الآية ٨٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٨٤ من سورة البقرة

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ٨٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول ، تبارك وتعالى ، منكرا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج ، وذلك أن الأوس والخزرج ، وهم الأنصار ، كانوا في الجاهلية عباد أصنام ، وكانت بينهم حروب كثيرة ، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل : بنو قينقاع .

وبنو النضير حلفاء الخزرج .

وبنو قريظة حلفاء الأوس .

فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه ، فيقتل اليهودي أعداءه ، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر ، وذلك حرام عليهم في دينه ونص كتابه ، ويخرجونهم من بيوتهم وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال ، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب ، عملا بحكم التوراة ; ولهذا قال تعالى : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) ولهذا قال تعالى : ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) أي : لا يقتل بعضكم بعضا ، ولا يخرجه من منزله ، ولا يظاهر عليه ، كما قال تعالى : ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ) [ البقرة : 54 ] وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " .

[ وقوله ] ( ثم أقررتم وأنتم تشهدون ) أي : ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ قال أبو جعفر: قوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم) في المعنى والإعراب نظير قوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ .

* * * &; 2-300 &; وأما " سفك الدم ", فإنه صبه وإراقته.

* * * فإن قال قائل: وما معنى قوله: (لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم)؟

وقال: أو كان القوم يقتلون أنفسهم ويخرجونها من ديارها, فنهوا عن ذلك؟

قيل: ليس الأمر في ذلك على ما ظننت, ولكنهم نهوا عن أن يقتل بعضهم بعضا.

فكان في قتل الرجل منهم الرجل قتل نفسه, إذ كانت ملتهما[واحدة، فهما] بمنـزلة رجل واحد.

كما قال عليه السلام: (1) 1463 -" إنما المؤمنون في تراحُمهم وتعاطفهم بينهم بمنـزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ".

(2) * * * وقد يجوز أن يكون معنى قوله: (لا تسفكون دماءكم)، أي: لا يقتل الرجل منكم الرجل منكم, فيقاد به قصاصا, فيكون بذلك قاتلا نفسه، لأنه كان الذي سبب لنفسه ما استحقت به القتل.

فأضيف بذلك إليه، قتل ولي المقتول إياه قصاصا بوليه.

كما يقال للرجل يركب فعلا من الأفعال يستحق به العقوبة، فيعاقب العقوبة: " أنت جنيت هذا على نفسك ".

* * * وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 1464 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم)، أي: لا يقتل بعضكم بعضا,(ولا تخرجون أنفسكم من دياركم)، ونفسُك يا ابن آدم أهل ملتك.

&; 2-301 &; 1465 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم)، يقول: لا يقتل بعضكم بعضا، (ولا تخرجون أنفسكم من دياركم)، يقول: لا يخرج بعضكم بعضا من الديار.

1466 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن قتادة في قوله: (لا تسفكون دماءكم)، يقول: لا يقتل بعضكم بعضا بغير حق، (ولا تخرجون أنفسكم من دياركم)، فتسفك يا ابن آدم دماء أهل ملتك ودعوتك.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (ثم أقررتم)، بالميثاق الذي أخذنا عليكم: لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم، كما:- 1467 - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (ثم أقررتم)، يقول: أقررتم بهذا الميثاق.

1468 - وحدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن خوطب بقوله: (وأنتم تشهدون).

فقال بعضهم: ذلك خطاب من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام هجرته إليه، مؤنبا لهم على تضييع أحكام ما في أيديهم من التوراة التي كانوا يقرون بحكمها, فقال الله تعالى لهم: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ ، &; 2-302 &; يعني بذلك، إقرار أوائلكم وسلفكم، (وأنتم تشهدون) على إقرارهم بأخذ الميثاق عليهم, بأن لا يسفكوا دماءهم, ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم, وتصدقون بأن ذلك حق من ميثاقي عليهم.

وممن حُكي معنى هذا القول عنه، ابنُ عباس.

1469 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس قال: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون) أن هذا حق من ميثاقي عليكم.

* * * وقال آخرون: بل ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن أوائلهم, ولكنه تعالى ذكره أخرج الخبر بذلك عنهم مُخرج المخاطبة، على النحو الذي وصفنا في سائر الآيات التي هي نظائرها، التي قد بينا تأويلها فيما مضى.

(3) * * * وتأولوا قوله: (وأنتم تشهدون)، على معنى: وأنتم شهود.

* ذكر من قال ذلك: 1470 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قوله: (وأنتم تشهدون)، يقول: وأنتم شهود.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب عندي: أن يكون قوله: (وأنتم تشهدون) خبرا عن أسلافهم, وداخلا فيه المخاطبون منهم، الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما كان قوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ خبرا عن أسلافهم، وإن كان خطابا للذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(4) لأن الله تعالى أخذ ميثاق الذين كانوا على عهد رسول الله موسى صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل - على سبيل ما قد بينه لنا في كتابه - فألزم جميع من بعدهم من ذريتهم من حكم التوراة، مثل الذي ألزم منه من كان على عهد موسى منهم.

ثم أنب الذين خاطبهم بهذه الآيات على نقضهم ونقض سلفهم &; 2-303 &; ذلك الميثاق, وتكذيبهم ما وكدوا على أنفسهم له بالوفاء من العهود، (5) بقوله: (ثم أقررتم وأنتم تشهدون).

فإذْ كان خارجا على وجه الخطاب للذين كانوا على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم منهم, (6) فإنه معني به كل من واثق بالميثاق منهم على عهد موسى ومن بعده, وكل من شهد منهم بتصديق ما في التوراة.

لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بقوله: (ثم أقررتم وأنتم تشهدون) - وما أشبه ذلك من الآي - بعضهم دون بعض.

والآية محتملة أن يكون أريد بها جميعهم.

فإذْ كان ذلك كذلك، (7) فليس لأحد أن يدعي أنه أريد بها بعض منهم دون بعض.

وكذلك حكم الآية التي بعدها, أعني قوله: ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ الآية.

لأنه قد ذكر لنا أن أوائلهم قد كانوا يفعلون من ذلك ما كان يفعله أواخرهم الذين أدركوا عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

---------- الهوامش : (1) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، وإلا فسد الكلام .

(2) الحديث : 1463 - هكذا رواه الطبري معلقا .

والظاهر أنه رواه بالمعنى أيضًا .

ولفظه في صحيح مسلم 2 : 284 ، من حديث النعمان بن بشير : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" .

وكذلك رواه أحمد في المسند (4 : 270 حلبي) .

ورواه البخاري بنحو معناه 10 : 367 (من الفتح) .

(3) انظر ما سلف : 2 : 298 ، تعليق : 2 ، والمراجع .

(4) في المطبوعة : "بأن كان خطابا .

.

" ، وهو لا يستقيم .

(5) سياق العبارة : "وتكذيبهم ما وكدوا من العهود على أنفسهم بالوفاء له .

.

" ، فقدم وأخر .

(6) في المطبوعة : "فإن كان خارجا .

.

" وهو تصحيف لا يستقيم .

(7) في المطبوعة : "فإن كان ذلك كذلك" ، وهو تصحيف لا يستقيم أيضًا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدونفيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم تقدم القول فيه .

لا تسفكون دماءكم المراد بنو إسرائيل ، ودخل فيه بالمعنى من بعدهم .

لا تسفكون مثل لا تعبدون في الإعراب .

وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء ، وهي لغة ، وأبو نهيك " تسفكون " بضم التاء وتشديد الفاء وفتح السين .

والسفك : الصب .ولا تخرجون معطوف .

أنفسكم النفس مأخوذة من النفاسة ، فنفس الإنسان أشرف ما فيه .والدار : المنزل الذي فيه أبنية المقام بخلاف منزل الارتحال .

وقال الخليل : كل موضع حله قوم فهو دار لهم وإن لم تكن فيه أبنية .

وقيل : سميت دارا لدورها على سكانها ، كما سمي الحائط حائطا لإحاطته على ما يحويه .وأقررتم من الإقرار ، أي بهذا الميثاق الذي أخذ عليكم وعلى أوائلكم .

وأنتم تشهدون من الشهادة ، أي شهداء بقلوبكم على هذا وقيل : الشهادة بمعنى الحضور ، أي تحضرون سفك دمائكم ، وإخراج أنفسكم من دياركم .الثانية : فإن قيل : وهل يسفك أحد دمه ويخرج نفسه من داره ؟

قيل له : لما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحدا وكانوا في الأمم كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضا وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم ونفيا لها .

وقيل : المراد القصاص ، أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصا ، فكأنه سفك دمه .

وكذلك لا يزني ولا يرتد ، فإن ذلك يبيح الدم .

ولا يفسد فينفى ، فيكون قد أخرج نفسه من دياره .

وهذا تأويل فيه بعد وإن كان صحيح المعنى .وإنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقا ألا يقتل بعضهم بعضا ، ولا ينفيه ولا يسترقه ، ولا يدعه يسرق ، إلى غير ذلك من الطاعات .قلت : وهذا كله محرم علينا ، وقد وقع ذلك كله بالفتن فينا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون !

[ ص: 20 ] وفي التنزيل : أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض وسيأتي .

قال ابن خويز منداد : وقد يجوز أن يراد به الظاهر ، لا يقتل الإنسان نفسه ، ولا يخرج من داره سفها ، كما تقتل الهند أنفسها .

أو يقتل الإنسان نفسه من جهد وبلاء يصيبه ، أو يهيم في الصحراء ولا يأوي البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه ، فهو عموم في جميع ذلك .

وقد روي أن عثمان بن مظعون بايع في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزموا أن يلبسوا المسوح ، وأن يهيموا في الصحراء ولا يأووا البيوت ، ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إلى دار عثمان بن مظعون فلم يجده ، فقال لامرأته : ما حديث بلغني عن عثمان ؟

وكرهت أن تفشي سر زوجها ، وأن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، إن كان قد بلغك شيء فهو كما بلغك ، فقال : قولي لعثمان أخلاف لسنتي أم على غير ملتي إني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأغشى النساء وآوي البيوت وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني فرجع عثمان وأصحابه عما كانوا عليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيات من 84 ال 85 وهذا الفعل المذكور في هذه الآية, فعل للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مشركين, وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية، فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود, بنو قريظة, وبنو النضير, وبنو قينقاع، فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة.

فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود, فيقتل اليهودي اليهودي, ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها, وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا.

والأمور الثلاثة كلها قد فرضت عليهم، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض, ولا يخرج بعضهم بعضا، وإذا وجدوا أسيرا منهم, وجب عليهم فداؤه، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين, فأنكر الله عليهم ذلك فقال: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ } وهو فداء الأسير { وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } وهو القتل والإخراج.

وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان، قال تعالى: { فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } وقد وقع ذلك فأخزاهم الله, وسلط رسوله عليهم, فقتل من قتل, وسبى من سبى منهم, وأجلى من أجلى.

{ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ } أي: أعظمه { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ) أي لا تريقون دماءكم أي : لا يسفك بعضكم دم بعض ، وقيل : لا تسفكوا دماء غيركم فتسفك دماءكم ، فكأنكم سفكتم دماء أنفسكم ، ( ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) أي لا يخرج بعضكم بعضا من داره ، وقيل : لا تسيئوا جوار من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج بسوء جواركم ( ثم أقررتم ) بهذا العهد أنه حق وقبلتم ( وأنتم تشهدون ) اليوم على ذلك يا معشر اليهود وتقرون بالقبول .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذ أخذنا ميثاقكم» وقلنا «لا تسفكون دماءكم» تريقونها بقتل بعضكم بعضاً «ولا تخرجون أنفسكم من دياركم» لا يخرج بعضكم بعضا من داره «ثم أقررتم» قبلتم ذلك الميثاق «وأنتم تشهدون» على أنفسكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا -يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا في التوراة: يحرم سفك بعضكم دم بعض، وإخراج بعضكم بعضًا من دياركم، ثم اعترفتم بذلك، وأنتم تشهدون على صحته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

بعد أن بين - سبحانه - في الآية السابقة أن الله - تعالى - قد أخذ على بني إسرائيل عهداً بأن بعبدوه ويؤدوا فرائض الله ، إلا أنهم نقضوا هذا العهد وتولوا عنه سوى قليل منهم بعد ذلك بين في هذه الآية الكريمة أنه - سبحنه - أخذ علهيم عهداً آخر ولكنهم نقضوه كما هو دأبهم .وملخص هذا العهد الذي ذكرته الآيات الكريمة ، أن الله تعالى أخذ عليهم الميثاق ألا يقتل بعضهم بعضاً ، وألا يخرج بعضهم بعضاً من داره ، وأنهم إذا وجدوا أسيراً منهم في يد غيرهم فإن عليهم أن يبذلوا أموالهم لفدائه من الأسر ، وتخليصه من أيدي أعدائهم ، ثم لما نشبت الحرب بين قبيلتي الأوس والخزرج ، الأوس والخزرج ، وصارت كل طائفة من طوائف اليهود تقاتل بجانب أبناء ملتهم المنضمين إلى حلفئهم الآخرين فإذا وضعت الحرب أوزارها ، بذل جميع اليهود أموالهم لتخليص الأسرى من أعدائهم كما أمرهم - تعالى - وبهذا يكونون قد آمنوا ببعض الكتاب وهو بذل الفداء لتخليص الأسرى ، وكفروا ببعضه وهو تحريم سفك دماء إخوانهم وإخراجهم من ديارهم ، ويحيكى التاريخ أن العرب كانوا يعيرونهم فيقولون لهم : كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم بأموالكم؟

فكان اليهود يقولون : قد حرم علينا قتالهم ولكنا نستحي أن نخذل حلفاءنا وقد أمرنا أن نفتدي أسرانا .وقد توعدهم - سبحانه - بالخزي في الدنيا والآخرة ، جزاء نقضهم لعهوده ، وتفريقهم بين أحكامه .والمعنى الإِجمالي للآيات الكريمة : واذكروا - أيضاً - يا بني إسرائيلٍ وقت أن أخذنا عليكم العهد ، وأوصيناكم فيه بألا يتعرض بعضكم لبعض بالقتل ، وبألا يخرج بعضكم بعضاً من مساكنهم ، ثم أقررتم وأنتم تشهدون على الوفاء بهذا العهد ، والالتزام بما جاء فيه ، ثم أنتم هؤلاء - يا معشر اليهود - بعد إقراركم بالميثاق ، وبعد شهادتكم المؤكدة على أنفسكم بأنكم قد قبلتموه ، خرجتم على تعاليم التوراة ، فنقضتم عهودكم ، وأراق بعضكم دماء بعض ، وأخرجتم إخوانكم في الملة والدم من ديارهم ظلماً وعدواناً ، وتعاونتم على قتلهم وإخراجهم مع من ليسوا من ملتكم أو قرابتكم ، ومع ذلك فإذا وقع إخوانكم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم في الأسر فاديتموهم ، فلم لم تتبعوا حكم التوراة في النهي عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم حكمها في مفاداتهم؟

وكيف تستبيحون القتل والإِخراج من الديار ، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم؟

إن هذا التفريق بين أحكام الله جزاء فاعله الهوان في الدنيا .

والعذاب الدائم في الأخرى ، وما الله بغافل عما تعملون .

ولا شك أن أولئك اليهود الذين نقضوا عهودهم ، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل ، قد باعوا دينهم بدنياهم ، فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون .وقوله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ) معناه : اذكروا حين أخذنا العهد عليكم يا بني إسرائيل ألا يسفك أحد منكم دم غيره ، وألا يخرجه من دياره .على حد قوله : ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ ) أي فليسلم بعضكم على بعض .وفائدة هذا التعبير ، التنبيه إلى أن الأمة المتواصلة بالدين ، يجب أن يكون شعورها بالوحدة قوياً وعميقاً ، بحيث يكون قتل الرجل لغيره قتلا لنفسه ، وإخراجه له من داره إخراجاً لها .قال صاحب المنار : ( وقد أورد - سبحانه - النهي عن سفك بعضهم دم بعض ، وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم وأوطانهم ، بعبارة تؤكد وحدة الأمة ، وتحدث في النفس أثراً شريفاً ، يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر ، ووجدان يتأثر فقال تعالى :( لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ) فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر بيده .

وقال تعالى : ( وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ) على هذا النسق ، وهذا التعبير المعجز ببلاغته خاص بالقرآن الكريم .وقوله تعالى : ( ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) تسجيل عليهم بأنهم قد قبلوا العمل بالميثاق والتزموا به ، إذ المعنى .

ثم اعترفتم بهذا الميثاق - أيها اليهود - ولم تنكروه ، فكان من الواجب عليكم أن تفوا به ، فماذا كان موقفهم بعد هذا الإقرار والإِشهاد؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية تدل على نوع آخر من نعم الله عليهم وهو أنه تعالى كلفهم هذا التكليف وأنهم أقروا بصحته ثم خالفوا العهد فيه.

وأما قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنه خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم.

وثانيها: أنه خطاب مع أسلافهم، وتقديره وإذ أخذنا ميثاق آبائكم.

وثالثها: أنه خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف ومعنى: ﴿ أَخَذْنَا ميثاقكم ﴾ أمرناكم وأكدنا الأمر وقبلتم وأقررتم بلزومه ووجوبه.

أما قوله تعالى: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ ﴾ ففيه إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه، وإذا كان كذلك فلا فائدة في النهي عنه.

والجواب عنه من أوجه، أحدها: أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت في أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور والصلاح أو كثير ممن صعب عليه الزمان، وثقل عليه أمر من الأمور، فيقتل نفسه، فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صح كونه مكلفاً به.

وثانيها: المراد لا يقتل بعضكم بعضاً، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به نسباً وديناً وهو كقوله تعالى: ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ  ﴾ .

وثالثها: أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه.

ورابعها: لا تتعرضوا لمقاتلة من يقتلكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم.

وخامسها: لا تسفكون دماءكم من قوامكم في مصالح الدنيا بهم فتكونون مهلكين لأنفسكم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ ففيه وجهان، الأول: لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم.

الثاني: المراد النهي عن إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم لأن ذلك مما يعظم فيه المحنة والشدة حتى يقرب من الهلاك.

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ ففيه وجوه، أحدها: وهو الأقوى، أي: ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه وأنتم تشهدون عليها كقولك فلان مقر على نفسه بكذا أي شاهد عليها.

وثانيها: اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك لأنه كان شائعاً فيما بينهم مشهوراً.

وثالثها: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق.

ورابعها: الإقرار الذي هو الرضاء بالأمر والصبر عليه كأن يقال: فلان لا يقر على الضيم فيكون المعنى أنه تعالى يأمركم بذلك ورضيتم به فأقمتم عليه وشهدتم بوجوبه وصحته، فإن قيل: لم قال: ﴿ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ والمعنى واحد، قلنا فيه ثلاثة أقوال: الأول: أقررتم يعني أسلافكم وأنتم تشهدون الآن يعني على إقرارهم.

الثاني: أقررتم في وقت الميثاق الذي مضى وأنتم بعد ذلك تشهدون.

الثالث: أنه للتأكيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ لا يفعل ذلك بعضكم ببعض.

جعل غير الرجل نفسه.

إذا اتصل به أصلاً أو ديناً.

وقيل: إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه، لأنه يقتص منه.

﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ ﴾ بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه ﴿ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ عليها كقولك: فلان مقرّ على نفسه بكذا شاهد عليها.

وقيل: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء ﴾ استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم.

والمعنى ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون، يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرّين تنزيلاً، لتغير الصفة منزلة وتغير الذات، كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به.

وقوله: ﴿ تَقْتُلُونَ ﴾ بيان لقوله: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء ﴾ وقيل: (هؤلاء) موصول بمعنى الذي.

وقرئ: ﴿ تظَّاهرون ﴾ بحذف التاء وإدغامها.

وتتظاهرون بإثباتها وتظهرون بمعنى تتظهرون: أي تتعاونون عليهم.

وقرئ: ﴿ تفدوهم ﴾ ، ﴿ وتفادوهم ﴾ .

﴿ وأسرى ﴾ ، ﴿ وأسارى ﴾ ﴿ وَهُوَ ﴾ ضمير الشأن.

ويجوز أن يكون مبهماً تفسيره ﴿ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب ﴾ أي بالفداء ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ أي بالقتال والإجلاء.

وذلك أنّ قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه.

فعيرتهم العرب وقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم.

فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا.

والخزي: قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير.

وقيل: الجزية.

وإنما ردّ من فعل منهم ذلك إلى أشدّ العذاب، لأن عصيانه أشدّ.

وقرئ: ﴿ يردّون ﴾ ، ﴿ ويعملون ﴾ بالياء والتاء ﴿ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ﴾ عذاب الدنيا بنقصان الجزية، ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم.

وكذلك عذاب الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ والمُرادُ بِهِ أنْ لا يَتَعَرَّضَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالقَتْلِ والإجْلاءِ عَنِ الوَطَنِ.

وإنَّما جَعَلَ قَتْلَ الرَّجُلِ غَيْرَهُ قَتْلَ نَفْسِهِ، لِاتِّصالِهِ بِهِ نَسَبًا.

أوْ دِينًا، أوْ لِأنَّهُ يُوجِبُهُ قَصاصًا.

وقِيلَ مَعْناهُ لا تَرْتَكِبُوا ما يُبِيحُ سَفْكَ دِمائِكم وإخْراجَكم مِن دِيارِكُمْ، أوْ لا تَفْعَلُوا ما يُرْدِيكم ويَصْرِفُكم عَنِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ فَإنَّهُ القَتْلُ في الحَقِيقَةِ، ولا تَقْتَرِفُوا ما تُمْنَعُونَ بِهِ عَنِ الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُكُمْ، فَإنَّهُ الجَلاءُ الحَقِيقِيُّ ﴿ ثُمَّ أقْرَرْتُمْ ﴾ بِالمِيثاقِ واعْتَرَفْتُمْ بِلُزُومِهِ ﴿ وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ تَوْكِيدٌ كَقَوْلِكَ: أقَرَّ فُلانٌ شاهِدًا عَلى نَفْسِهِ.

وقِيلَ وأنْتُمْ أيُّها المَوْجُودُونَ تَشْهَدُونَ عَلى إقْرارِ أسْلافِكُمْ، فَيَكُونُ إسْنادُ الإقْرارِ إلَيْهِمْ مَجازًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دياركم} أي لا يفعل ذلك بعضكم ببعض جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلاً أو ديناً وقيل إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} عليها كما تقول فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها أو وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ في ﴿ لا تَعْبُدُونَ ﴾ والمُرادُ أنْ لا يَتَعَرَّضَ بَعْضُكم بَعْضًا بِالقَتْلِ والإجْلاءِ، وجَعَلَ قَتْلَ الرَّجُلِ غَيْرَهُ قَتْلَ نَفْسِهِ، لِاتِّصالِهِ نَسَبًا أوْ دِينًا أوْ لِأنَّهُ يُوجِبُهُ قِصاصًا، فَفي الآيَةِ مَجازٌ، إمّا في ضَمِيرِ (كُمْ) حَيْثُ عَبَّرَ بِهِ عَمَّنْ يَتَّصِلُ بِهِ، أوْ في (تَسْفِكُونَ) حَيْثُ أُرِيدَ بِهِ ما هو سَبَبُ السَّفْكِ، وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَرْتَكِبُوا ما يُبِيحُ سَفْكَ دِمائِكُمْ، وإخْراجَكم مِن دِيارِكُمْ، أوْ لا تَفْعَلُونَ ما يُرْدِيكم ويَصْرِفُكم عَنْ لَذّاتِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، فَإنَّهُ القَتْلُ في الحَقِيقَةِ، ولا تَقْتَرِفُوا ما تُمْنَعُونَ بِهِ عَنِ الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُكُمْ، ولَيْسَ النَّفْيُ في الحَقِيقَةِ جَلاءُ الأوْطانِ بَلِ البُعْدُ مِن رِياضِ الجِنانِ، ولَعَلَّ ما يُساعِدُهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ هو الأوَّلُ، والدِّماءُ جَمْعُ دَمٍ، مَعْرُوفٌ، وهو مَحْذُوفُ اللّامِ، وهي ياءٌ عِنْدَ بَعْضٍ لِقَوْلِهِ: جَرى الدَّمَيانِ بِالخَبَرِ اليَقِينِ وواوٌ عِنْدَ آخَرِينَ لِقَوْلِهِمْ: دَمَوانِ، ووَزْنُهُ فَعُلٌ، أوْ فَعِلٌ، وقَدْ سُمِعَ مَقْصُورًا، وكَذا مُشَدَّدًا، وقَرَأ طَلْحَةُ وشُعَيْبٌ (تَسْفُكُونَ) بِضَمِّ الفاءِ، وأبُو نَهِيكٍ بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِ السِّينِ، وكَسْرِ الفاءِ مُشَدَّدَةً، وابْنُ أبِي إسْحاقَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ سَكَّنَ السِّينَ، وخَفَّفَ الفاءَ، ﴿ ثُمَّ أقْرَرْتُمْ ﴾ أيْ بِالمِيثاقِ، واعْتَرَفْتُمْ بِلُزُومِهِ خَلَفًا بَعْدَ سَلَفٍ، فالإقْرارُ ضِدُّ الجَحْدِ، ويَتَعَدّى بِالباءِ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ بِمَعْنى إبْقاءِ الشَّيْءِ عَلى حالِهِ مِن غَيْرِ اعْتِرافٍ بِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ لا يُلائِمُهُ حِينَئِذٍ، ﴿ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ رافِعَةٌ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ الإقْرارُ ذِكْرَ أمْرٍ آخَرَ، لَكِنَّهُ يَقْتَضِيهِ، ولا يَجُوزُ العَطْفُ لِكَمالِ الِاتِّصالِ، ولا الِاعْتِراضِ، إذْ لَيْسَ المَعْنى: وأنْتُمْ عادَتُكُمُ الشَّهادَةُ، بَلِ المَعْنى عَلى التَّقْيِيدِ، وقِيلَ: وأنْتُمْ لَها أيُّها المَوْجُودُونَ تَشْهَدُونَ عَلى إقْرارِ أسْلافِكُمْ، فَيَكُونُ إسْنادُ الإقْرارِ إلَيْهِمْ مَجازًا، وضُعِّفَ بِأنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ اسْتِبْعادُ القَتْلِ والإجْلاءِ مِنهُمْ، مَعَ أنَّ أخْذَ المِيثاقِ والإقْرارُ كانَ مِن أسْلافِهِمْ لِاتِّصالِهِمْ بِهِمْ نَسَبًا ودِينًا، بِخِلافِ ما إذا اعْتُبِرَ نِسْبَةُ الإقْرارِ إلَيْهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإنَّهُ يَكُونُ بِسَبَبِ إقْرارِهِمْ وشَهادَتِهِمْ، وهو أبْلَغُ في بَيانِ قَبِيحِ صَنِيعِهِمْ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الأظْهَرَ أنَّ المُرادَ أقْرَرْتُمْ حالَ كَوْنِكم شاهِدِينَ عَلى إقْرارِكم بِأنْ شَهِدَ كُلُّ أحَدٍ عَلى إقْرارِ غَيْرِهِ، كَما هو طَرِيقُ الشَّهادَةِ، ولا يَخْفى انْحِطاطُ المُبالَغَةِ حِينَئِذٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ، أي إقراركم لاَ تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ، أي بأن لا تسفكوا دماءكم، يعني لا يهرق بعضكم دماء بعض، وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ، أي لا يخرج بعضكم بعضاً مِنْ دِيارِكُمْ.

فجملة ما أخذ عليهم من الميثاق أَلا يعبدوا إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ويقولوا للناس حسناً، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ولا يسفكوا دماءهم، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وأن يفادوا أسراهم.

فذكر المفاداة بعد هذا حيث قال تعالى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ على وجه التقديم والتأخير.

ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، يعني بني قريظة والنضير، يعني أقررتم بهذا كله، وأنتم تشهدون أن هذا في التوراة، فنقضوا العهد فعيّرهم الله تعالى بذلك حيث قال تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، يعني يا هؤلاء ويقال معناه، ثم أنتم هؤلاء يا معشر اليهود تقتلون أنفسكم أي يقتل بعضكم بعضاً، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ، أي بعضكم بعضاً، لأنه كان بين الأوس والخزرج عداوة وكان بنو النضير وقريظة: إحدى القبيلتين كانت معينة للأوس، والأخرى كانت معينة للخزرج، فإذا غلبت إحداهما على الأخرى كانت تقتلهم وتخرجهم من ديارهم.

وفي الآية دليل أن الإخراج من الدار ينزل منزلة القتل، لأن الله تعالى قرن الإخراج من الديار بالقتل حيث قال تعالى: تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ.

تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ، قرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد لأن أصله تتظاهرون، فأدغم إحدى التاءين في الظاء وأقيم التشديد مقامه، معناه: تتعاونون عليهم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ، يعني بالمعصية والظلم.

قال الزجاج: العدوان هو الإفراط في الظلم.

وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ، قرأ عاصم والكسائي ونافع أُسارى تُفادُوهُمْ كلاهما بالألف، وقرأ حمزة أسرى تفادوهم بغير ألف فيهما، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر أُسارى تُفادُوهُمْ الأول بالألف والثاني بغير ألف.

وهذا من الميثاق الذي أخذ عليهم بأن يفادوا الأسارى.

وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ هذا انصرف إلى ما سبق ذكره من الإخراج، فكأنه يقول: وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن ديارهم وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ، يعني ذلك الإخراج كان محرماً، ثم بيَّن الإخراج مرة أخرى لتراخي الكلام، فقال وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ.

ثم قال: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، لأنهم كانوا إذا أسروا من غيرهم قتلوا الأسرى ولا يفادوهم، وإن أسر منهم أحد يأخذوهم بالفداء، فهذا معنى قوله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.

فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، أي عقوبة مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ خِزْىٌ فِي الحياة الدنيا، وهو إخراج بني النضير إلى الشام وقتل بني قريظة، وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم.

ثم أخبر بأن الذي أصابهم في الدنيا من الخزي والعقوبة لم يكن كفارة لذنوبهم ولكنهم: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ، أي في الآخرة إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ.

ويقال: الخزي في الدنيا الجزية.

وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، أي لا يخفى على الله تعالى من أعمالهم شيء، فيجازون بأعمالهم.

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ، يعني اختاروا الدنيا على الآخرة فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ، أي ليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله تعالى في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَقَالَ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا لاَ نَخْلُفُكُمْ» فنزلَتْ هذه الآية «١» .

قال أهل التفسير: العهد في هذه الآية: الميثاقُ والموعد، و «بلى» رد بعد النفْيِ بمنزلة «نَعَمْ» بعد الإِيجاب «٢» ، وقالت طائفة: السيئة هنا الشرك كقوله تعالى: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل: ٩٠] والخَطِيئاتُ: كبائر الذنوب، قال الحسن بن أبي الحسن، والسُّدِّيُّ: كل ما توعد اللَّه عليه بالنار، فهي الخطيئة المحيطَةُ «٣» ، والخلودُ في هذه الآية على الإِطلاق والتأبيد في الكُفَّار، ومستعار بمعنى الطُّول في العُصَاة، وإِن علم انقطاعه.

قال محمَّد بن عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في مختصره للطبريِّ: أجمعتِ الأمَّة على تخليد مَنْ مات كافراً، وتظاهرت الرواياتُ الصحيحةُ عن الرسول صلّى الله عليه وسلم والسلفِ الصالح، بأن عصاة أهل التوحيد لا يخلَّدون في النار، ونطق القرآن ب إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ١١٦] لكن من خاف على لَحْمه ودَمِه، اجتنب كل ما جاء فيه الوعيدُ، ولم يتجاسَرْ على المعاصي اتكالا على ما يرى لنفسه من التوحيد، فقد كان السلف وخيار الأمة يخافُون سلْب الإِيمان على أنفسهم، ويخافون النفاقَ عليها، وقد تظاهرتْ بذلك عنهم الأخبار.

انتهى.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية: يدلُّ هذا التقسيم على أن قوله تعالى:

بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ...

الآية في الكفار، لا في العصاة ويدل على ذلك أيضاً قوله:

وَأَحاطَتْ لأن العاصي مؤمنٌ، فلم تحط به خطيئاته ويدل على ذلك أيضاً أن الردَّ كان على كُفَّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النَّارَ لا تَمَسُّهم إلا أياماً معدودةً، فهم المراد بالخلود، والله أعلم.

وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)

وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ...

الآية: أخذ اللَّه سبحانه الميثاق عليهم على لسان موسى- عليه السلام- وغيره من أنبيائهم، وأخْذ الميثاق قولٌ، فالمعنى:

قلنا لهم: لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ...

الآية، قال سيبوَيْهِ: «لا تعبدون: متلق لقسم» والمعنى: وإذ استحلفناهم، واللَّهِ/ لا تعبدونَ إلاَّ اللَّه، وفي الإحسان تدخل أنواع برّ ٢٦ ب الوالدين كلُّها، واليُتْم في بَنِي آدمَ: فَقْدُ الأب، وفي البهائم فقد الأمّ، وقال صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ» ، وقيل: هو الذي له بُلْغَةٌ، والآية تتضمَّن الرأفة باليتامى، وحيطة أموالهم، والحضّ على الصدقة، والمواساة، وتفقُّد المساكين.

وقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً: أمر عطف على ما تضمَّنه لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وما بعده، وقرأ حمزة والكسَائِيُّ «١» : «حَسَناً» بفتح الحاء والسين، قال الأخفش «٢» :

وهما بمعنى واحدٍ، وقال الزجَّاج «٣» وغيره: بل المعنى في القراءة الثانية، وقولوا «قَوْلاً حَسَناً» بفتح الحاء والسين، أو قولاً ذا حُسْن بضم الحاء وسكون السين في الأولى قال ابن عبَّاس: معنى الكلام قولُوا للنَّاس: لا إله إلا اللَّه، ومُرُوهم بها «٤» ، وقال ابن جُرَيْجٍ:

قولوا لهم حُسْناً في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمَّد صلّى الله عليه وسلم «٥» ، وقال سفيان الثّوريّ «٦» :

معناه: مروهم بالمَعْروف، وانهوهم عن المُنْكَر «١» ، وقال أبو العالية: قولوا لهم الطيبَ من القول، وحاورُوهم بأحسن ما تُحِبُّونَ أن تحاوروا به «٢» ، وهذا حضٌّ على مكارم الأخلاق، وزكاتُهم هي التي كانوا يَضعُونها، وتنزل النار على ما تقبّل منها، دون ما لم يتقبل.

٢٧ أوقوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ...

الآية: خطابٌ لمعاصري النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أسند إليهم تولّي أسلافهم إِذ هم كلُّهم بتلك السبيل، قال نحوه ابنُ عَبَّاس وغيره «٣» .

والمراد بالقليلِ المستثنى جميعُ مؤمنيهم قديماً من أسلافهم، وحديثاً كابن سَلاَمٍ وغيره، والقِلَّة على هذا هي في عدد الأشخاصِ، ويحتمل أن تكون القِلَّة في الإِيمان، والأول أقوى.

ص «٤» : إِلَّا قَلِيلًا: منصوب على الاستثناء، وهو الأفصح لأنه استثناءٌ من موجب، وروي عن أبي عَمرو «٥» : «إلاَّ قَلِيلٌ» بالرفع، ووجَّهه ابن عطية على بدل قليل من ضمير: «تَوَلَّيتُمْ» على أن معنى «تَوَلَّيْتُم» النفي، أي: لم يف بالميثاق إلا قليل، ورد بمنع النحويِّين البدل من الموجب لأن البدل يحل محلَّ المبدل منه، فلو قلْت: قام إلا زيد، لم يجز لأن «إِلاَّ» لا تدخل في الموجب، وتأويله الإِيجاب بالنفْي يلزم في كل موجب باعتبار نفي ضده أو نقيضه فيجوز إِذَنْ: «قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيْدٌ» على تأويل: «لَمْ يَجْلِسُوا إِلاَّ زَيْدٌ» ولم تبن العَرَب على ذلك كلامها، وإِنما أجازوا: «قام القَوْمُ إِلاَّ زَيْدٌ» بالرفع على الصفة، وقد عقد سيبوَيْه «٦» لذلك بابا في كتابه.

انتهى.

ودِماءَكُمْ: جمع دَمٍ، وهو اسمٌ منقوصٌ.

أصله «دَمَيٌ» وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ

: معناه: ولا ينفي بعضكم بعضاً بالفتنة والبغْي، وكذلك حكم كلّ جماعة تخاطب بهذا اللفظ في القول.

وقوله تعالى: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ، أي: خَلفَاً بعد سَلَف، أن هذا الميثاق أخذ عليكم، وقوله: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ قيل: الخطابُ يُرادُ به من سلف منهم، والمعنى: وأنتم شهود، أي: حُضور أخْذ الميثاق والإِقرار.

وقيل: المراد: من كان في مدة محمّد صلّى الله عليه وسلم والمعنى: وأنتم شهداء، أي: بيِّنةَ أن الميثاق أخذ على أسلافكم، فمنْ بعدهم منْكُمْ.

وقوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ...

الآية: هؤُلاءِ دالَّةٌ على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردًّا إلى الأسلاف، قيل: تقدير الكلام: / يا هؤلاء، فحذف ٢٧ ب حرف النداء، ولا يحسن حذفه عند سيبوَيْه «١» ، مع المبهمات.

وقال الأستاذ الأَجَلُّ أبو الحسن بن أحمد «٢» ...

٢٨ أشيخنا «١» : هؤُلاءِ: رفع بالابتداء، وأَنْتُمْ: خبر، وتَقْتُلُونَ، حال بها تَمَّ المعنى، وهي المقصود.

ص «٢» : قال الشيخ أبو حَيَّان: ما نقله ابن عطية عن شيخه أبي الحسن بن البَادْش من جعله هؤُلاءِ مبتدأ، وأَنْتُمْ خبر مقدَّم، لا أدري ما العلَّة في ذلك، وفي عدوله عن جعل أَنْتُمْ مبتدأ، وهؤُلاءِ الخبر، إلى عكسه.

انتهى.

ت: قيل: العلة في ذلك دخولُ هاء التنبيه عليه لاختصاصها بأول الكلام ويدلُّ على ذلك قولهم: «هَأَنَذَا قَائِماً» ، ولم يقولوا: «أَنَا هَذَا قَائِماً» ، قال معناه ابنُ هِشَامٍ «٣» ، ف «قَائِماً» ، في المثال المتقدِّم نصب على الحال.

انتهى.

وهذه الآية خطابٌ لقُرَيْظة، والنضير، وبني قَيْنُقَاع، وذلك أن النَّضِيرَ وقُرَيْظة حَالَفَت الأوسَ، وبني قَيْنُقَاع حالفتِ الخزرج، فكانوا إِذا وقعتِ الحربُ بين بني قَيْلَة، ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها، فقتل بعضهم بعضاً، وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعا لحكم التوراة، وهم قد خالَفُوها بالقتَالِ، والإِخراج.

والديارُ: مباني الإِقامة، وقال الخليلُ: «مَحَلَّةِ القَوْمِ: دَارُهُمْ» .

ومعنى تَظاهَرُونَ: تتعاونون، والْعُدْوانِ: تجاوز الحدود، والظلم.

وقرأ حمزة «١» : «أسرى تفدوهم» ، وأُسارى: جمع أَسِيرٍ، مأخوذ من الأَسْر، وهو الشَّدُّ، ثم كثر استعماله حتى لزم، وإن لم يكنْ ثَمَّ رَبْطٌ ولا شَدٌّ، وأَسِيرٌ: فَعِيلِ:

بمعنى مفعول، وتُفادُوهُمْ: معناه في اللغة: تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئاً، وقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: يقال: فدى، إِذا أعطى مالاً، وأخذ رجلاً، وفادى، إِذا أعطى رجلاً، وأخذ رجُلاً فتُفْدُوهم: معناه بالمالِ، وتُفَادُوهم، أي: مفادات الأسير بالأسير.

انتهى.

ت: وفي الحديث من قوْل العَبَّاس رضي اللَّه عنه: «فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وعَقِيلاً» ، وظاهره لا فَرْق بينهما.

وقوله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ...

الآية: والذي آمنوا به فداءُ الأسارى، والذي كَفَرُوا به قتْلُ بعضهم بعضاً، وإِخراجُهُمْ من ديارهم، وهذا توبيخٌ لهم وبيانٌ لقبح فعلهم، والخِزْيُ: الفضيحة، والعقوبة، فقيل: خزيهم: ضرْبُ الجزية عليهم غابَر الدهر، وقيل: قتل قريظة، وإِجلاءُ النضير، وقيل: الخزْيُ الذي تتوعَّد به الأمة من الناس هو غلبة العدوّ.

والدُّنْيا: مأخوذةٌ من دَنَا يدْنُو، وأصل الياء فيها واوٌ، ولكن أبدلتْ فرقاً بين الأسماء والصفات، وأَشَدِّ الْعَذابِ: الخلودُ في جهنم.

وقوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ قرأ نافعٌ، وابن كَثِير «٢» بياءٍ على ذِكْر الغائب، فالخطاب بالآية لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم والآية واعظةٌ لهم بالمعنى، إذ اللَّه تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص.

وقرأ الباقون بتاء على الخطاب لمن تقدَّم ذكره في الآية قبل هذا وهو قوله:

أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ ...

الآية، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم فقد رُوِيَ أنَّ عمر بن الخَطَّاب- رضي اللَّه عنه- قال: «إِنَّ بنِي إِسرائيل قد مضَوْا، وأنتم الذين تُعْنَوْنَ بهذا، يا أمة محمّد يريد هذا، وما يجري مجراه «٣» /.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ﴾ أيْ: لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دَمَ بَعْضٍ، ولا يُخْرِجُ بَعْضُكم بَعْضًا مِن دارِهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثُمَّ أقْرَرْتُمْ يَوْمَئِذٍ بِالعَهْدِ، وأنْتُمُ اليَوْمُ تَشْهَدُونَ عَلى ذَلِكَ، فالإقْرارُ عَلى هَذا مُتَوَجِّهٌ إلى سَلَفِهِمْ، والشّاهِدَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إلى خَلَفِهِمْ.

﴿ ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ: يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا.

رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ قالَ: كانَتْ قُرَيْظَةُ خُلَفاءَ الأوْسِ، والنَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، فَكانُوا يُقاتِلُونَ في حَرْبِ سَمِيرٍ فَيُقاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ مَعَ حُلَفائِها النَّضِيرَ وحُلَفاءَها، وكانَتْ النَّضِيرُ تُقاتِلُ قُرَيْظَةَ وحُلَفاءَها، فَيَغْلِبُونَهم ويُخَرِّبُونَ الدِّيارَ ويُخْرِجُونَ مِنها، فَإذا أُسِرَ الرَّجُلُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ، فَتُعَيِّرُهُمُ العَرَبُ بِذَلِكَ، فَتَقُولُ: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم وتَفْدُونَهُمْ؟!

فَيَقُولُونَ: أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم، حَرُمَ عَلَيْنا قَتْلُهم.

فَتَقُولُ العَرَبُ: فَلِمَ تُقاتِلُونَهُمْ؟

فَيَقُولُونَ: نَسْتَحْيِي أنْ يَسْتَذِلَّ حُلَفاؤُنا، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ، عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ: <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلا قَلِيلا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرُوا إذْ أخَذَنا، وقالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا هو المِيثاقُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ حِينَ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما هو مِيثاقٌ أُخِذَ عَلَيْهِمْ وهم عُقَلاءُ في حَياتِهِمْ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وغَيْرِهِ مِن أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

وأخْذُ المِيثاقِ قَوْلٌ، فالمَعْنى قُلْنا لَهُمْ: ﴿ لا تَعْبُدُونَ ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "لا يَعْبُدُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ مِن فَوْقِ، حِكايَةُ ما قِيلَ لَهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، "لا تَعْبُدُوا" عَلى النَهْيِ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: ﴿ لا تَعْبُدُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ لِقَسَمٍ، والمَعْنى: وإذِ اسْتَخْلَفْناكم واللهَ لا تَعْبُدُونَ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: تَقْدِيرُ الكَلامِ بِأنَّ لا تَعْبُدُوا إلّا اللهَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ، ثُمَّ حُذِفَتْ أنَّ فارْتَفَعَ الفِعْلُ لِزَوالِها، فـَ "لا تَعْبُدُونَ" عَلى هَذا مَعْمُولٌ لِحَرْفِ النَصْبِ، وحُكِيَ عن قُطْرُبٍ: أنْ ﴿ لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ أخَذْنا مِيثاقَهم مُوَحِّدِينَ، وهَذا إنَّما يَتَّجِهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، ونِظامُ الآيَةِ يَدْفَعُهُ مَعَ كُلِّ قِراءَةٍ.

وقالَ قَوْمٌ: ﴿ لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ ﴾ نَهْيٌ في صِيغَةِ خَبَرٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ "لا تَعْبُدُوا".

والباءُ في قَوْلِهِ: "وَبِالوالِدَيْنِ" قِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالمِيثاقِ، عَطْفًا عَلى الباءِ المُقَدَّرَةِ أوَّلًا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: التَقْدِيرُ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا.

وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ "إحْسانًا"، والتَقْدِيرُ: قُلْنا لَهُمْ: لا تَعْبُدُونَ إلّا اللهَ، وأحْسَنُوا إحْسانًا بِالوالِدَيْنِ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلُ بِأنَّ المَصْدَرَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ ما هو مَعْمُولٌ لَهُ، وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ الباءُ بِأحْسَنُوا، المُقَدَّرُ، والمَعْنى: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وقُدِّمَ اللَفْظُ "بِالوالِدَيْنِ" تَهَمُّمًا فَهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ  ﴾ وفي الإحْسانِ تَدْخُلُ أنْواعَ بِرِّ الوالِدَيْنِ كُلِّها، "وَذِي" عَطْفٌ عَلى الوالِدَيْنِ و"القُرْبى" بِمَعْنى القَرابَةِ، ومَصْدَرٌ كالرُجْعى والعُقْبى، وهَذا يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِصِلَةِ الرَحِمِ، "واليَتامى" جَمْعُ يَتِيمٍ كَنَدِيمٍ ونَدامى، واليُتْمُ في بَنِي آدَمَ فَقْدُ الأبِ، وفي البَهائِمِ فَقْدُ الأُمِّ، وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: «لا يَتِمُّ بَعْدَ بُلُوغٍ».

وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّ اليَتِيمَ في بَنِي آدَمَ في فَقْدِ الأُمِّ.

وهَذا يَتَضَمَّنُ الرَأْفَةَ بِاليَتامى وحِيطَةَ أمْوالِهِمْ.

"والمَساكِينِ" جَمْعُ مِسْكِينٍ، وهو الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السُكُونِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المِسْكِينَ هو الَّذِي لَهُ بُلْغَةٌ مِنَ العَيْشِ وهو عَلى هَذا مُشْتَقٌّ مِنَ السَكَنِ، وهَذا يَتَضَمَّنُ الحَضَّ عَلى الصَدَقَةِ والمُواساةِ، وتَفَقُّدِ أحْوالِ المَساكِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا ﴾ ، أمْرُ عَطْفٍ عَلى ما تَضَمَّنَهُ: ﴿ لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ ﴾ ، وما بَعْدَهُ مِن مَعْنى الأمْرِ والنَهْيِ، أو عَلى أحْسَنُوا المُقَدَّرُ في قَوْلِهِ: "وَبِالوالِدَيْنِ" وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "حَسَنًا" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، قالَ الأخْفَشُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ كالبُخْلِ والبَخْلِ، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: بَلِ المَعْنى في القِراءَتَيْنِ: وقُولُوا قَوْلًا حَسَنًا -بِفَتْحِ السِينِ- أو قَوْلًا ذا حَسَنٍ، بِضَمِّ الحاءِ.

وقَرَأ قَوْمٌ: "حُسْنى" مِثْلُ فُعْلى، ورَدَّهُ سِيبَوَيْهِ لِأنَّ أفْعَلَ وفَعْلى لا تَجِيءُ إلّا مَعْرِفَةً إلّا أنْ يُزالَ عنها مَعْنى التَفْضِيلِ، وتَبْقى مَصْدَرًا كالعُقْبى، فَذَلِكَ جائِزٌ وهو وجْهُ القِراءَةِ بِها.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.

"حَسَنًا" بِضَمِّ الحاءِ والسِينِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الكَلامِ: قُولُوا لَهُمْ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، ومُرُوهم بِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُولُوا لَهُمْ: حُسْنًا في الإعْلامِ بِما في كِتابِكم مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ  .

وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: مَعْناهُ مُرُوهم بِالمَعْرُوفِ وانْهُوهم عَنِ المُنْكَرِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ قُولُوا لَهُمُ الطَيِّبَ مِنَ القَوْلِ، وحاوِرُوهم بِأحْسَنِ ما تُحِبُّونَ أنْ تُحاوِرُوا بِهِ، وهَذا حَضٌّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَتادَةَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا ﴾ ، مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ خُوطِبَتْ بِمِثْلِ هَذا اللَفْظِ في صَدْرِ الإسْلامِ، وأمّا الخَبَرُ عن بَنِي إسْرائِيلَ وما أُمِرُوا بِهِ فَلا نَسْخَ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إقامَةِ الصَلاةِ.

وزَكاتُهم هي الَّتِي كانُوا يَضَعُونَها وتَنْزِلُ النارُ عَلى ما تُقُبِّلَ، وَلا تَنْزِلُ عَلى ما لَمْ يُتَقَبَّلْ، ولَمْ تَكُنْ كَزَكاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  .

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: الزَكاةُ الَّتِي أُمِرُوا بِها طاعَةُ اللهِ والإخْلاصُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ  ، أُسْنِدَ إلَيْهِمْ تُوَلِّي أسْلافِهِمْ، إذْ هم كُلُّهم بِتِلْكَ السَبِيلِ، قالَ نَحْوُهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.

و"ثُمَّ" مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ ولَمْ تَجْرِ مَجْرى رَدَّ وشَدَّ لِأنَّها لا تَتَصَرَّفُ.

وضُمَّتِ التاءُ الأخِيرَةُ مِن "تَوَلَّيْتُمْ" لِأنَّ تاءَ المُفْرَدِ أخَذَتِ الفَتْحَ، وتاءَ المُؤَنَّثِ أخَذَتِ الكَسْرَ، فَلَمْ يَبْقَ لِلتَّثْنِيَةِ والجَمْعِ إلّا الضَمُّ.

و"قَلِيلًا" نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: والمُسْتَثْنى مَنصُوبٌ عَلى التَشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، قالَ المُبَرِّدُ: هو مَفْعُولُ حَقِيقَةٍ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ اسْتَثْنَيْتُ كَذا، والمُرادُ بِالقَلِيلِ جَمِيعُ مُؤْمِنِيهِمْ قَدِيمًا مِن أسْلافِهِمْ، وحَدِيثًا كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، والقِلَّةُ عَلى هَذِهِ هي في عَدَدِ الأشْخاصِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ القِلَّةُ في الإيمانِ أيْ لَمْ يَبْقَ حِينَ عَصَوْا وكَفَرَ آخِرُهم بِمُحَمَّدٍ  إلّا إيمانُ قَلِيلٍ إذْ لا يَنْفَعُهُمْ، والأوَّلُ أقْوى، وقَرَأ قَوْمٌ "إلّا قَلِيلٌ" بِرَفْعِ القَلِيلِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو.

وهَذا عَلى بَدَلِ قَلِيلٍ مِنَ الضَمِيرِ في "تَوَلَّيْتُمْ"، وجازَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ الكَلامَ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ نَفْيٌ؛ لِأنَّ "تَوَلَّيْتُمْ" مَعْناهُ النَفْيُ، كَأنَّهُ قالَ ثُمَّ لَمْ تَفُوا بِالمِيثاقِ إلّا قَلِيلٌ.

والسَفْكُ صَبُّ الدَمِ وسَرْدُ الكَلامِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ "لا تَسْفِكُونَ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ أبُو نَهْيِكٍ "لا تَسْفِكُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الفاءِ وتَضْعِيفِها.

وإعْرابِ "لا تَسْفِكُونَ" كَما تَقَدَّمَ في "لا تَعْبُدُونَ".

و"دِماءَكُمْ" جَمْعُ دَمٍ وهو اسْمٌ مَنقُوصٌ، أصْلُهُ دَمِي وتَثْنِيَتُهُ دَمَيانِ وقِيلَ: أصْلُهُ دَمِيَ بِسُكُونِ المِيمِ، وحُرِّكَتْ في التَثْنِيَةِ لِتَدُلَّ الحَرَكَةُ عَلى التَغْيِيرِ الَّذِي في الواحِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ مَعْناهُ: ولا يَنْفِي بَعْضُكم بَعْضًا بِالفِتْنَةِ والبَغْيِ.

ولَمّا كانَتْ مِلَّتُهم واحِدَةً، وأمْرُهم واحِدًا، وكانُوا في الأُمَمِ كالشَخْصِ الواحِدِ، جُعِلَ قَتْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ونَفْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، قَتْلًا لِأنْفُسِهِمْ ونَفْيًا لَها، وكَذَلِكَ حَكَمَ كُلُّ جَماعَةٍ تُخاطِبُ بِهَذا اللَفِّ في القَوْلِ.

وقِيلَ: ﴿ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ﴾ أيْ لا يُقْتَلُ أحَدٌ فَيَقْتُلُ قِصاصًا فَكَأنَّهُ سَفَكَ دَمَ نَفْسِهِ لَمّا سَبَّبَ ذَلِكَ، ولا يُفْسِدُ في الأرْضِ فَيُنْفى فَيَكُونُ قَدْ أخْرَجَ نَفْسَهُ مِن دِيارِهِ، وهَذا تَأْوِيلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ، وإنَّما كانَ الأمْرُ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ مِيثاقًا، ألّا يَقْتُلَ بَعْضَهم بَعْضًا، ولا يَنْفِيَهُ، ولا يَسْتَرِقَهُ، ولا يَدَعَهُ يَسْتَرِقُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطاعاتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أقْرَرْتُمْ ﴾ أيْ خَلَفًا بَعْدَ سَلَفٍ أنَّ هَذا المِيثاقَ أُخِذَ عَلَيْكم والتَزَمْتُوهُ، فَيَتَّجِهُ في هَذِهِ اللَفْظَةِ أنْ تَكُونَ مِنَ الإقْرارِ الَّذِي هو ضِدُّ الجَحْدِ، وتَتَعَدّى بِالباءِ، وأنْ تَكُونَ مِنَ الإقْرارِ الَّذِي هو إبْقاءُ الأمْرِ عَلى حالِهِ، أيْ أقْرَرْتُمْ هَذا المِيثاقَ مُلْتَزِمًا، وقَوْلُهُ ﴿ وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ قِيلَ: الخِطابُ يُرادُ بِهِ مِن سَلَفَ مِنهُمْ، والمَعْنى: وأنْتُمْ شُهُودٌ، أيْ حُضُورٌ أخْذَ المِيثاقِ والإقْرارِ.

وقِيلَ إنَّ المُرادَ مَن كانَ في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ  ، والمَعْنى: وأنْتُمْ شُهَداءُ، أيْ بَيِّنَةٌ أنَّ هَذا المِيثاقَ أُخِذَ عَلى أسْلافِكم فَمَن بَعْدَهم مِنكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءِكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دياركم ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ ﴾ .

تفنن الخطاب هنا فجاء على نسق ما قبل الآية السابقة، إذ عبر هنا عن جميع بني إسرائيل بضمير الخطاب على طريق التغليب لأن المخاطبين حين نزول القرآن هم المقصودون من هذه الموعظة أو على طريق تنزيل الخلف منزلة السلف كما تقدم، لأن الداعي للإظهار عند الانتقال من الاستطراد إلى بقية المقصود في الآية السابقة قد أخذ ما يقتضيه فعاد أسلوب الخطاب إلى ما كان عليه.

والقول في ﴿ لا تسفكون ﴾ كالقول في ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ [البقرة: 83] والسفك الصب.

وإضافة الدماء إلى ضمير فاعل ﴿ تسفكون ﴾ اقتضت أن مفعول ﴿ تسفكون ﴾ هو دماء السافكين وليس المراد النهي عن أن يسفك الإنسان دم نفسه أو يخرج نفسه من داره لأن مثل هذا مما يزع المرء عنه وازعه الطبيعي فليس من شأن الشريعة الاهتمام بالنهي عنه، وإنما المراد أن لا يسفك أحد دم غيره ولا يخرج غيره من داره على حد قوله تعالى: ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ [النور: 61] أي فليسلم بعضكم على بعض.

فوجه إضافة الدماء إلى ضمير السافكين أن هذه الأحكام المتعلقة بالأمة أو القبيلة يكون مدلول الضمائر فيها مجموع الناس، فإذا تعلقت أحكام بتلك الضمائر من إسناد أومفعولية أو إضافة أرجع كل إلى ما يناسبه على طريقة التوزيع وهذا كثير في استعمال القرآن ونكتته الإشارة إلى أن المغايرة في حقوق أفراد الأمة مغايرة صورية وأنها راجعة إلى شيء واحد وهو المصلحة الجامعة أو المفسدة الجامعة، ومثله قوله تعالى: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ [البقرة: 188] ومن هذا القبيل قول الحماسي الحارث بن وعلة الذهلي: قومي هم قتلوا أُميم أخي *** فإذا رميت يصيبني سهمي فلئن عفوت لأعفون جللا *** ولئن سطوت لأوهنن عظمي يريد أن سهمه إذا أصاب قومه فقد أضرَّ بنفسه وإلى هذا الوجه أشار ابن عطية وسماه اللف في القول، أي الإجمال المراد به التوزيع، وذهب صاحب «الكشاف» إلى أنه من تشبيه الغير بالنفس لشدة اتصال الغير بالنفس في الأصل أو الدين فإذا قتل المتصل به نسباً أو ديناً فكأنما قتل نفسه وهو قريب من الأول ومبناه على المجاز في الضمير المضاف إليه في قوله: ﴿ دماءكم ﴾ و ﴿ أنفسكم ﴾ .

وقيل: إن المعنى لا تسفكون دماءكم بالتسبب في قتل الغير فيقتص منكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم بالجناية على الغير فتنفوا من دياركم، وهذا مبني على المجاز التبعي في ﴿ تفسكون ﴾ و ﴿ تخرجون ﴾ بعلاقة التسبب.

وأشارت هذه الآية إلى وصيتين من الوصايا الإلهية الواقعة في العهد المعروف بالكلمات العشر المنزلة على موسى عليه السلام من قوله: «لا تقتل، لا تشته بيت قريبك» فإن النهي عن شهوة بيت القريب لقصد سد ذريعة السعي في اغتصابه منه بفحوى الخطاب.

وعليه فإضافة (ميثاق) إلى ضمير المخاطبين مراعى فيها أنهم لما كانوا متدينين بشريعة التوراة فقد التزموا بجميع ما تحتوي عليه.

وقوله: ﴿ ثم أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ مرتب ترتيباً رتبياً أي أخذ عليكم العهد وأقررتموه أي عملتم به وشهدتم عليه فالضميران في ﴿ أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ راجعان لما رجع له ضمير ﴿ ميثاقكم ﴾ وما بعده لتكون الضمائر على سنن واحد في النظم.

وجملة ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ حالية أي لا تنكرون إقراركم بذلك إذ قد تقلدتموه والتزمتم التديُّن به.

والعطف بثم في قوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ للترتيب الرتبي أي وقع ذلك كله وأنتم هؤلاء تقتلون، والخطاب لليهود الحاضرين في وقت نزول القرآن بقرينة قوله: ﴿ هؤلاء ﴾ لأن الإشارة لا تكون إلى غائب وذلك نحو قولهم: ها أنا ذا وها أنتم أولاء، فليست زيادة اسم الإشارة إلا لتعيين مفاد الضمير وهذا استعمال عربي يختص غالباً بمقام التعجب من حال المخاطب وذلك لأن أصل الإخبار أن يكون بين المخبر والمخبر عنه تخالف في المفهوم واتحاد في الصدق في الخارج وهوالمعروف عند المناطقة بحمل الاشتقاق نحو أنت صادق، ولذلك لزم اختلاف المسند والمسند إليه بالجمود والاشتقاق غالباً أو الاتحاد في الاشتقاق ولا تجدهما جامدين إلا بتأويل.

ثم إن العرب قد تقصد من الإخبار معنى مصادفة المتكلم الشيءَ عينَ شيء يبحث عنه في نفسه نحو «أنت أبا جهل» قاله له ابن مسعود يوم بدر إذ وجده مثخناً بالجراح صريعاً ومصادفة المخاطب ذلك في اعتقاد المتكلم نحو «قال أنا يوسف وهذا أخي» فإذا أرادوا ذلك توسعوا في طريقة الإخبار فمن أجل ذلك صح أن يقال: «أنا ذلك» إذا كانت الإشارة إلى متقرر في ذهن السامع وهو لا يعلم أنه عين المسند إليه كقول خفاف بن نَدبة: تَأَمَّلْ خُفَافاً إنني أنا ذلكا *** وقول طريف العنبري: فتوسموني إنني أنا ذالكم *** وأوسع منه عندهم نحوُ قول أبي النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري *** ثم إذا أرادوا العناية بتحقيق هذا الاتحاد جاءوا «بها التنبيهِ» فقالوا: هَا أنا ذا يقوله المتكلم لمن قد يشك أنه هو نحو قول الشاعر: إن الفتى مَن يقول ها أنا ذا *** فإذا كان السبب الذي صحح الإخبار معلوماً اقتصَر المتكلم على ذلك وإلا أَتْبَع مثلَ ذلك التركيب بجملة تدل على الحال التي اقتضت ذلك الإخبار ولهم في ذلك مراتب: الأولى ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون ﴾ ، الثانية: ﴿ ها أنتم أولاء تحبونهم ﴾ [آل عمران: 119].

ومنه «ها أنا ذا لديكما» قاله أمية بن أبي الصلت.

الثالثة ﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ﴾ [النساء: 109] ويستفاد معنى التعجب في أكثر مواقعه من القرينة كما تقول لمن وجدته حاضراً وكنت لا تترقب حضوره ها أنت ذا، أو من الجملة المذكورة بعده إذا كان مفادها عجيباً كما رأيت في الأمثلة.

والأظهر أن يكون الضمير واسم الإشارة مبتدأ وخبراً والجملة بعدهما حالاً، وقيل: هي مستأنفة لبيان منشأ التعجب، وقيل: الجملة هي الخبر واسم الإشارة منادى معترض ومنعه سيبويه، وقيل: اسم الإشارة منصوب على الاختصاص وهذا ضعيف.

وعلى الخلاف في موقع الجملة اختلف فيما لو أتى بعدها أنت ذَا ونحوِه بمفرد فقيل يكون منصوباً على الحال وقيل: مرفوعاً على الخبر ولم يسمع من العرب إلا مثال أنشده النحاة وهو قوله: أبا حَكَم ها أنتَ نَجْمٌ مُجَالد *** ولأجل ذلك جاء ابن مالك في خطبة «التسهيل» بقوله: وها أنا ساع فيما انتدبت إليه، وجاء ابن هشام في خطبة «المغني» بقوله: وها أنا مبيح بما أسررته.

واختلف النحاة أيضاً في أن وقوع الضمير بعد (ها) التنبيه هل يتعين أن يعقبه اسم الإشارة فقال في «التسهيل» هو غالب لا لازم وقال ابن هشام هولازم صرح به في «حواشي التسهيل» بنقل الدماميني في «الحواشي المصرية» في الخطبة وفي الهاء المفردة.

وقال الرضى إن دخول (ها) التنبيه في الحقيقة إنما هو على اسم الإشارة على ما هو المعروف في قولهم هذا وإنما يفصل بينها وبين اسم الإشارة بفاصل فمنه الضمير المرفوع المنفصل كما رأيت ومنه القسم نحو قول الشاعر من «شواهد الرضي»: تَعَلَّمَنْ هَا لعمرُ الله ذا قسما *** فاقدر بذرعك فانظر أين تنسلك وشذ بغير ذلك نحو قول النابغة: ها إنّ تَاعذرة إن لا تكن نفعت *** فإن صاحبها قد تاه في البلد وقوله: ﴿ تقتلون ﴾ حال أو خبر.

وعبر بالمضارع لقصد الدلالة على التجدد وأن ذلك من شأنكم وكذلك قوله: ﴿ وتخرجون فريقاً منكم ﴾ .

وجعل في «الكشاف» المقصود بالخطابات كلها في هذه الآية مراداً به أسلاف الحاضرين وجعل قوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون ﴾ مع إشعاره بمغايرة المشار إليهم للذين وجه إليهم الخطاب مراداً منه مغايرة تنزيلية لتغير صفات المخاطب الواحد وذلك تكلف ساقه إليه محبة جعل الخطابات في هذه الآية موافقة للخطابات التي في الآي قبلها، وقد علمت أنه غير لازم وأن المغايرة مقصودة هنا وقد استقامت فلا داعي إلى التكلف.

وقد أشارت هذه الآية إلى ما حدث بين اليهود من التخاذل وإهمال ماأمرتهم به شريعتهم والأظهر أن المقصود يهود قريظة والنضير وقَيْنُقَاعَ.

وأراد من ذلك بخاصة ما حدث بينهم في حروب بُعَاث القائمة بين الأوس والخزرج وذلك أنه لما تَقَاتَل الأوسُ والخزرجُ اعتزل اليهودُ الفريقين زمناً طويلاً والأوسُ مغلوبون في سائر أيام القتال فدبر الأوس أن يخرجوا يسعون لمحالفة قُريظة والنَّضِير فلما علم الخزرج توعدوا اليهود إن فعلوا ذلك فقالوا لهم: إنا لا نحالف الأوس ولا نحالفكم فطلب الخزرجُ على اليهود رهائنَ أربعين غلاماً من غلمان قريظة والنضير فسلموهم لهم.

ثم إن عمرو بن النعمان البياضي الخزرجي أطمع قومه أن يتحولوا لقريظة والنضير لحسن أرضهم ونخلهم وأرسل إلى قريظة والنضير يقول لهم: إما أن تخلوا لنا دياركم وإما أن نقتل الرهائن فخشي القوم على رهائنهم واستشاروا كعب بن أسيد القُرظي فقال لهم: «يا قوم امنعوا دياركم وخلوه يقتل الغلمان فما هي إلا ليلة يصيب أحدكم فيها امرأتَه حتى يولد له مثلُ أحدهم» فلما أجابت قريظة والنضير عمراً بأنهم يمنعون ديارهم عدا عمروٌ على الغلمان فقتلهم فلذلك تحالفت قريظة والنضير مع الأوس فسعى الخزرج في محالفة بني قينقاع من اليهود وبذلك نشأ قتال بين فِرق اليهود وكان بينهم يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين فكانت اليهود تتقاتل وتجلي المغلوبين من ديارهم وتأسرهم، ثم لمَّا ارتفعت الحرب جمعوا مالاً وفدوا به أسرى اليهود الواقعين في أسر أحلاف أحد الفريقين من الأوس أو الخزرج فعيرت العربُ اليهودُ بذلك وقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم بأموالكم فقالوا: قد حرم علينا قتالهم ولكنا نستحي أن نخذل حلفاءنا وقد أُمرنا أن نفدي الأسرى فذلك قوله تعالى: ﴿ وإن يأتوكم أُسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ أمّا النَّفْسُ فَمَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّفاسَةِ، وهي الجَلالَةُ، فَنَفْسُ الإنْسانِ أنْفُسُ ما فِيهِ، وأمّا الدِّيارُ فالمَنزِلُ الَّذِي فِيهِ أبْنِيَةُ المُقامِ، بِخِلافِ مَنزِلِ الِارْتِحالِ، وقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ مَوْضِعٍ حَلَّهُ قَوْمٌ، فَهو دارٌ لَهُمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أبْنِيَةٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَسْفِكُ أحَدٌ دَمَهُ، ويُخْرِجُ نَفْسَهُ مِن دارِهِ؟

فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ولا يُخْرِجُهُ مِن دارِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ القِصاصُ الَّذِي يُقْتَصُّ مِنهم بِمَن قَتَلُوهُ.

وَفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: أنَّ قَوْلَهُ (أنْفُسَكُمْ) أيْ إخْوانَكم فَهو كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ﴾ يَعْنِي تَتَعاوَنُونَ، والإثْمُ هو الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الذَّمَّ، وفي العُدْوانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُجاوَزَةُ الحَقِّ.

والثّانِي: أنَّهُ في الإفْراطِ في الظُّلْمِ.

﴿ وَإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ: ( أسْرى ) وفي الفَرْقِ بَيْنَ أسْرى وأُسارى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أسْرى جَمْعُ أسِيرٍ، وأُسارى جَمْعُ أسْرى.

والثّانِي: أنَّ الأسْرى الَّذِينَ في اليَدِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا في وثاقٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، والأُسارى: الَّذِينَ في وثاقٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن عاصم.

أنه قرأ ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ بنصب التاء وكسر الفاء ورفع الكاف.

وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن مصرف أنه قرأها ﴿ تسفكون ﴾ برفع الفاء.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ﴾ يقول: لا يقتل بعضكم بعضاً ﴿ ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ﴾ يقول: لا يخرج بعضكم بعضاً من الديار، ثم أقررتم بهذا الميثاق وأنتم تشهدون.

يقول: وأنتم شهود.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ إن هذا حق من ميثاقي عليكم ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ أي أهل الشرك ختى تسفكوا دماءكم معهم ﴿ وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ﴾ قال: تخرجونهم من ديارهم معهم ﴿ تظاهرون عليهم بالإِثم والعدوان ﴾ فكانوا إذا كان بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، وظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى تسافكوا دماءهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقاً لما في التوراة ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ﴾ وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم ﴿ وهو محرم عليكم ﴾ في كتابكم ﴿ إخراجهم ﴾ ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ﴾ أتفادونهم مؤمنين بذلك وتخرجونهم كفراً بذلك.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية.

أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب، ولا يفادي من وقع عليه العرب، فقال له عبد الله بن سلام: أما أنه مكتوب عندك في كتابك أن فادوهن كلهن.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنه قرأ ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفدوهم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنه قرأ ﴿ أسارى تفادوهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءتنا ﴿ وإن يؤخذوا تفدوهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: يكون أول الآية عاماً وآخرها خاصاً، وقرأ هذه الآية ﴿ ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ قال: استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ﴾ في (لا تسفكون) من وجوه الإعراب ما ذكرنا في (لا تعبدون).

ويُقال: سَفَكَ يَسفِكُ ويَسفُكُ لُغتان (١) (٢) غفَلَتْ ثم أتت ترقبه ...

فإذا هي بعظام ودَمَا (٣) وقد جاء في التثنية: دَمَيَان ودَمَوَان (٤) وظل لعمري في الوغى دَمَوَاهما وقال آخر: جرى الدَمَيَان بالخَبر اليقين (٥) وقال الليْث: الدم معروف، والقِطعة دَمَةٌ، وكان أصله دَمَيٌ؛ لأنك تقول: دَمِيَتْ يده (٦) وقد أقرأني العروضي عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، عن أبي الهيثم، أنه قال: الدم اسم على حرفين.

فقال بعضهم في تثنيته: الدَمَيَان، وقال بعضهم: الدَّمَان، ويقال في تصريفه: دَمِيَتْ يدي تَدْمَى دَمًى، فيظهرون في دَمِيَتْ وتَدْمَى الياء والألف اللذين لم يجدوهما في دم.

قال: ومثله: يَدٌ، أصله: يَدَيٌ (٧) (٨) (٩) فأما التفسير: فقال ابن عباس (١٠) (١١) ﴿ دِمَاءَكُمْ ﴾ لأن كل قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة، وأيضًا فإنّ الرجل إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه؛ لأنه يقاد ويُقتص (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ﴾ أي: لا يخرج بَعضكُم بعضًا مِن دَاره ويغلبه عَليها (١٤) ﴿ ثُمَّ أَقرَرتُم ﴾ أي: قبلتم ذلك وأقررتم به (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ حكى محمد بن جرير، عن ابن عباس: أن هذا خطاب لليهود الذين كانوا زمن النبي  (١٦) ﴿ وَأَنتُم تَشهَدُونَ ﴾ على هذا القول.

وقال أبو العالية: الآية كلها خبر عن الله عز وجل عن أوائلهم (١٧) ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ خِطابًا للسَلف والخلف جميعًا، يريد: أنتم تشهدُون أن هذا حق من ميثاقي عَليكم في التوراة (١٨) (١) ينظر: "اللسان" 4/ 2030، و"القاموس" 9425، وسفك: من باب ضرب ونصر، وبهما قرئ قوله تعالى: ويسفك الدماء، والسفك: الصب وقرأ طلحة بن مصرف بضم الفاء قال الثعلبي 1/ 1016: وهما لغتان، مثل: يعرُشون، ويعكُفون.

(٢) عبارة الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 165: وواحد الدماء دم يا هذا مخفف، وأصله دمىِ في قول أكثر النحويين، ودليل من قال: إن أصله دمي: قول الشاعر: فلو أنا على حجر ذبحنا ...

جرى الدميان بالخبر اليقين وقال قوم: أصله: دمْي، إلا أنه لما حذف ورد إليه ما حذف منه، حركت الميم لتدل الحركة على أنه استعمل محذوفا.

اهـ (٣) ورد البيت هكذا: غفلت ثم أتت تطلبه ينظر: "الخزانة" 7/ 491، و"التنبيه" لابن بري 2/ 235، و"شرح التسهيل" 1/ 250، و"تلخيص الشواهد" ص 77، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 1231 ولم ينسبوه.

(٤) في "تهذيب اللغة" 2/ 1231، فقال بعضهم في تثنية الدميان، ونقل في "اللسان" 3/ 1429 عن ابن سيده: وأما الدموان فشاذ سماعا.

قال في "البحر المحيط" 1/ 281: الدم معروف وهو محذوف اللام، وهي ياء لقوله: جرى الدميان بالخبر اليقين، أو واو لقولهم: دموان، ووزنه فَعَل، وقيل: فَعْل، وقد سمع مقصورًا.

(٥) البيت صدره: فلو أنا على حَجَر ذُبِحْنا ..

وهو للمثقب العبدي في ملحق ديوانه ص 283، ولعلي بن بدال في "أمالي الزجاجي" ص 20.

ينظر: "المعجم المفصل" 8/ 265.

(٦) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 14/ 216، "اللسان" 4/ 268.

(٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1231، وينظر "اللسان" 3/ 1429.

(٨) ينظر: "اللسان" 3/ 1429.

(٩) المرجع السابق.

(١٠) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1017، والواحدي في "الوسيط" 1/ 167.

(١١) أخرجه عن قتادة "الطبري" 1/ 394 وينظر: "التفسير الصحيح" 1/ 189، وكذا رواه عن أبي العالية، وأخرجه عن أبي العالية ابن أبي حاتم 1/ 163، ذكر أنه مروي عن الحسن والسدي ومقاتل بن حيان، وينظر: "التفسير الصحيح" 1/ 188.

(١٢) في (ش) و (م): (ويُقبض).

(١٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 394 - 396 ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 300، "زاد المسير" 1/ 110.

(١٤) روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 163 عن أبي العالية نحوه، وينظر المصادر السابقة، و"الحجة" لأبي علي 2/ 146.

(١٥) أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 163 نحو هذا عن ابن عباس وأبي العالية وإسنادهما حسن كما في "التفسير الصحيح" 1/ 189.

(١٦) ذكره "الطبري" 1/ 395 - 399.

(١٧) رواه "الطبري" 1/ 395 - 396.

(١٨) قال "الطبري" 395: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب عندي أن يكون قوله: (وأنتم تشهدون) خبرًا عن أسلافهم، وداخلًا فيه المخاطبون منهم الذين أدركوا رسول الله  كما كان قوله (وإذ أخذنا ميثاقكم) خبرًا عن أسلافهم، وإن كان خطابًا للذين أدركوا رسول الله  <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ لا يسفك بعضكم دم بعض، وإعرابه مثل لا تعبدون ﴿ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ بالميثاق واعترفتم بلزومه ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ بأخذ الميثاق عليكم ﴿ هؤلاء ﴾ منصوب على التخصيص بفعل مضمر، وقيل: هؤلاء مبتدأ وخبره أنتم وتقتلون حالاً لازمة تم بها المعنى ﴿ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ كانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير: حلفاء الخزرج، وكان كل فريق يقاتل الآخر مع حلفائه، ويتقيه من موضعه إذا ظفر به ﴿ تظاهرون ﴾ أي تتعاونون ﴿ تفادوهم ﴾ قرئ بالألف وحذفها والمعنى واحد.

وكذلك أسارى بالألف وحذفها جمع أسير ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ ﴾ الضمير للإخراج من ديارهم، وهو مبتدأ وخبره محرم و ﴿ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ بدل، والضمير للأمر والشأن، وإخراجهم: مبتدأ، ومحرّم خبره، والجملة خبر الضمير ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب ﴾ فداؤهم الأسارى موافقة لما في كتبهم ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ القتل والإخراج من الديار مخالفة لما في كتبهم ﴿ خِزْيٌ ﴾ الجزية أو الهزيمة لقريظة والنضير وغيرهم، أو مطلق ﴿ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل ﴾ أي جئنا من بعده بالرسل، وهو مأخوذ من القفا أي جاء بالثاني في قفا الأول ﴿ البينات ﴾ المعجزات من إحياء الموتى وغير ذلك ﴿ بِرُوحِ القدس ﴾ جبريل، وقيل؛ الإنجيل، وقيل الاسم الذي كان يحيى به الموتى، والأول أرجح لقوله: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس ﴾ [النحل: 102] ولقوله صلى الله عليه وسلم لحسان: اللهم أيده بروح القدس ﴿ أَتَقْتُلُونَ ﴾ جاء مضارعاً مبالغة لأنه أيد استحضاره في النفوس، أو لأنهم حاولوا قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أن الله عصمه ﴿ غُلْفٌ ﴾ جمع أغلف: أي عليه غلاف، وهو الغشاء فلا تَفْقَه ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ الله ﴾ رداً عليهم، وبيان أن عدم فقههم بسبب كفرهم ﴿ فَقَلِيلاً ﴾ أي إيماناً قليلاً ﴿ مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ ما زائدة، ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم على أصلها؛ لأن من دخل منهم بالإسلام قليل، أو لأنهم آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا يعبدون ﴾ بالياء للغيبة.

ابن كثير وحمزة وعلي والمفضل ﴿ القربى ﴾ بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على وزن "فعلى" ﴿ حسنا ﴾ وصفاً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ تظاهرون ﴾ خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وحذف إحدى التاءين للتخفيف، الباقون بالتشديد ووجهه إدغام التاء في الظاء ﴿ أسارى ﴾ بالإمالة ﴿ تفدوهم ﴾ أبو عمرو وخلف.

﴿ أسارى ﴾ مفخماً ﴿ تفدوهم ﴾ ابن كثير وابن عامر ﴿ أسرى ﴾ بالإمالة ﴿ تفدوهم ﴾ حمزة.

﴿ أسارى ﴾ بالإمالة ﴿ تفادوهم ﴾ علي والنجاري عن ورش والخراز عن هبيرة، والباقون ﴿ أسارى ﴾ مفخماً ﴿ تفادوهم ﴾ ﴿ تردون ﴾ بتاء الخطاب: أبو زيد عن المفضل ﴿ يعلمون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف ويعقوب وأبو بكر وحماد بناء لآخر الكلام على أوّله، الباقون بالتاء تغليباً للمخاطبين على الغيب.

الوقوف: ﴿ الزكاة ﴾ لأن "ثم" لترتيب الأخبار أي مع ذلك توليتم و ﴿ معرضون ﴾ و ﴿ تشهدون ﴾ (ه) ﴿ من ديارهم ﴾ (ز) لأن ﴿ تظاهرون ﴾ يشبه استئنافاً، وكونه حالاً أوجه و ﴿ العدوان ﴾ (ط) ﴿ إخراجهم ﴾ (ط) ﴿ ببعض ﴾ (ج) لابتداء الاستفهام أو النفي مع فاء التعقيب ﴿ الدنيا ﴾ (ط) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ العذاب ﴾ (ط) ﴿ يعملون ﴾ (ه) ﴿ الآخرة ﴾ (ز) لأن الفعل مستأنف وفيه فاء التعقيب للجزاء ﴿ ينصرون ﴾ (ه).

التفسير: إنه  كلفهم بأشياء: الأوّل: قوله ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ من قرأ بياء الغيبة فلأنهم غيب، ومن قرأ بتاء الخطاب فلحكاية ما خوطبوا به، وفي إعرابه أقوال: أحدها: أنه إخبار في معنى النهي كقولك "تذهب إلى فلان" تريد الأمر وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي كأنه سورع إلى الامتثال فهو يخبر عنه.

ويؤيد هذا القول عطف ﴿ وقولوا ﴾ ﴿ وأقيموا ﴾ عليه.

وثانيها: التقدير أن لا تعبدوا فلما حذفت "أن" رفعت كقوله "ألا أبهذا الزاجري أحضر الوغى" ويحتمل أن تكون "أن" مفسرة وأن تكون مع الفعل بدلاً من الميثاق كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل توحيدهم.

وثالثها: هو جواب قوله ﴿ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ﴾ إجراء له مجرى القسم كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون.

وهذا التكليف بالحقيقة يتضمن جميع ما لا بد منه في الدين، لأن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته  وبجميع ما يجب له ويستحيل عليه، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة.

التكليف الثاني: قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ معناه يحسنون بالوالدين إحساناً ليناسب ﴿ لا تعبدون ﴾ أو أحسنوا ليناسب ﴿ وقولوا ﴾ ويمكن أن يقدر "وصيناهم" عطفاً على ﴿ أخذنا ﴾ وهذا أنسب لمكان الباء، ولا بد من تقدير القول إما قبل ﴿ لا تعبدوا ﴾ وإما قبل ﴿ أحسنوا ﴾ وإما قبل ﴿ قولوا ﴾ وإنما جعل الإحسان إلى الوالدين تالياً لعبادة الله لوجوه منها: أنهما سبب وجود الولد كما أنهما سبب التربية، وغير الوالدين قد يكون سبب التربية فقط فلا إنعام بعد إنعام الله  أعظم من إنعام الوالدين.

ومنها أن إنعامهما يشبه إنعام الله تعالى من حيث إنهما لا يطلبان بذلك ثناء ولا ثواباً ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً  ﴾ .

ومنها أنه  لا يمل من إنعامه على العبد وإن أتى بأعظم الجرائم، فكذا الوالدان لا يقطعان عنه مواد كرمهما وإن كان غير بارٍ بهما، ومنها أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح والغبطة، والله  يأخذ الحبة فيربيها مثل جبل أحد.

ومنها أن المناسبة والميل والحبة بين الوالد وولده ذاتية حتى عمت جميع الحيوان، كما أن المناسبة بين الواجب والممكن ذاتية لا عرضية، وههنا أسرار فليتأمل.

ومنها أنه لا كمال يمكن للولد إلا ويطلبه الوالد لأجله ويريده عليه، كما أن الله  لا خير يمكن للعبد إلا وهو يريده عليه، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب ونصب الأدلة وأزاح العلة، ومن غاية شفقة الوالدين أنهما لا يحسدان ولدهما إذا كان خيراً منهما بل يتمنيان ذلك بخلاف غيرهما فإنه لا يرضى أن يكون غيره خيراً منه.

وتعظيم الوالدين أمر معتبر في جميع الشرائع ومركوز في كل العقول، وقد ورد "أطع الوالدين وإن كانا كافرين" وعن النبي  أنه نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركاً، ولهذا أطلق الإحسان إليهما في الآية إطلاقاً.

وقد تلطف إبراهيم  في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله ﴿ يا أبت، يا أبت ﴾ والإحسان إليهما أن يحبهما من صميم القلب ويراعي دقائق الأدب والخدمة والشفقة ويبذل وسعه في رضاهما قولاً وفعلاً، ولا يمنع أعز أوقاته وكرائم أمواله عنهما، ويجتهد في تنفيذ وصاياهما ويذكرهما في صالح دعائه كما أرشد الله  إلى جميع ما ذكرنا في قوله ﴿ فلا تقل لهما أف  ﴾ إلى آخر الآية.

التكليف الثالث: الإحسان إلى ذوي القرابة ويعبر عنه بصلة الرحم عن رسول الله  "الرحم شجنة من الرحمن قال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قعطعته" والشجنة الاشتباك أي الرحم مشتقة من الرحمن يعني أنها قرابة من الله مشتبكة كاشتباك العروق والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، ولهذا صار كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين قال الشافعي: لو أصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث وغير الوارث، والمحرم وغير المحرم، والمسلم والكافر، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والأجداد والأحفاد، لا الأبوان والولد على الأظهر، لأن الوالد والولد لا يعرفان في العرف بالقريب.

وههنا دقيقة وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية ليرتفع نسبهم، ونحن لو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي: نرتقي إلى أقرب جد ينسب هو إليه ويعرف به.

وذكروا في مثاله أنه لو أوصى لأقارب الشافعي فإنا نصرفه إلى أولاد شافع فإنه منسوب إليه، ولا يدخل فيها أولاد علي والعباس وإن كان شافع وعلي والعباس كلهم أولاد السائب بن عبيد، والشافعي هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف.

قال المحققون: هذا في زمان الشافعي، وأما في زماننا فلا نصرفه إلا إلى أولاد الشافعي ولا نرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، ولا يدخل الأقارب من الأم في وصية العرب لأن قرابة الأم لا تعدها العرب قرابة ولا تفتخر بها أما لو أوصى لذي رحم زيد فيدخل فيه قرابة الأم في وصية العرب والعجم، لأن لفظ الرحم لا يختص بطرف الأب بحال.

وذهبت طائفة إلى أن الأقوى على ما أجاب به العراقيون ومال إليه أبو حنيفة، هو أن أقارب الأم تدخل في الوصية سواء كانت في وصية العرب أو وصية العجم، وتوجيه الفارق ممنوع لقوله  "سعد خالي فليرني امرؤ خاله" والإحسان إلى الأقارب قريب من الإحسان إلى الوالدين، وذلك بأن يجتهد في رضاهم بما تيسر له عرفاً وشرعاً، وينفق عليهم بالمعروف إن كانوا معسرين وهو موسر.

التكليف الرابع: الإحسان إلى اليتامى واليتيم من الأطفال الذي مات أبوه إلى أن يبلغ الحلم، فيجب على وليه حفظ ماله واستنماؤه قدر النفقة والزكاة ومؤن الملك بما أمكنه والقيام بمصالحه مع رعاية دقائق الغبطة وقضاء حقوق النصيحة.

قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم.

واليتم في غير الإنسان من قبل أمه، واليتيم من الدر ما لا أخت له وإنما يجمع "يتيم" على "يتامى" لأن اليتم لما كان من صفات الابتلاء حمل على الوجع والحبط.

فكما قالوا في وجع وحبط للمنتفخ البطن، وجاعي وحباطي، قيل في يتيم يتامى.

وفي الكشاف: إنه أجرى يتيم مجرى الأسماء نحو "صاحب" و "فارس" فقيل "يتائم" ثم "يتامى" على القلب وكذا في اليتيمة.

التكليف الخامس: الإحسان إلى المساكين واحدها مسكين أخذ من السكون، كأن الفقر سكنه، أو لأنه الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالسكير الدائم السكر وهو أسوأ حالاً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة ومالك، واحتجوا عليه بقوله  ﴿ أو مسكيناً ذا متربة  ﴾ وعند الشافعي وأحمد: الأمر بالعكس قالوا: اشتقاق الفقير من فقار الظهر، كأن فقاره انكسرت لشدة حاجته، والمسكين قد يملك ما يتعلل به كما في قوله  ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين  ﴾ ويظهر أثر الخلاف فيما لو أوصى للفقراء دون المساكين أو بالعكس.

والإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين ينبغي أن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير.

التكليف السادس: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ بالوصف أي قولاً حسناً.

وحسناً على المصدر أي قولاً ذا حسن، أو قولاً هو الحسن في نفسه لإفراط حسنه، أو ليحسن قولكم حسناً.

والظاهر أن المخاطبين بذلك هم الذين أخذ ميثاقهم لاتحاد القصة.

قيل: إنه مخصوص إما بتخصيص الناس أي قولوا للمؤمنين حسناً بدليل آية القتال ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ وإما بتخصيص القول أي قولوا للناس حسناً في الدعاء إلى الله والأمر بالمعروف.

وقال أهل الحقيقة: إنه على العموم وذلك أن كلام الناس مع الناس في الأمور الدينية إن كان بالدعوة إلى الإيمان وجب أن يكون بالرفق واللين كما قال لموسى ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ وقال لمحمد  ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك  ﴾ وإن كان بالدعوة إلى الطاعة كالفساق فحسن القول أيضاً معتبر ﴿ أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة  ﴾ ﴿ ادفع بالتي هي أحسن  ﴾ وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض باللطيف من القول لم يعدل إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا شانه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخل تحت هذا القول.

وعن الباقر: قولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم.

التكليف السابع والثامن: قوله ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ وقد تقدم تفسيرهما.

ولا شك في وجوب هذه التكاليف عليهم بدليل: أخذ الميثاق، ولأن ظاهر الأمر للوجوب ولترتب الذم عليه بتوليهم، وهذه التكاليف أيضاً واجبة في شرعنا.

وعن ابن عباس: أن الزكاة نسخت كل حق.

وضعف بأن إغاثة المضطر واجبة وإن لم تجب علينا الزكاة.

واعلم أن التكليف إما بدني أو مالي وكل منهما إما عام أو خاص.

فالبدني العام هو العبادة المطلقة، وهي أن يكون بكل الجوارح والقوى منقاداً مطيعاً مؤتمراً لأمر الله  ، بحيث لا يرى لنفسه شيئاً من التصرف والاختيار كالعبد الماثل بين يدي مولاه وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ .

والبدني الخاص هو الصلاة وأشار إليه بقوله ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ فللصلاة أوقات مخصوصة وأركان وشروط معدودة.

والمالي الخاص هو الزكاة لتخصصها بالأصناف الزكوية وبالنصاب وبالحول وغير ذلك.

والمالي العام لكونه منوطاً بالقدرة.

والإمكان سببه إما نسب أولاً، والنسب إما سابق أو مقارن أو لاحق.

فالسابق الوالدان، والمقارن الأقارب، واللاحق اليتامى، لأنهم أولاد.

وذلك إذا كان الولي جداً أو بمنزلة الأولاد، وذلك إذا كان الولي غيره.

وغير النسب إما الاحتياج والفقر وهو المساكين، أو الاشتراك في النوع، ولا يمكن إلا بالقول الحسن، وما ينخرط في سلكه من مكارم الأخلاق الفعلية "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم" فالقول الحسن يشمل الأصناف المتقدمة أيضاً بهذا الاعتبار، وحين هذا الترتيب مما لا مزيد عليه، وقد كرر أكثر هذه المعاني في سورة النساء بضرب من التأكيد، فأكد العبادة بقوله ﴿ ولا تشركوا به شيئاً  ﴾ وأكد الإحسان إلى ذي القربى.

وما يتلوه بتكرير الجار وهو الباء وبضم أصناف أخر وهم الجار وغيره إليهم فكأنه كالتفصيل لقوله ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ .

قوله  ﴿ ثم توليتم ﴾ قيل الخطاب لمتقدمي بني إسرائيل على طريقة الالتفات، ووجهه أن أول الكلام معهم فكذا آخره إلا بدليل يوجب الانصراف عن هذا الظاهر، وقيل: إنه خطاب لمن كان في عصر النبي  من اليهود، كأنه  بين أن تلك المواثيق كما لزمهم التمسك بها فكذلك هي لازمة لكم لأنكم تعلمون ما في التوراة من نعت محمد  وصحة نبوته، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم إلا قليلاً منكم وهم الذين آمنوا وأنتم معرضون.

الواو للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الإعراض، أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم.

وقيل: ثم توليتم للمتقدمين وأنتم معرضون للمتأخرين.

وأما قوله  ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ فقيل: خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي  .

وقيل: المراد أخذنا ميثاق آبائكم.

وقيل: خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف.

وفي قوله ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه فأي فائدة في النهي؟

والجواب أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت من أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور، وككثير ممن يصعب عليه الزمان، أو المراد لا يفعل ذلك بعضكم ببعض جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلاً أو ديناً، أو أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه، أو لا تتعرضوا لمقاتلة من يغلبكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم.

﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم.

والمراد إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم لأن ذلك مما تعظم فيه الفتنة حتى يقرب من الهلاك.

وإعراب ﴿ لا تسفكون ﴾ و ﴿ لا تخرجون ﴾ على قياس ما تقرر في ﴿ لا تعبدون ﴾ ﴿ ثم أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ أي ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون عليها كقولك "فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها" أو اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك، لأنه كان شائعاً فيما بينهم مشهوراً، وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق.

﴿ ثم أنتم ﴾ معنى "ثم" الاستبعاد لما أسند إليهم من القتل، والاجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم، وإقرارهم وشهادتهم.

"وأنتم" مبتدأ و "هؤلاء" خبره أي أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلاً لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: خرجت بغير الوجه الذي دخلت به، و "تقتلون" بيان "لأنتم هؤلاء" وقيل "هؤلاء" موصول بمعنى الذين وهذا عند الكوفيين فإنهم يجوزون كون جميع أسماء الإشارة بمعنى الموصول.

والتظاهر التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة، بيّن  أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان، وفيه دليل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة.

ولا يشكل هذا بتمكين الله  الظالم من الظلم فإنه كما مكنه فقد زجره عنه ونهاه بخلاف معين الظالم فإنه يدعوه إلى الظلم ويحسنه في عينه مع أنه  لا يسأل عما يفعل.

أسرى جمع أسير كجرحى في جريح، وأسارى جمع أسرى كسكرى وسكارى.

وقيل: أسارى من الجموع التي ترك مفردها كأنه جمع "إسران" كعجالى وعجلان.

وقوله ﴿ تفادوهم ﴾ جمهور المفسرين على أنه وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم و ﴿ هو ﴾ ضمير الشأن و ﴿ إخراجهم ﴾ مبتدأ و ﴿ محرم ﴾ خبره والجملة خبر الضمير.

ويجوز أن يكون ﴿ هو ﴾ مبتدأ مبهماً و ﴿ محرم ﴾ خبره و ﴿ إخراجهم ﴾ تفسيره، ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ أي بالفداء ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ أي بالقتال والإجلاء.

وذلك أن قريظة كانوا حلفاء الأوس والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فعيرتهم العرب فقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟

فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحيي أن يذل حلفاؤنا فذمهم الله  على المناقضة إذا أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، ولعلهم صرحوا باعتقاد عدم وجوبه فلهذا سماه كفراً، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم وفي ذلك تنبيه على أنهم في تصديقهم بنبوة موسى مع التكذيب بمحمد  والحجة في أمرهما على سواء، يجرون مجرى طريقة السلف منهم في الإيمان ببعض والكفر ببعض وكل في الميثاق سواء.

الخزي الذل والهوان خزي بالكسر يخزي خزياً أي ذل وهان، وخزي أيضاً يخزى خزاية أي استحيا فهو خزيان.

فإذا قيل: أخزاه الله.

فالمراد أهانه أو أوقعه موقعاً يستحيي منه وتنكير "خزي" يدل على فظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغاً لا يكتنه كنهه، والأظهر أنه غير مختص ببعض الوجوه.

وقيل: هو قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير، وقيل: الجزية، وعلى هذين القولين يختص الخزي بمن في عصر رسول الله  منهم وبمن يخلفهم دون أسلافهم، فإن قيل: عذاب منكري الصانع كالدهرية يجب أن يكون أشد، فكيف يقال في حق اليهود يردون إلى أشد العذاب؟

قلنا: إما لأن كفر العناد أغلظ، وإما لأن المراد أشد من الخزي لا الأشد مطلقاً.

وفي قوله: ﴿ وما الله بغافل ﴾ وعيد شديد للعاصين وبشارة عظيمة للمطيعين، لأن القدرة الكاملة مع عدم الغفلة تدل على وصول الحقوق إلى مستحقها لا محالة.

﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ استبدلوها بها ﴿ فلا يخفف عنهم العذاب ﴾ لا ينقطع ولا يفتر بل يدوم على حالة واحدة ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ بدفع هذا العذاب عنهم.

وفيه تنبيه على أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا إذا كانت على وفق الهوى لا الشرع، وبين لذات الآخرة ممتنع يستتبع وجود إحداهما عدم الأخرى والله ولي التوفيق.

التأويل: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ في عهد ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ بامتثال أوامر الشيطان واتباع خطواته كما قيل: إلــــى حتفــــي مشــــى قــــدمــــي *** أرى قـــدمــــي أراق دمـــــــــي ﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ من ديار عبوديتكم التي كنتم فيها في أصل الفطرة ﴿ وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ﴾ لا تقتصرون على ضلالكم بل يعاون بعضكم بعضاً على الإعراض عن حقوق الله والإقبال على حظوظ النفس ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ﴾ فمن أسر في قيد الهوى فإنقاذه بالدلالة على الهدى، ومن أسر في قيد حب الدنيا فخلاصه في كثرة ذكر المولى، ومن أسر في أيدي الشكوك والشبهات ففداؤه إرشاده إلى اليقين بلوائح البراهين ولوامع البينات، ومن أسر في حبس وجود فنجاته فيما يحل عنه وثاق الكون ويوصله إلى معبوده، ومن أسر في قبضة الحق فليس لأسراهم فداء ولا لقتلاهم قود ولا لرهطهم خلاص ولا لقومهم مناص ولا منهم فرار ولا معهم قرار ولا إليهم بغيره سبيل ولا لديهم دليل ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ وهو ما سمعتم في أول الخطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ فقلتم بلى ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ وهو الذي عاهدتم عليه ألا تعبدوا غير الله من الشيطان والنفس والهوى الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .

قد ذكرنا عهد الله وميثاقه أَنه يكون على وجهين: عهد خِلْقةٍ وفطرة، وعهد رسالة ونبوة.

وقوله: ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: لا تجعلون الألوهيةَ إِلا لله.

ويحتمل: نفس العبادة، أَي: لا تعبدون غير الله، من الأَصنام والأَوثان وغيرهما.

وقوله: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

بِرّاً بهما، وعَطفاً عليهما، وإِلطافاً لهما، وخفْضَ الجناح، ولينَ القول لهما؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ...

﴾ الآية [الإسراء: 23-24]، وكقوله: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً  ﴾ .

فإن قيل: إِن الأَمر بالإِحسان فيما بين الخلق يخرج مخرج الإفضال والتبرع، لا على الوجوب، واللزوم.

غير أَن الإحسان يجوز أن يكون الفعلَ الحسن نفسَه؛ كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ استوجبوا هذا بالفعل الحسن، لا بالإحسان إلى الله  ، وفعلُ الحسن فرضٌ واجبٌ على كل أَحد.

والثاني: أَن الإحسان إِليهم يجوز أَن يكون من حق الله عليهم، وحقُّ الله عليهم لازم، وعلى ذلك صلةُ القرابةِ والمحارِم، والإِنفاقُ عليهم من حق الله عليهم، وهو لازم.

فهذا ينقض على الشافعي قولَه: إنه لا يوجب النفقة إلا على الوالدين، ولا يتكلم في الآباء والأُمهات بالقرابة، ولا سموا بهذا الاسم؛ فدل: أَنه أَراد به غير الوالدين، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ ﴾ .

يحتمل: على النفْل من الصدقة والفرض جميعاً.

وقوله: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ .

يحتمل: وجوهاً: يحتمل: لا تكتموا صفة محمد  ونعته ولكن أَظهروها.

ويحتمل: الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله.

ويحتمل: المراد به الكلُّ، كل شيءٍ وكل قول؛ أَي: لا تقولوا إلا حسناً.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

يحتمل: الإقرار بها، والقبول لها.

ويحتمل: إِقامتها في مواقيتها، بتمام ركوعها وسجودها وخشوعها.

ويحتمل: أن يكونوا في حالٍ تكون لكم الصلاة والتزكية.

وقوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .

يحتمل الوجوه التي ذكرناها في الصلاة.

وقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ .

الآية ظاهرة.

وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا الميثاق والعهد في غير موضع.

وقوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أي: لا تسفكون دماءَ غيركم، فيسفك دماءَكم؛ فتصيرون كأَنكم سفكتم دماءَكم.

ويحتمل: لا يسفك بعضُكم دماءَ بعض؛ كقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ  ﴾ ، أي: يسلم بعضكم على بعض.

وذكر نقض العهد في هؤلاءِ وإن كان في أَوائلهم؛ لوجهين: أَحدهما: لما رضي هؤلاء بفعل آبائهم.

والثاني: بقولهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 22-23].

وقوله: ﴿ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ﴾ .

يحتمل: أيضاً وجهين: يحتمل: ولا يُخرج بعضُكم بعضاً.

ويحتمل: لا تخرجوا غيركم من ديارهم، فتخرجون من دياركم؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ .

يحتمل: ثم أقررتم وأَنتم تشهدون بالعهد والميثاق، وتشهدون أَنه في التوراة.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

يعني: يا هؤلاء.

وقوله: ﴿ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ ﴾ .

يحتمل وجهين اللذَين ذكرتهما في قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ ﴾ .

أي: تَعَاوَنُون عليهم، يُعاون بعضكم بعضاً بالإخراج، وهو الظلم والعدوان.

وقوله: ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ .

أي: ذلك الإخراج محرم عليكم.

وقوله: ﴿ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ...

﴾ .

الآيةُ - وإن كانت مؤخرة في الذكر - فهي مقدمة؛ كأَنه قال: لا تسفكون دماءَكم ولا تخرجون أَنفسكم، وإن يأْتوكم أسارى تفادوهم.

وقوله: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ .

آمنوا بالمفَاداة من الأَسارى، وكفروا بالإِخراج وسفك الدماءِ.

ويحتمل: الإيمان ببعض ما في التوراة، وكفورا ببعضها، وهو نَعْت محمد  وصفته؛ إذ لم يكن على موافقة مُرادهم.

ويحتمل: أَن فادوا أَسراهم من غيرهم، وسَبَوْا ذَرَاري غيرهم.

وقوله: ﴿ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ ﴾ .

قيل: الخزي في الدنيا إِجلاءُ بني النضير من ديارهم، وإخراجهم إلى الشام.

وقيل: مقاتلةُ بني قريظةَ، وسبيُ ذراريهم، وذلك لحربٍ وقع بينهم، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

ولكن لا يعاقبون في الدنيا، بل يردون إلى أشد العذاب في الآخرة، وإن استوجبوا ذلك في الدنيا؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ...

﴾ الآية: [إبراهيم: 42].

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

وعيدٌ.

قد ذكرنا ذلك فيما تقدم.

وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ .

يحتمل: أنهم كانوا آمنوا بمحمد  قبل خروجه وبعثه، فلما بعث على خلاف مرادهم كفروا به، فذلك اشتراء الحياة الدنيا بالآخرة.

ويحتمل: ابتداء اختيار الضلال على الهدى، والحياة الدنيا على الآخرة، من غير أَن آمنوا به، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا العهد المؤكد الَّذي أخذناه عليكم في التوراة من تحريم إراقة بعضكم دماء بعض، وتحريم إخراج بعضكم بعضًا من ديارهم، ثم اعترفتم بما أخذناه عليكم من عهد بذلك، وأنتم تشهدون على صحته.

<div class="verse-tafsir" id="91.3x14R"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان التذكير في الآية السابقة بأهم المأمورات التي أخذ الله تعالى الميثاق على بني إسرائيل بها بعد توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة وبيان أنهم نقضوا ميثاق الله تعالى ولم يأتمروا بها، وفي هاتين الآيتين التذكير بأهم المنهيات التي أخذ الله تعالى الميثاق عليهم باجتنابها، وبيان أنهم نقضوا ميثاقه ولم ينتهوا عنها، وقد قال هناك ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ أي الذين نزلت عليهم التوراة، ثم التفت إلى خطاب الحاضرين في زمن التنزيل فقال ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ  ﴾ ، وقال هنا ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُم  ﴾ تماديًا في سياق الالتفات وتذكيرًا بوحدة الأمة واعتبارها كالشخص الواحد يصيب الخلف أثر ما كان عليه السلف من خير وشر ما استنوا بسنتهم، وجروا على طريقتهم، كما تؤثر أعمال الشخص السابقة في قواه النفسية وطبع ملكاته بعد انحلال مادة تلك الأعضاء التي ابتدأت العمل وحلول مواد أخرى في محلها تتمرن على مثل ذلك العمل، فما يفعله الشخص في صغره، يبقى أثره في قواه في كبره، فكذلك الأمم.

وقد أورد النهي عن سفك بعضهم دم بعض وإخراج بعضهم بعضًا من ديارهم وأوطانهم بعبارة تؤكد معنى وحدة الأمة وتحدث في النفس أثرًا شريفا يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر، ووجدان يتأثر، فقال ﴿ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ  ﴾ فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر بيده.

وقال ﴿ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ  ﴾ على هذا النسق.

وهذا التعبير المعجز ببلاغته خاص بالقرآن.

فهذه الأحكام لا تزال محفوظة عند الإسرائيليين في الكتاب وإن لم يجروا عليها في العمل، ولكن العبارة عنها عندهم لا تطاول هذه العبارة التي تدهش صاحب الذوق السليم، والوجدان الرقيق، فهذا إرشاد حكيم طلع من ثنايا الأحكام يهدي إلى أسرارها، ويومئ إلى مشرق أنوارها، من تدبره علم أنه لا قوام للأمم إلا بالتحقق بما تضمنه هذه الحكم، وشعور كل فرد من أفرادها بأن نفسه نفس الآخرين ودمه دمهم، لا فرق في الاحترام بين الروح التي تجول في بدنه والدم الذي يجري في عروقه، وبين الأرواح والدماء التي يحيا بها إخوانه الذين وحدت بينه وبينهم الشريعة العادلة والمصالح العامة، هذا هو الوجه الوجيه في الآية.

وقيل معناها لا ترتكبوا من الجرائم ما تجازون عليه بالقتل والإخراج من الديار.

ويقال في قوله ﴿ لا تَسْفِكُونَ  ﴾ كما قيل قبله في قوله ﴿ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ  ﴾ من تضمن صيغة الخبر للتأكيد.

وقوله تعالى ﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  ﴾ فيه وجهان: (أحدهما): أنه يخاطبهم بما كان من اعتراف سلفهم بالميثاق وقبوله وشهودهم الوحي الذي نزل به على موسى  .

و(ثانيهما): أن المراد الحاضرون أنفسهم، أي أنكم أيها المخاطبون بالقرآن قد أقررتم بهذا الميثاق وتعتقدونه في قلوبكم، ولا تنكرونه بألسنتكم، بل تشهدون به و تعلنونه، فالحجة ناهضة عليكم به.

ثم بعد بيان هذا الميثاق وتسجيله عليهم بأنهم يعرفونه لا ينكرون منه شيئًا ذكر نقضهم إياه فقال ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ  ﴾ الحاضرون الشاهدون المشاهدون ﴿ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ  ﴾ أي يقتل بعضكم بعضًا كما كان يفعل من قبلكم مع اعترافكم بأن الميثاق مأخوذ عليكم كما كان مأخوذًا عليهم: كان بنو قينقاع من اليهود أعداء بني قريظة، إخوانهم في الدين، وكان الأولون حلفاء الأوس، والآخرون منع بني النضير حلفاء الخزرج ثم افترقوا فبقي بنو النضير مع الخزرج وحالف بنو قريظة الأوس، وكان الأوس والخزرج قبل الإسلام أعداء، وكانوا يقتتلون ومع كل حلفاؤه، فهذا ما احتج الله تعالى على بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم في عصر التنزيل.

ويتبع هذا القتال الأسر، ومن لوازمه الإخراج من الديار ولذلك قال ﴿ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ  ﴾ والتظاهر التعاون وتظاهرون أصله تتظاهرون كما قرأ الجمهور، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بحذف إحدى التائين للتخفيف وهو مقيس مشهور.

كان كل فريق من اليهود يظاهر حلفاءه من العرب ويعاونهم على إخوانه من اليهود بالإثم كالقتل والسلب، وبالعدوان كالإخراج من الديار.

ومن مثارات العجب أنهم كانوا إذا اتفقوا على فداء الأسرى يفدي كل فريق من اليهود أسرى أبناء جنسه وإن كانوا من أعدائه ويعتذرون عن هذا بأنهم مأمورون في الكتاب بفداء أسرى شعب إسرائيل.

فإن كانوا مستمسكين بالكتاب فلم قاتلوا شعب إسرائيل وأخرجوهم من ديارهم وهم منهيون عن ذلك في الكتاب؟

هذا لعب بالكتاب واستهزاء بالدين ولذلك قال تعالى ﴿ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ  ﴾ بعد أن كنتم أسرتموهم وأخرجتموهم بالتظاهر عليهم مع العرب ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ  ﴾ بميثاق أغلظ من طلب مفاداتهم ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ  ﴾ وهو فداء الأسرى ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ  ﴾ آخر منه وهو النهي عن القتل والإخراج؟

أليس من الحماقة والهزء والسخرية أن يدعي مدع مثل هذا الإيمان بأهون الأمور مع الكفر بأعظمها؟

والإيمان لا يتجزأ فالكفر بالبعض كالكفر بالكل.

وفي التعبير عن المخالفة والمعصية بالكفر دليل على ما سبق بيانه في معنى قوله تعالى ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ  ﴾ فالقرآن يصرح هنا وفي آيات كثيرة بأن من يقدم على الذنب لا تضطرب نفسه قبل إصابته، ولا يتألم ويندم بعد وقوعه فيرجع إلى الله تعالى تائبًا، بل يسترسل فيه بلا مبالاة بنهي الله تعالى عنه وتحريمه له، فهو كافر به، لأن المؤمن بان هذا شيء حرمه الله تعالى، المصدق بأنه من أسباب سخطه وموجبات عقوبته، لا يمكن أن لا يكون لإيمان قلبه أثر في نفسه، فإن من الضروريات أن لكل اعتقاد أثرًا في النفس، ولكل أثر في النفس تأثيرًا في الأعمال.

وهذا هو الوجه في الأحاديث الصحيحة الناطقة بأنه "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر شاربها وهو مؤمن".

سمى الله الذنب ههنا كفرًا لما تقدم وتوعد عليه بوعيد الكفر فقال ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  ﴾ إلخ أوعدهم الله تعالى كما أوعد من قبلهم ومن بعدهم بأنهم يعاقبون على نقض ميثاق الدين الذي يجمعهم، والشريعة التي هي مناط وحدتهم، ورباط جنسيتهم، بالخزي العاجل، والعذاب الآجل، وقد دل المعقول، وشهد الوجود، بأنه ما من أمة فسقت عن أمر ربها، واعتدت حدود شريعتها، إلا وانتكث فتلها، وتفرق شملها، ونزل بها الذل والهوان، وهو الخزي المراد في القرآن، وهذه هي سنة الخليقة ذكرها ليعتبر بها من صرفته الغفلة عنها.

وأما العذاب الأجل الذي عبر عنه بقوله ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ َ  ﴾ فهو على كونه من عالم الغيب معقول المعنى، وهاد إلى حكمة عليا، ذلك أن النفوس البشرية إذا سحل مريرها، واختلت بفساد الأخلاق أمورها، وكثرت في هذا العالم شرورها، حتى سلبت ما أعده الله تعالى لمن حافظوا على الحقيقة، واستقاموا على الطريقة، تكون جديرة بأن تسلب في الآخرة ما أعده الله تعالى للأرواح العالية، وما وعد به أصحاب النفوس الزاكية، فإن سعادة الدار الدنيا لم تكن أجرًا على أعمال بدنية، لا تتعلق بصلاح النفس في خلق ولا نية، وإنما هي ثمرة تزكية النفس، التي يتوسل إليها بعمل الحس، فلذا كان هذا شأن سعادة الدنيا فكيف يكون نعيم الآخرة جزاء حركات جسدية، وهي الدار التي تغلب فيها الروحانية ؟؟؟

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا  قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا  وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا  ﴾ .

ثم أكد الله تعالى ذلك الوعيد الشديد وبين سببه بقوله ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ  ﴾ أي جعلوا حظوظهم من الحياة الدنيا بدلًا من الآخرة بما فرطوا في جنب الله وأهملوا من شريعته حتى لم يتبعوا منها إلا ما يوافق أهواءهم ولا يعارض شهواتهم كالحمية التي حملت كل حليف على الانتصار لمحالفه المشرك ومظاهرته إياه على قومه الذين تجمعه بهم رابطة الدين والنسب ﴿ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ  ﴾ لأن علته ذاتية فيهم وهي ظلمة أرواحهم وفساد أخلاقهم ﴿ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ بشفاعة شافع أو ولاية ولي من دون الله ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ  ﴾ ؟

وأنى يأذن بالشفاعة لمن سجلت عليهم الشقاء أعمالهم بإحاطة الخطايا بهم من كل جانب، حتى أخذت عليهم طريق الرحمة، وقطعت عليهم باختيارهم سبيل الرضوان الإلهي؟

فمن الجهل إهمالهم الأمر والنهي، ونقضهم ميثاق الله تعالى في أهم ما واثقهم به، واعتمادهم مع هذا كله على الشفعاء ﴿ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  ﴾ .

ومن مباحث الألفاظ في قوله ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ أن الضمير للشأن عند المفسر والجماهير.

وإن المعهود في كلام العرب أن الجملة التي تقضي الحال فيها بتقدم الاسم وتأخر الفعل أو ما يشتق منه لا بد أن تصدر بضمير تعتمد عليه ولهذا شواهد في كلام البلغاء يتفق فيها ذوقهم وإن اختلف النحاة في إعرابها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله