الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٩ من سورة البقرة
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 144 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٩ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله تعالى : ( يخادعون الله والذين آمنوا ) أي : بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر ، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك ، وأن ذلك نافعهم عنده ، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين ، كما قال تعالى : ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ) [ المجادلة : 18 ] ؛ ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله : ( وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) يقول : وما يغرون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم ، وما يشعرون بذلك من أنفسهم ، كما قال تعالى : ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ) [ النساء : 142 ] .
ومن القراء من قرأ : " وما يخادعون إلا أنفسهم " ، وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد .
قال ابن جرير : فإن قال قائل : كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعا ، وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية ؟
قيل : لا تمتنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية ، لينجو مما هو له خائف ، مخادعا ، فكذلك المنافق ، سمي مخادعا لله وللمؤمنين ، بإظهاره ما أظهر بلسانه تقية ، مما تخلص به من القتل والسباء والعذاب العاجل ، وهو لغير ما أظهر ، مستبطن ، وذلك من فعله - وإن كان خداعا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسه بذلك من فعله خادع ، لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها ، ويسقيها كأس سرورها ، وهو موردها حياض عطبها ، ومجرعها بها كأس عذابها ، ومزيرها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به ، فذلك خديعته نفسه ، ظنا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه إليها محسن ، كما قال تعالى : ( وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) إعلاما منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم عليها ربهم بكفرهم ، وشكهم وتكذيبهم ، غير شاعرين ولا دارين ، ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون .
وقال ابن أبي حاتم : أنبأنا علي بن المبارك ، فيما كتب إلي ، حدثنا زيد بن المبارك ، حدثنا محمد بن ثور ، عن ابن جريج ، في قوله تعالى : ( يخادعون الله ) قال : يظهرون لا إله إلا الله يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم ، وفي أنفسهم غير ذلك .
وقال سعيد ، عن قتادة : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) نعت المنافق عند كثير : خنع الأخلاق ، يصدق بلسانه وينكر بقلبه ويخالف بعمله ، يصبح على حال ويمسي على غيره ، ويمسي على حال ويصبح على غيره ، ويتكفأ تكفؤ السفينة ، كلما هبت ريح هب معها .
القول في تأويل جل ثناؤه: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا قال أبو جعفر: وخداعُ المنافق ربَّه والمؤمنينَ، إظهارُه بلسانه من القول والتصديق، خلافَ الذي في قلبه من الشكّ والتكذيب، ليدْرَأ عن نفسه، بما أظهر بلسانه، حكمَ الله عز وجلّ - اللازمَ مَن كان بمثل حاله من التكذيب، لو لم يُظْهِرْ بلسانه ما أظهرَ من التصديق والإقرار - من القَتْل والسِّباء.
فذلك خِداعُه ربَّه وأهلَ الإيمان بالله.
فإن قال قائل: وكيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مُخادِعًا، وهو لا يظهر بلسانه خلافَ ما هو له معتقدٌ إلا تَقِيَّةً؟
قيل: لا تمتنعُ العربُ من أنْ تُسمّي من أعطى بلسانه غيرَ الذي هو في ضميره تَقِيَّةً لينجو مما هو له خائف, فنجا بذلك مما خافه - مُخادِعًا لمن تخلص منه بالذي أظهر له من التَّقيّة.
فكذلك المنافق، سمي مخادعًا لله وللمؤمنين، بإظهاره ما أظهر بلسانه تقيَّةً، مما تخلَّص به من القتل والسِّباء والعذاب العاجل, وهو لغير ما أظهر مستبطِنٌ.
وذلك من فعلِه - وإن كان خِدَاعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسه بذلك من فعله خادعٌ، لأنه يُظهر لها بفعله ذلك بها، أنه يُعطيها أمنيَّتها، وُيسقيها كأسَ سُرورها, وهو مُورِدُها به حِياض عَطَبها, ومجَرِّعها به كأس عَذابها, ومُزِيرُها من غَضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به (49) .
فذلك خديعَتُه نفسه، ظَنًّا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه إليها محسن, كما قال جل ثناؤه: وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ، إعلامًا منه عبادَه المؤمنين أنَّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفُسهم في إسخاطهم رَّبهم بكُفْرهم وشكِّهم وتكذيبهم - غيرُ شاعرين ولا دارين, ولكنهم على عَمْيَاء من أمرِهم مُقيمون.
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك، كان ابن زيد يقول.
320- حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت عبد الرحمن بن زيد عن قوله الله جل ذكره: ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) إلى آخر الآية, قال: هؤلاء المنافِقُون، يخادعون الله ورسولَه والذين آمنوا, أنهم مؤمنون بما أظهروا (50) .
وهذه الآية من أوضح الدليل على تكذيب الله جلّ ثناؤه الزاعمين: أن الله لا يُعذِّب من عباده إلا من كَفَر به عنادًا, بعد علمه بوحدانيته, وبعد تقرُّر صحة ما عاندَ ربّه تبارك وتعالى عليه مِن تَوْحيده، والإقرار بكتبه ورُسله - عنده.
لأن الله جلّ ثناؤه قد أخبرَ عن الذين وَصفهم بما وصفهم به من النفاق، وخِداعهم إياه والمؤمنين - أنهم لا يشعرون أنهم مُبْطلون فيما هم عليه من الباطل مُقِيمون, وأنَّهم بخداعهم - الذي يحسبون أنهم به يُخادعون ربهم وأهلَ الإيمان به - مخدوعون.
ثم أخبر تعالى ذكره أنّ لهم عذابًا أليمًا بتكذيبهم بما كانوا يكذِّبون من نبوة نبيّه، واعتقاد الكفر به, وبما كانوا يَكذِبون في زعمهم أنهم مؤمنون, وهم على الكفر مُصِرُّون.
فإن قال لنا قائل: قد علمت أن " المُفاعلة " لا تكون إلا من فاعلَيْن, كقولك: ضاربتُ أخاك, وجالست أباك - إذا كان كل واحد مجالس صَاحبه ومضاربَه.
فأما إذا كان الفعلُ من أحدهما، فإنما يقال: ضربتُ أخاك، وجلست إلى أبيك, فمَنْ خادع المنافق فجاز أن يُقال فيه: خادع الله والمؤمنين؟
قيل: قد قال بعضُ المنسوبين إلى العلم بلغات العرب (51) : إنّ ذلك حرفٌ جاء بهذه الصورة أعني" يُخَادِع " بصورة " يُفَاعل "، وهو بمعنى " يَفْعَل "، في حروفٍ أمثالها شاذةٍ من منطقِ العرب, نظيرَ قولهم: قاتَلك الله, بمعنى قَتَلك الله.
وليس القول في ذلك عندي كالذي قال, بل ذلك من " التفاعل " الذي لا يكون إلا من اثنين، كسائر ما يُعرف من معنى " يفاعل ومُفاعل " في كل كلام العرب.
وذلك: أن المنافق يُخادع الله جل ثناؤه بكَذبه بلسانه - على ما قد تقدّم وصفه - والله تبارك اسمه خادِعُه، بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاةُ نفسه في آجل مَعادِه, كالذي أخبر في قوله: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [سورة آل عمران: 178]، وبالمعنى الذي أخبرَ أنه فاعلٌ به في الآخرة بقوله: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [سورة الحديد: 13]، فذلك نظيرُ سائر ما يأتي من معاني الكلام بـ " يُفاعِل ومُفاعل ".
وقد كان بعض أهل النحو من أهل البصرة يقول: لا تكون المفاعلة إلا من شيئين, ولكنه إنما قيل: " يُخادِعون الله " عند أنفسهم، بظنِّهم أن لا يعاقَبُوا, فقد علموا خلافَ ذلك في أنفسهم، بحجة الله تبارك اسمه الواقعة على خلقه بمعرفته، وما يخدعون إلا أنفسهم.
قال: وقد قال بعضُهم: وَمَا يَخْدَعُونَ يقول: يخدَعُون أنفسهم بالتَّخْلية بها (52) .
وقد تكون المفاعلة من واحد في أشياء كثيرة.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ إن قال قائل: أو ليس المنافقون قد خدعُوا المؤمنين - بما أظهرُوا بألسنتهم من قيل الحق - عن أنفسهم وأموالِهم وذَرَاريهم حتى سلمت لهم دنياهم، وإن &; 1-276 &; كانوا قد كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم؟
قيل: خَطأٌ أن يقال إنهم خَدعوا المؤمنين.
لأنَّا إذا قلنا ذلك، أوجبنا لهم حقيقةَ خدعةٍ جازت لهم على المؤمنين (53) .
كما أنَّا لو قلنا: قتل فلان فلانًا, أوجبنا له حقيقةَ قتلٍ كان منه لفلان.
ولكنا نقول: خادَع المنافقون رَبَّهم والمؤمنين, ولم يَخْدَعوهم بَل خَدعوا أنفسهم, كما قال جل ثناؤه, دون غيرها, نظيرَ ما تقول في رجل قاتَل آخر، فقتَل نفسَه ولم يقتُل صاحبه: قاتَل فلان فلانًا فلم يقتل إلا نفسه, فتوجبُ له مقاتَلةَ صاحبه, وتنفي عنه قتلَه صاحبَه, وتوجب له قتل نفسه.
فكذلك تقول: " خادَعَ المنافقُ ربَّه والمؤمنين فلم يخدعْ إلا نفسه "، فتثبت منه مخادعةَ ربه والمؤمنين, وتنفي عنه أن يكونَ خَدع غير نَفسه، لأن الخادعَ هو الذي قد صحّت الخديعة له، وَوقع منه فعلُها.
فالمنافقون لم يخدَعوا غيرَ أنفسهم, لأنّ ما كان لهم من مال وأهلٍ، فلم يكن المسلمون مَلَكوه عليهم - في حال خِداعهم إياهم عنه بنفاقهم وَلا قَبْلها - فيستنقِذُوه بخداعهم منهم, وإنما دافعوا عنه بكذبهم وإظهارهم بألسنتهم غيرَ الذي في ضمائرهم, ويحكُم الله لهم في أموالهم وأنفسهم وذراريهم في ظاهر أمورِهم بحُكْم ما انتسبوا إليه من الملّة, والله بما يُخْفون من أمورِهم عالم.
وإنما الخادع من خَتَل غيرَهُ عن شيئِه, والمخدوعُ غير عالم بموضع خديعةِ خادعِهِ.
فأما والمخادَع عارفٌ بخداعِ صاحبه إياه = غير لاحقِه من خداعه إيّاه مكروهٌ, بل إنما يَتجافى للظَّانّ به أنه له مُخادع، استدراجًا، ليبلغ غايةً يتكامل له عليه الحُجَّةُ للعقوبة التي هو بها مُوقع عند بلوغه إياها (54) ، والمُسْتَدرَج غيرُ عالم بحال نفسه عند مستدرِجِه, ولا عارف باطِّلاعه على ضميره, وأنّ إمهالَ مستدرِجِه إياه، تركه معاقبته على جرمه (55) ليبلغ المخاتِل المخادِعُ - من استحقاقه عقوبةَ مستدرِجِه، بكثرة إساءته، وطولِ عِصيانه إياه، وكثرة صفح المستدرِج، وطول عفوه عنه أقصى غايةٍ (56) = فإنما هو خادع نفسه لا شك، دون من حدّثته نفسه أنه له مخادعٌ.
ولذلك نَفى الله جل ثناؤه عن المنافق أن يكونَ خدَعَ غيرَ نفسه, إذ كانت الصِّفةُ التي وَصَفنا صفتَه.
وإذ كان الأمر على ما وصفنا من خِدَاع المنافق ربَّه وأهلَ الإيمان به, وأنه غير صائر بخداعه ذلك إلى خديعةٍ صحيحة إلا لنفسه دون غيرها، لما يُوَرِّطها بفعله من الهلاك والعطب - فالواجب إذًا أن يكون الصحيح من القراءة: ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ ) دون ( وما يخادعون ) لأن لفظ " المخادع " غير مُوجب تثبيتَ خديعةٍ على صحَّة, ولفظ " خادع " موجب تثبيت خديعة على صحة.
ولا شك أن المنافق قد أوْجبَ خديعة الله عز وجل لِنَفْسه بما رَكِبَ من خداعه ربَّه ورسولَه والمؤمنين - بنفاقه, فلذلك وجبَت الصِّحةُ لقراءة من قرأ: ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ ).
ومن الدلالة أيضًا على أن قراءة من قرأ: ( وَمَا يَخْدَعُونَ ) أولى بالصحة من قراءة من قرأ: ( وما يخادعون )، أن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يُخادعون الله والمؤمنين في أول الآية, فمحال أن يَنفي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه, لأن ذلك تضادٌّ في المعنى, وذلك غير جائزٍ من الله جلّ وعزّ.
القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: وَمَا يَشْعُرُونَ (9) يعني بقوله جل ثناؤه " وما يَشعرون "، وما يَدْرُون.
يقال: ما شَعَرَ فلانٌ بهذا الأمر, وهو لا يشعر به -إذا لم يَدْرِ ولم يَعْلم- شِعرًا وشعورًا.
وقال الشاعر: عَقَّـوْا بِسَـهمٍ وَلَـمْ يَشْـعُر بِـهِ أَحَـدٌ ثُـمَّ اسْـتَفَاءُوا وَقَـالُوا: حَـبَّذَا الوَضَحُ (57) يعني بقوله: لم يَشعر به، لم يدر به أحد ولم يعلم.
فأخبر الله تعالى ذكره عن المنافقين: أنهم لا يشعرون بأن الله خادِعُهم، بإملائه لهم واستدراجِه إياهم، الذي هو من الله جل ثناؤه إبلاغٌ إليهم في الحجة والمعذرة, ومنهم لأنفسهم خديعةٌ, ولها في الآجل مَضرة.
كالذي-: 321- حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قوله: ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ )، قال: ما يشعرون أنهم ضَرُّوا أنفسهم، بما أسَرُّوا من الكفر والنِّفاق.
وقرأ قول الله تعالى ذكره: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ، قال: هم المنافقون حتى بلغ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [سورة المجادلة: 18]، قد كان الإيمان ينفعهم عندكم (58) .
-------------- الهوامش : (49) في المطبوعة : "ومذيقها من غضب الله" ، وفي المخطوطة : "ومربدها .
.
.
" ، وفي تفسير ابن كثير 1 : 87"ومز برها .
.
.
" ، والصواب ما أثبتناه ، وأزاره : حمله على الزيارة .
وفي حديث طلحة : " .
.
.
حتى أزرته شعوب" ، وشعوب هي المنية ، أي أوردته المنية فزارها .
وجعلها زيارة ، وهي هلاك .
سخرية بهم واستهزاء ، لقبح غرورهم بربهم ، وفرحهم بما مد لهم من العمر والمال والمتاع .
(50) الأثر 320- في الدر المنثور 1 : 30 ، والشوكاني 1 : 30 بتمامه ، ويأتي تمامه في تفسير بقية الآية برقم : 321 .
(51) يعني أبا عبيدة في كتابه"مجاز القرآن" : 31 .
(52) يعني بقوله"بالتخلية بها" ، أي بالانفراد بها وإخفاء ما يبطنون من الكفر .
كأن أراد أن يجعل اشتقاق"يخدعون" من المخدع ، وهو البيت الصغير داخل البيت الكبير ، وأراد الستر الشديد لما يبطنون .
وأخلى بفلان يخلى به إخلاء : انفرد به في مكان خال .
واستعمل"التخلية" بمعنى أنه حمل على الخلوة ، كأنه حمل نفسه على الخلوة بها والانفراد ، ليخفى ما فيها .
وهذا الذي ذكره شرح لبقية الآية الذي سيأتي بعد .
(53) في المطبوعة : "جاءت لهم على المؤمنين" ، وهو خطأ .
(54) في المطبوعة : "التي هو بها موقع" ، وعنى : العقوبة التي هو موقعها به .
.
.
(55) في المطبوعة : "وأن إمهال مستدرجه ، وتركه إياه معاقبته على جرمه" ، وهو خطأ مفسد للمعنى .
(56) سياق هذه العبارة : "ليبلغ المخاتل المخادع .
.
.
أقصى غاية" ، وسياق الذي يليها من صدر الجملة : "فأما والمخادع عارف .
.
.
فإنما هو خادع نفسه .
.
.
" ، وما بينهما فصل طويل .
(57) الشعر للمتنخل الهذلي ، ديوان الهذليين 2 : 31 ، وأمالي القالي 1 : 248 ، وسمط اللآلئ 563 .
عقى بالسهم : رمى به في السماء لا يريد به شيئًا ، وأصله في الثأر والدية ، وذلك أنهم كانوا يجتمعون إلى أولياء المقتول بدية مكملة ، ويسألونهم قبول الدية .
فإن كانوا أقوياء أبوا ذلك ، وإلا أخذوا سهمًا ورموا به في السماء ، فإن عاد مضرجًا بدم ، فقد زعموا أن ربهم نهاهم عن أخذ الدية .
وإن رجع كما صعد ، فقد زعموا أن ربهم أمرهم بالعفو وأخذ الدية .
وكل ذلك أبطل الإسلام .
وفاء واستفاء : رجع .
والوضح : اللبن .
يهجوهم بالذلة والدناءة ، فأهدروا دم قتيلهم ، ورموا بالسهم الذي يزعمونه يأمرهم وينهاهم ، ورجعوا عن طلب الترة إلى قبول الدية ، وآثروا إبل الدية وألبانها على دم قاتل صاحبهم ، وقالوا في أنفسهم : اللبن أحب إلينا من القود وأنفع .
(58) الأثر 321- هو تمام الأثر الذي سلف : 320 .
قوله تعالى : يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرونقال علماؤنا : معنى يخادعون الله أي يخادعونه عند أنفسهم وعلى ظنهم .
وقيل : قال ذلك لعملهم عمل المخادع .
وقيل : في الكلام حذف ، تقديره : يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الحسن وغيره .
وجعل خداعهم لرسوله خداعا له ، لأنه دعاهم برسالته ، وكذلك إذا خادعوا المؤمنين فقد خادعوا الله .
ومخادعتهم : ما أظهروه من الإيمان خلاف ما أبطنوه من الكفر ، ليحقنوا دماءهم وأموالهم ، ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا ، قاله جماعة من المتأولين .
وقال أهل اللغة : أصل الخدع في كلام العرب الفساد ، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي .
وأنشد :أبيض اللون لذيذ طعمه طيب الريق إذا الريق خدع[ ص: 191 ] قلت : ف يخادعون الله على هذا ، أي يفسدون إيمانهم وأعمالهم فيما بينهم وبين الله تعالى بالرياء .
وكذا جاء مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما يأتي .
وفي التنزيل : يراؤون الناس .
وقيل : أصله الإخفاء ، ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء ، حكاه ابن فارس وغيره .
وتقول العرب : انخدع الضب في جحره .قوله تعالى : وما يخدعون إلا أنفسهم نفي وإيجاب ، أي ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم .
ومن كلامهم : من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه .
وهذا صحيح ، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن ، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه .
ودل هذا على أن المنافقين لم يعرفوا الله ; إذ لو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع ، وقد تقدم من قوله عليه السلام أنه قال : لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر قالوا : يا رسول الله ، وكيف يخادع الله ؟
قال : تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره .
وسيأتي بيان الخدع من الله تعالى كيف هو عند قوله تعالى : الله يستهزئ بهم .
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : يخادعون في الموضعين ، ليتجانس اللفظان .
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر : " يخدعون " الثاني .
والمصدر خدع ( بكسر الخاء ) وخديعة ، حكى ذلك أبو زيد .
وقرأ مورق العجلي : " يخدعون الله " ( بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الدال ) على التكثير .
وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بضم الياء وإسكان الخاء وفتح الدال ، على معنى وما يخدعون إلا عن أنفسهم ، فحذف حرف الجر ، كما قال تعالى : واختار موسى قومه أي من قومه .قوله تعالى : وما يشعرون أي يفطنون أن وبال خدعهم راجع عليهم ، فيظنون أنهم قد نجوا بخدعهم وفازوا ، وإنما ذلك في الدنيا ، وفي الآخرة يقال لهم : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا على ما يأتي .
قال أهل اللغة : شعرت بالشيء أي فطنت له ، ومنه الشاعر لفطنته ; لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعاني .
ومنه قولهم : ليت شعري ، أي ليتني علمت .
وإنما هذا مخادعة لله ولعباده المؤمنين.
والمخادعة: أن يظهر المخادع لمن يخادعه شيئا, ويبطن خلافه لكي يتمكن من مقصوده ممن يخادع، فهؤلاء المنافقون, سلكوا مع الله وعباده هذا المسلك, فعاد خداعهم على أنفسهم، فإن هذا من العجائب؛ لأن المخادع, إما أن ينتج خداعه ويحصل له ما يريد أو يسلم, لا له ولا عليه، وهؤلاء عاد خداعهم عليهم, وكأنهم يعملون ما يعملون من المكر لإهلاك أنفسهم وإضرارها وكيدها؛ لأن الله تعالى لا يتضرر بخداعهم [شيئا] وعباده المؤمنون, لا يضرهم كيدهم شيئا، فلا يضر المؤمنين أن أظهر المنافقون الإيمان, فسلمت بذلك أموالهم وحقنت دماؤهم, وصار كيدهم في نحورهم, وحصل لهم بذلك الخزي والفضيحة في الدنيا, والحزن المستمر بسبب ما يحصل للمؤمنين من القوة والنصرة.
ثم في الآخرة لهم العذاب الأليم الموجع المفجع, بسبب كذبهم وكفرهم وفجورهم, والحال أنهم من جهلهم وحماقتهم لا يشعرون بذلك.
{يخادعون الله}: أي يخالفون الله، وأصل الخدع في اللغة الإخفاء، ومنه المخدع للبيت الذي يخفى فيه المتاع فالمخادع يظهر خلاف ما يضمر.
والخدع من الله في قوله: {وهو خادعهم} [182-النساء] أي يظهر لهم ويعجل لهم من النعيم في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم من عذاب الآخرة.
وقيل: أصل الخدع: الفساد؛ معناه يفسدون ما أظهروا من الإيمان بما أضمروا من الكفر.
وقوله: {وهو خادعهم}: أي يفسد عليهم نعيمهم في الدنيا بما يصيرهم إليه من عذاب الآخرة.
-فإن قيل ما معنى قوله: {يخادعون الله} والمفاعلة للمشاركة وقد جل الله تعالى عن المشاركة في المخادعة؟
قيل: قد ترد المفاعلة لا على معنى المشاركة كقولك عافاك الله وعاقبت فلاناً، وطارقت النعل.
وقال الحسن: "معناه يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم"، كما قال الله تعالى: {إن الذين يؤذون الله} [57- الأحزاب] أي أولياء الله.
وقيل: ذكر الله ها هنا تحسين والقصد بالمخادعة الذين آمنوا كقوله تعالى: {فأن لله خمسه وللرسول} [41- الأنفال].
وقيل: معناه يفعلون في دين الله ما هو خداع في دينهم.
{والذين آمنوا}: أي و يخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم (آمنا) وهم غير مؤمنين.
{وما يخدعون} قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وما يخادعون كالحرف الأول وجعلوه من المفاعلة التي تختص بالواحد، وقرأ الباقون: وما يخدعون على الأصل.
{إلا أنفسهم}: لأن وبال خداعهم راجع إليهم؛ لأن الله تعالى يُطْلِع نبيه صلى الله عليه وسلم على نفاقهم فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب في العقبى.
{وما يشعرون}: أي لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم.
«يخادعون الله والذين آمنوا» بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية «وما يخدعون إلا أنفسهم» لأن وبال خداعهم راجع إليهم فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة «وما يشعرون» يعلمون أن خداعهم لأنفسهم، والمخادعة هنا من واحد كعاقبت اللص وذكر الله فيها تحسين، وفي قراءة وما يخدعون.
يعتقدون بجهلهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا بإظهارهم الإيمان وإضمارهم الكفر، وما يخدعون إلا أنفسهم؛ لأن عاقبة خداعهم تعود عليهم.
ومِن فرط جهلهم لا يُحِسُّون بذلك؛ لفساد قلوبهم.
( يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا ) .والخدع في أصل اللغة : الإِخفاء والإِبهام ، يقال خدعه - كمنعه - خدعا ، ختله وأراد به مكروها من حيث لا يعلم؛ وأصله من خدع الضب حارسه إذ أظهر الإِقبال عليه ثم خرج من باب آخر .وخداعهم لله - تعالى - معناه إظهارهم الإِيمان وإبطانهم الكفر ليحقنوا دماءهم وأموالهم ، ويفوزوا بسهم من الغنائم ، وسمى فعلهم هذا خداعاً لله - تعالى - لأن صورته صورة الخداع ، فالجملة الكريمة مسوقة على أسلوب المشاكلة ، ولا يجوز حملها على الحقيقة ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه صنع المنافقين؛ بل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .
قال - تعالى - ( إِنَّ المنافقين يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ )أما خداعهم للمؤمنين فمن مظاهره إظهارهم لهم أنهم إخوانهم في العقيدة وأنهم لا يريدون لهم إلا الخير .
بينما هم في الحقيقة يضمرون لهم إلا الخير .
بينما هم في الحقيقة يضمرون لهم العداوة ويتربصون بهم الدوائر .وجاءت الآية الكريمة هكذا بدون عطف ، لأنها جواب سؤال نشأ من الآية السابقة ، إذ أن قول المنافقين " آمنا " وما هم بمؤمنين ، يثير في نفس السامعين استفهاما عما يدعو هؤلاء لمثل تلك الحالة المضطربة والحياة القلقة المقامة على الكذب ، فكان الجواب : إنهم يفعلون ذلك محاولين مخادعة المؤمنين ، جهلا منهم بصفات خالقهم .وقال القرآن : ( يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا ) .
ولم يذكر مخادعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولعل الحكمة في ذلك أن القرآن يعتبر مخادعة لرسوله ، لأنه هو الذي بعثه إليهم ، وهو المبلغ عن الله أحكامه وشرائعه .
قال - تعالى - :( إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) وقال - تعالى ( مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ) ثم بين - سبحانه - غفلتهم وغباءهم فقال : ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ) .الأنفس : جمع نفس بمعنى ذات الشيء وحقيقته .
وتطلق على الجوهر اللطيف الذي يكون به الحس والحركة والإدراك .ويشعرون : مضارع شعر بالشيء - كنصر وكرم - يقال : شعر بالشيء أي : فطن له ، ومنه الشاعر لفطنته ، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعاني ودقائقها .والشعور : العلم الحاصل بالحواس ، ومنه مشاعر الإنسان أي : حواسه .والمعنى : أن هؤلاء المنافقين لم يخادعوا الله لعلمه بما يسرون ، ولم يخادعوا المؤمنين لأن الله يدفع عنهم ضرر خداع المنافقين ، وإنما يخدعون أنفسهم لأن ضرر المخادعة عائد عليهم ولكنهم لا يشعرون بذلك .
لأن ظلام الغي خالط قلوبهم ، فجعلهم عديمي الشعور ، فاقدى الحس .وأتى بجملة " وما يخدعون إلا أنفسهم " بأسلوب القصر مع أن خداعهم للمؤمنين قد ينالهم بسببه ضرر ، لأن أولئك المنافقين سيصيبهم عذاب شديد بسبب ذلك ، أما المؤمنون فحتى لو نالهم ضرر فلهم عند الله ثوابه .ونفى عنهم الشعور مع سلامة مشاعرهم ، لأنهم لم ينتفعوا من نعمتها ، ولم يستعملوها فيما خلقت له ، فكانوا كالفاقدين لها .
اعلم أن المفسرين أجمعوا على أن ذلك في وصف المنافقين قالوا: وصف الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين والكافرين والمنافقين فبدأ بالمؤمنين المخلصين الذين صحت سرائرهم وسلمت ضمائرهم، ثم أتبعهم بالكافرين الذين من صفتهم الإقامة على الجحود والعناد، ثم وصف حال من يقول بلسانه إنه مؤمن وضميره يخالف ذلك، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أعلم أن الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلص إلا بتقسيم نذكره فنقول: أحوال القلب أربعة، وهي الاعتقاد المطابق المستفاد عن الدليل وهو العلم؛ والاعتقاد المطابق المستفاد لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد، والاعتقاد الغير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك.
فهذه أقسام أربعة، وأما أحوال اللسان فثلاثة: الإقرار؛ والإنكار، والسكوت.
فيحصل من تركيباتها اثنا عشر قسماً.
النوع الأول: ما إذا حصل العرفان القلبي فهاهنا إما أن ينضم إليه الإقرار باللسان أو الإنكار باللسان أو السكوت.
القسم الأول: ما إذا حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان فهذا الإقرار إن كان اختيارياً فصاحبه مؤمن حقاً بالإتفاق، وإن كان اضطرارياً وهو ما إذا عرف بقلبه ولكنه يجد من نفسه أنه لولا الخوف لما أقر، بل أنكر، فهذا يجب أن يعد منافقاً؛ لأنه بقلبه منكر مكذب، فإذا كان باللسان مقراً مصدقاً وجب أن يعد منافقاً لأنه بقلبه منكر مكذب بوجوب الإقرار.
القسم الثاني: أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني فهذا الإنكار إن كان اضطرارياً كان صاحبه مسلماً، لقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ﴾ وإن كان اختيارياً كان كافراً معانداً.
القسم الثالث: أن يحصل العرفان القلبي ويكون اللسان خالياً عن الإقرار والإنكار، فهذا السكوت إما أن يكون اضطرارياً أو اختيارياً، فإن كان اضطرارياً فذلك إذا خاف ذكره باللسان فهذا مسلم حقاً أو كما إذا عرف الله بدليله ثم لما تمم النظر مات فجأة، فهذا مؤمن قطعاً، لأنه أتى بكل ما كلف به ولم يجد زمان الإقرار والإنكار فكان معذوراً فيه، وأما إن كان اختيارياً فهو كمن عرف الله بدليله ثم إنه لم يأت بالإقرار، فهذا محل البحث، وميل الغزالي رحمه الله إلى أنه يكون مؤمناً لقوله عليه السلام: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان».
وهذا الرجل قلبه مملوء من نور الإيمان فكيف لا يخرج من النار.
النوع الثاني: أن يحصل في القلب الاعتقاد التقليدي، فإما أن يوجد معه الإقرار، أو الإنكار أو السكوت.
القسم الأول: أن يوجد معه الإقرار، ثم ذلك الإقرار إن كان اختيارياً فهذا هو المسألة المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا؟
وإن كان اضطرارياً فهذا يفرع على الصورة الأولى، فإن حكمنا في الصورة الأولى بالكفر، فها هنا لا كلام، وإن حكمنا هناك بالإيمان وجب أن يحكم هاهنا بالنفاق، لأن في هذه الصورة لو كان القلب عارفاً لكان هذا الشخص منافقاً، فبأن يكون منافقاً عند التقليد كان أولى.
القسم الثاني: الاعتقاد التقليدي مع الإنكار اللساني، ثم هذا الإنكار إن كان اختيارياً فلا شك في الكفر، وإن كان اضطرارياً وحكمنا بإيمان المقلد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصورة.
القسم الثالث: الاعتقاد التقليدي مع السكوت اضطرارياً كان أو اختيارياً، وحكمه حكم القسم الثالث من النوع الأول إذا حكمنا بإيمان المقلد.
النوع الثالث: الإنكار القلبي فإما أن يوجد معه الإقرار اللساني، أو الإنكار اللساني، أو السكوت.
القسم الأول: أن يوجد معه الإقرار اللساني، فذلك الإقرار إن كان اضطرارياً فهو المنافق وإن كان اختيارياً فهو مثل أن يعتقد بناءً على شبهة أن العالم قديم ثم بالاختيار أقر باللسان أن العالم محدث، وهذا غير مستبعد، لأنه إذا جاز أن يعرف بالقلب ثم ينكر باللسان وهو كفر الجحود والعناد، فلم لا يجوز أن يجهل بالقلب ثم يقر باللسان؟
فهذا القسم أيضاً من النفاق.
القسم الثاني: أن يوجد الإنكار القلبي ويوجد الإنكار اللساني فهذا كافر وليس بمنافق، لأنه ما أظهر شيئاً بخلاف باطنه.
القسم الثالث: أن يوجد الإنكار القلبي مع السكوت اللساني فهذا كافر وليس بمنافق لأنه ما أظهر شيئاً.
النوع الرابع: القلب الخالي عن جميع الاعتقادات فهذا إما أن يوجد معه الإقرار أو الإنكار أو السكوت.
القسم الأول: إذا وجد الإقرار فهذا الإقرار إما أن يكون اختيارياً أو اضطرارياً، فإن كان اختيارياً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر، لكنه فعل ما لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا؟
وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً لم يكفر صاحبه، لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً.
القسم الثاني: القلب الخالي مع الإنكار باللسان وحكمه على العكس من حكم القسم العاشر القسم الثالث: القلب الخالي مع اللسان الخالي، فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا يحكم عليه بالنفاق البتة، فهذه هي الأقسام الممكنة في هذا الباب، وقد ظهر منه أن النفاق ما هو، وأنه الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ما في ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، وإذ عرفت هذا ظهر أن قوله: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله وباليوم الآخر ﴾ المراد منه المنافقون والله أعلم.
المسألة الثانية: اختلفوا في أن كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المنافق؟
قال قوم كفر الكافر الأصلي أقبح، لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان.
وقال آخرون بل المنافق أيضاً كاذب باللسان، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه، ولذلك قال تعالى: ﴿ قَالَتِ الأعراب ءامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ وقال: ﴿ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون ﴾ ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة.
أحدها: أنه قصد التلبيس والكافر الأصلي ما قصد ذلك.
وثانيها: أن الكافر عى طبع الرجال، والمنافق على طبع الخنوثة.
وثالثها: أن الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه ولم يرض إلا بالصدق، والمنافق رضي بذلك.
ورابعها: أن المنافق ضم إلى كفره الاستهزاء بخلاف الكافر الأصلي، ولأجل غلظ كفره قال تعالى: ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار ﴾ .
وخامسها: قال مجاهد: إنه تعالى ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات، ثم ثنى بذكر الكفار في آيتين ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية، وذلك يدل على أن المنافق أعظم جرماً.
وهذا بعيد، لأن كثرة الاقتصاص بخبرهم لا توجب كون جرمهم أعظم، فإن عظم فلغير ذلك، وهو ضمهم إلى الكفر وجوهاً من المعاصي كالمخادعة والاستهزاء، وطلب الغوائل إلى غير ذلك، ويمكن أن يجاب عنه بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم تدل على أن الاهتمام بدفع شرهم أشد من الاهتمام بدفع شر الكفار، وذلك يدل على أنهم أعظم جرماً من الكفار.
المسألة الثالثة: هذه الآية دالة على أمرين: الأول: أنها تدل على أن من لا يعرف الله تعالى وأقر به فإنه لا يكون مؤمناً، لقوله: ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ وقالت الكرامية: إنه يكون مؤمناً الثاني: أنها تدل على بطلان قول من زعم أن كل المكلفين عارفون بالله، ومن لم يكن به عارفاً لا يكون مكلفاً أما الأول فلأن هؤلاء المنافقين لو كانوا عارفين بالله وقد أقروا به لكان يجب أن يكون إقرارهم بذلك إيماناً، لأن من عرف الله تعالى وأقر به لابد وأن يكون مؤمناً وأما الثاني فلأن غير العارف لو كان معذوراً لما ذم الله هؤلاء على عدم العرفان، فبطل قول من قال من المتكلمين: إن من لا يعرف هذه الأشياء يكون معذوراً.
المسألة الرابعة: ذكروا في اشتقاق لفظ الإنسان وجوهاً: أحدها: يروى عن ابن عباس أنه قال: سمي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي، وقال الشاعر: سميت إنساناً لأنك ناسي *** وقال أبو الفتح البستي: يا أكثر الناس إحساناً إلى الناس *** وأكثر الناس إفضالاً على الناس نسيت عهدك والنسيان مغتفر *** فاغفر فأول ناس أول الناس وثانيها: سمي إنساناً لاستئناسه بمثله.
وثالثها: قالوا: الإنسان إنما سمي إنساناً لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون من قوله: ﴿ آنس مِن جَانِبِ الطور نَاراً ﴾ كما سمي الجن لاجتنانهم.
واعلم أنه لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقاً من شيء آخر وإلا لزم التسلسل، وعلى هذا لا حاجة إلى جعل لفظ الإنسان مشتقاً من شيء آخر.
المسألة الخامسة: قال ابن عباس: أنها نزلت في منافقي أهل الكتاب، منهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير، وجد ابن قيس، كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون إنا لنجد في كتابنا نعته وصفته ولم يكونوا كذلك إذا خلا بعضهم إلى بعض.
المسألة السادسة: لفظة من لفظة صالحة للتثنية، والجمع، والواحد.
أما في الواحد فقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ وفي الجمع كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾ والسبب فيه أنه موحد اللفظ مجموع المعنى، فعند التوحيد يرجع إلى اللفظ.
وعند الجمع يرجع إلى المعنى، وحصل الأمران في هذه الآية؛ لأن قوله تعالى: ﴿ يقُولُ ﴾ لفظ الواحد و ﴿ آمنا ﴾ لفظ الجمع وبقي من مباحث الآية أسئلة.
السؤال الأول: المنافقون كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر ولكنهم كانوا منكرين لنبوته عليه السلام فلم كذبهم في إدعائهم الإيمان بالله واليوم الآخر؟
والجواب: إن حملنا هذه الآية على منافقي المشركين فلا إشكال، لأن أكثرهم كانوا جاهلين بالله ومنكرين البعث والنشور وإن حملناها على منافقي أهل الكتاب وهم اليهود فإنما كذبهم الله تعالى لأن إيمان اليهود بالله ليس بإيمان، لأنهم يعتقدونه جسماً، وقالوا عزير بن الله، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ليس بإيمان، فلما قالوا آمنا بالله كان خبثهم فيه مضاعفاً لأنهم كانوا بقلوبهم يؤمنون به على ذلك الوجه الباطل، وباللسان يوهمون المسلمين بهذا الكلام إنا آمنا لله مثل إيمانكم، فلهذا كذبهم الله تعالى فيه.
السؤال الثاني: كيف طابق قوله: ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ قولهم: ﴿ آمنا بالله ﴾ والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل؟
والجواب: أن من قال فلان ناظر في المسألة الفلانية، فلو قلت إنه لم يناظر في تلك المسألة كنت قد كذبته، أما لو قلت إنه ليس من الناظرين كنت قد بالغت في تذكيبه، يعني أنه ليس من هذا الجنس، فكيف يظن به ذلك؟
فكذا هاهنا لما قالوا آمنا بالله فلو قال الله ما آمنوا كان ذلك تكذيباً لهم أما لما قال: ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ كان ذلك مبالغة في تكذيبهم، ونظيره قوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا ﴾ هو أبلغ من قولهم: وما يخرجون منها.
السؤال الثالث: ما المراد باليوم الآخر؟
الجواب: يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم، الذي لا ينقطع له أمد، ويجوز أن يراد به الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة.
وأهل النار النار؛ لأنه آخر الأوقات المحدودة، وما بعده فلا حد له.
<div class="verse-tafsir"
الختم والكتم أخوان؛ لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه.
والغشاوة: الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة.
فإن قلت: ما معنى الختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار؟
قلت: لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز، ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه وهما الاستعارة والتمثيل.
أما الاستعارة فأن تجعل قلوبهم لأن الحق لا ينفذ فيها ولا يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه واستكبارهم عن قبوله واعتقاده، وأسماعهم لأنها تمجه وتنبو عن الإصغاء إليه وتعاف استماعه كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لأنها لا تجتلي آيات الله المعروضة ودلائله المنصوبة كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين كأنما غطي عليها وحجبت، وحيل بينها وبين الإدراك.
وأمّا التمثيل فأن تمثل حيث لم يستنفعوا بها في الأغراض الدينية التي كلفوها وخلقوا من أجلها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها بالختم والتغطية.
وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان والعيّ ختماً عليه فقال: خَتَمَ الإله عَلى لِسَانِ عُذَافِرٍ ** خَتْماً فلَيْسَ عَلى الكلامِ بقَادِرِ وإذا أَرَادَ النَّطْقَ خِلْتَ لِسَانَهُ ** لَحْماً يُحَرِّكُهُ لِصَقْرٍ نَاقِرِ فإن قلت: فلم أسند الختم إلى الله تعالى وإسناده إليه يدل على المنع من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه وهو قبيح والله يتعالى عن فعل القبيح علواً كبيراً لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عنه.
وقد نص على تنزيه ذاته بقوله: ﴿ وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ [ق: 29] ، ﴿ وَمَا ظلمناهم ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين ﴾ [الزخرف: 76] ، ﴿ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء ﴾ [الأعراف: 28] ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل؟
قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها.
وأما إسناد الختم إلى الله عز وجل، فلينبه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخلقي غير العرضي.
ألا ترى إلى قولهم: فلان مجبول على كذا ومفطور عليه، يريدون أنه بليغ في الثبات عليه.
وكيف يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم؟
ويجوز أن تضرب الجملة كما هي، وهي ختم الله على قلوبهم مثلاً كقولهم: سال به الوادي، إذا هلك.
وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته؛ وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء؛ فكذلك مثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليها نحو قلوب الأغتام التي هي في خلوّها عن الفطن كقلوب البهائم، أو بحال قلوب البهائم أنفسها، أو بحال قلوب مقدّر ختم الله عليها حتى لا تعي شيئاً ولا تفقه، وليس له عزّ وجلّ فعل في تجافيها عن الحق ونبوّها عن قبوله، وهو متعال عن ذلك.
ويجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير الله لله، فيكون الختم مسنداً إلى اسم الله على سبيل المجاز.
وهو لغيره حقيقة.
تفسير هذا: أنّ للفعل ملابسات شتى.
يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له؛ فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة؛ وذلك لمضاهاتها للفاعل في ملابسة الفعل، كما يضاهي الرجل الأسد في جراءته فيستعار له اسمه، فيقال في المفعول به: عيشة راضية، وماء دافق.
وفي عكسه: سيل مفعم.
وفي المصدر: شعر شاعر، وذيل ذائل.
وفي الزمان نهاره صائم.
وليله قائم.
وفي المكان: طريق سائر، ونهر جار.
وأهل مكة يقولون: صلى المقام.
وفي المسبب: بنى الأمير المدينة، وناقة صبوث وحلوب.
وقال: إِذَا رَدَّ عَافِي الْقِدْرِ مَنْ يَسْتَعِيرُها فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر؛ إلا أنّ الله سبحانه لما كان هو الذي أقدره ومكنه، أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب.
ووجه رابع: وهو أنهم لما كانوا على القطع والبت ممن لا يؤمن ولا تغنى عنهم الآيات والنذر، ولا تجدى عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة إن أعطوها.
لم يبق بعد استحكام العلم بأنه لا طريق إلى أن يؤمنوا طوعاً واختياراً طريق إلى إيمانهم إلا القسر والإلجاء، وإذا لم تبق طريق إلا أن يقسرهم الله ويلجئهم ثم لم يقسرهم ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض في التكليف، عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم، إشعاراً بأنهم الذين ترامى أمرهم في التصميم على الكفر والإصرار عليه إلى حدّ لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء، وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغي واستشرائهم في الضلال والبغي.
ووجه خامس: وهو أن يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً بهم من قولهم: ﴿ في قُلُوبُنَا أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ [فصلت: 5] ونظيره في الحكاية والتهكم قوله تعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة ﴾ [البينة: 1] فإن قلت: اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية فعلى أيهما يعوّل؟
قلت: عل دخولها في حكم الختم لقوله تعالى: ﴿ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة ﴾ [الجاثية: 23] ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم.
فإن قلت: أيّ فائدة في تكرير الجارّ في قوله: ﴿ وعلى سمعهم ﴾ ؟
قلت: لو لم يكرّر لكان انتظاماً للقلوب والأسماع في تعدية واحدة؛ وحين استجدّ للأسماع تعدية على حدة، كان أدل على شدة الختم في الموضعين.
ووحد السمع كما وحد البطن في قوله: كلوا في بعض بطنكم تعفوا، يفعلون ذلك إذا أمن اللبس.
فإذا لم يؤمن كقولك: فرسهم، وثوبهم، وأنت تريد الجمع رفضوه.
ولك أن تقول: السمع مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع.
فلمح الأصل يدل عليه جمع الأذن في قوله: ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ [فصلت: 5] وأن تقدّر مضافاً محذوفاً: أي وعلى حواس سمعهم.
وقرأ ابن أبي عبلة: وعلى أسماعهم.
فإن قلت: هلا منع أبا عمرو والكسائي من إمالة أبصارهم ما فيه من حرف الاستعلاء وهو الصاد؟
قلت: لأنّ الراء المكسورة تغلب المستعلية، لما فيه من التكرير كأن فيها كسرتين، وذلك أعون شيء على الإمالة وأن يمال له ما لا يمال.
والبصر نور العين، وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات.
كما أن البصيرة نور القلب، وهو ما به يستبصر ويتأمل.
وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما الله فيهما آلتين للإبصار والاستبصار.
وقرئ ﴿ غِشاوةً ﴾ بالكسر والنصب.
و ﴿ غُشاةٌ ﴾ : بالضم والرفع.
و ﴿ غَشاوةً ﴾ : بالفتح والنصب.
و ﴿ غِشوةُ ﴾ : بالكسر والرفع.
و ﴿ غَشوةٌ ﴾ : بالفتح والرفع والنصب.
و ﴿ عشاوةٌ ﴾ : بالعين غير المعجمة والرفع، من العشا.
والعذاب: مثل النكال بناء ومعنى؛ لأنك تقول: أعذب عن الشيء، إذا أمسك عنه.
كما تقول: نكل عنه.
ومنه العذب؛ لأنه يقمع العطش ويردعه، بخلاف الملح فإنه يزيده.
ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخاً؛ لأنه ينقخ العطش أي يكسره.
وفراتاً، لأنه يرفته على القلب.
ثم اتسع فيه فسمى كل ألم فادح عذاباً، وإن لم يكن نكالاً أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة.
والفرق بين العظيم والكبير، أن العظم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، فكأن العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير.
ويستعملان في الجثث والأحداث جميعاً.
تقول: رجل عظيم وكبير، تريد جثته أو خطره.
ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله.
ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله.
اللَّهم أجرنا من عذابك ولا تبلنا بسخطك يا واسع المغفرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الخُدْعُ أنْ تُوهِمَ غَيْرَكَ خِلافَ ما تُخْفِيهِ مِنَ المَكْرُوهِ لِتُنْزِلَهُ عَمّا هو فِيهِ، وعَمّا هو بِصَدَدِهِ مِن قَوْلِهِمْ: خَدَعَ الضَّبُّ.
إذْ تَوارى في جُحْرِهِ، وضَبٌّ خادِعٌ وخَدِعٌ إذا أوْهَمَ الحارِشَ إقْبالَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِن بابٍ آخَرَ وأصْلُهُ الإخْفاءُ، ومِنهُ المَخْدَعُ لِلْخِزانَةِ، والأخْدَعانِ لِعِرْقَيْنِ خَفِيَّيْنِ في العُنُقِ، والمُخادِعَةُ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ.
وَخِداعُهم مَعَ اللَّهِ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، ولِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا خَدِيعَتَهُ.
بَلِ المُرادُ إمّا مُخادَعَةُ رَسُولِهِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ عَلى أنَّ مُعامَلَةَ الرَّسُولِ مُعامَلَةُ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ خَلِيفَتُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ﴾ .
﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ .
وإمّا أنَّ صُورَةَ صَنِيعِهِمْ مَعَ اللَّهِ تَعالى مِن إظْهارِ الإيمانِ واسْتِبْطانِ الكُفْرِ، وصُنْعَ اللَّهِ مَعَهم بِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وهم عِنْدَهُ أخْبَثُ الكُفّارِ وأهْلُ الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، اسْتِدْراجًا لَهم وامْتِثالَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ أمْرَ اللَّهِ في إخْفاءِ حالِهِمْ، وإجْراءَ حُكْمَ الإسْلامَ عَلَيْهِمْ مُجاراةً لَهم بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ صُورَةَ صَنِيعِ المُتَخادِعِينَ.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِ ﴿ يُخادِعُونَ ﴾ يَخْدَعُونَ لِأنَّهُ بَيانٌ لِيَقُولَ، أوِ اسْتِئْنافٌ بِذِكْرِ ما هو الغَرَضُ مِنهُ، إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ فِي زِنَةِ فاعَلَ لِلْمُغالَبَةِ، فَإنَّ الزِّنَةَ لَمّا كانَتْ لِلْمُغالَبَةِ والفِعْلُ مَتى غُولِبَ فِيهِ كانَ أبْلَغَ مِنهُ إذا جاءَ بِلا مُقابَلَةِ مُعارِضٍ ومُبارٍ اسْتَصْحَبَتْ ذَلِكَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (يَخْدَعُونَ) .
وكانَ غَرَضُهم في ذَلِكَ أنْ يَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما يَطْرُقُ بِهِ مَن سِواهم مِنَ الكَفَرَةِ، وأنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ما يُفْعَلُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الإكْرامِ والإعْطاءِ، وأنْ يَخْتَلِطُوا بِالمُسْلِمِينَ فَيَطَّلِعُوا عَلى أسْرارِهِمْ ويُذِيعُوها إلى مُنابِذِيهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأغْراضِ والمَقاصِدِ.
(وَما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ) قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو.
والمَعْنى: أنَّ دائِرَةَ الخِداعِ راجِعَةٌ إلَيْهِمْ وضَرَرَها يَحِيقُ بِهِمْ.
أوْ أنَّهم في ذَلِكَ خَدَعُوا أنْفُسَهم لَمّا غَرُّوها بِذَلِكَ.
وخَدَعَتْهم أنْفُسُهم حَيْثُ حَدَّثَتْهم بِالأمانِي الفارِغَةِ وحَمَلَتْهم عَلى مُخادَعَةِ مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
وَقَرَأ الباقُونَ ﴿ وَما يَخْدَعُونَ ﴾ ، لِأنَّ المُخادَعَةَ لا تُتَصَوَّرُ إلّا بَيْنَ اثْنَيْنِ وقُرِئَ و « يَخْدَعُونَ» مِن خَدَعَ و « يُخْدَعُونَ» بِمَعْنى يَخْتَدِعُونَ و « يُخْدَعُونَ» و « يُخادَعُونَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ونُصِبَ (أنْفُسَهُمْ) بِنَزْعِ الخافِضِ، والنَّفْسُ ذاتُ الشَّيْءِ وحَقِيقَتُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِلرُّوحِ لِأنَّ نَفْسَ الحَيِّ بِهِ، ولِلْقَلْبِ لِأنَّهُ مَحَلُّ الرُّوحِ أوْ مُتَعَلِّقُهُ، ولِلدَّمِ لِأنَّ قِوامَها بِهِ، ولِلْماءِ لِفَرْطِ حاجَتِها إلَيْهِ، ولِلرَّأْيِ في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُؤامِرُ نَفْسَهُ لِأنَّهُ يَنْبَعِثُ عَنْها أوْ يُشْبِهُ ذاتًا تَأْمُرُهُ وتُشِيرُ عَلَيْهِ.
والمُرادُ بِالأنْفُسِ هاهُنا ذَواتُهم ويُحْتَمَلُ حَمْلُها عَلى أرْواحِهِمْ وآرائِهِمْ.
وَما يَشْعُرُونَ لا يُحِسُّونَ لِذَلِكَ لِتَمادِي غَفْلَتِهِمْ.
جَعَلَ لُحُوقَ وبالِ الخِداعِ ورُجُوعَ ضَرَرِهِ إلَيْهِمْ في الظُّهُورِ كالمَحْسُوسِ الَّذِي لا يَخْفى إلّا عَلى مَؤْوُفِ الحَواسِّ.
والشُّعُورُ: الإحْساسُ، ومَشاعِرُ الإنْسانِ حَواسُّهُ، وأصْلُهُ الشِّعْرُ ومِنهُ الشِّعارُ.
<div class="verse-tafsir"
{يخادعون الله} أي رسول الله فحذف المضاف كقوله {واسأل القرية} كذا قاله أبو علي رحمه الله وغيره أى يظهرون غير مافى أنفسهم فالخداع إظهار غير ما في النفس وقد رفع الله منزلة النبي صلى الله عليه وسلم حيث جعل خداعه خداعه وهو كقوله {إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فوق أيديهم} وقيل معناه يخادعون الله في زعمهم لأنهم يظنون أن الله ممن يصح خداعه وهذا المثال يقع كثيراً لغير اثنين نحو قولك عاقبت اللص وقد قرئ يخدعون الله وهو بيان ليقول أو مستأنف كأنه قيل ولم يدعون الإيمان كاذبين ومامنفعتهم فى ذلك فقيل يخادعون الله ومنفعتهم في ذلك متاركتهم عن المحاربة التي كانت مع من سواهم من الكفار وإجراء أحكام المؤمنين عليهم ونيلهم من الغنائم وغير ذلك قال صاحب الوقوف الوقف لازم على بمؤمنين لأنه لو وصل لصار التقدير وما هم بمؤمينن مخادعين فينتفى الوصف كقولك ما هو برجل كاذب
البقرة (٩ _ ١١)
والمراد نفي الإيمان عنهم وإثبات الخداع لهم ومن جعل يخادعون حالاً من الضمير في يقول والعامل فيها يقول والتقدير يقول آمنا بالله مخادعين أو حالاً من الضمير في بمؤمنين والعامل فيها اسم الفاعل
والتقدير وما هم بمؤمنين في حال خداعهم لا يقف والوجه الأول {والذين آمنوا} أي يخادعون رسول الله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإضمار الكفر {وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ} أي وما يعاملون تلك المعالمة المشبهة بمعالمة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم وحاصل خداعهم وهو العذاب في الآخرة يرجع إليهم فكأنهم خدعوا أنفسهم وما يخادعون أبو عمرو ونافع ومكي للمطابقة وعذر الأولين أن خدع وخادع هنا بمعنى واحد والنفس ذات الشئ وحقيقته ثم قيل للقلب والروح النفس لأن النفس بهما وللدم نفس لأن قوامها بالدم وللماء نفس لفرط حاجتها إليه والمراد بالأنفس ههنا ذواتهم والمعنى بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لاصق بهم لا يعودهم إلى غيرهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} أن حاصل خداعهم يرجع إليهم والشعور علم الشئ علم حس من الشعار وهو ثوب يلي الجسد ومشاعر الإنسان حواسه لأنها آلات الشعور والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له
﴿ يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ ﴾ أصْلُ الخَدْعِ بِفَتْحِ الخاءِ، وكَسْرِها الإخْفاءُ والإيهامُ وقِيلَ: بِالكَسْرِ اسْمُ مَصْدَرٍ، ومِنهُ المَخْدَعُ لِلْخِزانَةِ والأخْدَعانِ لِعِرْقَيْنِ خَفِيَّيْنِ في مَوْضِعِ المَحْجَمَةِ، وخَدَعَ الضَّبُّ إذا تَوارى واخْتَفى، ويُسْتَعْمَلُ في إظْهارِ ما يُوهِمُ السَّلامَةَ، وإبْطالِ ما يَقْتَضِي الإضْرارَ بِالغَيْرِ، أوِ التَّخَلُّصِ مِنهُ، كَما قالَهُ الإمامُ، وقالَ السَّيِّدُ: هو أنْ يُوهِمَ صاحِبَهُ خِلافَ ما يُرِيدُ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ، وتُصِيبَهُ بِهِ، وفي الكَشْفِ التَّحْقِيقُ أنَّ الخَدْعَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ قائِمَةٌ بِالنَّفْسِ عَقِيبَ اسْتِحْضارِ مُقَدِّماتٍ في الذِّهْنِ مُتَوَصِّلٍ بِها تَوَصُّلًا يُسْتَهْجَنُ شَرْعًا أوْ عَقْلًا أوْ عادَةً إلى اسْتِجْرارِ مَنفَعَةٍ مِن نَيْلِ مَعْرُوفٍ لِنَفْسِهِ أوْ إصابَةِ مَكْرُوهٍ لِغَيْرِهِ، مَعَ خَفائِهِما عَلى المُوَجَّهِ نَحْوَهُ القَصْدُ، بِحَيْثُ لا يَتَأتّى ذَلِكَ النَّيْلُ أوِ الإصابَةُ بِدُونِهِ، أوْ لَوْ تَأتّى لَزِمَ فَوْتُ غَرَضٍ آخَرَ حَسَبَ تَصَوُّرِهِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ: (الحَرْبُ خُدْعَةٌ) مَجازًا، ولا تَخْفى غَرابَتُهُ، والمُخادَعَةُ مُفاعَلَةٌ، والمَعْرُوفُ فِيها أنْ يَفْعَلَ كُلُّ أحَدٍ بِالآخَرِ مِثْلَ ما يَفْعَلُهُ بِهِ، فَيَقْتَضِي هُنا أنْ يَصْدُرَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ اللَّهِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِنَ المُنافِقِينَ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالآخَرِ، وظاهِرُ هَذا مُشْكِلٌ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَخْدَعُ، ولا يُخْدَعُ، أمّا عَلى التَّحْقِيقِ، فَلِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ نَيْلٍ وإصابَةٍ واسْتِجْرارِ مَنفَعَةٍ لِنَفْسِهِ، وهو أيْضًا مُتَعالٍ عَلى التَّعَمُّلِ، واسْتِحْضارِ المُقَدِّماتِ، ولِأنَّهُ جَلَّ عَنْ أنْ يَحُومَ حَوْلَ سُرادِقاتِ جَلالِهِ نَقْصُ الِانْفِعالِ وخَفاءٌ مَعْلُومٌ ما عَلَيْهِ، وأمّا عَلى ما ذَكَرَهُ السَّيِّدُ فَلِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أجَلُّ مِن أنْ تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ أوْ يُصِيبَهُ مَكْرُوهٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْمُنافِقِينَ أنْ يَخْدَعُوهُ، ويُوقِعُوا في عِلْمِهِ خِلافَ ما يُرِيدُونَ مِنَ المَكْرُوهِ، ويُصِيبُونَهُ بِهِ مَعَ أنَّهم لِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ عالِمُونَ بِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ، والعاقِلُ لا يَقْصِدُ ما تَحَقَّقَ لَدَيْهِ امْتِناعُهُ، وأمّا أنَّهُ لا يُخْدَعُ، فَلِأنَّهُ وإنْ جازَ عِنْدَنا أنْ يُوقَعَ سُبْحانَهُ في أوْهامِ المُنافِقِينَ خِلافُ ما يُرِيدُهُ مِنَ المَكارِهِ لِيَغْتَرُّوا، ثُمَّ يُصِيبُهم بِهِ، لَكِنْ يَمْتَنِعُ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ لِما يُوهِمُهُ مِن أنَّهُ إنَّما يَكُونُ عَنْ عَجْزٍ عَنِ المُكافَحَةِ، وإظْهارِ المَكْتُومِ، لِأنَّهُ المَعْهُودُ مِنهُ في الإطْلاقِ، كَما في الِانْتِصافِ، ولِذا زِيدَ في تَفْسِيرِهِ مَعَ اسْتِشْعارِ خَوْفٍ، أوِ اسْتِحْياءٍ مِنَ المُجاهَرَةِ، وأمّا المُؤْمِنُونَ، وإنْ جازَ أنْ يَخْدَعُوا إلّا أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَقْصِدُوا خُدَعَ المُنافِقِينَ، لِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ، بَلْ مَذْمُومٌ مُسْتَهْجَنٌ، وهي أشْبَهُ شَيْءٍ بِالنِّفاقِ، وهم في غِنًى عَنْهُ، عَلى أنَّ الِانْخِداعَ المُتَمَدَّحَ بِهِ، هو التَّخادُعُ بِمَعْنى إظْهارِ التَّأثُّرِ دُونَهُ كَرَمًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ : «(المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ)،» لا الِانْخِداعُ الدّالُّ عَلى البَلَهِ، ولِذا قالَتْ عائِشَةُ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كانَ أعْقَلَ مِن أنْ يَخْدَعَ، وأفْضَلَ مِن أنْ يُخْدَعَ، ويُجابَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ صُورَةَ صَنِيعِهِمْ مَعَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ يَتَظاهَرُونَ بِالإيمانِ وهم كافِرُونَ، وصُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ تَعالى مَعَهم حَيْثُ أمَرَ بِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وهم عِنْدَهُ أهْلُ الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وصُورَةُ صَنِيعِ المُؤْمِنِينَ مَعَهم حَيْثُ امْتَثَلُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ، فَأجْرَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، تُشْبِهُ صُورَةَ المُخادَعَةِ، فَفي الكَلامِ إمّا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ في يُخادِعُونَ وحْدَهُ، أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ في الجُمْلَةِ، وحَيْثُ إنَّ ابْتِداءَ الفِعْلِ في بابِ المُفاعَلَةِ مِن جانِبِ الفاعِلِ صَرِيحًا، وكَوْنَ المَفْعُولِ آتِيًا بِمِثْلِ فِعْلِهِ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ مِن عَرْضِ الكَلامِ حَسُنَ إيرادُ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَمّا أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ صَرِيحًا، وكَوْنُ مُقْتَضى المَقامِ إيرادَ حالِهِمْ خاصَّةً كَما قالَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ مِمّا لا يَخْدِشُ هَذا الوَجْهَ الحَسَنَ، أوْ يُجابُ كَما قِيلَ: بِأنَّ المُرادَ مُخادَعَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ سَلَّمَ، وأُوقِعَ الفِعْلُ عَلى غَيْرِ ما يُوقَعُ عَلَيْهِ لِلْمُلابَسَةِ بَيْنَهُما، وهي الخِلافَةُ، فَهُناكَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ في النِّسْبَةِ الإيقاعِيَّةِ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى رَأْيِ مَن يَكْتَفِي بِالمُلابَسَةِ بَيْنَ ما هو لَهُ، وغَيْرِ ما هو لَهُ، وأمّا عَلى رَأْيِ مَن يَعْتَبِرُ مُلابَسَةَ الفِعْلِ بِغَيْرِ ما هو لَهُ بِأنْ يَكُونَ مِن مَعْمُولاتِهِ فَلا، عَلى أنَّهُ يَبْقى مِنَ الإشْكالِ أنْ لا خَدْعَ مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، ولا مَجالَ لِأنْ يَكُونَ الخَدْعُ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ حَقِيقَةً، ومِنَ الآخَرِ مَجازًا، لِاتِّحادِ اللَّفْظِ، وكَأنَّ المُجِيبَ إمّا قائِلٌ بِجَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، أوْ غَيْرُ قائِلٍ بِامْتِناعِ صُدُورِ الخَدْعِ مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ حَتّى يَتَأتّى لَهم ما يُرِيدُونَ مِن إعْلاءِ الدِّينِ، ومَصالِحِ المُسْلِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ (يَخْدَعُونَ)، والجَوابُ عَمّا يَلْزَمُ هو الجَوابُ فِيما لَزِمَ، وقَدْ تَأتّى فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، كَعافانِي اللَّهُ تَعالى وعاقَبْتُ اللِّصَّ فَلا بُعْدَ في حَمْلِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى ذَلِكَ، ويَكُونُ إيثارُ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِإفادَةِ المُبالَغَةِ في الكَيْفِيَّةِ، فَإنَّ الفِعْلَ مَتى غُولِبَ فِيهِ بُولِغَ بِهِ، أوْ في الكَمِّيَّةِ، كَما في المُمارَسَةِ والمُزاوَلَةِ، فَإنَّهم كانُوا مُداوِمِينَ عَلى الخَدْعِ (ويُخادِعُونَ) إمّا بَيانٌ لِـ(يَقُولُ) لا عَلى وجْهِ العَطْفِ إذْ لا يَجْرِي عَطْفُ البَيانِ في الجُمَلِ عِنْدَ النُّحاةِ، وإنْ أوْهَمَهُ كَلامُ أهْلِ المَعانِي، وإمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يَدَّعُونَ الإيمانَ كاذِبِينَ وماذا نَفَعَهُمْ؟
فَقِيلَ: يُخادِعُونَ إلَخْ، وهَذا في المَآلِ كالأوَّلِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَدَلًا مِن صِلَةِ (مَن) بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (يَقُولُ)، أيْ مُخادِعِينَ، وأبُو البَقاءِ: أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (مُؤْمِنِينَ)، ولَعَلَّ النَّفْيَ مُتَوَجِّهٌ لِلْمُقارَنَةِ، لا لِنَفْسِ الحالِ، كَما فِي: ما جاءَنِي زَيْدٌ، وقَدْ طَلَعَ الفَجْرُ، ﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ عَلى أنَّهُ قَدْ تُجْعَلُ الحالُ ونَحْوُها في مِثْلِ ذَلِكَ قَيْدًا لِلنَّفْيِ لا لِلْمَنفِيِّ كَما قَرَّرُوهُ في لَمْ أُبالِغْ في اخْتِصارِهِ تَقْرِيبًا، وجَعْلُ الجُمْلَةِ صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مَمْنُوعٌ لِمَكانِ النَّفْيِ والقَيْدِ، ولَيْسَتْ حالُ الصِّفَةِ كَصِفَةِ الحالِ، فَلا عَجَبَ في تَجْوِيزِ إحْداهُما، ومَنعِ الأُخْرى، كَما تَوَهَّمَهُ أبُو حَيّانَ في بَحْرِهِ، نَعَمِ التَّعَجُّبُ مِن كَوْنِ الجُمْلَةِ بَيانًا لِلتَّعَجُّبِ مِن كَوْنِهِمْ مِنَ النّاسِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ الغَرَضَ مِن مُخادَعَةِ هَؤُلاءِ لِمَن خادَعُوهُ كالغَرَضِ مِن نِفاقِهِمْ طِبْقَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، فَقَدْ قَصَدُوا تَعْظِيمَهم عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، والتَّطَلُّعَ عَلى أسْرارِهِمْ لِيُفْشُوها، ورَفْعَ القَتْلِ عَنْهُمْ، أوْ ضَرْبَ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، والفَوْزَ بِسَهْمٍ مِنَ الغَنائِمِ ونَحْوَ ذَلِكَ، وثَمَرَةُ مُخادَعَةِ مَن خادَعُوهُ إيّاهم إنْ كانَتْ حِكَمًا إلَهِيَّةً ومَصالِحَ دِينِيَّةً رُبَّما يُؤَدِّي تَرْكُها إلى مَفاسِدَ لا تُحْصى، ومَحاذِيرَ لا تُسْتَقْصى، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو (وما يُخادِعُونَ) وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (وما يَخْدَعُونَ)، وقَرَأ الجارُودُ وأبُو طالُوتَ (وما يُخْدَعُونَ) بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: (وما يُخادَعُونَ) بِفَتْحِ الدّالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا، وقَرَأ قَتادَةُ والعِجْلِيُّ: (وما يُخَدِّعُونَ) مِن خَدَّعَ، مُضاعَفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وبَعْضُهم بِفَتْحِ الياءِ، والخاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ المَكْسُورَةِ، وما عَدا القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ شاذَّةٌ وعَلَيْهِما نُصِبَ (أنْفُسَهُمْ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ الصِّرْفَةِ، أوْ مَعَ الفاعِلِيَّةِ مَعْنًى، وأمّا عَلى قِراءَةِ بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، فَهو إمّا عَلى إسْقاطِ الجارِّ أيْ في أنْفُسِهِمْ، أوْ عَنْ أنْفُسِهِمْ، أوْ عَلى التَّمْيِيزِ، عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، أوِ التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ عَلى زَعْمِ بَعْضِهِمْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِتَضْمِينِ الفِعْلِ يَتَنَقَّصُونَ مَثَلًا، ولا يُشْكِلُ عَلى قِراءَةِ (يُخادِعُونَ) أنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ حَصْرُ الخِداعِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى والمُؤْمِنِينَ، وقَدْ أُثْبِتَ أوَّلًا، وإنَّ المُخادَعَةَ إنَّما تَكُونُ في الظّاهِرِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَكَيْفَ يُخادِعُ أحَدٌ نَفْسَهُ، لِأنّا نَقُولُ: المُرادُ أنَّ دائِرَةَ الخِداعِ راجِعَةٌ إلَيْهِمْ، وضَرَرَها عائِدٌ عَلَيْهِمْ، فالخِداعُ هُنا هو الخِداعُ الأوَّلُ، والحَصْرُ بِاعْتِبارِ أنَّ ضَرَرَهُ عائِدٌ إلى أنْفُسِهِمْ، فَتَكُونُ العِبارَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَنِ انْحِصارِ ضَرَرِها فِيهِمْ، أوْ نَجْعَلُ لَفْظَ الخِداعِ مَجازًا مُرْسَلًا عَنْ ضَرَرِهِ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ، وكَوْنُهُ مَجازًا بِاعْتِبارِ الأوَّلِ كَما قالَهُ السَّعْدُ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهم خَدَعُوا أنْفُسَهم لَمّا غَرُّوها بِذَلِكَ، وخَدَعَتْهم حَيْثُ حَدَّثَتْهم بِالأمانِي الخالِيَةِ، فالمُرادُ بِالخِداعِ غَيْرُ الأوَّلِ، والمُخادِعُ والمُخادَعُ مُتَغايِرانِ بِالِاعْتِبارِ، فالخِداعُ عَلى هَذا مَجازٌ عَنْ إيهامِ الباطِلِ، وتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ الحَقِّ، وحَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ بَعِيدٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ مِنَ التَّجْرِيدِ كَقَوْلِهِ: لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهْدِيها ولا مالٌ فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لَمْ يُسْعِدِ الحالُ لا يَرْتَضِيهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، كالقَوْلِ بِأنَّ الكَلامَ مِن بابِ المُبالَغَةِ في امْتِناعِ خِداعِهِمْ لِلَّهِ تَعالى ولِلْمُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ كَما لا يَخْفى خِداعُ المُخادِعِ لِنَفْسِهِ، فَيَمْتَنِعُ خِداعُهُ لَها، يَمْتَنِعُ خِداعُ اللَّهِ تَعالى لِعِلْمِهِ، والمُؤْمِنُونَ لِاطِّلاعِهِمْ بِإعْلامِهِ تَعالى، أوِ الكِنايَةُ عَنْ أنَّ مُخالَفَتَهم ومُعاداتَهم لِلَّهِ تَعالى وأحْبابِهِ مُعامَلَةٌ مَعَ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى والمُؤْمِنِينَ يَنْفَعُونَهم كَأنْفُسِهِمْ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ التَّعْبِيرَ هُنا بِالمُخادَعَةِ لِلْمُشاكَلَةِ، مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنَ المُشاكِلِ والمُشاكَلِ مَجازًا، وكُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ، (والنَّفْسُ) حَقِيقَةُ الشَّيْءِ، وعَيْنُهُ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِالأجْسامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ ﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ وتُطْلَقُ عَلى الجَوْهَرِ البُخارِيِّ اللَّطِيفِ الحامِلِ لِقُوَّةِ الحَياةِ والحِسِّ والحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ، وسَمّاها الحَكِيمُ الرُّوحَ الحَيَوانِيَّةَ، وأوَّلُ عُضْوٍ تَحُلُّهُ القَلْبُ، إذْ هو أوَّلُ ما يُخْلَقُ عَلى المَشْهُورِ، ومِنهُ تَفِيضُ إلى الدِّماغِ، والكَبِدِ، وسائِرِ الأعْضاءِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَنبَتَ الأعْصابِ، إذْ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ العُضْوُ المُسْتَفِيدُ مُنْبِتًا لِآلَةِ الِاسْتِفادَةِ، وقِيلَ: الدِّماغُ، لِأنَّهُ المَنبَتُ ولَمْ تَقُمْ دِلالَةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلى ذَلِكَ، كَما في شَرْحِ القانُونِ لِلْإمامِ الرّازِيِّ، وكَثِيرًا ما تُطْلَقُ عَلى الجَوْهَرِ المُجَرَّدِ المُتَعَلِّقِ بِالبَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ والتَّصَرُّفِ، وهي الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ، المُرادَّةُ فِيمَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، وتُسَمّى النَّفْسَ النّاطِقَةَ وبِتَنَوُّعِ صِفاتِها تَخْتَلِفُ أسْماؤُها، وأحْظى الأعْضاءِ بِإشْراقِ أنْوارِها المَعْنَوِيَّةِ القَلْبُ أيْضًا، ولِذَلِكَ الشَّرَفِ قَدْ يُسَمّى نَفْسًا، وبَعْضُهم يُسَمِّي الرَّأْيَ بِها، والظّاهِرُ في الآيَةِ عَلى ما قِيلَ: المَعْنى الأوَّلُ، إذِ المَقْصُودُ بَيانُ أنَّ ضَرَرَ مُخادَعَتِهِمْ راجِعٌ إلَيْهِمْ، ولا يَتَخَطّاهم إلى غَيْرِهِمْ، ولَيْسَ بِالمُتَعَيِّنِ كَما لا يَخْفى، وتُطْلَقُ عَلى مَعانٍ أُخَرَ سَتَسْمَعُها مَعَ تَحْقِيقِ هَذا المَبْحَثِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وجُمْلَةُ ﴿ وما يَشْعُرُونَ ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ ومَفْعُولُ (يَشْعُرُونَ) مَحْذُوفٌ أيْ: وما يَشْعُرُونَ أنَّهم يَخْدَعُونَها، أوْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ، أوْ إطْلاعَ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى خِداعِهِمْ وكَذِبِهِمْ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ هَلاكَ أنْفُسِهِمْ، وإيقاعَها في الشَّقاءِ الأبَدِيِّ بِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، كَما رُوِيَ عَنْ زَيْدٍ أوِ المُرادُ: لا يَشْعُرُونَ بِشَيْءٍ، ويَحْتَمِلُ كَما في البَحْرِ أنْ يَكُونَ ﴿ وما يَشْعُرُونَ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْ: وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم غَيْرَ شاعِرِينَ بِذَلِكَ، ولَوْ شَعَرُوا لَما خادَعُوا، والشُّعُورُ الإدْراكُ بِالحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ، ويَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ قالَ الرّاغِبُ: شَعَرْتُ كَذا، يُسْتَعْمَلُ بِوَجْهَيْنِ، بِأنْ يُؤْخَذَ مِن مَسِّ الشَّعْرِ ويُعَبَّرَ عَنْهُ عَنِ اللَّمْسِ، ومِنهُ اسْتُعْمِلَ المَشاعِرُ لِلْحَواسِّ، فَإذا قِيلَ: فُلانٌ لا يَشْعُرُ، فَذَلِكَ أبْلَغُ في الذَّمِّ مِن أنَّهُ لا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ، لِأنَّ حِسَّ اللَّمْسِ أعَمُّ مِن حِسِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، وتارَةً يُقالُ: شَعَرْتُ كَذا، أيْ أدْرَكْتُ شَيْئًا دَقِيقًا مِن قَوْلِهِمْ: شَعَرْتُهُ أيْ أصَبْتُ شَعْرَهُ نَحْوَ أذَنْتُهُ، ورَأسْتُهُ، وكانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَشُقُّ الشَّعْرَ، إذا دَقَّ النَّظَرُ، ومِنهُ أُخِذَ الشّاعِرُ لِإدْراكِ دَقائِقِ المَعانِي انْتَهى، والآيَةُ تَحْتَمِلُ نَفْيَ الشُّعُورِ بِمَعْنى العِلْمِ، فَمَعْنى ﴿ لا يَشْعُرُونَ ﴾ لا يَعْلَمُونَ، وكَثِيرًا ما ورَدَ بِهَذا المَعْنى، وفي اللَّحاقِ نَوْعُ إشارَةٍ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ نَفْيُهُ بِمَعْنى الإدْراكِ بِالحَواسِّ، فَيُجْعَلُ مُتَعَلِّقُ الفِعْلِ كالمَحْسُوسِ الَّذِي لا يَخْفى إلّا عَلى فاقِدِ الحَواسِّ، ونَفْيُ ذَلِكَ نِهايَةُ الذَّمِّ، لِأنَّ مَن لا يَشْعُرُ بِالبَدِيهِيِّ المَحْسُوسِ مَرْتَبَتُهُ أدْنى مِن مَرْتَبَةِ البَهائِمِ، فَهم كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ، ولَعَلَّ هَذا أوْلى لِما فِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، مَعَ الدِّلالَةِ عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وهو أيْضًا أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ﴾ كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وأصل الخداع في اللغة هو الستر.
يقال للبيت الذي يخزن فيه المال: مخدع، والعرب تقول: انخدعت الضب في جحرها.
فكان المنافقون يظهرون الإيمان ويسترون نفاقهم وكفرهم فقال: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا أي يكذبون ويخالفون الله والذين آمنوا ويقال يظنون أنهم يخادعون الله والذين آمنوا، لأنه قد بين في سياق الآية حيث قال تعالى: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ.
روي عن الأخفش أنه قال: اجترءوا على الله، حتى ظنوا أنهم يخادعون الله.
وقال بكر بن جريج: يظهرون لا إله إلا الله، يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم وأنفسهم ويقال: يظهرون غير ما في أنفسهم.
وهذا موافق لما روي عن رسول الله أنه قال: علامة المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب.
وقوله: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ.
قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة الكسائي وَما يَخْدَعُونَ بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف وَمَا يخادعون.
وتفسير القراءتين واحد يعني: وبال الخداع يرجع إليهم ويضر بأنفسهم.
قوله: وَما يَشْعُرُونَ.
قال الكلبي: يعني وما يعلمون أن الله يطلع نبيه على كذبهم وقال بعضهم: معناه وما يشعرون أن وبال الخداع يرجع إليهم.
<div class="verse-tafsir"
به، حلالا كان أو حراما، ويُنْفِقُونَ: معناه هنا: يؤْتُونَ ما ألزمهُمُ الشرعُ من زكاةٍ، وما ندبهم إِلَيْهِ من غير ذلك.
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: اختلف المتأوِّلون من المراد بهذه الآية والتي قبلها، فقال قوم: الآيتان جميعاً في جميع المؤمنينَ، وقال آخرون: هما في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتاب، وقال آخرون: الآية الأولى في مُؤْمِنِي العربِ، والثانيةُ في مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام «١» وفيه نزلت.
وقوله: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ: يعني القرآن، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يعني: الكتب السالفة، ويُوقِنُونَ معناه: يعلَمُونَ عِلْماً متمكِّناً في نفوسهم، واليقين أعلى درجات العلم.
وقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ إِشارة إِلى المذكورين، والهدى هنا:
الإِرشاد، والفلاحُ: الظَّفَر بالبغية، وإدراك الأمل.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ...
إلى عَظِيمٌ: اختلف فيمن نزلَتْ هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامَّة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها، فقال قوم: هي فيمن سبق في علْمِ اللَّه، أنه لا يؤمِنُ، وقال ابن عَبَّاسٍ: نزَلَتْ في حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ، وأَبِي ياسِرِ بنِ أَخْطَبَ، وكعب بن الأَشْرَفِ «١» ، ونظرائهم «٢» .
والقولُ الأول هو المعتمد عليه.
وقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ معناه: معتدلٌ عندهم، والإِنذار: إعلام بتخويف، هذا حدُّه، وقوله تعالى: خَتَمَ: مأخوذ من الخَتْم، وهو الطبعُ، والخاتَمُ: الطابَعُ قال في مختصر الطبريِّ: والصحيح أن هذا الطبع حقيقة «٣»
لا أنه مجاز «١» فقد جاء عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم: «إنَّ العَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً، نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ، وَنَزَعَ واستغفر، صُقِلَ «٢» قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ، زَادَتْ حتى تَغَلَّقَ قلبه، فذلك
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخادِعُونَ اللَّهَ ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، والجَدُّ بْنُ القَيْسِ؛ إذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا: آمَنّا، ونَشْهَدُ أنَّ صاحِبَكم صادِقٌ، فَإذا خَلَوْا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
فَأمّا التَّفْسِيرُ، فالخَدِيعَةُ: الحِيلَةُ والمَكْرُ، وسُمِّيَتْ خَدِيعَةً، لِأنَّها تَكُونُ في خَفاءٍ.
والمَخْدَعُ: بَيْتٌ داخِلُ البَيْتِ تَخْتَفِي فِيهِ المَرْأةُ، ورَجُلٌ خادِعٌ: إذا فَعَلَ الخَدِيعَةَ، سَواءٌ حَصَلَ مَقْصُودُهُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، فَإذا حَصَلَ مَقْصُودُهُ قِيلَ: قَدْ خَدَعَ.
وانْخَدَعَ الرَّجُلُ: اسْتَجابَ لِلْخادِعِ، سَواءٌ تَعَمَّدَ الِاسْتِجابَةَ أوْ لَمْ يَقْصِدْها، والعَرَبُ تُسَمِّي الدَّهْرَ خِداعًا، لِتَلَوُّنِهِ بِما يُخْفِيهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وَفِي مَعْنى خِداعِهِمُ اللَّهَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا يُخادِعُونَ المُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّهم خادَعُوا اللَّهَ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يُخادِعُونَ نَبِيَّ اللَّهِ فَأقامَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مَقامَهُ كَما قالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّ الخادِعَ عِنْدَ العَرَبِ: الفاسِدُ.
وأنْشَدُوا: [أبْيَضُّ اللَّوْنِ لَذِيذٌ طَعْمُهُ ] طَيِّبُ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خَدَعَ.
أيْ: فَسَدَ.
رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ.
قالَ ابْنُ القاسِمِ: فَتَأْوِيلُ يُخادِعُونَ اللَّهَ: يُفْسِدُونَ ما يُظْهِرُونَ مِنَ الإيمانِ بِما يُضْمِرُونَ مِنَ الكُفْرِ.
والرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ في دِينِ اللَّهِ ما لُو فَعَلُوهُ بَيْنَهم كانَ خِداعًا.
والخامِسُ: أنَّهم كانُوا يُخْفُونَ كُفْرَهم ويُظْهِرُونَ الإيمانَ بِهِ.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: (وَما يُخادِعُونَ) وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ عامِرٍ: (يَخْدَعُونَ)، والمَعْنى: أنَّ وبالَ ذَلِكَ الخِداعُ عائِدٌ عَلَيْهِمْ.
وَمَتى يَعُودُ وبالُ خِداعِهِمْ عَلَيْهِمْ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: في دارِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ.
أحَدُهُما: بِالِاسْتِدْراجِ والإمْهالِ الَّذِي يَزِيدُهم عَذابًا.
بِاطِّلاعِ النَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ عَلى أحْوالِهِمُ الَّتِي أسَرُّوها.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ عَوْدَ الخِداعِ عَلَيْهِمْ في الآَخِرَةِ.
وفي ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَعُودُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ ضَرْبِ الحِجابِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ يَعُودُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ اطِّلاعِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلَيْهِمْ، فَإذا رَأوْهم طَمِعُوا في نَيْلِ راحَةِ مَن قَبْلَهم، فَقالُوا: ﴿ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ فَيُجِيبُونَهُمْ: ﴿ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ ﴾ .
*** قَوْلُهُ تَعالِي: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ: وما يَعْلَمُونَ.
وفي الَّذِي لَمْ يَشْعُرُوا بِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ إطْلاعُ اللَّهِ نَبِيَّهُ عَلى كَذِبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ إسْرارُهم بِأنْفُسِهِمْ بِكُفْرِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ يُخادِعُونَ اللهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ ﴾ كانَ أصْلُ النُونِ أنْ تُكْسَرَ لِالتِقاءٍ، لَكِنَّها تُفْتَحُ مَعَ الألِفِ واللامِ، ومَن قالَ اسْتُثْقِلَتْ كَسْرَتانِ تَتَوالى في كَلِمَةٍ عَلى حَرْفَيْنِ فَمُعْتَرِضٌ بِقَوْلِهِمْ: مِنِ ابْنِكَ ومِنِ اسْمِكَ وما أشْبَهَهُ، واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في لَفْظَةِ "الناسِ"، فَقالَ قَوْمٌ: هي مِن نَسِيَ، فَأصْلُ ناسٍ نَسِيَ قُلِبَ فَجاءَ نِيسَ، تَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا فَقِيلَ: ناسٌ، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللامُ، وقالَ آخَرُونَ: ناسٌ اسْمٌ مِن أسْماءِ الجُمُوعِ دُونَ هَذا التَعْلِيلِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ.
وقالَ آخَرُونَ: أصْلُ ناسٍ أُناسٌ، دَخَلَتِ الألِفُ واللامُ في الأُناسِ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ فَجاءَ الناسُ، أُدْغِمَتِ اللامُ في النُونِ لِقُرْبِ المَخارِجِ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ ﴾ رَجَعَ مِن لَفْظِ الواحِدِ إلى لَفْظِ الجَمْعِ بِحَسَبِ لَفْظِ "مِنٍ" ومَعْناها، وحَسُنَ ذَلِكَ، لِأنَّ الواحِدَ قَبْلَ الجَمْعِ في الرُتْبَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ مُتَكَلِّمٌ مِن لَفْظِ جَمْعٍ إلى تَوْحِيدٍ، لَوْ قُلْتَ: "وَمِنَ الناسِ مَن يَقُومُونَ ويَتَكَلَّمُ" لَمْ يَجُزْ.
وسَمّى اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ اليَوْمَ الآخِرَ لِأنَّهُ لا لَيْلَ بَعْدَهُ، ولا يُقالُ يَوْمٌ إلّا لِما تَقَدَّمَهُ لَيْلٌ، ثُمَّ نَفى تَعالى الإيمانَ عَنِ المُنافِقِينَ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى الكَرامِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: "إنَّ الإيمانَ قَوْلٌ بِاللِسانِ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدْ بِالقَلْبِ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُخادِعُونَ اللهَ ﴾ ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى يُخادِعُونَ رَسُولَ اللهِ، فَأضافَ الأمْرَ إلى اللهِ تَجَوُّزًا لِتَعَلُّقِ رَسُولِهِ بِهِ، ومُخادَعَتِهِمْ هي تُحِيلُهم في أنْ يُفْشِيَ رَسُولُ اللهِ والمُؤْمِنُونَ لَهم أسْرارَهم فَيَتَحَفَّظُونَ بِما يَكْرَهُونَهُ، ويَتَنَبَّهُونَ مِن ضَرَرِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما يُحِبُّونَهُ.
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: بَلْ يُخادِعُونَ اللهَ والمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ بِأنْ يَظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ خِلافَ ما أبْطَنُوا مِنَ الكُفْرِ، لِيَحْقِنُوا دِماءَهُمْ، ويُحْرِزُوا أمْوالَهُمْ، ويَظُنُّونَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا وخَدَعُوا وفازُوا، وإنَّما خَدَعُوا أنْفُسَهُمْ، لِحُصُولِهِمْ في العَذابِ، وما شَعَرُوا لِذَلِكَ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "يُخادِعُونَ" الثانِي، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو "يُخادِعُونَ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "وَما يَخْدَعُونَ"، وقَرَأ أبُو طالُوتَ عَبْدُ السَلامِ بْنِ شَدّادٍ، والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ "يَخْدَعُونَ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ قَتادَةُ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ "يُخَدِّعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الدالِ وشَدِّها، فَوَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ومَن ذَكَرَ إحْرازَ تَناسُبِ اللَفْظِ، وأنْ يُسَمّى الفِعْلُ الثانِي بِاسْمِ الفِعْلِ الأوَّلِ المُسَبِّبِ لَهُ، ويَجِيءُ ذَلِكَ كَما قالَ الشاعِرُ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا فَجُعِلَ انْتِصارُهُ جَهْلًا، ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزَعَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ "فاعِلَ" قَدْ تَجِيءُ مِن واحِدٍ، كَعاقَبْتُ اللِصَّ وطارَقْتُ النَعْلَ.
وتَتَّجِهُ أيْضًا هَذِهِ القِراءَةُ بِأنْ يَنْزِلَ ما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ، ويَهْجِسُ في خَواطِرِهِمْ، مِنَ الدُخُولِ في الدِينِ، والنِفاقِ فِيهِ، والكُفْرِ في الأمْرِ وضِدُّهُ في هَذا المَعْنى بِمَنزِلَةِ مُحاوَرَةِ أجْنَبِيَّيْنِ، فَيَكُونُ الفِعْلُ كَأنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: تَذَكَّرْ مِن أنّى ومِن أيْنَ شُرْبُهُ ∗∗∗ يُؤامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الآبِلُ وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ تَدْرِ ما لا ولَسْتَ قائِلَها ∗∗∗ عَمَّرَكَ ما عِشْتَ آخِرَ الأبَدِ ولَمْ تُؤامِرْ نَفْسَيْكَ مُمْتَرِيًا ∗∗∗ فِيها وفي أُخْتِها ولَمْ تَكَدِ وقالَ الآخَرُ: يُؤامِرُ نَفْسَيْهِ وفي العَيْشِ فُسْحَةٌ ∗∗∗ أيَسْتَرْجِعُ الذَوَبانُ أمْ لا يُطَوِّرُها؟
وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: وكُنْتُ كَذاتِ الضِنِيءِ لَمْ تَدْرِ إذْ بَغَتْ ∗∗∗ تُؤامِرُ نَفْسَيْها أتُسْرَقُ أمْ تَزْنِي؟
ووَجْهُ قِراءَةِ عاصِمٍ ومَن ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ هو خَدْعٌ لِأنْفُسِهِمْ يَمْضِي عَلَيْها، تَقُولُ: خادَعْتُ الرَجُلَ بِمَعْنى أعْمَلْتُ التَحَيُّلَ عَلَيْهِ فَخَدَعْتُهُ بِمَعْنى: تَمَّتْ عَلَيْهِ الحِيلَةُ، ونَفَذَ فِيهِ المُرادُ، والمَصْدَرُ خِدْعٌ بِكَسْرِ الخاءِ وخَدِيعَةٌ، حَكى ذَلِكَ أبُو زَيْدٍ، فَمَعْنى الآيَةِ: وما يُنَفِّذُونَ السُوءَ إلّا عَلى أنْفُسِهِمْ وفِيها.
وَوَجْهُ قِراءَةِ أبِي طالُوتَ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يُقَدِّرَ الكَلامَ وما يَخْدَعُونَ إلّا عن أنْفُسِهِمْ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ ووُصِلَ الفِعْلُ.
كَما قالَ تَعالى: ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ﴾ أيْ: مِن قَوْمِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ "يَخْدَعُونَ" أعْمَلَ عَمَلَ يَنْتَقِصُونَ لَمّا كانَ المَعْنى: وما يَنْقُضُونَ ويَسْتَلِبُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ لَيْلَةَ الصِيامِ الرَفَثُ إلى نِسائِكُمْ ﴾ ولا تَقُولُ: رَفَثْتُ إلى المَرْأةِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ بِمَعْنى الإفْضاءِ ساغَ ذَلِكَ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ وإنَّما يُقالُ: هَلْ لَكَ في كَذا، ولَكِنْ لَمّا كانَ المَعْنى: أجْذِبُكَ إلى أنْ تَزَكّى ساغَ ذَلِكَ وحَسُنَ، وهو بابٌ سَنِّيٌّ مِن فَصاحَةِ الكَلامِ.
ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: كَيْفَ تَرانِي قالَبًا مِجَنِّي ∗∗∗ قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي لَمّا كانَتْ قَتْلُ قَدْ دَخَلَها مَعْنى صَرَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها لَمّا كانَتْ رَضِيَتْ قَدْ تَضَمَّنَتْ مَعْنى أقْبَلَتْ عَلَيَّ.
وأمّا الكِسائِيُّ فَقالَ في هَذا البَيْتِ: وصَلَ رَضِيَ بِوَصْلِ نَقِيضِهِ وهو سَخِطَ، وقَدْ تُجْرى أُمُورٌ في اللِسانِ مَجْرى نَقائِضِها.
وَوَجْهُ قِراءَةِ قَتادَةَ المُبالَغَةُ في الخُدْعِ، إذْ هو مَصِيرٌ إلى عَذابِ اللهِ.
قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: خادَعَ مِن واحِدٍ لِأنَّ في المُخادَعَةِ مُهْلَةً، كَما يُقالُ: عالَجَتِ المَرِيضَ لِمَكانِ المُهْلَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِن دَقِيقِ نَظَرِهِ، وكَأنَّهُ يَرُدُّ فاعِلَ إلى الِاثْنَيْنِ ولا بُدَّ مِن حَيْثُ ما فِيهِ مُهْلَةٌ ومُدافَعَةٌ ومُماطَلَةٌ، فَكَأنَّهُ يُقاوِمُ في المَعْنى الَّذِي تَجِيءُ فِيهِ فاعِلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ مَعْناهُ: وما يَعْلَمُونَ عِلْمَ تَفَطُّنٍ وتَهَدٍّ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشِعارِ كَأنَّ الشَيْءَ المُتَفَطِّنَ لَهُ شِعارٌ لِلنَّفْسِ، والشِعارُ: الثَوْبُ الَّذِي يَلِي جَسَدَ الإنْسانِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَعْرِ، والشاعِرِ المُتَفَطِّنِ لِغَرِيبِ المَعانِي، وقَوْلُهم لَيْتَ شِعْرِي مَعْناهُ: لَيْتَ فِطْنَتِي تُدْرَكُ، ومِن هَذا المَعْنى، قَوْلُ الشاعِرِ: عَقْوًا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ ∗∗∗ ثُمَّ اسْتَفاؤُوا وقالُوا: حَبَّذا الوَضَحُ واخْتَلَفَ: ما الَّذِي نَفى اللهُ عنهم أنْ يَشْعُرُوا لَهُ؟
فَقالَتْ طائِفَةٌ: وما يَشْعُرُونَ أنَّ ضَرَرَ تِلْكَ المُخادَعَةِ راجِعٌ عَلَيْهِمْ لِخُلُودِهِمْ في النارِ، وقالَ آخَرُونَ: وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللهَ يَكْشِفُ لَكَ سِرَّهم ومُخادَعَتَهم في قَوْلِهِمْ: آمَنّا.
<div class="verse-tafsir"
جملة: ﴿ يخادعون ﴾ بدل اشتمال من جملة: ﴿ يقول آمنا بالله ﴾ [البقرة: 8] وما معها لأن قولهم ذلك يشتمل على المخادعة.
والخداع مصدر خادع الدال على معنى مفاعلة الخدع، والخدع هو فعل أو قول معه ما يوهم أن فاعله يريد بمدلوله نفع غيره وهو إنما يريد خلاف ذلك ويتكلف ترويجه على غيره ليغيره عن حالة هو فيها أو يصرفه عن أمر يوشك أن يفعله، تقول العرب: خدع الضب إذا أوهم حارشه أنه يحاول الخروج من الجهة التي أدخل فيها الحارش يده حتى لا يرقبه الحارش لعلمه أنه آخذه لا محالة ثم يخرج الضب من النافقاء.
والخداع فعل مذموم إلا في الحرب والانخداع تمشي حيلة المخادع على المخدوع وهو مذموم أيضاً لأنه من البله وأما إظهار الانخداع مع التفطن للحيلة إذا كانت غير مضرة فذلك من الكرم والحلم قال الفرزدق: استمطروا من قريش كل منخدع *** إن الكريمَ إذا خادعته انخدعا وفي حديث " المؤمن غر كريم " أي من صفاته الصفح والتغاضي حتى يظن أنه غر ولذلك عقبه بكريم لدفع الغرية المؤذنة بالبله فإن الإيمان يزيد الفطنة لأن أصول اعتقاده مبنية على نبذ كل ما من شأنه تضليل الرأي وطمس البصيرة ألا ترى إلى قوله: " والسعيد من وعظ بغيره " مع قوله: " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين "، وكلها تنادي على أن المؤمن لا يليق به البله وأما معنى «المؤمن غر كريم» فهو أن المؤمن لما زكت نفسه عن ضمائر الشر وخطورها بباله وحمل أحوال الناس على مثل حاله فعرضت له حالة استئمان تشبه الغرية قال ذو الرمة: تلك الفتاة التي علقتها عرضاً *** إِنَّ الحليم وذا الإسلام يختلب فاعتذر عن سرعة تعلقه بها واختلابها عقله بكرم عقله وصحة إسلامه فإن كل ذلك من أسباب جودة الرأي ورقة القلب فلا عجب أن يكون سريع التأثر منها.
ومعنى صدور الخداع من جانبهم للمؤمنين ظاهر، وأما مخادعتهم الله تعالى المقتضية أن المنافقين قصدوا التمويه على الله تعالى مع أن ذلك لا يقصده عاقل يعلم أن الله مطلع على الضمائر والمقتضية أن الله يعاملهم بخداع، وكذلك صدور الخداع من جانب المؤمنين للمنافقين كما هو مقتضى صيغة المفاعلة مع أن ذلك من مذموم الفعل لا يليق بالمؤمنين فعله فلا يستقيم إسناده إلى الله ولا قصد المنافقين تعلقه بمعاملتهم لله كل ذلك يوجب تأويلاً في معنى المفاعلة الدال عليه صيغة ﴿ يخادعون ﴾ أو في فاعله المقدر من الجانب الآخر وهو المفعول المصرح به.
فأما التأويل في ﴿ يخادعون ﴾ فعلى وجوه: أحدها: أن مفعول خَادع لا يلزم أن يكون مقصوداً للمخادِع بالكسر إذ قد يقصد خداع أحد فيصادف غيره كما يخادع أحد وكيلَ أحد في مال فيقال له أنت تخادع فلاناً وفلاناً تعني الوكيل وموكِّلَه، فهم قصدوا خداع المؤمنين لأنهم يكذّبون أن يكون الإسلام من عند الله فلما كانت مخادعتهم المؤمنين لأجل الدِّين كان خداعهم راجعاً لشارع ذلك الدين، وأمَّا تأويل معنى خداع الله تعالى والمؤمنين إياهم فهو إغضاء المؤمنين عن بوادرهم وفلتات أَلسُنهم وكبواتتِ أفعالهم وهفواتِهم الدال جميعها على نفاقهم حتى لم يزالوا يعاملونهم معاملة المؤمنين فإن ذلك لما كان من المؤمنين بإذن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لقد نهى من استأذنه في أن يقتل عبدَ الله بن أبي ابن سلول، كان ذلك الصنيع بإذن الله فكان مرجعه إلى الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ﴾ في سورة النساء (142)، كما رجع إليه خداعُهم للمؤمنين، وهذا تأويل في المخادعة من جانبيها، كل بما يلائمه.
الثاني: } ما ذكره صاحب «الكشاف» أن ﴿ يخادعون ﴾ استعارة تمثيلية تشبيهاً للهيئة الحَاصلة من معاملتهم للمؤمنين ولدين الله، ومن معاملة الله إياهم في الإملاء لهم والإِبْقاء عليهم، ومعاملة المؤمنين إياهم في إجراء أحكام المسلمين عليهم، بهيئة فعل المتخادعَين.
الثالث: أن يكون خادع بمعنى خدع أي غير مقصود به حصول الفعل من الجانبين بل قَصْدُ المبالغة.
قال ابن عطية عن الخليل: يقال خَادع مِنْ واحد لأن في المخادعة مُهْلةً كما يقال عَالجت المريضَ لمكان المهلة، قال ابن عطية كأنه يرد فَاعَل إلى اثنين ولا بُدَّ من حيثُ إن فيه مهلة ومدافعة ومماطلة فكأنه يقاوم في المعنى الذي يجيء فيه فاعَلَ ا ه.
وهذا يرجع إلى جعل صيغة المفاعلة مستعارة لِمعنى المبالغة بتشبيه الفعل القوي بالفعل الحاصل من فاعَلْين على وجه التبَعية، ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن عامر ومن معه: (يخْدَعون الله).
وهذا إنما يدفع الإشكال عن إسناد صدور الخداع من الله والمؤمنين مع تنزيه الله والمؤمنين عنه، ولا يدفع إشكال صدور الخداع من المنافقين لله.
وأما التأويل في فَاعِل ﴿ يخادعون ﴾ المقدَّر وهو المفعول أيضاً فبأن يُجعل المراد أنهم يخادعون رسول الله فالإسناد إلى الله تعالى إما على طريقة المجاز العقلي لأجل الملابسة بين الرسول ومُرسله وإما مجازٌ بالحذف للمضاففِ، فلا يكون مرادهم خداعَ الله حقيقة، ويبقى أن يكون رسول الله مخدوعاً منهم ومخادعاً لهم، وأما تجويز مخادعة الرسول والمؤمنين للمنافقين لأنها جزاءٌ لهم على خداعهم فذلك غير لائق.
وقوله: ﴿ يخادعون الله ﴾ قرأه نافع وابن كثير وأبو عَمرو وخلَف (يخادعون) بألف بعد الخاء وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب (يخْدَعون) بفتح التحتية وسكون الخاء.
وجملة ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم ﴾ حال من الضمير في ﴿ يُخادعون ﴾ الأول أي يخادعون في حال كونهم لا يخادعون إلا أنفسهم أي خداعهم مقصور عن ذواتهم لا يرجع شيء منه إلى الله والذين آمنوا، فيتعين أن الخداع في قوله ﴿ وما يخادعون ﴾ عينُ الخِداع المتقدم في قوله: ﴿ يخادعون الله ﴾ فَيَرِد إشكال صحة قصر الخِداع على أنفسهم مع إثبات مخادعتهم الله تعالى والمؤمنين.
وقد أجاب صاحب «الكشاف» بما حاصله أن المخادعة الثانية مستعملة في لازم معنى المخادعة الأولى وهو الضُّر فإنها قد استعملت أولاً في مطلق المعاملة الشبيهة بالخداع وهي معاملة الماكر المستخف فأطلق عليها لفظُ المخادعة استعارة ثم أطلقت ثانياً وأريد منها لازِم معنى الاستعارة وهو الضُر لأن الذي يعامَل بالمكر والاستخفاف يتصدى للإنتقام من معامِلِه فقد يجد قدرة من نفسه أو غِرَّةً من صاحبه فيضره ضراً فصار حصول الضر للمعامِل أمراً عرفياً لازماً لمعامَله، وبذلك صح استعمال يخادع في هذا المعنى مجازاً أو كناية وهو من بناء المجاز على المجاز لأن المخادعة أطلقت أولاً استعارة ثم نُزلت منزلة الحقيقة فاستعملت مجازاً في لازم المعنى المستعار له، فالمعنى وما يَضُرون إلا أنفسهم فيجري فيه الوجوه المتعلقة بإطلاق مادة الخداع على فعلهم، ويجئ تأويل معنى جَعل أنفسهم شقاً ثانياً للمخادعة مع أن الأنفس هي عينهم فيكون الخداع استعارة للمعاملة الشبيهة بفعل الجانبين المتخادعين بناء على ما شاع في وِجدان الناس من الإحساس بأن الخواطر التي تدعو إلى ارتكاب ما تَسوء عواقبه أنها فعلُ نفس هي مغايرة للعقل وهي التي تسول للإنسان الخير مرة والشر أخرى وهو تخيُّل بُني على خَطابة أخلاقية لإحداث العداوة بين المرء وبين خواطره الشريرة بجعلها واردة عليه من جهة غير ذاته بل من النَّفْس حتى يتأهب لمقارعتها وعصيان أمرها ولو انتسبت إليه لما رأى من سبيل إلى مدافعتها، قال عمرو بن معديكرب: فجاشَت عليَّ أوَّلَ مرة *** فرُدَّتْ على مكروهها فاستقرتِ وذكر ابن عطية أن أبا عليّ الفارسي أنشد لبعض الأعراب: لم تَدر ما (لا) ولستَ قائلَها *** عُمْرَك ما عِشْتَ آخر الأبد ولم تُؤامر نفسيْك مُمتريا *** فيها وفي أختها ولم تكد يريد بأختها كلمة (نعم) وهي أخت (لا) والمراد أنها أخت في اللسان.
وقلت ومنه قول عروة بن أذينة: وإذا وجدتُ لها وَسَاوِسَ سَلْوَة *** شَفَع الفؤاد إلى الضمير فَسَلَّها فكأنهم لما عصوا نفوسهم التي تدعوهم للإيمان عند سماع الآيات والنذر إذ لا تخلو النفس من أوبة إلى الحق جعل معاملتهم لها في الإعراض عن نصحها وإعراضها عنهم في قلة تجديد النصح لهم وتركهم في غيهم كالمخادعة من هذين الجانبين.
واعلم أن قوله: ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم ﴾ أجمعت القراءات العشر على قراءته بضم التحتية وفتح الخاء بعدها ألف.
والنفس في لسان العرب الذات والقوة الباطنية المعبر عنها بالروح وخاطر العقل.
وقوله: ﴿ وما يشعرون ﴾ عطف على جملة ﴿ وما يخادعون ﴾ والشعور يطلق على العلم بالأشياء الخفية، ومنه سمي الشاعر شاعراً لعلمه بالمعاني التي لا يهتدي إليها كل أحد وقدرته على الوزن والتقفية بسهولة، ولا يحسن لذلك كل أحد، وقولهم ليت شعري في التحير في علم أمر خفي، ولولا الخفاء لما تمنى علمه بل لعلمه بلا تمن، فقولهم هو لا يشعر وصف بعدم الفطنة لا بعدم الإحساس وهو أبلغ في الذم لأن الذم بالوصف الممكن الحصول أنكى من الذم بما يتحقق عدمه فإن إحساسهم أمر معلوم لهم وللناس فلا يغيضهم أن يوصفوا بعدمه وإنما الذي يغيضهم أن يوصفوا بالبلادة.
على أن خفاء مخادعتهم أنفسهم مما لا يمتري فيه واختير مثله في نظيره في الخفاء وهو ﴿ ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ﴾ [البقرة: 12] لأن كليهما أثبت فيه ما هو المآل والغاية وهي مما يخفي واختير في قوله ﴿ ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ﴾ [البقرة: 13] نفي العلم دون نفي الشعور لأن السفه قد يبدو لصاحبه بأقل التفاتة إلى أحواله وتصرفاته لأن السفه أقرب لادعاء الظهور من مخادعة النفس عند إرادة مخادعة الغير ومن حصول الإفساد عند إرادة الإصلاح وعلى الإطلاق الثاني درج صاحب «الكشاف» قال: فهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ، بِأنْ يُظْهِرُوا مِنَ الإيمانِ خِلافَ ما يُبْطِنُونَ مِنَ الكُفْرِ، لِأنَّ أصْلَ الخَدِيعَةِ الإخْفاءُ، ومِنهُ مَخْدَعُ البَيْتِ، الَّذِي يَخْفى فِيهِ، وجَعَلَ اللَّهُ خِداعَهم لِرَسُولِهِ خِداعًا لَهُ، لِأنَّهُ دَعاهم بِرِسالَتِهِ.
﴿ وَما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ في رُجُوعِ وبالِهِ عَلَيْهِمْ.
﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ يَعْنِي وما يَفْطُنُونَ، ومِنهُ سُمِّيَ الشّاعِرُ، لِأنَّهُ يَفْطُنُ لِما لا يَفْطُنُ لَهُ غَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: لَيْتَ شِعْرِي.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد بن منيع في مسنده بسند ضعيف عن رجل من الصحابة.
«أن قائلاً من المسلمين قال: يا رسول الله ما النجاة غداً قال: لا تخادع الله قال وكيف نخادع الله؟
قال أن تعمل بما أمرك به تريد به غيره، فاتقوا الرياء فإنه الشرك بالله، فإن المرائي ينادي به يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا خاسر، يا غادر.
ضل عملك، وبطل أجرك، فلا خلاق لك اليوم عند الله، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع، وقرأ آيات من القرآن ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ﴾ [ الكهف: 110] الآية و ﴿ إن المنافقين يخادعون الله ﴾ [ النساء: 142] الآية» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ يخادعون الله ﴾ قال: يظهرون لا إله إلا الله، يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك.
وأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قوله: ﴿ يخادعون الله والذين آمنوا ﴾ قال: هؤلاء المنافقون، يخادعون الله ورسوله، والذين آمنوا أنهم يؤمنون بما أظهروه.
وعن قوله: ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون ﴾ قال: ما يشعرون بأنهم ضروا أنفسهم بما أسروا من الكفر والنفاق، ثم قرأ ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً ﴾ [ المجادلة: 18] قال هم المنافقون حتى بلغ قوله: ﴿ ويحسبون أنهم على شيء ﴾ .
وأخرج البيهقي في الشعب عن قيس بن سعد قال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم «المكر والخديعة في النار، لكنت أمكر هذه الأمة» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية.
﴿ يُخَادِعُونَ ﴾ : يفاعلون من الخدع والخداع.
واختلف أهل اللغة في أصل الخداع، فقال قوم: (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) - يصف قحوط المطر: خدعت الضباب وجاعت الأعراب (١٥) ويقال: خدع خير (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وطريق خدوع وخادع، إذا كان يبين (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) قال أبو عبيد: قال أبو زيد: خدعته خِدْعا بكسر الخاء وخديعة، وأنشد قول رؤبة (٢٥) فَقَدْ أُدَاهى (٢٦) (٢٧) وأجاز غيره (خَدْعا) بالفتح (٢٨) وعلى هذا الأصل (٢٩) ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ أي: يظهرون غير ما في نفوسهم، ليدرؤوا عنهم أحكام الكفار في ظاهر الشريعة من القتل والجزية وغيرهما.
ولما كان القوم عملوا (٣٠) (٣١) وقال آخرون: أصل الخداع والخدع من الفساد (٣٢) (٣٣) (٣٤) .................
....
إذا الرِّيقُ خَدَعْ (٣٥) قال ابن الأعرابي: خدع الريق أي: فسد (٣٦) ومنه الحديث: "يكون قبل خروج الدجال سنون خداعة" (٣٧) قال شمر: هي الفواسد، قال: ويقال: السوق خادعة، إذا لم يقدر على الشيء إلا بغلاء فهي فاسدة (٣٨) (٣٩) (٤٠) ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ وتأويله (٤١) (٤٢) ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ ؟
والجواب عن هذا من وجوه: قال محمد بن القاسم (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) وهذا الذي قاله محمد بن القاسم مطرد (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) وقال الحسن: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ أي: نبيه، لأن الله بعث نبيه (٥٨) ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ .
وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ﴾ فعلى هذا من خادعه فقد خادع الله، كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ﴾ أي أولياءه، وعلى (٥٩) (٦٠) وقيل: إن ذكر الله ههنا تحسين وتزيين لافتتاح الكلام، والقصد (٦١) (٦٢) ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ﴾ .
قرئ بوجهين (٦٣) (٦٤) ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ فلما وقع الاتفاق على الألف في قوله: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ أجري الثاني على (٦٥) (٦٦) فَنَجْهَلَ فوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا (٦٧) وقوله تعالى: ﴿ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) تذكر من أنّى ومن أين شربه ...
يؤامر نفسَيه كذي الهَجْمة الأَبِلْ (٧٦) فجعل ما يكون من ورود الماء (٧٧) (٧٨) ﴿ قَالَ اعْلَمْ أَنَ اَللَّهَ عَلىَ كلِّ شئٍ قَدِيرٌ ﴾ بالجزم (٧٩) (٨٠) ومن قرأ ﴿ يَخْدَعُونَ ﴾ قال: إن فَعَلَ [أولى بفعل] (٨١) (٨٢) (٨٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ﴾ (٨٤) (٨٥) (٨٦) (٨٧) (٨٨) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ﴾ .
النفس: تستعمل (٨٩) (٩٠) (٩١) (٩٢) (٩٣) (٩٤) وقال ابن الأنباري: سميت النفس نفسا لتولد النفس منها، كما سموا الروح روحا؛ لأن الروح موجود به (٩٥) (٩٦) ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ﴾ (٩٧) وفي قوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ﴾ (٩٨) (٩٩) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ أي ما يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم، وأن وبال خداعهم يعود إليهم، وفي هذا دليل على أنهم كانوا جهالاً بالله سبحانه وبدينه.
و (الشِّعْر): العلم، وهو في الأصل (شِعْرَة) (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) قال الفرزدق (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) أراد: لبسن الفرند الخسرواني مشاعر فوقه المفوف من خز العراق، أي جعلنها الشعار.
فالشعر ضرب من العلم مخصوص، وكل مشعور به معلوم، وليس كل معلوم مشعورا (١٠٨) (١٠٩) وقوله في وصف الكافرين ﴿ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ أبلغ في الذم من وصفهم بأنهم لا يعلمون؛ لأن البهيمة قد تشعر من حيث تحس (١١٠) ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ ولم يقل: (ولكن لا تعلمون) لأن المؤمنين إذا أخبرهم الله تعالى بأنهم أحياء علموا أنهم أحياء، فلا يجوز أن ينفي الله العلم عنهم بحياتهم، إذ (١١١) (١١٢) (١١٣) (١١٤) ﴿ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ (١١٥) (١) فيه طمس في (ب).
(٢) انظر "العين" 1/ 133، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 161، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 993.
(٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 49 ب، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 993.
(٤) (قال ومن) فيه طمس في (ب).
(٥) في (أ)، (ج) (جرشته).
الخدع: التواري، وخَدْعُ الضب إنما يكون من شدة حذره، وصفة خدعه أنه يعمد بذنبه باب جحره ليضرب به من يعتدى عليه، فيجئ المحترش: أي المعتدى فيخرج الضب ذنبه إلى نصف الجحر، فإن دخل عليه شيء ضربه، وإلا بقى في جحره.
وقد ورد المثل (أخدع من ضب)، انظر "المستقصى في أمثال العرب" 1/ 92، 95، "مجمع الأمثال" 1/ 260، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994.
(٦) (منى) غير واضح في (ب).
(٧) انتهى كلام الليث.
"تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994.
(٨) في (ب) (والضب).
(٩) (خدع) غير واضح في (ب).
(١٠) في (ب) (حجر) وفي (ج) (حجره).
(١١) في (ج) (العميثك).
وأبو العميثل أعرابي، اسمه: عبد الله بن خالد، مولى جعفر ابن سليمان، كان يؤدب ولد عبد الله بن طاهر بخراسان، وكان يفخم كلامه ويعربه.
توفي سنة أربعين ومائتين.
انظر ترجمته في "إنباه الرواة" 4/ 143، "وفيات الأعيان" 3/ 89.
(١٢) في (ب) (أجدع).
(١٣) (أذا دخل) غير واضح في (ب).
(١٤) "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وفيه: (إذا دخل في وجاره ملتويا)، والوجار بكسر الواو وفتحها: جحر الضب وغيره.
(١٥) ذكره الأزهري.
"تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وهو في "الفائق" 1/ 256، وفي "النهاية في غريب الحديث" 2/ 14.
(١٦) في (أ)، (ج): (خبر) وفي (ب) بدون نقط، وفي "التهذيب" (خدع خير الرجل أي: قل) 1/ 158.
(١٧) "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994.
(١٨) (قال) ساقط من (أ)، (ج).
(١٩) "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وانظر (العين) 1/ 133.
(٢٠) في (أ)، (ج): (يتبين) وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة".
(٢١) ذكره الأزهري في "التهذيب"، وأنشد بعده بيتا غير بيت الطرماح الذي ذكره المؤلف هنا.
انظر: " التهذيب" (خدع) 1/ 994، (العين) (خدع) 1/ 132.
(٢٢) الطرماح بن حكيم الطائي، والطرماح بكسر الطاء والراء المهملتين، شاعر إسلامي في الدولة المروانية، ولد ونشأ بالشام، ثم انتقل إلى الكوفة، واعتنق مذهب الشراة من الخوارج.
انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 388، "الخزانة" 8/ 74.
(٢٣) في (ب): (بمسى).
(٢٤) البيت من قصيدة للطرماح، يمدح المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وقوله: (خادعة المسلك): تخدع سالكها فلا يهتدي، و (الأرصاد): القوم يرصدون الطرق من المرتفعات، وكون: جالسون، من الوكن وهو موقع الطائر، (الآرام): (الأعلام)، ورد البيت في "العين" (خدع) 1/ 132، "اللسان" (خدع) 2/ 113، "ديوان الطرماح" ص 453.
(٢٥) هو الراجز المشهور ابن الراجز، رؤبة بن العجاج من بني مالك بن سعد بن مناة بن تميم، كان أكثر شعرا من أبيه وأفصح، كان مقيما بالبصرة، ولحق الدولة العباسية كبيرا، ومات بالبادية سنة خمس وأربعين ومائة.
انظر "الشعر والشعراء" ص 392، "تهذيب التهذيب" 1/ 993، "الخزانة" 1/ 89.
(٢٦) في (ب): (أوداهى).
(٢٧) ورد الرجز في (ديوان رؤبة) ص 88، "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 993، "اللسان" (خدع) 2/ 1112.
(٢٨) "التهذيب" (خدع) 1/ 993، "اللسان" (خدع) 2/ 112.
(٢٩) وهو أن الخداع من إخفاء الشيء.
(٣٠) (عملوا) ساقطة من (ب).
(٣١) انظر (تفسير الطبري) 1/ 119، وابن كثير 1/ 51.
(٣٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 49 أ، وانظر.
"تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، "الحجة" 1/ 313، والقرطبي في "تفسير" 1/ 170.
(٣٣) "الحجة" 1/ 313، وفي "التهذيب" روى ابن الأنباري عن ثعلب عن ابن الأعرابي ثم ذكره، 1/ 994.
(٣٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣٥) البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكرى، يصف ثغر امرأة وتمامه: أبْيَضُ اللَّوْنِ لَذِيذٌ طَعْمُهُ ...
طَيِّبُ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خَدَعْ البيت ورد في "الحجة" 1/ 313، "التهذيب" (خدع) 1/ 994، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 49 أ، (معجم مقاييس اللغة) (خدع) 2/ 161، "الصحاح" (خدع) 3/ 1202، "اللسان" (خدع) 2/ 1113، "زاد المسير" 1/ 30، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 170، "الدر المصون" 1/ 125.
(٣٦) قال في (الصحاح): خدع الريق، أي: يبس، ثم ذكر البيت وقال: لأنه يغلظ وقت السحر فييبس وينتن.
"الصحاح" (خدع) 3/ 1202.
(٣٧) بهذا اللفظ ذكره الخطابي في "غريب الحديث" 1/ 530، والازهري في "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994، وابن الجوزي في "غريب الحديث" 1/ 267، وابن الأثير في "النهاية" 2/ 14.
وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة: "سيأتي على الناس سنوات خداعات ...
"، ابن ماجه (4036) كتاب الفتن، باب: شدة الزمان، وأخرجه أحمد في "المسند" ولفظه: "ستأتي على الناس سنون خداعة ...
" الحديث، 2/ 291، == 338، وأخرجه عن أنس بلفظ "إن أمام الدجال سنين خداعة ..
" الحديث، 3/ 220، وذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد) عن عوف بن مالك: (يكون أمام الدجال سنون خوادع ...)، قال: رواه الطبراني بأسانيد، وفي أحسنها ابن اسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات.
"مجمع الزوائد" 7/ 330، وانظر: "المطالب العالية" 18/ 426.
(٣٨) "تهذيب اللغة" (خدع) 1/ 994.
(٣٩) أي: أن أصل الخداع من الفساد.
(٤٠) في (أ)، (ب): قال لي الأنباري، وفي (ج): (قال لي ابن الأنباري) وصححت العبارة على ما في "التهذيب" حيث قال: (قال أبو بكر) 1/ 994.
(٤١) في (أ): (معنى تأويله)، وفي (ج) (معنى قوله) وأثبت ما في (ب) لأنه الأنسب.
(٤٢) في (أ)، (ج): (تفسدون)، وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة" وفيه: (قال أبو بكر: فتأويل قوله: (يخادعون الله) يفسدون ..
الخ.
(خدع) 1/ 994.
(٤٣) هو أبو بكر بن الأنباري.
(٤٤) في (ب): (بالاحتيال) ولعلها أولى.
(٤٥) في (أ)، (ج): (ما يذخر).
(٤٦) (ويؤخر) ساقط من (ب).
(٤٧) في (ب): (فعله).
(٤٨) في (ب): (إذا).
(٤٩) (بالله) مكرر في (ج).
(٥٠) في (ج): (خلافه).
(٥١) وإلى هذا المعنى مال الطبري حيث قال رادًّا على أبي عبيدة في دعواه.
أن (يخادع) بمعنى يخدع (قال: (قد قال بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب: إن ذلك الحرف جاء بهذِه الصورة أعني (يخادع) بصورة (يفاعل)، وهو بمعنى (يفعل) في حروف أمثالها شاذة من منطق العرب نظير قولهم: قاتلك الله، بمعنى قتلك الله)، ثم ذكر رأيه: وليس القول في ذلك عندي كالذي قال، بل ذلك من (التفاعل) الذي لا يكون إلا من اثنين، كسائر ما يعرف من معنى (يفاعل ومفاعل) في كل كلام العرب.
وذلك أن المنافق يخادع الله جل ثناؤه بكذبه بلسانه -على ما تقدم وصفه- والله تبارك اسمه خادعه بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاة نفسه في آجل معاده، كالذي أخبر في قوله: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ﴾ ، "تفسيرالطبري" 1/ 119، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 65.
(٥٢) في (ب): (مطردا).
(٥٣) المرأد بالأصلين في الخداع، هل هو من الفساد أو من الإخفاء؟
(٥٤) حيث قال: ويضمرون خلاف ما يظهرون والله عز وجل يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم ويستر من عذاب الآخرة.
(٥٥) هذا من قول أبي بكر محمد بن القاسم بن الأنباري كذلك، وقد سبق أن نقل المؤلف جزءًا منه، وانظر بقيته في "التهذيب" (خدع) 2/ 1112.
(٥٦) هو علي بن حازم اللحياني، لغوي معروف، عاصر الفراء وتصدر في أيامه.
انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" ص 195، "إنباه الرواة" 2/ 255، "معجم الأدباء" 14/ 106.
(٥٧) انظر كلام اللحياني في: "التهذيب" (خدع) 1/ 994، وكلام أبي عبيدة في "مجاز القرآن" ص 31 ونحو هذا المعنى ذكر الزجاج في "المعاني" 1/ 50، وسبق ذكر رد الطبري على أبي عبيدة، انظر "تفسير الطبري" 1/ 119، "تفسير البغوي" 1/ 65.
(٥٨) (نبيه) ساقط من (ب).
(٥٩) (الواو) ساقطة من (ب).
(٦٠) ذكره أبو علي في "الحجة"، حيث قال: قال بعض المتأولين أظنه الحسن، ثم ذكره، ووجه هذا القول، كما نقل المؤلف هنا، 1/ 314، 315، ونسب القول للحسن ابن عطية 1/ 163، والبغوي 1/ 65، والقرطبي 1/ 170، وذكره ابن الجوزي ونسبه للزجاج.
"زاد المسير" 1/ 29.
(٦١) في (ب): (الفصل).
(٦٢) ذكره الثعلبي 1/ 49 ب، وفي الأقوال الثلاثة الأخيرة، محاولة تأويل الآية، لنفي الخداع عن الله، وقد انتصر لبعضها أبو علي الفارسي في "الحجة" 1/ 314 - 316.
كما انتصر لها الزمخشري في "الكشاف" وذكر في تفسير الآية وجوها أخرى قريبة منها في المعنى، وقد رد عليه صاحب "الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال".
ومما قاله في رده: (..
ومع ذلك يمنع أن ينسب الخداع إلى الله تعالى لما يوهم ظاهره من أنه يكون عن عجز عن المكافحة وإظهار المكتوم هذا هو الموهم منه في الاطلاق، ولكن حيث أطلقه تعالى مقابلا لما ذكره من خداع المنافقين كمقابلة المكر بمكرهم، علمنا أن المراد منه أنه فعل معهم فعلا سماه خداعا مقابلة ومشاكلة ...
هذا معتقد أهل السنة في هذِه الآية وأمثالها، لا كالزمخشري وشيعته الذين يزعمون أنهم يوحدون فيجحدون وينزهون فيشركون والله الموفق للحق.
"الكشاف" 1/ 171.
و"الإنصاف" بهامشه.
وقد ذكرت فيما سبق قريبا رد الطبري على أبي عبيدة، وذكرت القول الذى ارتضاه في معنى الآية.
(٦٣) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (يخادعون)، (وما يخادعون) بالألف والياء المضمومة.
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (يخادعون) (وما يخدعون) بفتح الياء من غير ألف.
أنظر "السبعة" ص 141، "الحجة" لأبي علي 1/ 313،312، "الكشف" 1/ 224.
(٦٤) في (ب): (تضع).
(٦٥) في (ب): (أجزى الثاني عن الأول).
(٦٦) عبارة أبي علي في "الحجة": (وإذا كانوا قد استجازوا لتشاكل الألفاظ وتشابهها أن يجروا على الثاني طلبا للتشاكل ما لا يصح في المعنى على الحقيقة، فأن يلزم ذلك ويحافظ عليه فيما يصح في المعنى أجدر وأولى، وذلك نحو: ألا لا يجهلن ...) 1/ 315، 316.
(٦٧) عجز بيت من معلقة عمرو بن كلثوم وصدره: ألا لا يجهلن أحد علينا والشاهد فيه: أنه جعل انتصاره جهلا طلبا للمشاكلة، وتسمية للفعل الثاني بالفعل الأول المسبب له.
انظر: "الحجة" 1/ 316، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس 2/ 125، "البحر المحيط" 1/ 57.
(٦٨) والشاهد فيها: أنه سمى القصاص عدوانا، من باب التشاكل اللفظي.
(٦٩) في (ب) (أولا) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 315، 316، وانظر "الكشف عن وجوه القراءات" 1/ 225، "البحر المحيط" 1/ 57.
(٧٠) في (ب): (إذا) ولعله أصوب.
(٧١) في (أ)، (ج): (يقاتلون).
(٧٢) في (ب): (تفسير).
انظر: "الحجة" 1/ 317، "البحر المحيط" 1/ 57.
(٧٣) في "الحجة": (ألا ترى الكميت أو غيره ..)، 1/ 317، وفي "اللسان" نسبه للكميت (أبل) 1/ 10.
والكميت.
هو الكميت بن زيد بن الأخنس من بني أسد، كوفي شاعر، مقدم، عالم بلغات العرب، كان متشيعا (60 - 126هـ).
انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 385، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 318، "الخزانة" 1/ 144.
(٧٤) في (ب) (ألا ترى الكميت في ذلك ذكر حمار).
(٧٥) في (أ)، (ج) (في ذكر حمار أباد الورود).
(٧٦) يؤامر: يشاور الهجمة: القطعة من الإبل، والأبل: على وزن (فَعِل) بفتح الفاء وكسر العين من صيغ المبالغة، وهو من حذق مصلحة الإبل، ورد البيت في "الحجة" 1/ 317 "تفسير ابن عطية" 1/ 161، "اللسان" (أبل) 1/ 10، "البحر المحيط" 1/ 57، فيه (البهجة) والبيت نسبه بعضهم للكميت كما فعل الواحدي، أما أبو علي في "الحجة" فقال: للكميت أو غيره، وهو في "شعر الكميت" جمع داود سلوم ص 396.
(٧٧) في (ب): (للماء).
(٧٨) في (ب): (التمثيل) ومثله فى "الحجة" 1/ 318.
(٧٩) وهي قراءة حمزة والكسائي: (اعلم) ألف وصل وسكون الميم (فعل أمر)، وقراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر: (أعلم) بقطع الألف وضم الميم، (فعل مضارع).
انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 189، "الكشف" 1/ 312.
(٨٠) الكلام في "الحجة"1/ 318، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 312.
(٨١) في جميع النسخ جاءت الجملة: (أن فعل أو لن يفعل الواحد ..) فصححتها على عبارة "الحجة"، لأن المؤلف نقل الكلام منه.
انظر: "الحجة" 1/ 317.
(٨٢) في (أ)، (ج): الأكثر إلا من أن يكون ..)، وعبارة "الحجة" (الذي في أكثر الأمر أن يكون لفاعلين) وهي أوضح 1/ 317.
وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 224.
(٨٣) رجح ابن جرير قراءة ﴿ وما يخدعون ﴾ بدون ألف، وقال: هي أولى بالصحة من قراءة من قرأ ﴿ وما يخادعون ﴾ ، 1/ 120، وكذا مكي حيث قال: وقراءة من قرأ بغير ألف أقوى في نفسي.
ثم ذكر حججه على ذلك، وقال: والقراءة الأخري حسنة ..) وقال: وحمل القراءتين على معنى واحد أحسن وهو أن (خادع) و (خدع) بمعنى واحد في اللغة.
"الكشف" 1/ 225، 227.
(٨٤) على قراءة نافع وأبن كثير وأبي عمرو.
(٨٥) "تفسير الطبري" 1/ 119، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 171، "زاد المسير" 1/ 30، "تفسير ابن كثير" 1/ 51.
(٨٦) انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 95.
(٨٧) في (ب): (العذاب).
(٨٨) انظر: "زاد المسير" 1/ 30، "تفسير البغوي" 1/ 66.
(٨٩) في (ج): (مستعمل).
(٩٠) انظر: "تهذيب اللغة" (نفس) 4/ 3630، "الصحاح" (نفس) 3/ 984.
(٩١) انطر المراجع السابقة.
(٩٢) في (ب) (اليقين).
(٩٣) في أ (للمرأة) وما في (ب، ج) موافق لما في "تهذيب اللغة".
(٩٤) انظر: "تهذيب اللغة" (نفس) 4/ 3631، "الصحاح" (نفس) 3/ 984، وللنفس معان أخرى منها: الجسد، والعين وغير ذلك.
انظر: "الصحاح" (نفس) 3/ 984، "مقاييس اللغة" (نفس) 5/ 460.
(٩٥) "الزاهر" لابن الأنباري 2/ 386، وانظر "تهذيب اللغة" (نفس) 4/ 3629.
(٩٦) في (ب): (وسنذكره).
(٩٧) لفظ الجلالة، ليس في (ج).
(٩٨) على قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو.
(٩٩) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 119 - 120، "البحر المحيط" 1/ 58، "الدر المصون" 1/ 127، 128.
(١٠٠) وقوله: (وهو في الأصل شعرة ...
إلخ) من كلام أبي علي الفارسي أورده ابن سيده في "المخصص" قال (قال أبو علي: ..
فأما شعرت فمصدره: شعرة، بكسر الأول كالفطنة والدرية.
وقالوا: ليت شعري ...
إلخ) "المخصص" 3/ 32، وانظر: "الصحاح" (شعر) 2/ 699، "مقاييس اللغة" 3/ 194، "اللسان" 4/ 2273، "القاموس" ص 416.
(١٠١) في (ب): (الدربة) بالباء الموحدة ن وكذا ورد عند ابن فارس في "المقاييس" 3/ 194.
وعند سيبويه 4/ 44، وابن سيده في "المخصص" 3/ 32، (الدرية) كما هنا.
(١٠٢) قال سيبويه: (هذا باب ما تجيء فيه الفعلة تريد بها ضربا من الفعل)، ثم قال: (..
وقد تجيء الفعلة لا يراد بها هذا المعنى وذلك نحو: الشدة، والشعرة، والدرية ..
وقالوا: ليت شعري في هذا الموضع، استخفافا، لأنه كثر في كلامهم، كما قالوا: ذهب بعذرتها، وقالوا: هو أبو عذرها لأن هذا أكثر ...)، "الكتاب" 4/ 44، وانظر "الصحاح" (شعره) 2/ 699، "اللسان" 4/ 409.
(١٠٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١٠٤) في (ب): (حسن).
(١٠٥) هو الشاعر المشهور همام بن غالب بن صعصعة بن تميم البصري، مات سنة عشر ومائة.
انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 310، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 298، "الخزانة" 1/ 217.
(١٠٦) في (ب): (ليبس).
(١٠٧) البيت في "ديوان الفرزدق" وفيه (دونه) بدل (فوقه) 2/ 24، "المخصص" 3/ 32، "شرح الأبيات المشكلة الإعراب" للفارسي ص 299، "جمهرة أشعار العرب" ص 314، وفيه (الفريد) بدل (الفراند)، و (خزي) بدل (من خز)، و (الفراند): يطلق على وشى السيف، وعلى السيف نفسه، وعلى الورد الأحمر، وقال في "اللسان" (فرند): دخيل معرب اسم ثوب، "اللسان" (فرند) 6/ 3405، و (الفريد): قلائد اللؤلؤ، و (الخسرواني): الذي يشتري بالمال الكثير، ولا تحسب فيه خسارة، و (المشاعر).
الثياب التي يلي البدن، و (المفوف): المُوَشَّى.
(١٠٨) فبينهما عموم وخصوص مطلق.
(١٠٩) في "المخصص": (...
ولهذا لم يجز في وصف الله تعالى كما لم يجز في وصفه (دوى)، وكان قوله تعالى في وصف الكافرين ...).، 3/ 32.
(١١٠) في (ب): (لا تحس).
وفي "المخصص": (..
من حيث كانت تحس ..)،3/ 32.
(١١١) في (ب): (إذا).
(١١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١١٣) في (أ)، (ب) يشعرون (بالياء) وما في (ج) موافق لـ"المخصص" 3/ 32.
وهو الوارد في الآية، وهو ما أثبته.
(١١٤) في "المخصص" (حياتهم) 3/ 32، والمراد الشهداء.
(١١٥) في (المخصص) (لا تشعرون).
انتهى ما نقله الواحدي من كلام أبي علي.
انظر "المخصص" 3/ 32.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يخادعون ﴾ أي يفعلون فعل المخادع، ويرمون الخدع بإظهار خلاف ما يسرون، وقيل: معناه يخدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم ﴾ أي وبال فعلهم راجع عليهم، وقرئ: وما يخدعون بفتح الياء من غير ألف من خدع وهو أبلغ في المعنى، لأنه يقال خادع إذا رام الخداع، وخدع إذا تم له ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ حذف معموله أي: لا يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: "أأنذرتهم" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.
وروى الحلواني عن هشام "آءنذرتهم" بهمزتين بينهما مدة، والباقون يهمزون الأولى ويلينون الثانية.
والتليين جعل الهمزة بين بين أي بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركة الهمزة.
"وعلى أبصارهم" ممالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وابن حمدون وحمدويه وحمزة، وفي رواية ابن سعدان وأبي عمرو.
كذلك قوله عز وجل ﴿ بقنطار ﴾ و ﴿ بالأسحار ﴾ و ﴿ كالفخار ﴾ و ﴿ الغار ﴾ و ﴿ من أنصار ﴾ و ﴿ أشعارها ﴾ وأشباه ذلك حيث كان يعني إذا كان قبل الألف حرف مانع وبعدها راء مكسورة في موضع اللام، لأن الراء المكسورة تغلب الحروف المستعلية.
"غشاوة" بالفصل.
وقرأ حمزة في رواية خلف وابن سعدان وخلف لنفسه.
وأبو إسحق إبراهيم بن أحمد عن أبي الحرث عن علي وورش من طريق البخاري مدغمة النون والتنوين في الواو في جميع القرآن.
"عظيم" بالإشمام في الوقف، وكذلك إذا كانت الكلمة مكسورة: حمزة وعلي وخلف وهو الاختيار عندنا.
الوقوف: "لا يؤمنون" (ه) "على سمعهم" (ط) لأن الواو للاستئناف.
"غشاوة" (ز) لأن الجملتين وإن اتفقتا نظماً فالأولى بيان وصف موجود، والثانية إثبات عذاب موعود.
"عظيم" (ه) التفسير: وفيه مسائل: الأولى: فيما يتعلق بأن أما عمله من نصب الاسم ورفع الخبر فمعلوم من علم النحو.
وأما فائدته فما ذكره المبرد في جواب الكندي من أن قولهم "عبد الله قائم" إخبار عن قيامه، وقولهم: "إن عبد الله قائم" جواب عن سؤال سائل، وقولهم: "إن عبد الله لقائم" جواب عن إنكار منكر لقيامه.
وقد يضاف إليه القسم أيضاً نحو "والله إن عبد الله لقائم.
قال أبو نواس: عليك باليأس من الناس *** إن غنى نفسك في اليأس حسن موقع "إن" لأن الغالب على الناس خلاف هذا الظن، وقد يجيء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لم يوجد كقولك "إنه كان مني إليه إحسان فقابلني بالسوء" وكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ فيما توهمت كقوله حكاية عن أم مريم ﴿ قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت ﴾ وكذلك قول نوح ﴿ رب إن قومي كذبون ﴾ .
الثانية: لما قدم ذكر أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم الموجبة لامتداحه إياهم بها، عقب ذلك بذكر أضدادهم وهم المردة من الكفار الذين لا ينجع فيهم الهدى وسواء عليهم الإنذار وعدمه.
وإنما فقد العاطف بين القصتين خلاف ما في نحو قوله ﴿ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ﴾ لتباين الجملتين ههنا في الغرض والأسلوب، إذ الأولى مسبوقة بذكر الكتاب وإنه هدى للمتقين، والثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت، وذلك إذا جعلت "الذين يؤمنون" مبتدأ و "أولئك" خبره، لأن الكلام المبتدأ على سبيل الاستئناف مبني على تقدير سؤال، وذلك إدراج له في حكم المتقين وتصييره تبعاً له في المعنى، فحكمه حكم الأول.
وكذا إذا جعلت الموصول الثاني مبتدأ و "أولئك" خبره، لأن الجملة برأسها من مستتبعات "هدى للمتقين" لارتباط بينهما من حيث المعنى.
الثالثة: التعريف في "الذين" إما أن يراد به ناس معهودون بأعيانهم كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وإما أن يراد به الجنس متناولاً كل من صمم على كفره تصميماً لا يرعوي بعده فقط دون من عداهم من الكفار الذين أسلموا بدليل الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم.
الرابعة: الكفر نقيض الإيمان فيختلف تعريفه باختلاف تعريف الإيمان، وقد تقدم.
وأصل الكفر الستر والتغطية ومنه الكافر لأنه يستر الحق ويجحده، والزارع كافر لأنه يستر الحب، والليل المظلم كافر لأنه بظلمته يستر كل شيء، والكافر الذي كفر درعه بثوب أي غطى ولبسه فوقه.
قال في التفسير الكبير: "كفروا" إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي فيقتضي كون المخبر عنه متقدماً على ذلك الإخبار.
فللمعتزلة أن يحتجوا بهذا على أن كلام الله محدث، فإن القديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير.
قلت: التحقيق في هذا وأمثاله أن كلامه أزلي إلا أن حكمته في باب التفهيم والتعليم اقتضت أن يكون كلامه على حسب وصوله إلى السامعين ضرورة كونهم متزمنين، فكل ما هو متقدم على زمان الوصول وقع الإخبار عنه في الأزل بلفظ الماضي، وكل ما هو متأخر عن زمان الوصول وقع الإخبار عنه بلفظ المستقبل نحو ﴿ لتدخلن المسجد الحرام ﴾ ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ وإلا اختل نظام التفاهم والتخاطب.
ومن هذا يعلم أن قوله ﴿ سنلقي ﴾ ليس كونه مستقبلاً بالنظر إلى الأزل مقصوداً بالنسبة إلى المخاطبين، وإنما المقصود استقباله بالنظر إلى زمان نزول الآية فافهم.
الخامسة: "سواء" اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر ﴿ تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ﴾ ﴿ في أربعة أيام سواء للسائلين ﴾ يعني مستوية، وارتفاعه على أنه خبر "إن" و "أأنذرتهم أم لم تنذرهم" في موضع الفاعل أي مستو عليهم إنذارك وعدمه نحو: إن زيداً مختصم أخوه وابن عمه.
ويحتمل أن يكون أأنذرتهم أم لم تنذرهم" في موضع الابتداء، و "سواء" خبر مقدم، والجملة خبر "إن".
و إنما صح وقوع الفعل مخبراً عنه مع أنه أبداً خبر نظراً إلى المعنى كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.
معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل، فإن "أن" مع الفعل في تقدير المصدر على الفعل وهو النهي، وقد جردت الهمزة.
و "أم" لمعنى الاستواء وسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً.
قال سيبويه: هذا مثل قولهم "اللهم اغفر لنا أيتها العصابة" يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذاك جرى على صورة النداء ولا نداء.
ومعنى الاستواء في الداخل عليهما "الهمزة" و "أم" استواؤهما في علم المستفهم، لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن لكن لا بعينه وكلاهما معلوم بعلم غير معين.
والحاصل أن الاستفهام يلزمه معنيان: أحدهما استواء طرفي الحكم في ذهن المستفهم، والثاني طلب معرفة أحدهما فجرد هذا الترتيب لمعنى الاستواء وسلخ عنه الطلب.
وفائدة العدول عن العبارة الأصلية وهي سواء عليهم الإنذار وعدمه، أن يعلم أن قطع الرجاء وحصول اليأس عنهم إنما حصل بعد إصرارهم وكانوا قبل ذلك مرجواً منهم الإيمان، لا في علم الله بل في علمنا، فنزلت الآية بحسب ما يليق بحالنا في باب التقرير والتصوير.
أو نقول: فائدته أن يعلم أن استواء الطرفين بلغ مبلغاً يصح أن يستفهم عنه لكونه خالياً عن شوب التخمين وترجيح أحد الطرفين بوجه، فإن قول القائل "الإنذار وعدمه مستويان عليهم" يمكن أن يحمل على التقريب لا التحقيق، بخلاف ما لو أخبر عن الأمرين بطريق الهمزة وأم فافهم.
والإنذار التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن المقام مقام المبالغة، وتأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع.
وقوله "لا يؤمنون" إما جملة مؤكدة للتي قبلها، أو خبر لأن والجملة قبلها اعتراض.
السادسة: الختم والكتم أخوان، لأن في الاستيثاق من الشيء يضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه.
والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل عليه كالعصابة والعمامة.
والقلب يراد به تارة اللحم الصنوبري المودع في التجويف الأيسر من الصدر وهو محل الروح الحيواني الذي هو منشأ الحس والحركة وينبعث منه إلى سائر الأعضاء بتوسط الأوردة والشرايين، ويراد به تارة اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وبها يستعد لامتثال الأوامر والنواهي والقيام بمواجب التكاليف ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ﴾ .
وهي من عالم الأمر الذي لا يتوقف وجوده على مادة ومدة بعد إرادة موجده له ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ﴾ .
كما أن البدن بل اللحم الصنوبري من عالم الخلق الذي هو نقيض ذلك ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ .
وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة ﴿ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ﴾ وبالروح ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ والسمع قوة مرتبة في العصب المتفرق في سطح الصماخ، تدرك صورة ما يتأدى إليه بتموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع مقاوم له انضغاطاً بعنف يحدث منه تموّج فاعل للصوت، فيتأدى إلى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ ويموّجه بشكل نفسه وتماس أمواج تلك الحركة تلك العصبة فتسمع قاله ابن سينا.
ولعل هذا في الشاهد فقط، وأما البصر فقال ابن سينا: هي قوة مرتبة في العصبة ا لمجوفة تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام ذوات اللون المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام الصيقلية.
وزعم غيره أن البصر يخرج منه شيء فيلاقي المبصر ويأخذ صورته من خارج ويكون من ذلك إبصار.
وفي الأكثر يسمون ذلك الخارج شعاعاً.
والحق عندي أن نسبة البصر إلى العين نسبة البصيرة إلى القلب، ولكل من العين والقلب نور.
أما نور العين فمنطبع فيها لأنه من عالم الخلق، فهو نور جزئي ومدركه جزئي، وأما نور القلب فمفارق لأنه من عالم الأمر، وهو نور كلي ومدركه كلي.
وإدراك كل منهما عبارة عن وقوع مدركه في ذلك النور، ولكل منهما بل لكل فرد من كل منهما حد ينتهي إليه بحسب شدته وضعفه.
ويتدرج في الضعف بحسب تباعد المرئي حتى لا يدركه، أو يدركه أصغر مما هو عليه.
ولا يلزم من قولنا "إن للبصر نوراً يقع في المرئي" أن يشتد النور إذا اجتمع بصراء كثيرة في موضع واحد قياساً على أنوار الكواكب والسرج، فإن ذلك الانضمام من خواص الأنوار المحسوسات، والملزومات المختلفة لا تستدعي الاشتراك في اللوازم.
وهذا القدر من التحقيق في تفسير القلب والسمع والبصر كافٍ بحسب المقام.
ثم اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم لقوله ﴿ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ﴾ ولهذا يوقف على "سمعهم" دون "قلوبهم".
وفي تكرير الجار إيذان باستقلال الختم على كل من القلب والسمع، وإنما وحد السمع لوجوه منها: أمن اللبس كما في قوله: كلوا في بعض بطنكم تعفوا.
فإن زمانكم زمن خميص.
إذ لا يلتبس أن لكل واحد بطناً، ولهذا إذا لم يؤمن نحو فرسهم وثوبهم والمراد الجمع رفضوه.
ومنها أن السمع في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع فلمح الأصل، ولهذا جمع الأذن في قوله ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ .
ومنها أن يقدر مضاف محذوف أي على حواس سمعهم، ومنها الاستدلال بما قبله وبما بعده على أن المراد به الجمع مثل ﴿ عن اليمين والشمائل ﴾ ﴿ يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ .
السابعة: من الناس من قال: السمع أفضل من البصر، لتقديمه في اللفظ ولأنه شرط النبوة.
فما بعث رسول أصم بخلاف البصر فمن الأنبياء من كان مبتلى بالعمى، ولأن السمع سبب وصول المعارف ونتائج العقول إلى الفهم، والبصر سبب وصول المحسوسات إلى المبصر.
ولأن السمع يتصرف في الجهات الست دون البصر، ولأن فاقد السمع في الأصل فاقد النطق، بخلاف فاقد البصر.
ومنهم من فضل البصر لأن متعلق الأبصار النور، ومتعلق الأسماع الريح.
والبصر يرى من بعيد دون السمع، ولأن عجائب الله في تخليق العين أكثر منها في تخليق السمع.
وقد أسمع الله كلامه موسى من غير سبق سؤال ونوقش في الرؤية وفي المثل "ليس وراء العيان بيان".
وفي العين جمال الوجه دون السمع.
والحق أن من فقد حساً فقد فقد علماً وهو المتوقف على ذلك الحس.
ولا ريب أن معظم العلوم يتوقف تحصيلها على البصر والإرشاد، والتعليم على الإطلاق يتوقف على السمع.
فكل من الحواس في موضعه ضروري، وتفضيل البعض على البعض تطويل بلا طائل، فسبحان من دقت في كل مصنوع حكمته وأحسن كل شيء خلقه.
الثامنة: الآية الأولى فيها الإخبار بأن الذين كفروا لا يؤمنون، والإنذار وعدمه عليهم سيان.
والآية الثانية فيها بيان السبب الذي لأجله لم يؤمنوا وهو الختم والتغشية، فاحتج أهل السنة بالآيتين ونظائرهما على تكليف ما لا يطاق، وعلى أن الله هو الذي خلق فيهم الداعية الموجبة للكفر وختم على قلوبهم وسمعهم ومنعهم عن قبول الحق والصدق، وكل بتقديره ولا يسأل عما يفعل.
وأما المعتزلة وأمثالهم فيقولون: كيف ينشئ فيهم الكفر ثم يقول: لم تكفرون؟
وخلق فيهم ما به لبس الحق بالباطل ثم يقول لم تلبسون الحق بالباطل؟
ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن الكفر باختيار العبد وقدرته.
فتأولوا الآية على انها جارية مجرى قولهم "فلان مجبول على كذا أو مفطور عليه" يريدون أنه بليغ في الثبات عليه، أو على أنها تمثيل لحال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليه حتى دخلوا في زمرة الأنعام لا تعي شيئاً ولا تفقه كقولهم "سال به الوادي" إذا هلك، و "طارت به العنقاء" إذا أطال الغيبة.
وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته، وإنما مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء، والشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر.
إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره ومكنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب في قولهم "بنى الأمير المدينة" أو أنهم لما ترقى أمرهم في التصميم على الكفر إلى حدّ لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء، ثم لم يقسرهم الله ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض من التكليف، عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم.
أو يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً بهم من قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ ويحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال: لا، لأنهم نزهوه عما يشبه الظلم والقبيح ولا يليق بالحكمة.
وسئل عن أهل الجبر فقال: لا، لأنهم عظموه حتى لا يكون لغيره قدرة وتأثير وإيجاد.
وزعم الإمام فخر الدين أن إثبات الإله يلجئ إلى القول بالجبر لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع، وإثبات الرسول يلجئ إلى القول بالقدر لأنه لو لم يقدر العبد على الفعل فأيّ فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب؟
أو نقول: لما رجعنا إلى الفطرة السليمة وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه يترجح أحدهما على الآخر إلا المرجح، وهذا يقتضي الجبر.
ونجد تفرقة ضرورية بين حركات الإنسان الاختيارية وبين حركات الجمادات والحركات الاضطرارية، وذلك يقتضي مذهب الاعتزال فلذلك بقيت هذه المسألة في حيز الإشكال.
قلت - وبالله التوفيق -: عندي أن المسألة في غاية الاستنارة والسطوع إذا لوحظت المبادئ ورتبت المقدمات، فإن مبدأ الكل لو لم يكن قادراً على كل الممكنات وخرج شيء من الأشياء عن علمه وقدرته وتأثيره وإيجاده بواسطة أو بغير واسطة لم يصلح لمبدئية الكل.
فالهداية والضلالة، والإيمان والكفر، والخير والشر، والنفع والضر، وسائر المتقابلات، كلها مستندة ومنتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإردته.
والآيات الناطقة بصحة هذه القضية كقوله ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ﴾ ﴿ قل كل من عند الله ﴾ كثيرة.
وكذا الأحاديث "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" "احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى" الحديث.
فهذه القضية مطابقة للعقل والنقل، وبقي الجواب عن اعتراضات المخالف.
أما حكاية التنزيه عن الظلم والقبائح فأقول: لا ريب أنه تعالى منزه عن جميع القبائح، ولكن لا بالوجه الذي يذكره المخالف إذ يلزم منه النقص من جهة أخرى وهو الخلل في مبدئيته للكل وفي كونه مالك الملك.
بل الوجه أن يقال: إن لله تعالى صفتي لطف وقهر، ومن الواجب في الحكمة أن يكون الملك.
ولا سيما ملك الملوك، كذلك، إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر، ومن منع ذلك كابر وعاند.
ولا بد لكل من الوصفين من مظهر، فالملائكة ومن ضاهاهم من الأخيار مظاهر اللطف، والشياطين ومن والاهم من الأشرار مظاهر القهر، ومظاهر اللطف هم أهل الجنة والأعمال المستتبعة لها، ومظاهر القهر هم أهل النار والأفعال المعقبة إياها.
وههنا سر وهو أن اللطف والقهر والجنة والنار إنما يصح وجود كل من كل منهما بوجود الآخر، فلولا القهر لم يتحقق اللطف، ولولا النار لم تثبت الجنة، كما أنه لولا الألم لم تتبين اللذة، ولولا الجوع والعطش لم يظهر الشبع والري.
ولله در القائل: "وبضدها تتبين الأشياء".
فخلق الله للجنة خلقاً يعملون بعمل أهل الجنة، وللنار خلقاً يعملون بعمل أهل النار.
ولا اعتراض لأحد عليها في تخصيص كل من الفريقين بما خصصوا به فإنه لو عكس الأمر لكان الاعتراض بحاله.
وههنا تظهر حقيقة الشقاوة والسعادة ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ الآية: وقال : "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد" الحديث.
وإذا تؤمل فيما قلت، ظهر أن لا وجه بعد ذلك لإسناد الظلم والقبائح إليه ، لأن هذا الترتيب والتمييز من لوازم الوجود والإيجاد كما يشهد به العقل الصريح، ولا سيما عند المخالف القائل بالتحسين والتقبيح العقليين.
وليت شعري لم لا ينسب الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرفه وزيراً قريباً وبعضهم كناساً بعيداً لأن كلاً منهما من ضرورات المملكة، وينسب الظلم إليه في تخصيص كل من عبيده بما خصص به، مع أن كلاً منهم ضروري في مقامه؟!
فهذا القائل بهدم بناء حكمته، ، ويدعي أنه يحفظه فأفسد حين أصلح.
وأما قوله "أي فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب" ففي غاية السخافة، لأنا لما بينا أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فكيف يبقى للمعترض أن يقول: لما جعل الله الشيء الفلاني سبباً وواسطة للشيء الفلاني؟
كما أنه ليس له أن يقول مثلاً لم جعل الشمس سبباً لإنارة الأرض؟
غاية ما في الباب أن يقول إذا علم الله أن الكافر لا يؤمن فلم يأمره بالإيمان ويبعث إليه النبي فأقول: فائدة بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالحقيقة ترجع إلى المؤمنين الذين جعل الله بعثهم وإنزالها سبباً وواسطة لاهتدائهم ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها ﴾ كما أن فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحاح.
وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى المختوم على قلوبهم فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكمه ﴿ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ﴾ غاية ذلك إلزام الحجة وإقامة البينة عليهم ظاهراً ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً ﴾ وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم في أصل الخلقة ناقصون أشقياء.
وهذا المعنى ربما لا يظهر لهم أيضاً لغاية نقصانهم كما أن الأكمة ربما لا يصدق البصراء ولا يعرف أن التقصير والنقصان منه، وأن سائر الشرائط من محاذاة المرئي وظهور النير موجودة وإنما يعرف نقصانهم أرباب الأبصار.
وأما حديث التفرقة الضرورية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية كالرعشة مثلاً فأقول: لا ريب أن للإنسان إرادات وقوى بها يتم له حصول الملائم واجتناب المنافي، إلا أن تلك الإرادات والقوى مستندة إلى الله ، فكأنه لا اختيار له.
والتفرقة المذكورة سببها في أن الرعشة نقصت واسطة هي الداعية، وفي الحركة المسماة بالاختيارية زادتواسطة فافهم هذه الحقائق والإشارات واستعن بها في سائر ما يقرع سمعك من هذا القبيل،فلعلنا لا نكررها في كل موضع حذراً من التطويل.
ومن لم يستضئ بمصباح لا يستفيدبإصباح ﴿ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ﴾ .
التاسعة: العذاب مثل النكال؛ بناء ومعنى، لأنك تقول: أعزب عن الشيء إذا أمسك عنه كما تقول: نكل عنه.
ومنه العذاب لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده.
ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذاباً وإن لم يكن نكالاً أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة.
والفرق بين العظيم والكبير، أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، ويستعملان في المعاني والأعيان جميعاً.
تقول: رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره.
ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله.
ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله نعوذ بالله منه.
العاشرة:اتفق المسلمون أكثرهم على أنه يحسن من الله تعذيب الكفار.
وقال بعضهم: لا يحسن، وفسروا قوله "ولهم عذاب عظيم" وكذا كل وعيد ورد في القرآن بأنهم يستحقون ذلك، لكن كرمه يوجب عليه العفو.
وذكروا أيضاً دلائل عقلية مبنية على الحسن والقبح كقولهم: التعذيب ضرر خالٍ عن المنفعة لأن الله منزه عن ذلك والعبد يتضرر به، ولو سلم أنه ينتفع به فالله قادر على إيصال النفع إليه من غير توسط ذلك العذاب، والضرر خال عن المنافع قبيح بالبديهة.
وكقولهم: علم أن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان، فتكليفه أمراً متى لم يفعل ترتب عليه العذاب، وما كان مستعقباً للضرر من غير نفع كان قبيحاً، فلم يبق إلا أن يقال: لم يوجد هذا التكليف، أو وجد لكنه لا يستعقب العقاب.
وكقولهم: إنه هو الخالق لداعية المعصية، فيقبح أن يعاقب عليها.
وكقولهم: إن العبد لو واظب على الكفر طول عمره فإذا تاب ثم مات عفا الله عنه.
أترى هذا الكرم العظيم ما بقي في الآخرة، أو سلبت عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون عن معاصيهم، وإذا تابوا فلم لا يقبل الله منهم توبتهم؟
ولم كان في الدنيا بحيث قال: ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ وفي الآخرة بحيث لا يجيب دعاءهم إلا بقوله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] وأجيب بأن تعذيبهم نقل إلينا بالتواتر عن النبي فلا مصير إلى إنكاره، والشبه التي تمسكتم بها تنهدم بانهدام قاعدة الحسن والقبح.
وأقول: قد بينت بالبرهان النير في المسألة الثامنة أن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في حكمته ، وكل ما تقتضيه حكمته وكماله كان حسناً.
ومن ظن أنه قبيح كان الخلل في عقله وقصور في فهمه، فلا قبيح في النظر إلا وهو حسن من جهات أخرى لا يعلمها إلا منشئها وموجدها.
وهل يستقبح أحد وقوع بعض الأحجار للملوك تيجاناً وبعضها للحشوش جدراناً، أو وقوع بعض من الحديد سيفاً يتقلده الناس وبعضه نعلاً يطؤها الأفراس، حيث يرى كلاً منهما في مصالح الوجود ضرورياً؟
ثم العذاب وهو بالحقيقة البعد من الله لازم للكفر والعصيان، والملزوم لا ينفك من اللازم.
وأما سبب عدم انتفاع الكافر والعاصي بالإيمان والتوبة بعد المفارقة، فذلك أن محل الكسب هو الدنيا، والتكليف بامتثال الأوامر والنواهي إنما وقع فيها.
فليس لأحد أن يؤخر الامتثال إلى الآخرة.
ألا ترى أنه لو قال طبيب حاذق لمريض: اشرب الدواء الفلاني في اليوم الفلاني فقصر وأخر حتى إذا مضى وقته وأشرف على الهلاك قال: إني أشرب الآن، لم ينفعه ذلك الدواء ولا يسعه إلا الهلاك؟
وكذا لو قال ملك لواحد: افعل الأمر الفلاني في هذا الوقت ففعله في وقت آخر لم يعد ممتثلاً ولا ينفعه الائتمار به لأن غرض الامتثال قد فات، ولا سيما إذا فعل بعد أن يرى أمارات الغضب وعلامات العذاب { ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ﴾ .
.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الۤـمۤ ﴾ قيل: فيه وجوهٌ: روى عن ابن عباس - ما - قال: قوله: ﴿ الۤـمۤ ﴾ أنا الله أعلم.
وقيل: إنه قسم أقسم بها.
وقيل: إن هذه الحروف المعجمة مفتاح السورة.
وقيل: إن كل حرف من هذه الحروف كناية اسم من أسماءِ الله: الأَلف الله، واللام لطفه، والميم ملكه.
وقيل: إن اللام آلاؤه، والميم مجدهُ.
وقيل: إن الأَلف هو الله، واللام جبريل، والميم محمد.
وقيل: إنها من التشبيب؛ ليفصل بين المنظوم من الكلام، والمنثور من نحو الشعر ونحوه.
وقيل: إن تفسير هذه الحروف المقطعة ما أَلحق ذكرها بها على أَثرها نحو قوله: ﴿ الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ \[أول سورة البقرة\]، ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ هو تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ \[أول سورة آل عمران\]، ﴿ الۤمۤصۤ * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ \[أول سورة الأعراف\]، و ﴿ الۤر كِتَابٌ ﴾ \[أول سورة هود، وإبراهيم\]، و ﴿ الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ﴾ \[أول سورة لقمان\] كلُّ ملحقٍ بها فهو تفسيرُها.
وقيل: إن فيها بيان غاية ملك هذه الأُمة من حساب الجُمَّل، ولكنهم عدوا بعضها وتركوا البعض.
وقيل: إنه من المتشابه الذي لم يطلع الله خلقه علم ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاءَ من المحن.
وقيل: إنهم كانوا لا يستمعون لهذا القرآن؛ كقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ فأنزل الله عز وجل هذه الحروف المعجمة ليستمعوا إليها فيلزمهم الحجة.
والأصل في الحروف المقطعة: أنه يجوز أن تكون على القَسَم بها على ما ذكرنا.
وأريد بالقدْر الذي ذكر كليةُ الحروف بما كان من شأْن العرب القسمُ بالذي جلَّ قدْرُه، وعظم خطره.
وهي مما بها قوام الدارين، وبها يتصل إلى المنافع أَجمع.
مع ما دّلت على نعمتين عظيمتين - اللسان والسمع - وهما مجرى كل أنواع الحكمة، فأَقسم بها على معنى إضمار ربّها، أَو على ما أَجلّ قدرها في أعين الخلق، فيقسم بها، ولله ذلك، ولا قوة إلا بالله.
ويحتمل: أَن يكون بمعنى الرمز والتضمين في كل حرف منها أمراً جليلاً يعظم خطره على ما عند الناس في أَمر حساب الجُمل.
ثم يُخرَّج على الرمز بِها عن أَسماءِ الله وصفاته ونعمه على خلقه، أَو على بيانِ منتهى هذه الأُمة، أَو عددِ أَئمتها، وملوكها، والبقاع التي ينتهي أمرها، وذلك هو في نهاية الإيجاز، بل بالاكتفاءِ بالرمز عن الكلام، وبما هو بمعنى من الإشارة في الاكتفاءِ بها عن البسط، ولا قوة إلا بالله؛ ليُعلم الخلائقَ قدرة الله، وأَنَّ له أَنْ يضمن ما شاء فيما شاءَ على ما عليه أَمرُ الخلائق من لطيف الأَشياءِ التي كادت العقولُ وأَسباب الإدراك تقصر عنها، وكنهِها التي يدركها كل أَحد، وبين الأَمرين، فعلى ذلك أَمر تركيب الكلام، ولا قوة إلا بالله.
ويجوز أن يكون بمعنى اسم السور، ولله تسميتها بما شاءَ كما سمى كتبه، وعلى ذلك منتهى أَسماءِ الأَجناس خمسة أحرف، وكذلك أمر السور، دليل ذلك وصْلُ كل سورة فتحت بها إليها، كأَنه بنى بها.
ولا قوة إلا بالله.
ويجوز أن يكون على التشبيب، على ما ذكرنا للتفصيل بين المنظوم من الكلام والمنثور في المتعارف أن المنظوم في الشاهد يشبب فيخرج عن المقصود بذلك الكلام، فعلى ذلك أمر الكلام المنزل.
أَلا ترى أَنه خرج على ما عليه فنون الكلام في الشاهد إلا أَنه على وجه ينقطع له المثال من كلامهم، فمثله أَمر التشبيب.
ولا قوة إلا بالله.
وجائِز: أن يكون الله أَنزلها على ما أَراد؛ ليمتحن عبادَه بالوقف فيها، وتسليم المراد في حقيقة معناه والذي له يزول ذلك، ويعترف أَنه من المتشابه، وفيها جاءَ تعلق الملحدة، ولا قوة إلا بالله.
ويحتمل: أَن يكون إذ علم الله من تعنت قوم وإعراضهم عنه وقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ أَنزل على وجه يبعثهم على التأَمل في ذلك بما جاءَ بالعجيب الذي لم يكونوا يعرفون ذلك: إما لما عندهم أَنه كأَحدهم، أو لسبيل الطعن؛ إذ خرج عن المعهود عندهم، فتلا عليهم ما يضطرهم إلى العلم بالنزول من عند من يملك تدبير الأشياءِ؛ ولذلك اعترضوا لهذه الأَحرف بالتأَمل فيها من بين الجميع.
ولا قوة إلا بالله.
وقيل: إنه دعا خلقه إلى ذلك، والله أَعلم بما أَراد.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ .
أي: هذا الكتاب، إشارة إلى ما عنده، وذلك شائع في اللغة، جائز بمعنى هذا.
وقيل: ذلك بمعنى ذلك، إشارة إلى ما في أَيدي السفرة والبررة.
وقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .
قيل: فيه وجوهٌ؛ لكن الحاصل يرجع إلى وجهين: أي: لا ترتابوا فيه أنه من عند الله.
وقيل: لا ريب فيه أنه منزل على أَيدي الأُمناءِ والثقات.
وقوله: ﴿ هُدًى ﴾ .
قيل فيه بوجهين: ﴿ هُدًى ﴾ : أَي: بياناً ووضوحاً، فلو كان المراد هذا، فالتَّقيُّ وغير التَّقِيِّ سواء.
والثاني: هُدىً أي: رشداً، وحجة، ودليلاً.
ثم اختلفوا في الدليل: فقال الراوندي: الدليل إنما يكون دليلاً بالاستدلال؛ لأَنه فعل المستدل.
مشتق من الاستدلال؛ كالضرب من الضارب وغيره.
وقال غير هؤلاءِ: الدليل بنفسه دليل، وإن لم يستدل به؛ لأَنه حجة، والحجة حجة وإن لم يحتج بها.
غير أَن الدليل يكون دليلاً بالاستدلال، ومن لم يستدل به فلا يكون له دليلاً، وإن كان بنفسه دليلاً، بل يكون عليه عمى وحيرة كقوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ ثم قال: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً ﴾ .
وقوله: ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .
قيل: فيه بوجهين: يؤمنون بالله غيباً، ولم يطلبوا منه ما طلبه الأُمم السالفة، من أنبيائهم؛ كقول بني إسرائيل لموسى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .
والثاني: يؤمنون بغيب القرآن، وبما يخبرهم القرآن من الوعدِ والوعيدِ، والأَمر والنهي، والبعث، والجنة، والنار.
والإيمانُ إنما يكون بالغيب؛ لأَنه تصديق، والتصديقُ والتكذيب إنما يكونان عن الخبر، والخبرُ يكون عن غيب لا عن مشاهدة.
والآية تنقض قول من يقول: بأَن جميع الطاعات إيمان؛ لأَنه أَثبت لهم اسم الإيمان دون إقامة الصلاة والزكاة بقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: الصلاةَ المعروفةَ، يقيمونها بتمام ركوعها وسجودها، والخشوغ، والخضوع له فيها، وإخلاص القلب في النِّية؛ على ما جَاءَ في الخبر "انْظُر مَنْ تُنَاجِي" ويحتمل: الحمد له والثناء عليه.
فإن كان المراد هذا فهو لا يحتمل النسخ، ولا الرفع في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ .
من الأموال يحتمل فرضاً ونفلاً.
ويحتمل: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ من القوى في الأَنفس وسلامة الجوارح، ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾ : يعينون.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .
يحتمل وجهين: أي: ما أنزل إليك من القرآن.
ويحتمل: ما أنزل إليك من الأَحكام، والشرائع التي ليس ذكرها في القرآن.
وقوله: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ .
يحتمل وجهين أيضاً: يعني الكتب التي أنزلت على سائِر الأَنبياءِ عليهم السلام.
ويحتمل: الشرائع، والأَخبار سوى الكتب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ .
بمعنى يؤمنون.
والإيقان بالشيء هو العلم به.
والإيمان هو التصديق، لكنه إذا أَيقن آمن به وصدق به لعلمه به؛ لأَن طائفة من الكفار كانوا على ظن من البعث؛ كقوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ فأَخبر عز وجل عن حال هؤلاءِ أَنهم على يقين، ليسوا على الظن والشك كأُولئك.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .
قِيل: على صواب، ورشد من ربهم.
وقيل: إنهم على بيان من ربهم، لكن البيان ليس المؤمنُ أحقَّ به من الكافر؛ لأَنه يبين للكافر جميع ما يحتاج إليه، إما من جهة العقل، وإما من جهة السمع.
فظهر بهذا أَن الأَول أَقرب إلى الاحتمال من الثاني.
وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: الباقون في نعم الله والخير.
وقيل: الظافرون بحاجاتهم، يقال: أَفلح، أَي: ظفر بحاجته.
وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ هم السعداءُ، يقال: أَفلح، أي: سعد.
وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ الناجون؛ يقال: أَفلح، أي: نجا.
وكله يرجع إلى واحد؛ كقوله: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ وكل واحد ممن زحزح عن النار فقد فاز ومن أُدخل الجنة فقد فاز فكذلك الأَول.
<div class="verse-tafsir"
يخادعون الله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر، وهم في الحقيقة يخدعون أنفسهم فقط، ولكنهم لا يشعرون بذلك؛ لأن الله تعالى يعلم السر وأخفى، وقد أَطْلَع المؤمنين على صفاتهم وأحوالهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.8L8OB"
كان الذي تقدم بيانًا من الله تعالى لصنفين من الناس لهم في القرآن هداية ولنفوسهم إلى الاهتداء به انبعاث: الأول - من الصنفين أولئك الذين يبلغهم لأول مرة، وهم ممن يخشى الله ويهاب سلطانه، وفي أصول اعتقادهم الإيمان بما وراء الحس، على ما تقدم.
والثاني - أولئك الذين آمنوا بما أنزل إلى النبي وما أنزل من قبله.
وهذا الصنف قد يجتمع مع الذي قبله فيمن كانوا متقين مؤمنين بالغيب، ثم آمنوا بالنبي وبما جاء به، وقد يفترق الصنفان فيمن بقي إلى اليوم لم تبلغه الدعوة وهو على تلك الأوصاف، ومن ولد من آباء مؤمنين ثم صدق إيمانه بعد أن بلغ رشده وملك عقله.
أما هاتان الآيتان فقد بينتا حال طائفة ثالثة من الناس وهم الكافرون، ثم يبين قوله تعالى ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ﴾ الخ..
حال طائفة أخرى أخص منها وهم المنافقون، الذين يظهر من أقوالهم وفي بعض أفعالهم أنهم مؤمنون، ولكنهم في حقيقة أمرهم كافرون، بل شر من الكافرين.
فهذه أقسام أربعة ينقسم إليها الناس إذا بلغهم القرآن ونظروا فيه، ودعوا إلى الإيمان به والأخذ بهديه.
بيَّن الله تعالى لنبيه أنه إذا كان يوجد في الناس من لا يؤمن بالقرآن فليس هذا عيبًا وتقصيرًا في هداية الكتاب، وإنما العيب فيهم لا في الكتاب، لأنه هداية كسائر الهدايات الطبيعية التي أعرض الناس وعموا عنها، كهداية العقل والسمع والبصر ونحوها مما أكرم الله به هذا النوع البشري، وقد يحكم الرجل بأن في العمل مضرة تلحق به، ومع ذلك يعدل عن حكمه انتهازًا للذة زينها له حسه أو وهمه، ويأتي ذلك العمل على ما يعلم من سوء مغبته، فاحتقار الرجل لعقل نفسه لا يعد عيبًا في تلك الموهبة الإلهية ولا يحط من شأن النعمة فيها.
انظر إلى رجل يغمض عينيه ويمشي في طريق لا يعرفها فيسقط في حفرة وتتحطم عظامه، هل ينقص ذلك من قدر بصره، ويبخس من حق الله في الإحسان به، على هذا الذي لم يرد أن يستعمله فيما خلق له؟!
ففي الكلام تسلية لأهل الحق وسيدهم هو النبي ، فهو تسلية له أولًا وبالأولى.
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ..
الكفر هنا عبارة عن جحود ما صرح الكتاب المنزل أنه من عند الله، أو جحود الكتاب نفسه، أو النبي الذي جاء به، وبالجملة ما علم من الدين بالضرورة بعد ما بلغت الجاحد رسالة النبي بلاغًا صحيحًا، وعرضت عليه الأدلة على صحتها لينظر فيها فأعرض عن شيء من ذلك وجحد عنادًا أو تساهلًا أو استهزاءً.
نعني بذلك أنه لم يستمر في النظر حتى يؤمن.
ولم نسمع أن أحدًا من الصحابة ، كفر أحدًا بما وراء هذا.
فما عداه من الأفاعيل والأقاويل المخالفة لبعض ما أسند إلى الدين، ولم يصل العلم بأنه منه إلى حد الضرورة -أي لم يكن سنده قطعيًا كسند الكتاب- فلا يعد منكره كافرًا إلا إذا قصد بالإنكار تكذيب النبي ، فمتى كان للمنكر سند من الدين يستند إليه فلا يكفر، وإن ضعفت شبهته في الاستناد إليه، ما دام صادق النية فيما يعتقد، ولم يستهن بشيء مما ثبت بالقطع وروده عن المعصوم .
وقد تجرأ بعض المتأخرين على تكفير من يتأول بعض الظنيات، أو يخالف شيئًا مما سبق الاجتهاد فيه، أو ينكر بعض المسائل الخلافية، فجرؤوا الناس على هذا الأمر العظيم، حتى صاروا يكفرون من يخالفهم في بعض العادات، وإن كانت من البدع المحظورات، ثم هم على عقائد الكافرين، وأخلاق المنافقين، ويعملون أعمال المشركين ويصفون أنفسهم بالمؤمنين الصادقين.
الكافرون أقسام: (منهم) من يعرف الحق وينكره عنادًا، وهؤلاء هم الأقلون ولا ثبات لهم ولا قوام، وكان منهم في زمن النبي جماعة من المشركين واليهود، ولم يلبثوا أن انقرضوا.
كنت قلت في هذا المعنى كلمة جديرة بأن تحفظ وهي:"إن جحود الحق مع العلم به كاليقين في العلم كلاهما قليل في الناس".
(ومنهم) من لا يعرف الحق، ولا يريد ولا يحب أن يعرفه، وهم الذين قال الله تعالى فيهم ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ .
هؤلاء كلما صاح بهم صائح الحق فزعوا ونفروا، وأعرضوا واستكبروا، ففي أنفسهم شعور بالحق، ولكنهم يجدون فيها زلزلة، كلما لاح لهم شعاعه يحجبونه عن أعينهم بأيديهم، وسبب ذلك أنهم لم يستعملوا أنظارهم في فهم الحق، ويخافون لو استعملوها أن ينقصهم شيء مما يظنونه خيرًا ويتوهمونه معقودًا بعقائدهم التي وجدوا عليها آباءهم وساداتهم.
(ومنهم)من مرضت نفسه واعتل وجدانه، فلا يذوق للحق لذة، ولا تجد نفسه فيه رغبة، بل انصرف عنه إلى هموم أُخَرَ، ملكت قلبه وأسرت فؤاده، كالهموم التي غلبت أغلب الناس اليوم على دينهم وعقولهم، وهي ما استغرقت كل ما توفر لديهم من عقل وإدراك، واستنفدت كل ما يملكون من حول وقوة في سبيل كسب مال أو توفير لذة جسمانية، أو قضاء شهوة وهمية، فعمي عليهم كل سبيل سوى سبل ما استهلكوا فيه، فإذا عرض عليهم حق أو ناداهم إليه منادٍ، رأيتهم لا يفهمون ما يقول الداعي ولا يميزون بين ما يدعو إليه، وبين ما هم عليه، فيكون حظ الحق منهم الاستهزاء والاستهانة بأمره، فإذا وعدهم أو أوعدهم النذير، قالوا: لا نصدق ولا نكذب حتى ننتهي إلى ذلك المصير، وهذا القسم، كالذي قبله، كثير العدد في الناس في كل زمان ومكان، خصوصًا في الأمم التي يفشو فيها الجهل، وتنطمس من أفرادها أعين الفطرة، وتنضب من أنفسهم ينابيع الفضائل، فيصبحون كالبهائم السائمة لا همَّ لهم إلا فيما يملأ بطونهم أو يداعب أوهامهم، ويصح جمع هذين القسمين تحت قسم واحد وهو قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين، والقسم الأول هو قسم المعاندين المكابرين.
فكل من هذه الفرق ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ﴾ ..
الإنذار الإخبار والإعلام بالشيء المقترن بالتخويف مما يترتب عليه من فعل يتضمن ذمه وطلب تركه أو ترك لأمر يتضمن مدحه وطلب فعله، نصًا أو اقتضاءً، والسواء اسم مصدر بمعنى الاستواء.
والمعنى أن الذين كفروا ولم يدخلوا في قسم المستعدين للإيمان لرسوخهم في الكفر، يستوي الإنذار وعدمه بالنسبة إليهم في الواقع، فالذي يعرض عن النور مع العلم به ويغمض عينيه كيلا يراه بغضًا له لذاته أو تأذيًا به، أو عنادًا وعداوة لمن دعاه إليه - ماذا يفيده النور، وماذا يعيب النور من إعراضه؟
والذي لا يعرف النور ولا يحب أن يعرفه لأن فساد طبيعته وخبث تربيته أنآه عنه وأبعده، وجعله يألف الظلمة كالخفاش، أو أفسد الجهل وجدانه فأصبح لا يميز بين نور وظلمة، ولا بين نافع وضار، ولا بين لذيذ ومؤلم، ماذا عساه يفيده النور مهما سطع، أو يؤثر فيه الضوء مهما ارتفع.
ثم وصف سبحانه فقدهم لهذا الاستعداد، ورسوخهم في الكفر الذي لم يبق معه محل لغيره بهذا التعبير البليغ ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ .
يقولون إن الختم والطبع والرين ألفاظ تجري على شيء واحد وهو: تغطية الشيء والحيلولة بينه وبين ما من شأنه أن يدخله ويمسه، والقلوب مراد بها العقول، والمراد بالسمع والأسماع، وأفراده لأن أصله مصدر ومن شأن المصادر أن لا تجمع، وقد لوحظ هنا الأصل، والأبصار العيون التي تدرك المبصرات من الأشكال والألوان.
وأنا أرى في مسألة هذا الجمع والإفراد رأيًا آخر، إذ لو صح ما قيل فإن البصر أيضًا مصدر فلماذا جمعه؟..
والذي أراه أن العقل له وجوه كثيرة في إدراك المعقولات، فليس الناس فيه سواء، فجمع لاختلاف الناس فيه، وأنواع تصرفهم في وجوهه، بخلاف السمع فإن أسماع الناس تتساوى في إدراك المسموعات، فلا تتشعب تشعب العقول في إدراك المعقولات، وأما الأبصار فهي مثل العقول في التشعب، وأعظم معين للعقول في إدراكها، لأن أنواع المبصرات كثيرة فتعطي للعقل مواد كثيرة، والسمع لا يدرك إلا الصوت، وليس في الكلام عند النقل طريق من طرق العلم اليقيني إلا التواتر، بخلاف ما نقطع فيه الضرورة من طريق العقل والبصر فهو كثير، فالأوليات: كالحكم بأن الجزء أصغر من الكل وأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، والقضايا التي قياساتها معها، من المعقولات المحضة.
والتجربيات والحدسيات يشترك فيها العقل والبصر، والقسم الأعظم من المشاهدات سبيل الإدراك فيه البصر، فالعقول والأبصار بمنزلة ينابيع كثيرة تنبجس من كل منها عيون للعلم مختلفة، بخلاف السمع فإنه ينبوع واحد لا اختلاف فيما يصدر عنه، فالحاصل أن العقول والأبصار تتصرف في مدركات كثيرة فكأنها صارت بذلك كثيرة فجمعت، وأما السمع فلا يدرك إلا شيئًا واحدًا فأفرد.
وهنا يسأل سائل: كيف هذا وقد قالوا: إن السمع أفضل من البصر؟
والجواب: أنا لا أتكلم في التفضيل، ذلك إلى الله ورسوله، وإنما أشرح موجودًا وأبين مناسبة اللفظ له، وأن المشاهدة قاضية بأن العقل لا منتهى لتصرفه، وبأن أقل ما قيل في البصر أنه يدرك الألوان، والأشكال، والمقادير، والسمع لا يدرك إلا الأصوات فقط، كما أن الذوق لا يحس إلا بالمذوقات وحدها، وإن كان ما يصل من طريق السمع قد يتضمن حكاية عن معقول أو مبصر، ولكن وروده على الحكاية لا يغير من حقيقته، فهو معقول أو مبصر.
فمن ذكر لك برهانًا على حقيقة علمية فإنما تسمع منه الأصوات والحروف، وأما فهمك المقدمات ووصولك منها إلى النتائج فهو من طريق عقلك لا من طريق سمعك، فإن كان حديث الأفضلية يستند إلى جميع المدركات قد يمكن أن يعبر عنها بالكلم -وهو مسموع- فقد بينا لك ما فيه، ويعارضه أن جميع ضروب الكلام يصح أن تكتب وطريق فهمها من الرقم إنما هو البصر، والحق أن المعول عليه في تعدد الطريق ليس ما يكون من قبيل الحكاية، بل ما يكون من طبيعة القوة.
وأما انطباق الكلام على تلك الأقسام السابقة وبيان حرمانهم وكونهم كما وصفوا -فهو بالنسبة إلى الطائفة التي عاندت الحق وهي تعرفه- ظاهر، لأنهم لما عاندوا الحق، لأنه لم يأت على أيديهم، فقد طبع على قلوبهم بطابع ذلك العناد نفسه، فإنه قد حيل بين عقولهم وإدراك ما يصيرون إليه بالإصرار على الباطل من ضعف أمر وفساد حال في الدنيا، وشقاء وخلود في نكال الآخرة، ثم هم قد حجبوا به عن إدراك ما يتبع ذلك الحق من المعارف والحقائق الأخرى، فقد ختم على قلوبهم بالنسبة إلى ما حجبوا عنه.
وأما الختم على سمعهم فلأنهم صموا عن سماع الحق واستماع القول لفهمه، فمن أعرض عن فهم الحق فهو لم يسمع إلا صوتًا لم ينفذ شيء من معناه إلى موضع الإدراك الحقيقي منه، فقد ختم على سمعه فلا ينفذ إليه شيء ينتفع به.
وأما الأبصار فإنما كانت غشاوات عند هؤلاء الجاحدين، لأن فائدة البصر، هي التوقي من الخطر، والعبرة بما يبصر، فمن لم ينظر في الآيات الكونية التي تقع تحت بصره كل يوم، كأنه لم يبصر شيئًا منها، فقد ضرب على بصره بغشاوة.
وأما بالنسبة إلى القسمين الآخرين اللذين جمعا تحت قسم واحد وهو قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين كما سبق فالختم على القلوب والسمع والأبصار ظاهر، لأنهم لم ينتفعوا بشيء من هذه القوى حتى في فهم ما يعرض عليهم، ورؤية ما يقع تحت حواسهم.
والكلام كله ضرب من التمثيل يعرفه اللسان وتعهده اللغة.
ولما كان حديث الختم تمثيلًا لفقد حقيقة الفهم والحرمان من فوائد تلك المواهب الإلهية: مواهب العقل والسمع والأبصار كان إسناده إلى الله تأكيدًا لمعنى الحرمان، وتقريرًا لمعصية الخسران، لأن ما ختم بيد الله لا تفضه يد سواه.
وأما النكتة في استعمال الختم مع القلب والسمع، والغشاوة مع البصر، فهي أن الختم من شأنه أن يكون على المكنون المستور.
وهكذا موضع حس السمع، ومع الإدراك من العقل.
والأسماع في ظاهره الخلقة، وأما البصر فالحاسة منه ظاهرة منكشفة، ومثل هذه الدقائق هي المرادة بقول صاحب التلخيص"ولكل كلمة مع صاحبتها مقام".
والمعنى هو ما بيناه.
والله أعلم.
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ التنكير فيه للتعظيم والتهويل، ووصفه مع ذلك بعظيم يدل على أنه بالغ حد العظمة كمًا وكيفًا، فهو شديد الإيلام، وطويل الزمان.
وهل هذا العذاب في الدنيا أم في الآخرة؟
قال في آية أخرى ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ فيؤخذ من هذه الآية ومن آيات أخرى أن الإعراض عن هدى الإسلام، وما أرشد إليه من إصلاح المعاش والمعاد، جزاؤه الضنك والضيق وفقد العزة والسلطة في الدنيا، والعذاب العظيم في العقبى.
وهنا يسأل سائل: هل الآية نص في التكليف بالمحال؟
والجواب: لا، وأنا لا أحب أن أحشر المسائل الخلافية في تفسير القرآن، بل أحب أن أبين المعنى الذي كان يفهمه الصحابة ، وما كان يخطر على بال أحد منهم التكليف بالمحال.
على أن الاتفاق واقع بين الأئمة بل بين الأمة على أن التكليف بالمحال غير واقع، وإن الله"لا يكلف نفسًا إلا وسعها"كما صرح به الكتاب وتضافرت عليه الأحاديث النبوية، فما بقي من مواضع الخلاف لا يمس نصوص الكتاب العزيز الذي ﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"