الآية ١١٠ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١١٠ من سورة طه

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًۭا ١١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٠ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٠ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) أي : يحيط علما بالخلائق كلهم ، ( ولا يحيطون به علما ) كقوله : ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) [ البقرة : 255 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: يعلم ربك يا محمد ما بين أيدي هؤلاء الذين يتبعون الداعي من أمر القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب ( وَمَا خَلْفَهُمْ ) يقول: ويعلم أمر ما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) من أمر الساعة (وما خلفهم) من أمر الدنيا.

وقوله ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) يقول تعالى ذكره: ولا يحيط خلقه به علما.

ومعنى الكلام: أنه محيط بعباده علما، ولا يحيط عباده به علما، وقد زعم بعضهم أن معنى ذلك: أن الله يعلم ما بين أيدي ملائكته وما خلفهم، وأن ملائكته لا يحيطون علما بما بين أيدي أنفسهم وما خلفهم، وقال: إنما أعلم بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، أن الملائكة كذلك لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها، موبخهم بذلك ومقرّعهم بأن من كان كذلك، فكيف يعبد، وأن العبادة إنما تصلح لمن لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يعلم ما بين أيديهم أي من أمر الساعة .

وما خلفهم من أمر الدنيا قاله قتادة .

وقيل : يعلم ما يصيرون إليه من ثواب أو عقاب وما خلفهم ما خلفوه وراءهم في الدنيا .

ثم قيل : الآية عامة في جميع الخلق .

وقيل المراد الذين يتبعون الداعي .

والحمد لله .قوله تعالى : ولا يحيطون به علما الهاء في به لله تعالى ؛ أي أحد لا يحيط به علما ؛ إذ الإحاطة مشعرة بالحد ويتعالى الله عن التحديد .

وقيل : تعود على العلم ؛ أي أحد لا يحيط علما بما يعلمه الله .

وقال الطبري الضمير في أيديهم و خلفهم و يحيطون يعود على الملائكة ؛ أعلم الله من يعبدها أنها لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيات من 110 الى 112 :ـوينقسم الناس في ذلك الموقف قسمين: ظالمين بكفرهم وشرهم، فهؤلاء لا ينالهم إلا الخيبة والحرمان، والعذاب الأليم في جهنم، وسخط الديان.

والقسم الثاني: من آمن الإيمان المأمور به، وعمل صالحا من واجب ومسنون { فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا } أي: زيادة في سيئاته { وَلَا هَضْمًا } أي: نقصا من حسناته، بل تغفر ذنوبه، وتطهر عيوبه، وتضاعف حسناته، { وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي ، أي يعلم الله ( ما بين أيديهم ) ما قدموا ( وما خلفهم ) وما خلفوا من أمر الدنيا .

وقيل : ( ما بين أيديهم ) من الآخرة ( وما خلفهم ) من الأعمال .

( ولا يحيطون به علما ) قيل : الكناية ترجع إلى " ما " أي : هو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، وهم لا يعلمونه .

وقيل : الكناية راجعة إلى الله لأن عباده لا يحيطون به علما .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يعلم ما بين أيديهم» من أمور الآخرة «وما خلفهم» من أمور الدنيا «ولا يحيطون به علماً» لا يعلمون ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يعلم الله ما بين أيدي الناس مِن أمر القيامة وما خلفهم من أمر الدنيا، ولا يحيط خلقه به علمًا سبحانه وتعالى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شىء .أى : الله - تعالى - وحده هو الذى يعلم جميع أحوال خلقه سواء ما كان منها يتعلق بما بين أيديهم من أمور الآخرة وأهوال الموقف ، أم ما كان منها يتعلق بما خلفهم من أمور الدنيا ، أما هم فإنهم لا يحيط علمهم إلا بذاته - تعالى - ولا بصفاته ، ولا بمعلوماته .فالضمير فى قوله ( مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) يعود على المتبعين للداعى وهم الخلق جميعا .

.

.وقيل : يعود للشافعين ، وقيل للملائكة ، والأول أولى لعمومه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وصف أمر يوم القيامة حكى سؤال من لم يؤمن بالحشر فقال: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال ﴾ وفي تقرير هذا السؤال وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿ يتخافتون  ﴾ وصف من الله تعالى لكل المجرمين بذلك، فكأنهم قالوا: كيف يصح ذلك والجبال حائلة ومانعة من هذا التخافت.

وثانيها: قال الضحاك: نزلت في مشركي مكة قالوا: يا محمد كيف تكون الجبال يوم القيامة؟

وكان سؤالهم على سبيل الاستهزاء.

وثالثها: لعل قومه قالوا: يا محمد إنك تدعي أن الدنيا ستنقضي فلو صح ما قلته لوجب أن تبتدئ أولاً بالنقصان ثم تنتهي إلى البطلان، لكن أحوال العالم باقية كما كانت في أول الأمر، فكيف يصح ما قلته من خراب الدنيا؟

وهذه شبهة تمسك بها جالينوس في أن السموات لا تفنى، قال: لأنها لو فنيت لابتدأت في النقصان أولاً حتى ينتهي نقصانها إلى البطلان، فلما لم يظهر فيها النقصان علمنا أن القول بالبطلان باطل، ثم أمر الله تعالى رسوله بالجواب عن هذا السؤال وضم إلى الجواب أموراً أخر في شرح أحوال القيامة وأهوالها.

الصفة الأولى: قوله: ﴿ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّي نَسْفاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: إنما قال: ﴿ فَقُلْ ﴾ مع فاء التعقيب لأن مقصودهم من هذا السؤال الطعن في الحشر والنشر، فلا جرم أمره بالجواب مقروناً بفاء التعقيب.

لأن تأخير البيان في مثل هذه المسألة الأصولية غير جائز، أما في المسائل الفروعية فجائزة، لذلك ذكر هناك قل من غير حرف التعقيب.

المسألة الثانية: الضمير في قوله: ﴿ يَنسِفُهَا ﴾ عائد إلى الجبال والنسف التذرية، أي تصير الجبال كالهباء المنثور تذرى تذرية فإذا زالت الجبال الحوائل فيعلم صدق قوله: ﴿ يتخافتون ﴾ قال الخليل: ﴿ يَنسِفُهَا ﴾ أي يذهبها ويطيرها، أما الضمير في قوله: ﴿ فَيَذَرُهَا ﴾ فهو عائد إلى الأرض فاستغنى عن تقديم ذكرها كما في عادة الناس من الإخبار عنها بالإضمار كقولهم: ما عليها أكرم من فلان وقال تعالى: ﴿ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ ﴾ وإنما قال: ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً ﴾ ليبين أن ذلك النسف لا يزيل الاستواء لئلا يقدر أنها لما زالت من موضع إلى موضع آخر صارت هناك حائلة، هذا كله إذا كان المقصود من سؤالهم الاعتراض على كيفية المخافتة، أما لو كان الغرض من السؤال ما ذكرنا من أنه لا نقصان فيها في الحال فوجب أن لا ينتهي أمرها إلى البطلان، كان تقرير الجواب: أن بطلان الشيء قد يكون بطلاناً يقع توليدياً، فحينئذ يجب تقديم النقصان على البطلان وقد يكون بطلاناً يقع دفعة واحدة، وهاهنا لا يجب تقديم النقصان على البطلان، فبين الله تعالى أنه يفرق تركيبات هذا العالم الجسماني دفعة بقدرته ومشيئته فلا حاجة هاهنا إلى تقديم النقصان على البطلان.

المسألة الثالثة: أنه تعالى وصف الأرض ذلك الوقت بصفات.

أحدها: كونها قاعاً وهو المكان المطمئن وقيل مستنقع الماء.

وثانيها: الصفصف وهو الذي لا نبات عليه.

وقال أبو مسلم: القاع الأرض الملساء المستوية وكذلك الصفصف.

وثالثها: قوله: ﴿ لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً ﴾ وقال صاحب الكشاف: قد فرقوا بين العِوج والعَوج فقالوا: العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان، فإن قيل: الأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟

قلنا: اختيار هذا اللفظ له موقع بديع في وصف الأرض بالاستواء ونفي الاعوجاج، وذلك لأنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها وبالغت في التسوية فإذا قابلتها المقاييس الهندسية وجدت فيها أنواعاً من العوج خارجة عن الحس البصري.

قال فذاك القدر في الاعوجاج لما لطف جداً ألحق بالمعاني فقيل فيه: عوج بالكسر، واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأرض تكون ذلك اليوم كرة حقيقية لأن المضلع لابد وأن يتصل بعض سطوحه بالبعض لا على الاستقامة بل على الاعوجاج وذلك يبطله ظاهر الآية.

ورابعها: الأمت النتوء اليسير، يقال: مد حبله حتى ما فيه أمت وتحصل من هذه الصفات الأربع أن الأرض تكون ذلك اليوم ملساء خالية عن الارتفاع والانخفاض وأنواع الانحراف والإعوجاج.

الصفة الثانية: ليوم القيامة قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الداعى لاَ عِوَجَ لَهُ ﴾ وفي الداعي قولان: الأول: أن ذلك الداعي هو النفخ في الصور وقوله: ﴿ لاَ عِوَجَ لَهُ ﴾ أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل.

الثاني: أنه ملك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي ويقول: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء.

فيسمعون صوت الداعي فيتبعونه، ويقال: إنه إسرافيل عليه السلام يضع قدمه على الصخرة فإن قيل هذا الدعاء يكون قبل الإحياء أو بعده؟

قلنا: إن كان المقصود بالدعاء إعلامهم وجب أن يكون ذلك بعد الإحياء لأن دعاء الميت عبث وإن لم يكن المقصود إعلامهم بل المقصود مقصود آخر مثل أن يكون لطفاً للملائكة ومصلحة لهم فذلك جائز قبل الإحياء.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ﴾ وفيه وجوه: أحدها: خشعت الأصوات من شدة الفزع وخضعت وخفيت فلا تسمع إلا همساً وهو الذكر الخفي، قال أبو مسلم: وقد علم الإنس والجن بأن لا مالك لهم سواه فلا يسمع لهم صوت يزيد على الهمس وهو أخفى الصوت ويكاد يكون كلاماً يفهم بتحريك الشفتين لضعفه.

وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه.

وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وعكرمة وابن زيد: الهمس وطء الأقدام، فالمعنى أنه لا تسمع إلا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر.

الصفة الرابعة: قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً ﴾ قال صاحب الكشاف: من يصلح أن يكون مرفوعاً ومنصوباً فالرفع على البدل من الشفاعة بتقدير حذف المضاف إليه أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن والنصب على المفعولية، وأقول: الاحتمال الثاني أولى لوجوه: الأول: أن الأول يحتاج فيه إلى الإضمار وتغيير الأعراب والثاني: لا يحتاج فيه إلى ذلك.

والثاني: أن قوله تعالى: ﴿ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة ﴾ يراد به من يشفع بها والاستثناء يرجع إليهم فكأنه قال: لا تنفع الشفاعة أحداً من الخلق إلا شخصاً مرضياً.

والثالث: وهو أن من المعلوم بالضرورة أن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن أذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً، فلو حملنا الآية على ذلك صارت جارية مجرى إيضاح الواضحات، أما لو حملنا الآية على المشفوع له لم يكن ذلك إيضاح الواضحات فكان ذلك أولى، إذا ثبت هذا فنقول: المعتزلة قالوا: الفاسق غير مرضي عند الله تعالى فوجب أن لا يشفع الرسول في حقه لأن هذه الآية دلت على أن المشفوع له لابد وأن يكون مرضياً عند الله.

واعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفساق لأن قوله ورضي له قولاً يكفي في صدقه أن يكون الله تعالى قد رضي له قولاً واحداً من أقواله، والفاسق قد ارتضى الله تعالى قولاً واحداً من أقواله وهو: شهادة أن لا إله إلا الله.

فوجب أن تكون الشفاعة نافعة له لأن الاستثناء من النفي إثبات فإن قيل إنه تعالى استثنى عن ذلك النفي بشرطين: أحدهما: حصول الإذن.

والثاني: أن يكون قد رضي له قولاً، فهب أن الفاسق قد حصل فيه أحد الشرطين وهو أنه تعالى قد رضي له قولاً، لكن لم قلتم إنه أذن فيه، وهذا أول المسألة قلنا: هذا القيد وهو أنه رضي له قولاً كافٍ في حصول الاستثناء بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى  ﴾ فاكتفى هناك بهذا القيد ودلت هذه الآية على أنه لابد من الإذن فظهر من مجموعهما أنه إذا رضي له قولاً يحصل الإذن في الشفاعة، وإذا حصل القيدان حصل الاستثناء وتم المقصود.

الصفة الخامسة: قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الضمير في قوله: ﴿ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ عائد إلى الذين يتبعون الداعي ومن قال إن قوله: ﴿ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن ﴾ المراد به الشافع.

قال ذلك الضمير عائد إليه والمعنى لا تنفع شفاعة الملائكة والأنبياء إلا لمن أذن له الرحمن في أن تشفع له الملائكة والأنبياء، ثم قال: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ يعني ما بين أيدي الملائكة كما قال في آية الكرسي، وهذا قول الكلبي ومقاتل وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له.

قال مقاتل: يعلم ما كان قبل أن يخلق الملائكة وما كان منهم بعد خلقهم.

المسألة الثانية: ذكروا في قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ وجوهاً: أحدها: قال الكلبي: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ من أمر الآخرة ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ من أمر الدنيا.

وثانيها: قال مجاهد: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ من أمر الدنيا والأعمال ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ من أمر الآخرة والثواب والعقاب.

وثالثها: قال الضحاك يعلم ما مضى وما بقي ومتى تكون القيامة.

المسألة الثالثة: ذكروا في قوله: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ وجهين: الأول: أنه تعالى بين أنه يعلم ما بين أيدي العباد وما خلفهم.

ثم قال: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ أي العباد لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علماً.

الثاني: المراد لا يحيطون بالله علماً والأول أولى لوجهين: أحدهما: أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات والأقرب هاهنا قوله: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ .

وثانيهما: أنه تعالى أورد ذلك مورد الزجر ليعلم أن سائر ما يقدمون عليه وما يستحقون به المجازاة معلوم لله تعالى.

الصفة السادسة: قوله: ﴿ وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَىّ القيوم وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ﴾ ومعناه أن في ذلك اليوم تعنوا الوجوه أي تذل ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره ومن لفظ العنو أخذوا العاني وهو الأسير، يقال: عنا يعنو عناء إذا صار أسيراً وذكر الله تعالى: ﴿ الوجوه ﴾ وأراد به المكلفين أنفسهم لأن قوله: ﴿ وَعَنَتِ ﴾ من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وهو كقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ  لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ  ﴾ وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يبين وفيها يظهر وتفسير ﴿ الحي القيوم ﴾ قد تقدم، وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اطلبوا اسم الله الأعظم في هذه السور الثلاث البقرة وآل عمران وطه».

قال الراوي: فوجدنا المشترك في السور الثلاث: ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم ﴾ فبين تعالى على وجه التحذير أن ذلك اليوم لا يصح الإمتناع مما ينزل بالمرء من المجازاة، وأن حاله مخالفة لحال الدنيا التي يختار فيها المعاصي ويمتنع من الطاعات، أما قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ﴾ فالمراد بالخيبة الحرمان أي حرم الثواب من حمل ظلماً والمراد به من وافى بالظلم ولم يتب عنه واستدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من العفو فقالوا قوله: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ﴾ يعم كل ظالم، وقد حكم الله تعالى فيه بالخيبة والعفو ينافيه والكلام على عمومات الوعيد قد تقدم مراراً، واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال يوم القيامة ختم الكلام فيها بشرح أحوال المؤمنين فقال: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً ﴾ يعني ومن يعمل شيئاً من الصالحات والمراد به الفرائض فكان عمله مقروناً بالإيمان وهو قوله: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات  ﴾ فقوله: ﴿ فَلاَ يَخَافُ ﴾ في موضع جزم لكونه في موضع جواب الشرط والتقدير فهو لا يخاف ونظيره: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ  ﴾ ، ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً  ﴾ وقرأ ابن كثير: فلا يخف على النهي وهو حسن لأن المعنى فليأمن والنهي عن الخوف أمر بالأمن والظلم هو أن يعاقب لا على جريمة أم يمنع من الثواب على الطاعة، والهضم أن ينقص من ثوابه، والهضيمة النقيصة ومنه هضيم الكشح أي ضامر البطن ومنه: ﴿ طَلْعُهَا هَضِيمٌ  ﴾ أي لازق بعضه ببعض ومنه انهضم طعامي، وقال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا يوفي حقه من الإعظام لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثواباً إلا إذا قارنه التعظيم وقد يدخل النقص في بعض الثواب ويدخل فيما يقارنه من التعظيم فنفى الله تعالى عن المؤمنين كلا الأمرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي يعلم ما تقدّمهم من الأحوال وما يستقبلونه، ولا يحيطون بمعلوماته علماً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ ما تَقَدَّمَهم مِنَ الأحْوالِ.

﴿ وَما خَلْفَهُمْ ﴾ وما بَعْدَهم مِمّا يَسْتَقْبِلُونَهُ.

﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ ولا يُحِيطُ عِلْمُهم بِمَعْلُوماتِهِ، وقِيلَ بِذاتِهِ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِأحَدِ المَوْصُولَيْنِ أوْ لِمَجْمُوعِهِما، فَإنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا جَمِيعَ ذَلِكَ ولا تَفْصِيلَ ما عَلِمُوا مِنهُ.

﴿ وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ ﴾ ذَلَّتْ وخَضَعَتْ لَهُ خُضُوعَ العُناةِ وهُمُ الأسارى في يَدِ المَلِكِ القَهّارِ، وظاهِرُها يَقْتَضِي العُمُومَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها وُجُوهُ المُجْرِمِينَ فَتَكُونُ اللّامُ بَدَلَ الإضافَةِ ويُؤَيِّدُهُ.

﴿ وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ وهو يَحْتَمِلُ الحالَ والِاسْتِئْنافَ لِبَيانِ ما لِأجْلِهِ عَنَتْ وُجُوهُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي يعلم تقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} أي بما أحاط به علم الله فيرجع الضمير إلى أو يرجع الضمير إلى الله لأنه تعالى ليس بمحاط

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَحْشُورِينَ، وهم مُتَّبِعُو الدّاعِي، وقِيلَ: عَلى النّاسِ لا بِقَيْدِ الحَشْرِ والِاتِّباعِ، وقِيلَ: عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولَيْنِ عَلى ما قِيلَ ما تَقَدَّمَهم مِنَ الأحْوالِ وما بَعْدَهم مِمّا يَسْتَقْبِلُونَهُ أوْ بِالعَكْسِ أوْ أُمُورُ الدُّنْيا وأُمُورُ الآخِرَةِ أوْ بِالعَكْسِ أوْ ما يُدْرِكُونَهُ وما لا يُدْرِكُونَهُ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ.

﴿ ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ أيْ لا يُحِيطُ عِلْمُهم بِمَعْلُوماتِهِ تَعالى فَعِلْمًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلَّهِ تَعالى، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.

وقِيلَ: المُرادُ لا يُحِيطُ عِلْمُهم بِذاتِهِ سُبْحانَهُ أيْ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العِلْمُ الشّامِلُ ويَقْتَضِي صِحَّةَ أنْ يُقالَ: عَلِمْتُ اللَّهَ تَعالى إذِ المَنفِيُّ العِلْمُ عَلى طَرِيقِ الإحاطَةِ.

وقالَ الجُبّائِيُّ: الضَّمِيرُ لِمَجْمُوعِ المَوْصُولَيْنِ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ جَمِيعَ ما ذُكِرَ ولا تَفْصِيلَ ما عَلِمُوا مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِأحَدِ المَوْصُولَيْنِ لا عَلى التَّعْيِينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ يعني: عنده إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ في الشفاعة، وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يعني: إذا قال بإخلاص القلب لا إله إلا الله في الدنيا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الآخرة وَما خَلْفَهُمْ من أمر الدنيا، وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً يعني: لا يدركون علم الله تعالى.

وَعَنَتِ الْوُجُوهُ قال قتادة رحمه الله: ذلَّت الوجوه لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وقال القتبي رحمه الله: أصله من عنته أي: حبسته، ومنه قيل للأسير: عان.

وقال الزجاج رحمه الله: عنت، أي خضعت، يقال: عنا يعنو، أي خضع وَقَدْ خابَ يعني: خسر مَنْ حَمَلَ ظُلْماً، يعني: شركاً.

ثم قال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ، يعني: من يعمل من الطاعات وَمَنْ للصِّلة والزينة.

وَهُوَ مُؤْمِنٌ يعمل وَهُوَ مُؤْمِنٌ مع عمله، لأن العمل لا يقبل بغير إيمان، فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً قال قتادة: ظُلْماً أي: لا يزداد في سيئاته ولا ينقص من حسناته أي: لا يهضم.

قال السدي رحمه الله: الظلم أن يؤخذ لما لم يعمل، والهضم: النقصان من حقه.

قال القتبي: ومنه قيل هضيم الكشحين، أي: ضامر الجنبين، وهضمني الطعام: أي أمرأني ويهضمني حقي.

قرأ ابن كثير: فلا يخف ظلما على معنى النهي، وقرأ الباقون فَلا يَخافُ على معنى الخبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً معناه: أثبتهم نفساً يقول: إن لبثتم إلاَّ يوماً، أي: فهم في هذه المقالة يظنون أن هذا قدر لبثهم.

وقوله سبحانه: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ ...

الآية، السائلُ: قِيلَ: رجلٌ من ثقيف، وقيل: السائل: جماعةٌ من المؤمنين، ورُوِي: أن الله تعالى يرسل على الجبال رِيحاً، فتدكدكها حتى تكون كالعِهْن المنفوش، ثم تتوالى عليها حتى تُعِيدها كالهَبَاءِ المُنْبَثِّ، فذلك هو النسفُ.

والقَاعُ: هو المستوي من الأرض، والصَّفْصَفِ: نحوه في المعنى.

والأمَتُ: ما يعترى الأرضَ من ارتفاع وانخفاض.

وقولُه: لاَ عِوَجَ لَهُ يحتمل: أن يُرِيدَ الإخبارَ به، أي: لا شَكَّ فيه، ولا يخالف وجوده خبره، ويحتمل: أن يريدَ لا مَحِيدَ لأحدٍ عن اتباع الدَّاعِي، والمشْيِ نحو صَوْته، والخشوعُ: التَّطَامُنُ، والتواضُعُ، وهو في الأصوات استعارة بمعنى الخفاء.

والهَمْسُ: الصَّوْتُ الخفيُّ الخَافِتُ، وهو تخافُتُهم بينهم، وكَلاَمُهم السر، ويحتمل أن يريد صوتَ الأقْدام وفي «البُخَاري» «١» : هَمْساً: صوت الأقدام، انتهى.

ومن في قوله إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ يحتمل أن تكون للشافع، ويحتمل أن تكون للمشفوع فيه.

وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١)

وقوله تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ معناه: ذلّت، وخضعت، والعاني: الأسير ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم في أمر النساء: «هن عوان عندكم» وهذه حالةُ النَّاس يومَ القيامة.

قال ص: وَعَنَتْ: من عَنَا يَعْنُو: ذَلَّ، وخَضَعَ قال أُمَيَّةُ بن أبي الصلت:

[الطويل]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رِجالًا مِن ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ.

والمَعْنى: يُصَيِّرُها رِمالًا تَسِيلُ سَيْلًا، ثُمَّ يُصَيِّرُها كالصُّوفِ المَنفُوشِ، تُطَيِّرُها الرِّياحُ فَتَسْتَأْصِلُها، ﴿ فَيَذَرُها ﴾ ؛ أيْ: يَدَعُ أماكِنَها مِنَ الأرْضِ إذا نَسَفَها، ﴿ قاعًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاعُ مِنَ الأرْضِ: المُسْتَوِي الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي أيْضًا، يُرِيدُ: أنَّهُ لا نَبْتَ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا ﴾ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالعِوَجِ: الأوْدِيَةُ، وبِالأمْتِ: الرَّوابِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: العِوَجُ: الِانْخِفاضُ، والأمْتُ: الِارْتِفاعُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمْتُ: النَّبْكُ.

والثّانِي: أنَّ العِوَجَ: المَيْلُ، والأمْتُ: الأثَرُ، مِثْلَ الشِّراكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ العِوَجَ: الصَّدْعُ، والأمْتُ: الأكَمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَتَّبِعُونَ صَوْتَ الدّاعِي لِلْحَشْرِ، لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ: لا يَقْدِرُونَ أنْ لا يَتَّبِعُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَشَعَتِ الأصْواتُ ﴾ ؛ أيْ: سَكَنَتْ وخَفِيَتْ، ﴿ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وطْءُ الأقْدامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.

والثّانِي: تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ ﴾ يَعْنِي: لا تَنْفَعُ أحَدًا، ﴿ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ ؛ أيْ: إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ أيْ: أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ، ﴿ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا ﴾ ؛ أيْ: ورَضِيَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ قَوْلًا، وهو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ الكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٢٥٥ ) .

وَفِي هاءِ ﴿ بِهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: إلى " ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم "، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَنَتِ الوُجُوهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَنَتْ في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو: إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً: إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها.

والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: هو وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ، والكَفَّيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرافِ القَدَمَيْنِ عَلى الأرْضِ لِلسُّجُودِ، وقَدْ شَرَحْنا في آيَةِ الكُرْسِيِّ مَعْنى ﴿ الحَيُّ القَيُّومُ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ ﴾ : " مِن " هاهُنا لِلْجِنْسِ، وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ ولا يَكُونُ صالِحًا، ﴿ فَلا يَخافُ ﴾ ؛ أيْ: فَهو لا يَخافُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ظُلْمًا ولا هَضْمًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ في سَيِّئاتِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنْ لا يَخافُ أنْ يُؤاخِذَ بِما لَمْ يَعْمَلْ، ولا يُنْتَقَصَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: لا يَخافُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهَضْمُ: النَّقْصُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ مِن حَقِّي؛ أيْ: حَطَطْتُ، ومِنهُ: فُلانٌ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ؛ أيْ: ضامِرُ الجَنْبَيْنِ، وَيُقالُ: هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ؛ أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلُهُ.

وفَرَّقَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، فَقالَ: الظُّلْمُ: مَنَعُ الحَقِّ كُلِّهِ، والهَضْمُ: مَنَعُ البَعْضِ، وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ ﴾ ؛ أيْ: وكَما بَيَّنّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ ؛ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ، ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ ﴾ ؛ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ ضُرُوبَ الوَعِيدِ.

قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي: وقائِعُهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ ؛ أيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ بِالِاتِّعاظِ بِمَن قَبْلَهم، ﴿ أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ القُرْآنُ، وقِيلَ: الوَعِيدُ.

﴿ ذِكْرًا ﴾ ؛ أيِ: اعْتِبارًا، فَيَتَذَكَّرُوا بِهِ عِقابَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أوْ نُحْدِثُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَعالى اللَّهُ ﴾ ؛ أيْ: جَلَّ عَنْ إلْحادِ المُلْحِدِينَ، وقَوْلِ المُشْرِكِينَ في صِفاتِهِ، ﴿ المَلِكُ ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، " الحَقُّ " وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ  بِالسُّورَةِ والآيِ فَيَتْلُوها عَلَيْهِ، فَلا يَفْرُغُ جِبْرِيلُ مِن آخِرِها حَتّى يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ  بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ  تَطْلُبُ القَصاصَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ  بَيْنَهُما القَصاصَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ  ﴾ »، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: ( نَقْضِي ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ، ( وحْيَهُ ) بِنَصْبِ الياءِ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن تِلاوَتِهِ، تَخافُ نِسْيانَهُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: لا تُقْرِئُ أصْحابَكَ حَتّى نُبَيِّنَ لَكَ مَعانِيَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: زِدْنِي قُرْآنًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: فَهْمًا.

والثّالِثُ: حِفْظًا، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الداعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا ﴾ ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ ﴿ وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ المَعْنى: يَوْمَ نَنْسِفُ الجِبالَ يَتْبَعُ الخَلائِقُ داعِيَ اللهِ تَعالى إلى المَحْشَرِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُهْطِعِينَ إلى الداعِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ لا عِوَجَ لَهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الإخْبارَ بِهِ، أيْ: لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودُهُ خَبَرَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ.

و"الخُشُوعُ": التَطامُنُ والتَواضُعُ، وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ والِاسْتِسْرارِ، ومَعْنى: "لِلرَّحْمَنِ": لِهَيْبَتِهِ وهَوْلِ مَطْلَعِ قُدْرَتِهِ.

و"الهَمْسُ": الصَوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ "بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ" تَخافُتَهم بَيْنَهم وكَلامَهُمُ السِرَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ، وأنَّ أصْواتَ النُطْقِ ساكِنَةٌ.

و "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، ويَكُونُ "مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ يُرادُ بِها المَشْفُوعُ لَهُ، فَكَأنَّ المَعْنى: إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ في أنْ يَشْفَعَ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى تَقْدِيرِ: لَكِنَّ مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ يَشْفَعُ، فَـ "مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَما يَجُوزُ الوَجْهانِ في قَوْلِكَ: "ما في الدارِ أحَدٌ إلّا حِمارًا، وإلّا حِمارٌ"، والنُصْبُ أوجَهُ، و "مَن" - عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ - لِلشّافِعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ خَلْقَهُ أجْمَعَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَرْتِيبٍ ما بَيْنَ اليَدِ وما خَلْفَهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، عَلى أنَّ جَماعَةً مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا في هَذِهِ الآيَةِ: ما خَلْفَهُمُ: الدُنْيا، وما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: أمْرُ الآخِرَةِ والثَوابُ والعِقابُ، وهَذا بِأنْ يَعْرِضَها حالَةَ وُقُوفٍ حَتّى يَجْعَلَها كالأجْرامِ، وأمّا إنْ قَدَّرْناها في نَسَقِ الزَمانِ فالأمْرُ عَلى العَكْسِ بِحُكْمِ ما بَيَّناهُ قَبْلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَنَتِ الوُجُوهُ ﴾ مَعْناهُ: ذَلَّتْ، والعانِي: الأسِيرُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في أمْرِ النِساءِ: «هُنَّ عِوانٍ عِنْدَكم»، وهَذِهِ حالَةُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: أرادَ تَعالى سُجُودَ الناسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَبْعَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنْ كانَ رُوِيَ هَذا أنَّ الناسَ يَوْمَ القِيامَةِ سُجُودًا، وجَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ إخْبارًا فَقَوْلُهُ مُسْتَقِيمٌ، وإنْ كانَ أرادَ سُجُودَ الدُنْيا فَإنَّهُ أفْسَدَ المَعْنى، و"القَيُّومُ" بِناءُ مُبالِغَةٍ مِن قِيامِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِما يَجِبُ فِيهِ.

و"خابَ" مَعْناهُ: لَمْ يَنْجَحْ ولا ظَفِرَ بِمَطْلُوبِهِ، و"الظُلْمُ" يَعُمُ الشِرْكَ والمَعاصِي، وخَيْبَةُ كُلِّ حامِلٍ بِقَدْرِ ما حَمَلَ مِنَ الظُلْمِ، فَخَيْبَةُ المُشْرِكِ عَلى الإطْلاقِ، وخَيْبَةُ العاصِي مُقَيَّدَةٌ بِوَقْتٍ وحَدٍّ في العُقُوبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ يتبعون الدّاعي ﴾ في معنى المفرعة على جملة ﴿ يَنسِفُهَا ﴾ [طه: 105].

و ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ظرف متعلق ب ﴿ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ ﴾ .

وقدم الظرف على عامله للاهتمام بذلك اليوم، وليكون تقديمه قائماً مقام العَطف في الوصل، أي يتبعون الداعي يوم ينسف ربّك الجبال، أي إذا نسفت الجبال نودوا للحشر فحضروا يتبعون الداعي لذلك.

والداعي، قيل: هو المَلك إسرافيل عليه السلام يدعو بنداء التسخير والتكوين، فتعود الأجساد والأرواح فيها وتهطع إلى المكان المدعوّ إليه.

وقيل: الداعي الرسول، أي يتبع كلّ قوم رسولهم.

و ﴿ عِوَجَ لَهُ ﴾ حال من ﴿ الدَّاعِيَ ﴾ .

واللام على كلا القولين في المراد من الداعي للأجْل، أي لا عوج لأجل الداعي، أي لا يروغ المدعوون في سيرهم لأجل الداعي بل يقصدون متجهين إلى صَوبه.

ويجيء على قول من جعل المراد بالداعي الرسول أن يرَاد بالعوج الباطل تعريضاً بالمشركين الذين نسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم العِوج كقولهم ﴿ إن تتبعون إلاّ رجلاً مسحوراً ﴾ [الفرقان: 8]، ونحو ذلك من أكاذيبهم، كما عُرض بهم في قوله تعالى: ﴿ الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً ﴾ [الكهف: 1].

فالمصدر المنفي أريد منه نفي جنس العوج في اتباع الداعي، بحيث لا يسلكون غير الطريق القويم، أو لا يسلك بهم غير الطريق القويم، أو بحيث يعلمون براءة رسولهم من العِوج.

وبيْن قوله ﴿ لا ترى فيها عوجاً ﴾ [طه: 107] وقوله ﴿ لا عِوَج له ﴾ مراعاة النظير، فكما جعل الله الأرض يومئذ غير معوجة ولا ناتئة كما قال ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ [النازعات: 14] كذلك جعل سير النّاس عليها لا عوج فيه ولا مراوغة.

والخشوع: الخضوع، وفي كلّ شيء من الإنسان مظهر من الخشوع؛ فمظهر الخشوع في الصوت: الإسرار به، فلذلك فرع عليه قوله ﴿ فلا تسمع إلاّ همساً ﴾ .

والهمس: الصوت الخفيّ.

والخطاب بقوله {لا ترى فيها عوجاً وقوله فلا تسمع إلا همساً خطاب لغير معين، أي لا يرى الرائي ولا يسمع السامع.

وجملة وخَشَعَتتِ الأصوَاتُ} في موضع الحال من ضمير {يتّبعون وإسناد الخشوع إلى الأصوات مجاز عقلي، فإن الخشوع لأصحاب الأصوات؛ أو استعير الخشوع لانخفاض الصوت وإسراره، وهذا الخشوع من هول المقام.

وجملة يومئذ لا تنفع الشفاعة } كجملة ﴿ يومئذ يتبعون الداعي ﴾ في معنى التفريع على ﴿ وخشعت الأصوات للرحمن ﴾ ، أي لا يتكلّم الناس بينهم إلاّ همساً ولا يجرؤون على الشفاعة لمن يهمهم نفعه.

والمقصود من هذا أن جلال الله والخشية منه يصدان عن التوسط عنده لنفع أحد إلاّ بإذنه، وفيه تأييس للمشركين من أن يجدوا شفعاء لهم عند الله.

واستثناء ﴿ مَن أذِنَ لهُ الرحمن ﴾ من عموم الشفاعة باعتبار أنّ الشفاعة تقتضي شافعاً، لأن المصدر فيه معنى الفعل فيقتضي فاعلاً، أي إلا أن يشفع من أذن له الرحمان في أن يشفع، فهو استثناء تام وليس بمفرغ.

واللاّم في ﴿ أذِنَ لهُ ﴾ لام تعدية فِعل ﴿ أَذِنَ ﴾ ، مثل قوله ﴿ قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم ﴾ [الأعراف: 123].

وتفسير هذا ما ورد في حديث الشفاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم «فيقال لي: سلْ تُعْطَه واشفَعْ تُشفّع» وقوله ﴿ ورضِيَ له قولاً ﴾ عائد إلى ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ [الشرح: 1] فإن الله ما أذن للشافع بأن يشفع إلا وقد أراد قبول شفاعته، فصار الإذن بالشّفاعة وقبولُها عنواناً على كرامة الشافع عند الله تعالى.

والمجرور متعلق بفعل ﴿ رضي ﴾ .

وانتصب وجملة يعلَمُ ما بينَ أيديهِم وما خلفهم} مستأنفة بيانية لجواب سؤال من قد يسأل بيان ما يوجب رضى الله عن العبد الذي يأذن بالشفاعة فيه.

فبُيّن بياناً إجمالياً بأن الإذن بذلك يجري على ما يقتضيه عِلم الله بسائر العبيد وبأعمالهم الظاهرة، فعبر عن الأعمال الظاهرة بما بَيْن أيديهم لأنّ شأن ما بين الأيدي أن يكون واضحاً، وعبر عن السرائر بما خلفهم لأنّ شأن ما يجعل خلف المرء أن يكون محجوباً.

وقد تقدم ذلك في آية الكرسي، فهو كناية عن الظاهرات والخفيات، أي فيأذن لمن أراد تشريفه من عباده المقربين بأن يشفع في طوائف مثل ما ورد في الحديث «يخرج من النّار من كان في قلبه مثقال حبّة من إيمان»، أو بأن يشفع في حالة خاصة مثل ما ورد في حديث الشفاعة العظمى في الموقف لجميع الناس بتعجيل حسابهم.

وجملة ﴿ ولاَ يُحِيطُونَ بهِ عِلْماً ﴾ تذييل للتعليم بعظمة علم الله تعالى وضآلة علم البشر، نظير ما وقع في آية الكرسي.

وجملة ﴿ وعَنَتتِ الوجوهُ للِحَيّ القيُّوم ﴾ معطوفة على جملة ﴿ وخَشَعَتتِ الأصواتُ للراحمان ﴾ ، أي ظهر الخضوع في الأصوات والعناء في الوجوه.

والعناء: الذلة، وأصله الأسر، والعاني: الأسير.

ولما كان الأسير ترهقه ذلة في وجهه أسند العناء إلى الوجوه على سبيل المجاز العقلي، والجملة كلها تمثيل لحال المجرمين الذين الكلام عليهم من قوله ﴿ ونحشر المجرمين يومئذ رزْقاً ﴾ [طه: 102]، فاللاّم في ﴿ فإن الجحيم هي المأوى ﴾ [النازعات: 39] أي لهم.

وأما وجوه أهل الطاعات فهي وجوه يومئذ ضاحكة مستبشرة.

ويجوز أن يجعل التعريف في {الوجوه على العموم، ويراد بعنت خضعت، أي خضع جميع الناس إجلالاً لله تعالى.

والحيُّ: الذي ثبت له وصف الحياة، وهي كيفية حاصلة لأرقَى الموجودات، وهي قوّة للموجود بها بقاء ذاته وحصول إدراكه أبداً أوْ إلى أمد مّا.

والحياة الحقيقية هي حياة الله تعالى لأنّها ذاتية غير مسبوقة بضدها ولا منتهية.

والقيوم: القائم بتدبير النّاس، مبالغة في القَيّم، أي الذي لا يفوته تدْبير شيء من الأمور.

وتقدم ﴿ الحي القيوم ﴾ في سورة البقرة (255).

وجملة وقد خَابَ من حَمَلَ ظُلْماً}؛ إما معترضة في آخر الكلام تفيد التعليل إن جُعل التعريف في {الوجوه عوضاً عن المضاف إليه، أي وجوه المجرمين.

والمعنى: إذ قد خاب كلّ من حمل ظلماً؛ وإما احتراس لبيان اختلاف عاقبة عناء الوجوه، فمن حمل ظلماً فقد خاب يومئذ واستمر عناؤه، ومن عمل صالحاً عاد عليه ذلك الخوف بالأمن والفرح.

والظلم: ظلم النفس.

وجملة ومَن يعمل من الصالحاتت وهو مؤمنٌ } الخ: شرطية مفيدة قسيم مضمون جملة ﴿ وقَدْ خَابَ من حَمَل ظُلماً ﴾ .

وصيغ هذا القسيم في صيغة الشرط تحقيقاً للوعد، و وقرأ الجمهور فلا يخاف بصيغة المرفوع بإثبات ألف بعد الخاء، على أن الجملة استئناف غير مقصود بها الجزاء، كأن انتفاء خوفه أمر مقرر لأنه مؤمن ويعمل الصالحات.

وقرأه ابن كثير بصيغة الجزم بحذف الألف بعد الخاء، على أن الكلام نهي مستعمل في الانتفاء.

وكتبت في المصحف بدون ألف فاحتملت القراءتين.

وأشار الطيبي إلى أن الجمهور توافق قوله تعالى: وقد خاب من حمل ظلماً في أن كلتا الجملتين خبرية.

وقراءة ابن كثير تفيد عدم التردد في حصول أمنه من الظلم والهضم، أي في قراءة الجمهور خصوصية لفظية وفي قراءة ابن كثير خصوصية معنوية.

ومعنى لا يخاف ظلماً} لا يخاف جزاء الظالمين لأنّه آمن منه بإيمانه وعمله الصالحات.

والهضم: النقص، أي لا ينقصون من جزائهم الذي وُعدوا به شيئاً كقوله ﴿ وإنّا لموفُّوهم نصيبهم غير منقوص ﴾ [هود: 109].

ويجوز أن يكون الظلم بمعنى النقص الشديد كما في قوله ﴿ ولم تَظْلم منه شيئاً ﴾ [الكهف: 33]، أي لا يخاف إحباط عمله، وعليه يكون الهضم بمعنى النقص الخفيف، وعطفه على الظلم على هذا التفسير احتراس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ ذَلَّتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: خَشَعَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والفَرْقُ بَيْنَ الذُّلِّ والخُشُوعِ - وإنْ تَقارَبَ مَعْناهُما - هو أنَّ الذُّلَّ أنْ يَكُونَ ذَلِيلَ النَّفْسِ، والخُشُوعَ: أنْ يَتَذَلَّلَ لِذِي طاعَةٍ.

قالَ أُمَيَّةُ بْنُ الصَّلْتِ: وعَنا لَهُ وجْهِي وخَلْقِي كُلُّهُ في السّاجِدِينَ لِوَجْهِهِ مَشْكُورا الثّالِثُ: عَمِلَتْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: اسْتَسْلَمَتْ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُ وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ عَلى الأرْضِ في السُّجُودِ، قالَهُ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ.

﴿ القَيُّومِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: القائِمُ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ.

الثّالِثُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ ولا يَبِيدُ.

﴿ وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ يَعْنِي شِرْكًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلا يَخافُ الظُّلْمَ بِالزِّيادَةِ في سَيِّئاتِهِ، ولا هَضْمًا بِالنُّقْصانِ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.

الثّانِي: لا يَخافُ ظُلْمًا بِأنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا هَضْمًا بِالِانْتِقاصِ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والفَرْقُ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ أنَّ الظُّلْمَ المَنعُ مِنَ الحَقِّ كُلِّهِ، [والهَضْمُ] المَنعُ مِن بَعْضِهِ، والهَضْمُ ظُلْمٌ وإنِ افْتَرَقا مِن وجْهٍ، قالَ المُتَوَكِّلُ اللَّيْثِيُّ: ؎ إنَّ الأذِلَّةَ واللِّئامَ لَمَعْشَرٌ ∗∗∗ مَوْلاهُمُ المُتَهَضِّمُ المَظْلُومُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وسع كل شيء علماً ﴾ يقول: ملأ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي زيد في قوله: ﴿ وقد آتيناك من لدنا ذكراً ﴾ قال: القرآن.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ يحمل يوم القيامة وزراً ﴾ قال: إثماً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وساء لهم يوم القيامة حملاً ﴾ يقول: بئس ما حملوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وساء لهم يوم القيامة حملاً ﴾ قال: ليس هي، وسألهم موصولة ينبغي أن يقطع، فإنك إن وصلت لم تفهم وليس بها خفاء، ساءلهم حملاً ﴿ خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملاً ﴾ قال: حمل السوء وبوئ صاحبه النار.

قال: وإنما هي ﴿ وساء لهم ﴾ مقطوعة وساء بعدها لهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، أن رجلاً أتاه فقال: أرأيت قوله: ﴿ ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً ﴾ وأخرى عمياً.

قال: إن يوم القيامة فيه حالات: يكونون في حال زرقاً وفي حال عمياً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يتخافتون بينهم ﴾ قال: يتسارّون.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إذ يقول أمثلهم طريقة ﴾ قال: أعلمهم في نفسه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إذ يقول أمثلهم طريقة ﴾ قال: أعدلهم من الكفار ﴿ إن لبثتم ﴾ أي في الدنيا ﴿ إلا يوماً ﴾ لما تقاصرت في أنفسهم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قالت قريش: يا محمد، كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة؟

فنزلت ﴿ ويسألونك عن الجبال ﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فيذرها قاعاً ﴾ قال: مستوياً ﴿ صفصفاً ﴾ قال: لا نبات فيه ﴿ لا ترى فيها عوجاً ﴾ قال: وادياً ﴿ ولا أمتاً ﴾ قال: رابية.

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ فيذرها قاعاً صفصفاً ﴾ قال: القاع، الأملس.

والصفصف، المستوي، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: ملمومة شهباء لو قذفوا بها ** شماريخ من رضوى إذا عاد صفصفا وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة، أنه سئل عن قوله: ﴿ قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ﴾ قال: كان ابن عباس يقول: هي الأرض الملساء التي ليس فيها رابية مرتفعة ولا انخفاض.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ قاعاً صفصفاً ﴾ قال: مستوياً ﴿ لا ترى فيها عوجاً ﴾ قال: خفضاً ﴿ ولا أمتاً ﴾ قال: إرتفاعاً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ صفصفاً ﴾ قال: القاع: الأرض، والصفصف: المستوية ﴿ لا ترى فيها عوجاً ﴾ قال: صدعاً.

﴿ ولا أمتاً ﴾ قال: أكمة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا ترى فيها عوجاً ﴾ قال: ميلاً ﴿ ولا أمتاً ﴾ قال: الأمت، الأثر مثل الشراك.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: العوج، الإرتفاع، والأمت، المبسوط.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: يعني بالأمت، حفراً.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿ لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ﴾ ما الأمت؟

قال: الشي الشاخص من الأرض، قال فيه كعب بن زهير: فأبصرت لمحة من رأس عكرشة ** في كافر ما به أمت ولا شرف وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة تطوى السماء وتتناثر النجوم وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيسمع الناس الصوت يأتونه.

فذلك قول الله: ﴿ يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ يتبعون الداعي لا عوج له ﴾ قال: لا عوج عنه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لا عوج له ﴾ لا يميلون عنه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تسمع إلا همساً ﴾ قال: الصوت الخفي.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا تسمع إلا همساً ﴾ قال: صوت وطء الأقدام.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله: ﴿ فلا تسمع إلا همساً ﴾ قال: أصوات أقدامهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وسعيد في قوله: ﴿ فلا تسمع إلا همساً ﴾ قال: وطء الأقدام.

وأخرج عبد بن حميد عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت قاعداً عند الشعبي فمرت علينا إبل قد كان عليها جص فطرحته، فسمعت صوت أخفافها فقال: هذا الهمس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا تسمع إلا همساً ﴾ قال: هو خفض الصوت بالكلام، يحرك لسانه وشفتيه ولا يسمع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا همساً ﴾ قال: سر الحديث وصوت الأقدام.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقال الكلبي: ( ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} من أمر الدنيا) (١) وقال مجاهد: ( ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ما مضى من الدنيا ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ الآخرة) (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ الظاهر أن الكناية في قوله ﴿ بِهِ ﴾ تعود إلى ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ أي: هو يعلم ذلك وهم لا يعلمونه (٣) (٤) (٥) (١) ذكره "جامع البيان" 16/ 215، ونسبة لقتادة، وذكره الهواري في "تفسيره" 3/ 53 بدون نسبة، وكذلك البغوي في "تفسيره" 5/ 296.

(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: "التفسير الكبير" 22/ 119، "مجمع البيان" 7/ 50، "روح المعاني" 16/ 265.

(٣) "جامع البيان" 16/ 215، "معالم التنزيل" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248.

(٤) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة انظر: "جامع البيان" 16/ 216، "معالم التنزيل" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248، "التفسير الكبير" 22/ 119.

(٥) "جامع البيان" 16/ 216، "معالم التنزيل" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248، "الدر المنثور" 4/ 551.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ الضميران لجميع الخلق، والمعنى ذكر في آية الكرسي ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ قيل: المعنى لا يحيطون بمعلوماته كقوله: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ﴾ [البقرة: 255]، والصحيح عندي أن المعنى لا يحيطون بمعرفة ذاته؛ إذ لا يعرف الله على الحقيقة إلا الله، ولو أراد المعنى الأوّل لقال ولا يحيطون بعمله، ولذلك استثنى إلا بما شاء هناك ولم يستثن هنا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا تخف دركاً ﴾ بالجزم: حمزة الباقون ﴿ لا تخاف ﴾ بالرفع ﴿ أنجيتكم ﴾ و ﴿ واعدتكم ﴾ و ﴿ رزقكم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ ووعدناكم ﴾ من الوعد.

أبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ فيحل ﴾ ﴿ ومن يحلل ﴾ بالضم فيهما: عليّ.

الآخرون بالكسر ﴿ يملكنا ﴾ بفتح الميم: أبو جعفر ونافع، وعاصم غير المفضل بضمها حمزة، وعلي وخلف بكسرها الباقون والمفضل ﴿ حملنا ﴾ بفتح الحاء والميم مخففة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف سوى حفص.

الآخرون بضم الحاء وكسر الميم مشددة ﴿ تتبعني ﴾ بالياء الساكنة في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو ونافع غير إسماعيل في الوصل، وقرأ يزيد وإسماعيل بفتح الياء.

الباقون بحذفها.

﴿ يا ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.

﴿ لم تبصروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف الباقون على الغيبة ﴿ فنبذتها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وهشام وسهل ﴿ لن تخلفه ﴾ بكسر اللام: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.

الآخرون بفتحها ﴿ لنحرقنه ﴾ بفتح النون وضم الراء: يزيد.

الآخرون من التحريق.

﴿ فلا يخف ﴾ بالجزم على النهي: ابن كثير ﴿ أن نقضي ﴾ النون مبنياً للفاعل ﴿ وحيه ﴾ بالنصب: يعقوب الباقون بالياء مضمومة وبفتح الضاد ﴿ وحيه ﴾ بالرفع.

الوقوف: ﴿ يبسا ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا تخاف ﴾ يصلح صفة للطريق مع حذف الضمير العائد أي لا تخاف فيه، ويصلح مستأنفاً.

ومن قرأ ﴿ لا تخف ﴾ فوقفه أجوز لعدم العاطف ووقوع الحائل مع تعقب النهي الأمر إلا أن يكون جواباً للأمر فلا يوقف ﴿ ولا تخشى ﴾ ه ﴿ ما غشيهم ﴾ ط لأن التقدير وقد أضل من قبل على الحال الماضية دون العطف لأنه عندما عشيه لم يتفرغ للإضلال.

﴿ وما هدى ﴾ ه ﴿ والسلوى ﴾ ه ﴿ غضبي ﴾ ج ﴿ هوى ﴾ ه ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لترضى ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لانتساق الماضي على الماضي بلا ناسق ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ موعدي ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه لا ﴿ فنسي ﴾ ه ط ﴿ قولاً ﴾ لا للعطف ﴿ ولا نفعاً ﴾ ه ط ﴿ فتنتم به ﴾ ج للابتداء بأن مع اتصال العطف ﴿ أمري ﴾ ج ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ أن لا تتبعن ﴾ ط ﴿ أمري ﴾ ه ﴿ برأسي ﴾ ج للابتداء (بأن) مع اتصال المعنى واتحاد القائل ﴿ قولي ﴾ ه ﴿ يا سامري ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ه ﴿ لا مساس ﴾ ص ﴿ لن تخلفه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ عاكفاً ﴾ ط للقسم المحذوف ﴿ نسفاً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ سبق ﴾ ج للإستئناف والحال ﴿ ذكرا ﴾ ج ه لأن الشرطية تصلح صفة للذكر وتصلح مبتدأ بها ﴿ وزراً ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ خالدين ﴾ حال من الضمير في ﴿ يحمل ﴾ وهو عائد إلى "من" ومن للجمع معنى ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ حملاً ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ينفخ ﴾ بدل من يوم القيامة.

﴿ زرقاً ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح للصفة وللاستئناف ﴿ عشراً ﴾ ه ﴿ يوماً ﴾ ه ﴿ نسفاً ﴾ ه لا ﴿ صفصفاً ﴾ ه لا ﴿ أمتا ﴾ ه ﴿ لا عوج له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ همساً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ القيوم ﴾ ط ﴿ ظلماً ﴾ ه ﴿ هضماً ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج ﴿ وحيه ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع اعتراض الظرف وما أضيف إليه ﴿ علماً ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في قصة إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوّهم وقد تقدم في "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "يونس" ومعنى ﴿ فاضرب لهم طريقاً ﴾ إجعل لهم من قولهم "ضرب له في ماله سهماً وضرب اللبن عمله" أو أراد بين لهم طريقاً ﴿ في البحر ﴾ بالضرب بالعصا حتى ينفلق فعدي الضرب إلى الطريق، ثم بين أن جميع أسباب الأمن حاصلة في ذلك الطريق.

واليبس مصدر وصف به ومثله اليبس ونحوهما العدم والعدم ويوصف به المؤنث لذلك فيقال: ناقتنا يبس إذا جف لبنها.

والدرك.

والدرك اسمان من الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك.

وفي ﴿ لا تخشى ﴾ إذا قرىء ﴿ لا تخف ﴾ أوجه الاستئناف أي وأنت لا تخشى، وجوز في الكشاف أن يكون الألف للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله ﴿ وتظنون بالله الظنونا  ﴾ وأن يكون كقول الشاعر: كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً *** أراد لم تر لأن ما قبله: وتضحك مني شيخة عبشمية *** قلت: لعل هذا إنما يجوز في الضرورة ولا ضرورة في الآية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ الحق بهم جنوده أو تبعهم ومعه جنوده كما مر في "يونس" ﴿ فغشيهم ﴾ أي علاهم ورهقهم ﴿ من اليم ما غشيهم ﴾ وهذا من جملة ما علم في باب الإيجاز لدلالته على أنه غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله، وقد سلف منه في السور المذكورة ما حكي في الأخبار وروي في الآثار.

ونسبة الإضلال إلى فرعون لا تنافي انتهاء الكل إلى إرادة الله ومشيئته.

وقوله ﴿ وما هدى ﴾ تأكيد للإضلال وفيه تهكم به في قوله ﴿ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد  ﴾ ثم عدد ما أنعم به على بني إسرائيل، ويجوز أن يكون خطاباً لليهود المعاصرين لأن النعمة على الآباء نعمة في حق الأبناء ومثله قوله ﴿ وواعدناكم جانب الطور الأيمن ﴾ أي الواقع على يمين من انطلق من مصر إلى الشام لأن منفعة المواعدة عادت إليهم وإن كانت المواعدة لنبيهم فبكتب التوراة في ألواح قام شرعهم واستقام أمر معاشهم ومعادهم.

﴿ كلوا ﴾ من تتمة القول.

وطغيانهم في الرزق هو شغلهم باللهو والتنعم عن القيام بشكرها وتعدي حدود الله فيها بالإسراف والتقتير والغصب.

ومن قرأ ﴿ فيحل ﴾ بالكسر فبمعنى الوجوب من قولهم "حل الدين يحل" إذا وجب أداؤه، ومن قرأ بضم فبمعنى النزول ونزول الغضب نزول نتائجة من العقوبات والمثلات.

ومعنى ﴿ هوى ﴾ هلك وأصله السقوط من مكان عالٍ كالجبل.

وقيل: هوى أي وقع في الهاوية.

سؤال: كيف أثبت المغفرة في حق من استجمع التوبة والإيمان والعمل الصالح، والمغفرة إنما تتصور في حق من أذنب؟

وأيضاً ما معنى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ بعد الأمور المذكور والاهتداء إنما يكون قبلها لا أقل من أن يكون معها؟

الجواب أراد وإني لغفار لمن تاب من الكفر وآمن وعمل صالحاً.

وفيه دليل لمن ذهب إلى وجوب تقديم التوبة من الكفر على الإيمان.

والحاصل أن الغفران يعود إلى الذنوب السابقة على هذه الأمور، ويجوز أن يراد أنه إذا تاب من الكفر وأقبل على الإيمان والعمل الصالح فإن الله يغفر الصغائر التي تصدر عنه في خلال ذلك كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم  ﴾ وأما الاهتداء فالمراد به الاستقامة والثبات على الأمور المذكورة كقوله ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ ومعنى "ثم" الدلالة على تباين المرتبتين، فإن المداومة على الخدمة أصعب من الشروع فيها كما قيل: لكل إلى شأو العلى حركات *** ولكن عزيز في الرجال ثبات ونظير هذا العطف قوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا  ﴾ وقد مر البحث فيه.

ويروى أن موسى قد مضى مع النقباء السبعين إلى الطور على الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله فأنكر الله  تقدمه قائلاً ﴿ وما أعجلك عن قومك ﴾ أيّ شيء عجل بك عنهم؟

فالمراد بالقوم النقباء لا جميع قومه على ما توهم بعضهم يؤكده قوله ﴿ هم أولاء على أثري ﴾ ولم يكن جميع قومه على أثره.

قال جار الله: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين: أحدهما إنكار العجلة في نفسها، والثاني السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين إلى موسى تمهيد العذر من العجلة نفسها فاعتل بأنه لم يوجد مني إلا تقدم يسير وليس بيني وبينهم إلا مسافة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال ﴿ وعجلت إليك رب لترضى ﴾ أي طلبت دوم رضاك عني أو مزيد رضاك بناء على اجتهادي أن التعجيل إلى مقام المكالمة والحرص على ذلك يوجب مزيد الثواب والكرامة.

وقيل: لما أنكر عليه الاستعجال دهش خوفاً من العقاب فتحير في الجواب ﴿ قال فإنا قد فتنا قومك ﴾ يعني جميع قومه الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً.

يروى أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا: قد أكملنا العدة.

ثم كان أمر العجل بعد ذلك فسئل أنه تعالى كيف قال لموسى عنه مقدمه ﴿ إنا قد فتنا قومك ﴾ ؟

وأجيب بأنه على عادة الله  في إخباره عن الأمور المترقبة بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، أو أراد بدء الفتنة لأن السامري افترض غيبة موسى فعزم على إضلال قومه غب انطلاقه.

ولقائل أن يمنع كون هذه الأخبار عند مقدم موسى  بل لعله عند رجوعه بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فرجع موسى ﴾ قال جار الله إنه رجع بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأوتي التوراة.

وسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة.

وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم.

وقيل: كان علجاً من كرمان واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً وكان من قوم يعبدون البقر.

قالت المعتزلة: الفتنة بمعنى الإضلال لا يجوز أن تنسب إلى الله  لأنه يناقض قوله ﴿ وأضلهم السامري ﴾ وإنما الفتنة بمعنى الامتحان بتشديد التكليف ومنه "فتنت الذهب بالنار" وبيان ذلك أن السامريّ لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة الأجسام على أن العجل لا يصلح للإلهية.

وقالت الأشاعرة: الشبهة في كون الشمس والقمر إلهاً أعظم من العجل الذي له خوار وهو جسد من الذهب وحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف، فلا يكون فتنة من هذا الوجه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم.

وأجابوا عن إضافة الضلال إلى السامري بن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها في الحقيقة هو الله  .

قال بعضهم: الأسف المغتاظ، وفرق بين الاغتياظ والغضب لأن الغيظ تغير يلحق المغتاظ فلا يصح إلا على الأجسام، والغضب قد يراد به الإضرار بالمغضوب عليه فلهذا صح إطلاقه على الله  .

ثم عاتب موسى  قومه بأمور منها: قوله ﴿ ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ﴾ كأنهم كانوا معترفين بالرب الأكبر لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي تذكر عبدة الأصنام أو على تأويل الحلول.

والوعد الحسن هو إنزال التوراة التي فيها هدى ونور.

وقيل: هو الثواب على الطاعات ومثله ما روي عن مجاهد أن العهد المذكور من قوله ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ إلى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ وقيل: وعدهم إهلاك فرعون ووعدهم أرضهم وديارهم وقد فعل.

ومنها قوله ﴿ أفطال عليكم العهد ﴾ أي الزمان يريد مدة مفارقته لهم وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فاخلفوا موعده بعبادتهم العجل.

وقيل: أراد عهدهم بنعم الله  من الإنجاء وغيره.

والأكثرون على الأول لما روي أنه وعدهم ثلاثين كما أمر الله  ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة  ﴾ فجاء بعد الأربعين لقوله  ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ ولما روي أنهم حسبوا العشرين أربعين ومنها قوله ﴿ أم أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم ﴾ قالوا: هذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد هلاك نفسه ولكن المعصية - وهو خلاف الموعد - لما كانت توجب ذلك صح هذا الكلام لأن مريد السبب مريد للمسبب بالعرض.

احتج العلماء بالآية وبما مر من قوله ﴿ فيحل عليكم غضبي ﴾ أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله  لا تنزل في شيء من الأجسام.

وموعد موسى هو ما ذكرنا من أنهم وعدوه الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور.

وقيل: وعدوه اللحاق به والمجيء على أثره ﴿ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ بالحركات الثلاث أي بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده.

والظاهر أن القائلين هم عبدة العجل.

وقيل: إنهم الذين لم يعبدوا العجل وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل فلم يقدر على منعهم ولم يقدروا أيضاً على مخالفتهم حذراً من التفرقة وزيادة الفتنة.

ثم إن القوم بينوا ذلك العذر المجمل فقالوا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ﴾ أي أثقالاً من حلي القبط كما مر في "الأعراف".

وقيل: الأوزار الآثام وإنها في الحقيقة أثقال مخصوصة معنوية سموا بذلك لأن المغانم لم تحل حينئذ أو لأنهم كانوا مستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي.

وقيل: إن تلك الحلي كان القبط يتزينون بها في مجامع الكفر ومجالس المعاصي فلذلك.

وصفت بأنها أوزار كما يقال في آلات المعاصي ﴿ فقذفناها ﴾ أي في الحفرة، كان هارون أمرهم بجمع الحلي انتظاراً لعود موسى، أو في موضع أمرهم السامري بذلك بعد أن أوقد النار ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ مثل فعلنا أراهم أنه يلقي حلياً في يده مثل ما ألقوه.

وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطىء حافر فرس جبريل كما يجيء في قوله ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ قد مر في "الأعراف" ﴿ فقالوا ﴾ أي السامري ومن تبعه ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ موسى أن يطلبه ههنا فذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر، أو نسي الاستدلال على أن العجل لا يجوز أن يكون إلهاً بقوله ﴿ أفلا يرون أن لا يرجع ﴾ "أن" مخففة من الثقيلة ولهذا لم تعمل.

وقرىء بالنصب على أنها الناصبة.

قال العلماء: ظهور الخوارق على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الالتباس، وههنا كذلك فوجب أن لا يمتنع خلق الحياة في صورة العجل.

وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟

فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي.

فقال: اللهم أعطه ما سألك.

فلما مضى هارون قال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار.

وعلى هذا التقدير يكون معجزاً للنبي لا السامري.

ثم إنه  أخبر أن هارون لم يأل نصحاً وإشفاقاً في شأن نفسه وفي شأن القوم قبل أن يقول لهم السامري ما قال.

أما شفقته على نفسه فهي أنه أدخلها في زمرة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، أما الامتثال فإنه امتثل في نفسه وفي شأن القوم أمر أخيه حين قال لهم ﴿ يا قوم إنما فتنتم به ﴾ قال جار الله: كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة فتنوا به واستحسنوه فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون فزجرهم عن الباطل أولاً بأن هذا من جملة الفتن.

ثم دعاهم إلى الحق بقوله ﴿ وإن ربكم الرحمن ﴾ ومن فوائد تخصيص هذا الاسم بالمقام أنهم إن تابوا عما عزموا عليه لإن الله يرحمهم ويقبل توبتهم.

ثم بين أن الوسيلة إلى معرفة كيفية عبادة الله هو اتباع النبي وطاعته فقال ﴿ فاتبعوني وأطيعوا أمري ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن.

واعلم أن الشفقة على خلق الله أصل عظيم في الدين وقاعدة متينة.

روى النعمان بن بشير عن النبي  " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ويروى أن رسول الله  بينا هو جالس إذا نظر إلى شاب على باب المسجد فقال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه.

فسمع الشاب ذلك فولى وقال: إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد عليّ بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد  وتشعل النار بي حتى يبر يمينه ولا تسفع النار أحداً.

فهبط جبريل وقال: يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقدته من النار بتصديقه لك وفداء أمتك بنفسه وشفقته على الخلق.

قال أهل السنة ههنا: إن الشيعة تمسكوا بقوله  "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ثم إن هارون ما منعته التقية في مثل ذلك الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعته، فلو كانت أمة محمد  على الخطأ لكان يجب على عليّ كرم الله وجهه أن يفعل ما فعل هارون من غير تقية وخوف.

وللشيعة أن يقولوا: إن هارون صرح بالحق وخاف فسكت ولهذا عاتبه موسى بما عاتب فاعتذر بــ ﴿ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني  ﴾ وهكذا علي  امتنع أولاً من البيعة فلما آل الأمر إلى ما آل أعطاهم ما سألوا.

وإنما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصب.

ثم إن القوم قابلوا حسن موعظة هارون بالتقليد والجحود قائلين ﴿ لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من أنواع التوكيد من جهة النفي بـ"لن"، ومن لفظ البراح والعكوف، ومن صيغة اسم الفاعل، ومن تقديم الخبر.

ثم حكى ما جرى بين موسى وهارون بعد الرجوع وقوله ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ﴾ كقوله ﴿ ما منعك ألا تسجد  ﴾ في أن "لا" هذه مزيدة أم لا؟.

وقد مر في "الأعراف".

وفي هذا الإتباع قولان: فعن ابن عباس ما منعك من إتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم.

وقال مقاتل: أراد الإتباع في وصيته كأنه قال: هلا قتلت من كفر بمن آمن ومالك لا تباشر الأمر كما كنت أباشره.

قال الأصوليون: في قوله ﴿ أفعصيت أمري ﴾ دلالة على أن تارك المأمور به عاصٍ والعاصي يستحق العقاب لقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم  ﴾ فيعلم منه أن الأمر للوجوب.

واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى  هل أمر هارون باتباعه أم لا؟

وعلى التقدير فهارون أتبعه أم لا؟

فإن لم يأمره أو أمره ولكن اتبعه فملامته لهارون من غير جرم تكون ذنباً، وإن أمره ولم يتبعه كان هارون عاصياً.

وأيضاً قوله ﴿ أفعصيت ﴾ بمعنى الإنكار.

فإما أن يكون موسى كاذباً في نسبة العصيان إلى هارون، وإما أن يكون هارون عاصياً.

وأيضاً أخذه بلحية هارون وبرأسه إن كان بعد البحث والتفتيش فهارون عاصٍ وإلا فموسى.

وأجيب بأن كل ذلك أمور اجتهادية جائزة الخطأ أو هي من باب الأولى وقد مر في أوائل "البقرة" في آدم ما يتعلق بهذه المسألة.

قوله: ﴿ ولم ترقب قولي ﴾ أي وصيتي لك بحفظ الدهماء واجتماع الشمل يؤيده قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت ﴾ قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة ما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا في الدين ما تحملوا، وأما قوم موسى فقد رأوا ذلك مع زيادة سائر الآيات التسع ومع ذلك اغتروا بصوت العجل وعكفوا على عبادته، فعرفنا أن الغرض لا يحصل إلا بهداية الله  .

ولما فرغ موسى من عتاب هارون أقبل على السامري، ويمكن أن يكون بعيداً ثم حضر أو ذهب إليه موسى ليخاطبهقال جار الله: الخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه.

فإذا قيل: لمن يفعل شيئاً ما خطبك؟

فمعناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه وتعظيم صنيعه ﴿ قال ﴾ أي السامري} بصرت بما لم يبصروا به} قال ابن عباس ورواه أبو عبيدة: علمت بما لم يعلموا به من البصارة.

يعني العلم.

وقال الآخرون: رأيت بما لم تروه فالباء للتعدية، رجح العلماء قراءة الغيبة على الخطاب احترازاً من نسبة عدم البصارة إلى النبي  .

والقبضة بالفتح مصدر بمعنى المفعول وهو المقبوض بجميع الكف.

عامة المفسرين على أن المراد بالرسول جبريل عليه السالم وأثره التراب الذي أخذه من موقع حافر دابته واسمها حيزوم فرس الحياة.

ومتى رآه؟

الأكثرون على أنه رآه يوم فلق البحر كان جبريل على الرمكة وفرعون على حصان وكان لا يدخل البحر، فتقدم جبريل فتبعه فرس فرعون.

وعن علي  أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس وكان راكب حيزوم فقال: إن لهذا شأناً فقبض من تربة موطئه.

فمعنى الآية فقبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد.

ثم من المفسرين من جوز أن السامري لم يعرف أنه جبريل ومنهم من قال: إنه عرفه.

عن ابن عباس: إنما عرفه لأنه رباه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بقتل أولاد بني إسرائيل.

فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس.

فكان السامري أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه.

وقال أبو مسلم: إطلاق الرسول على جبريل في المقام من غير قرينة تكليف بعلم الغيب.

وأيضاً تخصيص السامري من بين الناس برؤية جبريل وبمعرفة خاصية تراب حافر دابته لا يخلو عن تعسف، ولو جاز اطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول: لعل موسى اطلع على شيء آخر لأجله قدره على الخوارق.

فالأولى أن يراد بالرسول موسى فقد يواجه الحاضر بلفظ الغائب كما يقال: ما قول الأمير في كذا؟

ويكون إطلاق الرسول منه على موسى نوعاً من التهكم لأنه كان كافراً به مكذباً.

وأراد بأثره سنته ورسمه من قولهم "فلان يقفو أثر فلان" أي عرفت أن الذي عليه ليس بحق وقد كنت قبضت شيئاً من سنتك فطرحتها.

فعلى قول العامة يكون قوله: ﴿ وكذلك سوّلت لي نفسي ﴾ إشارة إلى ما أوحي إليه وليه الشيطان أن تلك التربة إذا نبذت على الجماد صار حيواناً.

وعلى قول أبي مسلم يشير إلى أن اتباع أثرك كان من تسويلات النفس الأمارة فلذلك تركته.

ثم بين موسى أن له عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة.

يروى أنه أراد أن يقتله فمنعه الله من ذلك وقال: لا تقتله فإنه سخيّ.

وفي قوله: ﴿ لامساس ﴾ وجوه: الأوّل إنه حرم عليه مماسة الناس لأنه إذا اتفق أن هناك مماسة فأحدهم الماس والثاني الممسوس فلذلك إذا رأى أحداً صاح لا مساس.

ويقال: إن قومه باقٍ فيهم ذلك إلى الآن الثاني: أن المراد منع الناس من مخالطته.

قال مقاتل: إن موسى أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له: اخرج أنت وأهلك طريداً إلى البراري.

اعترض الواحدي عليه بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول: هو لامساس.

وإنما يقال له ذلك.

وأجيب بأن هذا على الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك لم تقل إلا لا مساس.

والثالث: قول أبي مسلم إن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يمكن له مماسة المرأة أي مجامعتها.

وأما حاله في الآخرة فلذلك قوله: ﴿ وإن لك موعداً لن تخلفه ﴾ قال جار الله: من قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً.

ثم بين مآل حال إلهه فقال: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ﴾ أي ظللت فحذف إحدى اللامين تخفيفاً ﴿ لنحرقنه ﴾ من الإحراق ففيه دليل على أنه صار لحماً ودماً لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار ونسفه في الميم.

قال السدي: أمر موسى بذبحه فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف.

والنسف النقض ومن جعله من الحرق أي لنبردنه بالمبرد ففيه دلالة على أنه لم ينقلب حيواناً إلا إذا أريد برد عظامه.

ومن جعله من التحريق فإنه يحتمل الوجهين والمراد إهدار السامري وإبطال كيده ومحق صنيعه والله خير الماكرين.

ثم ختم الكلام ببيان الدين الحق فقال: ﴿ إنما إلهكم ﴾ أي المستحق للعباد والتعظيم ﴿ الله الذي لا إله إلاَّ هو وسع كل شيء علماً ﴾ قد مر مثله في "الأنعام" قال مقاتل: أي يعلم من يعبده.

وحين فرغ من قصة موسى شرع في تثبيت رسولنا  فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي نحو اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون والسامري ﴿ نقص عليك من ﴾ سائر أخبار الرسل مع أممهم تكثيراً لمعجزاتك.

ثم عظم شأن القرآن بقوله: ﴿ وقد آتيناك من لدنا ذكراً ﴾ أي ما ذكر فيه كل ما يحتاج إليه المكلف في دينه وفي دنياه والوزر العقوبة الثقيلة التي تنقض ظهر صاحبها، أو المراد جزاء الوزر وهو الإثم ﴿ خالدين فيه ﴾ أي في ذلك الوزر أو في احتماله ﴿ وساء ﴾ فيه ضمير مبهم يفسره ﴿ حملاً ﴾ والمخصوص محذوف للقرينة أي ساء حملاً وزرهم.

واللام في ﴿ لهم ﴾ للبيان كما في ﴿ هيت لك  ﴾ ويجوز أن يكون "ساء" بمعنى "قبح" ويكون فيه ضمير الوزر.

وانتصب ﴿ حملاً ﴾ على التمييز و ﴿ لهم ﴾ حال من ﴿ حملاً ﴾ ولا أدري لم أنكره صاحب الكشاف، اللَّهم إلا أن يمنع وقوع الحال من التمييز وفيه نظر.

قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس: وفي الصور قولان: أشهرهما أنه القرن يؤيده قوله: ﴿ فإذا نقر في الناقور  ﴾ وإنه  يعرّف أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوقات عند الأسفار وفي العساكر فجعل الله  النفخ في تلك الآلة علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات.

وأقربهما من المعقول أن الصور جمع صورة يؤكده قراءة من قرأ بفتح الواو.

يقال: صورة وصور كدرة ودرر.

والنفخ نفخ الروح فيها ولكنه يرد عليه أن النفخ يتكرر لقوله  : ﴿ ثم نفخ فيه أخرى  ﴾ والإحياء لا يتكرر بعد الموت إلا ما ثبت من سؤال القبر وليس هو بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق ﴿ ونحشر المجرمين ﴾ عن ابن عباس: هم الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر.

وقال المعتزلة: هم الكفار والعصاة.

وفي الزرق وجوه: قال الضحاك ومقاتل: إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب، لأن الروم أعداؤهم وإنهم زرق العيون، ومن كلامهم في صفة العدوّ "أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين".

وقال الكلبي: ﴿ رزقاً ﴾ أي عمياً.

قال الزجاج: يخرجون بصراء في أول أمرهم لقوله: ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ ولقوله: ﴿ اقرأ كتابك  ﴾ ثم يؤل حالهم إلى العمى وإن حدقة من يذهب نور بصرة تزرق.

وقيل ﴿ زرقاً ﴾ أي عطاشا لقوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً  ﴾ فكأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون ﴿ بينهم ﴾ من شدة خوفهم أو لأن صدورهم امتلأت رعباً، وهؤلاء يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لأنها أيام سرورهم وهن قصار، وإما لأنها قد انقضت والذاهب قليل وإن طال ولا سيما بالنسبة إلى الأبد السرمدي كأن ظنينهم يقول: قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى لبثنا في الآخرة كعشرة أيام.

فقال أعقلهم: بل كاليوم الواحد.

وإنما قال: ﴿ عشراً ﴾ لأن المراد عشر ليال.

وقال مقاتل: أراد عشر ساعات أي بعض يوم.

وعلى هذا فأفضلهم رد عليهم استقصارهم وتقالهم.

وقيل: المراد لبثهم في القبور.

قال أهل النظم: كأن سائلاً سأل: كيف يصح التخافت بين المجرمين والجبال حائلة مانعة؟

فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الجبال ﴾ وقال الضحاك: إن مشركي مكة قالوا على سبيل الاستهزاء: يا محمد كيف يكون حال الجبال يوم القيامة؟

فنزلت.

ويحتمل أن يكون هذا جواب شبهة تمسك بها منكرو البعث - منهم جالينوس - زعم أن الأفلاك لا تفنى لأنها لو فنيت لابتدأت بالنقصان حتى تنتهي إلى البطلان، وكذا الجبال وغيرها من الأجرام الكلية، فأمر الله نبيه  أن يبين لهم هذه المسألة الأصولية من غير تأخير ولهذا أدخل فاء التعقيب في الجواب.

والنسف القلع.

وقال الخليل: التطيير والإذهاب كأنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها.

وحاصل الجواب أن كل بطلاً لا يلزم أن يكون ذبولياً بل قد يكون رفعياً.

والضمير في ﴿ فيذرها ﴾ للمضاف المحذوف أي فيدع مقارها ومراكزها وهو للأرض للعلم بها كقوله: ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ والقاع المستوي من الأرض.

وقيل: المكان المطمئن.

وقيل: مستنقع الماء.

والصفصف الأرض الملساء المستوية.

وقيل: التي لا نبات فيها.

والأمت النتوّ اليسير.

وقيل: التلال الصغار.

قالوا: العوج بالكسر في المعاني وكأنه  نفى العوج الذي يدق عن الإحساس ولا يدرك إلا بالقياس الهندسي.

وإذا كان هذا النوع من العوج الاعتباري منتفياً فكيف بالعوج الحسي!

وقد يستدل بالآية على أن الأرض يومئذ تكون كرة حقيقة إذ لو كانت مضلعة وقعت بين الأضلاع فصول مشتركة فيعوج الامتداد القائم عليها هناك.

ثم إنه  وصف ذلك اليوم بأن الخلائق فيه ﴿ يتبعون الداعي ﴾ قيل: هو النفخ في الصور وقوله: ﴿ لا عوج له ﴾ أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل.

وقيل: إن إسرافيل أو ملكاً آخر يقوم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء فلا يعوج له مدعوّ بل يتبعون صوته من غير انحراف.

﴿ وخضعت الأصوات للرحمن ﴾ خفضت من شدة الفزع ﴿ فلا تسمع ﴾ أيها السامع ﴿ إلا همساً ﴾ وهو الصوت الخفي.

وذلك أن الجن والإنس علموا أن لا مالك لهم سواه، وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه.

وعن ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد الهمس وطء الأقدام إلى المحشر.

قوله: ﴿ إلا من أذن له الرحمن ﴾ يصلح أن يكون "من" منتصباً على المفعولية وأن يكون مرفوعاً على البدلية بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن ﴿ ورضي له ﴾ أي لأجله ﴿ قولاً ﴾ .

قال الإمام فخر الدين الرازي: الاحتمال الأول أولى لعدم التزام الإضمار، ولأن درجة الشافع درجة عظيمة فلا تصلح ولا تحصل إلا لمن أذن له فيها وكان عند الله مرضياً.

فلو حملنا الآية على ذلك كان من إيضاح الواضحات بخلاف ما لو حملت على المشفوع.

وأقول: الاحتمالان متقاربان متلازمان لأن المشفوع لا تقبل الشفاعة في حقه إلا إذا أذن الرحمن لأجله فيعود إلى الثاني.

قالت المعتزلة: الفاسق غير مرضي عند الله  فوجب أن لا ينتفع بشفاعة الرسول.

وأجيب بأنه قد رضي لأجله قولاً واحداً من أقواله وهو كلمة الشهادة.

قالوا: هب أن الفاسق قد رضي الله قولاً لأجله، فلم قلتم إن الإذن حاصل للشافع في حقه؟

والجواب أنا أيضاً نمنع من أن الإذن غير حاصل في حقه على أنه قال في موضع آخر ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى  ﴾ فلم يعتبر إلا أحد القيدين.

ثم أخبر عن نهاية علمه بقوله: ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ .

الضمير للذين يتبعون الداعي أي يعلم ما يقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه ﴿ ولا يحيطون ﴾ بمعلومه ﴿ علماً ﴾ .

وقال الكلبي ومقاتل: الضمير للشافعين من الملائكة والأنبياء كما مر في آية الكرسي.

وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له أي يعلم ما كان قبل خلقهم وما كان منهم بعد خلقهم من أمر الآخرة والثواب العقاب وإنهم لا يعلمون شيئاً من ذلك فكيف يصلحون للمعبودية.

ثم ذكر غاية قدرته فقال: ﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي زلت رقاب الممكنات منقادين لأمره كالأسارى.

عنا يعنو عنوّاً إذا صار أسيراً.

وقيل: أراد وجوه العصاة في القيامة كقوله: ﴿ سيئت وجوه الذي كفروا  ﴾ ولعله خص الوجوه بالذكر لأن أثر الذل والانكسار فيها أبين وأظهر، قال جار الله: ﴿ وقد خاب ﴾ وما بعده اعتراض أي كل من ظلم فهو خائب خاسر.

ولأهل السنة أن يخصوا الظلم ههنا بالشرك أو يعارضوا هذا العموم بعمومات الوعد.

من قرأ ﴿ فلا يخاف ﴾ بالرفع فعلى الاستئناف أي فهو لا يخاف كقوله: ﴿ فينتقم الله منه  ﴾ ومن قرأ ﴿ فلا يخف ﴾ فمعناه فليأمن له لأن النهي عن الخوف أمر بالأمن.

من فسر الظلم بأنه الأخذ فوق حقه بالنقص من حقه كصفة المطففين فيقدر مضافاً محذوفاً أي فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم لأنه لم يظلم ولم يهضم، ومن فسر الظلم بأنه العقاب لا على جريمة والهضم بأنه النقص من الثواب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.

قال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا يوفى حقه من التعظيم لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثواباً إلا إذا قارنه التعظيم.

قال جار الله: ﴿ وكذلك ﴾ عطف على قوله: ﴿ كذلك نقص ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال وعلى نهجه، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله عربياً لأن العرب أصل وغيرهم تبع لأن النبي عربي.

﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ كررناه وفصلناه ويدخل في ضمنه الفرائض والمحارم لأن الوعيد يتعلق بترك أحدهما وبفعل الآخر ﴿ لعلهم يتقون أن يحدث لهم ذكراً ﴾ حمل جار الله الأول على إرادة ترك المعاصي والثاني على فعل الخبر والطاعة، لأن الذكر قد يطلق على الطاعة والعبادة.

قلت: لا ريب أن القرآن ينفر عن السيئات ويبعث على الطاعات من حيث إن فهم معانيه يؤدّي إلى ذلك، وإنما قدم الأول على الثاني لأن التخلية مقدمة على التحلية.

ويحتمل أن تكون التقوى عبارة عن فعل الخيرات وترك المنكرات جميعاً.

والذكر يكون محمولاً على ضد النسيان أي إن نسوا شيئاً من التروك والأفعال أحدث لهم ذكراً إذا تأملوا معانية.

وكلمة "أو" على الأول للتخيير والإباحة لا للتنافي، وعلى الثاني يجوز أن تكون للتنافي.

وقيل: أراد أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يوجب القرآن لهم ذكراً أي شرفاً ومنصباً كقوله: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ وعلى التقديرين يكون في إنزال القرآن نفع.

ثم عظم شأن القرآن من وجه آخر وهو عظمة شأن منزلة قائلاً ﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ ارتفع صفاته عن صفات المخلوقين أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي وأنه منزه عن الانتفاء والتضرر بطاعاتهم ومعاصيهم.

ومعنى الحق قد مر في البسملة.

قال جار الله: فيه استعظام له ولما يصرّف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه وغير ذلك كما يجري عليه أمر ملكوته.

قال أبو مسلم: إن قوله: ﴿ ويسئلونك عن الجبال ﴾ إلى ههنا كلام تام.

وقوله: ﴿ ولا تعجل ﴾ خطاب مستأنف.

وقال آخرون: إنه  كان يخاف أن يفوته شيء فيقرأ مع الملك، فإنه  حين شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين أنه  متعال عن الانتفاع والتضرر بالطاعات والمعاصي.

وأنه موصوف بالملك الدائم والعز بالباقي، وكل من كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي وما يتعلق بصلاح العباد في المعاش والمعاد.

قال: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ لأنه حصل لك الأمان من السهو والنسيان ﴿ من قبل أن يقضي إليك وحيه ﴾ أي من قبل أن تتم قراءة جبريل ونحوه قوله ﴿ لا تحرّك به لسانك لتعجل به  ﴾ قاله مقاتل والسدي وابن عباس في رواية عطاء.

وقال مجاهد وقتادة: أراد ولا تعجل بالقرآن فتقرأ على أصحابك من قبل أن يوحى إليك بيان معانية أي لا تبلغ ما كان مجملاً حتى يأتيك البيان.

وقال الضحاك: إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة أن اليهود قد غلبوا فنزلت هذه الآية.

أي لا تعجل بنزول القرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومن جبرائيل ومنه إليك.

وعن الحسن: أن امرأة أتت النبي  فقالت: زوجي لطم وجهي فقال: بينكما القصاص فنزلت الآية فأمسك رسول الله  عن القصاص.

وإنما نشأت هذه الأقوال لأن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ يحتمل التعجيل بقراءته في نفسه، أو في تأديته إلى غيره، أو في اعتقاده ظاهره، أو في تعريف الغير ما يقتضيه الظاهر.

وقوله: ﴿ من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ احتمل أن يراد من قبل أن يقضى إليك تمامه، أو من قبل أن يقضى إليك بيانه فقد يجوز أن يحصل عقيبه استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات والمبينات ويؤكد هذه المعاني قوله: ﴿ وقل رب زدني علماً ﴾ لأن معرفة البيان علم زائد على معرفة الإجمال.

والظاهر أن هذا الاستعجال كان أمراً اجتهادياً وكان الأولى تركه فلذلك نهى عنه.

قال جار الله: هذا الأمر متضمن للتواضع لله والشكر له عندما علم من ترتيب التعلم أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدباً جميلاً ما كان عندي فزدنى علماً إلى علم.

ومن فضائل العلم أن النبي  ما أمر بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.

وفيه إشارة إلى أن أسرار القرآن غير متناهية، اللَّهم إن هذا العبد الضعيف معترف بقصوره ونقصانه فأسألك مما سألك به نبيك أن ترزقني بتبعيته علماً ينفعني في الدارين.

التأويل: ﴿ ولقد أوحينا إلى موسى ﴾ القلب ﴿ أن أسر بعبادي ﴾ وهم صفات القلب من الأخلاق الحميدة سر بهم من مصر البشرية إلى بحر الروحانية.

﴿ فاضرب لهم ﴾ بعصا الذكر ﴿ طريقاً يبساً ﴾ من ماء الهوى وطين الصفات الحيوانية وباقي التأويل كما مر في "يونس" ﴿ ونزلنا عليكم ﴾ منّ صفاتنا وسلوى أخلاقنا فاتصفوا بطيبات أخلاقنا ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ بإفشاء أسرار الربوبية إلى غيرنا كمن قال: أنا الحق وسبحاني.

فإن الحالات لا تصلح للمقاولات.

﴿ وإني لغفار لمن ﴾ رجع عن الطغيان ﴿ وآمن ﴾ بالربوبية ﴿ وعمل صالحاً ﴾ في مقام العبودية ﴿ ثم اهتدى ﴾ فتحقق أن حضرة الربوبية منزهة عن دنس الوهم والخيال ومقام الوصال مباين للقيل والقال.

﴿ وعجلت إليك ﴾ فيه أن الشوق إذا غلب انقطع العلائق وأن مطلوب السائل لا ينبغي أن يكون إلا رضا الله.

﴿ قد فتنّا قومك من بعدك ﴾ فيه أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بالنبي والشيخ.

﴿ بملكنا ﴾ أي بإرادتنا ومشيئتنا ولكن بإرادة الله ومشيئته.

﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ من غير اختيار منه ولكن باضطرار من القدر ﴿ با ابن أم ﴾ قيل خاطبه بذلك ليذكره قول الملائكة: يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الأرباب.

﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ فيه أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة ولأهل الغرامة استدراج وفتنة فيصرفونها في الباطل والطبيعة لا في الحق والحقيقة.

قوله: ﴿ لامساس ﴾ فيه معارضة بنقيض مقصود من أراد الجمعية والغلبة واتباع الناس إياه، فعدت بالتفرد والتوحش والنفار عن الخلق ﴿ زرقا ﴾ إن الوجه أشرف أعضاء الإنسان والعين أشرف أعضاء الوجه، وزرق العين دلالة على خروجها عن الاعتدال، وإذا كان أشرف الأعضاء خارجاً عن الاعتدال فما ظنك بغيرها؟

وكذا بالأخلاق التابعة للأمزجة.

﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي كل جهة بها يستند الممكن إلى الواجب.

﴿ يتبعون الداعي ﴾ لأن كل ناس تدعى بإمامهم فيتبعونه ألبتة وأهل الله لا يفرون إلا إلى الله في قوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام  ﴾ وعلى الله السمتعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ﴾ .

يشبه أن يكون سؤالهم عن أحوال الجبال في ذلك اليوم لما بين أحوال الناس في الساعة بقوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ...

﴾ الآية [الحج: 1-2]، وكقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ...

﴾ الآية [الحج: 2]، وصف لهم أحوال الخلق في ذلك اليوم، ولم يصف أحوال الجبال والأرض، فعند ذلك سألوه عن أحوال الجبال، فأمر رسوله أن يخبرهم بما ذكر أنه ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ﴾ ، وما ذكر أيضاً في آية أخرى: ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً  ﴾ ، ﴿ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ ، ﴿ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ  ﴾ ونحوه، فجائز أن يكون ذلك على اختلاف الأحوال، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً ﴾ أي: مستوية، والقاع والصفصف واحد.

وقال بعضهم: هي الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا زرع.

وقوله: ﴿ لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ قيل: لا واديا ولا أمتا ولا رابية.

وقال بعضهم: العوج: الارتفاع، والأمت: الهبوط.

وقال بعضهم: العوج: أَحْناء الأودية، والأمت: التلال.

وقيل: لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً، والقاع الصفصف: هو تفسير ﴿ لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ ، و ﴿ لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ تفسير قوله: ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ ﴾ : لا خلاف له، ليس كالداعي في الدنيا منهم من يطيعه ويجيبه ومنهم من لا يطيعه ولا يجيبه، فأخبر أنهم في الآخرة يجيبون الداعي في أي حال كانوا لا يخالفونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ ﴾ : لا تخشع، لكن تنخفض وتلين عند خوف أهلها، وترتفع عند الأمن.

أو أن يكون خشوع الأصوات كناية عنهم، أي يخشعون ويذلون لشدة فزعهم لأهوال ذلك اليوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ﴾ .

قيل: الهمس: الكلام الخفي الذي لا يكاد يسمعه.

وقيل: رفع الأقدام ونقلها وهو تحريكها.

قال أبو عوسجة: ﴿ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، أي: أخفى صوته.

وقوله: ﴿ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً ﴾ أي: أفضلهم.

فأمّا ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً ﴾ ، قال: القاع: الأرض الصلبة التي لا شيء فيها، والصفصف: المستوية، والصفاصف جمع، والقيعان: جمع القاع، و ﴿ عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ الأمت: هو العوج وهو التل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ ﴾ ، أي: سكنت [ ﴿ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ﴾ ]، والهمس: الخفى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لا تنفع الشفاعة، ليس أن يكون لهم الشفاعة فلا تنفع، ولكن لا شافع لهم إلا من أذن له الرحمن بالشفاعة أنه لا أحد يتكلم يومئذ إلا بإذنه، فضلا أن يؤذن لأحد بالشفاعة؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ  ﴾ يقول: الشفاعة أنه لا أحد يتكلم يومئذ إلا بإذنه فضلا، وقال: صوابا.

والثاني: لا تنفع الشفاعة إلا من وفق له بما يستوجب الشفاعة له ورضي له قولا وسأله ذلك، وهو قول الشهادة والتوحيد.

فيرجع أحد التأويلين إلى الشفعاء: أنه لا أحد يشفع لأحد إلا بإذنه ورضاه بالقول: قول الشفاعة، والثاني: يرجع إلى المشفوع له: أنه لا أحد يستوجب شفاعة إلا من وفق له الرحمن في الدنيا بالتوحيد وشهادة الإخلاص، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ قبل أن يخلقوا، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ بعد ما خلقوا وكانوا.

أو أن يكون قوله: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : ما قدموا من الأعمال، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ : من بعدهم.

أو أن يكون قوله: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ كناية عن الخيرات، أي: لا يعلم ما يعملون من الخيرات، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ من الشرور، وما نبذوا وراء ظهورهم.

وجائز أن يكون المراد من البين والخلف: الأحوال كلها، أي: عالم بجميع أحوالهم وبكل شيء يكون منهم، وهو كقوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ أي: لا يأتيه الباطل ألبتة؛ لأنه ليس للقرآن بين ولا خلف، ولكن المراد ما ذكرنا، فعلى ذلك الأول.

وجائز أن يكون المراد منه: ليس البين ولا الخلف، ولكن إخبار عن إحاطة علمه بهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: لا يحيطون بالله علما، ولكن إنما يعرفونه على ما تشهد لهم الشواهد من خلقه؛ لأن الخلق إنما يعرفون ربهم من جهة ما يشهد ويدل لهم من الدلالات من خلقه، والإحاطة بالشيء إنما تكون فيما كان سبيل معرفته الحس والمشاهدات، فأما ما كان سبيل معرفته الاستدلال فإنه لا يحاط به العلم.

والثاني: لا يحيطون به علما، أي: بعلمه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ...

﴾ الآية [الجن: 26-27].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ ﴾ .

قيل: ﴿ عَنَتِ ﴾ : ذلت وخضعت الوجوه.

وجائز أن يكون ذكر [الوجوه] كناية عن أنفسهم؛ لما بالوجوه يظهر الذلة والخضوع، فكنى بها عنهم.

فإن كان ما أخبر من خضوعهم وذلهم في الآخرة، فهو على ما أخبر من خضوع الخلائق له في الآخرة.

وإن كان بعضهم يتكبر في الدنيا، وإن كان في الدنيا فهو على خضوع الخلقة له خضعت خلقة الخلائق كلهم له.

وقوله: ﴿ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ ﴾ قد ذكرنا تأويل الحي القيوم فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ﴾ .

أي: قد خاب من حمل الشرك، والظلم هاهنا الشرك، وقد خاب من حمل ما ذكر من الحمل والوزر، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً  خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً  ﴾ أي: خاب من حمل ذلك الحمل، والله أعلم.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ من أمر الآخرة، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ من أمر الدنيا، ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ ﴾ يعني: [لا يحيط] الملائكة به ﴿ عِلْماً ﴾ ، يقول: هم لا يعلمون من كلامه إلا ما علمهم إياه، فإن كان هذا في الملائكة خاصة، فإنه لا يحتمل ما ذكرنا من التأويل في قوله: ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ من الشرور وما نبذوه وراء ظهورهم؛ لأنهم مطيعون لله لا يعصونه طرفة عين، ويحتمل غيره من التأويلات التي ذكرنا، والله أعلم.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ  ﴾ : في الشفاعة، ﴿ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً  ﴾ : قول: لا إله إلا الله، مسلماً في الدنيا مؤمناً حقا، فذلك الذي رضي، والشفاعة تحل لهم، فأما غيرهم فلا يشفع لهم، وهو ما ذكرنا فيما تقدم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ ﴾ أي: عملت الوجوه للحي القيوم، قالوا: وتأويل ﴿ عَنَتِ ﴾ العمل، أي: خضعت له بالعمل الصالح في الدنيا، على ما ذكر بعضهم من الركوع والسجود وغيره، وهو في المؤمنين خاصة ليس أن يكون تأويل قوله: ﴿ وَعَنَتِ ﴾ أي: عملت حقيقة، ولكن من الوجه الذي ذكرنا.

وإن كان التأويل في الآخرة فهو في الفريقين جميعاً يذلون له جميعاً ويخضعون في الآخرة، وإن كان من بعضهم التكبر في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ .

فيه دلالة أنه قد يستحق اسم الإيمان بدون الأعمال الصالحات؛ حيث قال: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ .

وفيه أن الإيمان شرط في قبول الطاعات وجعلها طاعة لله؛ حيث شرط الإيمان فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً ﴾ .

الظلم هاهنا على مذهبنا: النقصان، لا ظلم الجور؛ لأن الثواب على الأعمال بحق الإفضال لا بحق العدل، فإذا كان على هذا فيخرج قوله: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ﴾ أن ينقص من حسناته شيئاً أو يزيد في سيئاته شيئاً، ويجوز في اللغة ذكر الظلم على إرادة النقصان؛ كقوله في ذكر الجنتين: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ ، والجنة لا توصف بالظلم الذي هو ظلم جور؛ فدل أنه أراد بالظلم هاهنا النقصان، أي: لم تنقص، بل أتت بثمارها وافية وافرة.

وإن كان على الظلم الذي هو ظلم الجور فهو على النهي، أي: لا تخف منه الظلم والجور.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يعلم الله سبحانه ما يستقبله الناس من أمر الساعة، ويعلم ما استدبروه في دنياهم، ولا يحيط جميع العباد بذات الله وصفاته علمًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.xxNpX"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله