تفسير الآية ٩٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٩٠ من سورة البقرة

بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍۢ ۚ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ٩٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 119 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٩٠ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٩٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال مجاهد : ( بئسما اشتروا به أنفسهم ) يهود شروا الحق بالباطل ، وكتمان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بأن يبينوه .

وقال السدي : ( بئسما اشتروا به أنفسهم ) يقول : باعوا به أنفسهم ، يعني : بئسما اعتاضوا لأنفسهم ورضوا به [ وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم إلى تصديقه ومؤازرته ونصرته ] .

وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية ( أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده ) ولا حسد أعظم من هذا .

قال ابن إسحاق عن محمد ، عن عكرمة أو سعيد ، عن ابن عباس : ( بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده ) أي : إن الله جعله من غيرهم ( فباءوا بغضب على غضب ) قال ابن عباس : فالغضب على الغضب ، فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم ، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم .

قلت : ومعنى ( باءوا ) استوجبوا ، واستحقوا ، واستقروا بغضب على غضب .

وقال أبو العالية : غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى ، ثم غضب عليهم بكفرهم بمحمد ، وبالقرآن عليهما السلام ، [ وعن عكرمة وقتادة مثله ] .

قال السدي : أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العجل ، وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم [ وعن ابن عباس مثله ] .

وقوله : ( وللكافرين عذاب مهين ) لما كان كفرهم سببه البغي والحسد ، ومنشأ ذلك التكبر ، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : ( إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) [ غافر : 60 ] ، [ أي : صاغرين حقيرين ذليلين راغمين ] .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، حدثنا ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس ، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا في جهنم ، يقال له : بولس فيعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال : عصارة أهل النار " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا قال أبوجعفر ومعنى قوله جل ثناؤه: (بئس ما اشتروا به أنفسهم): ساء ما اشتروا به أنفسهم.

* * * وأصل " بئس " " بَئِس " من " البؤس ", سكنت همزتها، ثم نقلت حركتها إلى " الباء ", كما قيل في" ظللت "" ظلت ", وكما قيل " للكبد "،" كِبْد " - فنقلت حركة " الباء " إلى " الكاف " لما سكنت " الباء ".

وقد يحتمل أن تكون " بئس "، وإن كان أصلها " بَئِس "، من لغة الذين ينقلون حركة العين من " فعل " إلى الفاء، إذا كانت عين الفعل أحد حروف الحلق الستة, كما قالوا من " لعب " " لِعْب ", ومن " سئم "" سِئْم ", وذلك -فيما يقال- لغة فاشية في تميم.

ثم جعلت دالة على الذم والتوبيخ، ووصلت بـ " ما ".

واختلف أهل العربية في معنى " ما " التي مع " بئسما ".

فقال بعض نحويي البصرة: هي وحدها اسم, و " أن يكفروا " تفسير له, (12) نحو: نعم رجلا زيد, و أَنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ بدل من " أنـزل الله ".

وقال بعض نحويي الكوفة: معنى ذلك: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا, ف " ما " اسم " بئس ", و " أن يكفروا " الاسم الثاني.

وزعم أن: " أن يكفروا " إن شئت جعلت " أن " في موضع رفع, وإن شئت في موضع خفض.

(13) أما الرفع: فبئس الشيء هذا أن يفعلوه.

وأما الخفض: فبئس &; 2-339 &; الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنـزل الله بغيا.

قال: وقوله: لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [سورة المائدة: 80] كمثل ذلك.

والعرب تجعل " ما " وحدها في هذا الباب، بمنـزلة الاسم التام، كقوله: فَنِعِمَّا هِيَ [سورة البقرة: 271]، و " بئسما أنت "، واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الرجاز: لا تعجــلا فــي السـير وادْلُوهـا لبئســـــما بــــطءٌ ولا نرعاهــــا (14) قال أبو جعفر: والعرب تقول: لبئسما تزويج ولا مهر ", فيجعلون " ما " وحدها اسما بغير صلة.

وقائل هذه المقالة لا يجيز أن يكون الذي يلي" بئس " معرفة مُوَقَّتَة، وخبره معرفة موقتة.

وقد زعم أن " بئسما " بمنـزلة: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم, فقد صارت " ما " بصلتها اسما موقتا، لأن " اشتروا " فعل ماض من صلة " ما "، في قول قائل هذه المقالة.

وإذا وصلت بماض من الفعل، كانت معرفة موقتة معلومة، فيصير تأويل الكلام حينئذ: " بئس شراؤهم كفرهم ".

وذلك عنده غير جائز: فقد تبين فساد هذا القول.

(15) وكان آخر منهم يزعم أن " أن " في موضع خفض إن شئت, ورفع إن شئت.

فأما الخفض: فأن ترده على " الهاء " التي في،" به " على التكرير على كلامين.

كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بالكفر.

وأما الرفع: فأن يكون مكرورا على موضع " ما " التي تلي" بئس ".

(16) قال: ولا يجوز أن يكون رفعا على قولك: " بئس الرجل عبد الله.

(17) وقال بعضهم: " بئسما " شيء واحد يرافع ما بعده (18) كما حكي عن العرب: &; 2-340 &; " بئسما تزويج ولا مهر " فرافع " تزويج "" بئسما ", (19) كما يقال: " بئسما زيد, وبئس ما عمرو ", فيكون " بئسما " رفعا بما عاد عليها من " الهاء ".

كأنك قلت: بئس شيء الشيء اشتروا به أنفسهم, وتكون " أن " مترجمة عن " بئسما ".

(20) * * * وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من جعل " بئسما " مرفوعا بالراجع من " الهاء " في قوله: (اشتروا به)، كما رفعوا ذلك بـ " عبد الله " إذ قالوا: " بئسما عبد الله ", وجعل " أن يكفروا " مترجمة عن " بئسما ".

(21) فيكون معنى الكلام حينئذ: بئس الشيء باع اليهود به أنفسهم، كفرهم بما أنـزل الله بغيا وحسدا أن ينـزل الله من فضله.

وتكون أَنْ التي في قوله: أَنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ , في موضع نصب.

لأنه يعني به " أن يكفروا بما أنـزل الله ": من أجل أن ينـزل الله من فضله على من يشاء من عباده.

موضع أَنْ جزاء.

(22) وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أن أَنْ في موضع خفض بنية " الباء ".

وإنما اخترنا فيها النصب لتمام الخبر قبلها, ولا خافض معها يخفضها.

والحرف الخافض لا يخفض مضمرا.

* * * وأما قوله: (اشتروا به أنفسهم)، فإنه يعني به: باعوا أنفسهم كما:- 1534 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (بئسما اشتروا به أنفسهم)، يقول: باعوا أنفسهم " أن يكفروا بما أنـزل الله بغيا ".

1535 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال مجاهد: (بئسما اشتروا به أنفسهم)، يهود، شروا الحق &; 2-341 &; بالباطل، وكتمان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بأن يبينوه.

(23) قال أبو جعفر: والعرب تقول: " شريته "، بمعنى بعته.

و " اشتروا "، في هذا الموضع،" افتعلوا " من " شريت ".

وكلام العرب -فيما بلغنا- أن يقولوا: " شريت " بمعنى: بعت, و " اشتريت " بمعنى: ابتعت.

وقيل: إنما سمي" الشاري"،" شاريا "، لأنه باع نفسه ودنياه بآخرته.

(24) ومن ذلك قول يزيد بن مفرغ الحميري: وشــــريت بـــردا ليتنـــي مـــن قبـــل بــرد كــنت هامــة (25) ومنه قول المسيب بن علس: يعطـــى بهــا ثمنــا فيمنعهــا ويقــــول صاحبهــــا ألا تشـــري? (26) &; 2-342 &; يعني به: بعت بردا.

وربما استعمل " اشتريت " بمعنى: بعت, و " شريت " في معنى: " ابتعت ".

والكلام المستفيض فيهم هو ما وصفت.

* * * وأما معنى قوله: (بغيا)، فإنه يعني به: تعديا وحسدا، كما:- 1536 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة: (بغيا)، قال: أي حسدا, وهم اليهود.

1537 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (بغيا)، قال: بغوا على محمد صلى الله عليه وسلم وحسدوه, وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل, فما بال هذا من بني إسماعيل؟

فحسدوه أن ينـزل الله من فضله على من يشاء من عباده.

1538 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (بغيا)، يعني: حسدا أن ينـزل الله من فضله على من يشاء من عباده, وهم اليهود كفروا بما أنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

1539 - حُدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.

* * * قال أبو جعفر: فمعنى الآية: بئس الشيء باعوا به أنفسهم، الكفر بالذي أنـزل الله في كتابه على موسى - من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والأمر بتصديقه واتباعه - من أجل أن أنـزل الله من فضله = وفضله: حكمته وآياته ونبوته = على من يشاء من عباده - يعني به: على محمد صلى الله عليه وسلم - بغيا وحسدا لمحمد صلى الله عليه وسلم, من أجل أنه كان من ولد إسماعيل, ولم يكن من بني إسرائيل.

* * * فإن قال قائل: وكيف باعت اليهود أنفسها بالكفر، فقيل: (بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنـزل الله)؟

وهل يشتري بالكفر شيء؟

قيل: إن معنى: " الشراء " و " البيع " عند العرب، هو إزالة مالك ملكه &; 2-343 &; إلى غيره، بعوض يعتاضه منه.

ثم تستعمل العرب ذلك في كل معتاض من عمله عوضا، شرا أو خيرا, فتقول: " نعم ما باع به فلان نفسه " و " بئس ما باع به فلان نفسه ", بمعنى: نعم الكسب أكسبها، وبئس الكسب أكسبها - إذا أورثها بسعيه عليها خيرا أو شرا.

فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: (بئس ما اشتروا به أنفسهم) - لما أوبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأهلكوها, خاطبهم الله والعرب بالذي يعرفونه في كلامهم، فقال: (بئس ما اشتروا به أنفسهم)، يعني بذلك: بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم, وبئس العوض اعتاضوا، من كفرهم بالله في تكذيبهم محمدا, إذْ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب الله وما أعد لهم - لو كانوا آمنوا بالله وما أنـزل على أنبيائه - بالنار وما أعد لهم بكفرهم بذلك.

* * * وهذه الآية - وما أخبر الله فيها عن حسد اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم وقومه من العرب, من أجل أن الله جعل النبوة والحكمة فيهم دون اليهود من بني إسرائيل, حتى دعاهم ذلك إلى الكفر به، مع علمهم بصدقه, وأنه نبي لله مبعوث ورسول مرسل - (27) نظيره الآية الأخرى في سورة النساء, وذلك قوله, أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [سورة النساء: 51-54].

* * * &; 2-344 &; القول في تأويل قوله : أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ قال أبو جعفر: قد ذكرنا تأويل ذلك وبينا معناه, ولكنا نذكر الرواية بتصحيح ما قلنا فيه:- 1540 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق, عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري, عن أشياخ منهم ، قوله: (بغيا أن ينـزل الله من فضله على من يشاء من عباده)، أي أن الله تعالى جعله في غيرهم.

(28) .

1541 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: هم اليهود.

لما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فرأوا أنه بعث من غيرهم, كفروا به - حسدا للعرب - وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة.

1542 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية مثله.

1543 - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.

1544 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل, فما بال هذا من بني إسماعيل؟

1545- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن علي الأزدي.

قال: نـزلت في اليهود.

(29) * * * &; 2-345 &; القول في تأويل قوله تعالى : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (فباءوا بغضب على غضب)، (30) فرجعت اليهود من بني إسرائيل - بعد الذي كانوا عليه من الاستنصار بمحمد صلى الله عليه وسلم والاستفتاح به, وبعد الذي كانوا يخبرون به الناس من قبل مبعثه أنه نبي مبعوث - مرتدين على أعقابهم حين بعثه الله نبيا مرسلا فباءوا بغضب من الله = استحقوه منه بكفرهم بمحمد حين بعث, وجحودهم نبوته, وإنكارهم إياه أن يكون هو الذي يجدون صفته في كتابهم، عنادا منهم له وبغيا وحسدا له وللعرب = على غضب سالف، كان من الله عليهم قبل ذلك، سابقٍ غضبه الثاني، لكفرهم الذي كان قبل عيسى ابن مريم, أو لعبادتهم العجل, أو لغير ذلك من ذنوب كانت لهم سلفت، يستحقون بها الغضب من الله، كما:- 1546 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, فيما روى عن سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس: (فباءوا بغضب على غضب)، فالغضب على الغضب، غضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم, وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم.

(31) 1547 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن, قالا حدثنا سفيان، عن أبي بكير, عن عكرمة: (فباءوا بغضب على غضب) قال: كفر بعيسى، وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.

(32) 1548 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن يمان قال، حدثنا سفيان, &; 2-346 &; عن أبي بكير, عن عكرمة: (فباءوا بغضب على غضب)، قال: كفرهم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.

1549 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن أبي بكير, عن عكرمة مثله.

1550 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن الشعبي قال: الناس يوم القيامة على أربعة منازل: رجل كان مؤمنا بعيسى وآمن بمحمد صلى الله عليهما، فله أجران.

ورجل كان كافرا بعيسى فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فله أجر.

ورجل كان كافرا بعيسى فكفر بمحمد, فباء بغضب على غضب.

ورجل كان كافرا بعيسى من مشركي العرب, فمات بكفره قبل محمد صلى الله عليه وسلم، فباء بغضب.

1551 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (فباءوا بغضب على غضب)، غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وبعيسى, وغضب عليهم بكفرهم بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم.

1552 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فباءوا بغضب)، اليهود بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم,(على غضب)، جحودهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بما جاء به.

1553 - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (فباءوا بغضب على غضب)، يقول: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى, ثم غضبه عليهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن.

1554 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فباءوا بغضب على غضب)، أما الغضب الأول فهو حين غضب الله عليهم في العجل؛ وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

&; 2-347 &; 1555 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج وعطاء وعبيد بن عمير قوله: (فباءوا بغضب على غضب)، قال: غضب الله عليهم فيما كانوا فيه من قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم - من تبديلهم وكفرهم -, ثم غضب عليهم في محمد صلى الله عليه وسلم - إذ خرج، فكفروا به.

* * * قال أبو جعفر: وقد بينا معنى " الغضب " من الله على من غضب عليه من خلقه - واختلاف المختلفين في صفته - فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته.

(33) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وللكافرين عذاب مهين)، وللجاحدين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم، عذاب من الله، إما في الآخرة, وإما في الدنيا والآخرة، (مهين) هو المذل صاحبه، المخزي، الملبسه هوانا وذلة.

* * * فإن قال قائل: أي عذاب هو غير مهين صاحبه، فيكون للكافرين المهين منه؟

قيل: إن المهين هو الذي قد بينا أنه المورث صاحبه ذلة وهوانا، الذي يخلد فيه صاحبه، لا ينتقل من هوانه إلى عز وكرامة أبدا, وهو الذي خص الله به أهل الكفر به وبرسله.

وأما الذي هو غير مهين صاحبه، فهو ما كان تمحيصا لصاحبه.

وذلك هو كالسارق من أهل الإسلام، يسرق ما يجب عليه به القطع فتقطع يده, والزاني منهم يزني فيقام عليه الحد, وما أشبه ذلك من العذاب والنكال الذي جعله الله كفارات للذنوب التي عذب بها أهلها, وكأهل الكبائر من أهل &; 2-348 &; الإسلام الذين يعذبون في الآخرة بمقادير جرائمهم التي ارتكبوها، ليمحصوا من ذنوبهم، ثم يدخلون الجنة.

فإن كل ذلك، وإن كان عذابا، فغير مهين من عذب به.

إذ كان تعذيب الله إياه به ليمحصه من آثامه، ثم يورده معدن العز والكرامة، ويخلده في نعيم الجنان.

---------------- (12) "التفسير" هو ما اصطلح البصريون على تسميته"التمييز" ، ويقال له التبيين أيضًا ، (همع الهوامع 1 : 250) .

(13) في المطبوعة : "وزعم أن أن ينزل من فضله إن شئت جعلت .

.

.

" ، وهو سهو من النساخ ، وصوابه ماأثبته من معاني القرآن للفراء 1 : 56 .

(14) لم أعرف الراجز ، والبيتان في اللسان (دلو) .

دلوت الناقة دلوا : سقتها سوقا رفيقا رويدا ورعى الماشية وأرعاها : أطلقها في المرعى .

(15) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 56 - 57 ، كأنه قول الكسائي .

والمعرفة الموقتة : وهي المعرفة المحددة .

وانظر شرح ذلك فيما سلف 1 : 181 ، تعليق : 1 .

(16) في المطبوعة : "مكررا" ، والصواب من معاني القرآن للفراء 1 : 56 .

(17) هذه الفقرة هي نص كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 56 .

(18) في المطبوعة : "يعرف ما بعده" ، والصواب ما أثبت .

(19) في المطبوعة : "فرفع" ، والصواب ما أثبت .

(20) الترجمة : هو ما يسميه البصريون : "عطف البيان" و"البدل" ، فقوله"مترجما عن بئسما" ، أي عطف بيان .

(21) الترجمة : هو ما يسميه البصريون : "عطف البيان" و"البدل" ، فقوله"مترجما عن بئسما" ، أي عطف بيان .

(22) الجزاء : المفعول لأجله هنا ، وفي المطبوعة : "جر" ، وهو خطأ ، وصوابه في معاني القرآن للفراء 1 : 58 .

(23) في المطبوعة : "بأن بينوه" ، وهو خطأ ، والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 231 .

والمعنى اشتروا الكتمان بالبيان .

(24) الشاري واحد الشراة (بضم الشين) ، وهم الخوارج ، وقال قطري بن الفجاءة الخارجي في معنى ذلك ، ويذكر أم حكيم ، وذلك في يوم دولاب: فلــو شــهدتنا يـوم ذاك, وخيلنـا تبيــح مــن الكفـار كـل حـريم رأت فتيــة بـاعوا الإلـه نفوسـهم بجنــات عــدن عنــده ونعيــم وقال الخوارج : نحن الشراة ، لقول الله عز وجل : "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" أي يبيعها ويبذلها في الجهاد ، وثمنها الجنة ، وقيل : سموا بذلك لقولهم : "إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله حين فارقنا الأئمة الجائرة" ، أي : بعناها بالجنة .

(25) طبقات فحول الشعراء : 555 من قصيدة له ، في هجاء عباد بن زياد ، حين باع ما له في دين كان عليه ، وقضى الغرماء ، وكان فيما باع غلام لابن مفرغ ، يقال له"برد" ، وجارية يقال لها"أراكة" .

وقوله : "كنت هامة" أي هالكا .

يقال : فلان هامة اليوم أو غد ، أي قريب هلاكه ، فإذا هو"هامة" ، وذلك زعم أبطله الله بالإسلام كان في الجاهلية : أن عظم الميت أو روحه تصير هامة (وهو طير كالبومة) فتطير .

ورواية غيره : "من بعد برد" .

(26) ديوانه: 352 (من ملحق ديوان الأعشى - والمسيب خال الأعشى، والأعشى راويته)، ورواية الديوان"ويقول صاحبه"، وهي الصواب.

والبيت من أبيات آية في الجودة، يصف الغواص الفقير، قد ظفر بدرة لا شبيه لها، فضن بها على البيع، وقد أعطى فيها ما يغنى من الثمن، فأبى، وصاحبه يحضضه على بيعها، وبعده: وتــرى الصـراري يسـجدون لهـا ويضمهــــا بيديـــه للنحـــر والصراري : الملاحون ، من أصحاب الغواصين .

(27) قوله"- نظيره الآية .

.

" خبر قوله في صدر هذه الفقرة : "وهذه الآية-" .

(28) الأثر : 1540 - سيرة ابن هشام 2 : 190 (29) الأثر : 1545 - انظر التعليق على رقم : 1523 ، 1524 .

(30) انظر تفسير .

"باء" فيما سلف من هذا الجزء 2 : 138 .

(31) الأثر : 1546- سيرة ابن هشام 2 : 190 .

(32) الأثر : 1547 - في الدر المنثور : "كفرهم" في الموضعين ، وهما سواء .

(33) انظر ما سلف 1 : 188 - 189 ، وما مضى في هذا الجزء 2 : 138 هذا وقد كان في المطبوعة بعد قوله : "عن إعادته" ما نصه : "والله تعالى أعلم" ، وليس لها مكان هنا ، وهي بلا شك زيادة بعض النساخ ، فلذلك تركتها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين قوله تعالى : بئسما اشتروا بئس في كلام العرب مستوفية للذم ، كما أن " نعم " مستوفية للمدح .

وفي كل واحدة منها أربع لغات : بئس ، بئس ، بئس ، بئس .

نعم ، نعم ، نعم ، نعم .

ومذهب سيبويه أن " ما " فاعلة بئس ، ولا تدخل إلا على أسماء الأجناس والنكرات .

وكذا نعم ، فتقول نعم الرجل زيد ، ونعم رجلا زيد ، فإذا كان معها اسم بغير ألف ولام فهو نصب أبدا ، فإذا كان فيه ألف ولام فهو رفع أبدا ، ونصب رجل على التمييز .

وفي نعم مضمر على شريطة التفسير ، وزيد مرفوع على وجهين : على خبر ابتداء محذوف ، كأنه قيل من الممدوح ؟

قلت هو زيد ، والآخر على الابتداء وما قبله خبره .

وأجاز أبو علي أن تليها " ما " موصولة وغير موصولة من حيث كانت مبهمة تقع على الكثرة ولا تخص واحدا بعينه ، والتقدير عند سيبويه : بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا .

ف أن يكفروا في موضع رفع بالابتداء ، وخبره فيما قبله ، كقولك : بئس الرجل زيد ، و " ما " على هذا القول موصولة .

وقال الأخفش : " ما " في موضع نصب على التمييز ، كقولك : بئس رجلا زيد ، فالتقدير بئس شيئا أن يكفروا .

ف اشتروا به أنفسهم على هذا القول صفة " ما " .

وقال الفراء : بئسما بجملته شيء واحد ركب كحبذا .

وفي هذا القول اعتراض ; لأنه يبقى فعل بلا فاعل .

وقال الكسائي : " ما " واشتروا بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه ، والتقدير بئس اشتراؤهم أن يكفروا .

وهذا مردود ، فإن نعم وبئس لا يدخلان على اسم معين معرف ، والشراء قد تعرف بإضافته إلى الضمير .

قال النحاس : وأبين هذه الأقوال قول الأخفش وسيبويه .

قال الفراء والكسائي : أن يكفروا إن شئت كانت أن في موضع خفض ردا على الهاء في به .

قال الفراء : أي اشتروا أنفسهم بأن يكفروا بما أنزل الله .

فاشترى بمعنى باع وبمعنى ابتاع ، والمعنى : بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم حيث استبدلوا الباطل بالحق ، والكفر بالإيمان .قوله تعالى : بغيا معناه حسدا ، قاله قتادة والسدي ، وهو مفعول من أجله ، وهو على الحقيقة مصدر .

الأصمعي : وهو مأخوذ من قولهم : قد بغى الجرح إذا فسد .

وقيل : أصله الطلب ، ولذلك سميت الزانية بغيا .أن ينزل الله في موضع نصب ، أي لأن ينزل ، أي لأجل إنزال الله الفضل على نبيه صلى الله عليه وسلم .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن " أن ينزل " [ ص: 29 ] مخففا ، وكذلك سائر ما في القرآن ، إلا وما ننزله في " الحجر " ، وفي " الأنعام " على أن ينزل آية .قوله تعالى : فباءوا أي رجعوا ، وأكثر ما يقال في الشر ، وقد تقدم .

بغضب على غضب تقدم معنى غضب الله عليهم ، وهو عقابه ، فقيل : الغضب الأول لعبادتهم العجل ، والثاني لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس .

وقال عكرمة : لأنهم كفروا بعيسى ثم كفروا بمحمد ، يعني اليهود .

وروى سعيد عن قتادة : الأول لكفرهم بالإنجيل ، والثاني لكفرهم بالقرآن .

وقال قوم : المراد التأبيد وشدة الحال عليهم ، لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين .

ومهين مأخوذ من الهوان ، وهو ما اقتضى الخلود في النار دائما بخلاف خلود العصاة من المسلمين ، فإن ذلك تمحيص لهم وتطهير ، كرجم الزاني وقطع يد السارق ، على ما يأتي بيانه في سورة " النساء " من حديث أبي سعيد الخدري إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولما جاءهم كتاب من عند الله على يد أفضل الخلق وخاتم الأنبياء, المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة, وقد علموا به, وتيقنوه حتى إنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب, استنصروا بهذا النبي, وتوعدوهم بخروجه, وأنهم يقاتلون المشركين معه، فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا, كفروا به, بغيا وحسدا, أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فلعنهم الله, وغضب عليهم غضبا بعد غضب, لكثرة كفرهم وتوالى شكهم وشركهم.

ولهم في الآخرة { عذاب مهين } أي: مؤلم موجع, وهو صلي الجحيم, وفوت النعيم المقيم، فبئس الحال حالهم, وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله, الكفر به, وبكتبه, وبرسله, مع علمهم وتيقنهم, فيكون أعظم لعذابهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{بئسما اشتروا به أنفسهم} بئس ونعم: فعلان ماضيان وضعا للمدح والذم، لا يتصرفان تصرف الأفعال، معناه: بئس الذي اختاروا لأنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحق.

وقيل: الاشتراء هاهنا بمعنى البيع والمعنى بئس ما باعوا به حظ أنفسهم أي حين اختاروا الكفر (وبذلوا أنفسهم للنار).

{أن يكفروا بما أنزل الله} يعني القرآن.

{بغياً} أي حسداً، وأصل البغي: الفساد، ويقال بغى الجرح إذا فسد، والبغي: الظلم، وأصله الطلب، والباغي طالب الظلم والحاسد يظلم المحسود جهده، طلباً لإزالة نعمة الله تعالى عنه.

{أن ينزل الله من فضله} أي النبوة والكتاب.

قرأ أهل مكة والبصرة ينزل بالتخفيف إلا ( في سبحان الذي ) في موضعين {وننزل من القرآن} [93-الإسراء] و{حتى تنزل} [93-الإسراء] فإن ابن كثير يشددهما، وشدد البصريون في الأنعام {على أن ينزل آية} [37-الأنعام] زاد يعقوب تشديد (بما ينزل) في النحل ووافق حمزة والكسائي في تخفيف (وينزل الغيث) في سورة لقمان وحم وعسق، والآخرون يشددون الكل، ولم يختلفوا في تشديد {وما ننزله إلا بقدر} في الحجر.

{على من يشاء من عباده} محمد صلى الله عليه وسلم.

{وباءوا بغضب} أي رجعوا بغضب.

{على غضب} قال ابن عباس ومجاهد: "الغضب الأول بتضييعهم التوراة وتبديلهم، والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن"، وقال قتادة: "الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن"، وقال السدي: "الأول بعبادة العجل والثاني بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم".

{وللكافرين} الجاحدين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم.

{عذاب مهين} مخز يهانون فيه.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«بئسما اشتروا» باعوا «به أنفسهم» أي حظها من الثواب، وما: نكرة بمعنى شيئاً تمييز لفاعل بئس والمخصوص بالذم «أن يكفروا» أي كفرهم «بما أنزل الله» من القرآن «بغياً» مفعول له ليكفروا: أي حسداً على «أن ينزل الله» بالتخفيف والتشديد «من فضله» الوحي «على من يشاء» للرسالة «من عباده فباءوا» رجعوا «بغضب» من الله بكفرهم بما أنزل والتنكيرُ للتعظيم «على غضب» استحقوه من قبل بتضييع التوراة والكفر بعيسى «وللكافرين عذاب مُهين» ذو إهانة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قَبُحَ ما اختاره بنو إسرائيل لأنفسهم؛ إذ استبدلوا الكفر بالإيمان ظلمًا وحسدًا لإنزال الله من فضله القرآن على نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فرجعوا بغضب من الله عليهم بسبب جحودهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بعد غضبه عليهم بسبب تحريفهم التوراة.

وللجاحدين نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم عذابٌ يذلُّهم ويخزيهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - أنهم بكفرهم قد باعوا أنفسهم بثمن بخس .

فقال تعالى : " بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله " أي : بئس الشيء الذي باع به اليهود أنفسهم كفرهم بما أنزل الله بغياً وحسداً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده .وجمهور المفسرين على أن ( اشتروا ) هنا بمعنى باعوا ، لأن أولئك اليهود ، لما كانوا متمكنين من الإِيمان الذي يفضي بهم إلى السعادة الأبدية بعد أن جاءهم ما عرفوا من الحق فتركوه ، واستمروا على كفرهم بغياً وحسداً وحباً في الرياسة وتعصباً لجنسيتهم لما كانوا كذلك ، صار اختيارهم للكفر على الإِيمان ، بمنزلة اختيار صاحب السلعة ثمنها على سلعته ، فكاأنهم بذلوا أنفسهم التي كان باستطاعتهم الانتفاع بإيمانها ، وقبضوا الكفر عوضاً عنها فأنفسهم بمنزلة السلعة المبيعة وكفرهم بمنزلة ثمنها المقبوض ، فبئس هذا الثمن الذي أوردهم العذاب الأليم .وعبر - سبحانه - عن كفرهم بصيغة المضارع ( أَن يَكْفُرُواْ ) وعن بيعهم لأنفسهم بالماضي ( اشتروا ) للدلالة على أنهم صرحوا بكفرهم بالقرآن الكريم من قبل نزول الآية ، وإن بيعهم أنفسهم بالكفر طبيعة فيهم مستقرة منذ وقت بعيد ، وأنهم مازالوا مستمرين على تلك الطبيعة المنحرفة .وقوله تعالى : ( بَغْياً أَن يُنَزِّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ) تعليل لكفرهم وبيان للباعث عليه ، أي كفروا بما أنزل الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بدافع من البغي والحقد ، وكراهة أن ينزل الله الوحي من فضله على من يشاء من عباده ، فالبغي هنا مصدر بغي يبغى إذا ظلم .

والمراد به ظلم خاص هو الحسد ، وإنما عد الحسد ظلما ، لأن الظلم معناه المعاملة التي تبعد عن الحق وتجافيه ، والحسد معناه تمنى زوال النعمة عن الغير والظالم والحاسد قد جانب كل منهما الحق فيما صنع ، والحاسد لن يناله نفع من زوال نعمة المحسود ، كما أنه لن يناله ضر من بقائها ، وما دام كذلك فالحاسد ظالم للمحسود بتمنى زوال النعمة وصدق الشاعر في قوله .وأظلم خلق الله من بات حاسداً - لمن بات في نعمائه يتقلب - .فاليهود قد كفروا بما أنزل الله ، من أجل حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم على النبوة ولأنه لم يكن منهم وكان من العرب ، وكراهية لأن ينزل الله الوحي على من يصطفيه للرسالة من غيرهم ، فعدم إيمانهم بما عرفوه وارتقبوه سببه أنانيتهم البغيضة ، وأثرتهم الذميمة التي حملتهم على أن يحسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله ، وأن يتوهموا أن النبوة مقصورة عليهم ، فليس لله - تعالى - في زعمهم ، - أن ينزعها من ذرية إسحاق ليجعلها في ذرية إسماعيل عليهما السلام - .ولم يصرح - سبحانه - بأن المحسود هو النبي صلى الله عليه وسلم لعلم ذلك من سياق الآيات الكريمة وللتنبيه على أن الحسد في ذاته مذموم كيفما كان حال المحسود .ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما آل إليه أمرهم من خسران مبين فقال تعالى :( فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) : باء بإثمه يبوء أي : رجع أي : فرجعوا من أجل كفرهم وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم بغضب مضموم إلى غضب آخر كانوا قد استحقوه بسبب كفرهم بعيسى - عليه السلام - وبسبب تحريفهم للكلم عن مواضعه ، وتضييعهم لأحكام التوراة .

فهم بسبب كفرهم المستمر الذي تعددت أسبابه ، يصيبهم غضب كثير متعاقب من الله - تعالى - .ويصح أن يكون معنى قوله : ( فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ ) أنهم رجعوا بغضب شديد مؤكد ، لصدوره من الله - تعالى - .ولامراد بالكافرين ، اليهود الذين تحدث عنهم فيما سبق ، فهم الذين عرفوا صدق محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته بما نطقت به التوراة ، ومع ذلك كفروا به فاستحبوا العمى على الهدى .وعبر عنهم بهذا العنوان للتنبيه على أن ما أصابهم من عذاب مذل لهم كان بسبب كفرهم ، ويصح أن يراد بالكافرين : كل كافروهم يدخلون فيه دخولا أوليا؛ وإنما كان لهم العذاب المهين لأن كفرهم لما كان سببه البغي والحسد والتكبر والأنانية ، قوبلوا بالإِهانة والصغار .وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد كشفتا عن لون من صفات اليهود الذميمة وهو إعراضهم عن الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يستنصرون به على أعدائهم قبل بعثته ، وبيعهم الإِيمان الذي كان في مكنتهم الظفر به بالكفر بما أنزل الله من دين قويم ، وكتاب كريم إرضاء لغريزة الحقد الذي استحوذ على قلوبهم ، وتمشياً مع أثرتهم التي أبت عليهم أن يؤمنوا بنبي ليس من نسل إسرائيل ولو جاءهم بالحق المبين ، فحق عليهم قول الله - تعالى - : ( فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ ) ثم حكى القرآن بعد ذلك بعض المعاذير الكاذبة التي كان اليهود يعتذرون بها عندما يدعون إلى الدخول في الإسلام ، فقد كانوا يقولون إننا مكلفون ألا نؤمن إلا بكتابنا التوراة ، فنحن نكتفي بالإِيمان به دون غيره ، استمع إلى القرآن - وهو يعرض دعاواهم الكاذبة ثم يقذفها بالحق فيدمغها - حيث يقول :( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن البحث عن حقيقة بئسما لا يحصل إلا في مسائل: المسألة الأولى: أصل نعم وبئس نعم وبئس بفتح الأول وكسر الثاني كقولنا: علم إلا أن ما كان ثانيه حرف حلق وهو مكسور يجوز فيه أربع لغات، الأول: على الأصل أعني بفتح الأول وكسر الثاني.

والثاني: اتباع الأول للثاني وهو أن يكون بكسر النون والعين، وكذا يقال: فخذ بكسر الفاء والخاء، وهم وإن كانوا يفرون من الجمع بين الكسرتين إلا أنهم جوزوه هاهنا لكون الحرف الحلقي مستتبعاً لما يجاوره.

الثالث: إسكان الحرف الحلقي المكسور وترك ما قبله على ما كان فيقال: نعم وبئس بفتح الأول وإسكان الثاني كما يقال: فخذ بفتح الفاء وإسكان الخاء.

الرابع: أن يسكن الحرف الحلقي وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال: نعم بكسر النون وإسكان العين كما يقال: فخذ بكسر الفاء وإسكان الخاء.

واعلم أن هذا التغيير الأخير وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين إلا أنهم جعلوه لازماً لهما لخروجهما عما وضعت له الأفعال الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان الماضي وصيرورتهما كلمتي مدح وذم ويراد بهما المبالغة في المدح والذم، ليدل هذا التغيير اللازم في اللفظ على التغيير عن الأصل في المعنى فيقولون: نعم الرجل زيد ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشعر كما أنشد المبرد: ففداء لبني قيس على *** ما أصاب الناس من شر وضر ما أقلت قدماي إنهم *** نعم الساعون في الأمر المبر المسألة الثانية: أنهما فعلان من نعم ينعم وبئس ويبأس والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما، فيقال: نعمت وبئست، والفراء يجعلهما بمنزلة الأسماء ويحتج بقول حسان ابن ثابت رضي الله عنه.

ألسنا بنعم الجار يؤلف بيته *** من الناس ذا مال كثير ومعدما وبما روي أن أعرابياً بشر بمولودة فقيل له: نعم المولود مولودتك، فقال: والله ما هي بنعم المولودة والبصريون يجيبون عنه بأن ذلك بطريق الحكاية.

المسألة الثالثة: اعلم أن نعم وبئس أصلان للصلاح والرداءة ويكون فاعلهما اسماً يستغرق الجنس إما مظهراً وإما مضمراً، والمظهر على وجهين: الأول: نحو قولك، نعم الرجل زيد لا تريد رجلاً دون الرجل وإنما تقصد الرجل على الإطلاق.

والثاني: نحو قولك نعم غلام الرجل زيد، أما قوله: فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم *** وصاحب الركب عثمان بن عفانا فنادر وقيل: كان ذلك لأجل أن قوله: وصاحب الركب قد يدل على المقصود إذ المراد واحد فإذا أتى في الركب بالألف واللام فكأنه قد أتى به في القوم، وأما المضمر فكقولك: نعم رجلاً زيد، الأصل: نعم الرجل رجلاً زيد ثم ترك ذكر الأول لأن النكرة المنصوبة تدل عليه ورجلاً نصب على التمييز، مثله في قولك: عشرون رجلاً والمميز لا يكون إلا نكرة، ألا ترى أن أحداً لا يقول عشرون الدرهم ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا: نعم الرجل بالنصب لكان نقضاً للغرض، إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا وقالوا نعم الرجل وكفوا أنفسهم مؤنة الإضمار وإنما أضمروا الفاعل قصداً للاختصار، إذ كان نعم رجلاً يدل على الجنس الذي فضل عليه.

المسألة الرابعة: إذا قلت نعم الرجل زيد فهو على وجهين: أحدهما: أن يكون مبتدأ مؤخراً كأنه قيل: زيد نعم الرجل، أخرت زيداً والنية به التقديم، كما تقول: مررت به المسكين تريد المسكين مررت به، فأما الراجع إلى المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعاً ينتظم فيه الجنس كان زيد داخلاً تحته فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه، والوجه الآخر: أن يكون زيد في قولك: نعم الرجل زيد خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قيل: نعم الرجل، قيل: من هذا الذي أثنى عليه؟

فقيل: زيد أي هو زيد.

المسألة الخامسة: المخصوص بالمدح والذم لا يكون إلا من جنس المذكور بعد نعم وبئس كزيد من الرجال وإذا كان كذلك كان المضاف إلى القوم في قوله تعالى: ﴿ سَاء مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا  ﴾ محذوفاً وتقديره ساء مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، وإذ قد لخصنا هذه المسائل فلنرجع إلى التفسير.

أما قوله تعالى: ﴿ بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: ما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس الشيء شيئاً اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم أن يكفروا.

المسألة الثانية: في الشراء هاهنا قولان، أحدهما: أنه بمعنى البيع، وبيانه أنه تعالى لما مكن المكلف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة والكفر الذي يؤدي به إلى النار صار اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار تملك سلعة على سلعة فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونجاته.

قيل: نعم ما اشترى، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال ملك بملك صلح أن يوصف كل واحد منهما بأنه بائع ومشتر لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما فصح تأويل قوله تعالى: ﴿ بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ ﴾ بأن المراد باعوا أنفسهم بكفرهم لأن الذي حصلوه على منافع أنفسهم لما كان هو الكفر صاروا بائعين أنفسهم بذلك، الوجه الثاني: وهو الأصح عندي أن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنها تخلصهم من العقاب، وتوصلهم إلى الثواب فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بها، فذمهم الله تعالى، وقال: ﴿ بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ ﴾ وهذا الوجه أقرب إلى المعنى واللفظ من الأول، ثم إنه تعالى بين تفسير ما اشتروا به أنفسهم بقوله تعالى: ﴿ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله ﴾ ولا شبهة أن المراد بذلك كفرهم بالقرآن لأن الخطاب في اليهود وكانوا مؤمنين بغيره، ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر بما أنزل الله فقال: ﴿ بَغِيّاً ﴾ وأشار بذلك إلى غرضهم بالكفر كما يقال يعادي فلان فلاناً حسداً تنبيهاً بذلك على غرضه ولولا هذا القول لجوزنا أن يكفروا جهلاً لا بغياً.

واعلم أن هذه الآية تدل على أن الحسد حرام.

ولما كان البغي قد يكون لوجوه شتى بين تعالى غرضهم من هذا البغي بقوله: ﴿ أَن يُنَزّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ والقصة لا تليق إلا بما حكيناه من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في قومهم فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد.

أما قوله تعالى: ﴿ فَبَاءو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير الغضبين وجوه، أحدها: أنه لابد من إثبات سببين للغضبين.

أحدهما: ما تقدم وهو تكذيبهم عيسى عليه السلام وما أنزل عليه والآخر تكذيبهم محمد عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه فصار ذلك دخولاً في غضب بعد غضب وسخط بعد سخط من قبله تعالى لأجل أنهم دخلوا في سبب بعد سبب، وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة.

الثاني: ليس المراد إثبات غضبين فقط بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم: ﴿ عَزِيزٌ ابن الله  ﴾ .

﴿ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ  ﴾ .

﴿ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء  ﴾ وغير ذلك من أنواع كفرهم، وهو قول عطاء وعبيد بن عمير.

الثالث: أن المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه عظم، وهو قول أبي مسلم.

الرابع: الأول بعبادتهم العجل والثاني بكتمانهم صفة محمد وجحدهم نبوته عن السدي.

المسألة الثانية: الغضب عبارة عن التغير الذي يعرض للإنسان في مزاجه عند غليان دم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه وذلك محال في حق الله تعالى، فهو محمول على إرادته لمن عصاه الإضرار من جهة اللعن والأمر بذلك.

المسألة الثالثة: أنه يصح وصفه تعالى بالغضب وأن غضبه يتزايد ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته من العذاب فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة كغضبه على من كفر بخصال كثيرة.

أما قوله تعالى: ﴿ وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ له مزية على قوله ولهم عذاب مهين لأن العبارة الأولى يدخل فيها أولئك الكفار وغيرهم والعبارة الثانية لا يدخل فيها إلا هم.

المسألة الثانية: العذاب في الحقيقة لا يكون مهيناً لأن معنى ذلك أنه أهان غيره وذلك مما لا يتأتى إلا فيما يعقل، فالله تعالى هو المهين للمعذبين بالعذاب الكثير إلا أن الإهانة لما حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه، فإن قيل: العذاب لا يكون إلا مع الإهانة فما الفائدة في هذا الوصف؟

قلنا: كون العذاب مقروناً بالإهانة أمر لابد فيه من الدليل، فالله تعالى ذكر ذلك ليكون دليلاً عليه.

المسألة الثالثة: قال قوم: قوله تعالى: ﴿ وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ يدل على أنه لا عذاب إلا للكافرين، ثم بعد تقرير هذه المقدمة احتج بهذه الآية فريقان، أحدهما: الخوارج قالوا: ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر فيلزم أن يقال الفاسق كافر.

وثانيها: المرجئة قالوا: ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر وثبت أن الفاسق ليس بكافر، فوجب القطع بأنه لا يعذب وفساد هذين القولين لا يخفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الكتاب ﴾ التوراة، آتاه إياها جملة واحدة.

ويقال: قفاه إذا أتبعه من القفا.

نحو ذنبه، من الذنب.

وقفاه به: أتبعه إياه، يعني: وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل، كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ﴾ [المؤمنون: 44] وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم.

وقيل: ﴿ عِيسَى ﴾ بالسريانية يشوع.

و ﴿ مَرْيَمَ ﴾ بمعنى الخادم.

وقيل: المريم بالعربية من النساء، كالزير من الرجال.

وبه فسر قول رؤبة: قُلْتُ لِزَيْرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ ووزن ﴿ مريم ﴾ عند النحويين (مفعل) لأن فعيلاً بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو عثير وعليب ﴿ البينات ﴾ المعجزات الواضحات والحجج.

كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات.

وقرئ: ﴿ وآيدناه ﴾ .

ومنه: آجده بالجيم إذا قوّاه.

يقال: الحمد لله الذي آجدني بعد ضعف، وأوجدني بعد فقر.

﴿ بِرُوحِ القدس ﴾ بالروح المقدسة كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق.

ووصفها بالقدس كما قال: ﴿ وَرُوحٌ مّنْهُ ﴾ [النساء: 171] فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة.

وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب، ولا أرحام الطوامث.

وقيل: بجبريل.

وقيل: بالإنجيل كما قال في القرآن: ﴿ وروحا مِنْ أَمْرِنَا ﴾ [الشورى: 52] وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره.

والمعنى: ولقد آتينا يابني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ ﴾ منهم بالحق ﴿ استكبرتم ﴾ عن الإيمان به، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم.

ويجوز أن يريد: ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم.

ثم وبخهم على ذلك.

ودخول الفاء لعطفه على المقدّر.

فإن قلت: هلا قيل وفريقاً قتلتم؟

قلت: هو على وجهين: أن تراد الحال الماضية، لأنّ الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، وأن يراد: وفريقاً تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم.

ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.

وقال صلى الله عليه وسلم عند موته: «ما زالت أكلةُ خيبر تعادّني، فهذا أوان قطعت أبهري» ﴿ غُلْفٌ ﴾ جمع أغلف، أي هي خلقة وجبلة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن، كقولهم: ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ﴾ [فصلت: 5] .

ثم ردّ الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، بأن الله لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر الزائغ عن الفطرة وتسببوا بذلك لمنع الألطاف التي تكون للمتوقع إيمانهم وللمؤمنين ﴿ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ فإيماناً قليلاً يؤمنون.

وما مزيدة، وهو إيمانهم ببعض الكتاب.

ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم.

وقيل: (غلف) تخفيف (غلف) جمع (غلاف)، أي قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره.

وروى عن أبي عمرو: قلوبنا غلف، بضمتين ﴿ كتاب مّنْ عِندِ الله ﴾ هو القرآن ﴿ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ من كتابهم لا يخالفه.

وقرئ: ﴿ مصدقاً ﴾ ، على الحال.

فإن قلت: كيف جاز نصبها عن النكرة؟

قلت: إذا وصف النكرة تخصص فصح انتصاب الحال عنه، وقد وصف ﴿ كتاب ﴾ بقوله: ﴿ مِنْ عِندِ الله ﴾ وجواب لما محذوف وهو نحو: كذبوا به، واستهانوا بمجيئه، وما أشبه ذلك ﴿ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ ﴾ يستنصرون على المشركين، إذا قاتلوهم قالوا: اللَّهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة، ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

وقيل معنى ﴿ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ : يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبيّاً يبعث منهم قد قرب أوانه.

والسين للمبالغة، أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم، كالسين في استعجب واستسخر، أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليهم ﴿ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ ﴾ من الحق ﴿ كَفَرُواْ بِهِ ﴾ بغياً وحسداً وحرصاً على الرياسة.

﴿ عَلَى الكافرين ﴾ أي عليهم وضعاً للظاهر موضع المضمر للدلالة على أنّ اللعنة لحقتهم لكفرهم.

واللام للعهد.

ويجوز أن تكون للجنس ويدخلوا فيه دخولاً أوّلياً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ﴾ ما نَكِرَةٌ بِمَعْنى شَيْءٍ مُمَيِّزَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ المُسْتَكِنُ، واشْتَرَوْا صِفَتُهُ ومَعْناهُ باعُوا، أوِ اشْتَرَوْا بِحَسَبِ ظَنِّهِمْ، فَإنَّهم ظَنُّوا أنَّهم خَلَّصُوا أنْفُسَهم مِنَ العُقابِ بِما فَعَلُوا.

﴿ أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ ﴿ بَغْيًا ﴾ طَلَبًا لِما لَيْسَ لَهم وحَسَدًا، وهو عِلَّةُ ﴿ أنْ يَكْفُرُوا ﴾ دُونَ ﴿ اشْتَرَوْا ﴾ لِلْفَصْلِ.

﴿ أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ ﴾ لِأنْ يُنَزِّلَ، أيْ حَسَدُوهُ عَلى أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ يَعْنِي الوَحْيَ.

﴿ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ عَلى مَنِ اخْتارَهُ لِلرِّسالَةِ ﴿ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ﴾ لِلْكُفْرِ والحَسَدِ عَلى مَن هو أفْضَلُ الخَلْقِ.

وقِيلَ: لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ  بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴿ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ يُرادُ بِهِ إذْلالُهُمْ، بِخِلافِ عَذابِ العاصِي فَإنَّهُ طُهْرَةٌ لِذُنُوبِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وما في {بِئْسَمَا} نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس أى بئس شيئا بئسما وبابه غير مهموز أبو عمرو {اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ} أي باعوه والمخصوص بالذم {أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله} يعني القرآن {بَغِيّاً} مفعول له أي حسداً وطلباً لما ليس لهم وهو علة اشتروا {أَن يُنَزِّلَ الله} لأن ينزل أو على أن ينزل أى حسده على أن ينزل الله ينزل بالتخفيف مكى وبصرى {مِن فَضْلِهِ} الذي هو الوحي {على مَن يشاء من عباده} وهومحمد عليه السلام {فباؤوا بِغَضَبٍ على غَضَبٍ} فصاروا أحقاء بغضب مترادف لأنهم كفورا بنبي الحق وبغوا عليه أو كفروا بمحمد بعد عيسى عليهما السلام أو بعد قولهم عزير ابن الله وقولهم يد الله مغلولة وغير ذلك {وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ} مذل

بئسما وبابه غير مهموز أبو عمرو وينزل بالتخفيف مكي وبصري

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ أيْ باعُوا، فالأنْفُسُ بِمَنزِلَةِ المُثَمَّنِ، والكُفْرُ بِمَنزِلَةِ الثَّمَنِ، لِأنَّ أنْفُسَهُمُ الخَبِيثَةَ لا تُشْتَرى بَلْ تُباعُ، وهو عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ إنَّهُمُ اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، وبَذَلُوا أنْفُسَهم فِيهِ، وقِيلَ: هو بِمَعْناهُ المَشْهُورِ، لِأنَّ المُكَلَّفَ إذا خافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ العِقابِ أتى بِأعْمالٍ يَظُنُّ أنَّها تُخَلِّصُهُ، فَكَأنَّهُ اشْتَرى نَفْسَهُ بِها، فَهَؤُلاءِ اليَهُودُ لَمّا اعْتَقَدُوا فِيما أتَوْا بِهِ أنَّهُ يُخَلِّصُهم مِنَ العِقابِ ظَنُّوا أنَّهُمُ اشْتَرَوْا أنْفُسَهُمْ، وخَلَّصُوها، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُدَّعى أنَّهم ظَنُّوا ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ فَإذا عَلِمُوا مُخالَفَةَ الحَقِّ، كَيْفَ يَظُنُّونَ نَجاتَهم بِما فَعَلُوا، وإرادَةُ العِقابِ الدُّنْيَوِيِّ كَتَرْكِ الرِّياسَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّهُ لا يُشْتَرى بِهِ الأنْفُسُ، ويُمْكِنُ الجَوابُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم ظَنُّوا عَلى ما هو ظاهِرُ حالِهِمْ مِنَ التَّصَلُّبِ في اليَهُودِيَّةِ، والخَوْفِ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، وادِّعاءِ الحَقِّيَّةِ فِيهِ، فَلا يُنافِي عَدَمَ ظَنِّهِمْ في الواقِعِ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، والمُرادُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ الكِتابَ المُصَدِّقَ، وفي تَبْدِيلِ المَجِيءِ بِالإنْزالِ المُشْعِرِ بِأنَّهُ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ مَعَ الإسْنادِ إلَيْهِ تَعالى إيذانٌ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ، وعِظَمِهِ المُوجِبِ لِلْإيمانِ بِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وأنْ يُرادَ الجَمِيعُ، والكُفْرُ بِبَعْضِها كُفْرٌ بِكُلِّها، واخْتُلِفَ في (ما) الواقِعَةُ بَعْدَ (بِئْسَ)، ألَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ أمْ لا؟

فَذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّها لا مَحَلَّ لَها، وأنَّها مَعَ بِئْسَ شَيْءٌ واحِدٌ كَحَبَّذا، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ لَها مَحَلًّا، واخْتُلِفَ أهُوَ نَصْبٌ أمْ رَفْعٌ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى الأوَّلِ عَلى أنَّها تَمْيِيزٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الصِّفَةِ، وفاعِلُ بِئْسَ مُضْمَرٌ مُفَسَّرٌ بِها، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ هو شَيْئًا اشْتَرَوْا بِهِ، وأنْ يَكْفُرُوا هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ، فَإنَّهُ المُوجِبُ لِلْعَذابِ المُهِينِ، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المَخْصُوصَ مَحْذُوفًا، واشْتَرَوْا صِفَةٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْءٌ اشْتَرَوْا بِهِ، وأنْ يَكْفُرُوا بَدَلٌ مِنَ المَحْذُوفِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وذَهَبَ الكِسائِيُّ إلى النَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ أيْضًا، إلّا أنَّهُ قَدَّرَ بَعْدَها ما أُخْرى مَوْصُولَةً، هي المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، واشْتَرَوْا صِلَتُها، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا الَّذِي اشْتَرَوْا، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى الثّانِي عَلى أنَّها فاعِلُ بِئْسَ، وهي مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ، أيْ شَيْءٌ اشْتَرَوْا، وعَزى هَذا إلى الكِسائِيِّ أيْضًا، وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الفارِسِيِّ، وعَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى سِيبَوَيْهِ، وهو وهْمٌ، ونَقَلَ المَهْدَوِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَحَصِّلُ فاعِلُ بِئْسَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ بِئْسَ لا تَدْخُلُ عَلى اسْمٍ مُعَيَّنٍ يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ، ولَكَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ لا تَجْعَلَ ذَلِكَ فاعِلًا، بَلْ تَجْعَلُهُ المَخْصُوصَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ، والتَّمْيِيزُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ اشْتِراءً اشْتِراؤُهُمْ، فَلا يَلْزَمُ الِاعْتِراضُ، نَعَمْ يَرِدُ عَوْدُ ضَمِيرِ (بِهِ) عَلى (ما)، والمَصْدَرِيَّةُ لا يَعُودُ عَلَيْها الضَّمِيرُ، لِأنَّها حَرْفٌ عِنْدَ غَيْرِ الأخْفَشِ، فافْهَمْ، ﴿ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ ﴾ البَغْيُ في الأصْلِ الظُّلْمُ والفَسادُ مِن قَوْلِهِمْ: بَغى الجُرْحُ فَسَدَ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ، وقِيلَ: أصْلُهُ الطَّلَبُ، وتَخْتَلِفُ أنْواعُهُ، فَفي طَلَبِ زَوالِ النِّعْمَةِ حَسَدٌ، والتَّجاوُزُ عَلى الغَيْرِ ظُلْمٌ، والزِّنا فُجُورٌ، والمُرادُ بِهِ هُنا بِمَعُونَةِ المَقامِ طَلَبُ ما لَيْسَ لَهُمْ، فَيَؤُولُ إلى الحَسَدِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ والسُّدِّيُّ، وقِيلَ: الظُّلْمُ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، (لِيَكْفُرُونَ) فَيُفِيدُ أنَّ كُفْرَهم كانَ لِمُجَرَّدِ العِنادِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ الحَسَدِ لا لِلْجَهْلِ، وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، لِأنَّ الجاهِلَ قَدْ يُعْذَرُ، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّهُ عِلَّةُ (اشْتَرَوْا) ورُدَّ بِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الفَصْلَ بِالأجْنَبِيِّ، وهو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ أجْنَبِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِ الذَّمِّ وفاعِلِهِ، لَكِنْ لا خَفاءَ في أنَّهُ أجْنَبِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ تَمْيِيزُ الفاعِلِ، والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى عَلى ذَمِّ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهم حَسَدًا، وهو الكُفْرُ لا عَلى ذَمِّ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهُمْ، وهو الكُفْرُ حَسَدًا تَحَكُّمٌ، نَعَمْ قَدْ يُقالُ: إنَّما يَلْزَمُ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ، إذا كانَ المَخْصُوصُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ بِئْسَما، أمّا لَوْ كانَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وهو المُخْتارُ، فَلا، لِأنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ جَوابٌ لِلسُّؤالِ عَنْ فاعِلِ بِئْسَ، فَيَكُونُ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْلُولِ وعِلَّتِهِ بِما هو بَيانٌ لِلْمَعْلُولِ، ولا امْتِناعَ فِيهِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم عِلَّةً (لِاشْتَرَوْا) مَحْذُوفًا فِرارًا مِنَ الفَصْلِ، ومِنهم مَن أعْرَبَهُ حالًا ومَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمُقَدَّرٍ، أيْ بَغَوْا بَغْيًا، (وأنْ يُنَزِّلَ)، إمّا مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ لِلْبَغْيِ أيْ حَسَدًا لِأجْلِ تَنْزِيلِ اللَّهِ، وإمّا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ المُتَعَلِّقِ بِالبَغْيِ، أيْ حَسَدًا عَلى أنْ يُنَزِّلَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ما في قَوْلِهِ: ﴿ بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ بَعِيدٌ جِدًّا، ورُبَّما يَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، والبَغْيُ بِمَعْنى طَلَبِ الشَّخْصِ ما لَيْسَ لَهُ، يَتَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ تارَةً، وبِاللّامِ أُخْرى، والمَفْعُولُ الأوَّلُ ها هُنا أعْنِي مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَحْذُوفٌ لِتَعَيُّنِهِ، ولِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الحَسَدَ مَذْمُومٌ في نَفْسِهِ كائِنًا ما كانَ المَحْسُودُ، كَما لا يَخْفى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ (يُنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ أرادَ بِهِ الوَحْيَ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ شَيْئًا كائِنًا مِن فَضْلِهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، ﴿ عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ أيْ عَلى مَن يَخْتارُهُ لِرِسالَةٍ، وفي البَحْرِ: أنَّ المُرادَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ العَرَبِ، ومِن ولَدِ إسْماعِيلَ، ولَمْ يَكُنْ مِن ولَدِهِ نَبِيٌّ سِواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإضافَةُ العِبادِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِلتَّشْرِيفِ، (ومَن) إمّا مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ.

﴿ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، أيْ فَرَجَعُوا مُتَلَبِّسِينَ بِغَضَبٍ كائِنٍ عَلى غَضَبٍ مُسْتَحِقِّينَ لَهُ، حَسْبَما اقْتَرَفُوا مِنَ الكُفْرِ والحَسَدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الغَضَبَ الأوَّلَ لِعِبادَةِ العِجْلِ، والثّانِيَ لِكُفْرِهِمْ بِهِ  ، وقالَ قَتادَةُ: الأوَّلُ: كُفْرُهم بِالإنْجِيلِ، والثّانِي كُفْرُهم بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: هُما الكُفْرُ بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ قَوْلُهم: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ و ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ، وكُفْرُهُمُ الأخِيرُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يَخْفى أنَّ فاءَ العَطْفِ يَقْتَضِي صَيْرُورَتَهم أحِقّاءَ بِتَرادُفِ الغَضَبِ، لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهم: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ مَثَلًا غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيما سَبَقَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ﴾ التَّرادُفُ والتَّكاثُرُ لا غَضَبانِ فَقَطْ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَشْدِيدِ الحالِ عَلَيْهِمْ جِدًّا كَما في قَوْلِهِ: ولَوْ كانَ رُمْحًا واحِدًا لاتَّقَيْتُهُ ولَكِنَّهُ رُمْحٌ وثانٍ وثالِثُ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ، والمَعْنى: فَإذا كَفَرُوا وحَسَدُوا عَلى ما ذُكِرَ باؤُوا إلَخْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

﴿ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ اللّامُ في الكافِرِينَ لِلْعَهْدِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ كُفْرِهِمْ لِما حاقَ بِهِمْ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعُمُومِ، فَيَدْخُلُ المَعْهُودُونَ فِيهِ عَلى طِرازِ ما مَرَّ، والمُهِينُ المُذِلُّ، وأصْلُهُ مُهْوِنٌ فَأُعِلَّ، وإسْنادُهُ إلى العَذابِ مَجازٌ، مِنَ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ، والوَصْفُ بِهِ لِلتَّقْيِيدِ والِاخْتِصاصِ الَّذِي يُفْهِمُهُ تَقْدِيمُ الخَبَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَغَيْرُ الكافِرِينَ إذا عُذِّبَ فَإنَّما يُعَذَّبُ لِلتَّطْهِيرِ لا لِلْإهانَةِ والإذْلالِ، ولِذا لَمْ يُوصَفْ عَذابُ غَيْرِهِمْ بِهِ في القُرْآنِ، فَلا تَمَسُّكَ لِلْخَوارِجِ بِأنَّهُ خَصَّ العَذابَ بِالكافِرِينَ، فَيَكُونُ الفاسِقُ كافِرًا، لِأنَّهُ مُعَذَّبٌ، ولا لِلْمُرْجِئَةِ أيْضًا، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ، قرأ ابن عباس غُلْفٌ بضم اللام وهي قراءة شاذة.

والباقون بسكون اللام، أي ذو (غلْف) يعني ذو غلاف، والواحد أغلف مثل: أحمر وحمر.

ومعناه: أنهم يقولون قلوبنا في غطاء من قولك ولا نفقه حديثك.

وهذا كما قال في آية أخرى وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [فصلت: 5] .

وأما من قرأ غُلْفٌ فهو جماعة الغلاف على ميزان حمار وحمر.

يعنون أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك، فلو كنت نبياً لفهمنا قولك.

قال الله تعالى رداً لقولهم: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي خذلهم الله وطردهم مجازاة لكفرهم.

فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ، صار نصباً لأنه قدم المفعول.

وقال بعضهم: معناه لا يؤمنون إلا القليل منهم، مثل عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقال بعضهم: إيمانهم بالله قليلاً، لأنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.

وقال بعضهم: معناه أنهم لا يؤمنون، كما قال: فلان قليل الخير يعني لا خير فيه.

ثم قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي حين جاءهم القرآن مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ، أي موافقاً للتوراة في التوحيد، وفي بعض الشرائع.

ويقال: مصدق لما معهم، يعني يدعوهم إلى تصديق ما معهم، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بالتوراة.

وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، أي من قبل مجيء محمد  كانوا يستنصرون على المشركين، لأن بني قريظة والنضير قد وجدوا نعته في كتبهم فخرجوا من الشام إلى المدينة، ونزلوا بقربها ينتظرون خروجه.

وكانوا إذا قاتلوا من يلونهم من المشركين- مشركي العرب- يستفتحون عليهم، أي يستنصرون ويقولون: اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه الذي وعدتنا- وكانوا يرجون أن يكون منهم- فينصروا على عدوهم، فذلك قوله تعالى: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، أي باسم النبيّ  فَلَمَّا جاءَهُمْ مَّا عَرَفُوا، أي محمد  وعرفوه كَفَرُوا بِهِ وغيّروا نعته مخافة أن تزول عنهم منفعة الدنيا.

كما قال تعالى: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ، أي سخط الله وعذابه على الجاحدين محمدا  بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ.

قال الكلبي: بئسما باعوا به أنفسهم من الهدايا بكتمان صفة محمد  .

ويقال: بئسما صنعوا بأنفسهم حيث كفروا بما أنزل الله عليهم، بعد ما كانوا خرجوا من الشام على أن ينصروا محمدا  .

ويقال: بئس ما صنعوا بأنفسهم حسداً منهم، فذلك قوله تعالى: أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً، أي حسداً منهم.

ومعنى قوله: أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ، أي كفروا مما ينزل الله.

مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ، أي لم يؤمنوا لأجل أن الله تعالى ينزل من فضله النبوة والكتاب على من يشاء مِنْ عِبادِهِ، من كان أهلاً لذلك وهو محمد  .

قرأ ابن كثير وأبو عمرو أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي وعصام وابن عامر بالتشديد أَنْ يُنَزِّلَ ونزل ينزل بمعنى واحد فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أي استوجبوا اللعنة على أثر اللعنة.

قال مقاتل: الغضب الأول حين كفروا بعيسى  ، ثم استوجبوا الغضب الآخر حين كفروا بمحمد  .

ويقال: الغضب الأول حين عبدوا العجل، والغضب الثاني حين استحلوا السمك في يوم السبت.

قوله تعالى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ أي يهانون فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨)

وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ...

الآية: جعل اللَّه ترك الآخرةِ، وأخْذَ الدنيا عوضاً عنها، مع قدرتهم على التمسُّك بالآخرة- بمنزلة من أخذها، ثم باعها بالدنيا، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ، في الآخرة، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ لا في الدنيا، ولا في الآخرة.

ص «١» : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ: «اللام» في «لَقَدْ» : يحتمل أن تكون توكيداً، ويحتمل أن تكون جواب قسم، وموسى هو المفعول الأول، والكتاب الثانِي، وعكس السّهيليّ.

ومَرْيَمَ: معناه في السُّرْيانية: الخَادَم، وسميت به أمُّ عيسى، فصار علما عليها.

انتهى.

والْكِتابَ: التوراةُ.

وَقَفَّيْنا: مأخوذ من القَفَا تقول: قَفَيْتُ فُلاَناً بِفُلاَنٍ، إِذا جئْتَ به من قبل قَفَاه، ومنه: قَفَا يَقْفُو، إِذا اتبع، وكلُّ رسول جاء بعد موسى، فإِنما جاء بإِثبات التوراة، والأمر بلزومها إلى عيسَى- عليهم السلام-.

والْبَيِّناتِ: الحججُ التي أعطاها اللَّه عيسى.

وقيل: هي آياته من إحياء، وإبراء، وخَلْق طَيْرٍ، وقيل: هي الإِنجيل، والآية تعم ذلك.

وَأَيَّدْناهُ: معناه: قويْناه، والأَيْدُ القوة.

قال ابن عبَّاس: رُوح القدس: هو الاسم الذي كان يُحْيِي به الموتى «٢» ، وقال ابن زِيْد: هو الإِنجيل كما سمَّى اللَّه تعالَى القرآن رُوحاً «٣» ، وقال السُّدِّيُّ، والضّحّاك،

والربيع، وقتادة: بِرُوحِ الْقُدُسِ: جبريلُ- عليه السلام «١» - وهذا أصحُّ الأقوال، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم لِحَسَّان: «اهج قُرَيْشاً، وَرُوحُ القُدُسِ مَعكَ» «٢» ومرةً قال له: «وجبريل معك» ، وفَكُلَّما: ظرف والعامل فيه: اسْتَكْبَرْتُمْ، وظاهر الكلامِ الاستفهامُ، ومعناه التوبيخُ روي أن بني إِسرائيل كانوا يقتلون في اليومِ ثلاثمائة نبيٍّ، ثم تقوم سوقُهم آخر النهار، وروي سبعين نبيًّا، ثم تقومُ سوق بَقْلِهِمْ آخر النهار.

والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحقٍّ، وهو في هذه الآية من ذلك لأنهم إنما كانوا يَهْوَوْنَ الشهوات، ومعنى: قُلُوبُنا غُلْفٌ، أي: عليها غشاوات، فهي لا تفقه، قاله ابن عبَّاس.

ثم بيَّن تعالى سبب نُفُورهم عن الإِيمان إِنما هو أنهم لُعِنُوا بما تقدَّم من كفرِهِم واجترامهم، وهذا هو الجزاء على الذنْبِ بذنْب أعظم منه، واللعن: الإبعاد والطرد.

وفَقَلِيلًا: نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: فإِيماناً قَلِيلاً مَّا يؤمنون، والضمير في «يؤمنون» لحاضري محمّد صلّى الله عليه وسلم منْهُمْ ومَا في قوله: مَّا يُؤْمِنُونَ زائدةٌ موكّدة «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ﴾ بِئْسَ: كَلِمَةٌ مُسْتَوْفِيَةٌ لِجَمِيعِ الذَّمِّ، ونَقِيضِها: "نِعْمَ" واشْتَرَوْا، بِمَعْنى: باعُوا.

والَّذِي باعُوها بِهِ قَلِيلٌ مِنَ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: (بَغْيًا) قالَ قَتادَةُ: حَسَدًا.

ومَعْنى الكَلامِ: كَفَرُوا بَغْيًا، لِأنْ نَزَّلَ اللَّهُ الفَضْلَ عَلى النَّبِيِّ  .

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: (بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ) خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الغَضَبَ الأوَّلَ لِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ.

والثّانِي: لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ، حَكاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الأوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ.

والثّانِي: لِعَداوَتِهِمْ لِجِبْرِيلَ.

رَواهُ شَهْرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الأوَّلَ حِينَ قالُوا: ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ  ﴾ .

والثّانِي: حِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّ اللَّهِ.

رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: أنَّ الأوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ بِعِيسى والإنْجِيلِ.

والثّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآَنِ.

قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والخامِسُ: أنَّ الأوَّلَ لِتَبْدِيلِهِمُ التَّوْراةَ.

والثّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا  قالَهُ مُجاهِدٌ.

والمَهِينُ: المُذِلُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ ﴾ جَعَلَ اللهُ تَرْكَ الآخِرَةِ، وأخَذَ الدُنْيا مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى التَمَسُّكِ بِالآخِرَةِ بِمَنزِلَةِ مَن أخَذَها ثُمَّ باعَها بِالدُنْيا، وهَذِهِ النَزْعَةُ صَرَفَها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في فِقْهِ البُيُوعِ، إذْ لا يَجُوزُ الشِراءُ عَلى أنْ يَخْتارَ المُشْتَرِي في كُلِّ ما تَخْتَلِفُ صِفَةُ آحادِهِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَفاضُلُ كالحِجَلِ المَذْبُوحَةِ وغَيْرِها، ولا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ في الآخِرَةِ، ولا يُنْصَرُونَ لا في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ، "والكِتابَ" التَوْراةُ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي لـ "آتَيْنا"، و"قَفَّيْنا" مَأْخُوذٌ مِنَ القَفا، تَقُولُ: قَفَيْتُ فُلانًا بِفُلانٍ إذا جِئْتُ بِهِ مِن قِبَلِ قَفاهُ، ومِنهُ قَفا يَقْفُو إذا اتَّبَعَ، وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى  ﴾ ، وكُلُّ رَسُولٍ جاءَ بَعْدَ مُوسى فَإنَّما جاءَ بِإثْباتِ التَوْراةِ والأمْرُ بِلُزُومِها إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "بِالرُسْلِ" ساكِنَةَ السِينِ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو إذا انْضافَ ذَلِكَ إلى ضَمِيرٍ نَحْوُ: رُسْلُنا ورُسْلُهم.

و"البَيِّناتِ" الحُجَجُ الَّتِي أعْطاها اللهُ عِيسى، وقِيلَ: هي آياتُهُ مِن إحْياءٍ، وإبْراءٍ، وخَلْقِ طَيْرٍ، وقِيلَ: هي الإنْجِيلُ، والآيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ.

"وَأيَّدْناهُ" مَعْناهُ قَوَّيَّناهُ، والأيْدِ القُوَّةُ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ، وحُمَيْدُ "آيَدْناهُ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ومُجاهِدٌ: "رُوحُ القُدْسِ" بِسُكُونِ الدالِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ القافِ والدالِ، وفِيهِ لُغَةُ فَتْحِهِما، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "بِرُوحِ القُدُسِ" بِواوٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رُوحُ القُدُسِ": هو الِاسْمُ الَّذِي بِهِ كانَ يُحْيِي المَوْتى.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الإنْجِيلُ، كَما سَمّى اللهُ تَعالى القُرْآنُ رُوحًا.

وقالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ، وقَتادَةُ: "رُوحُ القُدُسِ" جِبْرِيلُ  ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ  لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: اهْجُ قُرَيْشًا، ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ، ومَرَّةً قالَ لَهُ: وجِبْرِيلُ مَعَكَ»، وقالَ الرَبِيعُ، ومُجاهِدٌ: "القُدُسِ" اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى كالقُدُّوسِ، والإضافَةُ عَلى هَذا إضافَةُ المَلِكِ إلى المالِكِ، وتَوَجَّهَتْ لِما كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن عِبادِ اللهِ تَعالى، وقِيلَ: "القُدُسِ" الطَهارَةُ، وقِيلَ: القُدُسُ البَرَكَةُ.

و"كُلَّما" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "اسْتَكْبَرْتُمْ"، وظاهِرُ الكَلامِ الِاسْتِفْهامُ ومَعْناهُ التَوْبِيخُ والتَقْرِيرُ، ويَتَضَمَّنُ أيْضًا الخَبَرُ عنهُمْ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ بَنُو إسْرائِيلَ.

ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَقْتُلُونَ في اليَوْمِ ثَلاثَمِائَةَ نَبِيٍّ، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُهم آخِرُ النَهارِ، ورُوِيَ: سَبْعِينَ نَبِيًّا ثُمَّ تَقُومُ سُوقُ بَقْلِهِمْ آخِرُ النَهارِ، وفي "تَهْوى" ضَمِيرٌ مِن صِلَةِ "ما" لِطُولِ اللَفْظِ.

والهَوى أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما لَيْسَ بِحَقٍّ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم إنَّما كانُوا يَهْوُونَ الشَهَواتِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ، ومِنهُ «قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قِصَّةِ أسْرى بَدْرٍ: فَهَوى رَسُولُ اللهِ  ما قالَ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ» واسْتَكْبَرْتُمْ مِنَ الكِبَرِ، و"فَرِيقًا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "غُلْفٌ" بِإسْكانِ اللامِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ أُغْلُفٍ مِثْلُ حُمْرٍ وصُفْرٍ، والمَعْنى قُلُوبُنا عَلَيْها غُلْفٌ وغِشاوَةٌ فَهي لا تَفْقَهُ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى عَلَيْها طابَعٌ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: غُلْفٌ بِسُكُونِ اللامِ جَمْعُ غُلافِ أصْلُهُ غُلُّفٌ بِتَثْقِيلِ اللامِ فَخُفِّفَ.

وهَذا قَلَّما يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "غُلُّفٌ" بِتَثْقِيلِ اللامِ جَمْعُ غُلافٍ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، فالمَعْنى.

هي أوعِيَةٌ لِلْعِلْمِ والمَعارِفِ بِزَعْمِهِمْ، فَهي لا تَحْتاجُ إلى عِلْمِ مُحَمَّدٍ.

وقِيلَ: المَعْنى فَكَيْفَ يَعْزُبُ عنها عِلْمُ مُحَمَّدٍ  ؟

فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ ، و"بَلْ" في هَذِهِ الآيَةِ نَقْضٌ لِلْأوَّلِ، وإضْرابٌ عنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَبَبَ في نُفُورِهِمْ عَنِ الإيمانِ إنَّما هو أنَّهم لُعِنُوا بِما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ واجْتِرامِهِمْ، وهَذا هو الجَزاءُ عَلى الذَنْبِ فالذَنْبُ أعْظَمُ مِنهُ، واللَعْنُ الإبْعادُ والطَرْدُ.

و"قَلِيلًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَإيمانًا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ، والضَمِيرُ في "يُؤْمِنُونَ" لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ  ، ويَتَّجِهُ قِلَّةُ هَذا الإيمانِ، إمّا لِأنَّ مَن آمَنُ بِمُحَمَّدٍ مِنهم قَلِيلٌ، فَيَقِلُّ لِقِلَّةِ الرِجالِ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وإمّا لِأنَّ وقْتَ إيمانِهِمْ عِنْدَ ما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ قَلِيلٌ، إذْ قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ غَيْرُ التَوْحِيدِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، إذْ هم مُجَسِّمُونَ، فَقَدْ قَلَّلُوهُ بِجَحْدِهِمُ الرَسُولَ، وتَكْذِيبِهِمُ التَوْراةَ، فَإنَّما يَقِلُّ مِن حَيْثُ لا يَنْفَعُهم كَذَلِكَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجِيءُ التَقْدِيرُ: فَإيمانًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ: فَوَقْتًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ فَعَدَدًا مِنَ الرِجالِ قَلِيلًا، و"ما" في قَوْلِهِ: ما يُؤْمِنُونَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، و"قَلِيلًا" نُصِبَ بِـ" يُؤْمِنُونَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لذمهم وتسفيه رأيهم إذ رضوا لأنفسهم الكفر بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وأعرضوا عن النظر فيما اشتملت عليه كتبهم من الوعد بمجيء رسول بعد موسى، إرضاء لداعية الحسد وهم يحسبون أنهم مع ذلك قد استبقَوْا أنفسهم على الحق إذ كفروا بالقرآن، فهذا إيقاظ لهم نحومعرفة داعيهم إلى الكفر وإشهار لما ينطوي عليه عند المسلمين.

و ﴿ بئسما ﴾ مركّب من (بئسَ) و(ما) الزائدة.

وفي بئسَ وضِدّها نِعْمَ خلاف في كونهما فعلين أو اسمين والأصح أنهما فعلان.

وفي (ما) المتصلة بهما مذاهب أحدها أنها معرفة تامة أي تفسر باسم معرف بلام التعريف وغير محتاجة إلى صلة احترازاً عن (ما) الموصولة فقوله: ﴿ بئسما ﴾ يفسر ببئس الشيء قاله سيبويه والكسائي.

والآخر أنها موصولة قاله الفراء والفارسي وهذان هما أوضح الوجوه فإذا وقعت بعدها (ما) وحدها كانت (ما) معرفة تامة نحو قوله تعالى: ﴿ إن تبدوا الصدقات فنِعِمَّا هي ﴾ [البقرة: 271] أي نعم الشيء هي وإن وقعت بعد ما جملة تصلح لأن تكون صلة كانت (ما) معرفة ناقصة أي موصولة نحو قوله هنا: ﴿ بئسما اشتروا به أنفسهم ﴾ و(ما) فاعل (بئس).

وقد يذكر بعد بئس ونِعْم اسم يفيد تعيين المقصود بالذم أو المَدْح، ويسمى في علم العربية المخصوصَ وقد لا يذكر لظهوره من المقام أو لتقدم ما يدل عليه فقوله: ﴿ أن يكفروا ﴾ هو المخصوص بالذم والتقدير كفرهم بآيات الله، ولك أن تجعله مبتدأ محذوف الخبر أو خبراً محذوف المبتدأ أو بدلاً أوبياناً من (ما) وعليه فقوله تعالى: ﴿ اشتروا ﴾ إما صفة للمعرفة أو صلة للموصولة و ﴿ أن يكفروا ﴾ هو المخصوص بالذم خبر مبتدأ محذوف وذلك على وزان قولك نِعْم الرجل فلان.

والاشتراء الابتياع وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ [البقرة: 16] فقوله تعالى هنا: ﴿ بئسما اشتروا به أنفسهم ﴾ مجاز أطلق فيه الاشتراء على استبقاء الشيء المرغوب فيه تشبيهاً لاستبقائه بابتياع شيء مرغوب فيه فهم قد آثروا أنفسهم في الدنيا فأَبْقَوْا عليها بأن كفروا بالقرآن حسداً، فإن كانوا يعتقدون أنهم محقون في إعراضهم عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم لتمسكهم بالتوراة وأَن قوله فيما تقدم ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا ﴾ [البقرة: 89] بمعنى جاءهم ما عرفوا صفتَه وإن فرطوا في تطبيقها على الموصوف، فمعنى اشتراء أنفسهم جار على اعتقادهم لأنهم نجوها من العذاب في اعتقادهم فقوله: ﴿ بئسما اشتروا به أنفسهم ﴾ أي بئسما هو في الواقع وأما كونه اشتراء فبحسب اعتقادهم وقوله: ﴿ أن يكفروا بما أنزل الله ﴾ هو أيضاً بحسب الواقع، وفيه تنبيه لهم على حقيقة حالهم وهي أنهم كفروا برسول مرسل إليهم للدوام على شريعة نسخت.

وإن كانوا معتقدين صدق الرسول وكان إعراضهم لمجرد المكابرة كما يدل عليه قوله قبله: ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا ﴾ على أحد الاحتمالين المتقدمين، فالاشتراء بمعنى الاستبقاء الدنيوي أي بئس العوض بَذلُهم الكفر ورضاهم به لبقاء الرئاسة والسمعة وعدم الاعتراف برسالة الصادق بالآية على نحو قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ [البقرة: 86].

وقيل: إن ﴿ اشتروا ﴾ بمعنى باعوا أي بذلوا أنفسهم والمراد بذلها للعذاب في مقابلة إرضاء مكابرتهم وحسدهم وهذا الوجه منظور فيه إلى قوله قبله: ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ﴾ وهو بعيد من اللفظ لأن استعمال الاشتراء بمعنى البيع مجاز بعيد إذ هو يفضي إلى إدخال الغلط على السامع وإفساد ما أحكمته اللغة من التفرقة وإنما دعا إليه قصد قائله إلى بيان حاصل المعنى، على أنك قد علمت إمكان الجمع بين مقتضى قوله: ﴿ ما عرفوا ﴾ وقوله هنا: ﴿ اشتروا به أنفسهم ﴾ فأنتَ في غنى عن التكلف.

وعلى كلا التفسيرين يكون ﴿ اشتروا ﴾ مع ما تفرع عنه من قوله: ﴿ فباءُوا بغضب على غضب ﴾ تمثيلاً لحالهم بحال من حاول تجارة ليربح فأصابه خسران، وهو تمثيل يقبَل بعضُ أجزائه أن يكون استعارة وذلك من محاسن التمثيلية.

وجيء بصيغة المضارع في قوله: ﴿ أن يَكفروا ﴾ ولم يؤتَ به على ما يناسب المبيَّن وهو ﴿ مَا اشتروا ﴾ المقتضي أن الاشتراء قد مضى للدلالة على أنهم صرحوا بالكفر بالقرآن من قبل نزول الآية فقد تبين أن اشتراء أنفسهم بالكفر عمل استقر ومضى، ثم لما أريد بيان ما اشتروا به أنفسهم نبه على أنهم لم يزالوا يكفرون ويعلم أنهم كفروا فيما مضى أيضاً إذ كان المبيَّن بأن يَكْفروا معبَّراً عنه بالماضي بقوله: ﴿ ما اشتروا ﴾ .

وقوله: ﴿ بغياً ﴾ مفعُول لأجله علة لقوله: ﴿ أن يكفروا ﴾ لأنه الأقرب إليه، ويجوز كونه علة لاشتروا لأن الاشتراء هنا صادق على الكفر فإنه المخصوص بحكم الذم وهو عين المذمُوم، والبغي هنا مصدر بَغى يبغي إذا ظلم وأراد به هنا ظلماً خاصاً وهو الحسد وإنما جُعل الحسد ظلماً لأن الظلم هو المعاملة بغير حق والحسد تمني زوال النعمة عن المحسود ولا حق للحاسد في ذلك لأنه لا يناله من زوالها نفع، ولا من بقائها ضر، ولقد أجاد أبو الطيب إذ أخذ المعنى في قوله: وأَظْلَمُ خلقِ الله من بات حاسداً *** لِمنْ بَاتَ في نَعْمائِه يَتَقَلَّب وقوله: ﴿ أن ينزل الله ﴾ متعلق بقوله: ﴿ بغياً ﴾ بحذف حرف الجر وهو حرف الاستعلاء لتأويل ﴿ بغياً ﴾ بمعنى حسداً.

فاليهود كفروا حسداً على خروج النبوءة منهم إلى العرب وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ على من يشاء من عباده ﴾ وقوله: ﴿ فباءوا بغضب على غضب ﴾ أي فرجعوا من تلك الصفقة وهي اشتراء أنفسهم بالخسران المبين وهو تمثيل لحالهم بحال الخارج بسلعته لتجارة فأصابته خسارة فرجع إلى منزله خاسراً.

شبه مصيرهم إلى الخسران برجوع التاجر الخاسر بعد ضميمة قوله: ﴿ بئس ما اشتروا به أنفسهم ﴾ .

والظاهر أن المراد بغضب على غضب الغضب الشديد على حد قوله تعالى: ﴿ نور على نور ﴾ [النور: 35] أي نور عظيم وقوله: ﴿ ظلمات بعضها فوق بعض ﴾ [النور: 40] وقول أبي الطيب: أَرَقٌ على أرَق ومثْلِىَ يَأْرَقُ *** وهذا من استعمال التكرير باختلاف صيغه في معنى القوة والشدة كقول الحطيئة: أنت آل شماس بن لأي وإنما *** أتاهم بها الإحكم والحسب العد أي الكثير العدد أي العظيم وقال المعري: بني الحسب الوضاح والمفخر الجم *** أي العظيم قال القرطبي قال بعضهم: المراد به شدة الحال لا أنه أراد غضبين وهما غضب الله عليهم للكفر وللحسد أو للكفر بمحمد وعيسى عليهما السلام.

وقوله: ﴿ وللكافرين عذاب مهين ﴾ هو كقوله: ﴿ فلعنة الله على الكافرين ﴾ [البقرة: 89] أي ولهم عذاب مهين لأنهم من الكافرين، والمهين المذل أي فيه كيفية احتقارهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ﴾ اشْتَرَوْا بِمَعْنى باعُوا.

﴿ أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا ﴾ يَعْنِي حَسَدًا، هَكَذا قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وهُمُ اليَهُودُ.

والبَغْيُ شِدَّةُ الطَّلَبِ لِلتَّطاوُلِ، وأصْلُهُ الطَّلَبُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الزّانِيَةُ بَغِيًّا، لِأنَّها تَطْلُبُ الزِّنى.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الغَضَبَ الأوَّلَ لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى، والغَضَبَ الثّانِيَ لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ  ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ في قَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقَوْلِهِمْ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وتَبْدِيلِهِمْ كِتابَ اللَّهِ، ثُمَّ كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَ الغَضَبُ لازِمًا لَهم كانَ ذَلِكَ تَوْكِيدًا.

﴿ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ المُهِينُ: المُذِلُّ.

والعَذابُ عَلى ضَرْبَيْنِ: فالمُهِينُ مِنها عَذابُ الكافِرِينَ لِأنَّهُ لا يُمَحِّصُ عَنْهم ذُنُوبَهم.

والثّانِي: غَيْرُ مُهِينٍ وهو ما كانَ فِيهِ تَمْحِيصٌ عَنْ صاحِبِهِ، كَقَطْعِ يَدِ السّارِقِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وحَدِّ الزّانِي.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ بئسما اشتروا به أنفسهم...

﴾ الآية.

قال: هم اليهود كفروا بما أنزل الله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، بغياً وحسداً للعرب ﴿ فباؤوا بغضب على غضب ﴾ قال: غضب الله عليهم مرتين بكفرهم بالإِنجيل وبعيسى، وبكفرهم بالقرآن وبمحمد.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ بئسما اشتروا به أنفسهم ﴾ قال: بئس ما باعوا به أنفسهم حيث باعوا نصيبهم من الآخرة بطمع يسير من الدنيا.

قال: وهل تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: يعطى بها ثمناً فيمنعها ** ويقول صاحبها ألا تشرى وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بغياً أن ينزل الله ﴾ أي أن الله جعله من غيرهم ﴿ فباؤوا بغضب ﴾ بكفرهم بهذا النبي ﴿ على غضب ﴾ كان عليهم فيما ضيعوه من التوراة.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة ﴿ فباؤوا بغضب على غضب ﴾ قال: كفرهم بعيسى وكفرهم بمحمد.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ فباؤوا بغضب ﴾ اليهود غضب بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ على غضب ﴾ جحودهم النبي صلى الله عليه وسلم وكفرهم بما جاء به.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوا ﴾ الآية.

بئس ونِعم لفظان وُضِعا للمدح والذم، يخبر بأحدهما عن الشيء المذموم، وبالثاني عن الممدوح، وأصلهما: نَعِمَ وبَئِسَ (١) (٢) (٣) (٤) فَإِنْ أَهْجُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ ...

من الأُدْمِ دِبْرَتْ (٥) (٦) وإنما حملَهُم على هذا اسْتثقالهم الانتقال في الحركات المختلفة الذي يدل على هذا: أن اتفاق الحركات في فعل منعهم من هذا.

فقالوا في نِعْمَ وبِئْسَ فرقًا بين المدح والذم وبين الخبر؛ ليخلُصا للمدح والذم لا يلتبسان بالخبر، ولهذا المعنى لم يتصرفا تصرف الأفعال؛ لأنهما تضمنا الدلالة على معنى الذم والمدح، كما أن التعجب لما كان خبرًا كسائر الأخبار إلا أنه زاد عليها بمعنى التعجب تُركَ تصرّفُه؛ ليدل به على زيادة المعنى، فكذلك (نعم وبئس)، يدل على أن القائل مادح أو ذامّ، وهو خبر باستحقاق المدح والذم.

وبئس ذمٌّ بشدة الفساد.

وأصل الكلمة من الشدة، ومنه البأساء: وهو اسم للحرب والمشقة والضرر والشدة، ومنه ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  ﴾ أي: شديد.

وكل هذا ممَّا علّقته عن مشايخ هذه الصنعة.

فأما حكم هاتين الكلمتين وعملهما فقال أبو إسحاق: إنهما لا يعملان في اسم عَلم، إنما يعملان في اسم منكور دالّ على جنس، أو اسم فيه ألف ولام يدل على جنس، وإنما كانتا كذلك؛ لأنّ (نعم) مستوفية لجميع المدح، و (بئس) مستوفية لجميع الذمّ، فإذا قلت: نِعم الرجل زيدٌ، قلت (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) فأما إذا قلت: نِعْمَ الرَجُل، فليس في نِعْمَ ضمير، وصار الرجل رفعًا بنعم.

وارتفع زيد من وجهين، قال سيبويه والخليل (١٣) وقال الكسائي: قولك: نعم الرجل، كالشيء الواحد يرتفع بهما زيد (١٤) قال الفراء: فإن أضفتَ النكرةَ التي بعد نِعْمَ إلى نكرة رفعت ونصبت، فقلت: نعم غلامُ سَفَرٍ زَيدٌ، وغلامَ سفرٍ زيد، فإن أضفت إلى المعرفة شيئًا رفعتَ، فقلت: نعم سائسُ الخيل أخوك، ولا يجوز النصبُ إلّا أن يضطرّ إليه شاعر؛ لأنهم حينَ أَضَافوا إلى النكرَة آثروا الرفع، فهم إذا أضَافوا إلى المعرفة أحرى أن لا ينصبوا (١٥) فإن وصلت "مَا" بـ"نعم وبِئسَ" نحو: بئسما ونعِمّا، فقال الزجّاج: (ما) فيهما لغير صلة (١٦) (١٧) (١٨) فقوله ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴾ بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم (١٩) (٢٠) قالَ أبو علي: مَا ذكره أبو إسحاق يَدُل على أن (مَا) إذَا كانت موصولة لم يجز عنده أن يكون فاعلة نعم وبئس، وذلك عندنا لا يمتنع، وجهة جوازه: أن ما اسم مبهم يقع على الكثرة، ولا يخصص شيئًا واحدًا، كما أن أسماء الأجناس كذلك، وهي تكون للكثرة (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ فالقصد به هاهنا الكثرة، وإن كان في اللفظ مفردًا؛ يدلك على ذلك قوله: هؤلاء (٢٤) وتكون ما معرفةً ونكرةً؛ كما أن أسماء الأجناس تكون معرفةً ونكرةً.

فأمَّا كونها معرفةً فمأنوس به، وأَمَّا كونها نكرة فكثير أيضًا، ذكره سيبويه في مواضع، وهي و (من) قد تكونان نكرتين في التنزيل والشعر القديم الفصيح، أنشد سيبويه: ربّما تكره النفوسُ من الأمر ...

له فَرجة كحلِّ العِقَال (٢٥) يا رُبَّ من يُبْغِضُ أَذْوادَنا ...

رُحْنَ على بَغْضَائِه واغْتَدَيْن (٢٦) (٢٧) وتأول سيبويه قوله تعالى: ﴿ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ  ﴾ ، على أن تكون معرفةً، وعلى أن تكون نكرةً، مثل: هذا شيء لديّ عتيد، فإنما يتخلص بعضر ذلك من بعض، بدلالةٍ مِن غير جهة اللفظ؛ لأن اللفظ محتمل لما أعلمتك في اللغة (٢٨) فقوله: ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴾ يجوز عندي أن تكون ما موصولة، وموضعها رفع بكونها فاعلة لـ"بئس"، ويجوز أن تكون منكورةً، ويكون (اشتروا) صفة غير صلة (٢٩) ولا يجوز أن يليهما (الذي)؛ لأن الألف واللام لا يفارقانه، وهما يعملان فيما عُرِّف بالألف واللام، وجاز طرحهما منه.

فقال الفراء: ويجوز أن تُجعل (ما) مع نِعم وبئس بمنزلة كلمة واحدة في غير هذه الآية، فيكون مثل كلما، وإنما، كما جُعلت (ذا) مع حَبَّ كلمةً واحدة، فقالوا: حبّذا.

من ذلك قوله: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ  ﴾ ، رفعت هي بنعما، ولا يجوز (حينئذ) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) ومعنى الاشتراء هاهُنَا: البيع.

والاشتراء والشراء والبيع كله من الأضداد، ويقال: اشتريته، أي: بعته، واشتريته، أي: ابتعته، وكذلك: شريته في المعنيين، وكذلك: بعته، قال الله تعالى: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ  ﴾ ، أي: باعوه (٣٥) (٣٦) أي: بعته؛ قال الفراء: وتقول بع لي بدرهم تَمرًا، أي: اشتر لي.

وأنشد: ويأتيك بالأخبار مَن لم تَبعْ له ...

بَتَاتًا ولم تضربْ له وقتَ موعِدِ (٣٧) (٣٨) ومعنى الآية: بئس الشيء بَاعوا به أنفسهم الكفر؛ يريد: أنهم اختاروا الكُفر وأخذوه، وبذلوا أنفسهم للنار؛ لأن اليهود خصوصًا علموا صدق محمد  ، وأن من كذبه فالنار عاقبته، فاختاروا الكفر، وسلموا أنفسهم للنار، فكان ذلك كالبيع منهم (٣٩) (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ أَن يَكْفُرُواْ ﴾ قال الزجاج: موضع أن رفع، المعنى: ذلك الشيء المذموم أن يكفروا (٤١) (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ يعني: القرآن (٤٣) ﴿ بَغْيًا ﴾ أَصْلُ البغي في اللغة: الظلم والخروج عن النَّصَفَة والحدّ، يقال: بَغَى الفرس في عدوه، إذا اختال ومرح، وإنه ليبغي، ولا يقال: فرس باغ، وبغى الجُرحُ يَبْغِي بَغْيًا، إذا وَرم وكثر فيه المِدّة (٤٤) وقالَ قوم: أصل البَغْي: الطلب (٤٥) (٤٦) قال المفسرون: البَغْيُ، هاهُنا، بمعنى الحَسَد (٤٧) قال اللحياني [[هو: أبو الحسن علي بن حازم، وقيل: علي بن المبارك، تقدمت ترجمته [البقرة: 10].]]: بغيت على أخيك بغيًا، أي: حسدته، وقال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ  ﴾ فالبغي أصله الحَسَد، ثم سمي الظلم بغيًا؛ لأن الحاسِد يظلم المحسودَ جَهْدَه إرادة زوال نعمة الله عليه عنه (٤٨) قال ابن عباس في هذه الآية: إنَّ كفر اليهود لم يكن شكًا ولا شيئًا اشتبه عليهم، ولكن بغيًا منهم، حيث صارت النبوة في ولد إسماعيل (٤٩) وانتصابه على المصدر؛ لأن ما قبله من الكلام يدلّ على بَغَوا، فكأنه قيل: (٥٠) (٥١) وقال الزجّاج: انتصب؛ لأنه مفعول له، كما تقول: فعلت ذلك حِذارَ الشرّ، أي: لحذر الشر (٥٢) (٥٣) المعنى: لادخاره، وللتَّكرّم (٥٤) وقوله تعالى: ﴿ أَن يُنَزِل اللَّهُ ﴾ موضع أن نصب؛ لأن المعنى: أن تكفروا بما أنزل الله؛ لأن ينزل الله من فَضْلِهِ، أي: كفروا لهذه العلة، فهو كما ذكرنا في بيت حاتِم؛ لأنهم كفروا لإنزال الله عليه، كما أنه يغفر العوراء لادّخاره، هذا قول الزجاج (٥٥) ﴿ أَن يُنَزِلَ ﴾ مفعولًا للبغي، كأن معناه: حسدًا إنزال الله، لأن البغي، هاهنا، بمعنى الحَسَد، وأنت تقول: حَسَدْتُ زيدًا مالَه وفضلَه (٥٦) وقوله تعالى: ﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾ قال ابن عباس: الغضب الأول: تضييعهم التوراة، والثاني: بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله فيهم (٥٧) وقال قتادة: الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثاني: بكفرهم بمحمد والقرآن (٥٨) وقال أهل المعاني: أي: بإثم استحقوا به النار على إثم تقدم استحقوا به النار (٥٩) (١) ينظر في نعم وبئس: "المقتضب" للمبرد 2/ 140 - 152، "تهذيب اللغة" 1/ 412، "اللسان" 1/ 201 (بئس).

(٢) في (ش): (تَدْري).

(٣) في (ش): (تعبير).

(٤) في (ش): (العرب).

(٥) في (ش): (ديرت).

(٦) البيت للأخطل في "ديوانه" ص 217، ينظر: "لسان العرب" 4/ 481 - 12/ 12.

(٧) في "معاني القرآن": فقد.

(٨) ساقطة من (م).

(٩) في "معاني القرآن": معها.

(١٠) في "معاني القرآن": كقولك.

(١١) في (ش): (زيدا).

(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 172، وقد نقله الواحدي بتصرف يسير، وينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 412، "اللسان" 1/ 201، "تفسير القرطبي" 2/ 24.

(١٣) نقله عنه الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 172، ونقله عن سيبويه ابن عطية في "المحرر" 1/ 391، "تفسير القرطبي" 2/ 240.

(١٤) نقله الفراء في "معاني القرآن" عن الكسائي 1/ 56، ابن عطية في "المحرر" 1/ 391، "تفسير القرطبي" 2/ 24 قال ابن عطية: وهذا أيضاً معترض؛ لأن بئس لا تدخل على اسم معين متعرف بالإضافة إلى الضمير.

(١٥) "معاني القرآن" للفراء 1/ 57.

(١٦) في "معاني القرآن" للزجاج: بغير.

(١٧) في "معاني القرآن" للزجاج: نعم.

(١٨) في "معاني القرآن" للزجاج: اسم منكور أو جنس، وفي "الإغفال" ص 317: اسم منكور أو اسم جنس.

(١٩) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 172، ونقله في "اللسان" 1/ 201 مادة (بئس).

(٢٠) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 173، ونقله في "تهذيب اللغة" 1/ 412، و"اللسان" 1/ 201، وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 58.

(٢١) في "الإغفال": للنكرة (٢٢) في "الإغفال": للنكرة.

(٢٣) من قوله: كما أن ..

ساقط من (ش).

(٢٤) في "الإغفال" فهؤلاء لا يكون للواحد.

(٢٥) البيت لأمية بن أبي الصلت، في "ديوانه" ص 50 وفي "الكتاب" 1/ 315، 424 وكذا في "الخزانة" 2/ 541 و 4/ 194، وينسب البيت أيضًا: لأبي قيس اليهودي، ولابن صرمة اليهودي، ولحنيف بن عمر اليشكري، ولنهار بن أخت مسيلمة == الكذاب ويروى تجزع بدل تكره.

ينظر: "الإغفال" 317، و"مغني اللبيب" 1/ 297، و"شذور الذهب" 132، والأشموني 1/ 70، و"المفصل" 4/ 2، وابن يعيش 3/ 4، و"طبقات القراء" 1/ 290، وشرح شواهد المغني ص 240، و"ديوان عبيد بن الأبرص" ص 86.

(٢٦) البيت تقدم تخريجه.

(٢٧) من "الإغفال" ص 317، 318 بتصرف، وقد لخصه القرطبي في "تفسيره" 2/ 24.

(٢٨) من "الإغفال" ص 319.

(٢٩) من "الإغفال" ص 319.

(٣٠) ساقطة من (م).

(٣١) "معاني القرآن" للفراء 1/ 57.

(٣٢) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 57: عما قليل آتيك.

(٣٣) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 57: جاز فيه التأنيث والجمع، فقلت: بئسما رجلين أنتما، بئست ما جاريةً جاريتك.

(٣٤) "معاني القرآن" للفراء 1/ 58 بتصرف، وقد ذكر الأقوال في إعراب ما في هذه الآية الطبري في تفسيره 1/ 413 - 414، والعكبري في "التبيان" 74، وأبو حيان في "البحر" 1/ 304 - 305، وخلاصته: اختلف في ما ألها موضع من الإعراب أم لا؟

فذهب الفراء إلى أنه بجملته شيء واحد، وظاهره أن لا موضع لها من الإعراب، والجمهور على أن لها موضعًا من الإعراب، واختلفوا أموضعها نصب أم رفع؟.

(٣٥) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 56، "اللسان" 4/ 2253 (شرى)، وذكر في "البحر المحيط" 1/ 305: أن اشتروا هنا بمعنى: باعوا عند الأكثرين، وفي المنتخب أنه على بابه، لأن المكلف إذا خاف على نفسه من العقاب أتى بأعمال يظن أنها تخلصه، وكأنه قد اشترى نفسه بها، قال أبو حيان: ويرد عليه، ﴿ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، حيث فعلوا ذلك على سبيل البغي والحسد.

(٣٦) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري، في ديوانه ص 213، و"لسان العرب" 4/ 2252 مادة (شرى).

(٣٧) البيت لطرفة بن العبد في "ديوانه" ص 41.

(٣٨) "معاني القرآن" للفراء 1/ 56، وقال: وللعرب في شروا واشتروا مذهبان، فالأكثر منهما أن يكون شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما جميعًا في معنى باعوا، وكذلك البيع، يقال: بعت الثوب، على معنى: أخرجته من يدي، وبعته: اشتريته، وهذه اللغة في تميم وربيعة.

ينظر: "البحر المحيط" 1/ 305.

(٣٩) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 414 - 416، "تفسير الثعلبي" 1/ 1032، "تفسير ابن كثير" 113 - 114.

(٤٠) "تفسير الثعلبي" 1/ 1032.

(٤١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 172.

(٤٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 56، ونصه: أن يكفروا، في موضع خفض ورفع، فأما الخفض فأن ترده على الهاء التي في به، على التكرير على كلامين، كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بالكفر.

وأما الرفع فأن يكون مكرورا أيضا على موضع ما التي تلي بئس.

اهـ.

وينظر في إعراب الآية: "التبيان" للعكبري ص 75، حيث ذكر القولين السابقين وزاد: وقيل: هو مبتدأ، وبئس وما بعدها خبر عنه.

(٤٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 1032.

(٤٤) المِدَّة بكسر الميم القيح، وهي الغثيثة الغليظة، وأما الرقيقة فهي صديد وأَمَدّ الجرح إمدادًا، صار فيه مِدَّةٌ ينظر: "المصباح المنير" ص 567.

(٤٥) قال في "مقاييس اللغة" 1/ 272: الباء والغين والياء أصلان: أحدهما: طلب الشيء، والثاني: جنس من الفساد.

(٤٦) ينظر في معاني البغي: "تهذيب اللغة" 1/ 367، "مقاييس اللغة" 1/ 271 - 272، "المفردات" للراغب ص 65، "اللسان" 1/ 323.

(٤٧) ينظر: الطبري في تفسيره 1/ 415، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 173، "زاد المسير" 1/ 114، "تفسير القرطبي" 2/ 25.

(٤٨) من "تهذيب اللغة" 1/ 367.

(٤٩) لم أجده بهذا اللفظ لكن قريب منه عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 173.

(٥٠) في (ش): (قال).

(٥١) ينظر: "التبيان" للعكبري ص 75.

(٥٢) والعامل فيه: يكفروا، أي: كفرهم لأجل البغي، أو يكون العامل فيه: اشتروا.

ينظر: "البحر المحيط" 1/ 305.

(٥٣) هو: حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني، فارس شاعر جواد، جاهلي يضرب المثل بجوده، كان من أهل نجد، شعره كثير ضاع معظمه.

ينظر: "الشعر والشعراء" ص 143، و"الأعلام" 2/ 151.

(٥٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1703.

(٥٥) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 173، وينظر: "التبيان" ص 75 قال: وقيل: التقدير: بغيًا على ما أنزل الله، أي: حسدًا على ما خص الله به نبيه من الوحي.

(٥٦) وقيل: التقدير: بغيًا على أن ينزل الله، لأن معناه: حسدا على أن ينزل الله، فحذفت على، وقيل: أن ينزل في موضع جرًّ على أنه بدل اشتمال من ما في قوله بما أنزل الله أي: بتنزيل الله ينظر "البحر المحيط".

(٥٧) رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 417، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 173، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1032 وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد وعطاء وقتادة وابن أبي خالد نحو ذلك، وقد ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 114 خمسة أقوال في الآية، والخلاف فيها من قبيل اختلاف التنوع.

(٥٨) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 346 وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1033، وعزاه == السيوطي في "الدر" 1/ 218 إلى عبد بن حميد.

وروى الطبري، وابن أبي حاتم عن أبي العالية نحوه.

(٥٩) هذا كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 174، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 174 عن سعيد بن جبير في قوله: (فباؤوا بغضب على غضب) يقول: استوجبوا سخطا على سخط، وذكر "القرطبي" 2/ 29 قولاً فقال: وقال قوم: المراد التأييد وشدة الحال عليهم، لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين.

وينظر "البحر المحيط" 1/ 306.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كتاب مِّنْ عِندِ الله ﴾ وهو القرآن ﴿ مُصَدِّقٌ ﴾ تقدم أن له ثلاث معانٍ ﴿ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ أي ينتصرون على المشركين، إذا قاتلوهم قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، ويقولون لأعدائهم المشركين، قد أظل زمان نبي يخرج فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، وقيل: يستفتحون؛ أي يعرفون الناس النبي صلى الله عليه وسلم، والسين على هذا للمبالغة كما في استعجب واستسخر، وعلى الأول للطلب ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ ﴾ القرآن والإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، قال المبرِّد: كفروا جواباً لما الأولى والثانية، وأُعيدت الثانية لطول الكلام، ولقصد التأكيد، وقال الزَّجَّاج: كفروا جواباً لما الثانية، وحذف جواب الأولى للاستغناء عنه لذلك، وقال الفراء جواب لما الأولى فلما، وجواب الثانية كفر ﴿ عَلَى الكافرين ﴾ أي عليهم يعني اليهود، ووضع الظاهر موضع المضمر ليدل أن اللعنة بسبب كفرهم، واللام للعهد أو للجنس، فيدخلون فيها مع غيرهم من الكفار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا يعبدون ﴾ بالياء للغيبة.

ابن كثير وحمزة وعلي والمفضل ﴿ القربى ﴾ بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على وزن "فعلى" ﴿ حسنا ﴾ وصفاً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ تظاهرون ﴾ خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وحذف إحدى التاءين للتخفيف، الباقون بالتشديد ووجهه إدغام التاء في الظاء ﴿ أسارى ﴾ بالإمالة ﴿ تفدوهم ﴾ أبو عمرو وخلف.

﴿ أسارى ﴾ مفخماً ﴿ تفدوهم ﴾ ابن كثير وابن عامر ﴿ أسرى ﴾ بالإمالة ﴿ تفدوهم ﴾ حمزة.

﴿ أسارى ﴾ بالإمالة ﴿ تفادوهم ﴾ علي والنجاري عن ورش والخراز عن هبيرة، والباقون ﴿ أسارى ﴾ مفخماً ﴿ تفادوهم ﴾ ﴿ تردون ﴾ بتاء الخطاب: أبو زيد عن المفضل ﴿ يعلمون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف ويعقوب وأبو بكر وحماد بناء لآخر الكلام على أوّله، الباقون بالتاء تغليباً للمخاطبين على الغيب.

الوقوف: ﴿ الزكاة ﴾ لأن "ثم" لترتيب الأخبار أي مع ذلك توليتم و ﴿ معرضون ﴾ و ﴿ تشهدون ﴾ (ه) ﴿ من ديارهم ﴾ (ز) لأن ﴿ تظاهرون ﴾ يشبه استئنافاً، وكونه حالاً أوجه و ﴿ العدوان ﴾ (ط) ﴿ إخراجهم ﴾ (ط) ﴿ ببعض ﴾ (ج) لابتداء الاستفهام أو النفي مع فاء التعقيب ﴿ الدنيا ﴾ (ط) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ العذاب ﴾ (ط) ﴿ يعملون ﴾ (ه) ﴿ الآخرة ﴾ (ز) لأن الفعل مستأنف وفيه فاء التعقيب للجزاء ﴿ ينصرون ﴾ (ه).

التفسير: إنه  كلفهم بأشياء: الأوّل: قوله ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ من قرأ بياء الغيبة فلأنهم غيب، ومن قرأ بتاء الخطاب فلحكاية ما خوطبوا به، وفي إعرابه أقوال: أحدها: أنه إخبار في معنى النهي كقولك "تذهب إلى فلان" تريد الأمر وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي كأنه سورع إلى الامتثال فهو يخبر عنه.

ويؤيد هذا القول عطف ﴿ وقولوا ﴾ ﴿ وأقيموا ﴾ عليه.

وثانيها: التقدير أن لا تعبدوا فلما حذفت "أن" رفعت كقوله "ألا أبهذا الزاجري أحضر الوغى" ويحتمل أن تكون "أن" مفسرة وأن تكون مع الفعل بدلاً من الميثاق كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل توحيدهم.

وثالثها: هو جواب قوله ﴿ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ﴾ إجراء له مجرى القسم كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون.

وهذا التكليف بالحقيقة يتضمن جميع ما لا بد منه في الدين، لأن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته  وبجميع ما يجب له ويستحيل عليه، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة.

التكليف الثاني: قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ معناه يحسنون بالوالدين إحساناً ليناسب ﴿ لا تعبدون ﴾ أو أحسنوا ليناسب ﴿ وقولوا ﴾ ويمكن أن يقدر "وصيناهم" عطفاً على ﴿ أخذنا ﴾ وهذا أنسب لمكان الباء، ولا بد من تقدير القول إما قبل ﴿ لا تعبدوا ﴾ وإما قبل ﴿ أحسنوا ﴾ وإما قبل ﴿ قولوا ﴾ وإنما جعل الإحسان إلى الوالدين تالياً لعبادة الله لوجوه منها: أنهما سبب وجود الولد كما أنهما سبب التربية، وغير الوالدين قد يكون سبب التربية فقط فلا إنعام بعد إنعام الله  أعظم من إنعام الوالدين.

ومنها أن إنعامهما يشبه إنعام الله تعالى من حيث إنهما لا يطلبان بذلك ثناء ولا ثواباً ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً  ﴾ .

ومنها أنه  لا يمل من إنعامه على العبد وإن أتى بأعظم الجرائم، فكذا الوالدان لا يقطعان عنه مواد كرمهما وإن كان غير بارٍ بهما، ومنها أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح والغبطة، والله  يأخذ الحبة فيربيها مثل جبل أحد.

ومنها أن المناسبة والميل والحبة بين الوالد وولده ذاتية حتى عمت جميع الحيوان، كما أن المناسبة بين الواجب والممكن ذاتية لا عرضية، وههنا أسرار فليتأمل.

ومنها أنه لا كمال يمكن للولد إلا ويطلبه الوالد لأجله ويريده عليه، كما أن الله  لا خير يمكن للعبد إلا وهو يريده عليه، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب ونصب الأدلة وأزاح العلة، ومن غاية شفقة الوالدين أنهما لا يحسدان ولدهما إذا كان خيراً منهما بل يتمنيان ذلك بخلاف غيرهما فإنه لا يرضى أن يكون غيره خيراً منه.

وتعظيم الوالدين أمر معتبر في جميع الشرائع ومركوز في كل العقول، وقد ورد "أطع الوالدين وإن كانا كافرين" وعن النبي  أنه نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركاً، ولهذا أطلق الإحسان إليهما في الآية إطلاقاً.

وقد تلطف إبراهيم  في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله ﴿ يا أبت، يا أبت ﴾ والإحسان إليهما أن يحبهما من صميم القلب ويراعي دقائق الأدب والخدمة والشفقة ويبذل وسعه في رضاهما قولاً وفعلاً، ولا يمنع أعز أوقاته وكرائم أمواله عنهما، ويجتهد في تنفيذ وصاياهما ويذكرهما في صالح دعائه كما أرشد الله  إلى جميع ما ذكرنا في قوله ﴿ فلا تقل لهما أف  ﴾ إلى آخر الآية.

التكليف الثالث: الإحسان إلى ذوي القرابة ويعبر عنه بصلة الرحم عن رسول الله  "الرحم شجنة من الرحمن قال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قعطعته" والشجنة الاشتباك أي الرحم مشتقة من الرحمن يعني أنها قرابة من الله مشتبكة كاشتباك العروق والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، ولهذا صار كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين قال الشافعي: لو أصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث وغير الوارث، والمحرم وغير المحرم، والمسلم والكافر، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والأجداد والأحفاد، لا الأبوان والولد على الأظهر، لأن الوالد والولد لا يعرفان في العرف بالقريب.

وههنا دقيقة وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية ليرتفع نسبهم، ونحن لو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي: نرتقي إلى أقرب جد ينسب هو إليه ويعرف به.

وذكروا في مثاله أنه لو أوصى لأقارب الشافعي فإنا نصرفه إلى أولاد شافع فإنه منسوب إليه، ولا يدخل فيها أولاد علي والعباس وإن كان شافع وعلي والعباس كلهم أولاد السائب بن عبيد، والشافعي هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف.

قال المحققون: هذا في زمان الشافعي، وأما في زماننا فلا نصرفه إلا إلى أولاد الشافعي ولا نرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، ولا يدخل الأقارب من الأم في وصية العرب لأن قرابة الأم لا تعدها العرب قرابة ولا تفتخر بها أما لو أوصى لذي رحم زيد فيدخل فيه قرابة الأم في وصية العرب والعجم، لأن لفظ الرحم لا يختص بطرف الأب بحال.

وذهبت طائفة إلى أن الأقوى على ما أجاب به العراقيون ومال إليه أبو حنيفة، هو أن أقارب الأم تدخل في الوصية سواء كانت في وصية العرب أو وصية العجم، وتوجيه الفارق ممنوع لقوله  "سعد خالي فليرني امرؤ خاله" والإحسان إلى الأقارب قريب من الإحسان إلى الوالدين، وذلك بأن يجتهد في رضاهم بما تيسر له عرفاً وشرعاً، وينفق عليهم بالمعروف إن كانوا معسرين وهو موسر.

التكليف الرابع: الإحسان إلى اليتامى واليتيم من الأطفال الذي مات أبوه إلى أن يبلغ الحلم، فيجب على وليه حفظ ماله واستنماؤه قدر النفقة والزكاة ومؤن الملك بما أمكنه والقيام بمصالحه مع رعاية دقائق الغبطة وقضاء حقوق النصيحة.

قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم.

واليتم في غير الإنسان من قبل أمه، واليتيم من الدر ما لا أخت له وإنما يجمع "يتيم" على "يتامى" لأن اليتم لما كان من صفات الابتلاء حمل على الوجع والحبط.

فكما قالوا في وجع وحبط للمنتفخ البطن، وجاعي وحباطي، قيل في يتيم يتامى.

وفي الكشاف: إنه أجرى يتيم مجرى الأسماء نحو "صاحب" و "فارس" فقيل "يتائم" ثم "يتامى" على القلب وكذا في اليتيمة.

التكليف الخامس: الإحسان إلى المساكين واحدها مسكين أخذ من السكون، كأن الفقر سكنه، أو لأنه الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالسكير الدائم السكر وهو أسوأ حالاً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة ومالك، واحتجوا عليه بقوله  ﴿ أو مسكيناً ذا متربة  ﴾ وعند الشافعي وأحمد: الأمر بالعكس قالوا: اشتقاق الفقير من فقار الظهر، كأن فقاره انكسرت لشدة حاجته، والمسكين قد يملك ما يتعلل به كما في قوله  ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين  ﴾ ويظهر أثر الخلاف فيما لو أوصى للفقراء دون المساكين أو بالعكس.

والإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين ينبغي أن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير.

التكليف السادس: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ بالوصف أي قولاً حسناً.

وحسناً على المصدر أي قولاً ذا حسن، أو قولاً هو الحسن في نفسه لإفراط حسنه، أو ليحسن قولكم حسناً.

والظاهر أن المخاطبين بذلك هم الذين أخذ ميثاقهم لاتحاد القصة.

قيل: إنه مخصوص إما بتخصيص الناس أي قولوا للمؤمنين حسناً بدليل آية القتال ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ وإما بتخصيص القول أي قولوا للناس حسناً في الدعاء إلى الله والأمر بالمعروف.

وقال أهل الحقيقة: إنه على العموم وذلك أن كلام الناس مع الناس في الأمور الدينية إن كان بالدعوة إلى الإيمان وجب أن يكون بالرفق واللين كما قال لموسى ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ وقال لمحمد  ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك  ﴾ وإن كان بالدعوة إلى الطاعة كالفساق فحسن القول أيضاً معتبر ﴿ أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة  ﴾ ﴿ ادفع بالتي هي أحسن  ﴾ وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض باللطيف من القول لم يعدل إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا شانه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخل تحت هذا القول.

وعن الباقر: قولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم.

التكليف السابع والثامن: قوله ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ وقد تقدم تفسيرهما.

ولا شك في وجوب هذه التكاليف عليهم بدليل: أخذ الميثاق، ولأن ظاهر الأمر للوجوب ولترتب الذم عليه بتوليهم، وهذه التكاليف أيضاً واجبة في شرعنا.

وعن ابن عباس: أن الزكاة نسخت كل حق.

وضعف بأن إغاثة المضطر واجبة وإن لم تجب علينا الزكاة.

واعلم أن التكليف إما بدني أو مالي وكل منهما إما عام أو خاص.

فالبدني العام هو العبادة المطلقة، وهي أن يكون بكل الجوارح والقوى منقاداً مطيعاً مؤتمراً لأمر الله  ، بحيث لا يرى لنفسه شيئاً من التصرف والاختيار كالعبد الماثل بين يدي مولاه وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ .

والبدني الخاص هو الصلاة وأشار إليه بقوله ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ فللصلاة أوقات مخصوصة وأركان وشروط معدودة.

والمالي الخاص هو الزكاة لتخصصها بالأصناف الزكوية وبالنصاب وبالحول وغير ذلك.

والمالي العام لكونه منوطاً بالقدرة.

والإمكان سببه إما نسب أولاً، والنسب إما سابق أو مقارن أو لاحق.

فالسابق الوالدان، والمقارن الأقارب، واللاحق اليتامى، لأنهم أولاد.

وذلك إذا كان الولي جداً أو بمنزلة الأولاد، وذلك إذا كان الولي غيره.

وغير النسب إما الاحتياج والفقر وهو المساكين، أو الاشتراك في النوع، ولا يمكن إلا بالقول الحسن، وما ينخرط في سلكه من مكارم الأخلاق الفعلية "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم" فالقول الحسن يشمل الأصناف المتقدمة أيضاً بهذا الاعتبار، وحين هذا الترتيب مما لا مزيد عليه، وقد كرر أكثر هذه المعاني في سورة النساء بضرب من التأكيد، فأكد العبادة بقوله ﴿ ولا تشركوا به شيئاً  ﴾ وأكد الإحسان إلى ذي القربى.

وما يتلوه بتكرير الجار وهو الباء وبضم أصناف أخر وهم الجار وغيره إليهم فكأنه كالتفصيل لقوله ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ .

قوله  ﴿ ثم توليتم ﴾ قيل الخطاب لمتقدمي بني إسرائيل على طريقة الالتفات، ووجهه أن أول الكلام معهم فكذا آخره إلا بدليل يوجب الانصراف عن هذا الظاهر، وقيل: إنه خطاب لمن كان في عصر النبي  من اليهود، كأنه  بين أن تلك المواثيق كما لزمهم التمسك بها فكذلك هي لازمة لكم لأنكم تعلمون ما في التوراة من نعت محمد  وصحة نبوته، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم إلا قليلاً منكم وهم الذين آمنوا وأنتم معرضون.

الواو للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الإعراض، أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم.

وقيل: ثم توليتم للمتقدمين وأنتم معرضون للمتأخرين.

وأما قوله  ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ فقيل: خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي  .

وقيل: المراد أخذنا ميثاق آبائكم.

وقيل: خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف.

وفي قوله ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه فأي فائدة في النهي؟

والجواب أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت من أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور، وككثير ممن يصعب عليه الزمان، أو المراد لا يفعل ذلك بعضكم ببعض جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلاً أو ديناً، أو أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه، أو لا تتعرضوا لمقاتلة من يغلبكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم.

﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم.

والمراد إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم لأن ذلك مما تعظم فيه الفتنة حتى يقرب من الهلاك.

وإعراب ﴿ لا تسفكون ﴾ و ﴿ لا تخرجون ﴾ على قياس ما تقرر في ﴿ لا تعبدون ﴾ ﴿ ثم أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ أي ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون عليها كقولك "فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها" أو اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك، لأنه كان شائعاً فيما بينهم مشهوراً، وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق.

﴿ ثم أنتم ﴾ معنى "ثم" الاستبعاد لما أسند إليهم من القتل، والاجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم، وإقرارهم وشهادتهم.

"وأنتم" مبتدأ و "هؤلاء" خبره أي أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلاً لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: خرجت بغير الوجه الذي دخلت به، و "تقتلون" بيان "لأنتم هؤلاء" وقيل "هؤلاء" موصول بمعنى الذين وهذا عند الكوفيين فإنهم يجوزون كون جميع أسماء الإشارة بمعنى الموصول.

والتظاهر التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة، بيّن  أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان، وفيه دليل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة.

ولا يشكل هذا بتمكين الله  الظالم من الظلم فإنه كما مكنه فقد زجره عنه ونهاه بخلاف معين الظالم فإنه يدعوه إلى الظلم ويحسنه في عينه مع أنه  لا يسأل عما يفعل.

أسرى جمع أسير كجرحى في جريح، وأسارى جمع أسرى كسكرى وسكارى.

وقيل: أسارى من الجموع التي ترك مفردها كأنه جمع "إسران" كعجالى وعجلان.

وقوله ﴿ تفادوهم ﴾ جمهور المفسرين على أنه وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم و ﴿ هو ﴾ ضمير الشأن و ﴿ إخراجهم ﴾ مبتدأ و ﴿ محرم ﴾ خبره والجملة خبر الضمير.

ويجوز أن يكون ﴿ هو ﴾ مبتدأ مبهماً و ﴿ محرم ﴾ خبره و ﴿ إخراجهم ﴾ تفسيره، ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ أي بالفداء ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ أي بالقتال والإجلاء.

وذلك أن قريظة كانوا حلفاء الأوس والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فعيرتهم العرب فقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟

فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحيي أن يذل حلفاؤنا فذمهم الله  على المناقضة إذا أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، ولعلهم صرحوا باعتقاد عدم وجوبه فلهذا سماه كفراً، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم وفي ذلك تنبيه على أنهم في تصديقهم بنبوة موسى مع التكذيب بمحمد  والحجة في أمرهما على سواء، يجرون مجرى طريقة السلف منهم في الإيمان ببعض والكفر ببعض وكل في الميثاق سواء.

الخزي الذل والهوان خزي بالكسر يخزي خزياً أي ذل وهان، وخزي أيضاً يخزى خزاية أي استحيا فهو خزيان.

فإذا قيل: أخزاه الله.

فالمراد أهانه أو أوقعه موقعاً يستحيي منه وتنكير "خزي" يدل على فظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغاً لا يكتنه كنهه، والأظهر أنه غير مختص ببعض الوجوه.

وقيل: هو قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير، وقيل: الجزية، وعلى هذين القولين يختص الخزي بمن في عصر رسول الله  منهم وبمن يخلفهم دون أسلافهم، فإن قيل: عذاب منكري الصانع كالدهرية يجب أن يكون أشد، فكيف يقال في حق اليهود يردون إلى أشد العذاب؟

قلنا: إما لأن كفر العناد أغلظ، وإما لأن المراد أشد من الخزي لا الأشد مطلقاً.

وفي قوله: ﴿ وما الله بغافل ﴾ وعيد شديد للعاصين وبشارة عظيمة للمطيعين، لأن القدرة الكاملة مع عدم الغفلة تدل على وصول الحقوق إلى مستحقها لا محالة.

﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ استبدلوها بها ﴿ فلا يخفف عنهم العذاب ﴾ لا ينقطع ولا يفتر بل يدوم على حالة واحدة ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ بدفع هذا العذاب عنهم.

وفيه تنبيه على أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا إذا كانت على وفق الهوى لا الشرع، وبين لذات الآخرة ممتنع يستتبع وجود إحداهما عدم الأخرى والله ولي التوفيق.

التأويل: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ في عهد ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ بامتثال أوامر الشيطان واتباع خطواته كما قيل: إلــــى حتفــــي مشــــى قــــدمــــي *** أرى قـــدمــــي أراق دمـــــــــي ﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ من ديار عبوديتكم التي كنتم فيها في أصل الفطرة ﴿ وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ﴾ لا تقتصرون على ضلالكم بل يعاون بعضكم بعضاً على الإعراض عن حقوق الله والإقبال على حظوظ النفس ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ﴾ فمن أسر في قيد الهوى فإنقاذه بالدلالة على الهدى، ومن أسر في قيد حب الدنيا فخلاصه في كثرة ذكر المولى، ومن أسر في أيدي الشكوك والشبهات ففداؤه إرشاده إلى اليقين بلوائح البراهين ولوامع البينات، ومن أسر في حبس وجود فنجاته فيما يحل عنه وثاق الكون ويوصله إلى معبوده، ومن أسر في قبضة الحق فليس لأسراهم فداء ولا لقتلاهم قود ولا لرهطهم خلاص ولا لقومهم مناص ولا منهم فرار ولا معهم قرار ولا إليهم بغيره سبيل ولا لديهم دليل ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ وهو ما سمعتم في أول الخطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ فقلتم بلى ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ وهو الذي عاهدتم عليه ألا تعبدوا غير الله من الشيطان والنفس والهوى الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .

قد ذكرنا عهد الله وميثاقه أَنه يكون على وجهين: عهد خِلْقةٍ وفطرة، وعهد رسالة ونبوة.

وقوله: ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: لا تجعلون الألوهيةَ إِلا لله.

ويحتمل: نفس العبادة، أَي: لا تعبدون غير الله، من الأَصنام والأَوثان وغيرهما.

وقوله: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

بِرّاً بهما، وعَطفاً عليهما، وإِلطافاً لهما، وخفْضَ الجناح، ولينَ القول لهما؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ...

﴾ الآية [الإسراء: 23-24]، وكقوله: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً  ﴾ .

فإن قيل: إِن الأَمر بالإِحسان فيما بين الخلق يخرج مخرج الإفضال والتبرع، لا على الوجوب، واللزوم.

غير أَن الإحسان يجوز أن يكون الفعلَ الحسن نفسَه؛ كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ استوجبوا هذا بالفعل الحسن، لا بالإحسان إلى الله  ، وفعلُ الحسن فرضٌ واجبٌ على كل أَحد.

والثاني: أَن الإحسان إِليهم يجوز أَن يكون من حق الله عليهم، وحقُّ الله عليهم لازم، وعلى ذلك صلةُ القرابةِ والمحارِم، والإِنفاقُ عليهم من حق الله عليهم، وهو لازم.

فهذا ينقض على الشافعي قولَه: إنه لا يوجب النفقة إلا على الوالدين، ولا يتكلم في الآباء والأُمهات بالقرابة، ولا سموا بهذا الاسم؛ فدل: أَنه أَراد به غير الوالدين، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ ﴾ .

يحتمل: على النفْل من الصدقة والفرض جميعاً.

وقوله: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ .

يحتمل: وجوهاً: يحتمل: لا تكتموا صفة محمد  ونعته ولكن أَظهروها.

ويحتمل: الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله.

ويحتمل: المراد به الكلُّ، كل شيءٍ وكل قول؛ أَي: لا تقولوا إلا حسناً.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

يحتمل: الإقرار بها، والقبول لها.

ويحتمل: إِقامتها في مواقيتها، بتمام ركوعها وسجودها وخشوعها.

ويحتمل: أن يكونوا في حالٍ تكون لكم الصلاة والتزكية.

وقوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .

يحتمل الوجوه التي ذكرناها في الصلاة.

وقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ .

الآية ظاهرة.

وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا الميثاق والعهد في غير موضع.

وقوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أي: لا تسفكون دماءَ غيركم، فيسفك دماءَكم؛ فتصيرون كأَنكم سفكتم دماءَكم.

ويحتمل: لا يسفك بعضُكم دماءَ بعض؛ كقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ  ﴾ ، أي: يسلم بعضكم على بعض.

وذكر نقض العهد في هؤلاءِ وإن كان في أَوائلهم؛ لوجهين: أَحدهما: لما رضي هؤلاء بفعل آبائهم.

والثاني: بقولهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 22-23].

وقوله: ﴿ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ﴾ .

يحتمل: أيضاً وجهين: يحتمل: ولا يُخرج بعضُكم بعضاً.

ويحتمل: لا تخرجوا غيركم من ديارهم، فتخرجون من دياركم؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ .

يحتمل: ثم أقررتم وأَنتم تشهدون بالعهد والميثاق، وتشهدون أَنه في التوراة.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

يعني: يا هؤلاء.

وقوله: ﴿ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ ﴾ .

يحتمل وجهين اللذَين ذكرتهما في قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ ﴾ .

أي: تَعَاوَنُون عليهم، يُعاون بعضكم بعضاً بالإخراج، وهو الظلم والعدوان.

وقوله: ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ .

أي: ذلك الإخراج محرم عليكم.

وقوله: ﴿ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ...

﴾ .

الآيةُ - وإن كانت مؤخرة في الذكر - فهي مقدمة؛ كأَنه قال: لا تسفكون دماءَكم ولا تخرجون أَنفسكم، وإن يأْتوكم أسارى تفادوهم.

وقوله: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ .

آمنوا بالمفَاداة من الأَسارى، وكفروا بالإِخراج وسفك الدماءِ.

ويحتمل: الإيمان ببعض ما في التوراة، وكفورا ببعضها، وهو نَعْت محمد  وصفته؛ إذ لم يكن على موافقة مُرادهم.

ويحتمل: أَن فادوا أَسراهم من غيرهم، وسَبَوْا ذَرَاري غيرهم.

وقوله: ﴿ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ ﴾ .

قيل: الخزي في الدنيا إِجلاءُ بني النضير من ديارهم، وإخراجهم إلى الشام.

وقيل: مقاتلةُ بني قريظةَ، وسبيُ ذراريهم، وذلك لحربٍ وقع بينهم، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

ولكن لا يعاقبون في الدنيا، بل يردون إلى أشد العذاب في الآخرة، وإن استوجبوا ذلك في الدنيا؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ...

﴾ الآية: [إبراهيم: 42].

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

وعيدٌ.

قد ذكرنا ذلك فيما تقدم.

وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ .

يحتمل: أنهم كانوا آمنوا بمحمد  قبل خروجه وبعثه، فلما بعث على خلاف مرادهم كفروا به، فذلك اشتراء الحياة الدنيا بالآخرة.

ويحتمل: ابتداء اختيار الضلال على الهدى، والحياة الدنيا على الآخرة، من غير أَن آمنوا به، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

بئس الَّذي استبدلوا به حظ أنفسهم من الإيمان بالله ورسله؛ فكفروا بما أنزل الله وكذبوا رسله، ظلمًا وحسدًا بسبب إنزال النبوة والقرآن على محمد  ، فاستحقوا غضبًا مضاعفًا من الله تعالى بكفرهم بمحمد  ، وبسبب تحريفهم التوراة من قبل.

وللكافرين بنبوة محمد  عذاب مُذِلٌّ يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.aLjKG"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

عهد في سيرة البشر أن الأمة توعظ وتنذر، فتتعظ وتتدبر، فإذا طال عليها الأمد بعد النذير تقسو القلوب، ويذهب أثر الموعظة من الصدور، وتفسق عن أمر ربها، وتنسى ما لم تعمل به مما أُنذرت به، أو تحرفه عن موضعه بضروب التأويل، وزخرف القال والقيل، ولقد يكون للمتأخرين منها بعض العذر لجهله بما فعل المتقدم وأخذه ما يؤثر عنه بالتسليم لكمال الثقة وحسن الظن.

بين الله تعالى هذه السنة الاجتماعية في سورة الحديد بقوله ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ  ﴾ ولهذا كان تعالى يرسل الرسل بعضهم في إثر بعض حتى لا يطول أمد الإنذار على الناس فيفسقوا ويضلوا.

ولا يعرف التاريخ شعبًا جاءت فيه الرسل تترى كشعب إسرائيل، لذلك كانوا بمعزل عن صحة العذر بطول الأمد على الإنذار.

وفي ناحية عما يرجى قبوله من التعلل والاعتذار، لهذا قال تعالى بعد كل ما تقدم ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ  ﴾ فلم يمر زمن بين موسى وعيسى آخر أنبيائهم إلا وكان فيه نبي مرسل أو أنبياء متعددون يأمرون وينهون.

كأنه يقول: اعلموا يا بني إسرائيل أنه إن كان لطول الأمد على النبوة وبعد العهد بالرسل يد في تغيير الأوضاع ونسيان الشرائع، وكان في ذلك وجه لاعتذار بعض المتأخرين، فإن ذلك لا يتناولكم، فإن الرسل قد جاءتكم تترى ثم كان من أمركم معهم ما كان.

ذكر رسل بني إسرائيل بالإجمال لبيان ما ذكر، ثم خص بالذكر المسيح  فقال: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ  ﴾ فأما البينات فهي ما يتبين به الحق من الحجج القيمة والآيات الباهرة، والمراد بها ما دعا إليه من أحكام التوراة.

وأما روح القدس فهو روح الوحي الذي يؤيد الله تعالى به أنبياءه في عقولهم ومعارفهم، وهو هو المراد بقوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ  ﴾ الآية.

ويطلق عليه روح القدس لأن التعليم الذي يكون به مقدس أو لأنه يقدس النفوس كما يطلق عليه ﴿ الرُّوحُ الأَمِينُ  ﴾ لأن النبي الموحى إليه يكون على بينة من ربه فيه يأمن معه التلبيس فيما يلقى إليه، قال تعالى في القرآن ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ  ﴾ .

ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بروح القدس الملك المسمى بجبريل الذي ينزل على الأنبياء ومنه يستمدون الشرائع عن الله تعالى وهو على حد قولهم "حاتم الجود"، وذكر بعضهم وجهًا آخر وهو أن المراد بها روح عيسى نفسه ووصفها بالقداسة والطهارة بمعنى إعاذته من الشيطان أن يكون له حظ فيه، أو لأنه أنزل عليه الإنجيل بالتعاليم التي تقدس النفوس، بل قال بعضهم إن روح القدس هو الإنجيل، والمراد من الكل واحد وهو أن الله تعالى ارسل إليهم عيسی بعد ظهور رسل كثيرين فيهم بعد موسى وأعطاه ما لم يعط كل رسول من أولئك الرسل أو من قوة الروح، وزكاء النفس، ومكارم الأخلاق، ونسخ بعض الأحكام، وقد كان حظه مع ذلك منهم كحظ سابقيه الذين لم يؤتوا من المواهب مثلما أوتي.

ماذا كان حظ أولئك الرسل من بني إسرائيل؟

كان حظهم منهم ما أفاده الاستفهام التوبيخي في قوله ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ  ﴾ فاتبعتم الهوى وأطعتم الشهوات، وعصيتم الرسل واحتميتم عليهم أن أنذروكم و دعوكم إلى أحكام كتابكم ﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ  ﴾ كان المعهود فی التخاطب وكلام الناس أن تذكر هذه المساوئ ثم يوبخون عليها، ولكن طواها في الخطاب وأدمجها في الاستفهام لتفاجئ النفوس بقوة التشنيع والتقبيح، وتبرز لها في ثوب الإنكار والتوبيخ، وفي ذلك الإيماء إلى أن هذه المعاملة السؤى مما لا يخفى خبرها، ولا تغيب عن الأفكار صورها، فلا ينبغي الإلماع إليها إلا في سياق تقريع مجترحيها، وهذا من إيجاز القرآن الذي لا يعرج إليه فكر الإنسان، وانظر كيف أورد خبر القتل بصيغة المضارع التي تدل على الحال لاستحضار تلك الصورة الفظيعة وتمثيلها للسامع حتى يمثلها في الخيال، وإن مرت عليها القرون والأحوال، لأنها أفاعيل لا تخلق جدتها، ودماء لا تطير رغوتها، وإن مثل هذا التعبير ليمثل تلك الصورة المشوهة لأن الألفاظ إذا قرعت الذهن بمفهومها يتناول الخيال ذلك المفهوم ويصوره بالصورة اللائقة به، فيكون له من التأثير ما يناسبه.

قتلوا من الأنبياء المرسلين زكريا و يحيى عليهما السلام، ويروى أنهم قتلوا في يوم واحد مئة وخمسين نبيًا، فإن صح هذا فالمراد بأولئك الأنبياء من كانت نبوتهم محصورة في الدعوة إلى إقامة التوراة، ودليلها محصورًا في الإنباء بعض المغيبات، وكان هذا الفريق منتشرًا في أسباط بني إسرائيل وكثيرًا بكثرتهم.

وفي هذه الآية حجتان للنبي  .

حجة على بني إسرائيل وحجة على الذين يعجبون لعدم إيمانهم به وإجابتهم دعوته، وبيان أن المجاحدة والمعاندة من شأنهم ومما عرف من شنشنتهم، وناسب بعد هذا أن يذكر ما كانوا يعتذرون به عن الإيمان به، والاهتداء بكتابه، بعد تقرير الدعوة، وإقامة الحجة، فقال ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ  ﴾ الغلف بضم وسكون وبضمتين جمع أغلف، وهو ما يحيط به غلاف يمنع أن يصيبه شيء.

والمراد أننا لا نعقل قولك ولا ينفذ إلى قلوبنا مفهوم دعوتك، فهو بمعنى قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ  ﴾ .

وقد رد الله تعالى عليهم بما يشعر بكذبهم وعنادهم فقال ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ أي أن قلوبهم ليست غلفًا لا تفهم الحق بطبعها، وإنما أبعدهم الله تعالى من رحمته بسبب كفرهم بالأنبياء السابقين وبالكتاب الذي تركوا العمل به وحرفوه اتباعًا لأهوائهم، فهم قد أنسوا بالكفر وانطبعوا عليه، فكان ذلك سببًا في حرمانهم من قبول الرحمة الكبرى بإجابة دعوة خاتم النبيين، هذا هو معنى اللعن وقد ذكرت معه علته ليعلم أنه جرى على سنة الله تعالى في الأسباب والمسببات وأن الله لم يظلمهم بهذا، وإنما ظلموا أنفسهم بالكفر الذي يستتبع الكفر، والعصيان الذي يجر إلى التمادي في العصيان، كما هي السنة في أخلاق الإنسان.

ولما كان ذكر اللعن معللًا بالكفر الذي هو نتيجة تأثير أعمالهم السابقة في أنفسهم، وكان مما يخطر بالبال أن أولئك القوم لم يكونوا كافرين، بل مؤمنين بالله وكتابه ورسله إليهم، استدرك فقال ﴿ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ  ﴾ وإنما القلة في الإيمان باعتبار ما يؤمن به من أصول الدين وأحكام الشريعة، وبالنسبة إلى اليقين في الإيمان، و تحكيمه فی الفكر والوجدان.

ولقد كان القوم يؤمنون بالشريعة في الجملة وكما تعطيه ظواهر الألفاظ، ولكنهم لم يلبسوها مفصلة تفصيلًا، ولم يفقهوا حكمها وأسرارها، فلم يكن لها سلطان على قلوبهم، ولم تكن هي المحركة لإرادتهم في أعمالهم، وإنما كان يحركها الهوى والشهوة، ويصرفها عامل اللذة، فالإيمان إنما كان عندهم قوة باللسان، ورسمًا يلوح في الخيال، تكذبه الأعمال، وتطمسه السجايا الراسخة والخلال، وهذا هو الإيمان الذي لا قيمة له عند الله تعالی.

ومن العجب أن نرى آيات القرآن تبطله بالحجج القيمة، والأساليب المؤثرة، وأهل القرآن عن ذلك غافلون فقليلًا ما يعتبرون ويتذكرون.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن كثيرًا من المفسرين يزعمون أن ﴿ مَا  ﴾ زائدة وما هي بزائدة وفاقًا لابن جرير الطبري، وجل القرآن أن يكون فيه كلمة زائدة وإنما تأتي ﴿ مَا  ﴾ هذه لإفادة العموم تارة ولتفخيم الشيء تارة، ويقول ابن جرير إنما يؤتى بها في مثل هذا المقام كمبتدأ كلام جديد يفيد العموم كأنه قال: فإيمانًا قليلًا ذلك الذي يؤمنون به: وأما التي لتفخيم الشيء فقوله تعالى ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ  ﴾ أي فبسبب رحمة عظيمة الشأن خصك الله بها لنت لهم على ما لقيت منهم، وقد بين تعالى هذه الرحمة بقوله في وصفه  ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  ﴾ ، وقوله ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده