تفسير الآية ١١١ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١١١ من سورة طه

۞ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًۭا ١١١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١١١ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١١١ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) قال ابن عباس ، وغير واحد : خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت ، القيوم : الذي لا ينام ، وهو قيم على كل شيء ، يدبره ويحفظه ، فهو الكامل في نفسه ، الذي كل شيء فقير إليه ، لا قوام له إلا به .

وقوله : ( وقد خاب من حمل ظلما ) أي : يوم القيامة ، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه ، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء .

وفي الحديث : " يقول الله تعالى : وعزتي وجلالي ، لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم " .

وفي الصحيح : " إياكم والظلم; فإن الظلم ظلمات يوم القيامة " .

والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو مشرك به ; فإن الله تعالى يقول : ( إن الشرك لظلم عظيم ) [ لقمان : 13 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) يقول تعالى ذكره: استرّت وجوه الخلق، واستسلمت للحيّ القيوم الذي لا يموت، القيوم على خلقه بتدبيره إياهم، وتصريفهم لما شاءوا، وأصل العنو الذلّ، يقال منه: عنا وجهه لربه يعنو عنوا، يعني خضع له وذلّ، وكذلك قيل للأسير: عان لذلة الأسر، فأما قولهم: أخذت الشيء عنوة، فإنه يكون وإن كان معناه يئول إلى هذا أن يكون أخذه غلبة، ويكون أخذه عن تسليم وطاعة، كما قال الشاعر: هَـلْ أنْـتَ مُطِيعـي أيُّهـا القلب عنوة ولـم تلـح نفس لـم تلـم في اختيالها (3) وقال آخر: هَــلْ أخَذُوهـا عَنْـوَةً عَـنْ مَـوَدَّةٍ وَلَكِــنْ بِحَــدِّ المَشْـرَفِي اسْـتَقالَهَا (4) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) يقول: ذلت.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) يعني بعنت: استسلموا لي.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ ) قال: خشعت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيْج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) أي ذلَّت الوجوه للحيّ القيوم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) قال: ذلت الوجوه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: قال طلق: إذا سجد الرجل فقد عنا وجهه، أو قال: عنا.

حدثني أبو حُصَن عبد الله بن أحمد، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن مرة عن طلق بن حبيب، في هذه الآية ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) قال: هو وضع الرجل رأسه ويديه وأطراف قدميه.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيل، عن ليث، عن عمرو بن مرّة، عن طلق بن حبيب في قوله ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) قال: وهو وضعك جبهتك وكفيك وركبتيك وأطراف قدميك في السجود.

حدثنا خلاد بن أسلم، قال ثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن عمرو بن مرّة، عن طلق بن حبيب في قوله ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) قال: وضع الجبهة والأنف على الأرض.

حدثني يعقوب: قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن مرّه، عن طلق بن حبيب، في قوله ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) قال: هو السجود على الجبهة والراحة والركبتين والقدمين.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) قال: أستأسرت الوجوه للحيّ القيوم، صاروا أسارى كلهم له، قال: والعاني: الأسير، وقد بيَّنا معنى الحيّ القيوم فيما مضى، بما أغنى عن إعادته هاهنا.

وقوله ( وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ) يقول تعالى ذكره: ولم يظفر بحاجته وطلبته من حمل إلى موقف القيادة شركا بالله، وكفرا به، وعملا بمعصيته.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ( وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ) قال: من حمل شركا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ) قال: من حمل شركا.

الظلم هاهنا: الشرك.

--------------- الهوامش: (3) لم أقف على قائل البيت .

وعنوة : قال في اللسان ( عنو ) في حديث الفتح أنه دخل مكة عنوة : أي قهرا وغلبة .

قال ابن الأثير : هو من عنا يعنو : إذا ذل وخضع .

والعنوة : المرة منه ، كأن المأخوذ بها يخضع ويذل .

وأخذت البلاد عنوة : بالقهر والإذلال .

ابن الأعرابي : عنا يعنو : إذا أخذ الشيء قهرا .

وعنا يعنو عنوة : إذا أخذ الشيء صلحا ، بإكرام ورفق .

والعنوة أيضا المودة قال الأزهري : أخذت الشيء عنوة : يعني غلبة ، ويكون عن تسليم وطاعة مما يؤخذ منه الشيء .

وأنشد الفراء لكثير : فَمَــا أخَذُوهـا عَنْـوَةً عَـنْ مَـوَدَّةٍ وَلَكِـنَّ ضَـرْبَ المَشْـرَفِيّ اسْـتَقَالَهَا فهذا على معنى التسليم والطاعة بلا قتال .

وقال الأخفش في قوله تعالى : " وعنت الوجوه " : استأسرت .

قال : والعاني : الأسير .

وقال أبو الهيثم : العاني الخاضع .

(4) البيت لكثير عزة ، كما في ( اللسان : عنا ) وقد تقدم القول في معناه في الشاهد السابق عليه .

المشرفي : السيف منسوب إلى قرية يقال لها مشارف بالشام أو اليمن .

واستقلالها : أخذها وانتزاعها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضماقوله تعالى : وعنت الوجوه أي ذلت وخضعت ؛ قاله ابن الأعرابي وغيره .

ومنه قيل للأسير عان .

قال أمية بن أبي الصلت :[ ص: 161 ]مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجدوقال أيضا :وعنا له وجهي وخلقي كله في الساجدين لوجهه مشكوراقال الجوهري عنا يعنو خضع وذل وأعناه غيره ؛ ومنه قوله تعالى : وعنت الوجوه للحي القيوم .

ويقال أيضا : عنا فيهم فلان أسيرا ؛ أي قام فيهم على إساره واحتبس .

وعناه غيره تعنية حبسه .

والعاني الأسير .

وقوم عناة ونسوة عوان .

وعنت أمور نزلت .

وقال ابن عباس : عنت ذلت .

وقال مجاهد : خشعت .

الماوردي : والفرق بين الذل والخشوع - وإن تقارب معناهما - أن الذل أن يكون ذليل النفس ، والخشوع أن يتذلل لذي طاعة .

وقال الكلبي عنت أي علمت .

عطية العوفي : استسلمت .

وقال طلق بن حبيب : إنه وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود .

النحاس : وعنت الوجوه في معناه قولان : أحدهما : أن هذا في الآخرة .

وروى عكرمة عن ابن عباس وعنت الوجوه للحي القيوم قال : الركوع والسجود ؛ ومعنى ( عنت ) في اللغة القهر والغلبة ؛ ومنه فتحت البلاد عنوة أي غلبة ؛ قال الشاعر [ كثير ] :فما أخذوها عنوة عن مودة ولكن ضرب المشرفي استقالهاوقيل : هو من العناء بمعنى التعب ؛ وكنى عن الناس بالوجوه ؛ لأن آثار الذل إنما تتبين في الوجه .

للحي القيوم وفي القيوم ثلاث تأويلات ؛ أحدهما : أنه القائم بتدبير الخلق .

الثاني : أنه القائم على كل نفس بما كسبت .

الثالث : أنه الدائم الذي لا يزول ولا يبيد .

وقد مضى في ( البقرة ) هذا وقد خاب من حمل ظلما أي خسر من حمل شركا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيات من 110 الى 112 :ـوينقسم الناس في ذلك الموقف قسمين: ظالمين بكفرهم وشرهم، فهؤلاء لا ينالهم إلا الخيبة والحرمان، والعذاب الأليم في جهنم، وسخط الديان.

والقسم الثاني: من آمن الإيمان المأمور به، وعمل صالحا من واجب ومسنون { فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا } أي: زيادة في سيئاته { وَلَا هَضْمًا } أي: نقصا من حسناته، بل تغفر ذنوبه، وتطهر عيوبه، وتضاعف حسناته، { وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وعنت الوجوه للحي القيوم ) ذلت وخضعت ، ومنه قيل للأسير : عان .

وقال طلق بن حبيب : هو السجود على الجبهة للحي القيوم ، ( وقد خاب من حمل ظلما ) قال ابن عباس : خسر من أشرك بالله ، والظلم هو الشرك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وعنت الوجوه» خضعت «للحي القيوم» أي الله «وقد خاب» خسر «من حَمَلَ ظلماً» أي شركاً.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وخضعت وجوه الخلائق، وذلَّت لخالقها، الذي له جميع معاني الحياة الكاملة كما يليق بجلاله الذي لا يموت، القائم على تدبير كلِّ شيء، المستغني عمَّن سواه.

وقد خسر يوم القيامة مَن أشرك مع الله أحدًا من خلقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَيِّ القيوم .

.

.

) مؤكد ومقرر لما قبله من خشوع الأصوات يوم القيامة للرحمن ، ومن عدم الشفاعة لأحد إلا بإذنه - عز وجل - .والفعل ( وَعَنَتِ ) بمعنى ذلت يقال : عنضا فلان يعنو عُنوا - من باب سما - إذا ذل لغيره وخضع وخشع ، ومنه قيل للأسير عانٍ لذله وخضوعه لمن أسره .أى : وذلت وجوه الناس وخضعت فى هذا اليوم لله - تعالى - وحده ( الحى ) أى : الباقى الذى له الحياة الدائمة التى لا فناء معها ( القيوم ) أى : الدائم القيام بتدبير أمر خلقه وإحيائهم وإماتتهم ورزقهم .

.

.

وسائر شئونهم .وهذا اللفظ مبالغة فى القيام .

وأصله قيووم بوزن فيعول .

.

.

من قام بالأمر .

إذا حفظه ودبره .وخصت الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء ، وآثار الذل أكثر ما تكون ظهورا عليها .وظاهر القرآن يفيد أن المراد بالوجوه جميعها ، سواء أكانت للمؤمنين أم لغيرهم ، فالكل يوم القيامة خاضع لله - تعالى - ومستسلم لقضائه ، فالألف واللام للاستغراق .قال ابن كثير : قوله - تعالى - : ( وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَيِّ القيوم ) قال ابن عباس وغير واحد - من السلف - خضعة وذلت واستسلمت الخلائق لخالقها وجبارها الحى الذى لا يموت .

.

.ويرى بعضهم أن المراد بالوجوه التى ذلت وخشعت فى هذا اليوم ، وجوه الكفار والفاسقين ، وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقال : المراد بالوجوه وجوه العصاة ، وأنهم إذا عاينوا - يوم القيامة - الخيبة والشقوة وسوء الحساب وصارت وجوههم عانية ، أى : ذليلة خاشعة ، مثل وجوه العناة وهم الأسارى ، ونحوه قوله - تعالى - : ( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ ) ويبدو لنا أن القول الأول أقرب إلى الصواب ، لأن جميع الوجوه يوم القيامة تكون خاضعة لحكم الله - تعالى - ومستسلمة لقضائه .وقوله : ( وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ) جملة حالية ، أى : ذلت جميع الوجوه لله - تعالى - يوم القيامة ، والحال أنه قد خاب وخسر من حمل فى دنياه ظلما ، أى : شركا بالله - تعالى - أو فسوقا عن أمره - سبحانه - ولم يقدم العمل الصالح الذى ينفعه فى ذلك اليوم العسير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما شرح قصة موسى عليه السلام مع فرعون أولاً ثم مع السامري ثانياً أتبعه بقوله: ﴿ كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ من سائر أخبار الأمم وأحوالهم تكثيراً لشأنك وزيادة في معجزاتك وليكثر الاعتبار والاستبصار للمكلفين بها في الدين: ﴿ وَقَدْ اتيناك مِن لَّدُنَّا ذِكْراً ﴾ يعني القرآن كما قال تعالى: ﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أنزلناه  ﴾ ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ  ﴾ ﴿ والقرءان ذِي الذكر  ﴾ ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ  ﴾ ﴿ يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر  ﴾ ثم في تسمية القرآن بالذكر وجوه: أحدها: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم.

وثانيها: أنه يذكر أنواع آلاء الله تعالى ونعمائه ففيه التذكير والمواعظ.

وثالثها: فيه الذكر والشرف لك ولقومك على ما قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ ، واعلم أن الله تعالى سمى كل كتبه ذكراً فقال: ﴿ فاسألوا أَهْلَ الذكر  ﴾ وكما بين نعمته بذلك بين شدة الوعيد لمن أعرض عنه ولم يؤمن به من وجوه: أولها: قوله: ﴿ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ ﴾ فإنه يحمل يوم القيامة وزراً والوزر هو العقوبة الثقيلة سماها وزراً تشبيهاً في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها الذي يثقل على الحامل وينقض ظهره أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم وقرئ يحمل، ثم بين تعالى صفة ذلك الوزر من وجهين: أحدهما: أنه يكون مخلداً مؤبداً.

والثاني: قوله: ﴿ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً ﴾ أي وما أسوأ هذا الوزر حملاً أي محمولاً وحملاً منصوب على التمييز.

وثانيها: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور ﴾ فالمراد بيان أن يوم القيامة هو يوم ينفخ في الصور وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو ننفخ بفتح النون كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُ ﴾ وقرأ الباقون ينفخ على ما لم يسم فاعله ونحشر بالنون لأن النافخ ملك التقم الصور والحاشر هو الله تعالى، وقرئ يوم ينفخ بالياء المفتوحة على الغيبة والضمير لله تعالى أو لإسرافيل عليه السلام، وأما: يحشر المجرمين فلم يقرأ به إلا الحسن وقرئ في الصور بفتح الواو جمع صورة.

المسألة الثانية: ﴿ فِى الصور ﴾ قولان: أحدهما: أنه قرن ينفخ فيه يدعي به الناس إلى المحشر.

والثاني: أنه جمع صورة والنفخ نفخ الروح فيه ويدل عليه قراءة من قرأ: الصور بفتح الواو والأول أولى لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور  ﴾ والله تعالى يعرف الناس أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوق عند الأسفار وفي العساكر.

المسألة الثالثة: المراد من هذا النفخ هو النفخة الثانية لأن قوله بعد ذلك: ﴿ وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً ﴾ كالدلالة على أن النفخ في الصور كالسبب لحشرهم فهو نظير قوله: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً  ﴾ ، أما قوله: ﴿ وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة قوله: ﴿ المجرمين ﴾ يتناول الكفار والعصاة فيدل على عدم العفو عن العصاة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر، وقد تقدم هذا الكلام.

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بالزرقة على وجوه: أحدها: قال الضحاك ومقاتل: يعني زرق العيون سود الوجوه وهي زرقة تتشوه بها خلقتهم والعرب تتشاءم بذلك، فإن قيل: أليس أن الله تعالى أخبر أنهم: يحشرون عمياً فكيف يكون أعمى وأزرق؟

قلنا: لعله يكون أعمى في حال وأزرق في حال.

وثانيها: المراد من الزرقة العمى.

قال الكلبي: زرقاً أي عمياً، قال الزجاج: يخرجون بصراء في أول مرة ويعمون في المحشر.

وسواد العين إذا ذهب تزرق فإن قيل: كيف يكون أعمى، وقد قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار  ﴾ وشخوص البصر من الأعمى محال، وقد قال في حقهم: ﴿ اقرأ كتابك  ﴾ والأعمى كيف يقرأ.

فالجواب: أن أحوالهم قد تختلف.

وثالثها: قال أبو مسلم: المراد بهذه الزرقة شخوص أبصارهم والأزرق شاخص لأنه لضعف بصره يكون محدقاً نحو الشيء يريد أن يتبينه وهذه حال الخائف المتوقع لما يكره وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار  ﴾ .

ورابعها: زرقاً عطاشاً هكذا رواه ثعلب عن ابن الأعرابي قال: لأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حتى تزرق ويدل على هذا التفسير قوله تعالى: ﴿ وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً  ﴾ .

وخامسها: حكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: طامعين فيما لا ينالونه.

الصفة الثالثة: من صفات الكفار يوم القيامة قوله تعالى: ﴿ يتخافتون بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: يتخافتون أي يتسارون.

يقال: خفت يخفت وخافت مخافتة والتخافت السرار وهو نظير قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً  ﴾ وإنما يتخافتون لأنه امتلأت صدورهم من الرعب والهول أو لأنهم صاروا بسبب الخوف في نهاية الضعف فلا يطيقون الجهر.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن المراد بقوله: ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ ﴾ اللبث في الدنيا أو في القبر، فقال قوم أرادوا به اللبث في الدنيا، وهذا قول الحسن وقتادة والضحاك، واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ قَٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ  قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ  ﴾ فإن قيل: إما أن يقال إنهم نسوا قدر لبثهم في الدنيا، أو ما نسوا ذلك، والأول غير جائز إذ لو جاز ذلك لجاز أن يبقى الإنسان خمسين سنة في بلد ثم ينساه.

والثاني: غير جائز لأنه كذب وأهل الآخرة لا يكذبون لا سيما وهذا الكذب لا فائدة فيه قلنا فيه وجوه: أحدها: لعلهم إذا حشروا في أول الأمر وعاينوا تلك الأهوال فلشدة وقعها عليهم ذهلوا عن مقدار عمرهم في الدنيا وما ذكروا إلا القليل فقالوا: ليتنا ما عشنا إلا تلك الأيام القليلة في الدنيا حتى لا نقع في هذه الأهوال، والإنسان عند الهول الشديد قد يذهل عن أظهر الأشياء وتمام تقريره مذكور في سورة الأنعام في قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ .

وثانيها: أنهم عالمون بمقدار عمرهم في الدنيا إلا أنهم لما قابلوا أعمارهم في الدنيا بأعمار الآخرة وجدوها في نهاية القلة فقال بعضهم: ما لبثنا في الدنيا إلا عشرة أيام وقال أعقلهم: بل ما لبثنا إلا يوماً واحداً أي قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى قدر لبثنا في الآخرة كعشرة أيام بل كاليوم الواحد بل كالعدم، وإنما خص العشرة والواحد بالذكر لأن القليل في أمثال هذه المواضع لا يعبر عنه إلا بالعشرة والواحد.

وثالثها: أنهم لما عاينوا الشدائد تذكروا أيام النعمة والسرور وتأسفوا عليها فوصفوها بالقصر لأن أيام السرور قصار.

ورابعها: أن أيام الدنيا قد انقضت وأيام الآخرة مستقبلة والذاهب وإن طالت مدته قليل بالقياس إلى الآتي وإن قصرت مدته فكيف والأمر بالعكس ولهذه الوجوه رجح الله تعالى قول من بالغ في التقليل فقال: ﴿ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴾ .

القول الثاني: أن المراد منه اللبث في القبر ويعضده قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ  ﴾ وقال: ﴿ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كتاب الله إلى يَوْمِ البعث  ﴾ فأما من جوز الكذب على أهل القيامة فلا إشكال له في الآية، أما من لم يجوز، قال: إن الله تعالى لما أحياهم في القبر وعذبهم ثم أماتهم ثم بعثهم يوم القيامة لم يعرفوا أن قدر لبثهم في القبر كم كان، فخطر ببال بعضهم أنه في تقدير عشرة أيام، وقال آخرون: إنه يوم واحد، فلما وقعوا في العذاب مرة أخرى، تمنوا زمان الموت الذي هو زمان الخلاص لما نالهم من هول العذاب.

المسألة الثالثة: الأكثرون على أن قوله: ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً ﴾ أي عشرة أيام، فيكون قول من قال: ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴾ أقل وقال مقاتل: ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً ﴾ أي عشر ساعات كقوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضحاها  ﴾ وعلى هذا التقدير يكون اليوم أكثر، والله أعلم واعلم أنه سبحانه وتعالى بين بهذا القول أعظم ما نالهم من الحيرة التي دفعوا عندها إلى هذا الجنس من التخافت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المراد بالوجوه وجوه العصاة، وأنهم إذا عاينوا- يوم القيامة- الخيبة والشقوة وسوء الحساب، صارت، وجوههم عانية، أي ذليلة خاشعة، مثل وجوه العناة وهم الأسارى.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيَّئَتْ وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ ﴾ [الملك: 27] ، ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ﴾ [القيامة: 24] .

وقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ خَابَ ﴾ وما بعده اعتراض، كقولك: خابوا وخسروا.

وكلّ من ظلم فهو خائب خاسر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ ما تَقَدَّمَهم مِنَ الأحْوالِ.

﴿ وَما خَلْفَهُمْ ﴾ وما بَعْدَهم مِمّا يَسْتَقْبِلُونَهُ.

﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ ولا يُحِيطُ عِلْمُهم بِمَعْلُوماتِهِ، وقِيلَ بِذاتِهِ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِأحَدِ المَوْصُولَيْنِ أوْ لِمَجْمُوعِهِما، فَإنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا جَمِيعَ ذَلِكَ ولا تَفْصِيلَ ما عَلِمُوا مِنهُ.

﴿ وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ ﴾ ذَلَّتْ وخَضَعَتْ لَهُ خُضُوعَ العُناةِ وهُمُ الأسارى في يَدِ المَلِكِ القَهّارِ، وظاهِرُها يَقْتَضِي العُمُومَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها وُجُوهُ المُجْرِمِينَ فَتَكُونُ اللّامُ بَدَلَ الإضافَةِ ويُؤَيِّدُهُ.

﴿ وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ وهو يَحْتَمِلُ الحالَ والِاسْتِئْنافَ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ عَنَتْ وُجُوهُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَعَنَتِ} خضعت وذلت ومنه قيل للأسير عانٍ {الوجوه}

أي أصحابها {لِلْحَىّ} الذي لا يموت وكل حياة يتعقبها الموت فهي كأن لم تكن {القيوم} الدائم القائم عل كل نفس بما كسبت أو القائم بتدبير الخلق {وَقَدْ خَابَ} يئس من رحمة الله {مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} من حمل إلى موقف القيامة شركاً لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ولا ظلم أشد من جعل

طه (١١٦ - ١١٢)

المخلوق شريك من خلقه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ ﴾ أيْ ذَلَّتْ وخَضَعَتْ خُضُوعَ العُناةِ أيِ الأسارى، والمُرادُ بِالوُجُوهِ إمّا الذَّواتُ وإمّا الأعْضاءُ المَعْلُومَةُ وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ وآثارُ الذُّلِّ أوَّلُ ما تَظْهَرُ فِيها، وألْ فِيها لِلْعَهْدِ أوْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ وُجُوهُ المُجْرِمِينَ فَتَكُونُ الآيَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ واخْتارَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ اعْتِراضًا ووَضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِيَكُونَ أبْلَغَ، وقِيلَ: الوُجُوهُ الأشْرافُ أيْ عُظَماءُ الكَفَرَةِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الهَيْبَةِ ولُصُوقُ الذِّلَّةِ بِهِمْ أوْلى والظُّلْمُ الشِّرْكُ وجُمْلَةُ ﴿ وقَدْ خابَ ﴾ إلَخْ حالٌ والرّابِطُ الواوُ لا مُعْتَرِضَةٌ لِأنَّها فِي مُقابَلَةٍ وهو مُؤْمِنٌ فِيما بَعْدُ، انْتَهى.

قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: الظّاهِرُ مَعَ الزَّمَخْشَرِيِّ والتَّقابُلُ المَعْنَوِيُّ كافٍ فَإنَّ الِاعْتِراضَ لا يَتَقاعَدُ عَنِ الحالِ.

انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ مِمّا لا يَخْتَصُّ بِتَفْسِيرِ الوُجُوهِ بِالإشْرافِ وجَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا بَلْ يَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُجْرِمِينَ الكُفّارُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَدْ خابَ ﴾ إلَخْ خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى ولَمْ يَتُبْ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الظّاهِرُ أنَّ ألْ لِلِاسْتِغْراقِ أيْ خَضَعَتْ واسْتَسْلَمَتْ جَمِيعُ الوُجُوهِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وقَدْ خابَ ﴾ إلَخْ يَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ والحالِيَّةَ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا المُشْرِكُونَ وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ العُصاةِ، وخَيْبَةُ كُلِّ حامِلٍ بِقَدْرِ ما حَمَلَ مِنَ الظُّلْمِ، فَخَيْبَةُ المُشْرِكِ دائِمَةٌ، وخَيْبَةُ المُؤْمِنِ العاصِي مُقَيَّدَةٌ بِوَقْتِ العُقُوبَةِ إنْ عُوقِبَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ مَعْنى- الحَيِّ القَيُّومِ- في آيَةِ الكُرْسِيِّ.

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ وذلك أن بني ثقيف من أهل مكة قالوا: يا رسول الله، كيف تكون الجبال يوم القيامة فنزل وَيَسْئَلُونَكَ، يعني: عن أمر الجبال.

فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً، يعني: يقلعها ربي قلعاً من أمكنتها.

والنسف: التذرية أي، تصيير الجبال كالهباء المنثور.

فَيَذَرُها قَاعاً صَفْصَفاً قال القتبي: القاع واحدة القيعة، وهي الأرض التي يعلوها السراب كالماء، والصفصف: المستوي.

وقال السدي: القاع الأملس، والصفصف المستوي.

لاَّ تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً، يعني: لا ترى فيها صعوداً ولا هبوطاً، ويقال: لا ترى فيها أودية، ولا أَمْتاً يعني: ولا شخوصاً.

والأمت في كلام العرب: ما نشز من الأرض.

ثم قال عز وجل: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ، يعني: يقصدون نحو الداعي.

لاَ عِوَجَ لَهُ يعني: لا عوج لهم عنه، ومعناه: لا يميلون يميناً ولا شمالاً، وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ يعني: ذلت وسكنت وخفضت الكلمات لِلرَّحْمنِ يعني: لهيبة الرحمن.

فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً، يعني: كلاماً خفياً، ويقال: صوت الأقدام كهمس الإبل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً معناه: أثبتهم نفساً يقول: إن لبثتم إلاَّ يوماً، أي: فهم في هذه المقالة يظنون أن هذا قدر لبثهم.

وقوله سبحانه: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ ...

الآية، السائلُ: قِيلَ: رجلٌ من ثقيف، وقيل: السائل: جماعةٌ من المؤمنين، ورُوِي: أن الله تعالى يرسل على الجبال رِيحاً، فتدكدكها حتى تكون كالعِهْن المنفوش، ثم تتوالى عليها حتى تُعِيدها كالهَبَاءِ المُنْبَثِّ، فذلك هو النسفُ.

والقَاعُ: هو المستوي من الأرض، والصَّفْصَفِ: نحوه في المعنى.

والأمَتُ: ما يعترى الأرضَ من ارتفاع وانخفاض.

وقولُه: لاَ عِوَجَ لَهُ يحتمل: أن يُرِيدَ الإخبارَ به، أي: لا شَكَّ فيه، ولا يخالف وجوده خبره، ويحتمل: أن يريدَ لا مَحِيدَ لأحدٍ عن اتباع الدَّاعِي، والمشْيِ نحو صَوْته، والخشوعُ: التَّطَامُنُ، والتواضُعُ، وهو في الأصوات استعارة بمعنى الخفاء.

والهَمْسُ: الصَّوْتُ الخفيُّ الخَافِتُ، وهو تخافُتُهم بينهم، وكَلاَمُهم السر، ويحتمل أن يريد صوتَ الأقْدام وفي «البُخَاري» «١» : هَمْساً: صوت الأقدام، انتهى.

ومن في قوله إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ يحتمل أن تكون للشافع، ويحتمل أن تكون للمشفوع فيه.

وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١)

وقوله تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ معناه: ذلّت، وخضعت، والعاني: الأسير ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم في أمر النساء: «هن عوان عندكم» وهذه حالةُ النَّاس يومَ القيامة.

قال ص: وَعَنَتْ: من عَنَا يَعْنُو: ذَلَّ، وخَضَعَ قال أُمَيَّةُ بن أبي الصلت:

[الطويل]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ ؛ أيْ: كَما قَصَصْنا عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ مِن نَبَأِ مُوسى وقَوْمِهِ، نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴿ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ ﴾ ؛ أيْ: مِن أخْبارِ مَن مَضى، والذِّكْرُ هاهُنا: القُرْآنُ.

﴿ مَن أعْرَضَ عَنْهُ ﴾ فَلَمْ يُؤْمِن ولَمْ يَعْمَلْ بِما فِيهِ، ﴿ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يُحَمَّلُ ) بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.

﴿ وِزْرًا ﴾ ؛ أيْ: إثْمًا، ﴿ خالِدِينَ فِيهِ ﴾ ؛ أيْ: في عَذابِ ذَلِكَ الوِزْرِ، ﴿ وَساءَ لَهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وساءَ الوِزْرُ لَهم ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا ﴾ ، و ﴿ حِمْلا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( نَنْفُخُ ) بِالنُّونِ.

وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: ( يُنْفَخُ ) بِالياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَوْمَ يَنْفُخُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الفاءِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ.

﴿ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ( ويَحْشُرُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ: ( ويُحْشَرُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الشِّينِ، ( المُجْرِمُونَ ) بِالواوِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ: المُشْرِكُونَ.

﴿ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُمْيًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بِيضَ العُيُونِ مِنَ العَمى، قَدْ ذَهَبَ السَّوادُ والنّاظِرُ.

والثّانِي: زَرْقَ العُيُونِ مِن شِدَّةِ العَطَشِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والمُرادُ: أنَّهُ يُشَوِّهُ خَلْقَهم بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقِ العُيُونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: يَسارُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ﴿ إنْ لَبِثْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: ما لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرَ لَيالٍ.

وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّقْلِيلِ لا عَلى وجْهِ التَّحْدِيدِ.

وَفِي مُرادِهِمْ بِمَكانِ هَذا اللُّبْثِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُبُورُ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَنَوْا طُولَ ما لَبِثُوا فِيها، رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ لَبِثْتُمْ بَعْدَ المَوْتِ إلّا عَشْرًا.

والثّانِي: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وهو أرْبَعُونَ سَنَةً، فَإنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ حِينَئِذٍ، فَيَسْتَقِلُّونَ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما يُعايِنُونَ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم عَنَوْا لُبْثَهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً ﴾ ؛ أيْ: أعْقَلُهم وأعْدَلُهم قَوْلًا، ﴿ إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا ﴾ فَنَسِيَ القَوْمُ مِقْدارَ لُبْثِهِمْ لِهَوْلِ ما عايَنُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الداعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا ﴾ ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ ﴿ وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ المَعْنى: يَوْمَ نَنْسِفُ الجِبالَ يَتْبَعُ الخَلائِقُ داعِيَ اللهِ تَعالى إلى المَحْشَرِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُهْطِعِينَ إلى الداعِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ لا عِوَجَ لَهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الإخْبارَ بِهِ، أيْ: لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودُهُ خَبَرَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ.

و"الخُشُوعُ": التَطامُنُ والتَواضُعُ، وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ والِاسْتِسْرارِ، ومَعْنى: "لِلرَّحْمَنِ": لِهَيْبَتِهِ وهَوْلِ مَطْلَعِ قُدْرَتِهِ.

و"الهَمْسُ": الصَوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ "بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ" تَخافُتَهم بَيْنَهم وكَلامَهُمُ السِرَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ، وأنَّ أصْواتَ النُطْقِ ساكِنَةٌ.

و "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، ويَكُونُ "مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ يُرادُ بِها المَشْفُوعُ لَهُ، فَكَأنَّ المَعْنى: إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ في أنْ يَشْفَعَ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى تَقْدِيرِ: لَكِنَّ مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ يَشْفَعُ، فَـ "مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَما يَجُوزُ الوَجْهانِ في قَوْلِكَ: "ما في الدارِ أحَدٌ إلّا حِمارًا، وإلّا حِمارٌ"، والنُصْبُ أوجَهُ، و "مَن" - عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ - لِلشّافِعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ خَلْقَهُ أجْمَعَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَرْتِيبٍ ما بَيْنَ اليَدِ وما خَلْفَهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، عَلى أنَّ جَماعَةً مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا في هَذِهِ الآيَةِ: ما خَلْفَهُمُ: الدُنْيا، وما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: أمْرُ الآخِرَةِ والثَوابُ والعِقابُ، وهَذا بِأنْ يَعْرِضَها حالَةَ وُقُوفٍ حَتّى يَجْعَلَها كالأجْرامِ، وأمّا إنْ قَدَّرْناها في نَسَقِ الزَمانِ فالأمْرُ عَلى العَكْسِ بِحُكْمِ ما بَيَّناهُ قَبْلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَنَتِ الوُجُوهُ ﴾ مَعْناهُ: ذَلَّتْ، والعانِي: الأسِيرُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في أمْرِ النِساءِ: «هُنَّ عِوانٍ عِنْدَكم»، وهَذِهِ حالَةُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: أرادَ تَعالى سُجُودَ الناسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَبْعَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنْ كانَ رُوِيَ هَذا أنَّ الناسَ يَوْمَ القِيامَةِ سُجُودًا، وجَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ إخْبارًا فَقَوْلُهُ مُسْتَقِيمٌ، وإنْ كانَ أرادَ سُجُودَ الدُنْيا فَإنَّهُ أفْسَدَ المَعْنى، و"القَيُّومُ" بِناءُ مُبالِغَةٍ مِن قِيامِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِما يَجِبُ فِيهِ.

و"خابَ" مَعْناهُ: لَمْ يَنْجَحْ ولا ظَفِرَ بِمَطْلُوبِهِ، و"الظُلْمُ" يَعُمُ الشِرْكَ والمَعاصِي، وخَيْبَةُ كُلِّ حامِلٍ بِقَدْرِ ما حَمَلَ مِنَ الظُلْمِ، فَخَيْبَةُ المُشْرِكِ عَلى الإطْلاقِ، وخَيْبَةُ العاصِي مُقَيَّدَةٌ بِوَقْتٍ وحَدٍّ في العُقُوبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما جرى ذكر البعث ووصف ما سينكشف للذين أنكروه من خطئهم في شبهتهم بتعذر إعادة الأجسام بعد تفرق أجزائها ذكرت أيضاً شبهة من شبهاتهم كانوا يسألون بها النبي صلى الله عليه وسلم سؤال تعنت لا سؤال استهداء، فكانوا يحيلون انقضاء هذا العالم ويقولون: فأيْن تكون هذه الجبال التي نراها.

وروي أنّ رجلاً من ثقيف سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهم أهل جبال لأن موطنهم الطائف وفيه جبل كَرَى.

وسواء كان سؤالهم استهزاء أم استرشاداً، فقد أنبأهم الله بمصير الجبال إبطالاً لشبهتهم وتعليماً للمؤمنين.

قال القرطبي: «جاء هنا (أي قوله ﴿ فَقُلْ يَنسِفُهَا ﴾ ) بفاء وكل سؤال في القرآن «قل» (أي كل جواب في لفظ منه مادة سؤال) بغير فاء إلا هذا، لأن المعنى إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط، وقد علم أنّهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال.

وتلك أسئلة تقدمت سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فجاء الجواب عقب السؤال ا.

ه».

وأكد ﴿ ينسفها نسفاً ﴾ لإثبات أنه حقيقة لا استعارة.

فتقدير الكلام: ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً...

إلى آخره، وننسف الجبال نسفاً، فقل ذلك للذين يسألونك عن الجبال.

والنسف: تفريق وإذراء، وتقدم آنفاً.

والقاع: الأرض السهلة.

والصفصف: الأرض المستوية التي لا نتوء فيها.

ومعنى ﴿ يذرها قاعاً صفصفاً ﴾ أنها تندك في مواضعها وتسوى مع الأرض حتى تصير في مستوى أرضها، وذلك يحصل بزلزال أو نحوه، قال تعالى: ﴿ إذا رُجّت الأرض رجّاً وبُسّت الجبال بسّاً فكانت هباء منبثّاً ﴾ [الواقعة: 4 6].

وجملة ﴿ لا ترى فيها عِوَجاً ولا أمْتاً ﴾ حال مؤكدة لمعنى ﴿ قَاعاً صَفصفاً ﴾ لزيادة تصوير حالة فيزيد تهويلها.

والخطاب في ﴿ لا ترى فيها عوجاً ﴾ لغير معين يخاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم سائليه.

والعوج بكسر العين وفتح الواو: ضد الاستقامة، ويقال: بفتح العين والواو كذلك فهما مترادفان على الصحيح من أقوال أيمة اللّغة.

وهو ما جزم به عمرو واختاره المرزوقي في «شرح الفصيح».

وقال جماعة: مكسورُ العين يجري على الأجسام غير المنتصبة كالأرض وعلى الأشياء المعنوية كالدين.

ومفتوحُ العين يوصف به الأشياء المنتصبة كالحائط والعصا، وهو ظاهر ما في «لسان العرب» عن الأزهري.

وقال فريق: مكسور العين توصف به المعاني، ومفتوح العين توصف به الأعيان.

وهذا أضعف الأقوال.

وهو منقول عن ابن دريد في «الجمهرة» وتبعه في «الكشاف» هنا، وكأنه مال إلى ما فيه من التفرقة في الاستعمال، وذلك من الدقائق التي يميل إليها المحققون.

ولم يعرج عليه صاحب «القاموس»، وتعسف صاحب «الكشاف» تأويل الآية على اعتباره خلافاً لظاهرها.

وهو يقتضي عدم صحة إطلاقه في كل موضع.

وتقدم هذا اللّفظ في أول سورة الكهف فانظره.

والأمْت: النتوء اليسير، أي لا ترى فيها وهدة ولا نتوءاً ما.

والمعنى: لا ترى في مكان فسْقها عوجاً ولا أمتاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَجْعَلُها كالرَّمْلِ ثُمَّ يُرْسِلُ عَلَيْها الرِّياحَ فَتُفَرِّقُها كَما يَذْرِي الطَّعامُ.

الثّانِي: تَصِيرُ كالهَباءِ.

﴿ فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا ﴾ في القاعِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المَوْضِعُ المُسْتَوِي الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: الأرْضُ المَلْساءُ.

الثّالِثُ: مُسْتَنْقَعُ الماءِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَفي الصَّفْصَفِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما لا نَباتَ فِيهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ المَكانُ المُسْتَوِي، كَأنَّهُ قالَ عَلى صَفٍّ واحِدٍ في اسْتِوائِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عِوَجًا يَعْنِي وادِيًا، ولا أمْتًا يَعْنِي رابِيَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عِوَجًا يَعْنِي صَدْعًا، ولا أمْتًا يَعْنِي أكَمَةً، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: عِوَجًا يَعْنِي مَيْلًا.

وَلا أمْتًا يَعْنِي أثَرًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: الأمْتُ الجَذْبُ والِانْثِناءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ٨٩ ( ما في انْطِلاقِ سَيْرِهِ مِن أمْتِ قالَهُ قَتادَةُ.

الخامِسُ: الأمْتُ أنْ يَغْلُظَ مَكانٌ في الفَضاءِ أوِ الجَبَلِ، ويَدِقُّ في مَكانٍ، حَكاهُ الصُّولِيُّ، فَيَكُونُ الأمْتُ مِنَ الصُّعُودِ والِارْتِفاعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ خَضَعَتْ بِالسُّكُونِ، قالَ الشّاعِرُ: لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَصَدَّعَتْ ∗∗∗ سُوَرُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ ﴿ إلا هَمْسًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: تَحْرِيكُ الشَّفَةِ واللِّسانِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: فَلا يَنْطِقُونَ إلّا هَمْسًا.

الثّالِثُ: نَقْلُ الأقْدامِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ، قالَ الرّاجِزُ: وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسا يَعْنِي أصْواتَ أخْفافِ الإبِلِ في سَيْرِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وسع كل شيء علماً ﴾ يقول: ملأ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي زيد في قوله: ﴿ وقد آتيناك من لدنا ذكراً ﴾ قال: القرآن.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ يحمل يوم القيامة وزراً ﴾ قال: إثماً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وساء لهم يوم القيامة حملاً ﴾ يقول: بئس ما حملوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وساء لهم يوم القيامة حملاً ﴾ قال: ليس هي، وسألهم موصولة ينبغي أن يقطع، فإنك إن وصلت لم تفهم وليس بها خفاء، ساءلهم حملاً ﴿ خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملاً ﴾ قال: حمل السوء وبوئ صاحبه النار.

قال: وإنما هي ﴿ وساء لهم ﴾ مقطوعة وساء بعدها لهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، أن رجلاً أتاه فقال: أرأيت قوله: ﴿ ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً ﴾ وأخرى عمياً.

قال: إن يوم القيامة فيه حالات: يكونون في حال زرقاً وفي حال عمياً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يتخافتون بينهم ﴾ قال: يتسارّون.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إذ يقول أمثلهم طريقة ﴾ قال: أعلمهم في نفسه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إذ يقول أمثلهم طريقة ﴾ قال: أعدلهم من الكفار ﴿ إن لبثتم ﴾ أي في الدنيا ﴿ إلا يوماً ﴾ لما تقاصرت في أنفسهم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قالت قريش: يا محمد، كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة؟

فنزلت ﴿ ويسألونك عن الجبال ﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فيذرها قاعاً ﴾ قال: مستوياً ﴿ صفصفاً ﴾ قال: لا نبات فيه ﴿ لا ترى فيها عوجاً ﴾ قال: وادياً ﴿ ولا أمتاً ﴾ قال: رابية.

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ فيذرها قاعاً صفصفاً ﴾ قال: القاع، الأملس.

والصفصف، المستوي، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: ملمومة شهباء لو قذفوا بها ** شماريخ من رضوى إذا عاد صفصفا وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة، أنه سئل عن قوله: ﴿ قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ﴾ قال: كان ابن عباس يقول: هي الأرض الملساء التي ليس فيها رابية مرتفعة ولا انخفاض.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ قاعاً صفصفاً ﴾ قال: مستوياً ﴿ لا ترى فيها عوجاً ﴾ قال: خفضاً ﴿ ولا أمتاً ﴾ قال: إرتفاعاً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ صفصفاً ﴾ قال: القاع: الأرض، والصفصف: المستوية ﴿ لا ترى فيها عوجاً ﴾ قال: صدعاً.

﴿ ولا أمتاً ﴾ قال: أكمة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا ترى فيها عوجاً ﴾ قال: ميلاً ﴿ ولا أمتاً ﴾ قال: الأمت، الأثر مثل الشراك.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: العوج، الإرتفاع، والأمت، المبسوط.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: يعني بالأمت، حفراً.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿ لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ﴾ ما الأمت؟

قال: الشي الشاخص من الأرض، قال فيه كعب بن زهير: فأبصرت لمحة من رأس عكرشة ** في كافر ما به أمت ولا شرف وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة تطوى السماء وتتناثر النجوم وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيسمع الناس الصوت يأتونه.

فذلك قول الله: ﴿ يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ يتبعون الداعي لا عوج له ﴾ قال: لا عوج عنه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لا عوج له ﴾ لا يميلون عنه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تسمع إلا همساً ﴾ قال: الصوت الخفي.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا تسمع إلا همساً ﴾ قال: صوت وطء الأقدام.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله: ﴿ فلا تسمع إلا همساً ﴾ قال: أصوات أقدامهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وسعيد في قوله: ﴿ فلا تسمع إلا همساً ﴾ قال: وطء الأقدام.

وأخرج عبد بن حميد عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت قاعداً عند الشعبي فمرت علينا إبل قد كان عليها جص فطرحته، فسمعت صوت أخفافها فقال: هذا الهمس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا تسمع إلا همساً ﴾ قال: هو خفض الصوت بالكلام، يحرك لسانه وشفتيه ولا يسمع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا همساً ﴾ قال: سر الحديث وصوت الأقدام.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي، وقتادة: (ذلت) (١) وقال مجاهد، وسفيان: (خشعت) (٢) (٣) قال عطاء عن ابن عباس: (خضعت) (٤) قال أبو إسحاق: (معنى ﴿ وَعَنَتِ ﴾ مهو في اللغة: خضعت، يقال: عَنَا يَعْنُوا إذا خَضعَ، ومنه يقال: أخذت البلاد عَنْوَةً إذا أخذت غَلَبَة، وأُخِذت بِخِضوعٍ من أهلها) (٥) وقال أهل المعاني: (معنى ﴿ وَعَنَتِ ﴾ خضعت وذلت خضوع الأسير في يد المالك القاهر له، والعاني: الأسير لخضوعه وذله) (٦) قال أبو عبيدة: (وكل من ذل واستكان فقد عَنَا، والاسم منه العنوة (٧) وأنشد للقطامي (٨) وَنأَتْ بِحَاجَتِنَا وَرُبَّتَ عَنْوَةٍ ...

لَكَ مِن مَوَاعِدِها التي لَمْ تَصْدُقِ أي: رب ذلة وخضوع منك لها لأجل مواعدها.

ومن هذا يقال: أخذت الشيء عَنْوَة أي: غلبة بذل المأخوذ منه، ومن صريح التفسِر وعنت.

قال: (والعاني الأسير، والعاني العبد) (٩) (١٠) ﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ ﴾ بمعنى: ذلت وخضعت، قول أمية (١١) مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاء مُهَيْمِنٌ ...

لِعِزَّته تَعْنُو الوجُوهُ وتَسْجُدُ وفسر طلق بن حبيب (١٢) (١٣) (١٤) واختاره الفراء فقال في تفسيره: (يقال: نصبت به، وعملت له) (١٥) (١٦) (١٧) قَطَعْتَ الدَّهْرَ كَالسَّدِمِ المُعَنَّى ...

تُهَدِّرُ في دِمَشْقَ ومَا تَرِيمُ قال ابن قتيبة: (والعاني بمعنى الأسير) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد حْسر من أشرك بالله -عز وجل-) (١٩) (١) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "جامع البيان" 16/ 216، "بحر العلوم" 2/ 355، "النكت والعيون" 3/ 427، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248، "الدر المنثور" 4/ 552.

(٢) "جامع البيان" 16/ 216، "النكت والعيون" 3/ 427، "تفسير سفيان الثوري" ص 196.

(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 25 بدون نسبة.

(٤) "الدر المنثور" 4/ 552، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 52 بدون نسبة، وذكره ابن الملقن في "تفسير غريب القرآن" ص250.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 377.

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2580، "مقاييس اللغة" (عني) 4/ 146، "القاموس المحيط" (عنوت) 4/ 267، "الصحاح" (عنا) 6/ 2440، "لسان العرب" (عنت) 5/ 3120، "المفردات في غريب القرآن" (عنت) 349.

(٧) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2585، وورد نحوه مختصرًا في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 30.

(٨) البيت لعمر القطامي.

انظر: "ديوانه" ص 35، "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2580، "معجم مقاييس اللغة" (عني) 4/ 146، "لسان العرب" (عنن) 5/ 3139.

(٩) "مجاز القرآن" 2/ 30، "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2580.

(١٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 192.

(١١) البيت لأمية بن أبي الصلت.

انظر: "الكشف والبيان" 3/ 25، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248.

(١٢) تقدمت ترجمته في سورة الإسراء.

(١٣) "جامع البيان" 16/ 216، "الكشف والبيان" 3/ 25 أ، "النكت والعيون" 3/ 428، "معالم التنزيل" 5/ 296، "المحرر الوجيز" 10/ 96، "الدر المنثور" 4/ 552.

(١٤) "النكت والعيون" 3/ 427، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248.

(١٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 192.

(١٦) انظر: "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2580، "مقاييس اللغة" (عني) 4/ 146، "القاموس المحيط" (عنوت) 4/ 367، "الصحاح" (عنا) (6/ 2440، "لسان العرب" (عنت) 5/ 3120.

(١٧) البيت للوليد بن عقبة يخاطب فيه معاوية  ما.

السَّدِمُ: الذي يرغب عن فحلته فيحال بينه وبين الافه ويقيد إذا هاج، فيرعى حوالي الدار، وإن سأل جعل له حجام يمنعه عن فتح فمه.

الهدير: تردد صوت البعير في حنجرته.

الريم: البراح يقال: ما يريم يفع ذلك أي: ما يبرح، وريم المكان: أقام به.

انظر: "تهذيب اللغة" (عني) 3/ 2580، "الصحاح" (عنا) 6/ 2441، "لسان العرب" (سدم) 4/ 1976.

(١٨) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 282.

(١٩) "معالم التنزيل" 5/ 296، "زاد السير" 5/ 324، "روح المعاني" 16/ 266.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ الضميران لجميع الخلق، والمعنى ذكر في آية الكرسي ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ قيل: المعنى لا يحيطون بمعلوماته كقوله: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ﴾ [البقرة: 255]، والصحيح عندي أن المعنى لا يحيطون بمعرفة ذاته؛ إذ لا يعرف الله على الحقيقة إلا الله، ولو أراد المعنى الأوّل لقال ولا يحيطون بعمله، ولذلك استثنى إلا بما شاء هناك ولم يستثن هنا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.

﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.

الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.

الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون مشددة.

﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.

الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.

والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.

وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.

﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.

الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.

الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.

﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.

﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.

التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله  قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.

قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.

فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.

وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم  ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.

ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.

"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.

قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.

وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.

واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.

وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.

قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.

يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.

وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.

أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.

قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.

والنكتة فيه أن عدو‍ّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟

فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.

قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.

قال القاضي.

هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.

ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.

وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.

يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال  ﴿ وحرمنا عليه المراضع  ﴾ جاءت أخت موسى  واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه  ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك  ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.

وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له  ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال  ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.

عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.

ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.

قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله  وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.

قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.

والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.

وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.

وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.

وقال غيره من المعتزلة: إنه  إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.

ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.

أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.

﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.

وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم  ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.

وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.

وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.

والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.

وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.

وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.

وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.

ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟

والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.

ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ والقاتل واحد منهم.

ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.

وقيل: ألهم بذلك.

وقيل: سمع بخبره فتلقاه.

سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟

جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.

وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.

وكيف ذلك القول اللين؟

الأصح انه نحو قوله  ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى  ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.

وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.

فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.

وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.

ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.

بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.

ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.

قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.

وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.

قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.

ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.

وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟

وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.

قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.

وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.

ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.

قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.

وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.

ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.

وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.

وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟

وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.

قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.

والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.

قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.

وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا  كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.

وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى  بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.

فأراد أن يعجز عن الجواب.

قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!

وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.

وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.

واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض  ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا  ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون  ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.

وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين  ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.

وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين  ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.

وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله  غير حاصل للبشر.

وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.

ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.

فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.

ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.

وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما  ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً  ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.

ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت  ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.

من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى  ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.

وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.

ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.

واعلم أن عجائب حكمة الله  في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.

ثم إنه  جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.

وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.

وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.

والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.

ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.

قال أهل النظم: إن موسى  لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟

أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟

فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.

أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.

ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله  بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟

فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.

وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه  عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.

والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.

وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.

وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.

وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.

وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.

والتحقيق ما قاله القفال.

وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.

ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.

قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.

وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.

وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.

يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.

ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.

و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.

ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم  ﴾ ومن نعم الله  أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.

قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.

وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.

﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.

أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.

﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.

﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.

وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.

وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.

وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه  ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.

والحاصل أنه  عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.

وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.

ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.

ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله  : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.

ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.

قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.

ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم  ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.

سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه  ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.

الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.

قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.

وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.

ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.

وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.

وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.

ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.

وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.

ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.

وهو معنى قول مجاهد.

فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.

وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.

وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.

قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.

وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.

وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.

وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.

ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.

ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.

وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.

عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.

وقيل: أربعمائة.

وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله  أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.

حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم  ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.

وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.

وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.

وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.

والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.

﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.

وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.

وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.

وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.

وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.

والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.

قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.

وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.

وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.

وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.

وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.

وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.

وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.

ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.

والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.

من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم  ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.

وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.

ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.

وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.

﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.

واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.

﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.

قال وهب: سحروا أعين موسى  حتى تخيل ذلك.

وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.

وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله  خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.

﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".

ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.

ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!‍.

وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.

واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.

وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.

ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.

قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.

قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.

قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله  ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.

وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.

والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.

والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله  ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.

ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.

وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.

وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.

وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.

قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.

أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر  ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين  ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون  ﴾ إلى آخر السورة.

فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟

سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.

سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.

قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.

ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.

قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.

وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.

ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.

وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ﴾ .

أي: هكذا نقص عليك من أنباء ما قد سبق؛ ليكون آية لرسالتك ونبوتك.

أو أن يقول: كما قصصنا عليك هذا النبأ كذلك نقص عليك سائر النبأ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً ﴾ .

قال أهل التأويل: الذكر هاهنا: القرآن، وهو الظاهر؛ ألا ترى أنه [قال] على أثره: من أعرض عنه فإنه كذا، وجائز أن يكون قوله: ﴿ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً ﴾ أي: شرفا وذكرا، يذكر هو بعده أبداً، ومن اتبعه وأجابه إلى ما دعاه يصير مذكوراً به.

وقوله: ﴿ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً ﴾ .

والوزر: الحمل، وسميت الآثام: حملا؛ لأن الآثام تنقض ظهور أصحابها في النار وتكسرها؛ كالحمل في الدنيا ينقض ظهر صاحبه ويكسره، وهو ما ذكر: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ  ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَالِدِينَ فِيهِ ﴾ ، أي: في ذلك الوزر، أي: لن تفارقهم أوزارهم أبد الآبدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً ﴾ .

حمل السوء، حمل يورد صاحبه النار، بئس الحمل حمل يورد صاحبه النار، ويقال: بئسما حملوا على أنفسهم من الأعمال.

وقوله: ﴿ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً ﴾ يحتمل الإعراض عنه وجهين: أحدهما: ﴿ أَعْرَضَ عَنْهُ ﴾ ، أي: كفر به وكذبه ولم يلتفت إليه.

والثاني: ﴿ أَعْرَضَ عَنْهُ ﴾ ، أي: لم يعمل بما فيه، ومن لم يعمل من المسلمين بما فيه يخاف أن يكون في وعيد هذه الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً ﴾ .

قيل: يتسارون بينهم ويتكلمون فيما بينهم كلاما خفيا ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً ﴾ مثل هذا الكلام، إنما يقولون تلهفاً وتحزنا على ما كان منهم في وقت قليل؛ لاستقلالهم واستصغارهم الدنيا، يقولون: كيف كان منا كل هذا العمل في ذلك الوقت القليل؟!

ثم اختلفوا في ذلك اللبث الذي قالوا ذلك؛ قال بعضهم: في الدنيا، استقلوا مقام الدنيا؛ لما عاينوا الآخرة، وقال بعضهم: ذلك في القبور، ويستدل من ينكر عذاب القبر بهذه الآية، يقول: لأنهم استقلوا مقامهم في القبور، ولو كان لهم عذاب في ذلك لاستعظموا ذلك واستكثروا؛ لأن قليل اللبث في العذاب يستعظم ويستكثر لا يستقل ولا يستحقر، فلما استقلوا ذلك، دل أنهم لا يعذبون في القبور.

واستدلوا أيضاً لنفي العذاب فيه بقوله: ﴿ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا  ﴾ .

ومن يقول بعذاب القبر يزعم أن ذلك إنما قالوا في القبر يقول: ذلك بين النفختين، يقول: هم يعذبون ويكونون في العذاب إلى النفخة الأولى، ثم يرفع عنهم العذاب إلى النفخة الثانية، عند ذلك يرقدون فيستصغرون مقامهم للنوم، وقد يستصغر الوقت الطويل ويستقل في حال النوم على ما ذكر في قصة أصحاب الكهف حين قالوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ وهم قد ناموا ثلاثمائة سنة وزيادة.

وجائز أن يكون عذاب القبر عذاب عرض وعذاب الآخرة عذاب عين؛ كقوله: ﴿ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً  ﴾ ، فاستصغروا عذاب العرض واستقلوه عند معاينة عذاب العين.

ومن يقول ذلك في الدنيا، يقول: تحاقرت الدنيا في أعينهم ومقامهم فيها حين عاينوا الآخرة وأهوالها.

وقوله  : ﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴾ .

قوله: ﴿ أَمْثَلُهُمْ ﴾ قيل: أعقلهم، وقيل: أفضلهم ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴾ من كان أبصر وأعلم بأمور الآخرة وأهوالها، كان أكثر استخفافاً بالدنيا واستحقاراً لها.

وفي حرف ابن مسعود: (نحن أعلم بما يقولون إذ عيل عليهم إذ يقول أمثلهم طريقة) قال أبو معاذ: قوله: (عيل عليهم) أي: اشتبه وخفي وفاتهم علمه، وقال: ومنه يقول: عالت الفريضة تعول عولا: إذا جاوزت السهام فأشكل على الفارض واشتبه، ومنه قيل: عيل صبري.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ودلّت وجوه العباد، واستكانت للحي الذي لا يموت، القائم بأمور عباده بتدبيرها وتصريفها، وقد خسر من حمل الإثم بإراده نفسه موارد الهلاك.

<div class="verse-tafsir" id="91.rrezG"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله