الآية ٩٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٩٠ من سورة البقرة

بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍۢ ۚ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ٩٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 119 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال مجاهد : ( بئسما اشتروا به أنفسهم ) يهود شروا الحق بالباطل ، وكتمان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بأن يبينوه .

وقال السدي : ( بئسما اشتروا به أنفسهم ) يقول : باعوا به أنفسهم ، يعني : بئسما اعتاضوا لأنفسهم ورضوا به [ وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم إلى تصديقه ومؤازرته ونصرته ] .

وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية ( أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده ) ولا حسد أعظم من هذا .

قال ابن إسحاق عن محمد ، عن عكرمة أو سعيد ، عن ابن عباس : ( بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده ) أي : إن الله جعله من غيرهم ( فباءوا بغضب على غضب ) قال ابن عباس : فالغضب على الغضب ، فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم ، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم .

قلت : ومعنى ( باءوا ) استوجبوا ، واستحقوا ، واستقروا بغضب على غضب .

وقال أبو العالية : غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى ، ثم غضب عليهم بكفرهم بمحمد ، وبالقرآن عليهما السلام ، [ وعن عكرمة وقتادة مثله ] .

قال السدي : أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العجل ، وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم [ وعن ابن عباس مثله ] .

وقوله : ( وللكافرين عذاب مهين ) لما كان كفرهم سببه البغي والحسد ، ومنشأ ذلك التكبر ، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : ( إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) [ غافر : 60 ] ، [ أي : صاغرين حقيرين ذليلين راغمين ] .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، حدثنا ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس ، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا في جهنم ، يقال له : بولس فيعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال : عصارة أهل النار " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا قال أبوجعفر ومعنى قوله جل ثناؤه: (بئس ما اشتروا به أنفسهم): ساء ما اشتروا به أنفسهم.

* * * وأصل " بئس " " بَئِس " من " البؤس ", سكنت همزتها، ثم نقلت حركتها إلى " الباء ", كما قيل في" ظللت "" ظلت ", وكما قيل " للكبد "،" كِبْد " - فنقلت حركة " الباء " إلى " الكاف " لما سكنت " الباء ".

وقد يحتمل أن تكون " بئس "، وإن كان أصلها " بَئِس "، من لغة الذين ينقلون حركة العين من " فعل " إلى الفاء، إذا كانت عين الفعل أحد حروف الحلق الستة, كما قالوا من " لعب " " لِعْب ", ومن " سئم "" سِئْم ", وذلك -فيما يقال- لغة فاشية في تميم.

ثم جعلت دالة على الذم والتوبيخ، ووصلت بـ " ما ".

واختلف أهل العربية في معنى " ما " التي مع " بئسما ".

فقال بعض نحويي البصرة: هي وحدها اسم, و " أن يكفروا " تفسير له, (12) نحو: نعم رجلا زيد, و أَنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ بدل من " أنـزل الله ".

وقال بعض نحويي الكوفة: معنى ذلك: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا, ف " ما " اسم " بئس ", و " أن يكفروا " الاسم الثاني.

وزعم أن: " أن يكفروا " إن شئت جعلت " أن " في موضع رفع, وإن شئت في موضع خفض.

(13) أما الرفع: فبئس الشيء هذا أن يفعلوه.

وأما الخفض: فبئس &; 2-339 &; الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنـزل الله بغيا.

قال: وقوله: لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [سورة المائدة: 80] كمثل ذلك.

والعرب تجعل " ما " وحدها في هذا الباب، بمنـزلة الاسم التام، كقوله: فَنِعِمَّا هِيَ [سورة البقرة: 271]، و " بئسما أنت "، واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الرجاز: لا تعجــلا فــي السـير وادْلُوهـا لبئســـــما بــــطءٌ ولا نرعاهــــا (14) قال أبو جعفر: والعرب تقول: لبئسما تزويج ولا مهر ", فيجعلون " ما " وحدها اسما بغير صلة.

وقائل هذه المقالة لا يجيز أن يكون الذي يلي" بئس " معرفة مُوَقَّتَة، وخبره معرفة موقتة.

وقد زعم أن " بئسما " بمنـزلة: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم, فقد صارت " ما " بصلتها اسما موقتا، لأن " اشتروا " فعل ماض من صلة " ما "، في قول قائل هذه المقالة.

وإذا وصلت بماض من الفعل، كانت معرفة موقتة معلومة، فيصير تأويل الكلام حينئذ: " بئس شراؤهم كفرهم ".

وذلك عنده غير جائز: فقد تبين فساد هذا القول.

(15) وكان آخر منهم يزعم أن " أن " في موضع خفض إن شئت, ورفع إن شئت.

فأما الخفض: فأن ترده على " الهاء " التي في،" به " على التكرير على كلامين.

كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بالكفر.

وأما الرفع: فأن يكون مكرورا على موضع " ما " التي تلي" بئس ".

(16) قال: ولا يجوز أن يكون رفعا على قولك: " بئس الرجل عبد الله.

(17) وقال بعضهم: " بئسما " شيء واحد يرافع ما بعده (18) كما حكي عن العرب: &; 2-340 &; " بئسما تزويج ولا مهر " فرافع " تزويج "" بئسما ", (19) كما يقال: " بئسما زيد, وبئس ما عمرو ", فيكون " بئسما " رفعا بما عاد عليها من " الهاء ".

كأنك قلت: بئس شيء الشيء اشتروا به أنفسهم, وتكون " أن " مترجمة عن " بئسما ".

(20) * * * وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من جعل " بئسما " مرفوعا بالراجع من " الهاء " في قوله: (اشتروا به)، كما رفعوا ذلك بـ " عبد الله " إذ قالوا: " بئسما عبد الله ", وجعل " أن يكفروا " مترجمة عن " بئسما ".

(21) فيكون معنى الكلام حينئذ: بئس الشيء باع اليهود به أنفسهم، كفرهم بما أنـزل الله بغيا وحسدا أن ينـزل الله من فضله.

وتكون أَنْ التي في قوله: أَنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ , في موضع نصب.

لأنه يعني به " أن يكفروا بما أنـزل الله ": من أجل أن ينـزل الله من فضله على من يشاء من عباده.

موضع أَنْ جزاء.

(22) وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أن أَنْ في موضع خفض بنية " الباء ".

وإنما اخترنا فيها النصب لتمام الخبر قبلها, ولا خافض معها يخفضها.

والحرف الخافض لا يخفض مضمرا.

* * * وأما قوله: (اشتروا به أنفسهم)، فإنه يعني به: باعوا أنفسهم كما:- 1534 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (بئسما اشتروا به أنفسهم)، يقول: باعوا أنفسهم " أن يكفروا بما أنـزل الله بغيا ".

1535 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال مجاهد: (بئسما اشتروا به أنفسهم)، يهود، شروا الحق &; 2-341 &; بالباطل، وكتمان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بأن يبينوه.

(23) قال أبو جعفر: والعرب تقول: " شريته "، بمعنى بعته.

و " اشتروا "، في هذا الموضع،" افتعلوا " من " شريت ".

وكلام العرب -فيما بلغنا- أن يقولوا: " شريت " بمعنى: بعت, و " اشتريت " بمعنى: ابتعت.

وقيل: إنما سمي" الشاري"،" شاريا "، لأنه باع نفسه ودنياه بآخرته.

(24) ومن ذلك قول يزيد بن مفرغ الحميري: وشــــريت بـــردا ليتنـــي مـــن قبـــل بــرد كــنت هامــة (25) ومنه قول المسيب بن علس: يعطـــى بهــا ثمنــا فيمنعهــا ويقــــول صاحبهــــا ألا تشـــري? (26) &; 2-342 &; يعني به: بعت بردا.

وربما استعمل " اشتريت " بمعنى: بعت, و " شريت " في معنى: " ابتعت ".

والكلام المستفيض فيهم هو ما وصفت.

* * * وأما معنى قوله: (بغيا)، فإنه يعني به: تعديا وحسدا، كما:- 1536 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة: (بغيا)، قال: أي حسدا, وهم اليهود.

1537 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (بغيا)، قال: بغوا على محمد صلى الله عليه وسلم وحسدوه, وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل, فما بال هذا من بني إسماعيل؟

فحسدوه أن ينـزل الله من فضله على من يشاء من عباده.

1538 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (بغيا)، يعني: حسدا أن ينـزل الله من فضله على من يشاء من عباده, وهم اليهود كفروا بما أنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

1539 - حُدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.

* * * قال أبو جعفر: فمعنى الآية: بئس الشيء باعوا به أنفسهم، الكفر بالذي أنـزل الله في كتابه على موسى - من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والأمر بتصديقه واتباعه - من أجل أن أنـزل الله من فضله = وفضله: حكمته وآياته ونبوته = على من يشاء من عباده - يعني به: على محمد صلى الله عليه وسلم - بغيا وحسدا لمحمد صلى الله عليه وسلم, من أجل أنه كان من ولد إسماعيل, ولم يكن من بني إسرائيل.

* * * فإن قال قائل: وكيف باعت اليهود أنفسها بالكفر، فقيل: (بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنـزل الله)؟

وهل يشتري بالكفر شيء؟

قيل: إن معنى: " الشراء " و " البيع " عند العرب، هو إزالة مالك ملكه &; 2-343 &; إلى غيره، بعوض يعتاضه منه.

ثم تستعمل العرب ذلك في كل معتاض من عمله عوضا، شرا أو خيرا, فتقول: " نعم ما باع به فلان نفسه " و " بئس ما باع به فلان نفسه ", بمعنى: نعم الكسب أكسبها، وبئس الكسب أكسبها - إذا أورثها بسعيه عليها خيرا أو شرا.

فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: (بئس ما اشتروا به أنفسهم) - لما أوبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأهلكوها, خاطبهم الله والعرب بالذي يعرفونه في كلامهم، فقال: (بئس ما اشتروا به أنفسهم)، يعني بذلك: بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم, وبئس العوض اعتاضوا، من كفرهم بالله في تكذيبهم محمدا, إذْ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب الله وما أعد لهم - لو كانوا آمنوا بالله وما أنـزل على أنبيائه - بالنار وما أعد لهم بكفرهم بذلك.

* * * وهذه الآية - وما أخبر الله فيها عن حسد اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم وقومه من العرب, من أجل أن الله جعل النبوة والحكمة فيهم دون اليهود من بني إسرائيل, حتى دعاهم ذلك إلى الكفر به، مع علمهم بصدقه, وأنه نبي لله مبعوث ورسول مرسل - (27) نظيره الآية الأخرى في سورة النساء, وذلك قوله, أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [سورة النساء: 51-54].

* * * &; 2-344 &; القول في تأويل قوله : أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ قال أبو جعفر: قد ذكرنا تأويل ذلك وبينا معناه, ولكنا نذكر الرواية بتصحيح ما قلنا فيه:- 1540 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق, عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري, عن أشياخ منهم ، قوله: (بغيا أن ينـزل الله من فضله على من يشاء من عباده)، أي أن الله تعالى جعله في غيرهم.

(28) .

1541 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: هم اليهود.

لما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فرأوا أنه بعث من غيرهم, كفروا به - حسدا للعرب - وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة.

1542 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية مثله.

1543 - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.

1544 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل, فما بال هذا من بني إسماعيل؟

1545- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن علي الأزدي.

قال: نـزلت في اليهود.

(29) * * * &; 2-345 &; القول في تأويل قوله تعالى : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (فباءوا بغضب على غضب)، (30) فرجعت اليهود من بني إسرائيل - بعد الذي كانوا عليه من الاستنصار بمحمد صلى الله عليه وسلم والاستفتاح به, وبعد الذي كانوا يخبرون به الناس من قبل مبعثه أنه نبي مبعوث - مرتدين على أعقابهم حين بعثه الله نبيا مرسلا فباءوا بغضب من الله = استحقوه منه بكفرهم بمحمد حين بعث, وجحودهم نبوته, وإنكارهم إياه أن يكون هو الذي يجدون صفته في كتابهم، عنادا منهم له وبغيا وحسدا له وللعرب = على غضب سالف، كان من الله عليهم قبل ذلك، سابقٍ غضبه الثاني، لكفرهم الذي كان قبل عيسى ابن مريم, أو لعبادتهم العجل, أو لغير ذلك من ذنوب كانت لهم سلفت، يستحقون بها الغضب من الله، كما:- 1546 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, فيما روى عن سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس: (فباءوا بغضب على غضب)، فالغضب على الغضب، غضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم, وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم.

(31) 1547 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن, قالا حدثنا سفيان، عن أبي بكير, عن عكرمة: (فباءوا بغضب على غضب) قال: كفر بعيسى، وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.

(32) 1548 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن يمان قال، حدثنا سفيان, &; 2-346 &; عن أبي بكير, عن عكرمة: (فباءوا بغضب على غضب)، قال: كفرهم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.

1549 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن أبي بكير, عن عكرمة مثله.

1550 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن الشعبي قال: الناس يوم القيامة على أربعة منازل: رجل كان مؤمنا بعيسى وآمن بمحمد صلى الله عليهما، فله أجران.

ورجل كان كافرا بعيسى فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فله أجر.

ورجل كان كافرا بعيسى فكفر بمحمد, فباء بغضب على غضب.

ورجل كان كافرا بعيسى من مشركي العرب, فمات بكفره قبل محمد صلى الله عليه وسلم، فباء بغضب.

1551 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (فباءوا بغضب على غضب)، غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وبعيسى, وغضب عليهم بكفرهم بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم.

1552 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فباءوا بغضب)، اليهود بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم,(على غضب)، جحودهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بما جاء به.

1553 - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (فباءوا بغضب على غضب)، يقول: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى, ثم غضبه عليهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن.

1554 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فباءوا بغضب على غضب)، أما الغضب الأول فهو حين غضب الله عليهم في العجل؛ وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

&; 2-347 &; 1555 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج وعطاء وعبيد بن عمير قوله: (فباءوا بغضب على غضب)، قال: غضب الله عليهم فيما كانوا فيه من قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم - من تبديلهم وكفرهم -, ثم غضب عليهم في محمد صلى الله عليه وسلم - إذ خرج، فكفروا به.

* * * قال أبو جعفر: وقد بينا معنى " الغضب " من الله على من غضب عليه من خلقه - واختلاف المختلفين في صفته - فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته.

(33) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وللكافرين عذاب مهين)، وللجاحدين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم، عذاب من الله، إما في الآخرة, وإما في الدنيا والآخرة، (مهين) هو المذل صاحبه، المخزي، الملبسه هوانا وذلة.

* * * فإن قال قائل: أي عذاب هو غير مهين صاحبه، فيكون للكافرين المهين منه؟

قيل: إن المهين هو الذي قد بينا أنه المورث صاحبه ذلة وهوانا، الذي يخلد فيه صاحبه، لا ينتقل من هوانه إلى عز وكرامة أبدا, وهو الذي خص الله به أهل الكفر به وبرسله.

وأما الذي هو غير مهين صاحبه، فهو ما كان تمحيصا لصاحبه.

وذلك هو كالسارق من أهل الإسلام، يسرق ما يجب عليه به القطع فتقطع يده, والزاني منهم يزني فيقام عليه الحد, وما أشبه ذلك من العذاب والنكال الذي جعله الله كفارات للذنوب التي عذب بها أهلها, وكأهل الكبائر من أهل &; 2-348 &; الإسلام الذين يعذبون في الآخرة بمقادير جرائمهم التي ارتكبوها، ليمحصوا من ذنوبهم، ثم يدخلون الجنة.

فإن كل ذلك، وإن كان عذابا، فغير مهين من عذب به.

إذ كان تعذيب الله إياه به ليمحصه من آثامه، ثم يورده معدن العز والكرامة، ويخلده في نعيم الجنان.

---------------- (12) "التفسير" هو ما اصطلح البصريون على تسميته"التمييز" ، ويقال له التبيين أيضًا ، (همع الهوامع 1 : 250) .

(13) في المطبوعة : "وزعم أن أن ينزل من فضله إن شئت جعلت .

.

.

" ، وهو سهو من النساخ ، وصوابه ماأثبته من معاني القرآن للفراء 1 : 56 .

(14) لم أعرف الراجز ، والبيتان في اللسان (دلو) .

دلوت الناقة دلوا : سقتها سوقا رفيقا رويدا ورعى الماشية وأرعاها : أطلقها في المرعى .

(15) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 56 - 57 ، كأنه قول الكسائي .

والمعرفة الموقتة : وهي المعرفة المحددة .

وانظر شرح ذلك فيما سلف 1 : 181 ، تعليق : 1 .

(16) في المطبوعة : "مكررا" ، والصواب من معاني القرآن للفراء 1 : 56 .

(17) هذه الفقرة هي نص كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 56 .

(18) في المطبوعة : "يعرف ما بعده" ، والصواب ما أثبت .

(19) في المطبوعة : "فرفع" ، والصواب ما أثبت .

(20) الترجمة : هو ما يسميه البصريون : "عطف البيان" و"البدل" ، فقوله"مترجما عن بئسما" ، أي عطف بيان .

(21) الترجمة : هو ما يسميه البصريون : "عطف البيان" و"البدل" ، فقوله"مترجما عن بئسما" ، أي عطف بيان .

(22) الجزاء : المفعول لأجله هنا ، وفي المطبوعة : "جر" ، وهو خطأ ، وصوابه في معاني القرآن للفراء 1 : 58 .

(23) في المطبوعة : "بأن بينوه" ، وهو خطأ ، والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 231 .

والمعنى اشتروا الكتمان بالبيان .

(24) الشاري واحد الشراة (بضم الشين) ، وهم الخوارج ، وقال قطري بن الفجاءة الخارجي في معنى ذلك ، ويذكر أم حكيم ، وذلك في يوم دولاب: فلــو شــهدتنا يـوم ذاك, وخيلنـا تبيــح مــن الكفـار كـل حـريم رأت فتيــة بـاعوا الإلـه نفوسـهم بجنــات عــدن عنــده ونعيــم وقال الخوارج : نحن الشراة ، لقول الله عز وجل : "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" أي يبيعها ويبذلها في الجهاد ، وثمنها الجنة ، وقيل : سموا بذلك لقولهم : "إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله حين فارقنا الأئمة الجائرة" ، أي : بعناها بالجنة .

(25) طبقات فحول الشعراء : 555 من قصيدة له ، في هجاء عباد بن زياد ، حين باع ما له في دين كان عليه ، وقضى الغرماء ، وكان فيما باع غلام لابن مفرغ ، يقال له"برد" ، وجارية يقال لها"أراكة" .

وقوله : "كنت هامة" أي هالكا .

يقال : فلان هامة اليوم أو غد ، أي قريب هلاكه ، فإذا هو"هامة" ، وذلك زعم أبطله الله بالإسلام كان في الجاهلية : أن عظم الميت أو روحه تصير هامة (وهو طير كالبومة) فتطير .

ورواية غيره : "من بعد برد" .

(26) ديوانه: 352 (من ملحق ديوان الأعشى - والمسيب خال الأعشى، والأعشى راويته)، ورواية الديوان"ويقول صاحبه"، وهي الصواب.

والبيت من أبيات آية في الجودة، يصف الغواص الفقير، قد ظفر بدرة لا شبيه لها، فضن بها على البيع، وقد أعطى فيها ما يغنى من الثمن، فأبى، وصاحبه يحضضه على بيعها، وبعده: وتــرى الصـراري يسـجدون لهـا ويضمهــــا بيديـــه للنحـــر والصراري : الملاحون ، من أصحاب الغواصين .

(27) قوله"- نظيره الآية .

.

" خبر قوله في صدر هذه الفقرة : "وهذه الآية-" .

(28) الأثر : 1540 - سيرة ابن هشام 2 : 190 (29) الأثر : 1545 - انظر التعليق على رقم : 1523 ، 1524 .

(30) انظر تفسير .

"باء" فيما سلف من هذا الجزء 2 : 138 .

(31) الأثر : 1546- سيرة ابن هشام 2 : 190 .

(32) الأثر : 1547 - في الدر المنثور : "كفرهم" في الموضعين ، وهما سواء .

(33) انظر ما سلف 1 : 188 - 189 ، وما مضى في هذا الجزء 2 : 138 هذا وقد كان في المطبوعة بعد قوله : "عن إعادته" ما نصه : "والله تعالى أعلم" ، وليس لها مكان هنا ، وهي بلا شك زيادة بعض النساخ ، فلذلك تركتها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين قوله تعالى : بئسما اشتروا بئس في كلام العرب مستوفية للذم ، كما أن " نعم " مستوفية للمدح .

وفي كل واحدة منها أربع لغات : بئس ، بئس ، بئس ، بئس .

نعم ، نعم ، نعم ، نعم .

ومذهب سيبويه أن " ما " فاعلة بئس ، ولا تدخل إلا على أسماء الأجناس والنكرات .

وكذا نعم ، فتقول نعم الرجل زيد ، ونعم رجلا زيد ، فإذا كان معها اسم بغير ألف ولام فهو نصب أبدا ، فإذا كان فيه ألف ولام فهو رفع أبدا ، ونصب رجل على التمييز .

وفي نعم مضمر على شريطة التفسير ، وزيد مرفوع على وجهين : على خبر ابتداء محذوف ، كأنه قيل من الممدوح ؟

قلت هو زيد ، والآخر على الابتداء وما قبله خبره .

وأجاز أبو علي أن تليها " ما " موصولة وغير موصولة من حيث كانت مبهمة تقع على الكثرة ولا تخص واحدا بعينه ، والتقدير عند سيبويه : بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا .

ف أن يكفروا في موضع رفع بالابتداء ، وخبره فيما قبله ، كقولك : بئس الرجل زيد ، و " ما " على هذا القول موصولة .

وقال الأخفش : " ما " في موضع نصب على التمييز ، كقولك : بئس رجلا زيد ، فالتقدير بئس شيئا أن يكفروا .

ف اشتروا به أنفسهم على هذا القول صفة " ما " .

وقال الفراء : بئسما بجملته شيء واحد ركب كحبذا .

وفي هذا القول اعتراض ; لأنه يبقى فعل بلا فاعل .

وقال الكسائي : " ما " واشتروا بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه ، والتقدير بئس اشتراؤهم أن يكفروا .

وهذا مردود ، فإن نعم وبئس لا يدخلان على اسم معين معرف ، والشراء قد تعرف بإضافته إلى الضمير .

قال النحاس : وأبين هذه الأقوال قول الأخفش وسيبويه .

قال الفراء والكسائي : أن يكفروا إن شئت كانت أن في موضع خفض ردا على الهاء في به .

قال الفراء : أي اشتروا أنفسهم بأن يكفروا بما أنزل الله .

فاشترى بمعنى باع وبمعنى ابتاع ، والمعنى : بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم حيث استبدلوا الباطل بالحق ، والكفر بالإيمان .قوله تعالى : بغيا معناه حسدا ، قاله قتادة والسدي ، وهو مفعول من أجله ، وهو على الحقيقة مصدر .

الأصمعي : وهو مأخوذ من قولهم : قد بغى الجرح إذا فسد .

وقيل : أصله الطلب ، ولذلك سميت الزانية بغيا .أن ينزل الله في موضع نصب ، أي لأن ينزل ، أي لأجل إنزال الله الفضل على نبيه صلى الله عليه وسلم .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن " أن ينزل " [ ص: 29 ] مخففا ، وكذلك سائر ما في القرآن ، إلا وما ننزله في " الحجر " ، وفي " الأنعام " على أن ينزل آية .قوله تعالى : فباءوا أي رجعوا ، وأكثر ما يقال في الشر ، وقد تقدم .

بغضب على غضب تقدم معنى غضب الله عليهم ، وهو عقابه ، فقيل : الغضب الأول لعبادتهم العجل ، والثاني لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس .

وقال عكرمة : لأنهم كفروا بعيسى ثم كفروا بمحمد ، يعني اليهود .

وروى سعيد عن قتادة : الأول لكفرهم بالإنجيل ، والثاني لكفرهم بالقرآن .

وقال قوم : المراد التأبيد وشدة الحال عليهم ، لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين .

ومهين مأخوذ من الهوان ، وهو ما اقتضى الخلود في النار دائما بخلاف خلود العصاة من المسلمين ، فإن ذلك تمحيص لهم وتطهير ، كرجم الزاني وقطع يد السارق ، على ما يأتي بيانه في سورة " النساء " من حديث أبي سعيد الخدري إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولما جاءهم كتاب من عند الله على يد أفضل الخلق وخاتم الأنبياء, المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة, وقد علموا به, وتيقنوه حتى إنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب, استنصروا بهذا النبي, وتوعدوهم بخروجه, وأنهم يقاتلون المشركين معه، فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا, كفروا به, بغيا وحسدا, أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فلعنهم الله, وغضب عليهم غضبا بعد غضب, لكثرة كفرهم وتوالى شكهم وشركهم.

ولهم في الآخرة { عذاب مهين } أي: مؤلم موجع, وهو صلي الجحيم, وفوت النعيم المقيم، فبئس الحال حالهم, وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله, الكفر به, وبكتبه, وبرسله, مع علمهم وتيقنهم, فيكون أعظم لعذابهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{بئسما اشتروا به أنفسهم} بئس ونعم: فعلان ماضيان وضعا للمدح والذم، لا يتصرفان تصرف الأفعال، معناه: بئس الذي اختاروا لأنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحق.

وقيل: الاشتراء هاهنا بمعنى البيع والمعنى بئس ما باعوا به حظ أنفسهم أي حين اختاروا الكفر (وبذلوا أنفسهم للنار).

{أن يكفروا بما أنزل الله} يعني القرآن.

{بغياً} أي حسداً، وأصل البغي: الفساد، ويقال بغى الجرح إذا فسد، والبغي: الظلم، وأصله الطلب، والباغي طالب الظلم والحاسد يظلم المحسود جهده، طلباً لإزالة نعمة الله تعالى عنه.

{أن ينزل الله من فضله} أي النبوة والكتاب.

قرأ أهل مكة والبصرة ينزل بالتخفيف إلا ( في سبحان الذي ) في موضعين {وننزل من القرآن} [93-الإسراء] و{حتى تنزل} [93-الإسراء] فإن ابن كثير يشددهما، وشدد البصريون في الأنعام {على أن ينزل آية} [37-الأنعام] زاد يعقوب تشديد (بما ينزل) في النحل ووافق حمزة والكسائي في تخفيف (وينزل الغيث) في سورة لقمان وحم وعسق، والآخرون يشددون الكل، ولم يختلفوا في تشديد {وما ننزله إلا بقدر} في الحجر.

{على من يشاء من عباده} محمد صلى الله عليه وسلم.

{وباءوا بغضب} أي رجعوا بغضب.

{على غضب} قال ابن عباس ومجاهد: "الغضب الأول بتضييعهم التوراة وتبديلهم، والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن"، وقال قتادة: "الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن"، وقال السدي: "الأول بعبادة العجل والثاني بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم".

{وللكافرين} الجاحدين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم.

{عذاب مهين} مخز يهانون فيه.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«بئسما اشتروا» باعوا «به أنفسهم» أي حظها من الثواب، وما: نكرة بمعنى شيئاً تمييز لفاعل بئس والمخصوص بالذم «أن يكفروا» أي كفرهم «بما أنزل الله» من القرآن «بغياً» مفعول له ليكفروا: أي حسداً على «أن ينزل الله» بالتخفيف والتشديد «من فضله» الوحي «على من يشاء» للرسالة «من عباده فباءوا» رجعوا «بغضب» من الله بكفرهم بما أنزل والتنكيرُ للتعظيم «على غضب» استحقوه من قبل بتضييع التوراة والكفر بعيسى «وللكافرين عذاب مُهين» ذو إهانة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قَبُحَ ما اختاره بنو إسرائيل لأنفسهم؛ إذ استبدلوا الكفر بالإيمان ظلمًا وحسدًا لإنزال الله من فضله القرآن على نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فرجعوا بغضب من الله عليهم بسبب جحودهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بعد غضبه عليهم بسبب تحريفهم التوراة.

وللجاحدين نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم عذابٌ يذلُّهم ويخزيهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - أنهم بكفرهم قد باعوا أنفسهم بثمن بخس .

فقال تعالى : " بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله " أي : بئس الشيء الذي باع به اليهود أنفسهم كفرهم بما أنزل الله بغياً وحسداً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده .وجمهور المفسرين على أن ( اشتروا ) هنا بمعنى باعوا ، لأن أولئك اليهود ، لما كانوا متمكنين من الإِيمان الذي يفضي بهم إلى السعادة الأبدية بعد أن جاءهم ما عرفوا من الحق فتركوه ، واستمروا على كفرهم بغياً وحسداً وحباً في الرياسة وتعصباً لجنسيتهم لما كانوا كذلك ، صار اختيارهم للكفر على الإِيمان ، بمنزلة اختيار صاحب السلعة ثمنها على سلعته ، فكاأنهم بذلوا أنفسهم التي كان باستطاعتهم الانتفاع بإيمانها ، وقبضوا الكفر عوضاً عنها فأنفسهم بمنزلة السلعة المبيعة وكفرهم بمنزلة ثمنها المقبوض ، فبئس هذا الثمن الذي أوردهم العذاب الأليم .وعبر - سبحانه - عن كفرهم بصيغة المضارع ( أَن يَكْفُرُواْ ) وعن بيعهم لأنفسهم بالماضي ( اشتروا ) للدلالة على أنهم صرحوا بكفرهم بالقرآن الكريم من قبل نزول الآية ، وإن بيعهم أنفسهم بالكفر طبيعة فيهم مستقرة منذ وقت بعيد ، وأنهم مازالوا مستمرين على تلك الطبيعة المنحرفة .وقوله تعالى : ( بَغْياً أَن يُنَزِّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ) تعليل لكفرهم وبيان للباعث عليه ، أي كفروا بما أنزل الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بدافع من البغي والحقد ، وكراهة أن ينزل الله الوحي من فضله على من يشاء من عباده ، فالبغي هنا مصدر بغي يبغى إذا ظلم .

والمراد به ظلم خاص هو الحسد ، وإنما عد الحسد ظلما ، لأن الظلم معناه المعاملة التي تبعد عن الحق وتجافيه ، والحسد معناه تمنى زوال النعمة عن الغير والظالم والحاسد قد جانب كل منهما الحق فيما صنع ، والحاسد لن يناله نفع من زوال نعمة المحسود ، كما أنه لن يناله ضر من بقائها ، وما دام كذلك فالحاسد ظالم للمحسود بتمنى زوال النعمة وصدق الشاعر في قوله .وأظلم خلق الله من بات حاسداً - لمن بات في نعمائه يتقلب - .فاليهود قد كفروا بما أنزل الله ، من أجل حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم على النبوة ولأنه لم يكن منهم وكان من العرب ، وكراهية لأن ينزل الله الوحي على من يصطفيه للرسالة من غيرهم ، فعدم إيمانهم بما عرفوه وارتقبوه سببه أنانيتهم البغيضة ، وأثرتهم الذميمة التي حملتهم على أن يحسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله ، وأن يتوهموا أن النبوة مقصورة عليهم ، فليس لله - تعالى - في زعمهم ، - أن ينزعها من ذرية إسحاق ليجعلها في ذرية إسماعيل عليهما السلام - .ولم يصرح - سبحانه - بأن المحسود هو النبي صلى الله عليه وسلم لعلم ذلك من سياق الآيات الكريمة وللتنبيه على أن الحسد في ذاته مذموم كيفما كان حال المحسود .ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما آل إليه أمرهم من خسران مبين فقال تعالى :( فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) : باء بإثمه يبوء أي : رجع أي : فرجعوا من أجل كفرهم وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم بغضب مضموم إلى غضب آخر كانوا قد استحقوه بسبب كفرهم بعيسى - عليه السلام - وبسبب تحريفهم للكلم عن مواضعه ، وتضييعهم لأحكام التوراة .

فهم بسبب كفرهم المستمر الذي تعددت أسبابه ، يصيبهم غضب كثير متعاقب من الله - تعالى - .ويصح أن يكون معنى قوله : ( فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ ) أنهم رجعوا بغضب شديد مؤكد ، لصدوره من الله - تعالى - .ولامراد بالكافرين ، اليهود الذين تحدث عنهم فيما سبق ، فهم الذين عرفوا صدق محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته بما نطقت به التوراة ، ومع ذلك كفروا به فاستحبوا العمى على الهدى .وعبر عنهم بهذا العنوان للتنبيه على أن ما أصابهم من عذاب مذل لهم كان بسبب كفرهم ، ويصح أن يراد بالكافرين : كل كافروهم يدخلون فيه دخولا أوليا؛ وإنما كان لهم العذاب المهين لأن كفرهم لما كان سببه البغي والحسد والتكبر والأنانية ، قوبلوا بالإِهانة والصغار .وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد كشفتا عن لون من صفات اليهود الذميمة وهو إعراضهم عن الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يستنصرون به على أعدائهم قبل بعثته ، وبيعهم الإِيمان الذي كان في مكنتهم الظفر به بالكفر بما أنزل الله من دين قويم ، وكتاب كريم إرضاء لغريزة الحقد الذي استحوذ على قلوبهم ، وتمشياً مع أثرتهم التي أبت عليهم أن يؤمنوا بنبي ليس من نسل إسرائيل ولو جاءهم بالحق المبين ، فحق عليهم قول الله - تعالى - : ( فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ ) ثم حكى القرآن بعد ذلك بعض المعاذير الكاذبة التي كان اليهود يعتذرون بها عندما يدعون إلى الدخول في الإسلام ، فقد كانوا يقولون إننا مكلفون ألا نؤمن إلا بكتابنا التوراة ، فنحن نكتفي بالإِيمان به دون غيره ، استمع إلى القرآن - وهو يعرض دعاواهم الكاذبة ثم يقذفها بالحق فيدمغها - حيث يقول :( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن البحث عن حقيقة بئسما لا يحصل إلا في مسائل: المسألة الأولى: أصل نعم وبئس نعم وبئس بفتح الأول وكسر الثاني كقولنا: علم إلا أن ما كان ثانيه حرف حلق وهو مكسور يجوز فيه أربع لغات، الأول: على الأصل أعني بفتح الأول وكسر الثاني.

والثاني: اتباع الأول للثاني وهو أن يكون بكسر النون والعين، وكذا يقال: فخذ بكسر الفاء والخاء، وهم وإن كانوا يفرون من الجمع بين الكسرتين إلا أنهم جوزوه هاهنا لكون الحرف الحلقي مستتبعاً لما يجاوره.

الثالث: إسكان الحرف الحلقي المكسور وترك ما قبله على ما كان فيقال: نعم وبئس بفتح الأول وإسكان الثاني كما يقال: فخذ بفتح الفاء وإسكان الخاء.

الرابع: أن يسكن الحرف الحلقي وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال: نعم بكسر النون وإسكان العين كما يقال: فخذ بكسر الفاء وإسكان الخاء.

واعلم أن هذا التغيير الأخير وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين إلا أنهم جعلوه لازماً لهما لخروجهما عما وضعت له الأفعال الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان الماضي وصيرورتهما كلمتي مدح وذم ويراد بهما المبالغة في المدح والذم، ليدل هذا التغيير اللازم في اللفظ على التغيير عن الأصل في المعنى فيقولون: نعم الرجل زيد ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشعر كما أنشد المبرد: ففداء لبني قيس على *** ما أصاب الناس من شر وضر ما أقلت قدماي إنهم *** نعم الساعون في الأمر المبر المسألة الثانية: أنهما فعلان من نعم ينعم وبئس ويبأس والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما، فيقال: نعمت وبئست، والفراء يجعلهما بمنزلة الأسماء ويحتج بقول حسان ابن ثابت رضي الله عنه.

ألسنا بنعم الجار يؤلف بيته *** من الناس ذا مال كثير ومعدما وبما روي أن أعرابياً بشر بمولودة فقيل له: نعم المولود مولودتك، فقال: والله ما هي بنعم المولودة والبصريون يجيبون عنه بأن ذلك بطريق الحكاية.

المسألة الثالثة: اعلم أن نعم وبئس أصلان للصلاح والرداءة ويكون فاعلهما اسماً يستغرق الجنس إما مظهراً وإما مضمراً، والمظهر على وجهين: الأول: نحو قولك، نعم الرجل زيد لا تريد رجلاً دون الرجل وإنما تقصد الرجل على الإطلاق.

والثاني: نحو قولك نعم غلام الرجل زيد، أما قوله: فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم *** وصاحب الركب عثمان بن عفانا فنادر وقيل: كان ذلك لأجل أن قوله: وصاحب الركب قد يدل على المقصود إذ المراد واحد فإذا أتى في الركب بالألف واللام فكأنه قد أتى به في القوم، وأما المضمر فكقولك: نعم رجلاً زيد، الأصل: نعم الرجل رجلاً زيد ثم ترك ذكر الأول لأن النكرة المنصوبة تدل عليه ورجلاً نصب على التمييز، مثله في قولك: عشرون رجلاً والمميز لا يكون إلا نكرة، ألا ترى أن أحداً لا يقول عشرون الدرهم ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا: نعم الرجل بالنصب لكان نقضاً للغرض، إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا وقالوا نعم الرجل وكفوا أنفسهم مؤنة الإضمار وإنما أضمروا الفاعل قصداً للاختصار، إذ كان نعم رجلاً يدل على الجنس الذي فضل عليه.

المسألة الرابعة: إذا قلت نعم الرجل زيد فهو على وجهين: أحدهما: أن يكون مبتدأ مؤخراً كأنه قيل: زيد نعم الرجل، أخرت زيداً والنية به التقديم، كما تقول: مررت به المسكين تريد المسكين مررت به، فأما الراجع إلى المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعاً ينتظم فيه الجنس كان زيد داخلاً تحته فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه، والوجه الآخر: أن يكون زيد في قولك: نعم الرجل زيد خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قيل: نعم الرجل، قيل: من هذا الذي أثنى عليه؟

فقيل: زيد أي هو زيد.

المسألة الخامسة: المخصوص بالمدح والذم لا يكون إلا من جنس المذكور بعد نعم وبئس كزيد من الرجال وإذا كان كذلك كان المضاف إلى القوم في قوله تعالى: ﴿ سَاء مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا  ﴾ محذوفاً وتقديره ساء مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، وإذ قد لخصنا هذه المسائل فلنرجع إلى التفسير.

أما قوله تعالى: ﴿ بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: ما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس الشيء شيئاً اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم أن يكفروا.

المسألة الثانية: في الشراء هاهنا قولان، أحدهما: أنه بمعنى البيع، وبيانه أنه تعالى لما مكن المكلف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة والكفر الذي يؤدي به إلى النار صار اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار تملك سلعة على سلعة فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونجاته.

قيل: نعم ما اشترى، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال ملك بملك صلح أن يوصف كل واحد منهما بأنه بائع ومشتر لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما فصح تأويل قوله تعالى: ﴿ بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ ﴾ بأن المراد باعوا أنفسهم بكفرهم لأن الذي حصلوه على منافع أنفسهم لما كان هو الكفر صاروا بائعين أنفسهم بذلك، الوجه الثاني: وهو الأصح عندي أن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنها تخلصهم من العقاب، وتوصلهم إلى الثواب فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بها، فذمهم الله تعالى، وقال: ﴿ بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ ﴾ وهذا الوجه أقرب إلى المعنى واللفظ من الأول، ثم إنه تعالى بين تفسير ما اشتروا به أنفسهم بقوله تعالى: ﴿ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله ﴾ ولا شبهة أن المراد بذلك كفرهم بالقرآن لأن الخطاب في اليهود وكانوا مؤمنين بغيره، ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر بما أنزل الله فقال: ﴿ بَغِيّاً ﴾ وأشار بذلك إلى غرضهم بالكفر كما يقال يعادي فلان فلاناً حسداً تنبيهاً بذلك على غرضه ولولا هذا القول لجوزنا أن يكفروا جهلاً لا بغياً.

واعلم أن هذه الآية تدل على أن الحسد حرام.

ولما كان البغي قد يكون لوجوه شتى بين تعالى غرضهم من هذا البغي بقوله: ﴿ أَن يُنَزّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ والقصة لا تليق إلا بما حكيناه من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في قومهم فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد.

أما قوله تعالى: ﴿ فَبَاءو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير الغضبين وجوه، أحدها: أنه لابد من إثبات سببين للغضبين.

أحدهما: ما تقدم وهو تكذيبهم عيسى عليه السلام وما أنزل عليه والآخر تكذيبهم محمد عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه فصار ذلك دخولاً في غضب بعد غضب وسخط بعد سخط من قبله تعالى لأجل أنهم دخلوا في سبب بعد سبب، وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة.

الثاني: ليس المراد إثبات غضبين فقط بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم: ﴿ عَزِيزٌ ابن الله  ﴾ .

﴿ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ  ﴾ .

﴿ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء  ﴾ وغير ذلك من أنواع كفرهم، وهو قول عطاء وعبيد بن عمير.

الثالث: أن المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه عظم، وهو قول أبي مسلم.

الرابع: الأول بعبادتهم العجل والثاني بكتمانهم صفة محمد وجحدهم نبوته عن السدي.

المسألة الثانية: الغضب عبارة عن التغير الذي يعرض للإنسان في مزاجه عند غليان دم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه وذلك محال في حق الله تعالى، فهو محمول على إرادته لمن عصاه الإضرار من جهة اللعن والأمر بذلك.

المسألة الثالثة: أنه يصح وصفه تعالى بالغضب وأن غضبه يتزايد ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته من العذاب فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة كغضبه على من كفر بخصال كثيرة.

أما قوله تعالى: ﴿ وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ له مزية على قوله ولهم عذاب مهين لأن العبارة الأولى يدخل فيها أولئك الكفار وغيرهم والعبارة الثانية لا يدخل فيها إلا هم.

المسألة الثانية: العذاب في الحقيقة لا يكون مهيناً لأن معنى ذلك أنه أهان غيره وذلك مما لا يتأتى إلا فيما يعقل، فالله تعالى هو المهين للمعذبين بالعذاب الكثير إلا أن الإهانة لما حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه، فإن قيل: العذاب لا يكون إلا مع الإهانة فما الفائدة في هذا الوصف؟

قلنا: كون العذاب مقروناً بالإهانة أمر لابد فيه من الدليل، فالله تعالى ذكر ذلك ليكون دليلاً عليه.

المسألة الثالثة: قال قوم: قوله تعالى: ﴿ وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ يدل على أنه لا عذاب إلا للكافرين، ثم بعد تقرير هذه المقدمة احتج بهذه الآية فريقان، أحدهما: الخوارج قالوا: ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر فيلزم أن يقال الفاسق كافر.

وثانيها: المرجئة قالوا: ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر وثبت أن الفاسق ليس بكافر، فوجب القطع بأنه لا يعذب وفساد هذين القولين لا يخفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

(ما) نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس شيئاً ﴿ اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ ﴾ والمخصوص بالذم ﴿ أَن يَكْفُرُواْ ﴾ واشتروا بمعنى باعوا ﴿ بَغْياً ﴾ حسداً وطلباً لما ليس لهم، وهو علة اشتروا ﴿ أَن يُنزِّلَ ﴾ لأن ينزل أو على أن ينزل، أي حسدوه على أن ينزّل الله ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ الذي هو الوحي ﴿ على مَن يَشَاء ﴾ وتقتضي حكمته وإرساله ﴿ فَبَاءو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ ﴾ فصاروا أحقاء بغضب مترادف، لأنهم كفروا بنبيّ الحق وبغوا عليه.

وقيل: كفروا بمحمد بعد عيسى.

وقيل: بعد قولهم عزيرُ ابن الله، وقولهم: (يد الله مغلولة)، وغير ذلك من أنواع كفرهم ﴿ بِمَا أنزَلَ الله ﴾ مطلق فيما أنزل الله من كل كتاب ﴿ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا ﴾ مقيد بالتوراة ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ ﴾ أي قالوا: ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة ﴿ وَهُوَ الحق مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ ﴾ منها غير مخالف له، وفيه ردّ لمقالتهم لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ثم اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادّعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوّغ قتل الأنبياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ﴾ ما نَكِرَةٌ بِمَعْنى شَيْءٍ مُمَيِّزَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ المُسْتَكِنُ، واشْتَرَوْا صِفَتُهُ ومَعْناهُ باعُوا، أوِ اشْتَرَوْا بِحَسَبِ ظَنِّهِمْ، فَإنَّهم ظَنُّوا أنَّهم خَلَّصُوا أنْفُسَهم مِنَ العُقابِ بِما فَعَلُوا.

﴿ أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ ﴿ بَغْيًا ﴾ طَلَبًا لِما لَيْسَ لَهم وحَسَدًا، وهو عِلَّةُ ﴿ أنْ يَكْفُرُوا ﴾ دُونَ ﴿ اشْتَرَوْا ﴾ لِلْفَصْلِ.

﴿ أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ ﴾ لِأنْ يُنَزِّلَ، أيْ حَسَدُوهُ عَلى أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ يَعْنِي الوَحْيَ.

﴿ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ عَلى مَنِ اخْتارَهُ لِلرِّسالَةِ ﴿ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ﴾ لِلْكُفْرِ والحَسَدِ عَلى مَن هو أفْضَلُ الخَلْقِ.

وقِيلَ: لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ  بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴿ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ يُرادُ بِهِ إذْلالُهُمْ، بِخِلافِ عَذابِ العاصِي فَإنَّهُ طُهْرَةٌ لِذُنُوبِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وما في {بِئْسَمَا} نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس أى بئس شيئا بئسما وبابه غير مهموز أبو عمرو {اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ} أي باعوه والمخصوص بالذم {أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله} يعني القرآن {بَغِيّاً} مفعول له أي حسداً وطلباً لما ليس لهم وهو علة اشتروا {أَن يُنَزِّلَ الله} لأن ينزل أو على أن ينزل أى حسده على أن ينزل الله ينزل بالتخفيف مكى وبصرى {مِن فَضْلِهِ} الذي هو الوحي {على مَن يشاء من عباده} وهومحمد عليه السلام {فباؤوا بِغَضَبٍ على غَضَبٍ} فصاروا أحقاء بغضب مترادف لأنهم كفورا بنبي الحق وبغوا عليه أو كفروا بمحمد بعد عيسى عليهما السلام أو بعد قولهم عزير ابن الله وقولهم يد الله مغلولة وغير ذلك {وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ} مذل

بئسما وبابه غير مهموز أبو عمرو وينزل بالتخفيف مكي وبصري

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ أيْ باعُوا، فالأنْفُسُ بِمَنزِلَةِ المُثَمَّنِ، والكُفْرُ بِمَنزِلَةِ الثَّمَنِ، لِأنَّ أنْفُسَهُمُ الخَبِيثَةَ لا تُشْتَرى بَلْ تُباعُ، وهو عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ إنَّهُمُ اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، وبَذَلُوا أنْفُسَهم فِيهِ، وقِيلَ: هو بِمَعْناهُ المَشْهُورِ، لِأنَّ المُكَلَّفَ إذا خافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ العِقابِ أتى بِأعْمالٍ يَظُنُّ أنَّها تُخَلِّصُهُ، فَكَأنَّهُ اشْتَرى نَفْسَهُ بِها، فَهَؤُلاءِ اليَهُودُ لَمّا اعْتَقَدُوا فِيما أتَوْا بِهِ أنَّهُ يُخَلِّصُهم مِنَ العِقابِ ظَنُّوا أنَّهُمُ اشْتَرَوْا أنْفُسَهُمْ، وخَلَّصُوها، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُدَّعى أنَّهم ظَنُّوا ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ فَإذا عَلِمُوا مُخالَفَةَ الحَقِّ، كَيْفَ يَظُنُّونَ نَجاتَهم بِما فَعَلُوا، وإرادَةُ العِقابِ الدُّنْيَوِيِّ كَتَرْكِ الرِّياسَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّهُ لا يُشْتَرى بِهِ الأنْفُسُ، ويُمْكِنُ الجَوابُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم ظَنُّوا عَلى ما هو ظاهِرُ حالِهِمْ مِنَ التَّصَلُّبِ في اليَهُودِيَّةِ، والخَوْفِ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، وادِّعاءِ الحَقِّيَّةِ فِيهِ، فَلا يُنافِي عَدَمَ ظَنِّهِمْ في الواقِعِ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، والمُرادُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ الكِتابَ المُصَدِّقَ، وفي تَبْدِيلِ المَجِيءِ بِالإنْزالِ المُشْعِرِ بِأنَّهُ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ مَعَ الإسْنادِ إلَيْهِ تَعالى إيذانٌ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ، وعِظَمِهِ المُوجِبِ لِلْإيمانِ بِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وأنْ يُرادَ الجَمِيعُ، والكُفْرُ بِبَعْضِها كُفْرٌ بِكُلِّها، واخْتُلِفَ في (ما) الواقِعَةُ بَعْدَ (بِئْسَ)، ألَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ أمْ لا؟

فَذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّها لا مَحَلَّ لَها، وأنَّها مَعَ بِئْسَ شَيْءٌ واحِدٌ كَحَبَّذا، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ لَها مَحَلًّا، واخْتُلِفَ أهُوَ نَصْبٌ أمْ رَفْعٌ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى الأوَّلِ عَلى أنَّها تَمْيِيزٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الصِّفَةِ، وفاعِلُ بِئْسَ مُضْمَرٌ مُفَسَّرٌ بِها، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ هو شَيْئًا اشْتَرَوْا بِهِ، وأنْ يَكْفُرُوا هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ، فَإنَّهُ المُوجِبُ لِلْعَذابِ المُهِينِ، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المَخْصُوصَ مَحْذُوفًا، واشْتَرَوْا صِفَةٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْءٌ اشْتَرَوْا بِهِ، وأنْ يَكْفُرُوا بَدَلٌ مِنَ المَحْذُوفِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وذَهَبَ الكِسائِيُّ إلى النَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ أيْضًا، إلّا أنَّهُ قَدَّرَ بَعْدَها ما أُخْرى مَوْصُولَةً، هي المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، واشْتَرَوْا صِلَتُها، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا الَّذِي اشْتَرَوْا، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى الثّانِي عَلى أنَّها فاعِلُ بِئْسَ، وهي مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ، أيْ شَيْءٌ اشْتَرَوْا، وعَزى هَذا إلى الكِسائِيِّ أيْضًا، وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الفارِسِيِّ، وعَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى سِيبَوَيْهِ، وهو وهْمٌ، ونَقَلَ المَهْدَوِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَحَصِّلُ فاعِلُ بِئْسَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ بِئْسَ لا تَدْخُلُ عَلى اسْمٍ مُعَيَّنٍ يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ، ولَكَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ لا تَجْعَلَ ذَلِكَ فاعِلًا، بَلْ تَجْعَلُهُ المَخْصُوصَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ، والتَّمْيِيزُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ اشْتِراءً اشْتِراؤُهُمْ، فَلا يَلْزَمُ الِاعْتِراضُ، نَعَمْ يَرِدُ عَوْدُ ضَمِيرِ (بِهِ) عَلى (ما)، والمَصْدَرِيَّةُ لا يَعُودُ عَلَيْها الضَّمِيرُ، لِأنَّها حَرْفٌ عِنْدَ غَيْرِ الأخْفَشِ، فافْهَمْ، ﴿ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ ﴾ البَغْيُ في الأصْلِ الظُّلْمُ والفَسادُ مِن قَوْلِهِمْ: بَغى الجُرْحُ فَسَدَ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ، وقِيلَ: أصْلُهُ الطَّلَبُ، وتَخْتَلِفُ أنْواعُهُ، فَفي طَلَبِ زَوالِ النِّعْمَةِ حَسَدٌ، والتَّجاوُزُ عَلى الغَيْرِ ظُلْمٌ، والزِّنا فُجُورٌ، والمُرادُ بِهِ هُنا بِمَعُونَةِ المَقامِ طَلَبُ ما لَيْسَ لَهُمْ، فَيَؤُولُ إلى الحَسَدِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ والسُّدِّيُّ، وقِيلَ: الظُّلْمُ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، (لِيَكْفُرُونَ) فَيُفِيدُ أنَّ كُفْرَهم كانَ لِمُجَرَّدِ العِنادِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ الحَسَدِ لا لِلْجَهْلِ، وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، لِأنَّ الجاهِلَ قَدْ يُعْذَرُ، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّهُ عِلَّةُ (اشْتَرَوْا) ورُدَّ بِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الفَصْلَ بِالأجْنَبِيِّ، وهو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ أجْنَبِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِ الذَّمِّ وفاعِلِهِ، لَكِنْ لا خَفاءَ في أنَّهُ أجْنَبِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ تَمْيِيزُ الفاعِلِ، والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى عَلى ذَمِّ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهم حَسَدًا، وهو الكُفْرُ لا عَلى ذَمِّ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهُمْ، وهو الكُفْرُ حَسَدًا تَحَكُّمٌ، نَعَمْ قَدْ يُقالُ: إنَّما يَلْزَمُ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ، إذا كانَ المَخْصُوصُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ بِئْسَما، أمّا لَوْ كانَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وهو المُخْتارُ، فَلا، لِأنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ جَوابٌ لِلسُّؤالِ عَنْ فاعِلِ بِئْسَ، فَيَكُونُ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْلُولِ وعِلَّتِهِ بِما هو بَيانٌ لِلْمَعْلُولِ، ولا امْتِناعَ فِيهِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم عِلَّةً (لِاشْتَرَوْا) مَحْذُوفًا فِرارًا مِنَ الفَصْلِ، ومِنهم مَن أعْرَبَهُ حالًا ومَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمُقَدَّرٍ، أيْ بَغَوْا بَغْيًا، (وأنْ يُنَزِّلَ)، إمّا مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ لِلْبَغْيِ أيْ حَسَدًا لِأجْلِ تَنْزِيلِ اللَّهِ، وإمّا عَلى إسْقاطِ الخافِضِ المُتَعَلِّقِ بِالبَغْيِ، أيْ حَسَدًا عَلى أنْ يُنَزِّلَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ما في قَوْلِهِ: ﴿ بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ بَعِيدٌ جِدًّا، ورُبَّما يَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، والبَغْيُ بِمَعْنى طَلَبِ الشَّخْصِ ما لَيْسَ لَهُ، يَتَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ تارَةً، وبِاللّامِ أُخْرى، والمَفْعُولُ الأوَّلُ ها هُنا أعْنِي مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَحْذُوفٌ لِتَعَيُّنِهِ، ولِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الحَسَدَ مَذْمُومٌ في نَفْسِهِ كائِنًا ما كانَ المَحْسُودُ، كَما لا يَخْفى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ (يُنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ أرادَ بِهِ الوَحْيَ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ شَيْئًا كائِنًا مِن فَضْلِهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، ﴿ عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ أيْ عَلى مَن يَخْتارُهُ لِرِسالَةٍ، وفي البَحْرِ: أنَّ المُرادَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ العَرَبِ، ومِن ولَدِ إسْماعِيلَ، ولَمْ يَكُنْ مِن ولَدِهِ نَبِيٌّ سِواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإضافَةُ العِبادِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِلتَّشْرِيفِ، (ومَن) إمّا مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ.

﴿ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، أيْ فَرَجَعُوا مُتَلَبِّسِينَ بِغَضَبٍ كائِنٍ عَلى غَضَبٍ مُسْتَحِقِّينَ لَهُ، حَسْبَما اقْتَرَفُوا مِنَ الكُفْرِ والحَسَدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الغَضَبَ الأوَّلَ لِعِبادَةِ العِجْلِ، والثّانِيَ لِكُفْرِهِمْ بِهِ  ، وقالَ قَتادَةُ: الأوَّلُ: كُفْرُهم بِالإنْجِيلِ، والثّانِي كُفْرُهم بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: هُما الكُفْرُ بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ قَوْلُهم: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ و ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ، وكُفْرُهُمُ الأخِيرُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يَخْفى أنَّ فاءَ العَطْفِ يَقْتَضِي صَيْرُورَتَهم أحِقّاءَ بِتَرادُفِ الغَضَبِ، لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهم: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ مَثَلًا غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيما سَبَقَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ﴾ التَّرادُفُ والتَّكاثُرُ لا غَضَبانِ فَقَطْ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَشْدِيدِ الحالِ عَلَيْهِمْ جِدًّا كَما في قَوْلِهِ: ولَوْ كانَ رُمْحًا واحِدًا لاتَّقَيْتُهُ ولَكِنَّهُ رُمْحٌ وثانٍ وثالِثُ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ، والمَعْنى: فَإذا كَفَرُوا وحَسَدُوا عَلى ما ذُكِرَ باؤُوا إلَخْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

﴿ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ اللّامُ في الكافِرِينَ لِلْعَهْدِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ كُفْرِهِمْ لِما حاقَ بِهِمْ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعُمُومِ، فَيَدْخُلُ المَعْهُودُونَ فِيهِ عَلى طِرازِ ما مَرَّ، والمُهِينُ المُذِلُّ، وأصْلُهُ مُهْوِنٌ فَأُعِلَّ، وإسْنادُهُ إلى العَذابِ مَجازٌ، مِنَ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ، والوَصْفُ بِهِ لِلتَّقْيِيدِ والِاخْتِصاصِ الَّذِي يُفْهِمُهُ تَقْدِيمُ الخَبَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَغَيْرُ الكافِرِينَ إذا عُذِّبَ فَإنَّما يُعَذَّبُ لِلتَّطْهِيرِ لا لِلْإهانَةِ والإذْلالِ، ولِذا لَمْ يُوصَفْ عَذابُ غَيْرِهِمْ بِهِ في القُرْآنِ، فَلا تَمَسُّكَ لِلْخَوارِجِ بِأنَّهُ خَصَّ العَذابَ بِالكافِرِينَ، فَيَكُونُ الفاسِقُ كافِرًا، لِأنَّهُ مُعَذَّبٌ، ولا لِلْمُرْجِئَةِ أيْضًا، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ، قرأ ابن عباس غُلْفٌ بضم اللام وهي قراءة شاذة.

والباقون بسكون اللام، أي ذو (غلْف) يعني ذو غلاف، والواحد أغلف مثل: أحمر وحمر.

ومعناه: أنهم يقولون قلوبنا في غطاء من قولك ولا نفقه حديثك.

وهذا كما قال في آية أخرى وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [فصلت: 5] .

وأما من قرأ غُلْفٌ فهو جماعة الغلاف على ميزان حمار وحمر.

يعنون أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك، فلو كنت نبياً لفهمنا قولك.

قال الله تعالى رداً لقولهم: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي خذلهم الله وطردهم مجازاة لكفرهم.

فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ، صار نصباً لأنه قدم المفعول.

وقال بعضهم: معناه لا يؤمنون إلا القليل منهم، مثل عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقال بعضهم: إيمانهم بالله قليلاً، لأنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.

وقال بعضهم: معناه أنهم لا يؤمنون، كما قال: فلان قليل الخير يعني لا خير فيه.

ثم قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي حين جاءهم القرآن مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ، أي موافقاً للتوراة في التوحيد، وفي بعض الشرائع.

ويقال: مصدق لما معهم، يعني يدعوهم إلى تصديق ما معهم، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بالتوراة.

وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، أي من قبل مجيء محمد  كانوا يستنصرون على المشركين، لأن بني قريظة والنضير قد وجدوا نعته في كتبهم فخرجوا من الشام إلى المدينة، ونزلوا بقربها ينتظرون خروجه.

وكانوا إذا قاتلوا من يلونهم من المشركين- مشركي العرب- يستفتحون عليهم، أي يستنصرون ويقولون: اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه الذي وعدتنا- وكانوا يرجون أن يكون منهم- فينصروا على عدوهم، فذلك قوله تعالى: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، أي باسم النبيّ  فَلَمَّا جاءَهُمْ مَّا عَرَفُوا، أي محمد  وعرفوه كَفَرُوا بِهِ وغيّروا نعته مخافة أن تزول عنهم منفعة الدنيا.

كما قال تعالى: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ، أي سخط الله وعذابه على الجاحدين محمدا  بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ.

قال الكلبي: بئسما باعوا به أنفسهم من الهدايا بكتمان صفة محمد  .

ويقال: بئسما صنعوا بأنفسهم حيث كفروا بما أنزل الله عليهم، بعد ما كانوا خرجوا من الشام على أن ينصروا محمدا  .

ويقال: بئس ما صنعوا بأنفسهم حسداً منهم، فذلك قوله تعالى: أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً، أي حسداً منهم.

ومعنى قوله: أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ، أي كفروا مما ينزل الله.

مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ، أي لم يؤمنوا لأجل أن الله تعالى ينزل من فضله النبوة والكتاب على من يشاء مِنْ عِبادِهِ، من كان أهلاً لذلك وهو محمد  .

قرأ ابن كثير وأبو عمرو أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي وعصام وابن عامر بالتشديد أَنْ يُنَزِّلَ ونزل ينزل بمعنى واحد فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أي استوجبوا اللعنة على أثر اللعنة.

قال مقاتل: الغضب الأول حين كفروا بعيسى  ، ثم استوجبوا الغضب الآخر حين كفروا بمحمد  .

ويقال: الغضب الأول حين عبدوا العجل، والغضب الثاني حين استحلوا السمك في يوم السبت.

قوله تعالى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ أي يهانون فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)

وقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ...

الآية الكتاب: القرآن، ومُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ: يعني التوراة، ويَسْتَفْتِحُونَ معناه أن بني إِسرائيل كانوا قبل مَبْعَثِ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد علموا خروجه بما علموا عنْدَهُمْ من صفته، وذكر وقته، وظنُّوا أنه منهم، فكانوا إذا حاربوا الأوْسَ والخَزْرجَ، فغلبتهم العَرَبُ، قالوا لهم: لو قد خرج النبيُّ الذي أظلَّ وقتُهُ، لقاتلْنَاكُم معه، واستنصرنا عليكم به، ويَسْتَفْتِحُونَ: معناه يستنصرون، قال أحمد بن نصر الداوديّ: ومنه: «عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالفَتْحِ» ، أي: بالنصر.

انتهى.

وروى أبو بكر/ محمد بن حُسَيْنٍ الاْجُرِّيُّ «١» عن ابن عبَّاس، قال: كانت يهود خيبر

يُقَاتِلُونَ غَطَفَانَ، فكُلَّمَا التقوا، هزمت اليهودَ، فَعَاذَ اليهودُ يوماً بالدعاء، فقالوا: اللهم، إِنا نسألكَ بحَقِّ محمَّدٍ النبيِّ الأُمِّيِّ الذي وعدتَّنَا أن تخرجَهُ لَنَا في آخر الزمان إِلاَّ نَصَرْتَنا علَيْهم، فكانوا إِذا التقوا، دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم كَفَرُوا به، فأنزل اللَّه عزَّ وجلَّ، وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، والاستفتاحُ: الاستنصار، ووقع ليهود المدينة نحو هذا مع الأنصار قُبَيْل الإِسلام «١» .

انتهى من تأليف حسن بن عليِّ بن عبد المَلْكِ الرّهونيِّ المعروفِ بابْنِ القَطَّان، وهو كتابٌ نفيسٌ جِدًّا ألَّفه في معجزات النبيّ صلّى الله عليه وسلم وآيات نبوءته.

وروي أن قريظة والنضير وجميعَ يَهُودِ الحجازِ في ذلك الوقْتِ كانوا يستفتحون على سائر العرب، وبسبب خروج النبيِّ المنتظر، كانت نقلتهم إلى الحجاز، وسُكْناهم به، فإِنهم كانوا علموا صُقع «٢» المَبْعَث، وما عرفوا هو محمّد صلّى الله عليه وسلم وشرعه ويظهر في هذه الآية العنادُ منهم، وأن كفرهم كان مع معرفة ومعاندة وفَلَعْنَةُ اللَّهِ إبعاده لهم، وخزيهم لذلك.

وبئس: أصله «بَئِسَ» ، سُهِّلت الهمزة، ونقلت حركتها إلى الباء، و «مَا» عند سيبويه «٣» : فَاعِلَةٌ ب «بِئْسَ» والتقدير: بِئْسَ الذي اشتروا به أنفسُهُمْ.

واشْتَرَوْا: بمعنى: باعوا.

وبِما أَنْزَلَ اللَّهُ، يعني به القرآن، ويحتمل التوراة، ويحتمل أن يراد الجميع من توراة، وإِنجيل، وقرآن لأن الكفر بالبعض يستلزمُ الكفر بالكلِّ، ومِنْ فَضْلِهِ، يعني:

من النبوءة والرسالة، ومَنْ يَشاءُ، يعني به محمّدا صلّى الله عليه وسلم لأنهم حَسَدوه لما لم يكن منهم، وكان من العرب، ويدخل في المعنى عيسى صلّى الله عليه وسلم لأنهم كفروا به بَغْياً، واللَّه قد تفضَّل عليه.

وفَباؤُ: معناه: مَضَوْا متحمِّلين لما يذكر أنهم بَاءُوا به.

وقال البخاريّ: قال قتادة: فَباؤُ: معناه: انقلبوا «١» .

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ﴾ بِئْسَ: كَلِمَةٌ مُسْتَوْفِيَةٌ لِجَمِيعِ الذَّمِّ، ونَقِيضِها: "نِعْمَ" واشْتَرَوْا، بِمَعْنى: باعُوا.

والَّذِي باعُوها بِهِ قَلِيلٌ مِنَ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: (بَغْيًا) قالَ قَتادَةُ: حَسَدًا.

ومَعْنى الكَلامِ: كَفَرُوا بَغْيًا، لِأنْ نَزَّلَ اللَّهُ الفَضْلَ عَلى النَّبِيِّ  .

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: (بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ) خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الغَضَبَ الأوَّلَ لِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ.

والثّانِي: لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ، حَكاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الأوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ.

والثّانِي: لِعَداوَتِهِمْ لِجِبْرِيلَ.

رَواهُ شَهْرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الأوَّلَ حِينَ قالُوا: ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ  ﴾ .

والثّانِي: حِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّ اللَّهِ.

رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: أنَّ الأوَّلَ لِتَكْذِيبِهِمْ بِعِيسى والإنْجِيلِ.

والثّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآَنِ.

قالَهُ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والخامِسُ: أنَّ الأوَّلَ لِتَبْدِيلِهِمُ التَّوْراةَ.

والثّانِي: لِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا  قالَهُ مُجاهِدٌ.

والمَهِينُ: المُذِلُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلى الكافِرِينَ ﴾ ﴿ بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أنْزَلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللهُ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ الكِتابُ: القُرْآنُ، و ﴿ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ﴾ يَعْنِي التَوْراةَ، ورُوِيَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ، و"يَسْتَفْتِحُونَ" مَعْناهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ  قَدْ عَلِمُوا خُرُوجَهُ بِما عِنْدَهم مِن صِفَتِهِ وذِكْرِ وقْتِهِ، وظَنُّوا أنَّهُ مِنهُمْ، فَكانُوا إذا حارَبُوا الأوسَ والخَزْرَجَ فَغَلَبَتْهُمُ العَرَبُ قالُوا لَهُمْ: لَوْ خَرَجَ النَبِيُّ الَّذِي قَدْ أظَلَّ وقْتُهُ لَقاتَلْناكم مَعَهُ، واسْتَنْصَرْنا عَلَيْكم بِهِ، و"يَسْتَفْتِحُونَ" مَعْناهُ يَسْتَنْصِرُونَ، وفي الحَدِيثِ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَسْتَفْتِحُ بِصَعالِيكِ المُهاجِرِينَ»، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْظَةَ والنَضِيرَ، وجَمِيعَ يَهُودِ الحِجازِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى سائِرِ العَرَبِ، وبِسَبَبِ خُرُوجِ النَبِيِّ المُنْتَظَرِ كانَتْ نَقْلَتُهم إلى الحِجازِ وسُكْناهم بِهِ، فَإنَّهم كانُوا عَلِمُوا صَقْعَ المَبْعَثِ، وما عَرَفُوا أنَّهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ وشَرْعُهُ، ويَظْهَرُ مِن هَذِهِ الآياتِ العِنادُ مِنهُمْ، وأنَّ كُفْرَهم كانَ مَعَ مَعْرِفَةٍ ومُعانَدَةٍ، و"لَعْنَةُ اللهِ": مَعْناهُ: إبْعادُهُ لَهم وخِزْيُهم لِذَلِكَ، واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ "لَمّا" و"لَمّا" الثانِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: جَوابُهُما في قَوْلِهِ: "كَفَرُوا"، وأُعِيدَتْ لَمّا الثانِيَةُ لِطُولِ الكَلامِ، ويُفِيدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ، وتَأْكِيدًا لَهُ، وقالَ الزَجّاجُ: لَمّا الأُولى لا جَوابَ لَها، لِلِاسْتِغْناءِ عن ذَلِكَ بِدَلالَةِ الظاهِرِ مِنَ الكَلامِ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّهُ مَحْذُوفٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: جَوابُ لَمّا الأُولى في الفاءِ وما بَعْدَها، وجَوابُ لَمًّا الثانِيَةِ "كَفَرُوا" وبِيسَ أصْلُهُ بِئْسَ سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ إلى الباءِ حَرَكَتُها، ويُقالُ في بِئْسَ: بِيسَ، إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ وهي مُسْتَوْفِيَةٌ لِلذَّمِّ، كَما نِعْمَ مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْمَدْحِ.

واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في "بِيسَما" في هَذا المَوْضِعِ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "ما" فاعِلَةٌ بِبِيسَ، ودَخَلَتْ عَلَيْها بِيسَ كَما تَدْخُلُ عَلى أسْماءِ الأجْناسِ والنَكِراتِ لِما أشْبَهَتْها "ما" في الإبْهامِ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا القَوْلِ: "بِيسَ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا"، كَقَوْلِكَ: بِيسَ الرَجُلُ زَيْدٌ، و"ما" في هَذا القَوْلِ مَوْصُولَةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَمْيِيزِ كَقَوْلِكَ: بِيسَ رَجُلًا زَيْدٌ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ شَيْئًا أنْ يَكْفُرُوا، و ﴿ اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ﴾ ، في هَذا القَوْلِ صِفَةُ "ما".

وقالَ الفَرّاءُ: بِيسَما بِجُمْلَتِهِ شَيْءٌ واحِدٌ رُكِّبَ، كَحَبَّذا، وفي هَذا القَوْلِ اعْتِراضٌ لِأنَّهُ فِعْلٌ يَبْقى بِلا فاعِلٍ، و"ما" إنَّما تَكُفُّ أبَدًا حُرُوفًا.

وقالَ الكِسائِيُّ: "ما" و"اشْتَرَوْا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ اشْتِراؤُهم أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا.

وهَذا أيْضًا مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّ بِيسَ لا تَدْخُلُ عَلى اسْمٍ مُعَيَّنٍ مُتَعَرِّفٍ بِالإضافَةِ إلى الضَمِيرِ.

وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا: إنَّ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَفْسِيرِ، وثُمَّ "ما" أُخْرى مُضْمَرَةٌ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ شَيْئًا ما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ، و ﴿ أنْ يَكْفُرُوا ﴾ في هَذا القَوْلِ بَدَلٌ مِن "ما" المُضْمَرَةِ، ويَصِحُّ في بَعْضِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ أنْ يَكُونَ ﴿ أنْ يَكْفُرُوا ﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، وأمّا في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَـ ﴿ أنْ يَكْفُرُوا ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ فِيما قَبْلَهُ.

و"اشْتَرَوْا" بِمَعْنى باعُوا، يُقالُ شَرى واشْتَرى بِمَعْنى باعَ وبِمَعْنى ابْتاعَ، و( ما أنْزَلَ اللهُ ) يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَوْراةُ، لِأنَّهم إذْ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَلامُ فَقَدْ كَفَرُوا بِالتَوْراةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمِيعُ مِن تَوْراةٍ وإنْجِيلٍ وقُرْآنٍ، لِأنَّ الكُفْرَ بِالبَعْضِ يُلْزِمُ الكُفْرَ بِالكُلِّ و"بَغْيًا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و ﴿ أنْ يُنَزِّلَ ﴾ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أو في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِتَقْدِيرِ: بِأنْ يَنْزِلَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "أنْ يَنْزِلَ" بِالتَخْفِيفِ في النُونِ والزايِ.

و ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ يَعْنِي مِنَ النُبُوَّةِ والرِسالَةِ.

﴿ مَن يَشاءُ ﴾ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا  ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ لِما لَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ العَرَبِ، ويَدْخُلُ في المَعْنى عِيسى صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ بَغْيًا، واللهُ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ.

و"باؤُوا": مَعْناهُ مَضَوْا مُتَحَمِّلِينَ لِما يَذْكُرُ أنَّهم باؤُوا بِهِ، و"بِغَضَبٍ" مَعْناهُ مِنَ اللهِ تَعالى، لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ  ﴿ عَلى غَضَبٍ ﴾ مُتَقَدِّمٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، قِيلَ: لِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وقِيلَ: لِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وقِيلَ: لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فالمَعْنى: عَلى غَضَبٍ قَدْ باءَ بِهِ أسْلافُهُمْ، حَظُّ هَؤُلاءِ مِنهُ وافِرٌ بِسَبَبِ رِضاهم بِتِلْكَ الأفْعالِ وتَصْوِيبِهِمْ لَها.

وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ﴾ التَأْكِيدُ، وتَشْدِيدُ الحالِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ أرادَ غَضَبَيْنِ مُعَلَّلَيْنِ بِقِصَّتَيْنِ.

و"مُهِينٌ" مَأْخُوذٌ مِنَ الهَوانِ، وهو ما اقْتَضى الخُلُودَ في النارِ، لِأنَّ مَن لا يُخَلَّدُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ إنَّما عَذابُهُ كَعَذابِ الَّذِي يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ لا هَوانَ فِيهِ، بَلْ هو تَطْهِيرٌ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ أنَّهم إذا قِيلَ لَهُمْ: آمَنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَ اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ  قالُوا: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ ، يَعْنُونَ التَوْراةَ.

وما وراءَهُ.

قالَ قَتادَةُ: أيْ ما بَعْدَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: أيْ ما سِواهُ ويَعْنِي بِهِ القُرْآنَ.

وإذا تَكَلَّمَ رَجُلٌ، أو فَعَلَ فِعْلًا فَأجادَ، يُقالُ لَهُ: ما وراءَ ما أتَيْتَ بِهِ شَيْءٌ، أيْ لَيْسَ يَأْتِي بَعْدَهُ، ووَصَفَ اللهُ تَعالى القُرْآنَ بِأنَّهُ الحَقُّ.

و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وهي غَيْرُ مُنْتَقِلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها في الكَلامِ، ولَمْ يَبْقَ لَها هي إلّا مَعْنى التَأْكِيدِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها حَسَبِي وهَلْ لِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارٍ؟

و ﴿ لِما مَعَهُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِ التَوْراةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ ﴾ الآيَةُ رَدٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وتَكْذِيبٌ مِنهُ لَهم في ذَلِكَ، واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ.

ولا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى "فَلِمَ" لِنُقْصانِ الحَرْفِ الواحِدِ، إلّا أنَّ البَزِّيَّ وقَفَ عَلَيْهِ بِالهاءِ، وسائِرُ القُرّاءِ بِسُكُونِ المِيمِ.

وخاطَبَ اللهُ مَن حَضَرَ مُحَمَّدًا  مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِأنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ لِما كانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِ أسْلافِهِمْ.

وجاءَ "تَقْتُلُونَ" بِلَفْظِ الِاسْتِقْبالِ، وهو بِمَعْنى المُضِيِّ لَمّا ارْتَفَعَ الإشْكالُ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ، وإذا لَمْ يُشْكَلْ فَجائِزٌ سَوْقُ الماضِي بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وسَوْقُ المُسْتَقْبَلِ بِمَعْنى الماضِي، قالَ الحَطِيئَةُ: شَهِدَ الحَطِيئَةُ يَوْمَ يَلْقى رَبَّهُ ∗∗∗ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِالعُذْرِ وَفائِدَةُ سَوْقِ الماضِي في مَوْضِعِ المُسْتَقْبَلِ، الإشارَةُ إلى أنَّهُ في الثُبُوتِ كالماضِي الَّذِي قَدْ وقَعَ، وفائِدَةُ سَوْقِ المُسْتَقْبَلِ في مَعْنى الماضِي الإعْلامُ بِأنَّ الأمْرَ مُسْتَمِرٌّ ألا تَرى أنَّ حاضِرِي مُحَمَّدٍ  لَمّا كانُوا راضِينَ بِفِعْلِ أسْلافِهِمْ بَقِيَ لَهم مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ جُزْءٌ، و"إنْ كُنْتُمْ" شَرْطٌ، والجَوابُ مُتَقَدِّمٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لذمهم وتسفيه رأيهم إذ رضوا لأنفسهم الكفر بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وأعرضوا عن النظر فيما اشتملت عليه كتبهم من الوعد بمجيء رسول بعد موسى، إرضاء لداعية الحسد وهم يحسبون أنهم مع ذلك قد استبقَوْا أنفسهم على الحق إذ كفروا بالقرآن، فهذا إيقاظ لهم نحومعرفة داعيهم إلى الكفر وإشهار لما ينطوي عليه عند المسلمين.

و ﴿ بئسما ﴾ مركّب من (بئسَ) و(ما) الزائدة.

وفي بئسَ وضِدّها نِعْمَ خلاف في كونهما فعلين أو اسمين والأصح أنهما فعلان.

وفي (ما) المتصلة بهما مذاهب أحدها أنها معرفة تامة أي تفسر باسم معرف بلام التعريف وغير محتاجة إلى صلة احترازاً عن (ما) الموصولة فقوله: ﴿ بئسما ﴾ يفسر ببئس الشيء قاله سيبويه والكسائي.

والآخر أنها موصولة قاله الفراء والفارسي وهذان هما أوضح الوجوه فإذا وقعت بعدها (ما) وحدها كانت (ما) معرفة تامة نحو قوله تعالى: ﴿ إن تبدوا الصدقات فنِعِمَّا هي ﴾ [البقرة: 271] أي نعم الشيء هي وإن وقعت بعد ما جملة تصلح لأن تكون صلة كانت (ما) معرفة ناقصة أي موصولة نحو قوله هنا: ﴿ بئسما اشتروا به أنفسهم ﴾ و(ما) فاعل (بئس).

وقد يذكر بعد بئس ونِعْم اسم يفيد تعيين المقصود بالذم أو المَدْح، ويسمى في علم العربية المخصوصَ وقد لا يذكر لظهوره من المقام أو لتقدم ما يدل عليه فقوله: ﴿ أن يكفروا ﴾ هو المخصوص بالذم والتقدير كفرهم بآيات الله، ولك أن تجعله مبتدأ محذوف الخبر أو خبراً محذوف المبتدأ أو بدلاً أوبياناً من (ما) وعليه فقوله تعالى: ﴿ اشتروا ﴾ إما صفة للمعرفة أو صلة للموصولة و ﴿ أن يكفروا ﴾ هو المخصوص بالذم خبر مبتدأ محذوف وذلك على وزان قولك نِعْم الرجل فلان.

والاشتراء الابتياع وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ [البقرة: 16] فقوله تعالى هنا: ﴿ بئسما اشتروا به أنفسهم ﴾ مجاز أطلق فيه الاشتراء على استبقاء الشيء المرغوب فيه تشبيهاً لاستبقائه بابتياع شيء مرغوب فيه فهم قد آثروا أنفسهم في الدنيا فأَبْقَوْا عليها بأن كفروا بالقرآن حسداً، فإن كانوا يعتقدون أنهم محقون في إعراضهم عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم لتمسكهم بالتوراة وأَن قوله فيما تقدم ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا ﴾ [البقرة: 89] بمعنى جاءهم ما عرفوا صفتَه وإن فرطوا في تطبيقها على الموصوف، فمعنى اشتراء أنفسهم جار على اعتقادهم لأنهم نجوها من العذاب في اعتقادهم فقوله: ﴿ بئسما اشتروا به أنفسهم ﴾ أي بئسما هو في الواقع وأما كونه اشتراء فبحسب اعتقادهم وقوله: ﴿ أن يكفروا بما أنزل الله ﴾ هو أيضاً بحسب الواقع، وفيه تنبيه لهم على حقيقة حالهم وهي أنهم كفروا برسول مرسل إليهم للدوام على شريعة نسخت.

وإن كانوا معتقدين صدق الرسول وكان إعراضهم لمجرد المكابرة كما يدل عليه قوله قبله: ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا ﴾ على أحد الاحتمالين المتقدمين، فالاشتراء بمعنى الاستبقاء الدنيوي أي بئس العوض بَذلُهم الكفر ورضاهم به لبقاء الرئاسة والسمعة وعدم الاعتراف برسالة الصادق بالآية على نحو قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ [البقرة: 86].

وقيل: إن ﴿ اشتروا ﴾ بمعنى باعوا أي بذلوا أنفسهم والمراد بذلها للعذاب في مقابلة إرضاء مكابرتهم وحسدهم وهذا الوجه منظور فيه إلى قوله قبله: ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ﴾ وهو بعيد من اللفظ لأن استعمال الاشتراء بمعنى البيع مجاز بعيد إذ هو يفضي إلى إدخال الغلط على السامع وإفساد ما أحكمته اللغة من التفرقة وإنما دعا إليه قصد قائله إلى بيان حاصل المعنى، على أنك قد علمت إمكان الجمع بين مقتضى قوله: ﴿ ما عرفوا ﴾ وقوله هنا: ﴿ اشتروا به أنفسهم ﴾ فأنتَ في غنى عن التكلف.

وعلى كلا التفسيرين يكون ﴿ اشتروا ﴾ مع ما تفرع عنه من قوله: ﴿ فباءُوا بغضب على غضب ﴾ تمثيلاً لحالهم بحال من حاول تجارة ليربح فأصابه خسران، وهو تمثيل يقبَل بعضُ أجزائه أن يكون استعارة وذلك من محاسن التمثيلية.

وجيء بصيغة المضارع في قوله: ﴿ أن يَكفروا ﴾ ولم يؤتَ به على ما يناسب المبيَّن وهو ﴿ مَا اشتروا ﴾ المقتضي أن الاشتراء قد مضى للدلالة على أنهم صرحوا بالكفر بالقرآن من قبل نزول الآية فقد تبين أن اشتراء أنفسهم بالكفر عمل استقر ومضى، ثم لما أريد بيان ما اشتروا به أنفسهم نبه على أنهم لم يزالوا يكفرون ويعلم أنهم كفروا فيما مضى أيضاً إذ كان المبيَّن بأن يَكْفروا معبَّراً عنه بالماضي بقوله: ﴿ ما اشتروا ﴾ .

وقوله: ﴿ بغياً ﴾ مفعُول لأجله علة لقوله: ﴿ أن يكفروا ﴾ لأنه الأقرب إليه، ويجوز كونه علة لاشتروا لأن الاشتراء هنا صادق على الكفر فإنه المخصوص بحكم الذم وهو عين المذمُوم، والبغي هنا مصدر بَغى يبغي إذا ظلم وأراد به هنا ظلماً خاصاً وهو الحسد وإنما جُعل الحسد ظلماً لأن الظلم هو المعاملة بغير حق والحسد تمني زوال النعمة عن المحسود ولا حق للحاسد في ذلك لأنه لا يناله من زوالها نفع، ولا من بقائها ضر، ولقد أجاد أبو الطيب إذ أخذ المعنى في قوله: وأَظْلَمُ خلقِ الله من بات حاسداً *** لِمنْ بَاتَ في نَعْمائِه يَتَقَلَّب وقوله: ﴿ أن ينزل الله ﴾ متعلق بقوله: ﴿ بغياً ﴾ بحذف حرف الجر وهو حرف الاستعلاء لتأويل ﴿ بغياً ﴾ بمعنى حسداً.

فاليهود كفروا حسداً على خروج النبوءة منهم إلى العرب وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ على من يشاء من عباده ﴾ وقوله: ﴿ فباءوا بغضب على غضب ﴾ أي فرجعوا من تلك الصفقة وهي اشتراء أنفسهم بالخسران المبين وهو تمثيل لحالهم بحال الخارج بسلعته لتجارة فأصابته خسارة فرجع إلى منزله خاسراً.

شبه مصيرهم إلى الخسران برجوع التاجر الخاسر بعد ضميمة قوله: ﴿ بئس ما اشتروا به أنفسهم ﴾ .

والظاهر أن المراد بغضب على غضب الغضب الشديد على حد قوله تعالى: ﴿ نور على نور ﴾ [النور: 35] أي نور عظيم وقوله: ﴿ ظلمات بعضها فوق بعض ﴾ [النور: 40] وقول أبي الطيب: أَرَقٌ على أرَق ومثْلِىَ يَأْرَقُ *** وهذا من استعمال التكرير باختلاف صيغه في معنى القوة والشدة كقول الحطيئة: أنت آل شماس بن لأي وإنما *** أتاهم بها الإحكم والحسب العد أي الكثير العدد أي العظيم وقال المعري: بني الحسب الوضاح والمفخر الجم *** أي العظيم قال القرطبي قال بعضهم: المراد به شدة الحال لا أنه أراد غضبين وهما غضب الله عليهم للكفر وللحسد أو للكفر بمحمد وعيسى عليهما السلام.

وقوله: ﴿ وللكافرين عذاب مهين ﴾ هو كقوله: ﴿ فلعنة الله على الكافرين ﴾ [البقرة: 89] أي ولهم عذاب مهين لأنهم من الكافرين، والمهين المذل أي فيه كيفية احتقارهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ﴾ اشْتَرَوْا بِمَعْنى باعُوا.

﴿ أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا ﴾ يَعْنِي حَسَدًا، هَكَذا قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وهُمُ اليَهُودُ.

والبَغْيُ شِدَّةُ الطَّلَبِ لِلتَّطاوُلِ، وأصْلُهُ الطَّلَبُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الزّانِيَةُ بَغِيًّا، لِأنَّها تَطْلُبُ الزِّنى.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الغَضَبَ الأوَّلَ لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى، والغَضَبَ الثّانِيَ لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ  ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ في قَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقَوْلِهِمْ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وتَبْدِيلِهِمْ كِتابَ اللَّهِ، ثُمَّ كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَ الغَضَبُ لازِمًا لَهم كانَ ذَلِكَ تَوْكِيدًا.

﴿ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ المُهِينُ: المُذِلُّ.

والعَذابُ عَلى ضَرْبَيْنِ: فالمُهِينُ مِنها عَذابُ الكافِرِينَ لِأنَّهُ لا يُمَحِّصُ عَنْهم ذُنُوبَهم.

والثّانِي: غَيْرُ مُهِينٍ وهو ما كانَ فِيهِ تَمْحِيصٌ عَنْ صاحِبِهِ، كَقَطْعِ يَدِ السّارِقِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وحَدِّ الزّانِي.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ بئسما اشتروا به أنفسهم...

﴾ الآية.

قال: هم اليهود كفروا بما أنزل الله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، بغياً وحسداً للعرب ﴿ فباؤوا بغضب على غضب ﴾ قال: غضب الله عليهم مرتين بكفرهم بالإِنجيل وبعيسى، وبكفرهم بالقرآن وبمحمد.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ بئسما اشتروا به أنفسهم ﴾ قال: بئس ما باعوا به أنفسهم حيث باعوا نصيبهم من الآخرة بطمع يسير من الدنيا.

قال: وهل تعرف ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: يعطى بها ثمناً فيمنعها ** ويقول صاحبها ألا تشرى وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بغياً أن ينزل الله ﴾ أي أن الله جعله من غيرهم ﴿ فباؤوا بغضب ﴾ بكفرهم بهذا النبي ﴿ على غضب ﴾ كان عليهم فيما ضيعوه من التوراة.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة ﴿ فباؤوا بغضب على غضب ﴾ قال: كفرهم بعيسى وكفرهم بمحمد.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ فباؤوا بغضب ﴾ اليهود غضب بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ على غضب ﴾ جحودهم النبي صلى الله عليه وسلم وكفرهم بما جاء به.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوا ﴾ الآية.

بئس ونِعم لفظان وُضِعا للمدح والذم، يخبر بأحدهما عن الشيء المذموم، وبالثاني عن الممدوح، وأصلهما: نَعِمَ وبَئِسَ (١) (٢) (٣) (٤) فَإِنْ أَهْجُهُ يَضْجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ ...

من الأُدْمِ دِبْرَتْ (٥) (٦) وإنما حملَهُم على هذا اسْتثقالهم الانتقال في الحركات المختلفة الذي يدل على هذا: أن اتفاق الحركات في فعل منعهم من هذا.

فقالوا في نِعْمَ وبِئْسَ فرقًا بين المدح والذم وبين الخبر؛ ليخلُصا للمدح والذم لا يلتبسان بالخبر، ولهذا المعنى لم يتصرفا تصرف الأفعال؛ لأنهما تضمنا الدلالة على معنى الذم والمدح، كما أن التعجب لما كان خبرًا كسائر الأخبار إلا أنه زاد عليها بمعنى التعجب تُركَ تصرّفُه؛ ليدل به على زيادة المعنى، فكذلك (نعم وبئس)، يدل على أن القائل مادح أو ذامّ، وهو خبر باستحقاق المدح والذم.

وبئس ذمٌّ بشدة الفساد.

وأصل الكلمة من الشدة، ومنه البأساء: وهو اسم للحرب والمشقة والضرر والشدة، ومنه ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  ﴾ أي: شديد.

وكل هذا ممَّا علّقته عن مشايخ هذه الصنعة.

فأما حكم هاتين الكلمتين وعملهما فقال أبو إسحاق: إنهما لا يعملان في اسم عَلم، إنما يعملان في اسم منكور دالّ على جنس، أو اسم فيه ألف ولام يدل على جنس، وإنما كانتا كذلك؛ لأنّ (نعم) مستوفية لجميع المدح، و (بئس) مستوفية لجميع الذمّ، فإذا قلت: نِعم الرجل زيدٌ، قلت (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) فأما إذا قلت: نِعْمَ الرَجُل، فليس في نِعْمَ ضمير، وصار الرجل رفعًا بنعم.

وارتفع زيد من وجهين، قال سيبويه والخليل (١٣) وقال الكسائي: قولك: نعم الرجل، كالشيء الواحد يرتفع بهما زيد (١٤) قال الفراء: فإن أضفتَ النكرةَ التي بعد نِعْمَ إلى نكرة رفعت ونصبت، فقلت: نعم غلامُ سَفَرٍ زَيدٌ، وغلامَ سفرٍ زيد، فإن أضفت إلى المعرفة شيئًا رفعتَ، فقلت: نعم سائسُ الخيل أخوك، ولا يجوز النصبُ إلّا أن يضطرّ إليه شاعر؛ لأنهم حينَ أَضَافوا إلى النكرَة آثروا الرفع، فهم إذا أضَافوا إلى المعرفة أحرى أن لا ينصبوا (١٥) فإن وصلت "مَا" بـ"نعم وبِئسَ" نحو: بئسما ونعِمّا، فقال الزجّاج: (ما) فيهما لغير صلة (١٦) (١٧) (١٨) فقوله ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴾ بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم (١٩) (٢٠) قالَ أبو علي: مَا ذكره أبو إسحاق يَدُل على أن (مَا) إذَا كانت موصولة لم يجز عنده أن يكون فاعلة نعم وبئس، وذلك عندنا لا يمتنع، وجهة جوازه: أن ما اسم مبهم يقع على الكثرة، ولا يخصص شيئًا واحدًا، كما أن أسماء الأجناس كذلك، وهي تكون للكثرة (٢١) (٢٢) (٢٣) ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ فالقصد به هاهنا الكثرة، وإن كان في اللفظ مفردًا؛ يدلك على ذلك قوله: هؤلاء (٢٤) وتكون ما معرفةً ونكرةً؛ كما أن أسماء الأجناس تكون معرفةً ونكرةً.

فأمَّا كونها معرفةً فمأنوس به، وأَمَّا كونها نكرة فكثير أيضًا، ذكره سيبويه في مواضع، وهي و (من) قد تكونان نكرتين في التنزيل والشعر القديم الفصيح، أنشد سيبويه: ربّما تكره النفوسُ من الأمر ...

له فَرجة كحلِّ العِقَال (٢٥) يا رُبَّ من يُبْغِضُ أَذْوادَنا ...

رُحْنَ على بَغْضَائِه واغْتَدَيْن (٢٦) (٢٧) وتأول سيبويه قوله تعالى: ﴿ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ  ﴾ ، على أن تكون معرفةً، وعلى أن تكون نكرةً، مثل: هذا شيء لديّ عتيد، فإنما يتخلص بعضر ذلك من بعض، بدلالةٍ مِن غير جهة اللفظ؛ لأن اللفظ محتمل لما أعلمتك في اللغة (٢٨) فقوله: ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴾ يجوز عندي أن تكون ما موصولة، وموضعها رفع بكونها فاعلة لـ"بئس"، ويجوز أن تكون منكورةً، ويكون (اشتروا) صفة غير صلة (٢٩) ولا يجوز أن يليهما (الذي)؛ لأن الألف واللام لا يفارقانه، وهما يعملان فيما عُرِّف بالألف واللام، وجاز طرحهما منه.

فقال الفراء: ويجوز أن تُجعل (ما) مع نِعم وبئس بمنزلة كلمة واحدة في غير هذه الآية، فيكون مثل كلما، وإنما، كما جُعلت (ذا) مع حَبَّ كلمةً واحدة، فقالوا: حبّذا.

من ذلك قوله: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ  ﴾ ، رفعت هي بنعما، ولا يجوز (حينئذ) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) ومعنى الاشتراء هاهُنَا: البيع.

والاشتراء والشراء والبيع كله من الأضداد، ويقال: اشتريته، أي: بعته، واشتريته، أي: ابتعته، وكذلك: شريته في المعنيين، وكذلك: بعته، قال الله تعالى: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ  ﴾ ، أي: باعوه (٣٥) (٣٦) أي: بعته؛ قال الفراء: وتقول بع لي بدرهم تَمرًا، أي: اشتر لي.

وأنشد: ويأتيك بالأخبار مَن لم تَبعْ له ...

بَتَاتًا ولم تضربْ له وقتَ موعِدِ (٣٧) (٣٨) ومعنى الآية: بئس الشيء بَاعوا به أنفسهم الكفر؛ يريد: أنهم اختاروا الكُفر وأخذوه، وبذلوا أنفسهم للنار؛ لأن اليهود خصوصًا علموا صدق محمد  ، وأن من كذبه فالنار عاقبته، فاختاروا الكفر، وسلموا أنفسهم للنار، فكان ذلك كالبيع منهم (٣٩) (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ أَن يَكْفُرُواْ ﴾ قال الزجاج: موضع أن رفع، المعنى: ذلك الشيء المذموم أن يكفروا (٤١) (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ يعني: القرآن (٤٣) ﴿ بَغْيًا ﴾ أَصْلُ البغي في اللغة: الظلم والخروج عن النَّصَفَة والحدّ، يقال: بَغَى الفرس في عدوه، إذا اختال ومرح، وإنه ليبغي، ولا يقال: فرس باغ، وبغى الجُرحُ يَبْغِي بَغْيًا، إذا وَرم وكثر فيه المِدّة (٤٤) وقالَ قوم: أصل البَغْي: الطلب (٤٥) (٤٦) قال المفسرون: البَغْيُ، هاهُنا، بمعنى الحَسَد (٤٧) قال اللحياني [[هو: أبو الحسن علي بن حازم، وقيل: علي بن المبارك، تقدمت ترجمته [البقرة: 10].]]: بغيت على أخيك بغيًا، أي: حسدته، وقال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ  ﴾ فالبغي أصله الحَسَد، ثم سمي الظلم بغيًا؛ لأن الحاسِد يظلم المحسودَ جَهْدَه إرادة زوال نعمة الله عليه عنه (٤٨) قال ابن عباس في هذه الآية: إنَّ كفر اليهود لم يكن شكًا ولا شيئًا اشتبه عليهم، ولكن بغيًا منهم، حيث صارت النبوة في ولد إسماعيل (٤٩) وانتصابه على المصدر؛ لأن ما قبله من الكلام يدلّ على بَغَوا، فكأنه قيل: (٥٠) (٥١) وقال الزجّاج: انتصب؛ لأنه مفعول له، كما تقول: فعلت ذلك حِذارَ الشرّ، أي: لحذر الشر (٥٢) (٥٣) المعنى: لادخاره، وللتَّكرّم (٥٤) وقوله تعالى: ﴿ أَن يُنَزِل اللَّهُ ﴾ موضع أن نصب؛ لأن المعنى: أن تكفروا بما أنزل الله؛ لأن ينزل الله من فَضْلِهِ، أي: كفروا لهذه العلة، فهو كما ذكرنا في بيت حاتِم؛ لأنهم كفروا لإنزال الله عليه، كما أنه يغفر العوراء لادّخاره، هذا قول الزجاج (٥٥) ﴿ أَن يُنَزِلَ ﴾ مفعولًا للبغي، كأن معناه: حسدًا إنزال الله، لأن البغي، هاهنا، بمعنى الحَسَد، وأنت تقول: حَسَدْتُ زيدًا مالَه وفضلَه (٥٦) وقوله تعالى: ﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾ قال ابن عباس: الغضب الأول: تضييعهم التوراة، والثاني: بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله فيهم (٥٧) وقال قتادة: الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثاني: بكفرهم بمحمد والقرآن (٥٨) وقال أهل المعاني: أي: بإثم استحقوا به النار على إثم تقدم استحقوا به النار (٥٩) (١) ينظر في نعم وبئس: "المقتضب" للمبرد 2/ 140 - 152، "تهذيب اللغة" 1/ 412، "اللسان" 1/ 201 (بئس).

(٢) في (ش): (تَدْري).

(٣) في (ش): (تعبير).

(٤) في (ش): (العرب).

(٥) في (ش): (ديرت).

(٦) البيت للأخطل في "ديوانه" ص 217، ينظر: "لسان العرب" 4/ 481 - 12/ 12.

(٧) في "معاني القرآن": فقد.

(٨) ساقطة من (م).

(٩) في "معاني القرآن": معها.

(١٠) في "معاني القرآن": كقولك.

(١١) في (ش): (زيدا).

(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 172، وقد نقله الواحدي بتصرف يسير، وينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 412، "اللسان" 1/ 201، "تفسير القرطبي" 2/ 24.

(١٣) نقله عنه الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 172، ونقله عن سيبويه ابن عطية في "المحرر" 1/ 391، "تفسير القرطبي" 2/ 240.

(١٤) نقله الفراء في "معاني القرآن" عن الكسائي 1/ 56، ابن عطية في "المحرر" 1/ 391، "تفسير القرطبي" 2/ 24 قال ابن عطية: وهذا أيضاً معترض؛ لأن بئس لا تدخل على اسم معين متعرف بالإضافة إلى الضمير.

(١٥) "معاني القرآن" للفراء 1/ 57.

(١٦) في "معاني القرآن" للزجاج: بغير.

(١٧) في "معاني القرآن" للزجاج: نعم.

(١٨) في "معاني القرآن" للزجاج: اسم منكور أو جنس، وفي "الإغفال" ص 317: اسم منكور أو اسم جنس.

(١٩) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 172، ونقله في "اللسان" 1/ 201 مادة (بئس).

(٢٠) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 173، ونقله في "تهذيب اللغة" 1/ 412، و"اللسان" 1/ 201، وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 58.

(٢١) في "الإغفال": للنكرة (٢٢) في "الإغفال": للنكرة.

(٢٣) من قوله: كما أن ..

ساقط من (ش).

(٢٤) في "الإغفال" فهؤلاء لا يكون للواحد.

(٢٥) البيت لأمية بن أبي الصلت، في "ديوانه" ص 50 وفي "الكتاب" 1/ 315، 424 وكذا في "الخزانة" 2/ 541 و 4/ 194، وينسب البيت أيضًا: لأبي قيس اليهودي، ولابن صرمة اليهودي، ولحنيف بن عمر اليشكري، ولنهار بن أخت مسيلمة == الكذاب ويروى تجزع بدل تكره.

ينظر: "الإغفال" 317، و"مغني اللبيب" 1/ 297، و"شذور الذهب" 132، والأشموني 1/ 70، و"المفصل" 4/ 2، وابن يعيش 3/ 4، و"طبقات القراء" 1/ 290، وشرح شواهد المغني ص 240، و"ديوان عبيد بن الأبرص" ص 86.

(٢٦) البيت تقدم تخريجه.

(٢٧) من "الإغفال" ص 317، 318 بتصرف، وقد لخصه القرطبي في "تفسيره" 2/ 24.

(٢٨) من "الإغفال" ص 319.

(٢٩) من "الإغفال" ص 319.

(٣٠) ساقطة من (م).

(٣١) "معاني القرآن" للفراء 1/ 57.

(٣٢) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 57: عما قليل آتيك.

(٣٣) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 57: جاز فيه التأنيث والجمع، فقلت: بئسما رجلين أنتما، بئست ما جاريةً جاريتك.

(٣٤) "معاني القرآن" للفراء 1/ 58 بتصرف، وقد ذكر الأقوال في إعراب ما في هذه الآية الطبري في تفسيره 1/ 413 - 414، والعكبري في "التبيان" 74، وأبو حيان في "البحر" 1/ 304 - 305، وخلاصته: اختلف في ما ألها موضع من الإعراب أم لا؟

فذهب الفراء إلى أنه بجملته شيء واحد، وظاهره أن لا موضع لها من الإعراب، والجمهور على أن لها موضعًا من الإعراب، واختلفوا أموضعها نصب أم رفع؟.

(٣٥) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 56، "اللسان" 4/ 2253 (شرى)، وذكر في "البحر المحيط" 1/ 305: أن اشتروا هنا بمعنى: باعوا عند الأكثرين، وفي المنتخب أنه على بابه، لأن المكلف إذا خاف على نفسه من العقاب أتى بأعمال يظن أنها تخلصه، وكأنه قد اشترى نفسه بها، قال أبو حيان: ويرد عليه، ﴿ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، حيث فعلوا ذلك على سبيل البغي والحسد.

(٣٦) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري، في ديوانه ص 213، و"لسان العرب" 4/ 2252 مادة (شرى).

(٣٧) البيت لطرفة بن العبد في "ديوانه" ص 41.

(٣٨) "معاني القرآن" للفراء 1/ 56، وقال: وللعرب في شروا واشتروا مذهبان، فالأكثر منهما أن يكون شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما جميعًا في معنى باعوا، وكذلك البيع، يقال: بعت الثوب، على معنى: أخرجته من يدي، وبعته: اشتريته، وهذه اللغة في تميم وربيعة.

ينظر: "البحر المحيط" 1/ 305.

(٣٩) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 414 - 416، "تفسير الثعلبي" 1/ 1032، "تفسير ابن كثير" 113 - 114.

(٤٠) "تفسير الثعلبي" 1/ 1032.

(٤١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 172.

(٤٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 56، ونصه: أن يكفروا، في موضع خفض ورفع، فأما الخفض فأن ترده على الهاء التي في به، على التكرير على كلامين، كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بالكفر.

وأما الرفع فأن يكون مكرورا أيضا على موضع ما التي تلي بئس.

اهـ.

وينظر في إعراب الآية: "التبيان" للعكبري ص 75، حيث ذكر القولين السابقين وزاد: وقيل: هو مبتدأ، وبئس وما بعدها خبر عنه.

(٤٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 1032.

(٤٤) المِدَّة بكسر الميم القيح، وهي الغثيثة الغليظة، وأما الرقيقة فهي صديد وأَمَدّ الجرح إمدادًا، صار فيه مِدَّةٌ ينظر: "المصباح المنير" ص 567.

(٤٥) قال في "مقاييس اللغة" 1/ 272: الباء والغين والياء أصلان: أحدهما: طلب الشيء، والثاني: جنس من الفساد.

(٤٦) ينظر في معاني البغي: "تهذيب اللغة" 1/ 367، "مقاييس اللغة" 1/ 271 - 272، "المفردات" للراغب ص 65، "اللسان" 1/ 323.

(٤٧) ينظر: الطبري في تفسيره 1/ 415، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 173، "زاد المسير" 1/ 114، "تفسير القرطبي" 2/ 25.

(٤٨) من "تهذيب اللغة" 1/ 367.

(٤٩) لم أجده بهذا اللفظ لكن قريب منه عند ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 173.

(٥٠) في (ش): (قال).

(٥١) ينظر: "التبيان" للعكبري ص 75.

(٥٢) والعامل فيه: يكفروا، أي: كفرهم لأجل البغي، أو يكون العامل فيه: اشتروا.

ينظر: "البحر المحيط" 1/ 305.

(٥٣) هو: حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني، فارس شاعر جواد، جاهلي يضرب المثل بجوده، كان من أهل نجد، شعره كثير ضاع معظمه.

ينظر: "الشعر والشعراء" ص 143، و"الأعلام" 2/ 151.

(٥٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1703.

(٥٥) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 173، وينظر: "التبيان" ص 75 قال: وقيل: التقدير: بغيًا على ما أنزل الله، أي: حسدًا على ما خص الله به نبيه من الوحي.

(٥٦) وقيل: التقدير: بغيًا على أن ينزل الله، لأن معناه: حسدا على أن ينزل الله، فحذفت على، وقيل: أن ينزل في موضع جرًّ على أنه بدل اشتمال من ما في قوله بما أنزل الله أي: بتنزيل الله ينظر "البحر المحيط".

(٥٧) رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 417، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 173، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1032 وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد وعطاء وقتادة وابن أبي خالد نحو ذلك، وقد ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 114 خمسة أقوال في الآية، والخلاف فيها من قبيل اختلاف التنوع.

(٥٨) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 346 وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1033، وعزاه == السيوطي في "الدر" 1/ 218 إلى عبد بن حميد.

وروى الطبري، وابن أبي حاتم عن أبي العالية نحوه.

(٥٩) هذا كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 174، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 174 عن سعيد بن جبير في قوله: (فباؤوا بغضب على غضب) يقول: استوجبوا سخطا على سخط، وذكر "القرطبي" 2/ 29 قولاً فقال: وقال قوم: المراد التأييد وشدة الحال عليهم، لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين.

وينظر "البحر المحيط" 1/ 306.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بِئْسَمَا ﴾ فاعل بئس مضمر، وما مفسرة له، و ﴿ أَن يَكْفُرُواْ ﴾ : هو المذموم وقال الفراء: بئسما مركب كحبّذا وقال الكاسي: ما مصدرية أي اشتراكهم فهي فاعلة ﴿ اشتروا ﴾ هنا بمعنى باعوا ﴿ أَن يَكْفُرُواْ ﴾ في موضع خبر ابتداء، أو مبتدأ كاسم المذموم في بئس؛ أو مفعول من أجله، أو بدل من الضمير في به ﴿ بِمَآ أنَزَلَ الله ﴾ القرآن أو التوراة لأنهم كفروا بما فيها من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ أَن يُنَزِّلُ ﴾ في موضع مفعول من أجله ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ القرآن والرسالة ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ يعني محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنهم إنما كفروا حسداً لمحمد صلى الله عليه وسلم لما تفضل الله عليه وبالرسالة ﴿ بِغَضَبٍ على غَضَبٍ ﴾ لعبادتهم العجل، أو لقولهم: عزير ابن الله، أو لغير ذلك من قبائحهم ﴿ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ القرآن ﴿ بِمَا وَرَآءَهُ ﴾ أي بما بعده وهو القرآن ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ ﴾ رداً عليهم فيما ادّعوا من الإيمان بالتوراة، وتكذيب لهم، وذكر الماضي بلفظ المستقبل إشارة إلى ثبوته، فكأنه دائم لما رضي هؤلاء به ﴿ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ شرطية بمعنى القدح في إيمانهم، وجوابها يدل عليه ما قبل، أو نافية فيوقف قبلها والأول أظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ القدس ﴾ بسكون الدال حيث كان: ابن كثير.

﴿ بئسما ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف.

﴿ ينزل ﴾ خفيفاً: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ القدس ﴾ (ط) ﴿ استكبرتم ﴾ (ج) لتناهي الاستفهام مع تعقب فاء التعقيب بعده ﴿ كذبتم ﴾ (ز) لعطف المستقبل على الماضي مع تقدم المفعولين فيهما ﴿ تقتلون ﴾ (ه) ﴿ غلف ﴾ (ط) (ز) لأن "بل" إعراض عن الأول وتحقيق للثاني ﴿ يؤمنون ﴾ (ه) ﴿ لما معهم ﴾ (ط) "لأن" الواو للحال ﴿ كفروا ﴾ (ج) لأن "لما" متضمنة للشرط وجوابها منتظر والوصل أجوز لأن "لما" مكرر وجوابهما متحد، وقوله: ﴿ وكانوا من قبل ﴾ حال معترض ﴿ كفروا به ﴾ (ج) لأن ما بعده مبتدأ لكن الفاء تقتضي تعجيل ذكر جوابهم ﴿ الكافرين ﴾ (ه) ﴿ من عباده ﴾ (ج) لطول الكلام مع فاء التعقيب ﴿ على غضب ﴾ (ط) ﴿ مهين ﴾ (ه) ﴿ لما معهم ﴾ (ط) ﴿ مؤمنين ﴾ (ط).

التفسير: لما ذكر  في آلاي المتقدمة صنيع اليهود في مخالفتهم أمره  ومناقضة حالهم، أكد ذلك في هذه الآي بذكر نعم أفاضها عليهم ثم إنهم قابلوها بالكفران ونقيض المقصود زيادة في تبكيتهم.

أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله  إياه جملة واحدة.

عن ابن عباس أنها لما نزلت أمر الله موسى بحملها فلم يطق ذلك، فبعث الله لكل آية منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فبعث الله لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فخففها الله على موسى  فحملها.

القفو والتقفية الإتباع وهو من القفا كالتذنيب من الذنب أي أتبعنا على أثره رسلاً كثيرين وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم.

روي أن هؤلاء الرسل كانوا على شريعة واحدة إلى أيام عيسى  فإنه جاء بشريعة مجددة ناسخة لأكثر شرع موسى، وكان المقصود من بعثة هؤلاء تنفيذ الشريعة السالفة وإحياء بعض ما اندرس منها ومن هنا قال  "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" "إن الله سيبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها دينها" فقيل عيسى بالسريانية أيشوع أي المبارك، ومريم بمعنى الخادم.

وقيل مريم بالعبرية من النساء كالزير من الرجال وهو الذي يحب محادثة النساء ومجالستهن، سمي بذلك لكثرة زيارته لهن وبه فسر قول رؤبة: قلت لزير لم تصله مريمه *** ووزن "مريم" عند أهل الصرف "مفعل" لأن فعيلاً بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو "عثير" للغبار "وعليب" اسم واد.

البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، أيدناه قويناه من الأيد القوة، وبروح القدس الروح المقدس كما يقال حاتم الجود ورجل صدق أي بجبريل سمي بذلك لأنه سبب حياة الدين كما أن الروح سبب حياة البدن، ولأنه الغالب عليه الروحانية، ولأنه لم تضمه أصلاب الفحول ولا أرحام الأمهات، وقيل بالإنجيل كما قال ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ لأن العلم سبب حياة القلوب، وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، عن ابن عباس وسعيد بن جبير.

وقيل: الروح الذي نفخ فيه، والقدس والقدوس هو الله، وإضافة الروح إليه تشريف وتعظيم كما يقال "بيت الله" و "ناقة الله".

عن الربيع: وكون الروح ههنا جبريل أظهر لأن اختصاصه بعيسى أكثر لأنه الذي بشر مريم بولادتها وقد تولد  من نفخة جبريل في أمه وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء.

قوله  : ﴿ أفكلما ﴾ وسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به من قوله: ﴿ ولقد آتينا ﴾ لإفادة التوبيخ والتعجيب من شأنهم، ويجوز أن تكون الفاء للعطف على مقدر معناه أأعرضتم فكلما ﴿ جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ﴾ الباء للتعدية أو بمعنى "مع"، وذلك أنهم كانوا إذا أتاهم رسول بخلاف ما يهوون كذبوه وإن تهيأ لهم قتله قتلوه ترفعاً وترؤساً على عامتهم.

وأخذ أموالهم بغير حق يوهمون عوامهم أنهم على الحق والنبي  على الباطل، ويحتجون على ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم  ﴿ ففريقاً كذبتم ﴾ على التمام وما بقي منه غير مكذب ﴿ وفريقاً تقتلون ﴾ أي ما تيسر لكم قتله بعد على التمام لأنكم تحومون حول قتل محمد  لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.

قال  عند وفاته: "ما زالت أكلة خيبر تعادّني فهذا أوان قطعت أبهري" .

والعداد اهتياج وجع اللديغ بعد كل سنة، والأبهر عرق يخرج من القلب إذا انقطع مات صاحبه.

ويجوز أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب كقوله: فأضربها بلا دهش فخرت *** وفائدة تقديم المفعول به على الفعلين بعد رعاية الفاصلة في ﴿ يقتلون ﴾ بيان غاية عنادهم وفرط عتوهم حيث جعلوا الرسل فريقين: أحدهما مخصص بالتكذيب والآخر بالقتل، كأن وصف الرسالة عندهم هو الذي اقتضى عندهم أحد هذين حتى خص المنعوت به دون سائر الناس بأحد الأمرين، وهذا نهاية الجهالة حيث استقبلوا أشرف الأصناف لأكرم الأوصاف بغاية الاستخفاف.

غلف جمع أغلف وهو كل ما فيه غلاف ومنه الأغلف للذي لم يختن، أي قلوبنا مغشاة بأغطية فلا تتأثر من دعوتك لمكان الحائل بينهما.

وقيل: غلف تخفيف غلف بضمتين جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلم والحكمة فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره لا حاجة بنا إلى شرعك.

﴿ بل لعنهم الله ﴾ رد لقولهم وأن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة، والتمكن من قبول الحق ولكنهم لعنوا أي طردوا عن رحمة الله وأبعدوا عن الخيرات بسبب كفرهم الذي أحدثوه بعد نصب الأدلة وإزاحة العلة.

وفي هذا لطف للمكلفين أن لا يتسلقوا إلى المعاصي بإبلاء نحو هذا العذر وإبداء مثل هذه الحجة، ولكن يشمرون عن ساق الاجتهاد "فكل ميسر لما خلق" له ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ أي إيماناً قليلاً يؤمنون.

و "ما" مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب أو بقليل مما كلفوا به.

يؤمنون، فانتصب بنزع الخافض.

و "ما" صفة أي بشيء قليل من الأشياء المكلف بها.

ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم أي لا يؤمنون أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً كما يقال: قليلاً ما تفعل.

أي لا تفعل ألبتة.

وذلك أن الإيمان بالله إنما يعبأ به إذا كان مؤمناً بجميع ما أنزل الله، فإذا فرق بين أوامره فهو عن الإيمان بمعزل.

﴿ ولما جاءهم ﴾ جوابه محذوف وهو نحو: كذبوا به واستهانوا بمجيئه.

ويجوز أن يكون جوابه هو جواب "لما" الثانية المكررة للتأكيد لطول الكلام نحو قوله ﴿ فلا تحسبنهم بمفازة  ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن  ﴾ .

واتفقوا على أن المراد بالكتاب هو القرآن، ووجه تصديقه لما معهم ليس هو الموافقة في أصول الشرائع، لأن جميع كتب الله كذلك، بل المراد ما يختص بنبوة محمد  من العلامات والنعوت والصفات.

والتحقيق أن ذكر الكتاب ههنا كناية عن الرسول لأن الرسول يلزمه الكتاب عرفاً أو مجازاً لأن الكتاب مستلزم للرسول لا محالة يدل على ذلك قوله ﴿ يستخفون على الذين كفروا  ﴾ وذلك أن اليهود قبل مبعث محمد  ونزول القرآن كانوا يسألون به الفتح والنصرة على المشركين إذا قاتلوهم يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة.

وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

وقيل: معنى يستفتحون يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبياً يبعث منهم قد قرب أوانه.

والسين للمبالغة أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم كالسين في "استعجب" و "استخسر"، أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليه، ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا من الحق ﴾ وهو نبوة محمد  ، ويجوز أن تكون "ما" بمعنى "من" نحو: سبحان ما سخركن لنا أي فلما جاءهم النبي  الذي كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴿ كفروا به ﴾ ، إما لأنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة مجيء الرسل منهم فيرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه فلما بعث الله محمداً  من العرب من ذرية إسماعيل  عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب بغياً وحسداً وعناداً ولدداً، وإما لأنهم ظنوا أنه  مبعوث إلى العرب خاصة، وإما لأن اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم ومكاسبهم فأبوا وأصروا على الإنكار.

فكفرهم إذاً كفر عناد، ﴿ فلعنة الله ﴾ وهي الإبعاد عن الخيرات الحقيقية الباقية) ﴿ على الكافرين ﴾ أي عليهم، فوضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أن اللعنة إنما لحقتهم لكفرهم، واللام للعهد أو للجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً.

فإن قيل: أليس أنه  ذكر ﴿ وقولوا للناس حسناً  ﴾ قلنا: العام قد يخص، وأيضاً لعن من يستحق اللعن حسن، وأيضاً أولئك بالنسناس أشبه منهم بالناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ "بئس" لإنشاء الذم، وفاعله قد يكون مظهراً نحو "بئس الرجل زيد"، وقد يكون مضمراً يعود إلى معهود ذهني فيفسر حينئذ بنكرة منصوبة وبعدهما المخصوص بالذم فـ "ما" نكرة منصوبة مفسرة: لفاعل "بئس" أي بئس شيئاً اشتروا به أنفسهم، والمخصوص بالذم ﴿ أن يكفروا ﴾ واختلف في إعراب المخصوص فقيل: مبتدأ والجملة قبله خبره.

وقيل خبر مبتدأ محذوف أي هو أن يكفروا.

واشتروا بمعنى باعوا لأن الكفر حاصل تعلق نفوسهم بأبدانهم كما أن، الثمن حاصل ملك المالك.

وقيل: إن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله  فأتى بأعمال يظن بها أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، وهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب ويوصلهم إلى الثواب، فقد ظنوا أنهم قد اشتروا أنفسهم بها، والمراد بما أنزل الله القرآن لأنهم كانوا مؤمنين بغيره.

ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر فقال ﴿ بغياً ﴾ أي حسداً وطلباً لما ليس لهم، ولولا هذا البيان لجاز أن يكون الباعث لهم على ذلك الكفر هو الجهل لا البغي ولما كان الباعث على البغي قد يكون وجوهاً شتى بين أن الحامل لهم على البغي هو ﴿ أن ينزل الله من فضله ﴾ الذي هو الوحي ﴿ على من يشاء ﴾ وتقتضي حكمته إرساله وهذا هو اللائق بما حكينا من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم يحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد، وعلى هذا يكون الجار المحذوف هو لام الغرض أي لأجل أن ينزل، ويحتمل أني قال المحذوف على أي حسدوه على أن ينزل.

﴿ فباءوا بغضب على غضب ﴾ لا بد من إثبات سببي غضبين: أحدهما تكذيبهم عيسى وما أنزل عليه، والثاني تكذيبهم محمد  وما أنزل عليه، فصار ذلك سبباً بعد سبب لسخط بعد سخط وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة.

وقيل: الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكتمانهم نعت محمد  وجحدهم نبوته عن السدي.

وقيل: ليس المراد إثبات الغضبين فقط، بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور متوالية صدرت عنهم كقولهم ﴿ عُزير ابن الله  ﴾ ﴿ يد الله مغلولة  ﴾ ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء  ﴾ عن عطاء وعبيد بن عمير.

وقيل: المراد تأكيد الغضب وتكثير له لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه عظيم، وهو قول أبي مسلم.

ومعنى الغضب في حقه  قد عرفت مراراً أنه عبارة عن لازمه وهو إرادة الانتقام، وأما تزايده وتكثره فيصح فيه ذلك كصحته في العذاب، فلا يكون غضبه على من كفر بخصال كثيرة كمن كفر بخصلة واحدة ﴿ وللكافرين عذاب مهين ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر أي ولهم عذاب، وفائدته ما ذكرنا في قوله ﴿ فلعنة الله على الكافرين ﴾ ووصف العذاب بالمهين والمهين هو المعذب لأن الإهانة لما حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه لأنها بسبب منه، ولا يلزم من اقتران العذاب بالإهانة تكرار فقد يكون العذاب ولا إهانة كالوالد يؤدب ولده ﴿ آمنوا بما أنزل الله ﴾ بكل ما أنزل الله من كتاب وقد يستدل به على عموم "ما" ﴿ قالوا نؤمن بما أنزل علينا ﴾ أي بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى  ﴿ ويكفرون بما وراءه ﴾ أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة وهو الإنجيل والقرآن ﴿ وهو الحق ﴾ الضمير يعود إلى "ما وراءه" أو إلى القرآن فقط.

و ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة لوجود شرطها وهو كونها مقررة لمضمون جملة اسمية، أو كون مضمونها لازماً لمضمون الجملة الاسمية، فإن التصديق لازم حقية القرآن فصار كأنه هو والعامل في ﴿ مصدقاً ﴾ محذوف وهو يبدو أو يثبت على الأصح.

وأما الواو في ﴿ وهو الحق ﴾ فيجوز أن تكون معترضة فلا محل للجملة، ويجوز أن تكون للحال وحينئذ إما أن يكون العامل فيها هو العامل في قوله ﴿ ويكفرون ﴾ على أن كلاً منهما حال بحيالها، وإما أن يكون العامل فيها هو يكفرون على أنهما حالان متداخلتان.

وفي قوله ﴿ وهو الحق مصدقاً لما معهم ﴾ دلالة على وجوب الإيمان بمحمد  لأنه لما أثبت نبوته بالمعجزات ثم إنه أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله وأنه  أمر المكلفين بالإيمان، كان الإيمان به واجباً لا محالة، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعضهم وبعضها محال.

وأيضاً أنه  لم يتعلم علماً ولم يقرأ ولم يخط، ثم إنه  أتى بالقصص والأخبار مطابقة لما في التوراة، فيعلم بالضرورة أنه  استفادها من قبل الوحي وأيضاً القرآن يدل على نبوة محمد  ، فلما أخبر الله  عنه أنه مصدق التوراة وجب اشتمال التوراة على الأخبار عن نبوته.

فمدعي الإيمان بالتوراة يجب أن يؤمن بمحمد  وإلا كان كاذباً.

ثم إنه  بين من وجه آخر كذب دعواهم، وهو أن التوراة لا تسوغ قتل الأنبياء وأنهم سوغوا ذلك، وفيه دليل على أن إيراد المناقضة على الخصم الألد جائز.

والكلام وإن كان على وجه الخطاب إلا أن المراد بذلك أسلافهم بدليل ﴿ من قبل ﴾ وتقتلون حكاية حال ماضية.

وأصل "لم" لما بإدخال لام التعليل في "ما" الاستفهامية، حذفت الألف للتخفيف أي لأي غرض وبأي حجة كان أسلافكم يقتلون الأنبياء.

وفي قوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم الإيمان، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما تقدمه.

وفيه تنبيه على أن اليهود المعاصرين خرجوا بتكذيب محمد  من الإيمان بالتوراة كما أن أسلافهم خرجوا بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بها والله  أعلم.

التأويل: هذا حال أكثر البطالين المتشبهين بالطالبين يصغون إلى كلمات العلماء الراسخين، فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استغربته نبذوه وأنكروه، فيكذبون فريقاً منهم فراراً عن تحمل أعباء الطلب ويثيرون الفتنة على فريق بالحسد والإنكار والفتنة أشد من القتل ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب إذا ابتلى في أثناء الطلب بالرهقة أو الفترة لم يضره ذلك ما دام متمسكاً بالإرادة، فيرجى رجوعه بإذن الله وبمدد همة الأستاذ والشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة وأظهر الإنكار والاعتراض فلن يرجى فلاحه.

﴿ ولما جاءهم كتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن أهل كل زمان يتمنون أن يدركوا أحداً من العلماء والأولياء المحظوظين بالعلوم الكسبية واللدنية ويتوسلون بهم إلى الله  عند رفع حوائجهم في صالح دعائهم ويظهرون محبتهم عند الخلق ﴿ فلما وجدوا ﴾ واحداً منهم ﴿ ما عرفوا ﴾ قدره وحسدوه وأظهروا عداوته وما أنصفوه ﴿ فباءوا بغضب ﴾ من رد ولاية الأولياء ﴿ على غضب ﴾ من الله لأوليائه كما جاء في الحديث "من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة" و "إنما أنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لجروه" والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

يعني: التوراة، وهو ظاهر.

وقوله: ﴿ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ ﴾ .

وقيل: وقفينا: أَرْدَفْنَا، وهو من القفا، قفا يقفو.

وقيل: أَتبعنا رسولاً على أَثر رسول؛ كقوله: ﴿ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً ﴾ \[المؤمنون: 44\] واحداً على أَثر واحدٍ.

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

قيل: البينات: الحجج.

وقيل: العجائب التي كانت تجري على يديه، من خلق الطين، وإحياء الموتى، وإِبراءِ الأكمه والأَبرص، وإِنباءِ ما يأْكلون وما يدخرون.

وقيل: البينات: الحلال والحرام.

ثم الرسل في أَنفسهم حفظوا حججاً؛ فلم يحتج كل قول يقولون إلى أن يكون مصحوباً بدليل وبيانٍ على صدقهم؛ لأَنهم في أَنفسهم حجة.

وأما سائر الناس فليسوا بحجج في أَنفسهم، فلا بد لكل قول يقولون أَن يأْتوا بدليلٍ يدل على صدقهم، وبيانٍ يُظهر الحقَّ من الباطل، والصوابَ من الخطأ، والصدقَ من الكذب.

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ ﴾ : قويناه.

﴿ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: روح القدس: جبريل.

وفي الأَصل: القدوس، لكن طرحت الواو للتخفيف.

وتأْييدُه: هو أَن عصمه على حفظه؛ حتى لم يدن منه شيطان، فضلاً أَن يدنو بشيء، والله أعلم.

وقيل: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ يعني بالروح: روح الله.

ووجه إضافةِ روح عيسى إلى الله - عز وجل -: أَن تكون أضيفت تعظيماً له وتفضيلاً، وذلك أن كل خاص أُضيف إلى الله - عز وجل - أُضيف؛ تعظيماً لذلك الشيء، وتفضيلاً له، كما يقال لموسى: كليم الله، ولعيسى: روحُ الله، ولإبراهيم: خليلُ الله، على التعظيم والتفضيل.

وإذا أُضيف الجُمَل إلى الله - عز وجل - فإنما تضاف؛ تعظيماً له - عز وجل - وتنزيهاً؛ كقوله: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ أُضيف ذلك إليه؛ تعظيماً وتنزيهاً، والله الموفق.

والأَصل في ذلك: أَن خاصية الأَشياءِ إذا أُضيف ذلك إليه أضيف تعظيماً لتلك الخاصية.

وإذا أُضيف جمل الأَشياء إلى الله، فهو يخرج على تعظيم الرب والتبجيل له.

وقوله: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ .

في ظاهر هذه الآية أَنهم كذبوا فريقاً من الرسل، وقَتلوا فريقاً منهم.

ويقول بعض الناس: إنهم قتلوا الأَنبياءَ ولم يقتلوا الرسل؛ لقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ ، ولقوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ  ﴾ أَخبر أَنه ينصرهم، ومن كان الله ناصره فهو لا يقتل.

ومنهم من يقول: إنهم قتلوا الرسل والأنبياء.

فنقول: يحتمل قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ في رسول دون رسول، فمن نصره الله فهو لم يقتل.

أَو كان ما ذكر من النُّصرة لهم كان بالحجج والآيات.

ثم في الآية دلالة رسالة محمد  ونبوته؛ لأَنه أَخبرهم بتكذيب بعض الرسل، وقتل بعضهم، فسكتوا عن ذلك، فلولا أَنهم عرفوا أنه رسول - عرف ذلك بالله - وإلا لم يسكتوا عن ذلك.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ .

يعني: في أَكنة عليها الغطاء؛ فلا نفهم ما تقول، ولا نفقه ما تُحدِّث.

يدَّعون زوال الخطاب عن أَنفسهم؛ كراهية لما سمعوا.

وأَكذبَهُمُ الله  بقوله: ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ أَي: طردهم الله؛ بكفرهم، وعتوهم، وتفريطهم في تكذيب الرسول  ، واعتنادهم إياه، لا أَن قلوبهم بمحل لا يفهمون شيئاً مما يخاطبون به - على ما يزعمون - ولكن ذلك لترك التفكر والتدبر فيها.

وقيل في قوله: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ : يعني: أَوعيةً، تفهم وتعي ما يقال، ويخاطب، ولكن لا تفهم ما تقول، ولا تفقه ما تُحدث، فلو كان حقّاً وصدقاً لفهمت ولفقهت عليه.

يَدَّعون إِبطال ما يقول الرسول  لهم، وذلك نحو ما قالوا لشعيب: ﴿ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: فقليلاً أي بقليل ما يؤمنون من التوراة؛ لأَنهم عرفوا نَعْته وصفته، وحرفوه، فلم يؤمنوا به.

وقيل: فقليلاً، أَي: قليل منهم يؤمنون بالرسل، صلى الله عليهم وسلم.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .

فلولا أنهم عرفوا أَن هذا الكتاب هو موافق لما معهم من الكتاب، غير مخالف له، وإلا لأَظهروا الخلاف لو عرفوا ذلك، ولتكلفوا على إِطفاءِ هذا النُّور ودفعه؛ فدل سكوتهم عن ذلك، وترك اشتغالهم بذلك، أَنهمه عرفوا موافقته لما معهم من التوراة؛ ففيه آية نُبوة محمد  .

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

﴿ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ : يستنصرون ﴿ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ قبل أن يُبعث محمد  ، يقولون اللهم انصرنا بحق نبيِّك الذي تبعثه، فلما لم يجئهم على هواهم ومرادهم كفروا به، فلعنة الله على الكافرين.

وقوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ ﴾ .

يقول: اشتروا ما به هلاكهم بما به نجاتهم.

وذلك أَنهم كانوا آمنوا بمحمد  ؛ فكان إيمانُهم به نجاتَهم في الآخرة، فكفروا به، وذلك هلاكُهم، وبالله التوفيق.

وقيل: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ ﴾ : باعوا به أَنفسهم بعرض يسير من الدنيا، بعذاب في الآخرة أَبداً.

وقوله: ﴿ بَغْياً ﴾ .

قيل: حسداً منهم؛ وذلك أَنهم قد هَووا أن يُبعث محمد  من أَولاد إسرائيل؛ لأَنهم كانوا أُمَّتَه، فلما بُعث من أَولاد إسماعيل -  - والعربُ كانت من أَولاده كفروا به، وكتموا نعته حسداً منهم.

وقوله: ﴿ أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .

يعني: النبوة والكتاب على محمد رسول الله  .

وقيل: ﴿ بَغْياً ﴾ أَي: ظلماً، ظلموا أَنفسهم بكفرهم بمحمد  ، وتكذيبهم إياه.

وقوله: ﴿ فَبَآءُو ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .

يحتمل وجهين: قيل: استوجبوا الغضب من الله؛ بكفرهم بمحمد  ، على أَثر غضب؛ بكفرهم بعيسى، وبما جاء به.

وقيل: إنما استحقوا اللَّعنة على أَثر اللَّعنةِ؛ بعصيانٍ بعد عصيانِ، وبذنب على أَثر الذنب.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ .

على محمد  من القرآن.

وقوله: ﴿ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ .

يعني التوراة، وهم لم يكونوا آمنوا بالتوراة؛ لأنهم لو كانوا آمنوا بها لكان في الإيمان بها إيمان بمحمد  وبما أُنزل عليه، وإيمان بجميع الأَنبياءِ - عليهم السلام - والرسل، وبجميع ما أُنزل عليهم؛ لأَن فيها الأَمرَ بالإِيمان بجميع الرسل وبكتبهم؛ لأَنه قال: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ ، وموافقاً له.

فالإيمان بواحد منهم إيمان بجميع الكتب، وبعضها موافق لبعض.

وقوله: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .

قيل: وراءَ التوراة كفروا بالإِنجيل والفرقان؛ كأَنه قال: كفروا بالذي وراءَه وهو الحق؛ إذ هما موافقان لما معهم، غير مخالف له.

ويحتمل: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ ﴾ يعني: وراء موسى بعيسى وبمحمد  ؛ كأَنه قال: من ورائه  .

وقوله: ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

فإن قالوا: إنا لم نقتل الأَنبياءَ، ونحن مؤمنون.

قيل لهم: إنكم - وإن لم تتولوا القتلَ - فقد رَضيتُم بصنيع أُولئك، واتبعتم لهم، مع ما قد هَمُّوا بقتل محمد  مراراً؛ ولذلك أُضيف إليهم.

وقيل: أَخبر - عز وجل - نبيَّه  غاية سفههم، وعتوهم، ومكابرتهم في تكذيبه.

وذلك: أَن النبي  دعا اليهود إلى الإِيمان به، وبما أُنزل عليه.

فقالوا: ائتنا بالآيات والقربان، وكما كانت الأَنبياء - من قبل - يأْتون بها قومهم.

يقول الله - عز وجل -: قد كانت الأَنبياء من قبل تجيء - بما تقولون - إلى آبائكم؛ من الآيات والقربان، فكانوا يقتلُونهم.

فيقول الله - عز وجل - لمحمد  : أَنْ قل لهم: لن تقتلون؟

يقول: لم قتل آباؤكم أَنبياء الله قَبْلَ محمد  وقد جاءُوا بالآيات والقربان إن كنتم صادقين بأَن الله عهد إليكم في التوراة: ألا تؤمنوا لرسول حتى يأْتيكم بقربان تأْكله النار، وقد جاءُوا به.

فَلِم قتلوهم؟!

فهو - والله أعلم - أَنهم أَخذوا هذه المحاجة من أَوائلهم، وإن علموا بما ظهرت نبوة محمد  ، وأَنه مبعوث، وأَنتم تقلدونهم، فتُقلدونهم - لو أوتيتم - كما قلدتموهم، وإن علمتم بما عاينتم؛ إذ لا حجة لكم.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

بئس الَّذي استبدلوا به حظ أنفسهم من الإيمان بالله ورسله؛ فكفروا بما أنزل الله وكذبوا رسله، ظلمًا وحسدًا بسبب إنزال النبوة والقرآن على محمد  ، فاستحقوا غضبًا مضاعفًا من الله تعالى بكفرهم بمحمد  ، وبسبب تحريفهم التوراة من قبل.

وللكافرين بنبوة محمد  عذاب مُذِلٌّ يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.aLjKG"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن قوله تعالى ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ  ﴾ إلخ متصل بقوله قبله ﴿ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ  ﴾ والمعنى أن إيمانهم كان قليلًا حال كونهم كانوا ينتظرون نبيًا وكتابًا مصدقًا لما معهم وكانوا يستفتحون به على المشركين فكيف لا يكون قليلًا، أو أقل بعد ما جاء ما كانوا ينتظرون وعرفوا أنه الحق ثم كفروا؟

فالجملة حالية، وقوله ﴿ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ  ﴾ معناه أنه موافق له في التوحيد وأصول الدين ومقاصده، والاستفتاح في قوله ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ معناه طلب الفتح وهو الفصل في الشيء والحكم ويستعمل بمعنى النصر لأنه فصل بين المتحاربين، وكانت اليهود تستفتح على مشركي العرب بالنبي المنتظر يقولون إنه سيظهر فينصر كتابه التوحيد الذي نحن عليه ويخذل الوثنية التي تنتحلونها ويبطلها، فيكون مؤيدًا لدين موسى.

﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ  ﴾ أعاد فلما جاءهم وهي عين الأولى لطول الفصل ووصل به الجواب وهو ﴿ كَفَرُوا بِهِ  ﴾ وذلك أنه راعهم كونه بعث في العرب فحسدوه فحملهم الحسد على الكفر به جحودًا وبغيًا، فسجلت عليهم اللعنة التي أصابتهم بكفرهم الأول بأن الكفر صار وصفًا لازمًا لهم ولذلك قال ﴿ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ  ﴾ ولم يقل عليهم لأن المظهر أبلغ وأهم وأشمل.

ثم ذكر علة هذا الكفر وسببه وبين فساد رأيهم فيه بقوله ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ  ﴾ أي بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم هو كفرهم بما أنزل الله مصدقًا لما معهم كما كانوا ينتظرون.

شرى الشيء واشتراه يستعمل كل منهما بمعنى باع الشيء وبمعنى ابتاعه لأن الحرف يدل على المعارضة.

وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن اشتروا هنا بمعنى باعوا أي أنهم بذلوا أنفسهم وباعوها بما حرصوا عليه من الكفر بغيًا وحسدًا للنبي، وحبًا في الرياسة واعتزازًا بالجنسية، وبما كان لكل من الرؤساء والمرؤوسين من المنافع المتبادلة في المحافظة عليها، فهذا كله يعد ثمنًا لأنفسهم التي خسروها بالكفر حتى كأنهم فقدوها كما يفقد البائع المبيع.

وذكر ابن جرير وجهًا آخر وهو أن اشتروا هنا بمعنى ابتاعوا أي أنهم جعلوا أنفسهم ثمنًا للكفر الذي ذكرت علته آنفًا.

وفيه من الزيادة على معنى المعاوضة في الوجه الأول أنهم قد أنقذوا أنفسهم بذلك الكفر، أي أنهم يزعمون ذلك ويدعونه في الظاهر، وإن كانوا في الباطن قد عرفوا أن ما جاءهم هو الحق الذي كانوا ينتظرون، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولكنهم يكتمون.

وفي فهم مما تقدم معنى قوله تعالى ﴿ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ  ﴾ فهو تعليل لكفرهم لا لشرائهم، أي كفروا به لمحض البغي الذي آثاره الحسد كراهة أن ينزل الله الوحي من فضله بمقتضى مشيئته، وأي بغي أقبح من بغي من يريد أن يحجر على فضل الله ويقيد رحمته فلا يرضى منه أن يجعل الوحي في آل إسماعيل كما جعله في آل أخيه إسحاق؟

قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يُنَزِّلَ  ﴾ بالتخفيف من الإنزال والباقون بالتشديد من التنزيل.

وأما قوله ﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ  ﴾ فهو الغضب الذي استوجبوه حديثًا بالكفر بالنبي  فوق ذلك الغضب الذي لحقهم من قبل بإعنات موسی  والكفر به، وقد ذكر في قوله ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ  ﴾ ثم توعدهم بعد الغضب المزدوج فقال ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ  ﴾ أي مقرون بالإهانة والإذلال، وبذلك صار بمعنى الآية السابقة، فكأن الجزاء واحد تكرر بتكرر الذنب.

وقال ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ  ﴾ ولم يقل ﴿ وَلَهُم  ﴾ لما في المظهر من بيان التعليل بالوصف الذي سجله عليهم كما تقدم آنفًا وهذا العذاب مطلق يشمل عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وقد تقدم أن ذنوب الأمم تتبعها عقوبتها في الدنيا لأنها أثر طبيعي لها، وإنما جعلها الله كذلك لتكون عبرة يتأدب المتأخرون بما أصاب منها المتقدمين.

وكذلك الحال في عقوبة الآخرة بالنسبة إلى الأفراد فإن عذاب كل شخص إنما يكون بحسب تأثير الجهل في عقله، وفساد الأخلاق وسوء الأعمال في نفسه.

اعتذر بعض اليهود في عصر التنزيل عن عدم الإيمان به بأن قلوبهم غلف لم تفهم الدعوة ولم تعقل الخطاب فرد الله تعالى عليهم ببيان السبب الحقيقي في ترك الإيمان، وما استحقوه عليه من الغضب والهوان.

ثم ذكر اعتذارًا آخر لهم مقرونًا بالرد والإبطال، وإقامة الحجة عليهم به فقال ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا  ﴾ صيغة الدعوة تشعر بوجوب الإيمان بما أنزل على محمد.

فإن ما أنزل عليه لو أنزل على غيره لوجب الإيمان به فإن الوحي هو المقصود بالذات والأنبياء إنما هم مبلغون، فتقييد الخضوع لوحي الله بكونه لا بد أن يكون منزلًا على شخص من شعب كذا بعينه تحكم على الله تعالى وقضاء عليه بأن تكون رحمته مقيدة بأهواء فريق من خلقه.

فإيراد الدعوة بما ذكر من الإطلاق مع إيراد الجواب مقيدًا بقيد ﴿ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا  ﴾ يشعر بقوة حجة الدعوة، ووهن ما بني عليه الجواب من الشبهة.

ثم صرح بالحقيقة وهي أنهم إنما يدعون هذا الإيمان بألسنتهم ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ  ﴾ من مدلول ولازم لا ينفك عنه كالبشارة برسول من بني إخوتهم أي ولد إسماعيل، وكون ما تثبت به نبوة محمد بمساواته لما تثبت به نبوة موسى يستلزم وجوب اتباع محمد كما اتبع موسى لأن المدلول يتبع دليله في كل زمن وكل موضوع.

قال إنهم يكفرون بما وراء المنزل إليهم ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ  ﴾ أي والحال أنه الحق الثابت في نفسه بالدليل حال كونه ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ  ﴾ فهو مؤيد عندهم بالعقل والنقل وقد كان من مكابرتهم وعنادهم ما كان فلم يبق إلا إلزامهم الحجة بما اقترفوا من فحش المخالفة لما أنزل إليهم والفسوق عنه ليعلم أنهم إنما يتبعون أهواءهم ويحكمون شهواتهم بما أنزل إليهم وما أنزل على محمد  ، ولذلك قال ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ بما أنزل إليكم وليس فيه الأمر بقتل الأنبياء بل فيه النهي الشديد عن قتل أنفسكم.

ومن مباحث اللفظ قوله: ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُم  ﴾ حال مفردة مؤكدة والأصل فيها المقارنة لما هي قيد له، وهو يتضمن إثبات كفرهم بالتوراة بالتبع لكفرهم بالقرآن المصدق لها ولو فيما صدقها فيه والكفر ببعضه كالكفر به كله كما تقدم بيانه قريبًا.

ومن مباحث اللفظ أيضًا وضع المضارع ﴿ تَقْتُلُونَ  ﴾ موضع الماضي (قتلتم) لما سبق بيانه في مثل هذا التعبير من إرادة استحضار صورة هذا الجرم الفظيع مبالغة في التقريع، وإغراقا في التشنيع، ولما كانت هذه الصيغة تدل على الحال فتوهم أن الذين في زمن التنزيل كانوا لا يزالون يقترفون هذه الجريمة على أنه لم يكن في ذلك العهد أنبياء إلا من يبكتهم ويحتج عليهم - وصلها بقوله ﴿ مِنْ قَبْلُ  ﴾ دفعًا لذلك الوهم.

والفاء في قوله ﴿ فَلِمَ  ﴾ واقعة في جواب شرط دل عليه ما بعده.

وقد سبق القول غير مرة بأن خطاب الخلف بإسناد ما كان من سلفهم إليهم مقصود لبيان وحدة الأمة وتكافلها وكونها في الأخلاق والسجايا المشتركة بين أفرادها كالشخص الواحد وبيان أن ما تبلى به الأمم من الحسنات والسيئات إنما هو أثر الأخلاق الغالبة والأعمال الفاشية فيها منبعثة عن تلك الأخلاق فيا جرى من بني إسرائيل من المنكرات لم يكن من قذفات المصادفة، وإنما كان عن أخلاق راسخة في الشعب تبع الآخرون فيها الأولين، إما بالعمل وإما بالإقرار وترك الإنكار.

ولو أنكر المجموع ما كان من بعض الأفراد لما تفاقم الأمر، ولما تمادى واستمر.

فالحجة تقوم على الحاضرين بأن الغابرين قتلوا الأنبياء فأقرهم من كان معهم ولم يعدوا ذلك خروجًا من الدين ولا رفضًا للشريعة، وتبعهم من بعدهم على ذلك، وفاعل الكفر ومجيزه واحد، وقد سبق تقرير هذا غير مرة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 17.7 / 29.5
الإضاءة 91%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل