِّرًا بين المؤمنين والكافرين، وهم المنافقون الذين يقولون بألسنتهم: صدَّقْنَا بالله وباليوم الآخر، وهم في باطنهم كاذبون لم يؤمنوا.
قال صاحب الكشاف : " افتتح - سبحانه - كتابه بذكر الذين أخلصوا دينهم الله ، وواطأت قلوبهم ألسنتهم ، ووافق سرهم علنهم ، وفعلهم قولهم ، ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً ، قلوباً وألسنة ، ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وأبطنوا خلاف ما أظهروا .
وهم الذين قال فيهم : ( مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هؤلاء وَلاَ إِلَى هؤلاء ) وسماهم المنافقين وكانوا أخبث الكفرة وأبغضهم إليه وأمقتهم عنده ، لأنهم خلطوا بالكفر تمويهاً وتدليساً ، وبالشرك استهزاء وخداعاً ، ولذلك أنزل فيهم : ( إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار ) ووصف حال الذين كفروا في آيتين ووصف حال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية ، نعى عليهم فيها خبثهم ، ومكرهم وفضحهم ، وسفههم ، واستجهلهم ، واستهزأ بهم ، وتهكم بفعلهم ، وسجل طغيانهم ، ودعاهم صما بكما عميا ، وضرب لهم الأمثال الشنيعة .
وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا ، كما تعطف الجملة على الجملة " .والناس : اسم لجماعة الإِنس : قال القرطبي : " واختلف النحاة في لفظ الناس فقيل : هو من أسماء الجموع ، جمع إنسان وإنسانه على غير اللفظ ، وتصغيره نويس ، فالناس من النوس وهو الحركة ، يقال : ناس ، ينوس أي : تحرك .
وقيل : أصله نسى ، فأصل ناس نسى ، قلب فصار نيس ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً ، ثم دخلت الألف واللام فقيل : الناس ، قال ابن عباس : نسى آدم عهد الله فسمى إنساناً .
وقيل : سمى إنساناً لأنسه بربه ، قال الشاعر :وما سمى الإنسان إلا لأنسه ...
ولا القلب إلا أنه يتقلبواليوم الآخر : هو اليوم الذي يبتدئ بالبعث ولا ينقطع أبداً ، وقد يراد منه اليوم الذي يبتدئ بالبعث وينتهي باستقرار أهل الجنة في الجنة .
وأهل النار في النار .وقال القرآن في شأن المنافقين ( وَمِنَ الناس ) مجرداً إياهم من الوصفين السابقين ، وصف الإيمان ووصف الكفر ، لأنهم لم يكونوا بحسب ظاهر الأمر مع الكافرين ، ولا بحسب باطنه مع المؤمنين ، لذا عبر عنهم بالناس لينطبق التعبير على ما حاولوه لأنفسهم من أتهم لا هم مؤمنون ولا هم كافرون وفي ذلك مبالغة في الحط من شأنهم فهم لم يخرجوا عن كونهم ناساً فقط ، دون أن يصلوا بأوصافهم إلى أهل اليمين أو إلى أهل الشمال الصرحاء في كفرهم ، بل بقوا في منحدر من الأرض ، لا يمر بهم سالك الطريق المستقيم ولا سالك المعوج من الطرق .وعبر القرآن بلفظ ( يَقُولُ آمَنَّا ) ليفيد أنه مجرد قول باللسان ، لا أثر له في القلوب ، وإنما هم يقولون بأفواهم ما ليس في قلوبهم .وحكى القرآن عن هؤلاء المنافقين أنهم اقتصروا في إظهار الإيمان على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ، ليزيدوا في التمويه على المؤمنين بإدعاء أنهم أحاطوا بالإيمان من طرفيه ، لأن من يؤمن بالله واليوم الآخر ، استجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن من شأنه أن يكون - أيضا - مؤمناً برسل الله وملائكته وكتبه .وقد كذبهم الله - تعالى - في دعواهم الإِيمان ، فقال :( وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ) .فهذه الجملة الكريمة رد لما ادعوه من الإِيمان ، ونفى له على أبلغ وجه ، إذ جاء النفي مؤكداً بالباء في قوله ( بِمُؤْمِنِينَ ) .
ثم إن الجملة نفت عنهم الإِيمان على سبيل الإِطلاق ، فهم ليسوا بمؤمنين لا بالله ولا باليوم الآخر ، ولا بكتب الله ولا برسله ولا بملائكته .ثم بين - سبحانه - الدوافع التي دفعتهم إلى أن يقولوا ( آمَنَّا بالله وباليوم الآخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ) فقال :
اعلم أن المفسرين أجمعوا على أن ذلك في وصف المنافقين قالوا: وصف الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين والكافرين والمنافقين فبدأ بالمؤمنين المخلصين الذين صحت سرائرهم وسلمت ضمائرهم، ثم أتبعهم بالكافرين الذين من صفتهم الإقامة على الجحود والعناد، ثم وصف حال من يقول بلسانه إنه مؤمن وضميره يخالف ذلك، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أعلم أن الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلص إلا بتقسيم نذكره فنقول: أحوال القلب أربعة، وهي الاعتقاد المطابق المستفاد عن الدليل وهو العلم؛ والاعتقاد المطابق المستفاد لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد، والاعتقاد الغير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك.
فهذه أقسام أربعة، وأما أحوال اللسان فثلاثة: الإقرار؛ والإنكار، والسكوت.
فيحصل من تركيباتها اثنا عشر قسماً.
النوع الأول: ما إذا حصل العرفان القلبي فهاهنا إما أن ينضم إليه الإقرار باللسان أو الإنكار باللسان أو السكوت.
القسم الأول: ما إذا حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان فهذا الإقرار إن كان اختيارياً فصاحبه مؤمن حقاً بالإتفاق، وإن كان اضطرارياً وهو ما إذا عرف بقلبه ولكنه يجد من نفسه أنه لولا الخوف لما أقر، بل أنكر، فهذا يجب أن يعد منافقاً؛ لأنه بقلبه منكر مكذب، فإذا كان باللسان مقراً مصدقاً وجب أن يعد منافقاً لأنه بقلبه منكر مكذب بوجوب الإقرار.
القسم الثاني: أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني فهذا الإنكار إن كان اضطرارياً كان صاحبه مسلماً، لقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ﴾ وإن كان اختيارياً كان كافراً معانداً.
القسم الثالث: أن يحصل العرفان القلبي ويكون اللسان خالياً عن الإقرار والإنكار، فهذا السكوت إما أن يكون اضطرارياً أو اختيارياً، فإن كان اضطرارياً فذلك إذا خاف ذكره باللسان فهذا مسلم حقاً أو كما إذا عرف الله بدليله ثم لما تمم النظر مات فجأة، فهذا مؤمن قطعاً، لأنه أتى بكل ما كلف به ولم يجد زمان الإقرار والإنكار فكان معذوراً فيه، وأما إن كان اختيارياً فهو كمن عرف الله بدليله ثم إنه لم يأت بالإقرار، فهذا محل البحث، وميل الغزالي رحمه الله إلى أنه يكون مؤمناً لقوله عليه السلام: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان».
وهذا الرجل قلبه مملوء من نور الإيمان فكيف لا يخرج من النار.
النوع الثاني: أن يحصل في القلب الاعتقاد التقليدي، فإما أن يوجد معه الإقرار، أو الإنكار أو السكوت.
القسم الأول: أن يوجد معه الإقرار، ثم ذلك الإقرار إن كان اختيارياً فهذا هو المسألة المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا؟
وإن كان اضطرارياً فهذا يفرع على الصورة الأولى، فإن حكمنا في الصورة الأولى بالكفر، فها هنا لا كلام، وإن حكمنا هناك بالإيمان وجب أن يحكم هاهنا بالنفاق، لأن في هذه الصورة لو كان القلب عارفاً لكان هذا الشخص منافقاً، فبأن يكون منافقاً عند التقليد كان أولى.
القسم الثاني: الاعتقاد التقليدي مع الإنكار اللساني، ثم هذا الإنكار إن كان اختيارياً فلا شك في الكفر، وإن كان اضطرارياً وحكمنا بإيمان المقلد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصورة.
القسم الثالث: الاعتقاد التقليدي مع السكوت اضطرارياً كان أو اختيارياً، وحكمه حكم القسم الثالث من النوع الأول إذا حكمنا بإيمان المقلد.
النوع الثالث: الإنكار القلبي فإما أن يوجد معه الإقرار اللساني، أو الإنكار اللساني، أو السكوت.
القسم الأول: أن يوجد معه الإقرار اللساني، فذلك الإقرار إن كان اضطرارياً فهو المنافق وإن كان اختيارياً فهو مثل أن يعتقد بناءً على شبهة أن العالم قديم ثم بالاختيار أقر باللسان أن العالم محدث، وهذا غير مستبعد، لأنه إذا جاز أن يعرف بالقلب ثم ينكر باللسان وهو كفر الجحود والعناد، فلم لا يجوز أن يجهل بالقلب ثم يقر باللسان؟
فهذا القسم أيضاً من النفاق.
القسم الثاني: أن يوجد الإنكار القلبي ويوجد الإنكار اللساني فهذا كافر وليس بمنافق، لأنه ما أظهر شيئاً بخلاف باطنه.
القسم الثالث: أن يوجد الإنكار القلبي مع السكوت اللساني فهذا كافر وليس بمنافق لأنه ما أظهر شيئاً.
النوع الرابع: القلب الخالي عن جميع الاعتقادات فهذا إما أن يوجد معه الإقرار أو الإنكار أو السكوت.
القسم الأول: إذا وجد الإقرار فهذا الإقرار إما أن يكون اختيارياً أو اضطرارياً، فإن كان اختيارياً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر، لكنه فعل ما لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا؟
وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً لم يكفر صاحبه، لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً.
القسم الثاني: القلب الخالي مع الإنكار باللسان وحكمه على العكس من حكم القسم العاشر القسم الثالث: القلب الخالي مع اللسان الخالي، فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا يحكم عليه بالنفاق البتة، فهذه هي الأقسام الممكنة في هذا الباب، وقد ظهر منه أن النفاق ما هو، وأنه الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ما في ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، وإذ عرفت هذا ظهر أن قوله: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله وباليوم الآخر ﴾ المراد منه المنافقون والله أعلم.
المسألة الثانية: اختلفوا في أن كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المنافق؟
قال قوم كفر الكافر الأصلي أقبح، لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان.
وقال آخرون بل المنافق أيضاً كاذب باللسان، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه، ولذلك قال تعالى: ﴿ قَالَتِ الأعراب ءامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ وقال: ﴿ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون ﴾ ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة.
أحدها: أنه قصد التلبيس والكافر الأصلي ما قصد ذلك.
وثانيها: أن الكافر عى طبع الرجال، والمنافق على طبع الخنوثة.
وثالثها: أن الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه ولم يرض إلا بالصدق، والمنافق رضي بذلك.
ورابعها: أن المنافق ضم إلى كفره الاستهزاء بخلاف الكافر الأصلي، ولأجل غلظ كفره قال تعالى: ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار ﴾ .
وخامسها: قال مجاهد: إنه تعالى ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات، ثم ثنى بذكر الكفار في آيتين ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية، وذلك يدل على أن المنافق أعظم جرماً.
وهذا بعيد، لأن كثرة الاقتصاص بخبرهم لا توجب كون جرمهم أعظم، فإن عظم فلغير ذلك، وهو ضمهم إلى الكفر وجوهاً من المعاصي كالمخادعة والاستهزاء، وطلب الغوائل إلى غير ذلك، ويمكن أن يجاب عنه بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم تدل على أن الاهتمام بدفع شرهم أشد من الاهتمام بدفع شر الكفار، وذلك يدل على أنهم أعظم جرماً من الكفار.
المسألة الثالثة: هذه الآية دالة على أمرين: الأول: أنها تدل على أن من لا يعرف الله تعالى وأقر به فإنه لا يكون مؤمناً، لقوله: ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ وقالت الكرامية: إنه يكون مؤمناً الثاني: أنها تدل على بطلان قول من زعم أن كل المكلفين عارفون بالله، ومن لم يكن به عارفاً لا يكون مكلفاً أما الأول فلأن هؤلاء المنافقين لو كانوا عارفين بالله وقد أقروا به لكان يجب أن يكون إقرارهم بذلك إيماناً، لأن من عرف الله تعالى وأقر به لابد وأن يكون مؤمناً وأما الثاني فلأن غير العارف لو كان معذوراً لما ذم الله هؤلاء على عدم العرفان، فبطل قول من قال من المتكلمين: إن من لا يعرف هذه الأشياء يكون معذوراً.
المسألة الرابعة: ذكروا في اشتقاق لفظ الإنسان وجوهاً: أحدها: يروى عن ابن عباس أنه قال: سمي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي، وقال الشاعر: سميت إنساناً لأنك ناسي *** وقال أبو الفتح البستي: يا أكثر الناس إحساناً إلى الناس *** وأكثر الناس إفضالاً على الناس نسيت عهدك والنسيان مغتفر *** فاغفر فأول ناس أول الناس وثانيها: سمي إنساناً لاستئناسه بمثله.
وثالثها: قالوا: الإنسان إنما سمي إنساناً لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون من قوله: ﴿ آنس مِن جَانِبِ الطور نَاراً ﴾ كما سمي الجن لاجتنانهم.
واعلم أنه لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقاً من شيء آخر وإلا لزم التسلسل، وعلى هذا لا حاجة إلى جعل لفظ الإنسان مشتقاً من شيء آخر.
المسألة الخامسة: قال ابن عباس: أنها نزلت في منافقي أهل الكتاب، منهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير، وجد ابن قيس، كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون إنا لنجد في كتابنا نعته وصفته ولم يكونوا كذلك إذا خلا بعضهم إلى بعض.
المسألة السادسة: لفظة من لفظة صالحة للتثنية، والجمع، والواحد.
أما في الواحد فقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ وفي الجمع كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾ والسبب فيه أنه موحد اللفظ مجموع المعنى، فعند التوحيد يرجع إلى اللفظ.
وعند الجمع يرجع إلى المعنى، وحصل الأمران في هذه الآية؛ لأن قوله تعالى: ﴿ يقُولُ ﴾ لفظ الواحد و ﴿ آمنا ﴾ لفظ الجمع وبقي من مباحث الآية أسئلة.
السؤال الأول: المنافقون كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر ولكنهم كانوا منكرين لنبوته عليه السلام فلم كذبهم في إدعائهم الإيمان بالله واليوم الآخر؟
والجواب: إن حملنا هذه الآية على منافقي المشركين فلا إشكال، لأن أكثرهم كانوا جاهلين بالله ومنكرين البعث والنشور وإن حملناها على منافقي أهل الكتاب وهم اليهود فإنما كذبهم الله تعالى لأن إيمان اليهود بالله ليس بإيمان، لأنهم يعتقدونه جسماً، وقالوا عزير بن الله، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ليس بإيمان، فلما قالوا آمنا بالله كان خبثهم فيه مضاعفاً لأنهم كانوا بقلوبهم يؤمنون به على ذلك الوجه الباطل، وباللسان يوهمون المسلمين بهذا الكلام إنا آمنا لله مثل إيمانكم، فلهذا كذبهم الله تعالى فيه.
السؤال الثاني: كيف طابق قوله: ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ قولهم: ﴿ آمنا بالله ﴾ والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل؟
والجواب: أن من قال فلان ناظر في المسألة الفلانية، فلو قلت إنه لم يناظر في تلك المسألة كنت قد كذبته، أما لو قلت إنه ليس من الناظرين كنت قد بالغت في تذكيبه، يعني أنه ليس من هذا الجنس، فكيف يظن به ذلك؟
فكذا هاهنا لما قالوا آمنا بالله فلو قال الله ما آمنوا كان ذلك تكذيباً لهم أما لما قال: ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ كان ذلك مبالغة في تكذيبهم، ونظيره قوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا ﴾ هو أبلغ من قولهم: وما يخرجون منها.
السؤال الثالث: ما المراد باليوم الآخر؟
الجواب: يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم، الذي لا ينقطع له أمد، ويجوز أن يراد به الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة.
وأهل النار النار؛ لأنه آخر الأوقات المحدودة، وما بعده فلا حد له.
<div class="verse-tafsir"
افتتح سبحانه بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ووافق سرهم علنهم وفعلهم قولهم.
ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً قلوباً وألسنة.
ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وأبطنوا خلاف ما أظهروا وهم الذين قال فيهم: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء ﴾ [النساء: 143] وسماهم المنافقين، وكانوا أخبث الكفرة وأبغضهم إليه وأمقتهم عنده؛ لأنهم خلطوا بالكفر تمويهاً وتدليساً، وبالشرك استهزاء وخداعاً.
ولذلك أنزل فيهم ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الاسفل مِنَ النار ﴾ [النساء: 145] ووصف حال الذين كفروا في آيتين، وحال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ومكرهم، وفضحهم وسفههم، واستجهلهم واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، وسجل بطغيانهم، وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً، وضرب لهم الأمثال الشنيعة.
وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة.
وأصل (ناس) أناس، حذفت همزته تخفيفاً كما قيل: لوقة، في ألوقة.
وحذفها مع لام التعريف كاللازم لا يكاد يقال الأناس.
ويشهد لأصله إنسان وأناس وأناسى وإنس.
وسموا لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون، كما سمي الجنّ لاجتنانهم.
ولذلك سموا بشراً.
ووزن ناس فعال؛ لأن الزنة على الأصول.
ألا تراك تقول في وزن (قه) افعل، وليس معك إلا العين وحدها؟
وهو من أسماء الجمع كرخال.
وأما نويس فمن المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان ورويجل.
ولام التعريف فيه للجنس.
ويجوز أن تكون للعهد، والإشارة إلى الذين كفروا المارّ ذكرهم؛ كأنه قيل: ومن هؤلاء من يقول.
وهم عبد الله بن أبيّ وأصحابه ومن كان في حالهم من أهل التصميم على النفاق.
ونظير موقعه موقع القوم في قولك: نزلت ببني فلان فلم يقروني والقوم لئام.
ومن في ﴿ مَن يَقُولُ ﴾ موصوفة، كأنه قيل: ومن الناس ناس يقولون كذا، كقوله: ﴿ مّنَ المؤمنين رِجَالٌ ﴾ [الفتح: 25] إن جعلت اللام للجنس.
وإن جعلتها للعهد فموصولة، كقوله: ﴿ وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى ﴾ [التوبة: 61] .
فإن قلت: كيف يجعلون بعض أولئك والمنافقون غير المختوم على قلوبهم؟
قلت: الكفر جمع الفريقين معاً وصيرهم جنساً واحداً.
وكون المنافقين نوعاً من نوعي هذا الجنس- مغايراً للنوع الآخر بزيادة زادوها على الكفر الجامع بينهما من الخديعة والاستهزاء- لا يخرجهم من أن يكونوا بعضاً من الجنس؛ فإن الأجناس إنما تنوّعت لمغايرات وقعت بين بعضها وبعض.
وتلك المغايرات إنما تأتي بالنوعية ولا تأبى الدخول تحت الجنسية.
فإن قلت: لم اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر؟
قلت: اختصاصهما بالذكر كشف عن إفراطهم في الخبث وتماديهم في الدعارة؛ لأن القوم كانوا يهوداً، وإيمان اليهود بالله ليس بإيمان، لقولهم: ﴿ عُزَيْرٌ ابن الله ﴾ [التوبة: 30] .
وكذلك إيمانهم باليوم الآخر، لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته، فكان قولهم: ﴿ ءَامَنَّا بالله وباليوم الآخر ﴾ خبثاً مضاعفاً وكفراً موجهاً، لأن قولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق وعقيدتهم عقيدتهم، فهو كفر لا إيمان.
فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة للمسلمين واستهزاء بهم، وأروهم أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي، كان خبثاً إلى خبث، وكفراً إلى كفر.
وأيضاً فقد أوهموا في هذا المقال أنهم اختاروا الإيمان من جانبيه، واكتنفوه من قطريه، وأحاطوا بأوّله وآخره.
وفي تكرير الباء أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام.
فإن قلت: كيف طابق قوله: ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ قولهم: ﴿ ءَامَنَّا بالله وباليوم الآخر ﴾ والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل؟
قلت: القصد إلى إنكار ما ادعوه ونفيه، فسلك في ذلك طريق أدّى إلى الغرض المطلوب.
وفيه من التوكيد والمبالغة ما ليس في غيره، وهو إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن تكون طائفة من طوائف المؤمنين، لما علم من حالهم المنافية لحال الداخلين في الإيمان.
وإذا شهد عليهم بأنهم في أنفسهم على هذه الصفة، فقد انطوى تحت الشهادة عليهم بذلك نفى ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل البت والقطع.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا ﴾ [المائدة: 37] هو أبلغ من قولك: وما يخرجون منها.
فإن قلت: فلم جاء الإيمان مطلقاً في الثاني وهو مقيد في الأوّل؟
قلت: يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه، وأن يراد بالإطلاق أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر، ولا من الإيمان بغيرهما.
فإن قلت: ما المراد باليوم الآخر؟
قلت: يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حدّ له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع، لتأخره عن الأوقات المنقضية.
وأن يراد الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة الذي لا حدّ للوقت بعده.
والخدع: أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه.
من قولهم: ضب خادع وخدع، إذا أمر الحارش يده على باب جحره أوهمه إقباله عليه، ثم خرج من باب آخر.
فإن قلت: كيف ذلك ومخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا تخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنون وإن جاز أن يخدعوا لم يجز أن يخدعوا، ألا نرى إلى قوله: واستمطروا مِنْ قُرَيْشٍ كلَّ مِنْخدِعِ وقول ذي الرمّة: إنَّ الحَليمَ وذَا الإِسْلامِ يُخْتَلَبُ فقد جاء النعت بالانخداع ولم يأت بالخدع.
قلت: فيه وجوه.
أحدها: أن يقال كانت صورة صنعهم مع الله حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون، صورة صنع الخادعين.
وصورة صنع الله معهم- حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد شرار الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار- صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامهم عليهم.
والثاني: أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه؛ لأن من كان ادعاؤه الإيمان بالله نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، ولا أن لذاته تعلقاً بكل معلوم، ولا أنه غني عن فعل القبائح؛ فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله في زعمه مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، وتجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم.
والثالث: أن يذكر الله تعالى ويراد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خليفته في أرضه، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده، كما يقال: قال الملك كذا ورسم كذا؛ وإنما القائل والراسم وزيره أو بعض خاصته الذين قولهم قوله ورسمهم رسمه.
مصداقه قوله: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ [الفتح: 10] وقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ [النساء: 80] .
والرابع: أن يكون من قولهم: أعجبني زيد وكرمه، فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله.
وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص، ولما كان المؤمنون من الله بمكان، سلك بهم ذلك المسلك.
ومثله: ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62] وكذلك: ﴿ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ [الأحزاب: 57] ونظيره في كلامهم: علمت زيداً فاضلاً، والغرض فيه ذكر إحاطة العلم بفضل زيد لا به نفسه؛ لأنه كان معلوماً له قديماً؛ كأنه قيل: علمت فضل زيد؛ ولكن ذكر زيد توطئة وتمهيد لذكر فضله.
فإن قلت: هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح؟
قلت: وجهه أن يقال: عنى به (فعلت) إلا أنه أخرج في زنة (فاعلت) لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه.
ويعضده قراءة من قرأ: ﴿ يخادعون الله والذين ءامَنُوا ﴾ وهو أبو حيوة.
و ﴿ يخادعون ﴾ بيان ليقول.
ويجوز أن يكون مستأنفاً كأنه قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين وما رفقهم في ذلك؟
فقيل يخادعون.
فإن قلت: عمّ كانوا يخادعون؟
قلت: كانوا يخادعونهم عن أغراض لهم ومقاصد منها متاركتهم وإعفاؤهم عن المحاربة، وعما كانوا يطرقون به من سواهم من الكفار.
ومنها اصطناعهم بما يصطنعون به المؤمنين من إكرامهم والإحسان إليهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم ونحو ذلك من الفوائد، ومنها اطلاعهم- لاختلاطهم بهم- على الأسرار التي كانوا حراصاً على إذاعتها إلى منابذيهم.
فإن قلت: فلو أظهر عليهم حتى لا يصلوا إلى هذه الأغراض بخداعهم عنها.
قلت: لم يظهر عليهم لما أحاط به علماً من المصالح التي لو أظهر عليهم لانقلبت مفاسد واستبقاء إبليس وذرّيته ومتاركتهم وما هم عليه من إغواء المنافقين وتلقينهم النفاق أشدّ من ذلك.
ولكن السبب فيه ما علمه تعالى من المصلحة.
فإن قلت: ما المراد بقوله: ﴿ وَمَا يَخادعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ ﴾ ؟
قلت: يجوز أن يراد: وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم، ومكرها يحيق بهم، كما تقول: فلان يضارّ فلاناً وما يضارّ إلا نفسه، أي: دائرة الضرار راجعة إليه وغير متخطية إياه، وأن يراد حقيقة المخادعة أي: وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل ويكذبونها فيما يحدثونها به، وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدّثهم بالأماني، وأن يراد: وما يخدعون فجيء به على لفظ (يفاعلون) للمبالغة.
وقرئ: ﴿ وما يخدعون ﴾ ، ويخدعون من خدع.
ويخدعون- بفتح الياء- بمعنى يخدعون.
ويخدعون.
ويخادعون على لفظ ما لم يسم فاعله.
والنفس: ذات الشيء وحقيقته.
يقال عندي كذا نفساً.
ثم قيل للقلب: نفس؛ لأن النفس به.
ألا ترى إلى قولهم: المرء بأصغريه.
وكذلك بمعنى الروح، وللدم نفس؛ لأن قوامها بالدم.
وللماء نفس؛ لفرط حاجتها إليه.
قال الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْء حَي ﴾ [الأنبياء: 30] وحقيقة نفس الرجل بمعنى عين أصيبت نفسه، كقولهم: فلان يؤامر نفسيه- إذا تردّد في الأمر اتجه له رأيان وداعيان لا يدري على أيهما يعرج كأنهم أرادوا داعيي النفس، وهاجسي النفس فسموهما: نفسين، إما لصدورهما عن النفس، وإما لأن الداعيين لما كانا كالمشيرين عليه والآمرين له، شبهوهما بذاتين فسموهما نفسين.
والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم.
والمعنى بمخادعتهم ذواتهم؛ أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم ولا يتخطاهم إلى من سواهم.
ويجوز أن يراد قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم.
والشعور علم الشيء علم حس من الشعار.
ومشاعر الإنسان: حواسه.
والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حسّ له.
واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة ومجازاً، فالحقيقة أن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض.
والمجاز أن يستعار لبعض أعراض القلب، كسوء الاعتقاد، والغل، والحسد والميل إلى المعاصي، والعزم عليها، واستشعار الهوى، والجبن، والضعف، وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض كما استعيرت الصحة والسلامة في نقائض ذلك.
والمراد به هنا ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد والكفر، أو من الغل والحسد والبغضاء، لأن صدورهم كانت تغلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين غلا وحنقاً ويبغضونهم البغضاء التي وصفها الله تعالى في قوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ [آل عمران: 118] ويتحرقون عليهم حسداً ﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ [آل عمران: 120] وناهيك مما كان من ابن أبيّ وقول سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك» .
أو يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخور، لأن قلوبهم كانت قوية، إما لقوة طمعهم فيما كانوا يتحدثون به: أن ريح الإسلام تهب حيناً ثم تسكن ولواءه يخفق أياماً ثم يقرّ، فضعفت حين ملكها اليأس عند إنزال الله على رسوله النصر وإظهار دين الحق على الدين كله.
وإما لجراءتهم وجسارتهم في الحروب فضعفت جبناً وخوراً حين قذف الله في قلوبهم الرعب وشاهدوا شوكة المسلمين وإمداد الله لهم بالملائكة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» ومعنى زيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فسمعوه كفروا به فازدادوا كفراً إلى كفرهم، فكأن الله هو الذي زادهم ما ازدادوه إسناداً للفعل إلى المسبب له، كما أسنده إلى السورة في قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ [التوبة: 125] لكونها سبباً.
أو كلما زاد رسوله نصرة وتبسطاً في البلاد ونقصاً من أطراف الأرض ازدادوا حسداً وغلا وبغضاً وازدادت قلوبهم ضعفاً وقلة طمع فيما عقدوا به رجاءهم وجبناً وخوراً.
ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع.
وقرأ أبو عمر في رواية الأصمعي: مرْض، ومرْضاً، بسكون الراء؛ يقال: ألم فهو ﴿ أَلِيمٌ ﴾ كوجع فهو وجيع ووصف العذاب به نحو قوله: تحِيَّةُ بَيْنَهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ وهذا على طريقة قولهم: جدّ جدّه.
والألم في الحقيقة للمؤلم كما أنّ الجدّ للجادّ.
والمراد بكذبهم قولهم آمنا بالله وباليوم الآخر.
وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته، وتخييل أن العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ مّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ ﴾ [نوح: 71] والقوم كفرة.
وإنما خصت الخطيآت استعظاماً لها وتنفيراً عن ارتكابها.
والكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به وهو قبيح كله.
وأمَّا مَا يروى عن إبراهيم عليه السلام «أنه كذب ثلاث كذبات» .
فالمراد التعريض.
ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمى به.
وعن أبي بكر رضي الله عنه وروى مرفوعاً: «إياكم والكذب فإنه مجانب للإيمان» وقرئ؛ ﴿ يكذبون ﴾ ، من كذبه الذي هو نقيض صدقه؛ أو من كذّب الذي هو مبالغة في كذب، كما بولغ في صدق فقيل: صدّق.
ونظيرهما: بان الشيء وبين، وقلص الثوب وقلص.
أو بمعنى الكثرة كقولهم: موتت البهائم، وبركت الإبل، أو من قولهم: كذب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه؛ لأن المنافق متوقف متردّد في أمره، ولذلك قيل له مذبذب.
وقال عليه السلام: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ لَمّا افْتَتَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِشَرْحِ حالِ الكِتابِ وساقَ لِبَيانِهِ، ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ تَعالى وواطَأتْ فِيهِ قُلُوبُهم ألْسِنَتَهُمْ، وثَنّى بِأضْدادِهِمُ الَّذِينَ مَحَضُوا الكُفْرَ ظاهِرًا وباطِنًا ولَمْ يَلْتَفِتُوا لَفْتَةً رَأْسًا، ثَلَّثَ بِالقِسْمِ الثّالِثِ المُذَبْذَبِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم تَكْمِيلًا لِلتَّقْسِيمِ، وهم أخْبَثُ الكَفَرَةِ وأبْغَضُهم إلى اللَّهِ لِأنَّهم مَوَّهُوا الكُفْرَ وخَلَطُوا بِهِ خِداعًا واسْتِهْزاءً، ولِذَلِكَ طَوَّلَ في بَيانِ خُبْثِهِمْ وجَهْلِهِمْ واسْتَهْزَأ بِهِمْ، وتَهَكَّمَ بِأفْعالِهِمْ وسَجَلَ عَلى عَمَهِهِمْ وطُغْيانِهِمْ، وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثالَ وأنْزَلَ فِيهِمْ ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ﴾ وقِصَّتُهم عَنْ آخِرِها مَعْطُوفَةٌ عَلى قِصَّةِ المُصِرِّينَ.
والنّاسُ أصْلُهُ أُناسٌ لِقَوْلِهِمْ: إنْسانٌ وأنَسٌ وأناسِيٌّ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ حَذْفَها في لَوَقَةٍ وعُوِّضَ عَنْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ ولِذَلِكَ لا يَكادُ يُجْمَعُ بَيْنَهُما.
وقَوْلُهُ: إنَّ المَنايا يَطَّلِعْنَ عَلى الإناسِ الآمِنِينا شاذٌّ.
وهو اسْمُ جَمْعٍ كَرِجالٍ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ فَعالٌ في أبْنِيَةِ الجَمْعِ.
مَأْخُوذٌ مِن أنِسَ لِأنَّهم يَسْتَأْنِسُونَ بِأمْثالِهِمْ.
أوْ آنَسَ لِأنَّهم ظاهِرُونَ مُبْصِرُونَ، ولِذَلِكَ سُمُّوا بَشَرًا كَما سُمِّيَ الجِنُّ جِنًّا لِاجْتِنابِهِمْ.
واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، ومِن مَوْصُوفَةٌ إذْ لا عَهْدَ فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ النّاسِ ناسٌ يَقُولُونَ.
أوْ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودِ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ومَن مَوْصُولَةٌ مُرادٌ بِها ابْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ ونُظَراؤُهُ، فَإنَّهم مِن حَيْثُ إنَّهم صَمَّمُوا عَلى النِّفاقِ دَخَلُوا في عِدادِ الكُفّارِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ، واخْتِصاصُهم بِزِياداتٍ زادُوها عَلى الكُفْرِ لا يَأْبى دُخُولَهم تَحْتَ هَذا الجِنْسِ، فَإنَّ الأجْناسَ إنَّما تَتَنَوَّعُ بِزِياداتٍ يَخْتَلِفُ فِيها أبْعاضُها فَعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ تَقْسِيمًا لِلْقِسْمِ الثّانِي.
واخْتِصاصُ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ بِالذِّكْرِ تَخْصِيصٌ لِما هو المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ الإيمانِ وادِّعاءٌ بِأنَّهُمُ احْتازُوا الإيمانَ مِن جانِبَيْهِ وأحاطُوا بِقُطْرَيْهِ، وإيذانٌ بِأنَّهم مُنافِقُونَ فِيما يَظُنُّونَ أنَّهم مُخْلِصُونَ فِيهِ، فَكَيْفَ بِما يَقْصِدُونَ بِهِ النِّفاقَ، لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يَهُودًا وكانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ إيمانًا كَلا إيمانٍ، لِاعْتِقادِهِمُ التَّشْبِيهَ واتِّخاذَ الوَلَدِ، وأنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ، وأنَّ النّارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً وغَيْرَها، ويَرَوْنَ المُؤْمِنِينَ أنَّهم آمَنُوا مِثْلَ إيمانِهِمْ.
وبَيانٌ لِتَضاعُفِ خُبْثِهِمْ وإفْراطِهِمْ في كُفْرِهِمْ، لِأنَّ ما قالُوهُ لَوْ صَدَرَ عَنْهم لا عَلى وجْهِ الخِداعِ والنِّفاقِ وعَقِيدَتُهم عَقِيدَتُهم لَمْ يَكُنْ إيمانًا، فَكَيْفَ وقَدْ قالُوهُ تَمْوِيهًا عَلى المُسْلِمِينَ وتَهَكُّمًا بِهِمْ.
وفي تَكْرارِ الباءِ ادِّعاءُ الإيمانِ بِكُلِّ واحِدٍ عَلى الأصالَةِ والِاسْتِحْكامِ.
والقَوْلُ هو التَّلَفُّظُ بِما يُفِيدُ، ويُقالُ بِمَعْنى المَقُولِ، ولِلْمَعْنى المُتَصَوَّرِ في النَّفْسِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِاللَّفْظِ ولِلرَّأْيِ والمَذْهَبِ مَجازًا.
والمُرادُ بِاليَوْمِ الآخِرِ مِن وقْتِ الحَشْرِ إلى ما لا يَنْتَهِي.
أوْ إلى أنْ يَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ لِأنَّهُ آخِرُ الأوْقاتِ المَحْدُودَةِ.
﴿ وَما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ إنْكارُ ما ادَّعَوْهُ ونَفْيُ ما انْتَحَلُوا إثْباتَهُ، وكانَ أصْلُهُ وما آمَنُوا لِيُطابِقَ قَوْلَهم في التَّصْرِيحِ بِشَأْنِ الفِعْلِ دُونَ الفاعِلِ لَكِنَّهُ عَكَسَ تَأْكِيدًا.
أوْ مُبالَغَةً في التَّكْذِيبِ، لِأنَّ إخْراجَ ذَواتِهِمْ مِن عِدادِ المُؤْمِنِينَ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم في ماضِي الزَّمانِ، ولِذَلِكَ أكَّدَ النَّفْيَ بِالباءِ وأطْلَقَ الإيمانَ عَلى مَعْنى أنَّهم لَيْسُوا مِنَ الإيمانِ في شَيْءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَيَّدَ بِما قُيِّدُوا بِهِ لِأنَّهُ جَوابُهُ.
والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى الإيمانَ وخالَفَ قَلْبُهُ لِسانَهُ بِالِاعْتِقادِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، لِأنَّ مَن تَفَوَّهَ بِالشَّهادَتَيْنِ فارِغَ القَلْبِ عَمّا يُوافِقُهُ أوْ يُنافِيهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا.
والخِلافُ مَعَ الكَرامِيَّةِ في الثّانِي فَلا يَنْهَضُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الأخر} افتتح سبحانه وتعالى بذكر
الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ثم ثنى بالكافرين قلوباً وألسنة ثم ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وهم أخبث الكفرة لأنهم خلطوا بالكفر استهزاءً وخداعاً ولذا أنزل فيهم إِنَّ المنافقين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار وقال مجاهد أربع آيات من أول السورة في نعت المؤمنين وآيتان في ذكر الكافرين وثلاث عشرة آية في المنافقين نعى عليهم فيها نكرهم وخبثهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم عمههم ودعاهم صمابكما عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة وأصل ناس أناس حذفت همزته تخفيفاً وحذفها كاللازم مع لام التعريف لا يكاد يقال الأناس
البقرة (٨ _ ٩)
ويشهد لأصله إنسان وأناس وإنس وسموا به لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول فإنك تقول وزن قه افعل وليس معك إلا العين وهو من أسماء الجمع ولام التعريف فيه للجنس ومن موصوفة ويقول صغة لها كأنه قيل ومن الناس ناس يقولون كذا وإنما خصوا الإيمان بالله وباليوم الآخر وهو الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع وإنما سمي بالآخر لتأخره عن الأوقات المنقضية أو الوقت المعهود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار لأنهم أوهموا في هذا المقال أنهم أحاطوا بجانبي الإيمان أوله وآخره وهذا لأن حاصل المسائل الاعتقادية يرجع إلى مسائل المبدأ وهي العلم بالصانع وصفاته وأسمائه ومسائل المعاد وهي العلم بالنشور والبعث من القبور والصراط والميزان وسائر أحوال الآخرة وفي تكرير الباء إشارة إلى أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانيين على صفة الصحة والاستحكام إنما طابق قوله {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} وهو في ذكر شأن الفاعل لا الفعل قولهم آمنا بالله وباليوم الآخر وهو في ذكر شأن الفعل لا الفاعل لأن المراد إنكار ما ادعوه
ونفيه على أبلغ وجه وآكده وهو إخراج ذواتهم من أن تكون طائفة من المؤمنين ونحوه قوله تعالى {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ من النار وما هم بخارجين منها} فهوأبلغ من قولك وما يخرجون منها وأطلق الإيمان في الثاني بعد تقييده في الأول لأنه يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه ويحتمل أن يراد نفي أصل الإيمان وفي ضمنه نفي المذكور أولاً والآية تنفي قول الكرامية إن الإيمان هو الإقرار باللسان لا غير لأنه نفى عنهم اسم الإيمان مع وجود الإقرار منهم وتؤيد قول أهل السنة إنه إقرار باللسان وتصديق بالجنان ودخلت الباء في خبر ما مؤكدة للنفي لأنه يستدل به السامع على الجحد إذا غفل عن أول الكلام ومن موحد اللفظ فلذا قيل يقول وجمع وماهم بمؤمنين نظراً إلى معناه
﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها إلى آخِرِ القِصَّةِ مَعْطُوفَةٌ عَلى قِصَّةِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وكُلٌّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ مَسُوقٌ لِغَرَضٍ، إلّا أنَّ فِيهِما مِنَ النَّعْيِ عَلى أهْلِ الضَّلالِ ما لا يَخْفى، وقَدْ سِيقَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً لِنَعْيِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ سَتَرُوا الكُفْرَ، وأظْهَرُوا الإسْلامَ، فَهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ أعْظَمُ جُرْمًا مِن سائِرِ الكُفّارِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ﴾ والنّاسُ أصْلُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ أُناسٌ، وهو جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِإنْسانٍ، وقَدْ حُذِفَتْ فاؤُهُ تَخْفِيفًا، فَوَزْنُهُ فُعالٌ، ويَشْهَدُ لِأصْلِهِ إنْسانٌ، وإنْسٌ وأناسِيُّ، ونَقْصُهُ وإتْمامُهُ جائِزانِ، إذا نُكِّرَ، فَإذا عُرِّفَ بِألْ فالأكْثَرُ نَقْصُهُ، ومَن عَرَّفَ خَصَّ بِالبَلاءِ، ويَجُوزُ إتْمامُهُ عَلى قِلَّةٍ كَما في قَوْلِهِ: إنَّ المَنايا يَطَّلِعْنَ عَلى الأُناسِ الآمِنِينا وهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الأُنْسِ ضِدَّ الوَحْشَةِ لِأُنْسِهِ بِجِنْسِهِ، لِأنَّهُ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، ومِن هُنا قِيلَ: وما سُمِّيَ الإنْسانُ إلّا لِأُنْسِهِ ∗∗∗ ولا القَلْبُ إلّا أنَّهُ يَتَقَلَّبُ أوْ مِن آنَسَ أيْ أبْصَرَ، قالَ تَعالى: ﴿ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا ﴾ وجاءَ بِمَعْنى سَمِعَ وعَلِمَ، وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ ظاهِرٌ مَحْسُوسٌ، وذَهَبَ السَّكّاكِيُّ إلى أنَّهُ اسْمٌ تامٌّ، وعَيْنُهُ واوٌ مِن نَوَسَ، إذا تَحَرَّكَ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِهِ عَلى نُوَيْسٍ، فَوَزْنُهُ فَعْلٌ، وفي الكَشّافِ أنَّهُ مِنَ المُصَغَّرِ الآتِي عَلى خِلافِ مُكَبَّرِهِ، كَأُنَيْسِيانٍ ورُوَيْجِلٍ، وقِيلَ: مِن نَسِيَ بِالقَلْبِ، لِقَوْلِهِ تَعالى في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَوَزْنُهُ حِينَئِذٍ فَلْعٌ، ولا يُسْتَعْمَلُ في الغالِبِ إلّا في بَنِي آدَمَ، وحَكى ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ ناسٍ مِنَ العَرَبِ: أُناسٌ مِنَ الجِنِّ، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مَجازٌ، وإذا أُخِذَ مِن نَوَسَ يَكُونُ صِدْقُ المَفْهُومِ عَلى الجِنِّ ظاهِرًا لا سِيَّما إذا قُلْنا: إنَّ النَّوْسَ تَذَبْذُبُ الشَّيْءِ في الهَواءِ، وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عاصِمٍ أنَّهُ جَزَمَ بِأنَّ كُلًّا مِن ناسٍ وأُناسٍ مادَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ واللّامُ فِيهِ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ الخارِجِيِّ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَمِن نَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ، وإنْ كانَ الثّانِي فَهي مَوْصُولَةٌ مُرادًا بِها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وأشْياعُهُ، وجَوَّزَ ابْنُ هِشامٍ وجَماعَةٌ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً عَلى تَقْدِيرِ الجِنْسِ، ومَوْصُوفَةً عَلى تَقْدِيرِ العَهْدِ لِأنَّ بَعْضَ الجِنْسِ قَدْ يَتَعَيَّنُ بِوَجْهٍ ما وبَعْضَ المُعَيَّنِينَ قَدْ يُجْهَلُ، بِاعْتِبارِ حالٍ مِن أحْوالِهِ، كَأهْلِ مَحَلَّةٍ مَحْصُورِينَ فِيهِمْ قاتِلٌ لَمْ يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ كَوْنُهُ قاتِلًا، وإنْ عُرِفَ شَخْصُهُ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ عِنْدَ هَؤُلاءِ، وقِيلَ: إنَّ التَّخْصِيصَ هو الأنْسَبُ، لِأنَّ المُعَرَّفَ بِلامِ الجِنْسِ لِعَدَمِ التَّوْقِيتِ فِيهِ قَرِيبٌ مِنَ النَّكِرَةِ، وبَعْضُ النَّكِرَةِ نَكِرَةٌ، فَناسَبَ مِنَ المَوْصُوفَةِ لِلطِّباقِ، والأمْرُ بِخِلافِهِ في العَهْدِ، وعَلى هَذا الأُسْلُوبِ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ ﴾ ﴿ ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ﴾ لِأنَّهُ أُرِيدَ في الأوَّلِ الجِنْسُ وفي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ في الثّانِي طائِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ، ولَمّا كانَ في الآيَةِ تَفْصِيلٌ مَعْنَوِيٌّ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ الكافِرِينَ، ثُمَّ عَقَّبَ بِالمُنافِقِينَ، فَصارَ نَظِيرًا لِلتَّفْصِيلِ اللَّفْظِيِّ، وفي قُوَّةِ تَفْصِيلِ النّاسِ إلى مُؤْمِنٍ، وكافِرٍ، ومُنافِقٍ - تَضَمُّنُ الإخْبارِ عَمَّنْ يَقُولُ بِأنَّهُ مِنَ النّاسِ - فائِدَةٌ، ولَكَ أنْ تَحْمِلَهُ عَلى مَعْنى: مَن يَخْتَفِي مِنَ المُنافِقِينَ مَعْلُومٌ لَنا، ولَوْلا أنَّ السَّتْرَ مِنَ الكَرَمِ فَضَحْتُهُ، فَيَكُونُ مُفِيدًا أيْضًا، ومُلَوِّحًا إلى تَهْدِيدٍ ما، وقِيلَ: المُرادُ بِكَوْنِهِمْ مِنَ النّاسِ أنَّهم لا صِفَةَ لَهم تُمَيِّزُهم سِوى الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ، أوِ المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ تُنافِي الإنْسانِيَّةَ، فَيُتَعَجَّبُ مِنها، أوْ مَناطُ الفائِدَةِ الوُجُودُ أيْ إنَّهم مَوْجُودُونَ فِيما بَيْنَهُمْ، أوْ إنَّهم مِنَ النّاسِ لا مِنَ الجِنِّ، إذْ لا نِفاقَ فِيهِمْ، أوِ المُرادُ بِالنّاسِ المُسْلِمُونَ، والمَعْنى أنَّهم يُعَدُّونَ مُسْلِمِينَ، أوْ يُعامَلُونَ مُعامَلَتَهم فِيما لَهم وعَلَيْهِمْ، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ الكَلَفِ والتَّكَلُّفِ، ولِكُلِّ ساقِطَةٍ لاقِطَةٌ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ هُنا أنْ تَكُونَ (مِن) مَوْصُولَةً، مُدَّعِيًا أنَّها إنَّما تَكُونُ مَوْصُوفَةً إذا وقَعَتْ في مَكانٍ يَخْتَصُّ بِالنَّكِرَةِ في الأكْثَرِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ قَلِيلٌ حَتّى أنَّ السَّكّاكِيَّ عَلى عُلُوِّ كَعْبِهِ أنْكَرَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ولا يَرِدُ عَلى إرادَةِ العَهْدِ أنَّهُ كَيْفَ يَدْخُلُ المُنافِقُونَ مُطْلَقًا في الكَفَرَةِ المُصِرِّينَ المَحْكُومِ عَلَيْهِمْ بِالخَتْمِ، وإنَّ ﴿ ومِنَ النّاسِ ﴾ الآيَةَ، وقَعَ عَدِيلًا لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَيانًا لِلْقِسْمِ الثّالِثِ المُذَبْذَبِ فَلا يَدْخُلُ فِيهِ، لِأنَّ المُرادَ بِالمُنافِقِينَ المُصَمِّمُونَ مِنهُمُ، المَخْتُومُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ لا مُطْلَقُ المُنافِقِينَ، ولِأنَّ اخْتِصاصَهم بِخَلْطِ الخِداعِ، والِاسْتِهْزاءِ مَعَ الكُفْرِ لا يُنافِي دُخُولَهم تَحْتَ الكَفَرَةِ المُصِرِّينَ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ صارُوا قِسْمًا ثالِثًا، فالقِسْمَةُ ثُنائِيَّةٌ بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ، ثُلاثِيَّةٌ بِالِاعْتِبارِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: (يَقُولُ) (وآمَنّا) مُراعاةً لِلَفْظِ (مِن) ومَعْناها، ولَوْ راعى الأوَّلَ فَقَطْ لَقالَ: آمَنتُ، أوِ الثّانِيَ فَقَطْ لَقالَ: يَقُولُونَ، ولَمّا رُوعِيا جَمِيعًا حَسُنَ مُراعاةُ اللَّفْظِ أوَّلًا، إذْ هو في الخارِجِ قَبْلَ المَعْنى، والواحِدُ قَبْلَ الجَمْعِ، ولَوْ عُكِسَ جازَ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ لا يَجُوزُ الرُّجُوعُ مِن جَمْعٍ إلى تَوْحِيدٍ، ويَرُدُّهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَسْتُ مِمَّنْ يَكِعُّ أوْ يَسْتَكِينُونَ ∗∗∗ إذا كافَحَتْهُ خَيْلُ الأعادِي واقْتَصَرَ مِن مُتَعَلِّقِ الإيمانِ عَلى اللَّهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، مَعَ أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِأفْواهِهِمْ بِجَمِيعِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّهُما المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ الإيمانِ، إذْ مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى عَلى ما يَلِيقُ بِجَلالِ ذاتِهِ آمَنَ بِكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، وشَرائِعِهِ، ومَن عَلِمَ أنَّهُ إلَيْهِ المَصِيرُ اسْتَعَدَّ لِذَلِكَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِدَعْوى حِيازَةِ الإيمانِ بِطَرَفَيْهِ المَبْدَإ والمَعادِ، وما طَرِيقُهُ العَقْلُ والسَّمْعُ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإيمانَ بِالنُّبُوَّةِ، أوْ أنَّ تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم يُبْطِنُونَ الكُفْرَ فِيما لَيْسُوا فِيهِ مُنافِقِينَ في الجُمْلَةِ، لِأنَّ القَوْمَ في المَشْهُورِ كانُوا يَهُودًا، وهم مُخْلِصُونَ في أصْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ عَلى ظَنِّهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ كانُوا يُنافِقُونَ في كَيْفِيَّةِ الإيمانِ بِهِما، ويَرَوْنَ المُؤْمِنِينَ أنَّ إيمانَهم بِهِما مِثْلُ إيمانِهِمْ فَكَيْفَ فِيما يَقْصِدُونَ بِهِ النِّفاقَ المَحْضَ ولَيْسُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ أصْلًا، كَنُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والقُرْآنِ، أوْ أنَّهم قَصَدُوا بِتَخْصِيصِ الإيمانِ بِهِما التَّعَرُّضَ بِعَدَمِ الإيمانِ بِخاتَمِ الرُّسُلِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما بَلَّغَهُ، فَفي ذَلِكَ بَيانٌ لِمَزِيدِ خُبْثِهِمْ، وهَذا لَوْ قُصِدَ حَقِيقَتُهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ إيمانًا، لِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإقْرارِ بِما جاءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَكَيْفَ وهو مُخادَعَةٌ وتَلْبِيسٌ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ غَرَضُهُمُ المُبالَغَةَ في خُلُوصِ إسْلامِهِمْ بِأنَّهم تَرَكُوا عَقائِدَهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في المَبْدَإ والمَعادِ، واعْتَرَفُوا أنَّهم كانُوا في ضَلالٍ، خَصُّوا إيمانَهم بِذَلِكَ، لِأنَّهم كانُوا قائِلِينَ بِسائِرِ الأُصُولِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَلَيْسَ في الإيمانِ بِها اعْتِرافٌ بِذَلِكَ وأيْضًا، تَرْكُ الرّاسِخِ في القَلْبِ مِمّا عَلَيْهِ الإباءُ بِتَرْكِ الإيمانِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُسَلَّماتِ، فَكَأنَّهم لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مِمّا لا شُبْهَةَ في أنَّهم مُعْتَقِدُونَ لَهُ بَعْدَ اعْتِقادِهِمْ ما هو أشَدُّ مِنهُ عَلَيْهِمْ، وحَمْلُ: ﴿ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ عَلى القَسَمِ مِنهم عَلى الإيمانِ سَمِجٌ بِاللَّهِ، وأسْمَجُ مِنهُ بِمَراتِبِ حَمْلِهِ عَلى القَسَمِ مِنهُ تَعالى عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ بِتَقْدِيرِ، ما آمَنُوا وما هم بِمُؤْمِنِينَ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الباءُ صِلَةَ الإيمانِ، وكُرِّرَتْ مُبالَغَةً في الخَدِيعَةِ والتَّلْبِيسِ بِإظْهارِ أنَّ إيمانَهم تَفْصِيلِيٌّ مُؤَكَّدٌ قَوِيٌّ، واليَوْمُ الآخِرُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الوَقْتُ الدّائِمُ مِنَ الحَشْرِ بِحَيْثُ لا يَتَناهى، أوْ ما عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ إلى اسْتِقْرارِ كُلٍّ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فِيما أُعِدَّ لَهُ، وسُمِّيَ آخِرًا، لِأنَّهُ آخِرُ الأوْقاتِ المَحْدُودَةِ، والأشْبَهُ هو الأوَّلُ لِأنَّ إطْلاقَ اليَوْمِ شائِعٌ عَلَيْهِ في القُرْآنِ سَواءٌ كانَ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، ولِأنَّ الإيمانَ بِهِ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِالثّانِي، لِدُخُولِهِ فِيهِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ، نَعَمِ المُناسِبُ لِلَّفْظِ اليَوْمُ لُغَةً، هو الثّانِي، لِمَحْدُودِيَّتِهِ، وهو عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُغايِرٌ لِما عِنْدَ النّاسِ لِأنَّ اليَوْمَ عُرْفًا مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، وشَرْعًا عَلى الصَّحِيحِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الصّادِقِ إلى الغُرُوبِ، واصْطِلاحًا مِن نِصْفِ النَّهارِ إلى نِصْفِ النَّهارِ، والأمْرُ وراءَ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ حَيْثُ قَدَّمَ الفاعِلَ وأُولى حَرْفِ النَّفْيِ رَدٌّ لِدَعْوى أُولَئِكَ المُنافِقِينَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، لِأنَّ انْخِراطَهم في سِلْكِ المُؤْمِنِينَ مِن لَوازِمِ ثُبُوتِ الإيمانِ الحَقِيقِيِّ لَهُمْ، وانْتِفاءُ اللّازِمِ أعْدَلُ شاهِدٍ عَلى انْتِفاءِ المَلْزُومِ، وقَدْ بُولِغَ في نَفْيِ اللّازِمِ بِالدِّلالَةِ عَلى دَوامِهِ المُسْتَلْزِمِ لِانْتِفاءِ حُدُوثِ المَلْزُومِ مُطْلَقًا، وأكَّدَ ذَلِكَ النَّفْيُ بِالباءِ أيْضًا، وهَذا سَبَبُ العُدُولِ عَنِ الرَّدِّ بِما آمَنُوا المُطابِقِ لِصَدْرِ الكَلامِ، وبَعْضُهم يُجْرِي الكَلامَ عَلى التَّخْصِيصِ، وأنَّ الكُفّارَ لَمّا رَأوْا أنْفُسَهم أنَّهم مِثْلُ المُؤْمِنِينَ في الإيمانِ الحَقِيقِيِّ وادَّعَوْا مُوافَقَتَهُمْ، قِيلَ في جَوابِهِمْ: ﴿ وما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ عَلى قَصْرِ الإفْرادِ، والذَّوْقُ يُبْعِدُهُ، وإطْلاقُ الوَصْفِ لِلْإشارَةِ إلى العُمُومِ، وأنَّهم لَيْسُوا مِنَ الإيمانِ في شَيْءٍ، وقَدْ يُقَيَّدُ بِما قُيِّدَ بِهِ سابِقُهُ لِأنَّهُ واقِعٌ في جَوابِهِ، إلّا أنَّ نَفْيَ المُطْلَقِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ المُقَيَّدِ فَهو أبْلَغُ وأوْكَدُ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ بِقَلْبِهِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا، وأمّا عَلى أنَّ مَن أقَرَّ بِلِسانِهِ، ولَيْسَ في قَلْبِهِ ما يُوافِقُهُ أوْ يُنافِيهِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، فَلا لِوُجُودِ المُنافِي في المُنافِقِ هُنا، لِأنَّهُ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قَلْبِهِ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَذَّبَهُ، ولَيْسَ إلّا لِعَدَمِ مُطابَقَةِ التَّصْدِيقِ القَلْبِيِّ لِلِّسانِيِّ، كَذا قِيلَ، ودَقَّقَ بَعْضُهم مُدَّعِيًا أنَّ مَن يَجْعَلُ الإيمانَ الإقْرارَ اللِّسانِيَّ سَواءً يَشْتَرِطُ الخُلُوَّ عَنِ الإنْكارِ والتَّكْذِيبِ أمْ لا يَشْتَرِطُ أنْ يَكُونَ الإقْرارَ بِالشَّهادَتَيْنِ، ولا يَكْفِي عِنْدَهُ نَحْوَ: آمَنتُ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، لِأنَّ المَدارَ عَلى النُّطْقِ بِهِما كَما ورَدَ في الصَّحِيحِ حَتّى اشْتَرَطَ بَعْضُهم لَفْظَ أشْهَدُ، والِاسْمَ الخاصَّ بِهِ تَعالى، واسْمَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلَيْسَ في الآيَةِ حِينَئِذٍ دَلِيلٌ عَلى إبْطالِ مَذْهَبِ الكَرامِيَّةِ بِوَجْهٍ، فَلْيُتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ: (من) للتبعيض، فإنه أراد به بعض الناس ولم يرد به جميع الناس، فكأنه قال: بعض الناس يقولون: آمنا بالله.
وقد قيل: معناه: ومن الناس ناس يقولون: آمنا بالله، يعني صدقنا بالله وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وبالبعث.
بعد الموت وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يعني ليسوا بمصدقين، بل هم منافقون منهم: عبد الله بن أبي ابن سلول الخزرجي، ومعتب بن قشير، وجد بن قيس، ومن تابعهم من المنافقين.
وفي هذه الآية دليل على أن القول بغير تصديق القلب لا يكون إيماناً، لأن المنافقين كانوا يقولون بألسنتهم، ولم يكن لهم تصديق القلب، فنفى الله الإيمان عنهم فقال: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ.
<div class="verse-tafsir"
الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ» «١» [المطففين: ١٤] » انتهى.
والغِشَاوَةُ: الغطاء المغشي الساتر، وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ: معناه:
لِمخالفتِكَ يا محمَّد، وكفرهم بالله، وعَظِيمٌ: معناه بالإضافة إلى عذاب دونه.
قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ...
إِلَى وَما يَشْعُرُونَ: هذه الآية نزلت في المنافقين، وسَمَّى اللَّهُ تعالى يوم القيامة اليَوْمَ الآخِرَ لأنه لا ليل بعده، ولا يقالُ يوم إِلا لما تقدَّمه ليل، واختلف المتأوِّلون في قوله: يُخادِعُونَ اللَّهَ، فقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى يُخَادِعُون رسول اللَّه «٢» ، فأضافَ الأمرَ إلى اللَّه تجوُّزاً لتعلُّق رسوله به، ومخادعتُهم هي تحيُّلهم في أن يُفْشِيَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم والمؤمنون إليهم أسرارهم.
ع «٣» : تقول: خادَعْتُ الرجُلَ بمعنى: أعملْتُ التحيُّل عليه، فَخَدَعْتُهُ، بمعنى:
تمَّت عليه الحيلة، ونفذ فيه المرادُ، وقال جماعةٌ: بل يخادعون اللَّهَ والمؤمنين بإِظهارهم من الإِيمان خلافَ ما أبطنوا من الكفر، وإِنما خدعوا أنفسهم لحصولهم في العذاب، وَما يَشْعُرُونَ بذلك، معناه: وما يعلمون علْمَ تفطُّن وتَهَدٍّ، وهي لفظة مأخوذة من
الشِّعَار كأن الشيء المتفطَّن له شعار للنَّفْس، وقولهم: لَيْتَ شِعْرِي: معناه: ليت فطنتي تُدْرِكُ.
واختلف، ما الذي نَفَى/ اللَّه عنهم أنْ يشعروا له؟
فقالت طائفة: وما يَشْعُرُونَ أنَّ ضرَرَ تلْكَ المخادَعَةِ راجعٌ عليهم لخلودهم في النَّار، وقال آخرون: وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّه يكشف لك سرّهم ومخادعتهم في قولهم: آمَنَّا.
قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أي: في عقائدهم فسادٌ «١» ، وهم المنافقون، وذلك إما أن يكون شكًّا، وإما جحدًا بسبب حسدهم مع علمهم بصحَّة ما يجحدون، وقال قوم: المَرَضُ غمّهم بظهوره صلّى الله عليه وسلم، فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً، قيل: هو دعاءٌ عليهم، وقيل:
هو خبر أنَّ اللَّه قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحْيِ، ويظهر من البراهين.
ت: لما تكلَّم ع: على تفسير قوله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [الفتح: ٦] .
قال «٢» : كُلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجلَّ، فَإنَّما هو بمعنى إيجاب الشيء لأَنَّ اللَّه تعالى لا يدعو على مخلوقاته، وهي في قبضته، ومن هذا: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ [الهمزة: ١] ، وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] ، وهي كلها أحكام تامَّة تضمنها خبره تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، أي: مؤلم، وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي:
بالكفر وموالاةِ الكفرةِ ولقول المنافقين: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ثلاثُ تأويلاتٍ:
أحدها: جحد أنهم يفسدون، وهذا استمرار منهم على النِّفاق.
والثاني: أنّ يقروا بموالاة الكُفَّار ويدَّعون أنها صلاحٌ من حيث هم قرابةٌ توصل.
والثالث: أنهم يصلحون بين الكفار والمؤمنين.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها في المُنافِقِينَ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ.
رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانُوا يَتَخَوَّفُونَ مِن هَذِهِ الآَيَةِ.
وقالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآَيَةُ نَعْتُ المُنافِقِ، يَعْرِفُ بِلِسانِهِ، ويُنْكِرُ بِقَلْبِهِ، [وَ ]يُصَدِّقُ بِلِسانِهِ، ويُخالِفُ بِعَمَلِهِ ويُصْبِحُ عَلى حالَةٍ، ويُمْسِي عَلى غَيْرِها، ويَتَكَفَّأُ تَكْفُّأ السَّفِينَةِ، كُلَّما هَبَّتْ رِيحٌ هَبَّ مَعَها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ يُخادِعُونَ اللهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ ﴾ كانَ أصْلُ النُونِ أنْ تُكْسَرَ لِالتِقاءٍ، لَكِنَّها تُفْتَحُ مَعَ الألِفِ واللامِ، ومَن قالَ اسْتُثْقِلَتْ كَسْرَتانِ تَتَوالى في كَلِمَةٍ عَلى حَرْفَيْنِ فَمُعْتَرِضٌ بِقَوْلِهِمْ: مِنِ ابْنِكَ ومِنِ اسْمِكَ وما أشْبَهَهُ، واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في لَفْظَةِ "الناسِ"، فَقالَ قَوْمٌ: هي مِن نَسِيَ، فَأصْلُ ناسٍ نَسِيَ قُلِبَ فَجاءَ نِيسَ، تَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا فَقِيلَ: ناسٌ، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللامُ، وقالَ آخَرُونَ: ناسٌ اسْمٌ مِن أسْماءِ الجُمُوعِ دُونَ هَذا التَعْلِيلِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ.
وقالَ آخَرُونَ: أصْلُ ناسٍ أُناسٌ، دَخَلَتِ الألِفُ واللامُ في الأُناسِ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ فَجاءَ الناسُ، أُدْغِمَتِ اللامُ في النُونِ لِقُرْبِ المَخارِجِ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ ﴾ رَجَعَ مِن لَفْظِ الواحِدِ إلى لَفْظِ الجَمْعِ بِحَسَبِ لَفْظِ "مِنٍ" ومَعْناها، وحَسُنَ ذَلِكَ، لِأنَّ الواحِدَ قَبْلَ الجَمْعِ في الرُتْبَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ مُتَكَلِّمٌ مِن لَفْظِ جَمْعٍ إلى تَوْحِيدٍ، لَوْ قُلْتَ: "وَمِنَ الناسِ مَن يَقُومُونَ ويَتَكَلَّمُ" لَمْ يَجُزْ.
وسَمّى اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ اليَوْمَ الآخِرَ لِأنَّهُ لا لَيْلَ بَعْدَهُ، ولا يُقالُ يَوْمٌ إلّا لِما تَقَدَّمَهُ لَيْلٌ، ثُمَّ نَفى تَعالى الإيمانَ عَنِ المُنافِقِينَ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى الكَرامِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: "إنَّ الإيمانَ قَوْلٌ بِاللِسانِ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدْ بِالقَلْبِ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُخادِعُونَ اللهَ ﴾ ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى يُخادِعُونَ رَسُولَ اللهِ، فَأضافَ الأمْرَ إلى اللهِ تَجَوُّزًا لِتَعَلُّقِ رَسُولِهِ بِهِ، ومُخادَعَتِهِمْ هي تُحِيلُهم في أنْ يُفْشِيَ رَسُولُ اللهِ والمُؤْمِنُونَ لَهم أسْرارَهم فَيَتَحَفَّظُونَ بِما يَكْرَهُونَهُ، ويَتَنَبَّهُونَ مِن ضَرَرِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما يُحِبُّونَهُ.
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: بَلْ يُخادِعُونَ اللهَ والمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ بِأنْ يَظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ خِلافَ ما أبْطَنُوا مِنَ الكُفْرِ، لِيَحْقِنُوا دِماءَهُمْ، ويُحْرِزُوا أمْوالَهُمْ، ويَظُنُّونَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا وخَدَعُوا وفازُوا، وإنَّما خَدَعُوا أنْفُسَهُمْ، لِحُصُولِهِمْ في العَذابِ، وما شَعَرُوا لِذَلِكَ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "يُخادِعُونَ" الثانِي، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو "يُخادِعُونَ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "وَما يَخْدَعُونَ"، وقَرَأ أبُو طالُوتَ عَبْدُ السَلامِ بْنِ شَدّادٍ، والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ "يَخْدَعُونَ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ قَتادَةُ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ "يُخَدِّعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الدالِ وشَدِّها، فَوَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ومَن ذَكَرَ إحْرازَ تَناسُبِ اللَفْظِ، وأنْ يُسَمّى الفِعْلُ الثانِي بِاسْمِ الفِعْلِ الأوَّلِ المُسَبِّبِ لَهُ، ويَجِيءُ ذَلِكَ كَما قالَ الشاعِرُ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا فَجُعِلَ انْتِصارُهُ جَهْلًا، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزَعَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ "فاعِلَ" قَدْ تَجِيءُ مِن واحِدٍ، كَعاقَبْتُ اللِصَّ وطارَقْتُ النَعْلَ.
وتَتَّجِهُ أيْضًا هَذِهِ القِراءَةُ بِأنْ يَنْزِلَ ما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ، ويَهْجِسُ في خَواطِرِهِمْ، مِنَ الدُخُولِ في الدِينِ، والنِفاقِ فِيهِ، والكُفْرِ في الأمْرِ وضِدُّهُ في هَذا المَعْنى بِمَنزِلَةِ مُحاوَرَةِ أجْنَبِيَّيْنِ، فَيَكُونُ الفِعْلُ كَأنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: تَذَكَّرْ مِن أنّى ومِن أيْنَ شُرْبُهُ ∗∗∗ يُؤامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الآبِلُ وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ تَدْرِ ما لا ولَسْتَ قائِلَها ∗∗∗ عَمَّرَكَ ما عِشْتَ آخِرَ الأبَدِ ولَمْ تُؤامِرْ نَفْسَيْكَ مُمْتَرِيًا ∗∗∗ فِيها وفي أُخْتِها ولَمْ تَكَدِ وقالَ الآخَرُ: يُؤامِرُ نَفْسَيْهِ وفي العَيْشِ فُسْحَةٌ ∗∗∗ أيَسْتَرْجِعُ الذَوَبانُ أمْ لا يُطَوِّرُها؟
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: وكُنْتُ كَذاتِ الضِنِيءِ لَمْ تَدْرِ إذْ بَغَتْ ∗∗∗ تُؤامِرُ نَفْسَيْها أتُسْرَقُ أمْ تَزْنِي؟
ووَجْهُ قِراءَةِ عاصِمٍ ومَن ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ هو خَدْعٌ لِأنْفُسِهِمْ يَمْضِي عَلَيْها، تَقُولُ: خادَعْتُ الرَجُلَ بِمَعْنى أعْمَلْتُ التَحَيُّلَ عَلَيْهِ فَخَدَعْتُهُ بِمَعْنى: تَمَّتْ عَلَيْهِ الحِيلَةُ، ونَفَذَ فِيهِ المُرادُ، والمَصْدَرُ خِدْعٌ بِكَسْرِ الخاءِ وخَدِيعَةٌ، حَكى ذَلِكَ أبُو زَيْدٍ، فَمَعْنى الآيَةِ: وما يُنَفِّذُونَ السُوءَ إلّا عَلى أنْفُسِهِمْ وفِيها.
وَوَجْهُ قِراءَةِ أبِي طالُوتَ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يُقَدِّرَ الكَلامَ وما يَخْدَعُونَ إلّا عن أنْفُسِهِمْ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ ووُصِلَ الفِعْلُ.
كَما قالَ تَعالى: ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ﴾ أيْ: مِن قَوْمِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ "يَخْدَعُونَ" أعْمَلَ عَمَلَ يَنْتَقِصُونَ لَمّا كانَ المَعْنى: وما يَنْقُضُونَ ويَسْتَلِبُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ لَيْلَةَ الصِيامِ الرَفَثُ إلى نِسائِكُمْ ﴾ ولا تَقُولُ: رَفَثْتُ إلى المَرْأةِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ بِمَعْنى الإفْضاءِ ساغَ ذَلِكَ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ وإنَّما يُقالُ: هَلْ لَكَ في كَذا، ولَكِنْ لَمّا كانَ المَعْنى: أجْذِبُكَ إلى أنْ تَزَكّى ساغَ ذَلِكَ وحَسُنَ، وهو بابٌ سَنِّيٌّ مِن فَصاحَةِ الكَلامِ.
ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: كَيْفَ تَرانِي قالَبًا مِجَنِّي ∗∗∗ قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي لَمّا كانَتْ قَتْلُ قَدْ دَخَلَها مَعْنى صَرَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها لَمّا كانَتْ رَضِيَتْ قَدْ تَضَمَّنَتْ مَعْنى أقْبَلَتْ عَلَيَّ.
وأمّا الكِسائِيُّ فَقالَ في هَذا البَيْتِ: وصَلَ رَضِيَ بِوَصْلِ نَقِيضِهِ وهو سَخِطَ، وقَدْ تُجْرى أُمُورٌ في اللِسانِ مَجْرى نَقائِضِها.
وَوَجْهُ قِراءَةِ قَتادَةَ المُبالَغَةُ في الخُدْعِ، إذْ هو مَصِيرٌ إلى عَذابِ اللهِ.
قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: خادَعَ مِن واحِدٍ لِأنَّ في المُخادَعَةِ مُهْلَةً، كَما يُقالُ: عالَجَتِ المَرِيضَ لِمَكانِ المُهْلَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِن دَقِيقِ نَظَرِهِ، وكَأنَّهُ يَرُدُّ فاعِلَ إلى الِاثْنَيْنِ ولا بُدَّ مِن حَيْثُ ما فِيهِ مُهْلَةٌ ومُدافَعَةٌ ومُماطَلَةٌ، فَكَأنَّهُ يُقاوِمُ في المَعْنى الَّذِي تَجِيءُ فِيهِ فاعِلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ مَعْناهُ: وما يَعْلَمُونَ عِلْمَ تَفَطُّنٍ وتَهَدٍّ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشِعارِ كَأنَّ الشَيْءَ المُتَفَطِّنَ لَهُ شِعارٌ لِلنَّفْسِ، والشِعارُ: الثَوْبُ الَّذِي يَلِي جَسَدَ الإنْسانِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَعْرِ، والشاعِرِ المُتَفَطِّنِ لِغَرِيبِ المَعانِي، وقَوْلُهم لَيْتَ شِعْرِي مَعْناهُ: لَيْتَ فِطْنَتِي تُدْرَكُ، ومِن هَذا المَعْنى، قَوْلُ الشاعِرِ: عَقْوًا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ ∗∗∗ ثُمَّ اسْتَفاؤُوا وقالُوا: حَبَّذا الوَضَحُ واخْتَلَفَ: ما الَّذِي نَفى اللهُ عنهم أنْ يَشْعُرُوا لَهُ؟
فَقالَتْ طائِفَةٌ: وما يَشْعُرُونَ أنَّ ضَرَرَ تِلْكَ المُخادَعَةِ راجِعٌ عَلَيْهِمْ لِخُلُودِهِمْ في النارِ، وقالَ آخَرُونَ: وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللهَ يَكْشِفُ لَكَ سِرَّهم ومُخادَعَتَهم في قَوْلِهِمْ: آمَنّا.
<div class="verse-tafsir"
هذا فريق آخر وهو فريق له ظاهر الإيمان وباطنه الكفر وهو لا يعدُو أن يكون مبطناً الشرك أو مبطناً التمسك باليهودية ويجمعه كله إظهار الإيمان كذباً، فالواو لِعطف طائفة من الجمل على طائفة مسوققٍ كل منهما لغرض جمعتهما في الذكر المناسبة بين الغرضين فلا يتطلب في مثله إلا المناسبة بين الغرضين لا المناسبةُ بين كل جملة وأخرى من كلا الغرضين على ما حققه التفتزاني في ﴿ شرح الكشاف ﴾ ، وقال السيد إنه أصل عظيم في باب العطف لم ينتبه له كثيرون فأشكل عليهم الأمر في مواضع شتى وأصله مأخوذ من قول «الكشاف»: «وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة ﴿ الذين كفروا ﴾ [البقرة: 6] كما تُعطف الجملة على الجملة» فأفاد بالتشبيه أن ذلك ليس من عطف الجملة على الجملة.
قال المحقق عبد الحكيم: وهذا ما أهمله السكاكي أي في أحوال الفصل والوصل وتفرد به صاحب «الكشاف».
واعلم أن الآيات السابقة لما انتقل فيها من الثناء على القرآن بذكر المهتدين به بنوعيْهم الذين يؤمنون بالغيب والذين يؤمنون بما أنزل إليك إلى آخر ما تقدم، وانتقل من الثناء عليهم إلى ذكر أضدادهم وهم الكافرون الذين أريد بهم الكافرون صراحةً وهم المشركون، كان السامع قد ظن أن الذين أظهروا الإيمان داخلون في قوله ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ [البقرة: 3] فلم يكن السامع سائلاً عن قسم آخر وهم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الشرك أو غيرَه وهم المنافقون الذين هم المراد هنا بدليل قوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ﴾ [البقرة: 14] الخ، لأنه لغرابته وندرة وصفه بحيث لا يخطر بالبال وجوده ناسب أن يذكر أمره للسامعين، ولذلك جاء بهذه الجملة معطوفة بالواو إذ ليست الجملة المتقدمة مقتضية لها ولا مثيرة لمدلولها في نفوس السامعين، بخلاف جملة: ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم ﴾ [البقرة: 6] تُرك عطفها على التي قبلها لأن ذكر مضمونها بعد المؤمنين كان مترقباً للسامع، فكان السامع كالسائل عنه فجاء الفصل للاستئناف البياني.
وقوله: ﴿ ومن الناس ﴾ خبر مقدم لا محالة وقد يتراءى أن الإخبار بمثله قليل الجدوى لأنه إذا كان المبتدأ دالاً على ذات مثله، أو معنى لا يكون إلا في الناس كانَ الإخبار عن المبتدأ بأنه من الناس أو في الناس غير مجد بخلاف قولك الخَضِر من الناس، أي لا من الملائكة فإن الفائدة ظاهرة، فوجه الإخبار بقولهم من الناس في نحو الآية ونحو قول بعض أعزة الأصحاب في تهنئة لي بخطة القضاء: في الناس من ألقَى قِلادتها إلى *** خَلففٍ فحرَّم ما ابْتَغَى وأباحا إن القصد إخفاء مدلول الخبر عنه كما تقول قال هذا إنسانٌ وذلك عندما يكون الحديث يكسب ذماً أو نقصاناً، ومنه قول النبيء صلى الله عليه وسلم «ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله» وقد كثر تقديم الخبر في مثل هذا التركيب لأن في تقديمه تنبيهاً للسامع على عجيب ما سيذكر، وتشويقاً لمعرفة ما يتم به الإخبار ولو أُخر لكان موقعه زائداً لحصول العلم بأن ما ذكره المتكلم لا يقع إلا من إنسان كقول موسى بننِ جابر الحنفي: ومن الرجال أسنة مذروبة *** ومزنَّدون وشاهد كالغائب وقد قيل إن موقع ﴿ من الناس ﴾ مؤذن بالتعجب وإن أصل الخبر إفادة أن فاعل هذا الفعل من الناس لئلا يظنه المخاطَب من غير الناس لشناعة الفعل، وهذا بعيد عن القصد لأنه لو كان كما قال لم يكن للتقديم فائدة بل كان تأخيره أولى حتى يتقرر الأمر الذي يوهم أن المبتدأ ليس ﴿ من الناس ﴾ ، هذا توجيه هذا الاستعمال وذلك حيث لا يكون لظاهر الإخبار بكون المتحدث عنه من أفراد الناس كبير فائدة فإن كان القصد إفادة ذلك حيث يجهله المخاطب كقولك من الرجال من يَلْبَس برقعاً تريد الإخبار عن القوم المُدْعَوْن بالمُلَثَّمِين (من لَمْتُونة)، أو حيث ينزَّل المخاطَب منزلة الجاهل كقول عبد الله بن الزَّبِير (بفتح الزاي وكسر الباء): وفي الناس إنْ رثَّت حبالُك وَاصل *** وفي الأَرض عن دار القِلَى مُتَحَوَّل إذا كان حال المخاطبين حالَ من يظن أن المتكلم لا يجد من يصله إن قطعه هو، فذِكر ﴿ من الناس ﴾ ونحوه في مثل هذا وارد على أصل الإخبار، وتقديم الخبر هنا للتشويق إلى استعلام المبتدأ وليس فيه إفادة تخصيص.
وإذا علمت أن قوله ﴿ من الناس ﴾ مؤذن بأن المتحدث عنهم ستساق في شأنهم قصة مذمومة وحالة شنيعة إذ لا يُستر ذكرهم إلا لأن حالهم من الشناعة بحيث يستحي المتكلم أن يصرح بموصوفها وفي ذلك من تحقير شأن النفاق ومذمته أمر كبير، فوردت في شأنهم ثلاثَ عشرة آيةً نُعِيَ عليهم فيها خُبثهم ومكرهم، وسوء عواقبهم، وسفه أحلامهم، وجهالتهم، وأردف ذلك كله بشتم واستهزاء وتمثيل حالهم في أشنع الصور وهم أحرياء بذلك فإن الخطة التي تدربوا فيها تجمع مذام كثيرة إذِ النفاق يجمع الكذب، والجبن، والمكيدة، وأفنَ الرأي، والبلَه، وسوءَ السلوك، والطمَع، وإضاعَة العمر، وزوالَ الثقة، وعداوةَ الأصحاب، واضمحلالَ الفضيلة.
أما الكذب فظاهر، وأما الجبن فلأنه لولاه لما دعاه داع إلى مخالفة ما يبطن، وأما المكيدة فإنه يحمل على اتقاء الاطلاع عليه بكل ما يمكن، وأما أَفَن الرأي فلأن ذلك دليل على ضعف في العقل إذ لا داعي إلى ذلك، وأما البلَه فللجهل بأن ذلك لا يطول الاغترار به، وأما سوء السلوك فلأنَّ طَبْع النفاق إخفاء الصفات المذمومة، والصفات المذمومة، إذا لم تظهر لا يمكن للمربي ولا للصديق ولا لعموم الناس تغييرها على صاحبها فتبقى كما هي وتزيد تمكناً بطول الزمان حتى تصير ملكة يتعذر زوالها، وأما الطمع فلأن غالب أحوال النفاق يكون للرغبة في حصول النفع، وأما إضاعة العمر فلأن العقل ينصرف إلى ترويج أحوال النفاق وما يلزم إجراؤه مع الناس ونصْببِ الحيل لإخفاء ذلك وفي ذلك ما يصرف الذهن عن الشغل بما يجدي، وأما زوال الثقة فلأن الناس إن اطلعوا عليه ساء ظنهم فلا يثقون بشيء يقع منه ولو حَقاً، وأما عداوة الأصحاب فكذلك لأنه إذا عَلِم أن ذلك خلُق لصاحبه خَشِيَ غدره فحذره فأدى ذلك إلى عداوته، وأما اضمحلال الفضيلة فنتيجة ذلك كله.
وقد أشار قوله تعالى: ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ إلى الكذب، وقولُه: ﴿ يخادعون ﴾ [البقرة: 9] إلى المكيدة والجبن، وقوله: ﴿ ما يخادعون إلا أنفسهم ﴾ [البقرة: 9] إلى أفن الرأي، وقوله: ﴿ وما يشعرون ﴾ [البقرة: 9] إلى البلَه، وقوله: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ [البقرة: 10] إلى سوء السلوك، وقوله: ﴿ فزادهم الله مرضاً ﴾ [البقرة: 10] إلى دوام ذلك وتزايدِه مع الزمان، وقولُه: ﴿ قالوا إنما نحن مصلحون ﴾ [البقرة: 11] إلى إضاعة العمر في غير المقصود، وقولُه: ﴿ قالوا إنا معكم ﴾ [البقرة: 14] مؤكَّداً بإنَّ إلى قلة ثقة أصحابهم فيهم، وقولُه: ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ [البقرة: 16] إلى أن أمرهم لم يحظ بالقبول عند أصحابهم، وقوله: ﴿ صم بكم عمي فهم لا يعقلون ﴾ [البقرة: 18] إلى اضمحلال الفضيلة منهم وسيجيء تفصيل لهذا، وجمع عند قوله تعالى: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ .
والناس اسم جمع إنْسِيّ بكسر الهمزة وياء النسب فهو عوض عن أَنَاسِيَ الذي هو الجمع القياسي لإنْس وقد عوضوا عن أناسي أُناس بضم الهمزة وطرح ياء النسب، دَلّ على هذا التعويض ظهور ذلك في قول عَبيد بن الأبرص الأسدي يخاطب امرأ القيس: إنَّ المنايا يطَّلِعْ *** نَ على الأُناس الآمِنِينا ثم حذفوا همزته تخفيفاً، وحذفُ الهمزة للتخفيف شائع كما قالوا لُوقَة في أَلُوقَة وهي الزُّبدة، وقد التزم حذف همزة أناس عند دخول أل عليه غالباً بخلاف المجرد من أل فذكر الهمزة وحذفُها شائع فيه وقد قيل إن نَاس جمع وإنه من جموع جاءت على وزن فُعال بضم الفاء مثل ظُؤار جمع ظِئْر، ورُخال جمع رَخِل وهي الأنثى الصغيرة من الضأن ووزن فُعال قليل في الجموع في كلام العرب وقد اهتم أئمة اللغة بجمع ما ورد منه فذكرها ابن خالويه في «كتاب (لَيْس)» وابنُ السكيت وابن بري.
وقد عد المتقدمون منها ثمانية جُمعت في ثلاثة أبيات تُنسب للزمخشري والصحيح أنها لصدر الأفاضل تلميذه ثم ألْحَقَ كثير من اللغويين بتلك الثماننِ كلماتتٍ أخر حتى أُنِهيتَ إلى أربع وعشرين جمعاً ذكرها الشهاب الخفاجي في «شرح درة الغواص» وذكر معظَمَها في «حاشيته على تفسير البيضاوي» وهي فائدة من علم اللغة فارجعوا إليها إن شئتم.
وقيل إن ما جاء بهذا الوزن أسماء جموع، وكلام «الكشاف» يؤذن به ومفرد هذا الجمع إنسي أو إنس أو إنسان وكله مشتق من أَنِسَ ضد توحش لأن الإنسان يألف ويأْنَس.
والتعريف في الناس للجنس لأن ما علمت من استعماله في كلامهم يؤيد إرادة الجنس ويجوز أن يكون التعريف للعهد والمعهود هم الناس المتقدم ذكرهم في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ [البقرة: 6] أو الناس الذين يعهدهم النبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمون في هذا الشأن، و(مَنْ) موصولة والمراد بها فريق وجماعة بقرينة قوله ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ وما بعده من صيغ الجمع.
والمذكور بقوله: ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ الخ قسم ثالث مقابل للقسمين المتقدمين للتمايز بين الجميع بأَشْهر الصفات وإن كان بين البعض أو الجميع صفات متفقة في الجملة فلا يشتبه وجه جعل المنافقين قسيماً للكافرين مع أنهم منهم لأن المراد بالتقسيم الصفات المخصصة.
وإنما اقتصر القرآن من أقوالهم على قولهم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ مع أنهم أظهروا الإيمان بالنبيء صلى الله عليه وسلم إيجازاً لأن الأول هو مبدأ الاعتقادات كلها لأن من لم يؤمن برب واحد لا يصل إلى الإيمان بالرسول إذ الإيمان بالله هو الأصل وبه يصلح الاعتقاد وهو أصل العمل، والثاني هو الوازع والباعث في الأعمال كلها وفيه صلاح الحال العملي أوهم الذين اقتصروا في قولهم على هذا القول لأنهم لغلوهم في الكفر لا يستطيعون أن يذكروا الإيمان بالنبيء صلى الله عليه وسلم استثقالاً لهذا الاعتراف فيقتصرون على ذكر الله واليوم الآخر إيهاماً للاكتفاء ظاهراً ومحافظة على كفرهم باطناً لأن أكثرهم وقادتهم من اليهود.
وفي التعبير بيقول في مثل هذا المقام إيماء إلى أن ذلك قول غير مطابق للواقع لأن الخبر المحكي عن الغير إذا لم يتعلق الغرض بذكر نصه وحكى بلفظ يقول أوْمأ ذلك إلى أنه غير مطابق لاعتقاده أو أن المتكلم يكذبه في ذلك، ففيه تمهيد لقوله: ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ وجملة وما هم بمؤمنين في موضع الحال من ضمير ﴿ يقول ﴾ أي يقول هذا القول في حال أنهم غير مؤمنين.
والآية أشارت إلى طائفة من الكفار وهم المنافقون الذين كان بعضهم من أهل يثرب وبعضهم من اليهود الذين أظهروا الإسلام وبقيتهم من الأعراب المجاورين لهم، ورد في حديث كعب بن مالك أن المنافقين الذين تخلفوا في غزوة تبوك بضعة وثمانون، وقد عرف من أسمائهم عبد الله بن أبي بن سلول وهو رأس المنافقين، والجد بن قيس، ومعتب بن قشير، والجلاس بن سويد الذي نزل فيه: ﴿ يحلفون بالله ما قالوا ﴾ [التوبة: 74]، وعبد الله بن سبأ اليهودي ولَبيد بن الأَعْصَم من بني زُريق حليف اليهود كما في باب السحر من كتاب الطب من «صحيح البخاري»، والأخْنَس أُبَىُّ بنُ شَرِيق الثقفي كان يظهر الود والإيمان وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يعجبك ﴾ [البقرة: 204]، وزَيد بن اللُّصَيْت القَيْنُقَاعي ووديعة بن ثابت من بني عَمرو بن عَوف، ومُخَشِّن بن حُمَيِّر الأشجعي اللذين كانا يثبطان المسلمين من غزوة تبوك، وقد قيل إن زيد بن اللُّصَيْت تابَ وحسن حاله، وقيل لا، وأما مُخَشِّن فتاب وعفا الله عنه وقُتل شهيداً يوم اليمامة.
وفي كتاب «المرتبة الرابَعة» لابن حزم قد ذكر قوم مُعتِّب بن قشير الأوسي من بني عَمرو بن عوف في المنافقين وهذا باطل لأن حضوره بدراً يبطل هذا الظن بلا شك ولكنه ظهر منه يوم أحد ما يدل على ضعف إيمانه فلَمزوه بالنفاق فإنه القائل يوم أُحد: ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا ﴾ [آل عمران: 154]، رواه عنه الزبير بن العوام قال ابن عطية كان مغموصاً بالنفاق.
ومن المنافقين أبو عَفَك أحدُ بني عَمرو بن عوف ظهر نفاقه حين قَتَل رسولُ الله الحارثَ بن سويد بن صامت وقال شعراً يعرض بالنبيء صلى الله عليه وسلم وقد أمر رسول الله بقتل أبي عَفَك فقتَله سالم بن عُمير، ومن المنافقات عَصماء بنت مروان من بني أمية بننِ زيد نافقت لما قتل أبو عَفَك وقالت شعراً تعرض بالنبي قتلها عمير بن عدي الخطمي وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا ينتطح فيها عَنْزَانِ»، ومن المنافقين بشير بنُ أُبيرق كان منافقاً يهجو أصحاب رسول الله وشهد أحداً ومنهم ثعلبة بن حاطب وهو قد أسلم وعد من أهل بدر، ومنهم بشر المنافق كان من الأنصار وهو الذي خاصم يهودياً فدعا اليهوديُّ بشراً إلى حكم النبيء فامتنع بِشر وطلب المحاكمة إلى كعب بن الأشرف وهذا هو الذي قتله عُمر وقصته في قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ﴾ في سورة النساء (60).
وعن ابن عباس أن المنافقين على عهد رسول الله كانوا ثلاثمائة من الرجال ومائة وسبعين من النساء، فأما المنافقون من الأوس والخزرج فالذي سن لهم النفاق وجمعهم عليه هو عبد الله بن أُبى حسَداً وحنَقاً على الإسلام لأنه قد كان أهل يثرب بعد أن انقضت حروب بُعاث بينهم وهلك جل ساداتهم فيها قد اصطلحوا على أن يجعلوه ملكاً عليهم ويعصبوه بالعصابة.
قال سعد بن عبادة للنبيء في حديث البخاري: اعف عنه يا رسول الله واصفح فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شَرِق بذلك ا ه.
وأما اليهود فلأنهم أهل مكر بكل دين يظهر ولأنهم خافوا زوال شوكتهم الحالية من جهات الحجاز، وأما الأعراب فهم تبع لهؤلاء ولذلك جاء: ﴿ الأعرابُ أشد كفراً ونفاقاً ﴾ [الأعراف: 97] الآية، لأنهم يقلدون عن غير بصيرة وكل من جاء بعدهم على مثل صفاتهم فهو لاحق بهم فيما نعى الله عليهم وهذا معنى قول سلمان الفارسي في تفسير هذه الآية: «لم يجيء هؤلاء بعد» قال ابن عطية معنى قوله أنهم لم ينقرضوا بل يجيئون من كل زمان ا ه، يعني أن سلمان لا ينكر ثبوت هذا الوصف لطائفة في زمن النبوة ولكن لا يرى المقصد من الآية حصر المذمة فيهم بل وفي الذين يجيئون من بعدهم.
وقوله: ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ جيء في نفي قولهم بالجُملة الاسمية ولم يجيء على وزان قولهم: ﴿ آمَنَّا ﴾ بأن يقال وما آمنوا لأنهم لما أثبتوا الإيمان لأنفسهم كان الإتيان بالماضي أشمل حالاً لاقتضائه تحقق الإيمان فيما مضى بالصراحة ودوامَه بالالتزام؛ لأن الأصل ألا يتغير الاعتقاد بلا موجب كيف والدين هو هو، ولما أريد نفي الإيمان عنهم كان نفيه في الماضي لا يسلتزم عدم تحققه في الحال بلهَ الاستقبال فكان قوله: ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ دالاً على انتفائه عنهم في الحال، لأن اسم الفاعل حقيقة في زمن الحال وذلك النفي يستلزم انتفاءه في الماضي بالأُوْلى، ولأن الجملة الفعلية تدل على الاهتمام بشأن الفعل دون الفاعل فلذلك حكى بها كلامهم لأنهم لما رأوا المسلمين يتطلبون معرفة حصول إيمانهم قالوا ﴿ آمنَّا ﴾ ، والجملةُ الاسمية تدل على الاهتمام بشأن الفاعل أي إن القائلين ﴿ آمنا ﴾ لم يقع منهم إيمان فالاهتمام بهم في الفعل المنفي تسجيل لكذبهم وهذا من مواطن الفروق بين الجملتين الفعلية والاسمية وهو مُصَدَّق بقاعدة إفادة التقديم الاهتمام مطلقاً وإن أهملوا التنبيه على جريان تلك القاعدة عندما ذكروا الفروق بين الجملة الفعلية والاسمية في كتب المعاني وأشار إليه صاحب «الكشاف» هنا بكلام دقيق الدلالة.
فإن قلت: كان عبد الله بن سَعْد بن أبي سرح أسلم ثم ارتد وزعم بعد ردته أنه كان يكتب القرآن وأنه كان يُملي عليه النبيء صلى الله عليه وسلم عزيز حكيم مثلاً فيكتبها غفور رحيم مَثَلاً والعكسُ وهذا من عدم الإيمان فيكون حينئذٍ من المنافقين الذين آمنوا بعد، فالجواب أن هذا من نقل المؤرخين وهم لا يعتد بكلامهم في مثل هذا الشأن لا سيما وولاية عبد الله ابن أبي سرح الإمارة من جملة ما نقمه الثوار على عثمان وتحامُل المؤرخين فيها معلوم لأنهم تلقوها من الناقمين وأشياعهم، والأدلة الشرعية تنفي هذا لأنه لو صح للزم عليه دخول الشك في الدين ولو حاول عبد الله هذا لأَعلم الله تعالى به رسولَه لأنه لا يجوز على الرسول السهو والغفلة فيما يرجع إلى التبليغ على أنه مزيف من حيث العقل إذ لو أراد أن يكيد للدين لكان الأجدر به تحريف غير ذلك، على أن هذا كلام قاله في وقت ارتداده وقوله حينئذٍ في الدين غير مصدَّق لأنه متهم بقصد ترويج ردته عند المشركين بمكة وقد علمت من المقدمة الثامنة من هذا التفسير أن العمدة في آيات القرآن على حفظ حُفَّاظه وقراءة النبيء صلى الله عليه وسلم وإنما كان يأمر بكتابته لقصد المراجعة للمسلمين إذا احتاجوا إليه، ولم يَرْوِ أَحَدٌ أنه وقع الاحتياج إلى مراجعة ما كُتب من القرآن إلا في زمن أبي بكر، ولم ينقل أن حفاظ القرآن وجدوا خلافاً بين محفوظهم وبين الأصول المكتوبة، على أن عبد الله بن أبي سرح لم يكن منفرداً بكتابة الوحي فقد كان يكتب معه آخرون.
ونفي الإيمان عنهم مع قولهم ﴿ آمنا ﴾ دليل صريح على أن مسمى الإيمان التصديق وأن النطق بما يدل على الإيمان قد يكون كاذباً فلا يكون ذلك النطق إيماناً، والإيمان في الشرع هو الاعتقاد الجازم بثبوت ما يعلم أنه من الدين علماً ضرورياً بحيث يكون ثابتاً بدليل قطعي عند جميع أئمة الدين ويشتهر كونه من مقومات الاعتقاد الإسلامي اللازم لكل مسلم اشتهاراً بين الخاصة من علماء الدين والعامة من المسلمين بحيث لا نزاع فيه فقد نقل الإيمان في الشرع إلى تصديق خاص وقد أفصح عنه الحديث الصحيح عن عُمر أن جبريل جاء فسأل النبيء صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: " الإيمانُ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوممِ الآخر وتؤمنَ بالقدَر خيره وشره " وقد اختلفت علماء الأمة في ماهية الإيمان ما هو وتطرقوا أيضاً إلى حقيقة الإسلام ونحن نجمع متناثر المنقول منهم مع ما للمحققين من تحقيق مذاهبهم في جملة مختصرة.
وقد أرجعنا متفرق أقوالهم في ذلك إلى خمسة أقوال: القول الأول: قول جمهور المحققين من علماء الأمة قالوا إن الإيمان هو التصديق لا مسمى له غيرُ ذلك وهو مسماه اللغوي فينبغي ألا ينقل من معناه لأن الأصل عدم النقل إلا أنه أطلق على تصديق خاص بأشياء بيّنها الدين وليس استعمال اللفظ العام في بعض أفراده بنقله له عن معناه اللغوي وغلب في لسان الشرعيين على ذلك التصديق واحتجوا بعدة أدلة هي من أخبار الآحاد ولكنها كثيرة كثرةً تلحقها بالمستفيض.
من ذلك حديث جبريل المتقدم وحديث سعد أنه قال «يا رسول الله: مالك عن فلان فإني لأراه مؤمناً فقال: أوْ مسلماً»، قالوا وأما النطق والأعمال فهي من الإسلام لا من مفهوم الإيمان لأن الإسلام الاستسلام والانقياد بالجسد دون القلب ودليل التفرقة بينهما اللغة وحديث جبريل، وقوله تعالى: ﴿ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾ [الحجرات: 14] ولما رواه مسلم عن طلحة بن عبيد الله أنه جاء رجل من نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، فإذا هو يسأل عن الإسلام فبين له النبيء صلى الله عليه وسلم أن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، ونسب هذا القول إلى مالك بن أنس أخذاً من قوله في «المدونة»: «من اغتسل وقد أجمع على الإسلام بقلبه أجزأَه» قال ابن رشد لأن إسلامه بقلبه فلو مات مات مؤمناً، وهو مأخذ بعيد وستعلم أن قول مالك بخلافه.
ونسب هذا أيضاً إلى الأشعري قال إمام الحرمين في «الإرشاد» وهو المرضي عندنا، وبه قال الزهري من التابعين.
القول الثاني: إن الإيمان هو الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان بالشهادتين للإقرار بذلك الاعتقاد فيكون الإيمان منقولاً شرعاً لهذا المعنى فلا يعتد بالاعتقاد شرعاً إلا إذا انضم إليه النطق ونقل هذا عن أبي حنيفة ونسبه النووي إلى جمهور الفقهاء والمحدِّثين والمتكلمين ونسبه الفخر إلى الأشعري وبشر المريسي، ونسبه الخفاجي إلى محققي الأشاعرة واختاره ابن العربي، قال النووي وبذلك يكون الإنسان من أهل القبلة.
قلت ولا أحسب أن بين هذا والقول الأول فرقاً وإنما نظر كل قيل إلى جانب، فالأول نظر إلى جانب المفهوم والثاني نظر إلى الاعتداد ولم يعتنوا بضبط عباراتهم حتى يرتفع الخلاف بينهم وإن كان قد وقع الخلاف بينهم في أن الاقتصار على الاعتقاد هل هو منج فيما بين المرء وبين ربه أو لا بد من الإقرار؟
حكاه البيضاوي في «التفسير» ومال إلى الثاني ويؤخذ من كلامهم أنه لو ترك الإقرار لا عن مكابرة كان ناجياً مثل الأخرس والمغفل والمشتغل شغلاً اتصل بموته.
واحتجوا بإطلاق الإيمان على الإسلام والعكس في مواضع من الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ﴾ [الذاريات: 35، 36] وفي حديث وفد عبد القيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله أتدرون ما الإيمان بالله؟
شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة " الخ وهذه أخبار آحاد فالاستدلال بها في أصل من الدين إنما هو مجرد تقريب على أن معظمها لا يدل على إطلاق الإيمان على حالة ليس معها حالة إسلام.
القول الثالث: قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل ذلك أنهم لكمال حالهم ومجيئهم في فاتحة انبثاق أنوار الدين لم يكونوا يفرضون في الإيمان أحوالاً تقصر في الامتثال، ونسب ذلك إلى مالك وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي وابن جريج والنخعي والحسن وعطاء وطاووس ومجاهد وابن المبارك والبخاري ونسب لابن مسعود وحذيفة وبه قال ابن حزم من الظاهرية وتمسك به أهل الحديث لأخذهم بظاهر ألفاظ الأحاديث، وبذلك أثبتوا الزيادة والنقص في الإيمان بزيادة الأعمال ونقصها لقوله تعالى: ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ [الفتح: 4] الخ.
وجاء في الحديث: " الإيمان بضع وسبعون شعبة " فدل ذلك على قبوله للتفاضل.
وعلى ذلك حمل قوله صلى الله عليه وسلم " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " أي ليس متصفاً حينئذٍ بكمال الإيمان.
ونقل عن مالك أنه يزيد ولا ينقص فقيل إنما أمسك مالك عن القول بنقصانه خشية أن يظن به موافقة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب.
قال ابن بطال وهذا لا يخالف قول مالك بأن الإيمان هو التصديق وهو لا يزيد ولا ينقص لأن التصديق أول منازل الإيمان ويوجب للمصدق الدخول فيه ولا يوجب له استكمال منازله وإنما أراد هؤلاء الأئمة الرد على المرجئة في قولهم إن الإيمان قول بلا عمل ا ه.
ولم يتابعهم عليه المتأخرون لأنهم رأوه شرحاً للإيمان الكامل وليس فيه النزاع إنما النزاع في أصل مسمى الإيمان وأول درجات النجاة من الخلود ولذلك أنكر أكثر المتكلمين أن يقال الإيمان يزيد وينقص وتأولوا نحو قوله تعالى: ﴿ ليزدادوا إيماناً ﴾ [الفتح: 4] بأن المراد تعدد الأدلة حتى يدوموا على الإيمان وهو التحقيق.
القول الرابع: قول الخوارج والمعتزلة إن الإيمان اعتقاد ونطق وعمل كما جاء في القول الثالث إلا أنهم أرادوا من قولهم حقيقة ظاهره من تركب الإيمان من مجموع الثلاثة بحيث إذا اختل واحد منها بطل الإيمان، ولهم في تقرير بطلانه بنقص الأعمال الواجبة مذاهب غير منتظمة ولا معضودة بأدلة سوى التعلق بظواهر بعض الآثار مع الإهمال لما يعارضها من مثلها.
فأما الخوارج فقالوا إن تارك شيء من الأعمال كافر غير مؤمن وهو خالد في النار فالأعمال جزء من الإيمان وأرادوا من الأعمال فعل الواجبات وترك المحرمات ولو صغائر، إذ جميع الذنوب عندهم كبائر، وأما غير ذلك من الأعمال كالمندوبات والمستحبات فلا يوجب تركها خلوداً، إذ لا يقول مسلم إن ترك السنن والمندوبات يوجب الكفر والخلود في النار، وكذلك فعل المكروهات.
وقالت الإباضية من الخوارج إن تارك بعض الواجبات كافر لكن كفره كفر نعمة لا شرك، نقله إمام الحرمين عنهم وهو الذي سمعناه من طلبتهم.
وأما المعتزلة فقد وافقوا الخوارج في أن للأعمال حظاً من الإيمان إلا أنهم خالفوهم في مقاديرها ومذاهب المعتزلة في هذا الموضع غير منضبطة، فقال قدماؤهم وهو المشهور عنهم إن العاصي مخلد في النار لكنه لا يوصف بالكفر ولا بالإيمان ووصفوه بالفسق وجعلوا استحقاق الخلود لارتكاب الكبيرة خاصة، وكذلك نسب إليهم ابن حزم في كتاب «الفصل»، وقال واصل بن عطاء الغزّال إن مرتكب الكبيرة منزلة بين المنزلتين أي لا يوصف بإيمان ولا كفر فيفارق بذلك قول الخوارج وقول المرجئة ووافقه عمرو بن عبيد على ذلك.
وهذه هي المسألة التي بسببها قال الحسن البصري لواصل وعمرو بن عبيد اعتزل مجلسنا.
ودرج على هذا جميعهم، لكنهم اضطربوا أو اضطرب النقل عنهم في مسمى المنزلة بين المنزلتين، فقال إمام الحرمين في «الإرشاد» إن جمهورهم قالوا إن الكبيرة تحبط ثواب الطاعات وإن كثرت، ومعناه لا محالة أنها توجب الخلود في النار وبذلك جزم التفتزاني في «شرح الكشاف» وفي «المقاصد»، وقال إن المنزلة بين المنزلتين هي موجبة للخلود وإنما أثبتوا المنزلة لعدم إطلاق اسم الكفر ولإجراء أحكام المؤمنين على صاحبها في ظاهر الحال في الدنيا بحيث لا يعتبر مرتكب المعصية كالمرتد فيقتل.
وقال في «المقاصد» ومثله في «الإرشاد»: المختار عندهم خلاف المشتهر فإن أبا علي وابنه وكثيراً من محققيهم ومتأخريهم قالوا إن الكبائر إنما توجب دخول النار إذا زاد عقابها على ثواب الطاعات فإن أرْبت الطاعات على السيئات درأت السيئات، وليس النظر إلى أعداد الطاعات ولا الزلات، وإنما النظر إلى مقدار الأجور والأوزار فرب كبيرة واحدة يغلب وزرها طاعات كثيرة العدد، ولا سبيل إلى ضبط هذه المقادير بل أمرها موكول إلى علم الله تعالى، فإن استوت الحسنات والسيئات فقد اضطربوا في ذلك فهذا محل المنزلة بين المنزلتين.
ونقل ابن حزم في «الفِصَل» عن جماعة منهم، فيهم بشر المريسي والأصَم من استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف ولهم وقفة لا يدخلون النار مدة ثم يدخلون الجنة ومن رجحت سيئاته فهو مجازى بقدْر ما رجح له من الذنوب فمِن لفحة واحدة إلى بقاء خمسين ألف سنة في النار ثم يخرجون منها بالشفاعة.
وهذا يقتضي أن هؤلاء لا يرون الخلود.
وقد نقل البعض عن المعتزلة أن المنزلة بين المنزلتين لا جنة ولا نار إلا أن التفتزاني في «المقاصد» غلَّط هذا البعض وكذلك قال في «شرح الكشاف».
وقد قرر صاحب «الكشاف» حقيقة المنزلة بين المنزلتين بكلام مجمل فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ من سورة البقرة (26) والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلتي المؤمن والكافر.
وقالوا إن أول من حد له هذا الحد أبو حذيفة واصل بن عطاء وكونه بين بين أن حكمه حكم المؤمن في أنه يناكَح ويوارَث ويغسَّل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وهو كالكافر في الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته وأن لا تقبل له شهادة ا ه، فتراه مع إيضاحه لم يذكر فيه أنه خالد في النار وصرح في قوله تعالى: ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ﴾ في سورة النساء (93) بما يعمم خلود أهل الكبائر دون توبة في النار.
قلت وكان الشأن أن إجراء الأحكام الإسلامية عليه في الدنيا يقتضي أنه غير خالد إذ لا يعقل أن تجري عليه أحكام المسلمين وتنتفي عنه الثمرة التي لأجلها فارق الكفر إذ المسلم إنما أسلم فراراً من الخلود في النار فكيف يكون ارتكاب بعض المعاصي موجباً لانتقاض فائدة الإسلام، وإذا كان أحد لا يَسْلم من أن يقارف معصية وكانت التوبة الصادقة قد تتأخر وقد لا تحصل فيلزمهم ويلزم الخوارج أن يعُدوا جمهور المسلمين كفاراً وبئس مُنكراً من القول.
على أن هذا مما يجرّيء العصاة على نقض عرى الدين إذ ينسَلُّ عنه المسلمون لانعدام الفائدة التي أسلموا لأجلها بحكم: أنا الغريق فما خوفي من البلل، ومن العجيب أن يَصدر هذا القول من عاقل فضلاً عن عالم، ثم الأعجب منه عكوف أتباعهم عليه تَلُوكه ألسنتهم ولا تفقهه أفئدتهم وكيف لم يقيض فيهم عالم منصف ينبري لهاته الترهات فيهذبها أو يؤولها كما أراد جمهور علماء السنة من صدر الأمة فَمن يليهم.
القول الخامس:} قالت الكرامية الإيمان هو الإقرار باللسان إذا لم يخالف الاعتقادُ القولَ فلا يشترط في مسمى الإيمان شيء من المعرفة والتصديق، فأما إذا كان يعتقد خلاف مقاله بطل إيمانه وهذا يرجع إلى الاعتداد بإيمان من نطق بالشهادتين وإن لم يَشغل عقله باعتقاد مدلولهما بل يكتفَى منه بأنه لا يضمر خلاف مدلولهما وهذه أحوال نادرة لا ينبغي الخوض فيها.
أو أرادوا أنه تجري عليه في الظاهر أحكام المؤمنين مع أن الكرامية لا ينكرون أن من يعتقد خلاف ما نطق به من الشهادتين أنه خالد في النار يوم القيامة، وفي «تفسير الفخر» أن غَيلان الدمشقي وافق الكرامية.
هذه جوامع أقوال الفرق الإسلامية في مسمى الإيمان.
وأنا أقول كلمة أربأُ بها عن الانحيَاز إلى نصرة وهي أن اختلاف المسلمين في أول خطوات مسيرهم وأول موقف من مواقف أنظارهم وقد مضت عليه الأيام بعد الأيام وتعاقبت الأقوام بعد الأقوام يعد نقصاً علمياً لا ينبغي البقاء عليه، ولا أَعْرِفَنِّي بعد هذا اليوم ملتفتاً إليه.
لا جرم أن الشريعة أول ما طلبت من الناس الإيمان والإسلام ليخرجوا بذلك من عقائد الشرك ومناوأة هذا الدين فإذا حصل ذلك تهيأت النفوس لقبول الخيرات وأفاضت الشريعة عليها من تلك النيرات فكانت في تلقي ذلك على حسب استعدادها زينة لمعاشها في هذا العالم ومعادها، فالإيمان والإسلام هما الأصلان اللذان تنبعث عنهما الخيرات، وهما الحد الفاصل بين أهل الشقاء وأهل الخير حداً لا يقبل تفاوتاً ولا تشككاً، لأن شأن الحدود أن لا تكون متفاوتة كما قال الله تعالى: ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ [يونس: 32]، ولا يدعي أحد أن مفهوم الإيمان هو مفهوم الإسلام، فيكابرَ لغة تتلَى عليه، كيف وقد فسره الرسول لذلك الجالس عند ركبتيه.
فما الذين ادعَوْه إلا قوم قد ضاقت عليهم العبارة فأرادوا أن الاعتداد في هذا الذي لا يكون إلا بالأمرين وبذلك يتضح وجه الاكتفاء في كثير من مواد الكتاب والسنة بأحد اللفظين، في مقام خطاب الذين تحلوا بكلتا الخصلتين، فانتظم القولان الأول والثاني.
إن موجب اضطراب الأقوال في التمييز بين حقيقة الإيمان وحقيقة الإسلام أمران: أحدهما أن الرسالة المحمدية دعت إلى الاعتقاد بوجود الله ووحدانيته وبصدق محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بالغيب ودعت إلى النطق بما يدل على حصول هذا الاعتقاد في نفس المؤمن لأن الاعتقاد لا يعرف إلا بواسطة النطق ولم يقتنع الرسول من أحد بما يُحصِّل الظن بأنه حصَل له هذا الاعتقاد إلا بأن يعترف بذلك بنطقه إذا كان قادراً.
الثاني: أن المؤمنين الذين استجابوا دعوة الرسول لم تكن ظواهرهم مخالفة لعقائدهم إذ لم يكن منهم مسلم يبطن الكفر فكان حصول معنى الإيمان لهم مقارناً لحصول معنى الإسلام وصدَق عليهم أنهم مؤمنون ومسلمون، ثم لما نبع النفاق بعد الهجرة طرأ الاحتياج إلى التفرقة بين حال الذين اتصفوا بالإيمان والإسلام وبين حال الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر تفرقة بالتحذير والتنبيه لا بالتعيين وتمييز الموصوف، لذا كانت ألفاظ القرآن وكلام النبيء تجري في الغالب على مراعاة غالب أحوال المسلمين الجامعين بين المعنيين وربما جرت على مراعاة الأحوال النادرة عند الحاجة إلى التنبيه عليها كما في قوله تعالى: ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمانُ في قلوبكم ﴾ [الحجرات: 14] وكما في قول النبيء لمن قال له: مَالَكَ عن فلان فوالله إني لأراه مُؤْمناً قال: «أوْ مسلما».
فحاصل معنى الإيمان حصول الاعتقاد بما يجب اعتقاده، وحاصل معنى الإسلام إظهار المرء أنه أسلم نفسه لاتَّباع الدين ودعوة الرسول، قال تعالى: ﴿ إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ﴾ [الأحزاب: 35] الآية.
وهل يخامركم شك في أن الشريعة ما طلبت من الناس الإيمان والإسلام لمجرد تعمير العالم الأخروي من جنة ونار لأن الله تعالى قادر على أن يخلق لهذين الموضعين خلْقاً يعمرونهما إن شاء خَلْقَهما، ولكن الله أراد تعمير العالَمين الدنيوي والأخروي، وجعل الدنيا مِصْقَلَة النفوس البشرية تهيئها للتأهل إلى تعمير العالم الأخروي لتلتحق بالملائكة، فجعل الله الشرائع لكف الناس عن سيء الأفعال التي تصدر عنهم بدواعي شهواتهم المفسدة لفطرتهم، وأراد الله حفظ نظام هذا العالم أيضاً ليبقى صالحاً للوفاء بمراد الله إلى أمدٍ أرادَه، فشرع للناس شرْعاً ودعا الناس إلى اتباعه والدخول إلى حظيرته ذلك الدخول المسمى بالإيمان وبالإسلام لاشتراط حصولهما في قِوام حقيقة الانضواء تحت هذا الشرع، ثم يستتبع ذلك إظهارَ تمكين أنفسهم من قبول ما يُرسم لهم من السلوك عن طيب نفس، وثقةٍ بمآلي نزاهة أو رجس.
وذلك هو الأعمال ائتماراً وانتهاءً وفعلاً وانكفافاً.
وهذه الغاية هي التي تتفاوت فيها المراتب إلاَّ أن تفاوت أهلها فيها لا ينقص الأصل الذي به دخلوا فإن الآتي بالبعض من الخير قد أتى بما كان أحسنَ من حاله قبل الإيمان، والآتي بمعظم الخير قد فاق الذي دونَه، والآتي بالجميع بقدر الطاقة هو الفائز، بحيث إن الشريعة لا تَعدِم منفعة تحصل من أفراد هؤلاء الذين تسموا بالمؤمنين والمسلمين ومن تلك المراتب حماية الحوزة والدفاع عن البيضة، فهل يشك أحد في أن عَمرو بن معديكرب أيامَ كان لا يرى الانتهاء عن شرب الخمر ويقول إن الله تعالى قال: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ [المائدة: 91] فقلنا لا إنه قد دَلَّ جهادُه يوم القادِسية على إيمانه وعلى تحقيق شيء كثير من أجزاء إسلامه فهل يُعد سواءً والكافرين في كونه يخلد في النار؟
فالأعمال إذن لها المرتبة الثانية بعد الإيمان والإسلام لأنها مكملة المقصد لا ينازع في هذين أعني كونَها في الدرجة الثانية وكونَها مقصودة إلا مكابر.
ومما يؤيد هذا أكمل تأييد ما ورد في «الصحاح» في حديث معاذ بن جبل أن النبيء صلى الله عليه وسلم كان بعثه إلى اليمن فقال له: " إنَّك ستأتي قوماً من أهل الكتاب فإذا جئتهم فادْعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (أي ينطقوا بذلك نطقاً مطابقاً لاعتقادهم) فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة " الخ فلولا أن للإيمان وللإسلام الحظ الأول لما قدمه، ولولا أن الأعمال لا دخل لها في مسمى الإسلام لما فرَّق بينهما، لأن الدعوة للحق يجب أن تكون دفعة وإلا لكان الرضا ببقائه على جزء من الكفر ولو لحظة مع توقع إجابته للدين رضىً بالكفر وهو من الكفر فكيف يأمر بسلوكه المَعصوم عن أن يُقِرّ أحداً على باطل، فانتظم القول الثالث للقولين.
ومما لا شبهة فيه أن استحقاق الثواب والعقاب على قدر الأعمال القلبية والجوارحية فالأمر الذي لا يحصُل شيءٌ من المطلوب دونَه لا يُنجي من العذاب إلا جميعُه فوجب أن يكون من لم يؤمن ولم يسلم مخلَّداً في النار لأنه لا يحصل منه شيء من المقصود بدون الإيمان والإسلام، وأما الأمور التي يقرُب فاعلها من الغاية بمقدار ما يخطُو في طرقها فثوابها على قدر ارتكابها والعقوبة على قدر تركها، ولا ينبغي أن ينازِع في هذا غيرُ مكابر، إذ كيف يستوي عندالله العليممِ الحكيم رجلان أحدهما لم يؤمن ولم يسلم والآخر آمن وأسلَم وامتثل وانتهى، إلا أنه اتبع الأمَّارة بالسوء في خصلة أو زلة فيحكم بأن كلا الرجلين في عذاب وخلود؟
وهل تبقى فائدة لكل مرتكب معصية في البقاء على الإسلام إذا كان الذي فر من أجله للإسلام حاصلاً على كل تقدير وهو الخلود في النار حتى إذا أراد أن يتوب آمَن يومئذٍ؟
وهل ينكر أحد أن جل الأمة لا يخلون من التلبس بالمعصية والمعصيتين إذ العصمة مفقودة فإذا كان ذلك قبل التوبة كفراً فهل يقول هذا العاقل إن الأمة في تلك الحالة متصفة بالكفر ولا إخال عاقلاً يلتزمها بعد أن يسمعها، أفهل يموه أحد بعد هذا أن يأخذ من نحو قوله تعالى: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ [البقرة: 143] يعني الصلاة، إن الله سمَّي الصلاة إيماناً ولولا أن العمل من الإيمان لما سميت كذلك بعد أن بينَّا أن الأعمال هي الغاية من الإيمان والإسلام فانتظم القول الرابع والخامس لثلاثة الأقوال لمن اقتدى في الإنصاف بأهل الكمال.
ثم على العالم المتشبع بالاطلاع على مقاصد الشريعة وتصاريفها أن يفرق بين مقامات خطابها فإن منها مقام موعظة وترغيب وترهيب وتبشير وتحذير، ومنها مقام تعليم وتحقيق فيرد كل وارد من نصوص الشريعة إلى مورده اللائق ولا تتجاذبه المتعارضات مجاذبة المماذق فلا يحتج أحد بما ورد في أثبت أوصاف الموصوف، وأثبت أحد تلك الأوصاف تارة في سياق الثناء عليه إذ هو متصف بها جميعاً، فإذا وصف تارة بجميعها لم يكن وصفه تارة أخرى بواحد منها دالاً على مساواة ذلك الواحد لبقيتها، فإذا عرضت لنا أخبار شرعية جمعت بين الإيمان والأعمال في سياق التحذير أو التحريض لم تكن دليلاً على كون حقيقة أحدهما مركبة ومقومة من مجموعهما فإنما يحتج محتج بسياق التفرقة والنفي أو بسياق التعليم والتبيين فلا ينبغي لمنتسب أن يجازف بقولة سخيفة ناشئة عن قلة تأمل وإحاطة بموارد الشريعة وإغضاء عن غرضها ويؤول إلى تكفير جمهور المسلمين وانتقاض الجامعة الإسلامية بل إنما ينظر إلى موارد الشريعة نظرة محيطة حتى لا يكون ممن غابت عنه أشياء وحضره شيء، بل يكون حكمه في المسألة كحكم فتاة الحي.
أما مسألة العفو عن العصاة فهي مسألة تتعلق بغرضنا وليست منه، والأشاعرة قد توسعوا فيها وغيرهم ضيقها وأمرها موكول إلى علم الله إلا أن الذي بلغنا من الشرع هو اعتبار الوعد والوعيد وإلا لكان الزواجر كضرب في بارد الحديد وإذا علمتم أن منشأ الخلاف فيها هو النظر لدليل الوجوب أو الجواز علمتم خروج الخلاف فيها من الحقيقة إلى المجاز ولا عجب أعجب من مرور الأزمان على مثل قولة الخوارج والإباضية والمعتزلة ولا ينبري من حذاق علمائهم من يهذب المراد أو يؤول قول قدمائه ذلك التأويل المعتاد، وكأني بوميض فطنة نبهائهم أخذ يلوح من خِلل الرماد.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ، بِأنْ يُظْهِرُوا مِنَ الإيمانِ خِلافَ ما يُبْطِنُونَ مِنَ الكُفْرِ، لِأنَّ أصْلَ الخَدِيعَةِ الإخْفاءُ، ومِنهُ مَخْدَعُ البَيْتِ، الَّذِي يَخْفى فِيهِ، وجَعَلَ اللَّهُ خِداعَهم لِرَسُولِهِ خِداعًا لَهُ، لِأنَّهُ دَعاهم بِرِسالَتِهِ.
﴿ وَما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ في رُجُوعِ وبالِهِ عَلَيْهِمْ.
﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ يَعْنِي وما يَفْطُنُونَ، ومِنهُ سُمِّيَ الشّاعِرُ، لِأنَّهُ يَفْطُنُ لِما لا يَفْطُنُ لَهُ غَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: لَيْتَ شِعْرِي.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ﴾ يعني المنافقين من الأوس والخزرج، ومن كان على أمرهم.
وأخرج ابن اسحق وابن جرير عن ابن عباس.
أن صدر سورة البقرة إلى المائة منها.
هي في رجال سماهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار يهود، ومن المنافقين من الأوس والخزرج.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ﴾ قال: المراد بهذه الآية المنافقون.
وأخرج عبد الرزاق وابن جريرعن قتادة في قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ حتى بلغ ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ قال: هذه في المنافقين.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ الآية.
قال: هذا نعت المنافق.
نعت عبداً خائن السريرة، كثير الأخلاف، يعرف بلسانه، وينكر بقلبه، ويصدق بلسانه، ويخالف بعمله، ويصبح على حال، ويمسي على غيره، ويتكفأ تكفؤ السفينة، كلما هبت ريح هب فيها.
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن سيرين قال: لم يكن عندهم شيء أخوف من هذه الآية ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن عتيق قال: كان محمد يتلو هذه الآية عند ذكر الحجاج ويقول: أنا لغير ذلك أخوف ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ﴾ .
وأخرج ابن سعد عن أبي يحيى قال سأل رجل حذيفة وأنا عنده فقال: ما النفاق؟
قال: أن تتكلم باللسان، ولا تعمل به.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ الآية.
روى ثعلب عن سلمه (١) (٢) (٣) ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ .
المعنى: مثقال ذرة (٤) قال أبو عبيد (٥) (٦) (٧) أي: مذ حجج (٨) (٩) ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً ﴾ .
معناه: بدلكم (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) إن المنايا يَطّلعـ ...
ـنَ على الأناس الآمنينا (٢٣) قال الأزهري: وهذا قول حذاق (٢٤) (٢٥) (٢٦) فمن قال: (أنيس) وهو قول أكثر النحويين (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) قال (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) قال الأزهري (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وذكر أبو علي في "المسائل الحلبية" (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) ولو جاز لقائل أن (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) وقوله تعالى: ﴿ مَن يَقُولُ ﴾ .
روى سلمة، عن الفراء، عن الكسائي (٥٢) ﴿ مِنَ ﴾ يكون اسماً، ويكون شرطاً ويكون معرفة، ويكون نكرة، ويكون للواحد والاثنين (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ (اليوم) مقداره من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، وجمعه: أيام، وكان الأصل (أيوام) واجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما الأخرى بالسكون، فأدغمت (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ .
دخلت (الباء) مؤكدة لمعنى النفي، لأنك إذا قلت: (ما زيد أخوك) فلم يسمع السامع (ما) ظن أنك موجب، فإذا قلت: (ما زيد بأخيك) (٦٨) (٦٩) ﴿ وَمَا هُمْ ﴾ بعد التوحيد في ﴿ مَنْ يَقُولُ ﴾ لأن لفظ (٧٠) (٧١) قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في المنافقين (٧٢) (٧٣) ﴿ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ فدل أن حقيقة الإيمان ليس الإقرار فقط (٧٤) (١) هو سلمة بن عاصم النحوي، روى عن الفراء، كان أديبا فاضلا، سمع منه ثعلب كتاب "لمعاني" للفراء، توفي بعد السبعين ومائتين.
انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" ص 137، "معجم الأدباء" 3/ 391، "إنباه الرواة" 2/ 56، "غاية النهاية" 1/ 311.
(٢) في "تهذيب اللغة" (سلمه عن الفراء ثم ذكره بنصه).
"التهذيب" (من) 4/ 3453.
(٣) في "التهذيب": (تكون) في المواضع الثلاثة.
(٤) في "التهذيب": (أي: ما يعزب عن علمه من مثقال ذرة) 4/ 3453.
(٥) "تهذيب اللغة" (من) 4/ 3454.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٧) مطلع قصيدة لزهير يمدح هرم بن سنان وصدره: لمن الديار بقنة الحجر القنة: أعلى الجبل، الحجر: بكسر الحاء منازل ثمود، ويروى بالفتح موضع باليمامة، أقوين: أقفرت، الحجج: بكسر الحاء جمع حجة وهي السنة، ومن شهر: واحد الشهور، ويروى ومن دهر.
ورد البيت في "تهذيب اللغة" (من) 4/ 3454، "الجمل المنسوب" للخليل ص 161، "الجمل" للزجاجي ص 139، "مغني اللبيب" 1/ 335، "الهمع" 3/ 226، "شرح المفصل" 4/ 293،8/ 11، "الإنصاف" ص 315، "الخزانة" 9/ 439، "شرح ديوان زهير" ص 86.
(٨) أي: مذ حجج ومذ شهر.
(٩) في "التهذيب": (من) 4/ 3454.
(١٠) في (ب): (بدله).
(١١) عند أبي عبيد وتكون (من) بمعنى: اللام الزائدة.
انظر بقية كلامه في "التهذيب" (من) 4/ 3454، وذكر ابن هشام في "مغني اللبيب": أن (من) تأتي على خمسة عشر وجها، 1/ 318.
(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١٣) (التهذيب) (أنس) 1/ 216.
(١٤) في (ب) (أبي القاسم).
(١٥) في (ج) (سأل).
(١٦) (عن الناس) ساقط من (ب).
(١٧) في (التهذيب): (فقال أصله (الأناس)، لأن أصله (أناس) فالألف فيه أصلية .....) 1/ 217.
(١٨) في (ب): (التعريف).
(١٩) في "التهذيب" (وأصل تلك اللام سكون أبدا إلا في أحرف قليلة، مثل: الاسم والابن، وما أشبهها من الألفات الوصلية، فلما زادوهما على أناس صار الاسم: الأناس.
...) 1/ 217.
(٢٠) في (ب): (فاستقلوها).
(٢١) في "التهذيب": (.....
فتركوها وصار باقي الاسم (ألناس) بتحريك اللام في الضمة، فلما تحركت اللام والنون أدغموا اللام في النون ...) 1/ 217.
(٢٢) في "التهذيب": (فلما طرحوا الألف واللام ابتداء والاسم فقالوا: قال ناس من الناس.
انتهى كلام أبي الهيثم في "التهذيب"، وقول الواحدي: وقد استعمله الشاعر ...
الخ مع البيت ليس في "التهذيب" 1/ 217.
(٢٣) البيت لذي جدن الحميري، ورد في "مجالس العلماء" للزجاجي ص 70، "الخزانة" 2/ 280، "الخصائص" 3/ 151، "تفسير البيضاوي" 1/ 99، "الدر المصون" 1/ 119، "اللسان" (نوس) 8/ 4575.
(٢٤) في (ب): (خلاف).
(٢٥) في "التهذيب": (قلت: وهذا الذي قاله أبو الهيثم تعليل النحويين) وفي الهامش في (ج) (قول حذاق النحويين)، "التهذيب" 1/ 217.
(٢٦) قال الطبري: (في الناس وجهان: أحدهما: أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه، وإنما واحدهم (إنسان) وواحدتهم (إنسانة).
والوجه الأخر: أن يكون أصله (أناس) أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها، ثم دخلتها الألف واللام المعرفتان ...) 1/ 116، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 158 - 159، (البحر) 1/ 52 (الدر المصون) 1/ 118.
(٢٧) قال سيبويه: (ليس من العرب أحد إلا ويقول: نويس)، انظر "الكتاب" 3/ 457، وانظر "المسائل الحلبيات" لأبي علي الفارسي ص 171، 172.
(٢٨) (دل على) مطموس في (ب).
(٢٩) (الحركة) ساقطة من (ب).
(٣٠) في (ب): (إذ بريدت).
(٣١) في (ب): (أرلى).
قطعة من حديث طويل، فقد أخرج البخاري بسنده عن عائشة، قالت (جلس إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً ...)، وفيه: (قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع أناس من حلي أذني .....).
أخرجه البخاري (5189) كتاب النكاح، باب: حسن المعاشرة مع الأهل، ومسلم (2448) كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل عائشة، قال ابن حجر اختلف في رفعه ووقفه، ثم ذكر الخلاف في ذلك، وقال: (قلت: المرفوع منه في الصحيحين: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) وباقيه من قول عائشة، وجاء خارج الصحيحين مرفوعا كله ...).
(الفتح) 9/ 255 - 257.
وقد == ذكر علماء اللغة وغريب الحديث أجزاء من الحديث، لما فيه من الألفاظ، فذكره أبو عبيد في "غريب الحديث"، 1/ 364 - 376، وورد في "الفائق" 3/ 48، 49، وذكر قطعة منه الأزهري في "التهذيب" 3/ 2451، وذكره السيوطي من طرق كثيرة في "المزهر" 2/ 449.
(٣٢) المراد الأزهري فبعد كلامه السابق الذي ذكره الواحدي وهو قوله: (قلت: وهذا الذي قاله أبو الهيثم تعليل النحويين ...
قال: وإنسان في الأصل: إنسيان وهو فعليان من الإنس ...
إلخ) وما بينهما ليس في "التهذيب".
انظر "التهذيب" 1/ 216.
(٣٣) في (ب): (معنى).
(٣٤) في (ج): (بين).
(٣٥) انظر "تهذيب اللغة" (أنس) 1/ 216، وانظر "الكتاب" 3/ 486.
(٣٦) "تهذيب اللغة" (أنس).
(٣٧) في "التهذيب" (قلت: واصل الإنس والأنس والإنسان من الإيناس وهو الإبصار)، وفي الهامش في (ج) (وأصل الإنسان والناس من أنس يؤنس إذا أبصر)، 216 - 217.
(٣٨) انتهى كلام الأزهري.
انظر: "التهذيب" 1/ 216 - 217.
(٣٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 49 أ، والقرطبي 1/ 168.
(٤٠) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 171، والقرطبي 1/ 168، "الدر المصون" 1/ 119 ،120.
(٤١) في (ب): (الجلسه).
"المسائل الحلبيات" أحد كتب أبي علي المشهورة، طبع بتحقيق د/ حسن هنداوي، وقد نقل الواحدي كلام أبي علي بمعناه.
انظر: "المسائل الحلبيات" ص 168 - 173.
(٤٢) في (ب): (الإنسان).
(٤٣) لم أجد هذا القول للكسائي في "المسائل الحلبيات".
انظر: "المسائل الحلبيات" ص168 - 173، وانظر "تهذيب اللغة" (أنس) 1/ 216 - 217.
(٤٤) انظر "الكتاب" 2/ 196.
(٤٥) قوله: (وقالوا: الإنس والأنس والأنسي والأناسي) ليس فىِ "الحلبيات"، انظر ص 168 - 173.
(٤٦) في (ب): (فائده).
(٤٧) في (ج): (وأوئله).
أنظر: "المسائل الحلبيات" ص 168.
(٤٨) (أن) ساقطة من (ب).
(٤٩) إذا حذفت الهمزة منه يصير (ويلمه) الأصل فيها (ويل لأمه) أدغمت (لام) ويل في الجارة في (لأمه) ثم حذفت (لام) ويل لكثرة الاستعمال ثم حذفت الهمزة.
انظر "المسائل الحلبيات" ص 43.
(٥٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٥١) في (ج): (فاء العمل).
(٥٢) في "التهذيب" سلمة عن الفراء عن الكسائي قال: (من) تكون اسما، وتكون جحدا، وتكون استفهاما، وتكون شرطا، وتكون معرفة، وتكون نكرة، وتكون للواحد، وتكون للأثنين، وتكون خصوصا، وتكون للأناس، والملائكة والجن وتكون للبهائم إذا خلطت بغيرها.
"التهذيب" (من) 4/ 3453، وذكر في "مغني اللبيب" أن (من) تأتي على خمسة أوجه 1/ 327.
(٥٣) في (ب): وللأثنين.
(٥٤) في (ب): (تكون).
(٥٥) في (أ)، (ج): (الأنس).
(٥٦) في (ب): (للملائكة وللجن).
(٥٧) في "التهذيب" (قلت: هذِه الوجوه التي ذكرها الكسائي موجودة فىِ الكتاب ...)، ثم ذكر الأزهري أمثلة لها من القرآن.
"التهذيب" 4/ 3453.
(٥٨) أي: السكون.
(٥٩) في (ب): (من).
(٦٠) قال الزجاج في (المعاني): (لأنها لا تكون اسما تاما في الخبر إلا بصلة، فلا يكون الإعراب في بعض الاسم)، 1/ 49.
(٦١) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" وفيه: (وجعلوا الياء هي الغالبة) أي: غلبوا (الياء) فقلبوا (الواو) (ياء) وأدغموها في (الياء).
انظر "تهذيب اللغة" (يوم)، 4/ 3990.
(٦٢) ذكره الأزهري عن الليث.
"التهذيب" (أخر) 1/ 131.
(٦٣) في (ب): (وسمى).
(٦٤) في (ب): (إلا أنه).
(٦٥) في (ب): (أنه).
(٦٦) قال الطبري: فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاع للآخرة، ولا فناء ولا زوال؟
قيل: إن اليوم عند العرب، إنما سمي يوما بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدم النهار ليل لم يسم، فيوم القيامة يوم لا ليل بعده ....
1/ 117.
(٦٧) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 159.
(٦٨) في (ب): (أخيك).
(٦٩) ذكره الزجاج بنصه، دون قوله.
وإن لم يسمع (ما)، "معاني القرآن" 1/ 50.
(٧٠) (لفظ) ساقط من (ب).
(٧١) (من) لها لفظ ومعنى، فلفظها مفرد مذكر، ومعناها يصلح للجمع وغيره، فيجوز مراعاة اللفظ فيعود الضمير مفردا، ويجوز مراعاة المعنى فيعود الضمير جمعا.
انظر"الدر المصون" 1/ 121.
(٧٢) في (ب): (للمنافقين).
(٧٣) قال الطبري: أجمع جميع أهل التأويل على أن الآية نزلت في قوم من أهل النفاق.
الطبري 1/ 268، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 49، "تفسير أبي الليث" 1/ 94، وابن عطية1/ 159، وابن كثير 1/ 50.
(٧٤) قال الطبري: (وفي هذِه الآية دلالة واضحة على بطول ما زعمته الجهمية من أن الإيمان هو التصديق بالقول دون سائر المعاني غيره ...)، 1/ 117، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 94، وابن عطية 1/ 159.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنَ الناس ﴾ أصل الناس أناس لأنه مشتق من الإنس وهو اسم جمع وحذفت الهمزة مع لام التعريف تخفيفاً ﴿ مَن يَقُولُ ﴾ أن كان اللام في الناس للجنس فمن موصوفة وإن جعلتها للعهد فمن موصولة، وأفرد الضمير في يقول رعياً للفظ: ومن ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ هم المنافقون، وكانوا جماعة من الأوس والخزرج، رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، يظهرون الإسلام ويسرّون الكفر، ويسمى الآن من كان كذلك: زنديقاً، وهم في الآخرة مخلدون في النار، وأما في الدنيا؛ عدلان، فمذهب مالك: القتل، دون الاستتابة، ومذهب الشافعي الاستتابة وترك القتل، فإن قيل كيف جاء قولهم ﴿ آمَنَّا ﴾ جملة فعلية ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ جملة اسمية فهلا طابقتها؟
فالجواب: أن قولهم: آمنا مقيداً بالله وباليوم الآخر، وما هم بمؤمنين مطلقاً؟
فالجواب أنه يحتمل وجهين: التقييد؛ فتركه لدلالة الأول عليه، والإطلاق، وهو أعم في سلبهم من الإيمان.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: و "من الناس" ممالة.
قرأ قتيبة ونصير في القرآن ما كان مكسوراً.
"من يقول" مدغمة النون والتنوين في الياء حيث وقعت: حمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري.
"بمؤمنين" غير مهموز: أبو عمرو وغير شجاع ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها من الأسماء.
"وما يخادعون": أبو عمرو وابن كثير ونافع.
"فزادهم الله" وبابه مما كان ماضياً بالإمالة: حمزة ونصير وابن ذكوان من طريق مجاهد والنقاش بن الأخرم ههنا بالإمالة فقط.
"يكذبون" خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
قيل ﴿ وغيض ﴾ ﴿ وجيء ﴾ بالإشمام: علي وهشام ورويس.
"السفهاء ألا" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
"السفهاء ولا" بقلب الثانية واواً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع.
"السفهاء وألا" بقلب الأولى واواً.
روى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: وكذلك ما أشبهها مما اختلف الهمزتان فيها إلا أن تكون الأولى منهما مفتوحة مثل ﴿ شهداء إذ ﴾ ﴿ وجاء إخوة ﴾ وأشباه ذلك.
"مستهزءون" بترك الهمزة في الحالين: يزيد وافق حمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها، وعن حمزة في الوقف وجهان: الحذف والتليين شبه الياء والواو.
"طغيانهم" حيث كان بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو.
"بالهدى" وما أشبهها من الأسماء والأفعال من ذوات الياء بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.
وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وكذلك كل كلمة تجوز الإمالة فيها وذلك طبعهم وعادتهم.
الوقوف: "بمؤمنين" (م) لما مر في المقدمة الثامنة: "آمنوا" (ج) لعطف الجملتين المتفقتين مع ابتداء النفي.
"يشعرون" (ط) للآية وانقطاع النظم والمعنى، فإن تعلق الجار بما بعده.
"مرض" (لا) لأن الفاء للجزاء وكان تأكيداً لما في قلوبهم.
"مرضاً" (ج) لعطف الجملتين المختلفتين.
"يكذبون" (ه) في "الأرض" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذا" وعامله.
"مصلحون" (ه) "لا يشعرون" (ه) "كما آمن السفهاء" (ط) للابتداء بكلمة التنبيه، ومن وصل فليعجل رد السفه عليهم "لا يعلمون" (5) "آمنا" (ج) لتبدل وجه الكلام معنى مع أن الوصل أولى لبيان حالتيهم المتناقضتين وهو المقصود "شياطينهم" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذاً" "معكم" (لا) تحرزاً عن قول ما لا يقوله مسلم، وإن جاز الابتداء بإنما.
"مستهزءون" (ه) "يعمهون" (ه) "بالهدى" (ص) لانقطاع النفس ولا يلزم العود لأن ما بعده بدون ما قبله مفهوم "مهتدين" التفسير: وفيه مباحث: المبحث الأول: في قوله ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ الآية.
وفيه مسائل: الأولى: عن مجاهد قال: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدها نزلتا في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين.
فأقول: أحوال القلب أربع: الاعتقاد المطابق عن الدليل وهو العلم، والاعتقاد المطابق لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد المحق، والاعتقاد غير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك.
وأحوال اللسان ثلاث: الإقرار والإنكار والسكوت.
كل منها بالاختيار أو بالاضطرار، فيحصل من التراكيب أربعة وعشرون قسماً فلنتكلم في الأحوال القلبية ونجعل البواقي تبعاً لها في الذكر.
(النوع الأول): العرفان القلبي إن انضم إليه الإقرار باللسان اختياراً فصاحبه مؤمن حقاً بالاتفاق، أو اضطراراً فهو منافق، لأنه لولا الخوف لما أقرّ، فهو بقلبه منكر مكذب وجوب الإقرار.
وإن انضم إليه الإنكار اضطراراً فهو مسلم لقوله ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ أو اختياراً فهو كافر معاند.
وإن انضم إليه السكوت اضطراراً فمسلم حقاً لأنه خاف، أو كما عرف مات فجأة فيكون معذوراً أو اختياراً فمسلم أيضاً عند الغزالي وعند كثير من الأئمة لقوله "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" .
(النوع الثاني) الاعتقاد التقليدي إن وجد معه الإقرار اختياراً فهو المسألة المشهورة من أن المقلد مؤمن أم لا، والأكثرون على إيمانه.
أو اضطراراً فمنافق بالطريق الأولى كما مر في النوع الأول.
وإن وجد معه الإنكار اختياراً فلا شك في كفره، أو اضطراراً فمسلم عند من يحكم بإيمان المقلد.
وإن وجد معه السكوت اضطراراً فمسلم بناء على إسلام المقلد، أو ا اختياراً فكافر معاند.
(النوع الثالث): الإنكار القلبي مع الإقرار اللساني إن كان اضطراراً نفاق، وكذا اختياراً لأنه أظهر خلاف ما أضمر.
ومع الإنكار اللساني كفر كيف كان، وكذا مع السكوت.
(النوع الرابع): القلب الخالي عن جميع الاعتقادات مع الإقرار اللساني إن كان اختياراً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر لكنه فعل ما لا يجوز له حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا.
وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً فلا يكفر صاحبه لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً.
والقلب الخالي مع الإنكار اللساني كيف كان نفاق، والقلب الخالي مع اللسان الخالي إن كان في مهلة النظر فذلك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا نفاق.
فظهر من التقسيم أن المنافق هو الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، ومنه "النافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها" فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج.
الثانية: زعم قوم أن الكفر الأصلي أقبح من النفاق، لأن الكافر جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان.
وقال الآخرون: المنافق أيضاً كاذب باللسان لأنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه.
قال عز من قائل: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ وأيضاً إنه قصد التلبيس والكافر الأصلي لا يقصد ذلك.
وأيضاً الكافر الأصلي على طبع الرجال، والمنافق على طبيعة الخنائي.
وأيضاً الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه، والمنافق رضي بالكذب.
وأيضاً المنافق ضم إلى الكفر الاستهزاء والخداع دون الكافر الأصلي، ولغلظ كفر المنافقين قال الله : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ ووصف حال الكفار في آيتين وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم وفضحهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة.
الثالثة: قصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة "الذين كفروا" كما تعطف الجملة على الجملة.
وأصل ناس أناس بدليل إنسان وإنس وأناسي.
حذفت الهمزة تخفيفاً، مع لام التعريف كاللازم.
وقوله "إن المنايا يطلعن على الإناس الآمنينا" قليل.
ونويس من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان.
سموا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم.
ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول كما يقال وزن ق أفعل وهو اسم جمع كرخال للأنثى من أولاد الضأن.
وأما الذي مفرده رخل بكسر الراء فرخال بكسر الراء.
"ومن" في "من يقول" موصوفة إن جعلت اللام في الناس للجنس كقوله ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ ليكون معنى الكلام أن في جنس الإنس طائفة كيت وكيت، فيعود فائدة الكلام إلى الوصف.
وإن لم يكن مفيداً من حيث الحمل لأن الطائفة الموصوفة تكون لا محالة من الناس، ولا يجوز أن تكون "من" موصولة حينئذ، لأن الصلة تكون جملة معلومة الانتساب إلى الموصول فتبطل فائدة الوصف، فيبقى الكلام غير مفيد رأساً.
وإن جعلت اللام للعهد فمن تكون موصولة نحو ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي ﴾ وتكون اللام إشارة إلى الذين كفروا لما ذكرهم، ولا يجوز أن تكون "من" موصوفة إذ ذاك، لأن فائدة الكلام تعود إلى الوصف أيضاً، ولكن لا يجاوبه نظم الكلام إذ يصير المعنى أن من المختوم على قلوبهم طائفة يقولون كيت وكيت وما هم بمؤمنين.
ومن البين أن مدلول قوله "وما هم بمؤمنين" معلوم من حال المطبوع على قلوبهم فيقع ذكره ضائعاً، والضمير العائد إلى "من" يكون موحداً تارة باعتبار اللفظ نحو ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة ﴾ ومجموعاً أخرى باعتبار المعنى مثل ﴿ ومنهم من يستمعون إليك ﴾ وقد اجتمع الاعتباران في الآية في "يقول" و "آمنا".
وإنما اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر لأنهما قطرا الإيمان، ومن أحاط بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره.
وفي تكرير الباء إيذان بأنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام.
فإن قلت: إن كان هؤلاء المنافقون من المشركين فظاهر عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وإن كانوا من اليهود فكيف يصح ذلك؟
قلت: إيمان اليهود بالله ليس بإيمان لقولهم "عزير ابن الله" وكذلك إيمانهم باليوم الآخر لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته.
فقولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق بل على عقيدتهم فهو كفر لا إيمان.
فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة واستهزاء وتخييلاً للمسلمين أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي كان خبثاً إلى خبث وكفراً إلى كفر.
والمراد باليوم الآخر إما طرف الأبد الذي لا ينقطع لأنه متأخر عن الأوقات المنقضية، أو الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة التي لا حد للوقت بعده.
فإن قلت: كيف طابق قوله "وما هم بمؤمنين" قولهم "آمنا" والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني بالعكس؟
قلت: لما أتوا بالجملة الفعلية ليكون معناها أحدثنا الدخول في الإيمان لتروج دعواهم الكاذبة، جيء بالجملة الأسمية ليفيد نفي ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل ألبت والقطع وأنهم ليس لهم استئهال أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين، فكان هذا أوكد وأبلغ من أن يقال: إنهم لم يؤمنوا.
ونظير الآية قوله ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ﴾ .
ثم إن قوله "وما هم بمؤمنين" يحتمل أن يكون مقيداً وترك لدلالة التقييد في "آمنا".
ويحتمل الإطلاق أي أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما.
البحث الثاني: في قوله ﴿ يخادعون الله ﴾ إلى ﴿ يكذبون ﴾ .
أعلم أن الله ذكر من قبائح أفعال المنافقين أربعة أشياء: أحدها المخادعة وأصلها الإخفاء، ومنه سميت الخزانة المخدع.
والأخدعان عرفان في العنق خفيان.
وخدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً.
والخديعة مذمومة لأنها إظهار ما يوهم السداد والسلامة وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو التخلص منه، فهي بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسية.
فإن قيل: مخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا يخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الحليم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنين وإن جاز أن يخدعوا كما قال ذو الرمة: تلك الفتاة التي علقتها عرضاً *** إن الحليم ذا الإسلام يختلب لم يجز أن يخدعوا.
قلنا: كانت صورة صنعهم مع الله - حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون - صورة صنع الخادعين، وصورة صنع الله معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم - حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم.
ويحتمل أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه، لأنه من كان ادعاؤه الإيمان بالله تعالى نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، أو تجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم.
ويحتمل أن يذكر الله ويراد الرسول لأنه خليفته والناطق بأوامره ونواهيه مع عباده ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ .
ويحتمل أن يكون من قولهم "أعجبني زيد وكرمه" فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله، وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص.
ولما كان المؤمنون من الله بمكان سلك بهم هذا المسلك ومثله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ { ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله ﴾ وقولهم "علمت زيداً فاضلاً" الغرض ذكر الإحاطة بفضل زيد، لأن زيداً كان معلوماً له قديماً كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكره توطئة وتمهيداً.
ووجه الاختصار بخادعت على واحد أن يقال: عني به فعلت إلا أنه أخرج في زنة "فاعلت" لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه.
"ويخادعون" بيان ليقول، ويجوز أن يكون مستأنفاً كأن قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين؟
فقيل: يخادعون.
وكان غرضهم من الخداع الدفع عن أنفسهم أحكام الكفار من القتل والنهب وتعظيم المسلمين إياهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم واطلاعهم على أسرار المسلمين لاختلاطهم بهم.
والسؤال الذي يذكر ههنا من أنه لم أبقى المنافق على حاله من النفاق ولم يظهر أمره حتى لا يصل من أغراض الخداع إلى ما وصل؟
وأرد على استبقاء الكفار وسائر أعداء الدين، بل على استبقاء إبليس وذريته وتنحل العقدة في الجميع بما سلف لنا من الحقائق ولا سيما في تفسير قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقراءة من قرأ ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم ﴾ أي وما يعاملون تلك المعاملة المضاهية لمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأن مكرهاً يحيق بهم ودائرتها تدور عليهم لأن الله يدفع ضرر الخداع عن المؤمنين ويصرفه إليهم كقوله ﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ﴾ ويحتمل أن يراد حقيقة المخادعة لأنهم يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، وأنفسهم أيضاً تمنيهم وتحدثهم بالأكاذيب.
وأن يراد "وما يخدعون" فجيء به على لفظ يفاعلون للمبالغة.
والنفس ذات الشيء وحقيقته ولا يختص بالأجسام لقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ والشعور علم الشيء علم حس ومشاعر الإنسان حواسه.
والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.
والمرض حالة توجب وقوع الخلل في الأفعال الصادرة عن موضوعها، واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة بأن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض.
ومجازاً بأن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي، فإن صدورهم كانت تغلي على الرسول والمؤمنين غلاً وحنقاً { ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ وناهيك بما كان من ابن أبي، وقول سعد بن عبادة لرسول له اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة - وذلك شيء منظوم بالجواهر شبه التاج - أي يجعلوه ملكاً، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك.
أو يراد ما يداخل قلوبهم من الضعف والخور لأنهم كانوا يطمعون أن ريح الإسلام تهب حيناً ثم تركد، فكانت تقوى قلوبهم بذلك الطمع.
فلما شاهدوا شوكة المسلمين وإعلاء كلمة الحق وما قذف الله في قلوبهم من الرعب ضعفت جبناً وخوراً.
ومعنى زيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فكفروا به ازدادوا كفراً إلى كفرهم، فأسند الفعل إلى المسبب له كما أسند إلى السورة في قوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ وهذا كما قال الحكيم: البدن الغير النقي كلما فدوته زدته شراً.
وكلما زاد رسوله نصرة وتبسطاً ازدادوا حسداً وبغضاً.
ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع، ويحتمل أن يقال: الغل والحسد قد يفضي إلى تغير مزاج القلب ويؤدي إلى تلف صاحبه كقوله: اصبر على مضض الحسو *** د فإن صبرك قاتله النـــــــار تأكــــل نفســـــها *** إن لم تجد ما تأكلـه فإفضاء صاحبه إلى الهلاك هو المعني بالزيادة.
والأليم الوجيع.
ووصف العذاب به على طريقة قولهم "جد جده" والألم بالحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد.
والمراد بكذبهم قولهم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ .
وفي ترتب الوعيد على الكذب دليل على قبح الكذب وسماجته.
وما يروى عن إبراهيم أنه كذب ثلاث كذبات أحدها قوله ﴿ إني سقيم ﴾ وثانيها قوله لسارة حين أراد أن يغصبها ظالم "إنها أختي" وثالثها قوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا ﴾ فالمراد التعريض "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به.
والكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، وقد يعتبر فيه علم المخبر بكون المخبر عنه مخالفاً للخبر، والصدق نقيضه.
وقراءة من قرأ "يكذبون" بالتشديد إما من كذبه الذي هو نقيض صدقه، وإما من كذب الذي هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل "صدق" نحو: بان الشيء وبين الشيء ومنه قوله: قد بين الصبح لذي عينين *** أو بمعنى الكثرة نحو "موتت البهائم"، أو من قولهم "كذب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه" لأن المنافق متوقف متردد في أمره مذبذب بين ذلك.
وقال : "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" وما في قوله "بما كانوا" مصدرية أي بكذبهم، وكان مقحمة لتفيد الثبوت والدوام أي بسبب أن هذا شأنهم وهجيراهم.
البحث الثالث: في قوله ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدو في الأرض ﴾ إلى قوله }ولكن لا يشعرون}.
هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين.
فقوله "وإذا قيل" إما معطوف على "كانوا يكذبون" أي ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وبما كانوا إذا قيل لهم كذا قالوا كذا، وإما على "يقول" أي ومن الناس من إذا قيل له.
ويحتمل أن يقال الواو للاستئناف، وإسناد "قيل" إلى "لا تفسدوا" و "آمنوا" ليس من إسناد الفعل إلى الفعل فإنه لا يصح، ولكنه إسناد إلى لفظ الفعل.
أي وإذا قيل لهم هذا القول نحو: زعموا مطية الكذب.
والقائل لهم إما النبي إذا بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك نصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح، وإما بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبل منهم ويعظمهم، وإما بعض المؤمنين، ولا يجوز أن يكون القائل ممن لا يختص بالدين.
والفساد خروج الشيء عن أن يكون منتفعاً به، ونقيضه الصلاح وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة.
عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي أن المراد بالإفساد المنهي عنه إظهار معصية الله ، فإن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وضبطت الأموال وحفظت الفروج وكان ذلك صلاح الأرض وأهلها.
وأما إذا أهملت الشريعة وأقدم كل واحد على ما يهواه، اشتعلت نوائر الفتن من كل جانب، وحدثت المفاسد.
وقيل: هو مداراة المنافقين الكافرين ومخالطتهم إياهم لأنهم إذا مالوا إلى الكفار مع أنهم في الظاهر مؤمنون، أوْهَمَ ذلك ضعف أمر النبي وأصحابه فيصير سبباً لطمع الكفار في المؤمنين، فتهيج الفتن والحروب.
وقيل: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ويلقون الشبه ويفشون أسرار المؤمنين، ولما نهوا عن الإفساد في الأرض كان قولهم "إنما نحن مصلحون" كالمقابل له.
فههنا احتمالات: أحدها: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، فزعموا أنهم مصلحون.
وثانيها: إذا فسر الإفساد بموالاتهم الكافرين أن يكون مرادهم أن الغرض من تلك الموالاة هو الإصلاح بين المسلمين كقولهم فيما حكى الله ﴿ إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً ﴾ وثالثها: أن يكون المراد إنكار إذاعة أسرار المسلمين ونسبة أنفسهم إلى الاستقامة والسداد، وجيء بأداة القصر دلالة على أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت، أي حالنا مقصورة على الإصلاح لا تتعداه إلى غيره.
"وألا" مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، فيفيد التنبيه على تحقيق ما بعدها كقوله ﴿ أليس ذلك بقادر ﴾ ولإفادتها التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم.
وأختها التي هي "أما" من مقدمات اليمين وطلائعها.
قال: أما والذي أبكى وأضحك والذي *** أمات وأحيا والذي أمره الأمر رد الله ما ادعوه من الانضمام في زمرة المصلحين أبلغ رد من جهة الاستئناف، فإن ادعاءهم ذلك مع توغلهم في الفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكمهم، فرد الله عليهم.
وكان وروده بدون الواو هو المطابق، ومن جهة ما في "ألا" وفي "أن" من التأكيد، ومن قبيل تعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله "لا يشعرون".
البحث الرابع: في قوله ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا ﴾ الآية.
هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين، وذلك أن المؤمنين أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما: تقبيح ما كانوا عليه مما يجرّ إلى الفساد والفتنة، والثاني: دعوتهم إلى الطريقة المثلى من اتباع ذوي الأحلام.
وبعبارة أخرى أمرهم أولاً بالتخلية عما لا ينبغي، وثانياً بالتحلية بما ينبغي لأن كمال حال الإنسان في هاتين.
وكان من جوابهم فيما بينهم أو للقائل أن سفهوهم لتمادي سفههم، وفي هذا تسلية للعالم إذا لم يعرف حقه الجاهل.
وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل وما في "كما" يجوز أن تكون كافة تصحح دخول الجار على الفعل وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة كقولك: يكتب زيد كما يكتب عمرو، أو زيد صديقي كما عمرو أخي.
ويجوز أن تكون مصدرية مثلها في ﴿ بما رحبت ﴾ واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول ومن معه وهم ناس معهودون أي ليكن إيمانكم ثابتاً كما أن إيمان هؤلاء ثابت، أو ليحصل إيمانكم كحصول إيمان هؤلاء، أو آمنوا كما آمن عبد الله بن سلام وأتباعه لأنهم من جلدتهم أي كما آمن أصحابكم.
ويحتمل أن تكون للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية من الإقرار اللساني الناشئ عن الاعتقاد القلبي، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس ومن عداهم كالنسناس في عدم التمييز بين الحق والباطل.
والاستفهام في "أنؤمن" في معنى الإنكار، واللام في "السفهاء" مشار بها إلى الناس كقولك لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك.
فتقول: أوقد فعل السفيه؟
أو للجنس وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه وهو ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة يقال: تسفهت الريح الشجر إذا مالت به، قال ذو الرمة: جرين كما اهتزت رماح تسفهت *** أعاليها مر الرياح النواسم وإنما سفهو المؤمنين مع رجحان عقول أهل الإيمان، لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر الصحيح اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، ولأنهم كانوا في رياسة وثروة وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موالٍ كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم كما قال قوم نوح { ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ﴾ أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه لما غاظهم من إسلامهم وفتَّ في أعضائهم.
عن أنس "أنه سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله وهو في أرض مخترف، فاتى النبي فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي.
فما أوّل أشراط الساعة؟
وما أول طعام أهل الجنة؟
وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟
قال :أخبرني بهن جبريل آنفاً.
أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت.
وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الوالد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت.
قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني.
فجاءت اليهود فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟
قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا.
قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام.
قالوا: أعاذه الله من ذلك.
فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فقالوا: شرنا وابن شرنا فانتقصوه.
قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله" .
ثم إن الله ألقى عليهم هذا اللقب مقروناً بالمؤكدات التي بيناها في قوله "ألا إنهم هم المفسدون" وذلك أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفه فهو السفيه، وكذا من باع آخرته بدنياه.
قال : "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" وأيضاً من السفه معاداة المحمديين ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ .
كالطود يحقر نطحة الأوعال *** إنما فصلت هذه الآية "بلا يعلمون" والتي قبلها "بلا يشعرون" لأن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما النفاق وما يؤول إليه من الفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، وخصوصاً عند العرب في جاهليتهم.
وما كان قائماً بينهم من التحارب والتجاذب فهو كالمحسوس المشاهد، ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.
البحث الخامس: في قوله ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا ﴾ الآيات.
هذا هو النوع الرابع من قبائح أفعالهم، والفرق بين هذه الآية وبين قوله "ومن الناس من يقول آمنا" أن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان معاملتهم مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم.
عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم.
فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.
ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً.
فرجع المسلمون إلى النبي وأخبروه بذلك فنزلت.
ويقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه.
وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، ويجوز أن يكون من خلال بمعنى مضى، وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك، ومنه القرون الخالية، أو من خلوت به إذا سخرت منه وهو من قولك "خلا فلان بعرض فلان" عبث به، ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول: أحمد إليك فلاناً أو أذمه إليك أي أنهي إليك حمدي لفلان أو ذمي.
وعن ابن عباس: إني أحمد إليك عسل الإحليل أي أعلمكم أنه أمر محمود.
وشياطينهم رؤساؤهم وأكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم.
وهم إما أكابر المنافقين فالقائلون.
إنا معكم أي مصاحبوكم وموافقوكم على أمر دينكم أصاغرهم، وإما أكابر الكافرين فالقائلون يحتمل أن يكون جميع المنافقين.
وإنما فسرنا الشياطين بالرؤساء لأنهم هم القادرون على الإفساد في الأرض، وإنما خاطبوا المؤمنين بأضعف الجملتين وهي الفعلية، وشياطينهم بأقواهما أعني الاسمية المحققة بان لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان الناشئ عن صميم القلب منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان كاملون، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه وهكذا كل قول لم يصدر عن صدق رغبة وباعث داخلي، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على وجه التوكيد وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار القائلين "ربنا إننا آمنا" وإما مخاطبة إخوانهم فعن وفور نشاط ورغبة وفي حيز القبول والرواج فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد، وإنما فقد العاطف بين قوله "إنا معكم" وبين قوله "إنما نحن مستهزءون" الأوّل معناه الثبات على الكفر، والثاني ردّ للإسلام.
لأن المستهزئ بالشيء منكر له دافع، ودفع نقيض الشيء إثبات وتأكيد للشيء.
أو لأن الثاني بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو لأنه استئناف كأنه قيل: ما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام؟
فقالوا: إنما نحن مستهزءون.
والاستهزاء السخرية والاستخفاف، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع.
ثم إن الله أجابهم بأشياء: أحدها قول الله "يستهزئ بهم" وهو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، كأنه سئل ما مصير أمرهم وعقبى حالهم؟
فقيل: الله يستهزئ بهم.
وفي الالتفات من الحكاية إلى المظهر، أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي استهزاؤهم بالنسبة إلى ذلك كالعدم.
وفي تخصيص الله بالذكر مع قرينة أن المؤمنين هم الذين استهزئ بهم دلالة على أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.
فإن قيل: الاستهزاء جهالة ﴿ قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ فما معنى استهزاء الله بهم؟
قلنا: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم وهو المقصد الأقصى للمستهزئ، أو سمي جزاء الاستهزاء استهزاء مثل ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ أو عاملهم الله معاملة المستهزئ في الدنيا لأنه كان يطلع الرسول على أسرارهم مع كونهم مبالغين في إخفائها، وفي الآخرة على ما روي عن ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار، فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة - وأهل الجنة ينظرون إليهم - فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذلك قوله { ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون ﴾ فهذا هو الاستهزاء، وإنما لم يقل الله مستهزئ ليكون طبقاً لقوله "إنما نحن مستهزءُون" لأن المراد تجدد الاستهزاء بهم وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم ونزول الآيات في شأنهم { ﴿ أو لايرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴾ ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون ﴾ وثانيها قوله و"ويمدهم في طغيانهم" هو من مد الجيش أمده إذا زاده وألحق به ما يقوّيه، وكذلك مد الدواة والسراج زادهما ما يصلحهما.
وإنما قلنا: إنه من المدد لا من المد في العمر والإمهال لقراءة نافع في موضع آخر ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي ﴾ على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له قاله في الكشاف، وهو مخالف لنقل الجوهري مده في غيه أي أمهله.
والطغيان الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتوّ، ومعنى مدد الله إياهم في الطغيان يعرف من تفسير ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقد يوجه بأنه لما منعهم ألطافه التي منحها المؤمنين بقيت قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور في صدور المؤمنين، فسمي ذلك التزايد مدداً.
أو بأنه لم يقسرهم، أو بأنه أسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف، لأنه انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب.
ومن هذا القبيل ما قيل: إن النكتة في إضافة الطغيان إليهم هي أن يعلم أن التمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم، وأن الله بريء منه، فإن الانتهاء إلى الله لما كان ضرورياً فكيف يتبرأ من ذلك؟
"ويعمهون" في موضع الحال.
والعمه كالعمى، إلا أن العمى في البصر وفي الرأي، والعمه في الرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه.
وثالثها: قوله ﴿ أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ أي اختاروها عليه واستبدلوها به، وهذه استعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر قال أبو النجم: أخذت بالجمـة رأســـاً أزعرا *** وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمراً جيدراً *** كما اشترى المــلم إذ تنصرا وعن وهب قال الله فيما يعيب به بني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة.
جعلوا لتمكنهم من الهدى بحسب الفطرة الإنسانية الشخصية كأنه في أيديهم، فتركوه واستبدلوا به الضلالة وهي الجور عن القصد وفقد الاهتداء.
وفي المثل "ضل دريص نفقة" أي جحره، والدرص ولد الفأرة ونحوها، يضرب لمن يعيا بأمره.
فاستعيرت الضلالة للذهاب عن الصواب في الدين.
والربح الفضل على رأس المال، والتجارة مصدر وإنما أسند الخسران إليها وهو لصاحبها إسناداً مجازياً لملابسة التجارة بالمشترين.
وقد يقال: ربح عبدك وخسرت جاريتك مجازاً إذا دلت الحال.
ولما ذكر الله شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ما يشاكله ويواخيه من الربح والتجارة لتكون الاستعارة مرشحة كقوله: ولما رأيت النسر عز ابن دأية *** وعشش في وكريه جاش له صدري لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.
"وما كانوا مهتدين" لطرق التجارة لأن مطلوب التاجر في متصرفاته شيئان: سلامة رأس المال والربح.
وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة، والضلالة أمر عدمي فلا عوض ولا معوّض، فلا ربح ولا رأس المال.
وهكذا حال من يدعي الإرادة ولا يخرج من العادة ويريد الجمع بين مقاصد الدنيا ومصالح الدين، كالمنافق أراد الجمع بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من ههنا أدبر النهار من ههنا نعوذ بالله من الغواية، ونسأله أن يعصمنا من الضلالة بعد الهداية.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - في قوم خاص، عَلِمَ الله أَنهم لا يؤمنون فأَخبر عز وجل رسولَه بذلك، فكان كما قال.
وفيه آية النُّبوَّة.
ويحتمل أَيضاً: أَنهم لا يؤمنون ما داموا في كفرهم؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ والكافرون ما داموا كافرين ظالمون.
وقوله: ﴿ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ .
روي عن الحسن: "إن للكافر حدا إذا بلغ ذلك الحد، وعلم الله منه أنه لا يؤمن، طبعَ على قلبه حتى لا يؤمن".
وهذا فاسد على مذهب المعتزلة لوجهين: أحدهما: أَن مذهبهم أَن الكافر مكلف، وإن كان قلبه مطبوعاً عليه.
والثاني: أن الله - عز وجل - عالم بكل من يؤمن في آخر عمره، وبكل من لا يؤمن أَبداً، بلغ ذلك الحد أَو لم يبلغ.
فعلى ما يقوله الحسن إيهام أَنه لا يعلم ما لم يبلغ ذلك.
والمعتزلةُ يقولون: إن قوله: ﴿ خَتَمَ ﴾ ، و ﴿ طَبَعَ ﴾ يُعلم عَلاَمةً في قلبه أَنه لا يؤمن كإعلام الكتب والرسائل.
ولكن عندنا: خلق ظلمة الكفر في قلبه.
والثاني: خلق الختم والطبع على قلبه [إذا فَعَل فِعْل الكفر؛ لأَن] فِعْل الكفر من الكافر مخلوق عندنا، فخلق ذلك الختم عليه؛ وهو كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ أي: خلق الأَكنة.
وغيرهِ من الآيات.
والأَصل في ذلك: أَنه ختم على قلوبهم لما تركوا التأَمل، والتفكر في قلوبهم فلم يقع، وعلى سمعهم لما لم يسمعوا قول الحق والعدل، خلق الثقل عليه، وخلق على أَبصارهم الغطاءَ لما لم ينظروا في أَنفسهم، ولا في خلق الله ليعرفوا زوالها وفناءَها وتغير الأحوال؛ ليعلموا أن الذي خلق هذا دائِم لا يزول أَبداً.
وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ .
إخبار منهم أنهم قالوا ذلك بأَلسنتهم قولا، وأَظهروا خلاف ما في قلوبهم؛ فأَخبر عز وجل نبيّه عليه الصلاة والسلام: أَنهم ليسوا بمؤمنين، أي: بمصدقين بقلوبهم.
وكذلك قوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ .
وكذلك قوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ...
﴾ الآية [النساء: 65].
هذه الآيات كلها تنقض على الكراميَّةِ؛ لأَنهم يقولون: الإِيمان قول باللسان دون التصديق.
فأَخبر الله - عز وجل - عن جملة المنافقين أَنهم ليسوا بمؤمنين لما لم يأْتوا بالتصديق، وهذا يدل على أن الإِيمان تصديق بالقلب.
والكراميّة يقولون: بل هم مؤمنون.
وقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .
لا يقصد أحد مخادعة الله، لكنهم كانوا يقصدون مخادعة المؤمنين، وأَولياءِ الله، فأَضاف الله عز وجل ذلك إلى نفسه؛ لعِظم قدرهم، وارتفاع منزلتهم عند الله؛ وهو كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ، والله لا يحتاج أَن ينصر، ولكن كأَنه قال: إن تنصروا أولياء الله ينصركم؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ والله لا يُبايَع، ولكن إضافة ذلك إلى نفسه؛ لعظم قدر نبيه، وعلو منزلته عند الله ، فكذلك الأَول أَضاف مخادعتهم أَولياءَه إلى نفسه لعلو منزلتهم عند الله وقدرهم لديه.
والمخادعة هو فعل اثنين؛ لخداع هؤلاءِ بحضور المؤمنين؛ لذلك المعنى ذكر المفاعلة.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم ﴾ .
الأول: أي حاصل خداعهم، ووباله يرجع إليهم.
والثاني: أنهم يُظهرون لهم الموافقة ليأْمنوا، فلحقهم خوف دائم بذلك الخداع في الدنيا.
وقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .
الأَول: أي: ما يشعرون أَن حاصل الخداع يرجع إليهم في الآخرة.
والثاني: ما يشعرون أَن الله يظهر، ويطلع نبيه على ما أَضمروا هم في قلوبهم، و الله أعلم.
وقوله: ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ .
يقال: شكٌ ونفاق؛ سَمَّى عز وجل المنافقين مرضى؛ لاضطرابهم في الدين؛ لأَنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين بالقول، ويضمرون الخلاف لهم بالقلب؛ فكان حالهم كحال المريض الذي هو مضطرب بين الموت والحياة؛ إذ المريض يشرف - ربما - على الموت، ويرجو الإقبال عليه منه ثانياً؛ فهو مضطرب بين ذلك، فكذلك هم، لما كانوا مضطربين في دينهم سماهم مرضى.
وأما سائِر الكفرة فإنهم لم يضطربوا في الدين، بل أَظهروا بالقول على ما أَضمروا بالقلب؛ فسماهم موتى، لما لم ينتفعوا بحياتهم، ولم يكتسبوا الحياة الدائمة.
وسمى المؤمنين أَحياء؛ لما انتفعوا بحياتهم، واكتسبوا الحياة الدائمة، لموافقتهم باللسان والقلب جميعاً لدين الله - عز وجل - والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً ﴾ .
اختلف في تأْويله: قالت المعتزلة: هو التخلية بينهم وبين ما اختاروا.
وأما عندنا: فهُو على خلق أَفعال زيادة الكفر والنفاق في قلوبهم، لما زادوا هم في كل وقت من إظهار الموافقة للمؤمنين بالقول، وإضمار الخلاف لهم بالقلب، خلق الله عز وجل تلك الزيادة من المرض في قلوبهم باختيارهم.
وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم في قوله: ﴿ ٱهْدِنَا ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ .
لأَن عذاب الدنيا قد يكون ولا أَلم فيه؛ فأخبر الله عز وجل أن عذاب الآخرة عذاب شديد عظيم، ليس كعذاب الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
ومن الناس طائفة يزعمون أنهم مؤمنون، يقولون ذلك بألسنتهم خوفًا على دمائهم وأموالهم، وهم في الباطن كافرون.
<div class="verse-tafsir" id="91.JwW2b"
سمي يوم القيامة باليوم الآخر لأنه آخر الأيام، فإن اليوم الذي كانت به الحياة الأولى هو ابتداء طور جديد من الحياة ينتهي بالموت، ويوم القيامة ابتداء طور آخر لا موت بعده ..
...
قدمنا أن الكلام من أول السورة في القرآن وأقسام الناس بإزائه وذكرنا منهم ثلاث فرق: فرقتان لهما فيه هدى (إحداهما) المتقون، وبين حالهم بقوله ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ الخ...
ومنهم الذين كانوا يدعون الحنيفيين، والمنصفون من أهل الكتاب الذين كانوا ينتظرون إشراق نور الحق ليهتدوا به، كما تقدم.
(والثانية) هي المذكورة في قوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ إلخ..
وهم كل من آمن بالنبي من أهل الكتاب وغيرهم على التحقيق.
وبينا أنه يوجد بإزاء هاتين الطائفتين طائفتان أخريان لا ترجى هدايتهما بالقرآن: الأولى منهما هي المشروح حالها في قوله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ إلخ..
وهي كما قدمنا تنقسم إلى قسمين: جاحدين لا يسمعون ومعاندين يعرفون الحق ولا يذعنون.
وهذه الآيات التي نحن بصدد تفسيرها الآن هي المبينة لحال الفرقة الرابعة وهي فرقة من الناس توجد في كل آن وفي كل عصر.
وليست الآيات كما قيل في أولئك النفر من المنافقين الذين كانوا في عصر التنزيل،ولذلك قال تعالى في بيان حالهم ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ ولم يقل عنهم إنهم يقولون مع ذلك"وآمنا بك يا محمد"وما كان القرآن ليعتني بأولئك النفر الذين لم يلبثوا أن انقرضوا كل هذه العناية ويطيل في بيان حالهم أكثر مما أَطال في الأصناف الثلاثة الذين هم سائر الناس.
نعم إن الآيات على عمومها تتناول من كان منهم في عصر التنزيل تناولًا أوليًا وتصف حالهم وصفًا مطابقًا، وهي مع ذلك عبرة عامة شاملة لمن مضى ولمن يجيء من هذ الصنف إلى يوم القيامة، وقد كان ويكون من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس ومن كل طائفة تدعي أنها على دين، ولم يحك عنهم دعوى الإيمان بالأنبياء والأعمال الصالحة -مع أن منهم الذين يدعون ذلك- لأن الإيمان باليوم الآخر يتضمن ذلك، فهو إنما يعرف من قبل الأنبياء، وهذا ضرب من ضروب إيجاز القرآن التي بلغت حد الإعجاز.
قد يقال: كان في أولئك القوم من كانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر، كمنافقي اليهود، فلمَ كذبهم ونفى عنهم الإيمان نفيًا مطلقًا مؤكدًا بدخول الباء في خبر"ما"فقال ﴿ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي بداخلين في جماعة المؤمنين الصادقين البتة.
وهو أبلغ من نفي فعل الإيمان المطابق للفظهم والمقيد بالإيمان بالله وباليوم الآخر؟؟
والجواب: إن اعتقادهم التقليدي الضعيف لم يكن له أثر في أخلاقهم وأعمالهم، فلو حُصِّل ما في صدورهم، ومُحِّص ما في قلوبهم، وعرفت مناشئ الأعمال من نفوسهم، لوجد أن ما كان لهم من عمل صالح كصلاة وصدقة فإنما مبعثه رياء الناس، وحب السمعة، وهم من وراء ذلك منغمسون في الشرور، كالإفساد والكذب والغش والخيانة والطمع وغير ذلك من الرذائل التي حكاها عنهم الكتاب ونقلها رواة السنة، وهذه الأعمال تدل على أنهم لا يؤمنون بالله كما يحب ويرضى أن يؤمن به، وهو أن يشعر المؤمن بعظيم سلطانه، ويعلم أنه سبحانه مطلع على سره وإعلانه، لأنه مهيمن على السرائر، وعالم بما في الضمائر، فيرضيه بظاهره وباطنه.
بل كانوا يكتفون ببعض ظواهر العبادات يظنون أنهم يرضون الله تعالى بذلك، والعمل الظاهر الذي لا يصدقه الباطن إذا قصد به إرضاء آخر يسمى في اللغة مداجاة ومداراة ومخادعة، فإن كان يقصد به المخادعة فظاهر، وإلا فيكفي لصحة الإطلاق أن العمل عمل المخادع، لا عما الطائع الخاضع، وهذا مراد القرآن من مخادعة هؤلاء الذين هم أهل الكتاب المؤمنين بالله إيمانًا ناقصًا، لم يقدروا الله فيه حق قدره، ويستحيل أن يقصد المؤمن بالله تعالى مخادعته، ولكنهم لجهلهم بالله ظنوا به ما سوغ وصفهم بما ذكر عنهم.
فهذا هو معنى قوله تعالى ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .
وأما قوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ ﴾ فهو بيانه للواقع، فإن هذه الأعمال لا قيمة له عند الله خلافًا لما يتوهمونه عن غير هدى ولا بينة..
إذا رجع الإنسان إلى نفسه، وأصغى لمناجاة سره، يجد عندما يهم بعمل شيء أن في قلبه طريقين، وفي نفسه مختصمين، أحدهما يأمره بالعمل وسلوك الطريق الأعوج وآخر ينهاه عن العوج، ويأمره بالاستقامة على المنهج، ولا يترجح عنده باعث الشر، ولا يجيب داعي السوء، إلا إذا خدع نفسه بعد المشاورة والمذاكرة المطلوبة فيها، وصرفها عن الحق، وزين لها الباطل، وهذه الشؤون النفسية في غاية الخفاء، تكون المنازعة ثم المخادعة ثم الترجيح ويمر ذلك كله كلمح البصر، وربما لا يلتفت إليه الإنسان بفكره ولذلك قال ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ فإن الشعور هو إدراك ما خفي.
فمعنى نفي الشعور عن المنافقين في مخادعتهم لله تعالى أنهم يجرون في كذبهم وتلبيسهم وريائهم على ما ألفوا وتعودوا، فلا يحاسبون أنفسهم عليه، ولا يراقبون الله فيه، وما كلهم يؤمنون بوجود الله وإحاطة علمه، ومن يؤمن بوجوده لم يترب على خشيته ومراقبته، ولا يفكر فيما يرضيه وفيما يغضبه، فهو يعمل عمل المخادع له وما يشعر بذلك.
وأما مخادعتهم للمؤمنين فظاهرة لأنهم اتخذوهم أعداء وهو عاجزون عن إظهار عداوتهم، فأعمالهم التي يقصدون بها إرضاء المؤمنين كلها خداع ورياء..
هؤلاء المغرورون إذا عرض زاجر الدين بينهم وبين شهواتهم قام لهم من أنفسهم ما يسهل لهم أمره من أمل في الغفران، أو تأويل إلى غير المراد، أو تحريف إلى ما يخالف القصد من الخطاب، وذلك بما في نفوسهم من ملكات السوء المغشاة بصور من العقائد، الملونة بما يتجلى للأعين فيما يسمونه إيمانًا، وما هم في الحقيقة بمؤمنين، وإنما هم خادعون مخدوعون ولكنهم لما عمي عليهم من أمر أنفسهم لا يشعرون، لأن ذلك يمر في أنفسهم وهم عنه غافلون.
وفرق ظاهر بين ما تستحضره النفس من المعلومات وتستعرضه عندما تسأل عنه وما هو راسخ فيها من تلك المعلومات، بصيرورته ملكة في النفس متصرفة في الإرادة باعثة لها على العمل، فمن العلوم ما هو ثابت في النفس ممتزج بها، على النحو الذي ذكرنا فيتبع امتزاجه هذا تمكن ملكات أخر تصدر عنها الأعمال وهي ما يعبر عنه بالأخلاق والصفات كالكرم والشجاعة ونحوهما فإنها إنما تنطبع في النفس تبعًا للعلم الذي يلائمها، وهو العلم الحقيقي الذي تصدر عنه الأعمال وربما يغفل الإنسان عنه ولا يلاحظه عندما يعمل.
وفرق بين ملاحظة العلم واستحضاره، وبين وجوده وتحققه في نفسه.
ومن العلوم ما يلاحظ الإنسان أنه عنده، فهو صورة عند النفس تستحضره عند المناسبة ويغيب عنها عند عدمها، لأنه لم يشربه القلب ولم يمتزج بالنفس فيصير صفة من صفاتها الراسخة التي لا تزايلها، وهذا النوع من العلم يتعلق بما تعلق به النوع الأول، كعلم الحلال والحرام الذي يحصله طلبة الفقه الإسلامي مثلًا، وكعلم مزايا الفضيلة ورزايا الرذيلة الذي يخزنه طلاب علوم الآداب والأخلاق والنظار في كتب الأواخر والأوائل لتعزيز مادة العلم وتوسيع مجال القول وتوفير القدرة على حسن المنطق ونحو ذلك، فهذا العلم كالأداة المنفصلة عن العامل، يبقى في خزانة الخيال، تستحضره النفس عندما تدفعها الشهوة إلى تزيين ظاهر المقال، لا إلى تحسين باطن الحال، ولن يكون لهذا الضرب من العلم أدنى أثر في عمل من أعمال صاحبه.
وتسميته علمًا لأنه يدخل في تعريفه العام"صورة من الشيء حاضرة عند النفس"وعند التدقيق لا ترتفع به منزلته إلى أن يندرج في معنى العلم الحقيقي.
فاستحضار هذا العلم كاستحضار الكتاب واللوح وإدراك ما فيه، ثم الذهول عنه ونسيانه عند الاشتغال بشيء آخر.
فهؤلاء - الذين يخادعون أنفسهم ويخادعون الله تعالى- عندهم علم حقيقي تنبعث عنه أعمالهم، وإن كان باطلًا في نفسه، وهو تصديقهم بما في شهواتهم، من المصلحة لذواتهم، وهو الذي رجح عندهم اختيار ما فيه قضاؤه والانصباب إلى ما تدعو إليه، وهو ما أنساهم ما كانوا خزنوا في أنفسهم من صور الاعتقادات الدينية، فأبعدهم ذلك عن الاعتقاد الحقيقي الذي يعتد به وجعله رسمًا مخزونًا في الخيال، لا أثر له في الأفعال، يدعونه بألسنتهم، وتكذبهم في دعواهم أعمالهم وأحوالهم، ولذلك نسبهم إلى الدعوى القولية ولم يقل فيهم ما قال في ذلك الفريق الأول ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ فإنه هناك ذكر إيمانهم وقفى عليه بذكر العمل يشهد له، ومن هنا يعلم ما الإيمان الذي يعتد به القرآن، وهو يظهر لمن يقرأ القرآن ليحاسب به نفسه، ويزن إيمانه وأعماله بما حكم به على إيمان من قبله وأعمالهم، لا لمن يقرأه على أنه قصة تاريخية مات من يحكي عنها، واستثنى القارئ نفسه ممن حكم عليهم فيها.
فإن كان مات من كانوا سبب النزول فالقرآن حي لا يموت، ينطبق حكمه ويحكم سلطانه على الناس في كل زمان، فكل مؤمن بالله واليوم الآخر، ومع ذلك يصدر في عمله عن شهواته، ولا يمنعه إيمانه عن ركوب خطيئاته، فاعتقاده إنما هو خيال، لا يعلو عن لفظ في مقال، ودعوى عند جدال، فإذا ركن إلى هذا المعتقد فهو خادع لنفسه، مخادع لربه، يظن أن علام الغيوب لا ينظر إلى ما في القلوب.
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ عهد عند العرب التعبير عن العقول بالقلوب، والمرض ما يطرأ على العقول فيضعف تعلقها وإدراكها، والشك والوهم من أعراض هذا المرض، فهو ظلمة تعرض للعقل فتقف بشعاعه أن ينفذ إلى ما وراء التكاليف والأحكام من الأسرار والحكم.
وهذا النفوذ هو الفقه في الدين الذي يسوق النفس إلى الأخذ به ظاهرًا وباطنًا، وقد عبر القرآن عن فقد أمثال هؤلاء لهذا بقوله ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ وربما كان التعبير عن العقول بالقلوب في مثل هذا المقام، لأن القلب يظهر فيه أثر الوجدان الذي هو السائق إلى الأعمال، يظهر لك ذلك بما تجده من اضطراب قلبك عند اشتداد الخوف أو اشتداد الفرح، فإنك تحس بزيادة ضرباته وشدة نبضاته، فصورة الاعتقاد إذا تناولها العقل من طريق التقليد والتسليم، فجعلها في زاوية من زوايا الدماغ لم يكن لها سلطان على القلب ولا تأثير في الوجدان، واعتقاد لا يصحبه هذا السلطان ولا يصدر عنه هذا التأثير، لا يعتد الله تعالى به ولا يستفيد الإنسان منه كما تقدم آنفًا، فمن لم يطرق الإيمان قلبه بقوة البرهان، ولم يحل مذاقه منه في الوجدان، بحيث يكون هو المصرف له في أعماله، لا ينفعه إيمانه، إلا إذا تمرن على الأعمال الصالحة عن فهم وإخلاص، حتى يحدث لقلبه الوجدان الصالح، فأهل اليقين يبعثهم يقينهم على العمل الصالح، وأهل التقليد تلحقهم أعمالهم الصالحة بأهل اليقين في الانتفاع بإيمانهم، وهذا الفريق الذي تحكي عنه الآيات، وتصفه بالكذب والخداع، قد فقد الأمرين معًا، ولا صحة للقلب إلا بهمها، فمن فقدهما مرض ولا يلبث مرضه أن يقتله.
ولضعف العقل أسباب منها ما هو فطري كما هو حال أهل البله والعته، وهو الذي لا يكلف صاحبه ولا يلام، ومنها ما يكون من فساد التربية العقلية كما هو حال المقلدين الذين لا يستعملون عقولهم، وإنما يكتفون بما عليه قومهم من الأوهام والخيالات ويرين على قلوبهم ما يكسبونه من السيئات، وما يكونون عليه من التقاليد والعادات، ولا يعتنون بما أمر الله من تمزيق هذه الحجب، وإزالة هذه السحب، للوقوف على ما وراءها من مخدرات العرفان، ونجوم الفرقان وشموس الإيمان، بل يكتفون بما حكى الله عنهم في قوله ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ حتى يجيء اليوم الذي يقولون فيه ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾ .
كان في قلوبهم المرض قبل مجيء النذير وبيان الرشد من الغي، عندما كانوا في فترة، حظهم من الكتب قراءة ألفاظها ومن الأعمال إقامة صورها ﴿ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ بعد ما جاءهم البرهان المنير ببعثة البشير النذير، ووجدوا منه زعزعة في أنفسهم، ولكن أخذتهم العزة بالإثم فأبوا الإيمان، ونبوا عن القرآن، وزاد تمسكهم بما كانوا عليه واشتد حرصهم عليه، فكان شعاع النور الذي جاء به الرسول عمى في أعينهم ومرضًا على مرضهم، ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي عذاب مؤلم فوق هذه الأمراض، وأليم صيغة فعيل من ألم يألم فهو أليم وصف به العذاب نفسه ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ في دعواهم الإيمان بالله واليوم الآخر، فإنهم يصدقوا بأعمالهم، ما يزعمون من حالهم.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي يكذبون بالتخفيف أي بسبب تكذيبهم النبي والحكم في القراءتين، إثبات جمعهم للرذيلتين، أي الكذب في دعوى الإيمان، وتكذيب النبي والثانية سبب الأولى، وهم إنما كانوا يكذبونه في أنفسهم، وفيما بينهم إذا خلوا إلى شياطينهم والعذاب عقوبة عليهما معًا، أي على التكذيب وهو الكفر، وعلى الكذب في دعوى الإيمان وهو النفاق، وهؤلاء في باطنهم شر من الذين كفروا عنادًا من رؤساء قريش، فإنهم لم يكونوا يكذبونه وإنما كانوا يجحدون جحود استكبار.
قال تعالى ﴿ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ .
والقراءة الأولى هي المشهورة والعذاب فيها مقرون بالكذب لا بالتكذيب.
وقد يقال: لم جعل العذاب جزاء الكذب دون الكفر؟
والجواب أن الكفر داخل في هذا الكذب وإنما اختير لفظ الكذب في التعبير للتحذير عنه.
وبيان فظاعته وعظم جرمه، ولبيان أن الكفر من مشتملاته، وينتهي إليه في غاياته، ولذلك حذر القرآن منه أشد التحذير، وتوعد عليه أسوأ الوعيد، وما فشا الكذب في قوم إلا فشت فيهم كل جريمة وكبيرة، لأنه ينشأ من دناءة النفس وضعف الحياة والمروءة، ومن كان كذلك لا يترك قبيحًا إلا بالعجز عنه، نعوذ بالله تعالى من عمله ومنه.
<div class="verse-tafsir"