الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٨٥ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 149 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ) قال محمد بن إسحاق بن يسار : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس : ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) الآية ، قال : أنبهم الله من فعلهم ، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم وافترض عليهم فيها فداء أسراهم ، فكانوا فريقين : طائفة منهم بنو قينقاع وإنهم حلفاء الخزرج ، والنضير ، وقريظة وإنهم حلفاء الأوس ، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج ، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس ، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه ، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم ، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم .
والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان ، ولا يعرفون جنة ولا نارا ، ولا بعثا ولا قيامة ، ولا كتابا ، ولا حلالا ولا حراما ، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم ، تصديقا لما في التوراة ، وأخذا به ; بعضهم من بعض ، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس ، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم ، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم ، مظاهرة لأهل الشرك عليهم .
يقول الله تعالى ذكره حيث أنبهم بذلك : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) أي : يفاديه بحكم التوراة ويقتله ، وفي حكم التوراة ألا يفعل ، ولا يخرج من داره ، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ، ويعبد الأوثان من دونه ، ابتغاء عرض الدنيا .
ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة .
وقال أسباط عن السدي : كانت قريظة حلفاء الأوس ، وكانت النضير حلفاء الخزرج ، فكانوا يقتتلون في حرب سمير ، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءهم ، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها ، ويغلبونهم ، فيخربون ديارهم ، ويخرجونهم منها ، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما ، جمعوا له حتى يفدوه .
فتعيرهم العرب بذلك ، ويقولون : كيف تقاتلونهم وتفدونهم ؟
قالوا : إنا أمرنا أن نفديهم ، وحرم علينا قتالهم ، قالوا : فلم تقاتلونهم ؟
قالوا : إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا .
فذلك حين عيرهم الله ، فقال : ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ) وقال شعبة ، عن السدي : نزلت هذه الآية في قيس بن الخطيم : ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ) وقال أسباط ، عن السدي ، عن عبد خير ، قال : غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بلنجر فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة ، فلما مر برأس الجالوت نزل به ، فقال له عبد الله : يا رأس الجالوت ، هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك ، تشتريها مني ؟
قال : نعم .
قال : أخذتها بسبعمائة درهم .
قال : فإني أربحك سبعمائة أخرى .
قال : فإني قد حلفت ألا أنقصها من أربعة آلاف .
قال : لا حاجة لي فيها ، قال : والله لتشترينها مني ، أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه .
قال : ادن مني ، فدنا منه ، فقرأ في أذنه التي في التوراة : إنك لا تجد مملوكا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته ( وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ) قال : أنت عبد الله بن سلام ؟
قال : نعم .
قال : فجاء بأربعة آلاف ، فأخذ عبد الله ألفين ، ورد عليه ألفين .
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره : حدثنا أبو جعفر يعني الرازي ، حدثنا الربيع بن أنس ، أخبرنا أبو العالية : أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة ، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليها العرب ، ولا يفادي من وقع عليها العرب ، فقال عبد الله بن سلام : أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن .
والذي أرشدت إليه الآية الكريمة ، وهذا السياق ، ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها ، ومخالفة شرعها ، مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة ، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها ولا على نقلها ، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته ، ومبعثه ومخرجه ، ومهاجره ، وغير ذلك من شئونه ، التي قد أخبرت بها الأنبياء قبله .
واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم ، ولهذا قال تعالى ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ) أي : بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره ( ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ) جزاء على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم ( وما الله بغافل عما تعملون)
القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ قال أبو جعفر: ويتجه في قوله: (ثم أنتم هؤلاء) وجهان.
أحدهما أن يكون أريد به: ثم أنتم يا هؤلاء, فترك " يا " استغناء بدلالة الكلام عليه, كما قال: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا [ يوسف: 29]، وتأويله: يا يوسف أعرض عن هذا.
فيكون معنى الكلام حينئذ: ثم أنتم يا معشر يهود بني إسرائيل - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم: لا تسفكون دماءكم، ولا تخرجون أنفسكم &; 2-304 &; من دياركم, ثم أقررتم = بعد شهادتكم على أنفسكم = (8) بأن ذلك حق لي عليكم، لازم لكم الوفاء لي به - تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، متعاونين عليهم، في إخراجكم إياهم، بالإثم والعدوان.
(9) * * * والتعاون هو " التظاهر ".
وإنما قيل للتعاون " التظاهر ", (10) لتقوية بعضهم ظهر بعض.
فهو " تفاعل " من " الظهر ", وهو مساندة بعضهم ظهره إلى ظهر بعض.
* * * والوجه الآخر: أن يكون معناه: ثم أنتم قوم تقتلون أنفسكم.
فيرجع إلى الخبر عن " أنتم ".
وقد اعترض بينهم وبين الخبر عنهم " بهؤلاء ", كما تقول العرب: " أنا ذا أقوم, وأنا هذا أجلس ", (11) وإذْ قيل: " أنا هذا أجلس " كان صحيحا جائزا كذلك: أنت ذاك تقوم ".
وقد زعم بعض البصريين أن قوله " هؤلاء " في قوله: (ثم أنتم هؤلاء)، تنبيه وتوكيد لـ " أنتم ".
وزعم أن " أنتم " وإن كانت كناية أسماء جماع المخاطبين, فإنما جاز أن يؤكدوا بـ " هؤلاء " و " أولاء ", (12) لأنها كناية عن المخاطبين, كما قال خفاف بن ندبة: أقـول لـه والـرمح يَـأطر متنـه : تبيــن خُفافــا إننــي أنـا ذلكـا (13) يريد: أنا هذا، وكما قال جل ثناؤه: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ &; 2-305 &; بِهِمْ [ يونس: 22] * * * ثم اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية، نحو اختلافهم فيمن عَني بقوله: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ .
* ذكر اختلاف المختلفين في ذلك: 1471 - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان) إلى أهل الشرك، (14) حتى تسفكوا دماءهم معهم, وتخرجوهم من ديارهم معهم.
(15) قال: أنبهم الله [على ذلك] من فعلهم, (16) وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم, وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم من بني قينقاع حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة حلفاء الأوس.
فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج, وخرجت النضير وقريظة مع الأوس, يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة، يعرفون منها ما عليهم وما لهم.
والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، (17) لا يعرفون جنة ولا نارا, ولا بعثا ولا قيامة, ولا كتابا, ولا حراما ولا حلالا فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم, تصديقا لما في التوراة، وأخذا به، بعضهم من بعض.
يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس, &; 2-306 &; وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم, ويطلون ما أصابوا من الدماء، (18) وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، (19) مظاهرة لأهل الشرك عليهم.
يقول الله تعالى ذكره، حين أنبهم بذلك: (20) أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، أي تفادونه بحكم التوراة وتقتلونه - وفي حكم التوراة أن لا يقتل، ولا يخرج من داره، (21) ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه - ابتغاء عرض من عرض الدنيا.
ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -فيما بلغني- نـزلت هذه القصة.
(22) 1472 - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ قال: إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة: أن لا يقتل بعضهم بعضا, وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام ثمنه، فأعتقوه.
(23) فكانت قريظة حلفاء الأوس, والنضير حلفاء الخزرج, فكانوا يقتتلون في حرب سُمير.
(24) فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها، النضير وحلفاءها.
وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها، فيغلبونهم, فيخربون بيوتهم، ويخرجونهم منها.
فإذا أسر الرجل من الفريقين كليهما، جمعوا له حتى &; 2-307 &; يفدوه, فتعيرهم العرب بذلك, ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟
قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم.
قالوا: فلم تقاتلونهم؟
قالوا: إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا.
فذلك حين عيرهم جل وعز فقال: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان).
1473 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كانت قريظة والنضير أخوين, وكانوا بهذه المثابة, (25) وكان الكتاب بأيديهم.
وكانت الأوس والخزرج أخوين فافترقا, وافترقت قريظة والنضير, فكانت النضير مع الخزرج, وكانت قريظة مع الأوس، فاقتتلوا.
وكان بعضهم يقتل بعضا, فقال الله جل ثناؤه: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم) الآية.
* * * وقال آخرون بما:- 1474 - حدثني به المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قال: كان في بني إسرائيل: إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم.
وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم.
* * * قال أبو جعفر: وأما " العدوان " فهو " الفعلان " من " التعدي", يقال منه: " عدا فلان في كذا عدوا وعدوانا, واعتدى يعتدي اعتداء ", وذلك إذا جاوز حده ظلما وبغيا.
* * * وقد اختلف الْقَرَأَة في قراءة: (تظاهرون) .
(26) فقرأها بعضهم: " تظاهرون " على مثال " تفاعلون " فحذف التاء الزائدة وهي التاء الآخرة.
وقرأها آخرون: &; 2-308 &; (تظَّاهرون), فشدد، بتأويل: (تتظاهرون), غير أنهم أدغموا التاء الثانية في الظاء، لتقارب مخرجيهما، فصيروهما ظاء مشددة.
وهاتان القراءتان، وإن اختلفت ألفاظهما، فإنهما متفقتا المعنى.
فسواء بأي ذلك قرأ القارئ، لأنهما جميعا لغتان معروفتان، وقراءتان مستفيضتان في أمصار الإسلام بمعنى واحد، ليس في إحداهما معنى تستحق به اختيارها على الأخرى، إلا أن يختار مختار " تظاهرون " المشددة طلبا منه تتمة الكلمة.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم) اليهود.
يوبخهم بذلك, ويعرفهم به قبيح أفعالهم التي كانوا يفعلونها، فقال لهم: ثم أنتم - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم: أن لا تسفكوا دماءكم، ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم - تقتلون أنفسكم = يعني به: يقتل بعضكم بعضا = وأنتم، مع قتلكم من تقتلون منكم، إذا وجدتم الأسير منكم في أيدي غيركم من أعدائكم، تفدونه، (27) ويخرج بعضكم بعضا من دياره.
وقتلكم إياهم وإخراجكموهم من ديارهم، حرام عليكم، وتركهم أسرى في أيدي عدوكم [حرام عليكم], (28) فكيف تستجيزون قتلهم، ولا تستجيزون ترك فدائهم من عدوهم؟
أم كيف لا تستجيزون ترك فدائهم، وتستجيزون قتلهم؟
وهما جميعا في اللازم لكم من الحكم فيهم - سواء.
(29) لأن الذي حرمت عليكم &; 2-309 &; من قتلهم وإخراجهم من دورهم، نظير الذي حرمت عليكم من تركهم أسرى في أيدي عدوهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب - الذي فرضت عليكم فيه فرائضي، وبينت لكم فيه حدودي، وأخذت عليكم بالعمل بما فيه ميثاقي - فتصدقون به, فتفادون أسراكم من أيدي عدوكم; وتكفرون ببعضه، فتجحدونه، فتقتلون من حرمت عليكم قتله من أهل دينكم ومن قومكم, وتخرجونهم من ديارهم؟
وقد علمتم أن الكفر منكم ببعضه نقض منكم عهدي وميثاقي؟
كما:- 1475 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تَفْدُوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، [أفتؤمنون ببعض الكتاب فادين، وتكفرون ببعض قاتلين ومخرجين]؟
(30) والله إن فداءهم لإيمان، وإن إخراجهم لكفر.
فكانوا يخرجونهم من ديارهم, وإذا رأوهم أسارى في أيدي عدوهم أفتكوهم.
1476 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير، أو عن عكرمة, عن ابن عباس: (وإن يأتوكم أسارى تَفْدوهم)، قد علمتم أن ذلكم عليكم في دينكم,(وهو محرم عليكم) في كتابكم (إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، أتفادونهم مؤمنين بذلك, وتخرجونهم كفرا بذلك.
1477 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وإن يأتوكم أسارى تفدوهم) يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك؟
&; 2-310 &; 1478 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر قال، قال أبو جعفر: كان قتادة يقول في قوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، فكان إخراجهم كفرا، وفداؤهم إيمانا.
1479 - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ الآية, قال: كان في بني إسرائيل: إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم, وقد أخذ عليهم الميثاق: أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم, وأخذ عليهم الميثاق: إن أسر بعضهم أن يفادوهم.
فأخرجوهم من ديارهم، ثم فادوهم، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض.
آمنوا بالفداء ففدوا, وكفروا بالإخراج من الديار فأخرجوا.
1480 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر قال، حدثنا الربيع بن أنس قال، أخبرني أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب، ولا يفادي من وقع عليه العرب, فقال له عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك: أن فادوهن كلهن.
1481 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، قال: كفرهم القتل والإخراج, وإيمانهم الفداء.
قال ابن جريج: يقول: إذا كانوا عندكم تقتلونهم وتخرجونهم من ديارهم، وأما إذا أسروا تفدونهم؟
(31) وبلغني أن عمر بن الخطاب قال في قصة بني إسرائيل: إن بني إسرائيل قد مضوا، وإنكم أنتم تعنون بهذا الحديث.
* * * قال أبو جعفر: واختلف الْقَرَأَة (32) في قراءة قوله: (وإن يأتوكم أسارى تفدوهم).
&; 2-311 &; فقرأه بعضهم: (أسرى تَفْدوهم), وبعضهم: (أُسارى تُفادوهم), وبعضهم (أُسارى تَفدوهم), وبعضهم: (أسرى تفادوهم).
* * * قال أبو جعفر: فمن قرأ ذلك: (وإن يأتوكم أسرى), فإنه أراد جمع " الأسير ", إذ كان على " فعيل "، على مثال جمع أسماء ذوي العاهات التي يأتي واحدها على تقدير " فعيل ", إذ كان " الأسر " شبيه المعنى - في الأذى والمكروه الداخل على الأسير - ببعض معاني العاهات، وألحق جمع المستلحق به بجمع ما وصفنا, فقيل: أسير وأسرى ", كما قيل: " مريض ومرضى، وكسير وكَسرى, وجريح وجرحى ".
* * * وقال أبو جعفر: وأما الذين قرءوا ذلك: (أُسارى)، فإنهم أخرجوه على مخرج جمع " فَعلان "، إذ كان جمع " فَعلان " الذي له " فَعلى " قد يشارك جمع " فعيل " كما قالوا: " سَكارى وسَكرى، وكَسالى وكَسلى "، فشبهوا " أسيرا " - وجمعوه مرة " أسارى "، وأخرى " أسرى " - بذلك .
* * * وكان بعضهم يزعم أن معنى " الأسرى " مخالف معنى " الأسارى ", ويزعم أن معنى " الأسرى " استئسار القوم بغير أسر من المستأسِر لهم, وأن معنى " الأسارى " معنى مصير القوم المأسورين في أيدي الآسرين بأسرهم وأخذهم قهرا وغلبة.
قال أبو جعفر: وذلك ما لا وجه له يفهم في لغة أحد من العرب.
ولكن ذلك على ما وصفت من جمع " الأسير " مرة على " فَعلى " لما بينت من العلة, ومرة على " فُعالى "، لما ذكرت: من تشبيههم جمعه بجمع " سكران وكسلان " وما أشبه ذلك.
* * * وأولى بالصواب في ذلك قراءة من قرأ (وإن يأتوكم أسرى)، لأن " فعالى " في جمع " فعيل " غير مستفيض في كلام العرب، فإذ كان ذلك غير مستفيض في كلامهم, وكان مستفيضا فاشيا فيهم جمع ما كان من الصفات - التي بمعنى &; 2-312 &; الآلام والزمانة - وواحده على تقدير " فعيل "، على " فعلى "، كالذي وصفنا قبل, وكان أحد ذلك " الأسير "، كان الواجب أن يلحق بنظائره وأشكاله، فيجمع جمعها دون غيرها ممن خالفها.
* * * وأما من قرأ: (تفادوهم)، فإنه أراد: أنكم تفدونهم من أسرهم, ويفدي منكم - الذين أسروهم ففادوكم بهم - أسراكم منهم.
* * * وأما من قرأ ذلك (تفدوهم)، فإنه أراد: إنكم يا معشر اليهود، إن أتاكم الذين أخرجتموهم منكم من ديارهم أسرى فديتموهم فاستنقذتموهم.
وهذه القراءة أعجب إلي من الأولى - أعني: (أسرى تفادوهم) - (33) لأن الذي على اليهود في دينهم فداء أسراهم بكل حال، فدى الآسرون أسراهم منهم أم لم يفدوهم.
* * * وأما قوله: (وهو محرم عليكم إخراجهم)، فإن في قوله: (وهو) وجهين من التأويل.
أحدهما: أن يكون كناية عن الإخراج الذي تقدم ذكره.
كأنه قال: وتخرجون فريقا منكم من ديارهم, وإخراجهم محرم عليكم.
ثم كرر " الإخراج " الذي بعد " وهو محرم عليكم " تكريرا على " هو ", لما حال بين " الإخراج " و " هو " كلام.
والتأويل الثاني: أن يكون عمادا، لمّا كانت " الواو " التي مع " هو " تقتضي اسما يليها دون الفعل.
(34) فلما قدم الفعل قبل الاسم - الذي تقتضيه " الواو " أن يليها - أُولِيَتْ " هو "، لأنه اسم, كما تقول: " أتيتك وهو قائم أبوك ", بمعنى: " وأبوك قائم ", إذ كانت " الواو " تقتضي اسما، فعمدت بـ " هو ", إذ سبق الفعل الاسم ليصلح الكلام.
(35) كما قال الشاعر: &; 2-313 &; فــأبلغ أبــا يحـيى إذا مـا لقيتـه عـلى العيس فـي آباطهـا عَرَق يَبْسُ (36) بـــأن السُّلامِيَّ الــذي بِضَــرِيَّة أمـيرَ الحـمى, قد باع حَقِّي بني عبسِ (37) بثــوب ودينــار وشــاة ودرهـم فهـل هـو مرفـوع بمـا ههنـا رَأْسُ (38) فأوليت " هل "" هو " لطلبها الاسم العماد.
(39) * * * &; 2-314 &; القول في تأويل قوله تعالى : فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم): فليس لمن قتل منكم قتيلا = فكفر بقتله إياه، بنقض عهد الله الذي حكم به عليه في التوراة - وأخرج منكم فريقا من ديارهم مظاهرا عليهم أعداءهم من أهل الشرك ظلما وعدوانا وخلافا لما أمره الله به في كتابه الذي أنـزله إلى موسى = جزاء - يعني" بالجزاء ": الثواب، وهو العوض مما فعل من ذلك والأجر عليه - (40) إلا خزي في الحياة الدنيا.
و " الخزي": الذل والصغار, يقال منه: " خزي الرجل يخزى خزيا "، (في الحياة الدنيا)، يعني: في عاجل الدنيا قبل الآخرة.
* * * ثم اختلف في الخزي الذي أخزاهم الله بما سلف من معصيتهم إياه.
فقال بعضهم: ذلك هو حكم الله الذي أنـزله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: من أخذ القاتل بمن قتل، والقود به قصاصا, والانتقام للمظلوم من الظالم.
* * * وقال آخرون: بل ذلك، هو أخذ الجزية منهم ما أقاموا على دينهم، ذلة لهم وصغارا.
* * * وقال آخرون: بل ذلك الخزي الذي جوزوا به في الدنيا: إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم النضير من ديارهم لأول الحشر, وقتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم، فكان ذلك خزيا في الدنيا, ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
&; 2-315 &; * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب): ويوم تقوم الساعة يرد من يفعل ذلك منكم - بعد الخزي الذي يحل به في الدنيا جزاء على معصية الله - إلى أشد العذاب الذي أعد الله لأعدائه.
* * * وقد قال بعضهم: معنى ذلك: ويوم القيامة يردون إلى أشد من عذاب الدنيا.
(41) ولا معنى لقول قائل ذلك.
(42) ذلك بأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنهم يردون إلى أشد معاني العذاب، ولذلك أدخل فيه " الألف واللام ", لأنه عنى به جنس العذاب كله، دون نوع منه.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) قال أبو جعفر: اختلف الْقَرَأَة في قراءة ذلك.
فقرأه بعضهم: (وما الله بغافل عما يعملون) بـ " الياء "، على وجه الإخبار عنهم, فكأنهم نحوا بقراءتهم معنى: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون)، يعني: عما يعمله الذين أخبر الله عنهم أنه ليس لهم جزاء على فعلهم إلا الخزي في الحياة الدنيا, ومرجعهم في الآخرة إلى أشد العذاب.
* * * وقرأه آخرون: (وما الله بغافل عما تعملون) بـ " التاء " على وجه المخاطبة.
&; 2-316 &; قال: فكأنهم نحوا بقراءتهم: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ .
وما الله بغافل، يا معشر اليهود، عما تعملون أنتم.
* * * وأعجب القراءتين إلي قراءة من قرأ بـ " الياء "، اتباعا لقوله: فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ ، ولقوله: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ .
لأن قوله: (وما الله بغافل عما يعملون) إلى ذلك، أقرب منه إلى قوله: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، فاتباعه الأقرب إليه، أولى من إلحاقه بالأبعد منه.
والوجه الآخر غير بعيد من الصواب.
* * * وتأويل قوله: " وما الله بغافل عما يعملون " ، (43) وما الله بساه عن أعمالهم الخبيثة, بل هو محص لها وحافظها عليهم حتى يجازيهم بها في الآخرة، ويخزيهم في الدنيا، فيذلهم ويفضحهم.
(44) ----------------- الهوامش : (8) في المطبوعة : "ثم أقررتم وبعد شهادتكم .
.
" والواو لا مكان لها هنا .
(9) في المطبوعة"متعاونين عليه في إخراجكم .
.
" ، وهذا سهو .
(10) في المطبوعة : " وإنما قيل التعاون التظاهر .
.
" وهذا لا شيء .
(11) في المطبوعة : "ولوقيل .
أنا هذا أجلس" .
والصواب ما أثبت .
(12) في المطبوعة : "وأولى" ، وهو خطأ .
ويعني قوله تعالى في سورة آل عمران : 119 : "ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم" ، وقوله تعالى في سورة طه : 84 : " قال هم أولاء على أثرى" .
(13) مضى تخريجه فيما سلف 1 : 227 .
(14) في تفسير ابن كثير 1 : 223 ، والدر المنثور 1 : 86 : "أي أهل الشرك" ، والصواب ما في الطبري ، وقوله : "إلى أهل الشرك" ، أي تخرجون فريقا منكم - إلى أهل الشرك .
(15) في المطبوعة : "فقال أنبهم" ، والأجود حذفها .
(16) ما بين القوسين زيادة لا بد منها .
وأما ابن كثير في تفسيره 1 : 223 فكتب : "أنبأهم الله بذلك من فعلهم" ، وهو تحريف .
(17) في المطبوعة : "أهل الشرك" ، والصواب في سيرة ابن هشام 2 : 188 ، وابن كثير 1 : 224 .
(18) طل دمه وأطله : أهدره وأبطله .
(19) في المطبوعة : "وقتلوا من قتلوا .
.
" ، والصواب من ابن هشام 2 : 189 .
(20) في المطبوعة : "أنباهم بذلك" ، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام 2 : 189 ، وسترى ذلك في تفسير الآية نفسها بعد .
(21) في المطبوعة : "من ذلك" ، وهو محض خطأ .
(22) هذه الجملة الأخيرة من كلام ابن إسحاق ، لا من كلام ابن عباس .
(23) في المطبوعة : "بما قدم يمينه فأعتقوه" .
وهو كلام من السقم بمكان .
يقال : قامت الأمة مئة دينار ، أي بلغت قيمتها مئة دينار .
ويقال : كم قامت أمتك؟
أي كم بلغت؟
ووجدتها في تفسير البغوي على الصواب : "بما قام من ثمنه" 1 : 224 (بهامش تفسير ابن كثير) .
(24) حرب سُمير .
كانت في الجاهلية بين الأوس والخزرج .
وسُمير رجل من بني عمرو بن عوف .
وانظر خبر هذه الحرب في الأغاني 3 : 18 : 26 .
(25) المثابة : يعني المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والمثابة المنزل ، لأن أهله يتصرفون في أمورهم ثم يثوبون إليه ، يرجعون إليه .
وقال الله تعالى : "وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا" (26) في المطبوعة : "وقد اختلف القراء" ، ورددتها إلى منهج الطبري .
(27) في المطبوعة : "تفدوهم" ، خطأ .
(28) الزيادة بين القوسين لا معدى عنها لاستقامة الكلام .
(29) في المطبوعة : "وهم جميعا" ، والصواب ما أثبت .
(30) كان في المطبوعة : " .
.
وتكفرون ببعض فادين والله إن فداء لإيمان" ، وهو كلام مضطرب فزدت ما بين القوسين استظهارا ، حتى يستقيم الكلام .
(31) في المطبوعة : "تفدوهم" ، خطأ .
(32) في المطبوعة : "واختلف القراء" ، ورددته إلى نهج أبي جعفر .
(33) في المطبوعة : "أسرى تفدوهم" ، وهو غير الصواب ، فيما اختاره أبو جعفر من القراءة .
(34) العماد ، هو ما اصطلح عليه البصريون بقولهم : "ضمير الفصل" ، ويسمى أيضًا : "دعامة" ، "صفة" .
وأراد بقوله : "الفعل" هنا : المشتق الذي يعمل فيما بعده عمل الفعل .
وسيتبين مراده في العبارات الآتية .
(35) قد استوفى هذا كله الفراء في معاني القرآن 1 : 50 - 52 .
(36) سيأتي الشطر الثاني من البيت الأخير في 11: 34، 17: 73 ولم أجد الشعر في غير معاني القرآن للفراء 1: 52، ولم أعرف قائله.
والعيس: إبل بيض يخالطها شقرة يسيرة، وهي من كرائم الإبل.
ويبس يابس.
قد يبس العرق في آباطها من طول الرحلة.
(37) السلامي : يعني رجلا كان - فيما أرجح - مصدقا وعاملا على الزكاة ، وأميرا على حمى ضرية ، ولست أعرف نسبته ، أهي قبيلة أم إلى بلد .
وحمى ضرية : في نجد ، على طريق البصرة إلى مكة ، وهي إلى مكة أقرب ، وهي أرض طيبة مذكورة في شعرهم .
وفي البيت إقواء .
(38) سيأتي الشطر الثاني بعد قليل : 374 قوله : "بثوب" ، متعلق بقوله آنفًا "باع" .
يقول : أخذ هذه الرشى التي عددها من بني عبس ، فأسلم إليهم حقي .
وقوله : "فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس" يقوله لأبي يحيى الذي ذكره ، ويقول : فهل نجد ناصرا ينصرنا وياخذ لناحقنا ، فنرفع رؤوسنا بعد ما نزل بنا من الضيم .
وهذه كلمة يقولونها في مثل ذلك .
قال الراعي (طبقات فحول الشعراء : 442) : فــإن رفعـت بهـم رأسـا نَعَشْـتُهم وإن لَقُـوا مثلهـا فـي قـابل فسـدوا وقال أعرابي : فتـى مثـل ضوء الشمس, ليس بباخل بخــير, ولا مهــد ملامـا لبـاخل ولا نــاطق عـوراء تـؤذى جليسـه ولا رافــع رأســا بعـوراء قـائل وجاءت هذه الكلمة في (باب فضل من علم وعلم) من حديث أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (البخاري 1 : 23) : "فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به ، فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" .
(39) في المطبوعة : "فأوليت هل لطلبها" ، وزيادة"هو" لا بد منها .
(40) انظر ما سلف 2 : 27 - 28 من هذا الجزء .
(41) في المطبوعة : "إلى أشد العذاب من عذاب الدنيا" ، والصواب حذف"العذاب" .
(42) في المطبوعة : "ولا معنىلقول ذلك بأن .
.
" والصواب زيادة"ذلك" .
(43) في المطبوعة : "وتأويل قوله : وما الله بساه" ، لم يذكر الآية ، والصواب إثباتها .
(44) مضى تفسير معنى"الغفلة" فيما سلف من هذا الجزء 2 : 244
قوله تعالى : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرونقوله تعالى : ثم أنتم هؤلاء أنتم في موضع رفع بالابتداء ، ولا يعرب ; لأنه مضمر .
وضمت التاء من أنتم لأنها كانت مفتوحة إذا خاطبت واحدا مذكرا ، ومكسورة إذا خاطبت واحدة مؤنثة ، فلما ثنيت أو جمعت لم يبق إلا الضمة .
( هؤلاء ) قال القتبي : التقدير يا هؤلاء .
[ ص: 21 ] قال النحاس : هذا خطأ على قول سيبويه ، ولا يجوز هذا أقبل .
وقال الزجاج : هؤلاء بمعنى الذين .وتقتلون داخل في الصلة ، أي ثم أنتم الذين تقتلون .
وقيل : هؤلاء رفع بالابتداء ، وأنتم خبر مقدم ، وتقتلون حال من أولاء .
وقيل : هؤلاء نصب بإضمار أعني .
وقرأ الزهري " تقتلون " بضم التاء مشددا ، وكذلك " فلم تقتلون أنبياء الله " .
وهذه الآية خطاب للمواجهين لا يحتمل رده إلى الأسلاف .
نزلت في بني قينقاع وقريظة والنضير من اليهود ، وكانت بنو قينقاع أعداء قريظة ، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع ، والخزرج حلفاء بني قريظة .
والنضير والأوس والخزرج إخوان ، وقريظة والنضير أيضا إخوان ، ثم افترقوا فكانوا يقتتلون ، ثم يرتفع الحرب فيفدون أسراهم ، فعيرهم الله بذلك فقال : وإن يأتوكم أسارى تفادوهم .قوله تعالى : تظاهرون عليهم معنى تظاهرون تتعاونون ، مشتق من الظهر ; لأن بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر ، ومنه قول الشاعر :تظاهرتم أستاه بيت تجمعت على واحد لا زلتم قرن واحدوالإثم : الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم .
والعدوان : الإفراط في الظلم والتجاوز فيه .
وقرأ أهل المدينة وأهل مكة " تظاهرون " بالتشديد ، يدغمون التاء في الظاء لقربها منها ، والأصل تتظاهرون .
وقرأ الكوفيون تظاهرون مخففا ، حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها ، وكذا وإن تظاهرا عليه .
وقرأ قتادة " تظهرون عليهم " وكله راجع إلى معنى التعاون ، ومنه : وكان الكافر على ربه ظهيرا وقوله : والملائكة بعد ذلك ظهير فاعلمه .قوله تعالى : وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهمفيه ست مسائل : الأولى : قوله تعالى : وإن يأتوكم أسارى شرط وجوابه : تفادوهم وأسارى نصب على الحال .
قال أبو عبيد وكان أبو عمرو يقول : ما صار في أيديهم فهم الأسارى ، وما جاء مستأسرا فهم الأسرى .
ولا يعرف أهل اللغة ما قال أبو عمرو ، إنما هو كما تقول : سكارى وسكرى .
وقراءة الجماعة أسارى ما عدا حمزة فإنه قرأ " أسرى " على فعلى ، جمع أسير [ ص: 22 ] بمعنى مأسور ، والباب - في تكسيره إذا كان كذلك - فعلى ، كما تقول : قتيل وقتلى ، وجريح وجرحى .
قال أبو حاتم : ولا يجوز أسارى .
وقال الزجاج : يقال أسارى كما يقال سكارى ، وفعالى هو الأصل ، وفعالى داخلة عليها .
وحكي عن محمد بن يزيد قال : يقال أسير وأسراء ، كظريف وظرفاء .
قال ابن فارس : يقال في جمع أسير أسرى وأسارى ، وقرئ بهما .
وقيل : أسارى ( بفتح الهمزة ) وليست بالعالية .الثانية : الأسير مشتق من الإسار ، وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا ; لأنه يشد وثاقه ، والعرب تقول : قد أسر قتبه ، أي شده ، ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر ، وقال الأعشى :وقيدني الشعر في بيته كما قيد الآسرات الحماراأي أنا في بيته ، يريد بذلك بلوغه النهاية فيه .
فأما الأسر في قوله عز وجل : وشددنا أسرهم فهو الخلق .
وأسرة الرجل رهطه ; لأنه يتقوى بهم .الثالثة : تفادوهم كذا قرأ نافع وحمزة والكسائي .
والباقون " تفدوهم " من الفداء .
والفداء : طلب الفدية في الأسير الذي في أيديهم .
قال الجوهري : " الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر ، وإذا فتح فهو مقصور ، يقال : قم فدى لك أبي .
ومن العرب من يكسر " فداء " بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة ، فيقول : فداء لك ، لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء .
وأنشد الأصمعي للنابغة :مهلا فداء لك الأقوام كلهم وما أثمر من مال ومن ولدويقال : فداه وفاداه إذا أعطى فداءه فأنقذه .
وفداه بنفسه ، وفداه يفديه إذا قال : جعلت فداك .
وتفادوا ، أي فدى بعضهم بعضا " .
والفدية والفدى والفداء كله بمعنى واحد .
وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئا ، بمعنى فديت ، ومنه قول العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : فاديت نفسي وفاديت عقيلا .
وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر ، تقول : فديت نفسي بمالي وفاديته بمالي ، قال الشاعر : [ ص: 23 ]قفي فادي أسيرك إن قومي وقومك ما أرى لهم اجتماعاالرابعة : قوله تعالى : وهو محرم عليكم إخراجهم هو مبتدأ وهو كناية عن الإخراج ، ومحرم خبره ، وإخراجهم بدل من هو وإن شئت كان كناية عن الحديث والقصة ، والجملة التي بعده خبره ، أي والأمر محرم عليكم إخراجهم .
فإخراجهم مبتدأ ثان .
ومحرم خبره ، والجملة خبر عن هو ، وفي " محرم " ضمير ما لم يسم فاعله يعود على الإخراج .
ويجوز أن يكون محرم مبتدأ ، وإخراجهم مفعول ما لم يسم فاعله يسد مسد خبر " محرم " ، والجملة خبر عن هو .
وزعم الفراء أن هو عماد ، وهذا عند البصريين خطأ لا معنى له ; لأن العماد لا يكون في أول الكلام .
ويقرأ " وهو " بسكون الهاء لثقل الضمة ، كما قال الشاعر :فهو لا تنمي رميته ماله لا عد من نفرهوكذلك إن جئت باللام وثم ، وقد تقدم .
قال علماؤنا : كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود : ترك القتل ، وترك الإخراج ، وترك المظاهرة ، وفداء أساراهم ، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء ، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال : أفتؤمنون ببعض الكتاب وهو التوراة وتكفرون ببعض !
!قلت : ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض !
ليت بالمسلمين ، بل بالكافرين !
حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !
.قال علماؤنا : فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد .
قال ابن خويز منداد : تضمنت الآية وجوب فك الأسرى ، وبذلك وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى وأمر بفكهم ، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع .
ويجب فك الأسارى من بيت المال ، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين ، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين .
وسيأتي .الخامسة : قوله تعالى : فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ابتداء وخبر .
والخزي الهوان .
قال الجوهري : وخزي - بالكسر - يخزى خزيا إذا ذل وهان .
قال ابن السكيت : وقع في بلية .
وأخزاه الله ، وخزي أيضا يخزى خزاية إذا استحيا ، فهو خزيان .
وقوم خزايا وامرأة خزيا .السادسة : قوله تعالى : ويوم القيامة يردون يردون بالياء قراءة العامة ، وقرأ الحسن " تردون " بالتاء على الخطاب .
إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون تقدم القول فيه وكذلك أولئك الذين اشتروا الآية فلا معنى لإعادته .
يوم منصوب ب يردون
تفسير الآيات من 84 ال 85 وهذا الفعل المذكور في هذه الآية, فعل للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مشركين, وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية، فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود, بنو قريظة, وبنو النضير, وبنو قينقاع، فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة.
فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود, فيقتل اليهودي اليهودي, ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها, وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا.
والأمور الثلاثة كلها قد فرضت عليهم، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض, ولا يخرج بعضهم بعضا، وإذا وجدوا أسيرا منهم, وجب عليهم فداؤه، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين, فأنكر الله عليهم ذلك فقال: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ } وهو فداء الأسير { وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } وهو القتل والإخراج.
وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان، قال تعالى: { فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } وقد وقع ذلك فأخزاهم الله, وسلط رسوله عليهم, فقتل من قتل, وسبى من سبى منهم, وأجلى من أجلى.
{ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ } أي: أعظمه { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }.
قوله عز وجل: {ثم أنتم هؤلاء} يعني: يا هؤلاء، وهؤلاء للتنبيه.
{تقتلون أنفسكم} أي (يقتل) بعضكم بعضاً.
{وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم} بتشديد الظاء أي تتظاهرون أدغمت التاء في الظاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الظاء فحذفوا تاء التفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله تعالى: {ولا تعاونوا} معناهما جميعاً: تتعاونون، والظهير: العون.
{بالإثم والعدوان} المعصية والظلم.
{وإن يأتوكم أسارى} وقرأ حمزة: أسرى، وهما جمع أسير، ومعناهما واحد.
{تفادوهم} بالمال وتنقذوهم.
وقرأ أهل المدينة وعاصم والكسائي ويعقوب ( تفادوهم ) أي تبادلوهم.
أراد: مفاداة الأسير بالأسير، وقيل: معنى القراءتين واحد.
ومعنى الآية قال السدي: "إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، وكانوا يقتتلون في حرب سمير فيقاتل بنو قريظة وحلفاؤهم وبنو النضير وحلفاؤهم وإذا غلبوا أخربوا ديارهم وأخرجوهم منها، وإذا أَسَر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه وإن كان الأسير من عدوهم، فتُعَيِّرهم الأعراب وتقول: كيف تقاتلونهم وتفدونهم قالوا: إنا أُمِرنا أن نفديهم، فيقولون: فلم تقاتلونهم؟
قالوا: إنا نستحيي أن يستذل حلفاؤنا".
فعيَّرهم الله تعالى بذلك فقال: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} وفي الآية تقديم وتأخير ونظمها (وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان).
{وهو محرم عليكم إخراجهم} وإن يأتوكم أسارى تفادوهم، فكأن الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتال، وترك الإخراج، وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن الكل إلا الفداء.
قال الله تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} قال مجاهد: "يقول إن وجدته في يد غيرك فديته وأنت تقتله بيدك.
{فما جزاء من يفعل ذلك منكم} يا معشر اليهود.
{إلا خزي} عذاب وهوان.
{في الحياة الدنيا} فكان خزي قريظة القتل والسبي، وخزي النضير الجلاء والنفي من منازلهم إلى أذرعات وأريحاء من الشام.
{ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} وهو عذاب النار.
{وما الله بغافل عما تعملون} قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر بالياء، والباقون بالتاء.
«ثم أنتم» يا «هؤلاء تقتلون أنفسكم» بقتل بعضكم بعضا «وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تَظَّاهَرُونَ» فيه إدغام التاء في الأصل في الظاء، وفي قراءة بالتخفيف على حذفها تتعاونون «عليهم بالإثم» بالمعصية «والعدوان» الظلم «وإن يأتوكم أسارى» وفي قراءة أسرى «تَفْدُوهُمْ» وفي قراءة «تُفَادُوهُمْ» تنقذوهم من الأسر بالمال أو غيره وهو مما عهد إليهم «وهو» أي الشأن «محرَّم عليكم إخراجهم» متصل بقوله وتخرجون والجملة بينهما اعتراض: أي كما حرم ترك الفداء، وكانت قريظةُ حالفوا الأوسَ، والنضيرُ الخزرجَ فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه ويخرب ديارهم ويخرجهم فإذا أسروا فدوهم، وكانوا إذا سئلوا لم تقاتلونهم وتفدونهم؟
قالوا أمرنا بالفداء فيقال فَلِمَ تقاتلونهم؟
فيقولون حياء أن تستذل حلفاؤنا.
قال تعالى: «أفتؤمنون ببعض الكتاب» وهو الفداء «وتكفرون ببعض» وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة «فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ» هوان وذلّ «في الحياة الدنيا» وقد خزوا بقتل قريظة ونفي النضير إلى الشام وضرب الجزية «ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافلِ عما يعملون» بالياء والتاء.
ثم أنتم يا هؤلاء يقتل بعضكم بعضًا، ويُخرج بعضكم بعضًا من ديارهم، ويَتَقَوَّى كل فريق منكم على إخوانه بالأعداء بغيًا وعدوانًا.
وأن يأتوكم أسارى في يد الأعداء سعيتم في تحريرهم من الأسر، بدفع الفدية، مع أنه محرم عليكم إخراجهم من ديارهم.
ما أقبح ما تفعلون حين تؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعضها!
فليس جزاء مَن يفعل ذلك منكم إلا ذُلا وفضيحة في الدنيا.
ويوم القيامة يردُّهم الله إلى أفظع العذاب في النار.
وما الله بغافل عما تعملون.
لقد بين القرآن الكريم بعد ذلك بأنهم نقضوا عهودهم ، وارتكبوا ما نهوا عن ارتكابه ، فقال تعالى : ( ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ .
.
.
) أي : ثم أنتم - يا معشر اليهود - بعد اعترافكم بالميثاق ، والتزامكم به ، نقضتم عهودكم ، وارتكبتم في حق إخوانكم ما نهيتم عنه ، من القتل والإِخراج ، وفعلتم ما لا يليق بالعقلاء ، ومن يحترم المواثيق .ولما كان قتل بعضهم لبعض ، وإخراجهم من أماكنهم يحتاج إلى قوة وغلبة ، بين - سبحانه - أنهم يرتكبون ذلك وهم متعاونون عليه بالشرور ومجازوة الحدود ، فقال تعالى : ( تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ ) تظاهرون : من التظاهر وهو التعاون ، وأصله من الظهر ، كأن المتعاونين يسند كل واحد منهم ظهره إلى الآخر .
والمعنى : تتعاونون على قتل إخوانكم وإخراجهم من ديارهم مع من ليسوا من أقاربكم وليسوا من دينكم ، وأنتم مرتكبون ذلك الإِثم والعدوان .وقوله تعالى : ( وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ) بيان لتناقضهم وتفريقهم لأحكام الله تعالى .وأُسارى - جمع أسير بمعنى مأسور ، وهو من يؤخذ على سبيل القهر فيشد بالإِسار وهو القد - بكسر القاف - ، والقد : سير يقلد من جلد غير مدبوغ .
وتفادوهم : تنقذوهم من الأسر بالفداء ، يقال : فاداه وفداه : أعطى فداءه فأنقذه .أي : أنتم - يا معشر اليهود - إن وجدتم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم أسرى تسعون في فكاكهم ، وتبذلون عرضاً لإِطلاقهم ، والشأن أن قتلهم وإخراجهم محرم عليكم كتركهم أسرى في أيدي أعدائكم ، فلماذا لم تتبعوا حكم التوراة في النهي عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم حكمها في مفاداتهم؟وصدرت الجملة الكريمة " وهو محرم عليكم إخراجهم " بضمير الشأن للاهتمام بها .والعناية بشأنها ، وإظهاهر أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم ، وليس خافياً عليهم .وقوله تعالى : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) توبيخ وتقريع لهم على تفريقهم بين أحكام الله .والمعنى : أفتتبعون أحكام كتابكم في فداء الأسرى ، ولا تتبعونها في نهيكم عن قتال إخوانكم وإخراجهم من ديارهم؟
فالاستفهام للإِنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكامه - تعالى - بالإِيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر .وبعض الكتاب الذي آمنوا به هو ما حرم عليهم من ترك الأسرى في الأيدي عدوهم ، وبعضه الذي كفروا به ما حرم عليهم من القتل والإِخراج من الديار ، فالإِنكار منصب على جمعهم بين الكفر والإِيمان .قال فضيلة المرحوم للشيخ محمد الخضر حسين : " وإنما سمى - سبحانه - عصيانهم بالقتل والإِخراج من الديار كفراً؛ لأن من عصى أمر الله - تعالى - بحكم عملي معتقداً أن الحكمة والصلاح فيما فعله ، بحيث يتعاطاه دون أن يكون في قلبه أثر من التحرج ، ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما ارتكب .
فقد خرج بهذه الحالة النفسية عن سبيل المؤمنين ، وفي الآية الكريمة دليل واضح على أن الذي يؤمن ببعض ما تقرر في الدين بالدليل القاطع ويكفر ببعضه ، يدخل في زمرة الكافرين لأن الإِيمان كل لا يتجزأ " .ثم بين - سبحانه - العقاب الدنيوي والأخرى الذي استحقه أولئك المفرقون لأحكمه فقال تعالى : ( فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) .اسم الإِشارة ( ذلك ) مشار به إلى القتل والإِخراج من الديار ، اللذين نقضوا بهما عهد الله بغياً وكفراً والخزي في الدنيا هو الهوان والمقت والعقوبة ومن مظاهره : ما لحق اليهود بعد تلك الحروب من المذلة بإجلاء بني فينقاع والنضير عن ديارهم ، وقتل بني قريظة وفتح خيبر ، وما لحقهم بعد ذلك من هوان وصغار ، وتلك سنة الله في كل أمة لا تتمسك بدينها ولا تربط شئونها بأحكام شريعتها وآدابها .ولما كان البعض قد يتوهم أن خزيهم في الدنيا قد يكون سبباً في تخفيف العذاب عنهم في الأخرى ، نفى - سبحانه - هذا التوهم ، وبين أنهم يوم القيامة سيصيرون إلى ما هو أشد منه .لأن الله - تعالى - ليس ساهياً عن أعمالهم حتى يترك مجازاتهم عليها .فالمراد من نفي الغفلة نفي ما يتسبب عنها من ترك المجازاة لهم على شرورهم .وفي ذلك دليل على أن الله - تعالى - يعاقب الحائدين عن طريقه المستقيم ، بعقوبات في الدنيا ، وفي الآخرة ، جزاء طغيانهم ، وإصرارهم على السيئات .
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء ﴾ ففيه إشكال لأن قوله: ﴿ أَنتُمْ ﴾ للحاضرين و ﴿ هَؤُلاء ﴾ للغائبين فكيف يكون الحاضر نفس الغائب، وجوابه من وجوه، أحدها: تقديره ثم أنتم يا هؤلاء.
وثانيها: تقديره ثم أنتم أعني هؤلاء الحاضرين.
وثالثها: أنه بمعنى الذي وصلته تقتلون وموضع تقتلون رفع إذا كان خبراً ولا موضع له إذا كان صلة.
قال الزجاج: ومثله في الصلة قوله تعالى: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى ﴾ يعني وما تلك التي بيمينك.
ورابعها: هؤلاء تأكيد لأنتم، والخبر تقتلون، وأما قوله تعالى: ﴿ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ فقد ذكرنا فيه الوجوه، وأصحها أن المراد يقتل بعضكم بعضاً، وقتل البعض للبعض قد يقال فيه إنه قتل للنفس إذ كان الكل بمنزلة النفس الواحدة وبينا المراد بالإخراج من الديار ما هو.
أما قوله تعالى: ﴿ تظاهرون علَيْهِم بالإثم والعدوان ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي تظاهرون بتخفيف الظاء، والباقون بالتشديد فوجه التخفيف الحذف لإحدى التاءين كقوله: ﴿ وَلاَ تَعَاوَنُواْ ﴾ ووجه التشديد إدغام التاء في الظاء، كقوله تعالى: ﴿ اثاقلتم ﴾ والحذف أخف والادغام أدل على الأصل.
المسألة الثانية: اعلم أن التظاهر هو التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة بين الله تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان.
المسألة الثالثة: الآية تدل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة، فإن قيل: أليس أن الله تعالى لما أقدر الظالم على الظلم وأزال العوائق والموانع وسلط عليه الشهوة الداعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحة لوجب أن لا يوجد ذلك من الله تعالى، والجواب: أنه تعالى وإن مكن الظالم من ذلك فقد زجره عن الظلم بالتهديد والزجر، بخلاف المعين للظالم على ظلمه فإنه يرغبه فيه ويحسنه في عينه ويدعوه إليه فظهر الفرق.
المسألة الرابعة: الآية لا تدل على أن قدر ذنب المعين مثل قدر ذنب المباشر، بل الدليل دل على أنه دونه لأن الإعانة لو حصلت بدون المباشرة لما أثرت في حصول الظلم ولو حصلت المباشرة بدون الإعانة لحصل الضرر والظلم، فعلمنا أن المباشرة أدخل في الحرمة من الإعانة.
أما قوله تعالى: ﴿ وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وعاصم والكسائي: (أسارى تفادوهم) بالألف فيهما، وقرأ حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون: أسارى بالألف وتفدوهم بغير ألف والأسرى جمع أسير كجريح وجرحى، وفي أسارى قولان: أحدهما: أنه جمع أسرى كسكرى وسكارى، والثاني: جمع أسير، وفرق أبو عمرو بين الأسرى والأسارى، وقال: الأسارى الذين في وثاق، والأسرى الذين في اليد، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة، وأنكر ثعلب ذلك، وقال علي بن عيسى: الاختيار أسارى بالألف لأن عليه أكثر الأئمة ولأنه أدل على معنى الجمع إذ كان يقال بكثرة فيه، وهو قليل في الواحد نحو شكاعى ولأنها لغة أهل الحجاز.
المسألة الثانية: تفدوهم وتفادوهم لغتان مشهورتان تفدوهم من الفداء وهو العوض من الشيء صيانة له، يقال: فداه فدية وتفادوهم من المفاداة.
المسألة الثالثة: جمهور المفسرين قالوا: المراد من قوله: ﴿ تفادوهم ﴾ وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم، وذكر أبو مسلم أنه ضد ذلك، والمراد أنكم مع القتل والإخراج إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال، وإن كان ذلك محرماً عليكم ثم عنده تخرجونه من الأسر، قال أبو مسلم والمفسرون: إنما أتوا من جهة قوله تعالى: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ ، وهذا ضعيف لأن هذا القول راجع إلى ما تقدم من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليهم، والمراد أنه إذا كان في الكتاب الذي معكم نبأ محمد فجحدتموه فقد آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض، وكلا القولين يحتمل لفظ المفاداة لأن الباذل عن الأسير يوصف بأنه فاداه والأخذ منه للتخليص يوصف أيضاً بذلك، إلا أن الذي أجمع المفسرون عليه أقرب، لأن عود قوله: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية أولى من عوده إلى أمور تقدم ذكرها بعد آيات.
المسألة الرابعة: قال بعضهم: الذين أخرجوا والذين فودوا فريق واحد، وذلك أن قريظة والنضير كانا أخوين كالأوس والخزرج، فافترقوا فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس.
فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه، فعيرتهم العرب وقالوا: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا، وقال آخرون: ليس الذين أخرجوهم فودوا ولكنهم قوم آخرون فعابهم الله عليه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ ففي قوله: ﴿ وَهُوَ ﴾ وجهان، الأول: أنه ضمير القصة والشأن كأنه قيل والقصة محرم عليكم إخراجهم.
الثاني: أنه كناية عن الإخراج أعيد ذكره توكيداً لأنه فصل بينهما بكلام فموضعه على هذا رفع كأنه قيل وإخراجهم محرم عليكم، ثم أعيد ذكر إخراجهم مبيناً للأول.
أما قوله: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ فقد اختلف العلماء فيه على وجهين.
أحدهما: أخراجهم كفر، وفداؤهم إيمان، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وابن جريج، ولم يذمهم على الفداء، وإنما ذمهم على المناقضة إذ أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم لا يقال هب أن ذلك الإخراج معصية، فلم سماها كفراً مع أنه ثبت أن العاصي لا يكفر، لأنا نقول لعلهم صرحوا أن ذلك الإخراج غير واجب مع أن صريح التوراة كان دالاً على وجوبه.
وثالثهما: المراد منه التنبيه على أنهم في تمسكهم بنبوة موسى عليه السلام مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الحجة في أمرهما على سواء يجري مجرى طريقة السلف منهم في أن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض والكل في الميثاق سواء.
أما قوله تعالى: ﴿ إلا خزي في الحياة الدنيا ﴾ فأصل الخزي الذل والمقت.
يقال: أخزاه الله، إذا مقته وأبعده، وقيل: أصله الاستحياء، فإذا قيل: أخزاه الله كأنه قيل: أوقعه موقعاً يستحيا منه، وبالجملة فالمراد منه الذم العظيم، واختلفوا في هذا الخزي على وجوه: أحدها: قال الحسن: المراد الجزية والصغار، وهو ضعيف لأنه لا دلالة على أن الجزية كانت ثابتة في شريعتهم، بل إن حملنا الآية على الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم صح هذا الوجه، لأن من جملة الخزي الواقع بأهل الذمة أخذ الجزية منهم.
وثانيها: إخراج بني النضير من ديارهم، وقتل بني قريظة وسبي ذراريهم، وهذا إنما يصح لو حملنا الآية على الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم.
وثالثها: وهو الأولى أن المراد منه الذم العظيم والتحقير البالغ من غير تخصيص ذلك ببعض الوجوه دون بعض والتنكير في قوله: خزي يدل على أن الذم واقع في النهاية العظمى.
أما قوله: ﴿ وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدّ العذاب ﴾ ففيه سؤال وهو أن عذاب الدهرية الذين ينكرون الصانع يجب أن يكون أشد من عذاب اليهود، فكيف قال في حق اليهود: ﴿ يُرَدُّونَ إلى أَشَدّ العذاب ﴾ والجواب: المراد منه أنه أشد من الخزي الحاصل في الدنيا، فلفظ الأشد وإن كان مطلقاً إلا أن المراد أشد من هذه الجهة.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وعاصم بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة، وجه الأول: البناء على أول الكلام، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، ووجه الثاني: البناء على أنه آخر الكلام واختيار الخطاب لأن عليه الأكثر ولأنه أدل على المعنى لتغليب الخطاب على الغيبة إذا اجتمعا.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة، لأن الغفلة إذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع أنه أقدر القادرين وصلت الحقوق لا محالة إلى مستحقيها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ لا يفعل ذلك بعضكم ببعض.
جعل غير الرجل نفسه.
إذا اتصل به أصلاً أو ديناً.
وقيل: إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه، لأنه يقتص منه.
﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ ﴾ بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه ﴿ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ عليها كقولك: فلان مقرّ على نفسه بكذا شاهد عليها.
وقيل: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء ﴾ استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم.
والمعنى ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون، يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرّين تنزيلاً، لتغير الصفة منزلة وتغير الذات، كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به.
وقوله: ﴿ تَقْتُلُونَ ﴾ بيان لقوله: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء ﴾ وقيل: (هؤلاء) موصول بمعنى الذي.
وقرئ: ﴿ تظَّاهرون ﴾ بحذف التاء وإدغامها.
وتتظاهرون بإثباتها وتظهرون بمعنى تتظهرون: أي تتعاونون عليهم.
وقرئ: ﴿ تفدوهم ﴾ ، ﴿ وتفادوهم ﴾ .
﴿ وأسرى ﴾ ، ﴿ وأسارى ﴾ ﴿ وَهُوَ ﴾ ضمير الشأن.
ويجوز أن يكون مبهماً تفسيره ﴿ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب ﴾ أي بالفداء ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ أي بالقتال والإجلاء.
وذلك أنّ قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه.
فعيرتهم العرب وقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم.
فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا.
والخزي: قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير.
وقيل: الجزية.
وإنما ردّ من فعل منهم ذلك إلى أشدّ العذاب، لأن عصيانه أشدّ.
وقرئ: ﴿ يردّون ﴾ ، ﴿ ويعملون ﴾ بالياء والتاء ﴿ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ﴾ عذاب الدنيا بنقصان الجزية، ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم.
وكذلك عذاب الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ ﴾ اسْتِبْعادٌ لِما ارْتَكَبُوهُ بَعْدَ المِيثاقِ والإقْرارِ بِهِ والشَّهادَةِ عَلَيْهِ.
وأنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وهَؤُلاءِ خَبَرُهُ عَلى مَعْنى أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ النّاقِصُونَ، كَقَوْلِكَ: أنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي فَعَلَ كَذا، نَزَّلَ تَغَيُّرَ الصِّفَةِ مَنزِلَةَ تَغَيُّرِ الذّاتِ، وعَدَهم بِاعْتِبارِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ حُضُورًا وبِاعْتِبارِ ما سَيَحْكِي عَنْهم غَيْبًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ ﴾ إمّا حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، أوْ بَيانٌ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ.
وقِيلَ: هَؤُلاءِ تَأْكِيدٌ، والخَبَرُ هو الجُمْلَةُ.
وقِيلَ بِمَعْنى الَّذِينَ والجُمْلَةُ صِلَتُهُ والمَجْمُوعُ هو الخَبَرُ، وقُرِئَ « تُقَتِّلُونَ» عَلى التَّكْثِيرِ.
﴿ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ تَخْرُجُونَ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أوْ كِلَيْهِما.
والتَّظاهُرُ التَّعاوُنُ مِنَ الظَّهْرِ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.
وقُرِئَ بِإظْهارِها، وتُظْهِرُونَ بِمَعْنى تَتَظَهَّرُونَ ﴿ وَإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ ﴾ رُوِيَ أنَّ قُرَيْظَةَ كانُوا حُلَفاءَ الأوْسِ، والنَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، فَإذا اقْتَتَلا عاوَنَ كُلُّ فَرِيقٍ حُلَفاءَهُ في القَتْلِ وتَخْرِيبِ الدِّيارِ وإجْلاءِ أهْلِها، وإذا أُسِرَ أحَدٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ.
وقِيلَ مَعْناهُ إنْ يَأْتُوكم أُسارى في أيْدِي الشَّياطِينِ تَتَصَدَّوْا لِإنْقاذِهِمْ بِالإرْشادِ والوَعْظِ مَعَ تَضْيِيعِكم أنْفُسَكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ « أسْرى» وهو جَمْعُ أسِيرٍ كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وأُسارى جَمْعُهُ كَسَكْرى وسُكارى.
وقِيلَ هو أيْضًا جَمْعُ أسِيرٍ، وكَأنَّهُ شُبِّهَ بِالكَسْلانِ وجَمْعِ جَمْعِهِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ « تَفْدُوهم» ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ ﴾ ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، أوْ مُبْهَمٌ ويُفَسِّرُهُ إخْراجُهُمْ، أوْ راجِعٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ تُخْرِجُونَ مِنَ المَصْدَرِ.
وإخْراجُهم بَدَلٌ أوْ بَيانٌ ﴿ أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي الفِداءَ.
﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ يَعْنِي حُرْمَةَ المُقاتَلَةِ والإجْلاءِ.
﴿ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ كَقَتْلِ قُرَيْظَةَ وسَبْيِهِمْ.
وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى غَيْرِهِمْ.
وأصْلُ الخِزْيِ ذُلٌّ يُسْتَحَيا مِنهُ، ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في كُلٍّ مِنهُما.
﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ ﴾ لِأنَّ عِصْيانَهم أشَدُّ.
﴿ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْوَعِيدِ، أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالمِرْصادِ لا يَغْفُلُ عَنْ أفْعالِهِمْ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ، « تُرَدُّونَ» عَلى الخِطابِ لِقَوْلِهِ ﴿ مِنكُمْ ﴾ .
وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وخَلَفٌ ويَعْقُوبُ « يَعْمَلُونَ» عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِمَن.
<div class="verse-tafsir"
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)
{ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء} استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم واقرارهم وشهادتهم أنتم مبتدأ هؤلاء بمعنى الذين {تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} صلة هؤلاء وهؤلاء مع صلته خبر أنتم {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن ديارهم} غير مراقبين ميثاق الله {تظاهرون علَيْهِم} بالتخفيف كوفي أي تتعاونون وبالتشديد غيرهم فمن خفف فقد حذف احدى التاءين ثم قيل هي الثانية لأن الثقل بها وقيل الأولى ومن شدد قلب التاء الثانية ظاء وأدغم {بالإثم والعدوان} بالمعصية والظلم {وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم} تفدوهم أبو عمرو أسرى تفدوهم مكي وشامي أسرى تفدوهم حمزة أسارى تفادوهم على فدى وفادى بمعنى وأسارى حال وهو جمع أسير وكذلك أسرى والضمير في {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ} للشأن أو هو ضمير مبهم تفسيره {إِخْرَاجُهُمْ
أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب} بفداء الأسرى {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} بالقتال والإجلاء قال السدى أخذ الله عليهم أربعة عهود ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة وفداء الأسير فأعرضوا عن كل ما أمروا به
البقرة (٨٥ _ ٨٨)
إلا الفداء {فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذلك} هو إشارة إلى الإيمان ببعض والكفر ببعض {مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ} فضيحة وهوان {فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب} وهو الذي لا روح فيه ولا فرح أو إلى أشد من عذاب الدنيا {وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} بالياء مكي ونافع وأبو بكر
﴿ ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ نَزَلَتْ كَما في البَحْرِ في بَنِي قَيْنُقاعَ، وبَنِي قُرَيْظَةَ، وبَنِي النَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ، كانَ بَنُو قَيْنُقاعَ أعْداءَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَتِ الأوْسُ حُلَفاءَ بَنِي قَيْنُقاعَ، والخَزْرَجُ حُلَفاءَ بَنِي قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرُ والأوْسُ والخَزْرَجُ إخْوانٌ، وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرُ إخْوانٌ، ثُمَّ افْتَرَقُوا، فَصارَتْ بَنُو النَّضِيرِ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، وبَنُو قُرَيْظَةَ حُلَفاءَ الأوْسِ، فَكانُوا يَقْتَتِلُونَ، ويَقَعُ مِنهم ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، (وثُمَّ) لِلِاسْتِبْعادِ في الوُقُوعِ، لا لِلتَّراخِي في الزَّمانِ، لِأنَّهُ الواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ كَما قِيلَ بِهِ، (وأنْتُمْ) مُبْتَدَأٌ (وهَؤُلاءِ) خَبَرُهُ عَلى مَعْنى: أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ المِيثاقِ والإقْرارِ والشَّهادَةِ هَؤُلاءِ النّاقِضُونَ كَقَوْلِكَ: أنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي فَعَلَ كَذا، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ: ثُمَّ أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ التَّوْكِيدِ في المِيثاقِ نَقَضْتُمُ العَهْدَ، فَتَقْتُلُونَ أنْفُسَكم إلَخْ، أيْ صِفَتُكُمُ الآنَ غَيْرُ الصِّفَةِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها، لَكِنْ أُدْخِلُ (هَؤُلاءِ) وأُوقِعَ خَبَرًا لِيُفِيدَ أنَّ الَّذِي تَغَيَّرَ هو الذّاتُ نَفْسُها نَعْيًا عَلَيْهِمْ لِشِدَّةٍ، وكادَتِ المِيثاقُ، ثُمَّ تَساهُلُهم فِيهِ، وتَغْيِيرُ الذّاتِ فُهِمَ مِن وضْعِ اسْمِ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلذّاتِ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لا مِن جَعْلِ ذاتٍ واحِدٍ في خِطابٍ واحِدٍ مُخاطَبًا وغائِبًا، وإلّا لَفُهِمَ ذَلِكَ مِن نَحْوِ ﴿ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ أيْضًا، وصَحَّ الحَمْلُ مَعَ اعْتِبارِ التَّغَيُّرِ لِأنَّهُ ادِّعائِيٌّ، وفي الحَقِيقَةِ واحِدٌ وعُدُّوا حُضُورًا مُشاهِدِينَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ مِنَ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ سابِقًا وغَيْبًا بِاعْتِبارِ عَدَمِ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِهِمْ، لِما سَيُحْكى عَنْهم مِنَ الأفْعالِ بَعْدُ، لا لِأنَّ المَعاصِيَ تُوجِبُ الغَيْبَةَ عَنْ غَيْرِ الحُضُورِ، إذِ المُناسِبُ حِينَئِذٍ الغَيْبَةُ في (تَقْتُلُونَ)، (وتُخْرِجُونَ)، قالَهُ السّالِيكُوتِيُّ، (وتَقْتُلُونَ) إمّا حالٌ والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، أوْ بَيانٌ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ ﴾ قالُوا كَيْفَ نَحْنُ؟
فَجِيءَ بِتَقْتُلُونَ تَفْسِيرًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تُجْعَلَ مُفَسِّرَةً لَها مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ سُؤالٍ، وذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ وغَيْرُهُ إلى أنَّ (أنْتُمْ) مُبْتَدَأٌ، (وتَقْتُلُونَ) الخَبَرُ، (وهَؤُلاءِ) تَخْصِيصٌ لِلْمُخاطَبِينَ لَمّا نُبِّهُوا عَلى الحالِ الَّتِي هم عَلَيْها مُقِيمُونَ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا بِأعْنِي، وفِيهِ أنَّ النُّحاةَ نَصُّوا عَلى أنَّ التَّخْصِيصَ لا يَكُونُ بِأسْماءِ الإشارَةِ ولا بِالنَّكِرَةِ، والمُسْتَقِرُّ مِن لِسانِ العَرَبِ أنَّهُ يَكُونُ بِأيَّتُها، كاللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ، وبِالمُعَرَّفِ بِاللّامِ كَنَحْنُ العَرَبَ أقْرى النّاسِ لِلضَّيْفِ، أوِ الإضافَةِ، (كَنَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ) وقَدْ يَكُونُ بِالعَلَمِ: كَبِنا تَمِيمًا نَكْشِفُ الضَّبابا.
وأكْثَرَ ما يَأْتِي بَعْدَ ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ، وقَدْ يَجِيءُ بَعْدَ ضَمِيرِ المُخاطَبِ كَبِكَ اللَّهَ نَرْجُو الفَضْلَ، وقِيلَ: هَؤُلاءِ تَأْكِيدٌ لُغَوِيٌّ لِأنْتُمْ، فَهو إمّا بَدَلٌ مِنهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ، وجَعْلُهُ مِنَ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بِالمُرادِفِ تَوَهُّمٌ، والكَلامُ عَلى هَذا خالٍ عَنْ تِلْكَ النُّكْتَةِ، وقِيلَ: هَؤُلاءِ بِمَعْنى الَّذِينَ، والجُمْلَةُ صِلَتُهُ، والمَجْمُوعُ هو الخَبَرُ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، حَيْثُ جَوَّزُوا كَوْنَ جَمِيعِ أسْماءِ الإشارَةِ مَوْصُولَةً، سَواءٌ كانَتْ بَعْدَ (ما) أوْ لا، والبَصْرِيُّونَ يَخُصُّونَهُ إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وهو المُصَحَّحُ عَلى أنَّ الكَلامَ يَصِيرُ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ: أنا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ وهُوَ ضَعِيفٌ كَما قالَهُ الشِّهابُ، وقَرَأ الحَسَنُ (تُقَتِّلُونَ) عَلى التَّكْثِيرِ، وفي تَفْسِيرِ المَهْدَوِيِّ أنَّها قِراءَةُ أبِي نَهِيكٍ، ﴿ وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وضَمِيرُ دِيارِهِمْ لِلْفَرِيقِ، وإيثارُ الغَيْبَةِ مَعَ جَوازِ دِيارِكم كَما في الأوَّلِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ المُرادِ إخْراجَهم مِن دِيارِ المُخاطَبِينَ، مِن حَيْثُ دِيارُهم لا دِيارُ المُخْرَجِينَ، ﴿ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ تُخْرِجُونَ ﴾ أوْ مِن مَفْعُولِهِ، قِيلَ: أوْ مِن كِلَيْهِما، لِأنَّهُ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِ هُما يُبَيِّنُ هَيْئَتَهُما، والمَعْنى عَلى الأوَّلِ تُخْرِجُونَ مُتَظاهِرِينَ عَلَيْهِمْ، وعَلى الثّانِي تُخْرِجُونَ فَرِيقًا مُتَظاهَرًا عَلَيْهِمْ، وعَلى الثّالِثِ تُخْرِجُونَ واقِعًا التَّظاهُرُ مِنهم عَلَيْهِمْ، والتَّظاهُرُ التَّعاوُنُ، وأصْلُهُ مِنَ الظَّهْرِ كَأنَّ المُتَعاوِنِينَ يُسْنِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظَهْرَهُ إلى صاحِبِهِ، والإثْمُ الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ صاحِبُهُ الذَّمَّ واللَّوْمَ، وقِيلَ: ما تَنْفِرُ مِنهُ النَّفْسُ، ولا يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ القَلْبُ، وفي الحَدِيثِ: «(الإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ)» وهو مُتَعَلِّقٌ بِتَظاهَرُونَ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِالإثْمِ، وكَوْنُهُ هُنا مَجازًا عَمّا يُوجِبُهُ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى سَبَبِهِ كَما سُمِّيَتِ الخَمْرُ إثْمًا في قَوْلِهِ: شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي كَذاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بِالعُقُولِ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ داعٍ، والعُدْوانُ تَجاوُزُ الحَدِّ في الظُّلْمِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَظاهَرُونَ) بِتَخْفِيفِ الظّاءِ وأصْلُهُ بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ ثانِيَتُهُما عِنْدَ أبِي حَيّانَ، وأُولاهُما عِنْدَ هاشِمٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّشْدِيدِ، عَلى إدْغامِ التّاءِ في الظّاءِ، وأبُو حَيْوَةَ (تُظاهِرُونَ) بِضَمِّ التّاءِ، وكَسْرِ الهاءِ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما (تَظَّهَّرُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ والظّاءِ والهاءِ مُشَدَّدَتَيْنِ، دُونَ ألِفٍ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو أيْضًا، وبَعْضُهم (تَتَظاهَرُونَ) عَلى الأصْلِ.
﴿ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ ﴾ أيْ تُخْرِجُوهم مِنَ الأسْرِ بِإعْطاءِ الفِداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ (تَفْدُوهُمْ) وعَلَيْهِ حَمْلُ بَعْضِ قِراءَةِ الباقِينَ، إذْ لا مُفاعَلَةَ، وفَرَّقَ جَمْعٌ بَيْنَ فادى وفَدى، بِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ بادَلَ أسِيرًا بِأسِيرٍ، والثّانِي جَمَعَ الفِداءَ، ويُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُ العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (فادَيْتُ نَفْسِي، وفادَيْتُ عَقِيلًا) إذْ مِنَ المَعْلُومِ إنَّهُ ما بادَلَ أسِيرًا بِأسِيرٍ، وقِيلَ: تُفادُوهم بِالعُنْفِ، وتَفْدُوهم بِالصُّلْحِ، وقِيلَ: تُفادُوهم تَطْلُبُوا الفِدْيَةَ مِنَ الأسِيرِ الَّذِي في أيْدِيكم مِن أعْدائِكُمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: قِفِي فادِي أسِيرَكِ إنَّ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمَكِ لا أرى لَهُمُ احْتِفالًا وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ لُغَةً تُطْلِقُونَهم بَعْدَ أنْ تَأْخُذُوا مِنهم شَيْئًا، وأُراهُ هُنا كَسابِقِهِ في غايَةِ البُعْدِ، والقَوْلُ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: وإنْ يَأْتُوكم أُسارى في أيْدِي الشَّياطِينِ تَتَصَدَّوْنَ لِإنْقاذِهِمْ بِالإرْشادِ والوَعْظِ مَعَ تَضْيِيعِكم أنْفُسَكم إلى البُطُونِ أقْرَبُ كَما لا يَخْفى، والأُسارى قِيلَ: جَمْعُ أسِيرٍ بِمَعْنى مَأْسُورٍ، وكَأنَّهم حَمَلُوا أسِيرًا عَلى كَسْلانَ، فَجَمَعُوهُ جَمْعَهُ كَما حَمَلُوا كَسْلانَ عَلَيْهِ، فَقالُوا كَسْلى، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ الأسْرَ مَحْبُوسٌ عَنْ كَثِيرٍ مِن تَصَرُّفِهِ لِلْأسْرِ، والكَسْلانُ مَحْبُوسٌ عَنْ ذَلِكَ لِعادَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجْمُوعٌ كَذا ابْتِداءً مِن غَيْرِ حَمْلٍ كَما قالُوا في قَدِيمٍ قُدامى، وسُمِعَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ولَيْسَتْ بِالعالِيَةِ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ الفَتْحَ هو الأصْلُ والضَّمَّ لِيَزْدادَ قُوَّةً، وقِيلَ: جَمْعُ أسْرى وبِهِ قَرَأ حَمْزَةُ، وهو جَمْعُ أسِيرٍ، كَجَرِيحٍ وجَرْحى، فَيَكُونُ أُسارى جَمْعُ الجَمْعِ، قالَهُ المُفَضَّلُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: الأسْرى مَن في اليَدِ، والأُسارى مَن في الوَثاقِ، ولا أرى فَرْقًا، بَلِ المَأْخُذُونَ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والغَلَبَةِ مُطْلَقًا أسْرى وأُسارى.
﴿ وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ”تُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم“ أوْ مَفْعُولُهُ بَعْدَ اعْتِبارِ التَّقْيِيدِ بِالحالِ السّابِقَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ يَأْتُوكُمْ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما لا مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ تَظاهَرُونَ ﴾ لِأنَّ الإتْيانَ لَمْ يَكُنْ مُقارِنًا لِلْإخْراجِ، وقُيِّدَ الإخْراجُ بِهَذِهِ الحالِ لِإفادَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنِ اسْتِحْقاقٍ ومَعْصِيَةٍ مُوجِبَةٍ لَهُ، وتَخْصِيصُهُ بِالتَّقْيِيدِ دُونَ القَتْلِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ لِكَوْنِهِ أشَدَّ مِنهُ، ﴿ والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ﴾ وقِيلَ: لا بَلْ لِكَوْنِهِ أقَلَّ خَطَرًا بِالنِّسْبَةِ إلى القَتْلِ، فَكانَ مَظِنَّةَ التَّساهُلِ، ولِأنَّ مَساقَ الكَلامِ لِذَمِّهِمْ، وتَوْبِيخِهِمْ عَلى جِناياتِهِمْ، وتَناقُضِ أفْعالِهِمْ، وذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِصُورَةِ الإخْراجِ إذْ لَمْ يُنْقَلُ عَنْهم تَدارُكُ القَتْلى بِشَيْءٍ مِن دِيَةٍ، أوْ قِصاصٍ، وهو السِّرُّ في تَخْصِيصِ التَّظاهُرِ فِيما سَبَقَ، وقِيلَ: النُّكْتَةُ في إعادَةِ تَحْرِيمِ الإخْراجِ، وقَدْ أفادَهُ ﴿ ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ بِأبْلَغِ وجْهٍ، وفي تَخْصِيصِ تَحْرِيمِ الإخْراجِ بِالإعادَةِ دُونَ القَتْلِ أنَّهُمُ امْتَثَلُوا حُكْمًا في بابِ المُخْرَجِ، وهو الفِداءُ، وخالَفُوا حُكْمًا، وهو الإخْراجُ، فَجُمِعَ مَعَ الفِداءِ حُرْمَةُ الإخْراجِ لِيَتَّصِلَ بِهِ، ﴿ أفَتُؤْمِنُونَ ﴾ إلَخْ أشَدَّ اتِّصالٍ، ويَتَّضِحُ كُفْرُهم بِالبَعْضِ، وإيمانُهم بِالبَعْضِ كَمالَ اتِّضاحٍ، حَيْثُ وقَعَ في حَقِّ شَخْصٍ واحِدٍ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وقِيلَ: خَبَرُهُ (مُحَرَّمٌ)، وإخْراجُهم نائِبُ فاعِلٍ، وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ المَهْدَوِيُّ، وإنَّما ارْتَكَبُوهُ لِأنَّ الخَبَرَ المُتَحَمِّلَ ضَمِيرًا مَرْفُوعًا لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلى المُبْتَدَإ، فَلا يُجِيزُونَ (قائِمٌ زَيْدٌ) عَلى أنْ يَكُونَ قائِمٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، والبَصْرِيُّونَ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ، ويُجِيزُونَ هَذا الوَجْهَ لِأنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لا يُخْبَرُ عَنْهُ عِنْدَهم إلّا بِجُمْلَةٍ مُصَرَّحٍ بِجُزْأيْها، وقِيلَ: إنَّهُ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ مُبْتَدَأٌ أيْضًا، (ومُحَرَّمٌ) خَبَرُهُ، (وإخْراجُهُمْ) بَدَلٌ مِنهُ مُفَسِّرٌ لَهُ، وهَذا بِناءً عَلى جَوازِ إبْدالِ الظّاهِرِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ ما يَعُودُ إلَيْهِ، ومِنهم مَن مَنَعَهُ، وأجازَهُ الكِسائِيُّ وقِيلَ: راجِعٌ إلى الإخْراجِ المَفْهُومِ مِن ﴿ تُخْرِجُونَ ﴾ (وإخْراجُهُمْ) عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مِن ضَمِيرِ (مُحَرَّمٌ)، وضُعِّفَ بِأنَّهُ بَعْدَ عَوْدِهِ إلى الإخْراجِ لا وجْهَ لِإبْدالِهِ مِنهُ، ومِنَ الغَرِيبِ ما نُقِلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَ فَصْلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ: وإخْراجُهم هو مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ، فَلَمّا قُدِّمَ خَبَرُ المُبْتَدَإ عَلَيْهِ قُدِّمَ هو مَعَهُ، ولا يُجَوِّزُهُ البَصْرِيُّونَ، لِأنَّ وُقُوعَ الفَصْلِ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ ونَكِرَةٍ لِتَقارُبِ المَعْرِفَةِ لا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ، وتَوَسُّطُهُ بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ أوْ بَيْنَ ما هُما أصْلُهُ شَرْطٌ عِنْدَهم أيْضًا، ولِابْنِ عَطِيَّةَ في هَذا الضَّمِيرِ كَلامٌ يَجِبُ إضْمارُهُ، ﴿ أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ تَقْتُلُونَ ﴾ أوْ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ أتَفْعَلُونَ ما ذُكِرَ فَتُؤْمِنُونَ إلَخْ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّوْبِيخِ عَلى التَّفْرِيقِ بَيْنَ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى، إذِ العَهْدُ كانَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ، تَرْكِ القَتْلِ، وتَرْكِ الإخْراجِ، ومُفاداةِ الأُسارى، فَقَتَلُوا، وأخْرَجُوا عَلى خِلافِ العَهْدِ، وفَدَوْا بِمُقْتَضاهُ، وقِيلَ: المَواثِيقُ أرْبَعَةٌ، فَزِيدَ تَرْكُ المُظاهَرَةِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ مَرَّ عَلى رَأْسِ الجالُوتِ بِالكُوفَةِ، وهو يُفادِي مِنَ النِّساءِ ما لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ العَرَبُ، ولا يُفادِي مَن وقَعَ عَلَيْهِ العَرَبُ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: أما إنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنْ فادُوهُنَّ كُلَّهُنَّ، ورَوى مُحْيِي السُّنَّةِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ أنْ لا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُخْرِجَ بَعْضُهم بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ، وأيُّما عَبْدٍ أوْ أمَةٍ وجَدْتُمُوهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فاشْتَرُوهُ بِما قامَ مِن ثَمَنِهِ فَأعْتِقُوهُ، ولَعَلَّ كُفْرَهم بِما ارْتَكَبُوا لِاعْتِقادِهِمْ عَدَمَ الحُرْمَةِ مَعَ دِلالَةِ صَرِيحِ التَّوْراةِ عَلَيْها، لَكِنْ ما في الكَشّافِ مِن أنَّهُ قِيلَ لَهم: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم ثُمَّ تَفْدُونَهُمْ؟!
فَقالُوا: أُمِرْنا بِالفِداءِ، وحُرِّمَ عَلَيْنا القِتالُ، لَكُنّا نَسْتَحِي مِن حُلَفائِنا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يُنْكِرُونَ حُرْمَةَ القِتالِ، فَإطْلاقُ الكُفْرِ حِينَئِذٍ عَلى فِعْلِ ما حُرِّمَ إمّا لِأنَّهُ كانَ في شَرْعِهِمْ كُفْرًا، أوْ أنَّهُ لِلتَّغْلِيظِ كَما أُطْلِقَ عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ ونَحْوِهِ ذَلِكَ في شَرْعِنا، والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى أتَسْتَعْمِلُونَ البَعْضَ وتَتْرُكُونَ البَعْضَ، فالكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى المَجازِ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا اعْتِبارَ بِهِ، كالقَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالبَعْضِ المُؤْمَنُ بِهِ نُبُوَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والبَعْضَ الآخَرَ نُبُوَّةُ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
﴿ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ الإشارَةُ إلى الكُفْرِ بِبَعْضِ الكِتابِ والإيمانِ بِبَعْضٍ، أوْ إلى ما فَعَلُوهُ مِنَ القَتْلِ والإجْلاءِ مَعَ مُفاداةِ الأُسارى، والجَزاءُ المُقابَلَةُ، ويُطْلَقُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، والخِزْيُ الهَوانُ، والماضِي خَزِيَ بِالكَسْرِ، وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: مَعْنى خَزِيَ وقَعَ في بَلِيَّةٍ، وخَزِيَ الرَّجُلُ خَزايَةً إذا اسْتَحى، وهو خَزْيانُ، وقَوْمٌ خَزايا، وبِهِ هُنا الفَضِيحَةُ والعُقُوبَةُ، أوْ ضَرْبُ الجِزْيَةِ غابِرَ الدَّهْرِ، أوْ غَلَبَةُ العَدُوِّ، أوْ قَتْلُ قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَّضِيرِ مِن مَنازِلِهِمْ إلى أرِيحاءَ وأذْرُعاتٍ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: «(كانَ عادَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ القَتْلَ، وعادَةُ بَنِي النَّضِيرِ الإخْراجَ، فَلَمّا غَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أجْلى بَنِي النَّضِيرِ، وقَتَلَ رِجالَ قُرَيْظَةَ، وأسَرَ نِساءَهم وأطْفالَهُمْ)،» وتَنْكِيرُ الخِزْيِ لِلْإيذانِ بِفَظاعَةِ شَأْنِهِ، وأنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغًا لا يُكْنَهُ كُنْهُهُ، ومِن هُنا لَمْ يَخُصَّهُ بَعْضُهم بِبَعْضِ الوُجُوهِ، وادَّعى أنَّ الأظْهَرَ ذَلِكَ، وجَعَلَ الإشارَةَ إلى الكُفْرِ بِبَعْضِ الكِتابِ والإيمانِ بِبَعْضٍ أيْ بَعْضٍ كانَ، ولِذَلِكَ أفْرَدَها، وحِينَئِذٍ يَتَناوَلُ الكَفَرَةُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَظِيرُهُ مَن يَفْعَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ، والدُّنْيا مَأْخُوذَةٌ مِن دَنا يَدْنُو، وياؤُها مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، ولا يُحْذَفُ مِنها الألِفُ واللّامُ إلّا قَلِيلًا، وخَصَّهُ أبُو حَيّانَ في الشِّعْرِ، (وما) نافِيَةٌ، (ومَن) إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فَلا مَحَلَّ (لِيَفْعَلْ) مِنَ الإعْرابِ، وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُوفَةً فَمَحَلُّهُ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَتُها، (ومِنكُمْ) حالٌ مِن فاعِلِ (يَفْعَلْ)، (وإلّا خِزْيٌ) اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، وقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى المَشْهُورِ، ونُقِلَ عَنْ يُونُسَ إجازَتُهُ في الخَبَرِ بَعْدَ (إلّا) كائِنًا ما كانَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ ما بَعْدَ (إلّا) هو الأوَّلَ في المَعْنى، أوْ مُنَزَّلَ مَنزِلَتَهُ لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلّا الرَّفْعُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ النَّصْبَ فِيما كانَ الثّانِي فِيهِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ وصْفًا أجازَ فِيهِ الفَرّاءُ النَّصْبَ، ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ، وحُكِيَ عَنْهم أنَّهم لا يُجَوِّزُونَ النَّصْبَ في غَيْرِ المَصادِرِ، إلّا أنْ يُعْرَفَ المَعْنى، فَيُضْمَرُ ناصِبٌ حِينَئِذٍ، وتَحْقِيقُهُ في مَحَلِّهِ.
﴿ ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ ﴾ أيْ يَصِيرُونَ إلَيْهِ، فَلا يَلْزَمُ كَيْنُونَتُهم قَبْلَ ذَلِكَ في أشَدِّ العَذابِ، وقَدْ يُرادُ بِالرَّدِّ الرُّجُوعُ إلى ما كانُوا فِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ ﴾ وكَأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ في أشَدِّ العَذابِ أيْضًا، فَرُدُّوا إلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ الخُلُودُ في النّارِ، وأشَدِّيَّتُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا انْقِضاءَ لَهُ، أوِ المُرادُ أشَدُّ جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ، ولَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابِ مَن لَمْ يَفْعَلْ هَذا العِصْيانَ لِأنَّ عِصْيانَهم أشَدُّ مِن عِصْيانِ هَؤُلاءِ، وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، ويَدُلُّ عَلى ما قَرَّرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ ﴾ فَلا يَرُدُّ ما أوْرَدَهُ الإمامُ الرّازِيُّ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ عَذابُ اليَهُودِ أشَدُّ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ المُنْكِرِينَ لِلصّانِعِ، ولا يُفِيدُ ما قِيلَ، لِأنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ إنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وإقْرارِهِمْ، وشَهادَتِهِمْ، إذِ الكافِرُ المُوَحِّدُ كَيْفَ يُقالُ إنَّهُ أشَدُّ عَذابًا مِنَ المُشْرِكِ أوِ النّافِي لِلصّانِعِ؟!
وإنْ كانَ كُفْرُهُ عَنْ عِلْمٍ ومَعْرِفَةٍ، وضَمِيرُ (يُرَدُّونَ) راجِعٌ إلى (مَن) وأُوثِرَ صِيغَةُ الجَمْعِ نَظَرًا إلى مَعْناها بَعْدَ ما أُوثِرَ الإفْرادُ نَظَرًا إلى لَفْظِها، لِما أنَّ الرَّدَّ إنَّما يَكُونُ بِالِاجْتِماعِ، وغَيْرِ السَّبْكِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ مَثَلًا: وأشَدُّ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِلْإيذانِ بِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَ جَزاءَيِ النَّشْأتَيْنِ، وتَقْدِيمُ اليَوْمِ عَلى ذِكْرِ ما يَقَعُ فِيهِ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعِ الحالِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما، وعاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ (تُرَدُّونَ) عَلى الخِطابِ، والجُمْهُورُ عَلى الغَيْبَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ (يُرَدُّونَ) راجِعٌ إلى مَن يَفْعَلُ، فَمَن قَرَأ بِصِيغَةِ الغَيْبَةِ نَظَرَ إلى صِيغَةِ (مَن)، ومَن قَرَأ بِصِيغَةِ الخِطابِ نَظَرَ إلى دُخُولِهِ في (مِنكُمْ) لا أنَّ الضَّمِيرَ حِينَئِذٍ راجِعٌ إلى (كُمْ)، كَما وُهِمَ، ﴿ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ اعْتِراضٌ وتَذْيِيلٌ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ المُسْتَفادِ مِمّا قَبْلَهُ، أيْ إنَّهُ بِالمِرْصادِ، لا يَغْفُلُ عَمّا تَعْمَلُونَ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا المُنْكَرُ، والمُخاطَبُ بِهِ مَن كانَ مُخاطَبًا بِالآيَةِ قَبْلُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ مَضَوْا وأنْتُمْ تُعْنَوْنَ بِهَذا يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وبِما يَجْرِي مَجْراهُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ (يَعْمَلُونَ) بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ (لِمَن)، والباقُونَ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ، <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ، أي إقراركم لاَ تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ، أي بأن لا تسفكوا دماءكم، يعني لا يهرق بعضكم دماء بعض، وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ، أي لا يخرج بعضكم بعضاً مِنْ دِيارِكُمْ.
فجملة ما أخذ عليهم من الميثاق أَلا يعبدوا إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ويقولوا للناس حسناً، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ولا يسفكوا دماءهم، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وأن يفادوا أسراهم.
فذكر المفاداة بعد هذا حيث قال تعالى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ على وجه التقديم والتأخير.
ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، يعني بني قريظة والنضير، يعني أقررتم بهذا كله، وأنتم تشهدون أن هذا في التوراة، فنقضوا العهد فعيّرهم الله تعالى بذلك حيث قال تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، يعني يا هؤلاء ويقال معناه، ثم أنتم هؤلاء يا معشر اليهود تقتلون أنفسكم أي يقتل بعضكم بعضاً، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ، أي بعضكم بعضاً، لأنه كان بين الأوس والخزرج عداوة وكان بنو النضير وقريظة: إحدى القبيلتين كانت معينة للأوس، والأخرى كانت معينة للخزرج، فإذا غلبت إحداهما على الأخرى كانت تقتلهم وتخرجهم من ديارهم.
وفي الآية دليل أن الإخراج من الدار ينزل منزلة القتل، لأن الله تعالى قرن الإخراج من الديار بالقتل حيث قال تعالى: تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ.
تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ، قرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد لأن أصله تتظاهرون، فأدغم إحدى التاءين في الظاء وأقيم التشديد مقامه، معناه: تتعاونون عليهم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ، يعني بالمعصية والظلم.
قال الزجاج: العدوان هو الإفراط في الظلم.
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ، قرأ عاصم والكسائي ونافع أُسارى تُفادُوهُمْ كلاهما بالألف، وقرأ حمزة أسرى تفادوهم بغير ألف فيهما، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر أُسارى تُفادُوهُمْ الأول بالألف والثاني بغير ألف.
وهذا من الميثاق الذي أخذ عليهم بأن يفادوا الأسارى.
وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ هذا انصرف إلى ما سبق ذكره من الإخراج، فكأنه يقول: وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن ديارهم وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ، يعني ذلك الإخراج كان محرماً، ثم بيَّن الإخراج مرة أخرى لتراخي الكلام، فقال وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ.
ثم قال: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، لأنهم كانوا إذا أسروا من غيرهم قتلوا الأسرى ولا يفادوهم، وإن أسر منهم أحد يأخذوهم بالفداء، فهذا معنى قوله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.
فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، أي عقوبة مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ خِزْىٌ فِي الحياة الدنيا، وهو إخراج بني النضير إلى الشام وقتل بني قريظة، وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم.
ثم أخبر بأن الذي أصابهم في الدنيا من الخزي والعقوبة لم يكن كفارة لذنوبهم ولكنهم: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ، أي في الآخرة إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ.
ويقال: الخزي في الدنيا الجزية.
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، أي لا يخفى على الله تعالى من أعمالهم شيء، فيجازون بأعمالهم.
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ، يعني اختاروا الدنيا على الآخرة فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ، أي ليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله تعالى في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
فَقَالَ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا لاَ نَخْلُفُكُمْ» فنزلَتْ هذه الآية «١» .
قال أهل التفسير: العهد في هذه الآية: الميثاقُ والموعد، و «بلى» رد بعد النفْيِ بمنزلة «نَعَمْ» بعد الإِيجاب «٢» ، وقالت طائفة: السيئة هنا الشرك كقوله تعالى: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل: ٩٠] والخَطِيئاتُ: كبائر الذنوب، قال الحسن بن أبي الحسن، والسُّدِّيُّ: كل ما توعد اللَّه عليه بالنار، فهي الخطيئة المحيطَةُ «٣» ، والخلودُ في هذه الآية على الإِطلاق والتأبيد في الكُفَّار، ومستعار بمعنى الطُّول في العُصَاة، وإِن علم انقطاعه.
قال محمَّد بن عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في مختصره للطبريِّ: أجمعتِ الأمَّة على تخليد مَنْ مات كافراً، وتظاهرت الرواياتُ الصحيحةُ عن الرسول صلّى الله عليه وسلم والسلفِ الصالح، بأن عصاة أهل التوحيد لا يخلَّدون في النار، ونطق القرآن ب إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ١١٦] لكن من خاف على لَحْمه ودَمِه، اجتنب كل ما جاء فيه الوعيدُ، ولم يتجاسَرْ على المعاصي اتكالا على ما يرى لنفسه من التوحيد، فقد كان السلف وخيار الأمة يخافُون سلْب الإِيمان على أنفسهم، ويخافون النفاقَ عليها، وقد تظاهرتْ بذلك عنهم الأخبار.
انتهى.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا ...
الآية: يدلُّ هذا التقسيم على أن قوله تعالى:
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ...
الآية في الكفار، لا في العصاة ويدل على ذلك أيضاً قوله:
وَأَحاطَتْ لأن العاصي مؤمنٌ، فلم تحط به خطيئاته ويدل على ذلك أيضاً أن الردَّ كان على كُفَّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النَّارَ لا تَمَسُّهم إلا أياماً معدودةً، فهم المراد بالخلود، والله أعلم.
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)
وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ...
الآية: أخذ اللَّه سبحانه الميثاق عليهم على لسان موسى- عليه السلام- وغيره من أنبيائهم، وأخْذ الميثاق قولٌ، فالمعنى:
قلنا لهم: لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ...
الآية، قال سيبوَيْهِ: «لا تعبدون: متلق لقسم» والمعنى: وإذ استحلفناهم، واللَّهِ/ لا تعبدونَ إلاَّ اللَّه، وفي الإحسان تدخل أنواع برّ ٢٦ ب الوالدين كلُّها، واليُتْم في بَنِي آدمَ: فَقْدُ الأب، وفي البهائم فقد الأمّ، وقال صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ» ، وقيل: هو الذي له بُلْغَةٌ، والآية تتضمَّن الرأفة باليتامى، وحيطة أموالهم، والحضّ على الصدقة، والمواساة، وتفقُّد المساكين.
وقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً: أمر عطف على ما تضمَّنه لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وما بعده، وقرأ حمزة والكسَائِيُّ «١» : «حَسَناً» بفتح الحاء والسين، قال الأخفش «٢» :
وهما بمعنى واحدٍ، وقال الزجَّاج «٣» وغيره: بل المعنى في القراءة الثانية، وقولوا «قَوْلاً حَسَناً» بفتح الحاء والسين، أو قولاً ذا حُسْن بضم الحاء وسكون السين في الأولى قال ابن عبَّاس: معنى الكلام قولُوا للنَّاس: لا إله إلا اللَّه، ومُرُوهم بها «٤» ، وقال ابن جُرَيْجٍ:
قولوا لهم حُسْناً في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمَّد صلّى الله عليه وسلم «٥» ، وقال سفيان الثّوريّ «٦» :
معناه: مروهم بالمَعْروف، وانهوهم عن المُنْكَر «١» ، وقال أبو العالية: قولوا لهم الطيبَ من القول، وحاورُوهم بأحسن ما تُحِبُّونَ أن تحاوروا به «٢» ، وهذا حضٌّ على مكارم الأخلاق، وزكاتُهم هي التي كانوا يَضعُونها، وتنزل النار على ما تقبّل منها، دون ما لم يتقبل.
٢٧ أوقوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ...
الآية: خطابٌ لمعاصري النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أسند إليهم تولّي أسلافهم إِذ هم كلُّهم بتلك السبيل، قال نحوه ابنُ عَبَّاس وغيره «٣» .
والمراد بالقليلِ المستثنى جميعُ مؤمنيهم قديماً من أسلافهم، وحديثاً كابن سَلاَمٍ وغيره، والقِلَّة على هذا هي في عدد الأشخاصِ، ويحتمل أن تكون القِلَّة في الإِيمان، والأول أقوى.
ص «٤» : إِلَّا قَلِيلًا: منصوب على الاستثناء، وهو الأفصح لأنه استثناءٌ من موجب، وروي عن أبي عَمرو «٥» : «إلاَّ قَلِيلٌ» بالرفع، ووجَّهه ابن عطية على بدل قليل من ضمير: «تَوَلَّيتُمْ» على أن معنى «تَوَلَّيْتُم» النفي، أي: لم يف بالميثاق إلا قليل، ورد بمنع النحويِّين البدل من الموجب لأن البدل يحل محلَّ المبدل منه، فلو قلْت: قام إلا زيد، لم يجز لأن «إِلاَّ» لا تدخل في الموجب، وتأويله الإِيجاب بالنفْي يلزم في كل موجب باعتبار نفي ضده أو نقيضه فيجوز إِذَنْ: «قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيْدٌ» على تأويل: «لَمْ يَجْلِسُوا إِلاَّ زَيْدٌ» ولم تبن العَرَب على ذلك كلامها، وإِنما أجازوا: «قام القَوْمُ إِلاَّ زَيْدٌ» بالرفع على الصفة، وقد عقد سيبوَيْه «٦» لذلك بابا في كتابه.
انتهى.
ودِماءَكُمْ: جمع دَمٍ، وهو اسمٌ منقوصٌ.
أصله «دَمَيٌ» وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ
: معناه: ولا ينفي بعضكم بعضاً بالفتنة والبغْي، وكذلك حكم كلّ جماعة تخاطب بهذا اللفظ في القول.
وقوله تعالى: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ، أي: خَلفَاً بعد سَلَف، أن هذا الميثاق أخذ عليكم، وقوله: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ قيل: الخطابُ يُرادُ به من سلف منهم، والمعنى: وأنتم شهود، أي: حُضور أخْذ الميثاق والإِقرار.
وقيل: المراد: من كان في مدة محمّد صلّى الله عليه وسلم والمعنى: وأنتم شهداء، أي: بيِّنةَ أن الميثاق أخذ على أسلافكم، فمنْ بعدهم منْكُمْ.
وقوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ...
الآية: هؤُلاءِ دالَّةٌ على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردًّا إلى الأسلاف، قيل: تقدير الكلام: / يا هؤلاء، فحذف ٢٧ ب حرف النداء، ولا يحسن حذفه عند سيبوَيْه «١» ، مع المبهمات.
وقال الأستاذ الأَجَلُّ أبو الحسن بن أحمد «٢» ...
٢٨ أشيخنا «١» : هؤُلاءِ: رفع بالابتداء، وأَنْتُمْ: خبر، وتَقْتُلُونَ، حال بها تَمَّ المعنى، وهي المقصود.
ص «٢» : قال الشيخ أبو حَيَّان: ما نقله ابن عطية عن شيخه أبي الحسن بن البَادْش من جعله هؤُلاءِ مبتدأ، وأَنْتُمْ خبر مقدَّم، لا أدري ما العلَّة في ذلك، وفي عدوله عن جعل أَنْتُمْ مبتدأ، وهؤُلاءِ الخبر، إلى عكسه.
انتهى.
ت: قيل: العلة في ذلك دخولُ هاء التنبيه عليه لاختصاصها بأول الكلام ويدلُّ على ذلك قولهم: «هَأَنَذَا قَائِماً» ، ولم يقولوا: «أَنَا هَذَا قَائِماً» ، قال معناه ابنُ هِشَامٍ «٣» ، ف «قَائِماً» ، في المثال المتقدِّم نصب على الحال.
انتهى.
وهذه الآية خطابٌ لقُرَيْظة، والنضير، وبني قَيْنُقَاع، وذلك أن النَّضِيرَ وقُرَيْظة حَالَفَت الأوسَ، وبني قَيْنُقَاع حالفتِ الخزرج، فكانوا إِذا وقعتِ الحربُ بين بني قَيْلَة، ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها، فقتل بعضهم بعضاً، وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعا لحكم التوراة، وهم قد خالَفُوها بالقتَالِ، والإِخراج.
والديارُ: مباني الإِقامة، وقال الخليلُ: «مَحَلَّةِ القَوْمِ: دَارُهُمْ» .
ومعنى تَظاهَرُونَ: تتعاونون، والْعُدْوانِ: تجاوز الحدود، والظلم.
وقرأ حمزة «١» : «أسرى تفدوهم» ، وأُسارى: جمع أَسِيرٍ، مأخوذ من الأَسْر، وهو الشَّدُّ، ثم كثر استعماله حتى لزم، وإن لم يكنْ ثَمَّ رَبْطٌ ولا شَدٌّ، وأَسِيرٌ: فَعِيلِ:
بمعنى مفعول، وتُفادُوهُمْ: معناه في اللغة: تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئاً، وقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: يقال: فدى، إِذا أعطى مالاً، وأخذ رجلاً، وفادى، إِذا أعطى رجلاً، وأخذ رجُلاً فتُفْدُوهم: معناه بالمالِ، وتُفَادُوهم، أي: مفادات الأسير بالأسير.
انتهى.
ت: وفي الحديث من قوْل العَبَّاس رضي اللَّه عنه: «فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وعَقِيلاً» ، وظاهره لا فَرْق بينهما.
وقوله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ...
الآية: والذي آمنوا به فداءُ الأسارى، والذي كَفَرُوا به قتْلُ بعضهم بعضاً، وإِخراجُهُمْ من ديارهم، وهذا توبيخٌ لهم وبيانٌ لقبح فعلهم، والخِزْيُ: الفضيحة، والعقوبة، فقيل: خزيهم: ضرْبُ الجزية عليهم غابَر الدهر، وقيل: قتل قريظة، وإِجلاءُ النضير، وقيل: الخزْيُ الذي تتوعَّد به الأمة من الناس هو غلبة العدوّ.
والدُّنْيا: مأخوذةٌ من دَنَا يدْنُو، وأصل الياء فيها واوٌ، ولكن أبدلتْ فرقاً بين الأسماء والصفات، وأَشَدِّ الْعَذابِ: الخلودُ في جهنم.
وقوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ قرأ نافعٌ، وابن كَثِير «٢» بياءٍ على ذِكْر الغائب، فالخطاب بالآية لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم والآية واعظةٌ لهم بالمعنى، إذ اللَّه تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص.
وقرأ الباقون بتاء على الخطاب لمن تقدَّم ذكره في الآية قبل هذا وهو قوله:
أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ ...
الآية، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم فقد رُوِيَ أنَّ عمر بن الخَطَّاب- رضي اللَّه عنه- قال: «إِنَّ بنِي إِسرائيل قد مضَوْا، وأنتم الذين تُعْنَوْنَ بهذا، يا أمة محمّد يريد هذا، وما يجري مجراه «٣» /.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ﴾ أيْ: لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دَمَ بَعْضٍ، ولا يُخْرِجُ بَعْضُكم بَعْضًا مِن دارِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثُمَّ أقْرَرْتُمْ يَوْمَئِذٍ بِالعَهْدِ، وأنْتُمُ اليَوْمُ تَشْهَدُونَ عَلى ذَلِكَ، فالإقْرارُ عَلى هَذا مُتَوَجِّهٌ إلى سَلَفِهِمْ، والشّاهِدَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إلى خَلَفِهِمْ.
﴿ ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ: يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا.
رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ قالَ: كانَتْ قُرَيْظَةُ خُلَفاءَ الأوْسِ، والنَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، فَكانُوا يُقاتِلُونَ في حَرْبِ سَمِيرٍ فَيُقاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ مَعَ حُلَفائِها النَّضِيرَ وحُلَفاءَها، وكانَتْ النَّضِيرُ تُقاتِلُ قُرَيْظَةَ وحُلَفاءَها، فَيَغْلِبُونَهم ويُخَرِّبُونَ الدِّيارَ ويُخْرِجُونَ مِنها، فَإذا أُسِرَ الرَّجُلُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ، فَتُعَيِّرُهُمُ العَرَبُ بِذَلِكَ، فَتَقُولُ: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم وتَفْدُونَهُمْ؟!
فَيَقُولُونَ: أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم، حَرُمَ عَلَيْنا قَتْلُهم.
فَتَقُولُ العَرَبُ: فَلِمَ تُقاتِلُونَهُمْ؟
فَيَقُولُونَ: نَسْتَحْيِي أنْ يَسْتَذِلَّ حُلَفاؤُنا، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ، عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ: <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَما جَزاءُ مِن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ "هَؤُلاءِ" دالَّةٌ عَلى أنَّ المُخاطَبَةَ لِلْحاضِرِينَ لا تَحْتَمِلُ رَدًّا إلى الأسْلافِ، قِيلَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: يا هَؤُلاءِ، فَحَذَفَ حَرْفَ النِداءِ، ولا يَحْسُنُ حَذْفُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَعَ المُبْهَماتِ.
لا تَقُولُ: هَذا أقْبَلُ.
وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ أعْنِي هَؤُلاءِ.
وقِيلَ: هَؤُلاءِ بِمَعْنى الَّذِينَ، فالتَقْدِيرُ ثُمَّ أنْتُمُ الَّذِينَ تَقْتُلُونَ، فـَ "تَقْتُلُونَ" صِلَةٌ لِهَؤُلاءِ ونَحْوِهِ، قالَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرَّغٍ الحَمِيرِيُّ: عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكَ إمارَةٌ نَجَوْتَ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ وقالَ الأُسْتاذُ الأجَلُّ أبُو الحَسَنِ بْنِ أحْمَدَ شَيْخُنا رَضِيَ اللهُ عنهُ: "هَؤُلاءِ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"أنْتُمْ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"تَقْتُلُونَ" حالٌ، بِها تَمَّ المَعْنى، وهي كانَتِ المَقْصُودَ، فَهي غَيْرُ مُسْتَغْنًى عنها، وإنَّما جاءَتْ بَعْدَ أنْ تَمَّ الكَلامُ في المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: هَذا زِيدٌ مُنْطَلِقًا، وأنْتَ قَدْ قَصَدْتَ الإخْبارَ بِانْطِلاقِهِ لا الإخْبارَ بِأنَّ هَذا هو زَيْدٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ لِقُرَيْظَةَ، والنَضِيرِ، وبَنِي قَيْنُقاعَ وذَلِكَ أنَّ النَضِيرَ وقُرَيْظَةَ حالَفَتِ الأوسَ، وبَنِي قَيْنُقاعَ حالَفَتِ الخَزْرَجَ، فَكانُوا إذا وقَعَتِ الحَرْبُ بَيْنَ بَنِي قَيْلَةَ ذَهَبَتْ كُلُّ طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ أحْلافِها، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا وأخْرَجَ بَعْضُهم بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ يَفْدِي بَعْضُهم أسْرى بَعْضٍ اتِّباعًا لِحُكْمِ التَوْراةِ، وهم قَدْ خالَفُوها بِالقِتالِ والإخْراجِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "تُقَتِّلُونَ" بِضَمِّ التاءِ الأُولى، وكَسْرِ الثانِيَةِ وشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، والدِيارُ: مَبانِي الإقامَةِ، وقالَ الخَلِيلُ: مَحَلَّةُ القَوْمِ دارُهُمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "تُظاهِرُونَ" بِتَخْفِيفِ الظاءِ، وهَذا عَلى حَذْفِ التاءِ الثانِيَةِ مِن تَتَظاهَرُونَ، وقَرَأ بَقِيَّةُ السَبْعَةِ "تَظّاهَرُونَ" بِشَدِّ الظاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ في الظاءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "تُظاهِرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الهاءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، "تَظَّهَّرُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وشَدِّ الظاءِ والهاءُ مَفْتُوحَةٌ دُونَ ألِفٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ عن أبِي عَمْرٍو.
ومَعْنى ذَلِكَ عَلى كُلِّ قِراءَةٍ: تَتَعاوَنُونَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الظَهْرِ كَأنَّ المُتَظاهِرِينَ يُسْنِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظَهْرَهُ إلى صاحِبِهِ.
والإثْمُ العَهْدُ الراتِبَةُ عَلى العَبْدِ مِنَ المَعاصِي والمَعْنى بِمُكْتَسَباتِ الإثْمِ، و"العُدْوانِ" تَجاوُزُ الحُدُودِ والظُلْمِ.
وحُسْنُ لَفْظِ الإتْيانِ مِن حَيْثُ هو في مُقابَلَةِ الإخْراجِ فَيَظْهَرُ التَضادُّ المُقَبِّحُ لِفِعْلِهِمْ في الإخْراجِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ "أسْرى تَفْدُوهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أسارى تُفادُوهُمْ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ: "أسارى تَفْدُوهُمْ" وقَرَأ قَوْمٌ: "أسْرى تُفادُوهُمْ".
وأُسارى: جَمْعُ أسِيرٍ والأسِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأُسَرِ وهو الشَدُّ.
سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُؤْسَرُ أيْ يَشُدُّ وِثاقًا، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى لَزِمَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ رَبْطٌ ولا شَدٌّ، وأسِيرٌ فَعِيلَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ولا يُجْمَعُ بِواوٍ ونُونٍ وإنَّما يُكْسَرُ عَلى أسْرى وأسارى، والأقْيَسُ فِيهِ أسْرى، لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ الأصْلُ فِيهِ أنْ يُجْمَعَ عَلى فَعَلى كَقَتْلى وجَرْحى، والأصْلُ في فَعْلانِ أنْ يُجْمَعَ عَلى فَعالى بِفَتْحِ الفاءِ، وفَعالى بِضَمِّها، كَسَكْرانَ وكَسْلانَ وسُكارى وكُسالى.
قالَ سِيبَوَيْهِ: فَقالُوا في جَمْعِ كَسْلانَ: كَسْلى، شَبَّهُوهُ بِأسْرى كَما قالُوا: أُسارى، شَبَّهُوهُ بِكُسالى، ووَجْهُ الشَبَهِ أنَّ الأسْرَ يَدْخُلُ عَلى المَرْءِ مُكْرَهًا كَما يَدْخُلُ الكَسَلُ، وفَعالى إنَّما يَجِيءُ فِيما كَأنَّ آفَةً تَدْخُلُ عَلى المَرْءِ.
و"تُفادُوهُمْ" مَعْناهُ في اللُغَةِ تُطْلِقُونَهم بَعْدَ أنْ تَأْخُذُوا عنهم شَيْئًا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وفادَيْتُ نَفْسِي إذا أطْلَقْتُها بَعْدَ أنْ دَفَعْتُ شَيْئًا، فَعَلى هَذا قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى فَدَيْتُ أيْ دَفَعْتُ فِيهِ مِن مالِ نَفْسِي، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ لِلنَّبِيِّ : «أعْطِنِي فَإنِّي فادَيْتُ نَفْسِي، وفادَيْتُ عَقِيلًا».
وهُما فِعْلانِ يَتَعَدَّيانِ إلى مَفْعُولَيْنِ، الثانِي مِنهُما بِحَرْفِ جَرٍّ، تَقُولُ: فَدَيْتُ زَيْدًا بِمالٍ، وفادَيْتُهُ بِمالٍ، وقالَ قَوْمٌ: هي في قِراءَةٍ تُفادُوهم مُفاعَلَةٌ في أسْرى بِأسْرى، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ فَعَلَ: الأسْرُ دَفَعُ الأسِيرِ، والمَأْسُورُ مِنهُ دَفْعٌ أيْضًا إمّا أسِيرًا وإمّا غَيْرَهُ، والمَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ ﴾ ، قِيلَ في "هُوَ": إنَّهُ ضَمِيرُ الأمْرِ، تَقْدِيرُهُ: والأمْرُ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ، و"إخْراجُهُمْ" في هَذا القَوْلِ بَدَلٌ مِن "هُوَ"، وقِيلَ: "هُوَ" فاصِلَةٌ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، ولَيْسَتْ، هُنا بِالَّتِي هي عِمادٌ و"مُحَرَّمٌ" عَلى هَذا ابْتِداءٌ و"إخْراجُهُمْ" خَبَرُهُ، وقِيلَ: هو الضَمِيرُ المُقَدَّرُ في "مُحَرَّمٌ" قُدِّمَ وأُظْهِرَ، وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الإخْراجِ تَقْدِيرُهُ: وإخْراجُهم مُحَرَّمٌ عَلَيْكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي التَوْراةَ، والَّذِي آمَنُوا بِهِ فِداءٌ الأسارى، والَّذِي كَفَرُوا بِهِ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وإخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ، وهَذا تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وبَيانٌ لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ.
ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلامٍ مَرَّ عَلى رَأْسِ الجالُوتِ بِالكُوفَةِ وهو يُفادِي مِنَ النِساءِ مَن لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ العَرَبُ، ولا يُفادِي مَن وقَعَ عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ ابْنُ سَلامٍ: أما إنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنْ تُفادِيهُنَّ كُلُّهُنَّ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم عَزَّ وجَلَّ.
والخِزْيُ: الفَضِيحَةُ والعُقُوبَةُ يُقالُ: خَزِيَ الرَجُلُ يَخْزى خِزْيًا إذا ذَلَّ مِنَ الفَضِيحَةِ، وخَزِيَ يَخْزى خَزايَةً إذا اسْتَحْيا.
واخْتَلَفَ ما المُرادُ بِالخِزْيِ هاهُنا؟
فَقِيلَ: القَصاصُ فِيمَن قُتِلَ، وقِيلَ: ضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ غابِرَ الدَهْرِ، وقِيلَ: قَتْلُ قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَضِيرِ.
و"الدُنْيا" مَأْخُوذَةٌ مِن دَنا يَدْنُو، وأصْلُ الياءِ فِيها واوٌ، ولَكِنْ أُبْدِلَتْ فَرْقًا بَيْنَ الأسْماءِ والصِفاتِ.
و ﴿ أشَدِّ العَذابِ ﴾ الخُلُودُ في جَهَنَّمَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزٍ "تُرَدُّونَ" بِتاءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما اللهُ بِغافِلٍ ﴾ الآيَةُ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فالخِطابُ بِالآيَةِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، والآيَةُ واعِظَةٌ لَهم بِالمَعْنى إذِ اللهُ تَعالى بِالمِرْصادِ لِكُلِّ كافِرٍ وعاصٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتاءٍ عَلى الخِطابِ المُحْتَمَلِ أنْ يَكُونَ في سَرْدِ الآيَةِ وهو الأظْهَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: "إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ مَضَوْا، وأنْتُمُ الَّذِينَ تَعْنُونَ بِهَذا يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ.
<div class="verse-tafsir"
الواو في قوله: ﴿ وإن يأتوكم أُسارى ﴾ يجوز أن تكون للعطف فهو عطف على قوله: ﴿ تقتلون أنفسكم وتخرجون ﴾ فهو من جملة ما وقع التوبيخ عليه مما نكث فيه العهد وهو وإن لم يتقدم في ذِكر ما أُخذ عليهم العهدُ مَا يدل عليه إلا أنه لما رجع إلى إخراج الناس من ديارهم كان في جملة المنهيات.
ولك أن تجعل الواو للحال من قوله: ﴿ وتخرجون فريقاً ﴾ أي تخرجونهم والحال إن أسرتموهم تفدونهم.
وكيفما قدرت فقوله: ﴿ وهو محرم عليكم إخراجهم ﴾ جملة حالية من قوله: ﴿ يأتوكم ﴾ إما حال من معطوف وإما حال من حال إذ ليس فداء الأسير بمذموم لذاته ولكن ذمه باعتبار ما قارنه من سبب الفداء فحمل التوبيخ هو مجموع المفاداة مع كون الإخراج محرماً وبعد أن قتلوهم وأخرجوهم، فجملة ﴿ وهو محرم عليكم إخراجهم ﴾ حالية من ضمير ﴿ تفادوهم ﴾ .
وصُدرت بضمير الشأن للاهتمام بها وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم وليست معطوفة على قوله: ﴿ وتخرجون فريقاً منكم ﴾ وما بينهما اعتراض لقلة جدواه إذ قد تحقق ذلك بقوله: ﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ .
وفي قوله: ﴿ وهو محرم عليكم إخراجهم ﴾ تشنيع وتبليد لهم إذ توهموا القُربة فيما هو من آثار المعصية أي كيف ترتكبون الجناية وتزعمون أنكم تتقربون بالفداء وإنما الفداء المشروع هو فداء الأسرى من أيدي الأعداء لا من أيديكم فهلا تركتم موجب الفداء؟.
وعندي أن في الآية دلالةً على ترجيح قول إمام الحرمين في أن الخارج من المغصوب ليس آتياً بواجب ولا بحرام ولكنه انقطع عنه تكليف النهي وأن القُربة لا تكون قربة إلا إذا كانت غير ناشئة عن معصية.
والأُسارى بضم الهمزة جمع أسير حَمْلاً له على كَسْلان كما حملوا كسلان على أسير فقالوا: كَسْلَى هذا مذهب سيبويه لأن قياس جمعه أَسرى كقتلى.
وقيل: هو جمع نادر وليس مبنياً على حمل، كما قالوا قدَامى جمع قديم.
وقيل: هو جمعُ جمععٍ فالأسير يجمع على أسرى ثم يجمع أسرى على أُسارى وهو أظهر.
والأسير فَعِيل بمعنى مفعول من أَسَرَه إذا أوثقه وهو فعل مشتق من الاسم الجامد فإن الإسَار هو السَّيْر من الجِلد الذي يوثق به المَسجون والمَوثوق وكانوا يُوثِقون المغولبين في الحرب بسيور من الجِلد، قال النابغة: لم يبقَ غيرُ طريدٍ غيرِ مُنْفَلِت *** أو موثَققٍ في حِباله القدِّ مسلوبِ وقرأ الجمهور (أُسارى)، وقرأه حمزة (أَسْرَى).
وقرأ نافع والكسائي وعاصم ويعقوب ﴿ تفادوهم ﴾ بصيغة المفاعلة المستعملة في المبالغة في الفداء أي تفدوهم فداء حريصاً، فاستعمال فادى هنا مسلوب المفاضلة مثل عافاه الله وقول امرئ القيس: فعادَى عداء بين ثور ونعجة *** دراكاً فلم ينضح بماء فيغسل وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر وخلف ﴿ تفدوهم ﴾ بفتح الفوقية وإسكان الفاء دون ألف بعد الفاء.
والمحرم الممنوع ومادة حرم في كلام العرب للمنع، والحرام الممنوع منعاً شديداً أو الممنوع منعاً من قبل الدين، ولذلك قالوا: الأشهر الحرم وشهر المحرم.
وقوله: ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ﴾ استفهام إنكاري توبيخي أي كيف تعمدتم مخالفة التوراة في قتال إخوانكم واتبعتموها في فداء أسراهم، وسمي الاتباع والإعراض إيماناً وكفراً على طريقة الاستعارة لتشويه المشبه وللإنذار بأن تعمد المخالفة للكتاب قد تفضي بصاحبها إلى الكفر به، وإنما وقع ﴿ تؤمنون ﴾ في حيز الإنكار تنبيهاً على أن الجمع بين الأمرين عجيب وهو مؤذن بأنهم كادوا أن يجحدوا تحريم إخراجهم أو لعلهم جحدوا ذلك وجحد ما هو قطعي من الدين مروق من الدين.
والفاء عاطفة على ﴿ تقتلون أنفسكم ﴾ ، وما عطف عليه، عطفت الاستفهام أو عطفت مقدراً دل عليه الاستفهام وسيأتي تحقيق ذلك قريباً عند قوله ﴿ أفكلما جاءكم رسول ﴾ [البقرة: 87].
والفاء في قوله: ﴿ فما جزاء من يفعل ذلك منكم ﴾ فصيحة عاطفة على محذوف دل عليه الاستفهام الإنكاري أو عاطفة على نفس الاستفهام لما فيه من التوبيخ.
وقال عبد الحكيم: إن الجملة معترضة والاعتراض بالفاء وهذا بعيد معنى ولفظاً، وأما الأول فلأن الاعتراض في آخر الكلام المعبر عنه بالتذييل لا يكون إلا مفيداً لحاصل ما تقدم وغير مفيد حكماً جديداً وأما الثاني فلأن اقتران الجملة المعترضة بحرف غير الواو غير معروف في كلامهم.
والخزي بالكسر ذل في النفس طارئ عليها فجأة لإهانة لحقتها أو معرة صدرت منها أو حيلة وغلبة تمشت عليها وهواسم لما يحصل من ذلك وفعله من باب سمع فمصدره بفتح الخاء، والمراد بالخزي ما لحق باليهود بعدتلك الحروب من المذلة بإجلاء النضير عن ديارهم وقتل قريظة وفتح خيبر وما قدر لهم من الذل بين الأمم.
وقرأ الجمهور (يُردون) و(يعملون) بياء الغيبة، وقرأ عاصم في رواية عنه (تردون) بتاء الخطاب نظراً إلى معنى (من) وإلى قوله (منكم)، وقرأ نافع وابن كثير ويعقوب: (يعملون) بياء الغيبة وقرأه الجمهور بتاء الخطاب.
وقد دلت هذه الآية على أن الله يعاقب الحائدين عن الطريق بعقوبات في الدنيا وعقوبات في الآخرة.
وقد وقع اسم الإشارة وهو قوله: ﴿ أولئك الذين اشتروا ﴾ موقع نظيره في قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].
والقول في ﴿ اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ كالقول في: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدي ﴾ [البقرة: 16].
والقول في ﴿ فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ﴾ قريب من القول في ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ﴾ .
وموقع الفاء في قوله: ﴿ فلا يخفف عنهم العذاب ﴾ هو الترتب لأن المجرم بمثل هذا الجرم العظيم يناسبه العذاب العظيم ولا يجد نصيراً يدفع عنه أو يخفف.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ أمّا النَّفْسُ فَمَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّفاسَةِ، وهي الجَلالَةُ، فَنَفْسُ الإنْسانِ أنْفُسُ ما فِيهِ، وأمّا الدِّيارُ فالمَنزِلُ الَّذِي فِيهِ أبْنِيَةُ المُقامِ، بِخِلافِ مَنزِلِ الِارْتِحالِ، وقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ مَوْضِعٍ حَلَّهُ قَوْمٌ، فَهو دارٌ لَهُمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أبْنِيَةٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَسْفِكُ أحَدٌ دَمَهُ، ويُخْرِجُ نَفْسَهُ مِن دارِهِ؟
فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ولا يُخْرِجُهُ مِن دارِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي العالِيَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ القِصاصُ الَّذِي يُقْتَصُّ مِنهم بِمَن قَتَلُوهُ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: أنَّ قَوْلَهُ (أنْفُسَكُمْ) أيْ إخْوانَكم فَهو كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ﴾ يَعْنِي تَتَعاوَنُونَ، والإثْمُ هو الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الذَّمَّ، وفي العُدْوانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُجاوَزَةُ الحَقِّ.
والثّانِي: أنَّهُ في الإفْراطِ في الظُّلْمِ.
﴿ وَإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ: ( أسْرى ) وفي الفَرْقِ بَيْنَ أسْرى وأُسارى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أسْرى جَمْعُ أسِيرٍ، وأُسارى جَمْعُ أسْرى.
والثّانِي: أنَّ الأسْرى الَّذِينَ في اليَدِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا في وثاقٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، والأُسارى: الَّذِينَ في وثاقٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد عن عاصم.
أنه قرأ ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ بنصب التاء وكسر الفاء ورفع الكاف.
وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن مصرف أنه قرأها ﴿ تسفكون ﴾ برفع الفاء.
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ﴾ يقول: لا يقتل بعضكم بعضاً ﴿ ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ﴾ يقول: لا يخرج بعضكم بعضاً من الديار، ثم أقررتم بهذا الميثاق وأنتم تشهدون.
يقول: وأنتم شهود.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ إن هذا حق من ميثاقي عليكم ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ أي أهل الشرك ختى تسفكوا دماءكم معهم ﴿ وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ﴾ قال: تخرجونهم من ديارهم معهم ﴿ تظاهرون عليهم بالإِثم والعدوان ﴾ فكانوا إذا كان بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، وظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى تسافكوا دماءهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقاً لما في التوراة ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ﴾ وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم ﴿ وهو محرم عليكم ﴾ في كتابكم ﴿ إخراجهم ﴾ ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ﴾ أتفادونهم مؤمنين بذلك وتخرجونهم كفراً بذلك.
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية.
أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب، ولا يفادي من وقع عليه العرب، فقال له عبد الله بن سلام: أما أنه مكتوب عندك في كتابك أن فادوهن كلهن.
وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنه قرأ ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفدوهم ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنه قرأ ﴿ أسارى تفادوهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءتنا ﴿ وإن يؤخذوا تفدوهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: يكون أول الآية عاماً وآخرها خاصاً، وقرأ هذه الآية ﴿ ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ قال: استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ ﴾ الخطاب في هذه الآية لقُريظة والنضير (١) (٢) (٣) وقد كشف السُدِّي عن هذا، فقال: أخذ الله عليهم أربعةَ عهود: تركَ القتل، وتركَ الإخراج، وتركَ المظاهرة عليهم، وفدى أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا إلا الفداء.
وذلك أن قريظة كانت حلفاء الأوس (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ ﴾ أي (٨) (٩) (١٠) ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴾ (١١) وقوله تعالى: ﴿ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ ﴾ قرئ بتخفيف الظاء وتشديدها (١٢) (١٣) قال سيبويه (١٤) ﴿ فَادَّارَأْتُمْ ﴾ و ﴿ وَازَّيَّنَتْ ﴾ .
ومما يقوي ذلك: أن الأولى لمعنًى، فإذا حذفت لم يبق شيء يَدُلّ على المعنى، والثانية من جملةِ كلمةٍ إذا حذفتْ دل ما بقي من الكلمة عليها (١٥) (١٦) ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَليهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ سِحرَانِ تَظَاهَرَا ﴾ (١٧) (١٨) ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ ، أي: معين (١٩) ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ (٢٠) (٢١) وأصل الباب من الظهور وهو البُروز، فظهر الشيء ظاهره الذي هو خلاف البطن، والظهيرة؛ لأنه أظهر ما تكون الشمس بانبساط شُعَاعها، وقرأه ظاهرًا، ومن ظهر قلبه؛ لأنّه ظهر له من غير كتاب.
هذا أصل الباب.
ثم استعمل من هذا التأليف أحرف ليس فيها معنى الظهور، ولكنها من الظهر الذي هو خلاف البطن، من ذلك: الظهر: الإبل التي تحمل الأثقال، والظهار: في مظاهرة الرجل من امرأته، والظِهريُّ: الشيء الذي تنساه وتحطّه وراء ظهرك (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ أي: تعاونون على أهل ملتكم بالمعصية والظلم.
ومعنى العدوان: الإفراط والظلم، يقال: عَدَا عَدْوًا وعُدوانًا وعُدُوًّا وعِداءً (٢٣) ﴿ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ ﴾ أي: إن أتوكم مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم، وقُرئ: (أُسَارى) (وأَسرى) (٢٤) (٢٥) (٢٦) ووجه قول من قال أُسارى: كأنه شبهه بكسالى، وذلك أن الأسير لما كان محبوسًا عن كثير من تصرفه للأسر كما أن الكسلان محتبس عن ذلك لعادته (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) وأصل الأسر في اللغة: الشدّ.
قال الأصمعي: تقول العرب: ما أحسن ما أسَرَ قَتَبَه، أي: ما أحسن ما شدّه بالقِدّ، والقِدُّ: الذي يؤسَرُ به القَتَبُ، يسمى الإسار، وقيل للأسير من العدوّ: أسير؛ لأن آخذه يستوثق منه بالإسار، وهو القِدّ، لئلا يُفْلِتَ (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ تُفَادُوهُم ﴾ قرئ أيضا بوجهين (٣٩) ﴿ وَفَدَينَاهُ بِذِبحٍ عَظِيمٍ ﴾ ، وكقول الشاعر: يودّون لو يَفْدُونَني بنفوسهم ...
وَمَثْنَى الأواقي والقِيَانِ النواهدِ (٤٠) فإذا ثَقَّلْتَ العين زدتَ المفعولين ثالثًا، كقوله: لو يَستطعن إذا نابتك مُجْحِفَةٌ ...
فَدَّيْنَك الموتَ بالآباء (٤١) (٤٢) وقالوا: فادى الأسير: إذا أطلقه وأخذ عنه شيئا (٤٣) (٤٤) ومنزلة في دار صدق وغبطة ...
وما اقتال من حكم علي طبيب فلو كان ميت يفتدى لفديته ...
بما لم تكن عنه النفوس تطيب وذكره صاحب "اللسان" في مادة [فدى] 6/ 3366 دون نسبة.]] (٤٥) فمن قرأ: ﴿ تُفَادُوهُمْ ﴾ فلأن من كلّ واحد من الفريقين فِعْلًا، فمن الآسر دفع (الأسير) (٤٦) (٤٧) أخبرني العَرُوضي، عن الأزهري، عن المنذري، عن ثعلب قال: المفاداة: أن تدفع رجلًا وتأخذ رجلًا.
والفِداء: أن تشتريَه بمال فداءً.
ويقال: فديته بنفسي (٤٨) وقال نصير (٤٩) ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ أي: خلّصناه به (٥٠) (٥١) قال الفراء: والعرب تقصر الفداء وتمدّه، يقال: هذا فداؤك وفداك، وربما فتحوا الفاء إذا قصروا (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ .
(هو) إضمار الإخراج الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا ﴾ .
ثم بيّن لتراخي الكلام أنّ ذلك الذي حُرِّم: الإخراج، فقال: (وهو محرّم عليكم)، ولو اقتصر على هذا القدر أشبه أن يرجع ذلك إلى فداء الأسرى، لأن معناه وإخراجهم (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) قال: وإذا رأيت الواو في موضع تطلب الاسم دون الفعل، صلح في ذلك الموضع العماد، كقولك: أتيت زيدًا وأبوه قائم، فإن أردت أن تقدم الفعل على الأب، فقلت: أتيت زيدًا قائم أبوه (٥٨) (٥٩) ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ : حُرّم عليكم إخراجهم، والاسم المبني على الفعل ينوب عنه في العمل، ومحرم على: حُرِّم ..
(٦٠) وقال الزجاج: وجائز أن يكون هو للقصة والحديث والخبر والأمر والشأن، كأنه قال: والخبر (٦١) ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ أي: الأمر الذي هو الحق: الله الأحد، وتأويله (٦٢) (٦٣) ونظم الآية على التقديم والتأخير، تقديره: وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وهو محرّم عليكم إخراجُهم، وإن يأتوكم أسرى (٦٤) (٦٥) والمحرم: الممنوعٌ منه، والحرامُ: كلُّ ممنوع من فعله، ومن ذلك: البلد الحرام، والبيت الحرام؛ لأنه كان يمنع فيه ما هو مُبَاح في غيره، ورَجل مُحْرِم وحرام: إذا مَنَع نفسه ممّا يحظره الإحرام، والحُرُمات: كُلّ ما مُنِعَ ارتكابُه، وتقول: قد تَحَرَّمت بطعامك، أي: حَرُم عليك بهذا السبَب ما كان لك أخذه، والمحروم: الممنوع ما (٦٦) يقول (٦٧) (٦٨) أي: ليس بممنوع، والحَرَم والحَرَام واحد، كقولهم: زَمَنٌ وزَمَانٌ (٦٩) وقوله تعالى: ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ﴾ استفهامٌ في معنى توبيخ.
وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ يعني (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) وقال ابن السراج: معنى أخزاه الله، أي: أوقفه موقفا يُسْتحيَا منه، مِن قولهم: خزي يخزَى خِزَايَةً: إذا استحيا (٧٦) ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ ﴾ والردُّ: الرجع.
يقال: ردّه إلى كذا، ويقال للمُجبّر: ردّاد؛ لأنه يردّ العُضْو إلى ما كان.
والرِّدّة: الرجوع عن الشيء، ومنه الردّة عن الإسلام (٧٧) وإنما قال: (يُردّون) بلفظ الجمع لمعنى مَنْ.
وفي (أشد العذاب) قولان: أحدهما: أنه عذاب لا رَوْح (٧٨) والثاني: عذابٌ أشدّ من عذاب الدنيا بتضعيف الألم فيه.
(١) قريظة والنضير: قبيلتان من اليهود في المدينة، وهما من بني الخزرج الصريح بن التوءمان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النحام بن تنحوم بن عازر بن عذري بن هارون بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب.
ينظر "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 61.
(٢) في (ش): (كانوا).
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره 1/ 389، أبن أبي حاتم في "تفسيره".
بمعناه 1/ 163.
(٤) هم بنو الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف، من أعظم بطون الأزد من القحطانية، أهل عز ومنعة، فيهم عدة أفخار، كان موطنهم الأصلي بلاد اليمن، فهاجروا إلى يثرب، وعاشوا مع الخزرج والقبائل اليهودية، ونشبت حروب طويلة بينهم وبين الخزرج كيوم بعاث والدرك وغيرها.
ينظر: "معجم قبائل العرب القديمة والحديثة" 1/ 50.
(٥) هم الخزرج بن حارثة بطن من الأزد من القحطانية، كانوا يقطنون المدينة مع الأوس، وكانت العرب جميعًا في الجاهلية يسمون الأوس والخزرج جميعًا الخزرج، وكانوا هم والأوس يحجون ويقفون مع الناس.
ينظر: "معجم قبائل العرب" 1/ 342.
(٦) ساقطة من (أ) و (م).
(٧) في (م): (يذل).
(٨) رواه بمعناه الطبري في تفسيره 1/ 396، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 163، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1021، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 110 وورد نحوه عن ابن عباس، أخرجه الطبري في تفسيره 2/ 305، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 164.
(٩) "تفسير الثعلبي" 1/ 1017.
(١٠) قوله: (ولا موضع لتقتلون إذا كان صلة) ليست عند الزجاج في "معاني القرآن".
(١١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 167.
(١٢) قرأ الكوفيون (عاصم، وحمزة والكسائي) بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، ينظر: "السبعة" ص162 - 163و"النشر" 2/ 218.
(١٣) ينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 166.
(١٤) "الكتاب" 2/ 425 - 426.
(١٥) هذا كله كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" 2/ 134 - 135.
(١٦) في (م): (تعارفون).
(١٧) قرأ الكوفيون (سحران) من غير ألف، وقرأ الباقون (ساحران).
ينظر "السبعة" "النشر" 2/ 341.
(١٨) في (م): (تعارفا).
(١٩) "تفسير الثعلبي" 1/ 1019.
(٢٠) من كلام أبي علي في "الحجة" بتصرف 2/ 131.
(٢١) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1019.
(٢٢) انظر: "مقاييس اللغة" 3/ 741.
(٢٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 166، "تفسير الثعلبي" 1/ 1019.
(٢٤) قرأ حمزة (أَسْرى) بفتح الهمزة وسكون السين من غير ألف، وقرأ الباقون بضم الهمزة وألف بعد السين.
ينظر: "السبعة" ص 163، و"التيسير" ص 64، "النشر" 2/ 218.
(٢٥) في (ش): (وإن).
(٢٦) هذا كله كلام أبي علي في "الحجة" بتصرف يسير 2/ 143، وقد ذكر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1020 أن أحدًا من العلماء الأثبات لم يُفَرق بين أسرى وأسارى إلا أبو عمرو فإنه قال: ما قد أُسِر فهو أسارى، وما لم يؤسر فهو أسْرى، وروي عنه من وجه آخر قال: ما صاروا في أيديهم فهم أسارى وما جاء مستأسرًا فهم أسرى، وأنكر الفرق ثعلب.
وبين القرطبي في "تفسيره" 18/ 19 أن ما ذكره أبو عمرو لا يعرفه أهل اللغة.
(٢٧) في "الحجة": لعادته السيئة شبه به.
(٢٨) في "الحجة" 2/ 144: فلما أشبهه في المعنى أجري عليه في الجمع اللفظ الذي لفعيل بمعنى مفعول.
(٢٩) في (ش) كأنها (رجال).
(٣٠) رخال: بكسر الراء وضمها: جمع رِخل، الأنثى من أولاد الضأن، ينظر "القاموس" ص 1005 (مادة: رخل).
(٣١) الظؤار: جمع ظئر، وهي العاطفة على غير ولدها المرضعة له.
ينظر القاموس ص 432 مادة: ظئر.
(٣٢) الثُّنَاء: أي اثنين اثنين، يقال: جاءوا مثنى وثُنَاء، كغُراب، أي: اثنين اثنين، وثنتين ثنتين، ينظر "القاموس" ص 1267.
(٣٣) في "الحجة" وقد لحقته تاء التأنيث، فقالوا في جمع نقوة: نُقاوة، كما قالوا: الحجارة والذكارة.
(٣٤) الذكارة: بالكسر، ما يصلح للرجال، كالمسك والعنبر والعود.
انظر "اللسان" 3/ 1509 مادة: ذكر (٣٥) القاصعاء والداماء: من أسماء جِحَرَةِ اليربوع السبعة.
"اللسان" 3/ 1426 مادة: دمم.
(٣٦) هذا كله كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 143 - 145 بتصرف يسير.
(٣٧) نقله عنه في "تهذيب اللغة"1/ 159.
مادة (أسر) (٣٨) ينظر في "تهذيب اللغة"1/ 159، "اللسان" 4/ 78.
(مادة: أسر) (٣٩) قرأ المدنيان نافع وأبو جعفر، وعاصم والكسائي ويعقوب (تفادوهم) بضم التاء وألف بعد الفاء، وقرأ الباقون بفتح التاء وسكون الفاء من غير ألف.
ينظر "السبعة" ص 162 - 163، "التيسير" للداني ص 64، و"النشر" 2/ 218.
(٤٠) البيت لأبي ذؤيب في "شرح أشعار الهذليين" ص 192.
مثنى الأواقي: (الذهب)، مثنى: أي: مرة بعد مرة.
والقيان: الخدم.
(٤١) في "الحجة" بالأبناء.
(٤٢) ذكره أبو علي في "الحجة" 2/ 146 ولم ينسبه.
(٤٣) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 146.
(٤٤) في (ش) لعلها (أفتال) أو (أفتاك).
(٤٥) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 147.
(٤٦) سقطت من (ش).
(٤٧) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 147 بتصرف يسير.
(٤٨) في "تهذيب اللغة" 14/ 200، وينظر: "اللسان" 5/ 150 (مادة: فدى).
(٤٩) في (ش): (نظير).
(٥٠) من قوله: خلصناه به.
ساقط من (أ) و (م).
(٥١) "تهذيب اللغة" 3/ 2754 بتصرف واختصار.
(مادة: فدى).
(٥٢) نقله عنه "تهذيب اللغة" 3/ 2754، وعنه ابن منظور في "اللسان" 6/ 3366، "القرطبي" في "تفسيره" 2/ 91.
(مادة: فدى).
(٥٣) قوله: (لأن معناه، وإخراجهم) ساقطة من (أ) و (م).
(٥٤) في (ش): (الإحرام).
(٥٥) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 50 - 51.
(٥٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 167.
(٥٧) كذا نقله عنه "القرطبي" في "تفسيره" 2/ 22.
(٥٨) في "معاني القرآن" للفراء: فقبيح أن تقول: أتيت زيدًا قائم أبوه، وأتيت زيدًا ويقوم أبوه.
(٥٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 51.
(٦٠) من قوله: حُ (رِّم عليكم) ..
ساقط من (أ) و (م).
(٦١) في (ش): (الخير).
(٦٢) في (أ): (وتأويل).
(٦٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 167.
(٦٤) في (م): (أسارى).
(٦٥) "تفسير الثعلبي" 1/ 1022.
(٦٦) (ما) بمعنى الذي.
(٦٧) في (أ): (يقول).
(٦٨) ديوان زهير ص 79، وصدر البيت: وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ.
(٦٩) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 793 - 797، و"لسان العرب" 2/ 844.
مادة (حرم).
(٧٠) في (ش): (بمعنى).
(٧١) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1023.
(٧٢) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1027، "اللسان" 2/ 1155 مادة (خزا)، "تفسير الثعلبي" 1/ 1023.
(٧٣) هو: شمر أبو عمرو بن حمدويه الهروي اللغوي الأديب الفاضل الكامل، إليه الرحلة في هذا الفن من كل مكان، كانت له عناية بعلم اللغة، توفي سنة 255 هـ.
ينظر: "إنباه الرواة" 2/ 77 - 78، و"بغية الوعاة" 2/ 4 - 5.
(٧٤) ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 1027، "اللسان" 2/ 1155 (مادة: خزي).
(٧٥) كذا في "غريب الحديث" له 2/ 381.
(٧٦) ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 381، "تهذيب اللغة" 1/ 10274، (مادة: خزى)، "تفسير القرطبي" 2/ 23.
(٧٧) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1390 مادة (ردد).
(٧٨) لا روح فيه: أي لا راحة فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ لا يسفك بعضكم دم بعض، وإعرابه مثل لا تعبدون ﴿ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ بالميثاق واعترفتم بلزومه ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ بأخذ الميثاق عليكم ﴿ هؤلاء ﴾ منصوب على التخصيص بفعل مضمر، وقيل: هؤلاء مبتدأ وخبره أنتم وتقتلون حالاً لازمة تم بها المعنى ﴿ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ كانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير: حلفاء الخزرج، وكان كل فريق يقاتل الآخر مع حلفائه، ويتقيه من موضعه إذا ظفر به ﴿ تظاهرون ﴾ أي تتعاونون ﴿ تفادوهم ﴾ قرئ بالألف وحذفها والمعنى واحد.
وكذلك أسارى بالألف وحذفها جمع أسير ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ ﴾ الضمير للإخراج من ديارهم، وهو مبتدأ وخبره محرم و ﴿ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ بدل، والضمير للأمر والشأن، وإخراجهم: مبتدأ، ومحرّم خبره، والجملة خبر الضمير ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب ﴾ فداؤهم الأسارى موافقة لما في كتبهم ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ القتل والإخراج من الديار مخالفة لما في كتبهم ﴿ خِزْيٌ ﴾ الجزية أو الهزيمة لقريظة والنضير وغيرهم، أو مطلق ﴿ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل ﴾ أي جئنا من بعده بالرسل، وهو مأخوذ من القفا أي جاء بالثاني في قفا الأول ﴿ البينات ﴾ المعجزات من إحياء الموتى وغير ذلك ﴿ بِرُوحِ القدس ﴾ جبريل، وقيل؛ الإنجيل، وقيل الاسم الذي كان يحيى به الموتى، والأول أرجح لقوله: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس ﴾ [النحل: 102] ولقوله صلى الله عليه وسلم لحسان: اللهم أيده بروح القدس ﴿ أَتَقْتُلُونَ ﴾ جاء مضارعاً مبالغة لأنه أيد استحضاره في النفوس، أو لأنهم حاولوا قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أن الله عصمه ﴿ غُلْفٌ ﴾ جمع أغلف: أي عليه غلاف، وهو الغشاء فلا تَفْقَه ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ الله ﴾ رداً عليهم، وبيان أن عدم فقههم بسبب كفرهم ﴿ فَقَلِيلاً ﴾ أي إيماناً قليلاً ﴿ مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ ما زائدة، ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم على أصلها؛ لأن من دخل منهم بالإسلام قليل، أو لأنهم آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا يعبدون ﴾ بالياء للغيبة.
ابن كثير وحمزة وعلي والمفضل ﴿ القربى ﴾ بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على وزن "فعلى" ﴿ حسنا ﴾ وصفاً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ تظاهرون ﴾ خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وحذف إحدى التاءين للتخفيف، الباقون بالتشديد ووجهه إدغام التاء في الظاء ﴿ أسارى ﴾ بالإمالة ﴿ تفدوهم ﴾ أبو عمرو وخلف.
﴿ أسارى ﴾ مفخماً ﴿ تفدوهم ﴾ ابن كثير وابن عامر ﴿ أسرى ﴾ بالإمالة ﴿ تفدوهم ﴾ حمزة.
﴿ أسارى ﴾ بالإمالة ﴿ تفادوهم ﴾ علي والنجاري عن ورش والخراز عن هبيرة، والباقون ﴿ أسارى ﴾ مفخماً ﴿ تفادوهم ﴾ ﴿ تردون ﴾ بتاء الخطاب: أبو زيد عن المفضل ﴿ يعلمون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف ويعقوب وأبو بكر وحماد بناء لآخر الكلام على أوّله، الباقون بالتاء تغليباً للمخاطبين على الغيب.
الوقوف: ﴿ الزكاة ﴾ لأن "ثم" لترتيب الأخبار أي مع ذلك توليتم و ﴿ معرضون ﴾ و ﴿ تشهدون ﴾ (ه) ﴿ من ديارهم ﴾ (ز) لأن ﴿ تظاهرون ﴾ يشبه استئنافاً، وكونه حالاً أوجه و ﴿ العدوان ﴾ (ط) ﴿ إخراجهم ﴾ (ط) ﴿ ببعض ﴾ (ج) لابتداء الاستفهام أو النفي مع فاء التعقيب ﴿ الدنيا ﴾ (ط) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ العذاب ﴾ (ط) ﴿ يعملون ﴾ (ه) ﴿ الآخرة ﴾ (ز) لأن الفعل مستأنف وفيه فاء التعقيب للجزاء ﴿ ينصرون ﴾ (ه).
التفسير: إنه كلفهم بأشياء: الأوّل: قوله ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ من قرأ بياء الغيبة فلأنهم غيب، ومن قرأ بتاء الخطاب فلحكاية ما خوطبوا به، وفي إعرابه أقوال: أحدها: أنه إخبار في معنى النهي كقولك "تذهب إلى فلان" تريد الأمر وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي كأنه سورع إلى الامتثال فهو يخبر عنه.
ويؤيد هذا القول عطف ﴿ وقولوا ﴾ ﴿ وأقيموا ﴾ عليه.
وثانيها: التقدير أن لا تعبدوا فلما حذفت "أن" رفعت كقوله "ألا أبهذا الزاجري أحضر الوغى" ويحتمل أن تكون "أن" مفسرة وأن تكون مع الفعل بدلاً من الميثاق كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل توحيدهم.
وثالثها: هو جواب قوله ﴿ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ﴾ إجراء له مجرى القسم كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون.
وهذا التكليف بالحقيقة يتضمن جميع ما لا بد منه في الدين، لأن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته وبجميع ما يجب له ويستحيل عليه، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة.
التكليف الثاني: قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ معناه يحسنون بالوالدين إحساناً ليناسب ﴿ لا تعبدون ﴾ أو أحسنوا ليناسب ﴿ وقولوا ﴾ ويمكن أن يقدر "وصيناهم" عطفاً على ﴿ أخذنا ﴾ وهذا أنسب لمكان الباء، ولا بد من تقدير القول إما قبل ﴿ لا تعبدوا ﴾ وإما قبل ﴿ أحسنوا ﴾ وإما قبل ﴿ قولوا ﴾ وإنما جعل الإحسان إلى الوالدين تالياً لعبادة الله لوجوه منها: أنهما سبب وجود الولد كما أنهما سبب التربية، وغير الوالدين قد يكون سبب التربية فقط فلا إنعام بعد إنعام الله أعظم من إنعام الوالدين.
ومنها أن إنعامهما يشبه إنعام الله تعالى من حيث إنهما لا يطلبان بذلك ثناء ولا ثواباً ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً ﴾ .
ومنها أنه لا يمل من إنعامه على العبد وإن أتى بأعظم الجرائم، فكذا الوالدان لا يقطعان عنه مواد كرمهما وإن كان غير بارٍ بهما، ومنها أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح والغبطة، والله يأخذ الحبة فيربيها مثل جبل أحد.
ومنها أن المناسبة والميل والحبة بين الوالد وولده ذاتية حتى عمت جميع الحيوان، كما أن المناسبة بين الواجب والممكن ذاتية لا عرضية، وههنا أسرار فليتأمل.
ومنها أنه لا كمال يمكن للولد إلا ويطلبه الوالد لأجله ويريده عليه، كما أن الله لا خير يمكن للعبد إلا وهو يريده عليه، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب ونصب الأدلة وأزاح العلة، ومن غاية شفقة الوالدين أنهما لا يحسدان ولدهما إذا كان خيراً منهما بل يتمنيان ذلك بخلاف غيرهما فإنه لا يرضى أن يكون غيره خيراً منه.
وتعظيم الوالدين أمر معتبر في جميع الشرائع ومركوز في كل العقول، وقد ورد "أطع الوالدين وإن كانا كافرين" وعن النبي أنه نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركاً، ولهذا أطلق الإحسان إليهما في الآية إطلاقاً.
وقد تلطف إبراهيم في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله ﴿ يا أبت، يا أبت ﴾ والإحسان إليهما أن يحبهما من صميم القلب ويراعي دقائق الأدب والخدمة والشفقة ويبذل وسعه في رضاهما قولاً وفعلاً، ولا يمنع أعز أوقاته وكرائم أمواله عنهما، ويجتهد في تنفيذ وصاياهما ويذكرهما في صالح دعائه كما أرشد الله إلى جميع ما ذكرنا في قوله ﴿ فلا تقل لهما أف ﴾ إلى آخر الآية.
التكليف الثالث: الإحسان إلى ذوي القرابة ويعبر عنه بصلة الرحم عن رسول الله "الرحم شجنة من الرحمن قال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قعطعته" والشجنة الاشتباك أي الرحم مشتقة من الرحمن يعني أنها قرابة من الله مشتبكة كاشتباك العروق والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، ولهذا صار كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين قال الشافعي: لو أصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث وغير الوارث، والمحرم وغير المحرم، والمسلم والكافر، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والأجداد والأحفاد، لا الأبوان والولد على الأظهر، لأن الوالد والولد لا يعرفان في العرف بالقريب.
وههنا دقيقة وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية ليرتفع نسبهم، ونحن لو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي: نرتقي إلى أقرب جد ينسب هو إليه ويعرف به.
وذكروا في مثاله أنه لو أوصى لأقارب الشافعي فإنا نصرفه إلى أولاد شافع فإنه منسوب إليه، ولا يدخل فيها أولاد علي والعباس وإن كان شافع وعلي والعباس كلهم أولاد السائب بن عبيد، والشافعي هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف.
قال المحققون: هذا في زمان الشافعي، وأما في زماننا فلا نصرفه إلا إلى أولاد الشافعي ولا نرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، ولا يدخل الأقارب من الأم في وصية العرب لأن قرابة الأم لا تعدها العرب قرابة ولا تفتخر بها أما لو أوصى لذي رحم زيد فيدخل فيه قرابة الأم في وصية العرب والعجم، لأن لفظ الرحم لا يختص بطرف الأب بحال.
وذهبت طائفة إلى أن الأقوى على ما أجاب به العراقيون ومال إليه أبو حنيفة، هو أن أقارب الأم تدخل في الوصية سواء كانت في وصية العرب أو وصية العجم، وتوجيه الفارق ممنوع لقوله "سعد خالي فليرني امرؤ خاله" والإحسان إلى الأقارب قريب من الإحسان إلى الوالدين، وذلك بأن يجتهد في رضاهم بما تيسر له عرفاً وشرعاً، وينفق عليهم بالمعروف إن كانوا معسرين وهو موسر.
التكليف الرابع: الإحسان إلى اليتامى واليتيم من الأطفال الذي مات أبوه إلى أن يبلغ الحلم، فيجب على وليه حفظ ماله واستنماؤه قدر النفقة والزكاة ومؤن الملك بما أمكنه والقيام بمصالحه مع رعاية دقائق الغبطة وقضاء حقوق النصيحة.
قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم.
واليتم في غير الإنسان من قبل أمه، واليتيم من الدر ما لا أخت له وإنما يجمع "يتيم" على "يتامى" لأن اليتم لما كان من صفات الابتلاء حمل على الوجع والحبط.
فكما قالوا في وجع وحبط للمنتفخ البطن، وجاعي وحباطي، قيل في يتيم يتامى.
وفي الكشاف: إنه أجرى يتيم مجرى الأسماء نحو "صاحب" و "فارس" فقيل "يتائم" ثم "يتامى" على القلب وكذا في اليتيمة.
التكليف الخامس: الإحسان إلى المساكين واحدها مسكين أخذ من السكون، كأن الفقر سكنه، أو لأنه الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالسكير الدائم السكر وهو أسوأ حالاً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة ومالك، واحتجوا عليه بقوله ﴿ أو مسكيناً ذا متربة ﴾ وعند الشافعي وأحمد: الأمر بالعكس قالوا: اشتقاق الفقير من فقار الظهر، كأن فقاره انكسرت لشدة حاجته، والمسكين قد يملك ما يتعلل به كما في قوله ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين ﴾ ويظهر أثر الخلاف فيما لو أوصى للفقراء دون المساكين أو بالعكس.
والإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين ينبغي أن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير.
التكليف السادس: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ بالوصف أي قولاً حسناً.
وحسناً على المصدر أي قولاً ذا حسن، أو قولاً هو الحسن في نفسه لإفراط حسنه، أو ليحسن قولكم حسناً.
والظاهر أن المخاطبين بذلك هم الذين أخذ ميثاقهم لاتحاد القصة.
قيل: إنه مخصوص إما بتخصيص الناس أي قولوا للمؤمنين حسناً بدليل آية القتال ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴾ وإما بتخصيص القول أي قولوا للناس حسناً في الدعاء إلى الله والأمر بالمعروف.
وقال أهل الحقيقة: إنه على العموم وذلك أن كلام الناس مع الناس في الأمور الدينية إن كان بالدعوة إلى الإيمان وجب أن يكون بالرفق واللين كما قال لموسى ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وقال لمحمد ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ وإن كان بالدعوة إلى الطاعة كالفساق فحسن القول أيضاً معتبر ﴿ أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ﴾ ﴿ ادفع بالتي هي أحسن ﴾ وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض باللطيف من القول لم يعدل إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا شانه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخل تحت هذا القول.
وعن الباقر: قولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم.
التكليف السابع والثامن: قوله ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ وقد تقدم تفسيرهما.
ولا شك في وجوب هذه التكاليف عليهم بدليل: أخذ الميثاق، ولأن ظاهر الأمر للوجوب ولترتب الذم عليه بتوليهم، وهذه التكاليف أيضاً واجبة في شرعنا.
وعن ابن عباس: أن الزكاة نسخت كل حق.
وضعف بأن إغاثة المضطر واجبة وإن لم تجب علينا الزكاة.
واعلم أن التكليف إما بدني أو مالي وكل منهما إما عام أو خاص.
فالبدني العام هو العبادة المطلقة، وهي أن يكون بكل الجوارح والقوى منقاداً مطيعاً مؤتمراً لأمر الله ، بحيث لا يرى لنفسه شيئاً من التصرف والاختيار كالعبد الماثل بين يدي مولاه وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ .
والبدني الخاص هو الصلاة وأشار إليه بقوله ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ فللصلاة أوقات مخصوصة وأركان وشروط معدودة.
والمالي الخاص هو الزكاة لتخصصها بالأصناف الزكوية وبالنصاب وبالحول وغير ذلك.
والمالي العام لكونه منوطاً بالقدرة.
والإمكان سببه إما نسب أولاً، والنسب إما سابق أو مقارن أو لاحق.
فالسابق الوالدان، والمقارن الأقارب، واللاحق اليتامى، لأنهم أولاد.
وذلك إذا كان الولي جداً أو بمنزلة الأولاد، وذلك إذا كان الولي غيره.
وغير النسب إما الاحتياج والفقر وهو المساكين، أو الاشتراك في النوع، ولا يمكن إلا بالقول الحسن، وما ينخرط في سلكه من مكارم الأخلاق الفعلية "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم" فالقول الحسن يشمل الأصناف المتقدمة أيضاً بهذا الاعتبار، وحين هذا الترتيب مما لا مزيد عليه، وقد كرر أكثر هذه المعاني في سورة النساء بضرب من التأكيد، فأكد العبادة بقوله ﴿ ولا تشركوا به شيئاً ﴾ وأكد الإحسان إلى ذي القربى.
وما يتلوه بتكرير الجار وهو الباء وبضم أصناف أخر وهم الجار وغيره إليهم فكأنه كالتفصيل لقوله ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ .
قوله ﴿ ثم توليتم ﴾ قيل الخطاب لمتقدمي بني إسرائيل على طريقة الالتفات، ووجهه أن أول الكلام معهم فكذا آخره إلا بدليل يوجب الانصراف عن هذا الظاهر، وقيل: إنه خطاب لمن كان في عصر النبي من اليهود، كأنه بين أن تلك المواثيق كما لزمهم التمسك بها فكذلك هي لازمة لكم لأنكم تعلمون ما في التوراة من نعت محمد وصحة نبوته، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم إلا قليلاً منكم وهم الذين آمنوا وأنتم معرضون.
الواو للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الإعراض، أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم.
وقيل: ثم توليتم للمتقدمين وأنتم معرضون للمتأخرين.
وأما قوله ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ فقيل: خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي .
وقيل: المراد أخذنا ميثاق آبائكم.
وقيل: خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف.
وفي قوله ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه فأي فائدة في النهي؟
والجواب أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت من أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور، وككثير ممن يصعب عليه الزمان، أو المراد لا يفعل ذلك بعضكم ببعض جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلاً أو ديناً، أو أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه، أو لا تتعرضوا لمقاتلة من يغلبكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم.
﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم.
والمراد إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم لأن ذلك مما تعظم فيه الفتنة حتى يقرب من الهلاك.
وإعراب ﴿ لا تسفكون ﴾ و ﴿ لا تخرجون ﴾ على قياس ما تقرر في ﴿ لا تعبدون ﴾ ﴿ ثم أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ أي ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون عليها كقولك "فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها" أو اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك، لأنه كان شائعاً فيما بينهم مشهوراً، وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق.
﴿ ثم أنتم ﴾ معنى "ثم" الاستبعاد لما أسند إليهم من القتل، والاجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم، وإقرارهم وشهادتهم.
"وأنتم" مبتدأ و "هؤلاء" خبره أي أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلاً لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: خرجت بغير الوجه الذي دخلت به، و "تقتلون" بيان "لأنتم هؤلاء" وقيل "هؤلاء" موصول بمعنى الذين وهذا عند الكوفيين فإنهم يجوزون كون جميع أسماء الإشارة بمعنى الموصول.
والتظاهر التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة، بيّن أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان، وفيه دليل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة.
ولا يشكل هذا بتمكين الله الظالم من الظلم فإنه كما مكنه فقد زجره عنه ونهاه بخلاف معين الظالم فإنه يدعوه إلى الظلم ويحسنه في عينه مع أنه لا يسأل عما يفعل.
أسرى جمع أسير كجرحى في جريح، وأسارى جمع أسرى كسكرى وسكارى.
وقيل: أسارى من الجموع التي ترك مفردها كأنه جمع "إسران" كعجالى وعجلان.
وقوله ﴿ تفادوهم ﴾ جمهور المفسرين على أنه وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم و ﴿ هو ﴾ ضمير الشأن و ﴿ إخراجهم ﴾ مبتدأ و ﴿ محرم ﴾ خبره والجملة خبر الضمير.
ويجوز أن يكون ﴿ هو ﴾ مبتدأ مبهماً و ﴿ محرم ﴾ خبره و ﴿ إخراجهم ﴾ تفسيره، ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ أي بالفداء ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ أي بالقتال والإجلاء.
وذلك أن قريظة كانوا حلفاء الأوس والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فعيرتهم العرب فقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟
فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحيي أن يذل حلفاؤنا فذمهم الله على المناقضة إذا أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، ولعلهم صرحوا باعتقاد عدم وجوبه فلهذا سماه كفراً، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم وفي ذلك تنبيه على أنهم في تصديقهم بنبوة موسى مع التكذيب بمحمد والحجة في أمرهما على سواء، يجرون مجرى طريقة السلف منهم في الإيمان ببعض والكفر ببعض وكل في الميثاق سواء.
الخزي الذل والهوان خزي بالكسر يخزي خزياً أي ذل وهان، وخزي أيضاً يخزى خزاية أي استحيا فهو خزيان.
فإذا قيل: أخزاه الله.
فالمراد أهانه أو أوقعه موقعاً يستحيي منه وتنكير "خزي" يدل على فظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغاً لا يكتنه كنهه، والأظهر أنه غير مختص ببعض الوجوه.
وقيل: هو قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير، وقيل: الجزية، وعلى هذين القولين يختص الخزي بمن في عصر رسول الله منهم وبمن يخلفهم دون أسلافهم، فإن قيل: عذاب منكري الصانع كالدهرية يجب أن يكون أشد، فكيف يقال في حق اليهود يردون إلى أشد العذاب؟
قلنا: إما لأن كفر العناد أغلظ، وإما لأن المراد أشد من الخزي لا الأشد مطلقاً.
وفي قوله: ﴿ وما الله بغافل ﴾ وعيد شديد للعاصين وبشارة عظيمة للمطيعين، لأن القدرة الكاملة مع عدم الغفلة تدل على وصول الحقوق إلى مستحقها لا محالة.
﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ استبدلوها بها ﴿ فلا يخفف عنهم العذاب ﴾ لا ينقطع ولا يفتر بل يدوم على حالة واحدة ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ بدفع هذا العذاب عنهم.
وفيه تنبيه على أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا إذا كانت على وفق الهوى لا الشرع، وبين لذات الآخرة ممتنع يستتبع وجود إحداهما عدم الأخرى والله ولي التوفيق.
التأويل: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ في عهد ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ بامتثال أوامر الشيطان واتباع خطواته كما قيل: إلــــى حتفــــي مشــــى قــــدمــــي *** أرى قـــدمــــي أراق دمـــــــــي ﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ من ديار عبوديتكم التي كنتم فيها في أصل الفطرة ﴿ وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ﴾ لا تقتصرون على ضلالكم بل يعاون بعضكم بعضاً على الإعراض عن حقوق الله والإقبال على حظوظ النفس ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ﴾ فمن أسر في قيد الهوى فإنقاذه بالدلالة على الهدى، ومن أسر في قيد حب الدنيا فخلاصه في كثرة ذكر المولى، ومن أسر في أيدي الشكوك والشبهات ففداؤه إرشاده إلى اليقين بلوائح البراهين ولوامع البينات، ومن أسر في حبس وجود فنجاته فيما يحل عنه وثاق الكون ويوصله إلى معبوده، ومن أسر في قبضة الحق فليس لأسراهم فداء ولا لقتلاهم قود ولا لرهطهم خلاص ولا لقومهم مناص ولا منهم فرار ولا معهم قرار ولا إليهم بغيره سبيل ولا لديهم دليل ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ وهو ما سمعتم في أول الخطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ فقلتم بلى ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ وهو الذي عاهدتم عليه ألا تعبدوا غير الله من الشيطان والنفس والهوى الله حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .
قد ذكرنا عهد الله وميثاقه أَنه يكون على وجهين: عهد خِلْقةٍ وفطرة، وعهد رسالة ونبوة.
وقوله: ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: لا تجعلون الألوهيةَ إِلا لله.
ويحتمل: نفس العبادة، أَي: لا تعبدون غير الله، من الأَصنام والأَوثان وغيرهما.
وقوله: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .
بِرّاً بهما، وعَطفاً عليهما، وإِلطافاً لهما، وخفْضَ الجناح، ولينَ القول لهما؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ...
﴾ الآية [الإسراء: 23-24]، وكقوله: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾ .
فإن قيل: إِن الأَمر بالإِحسان فيما بين الخلق يخرج مخرج الإفضال والتبرع، لا على الوجوب، واللزوم.
غير أَن الإحسان يجوز أن يكون الفعلَ الحسن نفسَه؛ كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ استوجبوا هذا بالفعل الحسن، لا بالإحسان إلى الله ، وفعلُ الحسن فرضٌ واجبٌ على كل أَحد.
والثاني: أَن الإحسان إِليهم يجوز أَن يكون من حق الله عليهم، وحقُّ الله عليهم لازم، وعلى ذلك صلةُ القرابةِ والمحارِم، والإِنفاقُ عليهم من حق الله عليهم، وهو لازم.
فهذا ينقض على الشافعي قولَه: إنه لا يوجب النفقة إلا على الوالدين، ولا يتكلم في الآباء والأُمهات بالقرابة، ولا سموا بهذا الاسم؛ فدل: أَنه أَراد به غير الوالدين، والله أَعلم.
وقوله: ﴿ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ ﴾ .
يحتمل: على النفْل من الصدقة والفرض جميعاً.
وقوله: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ .
يحتمل: وجوهاً: يحتمل: لا تكتموا صفة محمد ونعته ولكن أَظهروها.
ويحتمل: الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
ويحتمل: المراد به الكلُّ، كل شيءٍ وكل قول؛ أَي: لا تقولوا إلا حسناً.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
يحتمل: الإقرار بها، والقبول لها.
ويحتمل: إِقامتها في مواقيتها، بتمام ركوعها وسجودها وخشوعها.
ويحتمل: أن يكونوا في حالٍ تكون لكم الصلاة والتزكية.
وقوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .
يحتمل الوجوه التي ذكرناها في الصلاة.
وقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ .
الآية ظاهرة.
وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ .
قد ذكرنا الميثاق والعهد في غير موضع.
وقوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ .
يحتمل وجهين: أي: لا تسفكون دماءَ غيركم، فيسفك دماءَكم؛ فتصيرون كأَنكم سفكتم دماءَكم.
ويحتمل: لا يسفك بعضُكم دماءَ بعض؛ كقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، أي: يسلم بعضكم على بعض.
وذكر نقض العهد في هؤلاءِ وإن كان في أَوائلهم؛ لوجهين: أَحدهما: لما رضي هؤلاء بفعل آبائهم.
والثاني: بقولهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ...
﴾ الآية [الزخرف: 22-23].
وقوله: ﴿ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ﴾ .
يحتمل: أيضاً وجهين: يحتمل: ولا يُخرج بعضُكم بعضاً.
ويحتمل: لا تخرجوا غيركم من ديارهم، فتخرجون من دياركم؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ .
يحتمل: ثم أقررتم وأَنتم تشهدون بالعهد والميثاق، وتشهدون أَنه في التوراة.
وقوله: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .
يعني: يا هؤلاء.
وقوله: ﴿ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ ﴾ .
يحتمل وجهين اللذَين ذكرتهما في قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ ﴾ .
أي: تَعَاوَنُون عليهم، يُعاون بعضكم بعضاً بالإخراج، وهو الظلم والعدوان.
وقوله: ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ .
أي: ذلك الإخراج محرم عليكم.
وقوله: ﴿ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ...
﴾ .
الآيةُ - وإن كانت مؤخرة في الذكر - فهي مقدمة؛ كأَنه قال: لا تسفكون دماءَكم ولا تخرجون أَنفسكم، وإن يأْتوكم أسارى تفادوهم.
وقوله: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ .
آمنوا بالمفَاداة من الأَسارى، وكفروا بالإِخراج وسفك الدماءِ.
ويحتمل: الإيمان ببعض ما في التوراة، وكفورا ببعضها، وهو نَعْت محمد وصفته؛ إذ لم يكن على موافقة مُرادهم.
ويحتمل: أَن فادوا أَسراهم من غيرهم، وسَبَوْا ذَرَاري غيرهم.
وقوله: ﴿ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ ﴾ .
قيل: الخزي في الدنيا إِجلاءُ بني النضير من ديارهم، وإخراجهم إلى الشام.
وقيل: مقاتلةُ بني قريظةَ، وسبيُ ذراريهم، وذلك لحربٍ وقع بينهم، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
ولكن لا يعاقبون في الدنيا، بل يردون إلى أشد العذاب في الآخرة، وإن استوجبوا ذلك في الدنيا؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ...
﴾ الآية: [إبراهيم: 42].
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .
وعيدٌ.
قد ذكرنا ذلك فيما تقدم.
وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ .
يحتمل: أنهم كانوا آمنوا بمحمد قبل خروجه وبعثه، فلما بعث على خلاف مرادهم كفروا به، فذلك اشتراء الحياة الدنيا بالآخرة.
ويحتمل: ابتداء اختيار الضلال على الهدى، والحياة الدنيا على الآخرة، من غير أَن آمنوا به، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ثم أنتم تخالفون هذا العهد؛ فيقتل بعضكم بعضًا، وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم مستعينين عليهم بالأعداء ظلمًا وعدوانًا، وإذا جاؤوكم أسرى في أيدي الأعداء سعيتم في دفع الفدية لتخليصهم من أسرهم، مع أن إخراجهم من ديارهم محرَّم عليكم، فكيف تؤمنون ببعض ما في التوراة من وجوب فداء الأسرى، وتكفرون ببعض ما فيها من صيانة الدماء ومنع إخراج بعضكم بعضًا من ديارهم؟!
فليس للذي يفعل ذلك منكم جزاء إلا الذل والمهانة في الحياة الدنيا، وأما في الآخرة فإنه يُرَدّ إلى أشد العذاب، وليس الله بغافل عما تعملون، بل هو مطلع عليه، وسيجازيكم به.
<div class="verse-tafsir" id="91.B7ay9"
كان التذكير في الآية السابقة بأهم المأمورات التي أخذ الله تعالى الميثاق على بني إسرائيل بها بعد توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة وبيان أنهم نقضوا ميثاق الله تعالى ولم يأتمروا بها، وفي هاتين الآيتين التذكير بأهم المنهيات التي أخذ الله تعالى الميثاق عليهم باجتنابها، وبيان أنهم نقضوا ميثاقه ولم ينتهوا عنها، وقد قال هناك ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ أي الذين نزلت عليهم التوراة، ثم التفت إلى خطاب الحاضرين في زمن التنزيل فقال ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ ، وقال هنا ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُم ﴾ تماديًا في سياق الالتفات وتذكيرًا بوحدة الأمة واعتبارها كالشخص الواحد يصيب الخلف أثر ما كان عليه السلف من خير وشر ما استنوا بسنتهم، وجروا على طريقتهم، كما تؤثر أعمال الشخص السابقة في قواه النفسية وطبع ملكاته بعد انحلال مادة تلك الأعضاء التي ابتدأت العمل وحلول مواد أخرى في محلها تتمرن على مثل ذلك العمل، فما يفعله الشخص في صغره، يبقى أثره في قواه في كبره، فكذلك الأمم.
وقد أورد النهي عن سفك بعضهم دم بعض وإخراج بعضهم بعضًا من ديارهم وأوطانهم بعبارة تؤكد معنى وحدة الأمة وتحدث في النفس أثرًا شريفا يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر، ووجدان يتأثر، فقال ﴿ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ﴾ فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر بيده.
وقال ﴿ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ﴾ على هذا النسق.
وهذا التعبير المعجز ببلاغته خاص بالقرآن.
فهذه الأحكام لا تزال محفوظة عند الإسرائيليين في الكتاب وإن لم يجروا عليها في العمل، ولكن العبارة عنها عندهم لا تطاول هذه العبارة التي تدهش صاحب الذوق السليم، والوجدان الرقيق، فهذا إرشاد حكيم طلع من ثنايا الأحكام يهدي إلى أسرارها، ويومئ إلى مشرق أنوارها، من تدبره علم أنه لا قوام للأمم إلا بالتحقق بما تضمنه هذه الحكم، وشعور كل فرد من أفرادها بأن نفسه نفس الآخرين ودمه دمهم، لا فرق في الاحترام بين الروح التي تجول في بدنه والدم الذي يجري في عروقه، وبين الأرواح والدماء التي يحيا بها إخوانه الذين وحدت بينه وبينهم الشريعة العادلة والمصالح العامة، هذا هو الوجه الوجيه في الآية.
وقيل معناها لا ترتكبوا من الجرائم ما تجازون عليه بالقتل والإخراج من الديار.
ويقال في قوله ﴿ لا تَسْفِكُونَ ﴾ كما قيل قبله في قوله ﴿ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ من تضمن صيغة الخبر للتأكيد.
وقوله تعالى ﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ فيه وجهان: (أحدهما): أنه يخاطبهم بما كان من اعتراف سلفهم بالميثاق وقبوله وشهودهم الوحي الذي نزل به على موسى .
و(ثانيهما): أن المراد الحاضرون أنفسهم، أي أنكم أيها المخاطبون بالقرآن قد أقررتم بهذا الميثاق وتعتقدونه في قلوبكم، ولا تنكرونه بألسنتكم، بل تشهدون به و تعلنونه، فالحجة ناهضة عليكم به.
ثم بعد بيان هذا الميثاق وتسجيله عليهم بأنهم يعرفونه لا ينكرون منه شيئًا ذكر نقضهم إياه فقال ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ ﴾ الحاضرون الشاهدون المشاهدون ﴿ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي يقتل بعضكم بعضًا كما كان يفعل من قبلكم مع اعترافكم بأن الميثاق مأخوذ عليكم كما كان مأخوذًا عليهم: كان بنو قينقاع من اليهود أعداء بني قريظة، إخوانهم في الدين، وكان الأولون حلفاء الأوس، والآخرون منع بني النضير حلفاء الخزرج ثم افترقوا فبقي بنو النضير مع الخزرج وحالف بنو قريظة الأوس، وكان الأوس والخزرج قبل الإسلام أعداء، وكانوا يقتتلون ومع كل حلفاؤه، فهذا ما احتج الله تعالى على بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم في عصر التنزيل.
ويتبع هذا القتال الأسر، ومن لوازمه الإخراج من الديار ولذلك قال ﴿ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ والتظاهر التعاون وتظاهرون أصله تتظاهرون كما قرأ الجمهور، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بحذف إحدى التائين للتخفيف وهو مقيس مشهور.
كان كل فريق من اليهود يظاهر حلفاءه من العرب ويعاونهم على إخوانه من اليهود بالإثم كالقتل والسلب، وبالعدوان كالإخراج من الديار.
ومن مثارات العجب أنهم كانوا إذا اتفقوا على فداء الأسرى يفدي كل فريق من اليهود أسرى أبناء جنسه وإن كانوا من أعدائه ويعتذرون عن هذا بأنهم مأمورون في الكتاب بفداء أسرى شعب إسرائيل.
فإن كانوا مستمسكين بالكتاب فلم قاتلوا شعب إسرائيل وأخرجوهم من ديارهم وهم منهيون عن ذلك في الكتاب؟
هذا لعب بالكتاب واستهزاء بالدين ولذلك قال تعالى ﴿ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ ﴾ بعد أن كنتم أسرتموهم وأخرجتموهم بالتظاهر عليهم مع العرب ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ بميثاق أغلظ من طلب مفاداتهم ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ ﴾ وهو فداء الأسرى ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ آخر منه وهو النهي عن القتل والإخراج؟
أليس من الحماقة والهزء والسخرية أن يدعي مدع مثل هذا الإيمان بأهون الأمور مع الكفر بأعظمها؟
والإيمان لا يتجزأ فالكفر بالبعض كالكفر بالكل.
وفي التعبير عن المخالفة والمعصية بالكفر دليل على ما سبق بيانه في معنى قوله تعالى ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ فالقرآن يصرح هنا وفي آيات كثيرة بأن من يقدم على الذنب لا تضطرب نفسه قبل إصابته، ولا يتألم ويندم بعد وقوعه فيرجع إلى الله تعالى تائبًا، بل يسترسل فيه بلا مبالاة بنهي الله تعالى عنه وتحريمه له، فهو كافر به، لأن المؤمن بان هذا شيء حرمه الله تعالى، المصدق بأنه من أسباب سخطه وموجبات عقوبته، لا يمكن أن لا يكون لإيمان قلبه أثر في نفسه، فإن من الضروريات أن لكل اعتقاد أثرًا في النفس، ولكل أثر في النفس تأثيرًا في الأعمال.
وهذا هو الوجه في الأحاديث الصحيحة الناطقة بأنه "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر شاربها وهو مؤمن".
سمى الله الذنب ههنا كفرًا لما تقدم وتوعد عليه بوعيد الكفر فقال ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ إلخ أوعدهم الله تعالى كما أوعد من قبلهم ومن بعدهم بأنهم يعاقبون على نقض ميثاق الدين الذي يجمعهم، والشريعة التي هي مناط وحدتهم، ورباط جنسيتهم، بالخزي العاجل، والعذاب الآجل، وقد دل المعقول، وشهد الوجود، بأنه ما من أمة فسقت عن أمر ربها، واعتدت حدود شريعتها، إلا وانتكث فتلها، وتفرق شملها، ونزل بها الذل والهوان، وهو الخزي المراد في القرآن، وهذه هي سنة الخليقة ذكرها ليعتبر بها من صرفته الغفلة عنها.
وأما العذاب الأجل الذي عبر عنه بقوله ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ َ ﴾ فهو على كونه من عالم الغيب معقول المعنى، وهاد إلى حكمة عليا، ذلك أن النفوس البشرية إذا سحل مريرها، واختلت بفساد الأخلاق أمورها، وكثرت في هذا العالم شرورها، حتى سلبت ما أعده الله تعالى لمن حافظوا على الحقيقة، واستقاموا على الطريقة، تكون جديرة بأن تسلب في الآخرة ما أعده الله تعالى للأرواح العالية، وما وعد به أصحاب النفوس الزاكية، فإن سعادة الدار الدنيا لم تكن أجرًا على أعمال بدنية، لا تتعلق بصلاح النفس في خلق ولا نية، وإنما هي ثمرة تزكية النفس، التي يتوسل إليها بعمل الحس، فلذا كان هذا شأن سعادة الدنيا فكيف يكون نعيم الآخرة جزاء حركات جسدية، وهي الدار التي تغلب فيها الروحانية ؟؟؟
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ .
ثم أكد الله تعالى ذلك الوعيد الشديد وبين سببه بقوله ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾ أي جعلوا حظوظهم من الحياة الدنيا بدلًا من الآخرة بما فرطوا في جنب الله وأهملوا من شريعته حتى لم يتبعوا منها إلا ما يوافق أهواءهم ولا يعارض شهواتهم كالحمية التي حملت كل حليف على الانتصار لمحالفه المشرك ومظاهرته إياه على قومه الذين تجمعه بهم رابطة الدين والنسب ﴿ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ ﴾ لأن علته ذاتية فيهم وهي ظلمة أرواحهم وفساد أخلاقهم ﴿ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ بشفاعة شافع أو ولاية ولي من دون الله ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ ؟
وأنى يأذن بالشفاعة لمن سجلت عليهم الشقاء أعمالهم بإحاطة الخطايا بهم من كل جانب، حتى أخذت عليهم طريق الرحمة، وقطعت عليهم باختيارهم سبيل الرضوان الإلهي؟
فمن الجهل إهمالهم الأمر والنهي، ونقضهم ميثاق الله تعالى في أهم ما واثقهم به، واعتمادهم مع هذا كله على الشفعاء ﴿ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ .
ومن مباحث الألفاظ في قوله ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أن الضمير للشأن عند المفسر والجماهير.
وإن المعهود في كلام العرب أن الجملة التي تقضي الحال فيها بتقدم الاسم وتأخر الفعل أو ما يشتق منه لا بد أن تصدر بضمير تعتمد عليه ولهذا شواهد في كلام البلغاء يتفق فيها ذوقهم وإن اختلف النحاة في إعرابها.
<div class="verse-tafsir"