الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٨٩ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 103 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( ولما جاءهم ) يعني اليهود ( كتاب من عند الله ) وهو : القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ( مصدق لما معهم ) يعني : من التوراة ، وقوله : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) أي : وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم ، يقولون : إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم ، كما قال محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر عن قتادة الأنصاري ، عن أشياخ منهم قال : قالوا : فينا والله وفيهم يعني في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم ، نزلت هذه القصة يعني : ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) قالوا كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية ، ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب ، فكانوا يقولون : إن نبيا من [ الأنبياء ] يبعث الآن نتبعه ، قد أظل زمانه ، نقتلكم معه قتل عاد وإرم .
فلما بعث الله رسوله من قريش [ واتبعناه ] كفروا به .
يقول الله تعالى : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) [ النساء : 155 ] .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) قال : يستظهرون يقولون : نحن نعين محمدا عليهم ، وليسوا كذلك ، يكذبون .
وقال محمد بن إسحاق : أخبرني محمد بن أبي محمد ، أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه .
فلما بعثه الله من العرب كفروا به ، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه .
فقال لهم معاذ بن جبل ، وبشر بن البراء بن معرور ، أخو بني سلمة يا معشر يهود ، اتقوا الله وأسلموا ، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك ، وتخبروننا بأنه مبعوث ، وتصفونه لنا بصفته .
فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه ، وما هو بالذي كنا نذكر لكم ، فأنزل الله في ذلك من قولهم : ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) يقول : يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يعني بذلك أهل الكتاب فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه .
وقال أبو العالية : كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب ، يقولون : اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم .
فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، ورأوا أنه من غيرهم ، كفروا به حسدا للعرب ، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) وقال قتادة : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) قال : كانوا يقولون : إنه سيأتي نبي .
( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) وقال مجاهد : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) قال : هم اليهود .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن محمود بن لبيد ، أخي بني عبد الأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش ، وكان من أهل بدر قال : كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل قال : فخرج علينا يوما من بيته قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير ، حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل .
قال سلمة : وأنا يومئذ أحدث من فيهم سنا على بردة مضطجعا فيها بفناء أهلي .
فذكر البعث والقيامة والحسنات والميزان والجنة والنار .
قال ذلك لأهل شرك أصحاب أوثان لا يرون بعثا كائنا بعد الموت ، فقالوا له : ويحك يا فلان ، ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار ، يجزون فيها بأعمالهم ؟
فقال : نعم ، والذي يحلف به ، لود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه ، وأن ينجو من تلك النار غدا .
قالوا له : ويحك وما آية ذلك ؟
قال : نبي يبعث من نحو هذه البلاد ، وأشار بيده نحو مكة واليمن .
قالوا : ومتى نراه ؟
قال : فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا ، فقال : إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه .
قال سلمة : فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرنا ، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا .
فقلنا : ويلك يا فلان ، ألست بالذي قلت لنا ؟
قال : بلى وليس به .
تفرد به أحمد .
وحكى القرطبي وغيره عن ابن عباس ، رضي الله عنهما : أن يهود خيبر اقتتلوا في زمان الجاهلية مع غطفان فهزمتهم غطفان ، فدعا اليهود عند ذلك ، فقالوا : اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا بإخراجه في آخر الزمان ، إلا نصرتنا عليهم .
قال : فنصروا عليهم .
قال : وكذلك كانوا يصنعون يدعون الله فينصرون على أعدائهم ومن نازلهم .
قال الله تعالى : ( فلما جاءهم ما عرفوا ) أي من الحق وصفة محمد صلى الله عليه وسلم " كفروا به " فلعنة الله على الكافرين .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله &; 2-332 &; مصدق لما معهم)، ولما جاء اليهود من بني إسرائيل الذين وصف جل ثناؤه صفتهم-(كتاب من عند الله) = يعني بـ " الكتاب " القرآن الذي أنـزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم =(مصدق لما معهم)، يعني مصدق للذي معهم من الكتب التي أنـزلها الله من قبل القرآن، كما:- 1518 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم)، وهو القرآن الذي أنـزل على محمد، مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل.
1518 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم)، وهو القرآن الذي أنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم، مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، أي: وكان هؤلاء اليهود - الذين لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم من الكتب التي أنـزلها الله قبل الفرقان, كفروا به - يستفتحون بمحمد صلى الله عليه وسلم = ومعنى " الاستفتاح "، الاستنصار = (1) يستنصرون الله به على مشركي العرب من قبل مبعثه، أي من قبل أن يبعث، كما:- 1519 - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق, عن &; 2-333 &; عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري, عن أشياخ منهم قالوا: فينا والله وفيهم - يعني في الأنصار، وفي اليهود = الذين كانوا جيرانهم - نـزلت هذه القصة = يعني: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) = قالوا: كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية - (2) ونحن أهل الشرك, وهم أهل الكتاب - (3) فكانوا يقولون: إن نبيا الآن مبعثه قد أظل زمانه, يقتلكم قتل عاد وإرم.
(4) فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه، كفروا به.
يقول الله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به).
(5) 1520 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت, عن سعيد بن جبير، أو عكرمة مولى ابن عباس, عن ابن عباس: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه.
فلما بعثه الله من العرب, كفروا به, وجحدوا ما كانوا يقولون فيه.
فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر يهود, اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك, وتخبروننا أنه مبعوث, وتصفونه لنا بصفته!
فقال سَلام بن مِشْكَم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه, وما هو بالذي كنا نذكر لكم!
فأنـزل الله جل ثناؤه في ذلك من قوله: (ولما جاءهم &; 2-334 &; كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين).
(6) 1521 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس مثله.
1522 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه, عن ابن عباس: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، يقول: يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب - يعني بذلك أهل الكتاب - فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم، كفروا به وحسدوه.
1523 - وحدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن علي الأزدي في قول الله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، قال: اليهود, كانوا يقولون: اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس، يستفتحون - يستنصرون - به على الناس.
1524 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن علي الأزدي - وهو البارقي - في قول الله جل ثناؤه: (وكانوا من قبل يستفتحون)، فذكر مثله.
(7) 1525 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، كانت اليهود &; 2-335 &; تستفتح بمحمد صلى الله عليه وسلم على كفار العرب من قبل, وقالوا: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم!
فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فرأوا أنه بعث من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب, وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به).
1526 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قال: كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب, يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى يعذب المشركين ويقتلهم!
فلما بعث الله محمدا، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب, وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال الله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين).
1527 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به).
قال: كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم, وكانوا يجدون محمدا صلى الله عليه وسلم في التوراة, ويسألون الله أن يبعثه فيقاتلوا معه العرب.
فلما جاءهم محمد كفروا به، حين لم يكن من بني إسرائيل.
1528 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء قوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، قال: كانوا يستفتحون على كفار العرب بخروج النبي صلى الله عليه وسلم, ويرجون أن يكون منهم.
فلما خرج ورأوه ليس منهم، كفروا وقد عرفوا أنه الحق، وأنه النبي.
قال: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين).
1529 - قال حدثنا ابن جريج, وقال مجاهد: يستفتحون بمحمد صلى الله &; 2-336 &; عليه وسلم تقول: إنه - يخرج.(فلما جاءهم ما عرفوا) -وكان من غيرهم- كفروا به.
(8) 1530 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال: قال ابن جريج - وقال ابن عباس: كانوا يستفتحون على كفار العرب.
1531 - حدثني المثنى قال، حدثني الحماني قال، حدثني شريك, عن أبي الجحاف, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير قوله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)، قال: هم اليهود عرفوا محمدا أنه نبي وكفروا به.
1532 - حُدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)، قال: كانوا يستظهرون، يقولون: نحن نعين محمدا عليهم.
وليسوا كذلك، يكذبون.
1533 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألت ابن زيد عن قول الله عز وجل: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به).
قال: كانت يهود يستفتحون على كفار العرب، يقولون: أما والله لو قد جاء النبي الذي بشر به موسى وعيسى، أحمد، لكان لنا عليكم!
وكانوا يظنون أنه منهم، والعرب حولهم, وكانوا يستفتحون عليهم به، ويستنصرون به.
فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وحسدوه، وقرأ قول الله جل ثناؤه: كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [ سورة البقرة: 109].
قال: قد تبين لهم أنه رسول, فمن هنالك نفع الله الأوس والخزرج بما كانوا يسمعون منهم أن نبيا خارج.
* * * قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فأين جواب قوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ؟
قيل: قد اختلف أهل العربية في جوابه.
فقال بعضهم: هو مما ترك جوابه، استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه، وبما قد ذكر من أمثاله في سائر القرآن.
(9) &; 2-337 &; وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام, فتأتي بأشياء لها أجوبة، فتحذف أجوبتها، لاستغناء سامعيها - بمعرفتهم بمعناها - عن ذكر الأجوبة, كما قال جل ثناؤه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا [سورة الرعد: 31]، فترك جوابه.
والمعنى: " ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال لسيرت بهذا القرآن - استغناء بعلم السامعين بمعناه.
قالوا: فكذلك قوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ .
* * * وقال آخرون: جواب قوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ في" الفاء " التي في قوله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)، وجواب الجزاءين في" كفروا به "، كقولك: " لما قمت، فلما جئتنا أحسنت ", بمعنى: لما جئتنا إذْ قمت أحسنت.
(10) * * * القول في تأويل قوله تعالى : فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على معنى اللعنة، وعلى معنى " الكفر "، بما فيه الكفاية.
(11) * * * فمعنى الآية: فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيائه، المنكرين لما قد ثبت عندهم صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ففي إخبار الله عز وجل عن اليهود - بما أخبر الله عنهم بقوله: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ - البيان الواضح أنهم تعمدوا الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، بعد قيام الحجة بنبوته عليهم، وقطع الله عذرهم بأنه رسوله إليهم.
------------------ الهوامش : (1) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 524 .
(2) في سيرة ابن هشام 2 : 190"علوناهم ظهرا" .
(3) في سيرة ابن هشام 2 : 190"ونحن أهل شرك ، وهم أهل كتاب" .
(4) في سيرة ابن هشام 2 : 190"نقتلكم معه .
.
" ، وكذلك هو في ابن كثير 1 : 230 ، وكأنه الصواب .
(5) الخبر : 1519 - هذا له حكم الحديث المرفوع ، لأنه حكاية عن وقائع في عهد النبوة ، كانت سببا لنزول الآية ، تشير الآية إليها .
الراجح أن يكون موصولا .
لأن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري الظفري المدني : تابعي ثقة ، وهو يحكي عن"أشياخ منهم" ، فهم آله من الأنصار .
وعن هذا رجحنا اتصاله .
وقد نقل السيوطي 1 : 87 هذا الخبر ، ونسبه لابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وأبي نعيم ، والبيهقي ، كلاهما في الدلائل .
(6) الخبر : 1520 - فس يرة ابن هشام 2 : 196 .
(7) الأثر: 1523، 1524 - عليٍ الأزدى البارقي، هو علي بن عبد الله أبو عبد الله بن أبي الوليد البارقي، روى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبيد بن عمير، وأرسل عن زيد بن حارثة.
وعنه مجاهد بن جبر، وهو من أقرانه.
قال ابن عدى: ليس عنده كثير حديث، وهو عندي لا بأس به (تهذيب 7: 358، 359).
(8) الأثر : 1529 - هذا إسناد قد سقط صدره ، فما أدري ما هو .
وهو مضطرب اللفظ أيضًا .
(9) أنا في شك من هذه الجملة الأخيرة ، أن يكون فيها تحريف .
(10) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 59 .
(11) انظر ما سلف (الكفر) 1 : 255 ، 382 ، 522 ، وهذا الجزء (اللعنة) 2 : 328
قوله تعالى : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين قوله تعالى : ولما جاءهم يعني اليهود .
كتاب يعني القرآن .
من عند الله مصدق نعت لكتاب ، ويجوز في غير القرآن نصبه على الحال ، وكذلك هو في مصحف أبي بالنصب فيما روي .
لما معهم يعني التوراة والإنجيل يخبرهم بما فيهما .
وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا أي يستنصرون .
والاستفتاح الاستنصار .
استفتحت : استنصرت .
وفي الحديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين ، أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم .
ومنه فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده .
والنصر : فتح شيء مغلق ، فهو يرجع إلى قولهم : فتحت الباب .
وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما نصر الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم .
وروى النسائي أيضا عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أبغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم .
قال ابن عباس : كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود ، فعادت يهود بهذا الدعاء وقالوا : إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم .
قال : فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا ، فأنزل الله تعالى : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا أي بك يا محمد ، إلى قوله : فلعنة الله على الكافرين .قوله تعالى : ولما جاءهم جواب لما الفاء وما بعدها في قوله فلما جاءهم ما عرفوا في قول الفراء ، وجواب لما الثانية كفروا .
وقال الأخفش سعيد : جواب لما محذوف لعلم السامع ، وقاله الزجاج .
وقال المبرد : جواب لما في قوله : كفروا ، وأعيدت لما الثانية لطول الكلام .
ويفيد ذلك تقرير الذنب وتأكيدا له .
أي: ولما جاءهم كتاب من عند الله على يد أفضل الخلق وخاتم الأنبياء, المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة, وقد علموا به, وتيقنوه حتى إنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب, استنصروا بهذا النبي, وتوعدوهم بخروجه, وأنهم يقاتلون المشركين معه، فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا, كفروا به, بغيا وحسدا, أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فلعنهم الله, وغضب عليهم غضبا بعد غضب, لكثرة كفرهم وتوالى شكهم وشركهم.
ولهم في الآخرة { عذاب مهين } أي: مؤلم موجع, وهو صلي الجحيم, وفوت النعيم المقيم، فبئس الحال حالهم, وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله, الكفر به, وبكتبه, وبرسله, مع علمهم وتيقنهم, فيكون أعظم لعذابهم.
( ولما جاءهم كتاب من عند الله ) يعني القرآن ( مصدق ) موافق ( لما معهم ) يعني التوراة ( وكانوا ) يعني اليهود ( من قبل ) قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ( يستفتحون ) يستنصرون ( على الذين كفروا ) على مشركي العرب ، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا حزبهم أمر ودهمهم عدو : اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان ، الذي نجد صفته في التوراة ، فكانوا ينصرون ، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وثمود وإرم ( فلما جاءهم ما عرفوا ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم من غير بني إسرائيل وعرفوا نعته وصفته ( كفروا به ) بغيا وحسدا .
( فلعنة الله على الكافرين )
«ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم» من التوراة: هو القرآن «وكانوا من قبل» قبل مجيئه «يستفتحون» يستنصرون «على الذين كفروا» يقولون اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث آخر الزمان «فلما جاءهم ما عرفوا» من الحق وهو بعثة النبي «كفروا به» جحداً وخوفاً على الرياسة وجوابُ لما الأولى دل عليه جواب الثانية «فلعنة الله على الكافرين».
وحين جاءهم القرأن من عند الله مصدقا لما معهم من التوراة جحدوه، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا قبل بعثته يستنصرون به على مشركي العرب، ويقولون: قَرُبَ مبعث نبيِّ آخرِ الزمان، وسنتبعه ونقاتلكم معه.
فلمَّا جاءهم الرسول الذي عرفوا صفاتِه وصِدْقَه كفروا به وكذبوه.
فلعنةُ الله على كل مَن كفر بنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابه الذي أوحاه الله إليه.
استمع إلى القرآن وهو يصور كل ذلك بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول :( وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ .
.
.
)روى المفسرين في سبب نزول الآية الأولى من هاتين الآيتين آثارا متعددة ، من ذلك ما جاء عن عاصم بن عمرو بن قتادة الأنصاري عن رجال من قومه قالوا : مما دعانا إلى الإِسلام مع رحمة الله وهداه ، أنا كنا نسمع من رجال يهود حين كنا أهل شرك وكانوا أهل كتاب ، عندهم علم ليس عندنا ، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور ، فكنا إذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا : قد تقارب زمان نبي يبعث الآن ، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم رسولا من عند الله أجبنا حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه ، فآمنا به وكفروا به ، ففينا وفيهم نزل قوله - تعالى - ( وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله ) .
.
.
.
إلخ الآية " .ومعنى الآيتين الكريمتين : ولما جاء إلى اليهود محمد صلى الله عليه وسلم ومعه القرآن الكريم وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه ، مصدقاً لما معهم من التوراة فيما يختص ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم ونعته ، وكانوا قبل ذلك يستنصرون به على أعدائهم ، لما جاءهم النبي المرتقب ومعه القرآن الكريم جحدوا نبوته ، وكذبوا كتابه ( فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين ) .
بئس الشيء الذي باعوا به أنفسهم .
والحسد الذي خالط قلوبهم ، وكراهية لأن ينزل الله وحيه على محمد العربي صلى الله عليه وسلم فباءوا بسبب هذا الخلق الذميم ، بغضب مترادف متكاثر من الله - تعالى - ( وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) جزاء كفرهم وحسدهم .والمراد بالكتاب في قوله تعالى ( وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ) القرآن الكريم ، وفي تنكيره زيادة تعظيم وتشريف له ، وفي الأخبار عنه بأنه من عند الله ، إشارة إلى أن ما يوحى به - سبحانه - جدير بأن يتلقى بالقبول وحسن الطاعة لأنه صادر من الحكيم الخبير ، والذي مع اليهود هو التوراة ، ومعنى كون القرآن مصدقاً لها ، أنه يؤيدها ويوافقها في أصول الدين ، وفيما يختص ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم وصفته .وفي وصف القرآن الكريم بأنه مصدق لما معهم ، زيادة تسجيل عليهم بالمذمة لأنهم لم يكفروا بشيء يخالف أصول كتابهم وإنما كفروا بالكتاب الذي يصدق كتابهم .وقوله تعالى : ( وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ ) .بيان لحالتهم قبل البعثة المحمدية ، فإن اليهود كانوا عندما يحصل بينهم وبين أعدائهم نزاع ، يستنصرون عليهم بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته فيقولن اللهم انصرنا عليهم بالنبي الذي نجد نعته في التوراة .والاستفتاح معناه : طلب الفتح وهو الفصل في الشيء والحكم فيه ، كما في قوله تعالى : ( رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق )ويستعمل بمعنى النصر لأن فيه فصلا بين الناس قال تعالى : ( إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح ) أي : إن تستنصروا فقد جاءكم النصر ، فالمراد به الآية الاستنصار .ثم بين - سبحانه - حقيقة حالهم بعد أن جاءهم الكتاب والرسول فقال تعالى : ( فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ ) أي : فلما جاءهم ما كانوا يستفتحون به على أعدائهم ويرتقبونه جحدوه وكفروا به .وقال - سبحانه ( فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ ) ولم يقل فلما جاءهم الكتاب أو الرسول ، ليكون اللفظ أشمل ، فيتناول الكتاب والرسول الذي جاء به لأنه لا يجيء الكتاب إلا عن طريق رسول .ومعرفتهم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه حاصلة بانطباق العلامات والصفات الواردة في التوراة عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان من الواجب عليهم أن يؤيدوا هذه المعرفة بالإِيمان به ، ولكن خوفهم على زوال رياستهم وأموالهم ، وفوات ما كانوا يحرصون عليه من أن يكون النبي المبعوث منهم لا من العرب ، ملأ قلوبهم غيظاً وحسداً ، وأخذ هذا الغيظ والحسد يغالب تلك المعرفة حتى غلبها ، وحال بينها وبين أن يكون لها أثر نافع لهم لعدم اقترانها بالقبول والتصديق .ولقد حاول رئيسهم ( عبد الله بن سلام ) - رضي الله عنه - أن يصرفهم عن العناد وأقسم لهم بأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق المصدق لما معهم أن يتبعوه ولكنهم عموا وصموا وتنقصوه ولذا لعنهم الله تعالى ، وأبعدهم عن رحمته كما قال تعالى : ( فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين ) .وقال - سبحانه - ( عَلَى الكافرين ) ولم يقل عليهم ، للإِشعار بأن حلول اللعنة عليهم كان بسبب كفرهم .
اعلم أن هذا نوع من قبائح اليهود.
أما قوله تعالى: ﴿ كِتَابٌ ﴾ فقد اتفقوا على أن هذا الكتاب هو القرآن لأن قوله تعالى: ﴿ مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم وما ذاك إلا القرآن.
أما قوله تعالى: ﴿ مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: لا شبهة في أن القرآن مصدق لما معهم في أمر يتعلق بتكليفهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة واللائق بذلك هو كونه موافقاً لما معهم في دلالة نبوته إذ قد عرفوا أنه ليس بموافق لما معهم في سائر الشرائع وعرفنا أنه لم يرد الموافقة في باب أدلة القرآن، لأن جميع كتب الله كذلك ولما بطل الكل ثبت أن المراد موافقته لكتبهم فيما يختص بالنبوة وما يدل عليها من العلامات والنعوت والصفات.
المسألة الثانية: قرئ: ﴿ مُصَدّقاً ﴾ على الحال، فإن قيل: كيف جاز نصبها عن النكرة؟
قلنا: إذا وصفت النكرة تخصصت فصح انتصاب الحال عنها وقد وصف ﴿ كِتَابٌ ﴾ بقوله: ﴿ مِنْ عِندِ الله ﴾ .
المسألة الثالثة: في جواب لما ثلاثة أوجه، أحدها: أنه محذوف كقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال ﴾ فإن جوابه محذوف وهو.
لكان هذا القرآن، عن الأخفش والزجاج.
وثانيها: أنه على التكرير لطول الكلام والجواب: كفروا به كقوله تعالى: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ ﴾ عن المبرد.
وثالثها: أن تكون الفاء جواباً للما الأولى ﴿ وَكَفَرُواْ بِهِ ﴾ جواباً للما الثانية وهو كقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ [طه: 133] الآية عن الفراء.
أما قوله تعالى: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ ﴾ ففي سبب النزول وجوه: أحدها: أن اليهود من قبل مبعث محمد عليه السلام ونزول القرآن كانوا يستفتحون، أي يسألون الفتح والنصرة وكانوا يقولون: اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأمي.
وثانيها؛ كانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال: هذا نبي قد أظل زمانه ينصرنا عليكم، عن ابن عباس.
وثالثها: كانوا يسألون العرب عن مولده ويصفونه بأنه نبي من صفته كذا وكذا، ويتفحصون عنه على الذين كفروا أي على مشركي العرب، عن أبي مسلم.
ورابعها: نزلت في بني قريظة والنضير، كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل المبعث.
عن ابن عباس وقتادة والسدي.
وخامسها: نزلت في أحبار اليهود كانوا إذا قرؤوا وذكروا محمداً في التوراة وأنه مبعوث وأنه من العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصفات ليعلموا أنه هل ولد فيهم من يوافق حاله حال هذا المبعوث.
أما قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: تدل الآية على أنهم كانوا عارفين بنبوته وفيه سؤال: وهو أن التوراة نقلت نقلاً متواتراً، فأما أن يقال: إنه حصل فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل، أعني بيان أن الشخص الموصوف بالصورة الفلانية والسيرة الفلانية سيظهر في السنة الفلانية في المكان الفلاني، أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه، فإن كان الأول كان القوم مضطرين إلى معرفة شهادة التوراة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام، فكيف يجوز على أهل التواتر إطباقهم على الكذب وإن لم يكن الوصف على هذه الصفة لم يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، فكيف قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ﴾ ؟
والجواب: أن الوصف المذكور في التوراة كان وصفاً إجمالياً وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف، بل بظهور المعجزات صارت تلك الأوصاف كالمؤكدة، فلهذا ذمهم الله تعالى على الإنكار.
المسألة الثانية: يحتمل أن يقال: كفروا به لوجوه: أحدها: أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه، فلما بعث الله تعالى محمداً من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول.
وثانيها: اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار.
وثالثها: لعلهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به.
المسألة الثالثة: أنه تعالى كفرهم بعد ما بين كونهم عالمين بنبوته، وهذا يدل على أن الكفر ليس هو الجهل بالله تعالى فقط.
أما قوله تعالى: ﴿ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين ﴾ فالمراد الإبعاد من خيرات الآخرة، لأن المبعد من خيرات الدنيا لا يكون ملعوناً.
فإن قيل: أليس أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ قلنا: العام قد يتطرق إليه التخصيص على أنا بينا فيما قبل أن لعن من يستحق اللعن من القول الحسن والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الكتاب ﴾ التوراة، آتاه إياها جملة واحدة.
ويقال: قفاه إذا أتبعه من القفا.
نحو ذنبه، من الذنب.
وقفاه به: أتبعه إياه، يعني: وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل، كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ﴾ [المؤمنون: 44] وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم.
وقيل: ﴿ عِيسَى ﴾ بالسريانية يشوع.
و ﴿ مَرْيَمَ ﴾ بمعنى الخادم.
وقيل: المريم بالعربية من النساء، كالزير من الرجال.
وبه فسر قول رؤبة: قُلْتُ لِزَيْرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ ووزن ﴿ مريم ﴾ عند النحويين (مفعل) لأن فعيلاً بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو عثير وعليب ﴿ البينات ﴾ المعجزات الواضحات والحجج.
كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات.
وقرئ: ﴿ وآيدناه ﴾ .
ومنه: آجده بالجيم إذا قوّاه.
يقال: الحمد لله الذي آجدني بعد ضعف، وأوجدني بعد فقر.
﴿ بِرُوحِ القدس ﴾ بالروح المقدسة كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق.
ووصفها بالقدس كما قال: ﴿ وَرُوحٌ مّنْهُ ﴾ [النساء: 171] فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة.
وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب، ولا أرحام الطوامث.
وقيل: بجبريل.
وقيل: بالإنجيل كما قال في القرآن: ﴿ وروحا مِنْ أَمْرِنَا ﴾ [الشورى: 52] وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره.
والمعنى: ولقد آتينا يابني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ ﴾ منهم بالحق ﴿ استكبرتم ﴾ عن الإيمان به، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم.
ويجوز أن يريد: ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم.
ثم وبخهم على ذلك.
ودخول الفاء لعطفه على المقدّر.
فإن قلت: هلا قيل وفريقاً قتلتم؟
قلت: هو على وجهين: أن تراد الحال الماضية، لأنّ الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، وأن يراد: وفريقاً تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم.
ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.
وقال صلى الله عليه وسلم عند موته: «ما زالت أكلةُ خيبر تعادّني، فهذا أوان قطعت أبهري» ﴿ غُلْفٌ ﴾ جمع أغلف، أي هي خلقة وجبلة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن، كقولهم: ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ﴾ [فصلت: 5] .
ثم ردّ الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، بأن الله لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر الزائغ عن الفطرة وتسببوا بذلك لمنع الألطاف التي تكون للمتوقع إيمانهم وللمؤمنين ﴿ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ فإيماناً قليلاً يؤمنون.
وما مزيدة، وهو إيمانهم ببعض الكتاب.
ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم.
وقيل: (غلف) تخفيف (غلف) جمع (غلاف)، أي قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره.
وروى عن أبي عمرو: قلوبنا غلف، بضمتين ﴿ كتاب مّنْ عِندِ الله ﴾ هو القرآن ﴿ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ من كتابهم لا يخالفه.
وقرئ: ﴿ مصدقاً ﴾ ، على الحال.
فإن قلت: كيف جاز نصبها عن النكرة؟
قلت: إذا وصف النكرة تخصص فصح انتصاب الحال عنه، وقد وصف ﴿ كتاب ﴾ بقوله: ﴿ مِنْ عِندِ الله ﴾ وجواب لما محذوف وهو نحو: كذبوا به، واستهانوا بمجيئه، وما أشبه ذلك ﴿ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ ﴾ يستنصرون على المشركين، إذا قاتلوهم قالوا: اللَّهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة، ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.
وقيل معنى ﴿ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ : يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبيّاً يبعث منهم قد قرب أوانه.
والسين للمبالغة، أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم، كالسين في استعجب واستسخر، أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليهم ﴿ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ ﴾ من الحق ﴿ كَفَرُواْ بِهِ ﴾ بغياً وحسداً وحرصاً على الرياسة.
﴿ عَلَى الكافرين ﴾ أي عليهم وضعاً للظاهر موضع المضمر للدلالة على أنّ اللعنة لحقتهم لكفرهم.
واللام للعهد.
ويجوز أن تكون للجنس ويدخلوا فيه دخولاً أوّلياً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ يُعْنى القُرْآنَ ﴿ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ﴾ مِن كِتابِهِمْ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن كِتابٍ لِتَخَصُّصِهِ بِالوَصْفِ، وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ لَمّا الثّانِيَةِ.
﴿ وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ يَسْتَنْصِرُونَ عَلى المُشْرِكِينَ ويَقُولُونَ: اللَّهُمَّ انْصُرْنا بِنَبِيِّ آخِرِ الزَّمانِ المَنعُوتِ، في التَّوْراةِ.
أوْ يَفْتَحُونَ عَلَيْهِمْ ويُعَرِّفُونَهم أنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنهُمْ، وقَدْ قَرُبَ زَمانُهُ، والسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ والإشْعارِ أنَّ الفاعِلَ يَسْألُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ ﴿ فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا ﴾ مِنَ الحَقِّ.
﴿ كَفَرُوا بِهِ ﴾ حَسَدًا وخَوْفًا عَلى الرِّياسَةِ.
﴿ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ ﴾ أيْ عَلَيْهِمْ، وأتى بِالمُظْهَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لُعِنُوا لِكُفْرِهِمْ، فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ ويَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَمَّا جَاءَهُمُ} أي اليهود {كتاب مّنْ عِندِ الله} أي القرآن {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} من كتابهم لا يخالفه {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ} يعني القرآن {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ} يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم قالوا اللهم انصرنا يا لنبى المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته فى التوراة ويقولون لأعدائهم المشكرين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عادو إرم {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ} ما موصولة أي ما عرفوه وهو فاعل جاء {كَفَرُواْ بِهِ} بغياً وحسداً وحرصاً على الرياسة {فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين} أي عليهم وضعاً للظاهر موضع المضمر للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم واللام للعهد أو للجنس ودخلوا فهي دخلولا فيه دخولاً أولياً وجواب لما الأولى مضمر وهو نحو كذبوا به وأنكروه أو كفروا جواب الأولى والثانية لأن مقتضاهما واحد
﴿ ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ وهو القُرْآنُ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ، ووَصْفُهُ لِلتَّشْرِيفِ والإيذانِ بِأنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يُقْبَلَ ما فِيهِ، ويُتَّبَعَ، لِأنَّهُ مِن خالِقِهِمْ، وإلَهِهِمُ النّاظِرِ في مَصالِحِهِمْ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ”قالُوا قُلُوبَنا غَلَّفَ“ أيْ وكَذَّبُوا لَمّا جاءَهم إلَخْ، ﴿ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ﴾ مِن كِتابِهِمْ، أيْ نازِلٌ حَسْبَما نُعِتَ أوْ مُطابِقٌ لَهُ، ومُصَدِّقٌ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِكِتابٍ، وقُدِّمَتِ الأُولى عَلَيْها لِأنَّ الوَصْفَ بِكَيْنُونَتِهِ مِن عِنْدِهِ تَعالى آكَدٌ، ووَصْفُهُ بِالتَّصْدِيقِ ناشِئٌ عَنْها، وجَعَلَهُ مُصَدِّقًا لِكِتابِهِمْ لا مُصَدِّقًا بِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ، ونَفْسُ الأمْرِ لِكِتابِهِمْ، لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الإخْبارِ عَنْهُ، مُحْتاجًا في صِدْقِهِ إلَيْهِ، وإلى أنَّهُ بِإعْجازِهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ تَصْدِيقِ الغَيْرِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (مُصَدِّقًا) بِالنَّصْبِ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهو حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الظَّرْفِ، أوْ مِن (كِتابٌ)، لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ المُقَرِّبِ لَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ، واحْتِمالُ أنَّ الظَّرْفَ لُغَةً مُتَعَلِّقٌ (بِجاءَ) بَعِيدٌ، فَلا يَضُرُّ، عَلى أنَّ سِيبَوَيْهِ جَوَّزَ مَجِيءَ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ بِلا شَرْطٍ، ﴿ وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَتادَةُ، والمَعْنى: يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَنْصُرَهم بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ، كَما رَوى السُّدِّيُّ أنَّهم كانُوا إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ أخْرَجُوا التَّوْراةَ ووَضَعُوا أيْدِيَهم عَلى مَوْضِعِ ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالُوا: اللَّهُمَّ إنّا نَسْألُكَ بِحَقِّ نَبِيِّكَ الَّذِي وعَدْتَنا أنْ تَبْعَثَهُ في آخِرِ الزَّمانِ أنْ تَنْصُرَنا اليَوْمَ عَلى عَدُوِّنا، فَيُنْصَرُونَ، فالسِّينُ لِلطَّلَبِ، والفَتْحُ مَعْنًى النَّصْرُ بِواسِطَةِ (عَلى)، أوْ يَفْتَحُونَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَحَ عَلَيْهِ إذا عَلَّمَهُ، ووَقَفَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ يُعَرِّفُونَ المُشْرِكِينَ أنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنهُمْ، وقَدْ قَرُبَ زَمانُهُ، فالسِّينُ زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، كَأنَّهم فَتَحُوا بَعْدَ طَلَبِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، والشَّيْءُ بَعْدَ الطَّلَبِ أبْلَغُ، وهو مِن بابِ التَّجْرِيدِ، جَرَّدُوا مِن أنْفُسِهِمْ أشْخاصًا وسَألُوهُمُ الفَتْحَ كَقَوْلِهِمُ: اسْتَعْجَلَ، كَأنَّهُ طَلَبَ العَجَلَةَ مِن نَفْسِهِ، ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى يا نَفْسُ عَرِّفِي المُشْرِكِينَ أنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنهُمْ، وقِيلَ: يَسْتَفْتِحُونَ بِمَعْنى يَسْتَخْبِرُونَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، هَلْ وُلِدَ مَوْلُودٌ صِفَتُهُ كَذا وكَذا، نَقَلَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ، وما قِيلَ: إنَّهُ لا يَتَعَدّى بِعَلى، لا يُسْمَعُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي.
﴿ فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ كَنّى عَنِ الكِتابِ المُتَقَدِّمِ بِما عَرَفُوا، لِأنَّ مَعْرِفَةَ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةٌ لَهُ، والِاسْتِفْتاحُ بِهِ اسْتِفْتاحٌ بِهِ، وإيرادُ المَوْصُولِ دُونَ الِاكْتِفاءِ بِالإضْمارِ لِبَيانِ كَمالِ مُكابَرَتِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما قَدْ يُعَبَّرُ بِها عَنْ صِفاتِ مَن يَعْقِلُ، وبَعْضُهم فَسَّرَهُ بِالحَقِّ إشارَةً إلى وجْهِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (بِما) وهو أنَّ المُرادَ بِهِ الحَقُّ لا خُصُوصِيَّةُ ذاتِهِ المُطَهَّرَةِ، وعِرْفانُهم ذَلِكَ حَصَلَ بِدِلالَةِ المُعْجِزاتِ والمُوافَقَةِ لِما نُعِتَ في كِتابِهِمْ، فَإنَّهُ كالصَّرِيحِ عِنْدَ الرّاسِخِينَ، فَلا يَرُدُّ أنَّ نَعْتَ الرَّسُولِ في التَّوْراةِ إنْ كانَ مَذْكُورًا عَلى التَّعْيِينِ فَكَيْفَ يُنْكِرُونَهُ، فَإنَّهُ مَذْكُورٌ بِالتَّواتُرِ، وإلّا فَلا عِرْفانَ لِلِاشْتِباهِ عَلى أنَّ الإيرادَ في غايَةِ السُّقُوطِ، لِأنَّ الآيَةَ مُساقَةٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ﴾ أيْ جَحَدُوهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ، وهَذا أبْلَغُ في ذَمِّهِمْ، (وكَفَرُوا) جَوابٌ (لِما) الأُولى، (ولِما) الثّانِيَةِ تَكْرِيرٌ لَها، لِطُولِ العَهْدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ﴾ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، وقالَ الفَرّاءُ: (لِما) الثّانِيَةِ مَعَ جَوابِها جَوابُ الأُولى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ ﴾ إلَخْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وكانُوا مِن قَبْلُ ﴾ جُمْلَةً حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ: قَدْ مُقَرِّرَةً، واخْتارَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ أنَّ جَوابَ الأُولى مَحْذُوفٌ، أيْ كَذَّبُوا بِهِ مَثَلًا، وعَلَيْهِ يَكُونُ ﴿ وكانُوا مِن قَبْلُ ﴾ إلَخْ، مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهُمْ ﴾ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى ”لَمّا جاءَهم“ بَعْدَ تَمامِها، تَدُلُّ الأُولى عَلى مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الكِتابِ المُصَدِّقِ، والثّانِيَةُ مَعَ الرَّسُولِ المُسْتَفْتَحِ بِهِ، وارْتَضاهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِما في الأُولى مِن لُزُومِ التَّأْكِيدِ، والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنهُ، واسْتِعْمالُ الفاءِ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، فَإنَّ مَرْتَبَةَ المُؤَكِّدِ بَعْدَ مَرْتَبَةِ المُؤَكَّدِ، ولِما في الثّانِي مِن دُخُولِ الفاءِ في جَوابِ (لَمّا) مَعَ أنَّهُ ماضٍ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا، حَتّى لَمْ يُجَوِّزْهُ البَصْرِيُّونَ، ولَوْ جُوِّزَ وُقُوعُها زائِدَةً (فَلَمّا) لا تُجابُ بِمِثْلِها، لا يُقالُ: لَمّا جاءَ زَيْدٌ لَمّا قَعَدَ عَمْرٌو أكْرَمْتُكَ، بَلْ هو كَما تَرى تَرْكِيبٌ مَعْقُودٌ في لِسانِهِمْ مَعَ خُلُوِّ الوَجْهَيْنِ عَنْ فائِدَةٍ عَظِيمَةٍ، وهو بَيانُ سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ، واسْتِلْزامُهُما جَعْلَ (وكانُوا) حالًا، واخْتارَ أبُو البَقاءِ إنَّ (كَفَرُوا) جَوابٌ (لِما) الأُولى، والثّانِيَةِ، ولا حَذْفَ، لِأنَّ مُقْتَضاهُما واحِدٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَجَعْلِ ﴿ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ ﴾ جَوابًا لِلْأُولى، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، واللّامُ في (الكافِرِينَ) لِلْعَهْدِ، أيْ عَلَيْهِمْ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حُلُولَ اللَّعْنَةِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، كَما أنَّ الفاءَ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِها عَلَيْهِ، وجُوِّزَ كَوْنُها لِلْجِنْسِ، ويَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واعْتُرِضَ بِأنَّ دِلالَةَ العامِّ مُتَساوِيَةٌ، فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ أوَّلُ ولا أسْبَقُ مِن شَيْءٍ، والجَوابُ أنَّ المُرادَ دُخُولًا قَصْدِيًّا، لِأنَّ الكَلامَ سِيقَ بِالأصالَةِ فِيهِمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ، ويُصارُ إلَيْها، إذا كانَ المَوْصُوفُ مُبالِغًا في ذَلِكَ الوَصْفِ، ومُنْهَمِكًا فِيهِ، حَتّى إذا ذُكِرَ خَطَرُ ذَلِكَ الوَصْفِ بِالبالِ كَقَوْلِهِمْ لِمَن يَقْتَنِي رَذِيلَةً ويُصِرُّ عَلَيْها: أنا إذا نَظَرْتُكَ خَطَرَ بِبالِي سِبابُكَ، وسِبابُ كُلِّ مَن هو مِن أبْناءِ جِنْسِكَ، فاليَهُودُ لَمّا بالَغُوا في الكُفْرِ والعِنادِ وكِتْمانِ أمْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَعى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، صارَ الكُفْرُ كَأنَّهُ صِفَةٌ غَيْرُ مُفارِقَةٍ لِذِكْرِهِمْ، وكانَ هَذا الكَلامُ لازِمًا لِذِكْرِهِمْ، ورَدِيفَهُ، وأنَّهم أوْلى النّاسِ دُخُولًا فِيهِ لِكَوْنِهِمْ تَسَبَّبُوا اسْتِجْلابَ هَذا القَوْلِ في غَيْرِهِمْ، وجَعَلَ السَّكّاكِيُّ مِن هَذا القَبِيلِ قَوْلَهُ: إذا اللَّهُ لَمْ يَسْقِ إلّا الكِراما فَيَسْقِي وُجُوهَ بَنِي حَنْبَلِ فَإنَّهُ في إفادَةِ كَرَمِ بَنِي حَنْبَلٍ، كَما تَرى لا خَفاءَ فِيهِ، <div class="verse-tafsir"
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ، قرأ ابن عباس غُلْفٌ بضم اللام وهي قراءة شاذة.
والباقون بسكون اللام، أي ذو (غلْف) يعني ذو غلاف، والواحد أغلف مثل: أحمر وحمر.
ومعناه: أنهم يقولون قلوبنا في غطاء من قولك ولا نفقه حديثك.
وهذا كما قال في آية أخرى وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [فصلت: 5] .
وأما من قرأ غُلْفٌ فهو جماعة الغلاف على ميزان حمار وحمر.
يعنون أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك، فلو كنت نبياً لفهمنا قولك.
قال الله تعالى رداً لقولهم: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي خذلهم الله وطردهم مجازاة لكفرهم.
فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ، صار نصباً لأنه قدم المفعول.
وقال بعضهم: معناه لا يؤمنون إلا القليل منهم، مثل عبد الله بن سلام وأصحابه.
وقال بعضهم: إيمانهم بالله قليلاً، لأنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.
وقال بعضهم: معناه أنهم لا يؤمنون، كما قال: فلان قليل الخير يعني لا خير فيه.
ثم قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي حين جاءهم القرآن مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ، أي موافقاً للتوراة في التوحيد، وفي بعض الشرائع.
ويقال: مصدق لما معهم، يعني يدعوهم إلى تصديق ما معهم، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بالتوراة.
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، أي من قبل مجيء محمد كانوا يستنصرون على المشركين، لأن بني قريظة والنضير قد وجدوا نعته في كتبهم فخرجوا من الشام إلى المدينة، ونزلوا بقربها ينتظرون خروجه.
وكانوا إذا قاتلوا من يلونهم من المشركين- مشركي العرب- يستفتحون عليهم، أي يستنصرون ويقولون: اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه الذي وعدتنا- وكانوا يرجون أن يكون منهم- فينصروا على عدوهم، فذلك قوله تعالى: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، أي باسم النبيّ فَلَمَّا جاءَهُمْ مَّا عَرَفُوا، أي محمد وعرفوه كَفَرُوا بِهِ وغيّروا نعته مخافة أن تزول عنهم منفعة الدنيا.
كما قال تعالى: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ، أي سخط الله وعذابه على الجاحدين محمدا بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ.
قال الكلبي: بئسما باعوا به أنفسهم من الهدايا بكتمان صفة محمد .
ويقال: بئسما صنعوا بأنفسهم حيث كفروا بما أنزل الله عليهم، بعد ما كانوا خرجوا من الشام على أن ينصروا محمدا .
ويقال: بئس ما صنعوا بأنفسهم حسداً منهم، فذلك قوله تعالى: أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً، أي حسداً منهم.
ومعنى قوله: أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ، أي كفروا مما ينزل الله.
مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ، أي لم يؤمنوا لأجل أن الله تعالى ينزل من فضله النبوة والكتاب على من يشاء مِنْ عِبادِهِ، من كان أهلاً لذلك وهو محمد .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي وعصام وابن عامر بالتشديد أَنْ يُنَزِّلَ ونزل ينزل بمعنى واحد فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أي استوجبوا اللعنة على أثر اللعنة.
قال مقاتل: الغضب الأول حين كفروا بعيسى ، ثم استوجبوا الغضب الآخر حين كفروا بمحمد .
ويقال: الغضب الأول حين عبدوا العجل، والغضب الثاني حين استحلوا السمك في يوم السبت.
قوله تعالى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ أي يهانون فيه.
<div class="verse-tafsir"
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)
وقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ...
الآية الكتاب: القرآن، ومُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ: يعني التوراة، ويَسْتَفْتِحُونَ معناه أن بني إِسرائيل كانوا قبل مَبْعَثِ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد علموا خروجه بما علموا عنْدَهُمْ من صفته، وذكر وقته، وظنُّوا أنه منهم، فكانوا إذا حاربوا الأوْسَ والخَزْرجَ، فغلبتهم العَرَبُ، قالوا لهم: لو قد خرج النبيُّ الذي أظلَّ وقتُهُ، لقاتلْنَاكُم معه، واستنصرنا عليكم به، ويَسْتَفْتِحُونَ: معناه يستنصرون، قال أحمد بن نصر الداوديّ: ومنه: «عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالفَتْحِ» ، أي: بالنصر.
انتهى.
وروى أبو بكر/ محمد بن حُسَيْنٍ الاْجُرِّيُّ «١» عن ابن عبَّاس، قال: كانت يهود خيبر
يُقَاتِلُونَ غَطَفَانَ، فكُلَّمَا التقوا، هزمت اليهودَ، فَعَاذَ اليهودُ يوماً بالدعاء، فقالوا: اللهم، إِنا نسألكَ بحَقِّ محمَّدٍ النبيِّ الأُمِّيِّ الذي وعدتَّنَا أن تخرجَهُ لَنَا في آخر الزمان إِلاَّ نَصَرْتَنا علَيْهم، فكانوا إِذا التقوا، دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم كَفَرُوا به، فأنزل اللَّه عزَّ وجلَّ، وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، والاستفتاحُ: الاستنصار، ووقع ليهود المدينة نحو هذا مع الأنصار قُبَيْل الإِسلام «١» .
انتهى من تأليف حسن بن عليِّ بن عبد المَلْكِ الرّهونيِّ المعروفِ بابْنِ القَطَّان، وهو كتابٌ نفيسٌ جِدًّا ألَّفه في معجزات النبيّ صلّى الله عليه وسلم وآيات نبوءته.
وروي أن قريظة والنضير وجميعَ يَهُودِ الحجازِ في ذلك الوقْتِ كانوا يستفتحون على سائر العرب، وبسبب خروج النبيِّ المنتظر، كانت نقلتهم إلى الحجاز، وسُكْناهم به، فإِنهم كانوا علموا صُقع «٢» المَبْعَث، وما عرفوا هو محمّد صلّى الله عليه وسلم وشرعه ويظهر في هذه الآية العنادُ منهم، وأن كفرهم كان مع معرفة ومعاندة وفَلَعْنَةُ اللَّهِ إبعاده لهم، وخزيهم لذلك.
وبئس: أصله «بَئِسَ» ، سُهِّلت الهمزة، ونقلت حركتها إلى الباء، و «مَا» عند سيبويه «٣» : فَاعِلَةٌ ب «بِئْسَ» والتقدير: بِئْسَ الذي اشتروا به أنفسُهُمْ.
واشْتَرَوْا: بمعنى: باعوا.
وبِما أَنْزَلَ اللَّهُ، يعني به القرآن، ويحتمل التوراة، ويحتمل أن يراد الجميع من توراة، وإِنجيل، وقرآن لأن الكفر بالبعض يستلزمُ الكفر بالكلِّ، ومِنْ فَضْلِهِ، يعني:
من النبوءة والرسالة، ومَنْ يَشاءُ، يعني به محمّدا صلّى الله عليه وسلم لأنهم حَسَدوه لما لم يكن منهم، وكان من العرب، ويدخل في المعنى عيسى صلّى الله عليه وسلم لأنهم كفروا به بَغْياً، واللَّه قد تفضَّل عليه.
وفَباؤُ: معناه: مَضَوْا متحمِّلين لما يذكر أنهم بَاءُوا به.
وقال البخاريّ: قال قتادة: فَباؤُ: معناه: انقلبوا «١» .
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ﴾ بِئْسَ: كَلِمَةٌ مُسْتَوْفِيَةٌ لِجَمِيعِ الذَّمِّ، ونَقِيضِها: "نِعْمَ" واشْتَرَوْا، بِمَعْنى: باعُوا.
والَّذِي باعُوها بِهِ قَلِيلٌ مِنَ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: (بَغْيًا) قالَ قَتادَةُ: حَسَدًا.
ومَعْنى الكَلامِ: كَفَرُوا بَغْيًا، لِأنْ نَزَّلَ اللَّهُ الفَضْلَ عَلى النَّبِيِّ .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: (بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ) خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الغَضَبَ الأوَّلَ لِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ.
والثّانِي: لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ، حَكاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الأوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ.
والثّانِي: لِعَداوَتِهِمْ لِجِبْرِيلَ.
رَواهُ شَهْرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الأوَّلَ حِينَ قالُوا: ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ .
والثّانِي: حِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّ اللَّهِ.
رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
والرّابِعُ: أنَّ الأوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ بِعِيسى والإنْجِيلِ.
والثّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآَنِ.
قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: أنَّ الأوَّلَ لِتَبْدِيلِهِمُ التَّوْراةَ.
والثّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا قالَهُ مُجاهِدٌ.
والمَهِينُ: المُذِلُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلى الكافِرِينَ ﴾ ﴿ بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أنْزَلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللهُ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ الكِتابُ: القُرْآنُ، و ﴿ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ﴾ يَعْنِي التَوْراةَ، ورُوِيَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ، و"يَسْتَفْتِحُونَ" مَعْناهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ قَدْ عَلِمُوا خُرُوجَهُ بِما عِنْدَهم مِن صِفَتِهِ وذِكْرِ وقْتِهِ، وظَنُّوا أنَّهُ مِنهُمْ، فَكانُوا إذا حارَبُوا الأوسَ والخَزْرَجَ فَغَلَبَتْهُمُ العَرَبُ قالُوا لَهُمْ: لَوْ خَرَجَ النَبِيُّ الَّذِي قَدْ أظَلَّ وقْتُهُ لَقاتَلْناكم مَعَهُ، واسْتَنْصَرْنا عَلَيْكم بِهِ، و"يَسْتَفْتِحُونَ" مَعْناهُ يَسْتَنْصِرُونَ، وفي الحَدِيثِ: «كانَ رَسُولُ اللهِ يَسْتَفْتِحُ بِصَعالِيكِ المُهاجِرِينَ»، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْظَةَ والنَضِيرَ، وجَمِيعَ يَهُودِ الحِجازِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى سائِرِ العَرَبِ، وبِسَبَبِ خُرُوجِ النَبِيِّ المُنْتَظَرِ كانَتْ نَقْلَتُهم إلى الحِجازِ وسُكْناهم بِهِ، فَإنَّهم كانُوا عَلِمُوا صَقْعَ المَبْعَثِ، وما عَرَفُوا أنَّهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ وشَرْعُهُ، ويَظْهَرُ مِن هَذِهِ الآياتِ العِنادُ مِنهُمْ، وأنَّ كُفْرَهم كانَ مَعَ مَعْرِفَةٍ ومُعانَدَةٍ، و"لَعْنَةُ اللهِ": مَعْناهُ: إبْعادُهُ لَهم وخِزْيُهم لِذَلِكَ، واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ "لَمّا" و"لَمّا" الثانِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: جَوابُهُما في قَوْلِهِ: "كَفَرُوا"، وأُعِيدَتْ لَمّا الثانِيَةُ لِطُولِ الكَلامِ، ويُفِيدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ، وتَأْكِيدًا لَهُ، وقالَ الزَجّاجُ: لَمّا الأُولى لا جَوابَ لَها، لِلِاسْتِغْناءِ عن ذَلِكَ بِدَلالَةِ الظاهِرِ مِنَ الكَلامِ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّهُ مَحْذُوفٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: جَوابُ لَمّا الأُولى في الفاءِ وما بَعْدَها، وجَوابُ لَمًّا الثانِيَةِ "كَفَرُوا" وبِيسَ أصْلُهُ بِئْسَ سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ إلى الباءِ حَرَكَتُها، ويُقالُ في بِئْسَ: بِيسَ، إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ وهي مُسْتَوْفِيَةٌ لِلذَّمِّ، كَما نِعْمَ مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْمَدْحِ.
واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في "بِيسَما" في هَذا المَوْضِعِ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "ما" فاعِلَةٌ بِبِيسَ، ودَخَلَتْ عَلَيْها بِيسَ كَما تَدْخُلُ عَلى أسْماءِ الأجْناسِ والنَكِراتِ لِما أشْبَهَتْها "ما" في الإبْهامِ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا القَوْلِ: "بِيسَ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا"، كَقَوْلِكَ: بِيسَ الرَجُلُ زَيْدٌ، و"ما" في هَذا القَوْلِ مَوْصُولَةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَمْيِيزِ كَقَوْلِكَ: بِيسَ رَجُلًا زَيْدٌ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ شَيْئًا أنْ يَكْفُرُوا، و ﴿ اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ﴾ ، في هَذا القَوْلِ صِفَةُ "ما".
وقالَ الفَرّاءُ: بِيسَما بِجُمْلَتِهِ شَيْءٌ واحِدٌ رُكِّبَ، كَحَبَّذا، وفي هَذا القَوْلِ اعْتِراضٌ لِأنَّهُ فِعْلٌ يَبْقى بِلا فاعِلٍ، و"ما" إنَّما تَكُفُّ أبَدًا حُرُوفًا.
وقالَ الكِسائِيُّ: "ما" و"اشْتَرَوْا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ اشْتِراؤُهم أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا.
وهَذا أيْضًا مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّ بِيسَ لا تَدْخُلُ عَلى اسْمٍ مُعَيَّنٍ مُتَعَرِّفٍ بِالإضافَةِ إلى الضَمِيرِ.
وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا: إنَّ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَفْسِيرِ، وثُمَّ "ما" أُخْرى مُضْمَرَةٌ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ شَيْئًا ما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ، و ﴿ أنْ يَكْفُرُوا ﴾ في هَذا القَوْلِ بَدَلٌ مِن "ما" المُضْمَرَةِ، ويَصِحُّ في بَعْضِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ أنْ يَكُونَ ﴿ أنْ يَكْفُرُوا ﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، وأمّا في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَـ ﴿ أنْ يَكْفُرُوا ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ فِيما قَبْلَهُ.
و"اشْتَرَوْا" بِمَعْنى باعُوا، يُقالُ شَرى واشْتَرى بِمَعْنى باعَ وبِمَعْنى ابْتاعَ، و( ما أنْزَلَ اللهُ ) يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَوْراةُ، لِأنَّهم إذْ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَلامُ فَقَدْ كَفَرُوا بِالتَوْراةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمِيعُ مِن تَوْراةٍ وإنْجِيلٍ وقُرْآنٍ، لِأنَّ الكُفْرَ بِالبَعْضِ يُلْزِمُ الكُفْرَ بِالكُلِّ و"بَغْيًا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و ﴿ أنْ يُنَزِّلَ ﴾ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أو في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِتَقْدِيرِ: بِأنْ يَنْزِلَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "أنْ يَنْزِلَ" بِالتَخْفِيفِ في النُونِ والزايِ.
و ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ يَعْنِي مِنَ النُبُوَّةِ والرِسالَةِ.
﴿ مَن يَشاءُ ﴾ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ لِما لَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ العَرَبِ، ويَدْخُلُ في المَعْنى عِيسى صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ بَغْيًا، واللهُ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ.
و"باؤُوا": مَعْناهُ مَضَوْا مُتَحَمِّلِينَ لِما يَذْكُرُ أنَّهم باؤُوا بِهِ، و"بِغَضَبٍ" مَعْناهُ مِنَ اللهِ تَعالى، لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﴿ عَلى غَضَبٍ ﴾ مُتَقَدِّمٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، قِيلَ: لِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وقِيلَ: لِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وقِيلَ: لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فالمَعْنى: عَلى غَضَبٍ قَدْ باءَ بِهِ أسْلافُهُمْ، حَظُّ هَؤُلاءِ مِنهُ وافِرٌ بِسَبَبِ رِضاهم بِتِلْكَ الأفْعالِ وتَصْوِيبِهِمْ لَها.
وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ﴾ التَأْكِيدُ، وتَشْدِيدُ الحالِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ أرادَ غَضَبَيْنِ مُعَلَّلَيْنِ بِقِصَّتَيْنِ.
و"مُهِينٌ" مَأْخُوذٌ مِنَ الهَوانِ، وهو ما اقْتَضى الخُلُودَ في النارِ، لِأنَّ مَن لا يُخَلَّدُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ إنَّما عَذابُهُ كَعَذابِ الَّذِي يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ لا هَوانَ فِيهِ، بَلْ هو تَطْهِيرٌ لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ أنَّهم إذا قِيلَ لَهُمْ: آمَنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَ اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ قالُوا: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ ، يَعْنُونَ التَوْراةَ.
وما وراءَهُ.
قالَ قَتادَةُ: أيْ ما بَعْدَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: أيْ ما سِواهُ ويَعْنِي بِهِ القُرْآنَ.
وإذا تَكَلَّمَ رَجُلٌ، أو فَعَلَ فِعْلًا فَأجادَ، يُقالُ لَهُ: ما وراءَ ما أتَيْتَ بِهِ شَيْءٌ، أيْ لَيْسَ يَأْتِي بَعْدَهُ، ووَصَفَ اللهُ تَعالى القُرْآنَ بِأنَّهُ الحَقُّ.
و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وهي غَيْرُ مُنْتَقِلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها في الكَلامِ، ولَمْ يَبْقَ لَها هي إلّا مَعْنى التَأْكِيدِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها حَسَبِي وهَلْ لِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارٍ؟
و ﴿ لِما مَعَهُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِ التَوْراةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ ﴾ الآيَةُ رَدٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وتَكْذِيبٌ مِنهُ لَهم في ذَلِكَ، واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ.
ولا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى "فَلِمَ" لِنُقْصانِ الحَرْفِ الواحِدِ، إلّا أنَّ البَزِّيَّ وقَفَ عَلَيْهِ بِالهاءِ، وسائِرُ القُرّاءِ بِسُكُونِ المِيمِ.
وخاطَبَ اللهُ مَن حَضَرَ مُحَمَّدًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِأنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ لِما كانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِ أسْلافِهِمْ.
وجاءَ "تَقْتُلُونَ" بِلَفْظِ الِاسْتِقْبالِ، وهو بِمَعْنى المُضِيِّ لَمّا ارْتَفَعَ الإشْكالُ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ، وإذا لَمْ يُشْكَلْ فَجائِزٌ سَوْقُ الماضِي بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وسَوْقُ المُسْتَقْبَلِ بِمَعْنى الماضِي، قالَ الحَطِيئَةُ: شَهِدَ الحَطِيئَةُ يَوْمَ يَلْقى رَبَّهُ ∗∗∗ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِالعُذْرِ وَفائِدَةُ سَوْقِ الماضِي في مَوْضِعِ المُسْتَقْبَلِ، الإشارَةُ إلى أنَّهُ في الثُبُوتِ كالماضِي الَّذِي قَدْ وقَعَ، وفائِدَةُ سَوْقِ المُسْتَقْبَلِ في مَعْنى الماضِي الإعْلامُ بِأنَّ الأمْرَ مُسْتَمِرٌّ ألا تَرى أنَّ حاضِرِي مُحَمَّدٍ لَمّا كانُوا راضِينَ بِفِعْلِ أسْلافِهِمْ بَقِيَ لَهم مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ جُزْءٌ، و"إنْ كُنْتُمْ" شَرْطٌ، والجَوابُ مُتَقَدِّمٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما".
<div class="verse-tafsir"
معطوف على قوله: ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ [البقرة: 88] لقصد الزيادة في الإنحاء عليهم بالتوبيخ فإنهم لو أعرضوا عن الدعوة المحمدية إعراضاً مجرداً عن الأدلة لكان في إعراضهم معذرة ما ولكنهم أعرضوا وكفروا بالكتاب الذي جاء مصدقاً لما معهم والذي كانوا من قبل يستفتحون به على المشركين.
فقوله: ﴿ من عند الله ﴾ متعلق بجاءهم وليس صفة لأنه ليس أمراً مشاهداً معلوماً حتى يوصف به.
وقوله: ﴿ مصدق لما معهم ﴾ وصف شأن لقصد زيادة التسجيل عليهم بالمذمة في هذا الكفر والقول في تفسيره قد مضى عند قوله تعالى: ﴿ وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ﴾ [البقرة: 41].
والاستفتاح ظاهره طلب الفتح أي النصر قال تعالى: ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ [الأنفال: 19] وقد فسروه بأن اليهود كانوا إذا قاتلوا المشركين أي من أهل المدينة استنصروا عليهم بسؤال الله أن يبعث إليهم الرسول الموعود به في التوراة.
وجوز أن يكون ﴿ يستفتحون ﴾ بمعنى يفتحون أي يعلمون ويخبرون كما يقال فتح على القارئ أي علمه الآية التي ينساها فالسين والتاء لمجرد التأكيد مثل زيادتهما في استعصم واستصرخ واستعجب والمراد كانوا يخبرون المشركين بأن رسولاً سيبعث فيؤيد المؤمنين ويعاقب المشركين.
5 وقوله: ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا ﴾ أي ما كانوا يستفتحون به أي لما جاء الكتاب الذي عرفوه كفروا به وقد عدل عن أن يقال فلما جاءهم الكتاب ليكون اللفظ أشمل فيشمل الكتاب والرسول الذي جاء به فإنه لا يجيء كتاب إلا مع رسول.
ووقع التعبير بما الموصولة دون مَن لأجل هذا الشمول ولأن الإبهام يناسبه الموصول الذي هو أعم فإن الحق أن ما تجيء لما هو أعم من العاقل.
والمراد بما عرفوا القرآن أي أنهم عرفوه بالصفة المتحققة في الخارج وإن جهلوا انطباقها على القرآن لضلالهم لأن الظاهر أن بني إسرائيل لم يكن أكثرهم يعتقد صدق القرآن وصدق الرسول وبعضهم كان يعتقد ذلك ولكنه يتناسى ويتغافل حسداً قال تعالى: ﴿ حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ﴾ [البقرة: 109] ويصير معنى الآية: «وما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم» وعرفوا أنه الذي كانوا يستفتحون به على المشركين.
وجملة: ﴿ وكانوا من قبل يستفتحون ﴾ في موضع الحال وفائدتها هنا استحضار حالتهم العجيبة وهي أنهم كذبوا بالكتاب والرسول في حال ترقبهم لمجيئه وانتظار النصر به وهذا منتهى الخذلان والبهتان.
وقوله: ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا ﴾ بالفاء عطف على جملة ﴿ كانوا يستفتحون ﴾ .
و(لما) الثانية تتنازع مع (لما) الأولى الجواب وهو قوله: ﴿ كفروا به ﴾ فكان موقع جملة (وكانوا) إلخ بالنسبة إلى كون الكتاب مصدقاً موقع الحال لأن الاستنصار به أو التبشير به يناسب اعتقاد كونه «مصدقاً لما معهم» وموقعها بالنسبة إلى كون الكتاب والرسول معروفين لهم بالأمارات والدلائل موقع المنشإ من المتفرع عنه مع أن مفاد جملة ﴿ لما جاءهم كتاب من عند الله ﴾ إلخ وجملة ﴿ لما جاءهم ما عرفوا ﴾ إلخ واحد وإعادة (لما) في الجملة الثانية دون أن يقول: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فجاءهم ما عرفوا إلخ قصد إظهار اتحاد مفاد الجملتين المفتتحتين بلما وزيادة الربط بين المعنيين حيث انفصل بالجملة الحالية فحصل بذلك نظم عجيب وإيجاز بديع، وطريقة تكرير العامل مع كون المعمول واحداً طريقة عربية فصحى، قال تعالى: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ﴾ [آل عمران: 188] وقال: ﴿ أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون ﴾ [المؤمنون: 35] فأعاد (أنكم) قبل خبر الأولى وقد عدلنا في هذا البيان عن طريقة الزجاج وطريقة المبرد وطريقة الفراء المذكورات في ﴿ حاشية الخفاجي وعبد الحكيم ﴾ وصغناه من محاسن تلك الطرائق كلها لما في كل طريقة منها من مخالفة للظاهر.
وقوله: ﴿ فلعنة الله على الكافرين ﴾ جملة دعاء عليهم وعلى أمثالهم والدعاء من الله تعالى تقدير وقضاء لأنه تعالى لا يعجزه شيء وليس غيره مطلوباً بالأدعية وهذا كقوله: ﴿ وقالت اليهود الله مغلولة غلت أيديهم ﴾ [المائدة: 64] وقوله: ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ [التوبة: 30] وسيأتي بيانه عند قوله تعالى: ﴿ عليهم دائرة السوء ﴾ في سورة براءة (98).
والفاء للسببية والمراد التسبب الذكري بمعنى أن ما قبلها وهو المعطوف عليه يسبب أن ينطق المتكلم بما بعدها كقول قيس بن الخطيم: وكنت امرءاً لا أسمع الدهر سبة *** أسب بها إلا كشفت غطاءها فإني في الحرب الضروس موكل *** بإقدام نفس ما أريد بقاءها فعطف قوله: (فإني) على قوله كشفت غطاءها لأن هذا الحكم يوجب بيان أنه في الحرب مقدام.
واللام في (الكافرين) للاستغراق بقرينة مقام الدعاء يشمل المتحدث عنهم لأنهم من جملة أفراد هذا العموم بل هم أول أفراده سبقاً للذهن لأن سبب ورود العام قطعي الدخول ابتداء في العموم.
وهذه طريقة عربية فصيحة في إسناد الحكم إلى العموم والمراد ابتداءً بعض أفراده لأن دخول المراد حينئذ يكون بطريقة برهانية كما تدخل النتيجة في القياس قال بَشَامَةُ بن حَزن النهشلي: إنَّا محيوك يا سَلْمى فحيينا *** وإن سَقَيْتتِ كرام الناس فاسقِينا أراد الكناية عن كرمهم بأنهم يُسقون حين يُسقى كرام الناس.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُصَدِّقٌ لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيهِما.
والثّانِي: مُصَدِّقٌ بِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي يَسْتَنْصِرُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اليَهُودَ كانُوا يَسْتَنْصِرُونَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمّا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العَرَبِ كَفَرُوا بِهِ، فَقالَ لَهم مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وبِشْرُ بْنُ البَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ: أوَما كُنْتُمْ تُخْبِرُونَنا أنَّهُ مَبْعُوثٌ؟
فَقالَ سَلّامُ بْنُ مُشْكِمٍ: ما جاءَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وما هو بِالَّذِي كُنّا نَذْكُرُ لَكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ولما جاءهم كتاب من عند الله ﴾ قال: هو القرآن ﴿ مصدق لما معهم ﴾ قال: من التوراة والإِنجيل.
وأما قوله تعالى: ﴿ وكانوا من قبل يستفتحون ﴾ الآية.
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طريق عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري حدثني أشياخ منا قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب وكنا أصحاب وثن، وكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا: إن نبياً يبعث الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله اتبعناه وكفروه به، ففينا- والله- وفيهم أنزل الله: ﴿ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا...
﴾ الآية كلها.
وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة في الآية قال: كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم، وكانوا يجدون محمداً في التوراة فيسألون الله أن يبعثه نبياً فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم محمد كفروا به حين لم يكن من بني إسرائيل.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس قال: كانت يهود بني قريظة والنضير من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يستفتحون الله، يدعون على الذين كفروا ويقولون: اللهم إنا نستنصرك بحق النبي الأمي إلاَّ نصرتنا عليهم فينصرون ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا ﴾ يريد محمداً ولم يشكوا فيه ﴿ كفروا به ﴾ .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان يهود أهل المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من أسد، وغطفان، وجهينة، وعذرة، يستفتحون عليهم ويستنصرون، يدعون عليهم باسم نبي الله فيقولون: اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه، الذي وعدتنا إنك باعثه في آخر الزمان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم عن قتادة قال: كانت اليهود تستفتح بمحمد على كفار العرب، يقولون: اللهم ابعث النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم، فلما بعث الله محمداً كفروا به حين رأوه بعث من غيرهم حسداً للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله.
وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل بسند ضعيف عن ابن عباس قال: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود، فعاذت بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا فهزموا غطفان، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله: ﴿ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ﴾ يعني وقد كانوا يستفتحون بك يا محمد إلى قوله: ﴿ فلعنة الله على الكافرين ﴾ .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس.
أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء، وداود بن سلمة: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبرونا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته.
فقال سلام بن مشكم أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله: ﴿ ولما جاءهم كتاب من عند الله...
﴾ الآية.
وأخرج أحمد وابن قانع والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن سلمة بن سلامة وقش وكان من أهل بدر قال: كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل، فخرج علينا يوماً من بيته قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير حتى وقف على مجلس بني الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سناً، عليّ بردة مضطجعاً فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، قال: ذلك لأهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت.
فقالوا له: ويحك يا فلان..
!
ترى هذا كائناً أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟
فقال: نعم، والذي يحلف به يودّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه وأن ينجو من تلك النار غداً.
قالوا له: ويحك وما آية ذلك؟!
قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن.
فقالوا: ومتى نراه؟
قال: فنظر إليّ من أحدثهم سناً أن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغياً وحسداً، فقلنا ويلك يا فلان ألست بالذي قلت لنا؟!
قال: بلى، وليس به.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ﴾ يقول يستنصرون بخروج محمد على مشركي العرب يعني بذلك أهل الكتاب، فلما بعث الله محمداً ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ﴾ قال: نزلت في اليهود عرفوا محمداً أنه نبي وكفروا به.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَاَءَهُم كِتَابٌ ﴾ يعنى: القرآن ﴿ مُصَدِّقٌ ﴾ موافق ﴿ لِمَا مَعَهُمْ ﴾ ؛ لأنه جاء على ما تقدّم به الإخبار في التوراة والإنجيل، فهو مصداق الخبر المتقدم، من حيث كان مخبره على ما تقدم الخبر به (١) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا ﴾ يعني: اليهودَ (٢) و (كان) ليس بفعل حقيقي كسائر الأفعال، والفرق بينه وبين الفعل الحقيقي، أن الفعل الحقيقي يدل على وجود معنى مصدره بعد أن لم يكن، في ماض أو حاضر أو مستقبل، و (كان) إنما يدل على الزمان الماضي أو الحاضر والمستقبل في تصريفه فقط، من غير دلالة على وجود مصدره بعد أن لم يكن (٣) (٤) وذكرنا ما في (كان) عند قوله: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا ﴾ (٥) وقوله تعالى ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي: من قبل هذا الكتاب وقبل هذا النبي (٦) ﴿ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قال ابن عباس (٧) (٨) (٩) (١٠) وذكرنا معنى (الفتح والاستفتاح) عند قوله: ﴿ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .
وفي الكلام إضمار واختصار، أراد: وكانوا من قبل يستفتحون به، أي: بذلك الكتاب، فلما سبق ذكر الكتاب لم (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ يعني: الكتاب وبعثة النبي وذلك أنهم كانوا قرأوا في التوراة: إن الله تعالى يبعث في آخر الزمان نبيًّا (١٣) (١٤) أعلم الله أنهم كفروا وهم يوقنون، وأنهم مُتَعمدون للشقاق وعداوة الله.
وجواب قوله: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُم كِتَابٌ ﴾ محذوف، تقديره: ولما جاءهم كتاب من عند الله جحدوه، وحذف لأنه معروف، دل عليه ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ ، هذا قول أبي إسحاق (١٥) وقال الفراء: جوابه في الفاء في قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا ﴾ ، وفيه أيضا معنى الابتداء.
و (كفروا) بما فيه من جوابهما جميعًا، والعرب تجيب كلامين بجواب واحد، كقولهم: ما هو إلا أن يأتي عبد الله فلما قعد أكرمته (١٦) (١٧) والدليل على هذا: أن الواو لا تجوز في موضع الفاء في قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا ﴾ كما جاز في ابتداء الآية، فذلك دليل على أنها جواب وليست بنسق.
ومثل هذا في كون الفاء جوابًا قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ ﴾ (١٨) وقال محمد بن يزيد (١٩) ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ ﴾ تكرير للأول؛ لأن الكلام طال بقوله: ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ ، وكأنه كلام معترض، فأعاد الأول.
وجوابه ﴿ كَفَرُوا بِهِ ﴾ .
ومثله قوله: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ﴾ أعاد ذكر ﴿ أَنَّكُمْ ﴾ لما طال الكلام، وكأنه قال: أيعدكم أنكم إذا مِتُّم مُخرَجون (٢٠) (١) ينظر الطبري في "تفسيره" 1/ 410، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 171، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 171، "تفسير الثعلبي" 1/ 1030.
(٢) ينظر الطبري في "تفسيره" 1/ 410، "تفسير الثعلبي" 1/ 1030.
(٣) من قوله: في ماضٍ أو حاضر ..
ساقط من (ش).
(٤) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3084 مادة (كان)، و"الأزهية في علم الحروف" ص 183، و"مغني اللبيب" 2/ 559.
(٥) ينظر: "البسيط" 2/ 293.
(٦) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 410 "تفسير الثعلبي" 1/ 1030.
(٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 1/ 411 - 412، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 171 - 172.
(٨) رواه عنه الطبري 1/ 411 - 412، وانظر: "زاد المسير" 1/ 114.
(٩) في (ش): (حزنهم)، وفي (م): (جزلهم).
(١٠) ينظر ما رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 410 - 410، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 171 - 172، وأبو نعيم في "الدلائل" 1/ 19.
(١١) في (م): (فلم).
(١٢) المنوان: تثنية مَنَا وهو كيل أو ميزان يساوي رطلين ويثنى على منوان، ومنيان ويجمع على: أمْنَاءٍ، وأمْنٍ، ومُنِيٍّ ومِنِيٍّ.
ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3454 مادة (منا)، و"القاموس" 1722 و"المجموع شرح المهذب" 9/ 347.
(١٣) في (م) و (ش): (يبعث نبيا في آخر الزمان).
(١٤) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 411 - 412، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 172.
(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 171، وذكره الطبري في "تفسيره" 412 - 413، وممن ذهب إليه: الأخفش واختاره الزمخشري كما في "البحر المحيط" 1/ 303، ورجحه أبو حيان.
(١٦) قال الفراء: ما هو إلا أن أتاني عبد الله فلما قعد أوسعت له وأكرمته.
(١٧) "معاني القرآن" للفراء 1/ 59 بتصرف، وذكره الطبري في تفسيره 1/ 412 - 413، ونسبه إليه في "البحر المحيط" 1/ 303، وقال: وأما قول الفراء، فلم يثبت من لسانهم: لما جاء زيد فلما جاء خالد أقبل جعفر، فهو تركيب مفقود في لسانهم فلا نثبته، ولا حجة في هذا المختلف فيه، فالأولى أن يكون الجواب محذوفًا لدلالة المعنى عليه.
(١٨) ساقطة من (ش).
(١٩) أي المبرد، ينظر: "البحر المحيط" 1/ 303.
(٢٠) بين في "البحر المحيط" 1/ 303: أن هذا القول حسن، لولا أن الفاء تمنع من التأكيد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كتاب مِّنْ عِندِ الله ﴾ وهو القرآن ﴿ مُصَدِّقٌ ﴾ تقدم أن له ثلاث معانٍ ﴿ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ أي ينتصرون على المشركين، إذا قاتلوهم قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، ويقولون لأعدائهم المشركين، قد أظل زمان نبي يخرج فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، وقيل: يستفتحون؛ أي يعرفون الناس النبي صلى الله عليه وسلم، والسين على هذا للمبالغة كما في استعجب واستسخر، وعلى الأول للطلب ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ ﴾ القرآن والإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، قال المبرِّد: كفروا جواباً لما الأولى والثانية، وأُعيدت الثانية لطول الكلام، ولقصد التأكيد، وقال الزَّجَّاج: كفروا جواباً لما الثانية، وحذف جواب الأولى للاستغناء عنه لذلك، وقال الفراء جواب لما الأولى فلما، وجواب الثانية كفر ﴿ عَلَى الكافرين ﴾ أي عليهم يعني اليهود، ووضع الظاهر موضع المضمر ليدل أن اللعنة بسبب كفرهم، واللام للعهد أو للجنس، فيدخلون فيها مع غيرهم من الكفار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ القدس ﴾ بسكون الدال حيث كان: ابن كثير.
﴿ بئسما ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف.
﴿ ينزل ﴾ خفيفاً: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الوقوف: ﴿ القدس ﴾ (ط) ﴿ استكبرتم ﴾ (ج) لتناهي الاستفهام مع تعقب فاء التعقيب بعده ﴿ كذبتم ﴾ (ز) لعطف المستقبل على الماضي مع تقدم المفعولين فيهما ﴿ تقتلون ﴾ (ه) ﴿ غلف ﴾ (ط) (ز) لأن "بل" إعراض عن الأول وتحقيق للثاني ﴿ يؤمنون ﴾ (ه) ﴿ لما معهم ﴾ (ط) "لأن" الواو للحال ﴿ كفروا ﴾ (ج) لأن "لما" متضمنة للشرط وجوابها منتظر والوصل أجوز لأن "لما" مكرر وجوابهما متحد، وقوله: ﴿ وكانوا من قبل ﴾ حال معترض ﴿ كفروا به ﴾ (ج) لأن ما بعده مبتدأ لكن الفاء تقتضي تعجيل ذكر جوابهم ﴿ الكافرين ﴾ (ه) ﴿ من عباده ﴾ (ج) لطول الكلام مع فاء التعقيب ﴿ على غضب ﴾ (ط) ﴿ مهين ﴾ (ه) ﴿ لما معهم ﴾ (ط) ﴿ مؤمنين ﴾ (ط).
التفسير: لما ذكر في آلاي المتقدمة صنيع اليهود في مخالفتهم أمره ومناقضة حالهم، أكد ذلك في هذه الآي بذكر نعم أفاضها عليهم ثم إنهم قابلوها بالكفران ونقيض المقصود زيادة في تبكيتهم.
أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله إياه جملة واحدة.
عن ابن عباس أنها لما نزلت أمر الله موسى بحملها فلم يطق ذلك، فبعث الله لكل آية منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فبعث الله لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فخففها الله على موسى فحملها.
القفو والتقفية الإتباع وهو من القفا كالتذنيب من الذنب أي أتبعنا على أثره رسلاً كثيرين وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم.
روي أن هؤلاء الرسل كانوا على شريعة واحدة إلى أيام عيسى فإنه جاء بشريعة مجددة ناسخة لأكثر شرع موسى، وكان المقصود من بعثة هؤلاء تنفيذ الشريعة السالفة وإحياء بعض ما اندرس منها ومن هنا قال "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" "إن الله سيبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها دينها" فقيل عيسى بالسريانية أيشوع أي المبارك، ومريم بمعنى الخادم.
وقيل مريم بالعبرية من النساء كالزير من الرجال وهو الذي يحب محادثة النساء ومجالستهن، سمي بذلك لكثرة زيارته لهن وبه فسر قول رؤبة: قلت لزير لم تصله مريمه *** ووزن "مريم" عند أهل الصرف "مفعل" لأن فعيلاً بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو "عثير" للغبار "وعليب" اسم واد.
البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، أيدناه قويناه من الأيد القوة، وبروح القدس الروح المقدس كما يقال حاتم الجود ورجل صدق أي بجبريل سمي بذلك لأنه سبب حياة الدين كما أن الروح سبب حياة البدن، ولأنه الغالب عليه الروحانية، ولأنه لم تضمه أصلاب الفحول ولا أرحام الأمهات، وقيل بالإنجيل كما قال ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ لأن العلم سبب حياة القلوب، وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، عن ابن عباس وسعيد بن جبير.
وقيل: الروح الذي نفخ فيه، والقدس والقدوس هو الله، وإضافة الروح إليه تشريف وتعظيم كما يقال "بيت الله" و "ناقة الله".
عن الربيع: وكون الروح ههنا جبريل أظهر لأن اختصاصه بعيسى أكثر لأنه الذي بشر مريم بولادتها وقد تولد من نفخة جبريل في أمه وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء.
قوله : ﴿ أفكلما ﴾ وسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به من قوله: ﴿ ولقد آتينا ﴾ لإفادة التوبيخ والتعجيب من شأنهم، ويجوز أن تكون الفاء للعطف على مقدر معناه أأعرضتم فكلما ﴿ جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ﴾ الباء للتعدية أو بمعنى "مع"، وذلك أنهم كانوا إذا أتاهم رسول بخلاف ما يهوون كذبوه وإن تهيأ لهم قتله قتلوه ترفعاً وترؤساً على عامتهم.
وأخذ أموالهم بغير حق يوهمون عوامهم أنهم على الحق والنبي على الباطل، ويحتجون على ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم ﴿ ففريقاً كذبتم ﴾ على التمام وما بقي منه غير مكذب ﴿ وفريقاً تقتلون ﴾ أي ما تيسر لكم قتله بعد على التمام لأنكم تحومون حول قتل محمد لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.
قال عند وفاته: "ما زالت أكلة خيبر تعادّني فهذا أوان قطعت أبهري" .
والعداد اهتياج وجع اللديغ بعد كل سنة، والأبهر عرق يخرج من القلب إذا انقطع مات صاحبه.
ويجوز أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب كقوله: فأضربها بلا دهش فخرت *** وفائدة تقديم المفعول به على الفعلين بعد رعاية الفاصلة في ﴿ يقتلون ﴾ بيان غاية عنادهم وفرط عتوهم حيث جعلوا الرسل فريقين: أحدهما مخصص بالتكذيب والآخر بالقتل، كأن وصف الرسالة عندهم هو الذي اقتضى عندهم أحد هذين حتى خص المنعوت به دون سائر الناس بأحد الأمرين، وهذا نهاية الجهالة حيث استقبلوا أشرف الأصناف لأكرم الأوصاف بغاية الاستخفاف.
غلف جمع أغلف وهو كل ما فيه غلاف ومنه الأغلف للذي لم يختن، أي قلوبنا مغشاة بأغطية فلا تتأثر من دعوتك لمكان الحائل بينهما.
وقيل: غلف تخفيف غلف بضمتين جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلم والحكمة فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره لا حاجة بنا إلى شرعك.
﴿ بل لعنهم الله ﴾ رد لقولهم وأن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة، والتمكن من قبول الحق ولكنهم لعنوا أي طردوا عن رحمة الله وأبعدوا عن الخيرات بسبب كفرهم الذي أحدثوه بعد نصب الأدلة وإزاحة العلة.
وفي هذا لطف للمكلفين أن لا يتسلقوا إلى المعاصي بإبلاء نحو هذا العذر وإبداء مثل هذه الحجة، ولكن يشمرون عن ساق الاجتهاد "فكل ميسر لما خلق" له ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ أي إيماناً قليلاً يؤمنون.
و "ما" مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب أو بقليل مما كلفوا به.
يؤمنون، فانتصب بنزع الخافض.
و "ما" صفة أي بشيء قليل من الأشياء المكلف بها.
ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم أي لا يؤمنون أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً كما يقال: قليلاً ما تفعل.
أي لا تفعل ألبتة.
وذلك أن الإيمان بالله إنما يعبأ به إذا كان مؤمناً بجميع ما أنزل الله، فإذا فرق بين أوامره فهو عن الإيمان بمعزل.
﴿ ولما جاءهم ﴾ جوابه محذوف وهو نحو: كذبوا به واستهانوا بمجيئه.
ويجوز أن يكون جوابه هو جواب "لما" الثانية المكررة للتأكيد لطول الكلام نحو قوله ﴿ فلا تحسبنهم بمفازة ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن ﴾ .
واتفقوا على أن المراد بالكتاب هو القرآن، ووجه تصديقه لما معهم ليس هو الموافقة في أصول الشرائع، لأن جميع كتب الله كذلك، بل المراد ما يختص بنبوة محمد من العلامات والنعوت والصفات.
والتحقيق أن ذكر الكتاب ههنا كناية عن الرسول لأن الرسول يلزمه الكتاب عرفاً أو مجازاً لأن الكتاب مستلزم للرسول لا محالة يدل على ذلك قوله ﴿ يستخفون على الذين كفروا ﴾ وذلك أن اليهود قبل مبعث محمد ونزول القرآن كانوا يسألون به الفتح والنصرة على المشركين إذا قاتلوهم يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة.
وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.
وقيل: معنى يستفتحون يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبياً يبعث منهم قد قرب أوانه.
والسين للمبالغة أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم كالسين في "استعجب" و "استخسر"، أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليه، ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا من الحق ﴾ وهو نبوة محمد ، ويجوز أن تكون "ما" بمعنى "من" نحو: سبحان ما سخركن لنا أي فلما جاءهم النبي الذي كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴿ كفروا به ﴾ ، إما لأنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة مجيء الرسل منهم فيرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه فلما بعث الله محمداً من العرب من ذرية إسماعيل عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب بغياً وحسداً وعناداً ولدداً، وإما لأنهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة، وإما لأن اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم ومكاسبهم فأبوا وأصروا على الإنكار.
فكفرهم إذاً كفر عناد، ﴿ فلعنة الله ﴾ وهي الإبعاد عن الخيرات الحقيقية الباقية) ﴿ على الكافرين ﴾ أي عليهم، فوضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أن اللعنة إنما لحقتهم لكفرهم، واللام للعهد أو للجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً.
فإن قيل: أليس أنه ذكر ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ قلنا: العام قد يخص، وأيضاً لعن من يستحق اللعن حسن، وأيضاً أولئك بالنسناس أشبه منهم بالناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ "بئس" لإنشاء الذم، وفاعله قد يكون مظهراً نحو "بئس الرجل زيد"، وقد يكون مضمراً يعود إلى معهود ذهني فيفسر حينئذ بنكرة منصوبة وبعدهما المخصوص بالذم فـ "ما" نكرة منصوبة مفسرة: لفاعل "بئس" أي بئس شيئاً اشتروا به أنفسهم، والمخصوص بالذم ﴿ أن يكفروا ﴾ واختلف في إعراب المخصوص فقيل: مبتدأ والجملة قبله خبره.
وقيل خبر مبتدأ محذوف أي هو أن يكفروا.
واشتروا بمعنى باعوا لأن الكفر حاصل تعلق نفوسهم بأبدانهم كما أن، الثمن حاصل ملك المالك.
وقيل: إن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله فأتى بأعمال يظن بها أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، وهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب ويوصلهم إلى الثواب، فقد ظنوا أنهم قد اشتروا أنفسهم بها، والمراد بما أنزل الله القرآن لأنهم كانوا مؤمنين بغيره.
ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر فقال ﴿ بغياً ﴾ أي حسداً وطلباً لما ليس لهم، ولولا هذا البيان لجاز أن يكون الباعث لهم على ذلك الكفر هو الجهل لا البغي ولما كان الباعث على البغي قد يكون وجوهاً شتى بين أن الحامل لهم على البغي هو ﴿ أن ينزل الله من فضله ﴾ الذي هو الوحي ﴿ على من يشاء ﴾ وتقتضي حكمته إرساله وهذا هو اللائق بما حكينا من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم يحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد، وعلى هذا يكون الجار المحذوف هو لام الغرض أي لأجل أن ينزل، ويحتمل أني قال المحذوف على أي حسدوه على أن ينزل.
﴿ فباءوا بغضب على غضب ﴾ لا بد من إثبات سببي غضبين: أحدهما تكذيبهم عيسى وما أنزل عليه، والثاني تكذيبهم محمد وما أنزل عليه، فصار ذلك سبباً بعد سبب لسخط بعد سخط وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة.
وقيل: الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكتمانهم نعت محمد وجحدهم نبوته عن السدي.
وقيل: ليس المراد إثبات الغضبين فقط، بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور متوالية صدرت عنهم كقولهم ﴿ عُزير ابن الله ﴾ ﴿ يد الله مغلولة ﴾ ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ عن عطاء وعبيد بن عمير.
وقيل: المراد تأكيد الغضب وتكثير له لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه عظيم، وهو قول أبي مسلم.
ومعنى الغضب في حقه قد عرفت مراراً أنه عبارة عن لازمه وهو إرادة الانتقام، وأما تزايده وتكثره فيصح فيه ذلك كصحته في العذاب، فلا يكون غضبه على من كفر بخصال كثيرة كمن كفر بخصلة واحدة ﴿ وللكافرين عذاب مهين ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر أي ولهم عذاب، وفائدته ما ذكرنا في قوله ﴿ فلعنة الله على الكافرين ﴾ ووصف العذاب بالمهين والمهين هو المعذب لأن الإهانة لما حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه لأنها بسبب منه، ولا يلزم من اقتران العذاب بالإهانة تكرار فقد يكون العذاب ولا إهانة كالوالد يؤدب ولده ﴿ آمنوا بما أنزل الله ﴾ بكل ما أنزل الله من كتاب وقد يستدل به على عموم "ما" ﴿ قالوا نؤمن بما أنزل علينا ﴾ أي بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى ﴿ ويكفرون بما وراءه ﴾ أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة وهو الإنجيل والقرآن ﴿ وهو الحق ﴾ الضمير يعود إلى "ما وراءه" أو إلى القرآن فقط.
و ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة لوجود شرطها وهو كونها مقررة لمضمون جملة اسمية، أو كون مضمونها لازماً لمضمون الجملة الاسمية، فإن التصديق لازم حقية القرآن فصار كأنه هو والعامل في ﴿ مصدقاً ﴾ محذوف وهو يبدو أو يثبت على الأصح.
وأما الواو في ﴿ وهو الحق ﴾ فيجوز أن تكون معترضة فلا محل للجملة، ويجوز أن تكون للحال وحينئذ إما أن يكون العامل فيها هو العامل في قوله ﴿ ويكفرون ﴾ على أن كلاً منهما حال بحيالها، وإما أن يكون العامل فيها هو يكفرون على أنهما حالان متداخلتان.
وفي قوله ﴿ وهو الحق مصدقاً لما معهم ﴾ دلالة على وجوب الإيمان بمحمد لأنه لما أثبت نبوته بالمعجزات ثم إنه أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله وأنه أمر المكلفين بالإيمان، كان الإيمان به واجباً لا محالة، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعضهم وبعضها محال.
وأيضاً أنه لم يتعلم علماً ولم يقرأ ولم يخط، ثم إنه أتى بالقصص والأخبار مطابقة لما في التوراة، فيعلم بالضرورة أنه استفادها من قبل الوحي وأيضاً القرآن يدل على نبوة محمد ، فلما أخبر الله عنه أنه مصدق التوراة وجب اشتمال التوراة على الأخبار عن نبوته.
فمدعي الإيمان بالتوراة يجب أن يؤمن بمحمد وإلا كان كاذباً.
ثم إنه بين من وجه آخر كذب دعواهم، وهو أن التوراة لا تسوغ قتل الأنبياء وأنهم سوغوا ذلك، وفيه دليل على أن إيراد المناقضة على الخصم الألد جائز.
والكلام وإن كان على وجه الخطاب إلا أن المراد بذلك أسلافهم بدليل ﴿ من قبل ﴾ وتقتلون حكاية حال ماضية.
وأصل "لم" لما بإدخال لام التعليل في "ما" الاستفهامية، حذفت الألف للتخفيف أي لأي غرض وبأي حجة كان أسلافكم يقتلون الأنبياء.
وفي قوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم الإيمان، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما تقدمه.
وفيه تنبيه على أن اليهود المعاصرين خرجوا بتكذيب محمد من الإيمان بالتوراة كما أن أسلافهم خرجوا بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بها والله أعلم.
التأويل: هذا حال أكثر البطالين المتشبهين بالطالبين يصغون إلى كلمات العلماء الراسخين، فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استغربته نبذوه وأنكروه، فيكذبون فريقاً منهم فراراً عن تحمل أعباء الطلب ويثيرون الفتنة على فريق بالحسد والإنكار والفتنة أشد من القتل ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب إذا ابتلى في أثناء الطلب بالرهقة أو الفترة لم يضره ذلك ما دام متمسكاً بالإرادة، فيرجى رجوعه بإذن الله وبمدد همة الأستاذ والشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة وأظهر الإنكار والاعتراض فلن يرجى فلاحه.
﴿ ولما جاءهم كتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن أهل كل زمان يتمنون أن يدركوا أحداً من العلماء والأولياء المحظوظين بالعلوم الكسبية واللدنية ويتوسلون بهم إلى الله عند رفع حوائجهم في صالح دعائهم ويظهرون محبتهم عند الخلق ﴿ فلما وجدوا ﴾ واحداً منهم ﴿ ما عرفوا ﴾ قدره وحسدوه وأظهروا عداوته وما أنصفوه ﴿ فباءوا بغضب ﴾ من رد ولاية الأولياء ﴿ على غضب ﴾ من الله لأوليائه كما جاء في الحديث "من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة" و "إنما أنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لجروه" والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ ﴾ .
يعني: التوراة، وهو ظاهر.
وقوله: ﴿ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ ﴾ .
وقيل: وقفينا: أَرْدَفْنَا، وهو من القفا، قفا يقفو.
وقيل: أَتبعنا رسولاً على أَثر رسول؛ كقوله: ﴿ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً ﴾ \[المؤمنون: 44\] واحداً على أَثر واحدٍ.
وقوله: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .
قيل: البينات: الحجج.
وقيل: العجائب التي كانت تجري على يديه، من خلق الطين، وإحياء الموتى، وإِبراءِ الأكمه والأَبرص، وإِنباءِ ما يأْكلون وما يدخرون.
وقيل: البينات: الحلال والحرام.
ثم الرسل في أَنفسهم حفظوا حججاً؛ فلم يحتج كل قول يقولون إلى أن يكون مصحوباً بدليل وبيانٍ على صدقهم؛ لأَنهم في أَنفسهم حجة.
وأما سائر الناس فليسوا بحجج في أَنفسهم، فلا بد لكل قول يقولون أَن يأْتوا بدليلٍ يدل على صدقهم، وبيانٍ يُظهر الحقَّ من الباطل، والصوابَ من الخطأ، والصدقَ من الكذب.
وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ ﴾ : قويناه.
﴿ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ .
اختلف فيه: قيل: روح القدس: جبريل.
وفي الأَصل: القدوس، لكن طرحت الواو للتخفيف.
وتأْييدُه: هو أَن عصمه على حفظه؛ حتى لم يدن منه شيطان، فضلاً أَن يدنو بشيء، والله أعلم.
وقيل: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ يعني بالروح: روح الله.
ووجه إضافةِ روح عيسى إلى الله - عز وجل -: أَن تكون أضيفت تعظيماً له وتفضيلاً، وذلك أن كل خاص أُضيف إلى الله - عز وجل - أُضيف؛ تعظيماً لذلك الشيء، وتفضيلاً له، كما يقال لموسى: كليم الله، ولعيسى: روحُ الله، ولإبراهيم: خليلُ الله، على التعظيم والتفضيل.
وإذا أُضيف الجُمَل إلى الله - عز وجل - فإنما تضاف؛ تعظيماً له - عز وجل - وتنزيهاً؛ كقوله: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أُضيف ذلك إليه؛ تعظيماً وتنزيهاً، والله الموفق.
والأَصل في ذلك: أَن خاصية الأَشياءِ إذا أُضيف ذلك إليه أضيف تعظيماً لتلك الخاصية.
وإذا أُضيف جمل الأَشياء إلى الله، فهو يخرج على تعظيم الرب والتبجيل له.
وقوله: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ .
في ظاهر هذه الآية أَنهم كذبوا فريقاً من الرسل، وقَتلوا فريقاً منهم.
ويقول بعض الناس: إنهم قتلوا الأَنبياءَ ولم يقتلوا الرسل؛ لقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ ، ولقوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ﴾ أَخبر أَنه ينصرهم، ومن كان الله ناصره فهو لا يقتل.
ومنهم من يقول: إنهم قتلوا الرسل والأنبياء.
فنقول: يحتمل قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ في رسول دون رسول، فمن نصره الله فهو لم يقتل.
أَو كان ما ذكر من النُّصرة لهم كان بالحجج والآيات.
ثم في الآية دلالة رسالة محمد ونبوته؛ لأَنه أَخبرهم بتكذيب بعض الرسل، وقتل بعضهم، فسكتوا عن ذلك، فلولا أَنهم عرفوا أنه رسول - عرف ذلك بالله - وإلا لم يسكتوا عن ذلك.
وقوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ .
يعني: في أَكنة عليها الغطاء؛ فلا نفهم ما تقول، ولا نفقه ما تُحدِّث.
يدَّعون زوال الخطاب عن أَنفسهم؛ كراهية لما سمعوا.
وأَكذبَهُمُ الله بقوله: ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ أَي: طردهم الله؛ بكفرهم، وعتوهم، وتفريطهم في تكذيب الرسول ، واعتنادهم إياه، لا أَن قلوبهم بمحل لا يفهمون شيئاً مما يخاطبون به - على ما يزعمون - ولكن ذلك لترك التفكر والتدبر فيها.
وقيل في قوله: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ : يعني: أَوعيةً، تفهم وتعي ما يقال، ويخاطب، ولكن لا تفهم ما تقول، ولا تفقه ما تُحدث، فلو كان حقّاً وصدقاً لفهمت ولفقهت عليه.
يَدَّعون إِبطال ما يقول الرسول لهم، وذلك نحو ما قالوا لشعيب: ﴿ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: فقليلاً أي بقليل ما يؤمنون من التوراة؛ لأَنهم عرفوا نَعْته وصفته، وحرفوه، فلم يؤمنوا به.
وقيل: فقليلاً، أَي: قليل منهم يؤمنون بالرسل، صلى الله عليهم وسلم.
وقوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .
فلولا أنهم عرفوا أَن هذا الكتاب هو موافق لما معهم من الكتاب، غير مخالف له، وإلا لأَظهروا الخلاف لو عرفوا ذلك، ولتكلفوا على إِطفاءِ هذا النُّور ودفعه؛ فدل سكوتهم عن ذلك، وترك اشتغالهم بذلك، أَنهمه عرفوا موافقته لما معهم من التوراة؛ ففيه آية نُبوة محمد .
وقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
﴿ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ : يستنصرون ﴿ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ قبل أن يُبعث محمد ، يقولون اللهم انصرنا بحق نبيِّك الذي تبعثه، فلما لم يجئهم على هواهم ومرادهم كفروا به، فلعنة الله على الكافرين.
وقوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ ﴾ .
يقول: اشتروا ما به هلاكهم بما به نجاتهم.
وذلك أَنهم كانوا آمنوا بمحمد ؛ فكان إيمانُهم به نجاتَهم في الآخرة، فكفروا به، وذلك هلاكُهم، وبالله التوفيق.
وقيل: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ ﴾ : باعوا به أَنفسهم بعرض يسير من الدنيا، بعذاب في الآخرة أَبداً.
وقوله: ﴿ بَغْياً ﴾ .
قيل: حسداً منهم؛ وذلك أَنهم قد هَووا أن يُبعث محمد من أَولاد إسرائيل؛ لأَنهم كانوا أُمَّتَه، فلما بُعث من أَولاد إسماعيل - - والعربُ كانت من أَولاده كفروا به، وكتموا نعته حسداً منهم.
وقوله: ﴿ أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .
يعني: النبوة والكتاب على محمد رسول الله .
وقيل: ﴿ بَغْياً ﴾ أَي: ظلماً، ظلموا أَنفسهم بكفرهم بمحمد ، وتكذيبهم إياه.
وقوله: ﴿ فَبَآءُو ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .
يحتمل وجهين: قيل: استوجبوا الغضب من الله؛ بكفرهم بمحمد ، على أَثر غضب؛ بكفرهم بعيسى، وبما جاء به.
وقيل: إنما استحقوا اللَّعنة على أَثر اللَّعنةِ؛ بعصيانٍ بعد عصيانِ، وبذنب على أَثر الذنب.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ .
على محمد من القرآن.
وقوله: ﴿ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ .
يعني التوراة، وهم لم يكونوا آمنوا بالتوراة؛ لأنهم لو كانوا آمنوا بها لكان في الإيمان بها إيمان بمحمد وبما أُنزل عليه، وإيمان بجميع الأَنبياءِ - عليهم السلام - والرسل، وبجميع ما أُنزل عليهم؛ لأَن فيها الأَمرَ بالإِيمان بجميع الرسل وبكتبهم؛ لأَنه قال: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ ، وموافقاً له.
فالإيمان بواحد منهم إيمان بجميع الكتب، وبعضها موافق لبعض.
وقوله: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .
قيل: وراءَ التوراة كفروا بالإِنجيل والفرقان؛ كأَنه قال: كفروا بالذي وراءَه وهو الحق؛ إذ هما موافقان لما معهم، غير مخالف له.
ويحتمل: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ ﴾ يعني: وراء موسى بعيسى وبمحمد ؛ كأَنه قال: من ورائه .
وقوله: ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
فإن قالوا: إنا لم نقتل الأَنبياءَ، ونحن مؤمنون.
قيل لهم: إنكم - وإن لم تتولوا القتلَ - فقد رَضيتُم بصنيع أُولئك، واتبعتم لهم، مع ما قد هَمُّوا بقتل محمد مراراً؛ ولذلك أُضيف إليهم.
وقيل: أَخبر - عز وجل - نبيَّه غاية سفههم، وعتوهم، ومكابرتهم في تكذيبه.
وذلك: أَن النبي دعا اليهود إلى الإِيمان به، وبما أُنزل عليه.
فقالوا: ائتنا بالآيات والقربان، وكما كانت الأَنبياء - من قبل - يأْتون بها قومهم.
يقول الله - عز وجل -: قد كانت الأَنبياء من قبل تجيء - بما تقولون - إلى آبائكم؛ من الآيات والقربان، فكانوا يقتلُونهم.
فيقول الله - عز وجل - لمحمد : أَنْ قل لهم: لن تقتلون؟
يقول: لم قتل آباؤكم أَنبياء الله قَبْلَ محمد وقد جاءُوا بالآيات والقربان إن كنتم صادقين بأَن الله عهد إليكم في التوراة: ألا تؤمنوا لرسول حتى يأْتيكم بقربان تأْكله النار، وقد جاءُوا به.
فَلِم قتلوهم؟!
فهو - والله أعلم - أَنهم أَخذوا هذه المحاجة من أَوائلهم، وإن علموا بما ظهرت نبوة محمد ، وأَنه مبعوث، وأَنتم تقلدونهم، فتُقلدونهم - لو أوتيتم - كما قلدتموهم، وإن علمتم بما عاينتم؛ إذ لا حجة لكم.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولما جاءهم القرآن الكريم من عند الله وهو موافق لما في التوراة والإنجيل في الأصول العامة الصحيحة، وكانوا من قبل نزوله يقولون: سننتصر على المشركين ويُفْتح لنا حين يُبْعث نبي فنؤمن به ونتبعه، فلما جاءهم القرآن ومحمد على الصفة التي عرفوها والحق الَّذي علموه؛ كفروا به، فلعنة الله على الكافرين بالله ورسوله.
<div class="verse-tafsir" id="91.K15M2"
إن قوله تعالى ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ ﴾ إلخ متصل بقوله قبله ﴿ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ﴾ والمعنى أن إيمانهم كان قليلًا حال كونهم كانوا ينتظرون نبيًا وكتابًا مصدقًا لما معهم وكانوا يستفتحون به على المشركين فكيف لا يكون قليلًا، أو أقل بعد ما جاء ما كانوا ينتظرون وعرفوا أنه الحق ثم كفروا؟
فالجملة حالية، وقوله ﴿ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ﴾ معناه أنه موافق له في التوحيد وأصول الدين ومقاصده، والاستفتاح في قوله ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ معناه طلب الفتح وهو الفصل في الشيء والحكم ويستعمل بمعنى النصر لأنه فصل بين المتحاربين، وكانت اليهود تستفتح على مشركي العرب بالنبي المنتظر يقولون إنه سيظهر فينصر كتابه التوحيد الذي نحن عليه ويخذل الوثنية التي تنتحلونها ويبطلها، فيكون مؤيدًا لدين موسى.
﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ أعاد فلما جاءهم وهي عين الأولى لطول الفصل ووصل به الجواب وهو ﴿ كَفَرُوا بِهِ ﴾ وذلك أنه راعهم كونه بعث في العرب فحسدوه فحملهم الحسد على الكفر به جحودًا وبغيًا، فسجلت عليهم اللعنة التي أصابتهم بكفرهم الأول بأن الكفر صار وصفًا لازمًا لهم ولذلك قال ﴿ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ ولم يقل عليهم لأن المظهر أبلغ وأهم وأشمل.
ثم ذكر علة هذا الكفر وسببه وبين فساد رأيهم فيه بقوله ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ أي بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم هو كفرهم بما أنزل الله مصدقًا لما معهم كما كانوا ينتظرون.
شرى الشيء واشتراه يستعمل كل منهما بمعنى باع الشيء وبمعنى ابتاعه لأن الحرف يدل على المعارضة.
وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن اشتروا هنا بمعنى باعوا أي أنهم بذلوا أنفسهم وباعوها بما حرصوا عليه من الكفر بغيًا وحسدًا للنبي، وحبًا في الرياسة واعتزازًا بالجنسية، وبما كان لكل من الرؤساء والمرؤوسين من المنافع المتبادلة في المحافظة عليها، فهذا كله يعد ثمنًا لأنفسهم التي خسروها بالكفر حتى كأنهم فقدوها كما يفقد البائع المبيع.
وذكر ابن جرير وجهًا آخر وهو أن اشتروا هنا بمعنى ابتاعوا أي أنهم جعلوا أنفسهم ثمنًا للكفر الذي ذكرت علته آنفًا.
وفيه من الزيادة على معنى المعاوضة في الوجه الأول أنهم قد أنقذوا أنفسهم بذلك الكفر، أي أنهم يزعمون ذلك ويدعونه في الظاهر، وإن كانوا في الباطن قد عرفوا أن ما جاءهم هو الحق الذي كانوا ينتظرون، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولكنهم يكتمون.
وفي فهم مما تقدم معنى قوله تعالى ﴿ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ فهو تعليل لكفرهم لا لشرائهم، أي كفروا به لمحض البغي الذي آثاره الحسد كراهة أن ينزل الله الوحي من فضله بمقتضى مشيئته، وأي بغي أقبح من بغي من يريد أن يحجر على فضل الله ويقيد رحمته فلا يرضى منه أن يجعل الوحي في آل إسماعيل كما جعله في آل أخيه إسحاق؟
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يُنَزِّلَ ﴾ بالتخفيف من الإنزال والباقون بالتشديد من التنزيل.
وأما قوله ﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾ فهو الغضب الذي استوجبوه حديثًا بالكفر بالنبي فوق ذلك الغضب الذي لحقهم من قبل بإعنات موسی والكفر به، وقد ذكر في قوله ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ ثم توعدهم بعد الغضب المزدوج فقال ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ أي مقرون بالإهانة والإذلال، وبذلك صار بمعنى الآية السابقة، فكأن الجزاء واحد تكرر بتكرر الذنب.
وقال ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ ﴾ ولم يقل ﴿ وَلَهُم ﴾ لما في المظهر من بيان التعليل بالوصف الذي سجله عليهم كما تقدم آنفًا وهذا العذاب مطلق يشمل عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وقد تقدم أن ذنوب الأمم تتبعها عقوبتها في الدنيا لأنها أثر طبيعي لها، وإنما جعلها الله كذلك لتكون عبرة يتأدب المتأخرون بما أصاب منها المتقدمين.
وكذلك الحال في عقوبة الآخرة بالنسبة إلى الأفراد فإن عذاب كل شخص إنما يكون بحسب تأثير الجهل في عقله، وفساد الأخلاق وسوء الأعمال في نفسه.
اعتذر بعض اليهود في عصر التنزيل عن عدم الإيمان به بأن قلوبهم غلف لم تفهم الدعوة ولم تعقل الخطاب فرد الله تعالى عليهم ببيان السبب الحقيقي في ترك الإيمان، وما استحقوه عليه من الغضب والهوان.
ثم ذكر اعتذارًا آخر لهم مقرونًا بالرد والإبطال، وإقامة الحجة عليهم به فقال ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا ﴾ صيغة الدعوة تشعر بوجوب الإيمان بما أنزل على محمد.
فإن ما أنزل عليه لو أنزل على غيره لوجب الإيمان به فإن الوحي هو المقصود بالذات والأنبياء إنما هم مبلغون، فتقييد الخضوع لوحي الله بكونه لا بد أن يكون منزلًا على شخص من شعب كذا بعينه تحكم على الله تعالى وقضاء عليه بأن تكون رحمته مقيدة بأهواء فريق من خلقه.
فإيراد الدعوة بما ذكر من الإطلاق مع إيراد الجواب مقيدًا بقيد ﴿ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا ﴾ يشعر بقوة حجة الدعوة، ووهن ما بني عليه الجواب من الشبهة.
ثم صرح بالحقيقة وهي أنهم إنما يدعون هذا الإيمان بألسنتهم ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ من مدلول ولازم لا ينفك عنه كالبشارة برسول من بني إخوتهم أي ولد إسماعيل، وكون ما تثبت به نبوة محمد بمساواته لما تثبت به نبوة موسى يستلزم وجوب اتباع محمد كما اتبع موسى لأن المدلول يتبع دليله في كل زمن وكل موضوع.
قال إنهم يكفرون بما وراء المنزل إليهم ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ ﴾ أي والحال أنه الحق الثابت في نفسه بالدليل حال كونه ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ﴾ فهو مؤيد عندهم بالعقل والنقل وقد كان من مكابرتهم وعنادهم ما كان فلم يبق إلا إلزامهم الحجة بما اقترفوا من فحش المخالفة لما أنزل إليهم والفسوق عنه ليعلم أنهم إنما يتبعون أهواءهم ويحكمون شهواتهم بما أنزل إليهم وما أنزل على محمد ، ولذلك قال ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ بما أنزل إليكم وليس فيه الأمر بقتل الأنبياء بل فيه النهي الشديد عن قتل أنفسكم.
ومن مباحث اللفظ قوله: ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُم ﴾ حال مفردة مؤكدة والأصل فيها المقارنة لما هي قيد له، وهو يتضمن إثبات كفرهم بالتوراة بالتبع لكفرهم بالقرآن المصدق لها ولو فيما صدقها فيه والكفر ببعضه كالكفر به كله كما تقدم بيانه قريبًا.
ومن مباحث اللفظ أيضًا وضع المضارع ﴿ تَقْتُلُونَ ﴾ موضع الماضي (قتلتم) لما سبق بيانه في مثل هذا التعبير من إرادة استحضار صورة هذا الجرم الفظيع مبالغة في التقريع، وإغراقا في التشنيع، ولما كانت هذه الصيغة تدل على الحال فتوهم أن الذين في زمن التنزيل كانوا لا يزالون يقترفون هذه الجريمة على أنه لم يكن في ذلك العهد أنبياء إلا من يبكتهم ويحتج عليهم - وصلها بقوله ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ دفعًا لذلك الوهم.
والفاء في قوله ﴿ فَلِمَ ﴾ واقعة في جواب شرط دل عليه ما بعده.
وقد سبق القول غير مرة بأن خطاب الخلف بإسناد ما كان من سلفهم إليهم مقصود لبيان وحدة الأمة وتكافلها وكونها في الأخلاق والسجايا المشتركة بين أفرادها كالشخص الواحد وبيان أن ما تبلى به الأمم من الحسنات والسيئات إنما هو أثر الأخلاق الغالبة والأعمال الفاشية فيها منبعثة عن تلك الأخلاق فيا جرى من بني إسرائيل من المنكرات لم يكن من قذفات المصادفة، وإنما كان عن أخلاق راسخة في الشعب تبع الآخرون فيها الأولين، إما بالعمل وإما بالإقرار وترك الإنكار.
ولو أنكر المجموع ما كان من بعض الأفراد لما تفاقم الأمر، ولما تمادى واستمر.
فالحجة تقوم على الحاضرين بأن الغابرين قتلوا الأنبياء فأقرهم من كان معهم ولم يعدوا ذلك خروجًا من الدين ولا رفضًا للشريعة، وتبعهم من بعدهم على ذلك، وفاعل الكفر ومجيزه واحد، وقد سبق تقرير هذا غير مرة.
<div class="verse-tafsir"