تفسير الآية ٨٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٨٥ من سورة البقرة

ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًۭا مِّنكُم مِّن دِيَـٰرِهِمْ تَظَـٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍۢ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٨٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 146 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٨٥ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٨٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ) قال محمد بن إسحاق بن يسار : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس : ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) الآية ، قال : أنبهم الله من فعلهم ، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم وافترض عليهم فيها فداء أسراهم ، فكانوا فريقين : طائفة منهم بنو قينقاع وإنهم حلفاء الخزرج ، والنضير ، وقريظة وإنهم حلفاء الأوس ، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج ، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس ، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه ، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم ، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم .

والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان ، ولا يعرفون جنة ولا نارا ، ولا بعثا ولا قيامة ، ولا كتابا ، ولا حلالا ولا حراما ، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم ، تصديقا لما في التوراة ، وأخذا به ; بعضهم من بعض ، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس ، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم ، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم ، مظاهرة لأهل الشرك عليهم .

يقول الله تعالى ذكره حيث أنبهم بذلك : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) أي : يفاديه بحكم التوراة ويقتله ، وفي حكم التوراة ألا يفعل ، ولا يخرج من داره ، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ، ويعبد الأوثان من دونه ، ابتغاء عرض الدنيا .

ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة .

وقال أسباط عن السدي : كانت قريظة حلفاء الأوس ، وكانت النضير حلفاء الخزرج ، فكانوا يقتتلون في حرب سمير ، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءهم ، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها ، ويغلبونهم ، فيخربون ديارهم ، ويخرجونهم منها ، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما ، جمعوا له حتى يفدوه .

فتعيرهم العرب بذلك ، ويقولون : كيف تقاتلونهم وتفدونهم ؟

قالوا : إنا أمرنا أن نفديهم ، وحرم علينا قتالهم ، قالوا : فلم تقاتلونهم ؟

قالوا : إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا .

فذلك حين عيرهم الله ، فقال : ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ) وقال شعبة ، عن السدي : نزلت هذه الآية في قيس بن الخطيم : ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ) وقال أسباط ، عن السدي ، عن عبد خير ، قال : غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بلنجر فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة ، فلما مر برأس الجالوت نزل به ، فقال له عبد الله : يا رأس الجالوت ، هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك ، تشتريها مني ؟

قال : نعم .

قال : أخذتها بسبعمائة درهم .

قال : فإني أربحك سبعمائة أخرى .

قال : فإني قد حلفت ألا أنقصها من أربعة آلاف .

قال : لا حاجة لي فيها ، قال : والله لتشترينها مني ، أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه .

قال : ادن مني ، فدنا منه ، فقرأ في أذنه التي في التوراة : إنك لا تجد مملوكا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته ( وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ) قال : أنت عبد الله بن سلام ؟

قال : نعم .

قال : فجاء بأربعة آلاف ، فأخذ عبد الله ألفين ، ورد عليه ألفين .

وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره : حدثنا أبو جعفر يعني الرازي ، حدثنا الربيع بن أنس ، أخبرنا أبو العالية : أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة ، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليها العرب ، ولا يفادي من وقع عليها العرب ، فقال عبد الله بن سلام : أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن .

والذي أرشدت إليه الآية الكريمة ، وهذا السياق ، ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها ، ومخالفة شرعها ، مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة ، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها ولا على نقلها ، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته ، ومبعثه ومخرجه ، ومهاجره ، وغير ذلك من شئونه ، التي قد أخبرت بها الأنبياء قبله .

واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم ، ولهذا قال تعالى ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ) أي : بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره ( ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ) جزاء على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم ( وما الله بغافل عما تعملون)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ قال أبو جعفر: ويتجه في قوله: (ثم أنتم هؤلاء) وجهان.

أحدهما أن يكون أريد به: ثم أنتم يا هؤلاء, فترك " يا " استغناء بدلالة الكلام عليه, كما قال: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا [ يوسف: 29]، وتأويله: يا يوسف أعرض عن هذا.

فيكون معنى الكلام حينئذ: ثم أنتم يا معشر يهود بني إسرائيل - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم: لا تسفكون دماءكم، ولا تخرجون أنفسكم &; 2-304 &; من دياركم, ثم أقررتم = بعد شهادتكم على أنفسكم = (8) بأن ذلك حق لي عليكم، لازم لكم الوفاء لي به - تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، متعاونين عليهم، في إخراجكم إياهم، بالإثم والعدوان.

(9) * * * والتعاون هو " التظاهر ".

وإنما قيل للتعاون " التظاهر ", (10) لتقوية بعضهم ظهر بعض.

فهو " تفاعل " من " الظهر ", وهو مساندة بعضهم ظهره إلى ظهر بعض.

* * * والوجه الآخر: أن يكون معناه: ثم أنتم قوم تقتلون أنفسكم.

فيرجع إلى الخبر عن " أنتم ".

وقد اعترض بينهم وبين الخبر عنهم " بهؤلاء ", كما تقول العرب: " أنا ذا أقوم, وأنا هذا أجلس ", (11) وإذْ قيل: " أنا هذا أجلس " كان صحيحا جائزا كذلك: أنت ذاك تقوم ".

وقد زعم بعض البصريين أن قوله " هؤلاء " في قوله: (ثم أنتم هؤلاء)، تنبيه وتوكيد لـ " أنتم ".

وزعم أن " أنتم " وإن كانت كناية أسماء جماع المخاطبين, فإنما جاز أن يؤكدوا بـ " هؤلاء " و " أولاء ", (12) لأنها كناية عن المخاطبين, كما قال خفاف بن ندبة: أقـول لـه والـرمح يَـأطر متنـه : تبيــن خُفافــا إننــي أنـا ذلكـا (13) يريد: أنا هذا، وكما قال جل ثناؤه: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ &; 2-305 &; بِهِمْ [ يونس: 22] * * * ثم اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية، نحو اختلافهم فيمن عَني بقوله: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ .

* ذكر اختلاف المختلفين في ذلك: 1471 - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان) إلى أهل الشرك، (14) حتى تسفكوا دماءهم معهم, وتخرجوهم من ديارهم معهم.

(15) قال: أنبهم الله [على ذلك] من فعلهم, (16) وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم, وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم من بني قينقاع حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة حلفاء الأوس.

فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج, وخرجت النضير وقريظة مع الأوس, يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة، يعرفون منها ما عليهم وما لهم.

والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، (17) لا يعرفون جنة ولا نارا, ولا بعثا ولا قيامة, ولا كتابا, ولا حراما ولا حلالا فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم, تصديقا لما في التوراة، وأخذا به، بعضهم من بعض.

يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس, &; 2-306 &; وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم, ويطلون ما أصابوا من الدماء، (18) وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، (19) مظاهرة لأهل الشرك عليهم.

يقول الله تعالى ذكره، حين أنبهم بذلك: (20) أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، أي تفادونه بحكم التوراة وتقتلونه - وفي حكم التوراة أن لا يقتل، ولا يخرج من داره، (21) ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه - ابتغاء عرض من عرض الدنيا.

ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -فيما بلغني- نـزلت هذه القصة.

(22) 1472 - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ قال: إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة: أن لا يقتل بعضهم بعضا, وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام ثمنه، فأعتقوه.

(23) فكانت قريظة حلفاء الأوس, والنضير حلفاء الخزرج, فكانوا يقتتلون في حرب سُمير.

(24) فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها، النضير وحلفاءها.

وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها، فيغلبونهم, فيخربون بيوتهم، ويخرجونهم منها.

فإذا أسر الرجل من الفريقين كليهما، جمعوا له حتى &; 2-307 &; يفدوه, فتعيرهم العرب بذلك, ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟

قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم.

قالوا: فلم تقاتلونهم؟

قالوا: إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا.

فذلك حين عيرهم جل وعز فقال: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان).

1473 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كانت قريظة والنضير أخوين, وكانوا بهذه المثابة, (25) وكان الكتاب بأيديهم.

وكانت الأوس والخزرج أخوين فافترقا, وافترقت قريظة والنضير, فكانت النضير مع الخزرج, وكانت قريظة مع الأوس، فاقتتلوا.

وكان بعضهم يقتل بعضا, فقال الله جل ثناؤه: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم) الآية.

* * * وقال آخرون بما:- 1474 - حدثني به المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قال: كان في بني إسرائيل: إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم.

وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم.

* * * قال أبو جعفر: وأما " العدوان " فهو " الفعلان " من " التعدي", يقال منه: " عدا فلان في كذا عدوا وعدوانا, واعتدى يعتدي اعتداء ", وذلك إذا جاوز حده ظلما وبغيا.

* * * وقد اختلف الْقَرَأَة في قراءة: (تظاهرون) .

(26) فقرأها بعضهم: " تظاهرون " على مثال " تفاعلون " فحذف التاء الزائدة وهي التاء الآخرة.

وقرأها آخرون: &; 2-308 &; (تظَّاهرون), فشدد، بتأويل: (تتظاهرون), غير أنهم أدغموا التاء الثانية في الظاء، لتقارب مخرجيهما، فصيروهما ظاء مشددة.

وهاتان القراءتان، وإن اختلفت ألفاظهما، فإنهما متفقتا المعنى.

فسواء بأي ذلك قرأ القارئ، لأنهما جميعا لغتان معروفتان، وقراءتان مستفيضتان في أمصار الإسلام بمعنى واحد، ليس في إحداهما معنى تستحق به اختيارها على الأخرى، إلا أن يختار مختار " تظاهرون " المشددة طلبا منه تتمة الكلمة.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم) اليهود.

يوبخهم بذلك, ويعرفهم به قبيح أفعالهم التي كانوا يفعلونها، فقال لهم: ثم أنتم - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم: أن لا تسفكوا دماءكم، ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم - تقتلون أنفسكم = يعني به: يقتل بعضكم بعضا = وأنتم، مع قتلكم من تقتلون منكم، إذا وجدتم الأسير منكم في أيدي غيركم من أعدائكم، تفدونه، (27) ويخرج بعضكم بعضا من دياره.

وقتلكم إياهم وإخراجكموهم من ديارهم، حرام عليكم، وتركهم أسرى في أيدي عدوكم [حرام عليكم], (28) فكيف تستجيزون قتلهم، ولا تستجيزون ترك فدائهم من عدوهم؟

أم كيف لا تستجيزون ترك فدائهم، وتستجيزون قتلهم؟

وهما جميعا في اللازم لكم من الحكم فيهم - سواء.

(29) لأن الذي حرمت عليكم &; 2-309 &; من قتلهم وإخراجهم من دورهم، نظير الذي حرمت عليكم من تركهم أسرى في أيدي عدوهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب - الذي فرضت عليكم فيه فرائضي، وبينت لكم فيه حدودي، وأخذت عليكم بالعمل بما فيه ميثاقي - فتصدقون به, فتفادون أسراكم من أيدي عدوكم; وتكفرون ببعضه، فتجحدونه، فتقتلون من حرمت عليكم قتله من أهل دينكم ومن قومكم, وتخرجونهم من ديارهم؟

وقد علمتم أن الكفر منكم ببعضه نقض منكم عهدي وميثاقي؟

كما:- 1475 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تَفْدُوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، [أفتؤمنون ببعض الكتاب فادين، وتكفرون ببعض قاتلين ومخرجين]؟

(30) والله إن فداءهم لإيمان، وإن إخراجهم لكفر.

فكانوا يخرجونهم من ديارهم, وإذا رأوهم أسارى في أيدي عدوهم أفتكوهم.

1476 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير، أو عن عكرمة, عن ابن عباس: (وإن يأتوكم أسارى تَفْدوهم)، قد علمتم أن ذلكم عليكم في دينكم,(وهو محرم عليكم) في كتابكم (إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، أتفادونهم مؤمنين بذلك, وتخرجونهم كفرا بذلك.

1477 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وإن يأتوكم أسارى تفدوهم) يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك؟

&; 2-310 &; 1478 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر قال، قال أبو جعفر: كان قتادة يقول في قوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، فكان إخراجهم كفرا، وفداؤهم إيمانا.

1479 - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ الآية, قال: كان في بني إسرائيل: إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم, وقد أخذ عليهم الميثاق: أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم, وأخذ عليهم الميثاق: إن أسر بعضهم أن يفادوهم.

فأخرجوهم من ديارهم، ثم فادوهم، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض.

آمنوا بالفداء ففدوا, وكفروا بالإخراج من الديار فأخرجوا.

1480 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر قال، حدثنا الربيع بن أنس قال، أخبرني أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب، ولا يفادي من وقع عليه العرب, فقال له عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك: أن فادوهن كلهن.

1481 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، قال: كفرهم القتل والإخراج, وإيمانهم الفداء.

قال ابن جريج: يقول: إذا كانوا عندكم تقتلونهم وتخرجونهم من ديارهم، وأما إذا أسروا تفدونهم؟

(31) وبلغني أن عمر بن الخطاب قال في قصة بني إسرائيل: إن بني إسرائيل قد مضوا، وإنكم أنتم تعنون بهذا الحديث.

* * * قال أبو جعفر: واختلف الْقَرَأَة (32) في قراءة قوله: (وإن يأتوكم أسارى تفدوهم).

&; 2-311 &; فقرأه بعضهم: (أسرى تَفْدوهم), وبعضهم: (أُسارى تُفادوهم), وبعضهم (أُسارى تَفدوهم), وبعضهم: (أسرى تفادوهم).

* * * قال أبو جعفر: فمن قرأ ذلك: (وإن يأتوكم أسرى), فإنه أراد جمع " الأسير ", إذ كان على " فعيل "، على مثال جمع أسماء ذوي العاهات التي يأتي واحدها على تقدير " فعيل ", إذ كان " الأسر " شبيه المعنى - في الأذى والمكروه الداخل على الأسير - ببعض معاني العاهات، وألحق جمع المستلحق به بجمع ما وصفنا, فقيل: أسير وأسرى ", كما قيل: " مريض ومرضى، وكسير وكَسرى, وجريح وجرحى ".

* * * وقال أبو جعفر: وأما الذين قرءوا ذلك: (أُسارى)، فإنهم أخرجوه على مخرج جمع " فَعلان "، إذ كان جمع " فَعلان " الذي له " فَعلى " قد يشارك جمع " فعيل " كما قالوا: " سَكارى وسَكرى، وكَسالى وكَسلى "، فشبهوا " أسيرا " - وجمعوه مرة " أسارى "، وأخرى " أسرى " - بذلك .

* * * وكان بعضهم يزعم أن معنى " الأسرى " مخالف معنى " الأسارى ", ويزعم أن معنى " الأسرى " استئسار القوم بغير أسر من المستأسِر لهم, وأن معنى " الأسارى " معنى مصير القوم المأسورين في أيدي الآسرين بأسرهم وأخذهم قهرا وغلبة.

قال أبو جعفر: وذلك ما لا وجه له يفهم في لغة أحد من العرب.

ولكن ذلك على ما وصفت من جمع " الأسير " مرة على " فَعلى " لما بينت من العلة, ومرة على " فُعالى "، لما ذكرت: من تشبيههم جمعه بجمع " سكران وكسلان " وما أشبه ذلك.

* * * وأولى بالصواب في ذلك قراءة من قرأ (وإن يأتوكم أسرى)، لأن " فعالى " في جمع " فعيل " غير مستفيض في كلام العرب، فإذ كان ذلك غير مستفيض في كلامهم, وكان مستفيضا فاشيا فيهم جمع ما كان من الصفات - التي بمعنى &; 2-312 &; الآلام والزمانة - وواحده على تقدير " فعيل "، على " فعلى "، كالذي وصفنا قبل, وكان أحد ذلك " الأسير "، كان الواجب أن يلحق بنظائره وأشكاله، فيجمع جمعها دون غيرها ممن خالفها.

* * * وأما من قرأ: (تفادوهم)، فإنه أراد: أنكم تفدونهم من أسرهم, ويفدي منكم - الذين أسروهم ففادوكم بهم - أسراكم منهم.

* * * وأما من قرأ ذلك (تفدوهم)، فإنه أراد: إنكم يا معشر اليهود، إن أتاكم الذين أخرجتموهم منكم من ديارهم أسرى فديتموهم فاستنقذتموهم.

وهذه القراءة أعجب إلي من الأولى - أعني: (أسرى تفادوهم) - (33) لأن الذي على اليهود في دينهم فداء أسراهم بكل حال، فدى الآسرون أسراهم منهم أم لم يفدوهم.

* * * وأما قوله: (وهو محرم عليكم إخراجهم)، فإن في قوله: (وهو) وجهين من التأويل.

أحدهما: أن يكون كناية عن الإخراج الذي تقدم ذكره.

كأنه قال: وتخرجون فريقا منكم من ديارهم, وإخراجهم محرم عليكم.

ثم كرر " الإخراج " الذي بعد " وهو محرم عليكم " تكريرا على " هو ", لما حال بين " الإخراج " و " هو " كلام.

والتأويل الثاني: أن يكون عمادا، لمّا كانت " الواو " التي مع " هو " تقتضي اسما يليها دون الفعل.

(34) فلما قدم الفعل قبل الاسم - الذي تقتضيه " الواو " أن يليها - أُولِيَتْ " هو "، لأنه اسم, كما تقول: " أتيتك وهو قائم أبوك ", بمعنى: " وأبوك قائم ", إذ كانت " الواو " تقتضي اسما، فعمدت بـ " هو ", إذ سبق الفعل الاسم ليصلح الكلام.

(35) كما قال الشاعر: &; 2-313 &; فــأبلغ أبــا يحـيى إذا مـا لقيتـه عـلى العيس فـي آباطهـا عَرَق يَبْسُ (36) بـــأن السُّلامِيَّ الــذي بِضَــرِيَّة أمـيرَ الحـمى, قد باع حَقِّي بني عبسِ (37) بثــوب ودينــار وشــاة ودرهـم فهـل هـو مرفـوع بمـا ههنـا رَأْسُ (38) فأوليت " هل "" هو " لطلبها الاسم العماد.

(39) * * * &; 2-314 &; القول في تأويل قوله تعالى : فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم): فليس لمن قتل منكم قتيلا = فكفر بقتله إياه، بنقض عهد الله الذي حكم به عليه في التوراة - وأخرج منكم فريقا من ديارهم مظاهرا عليهم أعداءهم من أهل الشرك ظلما وعدوانا وخلافا لما أمره الله به في كتابه الذي أنـزله إلى موسى = جزاء - يعني" بالجزاء ": الثواب، وهو العوض مما فعل من ذلك والأجر عليه - (40) إلا خزي في الحياة الدنيا.

و " الخزي": الذل والصغار, يقال منه: " خزي الرجل يخزى خزيا "، (في الحياة الدنيا)، يعني: في عاجل الدنيا قبل الآخرة.

* * * ثم اختلف في الخزي الذي أخزاهم الله بما سلف من معصيتهم إياه.

فقال بعضهم: ذلك هو حكم الله الذي أنـزله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: من أخذ القاتل بمن قتل، والقود به قصاصا, والانتقام للمظلوم من الظالم.

* * * وقال آخرون: بل ذلك، هو أخذ الجزية منهم ما أقاموا على دينهم، ذلة لهم وصغارا.

* * * وقال آخرون: بل ذلك الخزي الذي جوزوا به في الدنيا: إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم النضير من ديارهم لأول الحشر, وقتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم، فكان ذلك خزيا في الدنيا, ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

&; 2-315 &; * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب): ويوم تقوم الساعة يرد من يفعل ذلك منكم - بعد الخزي الذي يحل به في الدنيا جزاء على معصية الله - إلى أشد العذاب الذي أعد الله لأعدائه.

* * * وقد قال بعضهم: معنى ذلك: ويوم القيامة يردون إلى أشد من عذاب الدنيا.

(41) ولا معنى لقول قائل ذلك.

(42) ذلك بأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنهم يردون إلى أشد معاني العذاب، ولذلك أدخل فيه " الألف واللام ", لأنه عنى به جنس العذاب كله، دون نوع منه.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) قال أبو جعفر: اختلف الْقَرَأَة في قراءة ذلك.

فقرأه بعضهم: (وما الله بغافل عما يعملون) بـ " الياء "، على وجه الإخبار عنهم, فكأنهم نحوا بقراءتهم معنى: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون)، يعني: عما يعمله الذين أخبر الله عنهم أنه ليس لهم جزاء على فعلهم إلا الخزي في الحياة الدنيا, ومرجعهم في الآخرة إلى أشد العذاب.

* * * وقرأه آخرون: (وما الله بغافل عما تعملون) بـ " التاء " على وجه المخاطبة.

&; 2-316 &; قال: فكأنهم نحوا بقراءتهم: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ .

وما الله بغافل، يا معشر اليهود، عما تعملون أنتم.

* * * وأعجب القراءتين إلي قراءة من قرأ بـ " الياء "، اتباعا لقوله: فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ ، ولقوله: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ .

لأن قوله: (وما الله بغافل عما يعملون) إلى ذلك، أقرب منه إلى قوله: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، فاتباعه الأقرب إليه، أولى من إلحاقه بالأبعد منه.

والوجه الآخر غير بعيد من الصواب.

* * * وتأويل قوله: " وما الله بغافل عما يعملون " ، (43) وما الله بساه عن أعمالهم الخبيثة, بل هو محص لها وحافظها عليهم حتى يجازيهم بها في الآخرة، ويخزيهم في الدنيا، فيذلهم ويفضحهم.

(44) ----------------- الهوامش : (8) في المطبوعة : "ثم أقررتم وبعد شهادتكم .

.

" والواو لا مكان لها هنا .

(9) في المطبوعة"متعاونين عليه في إخراجكم .

.

" ، وهذا سهو .

(10) في المطبوعة : " وإنما قيل التعاون التظاهر .

.

" وهذا لا شيء .

(11) في المطبوعة : "ولوقيل .

أنا هذا أجلس" .

والصواب ما أثبت .

(12) في المطبوعة : "وأولى" ، وهو خطأ .

ويعني قوله تعالى في سورة آل عمران : 119 : "ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم" ، وقوله تعالى في سورة طه : 84 : " قال هم أولاء على أثرى" .

(13) مضى تخريجه فيما سلف 1 : 227 .

(14) في تفسير ابن كثير 1 : 223 ، والدر المنثور 1 : 86 : "أي أهل الشرك" ، والصواب ما في الطبري ، وقوله : "إلى أهل الشرك" ، أي تخرجون فريقا منكم - إلى أهل الشرك .

(15) في المطبوعة : "فقال أنبهم" ، والأجود حذفها .

(16) ما بين القوسين زيادة لا بد منها .

وأما ابن كثير في تفسيره 1 : 223 فكتب : "أنبأهم الله بذلك من فعلهم" ، وهو تحريف .

(17) في المطبوعة : "أهل الشرك" ، والصواب في سيرة ابن هشام 2 : 188 ، وابن كثير 1 : 224 .

(18) طل دمه وأطله : أهدره وأبطله .

(19) في المطبوعة : "وقتلوا من قتلوا .

.

" ، والصواب من ابن هشام 2 : 189 .

(20) في المطبوعة : "أنباهم بذلك" ، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام 2 : 189 ، وسترى ذلك في تفسير الآية نفسها بعد .

(21) في المطبوعة : "من ذلك" ، وهو محض خطأ .

(22) هذه الجملة الأخيرة من كلام ابن إسحاق ، لا من كلام ابن عباس .

(23) في المطبوعة : "بما قدم يمينه فأعتقوه" .

وهو كلام من السقم بمكان .

يقال : قامت الأمة مئة دينار ، أي بلغت قيمتها مئة دينار .

ويقال : كم قامت أمتك؟

أي كم بلغت؟

ووجدتها في تفسير البغوي على الصواب : "بما قام من ثمنه" 1 : 224 (بهامش تفسير ابن كثير) .

(24) حرب سُمير .

كانت في الجاهلية بين الأوس والخزرج .

وسُمير رجل من بني عمرو بن عوف .

وانظر خبر هذه الحرب في الأغاني 3 : 18 : 26 .

(25) المثابة : يعني المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والمثابة المنزل ، لأن أهله يتصرفون في أمورهم ثم يثوبون إليه ، يرجعون إليه .

وقال الله تعالى : "وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا" (26) في المطبوعة : "وقد اختلف القراء" ، ورددتها إلى منهج الطبري .

(27) في المطبوعة : "تفدوهم" ، خطأ .

(28) الزيادة بين القوسين لا معدى عنها لاستقامة الكلام .

(29) في المطبوعة : "وهم جميعا" ، والصواب ما أثبت .

(30) كان في المطبوعة : " .

.

وتكفرون ببعض فادين والله إن فداء لإيمان" ، وهو كلام مضطرب فزدت ما بين القوسين استظهارا ، حتى يستقيم الكلام .

(31) في المطبوعة : "تفدوهم" ، خطأ .

(32) في المطبوعة : "واختلف القراء" ، ورددته إلى نهج أبي جعفر .

(33) في المطبوعة : "أسرى تفدوهم" ، وهو غير الصواب ، فيما اختاره أبو جعفر من القراءة .

(34) العماد ، هو ما اصطلح عليه البصريون بقولهم : "ضمير الفصل" ، ويسمى أيضًا : "دعامة" ، "صفة" .

وأراد بقوله : "الفعل" هنا : المشتق الذي يعمل فيما بعده عمل الفعل .

وسيتبين مراده في العبارات الآتية .

(35) قد استوفى هذا كله الفراء في معاني القرآن 1 : 50 - 52 .

(36) سيأتي الشطر الثاني من البيت الأخير في 11: 34، 17: 73 ولم أجد الشعر في غير معاني القرآن للفراء 1: 52، ولم أعرف قائله.

والعيس: إبل بيض يخالطها شقرة يسيرة، وهي من كرائم الإبل.

ويبس يابس.

قد يبس العرق في آباطها من طول الرحلة.

(37) السلامي : يعني رجلا كان - فيما أرجح - مصدقا وعاملا على الزكاة ، وأميرا على حمى ضرية ، ولست أعرف نسبته ، أهي قبيلة أم إلى بلد .

وحمى ضرية : في نجد ، على طريق البصرة إلى مكة ، وهي إلى مكة أقرب ، وهي أرض طيبة مذكورة في شعرهم .

وفي البيت إقواء .

(38) سيأتي الشطر الثاني بعد قليل : 374 قوله : "بثوب" ، متعلق بقوله آنفًا "باع" .

يقول : أخذ هذه الرشى التي عددها من بني عبس ، فأسلم إليهم حقي .

وقوله : "فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس" يقوله لأبي يحيى الذي ذكره ، ويقول : فهل نجد ناصرا ينصرنا وياخذ لناحقنا ، فنرفع رؤوسنا بعد ما نزل بنا من الضيم .

وهذه كلمة يقولونها في مثل ذلك .

قال الراعي (طبقات فحول الشعراء : 442) : فــإن رفعـت بهـم رأسـا نَعَشْـتُهم وإن لَقُـوا مثلهـا فـي قـابل فسـدوا وقال أعرابي : فتـى مثـل ضوء الشمس, ليس بباخل بخــير, ولا مهــد ملامـا لبـاخل ولا نــاطق عـوراء تـؤذى جليسـه ولا رافــع رأســا بعـوراء قـائل وجاءت هذه الكلمة في (باب فضل من علم وعلم) من حديث أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (البخاري 1 : 23) : "فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به ، فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" .

(39) في المطبوعة : "فأوليت هل لطلبها" ، وزيادة"هو" لا بد منها .

(40) انظر ما سلف 2 : 27 - 28 من هذا الجزء .

(41) في المطبوعة : "إلى أشد العذاب من عذاب الدنيا" ، والصواب حذف"العذاب" .

(42) في المطبوعة : "ولا معنىلقول ذلك بأن .

.

" والصواب زيادة"ذلك" .

(43) في المطبوعة : "وتأويل قوله : وما الله بساه" ، لم يذكر الآية ، والصواب إثباتها .

(44) مضى تفسير معنى"الغفلة" فيما سلف من هذا الجزء 2 : 244

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرونقوله تعالى : ثم أنتم هؤلاء أنتم في موضع رفع بالابتداء ، ولا يعرب ; لأنه مضمر .

وضمت التاء من أنتم لأنها كانت مفتوحة إذا خاطبت واحدا مذكرا ، ومكسورة إذا خاطبت واحدة مؤنثة ، فلما ثنيت أو جمعت لم يبق إلا الضمة .

( هؤلاء ) قال القتبي : التقدير يا هؤلاء .

[ ص: 21 ] قال النحاس : هذا خطأ على قول سيبويه ، ولا يجوز هذا أقبل .

وقال الزجاج : هؤلاء بمعنى الذين .وتقتلون داخل في الصلة ، أي ثم أنتم الذين تقتلون .

وقيل : هؤلاء رفع بالابتداء ، وأنتم خبر مقدم ، وتقتلون حال من أولاء .

وقيل : هؤلاء نصب بإضمار أعني .

وقرأ الزهري " تقتلون " بضم التاء مشددا ، وكذلك " فلم تقتلون أنبياء الله " .

وهذه الآية خطاب للمواجهين لا يحتمل رده إلى الأسلاف .

نزلت في بني قينقاع وقريظة والنضير من اليهود ، وكانت بنو قينقاع أعداء قريظة ، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع ، والخزرج حلفاء بني قريظة .

والنضير والأوس والخزرج إخوان ، وقريظة والنضير أيضا إخوان ، ثم افترقوا فكانوا يقتتلون ، ثم يرتفع الحرب فيفدون أسراهم ، فعيرهم الله بذلك فقال : وإن يأتوكم أسارى تفادوهم .قوله تعالى : تظاهرون عليهم معنى تظاهرون تتعاونون ، مشتق من الظهر ; لأن بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر ، ومنه قول الشاعر :تظاهرتم أستاه بيت تجمعت على واحد لا زلتم قرن واحدوالإثم : الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم .

والعدوان : الإفراط في الظلم والتجاوز فيه .

وقرأ أهل المدينة وأهل مكة " تظاهرون " بالتشديد ، يدغمون التاء في الظاء لقربها منها ، والأصل تتظاهرون .

وقرأ الكوفيون تظاهرون مخففا ، حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها ، وكذا وإن تظاهرا عليه .

وقرأ قتادة " تظهرون عليهم " وكله راجع إلى معنى التعاون ، ومنه : وكان الكافر على ربه ظهيرا وقوله : والملائكة بعد ذلك ظهير فاعلمه .قوله تعالى : وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهمفيه ست مسائل : الأولى : قوله تعالى : وإن يأتوكم أسارى شرط وجوابه : تفادوهم وأسارى نصب على الحال .

قال أبو عبيد وكان أبو عمرو يقول : ما صار في أيديهم فهم الأسارى ، وما جاء مستأسرا فهم الأسرى .

ولا يعرف أهل اللغة ما قال أبو عمرو ، إنما هو كما تقول : سكارى وسكرى .

وقراءة الجماعة أسارى ما عدا حمزة فإنه قرأ " أسرى " على فعلى ، جمع أسير [ ص: 22 ] بمعنى مأسور ، والباب - في تكسيره إذا كان كذلك - فعلى ، كما تقول : قتيل وقتلى ، وجريح وجرحى .

قال أبو حاتم : ولا يجوز أسارى .

وقال الزجاج : يقال أسارى كما يقال سكارى ، وفعالى هو الأصل ، وفعالى داخلة عليها .

وحكي عن محمد بن يزيد قال : يقال أسير وأسراء ، كظريف وظرفاء .

قال ابن فارس : يقال في جمع أسير أسرى وأسارى ، وقرئ بهما .

وقيل : أسارى ( بفتح الهمزة ) وليست بالعالية .الثانية : الأسير مشتق من الإسار ، وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا ; لأنه يشد وثاقه ، والعرب تقول : قد أسر قتبه ، أي شده ، ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر ، وقال الأعشى :وقيدني الشعر في بيته كما قيد الآسرات الحماراأي أنا في بيته ، يريد بذلك بلوغه النهاية فيه .

فأما الأسر في قوله عز وجل : وشددنا أسرهم فهو الخلق .

وأسرة الرجل رهطه ; لأنه يتقوى بهم .الثالثة : تفادوهم كذا قرأ نافع وحمزة والكسائي .

والباقون " تفدوهم " من الفداء .

والفداء : طلب الفدية في الأسير الذي في أيديهم .

قال الجوهري : " الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر ، وإذا فتح فهو مقصور ، يقال : قم فدى لك أبي .

ومن العرب من يكسر " فداء " بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة ، فيقول : فداء لك ، لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء .

وأنشد الأصمعي للنابغة :مهلا فداء لك الأقوام كلهم وما أثمر من مال ومن ولدويقال : فداه وفاداه إذا أعطى فداءه فأنقذه .

وفداه بنفسه ، وفداه يفديه إذا قال : جعلت فداك .

وتفادوا ، أي فدى بعضهم بعضا " .

والفدية والفدى والفداء كله بمعنى واحد .

وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئا ، بمعنى فديت ، ومنه قول العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : فاديت نفسي وفاديت عقيلا .

وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر ، تقول : فديت نفسي بمالي وفاديته بمالي ، قال الشاعر : [ ص: 23 ]قفي فادي أسيرك إن قومي وقومك ما أرى لهم اجتماعاالرابعة : قوله تعالى : وهو محرم عليكم إخراجهم هو مبتدأ وهو كناية عن الإخراج ، ومحرم خبره ، وإخراجهم بدل من هو وإن شئت كان كناية عن الحديث والقصة ، والجملة التي بعده خبره ، أي والأمر محرم عليكم إخراجهم .

فإخراجهم مبتدأ ثان .

ومحرم خبره ، والجملة خبر عن هو ، وفي " محرم " ضمير ما لم يسم فاعله يعود على الإخراج .

ويجوز أن يكون محرم مبتدأ ، وإخراجهم مفعول ما لم يسم فاعله يسد مسد خبر " محرم " ، والجملة خبر عن هو .

وزعم الفراء أن هو عماد ، وهذا عند البصريين خطأ لا معنى له ; لأن العماد لا يكون في أول الكلام .

ويقرأ " وهو " بسكون الهاء لثقل الضمة ، كما قال الشاعر :فهو لا تنمي رميته ماله لا عد من نفرهوكذلك إن جئت باللام وثم ، وقد تقدم .

قال علماؤنا : كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود : ترك القتل ، وترك الإخراج ، وترك المظاهرة ، وفداء أساراهم ، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء ، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال : أفتؤمنون ببعض الكتاب وهو التوراة وتكفرون ببعض !

!قلت : ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض !

ليت بالمسلمين ، بل بالكافرين !

حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !

.قال علماؤنا : فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد .

قال ابن خويز منداد : تضمنت الآية وجوب فك الأسرى ، وبذلك وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى وأمر بفكهم ، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع .

ويجب فك الأسارى من بيت المال ، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين ، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين .

وسيأتي .الخامسة : قوله تعالى : فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ابتداء وخبر .

والخزي الهوان .

قال الجوهري : وخزي - بالكسر - يخزى خزيا إذا ذل وهان .

قال ابن السكيت : وقع في بلية .

وأخزاه الله ، وخزي أيضا يخزى خزاية إذا استحيا ، فهو خزيان .

وقوم خزايا وامرأة خزيا .السادسة : قوله تعالى : ويوم القيامة يردون يردون بالياء قراءة العامة ، وقرأ الحسن " تردون " بالتاء على الخطاب .

إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون تقدم القول فيه وكذلك أولئك الذين اشتروا الآية فلا معنى لإعادته .

يوم منصوب ب يردون

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيات من 84 ال 85 وهذا الفعل المذكور في هذه الآية, فعل للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مشركين, وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية، فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود, بنو قريظة, وبنو النضير, وبنو قينقاع، فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة.

فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود, فيقتل اليهودي اليهودي, ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها, وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا.

والأمور الثلاثة كلها قد فرضت عليهم، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض, ولا يخرج بعضهم بعضا، وإذا وجدوا أسيرا منهم, وجب عليهم فداؤه، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين, فأنكر الله عليهم ذلك فقال: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ } وهو فداء الأسير { وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } وهو القتل والإخراج.

وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان، قال تعالى: { فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } وقد وقع ذلك فأخزاهم الله, وسلط رسوله عليهم, فقتل من قتل, وسبى من سبى منهم, وأجلى من أجلى.

{ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ } أي: أعظمه { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل: {ثم أنتم هؤلاء} يعني: يا هؤلاء، وهؤلاء للتنبيه.

{تقتلون أنفسكم} أي (يقتل) بعضكم بعضاً.

{وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم} بتشديد الظاء أي تتظاهرون أدغمت التاء في الظاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الظاء فحذفوا تاء التفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله تعالى: {ولا تعاونوا} معناهما جميعاً: تتعاونون، والظهير: العون.

{بالإثم والعدوان} المعصية والظلم.

{وإن يأتوكم أسارى} وقرأ حمزة: أسرى، وهما جمع أسير، ومعناهما واحد.

{تفادوهم} بالمال وتنقذوهم.

وقرأ أهل المدينة وعاصم والكسائي ويعقوب ( تفادوهم ) أي تبادلوهم.

أراد: مفاداة الأسير بالأسير، وقيل: معنى القراءتين واحد.

ومعنى الآية قال السدي: "إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، وكانوا يقتتلون في حرب سمير فيقاتل بنو قريظة وحلفاؤهم وبنو النضير وحلفاؤهم وإذا غلبوا أخربوا ديارهم وأخرجوهم منها، وإذا أَسَر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه وإن كان الأسير من عدوهم، فتُعَيِّرهم الأعراب وتقول: كيف تقاتلونهم وتفدونهم قالوا: إنا أُمِرنا أن نفديهم، فيقولون: فلم تقاتلونهم؟

قالوا: إنا نستحيي أن يستذل حلفاؤنا".

فعيَّرهم الله تعالى بذلك فقال: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} وفي الآية تقديم وتأخير ونظمها (وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان).

{وهو محرم عليكم إخراجهم} وإن يأتوكم أسارى تفادوهم، فكأن الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتال، وترك الإخراج، وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن الكل إلا الفداء.

قال الله تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} قال مجاهد: "يقول إن وجدته في يد غيرك فديته وأنت تقتله بيدك.

{فما جزاء من يفعل ذلك منكم} يا معشر اليهود.

{إلا خزي} عذاب وهوان.

{في الحياة الدنيا} فكان خزي قريظة القتل والسبي، وخزي النضير الجلاء والنفي من منازلهم إلى أذرعات وأريحاء من الشام.

{ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} وهو عذاب النار.

{وما الله بغافل عما تعملون} قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر بالياء، والباقون بالتاء.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم أنتم» يا «هؤلاء تقتلون أنفسكم» بقتل بعضكم بعضا «وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تَظَّاهَرُونَ» فيه إدغام التاء في الأصل في الظاء، وفي قراءة بالتخفيف على حذفها تتعاونون «عليهم بالإثم» بالمعصية «والعدوان» الظلم «وإن يأتوكم أسارى» وفي قراءة أسرى «تَفْدُوهُمْ» وفي قراءة «تُفَادُوهُمْ» تنقذوهم من الأسر بالمال أو غيره وهو مما عهد إليهم «وهو» أي الشأن «محرَّم عليكم إخراجهم» متصل بقوله وتخرجون والجملة بينهما اعتراض: أي كما حرم ترك الفداء، وكانت قريظةُ حالفوا الأوسَ، والنضيرُ الخزرجَ فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه ويخرب ديارهم ويخرجهم فإذا أسروا فدوهم، وكانوا إذا سئلوا لم تقاتلونهم وتفدونهم؟

قالوا أمرنا بالفداء فيقال فَلِمَ تقاتلونهم؟

فيقولون حياء أن تستذل حلفاؤنا.

قال تعالى: «أفتؤمنون ببعض الكتاب» وهو الفداء «وتكفرون ببعض» وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة «فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ» هوان وذلّ «في الحياة الدنيا» وقد خزوا بقتل قريظة ونفي النضير إلى الشام وضرب الجزية «ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافلِ عما يعملون» بالياء والتاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم أنتم يا هؤلاء يقتل بعضكم بعضًا، ويُخرج بعضكم بعضًا من ديارهم، ويَتَقَوَّى كل فريق منكم على إخوانه بالأعداء بغيًا وعدوانًا.

وأن يأتوكم أسارى في يد الأعداء سعيتم في تحريرهم من الأسر، بدفع الفدية، مع أنه محرم عليكم إخراجهم من ديارهم.

ما أقبح ما تفعلون حين تؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعضها!

فليس جزاء مَن يفعل ذلك منكم إلا ذُلا وفضيحة في الدنيا.

ويوم القيامة يردُّهم الله إلى أفظع العذاب في النار.

وما الله بغافل عما تعملون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

لقد بين القرآن الكريم بعد ذلك بأنهم نقضوا عهودهم ، وارتكبوا ما نهوا عن ارتكابه ، فقال تعالى : ( ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ .

.

.

) أي : ثم أنتم - يا معشر اليهود - بعد اعترافكم بالميثاق ، والتزامكم به ، نقضتم عهودكم ، وارتكبتم في حق إخوانكم ما نهيتم عنه ، من القتل والإِخراج ، وفعلتم ما لا يليق بالعقلاء ، ومن يحترم المواثيق .ولما كان قتل بعضهم لبعض ، وإخراجهم من أماكنهم يحتاج إلى قوة وغلبة ، بين - سبحانه - أنهم يرتكبون ذلك وهم متعاونون عليه بالشرور ومجازوة الحدود ، فقال تعالى : ( تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ ) تظاهرون : من التظاهر وهو التعاون ، وأصله من الظهر ، كأن المتعاونين يسند كل واحد منهم ظهره إلى الآخر .

والمعنى : تتعاونون على قتل إخوانكم وإخراجهم من ديارهم مع من ليسوا من أقاربكم وليسوا من دينكم ، وأنتم مرتكبون ذلك الإِثم والعدوان .وقوله تعالى : ( وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ) بيان لتناقضهم وتفريقهم لأحكام الله تعالى .وأُسارى - جمع أسير بمعنى مأسور ، وهو من يؤخذ على سبيل القهر فيشد بالإِسار وهو القد - بكسر القاف - ، والقد : سير يقلد من جلد غير مدبوغ .

وتفادوهم : تنقذوهم من الأسر بالفداء ، يقال : فاداه وفداه : أعطى فداءه فأنقذه .أي : أنتم - يا معشر اليهود - إن وجدتم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم أسرى تسعون في فكاكهم ، وتبذلون عرضاً لإِطلاقهم ، والشأن أن قتلهم وإخراجهم محرم عليكم كتركهم أسرى في أيدي أعدائكم ، فلماذا لم تتبعوا حكم التوراة في النهي عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم حكمها في مفاداتهم؟وصدرت الجملة الكريمة " وهو محرم عليكم إخراجهم " بضمير الشأن للاهتمام بها .والعناية بشأنها ، وإظهاهر أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم ، وليس خافياً عليهم .وقوله تعالى : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) توبيخ وتقريع لهم على تفريقهم بين أحكام الله .والمعنى : أفتتبعون أحكام كتابكم في فداء الأسرى ، ولا تتبعونها في نهيكم عن قتال إخوانكم وإخراجهم من ديارهم؟

فالاستفهام للإِنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكامه - تعالى - بالإِيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر .وبعض الكتاب الذي آمنوا به هو ما حرم عليهم من ترك الأسرى في الأيدي عدوهم ، وبعضه الذي كفروا به ما حرم عليهم من القتل والإِخراج من الديار ، فالإِنكار منصب على جمعهم بين الكفر والإِيمان .قال فضيلة المرحوم للشيخ محمد الخضر حسين : " وإنما سمى - سبحانه - عصيانهم بالقتل والإِخراج من الديار كفراً؛ لأن من عصى أمر الله - تعالى - بحكم عملي معتقداً أن الحكمة والصلاح فيما فعله ، بحيث يتعاطاه دون أن يكون في قلبه أثر من التحرج ، ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما ارتكب .

فقد خرج بهذه الحالة النفسية عن سبيل المؤمنين ، وفي الآية الكريمة دليل واضح على أن الذي يؤمن ببعض ما تقرر في الدين بالدليل القاطع ويكفر ببعضه ، يدخل في زمرة الكافرين لأن الإِيمان كل لا يتجزأ " .ثم بين - سبحانه - العقاب الدنيوي والأخرى الذي استحقه أولئك المفرقون لأحكمه فقال تعالى : ( فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) .اسم الإِشارة ( ذلك ) مشار به إلى القتل والإِخراج من الديار ، اللذين نقضوا بهما عهد الله بغياً وكفراً والخزي في الدنيا هو الهوان والمقت والعقوبة ومن مظاهره : ما لحق اليهود بعد تلك الحروب من المذلة بإجلاء بني فينقاع والنضير عن ديارهم ، وقتل بني قريظة وفتح خيبر ، وما لحقهم بعد ذلك من هوان وصغار ، وتلك سنة الله في كل أمة لا تتمسك بدينها ولا تربط شئونها بأحكام شريعتها وآدابها .ولما كان البعض قد يتوهم أن خزيهم في الدنيا قد يكون سبباً في تخفيف العذاب عنهم في الأخرى ، نفى - سبحانه - هذا التوهم ، وبين أنهم يوم القيامة سيصيرون إلى ما هو أشد منه .لأن الله - تعالى - ليس ساهياً عن أعمالهم حتى يترك مجازاتهم عليها .فالمراد من نفي الغفلة نفي ما يتسبب عنها من ترك المجازاة لهم على شرورهم .وفي ذلك دليل على أن الله - تعالى - يعاقب الحائدين عن طريقه المستقيم ، بعقوبات في الدنيا ، وفي الآخرة ، جزاء طغيانهم ، وإصرارهم على السيئات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء ﴾ ففيه إشكال لأن قوله: ﴿ أَنتُمْ ﴾ للحاضرين و ﴿ هَؤُلاء ﴾ للغائبين فكيف يكون الحاضر نفس الغائب، وجوابه من وجوه، أحدها: تقديره ثم أنتم يا هؤلاء.

وثانيها: تقديره ثم أنتم أعني هؤلاء الحاضرين.

وثالثها: أنه بمعنى الذي وصلته تقتلون وموضع تقتلون رفع إذا كان خبراً ولا موضع له إذا كان صلة.

قال الزجاج: ومثله في الصلة قوله تعالى: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى  ﴾ يعني وما تلك التي بيمينك.

ورابعها: هؤلاء تأكيد لأنتم، والخبر تقتلون، وأما قوله تعالى: ﴿ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ فقد ذكرنا فيه الوجوه، وأصحها أن المراد يقتل بعضكم بعضاً، وقتل البعض للبعض قد يقال فيه إنه قتل للنفس إذ كان الكل بمنزلة النفس الواحدة وبينا المراد بالإخراج من الديار ما هو.

أما قوله تعالى: ﴿ تظاهرون علَيْهِم بالإثم والعدوان ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي تظاهرون بتخفيف الظاء، والباقون بالتشديد فوجه التخفيف الحذف لإحدى التاءين كقوله: ﴿ وَلاَ تَعَاوَنُواْ ﴾ ووجه التشديد إدغام التاء في الظاء، كقوله تعالى: ﴿ اثاقلتم  ﴾ والحذف أخف والادغام أدل على الأصل.

المسألة الثانية: اعلم أن التظاهر هو التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة بين الله تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان.

المسألة الثالثة: الآية تدل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة، فإن قيل: أليس أن الله تعالى لما أقدر الظالم على الظلم وأزال العوائق والموانع وسلط عليه الشهوة الداعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحة لوجب أن لا يوجد ذلك من الله تعالى، والجواب: أنه تعالى وإن مكن الظالم من ذلك فقد زجره عن الظلم بالتهديد والزجر، بخلاف المعين للظالم على ظلمه فإنه يرغبه فيه ويحسنه في عينه ويدعوه إليه فظهر الفرق.

المسألة الرابعة: الآية لا تدل على أن قدر ذنب المعين مثل قدر ذنب المباشر، بل الدليل دل على أنه دونه لأن الإعانة لو حصلت بدون المباشرة لما أثرت في حصول الظلم ولو حصلت المباشرة بدون الإعانة لحصل الضرر والظلم، فعلمنا أن المباشرة أدخل في الحرمة من الإعانة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وعاصم والكسائي: (أسارى تفادوهم) بالألف فيهما، وقرأ حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون: أسارى بالألف وتفدوهم بغير ألف والأسرى جمع أسير كجريح وجرحى، وفي أسارى قولان: أحدهما: أنه جمع أسرى كسكرى وسكارى، والثاني: جمع أسير، وفرق أبو عمرو بين الأسرى والأسارى، وقال: الأسارى الذين في وثاق، والأسرى الذين في اليد، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة، وأنكر ثعلب ذلك، وقال علي بن عيسى: الاختيار أسارى بالألف لأن عليه أكثر الأئمة ولأنه أدل على معنى الجمع إذ كان يقال بكثرة فيه، وهو قليل في الواحد نحو شكاعى ولأنها لغة أهل الحجاز.

المسألة الثانية: تفدوهم وتفادوهم لغتان مشهورتان تفدوهم من الفداء وهو العوض من الشيء صيانة له، يقال: فداه فدية وتفادوهم من المفاداة.

المسألة الثالثة: جمهور المفسرين قالوا: المراد من قوله: ﴿ تفادوهم ﴾ وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم، وذكر أبو مسلم أنه ضد ذلك، والمراد أنكم مع القتل والإخراج إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال، وإن كان ذلك محرماً عليكم ثم عنده تخرجونه من الأسر، قال أبو مسلم والمفسرون: إنما أتوا من جهة قوله تعالى: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ ، وهذا ضعيف لأن هذا القول راجع إلى ما تقدم من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليهم، والمراد أنه إذا كان في الكتاب الذي معكم نبأ محمد فجحدتموه فقد آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض، وكلا القولين يحتمل لفظ المفاداة لأن الباذل عن الأسير يوصف بأنه فاداه والأخذ منه للتخليص يوصف أيضاً بذلك، إلا أن الذي أجمع المفسرون عليه أقرب، لأن عود قوله: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية أولى من عوده إلى أمور تقدم ذكرها بعد آيات.

المسألة الرابعة: قال بعضهم: الذين أخرجوا والذين فودوا فريق واحد، وذلك أن قريظة والنضير كانا أخوين كالأوس والخزرج، فافترقوا فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس.

فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه، فعيرتهم العرب وقالوا: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا، وقال آخرون: ليس الذين أخرجوهم فودوا ولكنهم قوم آخرون فعابهم الله عليه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ ففي قوله: ﴿ وَهُوَ ﴾ وجهان، الأول: أنه ضمير القصة والشأن كأنه قيل والقصة محرم عليكم إخراجهم.

الثاني: أنه كناية عن الإخراج أعيد ذكره توكيداً لأنه فصل بينهما بكلام فموضعه على هذا رفع كأنه قيل وإخراجهم محرم عليكم، ثم أعيد ذكر إخراجهم مبيناً للأول.

أما قوله: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ فقد اختلف العلماء فيه على وجهين.

أحدهما: أخراجهم كفر، وفداؤهم إيمان، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وابن جريج، ولم يذمهم على الفداء، وإنما ذمهم على المناقضة إذ أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم لا يقال هب أن ذلك الإخراج معصية، فلم سماها كفراً مع أنه ثبت أن العاصي لا يكفر، لأنا نقول لعلهم صرحوا أن ذلك الإخراج غير واجب مع أن صريح التوراة كان دالاً على وجوبه.

وثالثهما: المراد منه التنبيه على أنهم في تمسكهم بنبوة موسى عليه السلام مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الحجة في أمرهما على سواء يجري مجرى طريقة السلف منهم في أن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض والكل في الميثاق سواء.

أما قوله تعالى: ﴿ إلا خزي في الحياة الدنيا ﴾ فأصل الخزي الذل والمقت.

يقال: أخزاه الله، إذا مقته وأبعده، وقيل: أصله الاستحياء، فإذا قيل: أخزاه الله كأنه قيل: أوقعه موقعاً يستحيا منه، وبالجملة فالمراد منه الذم العظيم، واختلفوا في هذا الخزي على وجوه: أحدها: قال الحسن: المراد الجزية والصغار، وهو ضعيف لأنه لا دلالة على أن الجزية كانت ثابتة في شريعتهم، بل إن حملنا الآية على الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم صح هذا الوجه، لأن من جملة الخزي الواقع بأهل الذمة أخذ الجزية منهم.

وثانيها: إخراج بني النضير من ديارهم، وقتل بني قريظة وسبي ذراريهم، وهذا إنما يصح لو حملنا الآية على الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم.

وثالثها: وهو الأولى أن المراد منه الذم العظيم والتحقير البالغ من غير تخصيص ذلك ببعض الوجوه دون بعض والتنكير في قوله: خزي يدل على أن الذم واقع في النهاية العظمى.

أما قوله: ﴿ وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدّ العذاب ﴾ ففيه سؤال وهو أن عذاب الدهرية الذين ينكرون الصانع يجب أن يكون أشد من عذاب اليهود، فكيف قال في حق اليهود: ﴿ يُرَدُّونَ إلى أَشَدّ العذاب ﴾ والجواب: المراد منه أنه أشد من الخزي الحاصل في الدنيا، فلفظ الأشد وإن كان مطلقاً إلا أن المراد أشد من هذه الجهة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وعاصم بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة، وجه الأول: البناء على أول الكلام، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، ووجه الثاني: البناء على أنه آخر الكلام واختيار الخطاب لأن عليه الأكثر ولأنه أدل على المعنى لتغليب الخطاب على الغيبة إذا اجتمعا.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة، لأن الغفلة إذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع أنه أقدر القادرين وصلت الحقوق لا محالة إلى مستحقيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَ تَعْبُدُونَ ﴾ إخبار في معنى النهي، كما تقول: تذهب إلى فلان تقول له كذا، تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه وتنصره قراءة عبد الله وأبيّ (اَّ تَعْبُدُواْ) ولا بدّ من إرادة القول، ويدل عليه أيضاً قوله ﴿ وَقُولُواْ ﴾ .

وقوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ إمّا أن يقدّر: وتحسنون بالوالدين إحساناً.

أو وأحسنوا.

وقيل: هو جواب قوله: ﴿ وإذ أَخَذْنَا ميثاق بَنِى إِسْرءيلَ ﴾ إجراء له مجرى القسم، كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون.

وقيل: معناه أن لا تعبدوا، فلما حذفت (أن) رفع، كقوله: أَلاَ أَيُّهَذَا الزّاجِرِي أَحْضُرٌ الْوَغَى ويدل عليه قراءة عبد الله ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويحتمل ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ أن تكون (أن) فيه مفسرة، وأن تكون أن مع الفعل بدلاً عن الميثاق، كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل توحيدهم وقرئ بالتاء حكاية لما خوطبوا به، وبالياء لأنهم غيب.

﴿ حُسْناً ﴾ قولا هو حسن في نفسه لإفراط حسنه.

وقرئ ﴿ حسناً ﴾ و ﴿ حسنى ﴾ على المصدر كبشرى.

﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ على طريقه الالتفات أي توليتم عن الميثاق ورفضتموه.

﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ ﴾ قيل: هم الذين أسلموا منهم.

﴿ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ وأنتم قوم عادتكم الإعراض عن المواثيق، والتولية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ ﴾ اسْتِبْعادٌ لِما ارْتَكَبُوهُ بَعْدَ المِيثاقِ والإقْرارِ بِهِ والشَّهادَةِ عَلَيْهِ.

وأنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وهَؤُلاءِ خَبَرُهُ عَلى مَعْنى أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ النّاقِصُونَ، كَقَوْلِكَ: أنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي فَعَلَ كَذا، نَزَّلَ تَغَيُّرَ الصِّفَةِ مَنزِلَةَ تَغَيُّرِ الذّاتِ، وعَدَهم بِاعْتِبارِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ حُضُورًا وبِاعْتِبارِ ما سَيَحْكِي عَنْهم غَيْبًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ ﴾ إمّا حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، أوْ بَيانٌ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ.

وقِيلَ: هَؤُلاءِ تَأْكِيدٌ، والخَبَرُ هو الجُمْلَةُ.

وقِيلَ بِمَعْنى الَّذِينَ والجُمْلَةُ صِلَتُهُ والمَجْمُوعُ هو الخَبَرُ، وقُرِئَ « تُقَتِّلُونَ» عَلى التَّكْثِيرِ.

﴿ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ تَخْرُجُونَ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أوْ كِلَيْهِما.

والتَّظاهُرُ التَّعاوُنُ مِنَ الظَّهْرِ.

وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.

وقُرِئَ بِإظْهارِها، وتُظْهِرُونَ بِمَعْنى تَتَظَهَّرُونَ ﴿ وَإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ ﴾ رُوِيَ أنَّ قُرَيْظَةَ كانُوا حُلَفاءَ الأوْسِ، والنَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، فَإذا اقْتَتَلا عاوَنَ كُلُّ فَرِيقٍ حُلَفاءَهُ في القَتْلِ وتَخْرِيبِ الدِّيارِ وإجْلاءِ أهْلِها، وإذا أُسِرَ أحَدٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ.

وقِيلَ مَعْناهُ إنْ يَأْتُوكم أُسارى في أيْدِي الشَّياطِينِ تَتَصَدَّوْا لِإنْقاذِهِمْ بِالإرْشادِ والوَعْظِ مَعَ تَضْيِيعِكم أنْفُسَكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ ﴾ .

وقَرَأ حَمْزَةُ « أسْرى» وهو جَمْعُ أسِيرٍ كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وأُسارى جَمْعُهُ كَسَكْرى وسُكارى.

وقِيلَ هو أيْضًا جَمْعُ أسِيرٍ، وكَأنَّهُ شُبِّهَ بِالكَسْلانِ وجَمْعِ جَمْعِهِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ « تَفْدُوهم» ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ ﴾ ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، أوْ مُبْهَمٌ ويُفَسِّرُهُ إخْراجُهُمْ، أوْ راجِعٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ تُخْرِجُونَ مِنَ المَصْدَرِ.

وإخْراجُهم بَدَلٌ أوْ بَيانٌ ﴿ أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي الفِداءَ.

﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ يَعْنِي حُرْمَةَ المُقاتَلَةِ والإجْلاءِ.

﴿ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ كَقَتْلِ قُرَيْظَةَ وسَبْيِهِمْ.

وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى غَيْرِهِمْ.

وأصْلُ الخِزْيِ ذُلٌّ يُسْتَحَيا مِنهُ، ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في كُلٍّ مِنهُما.

﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ ﴾ لِأنَّ عِصْيانَهم أشَدُّ.

﴿ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْوَعِيدِ، أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالمِرْصادِ لا يَغْفُلُ عَنْ أفْعالِهِمْ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ، « تُرَدُّونَ» عَلى الخِطابِ لِقَوْلِهِ ﴿ مِنكُمْ ﴾ .

وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وخَلَفٌ ويَعْقُوبُ « يَعْمَلُونَ» عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِمَن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)

{ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء} استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم واقرارهم وشهادتهم أنتم مبتدأ هؤلاء بمعنى الذين {تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} صلة هؤلاء وهؤلاء مع صلته خبر أنتم {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن ديارهم} غير مراقبين ميثاق الله {تظاهرون علَيْهِم} بالتخفيف كوفي أي تتعاونون وبالتشديد غيرهم فمن خفف فقد حذف احدى التاءين ثم قيل هي الثانية لأن الثقل بها وقيل الأولى ومن شدد قلب التاء الثانية ظاء وأدغم {بالإثم والعدوان} بالمعصية والظلم {وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم} تفدوهم أبو عمرو أسرى تفدوهم مكي وشامي أسرى تفدوهم حمزة أسارى تفادوهم على فدى وفادى بمعنى وأسارى حال وهو جمع أسير وكذلك أسرى والضمير في {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ} للشأن أو هو ضمير مبهم تفسيره {إِخْرَاجُهُمْ

أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب} بفداء الأسرى {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} بالقتال والإجلاء قال السدى أخذ الله عليهم أربعة عهود ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة وفداء الأسير فأعرضوا عن كل ما أمروا به

البقرة (٨٥ _ ٨٨)

إلا الفداء {فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذلك} هو إشارة إلى الإيمان ببعض والكفر ببعض {مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ} فضيحة وهوان {فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب} وهو الذي لا روح فيه ولا فرح أو إلى أشد من عذاب الدنيا {وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} بالياء مكي ونافع وأبو بكر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ نَزَلَتْ كَما في البَحْرِ في بَنِي قَيْنُقاعَ، وبَنِي قُرَيْظَةَ، وبَنِي النَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ، كانَ بَنُو قَيْنُقاعَ أعْداءَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَتِ الأوْسُ حُلَفاءَ بَنِي قَيْنُقاعَ، والخَزْرَجُ حُلَفاءَ بَنِي قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرُ والأوْسُ والخَزْرَجُ إخْوانٌ، وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرُ إخْوانٌ، ثُمَّ افْتَرَقُوا، فَصارَتْ بَنُو النَّضِيرِ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، وبَنُو قُرَيْظَةَ حُلَفاءَ الأوْسِ، فَكانُوا يَقْتَتِلُونَ، ويَقَعُ مِنهم ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، (وثُمَّ) لِلِاسْتِبْعادِ في الوُقُوعِ، لا لِلتَّراخِي في الزَّمانِ، لِأنَّهُ الواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ كَما قِيلَ بِهِ، (وأنْتُمْ) مُبْتَدَأٌ (وهَؤُلاءِ) خَبَرُهُ عَلى مَعْنى: أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ المِيثاقِ والإقْرارِ والشَّهادَةِ هَؤُلاءِ النّاقِضُونَ كَقَوْلِكَ: أنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي فَعَلَ كَذا، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ: ثُمَّ أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ التَّوْكِيدِ في المِيثاقِ نَقَضْتُمُ العَهْدَ، فَتَقْتُلُونَ أنْفُسَكم إلَخْ، أيْ صِفَتُكُمُ الآنَ غَيْرُ الصِّفَةِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها، لَكِنْ أُدْخِلُ (هَؤُلاءِ) وأُوقِعَ خَبَرًا لِيُفِيدَ أنَّ الَّذِي تَغَيَّرَ هو الذّاتُ نَفْسُها نَعْيًا عَلَيْهِمْ لِشِدَّةٍ، وكادَتِ المِيثاقُ، ثُمَّ تَساهُلُهم فِيهِ، وتَغْيِيرُ الذّاتِ فُهِمَ مِن وضْعِ اسْمِ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلذّاتِ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لا مِن جَعْلِ ذاتٍ واحِدٍ في خِطابٍ واحِدٍ مُخاطَبًا وغائِبًا، وإلّا لَفُهِمَ ذَلِكَ مِن نَحْوِ ﴿ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ أيْضًا، وصَحَّ الحَمْلُ مَعَ اعْتِبارِ التَّغَيُّرِ لِأنَّهُ ادِّعائِيٌّ، وفي الحَقِيقَةِ واحِدٌ وعُدُّوا حُضُورًا مُشاهِدِينَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ مِنَ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ سابِقًا وغَيْبًا بِاعْتِبارِ عَدَمِ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِهِمْ، لِما سَيُحْكى عَنْهم مِنَ الأفْعالِ بَعْدُ، لا لِأنَّ المَعاصِيَ تُوجِبُ الغَيْبَةَ عَنْ غَيْرِ الحُضُورِ، إذِ المُناسِبُ حِينَئِذٍ الغَيْبَةُ في (تَقْتُلُونَ)، (وتُخْرِجُونَ)، قالَهُ السّالِيكُوتِيُّ، (وتَقْتُلُونَ) إمّا حالٌ والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، أوْ بَيانٌ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ ﴾ قالُوا كَيْفَ نَحْنُ؟

فَجِيءَ بِتَقْتُلُونَ تَفْسِيرًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تُجْعَلَ مُفَسِّرَةً لَها مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ سُؤالٍ، وذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ وغَيْرُهُ إلى أنَّ (أنْتُمْ) مُبْتَدَأٌ، (وتَقْتُلُونَ) الخَبَرُ، (وهَؤُلاءِ) تَخْصِيصٌ لِلْمُخاطَبِينَ لَمّا نُبِّهُوا عَلى الحالِ الَّتِي هم عَلَيْها مُقِيمُونَ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا بِأعْنِي، وفِيهِ أنَّ النُّحاةَ نَصُّوا عَلى أنَّ التَّخْصِيصَ لا يَكُونُ بِأسْماءِ الإشارَةِ ولا بِالنَّكِرَةِ، والمُسْتَقِرُّ مِن لِسانِ العَرَبِ أنَّهُ يَكُونُ بِأيَّتُها، كاللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ، وبِالمُعَرَّفِ بِاللّامِ كَنَحْنُ العَرَبَ أقْرى النّاسِ لِلضَّيْفِ، أوِ الإضافَةِ، (كَنَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ) وقَدْ يَكُونُ بِالعَلَمِ: كَبِنا تَمِيمًا نَكْشِفُ الضَّبابا.

وأكْثَرَ ما يَأْتِي بَعْدَ ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ، وقَدْ يَجِيءُ بَعْدَ ضَمِيرِ المُخاطَبِ كَبِكَ اللَّهَ نَرْجُو الفَضْلَ، وقِيلَ: هَؤُلاءِ تَأْكِيدٌ لُغَوِيٌّ لِأنْتُمْ، فَهو إمّا بَدَلٌ مِنهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ، وجَعْلُهُ مِنَ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بِالمُرادِفِ تَوَهُّمٌ، والكَلامُ عَلى هَذا خالٍ عَنْ تِلْكَ النُّكْتَةِ، وقِيلَ: هَؤُلاءِ بِمَعْنى الَّذِينَ، والجُمْلَةُ صِلَتُهُ، والمَجْمُوعُ هو الخَبَرُ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، حَيْثُ جَوَّزُوا كَوْنَ جَمِيعِ أسْماءِ الإشارَةِ مَوْصُولَةً، سَواءٌ كانَتْ بَعْدَ (ما) أوْ لا، والبَصْرِيُّونَ يَخُصُّونَهُ إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وهو المُصَحَّحُ عَلى أنَّ الكَلامَ يَصِيرُ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ: أنا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ وهُوَ ضَعِيفٌ كَما قالَهُ الشِّهابُ، وقَرَأ الحَسَنُ (تُقَتِّلُونَ) عَلى التَّكْثِيرِ، وفي تَفْسِيرِ المَهْدَوِيِّ أنَّها قِراءَةُ أبِي نَهِيكٍ، ﴿ وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وضَمِيرُ دِيارِهِمْ لِلْفَرِيقِ، وإيثارُ الغَيْبَةِ مَعَ جَوازِ دِيارِكم كَما في الأوَّلِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ المُرادِ إخْراجَهم مِن دِيارِ المُخاطَبِينَ، مِن حَيْثُ دِيارُهم لا دِيارُ المُخْرَجِينَ، ﴿ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ تُخْرِجُونَ ﴾ أوْ مِن مَفْعُولِهِ، قِيلَ: أوْ مِن كِلَيْهِما، لِأنَّهُ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِ هُما يُبَيِّنُ هَيْئَتَهُما، والمَعْنى عَلى الأوَّلِ تُخْرِجُونَ مُتَظاهِرِينَ عَلَيْهِمْ، وعَلى الثّانِي تُخْرِجُونَ فَرِيقًا مُتَظاهَرًا عَلَيْهِمْ، وعَلى الثّالِثِ تُخْرِجُونَ واقِعًا التَّظاهُرُ مِنهم عَلَيْهِمْ، والتَّظاهُرُ التَّعاوُنُ، وأصْلُهُ مِنَ الظَّهْرِ كَأنَّ المُتَعاوِنِينَ يُسْنِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظَهْرَهُ إلى صاحِبِهِ، والإثْمُ الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ صاحِبُهُ الذَّمَّ واللَّوْمَ، وقِيلَ: ما تَنْفِرُ مِنهُ النَّفْسُ، ولا يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ القَلْبُ، وفي الحَدِيثِ: «(الإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ)» وهو مُتَعَلِّقٌ بِتَظاهَرُونَ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِالإثْمِ، وكَوْنُهُ هُنا مَجازًا عَمّا يُوجِبُهُ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى سَبَبِهِ كَما سُمِّيَتِ الخَمْرُ إثْمًا في قَوْلِهِ: شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي كَذاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بِالعُقُولِ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ داعٍ، والعُدْوانُ تَجاوُزُ الحَدِّ في الظُّلْمِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَظاهَرُونَ) بِتَخْفِيفِ الظّاءِ وأصْلُهُ بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ ثانِيَتُهُما عِنْدَ أبِي حَيّانَ، وأُولاهُما عِنْدَ هاشِمٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّشْدِيدِ، عَلى إدْغامِ التّاءِ في الظّاءِ، وأبُو حَيْوَةَ (تُظاهِرُونَ) بِضَمِّ التّاءِ، وكَسْرِ الهاءِ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما (تَظَّهَّرُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ والظّاءِ والهاءِ مُشَدَّدَتَيْنِ، دُونَ ألِفٍ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو أيْضًا، وبَعْضُهم (تَتَظاهَرُونَ) عَلى الأصْلِ.

﴿ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ ﴾ أيْ تُخْرِجُوهم مِنَ الأسْرِ بِإعْطاءِ الفِداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ (تَفْدُوهُمْ) وعَلَيْهِ حَمْلُ بَعْضِ قِراءَةِ الباقِينَ، إذْ لا مُفاعَلَةَ، وفَرَّقَ جَمْعٌ بَيْنَ فادى وفَدى، بِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ بادَلَ أسِيرًا بِأسِيرٍ، والثّانِي جَمَعَ الفِداءَ، ويُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (فادَيْتُ نَفْسِي، وفادَيْتُ عَقِيلًا) إذْ مِنَ المَعْلُومِ إنَّهُ ما بادَلَ أسِيرًا بِأسِيرٍ، وقِيلَ: تُفادُوهم بِالعُنْفِ، وتَفْدُوهم بِالصُّلْحِ، وقِيلَ: تُفادُوهم تَطْلُبُوا الفِدْيَةَ مِنَ الأسِيرِ الَّذِي في أيْدِيكم مِن أعْدائِكُمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: قِفِي فادِي أسِيرَكِ إنَّ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمَكِ لا أرى لَهُمُ احْتِفالًا وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ لُغَةً تُطْلِقُونَهم بَعْدَ أنْ تَأْخُذُوا مِنهم شَيْئًا، وأُراهُ هُنا كَسابِقِهِ في غايَةِ البُعْدِ، والقَوْلُ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: وإنْ يَأْتُوكم أُسارى في أيْدِي الشَّياطِينِ تَتَصَدَّوْنَ لِإنْقاذِهِمْ بِالإرْشادِ والوَعْظِ مَعَ تَضْيِيعِكم أنْفُسَكم إلى البُطُونِ أقْرَبُ كَما لا يَخْفى، والأُسارى قِيلَ: جَمْعُ أسِيرٍ بِمَعْنى مَأْسُورٍ، وكَأنَّهم حَمَلُوا أسِيرًا عَلى كَسْلانَ، فَجَمَعُوهُ جَمْعَهُ كَما حَمَلُوا كَسْلانَ عَلَيْهِ، فَقالُوا كَسْلى، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ الأسْرَ مَحْبُوسٌ عَنْ كَثِيرٍ مِن تَصَرُّفِهِ لِلْأسْرِ، والكَسْلانُ مَحْبُوسٌ عَنْ ذَلِكَ لِعادَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجْمُوعٌ كَذا ابْتِداءً مِن غَيْرِ حَمْلٍ كَما قالُوا في قَدِيمٍ قُدامى، وسُمِعَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ولَيْسَتْ بِالعالِيَةِ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ الفَتْحَ هو الأصْلُ والضَّمَّ لِيَزْدادَ قُوَّةً، وقِيلَ: جَمْعُ أسْرى وبِهِ قَرَأ حَمْزَةُ، وهو جَمْعُ أسِيرٍ، كَجَرِيحٍ وجَرْحى، فَيَكُونُ أُسارى جَمْعُ الجَمْعِ، قالَهُ المُفَضَّلُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: الأسْرى مَن في اليَدِ، والأُسارى مَن في الوَثاقِ، ولا أرى فَرْقًا، بَلِ المَأْخُذُونَ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والغَلَبَةِ مُطْلَقًا أسْرى وأُسارى.

﴿ وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ”تُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم“ أوْ مَفْعُولُهُ بَعْدَ اعْتِبارِ التَّقْيِيدِ بِالحالِ السّابِقَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ يَأْتُوكُمْ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما لا مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ تَظاهَرُونَ ﴾ لِأنَّ الإتْيانَ لَمْ يَكُنْ مُقارِنًا لِلْإخْراجِ، وقُيِّدَ الإخْراجُ بِهَذِهِ الحالِ لِإفادَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنِ اسْتِحْقاقٍ ومَعْصِيَةٍ مُوجِبَةٍ لَهُ، وتَخْصِيصُهُ بِالتَّقْيِيدِ دُونَ القَتْلِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ لِكَوْنِهِ أشَدَّ مِنهُ، ﴿ والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ﴾ وقِيلَ: لا بَلْ لِكَوْنِهِ أقَلَّ خَطَرًا بِالنِّسْبَةِ إلى القَتْلِ، فَكانَ مَظِنَّةَ التَّساهُلِ، ولِأنَّ مَساقَ الكَلامِ لِذَمِّهِمْ، وتَوْبِيخِهِمْ عَلى جِناياتِهِمْ، وتَناقُضِ أفْعالِهِمْ، وذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِصُورَةِ الإخْراجِ إذْ لَمْ يُنْقَلُ عَنْهم تَدارُكُ القَتْلى بِشَيْءٍ مِن دِيَةٍ، أوْ قِصاصٍ، وهو السِّرُّ في تَخْصِيصِ التَّظاهُرِ فِيما سَبَقَ، وقِيلَ: النُّكْتَةُ في إعادَةِ تَحْرِيمِ الإخْراجِ، وقَدْ أفادَهُ ﴿ ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ بِأبْلَغِ وجْهٍ، وفي تَخْصِيصِ تَحْرِيمِ الإخْراجِ بِالإعادَةِ دُونَ القَتْلِ أنَّهُمُ امْتَثَلُوا حُكْمًا في بابِ المُخْرَجِ، وهو الفِداءُ، وخالَفُوا حُكْمًا، وهو الإخْراجُ، فَجُمِعَ مَعَ الفِداءِ حُرْمَةُ الإخْراجِ لِيَتَّصِلَ بِهِ، ﴿ أفَتُؤْمِنُونَ ﴾ إلَخْ أشَدَّ اتِّصالٍ، ويَتَّضِحُ كُفْرُهم بِالبَعْضِ، وإيمانُهم بِالبَعْضِ كَمالَ اتِّضاحٍ، حَيْثُ وقَعَ في حَقِّ شَخْصٍ واحِدٍ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وقِيلَ: خَبَرُهُ (مُحَرَّمٌ)، وإخْراجُهم نائِبُ فاعِلٍ، وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ المَهْدَوِيُّ، وإنَّما ارْتَكَبُوهُ لِأنَّ الخَبَرَ المُتَحَمِّلَ ضَمِيرًا مَرْفُوعًا لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلى المُبْتَدَإ، فَلا يُجِيزُونَ (قائِمٌ زَيْدٌ) عَلى أنْ يَكُونَ قائِمٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، والبَصْرِيُّونَ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ، ويُجِيزُونَ هَذا الوَجْهَ لِأنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لا يُخْبَرُ عَنْهُ عِنْدَهم إلّا بِجُمْلَةٍ مُصَرَّحٍ بِجُزْأيْها، وقِيلَ: إنَّهُ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ مُبْتَدَأٌ أيْضًا، (ومُحَرَّمٌ) خَبَرُهُ، (وإخْراجُهُمْ) بَدَلٌ مِنهُ مُفَسِّرٌ لَهُ، وهَذا بِناءً عَلى جَوازِ إبْدالِ الظّاهِرِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ ما يَعُودُ إلَيْهِ، ومِنهم مَن مَنَعَهُ، وأجازَهُ الكِسائِيُّ وقِيلَ: راجِعٌ إلى الإخْراجِ المَفْهُومِ مِن ﴿ تُخْرِجُونَ ﴾ (وإخْراجُهُمْ) عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مِن ضَمِيرِ (مُحَرَّمٌ)، وضُعِّفَ بِأنَّهُ بَعْدَ عَوْدِهِ إلى الإخْراجِ لا وجْهَ لِإبْدالِهِ مِنهُ، ومِنَ الغَرِيبِ ما نُقِلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَ فَصْلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ: وإخْراجُهم هو مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ، فَلَمّا قُدِّمَ خَبَرُ المُبْتَدَإ عَلَيْهِ قُدِّمَ هو مَعَهُ، ولا يُجَوِّزُهُ البَصْرِيُّونَ، لِأنَّ وُقُوعَ الفَصْلِ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ ونَكِرَةٍ لِتَقارُبِ المَعْرِفَةِ لا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ، وتَوَسُّطُهُ بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ أوْ بَيْنَ ما هُما أصْلُهُ شَرْطٌ عِنْدَهم أيْضًا، ولِابْنِ عَطِيَّةَ في هَذا الضَّمِيرِ كَلامٌ يَجِبُ إضْمارُهُ، ﴿ أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ تَقْتُلُونَ ﴾ أوْ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ أتَفْعَلُونَ ما ذُكِرَ فَتُؤْمِنُونَ إلَخْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّوْبِيخِ عَلى التَّفْرِيقِ بَيْنَ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى، إذِ العَهْدُ كانَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ، تَرْكِ القَتْلِ، وتَرْكِ الإخْراجِ، ومُفاداةِ الأُسارى، فَقَتَلُوا، وأخْرَجُوا عَلى خِلافِ العَهْدِ، وفَدَوْا بِمُقْتَضاهُ، وقِيلَ: المَواثِيقُ أرْبَعَةٌ، فَزِيدَ تَرْكُ المُظاهَرَةِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ مَرَّ عَلى رَأْسِ الجالُوتِ بِالكُوفَةِ، وهو يُفادِي مِنَ النِّساءِ ما لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ العَرَبُ، ولا يُفادِي مَن وقَعَ عَلَيْهِ العَرَبُ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: أما إنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنْ فادُوهُنَّ كُلَّهُنَّ، ورَوى مُحْيِي السُّنَّةِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ أنْ لا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُخْرِجَ بَعْضُهم بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ، وأيُّما عَبْدٍ أوْ أمَةٍ وجَدْتُمُوهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فاشْتَرُوهُ بِما قامَ مِن ثَمَنِهِ فَأعْتِقُوهُ، ولَعَلَّ كُفْرَهم بِما ارْتَكَبُوا لِاعْتِقادِهِمْ عَدَمَ الحُرْمَةِ مَعَ دِلالَةِ صَرِيحِ التَّوْراةِ عَلَيْها، لَكِنْ ما في الكَشّافِ مِن أنَّهُ قِيلَ لَهم: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم ثُمَّ تَفْدُونَهُمْ؟!

فَقالُوا: أُمِرْنا بِالفِداءِ، وحُرِّمَ عَلَيْنا القِتالُ، لَكُنّا نَسْتَحِي مِن حُلَفائِنا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يُنْكِرُونَ حُرْمَةَ القِتالِ، فَإطْلاقُ الكُفْرِ حِينَئِذٍ عَلى فِعْلِ ما حُرِّمَ إمّا لِأنَّهُ كانَ في شَرْعِهِمْ كُفْرًا، أوْ أنَّهُ لِلتَّغْلِيظِ كَما أُطْلِقَ عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ ونَحْوِهِ ذَلِكَ في شَرْعِنا، والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى أتَسْتَعْمِلُونَ البَعْضَ وتَتْرُكُونَ البَعْضَ، فالكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى المَجازِ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا اعْتِبارَ بِهِ، كالقَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالبَعْضِ المُؤْمَنُ بِهِ نُبُوَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والبَعْضَ الآخَرَ نُبُوَّةُ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

﴿ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ الإشارَةُ إلى الكُفْرِ بِبَعْضِ الكِتابِ والإيمانِ بِبَعْضٍ، أوْ إلى ما فَعَلُوهُ مِنَ القَتْلِ والإجْلاءِ مَعَ مُفاداةِ الأُسارى، والجَزاءُ المُقابَلَةُ، ويُطْلَقُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، والخِزْيُ الهَوانُ، والماضِي خَزِيَ بِالكَسْرِ، وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: مَعْنى خَزِيَ وقَعَ في بَلِيَّةٍ، وخَزِيَ الرَّجُلُ خَزايَةً إذا اسْتَحى، وهو خَزْيانُ، وقَوْمٌ خَزايا، وبِهِ هُنا الفَضِيحَةُ والعُقُوبَةُ، أوْ ضَرْبُ الجِزْيَةِ غابِرَ الدَّهْرِ، أوْ غَلَبَةُ العَدُوِّ، أوْ قَتْلُ قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَّضِيرِ مِن مَنازِلِهِمْ إلى أرِيحاءَ وأذْرُعاتٍ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: «(كانَ عادَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ القَتْلَ، وعادَةُ بَنِي النَّضِيرِ الإخْراجَ، فَلَمّا غَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أجْلى بَنِي النَّضِيرِ، وقَتَلَ رِجالَ قُرَيْظَةَ، وأسَرَ نِساءَهم وأطْفالَهُمْ)،» وتَنْكِيرُ الخِزْيِ لِلْإيذانِ بِفَظاعَةِ شَأْنِهِ، وأنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغًا لا يُكْنَهُ كُنْهُهُ، ومِن هُنا لَمْ يَخُصَّهُ بَعْضُهم بِبَعْضِ الوُجُوهِ، وادَّعى أنَّ الأظْهَرَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الإشارَةَ إلى الكُفْرِ بِبَعْضِ الكِتابِ والإيمانِ بِبَعْضٍ أيْ بَعْضٍ كانَ، ولِذَلِكَ أفْرَدَها، وحِينَئِذٍ يَتَناوَلُ الكَفَرَةُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَظِيرُهُ مَن يَفْعَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ، والدُّنْيا مَأْخُوذَةٌ مِن دَنا يَدْنُو، وياؤُها مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، ولا يُحْذَفُ مِنها الألِفُ واللّامُ إلّا قَلِيلًا، وخَصَّهُ أبُو حَيّانَ في الشِّعْرِ، (وما) نافِيَةٌ، (ومَن) إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فَلا مَحَلَّ (لِيَفْعَلْ) مِنَ الإعْرابِ، وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُوفَةً فَمَحَلُّهُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَتُها، (ومِنكُمْ) حالٌ مِن فاعِلِ (يَفْعَلْ)، (وإلّا خِزْيٌ) اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، وقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى المَشْهُورِ، ونُقِلَ عَنْ يُونُسَ إجازَتُهُ في الخَبَرِ بَعْدَ (إلّا) كائِنًا ما كانَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ ما بَعْدَ (إلّا) هو الأوَّلَ في المَعْنى، أوْ مُنَزَّلَ مَنزِلَتَهُ لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلّا الرَّفْعُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ النَّصْبَ فِيما كانَ الثّانِي فِيهِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ وصْفًا أجازَ فِيهِ الفَرّاءُ النَّصْبَ، ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، وحُكِيَ عَنْهم أنَّهم لا يُجَوِّزُونَ النَّصْبَ في غَيْرِ المَصادِرِ، إلّا أنْ يُعْرَفَ المَعْنى، فَيُضْمَرُ ناصِبٌ حِينَئِذٍ، وتَحْقِيقُهُ في مَحَلِّهِ.

﴿ ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ ﴾ أيْ يَصِيرُونَ إلَيْهِ، فَلا يَلْزَمُ كَيْنُونَتُهم قَبْلَ ذَلِكَ في أشَدِّ العَذابِ، وقَدْ يُرادُ بِالرَّدِّ الرُّجُوعُ إلى ما كانُوا فِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ ﴾ وكَأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ في أشَدِّ العَذابِ أيْضًا، فَرُدُّوا إلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ الخُلُودُ في النّارِ، وأشَدِّيَّتُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا انْقِضاءَ لَهُ، أوِ المُرادُ أشَدُّ جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ، ولَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابِ مَن لَمْ يَفْعَلْ هَذا العِصْيانَ لِأنَّ عِصْيانَهم أشَدُّ مِن عِصْيانِ هَؤُلاءِ، وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، ويَدُلُّ عَلى ما قَرَّرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ ﴾ فَلا يَرُدُّ ما أوْرَدَهُ الإمامُ الرّازِيُّ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ عَذابُ اليَهُودِ أشَدُّ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ المُنْكِرِينَ لِلصّانِعِ، ولا يُفِيدُ ما قِيلَ، لِأنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ إنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وإقْرارِهِمْ، وشَهادَتِهِمْ، إذِ الكافِرُ المُوَحِّدُ كَيْفَ يُقالُ إنَّهُ أشَدُّ عَذابًا مِنَ المُشْرِكِ أوِ النّافِي لِلصّانِعِ؟!

وإنْ كانَ كُفْرُهُ عَنْ عِلْمٍ ومَعْرِفَةٍ، وضَمِيرُ (يُرَدُّونَ) راجِعٌ إلى (مَن) وأُوثِرَ صِيغَةُ الجَمْعِ نَظَرًا إلى مَعْناها بَعْدَ ما أُوثِرَ الإفْرادُ نَظَرًا إلى لَفْظِها، لِما أنَّ الرَّدَّ إنَّما يَكُونُ بِالِاجْتِماعِ، وغَيْرِ السَّبْكِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ مَثَلًا: وأشَدُّ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِلْإيذانِ بِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَ جَزاءَيِ النَّشْأتَيْنِ، وتَقْدِيمُ اليَوْمِ عَلى ذِكْرِ ما يَقَعُ فِيهِ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعِ الحالِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما، وعاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ (تُرَدُّونَ) عَلى الخِطابِ، والجُمْهُورُ عَلى الغَيْبَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ (يُرَدُّونَ) راجِعٌ إلى مَن يَفْعَلُ، فَمَن قَرَأ بِصِيغَةِ الغَيْبَةِ نَظَرَ إلى صِيغَةِ (مَن)، ومَن قَرَأ بِصِيغَةِ الخِطابِ نَظَرَ إلى دُخُولِهِ في (مِنكُمْ) لا أنَّ الضَّمِيرَ حِينَئِذٍ راجِعٌ إلى (كُمْ)، كَما وُهِمَ، ﴿ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ اعْتِراضٌ وتَذْيِيلٌ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ المُسْتَفادِ مِمّا قَبْلَهُ، أيْ إنَّهُ بِالمِرْصادِ، لا يَغْفُلُ عَمّا تَعْمَلُونَ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا المُنْكَرُ، والمُخاطَبُ بِهِ مَن كانَ مُخاطَبًا بِالآيَةِ قَبْلُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ مَضَوْا وأنْتُمْ تُعْنَوْنَ بِهَذا يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وبِما يَجْرِي مَجْراهُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ (يَعْمَلُونَ) بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ (لِمَن)، والباقُونَ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ، أي وقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل في التوراة، يعني بمجيء محمد  .

ويقال: الميثاق الأول حين أخرجهم من صلب آدم-  -.

قوله: لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، قرأ حمزة والكسائي وابن كثير لا يعبدون بالياء، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ المخاطبة فمن قرأ بالياء، معناه وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا يعبدوا إلا الله ومن قرأ بالتاء فمعناه: وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل وقلنا لهم: لا تعبدوا إلا الله، يعني أخذنا عليهم الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله، يعني لا توحدوا إلا الله.

وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، نصب إحساناً على معنى أحسنوا إحساناً فيكون إحساناً بدلاً من اللفظ، أي أحسنوا إلى الوالدين برا بهما وعطفاً عليهما.

وفي هذه الآية بيان حرمة الوالدين، لأنه قرن حق الوالدين بعبادة نفسه.

ويقال: ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لا يقبل إحداها بغير قرينتها.

إحداها: قوله عز وجل: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة: 92] ، والثانية: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ [لقمان: 14] ، والثالثة: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: 43 وغيرها] .

وقوله تعالى: وَذِي الْقُرْبى، يعني أحسنوا إلى ذي القربى وَالْيَتامى، يعني أحسنوا إلى اليتامى وَإلى الْمَساكِينِ والإحسان إلى اليتامى والمساكين أن يحسن إليهم بالصدقة وحسن القول.

وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، قرأ حمزة والكسائي بنصب الحاء والسين، وقرأ الباقون برفع الحاء وسكون السين.

فمن قرأ بالنصب فمعناه: قولوا للناس حَسَناً يعني قولوا لهم قولاً صدقاً في نعت محمد  وصفته كما بيّن في كتابكم.

ونظيرها في سورة طه أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً [طه: 86] ، أي وعداً صدقاً.

ومن قرأ بالرفع، فمعناه قولوا لجميع الناس حَسَناً يعني: خالقوا الناس بالخُلُق الحسن، فكأنه يأمر بحسن المعاشرة وحسن الخلق مع الناس.

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، يعني أقروا بها وأدوها في مواقيتها.

وَآتُوا الزَّكاةَ، المفروضة ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ، يعني أعرضتم عن الإيمان والميثاق، إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ، وهو عبد الله بن سلام وأصحابه.

وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ، أي تاركون لما أخذ عليكم من المواثيق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَقَالَ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا لاَ نَخْلُفُكُمْ» فنزلَتْ هذه الآية «١» .

قال أهل التفسير: العهد في هذه الآية: الميثاقُ والموعد، و «بلى» رد بعد النفْيِ بمنزلة «نَعَمْ» بعد الإِيجاب «٢» ، وقالت طائفة: السيئة هنا الشرك كقوله تعالى: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل: ٩٠] والخَطِيئاتُ: كبائر الذنوب، قال الحسن بن أبي الحسن، والسُّدِّيُّ: كل ما توعد اللَّه عليه بالنار، فهي الخطيئة المحيطَةُ «٣» ، والخلودُ في هذه الآية على الإِطلاق والتأبيد في الكُفَّار، ومستعار بمعنى الطُّول في العُصَاة، وإِن علم انقطاعه.

قال محمَّد بن عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في مختصره للطبريِّ: أجمعتِ الأمَّة على تخليد مَنْ مات كافراً، وتظاهرت الرواياتُ الصحيحةُ عن الرسول صلّى الله عليه وسلم والسلفِ الصالح، بأن عصاة أهل التوحيد لا يخلَّدون في النار، ونطق القرآن ب إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ١١٦] لكن من خاف على لَحْمه ودَمِه، اجتنب كل ما جاء فيه الوعيدُ، ولم يتجاسَرْ على المعاصي اتكالا على ما يرى لنفسه من التوحيد، فقد كان السلف وخيار الأمة يخافُون سلْب الإِيمان على أنفسهم، ويخافون النفاقَ عليها، وقد تظاهرتْ بذلك عنهم الأخبار.

انتهى.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية: يدلُّ هذا التقسيم على أن قوله تعالى:

بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ...

الآية في الكفار، لا في العصاة ويدل على ذلك أيضاً قوله:

وَأَحاطَتْ لأن العاصي مؤمنٌ، فلم تحط به خطيئاته ويدل على ذلك أيضاً أن الردَّ كان على كُفَّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النَّارَ لا تَمَسُّهم إلا أياماً معدودةً، فهم المراد بالخلود، والله أعلم.

وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)

وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ...

الآية: أخذ اللَّه سبحانه الميثاق عليهم على لسان موسى- عليه السلام- وغيره من أنبيائهم، وأخْذ الميثاق قولٌ، فالمعنى:

قلنا لهم: لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ...

الآية، قال سيبوَيْهِ: «لا تعبدون: متلق لقسم» والمعنى: وإذ استحلفناهم، واللَّهِ/ لا تعبدونَ إلاَّ اللَّه، وفي الإحسان تدخل أنواع برّ ٢٦ ب الوالدين كلُّها، واليُتْم في بَنِي آدمَ: فَقْدُ الأب، وفي البهائم فقد الأمّ، وقال صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ» ، وقيل: هو الذي له بُلْغَةٌ، والآية تتضمَّن الرأفة باليتامى، وحيطة أموالهم، والحضّ على الصدقة، والمواساة، وتفقُّد المساكين.

وقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً: أمر عطف على ما تضمَّنه لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وما بعده، وقرأ حمزة والكسَائِيُّ «١» : «حَسَناً» بفتح الحاء والسين، قال الأخفش «٢» :

وهما بمعنى واحدٍ، وقال الزجَّاج «٣» وغيره: بل المعنى في القراءة الثانية، وقولوا «قَوْلاً حَسَناً» بفتح الحاء والسين، أو قولاً ذا حُسْن بضم الحاء وسكون السين في الأولى قال ابن عبَّاس: معنى الكلام قولُوا للنَّاس: لا إله إلا اللَّه، ومُرُوهم بها «٤» ، وقال ابن جُرَيْجٍ:

قولوا لهم حُسْناً في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمَّد صلّى الله عليه وسلم «٥» ، وقال سفيان الثّوريّ «٦» :

معناه: مروهم بالمَعْروف، وانهوهم عن المُنْكَر «١» ، وقال أبو العالية: قولوا لهم الطيبَ من القول، وحاورُوهم بأحسن ما تُحِبُّونَ أن تحاوروا به «٢» ، وهذا حضٌّ على مكارم الأخلاق، وزكاتُهم هي التي كانوا يَضعُونها، وتنزل النار على ما تقبّل منها، دون ما لم يتقبل.

٢٧ أوقوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ...

الآية: خطابٌ لمعاصري النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أسند إليهم تولّي أسلافهم إِذ هم كلُّهم بتلك السبيل، قال نحوه ابنُ عَبَّاس وغيره «٣» .

والمراد بالقليلِ المستثنى جميعُ مؤمنيهم قديماً من أسلافهم، وحديثاً كابن سَلاَمٍ وغيره، والقِلَّة على هذا هي في عدد الأشخاصِ، ويحتمل أن تكون القِلَّة في الإِيمان، والأول أقوى.

ص «٤» : إِلَّا قَلِيلًا: منصوب على الاستثناء، وهو الأفصح لأنه استثناءٌ من موجب، وروي عن أبي عَمرو «٥» : «إلاَّ قَلِيلٌ» بالرفع، ووجَّهه ابن عطية على بدل قليل من ضمير: «تَوَلَّيتُمْ» على أن معنى «تَوَلَّيْتُم» النفي، أي: لم يف بالميثاق إلا قليل، ورد بمنع النحويِّين البدل من الموجب لأن البدل يحل محلَّ المبدل منه، فلو قلْت: قام إلا زيد، لم يجز لأن «إِلاَّ» لا تدخل في الموجب، وتأويله الإِيجاب بالنفْي يلزم في كل موجب باعتبار نفي ضده أو نقيضه فيجوز إِذَنْ: «قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيْدٌ» على تأويل: «لَمْ يَجْلِسُوا إِلاَّ زَيْدٌ» ولم تبن العَرَب على ذلك كلامها، وإِنما أجازوا: «قام القَوْمُ إِلاَّ زَيْدٌ» بالرفع على الصفة، وقد عقد سيبوَيْه «٦» لذلك بابا في كتابه.

انتهى.

ودِماءَكُمْ: جمع دَمٍ، وهو اسمٌ منقوصٌ.

أصله «دَمَيٌ» وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ

: معناه: ولا ينفي بعضكم بعضاً بالفتنة والبغْي، وكذلك حكم كلّ جماعة تخاطب بهذا اللفظ في القول.

وقوله تعالى: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ، أي: خَلفَاً بعد سَلَف، أن هذا الميثاق أخذ عليكم، وقوله: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ قيل: الخطابُ يُرادُ به من سلف منهم، والمعنى: وأنتم شهود، أي: حُضور أخْذ الميثاق والإِقرار.

وقيل: المراد: من كان في مدة محمّد صلّى الله عليه وسلم والمعنى: وأنتم شهداء، أي: بيِّنةَ أن الميثاق أخذ على أسلافكم، فمنْ بعدهم منْكُمْ.

وقوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ...

الآية: هؤُلاءِ دالَّةٌ على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردًّا إلى الأسلاف، قيل: تقدير الكلام: / يا هؤلاء، فحذف ٢٧ ب حرف النداء، ولا يحسن حذفه عند سيبوَيْه «١» ، مع المبهمات.

وقال الأستاذ الأَجَلُّ أبو الحسن بن أحمد «٢» ...

٢٨ أشيخنا «١» : هؤُلاءِ: رفع بالابتداء، وأَنْتُمْ: خبر، وتَقْتُلُونَ، حال بها تَمَّ المعنى، وهي المقصود.

ص «٢» : قال الشيخ أبو حَيَّان: ما نقله ابن عطية عن شيخه أبي الحسن بن البَادْش من جعله هؤُلاءِ مبتدأ، وأَنْتُمْ خبر مقدَّم، لا أدري ما العلَّة في ذلك، وفي عدوله عن جعل أَنْتُمْ مبتدأ، وهؤُلاءِ الخبر، إلى عكسه.

انتهى.

ت: قيل: العلة في ذلك دخولُ هاء التنبيه عليه لاختصاصها بأول الكلام ويدلُّ على ذلك قولهم: «هَأَنَذَا قَائِماً» ، ولم يقولوا: «أَنَا هَذَا قَائِماً» ، قال معناه ابنُ هِشَامٍ «٣» ، ف «قَائِماً» ، في المثال المتقدِّم نصب على الحال.

انتهى.

وهذه الآية خطابٌ لقُرَيْظة، والنضير، وبني قَيْنُقَاع، وذلك أن النَّضِيرَ وقُرَيْظة حَالَفَت الأوسَ، وبني قَيْنُقَاع حالفتِ الخزرج، فكانوا إِذا وقعتِ الحربُ بين بني قَيْلَة، ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها، فقتل بعضهم بعضاً، وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعا لحكم التوراة، وهم قد خالَفُوها بالقتَالِ، والإِخراج.

والديارُ: مباني الإِقامة، وقال الخليلُ: «مَحَلَّةِ القَوْمِ: دَارُهُمْ» .

ومعنى تَظاهَرُونَ: تتعاونون، والْعُدْوانِ: تجاوز الحدود، والظلم.

وقرأ حمزة «١» : «أسرى تفدوهم» ، وأُسارى: جمع أَسِيرٍ، مأخوذ من الأَسْر، وهو الشَّدُّ، ثم كثر استعماله حتى لزم، وإن لم يكنْ ثَمَّ رَبْطٌ ولا شَدٌّ، وأَسِيرٌ: فَعِيلِ:

بمعنى مفعول، وتُفادُوهُمْ: معناه في اللغة: تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئاً، وقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: يقال: فدى، إِذا أعطى مالاً، وأخذ رجلاً، وفادى، إِذا أعطى رجلاً، وأخذ رجُلاً فتُفْدُوهم: معناه بالمالِ، وتُفَادُوهم، أي: مفادات الأسير بالأسير.

انتهى.

ت: وفي الحديث من قوْل العَبَّاس رضي اللَّه عنه: «فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وعَقِيلاً» ، وظاهره لا فَرْق بينهما.

وقوله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ...

الآية: والذي آمنوا به فداءُ الأسارى، والذي كَفَرُوا به قتْلُ بعضهم بعضاً، وإِخراجُهُمْ من ديارهم، وهذا توبيخٌ لهم وبيانٌ لقبح فعلهم، والخِزْيُ: الفضيحة، والعقوبة، فقيل: خزيهم: ضرْبُ الجزية عليهم غابَر الدهر، وقيل: قتل قريظة، وإِجلاءُ النضير، وقيل: الخزْيُ الذي تتوعَّد به الأمة من الناس هو غلبة العدوّ.

والدُّنْيا: مأخوذةٌ من دَنَا يدْنُو، وأصل الياء فيها واوٌ، ولكن أبدلتْ فرقاً بين الأسماء والصفات، وأَشَدِّ الْعَذابِ: الخلودُ في جهنم.

وقوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ قرأ نافعٌ، وابن كَثِير «٢» بياءٍ على ذِكْر الغائب، فالخطاب بالآية لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم والآية واعظةٌ لهم بالمعنى، إذ اللَّه تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص.

وقرأ الباقون بتاء على الخطاب لمن تقدَّم ذكره في الآية قبل هذا وهو قوله:

أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ ...

الآية، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم فقد رُوِيَ أنَّ عمر بن الخَطَّاب- رضي اللَّه عنه- قال: «إِنَّ بنِي إِسرائيل قد مضَوْا، وأنتم الذين تُعْنَوْنَ بهذا، يا أمة محمّد يريد هذا، وما يجري مجراه «٣» /.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ﴾ أيْ: لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دَمَ بَعْضٍ، ولا يُخْرِجُ بَعْضُكم بَعْضًا مِن دارِهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثُمَّ أقْرَرْتُمْ يَوْمَئِذٍ بِالعَهْدِ، وأنْتُمُ اليَوْمُ تَشْهَدُونَ عَلى ذَلِكَ، فالإقْرارُ عَلى هَذا مُتَوَجِّهٌ إلى سَلَفِهِمْ، والشّاهِدَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إلى خَلَفِهِمْ.

﴿ ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ: يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا.

رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ قالَ: كانَتْ قُرَيْظَةُ خُلَفاءَ الأوْسِ، والنَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، فَكانُوا يُقاتِلُونَ في حَرْبِ سَمِيرٍ فَيُقاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ مَعَ حُلَفائِها النَّضِيرَ وحُلَفاءَها، وكانَتْ النَّضِيرُ تُقاتِلُ قُرَيْظَةَ وحُلَفاءَها، فَيَغْلِبُونَهم ويُخَرِّبُونَ الدِّيارَ ويُخْرِجُونَ مِنها، فَإذا أُسِرَ الرَّجُلُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ، فَتُعَيِّرُهُمُ العَرَبُ بِذَلِكَ، فَتَقُولُ: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم وتَفْدُونَهُمْ؟!

فَيَقُولُونَ: أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم، حَرُمَ عَلَيْنا قَتْلُهم.

فَتَقُولُ العَرَبُ: فَلِمَ تُقاتِلُونَهُمْ؟

فَيَقُولُونَ: نَسْتَحْيِي أنْ يَسْتَذِلَّ حُلَفاؤُنا، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ، عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ: <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَما جَزاءُ مِن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ "هَؤُلاءِ" دالَّةٌ عَلى أنَّ المُخاطَبَةَ لِلْحاضِرِينَ لا تَحْتَمِلُ رَدًّا إلى الأسْلافِ، قِيلَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: يا هَؤُلاءِ، فَحَذَفَ حَرْفَ النِداءِ، ولا يَحْسُنُ حَذْفُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَعَ المُبْهَماتِ.

لا تَقُولُ: هَذا أقْبَلُ.

وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ أعْنِي هَؤُلاءِ.

وقِيلَ: هَؤُلاءِ بِمَعْنى الَّذِينَ، فالتَقْدِيرُ ثُمَّ أنْتُمُ الَّذِينَ تَقْتُلُونَ، فـَ "تَقْتُلُونَ" صِلَةٌ لِهَؤُلاءِ ونَحْوِهِ، قالَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرَّغٍ الحَمِيرِيُّ: عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكَ إمارَةٌ نَجَوْتَ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ وقالَ الأُسْتاذُ الأجَلُّ أبُو الحَسَنِ بْنِ أحْمَدَ شَيْخُنا رَضِيَ اللهُ عنهُ: "هَؤُلاءِ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"أنْتُمْ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"تَقْتُلُونَ" حالٌ، بِها تَمَّ المَعْنى، وهي كانَتِ المَقْصُودَ، فَهي غَيْرُ مُسْتَغْنًى عنها، وإنَّما جاءَتْ بَعْدَ أنْ تَمَّ الكَلامُ في المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: هَذا زِيدٌ مُنْطَلِقًا، وأنْتَ قَدْ قَصَدْتَ الإخْبارَ بِانْطِلاقِهِ لا الإخْبارَ بِأنَّ هَذا هو زَيْدٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ لِقُرَيْظَةَ، والنَضِيرِ، وبَنِي قَيْنُقاعَ وذَلِكَ أنَّ النَضِيرَ وقُرَيْظَةَ حالَفَتِ الأوسَ، وبَنِي قَيْنُقاعَ حالَفَتِ الخَزْرَجَ، فَكانُوا إذا وقَعَتِ الحَرْبُ بَيْنَ بَنِي قَيْلَةَ ذَهَبَتْ كُلُّ طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ أحْلافِها، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا وأخْرَجَ بَعْضُهم بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ يَفْدِي بَعْضُهم أسْرى بَعْضٍ اتِّباعًا لِحُكْمِ التَوْراةِ، وهم قَدْ خالَفُوها بِالقِتالِ والإخْراجِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "تُقَتِّلُونَ" بِضَمِّ التاءِ الأُولى، وكَسْرِ الثانِيَةِ وشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، والدِيارُ: مَبانِي الإقامَةِ، وقالَ الخَلِيلُ: مَحَلَّةُ القَوْمِ دارُهُمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "تُظاهِرُونَ" بِتَخْفِيفِ الظاءِ، وهَذا عَلى حَذْفِ التاءِ الثانِيَةِ مِن تَتَظاهَرُونَ، وقَرَأ بَقِيَّةُ السَبْعَةِ "تَظّاهَرُونَ" بِشَدِّ الظاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ في الظاءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "تُظاهِرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الهاءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، "تَظَّهَّرُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وشَدِّ الظاءِ والهاءُ مَفْتُوحَةٌ دُونَ ألِفٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ عن أبِي عَمْرٍو.

ومَعْنى ذَلِكَ عَلى كُلِّ قِراءَةٍ: تَتَعاوَنُونَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الظَهْرِ كَأنَّ المُتَظاهِرِينَ يُسْنِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظَهْرَهُ إلى صاحِبِهِ.

والإثْمُ العَهْدُ الراتِبَةُ عَلى العَبْدِ مِنَ المَعاصِي والمَعْنى بِمُكْتَسَباتِ الإثْمِ، و"العُدْوانِ" تَجاوُزُ الحُدُودِ والظُلْمِ.

وحُسْنُ لَفْظِ الإتْيانِ مِن حَيْثُ هو في مُقابَلَةِ الإخْراجِ فَيَظْهَرُ التَضادُّ المُقَبِّحُ لِفِعْلِهِمْ في الإخْراجِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ "أسْرى تَفْدُوهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أسارى تُفادُوهُمْ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ: "أسارى تَفْدُوهُمْ" وقَرَأ قَوْمٌ: "أسْرى تُفادُوهُمْ".

وأُسارى: جَمْعُ أسِيرٍ والأسِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأُسَرِ وهو الشَدُّ.

سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُؤْسَرُ أيْ يَشُدُّ وِثاقًا، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى لَزِمَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ رَبْطٌ ولا شَدٌّ، وأسِيرٌ فَعِيلَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ولا يُجْمَعُ بِواوٍ ونُونٍ وإنَّما يُكْسَرُ عَلى أسْرى وأسارى، والأقْيَسُ فِيهِ أسْرى، لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ الأصْلُ فِيهِ أنْ يُجْمَعَ عَلى فَعَلى كَقَتْلى وجَرْحى، والأصْلُ في فَعْلانِ أنْ يُجْمَعَ عَلى فَعالى بِفَتْحِ الفاءِ، وفَعالى بِضَمِّها، كَسَكْرانَ وكَسْلانَ وسُكارى وكُسالى.

قالَ سِيبَوَيْهِ: فَقالُوا في جَمْعِ كَسْلانَ: كَسْلى، شَبَّهُوهُ بِأسْرى كَما قالُوا: أُسارى، شَبَّهُوهُ بِكُسالى، ووَجْهُ الشَبَهِ أنَّ الأسْرَ يَدْخُلُ عَلى المَرْءِ مُكْرَهًا كَما يَدْخُلُ الكَسَلُ، وفَعالى إنَّما يَجِيءُ فِيما كَأنَّ آفَةً تَدْخُلُ عَلى المَرْءِ.

و"تُفادُوهُمْ" مَعْناهُ في اللُغَةِ تُطْلِقُونَهم بَعْدَ أنْ تَأْخُذُوا عنهم شَيْئًا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وفادَيْتُ نَفْسِي إذا أطْلَقْتُها بَعْدَ أنْ دَفَعْتُ شَيْئًا، فَعَلى هَذا قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى فَدَيْتُ أيْ دَفَعْتُ فِيهِ مِن مالِ نَفْسِي، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ لِلنَّبِيِّ  : «أعْطِنِي فَإنِّي فادَيْتُ نَفْسِي، وفادَيْتُ عَقِيلًا».

وهُما فِعْلانِ يَتَعَدَّيانِ إلى مَفْعُولَيْنِ، الثانِي مِنهُما بِحَرْفِ جَرٍّ، تَقُولُ: فَدَيْتُ زَيْدًا بِمالٍ، وفادَيْتُهُ بِمالٍ، وقالَ قَوْمٌ: هي في قِراءَةٍ تُفادُوهم مُفاعَلَةٌ في أسْرى بِأسْرى، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ فَعَلَ: الأسْرُ دَفَعُ الأسِيرِ، والمَأْسُورُ مِنهُ دَفْعٌ أيْضًا إمّا أسِيرًا وإمّا غَيْرَهُ، والمَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ ﴾ ، قِيلَ في "هُوَ": إنَّهُ ضَمِيرُ الأمْرِ، تَقْدِيرُهُ: والأمْرُ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ، و"إخْراجُهُمْ" في هَذا القَوْلِ بَدَلٌ مِن "هُوَ"، وقِيلَ: "هُوَ" فاصِلَةٌ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، ولَيْسَتْ، هُنا بِالَّتِي هي عِمادٌ و"مُحَرَّمٌ" عَلى هَذا ابْتِداءٌ و"إخْراجُهُمْ" خَبَرُهُ، وقِيلَ: هو الضَمِيرُ المُقَدَّرُ في "مُحَرَّمٌ" قُدِّمَ وأُظْهِرَ، وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الإخْراجِ تَقْدِيرُهُ: وإخْراجُهم مُحَرَّمٌ عَلَيْكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي التَوْراةَ، والَّذِي آمَنُوا بِهِ فِداءٌ الأسارى، والَّذِي كَفَرُوا بِهِ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وإخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ، وهَذا تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وبَيانٌ لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ.

ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلامٍ مَرَّ عَلى رَأْسِ الجالُوتِ بِالكُوفَةِ وهو يُفادِي مِنَ النِساءِ مَن لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ العَرَبُ، ولا يُفادِي مَن وقَعَ عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ ابْنُ سَلامٍ: أما إنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنْ تُفادِيهُنَّ كُلُّهُنَّ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم عَزَّ وجَلَّ.

والخِزْيُ: الفَضِيحَةُ والعُقُوبَةُ يُقالُ: خَزِيَ الرَجُلُ يَخْزى خِزْيًا إذا ذَلَّ مِنَ الفَضِيحَةِ، وخَزِيَ يَخْزى خَزايَةً إذا اسْتَحْيا.

واخْتَلَفَ ما المُرادُ بِالخِزْيِ هاهُنا؟

فَقِيلَ: القَصاصُ فِيمَن قُتِلَ، وقِيلَ: ضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ غابِرَ الدَهْرِ، وقِيلَ: قَتْلُ قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَضِيرِ.

و"الدُنْيا" مَأْخُوذَةٌ مِن دَنا يَدْنُو، وأصْلُ الياءِ فِيها واوٌ، ولَكِنْ أُبْدِلَتْ فَرْقًا بَيْنَ الأسْماءِ والصِفاتِ.

و ﴿ أشَدِّ العَذابِ ﴾ الخُلُودُ في جَهَنَّمَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزٍ "تُرَدُّونَ" بِتاءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما اللهُ بِغافِلٍ ﴾ الآيَةُ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فالخِطابُ بِالآيَةِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، والآيَةُ واعِظَةٌ لَهم بِالمَعْنى إذِ اللهُ تَعالى بِالمِرْصادِ لِكُلِّ كافِرٍ وعاصٍ.

وقَرَأ الباقُونَ بِتاءٍ عَلى الخِطابِ المُحْتَمَلِ أنْ يَكُونَ في سَرْدِ الآيَةِ وهو الأظْهَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: "إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ مَضَوْا، وأنْتُمُ الَّذِينَ تَعْنُونَ بِهَذا يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءِكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دياركم ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ ﴾ .

تفنن الخطاب هنا فجاء على نسق ما قبل الآية السابقة، إذ عبر هنا عن جميع بني إسرائيل بضمير الخطاب على طريق التغليب لأن المخاطبين حين نزول القرآن هم المقصودون من هذه الموعظة أو على طريق تنزيل الخلف منزلة السلف كما تقدم، لأن الداعي للإظهار عند الانتقال من الاستطراد إلى بقية المقصود في الآية السابقة قد أخذ ما يقتضيه فعاد أسلوب الخطاب إلى ما كان عليه.

والقول في ﴿ لا تسفكون ﴾ كالقول في ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ [البقرة: 83] والسفك الصب.

وإضافة الدماء إلى ضمير فاعل ﴿ تسفكون ﴾ اقتضت أن مفعول ﴿ تسفكون ﴾ هو دماء السافكين وليس المراد النهي عن أن يسفك الإنسان دم نفسه أو يخرج نفسه من داره لأن مثل هذا مما يزع المرء عنه وازعه الطبيعي فليس من شأن الشريعة الاهتمام بالنهي عنه، وإنما المراد أن لا يسفك أحد دم غيره ولا يخرج غيره من داره على حد قوله تعالى: ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ [النور: 61] أي فليسلم بعضكم على بعض.

فوجه إضافة الدماء إلى ضمير السافكين أن هذه الأحكام المتعلقة بالأمة أو القبيلة يكون مدلول الضمائر فيها مجموع الناس، فإذا تعلقت أحكام بتلك الضمائر من إسناد أومفعولية أو إضافة أرجع كل إلى ما يناسبه على طريقة التوزيع وهذا كثير في استعمال القرآن ونكتته الإشارة إلى أن المغايرة في حقوق أفراد الأمة مغايرة صورية وأنها راجعة إلى شيء واحد وهو المصلحة الجامعة أو المفسدة الجامعة، ومثله قوله تعالى: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ [البقرة: 188] ومن هذا القبيل قول الحماسي الحارث بن وعلة الذهلي: قومي هم قتلوا أُميم أخي *** فإذا رميت يصيبني سهمي فلئن عفوت لأعفون جللا *** ولئن سطوت لأوهنن عظمي يريد أن سهمه إذا أصاب قومه فقد أضرَّ بنفسه وإلى هذا الوجه أشار ابن عطية وسماه اللف في القول، أي الإجمال المراد به التوزيع، وذهب صاحب «الكشاف» إلى أنه من تشبيه الغير بالنفس لشدة اتصال الغير بالنفس في الأصل أو الدين فإذا قتل المتصل به نسباً أو ديناً فكأنما قتل نفسه وهو قريب من الأول ومبناه على المجاز في الضمير المضاف إليه في قوله: ﴿ دماءكم ﴾ و ﴿ أنفسكم ﴾ .

وقيل: إن المعنى لا تسفكون دماءكم بالتسبب في قتل الغير فيقتص منكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم بالجناية على الغير فتنفوا من دياركم، وهذا مبني على المجاز التبعي في ﴿ تفسكون ﴾ و ﴿ تخرجون ﴾ بعلاقة التسبب.

وأشارت هذه الآية إلى وصيتين من الوصايا الإلهية الواقعة في العهد المعروف بالكلمات العشر المنزلة على موسى عليه السلام من قوله: «لا تقتل، لا تشته بيت قريبك» فإن النهي عن شهوة بيت القريب لقصد سد ذريعة السعي في اغتصابه منه بفحوى الخطاب.

وعليه فإضافة (ميثاق) إلى ضمير المخاطبين مراعى فيها أنهم لما كانوا متدينين بشريعة التوراة فقد التزموا بجميع ما تحتوي عليه.

وقوله: ﴿ ثم أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ مرتب ترتيباً رتبياً أي أخذ عليكم العهد وأقررتموه أي عملتم به وشهدتم عليه فالضميران في ﴿ أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ راجعان لما رجع له ضمير ﴿ ميثاقكم ﴾ وما بعده لتكون الضمائر على سنن واحد في النظم.

وجملة ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ حالية أي لا تنكرون إقراركم بذلك إذ قد تقلدتموه والتزمتم التديُّن به.

والعطف بثم في قوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ للترتيب الرتبي أي وقع ذلك كله وأنتم هؤلاء تقتلون، والخطاب لليهود الحاضرين في وقت نزول القرآن بقرينة قوله: ﴿ هؤلاء ﴾ لأن الإشارة لا تكون إلى غائب وذلك نحو قولهم: ها أنا ذا وها أنتم أولاء، فليست زيادة اسم الإشارة إلا لتعيين مفاد الضمير وهذا استعمال عربي يختص غالباً بمقام التعجب من حال المخاطب وذلك لأن أصل الإخبار أن يكون بين المخبر والمخبر عنه تخالف في المفهوم واتحاد في الصدق في الخارج وهوالمعروف عند المناطقة بحمل الاشتقاق نحو أنت صادق، ولذلك لزم اختلاف المسند والمسند إليه بالجمود والاشتقاق غالباً أو الاتحاد في الاشتقاق ولا تجدهما جامدين إلا بتأويل.

ثم إن العرب قد تقصد من الإخبار معنى مصادفة المتكلم الشيءَ عينَ شيء يبحث عنه في نفسه نحو «أنت أبا جهل» قاله له ابن مسعود يوم بدر إذ وجده مثخناً بالجراح صريعاً ومصادفة المخاطب ذلك في اعتقاد المتكلم نحو «قال أنا يوسف وهذا أخي» فإذا أرادوا ذلك توسعوا في طريقة الإخبار فمن أجل ذلك صح أن يقال: «أنا ذلك» إذا كانت الإشارة إلى متقرر في ذهن السامع وهو لا يعلم أنه عين المسند إليه كقول خفاف بن نَدبة: تَأَمَّلْ خُفَافاً إنني أنا ذلكا *** وقول طريف العنبري: فتوسموني إنني أنا ذالكم *** وأوسع منه عندهم نحوُ قول أبي النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري *** ثم إذا أرادوا العناية بتحقيق هذا الاتحاد جاءوا «بها التنبيهِ» فقالوا: هَا أنا ذا يقوله المتكلم لمن قد يشك أنه هو نحو قول الشاعر: إن الفتى مَن يقول ها أنا ذا *** فإذا كان السبب الذي صحح الإخبار معلوماً اقتصَر المتكلم على ذلك وإلا أَتْبَع مثلَ ذلك التركيب بجملة تدل على الحال التي اقتضت ذلك الإخبار ولهم في ذلك مراتب: الأولى ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون ﴾ ، الثانية: ﴿ ها أنتم أولاء تحبونهم ﴾ [آل عمران: 119].

ومنه «ها أنا ذا لديكما» قاله أمية بن أبي الصلت.

الثالثة ﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ﴾ [النساء: 109] ويستفاد معنى التعجب في أكثر مواقعه من القرينة كما تقول لمن وجدته حاضراً وكنت لا تترقب حضوره ها أنت ذا، أو من الجملة المذكورة بعده إذا كان مفادها عجيباً كما رأيت في الأمثلة.

والأظهر أن يكون الضمير واسم الإشارة مبتدأ وخبراً والجملة بعدهما حالاً، وقيل: هي مستأنفة لبيان منشأ التعجب، وقيل: الجملة هي الخبر واسم الإشارة منادى معترض ومنعه سيبويه، وقيل: اسم الإشارة منصوب على الاختصاص وهذا ضعيف.

وعلى الخلاف في موقع الجملة اختلف فيما لو أتى بعدها أنت ذَا ونحوِه بمفرد فقيل يكون منصوباً على الحال وقيل: مرفوعاً على الخبر ولم يسمع من العرب إلا مثال أنشده النحاة وهو قوله: أبا حَكَم ها أنتَ نَجْمٌ مُجَالد *** ولأجل ذلك جاء ابن مالك في خطبة «التسهيل» بقوله: وها أنا ساع فيما انتدبت إليه، وجاء ابن هشام في خطبة «المغني» بقوله: وها أنا مبيح بما أسررته.

واختلف النحاة أيضاً في أن وقوع الضمير بعد (ها) التنبيه هل يتعين أن يعقبه اسم الإشارة فقال في «التسهيل» هو غالب لا لازم وقال ابن هشام هولازم صرح به في «حواشي التسهيل» بنقل الدماميني في «الحواشي المصرية» في الخطبة وفي الهاء المفردة.

وقال الرضى إن دخول (ها) التنبيه في الحقيقة إنما هو على اسم الإشارة على ما هو المعروف في قولهم هذا وإنما يفصل بينها وبين اسم الإشارة بفاصل فمنه الضمير المرفوع المنفصل كما رأيت ومنه القسم نحو قول الشاعر من «شواهد الرضي»: تَعَلَّمَنْ هَا لعمرُ الله ذا قسما *** فاقدر بذرعك فانظر أين تنسلك وشذ بغير ذلك نحو قول النابغة: ها إنّ تَاعذرة إن لا تكن نفعت *** فإن صاحبها قد تاه في البلد وقوله: ﴿ تقتلون ﴾ حال أو خبر.

وعبر بالمضارع لقصد الدلالة على التجدد وأن ذلك من شأنكم وكذلك قوله: ﴿ وتخرجون فريقاً منكم ﴾ .

وجعل في «الكشاف» المقصود بالخطابات كلها في هذه الآية مراداً به أسلاف الحاضرين وجعل قوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون ﴾ مع إشعاره بمغايرة المشار إليهم للذين وجه إليهم الخطاب مراداً منه مغايرة تنزيلية لتغير صفات المخاطب الواحد وذلك تكلف ساقه إليه محبة جعل الخطابات في هذه الآية موافقة للخطابات التي في الآي قبلها، وقد علمت أنه غير لازم وأن المغايرة مقصودة هنا وقد استقامت فلا داعي إلى التكلف.

وقد أشارت هذه الآية إلى ما حدث بين اليهود من التخاذل وإهمال ماأمرتهم به شريعتهم والأظهر أن المقصود يهود قريظة والنضير وقَيْنُقَاعَ.

وأراد من ذلك بخاصة ما حدث بينهم في حروب بُعَاث القائمة بين الأوس والخزرج وذلك أنه لما تَقَاتَل الأوسُ والخزرجُ اعتزل اليهودُ الفريقين زمناً طويلاً والأوسُ مغلوبون في سائر أيام القتال فدبر الأوس أن يخرجوا يسعون لمحالفة قُريظة والنَّضِير فلما علم الخزرج توعدوا اليهود إن فعلوا ذلك فقالوا لهم: إنا لا نحالف الأوس ولا نحالفكم فطلب الخزرجُ على اليهود رهائنَ أربعين غلاماً من غلمان قريظة والنضير فسلموهم لهم.

ثم إن عمرو بن النعمان البياضي الخزرجي أطمع قومه أن يتحولوا لقريظة والنضير لحسن أرضهم ونخلهم وأرسل إلى قريظة والنضير يقول لهم: إما أن تخلوا لنا دياركم وإما أن نقتل الرهائن فخشي القوم على رهائنهم واستشاروا كعب بن أسيد القُرظي فقال لهم: «يا قوم امنعوا دياركم وخلوه يقتل الغلمان فما هي إلا ليلة يصيب أحدكم فيها امرأتَه حتى يولد له مثلُ أحدهم» فلما أجابت قريظة والنضير عمراً بأنهم يمنعون ديارهم عدا عمروٌ على الغلمان فقتلهم فلذلك تحالفت قريظة والنضير مع الأوس فسعى الخزرج في محالفة بني قينقاع من اليهود وبذلك نشأ قتال بين فِرق اليهود وكان بينهم يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين فكانت اليهود تتقاتل وتجلي المغلوبين من ديارهم وتأسرهم، ثم لمَّا ارتفعت الحرب جمعوا مالاً وفدوا به أسرى اليهود الواقعين في أسر أحلاف أحد الفريقين من الأوس أو الخزرج فعيرت العربُ اليهودُ بذلك وقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم بأموالكم فقالوا: قد حرم علينا قتالهم ولكنا نستحي أن نخذل حلفاءنا وقد أُمرنا أن نفدي الأسرى فذلك قوله تعالى: ﴿ وإن يأتوكم أُسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ ﴾ يَعْنِي في التَّوْراةِ بِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ  .

ويُقالُ: المِيثاقُ الأوَّلُ (حِينَ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ).

﴿ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا ﴾ فَمَن قَرَأ: حَسَنًا، يَعْنِي قَوْلًا صِدْقًا في بَعْثِ مُحَمَّدٍ  ، وبِالرَّفْعِ، أيْ قُولُوا لِجَمِيعِ النّاسِ حُسْنًا، يَعْنِي خالِقُوا النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ﴿ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ﴾ أي ميثاقكم.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل...

﴾ الآية.

قال: أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له وأن لا يعبدوا غيره.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ﴾ قال: ميثاق أخذه الله على بني إسرائيل فاسمعوا على ما أخذ ميثاق القوم ﴿ لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن عيسى بن عمر قال: قال الأعمش: نحن نقرأ ﴿ لا يعبدون إلا الله ﴾ بالياء لأنا نقرأ آخر الآية ﴿ ثم تولوا ﴾ عنه وأنتم تقرأون ﴿ ثم توليتم ﴾ فاقرأوها لا تعبدون.

وأخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أمرهم أن يأمروا بلا إله إلا الله من لم يقلها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ قال: يعني الناس كلهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء وأبي جعفر في قوله: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ قالا: للناس كلهم.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر عن عبد الملك بن سليمان أن زيد بن ثابت كان يقرأ ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ وكان ابن مسعود يقرأ ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ .

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم توليتم ﴾ أي تركتم ذلك كله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم توليتم ﴾ قال: أعرضتم عن طاعتي ﴿ إلا قليلاً منكم ﴾ وهم الذين اخترتهم لطاعتي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ ﴾ الخطاب في هذه الآية لقُريظة والنضير (١) (٢) (٣) وقد كشف السُدِّي عن هذا، فقال: أخذ الله عليهم أربعةَ عهود: تركَ القتل، وتركَ الإخراج، وتركَ المظاهرة عليهم، وفدى أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا إلا الفداء.

وذلك أن قريظة كانت حلفاء الأوس (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ ﴾ أي (٨) (٩) (١٠) ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى  ﴾ (١١) وقوله تعالى: ﴿ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ ﴾ قرئ بتخفيف الظاء وتشديدها (١٢) (١٣) قال سيبويه (١٤) ﴿ فَادَّارَأْتُمْ  ﴾ و ﴿ وَازَّيَّنَتْ  ﴾ .

ومما يقوي ذلك: أن الأولى لمعنًى، فإذا حذفت لم يبق شيء يَدُلّ على المعنى، والثانية من جملةِ كلمةٍ إذا حذفتْ دل ما بقي من الكلمة عليها (١٥) (١٦) ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَليهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ سِحرَانِ تَظَاهَرَا ﴾ (١٧) (١٨) ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ  ﴾ ، أي: معين (١٩) ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا  ﴾ (٢٠) (٢١) وأصل الباب من الظهور وهو البُروز، فظهر الشيء ظاهره الذي هو خلاف البطن، والظهيرة؛ لأنه أظهر ما تكون الشمس بانبساط شُعَاعها، وقرأه ظاهرًا، ومن ظهر قلبه؛ لأنّه ظهر له من غير كتاب.

هذا أصل الباب.

ثم استعمل من هذا التأليف أحرف ليس فيها معنى الظهور، ولكنها من الظهر الذي هو خلاف البطن، من ذلك: الظهر: الإبل التي تحمل الأثقال، والظهار: في مظاهرة الرجل من امرأته، والظِهريُّ: الشيء الذي تنساه وتحطّه وراء ظهرك (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ أي: تعاونون على أهل ملتكم بالمعصية والظلم.

ومعنى العدوان: الإفراط والظلم، يقال: عَدَا عَدْوًا وعُدوانًا وعُدُوًّا وعِداءً (٢٣) ﴿ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ ﴾ أي: إن أتوكم مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم، وقُرئ: (أُسَارى) (وأَسرى) (٢٤) (٢٥) (٢٦) ووجه قول من قال أُسارى: كأنه شبهه بكسالى، وذلك أن الأسير لما كان محبوسًا عن كثير من تصرفه للأسر كما أن الكسلان محتبس عن ذلك لعادته (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) وأصل الأسر في اللغة: الشدّ.

قال الأصمعي: تقول العرب: ما أحسن ما أسَرَ قَتَبَه، أي: ما أحسن ما شدّه بالقِدّ، والقِدُّ: الذي يؤسَرُ به القَتَبُ، يسمى الإسار، وقيل للأسير من العدوّ: أسير؛ لأن آخذه يستوثق منه بالإسار، وهو القِدّ، لئلا يُفْلِتَ (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ تُفَادُوهُم ﴾ قرئ أيضا بوجهين (٣٩) ﴿ وَفَدَينَاهُ بِذِبحٍ عَظِيمٍ  ﴾ ، وكقول الشاعر: يودّون لو يَفْدُونَني بنفوسهم ...

وَمَثْنَى الأواقي والقِيَانِ النواهدِ (٤٠) فإذا ثَقَّلْتَ العين زدتَ المفعولين ثالثًا، كقوله: لو يَستطعن إذا نابتك مُجْحِفَةٌ ...

فَدَّيْنَك الموتَ بالآباء (٤١) (٤٢) وقالوا: فادى الأسير: إذا أطلقه وأخذ عنه شيئا (٤٣) (٤٤) ومنزلة في دار صدق وغبطة ...

وما اقتال من حكم علي طبيب فلو كان ميت يفتدى لفديته ...

بما لم تكن عنه النفوس تطيب وذكره صاحب "اللسان" في مادة [فدى] 6/ 3366 دون نسبة.]] (٤٥) فمن قرأ: ﴿ تُفَادُوهُمْ ﴾ فلأن من كلّ واحد من الفريقين فِعْلًا، فمن الآسر دفع (الأسير) (٤٦) (٤٧) أخبرني العَرُوضي، عن الأزهري، عن المنذري، عن ثعلب قال: المفاداة: أن تدفع رجلًا وتأخذ رجلًا.

والفِداء: أن تشتريَه بمال فداءً.

ويقال: فديته بنفسي (٤٨) وقال نصير (٤٩) ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ  ﴾ أي: خلّصناه به (٥٠) (٥١) قال الفراء: والعرب تقصر الفداء وتمدّه، يقال: هذا فداؤك وفداك، وربما فتحوا الفاء إذا قصروا (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ .

(هو) إضمار الإخراج الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا ﴾ .

ثم بيّن لتراخي الكلام أنّ ذلك الذي حُرِّم: الإخراج، فقال: (وهو محرّم عليكم)، ولو اقتصر على هذا القدر أشبه أن يرجع ذلك إلى فداء الأسرى، لأن معناه وإخراجهم (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) قال: وإذا رأيت الواو في موضع تطلب الاسم دون الفعل، صلح في ذلك الموضع العماد، كقولك: أتيت زيدًا وأبوه قائم، فإن أردت أن تقدم الفعل على الأب، فقلت: أتيت زيدًا قائم أبوه (٥٨) (٥٩) ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ : حُرّم عليكم إخراجهم، والاسم المبني على الفعل ينوب عنه في العمل، ومحرم على: حُرِّم ..

(٦٠) وقال الزجاج: وجائز أن يكون هو للقصة والحديث والخبر والأمر والشأن، كأنه قال: والخبر (٦١) ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ أي: الأمر الذي هو الحق: الله الأحد، وتأويله (٦٢) (٦٣) ونظم الآية على التقديم والتأخير، تقديره: وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وهو محرّم عليكم إخراجُهم، وإن يأتوكم أسرى (٦٤) (٦٥) والمحرم: الممنوعٌ منه، والحرامُ: كلُّ ممنوع من فعله، ومن ذلك: البلد الحرام، والبيت الحرام؛ لأنه كان يمنع فيه ما هو مُبَاح في غيره، ورَجل مُحْرِم وحرام: إذا مَنَع نفسه ممّا يحظره الإحرام، والحُرُمات: كُلّ ما مُنِعَ ارتكابُه، وتقول: قد تَحَرَّمت بطعامك، أي: حَرُم عليك بهذا السبَب ما كان لك أخذه، والمحروم: الممنوع ما (٦٦) يقول (٦٧) (٦٨) أي: ليس بممنوع، والحَرَم والحَرَام واحد، كقولهم: زَمَنٌ وزَمَانٌ (٦٩) وقوله تعالى: ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ﴾ استفهامٌ في معنى توبيخ.

وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ يعني (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) وقال ابن السراج: معنى أخزاه الله، أي: أوقفه موقفا يُسْتحيَا منه، مِن قولهم: خزي يخزَى خِزَايَةً: إذا استحيا (٧٦) ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ ﴾ والردُّ: الرجع.

يقال: ردّه إلى كذا، ويقال للمُجبّر: ردّاد؛ لأنه يردّ العُضْو إلى ما كان.

والرِّدّة: الرجوع عن الشيء، ومنه الردّة عن الإسلام (٧٧) وإنما قال: (يُردّون) بلفظ الجمع لمعنى مَنْ.

وفي (أشد العذاب) قولان: أحدهما: أنه عذاب لا رَوْح (٧٨) والثاني: عذابٌ أشدّ من عذاب الدنيا بتضعيف الألم فيه.

(١) قريظة والنضير: قبيلتان من اليهود في المدينة، وهما من بني الخزرج الصريح بن التوءمان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النحام بن تنحوم بن عازر بن عذري بن هارون بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب.

ينظر "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 61.

(٢) في (ش): (كانوا).

(٣) أخرجه الطبري في تفسيره 1/ 389، أبن أبي حاتم في "تفسيره".

بمعناه 1/ 163.

(٤) هم بنو الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف، من أعظم بطون الأزد من القحطانية، أهل عز ومنعة، فيهم عدة أفخار، كان موطنهم الأصلي بلاد اليمن، فهاجروا إلى يثرب، وعاشوا مع الخزرج والقبائل اليهودية، ونشبت حروب طويلة بينهم وبين الخزرج كيوم بعاث والدرك وغيرها.

ينظر: "معجم قبائل العرب القديمة والحديثة" 1/ 50.

(٥) هم الخزرج بن حارثة بطن من الأزد من القحطانية، كانوا يقطنون المدينة مع الأوس، وكانت العرب جميعًا في الجاهلية يسمون الأوس والخزرج جميعًا الخزرج، وكانوا هم والأوس يحجون ويقفون مع الناس.

ينظر: "معجم قبائل العرب" 1/ 342.

(٦) ساقطة من (أ) و (م).

(٧) في (م): (يذل).

(٨) رواه بمعناه الطبري في تفسيره 1/ 396، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 163، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1021، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 110 وورد نحوه عن ابن عباس، أخرجه الطبري في تفسيره 2/ 305، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 164.

(٩) "تفسير الثعلبي" 1/ 1017.

(١٠) قوله: (ولا موضع لتقتلون إذا كان صلة) ليست عند الزجاج في "معاني القرآن".

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 167.

(١٢) قرأ الكوفيون (عاصم، وحمزة والكسائي) بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، ينظر: "السبعة" ص162 - 163و"النشر" 2/ 218.

(١٣) ينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 166.

(١٤) "الكتاب" 2/ 425 - 426.

(١٥) هذا كله كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" 2/ 134 - 135.

(١٦) في (م): (تعارفون).

(١٧) قرأ الكوفيون (سحران) من غير ألف، وقرأ الباقون (ساحران).

ينظر "السبعة" "النشر" 2/ 341.

(١٨) في (م): (تعارفا).

(١٩) "تفسير الثعلبي" 1/ 1019.

(٢٠) من كلام أبي علي في "الحجة" بتصرف 2/ 131.

(٢١) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1019.

(٢٢) انظر: "مقاييس اللغة" 3/ 741.

(٢٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 166، "تفسير الثعلبي" 1/ 1019.

(٢٤) قرأ حمزة (أَسْرى) بفتح الهمزة وسكون السين من غير ألف، وقرأ الباقون بضم الهمزة وألف بعد السين.

ينظر: "السبعة" ص 163، و"التيسير" ص 64، "النشر" 2/ 218.

(٢٥) في (ش): (وإن).

(٢٦) هذا كله كلام أبي علي في "الحجة" بتصرف يسير 2/ 143، وقد ذكر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1020 أن أحدًا من العلماء الأثبات لم يُفَرق بين أسرى وأسارى إلا أبو عمرو فإنه قال: ما قد أُسِر فهو أسارى، وما لم يؤسر فهو أسْرى، وروي عنه من وجه آخر قال: ما صاروا في أيديهم فهم أسارى وما جاء مستأسرًا فهم أسرى، وأنكر الفرق ثعلب.

وبين القرطبي في "تفسيره" 18/ 19 أن ما ذكره أبو عمرو لا يعرفه أهل اللغة.

(٢٧) في "الحجة": لعادته السيئة شبه به.

(٢٨) في "الحجة" 2/ 144: فلما أشبهه في المعنى أجري عليه في الجمع اللفظ الذي لفعيل بمعنى مفعول.

(٢٩) في (ش) كأنها (رجال).

(٣٠) رخال: بكسر الراء وضمها: جمع رِخل، الأنثى من أولاد الضأن، ينظر "القاموس" ص 1005 (مادة: رخل).

(٣١) الظؤار: جمع ظئر، وهي العاطفة على غير ولدها المرضعة له.

ينظر القاموس ص 432 مادة: ظئر.

(٣٢) الثُّنَاء: أي اثنين اثنين، يقال: جاءوا مثنى وثُنَاء، كغُراب، أي: اثنين اثنين، وثنتين ثنتين، ينظر "القاموس" ص 1267.

(٣٣) في "الحجة" وقد لحقته تاء التأنيث، فقالوا في جمع نقوة: نُقاوة، كما قالوا: الحجارة والذكارة.

(٣٤) الذكارة: بالكسر، ما يصلح للرجال، كالمسك والعنبر والعود.

انظر "اللسان" 3/ 1509 مادة: ذكر (٣٥) القاصعاء والداماء: من أسماء جِحَرَةِ اليربوع السبعة.

"اللسان" 3/ 1426 مادة: دمم.

(٣٦) هذا كله كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 143 - 145 بتصرف يسير.

(٣٧) نقله عنه في "تهذيب اللغة"1/ 159.

مادة (أسر) (٣٨) ينظر في "تهذيب اللغة"1/ 159، "اللسان" 4/ 78.

(مادة: أسر) (٣٩) قرأ المدنيان نافع وأبو جعفر، وعاصم والكسائي ويعقوب (تفادوهم) بضم التاء وألف بعد الفاء، وقرأ الباقون بفتح التاء وسكون الفاء من غير ألف.

ينظر "السبعة" ص 162 - 163، "التيسير" للداني ص 64، و"النشر" 2/ 218.

(٤٠) البيت لأبي ذؤيب في "شرح أشعار الهذليين" ص 192.

مثنى الأواقي: (الذهب)، مثنى: أي: مرة بعد مرة.

والقيان: الخدم.

(٤١) في "الحجة" بالأبناء.

(٤٢) ذكره أبو علي في "الحجة" 2/ 146 ولم ينسبه.

(٤٣) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 146.

(٤٤) في (ش) لعلها (أفتال) أو (أفتاك).

(٤٥) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 147.

(٤٦) سقطت من (ش).

(٤٧) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 147 بتصرف يسير.

(٤٨) في "تهذيب اللغة" 14/ 200، وينظر: "اللسان" 5/ 150 (مادة: فدى).

(٤٩) في (ش): (نظير).

(٥٠) من قوله: خلصناه به.

ساقط من (أ) و (م).

(٥١) "تهذيب اللغة" 3/ 2754 بتصرف واختصار.

(مادة: فدى).

(٥٢) نقله عنه "تهذيب اللغة" 3/ 2754، وعنه ابن منظور في "اللسان" 6/ 3366، "القرطبي" في "تفسيره" 2/ 91.

(مادة: فدى).

(٥٣) قوله: (لأن معناه، وإخراجهم) ساقطة من (أ) و (م).

(٥٤) في (ش): (الإحرام).

(٥٥) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 50 - 51.

(٥٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 167.

(٥٧) كذا نقله عنه "القرطبي" في "تفسيره" 2/ 22.

(٥٨) في "معاني القرآن" للفراء: فقبيح أن تقول: أتيت زيدًا قائم أبوه، وأتيت زيدًا ويقوم أبوه.

(٥٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 51.

(٦٠) من قوله: حُ (رِّم عليكم) ..

ساقط من (أ) و (م).

(٦١) في (ش): (الخير).

(٦٢) في (أ): (وتأويل).

(٦٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 167.

(٦٤) في (م): (أسارى).

(٦٥) "تفسير الثعلبي" 1/ 1022.

(٦٦) (ما) بمعنى الذي.

(٦٧) في (أ): (يقول).

(٦٨) ديوان زهير ص 79، وصدر البيت: وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ.

(٦٩) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 793 - 797، و"لسان العرب" 2/ 844.

مادة (حرم).

(٧٠) في (ش): (بمعنى).

(٧١) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1023.

(٧٢) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1027، "اللسان" 2/ 1155 مادة (خزا)، "تفسير الثعلبي" 1/ 1023.

(٧٣) هو: شمر أبو عمرو بن حمدويه الهروي اللغوي الأديب الفاضل الكامل، إليه الرحلة في هذا الفن من كل مكان، كانت له عناية بعلم اللغة، توفي سنة 255 هـ.

ينظر: "إنباه الرواة" 2/ 77 - 78، و"بغية الوعاة" 2/ 4 - 5.

(٧٤) ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 1027، "اللسان" 2/ 1155 (مادة: خزي).

(٧٥) كذا في "غريب الحديث" له 2/ 381.

(٧٦) ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 381، "تهذيب اللغة" 1/ 10274، (مادة: خزى)، "تفسير القرطبي" 2/ 23.

(٧٧) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1390 مادة (ردد).

(٧٨) لا روح فيه: أي لا راحة فيه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ﴾ أي الذين لا يقرأون ولا يكتبون فهم ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب ﴾ والمراد قوم من اليهود وقيل: من المجوس وهذا غير صحيح، لأن الكلام عن اليهود ﴿ إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ تلاوة بغير فهم، أو أكاذيب، وما تتمناه النفوس ﴿ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ تحقيق لافترائهم ﴿ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ عرض الدنيا من الرياسة والرشوة وغير ذلك مما يكسبون من الدنيا أو هي الذنوب ﴿ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ أربعين يوماً عدد عبادتهم العجل وقيل سبعة أيام ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: تقرير يقتضي إبطال ﴿ بلى ﴾ تحقيق لطول مكثهم في النار، لقولهم ما لا يعلمون ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: في الكفار لأنها ردّ على اليهود، ولقوله بعدها ﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ فلا حجة فيها لن قال بتخليد العصاة في النار ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله ﴾ جواب لقسم يدل عليه الميثاق، وقيل: خبر بمعنى النهي، ويرجحه قراءة لا يعبدون وقيل: الأصل: ب ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ثم حذفت الباء.

وأن ﴿ وبالوالدين ﴾ يتعلق بإحسان، أو يمحذوف تقديره: أحسنوا، ووكد بإحساناً ﴿ وَذِي القربى ﴾ القرابة ﴿ واليتامى ﴾ جمع يتيم: وهو من فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من سائر الحيوان من فقد أمه، وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهم، فقدم الوالدين لحقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إلا أماني ﴾ حيث كان خفيفاً: يزيد إلا قوله ﴿ تلك أمانيهم ﴾ ﴿ وليس بأمانيكم ولا أماني ﴾ ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ فإن أربعتهن بالإسكان عنده ﴿ بأيديهم ﴾ بضم الهاء: يعقوب، وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة ﴿ خطيآته ﴾ بالجمع: أبو جعفر ونافع.

الوقوف: ﴿ يعلمون ﴾ (ه) ﴿ آمنا ﴾ (ج) والوصل أجوز لبيان حالتيهما المتناقضتين وهو المقصود ﴿ عند ربكم ﴾ (ط) ﴿ أفلا تعقلون ﴾ (ه) ﴿ يعلنون ﴾ (ه) ﴿ يظنون ﴾ (ج) ﴿ قليلاً ﴾ (ط) ﴿ يكسبون ﴾ (ه) ﴿ معدودة ﴾ (ط) ﴿ ما لا تعلمون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن الجملة مبتدأ وخبر بعد خبر.

﴿ خالدون ﴾ (ه) ﴿ الجنة ﴾ (ج) ﴿ خالدون ﴾ (ه).

التفسير: لما ذكر الله  وتعالى قبائح أسلاف اليهود وسوء معاملتهم مع نبيهم، أردفها قبائح أخلافهم المعاصرين لرسول الله  فكأنه قيل: إذا كان هذا أفعالهم فيما بينهم، فكيف تطمعون أيها النبي  والمؤمنون في أن يؤمنوا أي يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم؟

كقوله ﴿ فآمن له لوط ﴾ ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ طائفة من أسلافهم ﴿ يسمعون كلام الله ﴾ وهو ما يتلونه من التوراة ﴿ ثم يحرفونه ﴾ كما حرفوا صفة رسول الله  وآية الرجم.

وقيل: هم قوم من الذين حضروا الميقات، سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به ونهى عنه ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس ﴿ من بعد ما عقلوه ﴾ فهموه وضبطوه بعقولهم من غير ما شبهة ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم مفترون كذابون.

والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك كما تقول للرجل: كيف تطمع أن يفلح فلان وأستاذه فلان يأخذ عنه لا عن غيره؟

فهؤلاء المقلدة لا يقبلون إلا قول معلميهم وأحبارهم الذين تعمدوا التحريف عناداً أو لضرب من الأغراض الدنيوية ﴿ وإذا لقوا ﴾ أي اليهود قال منافقوهم: آمنا بأنكم على الحق ونشهد أن صاحبكم صادق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا.

﴿ وإذا خلا بعضهم ﴾ الذين لم ينافقوا ﴿ إلى بعض ﴾ الذين نافقوا ﴿ قالوا ﴾ عاتبين عليهم ﴿ أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ﴾ بما بين لكم في التوراة من نعته وصفته مأخوذ من قولهم "قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه، أو قال المنافقون لغيرهم يرونهم التصلب في دينهم: أتحدثونهم إنكاراً عليهم أن يفتحوا عليهم شيئاً في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود ﴿ ليحاجوكم به عند ربكم ﴾ ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه.

جعلوا محاجتهم به وقولهم "هو في كتابكم هكذا" محاجة عند الله.

ألا تراك تقول: هو في كتاب الله كذا وهو عند الله كذا بمعنى واحد؟

وعن الحسن: ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم  من اتباع الرسل محاجة فيه أي دينه.

وقال الأصم: يحاجوكم يوم القيامة عند المساءلة فيكون زيادة في توبيخكم، فكان القوم يعتقدون أن ذلك مما يزيد في فضيحتهم في الآخرة.

وقيل: ليحاجوكم به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه: أزحت علتك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي، فإن قبلت أحسنت إلى نفسك، وإن جحدت كنت الخاسر الخائب.

وقيل: لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله كما يقال: فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي.

وهذا عند الشافعي كذا، وعند أبي حنيفة كذا ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه فإنكم إذا حدثتموهم بالذي يحاجونكم به رجع وباله عليكم ﴿ أو لا يعلمون أن الله يعلم ﴾ جميع ﴿ ما يسرون وما يعلنون ﴾ ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان، خوّفهم الله  بذلك لأنهم كانوا يعرفون أن الله يعلم السر والعلانية ﴿ ومنهم أميون ﴾ لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها كأنه منسوب إلى الأم وهو أصل الشيء، فالأمي على أصل فطرته لم يكتسب علماً وكتابة ﴿ لا يعلمون الكتاب ﴾ التوراة ﴿ إلا أماني ﴾ وأحدها أمنية على أفعولة من مني إذا قدر.

تقول: منه تمنيت الشيء ومنيته غيري تمنية، لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوّز ما يتمناه، وأماني اليهود هي أن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وما يمنيهم الأحبار من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة.

وقيل: الأماني الأكاذيب المختلفة التي سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد.

يقال: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته؟

وذلك أن المختلق يقدر أن كلمة كذا بعد كذا.

وفي الصحاح أنه مقلوب المين وهو الكذب.

وقيل: إلا ما يقرأون من قولهم "تمنيت الكتاب قرأته" قال الشاعر يرثي عثمان: تمنـــى كتــــاب الله أوّل ليلـــــــة *** وآخرهــــا لا فـــي حمــــام المقـــــادر والقارئ مقدر الكلمات كالمختلق، وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً كأنه قيل: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه.

ثم إ نهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وعلى الأول يكون استثناء منقطعاً.

ومن قرأ ﴿ أماني ﴾ بالتخفيف حذف المد كما يقال مفاتح ﴿ وإن هم إلا يظنون ﴾ كالمحقق لما تقدمه من قوله ﴿ لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ ذكر الفرقة الضالة المضلة المحرفة، ثم الفرقة المنافقين منهم، ثم الفرقة المجادلة لأهل النفاق، ثم العوام المقلدة، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن للعالم أن يعمل بعلمه وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن إن كان متمكناً من العلم ولا سيما في أصول الدين، الويل كلمة يقولها كل مكروب، وعن ابن عباس: أنه العذاب الأليم.

وعن الثوري: صديد أهل الجحيم.

وعن رسول الله  : "واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره" وقال عطاء بن يسار: الويل واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره.

ولا شبهة في دلالتها على نهاية الوعيد والتهديد ﴿ يكتبون الكتاب ﴾ المحرف ﴿ بأيديهم ﴾ تأكيد كما تقول للمنكر هذا ما كتبته بيمينك.

حكى عنهم أمرين: كتبة الكتاب وإسناده إلى الله.

فالوعيد مرتب على كل منهما وعلى مجموعهما إلا أنه على الثاني أبلغ ولهذا جيء بــ "ثم" وقوله ﴿ ليشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ تنبيه على شقاوتهم، فإنهم استبدلوا النفع الحقير العاجل الزائل بالأجر العظيم الآجل الدائم ﴿ فويل لهم مما كتبت أيديهم ﴾ أي مما أسلفت من كتبها ما لم يكن يحل لهم ﴿ وويل لهم مما يكسبون ﴾ بذلك بعد من الرشا على التحريف وفي إعادة الويل في الكسب دليل على أن الوعيد كما يلحقهم بسبب الكتبة وإسنادها إلى الله، فكذلك يلحقهم بسبب أخذ المال عليه ليعلم أن أخذ المال على الباطل محرم وإن كان بالتراضي ﴿ وقالوا لن تمسنا النار ﴾ نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو جزمهم بأن الله  لا يعذبهم إلا أياماً معدودة قليلة، وهذا الجزم مما لا سبيل إليه بالعقل ألبتة، ولا دليل له سمعياً فلا يجزم به عاقل.

والأيام المعدودة قالوا: أربعون يوماً هي أيام عبادة العجل.

وعن مجاهد قالوا: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً لأن يوماً عند الله ألف سنة.

وأيام معدودة ومعدودات كلاهما فصيح مثل الأيام مضت ومضين.

والعهد ههنا يجري مجرى الوعد والخبر، لأن خبره  كالعهود المؤكدة منا بالقسم والنذر.

و ﴿ أتخذتم ﴾ استفهام بطريق الإنكار، وإنه يدل على عدم الدليل السمعي.

﴿ فلن يخلف الله عهده ﴾ لتنزهه  عن كل نقيصة وخلاف الخبر أنقص النقائص.

فإن قيل: هب أن الخلف في الوعد لؤم ونقيصة، لكنه في الوعيد كرم ولطف.

قلنا: الخلف من حيث هو كذب قبيح لا يجوّزه كامل، ولعل للكرم طريقاً آخر سوى هذا فتأمل.

و "أم" إما معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقدير لأن العلم واقع بكون أحدهما وهذا من الكامل المنصف نحو ﴿ وإِنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ ، ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى "بل أتقولون" كأنه أعرض عن الاستفهام الأول واستأنف سؤالاً ثانياً.

فالاستفهام الأول لتقرير النفي، والاستفهام الثاني لتقرير الإثبات.

وفي الآية تنبيه على أن القول بغير دليل باطل وأن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلا لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي.

ولا حجة لمنكري القياس وخبر الواحد فيه لأنه لما دل الدليل على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد، كان وجوب العمل معلوماً فكان القول به قولاً بالمعلوم ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله ﴿ لن تمسنا النار ﴾ أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله  ﴿ هم فيها خالدون ﴾ عن ابن عباس: وجد أهل الكتاب ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين فقالوا: لن نعذب في النار إلا ما وجدنا في التوراة، وإذا كان يوم القيامة أقحموا في النار فساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شفير سقر وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزنة أهل النار: يا أعداء الله، زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياماً معدودة، فقد انقضى العدد وبقي الأبد.

قلت: وفي مثل حالهم ضلال الفلاسفة القائلين بأن الأرواح وإن صارت مكدرة بقبائح أفعال الأشباح، إلا أنها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من قبائح الأعمال إلا أياماً معدودة بقدر فطام الأرواح عن لبان التمتعات الحيوانية، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى حسن المآب.

ومنهم من زعم أن استيفاء اللذات الحسية يقلل التعلقات الدنيوية ويسهل عروج الروح إلى عالمه العلوي، وكل هذا خيال فاسد ومتاع كاسد، وإنه قول من لم يجرب ولم يجد من نفسه أنها كيف تتدنس وتتكدر بالأخلاق الذميمة البهيمية والسبعية، وكيف تتصفى وتتطهر بالأخلاق الحميدة الروحانية الملكية، فغمر بصدإ مرآة القلب بحيث لا يبقى فيه شيء من الصفاء الفطري ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون  ﴾ فلا يجلوها إلا مرور الدهور وكرور الأعصار.

وقد ينضم الكفر إلى تلك الأخلاق فيبقى خالداً مخلداً في النار، في ويل طويل وزفير وعويل، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

والسيئة أصلها سيوئة من ساءه يسوءه سوأ ومساءة، فقلبت الواو ياء وأدغمت، وهي من الصفات الغالبة.

وقوله ﴿ سيئة ﴾ يتناول جميع المعاصي صغرت أو كبرت، فضم إليها شرط آخر وهو كون السيئة محيطة به ليختص بالكبيرة.

ولفظ الإحاطة حقيقة في المجسمات إحاطة السور بالبلد والظرف بالمظروف، فنقل إلى الخطيئة وهي عرض لمعنيين من جهة أن المحيط يستر المحاط به.

والكبيرة تستر الطاعات، ومن جهة أن الكبيرة تحبط الطاعات وتستولي عليها إحاطة العدو بالإنسان بحيث لا يتمكن الإنسان من الخلاص عنهم.

والآية وإن وردت في اليهود فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبمثلها تتمسك المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة، وفسر غيرهم الخطيئة المحيطة بالكفر فيه تتحقق الإحاطة التامة.

واعلم أن في المسألة خلافاً لأهل القبلة.

منهم من قطع بوعيدهم إما مؤبداً - وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج - وإما منقطعاً - وهو قول بشر المريسي والخالدي ومنهم من قطع بأنه وعيد لهم وينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر.

والذي عليه أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والإمامية، القطع بأنه  يعفو عن بعض العصاة، وأنه إذا عذب أحدهم فلا يعذبه أبداً، لكنا نتوقف في حق البعض المعفو عنه والبعض المعذب على التعيين.

أما المعتزلة فاستدلوا بعمومات وردت في وعيد الفساق كقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها  ﴾ وقوله ﴿ وإن الفجار لفي جحيم  ﴾ وقوله ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ ومن الحديث "من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة.

ومن قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" وعن أبي سعيد الخدري قال  "والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا دخل النار" وإذا استحقوا النار ببغضهم فلأن يستحقوا النار بقتلهم أولى.

وأجيب بالمنع من أن هذه الصيغ للعموم بدليل صحة إدخال الكل والبعض عليها نحو: كل من دخل داري فله كذا، أو بعض من دخل.

ولا يلزم منه تكرير ولا تناقض، ولأن الأكثر قد يطلق عليه لفظ الكل، ولاحتمال المخصصات.

القاطعون بنفي العقاب عن أهل الكبائر احتجوا بنحو قوله  ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين  ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله  ﴾ ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم  ﴾ ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى.

الذي كذب وتولى  ﴾ وبالعمومات الواردة في الوعد مثل ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك  ﴾ الآية.

حكم بالفلاح على كل من آمن.

وعورض بعمومات الوعيد.

أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض والتوقف في البعض، فقد تمسكوا بنحو قوله عز من قائل ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وبأن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضتا فلا بد من الترجيح لجانب الوعد بصرف التأويل إليه، لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف، وإهمال الوعد باضد.

وأيضاً القرآن مملوء من قوله ﴿ عفواً غفوراً ﴾ ﴿ رحيماً ﴾ ﴿ كريماً ﴾ .

وكذا الأخبار في هذا المعنى تكاد تبلغ حد التواتر.

وأيضاً إن صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان، ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر، ولا يهدمه ما سوى الكفر من المعاصي، ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة؟

إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي، وإذا دلت الآيات على الوعد والوعيد فلا بد من التوفيق بينهما.

فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب ثم إلى دار العقاب وهو باطل بالإجماع، أو يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب.

واعلم أن مذهب الأصحاب إلى الأدب أقرب من حيث إنهم يصفونه بصفات الجمال كالعفو والمغفرة، وبصفات الجلال كالقهر والانتقام، ولكن لا يوجبون عليه ثواباً ولا عقاباً، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

ومن حيث إنهم لا يعينون البعض المستحق للثواب ولا البعض المستحق للعقاب من المسلمين، لأن فعله مبرأ عن التعلل بلواحق الغايات وسوابق البواعث.

ومذهب المعتزلة إلى الاحتياط أقرب، فإن من خوّفك حتى تبلغ الأمن خير ممن أمنك حتى تبلغ الجوف.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ .

أَجمع أَهل التفسير والكلام على صرف الأَيام المعدودة المذكورة في هذه الآية إلى أَيام عبادة العجل.

وذلك لا معنى له؛ لوجهين: أحدهما: أَن هؤلاء لم يعبدوا العجل، وإنما عبد آباؤُهم؛ فلا معنى لصرف ذلك إلى هؤلاء.

والثاني: لو صرف ذلك إلى آبائهم الذين عبدوا العجل لم يحتمل أيضاً؛ لأَنهم قد تابوا ورجعوا عن ذلك؛ فلا معنى للتعذيب على عبادة العجل بعد التوبة والرجوع إلى عبادة الله؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، والله أعلم.

وتصرف الأَيام المعدودة إلى العمر الذي عَصَوْا فيه؛ لما لم يروا التعذيب إلا على قدر وقت العصيان والذنب، أَو لما لم يكونوا يروْن التخليد في النار أَبداً، أَو لما هم عند أنفسهم، كما أَخبر الله عنهم، بقوله: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ .

يقولون: إنا لا نُعذَّب أَبداً، إنما نعذَّب تعذيب الأَبِ ابنَه أَو الحبيبِ حبيبَه؛ يعذِّب في وقت قليل، ثم يرضى، ويدخل الجنة.

ولكن عقوبة الكفور أبداً، والتخليد فيها لا لوقت، وكذلك ثوابُ الإيمان للأَبد لا لوقت؛ لأَن من اعتقد ديناً إنما يعتقده للأَبد لا لوقت؛ فعلى ذلك جزاؤه للأَبد لا لوقت.

وأَما من ارتكب ذنباً من المسلمين؛ بشهوةٍ تغلبه في وقت، فيرتكبه، ثم يتركه - فإنما يعاقب إن عوقب على قدر ما ارتكب في وقتٍ؛ لأَنه لم يرتكبه للأَبد؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ ﴾ .

والعهد يحتمل: هل عندكم خبر عن الله  بأَنكم لا تعذبون أَبداً، ولكن أَياماً معدودة؟

فإن كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده.

والثاني: أَتخذتم عند الله عهداً، أي لكم أعمال صالحة عند الله فودعكم بها الجنة، فهو لا يخلف وعده.

أَي: ليس لكم واحد من هذين، لا خبرٌ عن الله بأَنه لا يعذبكم، ولا أَعمال صالحة وعد لكم بها الجنة.

وقوله: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

هذا إكذابٌ من الله - عز وجل - إياهم بذلك القول، كأَنه قال: بل تقولون على الله ما لا تعلمون؛ أَلا ترى أَنه قال: ﴿ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ ﴾ ؟!

يقول: ﴿ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ يعني: شركاً ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ ﴾ ، أَي: مات عليها.

﴿ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

لا يموتون فيها ولا يخرجون منها.

وقيل: ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ ﴾ : بقلبه.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم أنتم تخالفون هذا العهد؛ فيقتل بعضكم بعضًا، وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم مستعينين عليهم بالأعداء ظلمًا وعدوانًا، وإذا جاؤوكم أسرى في أيدي الأعداء سعيتم في دفع الفدية لتخليصهم من أسرهم، مع أن إخراجهم من ديارهم محرَّم عليكم، فكيف تؤمنون ببعض ما في التوراة من وجوب فداء الأسرى، وتكفرون ببعض ما فيها من صيانة الدماء ومنع إخراج بعضكم بعضًا من ديارهم؟!

فليس للذي يفعل ذلك منكم جزاء إلا الذل والمهانة في الحياة الدنيا، وأما في الآخرة فإنه يُرَدّ إلى أشد العذاب، وليس الله بغافل عما تعملون، بل هو مطلع عليه، وسيجازيكم به.

<div class="verse-tafsir" id="91.B7ay9"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الآيات السابقة كانت تذكيرًا بالنعم التاريخية الملية وبالتقصير في الشكر وعواقبه.

وذلك كالتفضيل على العالمين الذي يرفع النفس، والإنجاء من آل فرعون ومن الغرق، وإيتاء موسى الكتاب والآيات البينات، وتسهيل المعيشة عليهم في التيه بما ساق الله إليهم من المن والسلوى، ثم ما كان منهم في أثر كل نعمة وما أعقبه كفر النعم من النقم.

ولم يذكر فيما سبق من الاحكام العملية إلا ما جاء على سبيل التبع لهذه الأصول.

وفي هذه الآية وما بعدها التذكير بأمهات الأحكام في العبادات والمعاملات وما كان من إهمالها وترك العمل بها.

هذا هو المراد أولًا وبالذات، على أن فيما يأتي إعادة الإشارة إلى بعض ما مضى، قضى بها ما كان عليه اليهود من سوء الفهم وغلظ القلوب وكثرة المشاغبات والمماراة فالخطاب معهم دائمًا في باب الإطناب.

ولقد لاحظ بعض البلغاء والمفسرين أن القرآن يطنب ويبدئ ويعيد في خطاب اليهود خاصة وذلك لما كانت شحنت به أذهانهم مما يسمى علمًا أو فقهًا فأبعدهم عن أن يصل شعاع الحق إلى ما وراء ذلك من نفوسهم، ويكتفي بالإيجاز بل بالإشارة الدقيقة في خطاب العرب لما كانوا عليه من سرعة الفهم ورقة الإحساس لقربهم من السذاجة الفطرية، فالإشارة إلى البرهان، في ضمن تمثيل، يغني عند عن الإسهاب والتطويل، ولذلك خاطبهم بمثل قوله في الأصنام ﴿ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ  ﴾ .

قوله تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ أي واذكر أيها الرسول إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل، وقد تقدم ذكر أخذ الميثاق عليهم في سياق خطابهم ولم يبينه لعلمهم به وقوله هنا ﴿ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ  ﴾ .

إلخ بيان له أي للميثاق ولا مقول قول محذوف كما قال المفسر.

يقال: أخذت عليك عهدًا تفعل كذا: كما تقول: أن تفعل كذا: سواء.

وهو خبر بمعنی النهي للمبالغة والتأكيد، يلاحظ فيه أن الأمر والنهي قد امتثل فيخبر بوقوعه، أو أنه لتوثيقه والتشديد في تأكيده سيمتثل حتمًا فيخبر بأنه كائن لا محالة.

قال تعالى ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  ﴾ أي وتحسنون بالوالدين إحسانًا.

والإحسان نهاية البر فيدخل فيه جميع ما يجب من الرعاية والعناية، وقد أكد الله الأمر بإكرام الوالدين في التوراة حتى أنه يوجد فيها الآن أن من يسب والديه يقتل.

وقد قرن الأمر بالإحسان بالوالدين إلى الأمر بالتوحيد أو النهي عن الشرك فهو كقوله تعالى ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  ﴾ وليست هذه العناية بأمر الوالدين في الكتب السماوية لكونهما سبب وجود الولد كما يقول الناس، فإنه لا منة لهما على الولد بهذه السببية لأنها لم تكن إكرامًا له ولا عناية به، كيف وهو لم يكن معروفًا أو موجودًا فيكرم، وإنما كانت بباعث الشهوة وإرضاء النفس، ومنهم من لم يكن يخطر بباله الولد إلا بعد الزواج بزمن طويل، ومنهم من كان يود أن لا يولد له، أو أن يكون له ولد واحد أو ولدان فقط، فيكون له أكثر.

فإذا كان وجوب الإحسان بالوالدين معلولًا لإرادتهما الولد فينبغي أن يخص هذا الإحسان بولد لم يكن لهما من الزوجية حظ سواه بعينه، وهو مالا وجود له.

ذلك كلام شعري، والعلة الصحيحة في وجوب هذا الإحسان على الولد هي العناية الصادقة التي بذلاها في تربيته والقيام بشؤونه أيام كان ضعيفًا عاجزًا جاهلًا لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يقدر أن يدفع عنها ضررًا، إذ كانا يحوطانه بالعناية والرعاية، ويكفلانه حتى يقدر على الاستقلال والقيام بشأن نفسه، فهذا هو الإحسان الذي يكون منهما عن علم واختيار، بل مع الشغف الصحيح والحنان العظيم وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، وإذا وجب على الإنسان أن يشكر لكل من يساعده على أمر عسير فضله، ويكافئه بما يليق به على حسب الحال في المساعد وما كانت به المساعدة، فكيف لا يجب أن يكون الشكر للوالدين بعد الشكر الله تعالى وهما اللذان كانا يساعدانه على كل شيء، أيام كان يتعذر عليه كل شيء؟؟.

وكذلك حب الوالدين للولد ليست علته كما يقول الناس كونه جزءًا منهما وفلذة كبدهما، هذا كلام شعري لا حقيقي أيضًا، فإن جسم الإنسان مركب من الأغذية النباتية والحيوانية، فلو كانت العلة صحيحة لكان ينبغي أن يحب الحنطة والغنم أكثر مما يحب والديه.

وإنما لحب الوالدين الولد منبعان: أحدهما: حنان فطري أودعه الله تعالى فيها لإتمام حكمته.

وثانيهما: ما جرت به سنة البشر من التفاخر بالأولاد ومن الأمل بالاستفادة منهم في المستقبل، وليست الفائدة محصورة في المال والعون على المعيشة، وإنما تتناول الشرف والجاه أيضًا.

وكم أب قد علا بابن له شرفا كما علا برسول الله عدنان ولما كان حب الوالدين للأولاد بمكانة من القوة لا يخشى زوالها ترك النص على الإحسان بهم وثنى بالإحسان بمن دونهم في النسب فقال ﴿ وَذِي الْقُرْبَى  ﴾ .

الإحسان هو الذي يقوي غرائز الفطرة ويوثق الروابط الطبيعية بين الأقربين حتى تبلغ البيوت في وحدة المصلحة درجة الكمال.

والأمة تتألف من البيوت "العائلات" فصلاحها صلاحها، و من لم يكن له بيت لا تكون له أمة..

وذلك أن عاطفة التراحم وداعية التعاون إنما تكونان على أشدهما وأكملهما في الفطرة بين الوالدين والأولاد، ثم بين سائر الأقربين، فمن فسدت فطرته حتى لا خير فيه لأهله فأي خير يرجى منه للبعداء والأبعدين؟

ومن لا خير فيه للناس لا يصلح أن يكون جزءًا من بنية أمة، لأنه لم تنفع فيه اللحمة النسبية التي هي أقوى لحمة طبيعية تصل بين الناس، فأي لحمة بعدها تصله بغير الأهل فتجعله جزءًا منهم يسره ما يسرهم، ويؤلمه ما يؤلمهم، ويرى منفعتهم عين منفعته، ومضرتهم عين مضرته، وهو ما يجب على كل شخص لأمته.

قضى نظام الفطرة بأن تكون نعرة القرابة أقوى من كل نعرة وصلتها أمتن من كل صلة، فجاء الدين يقدم حقوق الأقربين على سائر الحقوق وجعل حقوقهم على حسب قربهم من الشخص.

ثم ذكر حقوق أهل الحاجة من سائر الناس فقال ﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ  ﴾ واليتيم هو من مات أبوه وهو صغير، وقد قدم الوصية به على الوصية بالمسكين، ولم يقيدها بفقر ولا مسكنة، فعلم أنها مقصودة لذاتها.

أكد الله تعالى الوصية باليتيم، وفي القرآن والسنة كثير من هذه الوصايا، وحسبك أن القرآن نهى عن قهر اليتيم، وشدد الوعيد على أكل ماله تشديدًا خاصًا، ولو كان السر في ذلك غلبة المسكنة على اليتامى لاكتفى هنا بذكر المساكين.

كلا...

إن السر في ذلك هو كون اليتيم لا يجد في الغالب من تبعثه عاطفة الرحمة الفطرية على العناية بتربيته والقيام بحفظ حقوقه، والعناية بأموره الدينية والدنيوية، فإن الأم إن وجدت تكون في الأغلب عاجزة ولا سيما إذا تزوجت بعد أبيه، فأراد الله تعالى وهو أرحم الراحمين- بما أكد من الوصية بالأيتام أن يكونوا من الناس بمنزلة أبنائهم يربونهم تربية دينية دنيوية لئلا يفسدوا ويفسد بهم غيرهم فينتشر الفساد في الأمة فتنحل انحلالًا.

فالعناية بتربية اليتامى هي الذريعة لمنع كونهم قدوة سيئة لسائر الأولاد، والتربية لا تتيسر مع وجود هذه القدوة، فإهمال اليتامى إهمال لسائر أولاد الأمة.

وأما المساكين فلا يراد بهم هؤلاء السائلون الشحاذون الملحفون الذين يقدرون على كسب ما يفي بحاجاتهم، أو يجدون ما ينفقون ولو لم يكتسبوا إلا أنهم اتخذوا السؤال حرفة يبتغون بها الثروة من حيث لا يعملون عملًا ينفع الناس، ولكن المسكين من يعجز عن كسب يكفيه.

وأما قوله  ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا  ﴾ فهو كلام جديد له شأن مخصوص ولذلك تغير فيه الأسلوب فلم يرد على النسق الذي قبله مع دخوله في الميثاق، فإنه بين فيما سبق الحقوق العملية وعبر عنها بالإحسان، ويستحيل أن يحسن الإنسان بالفعل إلى جميع الناس لأنه لا يمكن أن يعامل جميع الناس، فالذين لا بد له من معاملتهم هم أهل بيته وأقاربه الذين ينشأ فيهم ويتربى بينهم فجاء النص بوجوب الإحسان في معاملتهم لتصلح بذلك حال البيوت.

ثم أن اليتامى والمساكين من قومه هم الذين لا يستغنون عن إحسانه وإحسان أمثاله بالفعل، لأنه لا قيم للأولين، ولا غناء عند الآخرين، ففرض عليه أن يحمل لهم حظًا منه.

ثم بعد بيان ما به إصلاح البيوت من إعانة الأقربين وما به صلاح بعض العامة من معونة اليتامى والمساكين على إصلاح بيوتهم بقي بيان حقوق سائر الأمة، وهي النصيحة لهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم، فهذا هو معنى قوله تعالى ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا  ﴾ وليس معناه مجرد التلطف بالقول والمجاملة في الخطاب، فالحسن هو النافع في الدين أو الدنيا، وهو لا يخرج عما ذكرنا، فلما كان هذا النوع من الحقوق مستقلًا بذاته جاء بأسلوب آخر، ولا شك أن في القيام بهذه الفرائض إصلاح الأمة كلها.

جاء الأمر بالعبادة مجملًا ليعلم الإنسان أنه مكلف بكل فرد من أفرادها بحسب الطاقة، ولكن من العبادة ما لا يهتدي إليه الإنسان إلا بهداية إلهية، وأكبر ذلك النوع إقامة الصلاة لإصلاح نفوس الأفراد، وإيتاء الزكاة لإصلاح شؤون الاجتماع، لذلك قال تعالى بعد ما تقدم ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ  ﴾ وإنما إقامة الصلاة بالإخلاص لله والصدق في التوجه إليه والخشوع لعظمته وجلاله والاستكانة لعز سلطانه، ولا تكون بمجرد الإتيان بصورة الصلاة ورسومها الظاهرة، ولو كان هذا هو المراد لما وصفهم بالتولي والإعراض عنه، فإنهم ما أعرضوا عن صورة الصلاة إلى ذلك اليوم الذي ذكرهم فيه بهذه الآيات، وإلى هذا اليوم أيضًا.

وأما الزكاة فقد كان بعض أحبارهم يزعم أنها تلك المحرقات والقرابين المفروضة لتكفير الخطايا أو شكر الله تعالى على إخراجهم من مصر وغير ذلك من النعم، وليس الأمر كذلك فإن لهم زكوات مالية منها مال مخصوص يؤدى لآل هارون، وهو إلى الآن في "اللاويين"، ومنها مال المساكين، ومنها ما يؤخذ من ثمرات الأرض، ومنها سبت الأرض وهو تركها في كل سبع سنين مرة بلا حرث ولا زرع، وكل ما يخرج منها في تلك السنة فهو صدقة.

قال تعالى ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ أي ثم كان أمركم بعد هذا الميثاق الذي فيه سعادتكم أن توليتم عن العمل به وأنتم في حالة الإعراض عنه وعدم الاكتراث له.

وقد يتولى الإنسان منصرفًا عن شيء وهو عازم على أن يعود إليه ويوفيه حقه فليس كل متول عن شيء معرضًا عنه و مهملًا له على الدوام، لذلك كان ذكر هذا القيد ﴿ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ لازمًا لا بد منه وليس تكرارًا كما يتوهم وإنما هو متمم للمعنى ومؤكد للمبالغة في الترك المستفاد من التولي.

ولا حاجة إلى ما زاده المفسر من قوله: فقبلتم ذلك: ليعطف عليه ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ  ﴾ فالمقام مقام وعيد وزجر وتوبيخ وفي كلمة ﴿ ثُمَّ  ﴾ نفسها ما يفيد أن التولي لم يكن عقيب أخذ الميثاق.

وقد كان سبب ذلك التولي مع الإعراض أن الله أمرهم أن لا يأخذوا الدين إلا من كتابه فاتخذوا أحبارهم أربابًا من دون الله يحلون برأيهم و يحرمون، ويبيحون باجتهادهم ويحظرون، ويزيدون في الأحكام والشرائع، ويضعون ما شاءوا من الاحتفالات والشعائر، فصدق عليهم أنهم اتخذوا من دونه شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله.

فإن الله هو الذي يضع الدين وحده وإنما العلماء أدلاء يستعان بهم على فهم كتابه وما شرع على ألسنة رسله.

وقد اتبع سنن اليهود في هذا التشريع جميع من بعدهم من أهل الملل، وحكم الجميع عند الله تعالى واحد لا يختلف، فهو لا يحابي أحدًا ﴿ وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا  ﴾ ، وكذلك كانوا قد قطعوا صلات القرابة، وبخلوا بالنفقة الواجبة، وتركوا النهي عن المنكر، وفقدوا روح الصلاة، ومنعوا الزكاة، ولكنهم الآن عادوا إلى بعض ما تركوا، ولم يعد الذين تشبهوا بهم، أو اتبعوا بغير شعور سنتهم، والأمر لله العلي الكبير.

وأما قوله ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ  ﴾ فهو استثناء لبعض من كانوا في زمن سيدنا موسى  ، أو في كل زمن، فإنه لا تخلو أمة من الأمم من المخلصين الذين يحافظون على الحق بحسب معرفتهم وقدر طاقتهم.

والحكمة في ذكر هذا الاستثناء عدم بخس المحسنين حقهم وبيان أن وجود قليل من الصالحين في الأمة لا يمنع عنها العقاب الإلهي إذا فشا فيها المنكر وقل المعروف.

لو تدبر جهالنا هذه الآية لعلموا أنهم مغرورن بالاعتماد على الأقطاب والأوتاد والأبدال في تحمل البلاء عنهم، ومنع العذاب أن ينزل بالأمة ببركتهم، فلو فرض أن هؤلاء الأقطاب موجودون حقيقة فإن وجودهم لا يغني عن الأمة شيئا، وقد عصى الله جماهيرها ونقضوا ميثاقه الذي واثقهم به.

فقد جرت سنته تعالى في خلقه بأن بقاء الأمم عزيزة إنما يكون بمحافظة الجماهير فيها على الأخلاق والأعمال التي تكون بها العزة ويحفظ بها المجد والشرف، ومن لم يعتبر بآيات الله في كتابه، لا يعتبر بآياته وسننه في خلقه، فقد فتن المسلمون في دينهم ودنياهم وحل بجميع بلادهم ما حل من البلاء وهم لا يعتبرون، ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  ﴾ ؟

﴿ أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ  ﴾ ؟.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله