الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١٣٣ من سورة طه
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٣٣ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
قول تعالى مخبرا عن الكفار في قولهم : ( لولا ) أي : هلا ( يأتينا ) محمد ( بآية من ربه ) أي : بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟
قال الله تعالى : ( أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ) يعني : القرآن العظيم الذي أنزله عليه الله وهو أمي ، لا يحسن الكتابة ، ولم يدارس أهل الكتاب ، وقد جاء فيه أخبار الأولين ، بما كان منهم في سالف الدهور ، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها; فإن القرآن مهيمن عليها ، يصدق الصحيح ، ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها .
وهذه الآية كقوله تعالى في سورة " العنكبوت " : ( وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ) [ العنكبوت : 50 ، 51 ] وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .
وإنما ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها ، عليه السلام ، وهو القرآن ، وله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر ، كما هو مودع في كتبه ، ومقرر في مواضعه .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى (133) يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون الذين وصف صفتهم في الآيات قبل هلا يأتينا محمد بآية من ربه، كما أتى قومه صالح بالناقة وعيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، يقول الله جلّ ثناؤه: أو لم يأتهم بيان ما في الكتب التي قبل هذا الكتاب من أنباء الأمم من قبلهم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات فكفروا بها لما أتتهم كيف عجَّلنا لهم العذاب، وأنـزلنا بأسنا بكفرهم بها، يقول: فماذا يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم حال أولئك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى ) قال: التوراة والإنجيل.
حدثنا القاسم: قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى ) الكتب التي خلت من الأمم التي يمشون في مساكنهم.
قوله تعالى : وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه يريد كفار مكة ؛ أي لولا يأتينا محمد بآية توجب العلم الضروري .
أو بآية ظاهرة كالناقة والعصا .
أو هلا يأتينا بالآيات التي نقترحها نحن كما أتى الأنبياء من قبله .قوله تعالى : أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى يريد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة ، وذلك أعظم آية إذ أخبر بما فيها .
وقرئ ( الصحف ) بالتخفيف .
وقيل أولم تأتهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه في الكتب المتقدمة من البشارة .
وقيل : أولم يأتهم إهلاكنا الأمم الذين كفروا واقترحوا الآيات ، فما يؤمنهم إن أتتهم الآيات أن يكون حالهم حال أولئك وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو ويعقوب وابن أبي إسحاق وحفص ( أولم تأتهم ) بالتاء لتأنيث البينة .
الباقون بالياء لتقدم الفعل ولأن البينة هي البيان والبرهان فردوه إلى المعنى ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم .
وحكى الكسائي أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى قال : ويجوز على هذا بينة ما في الصحف الأولى .
قال النحاس إذا نونت ( بينة ) ورفعت جعلت ما بدلا منها وإذا نصبتها فعلى الحال ؛ والمعنى أولم يأتهم ما في الصحف الأولى مبينا .
تفسير الآيات من 133 الى 135 :ـأي: قال المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم: هلا يأتينا بآية من ربه؟
يعنون آيات الاقتراح كقولهم: { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا* أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا } وهذا تعنت منهم وعناد وظلم، فإنهم، هم والرسول، بشر عبيد لله، فلا يليق منهم الاقتراح بحسب أهوائهم، وإنما الذي ينزلها ويختار منها ما يختار بحسب حكمته، هو الله.
ولأن قولهم: { لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ } يقتضي أنه لم يأتهم بآية على صدقه، ولا بينة على حقه، وهذا كذب وافتراء، فإنه أتى من المعجزات الباهرات، والآيات القاهرات، ما يحصل ببعضه المقصود، ولهذا قال: { أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ } إن كانوا صادقين في قولهم، وأنهم يطلبون الحق بدليله، { بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى } أي: هذا القرآن العظيم، المصدق لما في الصحف الأولى، من التوراة والإنجيل، والكتب السابقة المطابق لها، المخبر بما أخبرت به، وتصديقه أيضا مذكور فيها، ومبشر بالرسول بها، وهذا كقوله تعالى: { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فالآيات تنفع المؤمنين، ويزداد بها إيمانهم وإيقانهم، وأما المعرضون عنها المعارضون لها، فلا يؤمنون بها، ولا ينتفعون بها، { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ* وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ }.
قوله تعالى : ( وقالوا ) يعني المشركين ، ( لولا يأتينا بآية من ربه ) أي : الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة ، ( أولم تأتهم بينة ) قرأ أهل المدينة والبصرة وحفص عن عاصم : " تأتهم " لتأنيث البينة ، وقرأ الآخرون بالياء لتقدم الفعل ، ولأن البينة هي البيان فرد إلى المعنى ، ( بينة ما في الصحف الأولى ) أي : بيان ما فيها ، وهو القرآن أقوى دلالة وأوضح آية .
وقيل : أولم يأتهم بيان ما في الصحف الأولى : التوراة ، والإنجيل ، وغيرهما من أنباء الأمم أنهم اقترحوا الآيات ، فلما أتتهم ولم يؤمنوا بها ، كيف عجلنا لهم العذاب والهلاك ، فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك .
«وقالوا» المشركون «لولا» هلا «يأتينا» محمد «بآية من ربه» مما يقترحونه «أو لم تأتيهم» بالتاء والياء «بينة» بيان «ما في الصحف الأولى» المشتمل عليه القرآن من أنباء الأمم الماضية وإهلاكهم بتكذيب الرسل.
وقال مكذبوك - أيها الرسول -: هلا تأتينا بعلامة من ربك تدلُّ على صدقك، أولم يأتهم هذا القرآن المصدق لما في الكتب السابقة من الحق؟
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بإيراد بعض الشبهات التى أثراها المشركون حول النبى - صلى الله عليه وسلم - ورد عليها بما يبطلها فقال - تعالى - : ( وَقَالُواْ لَوْلاَ .
.
.
) .مرادهم بالآية فى قوله - سبحانه - : ( وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) معجزة حية من المعجزات التى اقترحوها عليه - صلى الله عليه وسلم - كتفجير الأنهار حول مكة ، وكرقيه إلى السماء ، وكنزول الملائكة معه .
.أى : وقال الكافرون على سبيل التعنت والعناد للرسول - صلى الله عليه وسلم - هلا أتيت لنا يا محمد بآية من الآيات التى طلبناها منك ، أو بآية من الآيات التى أتى بها الأنبياء من قبلك ، كالعصا بالنسبة لموسى ، والناقة بالنسبة لصالح .فهم - كما يقول الآلوسى - : " بلغوا من المكابرة والعناد إلى حيث لم يعدوا ما شاهدوا من المعجزات التى تخر لها صم الجبال ، من قبيل الآيات ، حتى اجترأوا على التفوه بهذه العظيمة الشنعاء .وقوله - سبحانه - : ( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ) رد على جهالاتهم وجحودهم .والمراد بالبينة القرآن الكريم الذى هو أم الآيات ، ورأس المعجزات .والمراد بالصحف الأولى : الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور .والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والاستفهام لتقرير الإتيان وثوبته .والمعنى : أجهلوا ولم يكفهم اشتمال القرآن الذى جئت به - أيها الرسول الكريم - على يان ما فى الصحف الأولى التى أنزلناها على الرسل السابقين ، ولم يكفهم ذلك فى كونه معجزة حتى طلبوا غيرها؟
.قال صاحب الكشاف : اقترحوا على عادتهم فى التعنت آية على النبوة ، فقيل لهم : أو لم تأتكم أية من أم الآيات وأعظمها فى باب الإعجاز ، يعنى القرآن ، من جهة أن القرآن برهان ما فى سائر الكتب المنزلة ، ودليل صحته لأن معجزة ، وتلك ليست بمعجزات ، فهى مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها ، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة .وقال ابن كثير : قوله : ( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ) يعنى : القرآن العظيم ، الذى أنزله الله - تعالى - عليه - صلى الله عليه وسلم - وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم فى سالف الدهور ، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها ، فإن القرآن مهيمن عليها .
.
.وهذه الآية كقوله - تعالى - : ( وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) وفى الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ما من نبى إلا وقد أوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلى ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .ومنهم من يرى أن المراد بالبينة : الكتب السماوية السابقة .فيكون المعنى : أو لم يكف هؤلاء الجاهلين أن الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل قد بشرت بك وبينت نعوتك وصفاتك ، وهم معترفون بصدقها ، فكيف لا يقرون بنبوتك .قال القرطبى : وقوله : ( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ) يريد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة ، وذلك أعظم آية إذ أخبر بها فيها .
وقيل : أو لم تأتهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه فى الكتب المتقدمة من البشارة .
.
.وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة شهادة من الله - تعالى - بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغه عنه ، ورد مبطل لشبهات الكافرين ولأقوالهم الباطلة ، وإن كان تفسير البينة هنا بالقرآن أظهر وأوضح .
اعلم أنه تعالى لما بين أن من أعرض عن ذكره كيف يحشر يوم القيامة أتبعه بما يعتبر به المكلف من الأحوال الواقعة في الدنيا بمن كذب الرسل فقال: ﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ والقراءة العامة أفلم يهد بالياء المعجمة من تحت وفاعله هو قوله: ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيناً لهم، كما جعل مثل ذلك واعظاً لهم وزاجراً، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي أفلم نهد لهم بالنون، قال الزجاج: يعني أفلم نبين لهم بياناً يهتدون به لو تدبروا وتفكروا، وأما قوله: ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ فالمراد به المبالغة في كثرة من أهلكه الله تعالى من القرون الماضية وأراد بقوله: ﴿ يَمْشُونَ فِي مساكنهم ﴾ أن قريشاً يشاهدون تلك الآيات العظيمة الدالة على ما كانوا عليه من النعم، وما حل بهم من ضروب الهلاك، وللمشاهدة في ذلك من الاعتبار ما ليس لغيره، وبين أن في تلك الآيات آيات لأولى النهى، أي لأهل العقول والأقرب أن للنهية مزية على العقل، والنهي لا يقال إلا فيمن له عقل ينتهي به عن القبائح، كما أن لقولنا: أولو العزم مزية على أولو الحزم، فلذلك قال بعضهم: أهل الورع وأهل التقوى، ثم بين تعالى الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على من كذب وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً، ولا شبهة في أن الكلمة هي إخبار الله تعالى ملائكته وكتبه في اللوح المحفوظ، أن أمته عليه السلام وإن كذبوا فسيؤخرون ولا يفعل بهم ما يفعل بغيرهم من الاستئصال، واختلفوا فيما لأجله لم يفعل ذلك بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: لأنه علم أن فيهم من يؤمن، وقال آخرون: علم أن في نسلهم من يؤمن ولو أنزل بهم العذاب لعمهم الهلاك، وقال آخرون: المصلحة فيه خفية لا يعلمها إلا هو، وقال أهل السنة: له بحكم المالكية أن يخص من شاء بفضله ومن شاء بعذابه من غير علة، إذ لو كان فعله لعلة لكانت تلك العلة إن كانت قديمة لزم قدم الفعل، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل، فلهذا قال أهل التحقيق: كل شيء صنيعه لا لعلة، وأما الأجل المسمى ففيه قولان: أحدهما: ولولا أجل مسمى في الدنيا لذلك العذاب وهو يوم بدر.
والثاني: ولولا أجل مسمى في الآخرة لذلك العذب وهو أقرب، ويكون المراد ولولا كلمة سبقت تتضمن تأخير العذاب إلى الآخرة كقوله: ﴿ بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ ﴾ لكان العقاب لازماً لهم فيما يقدمون عليه من تكذيب الرسول وأذيتهم له، ثم إنه تعالى لما أخبر نبيه بأنه لا يهلك أحداً قبل استيفاء أجله أمره بالصبر على ما يقولون ولا شبهة في أن المراد أن يصبر على ما يكرهه من أقوالهم، فيحتمل أن يكون ذلك قول بعضهم: إنه ساحر أو مجنون أو شاعر إلى غير ذلك، ويحتمل أن يكون المراد تكذيبهم له فيما يدعيه من النبوة، ويحتمل أيضاً تركهم القبول منه لأن كل ذلك مما يغمه ويؤذيه فرغبه تعالى في الصبر وبعثه على الإدامة على الدعاء إلى الله تعالى وإبلاغ ما حمل من الرسالة وأن لا يكون ما يقدمون عليه صارفاً له عن ذلك، ثم قال الكلبي ومقاتل: هذه الآية منسوخة بآية القتال، ثم قال: ﴿ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ وهو نظير قوله: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ بِحَمْدِ رَبّكَ ﴾ في موضع الحال وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه.
المسألة الثانية: إنما أمر عقيب الصبر بالتسبيح لأن ذكر الله تعالى يفيد السلوة والراحة إذ لا راحة للمؤمنين دون لقاء الله تعالى.
المسألة الثالثة: اختلفوا في التسبيح على وجهين، فالأكثرون على أن المراد منه الصلاة وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجه: أحدها: أن الآية تدل على أن الصلوات الخمس لا أزيد ولا أنقص، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: دخلت الصلوات الخمس فيه، فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر، وقبل غروبها هو الظهر والعصر لأنهما جميعاً قبل الغروب، ومن آناء الليل فسبح المغرب والعشاء الأخيرة ويكون قوله: ﴿ وَأَطْرَافَ النهار ﴾ كالتوكيد للصلاتين الواقعتين في طرفي النهار وهما صلاة الفجر وصلاة المغرب كما اختصت في قوله: ﴿ والصلاة الوسطى ﴾ بالتوكيد.
القول الثاني: أن الآية تدل على الصلوات الخمس وزيادة، أما دلالتها على الصلوات الخمس فلأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخلان في هاتين العبارتين، فأوقات الصلوات الواجبة دخلت فيهما، بقي قوله: ﴿ وَمِنْ ءَانَآئ اليل فَسَبّحْ وَأَطْرَافَ النهار لَعَلَّكَ ترضى ﴾ وأطراف النهار للنوافل.
القول الثالث: أنها تدل على أقل من الخمس، فقوله: قبل طلوع الشمس للفجر، وقبل غروبها للعصر، ومن آناء الليل للمغرب والعتمة، فيبقى الظهر خارجاً.
والقول الأول أقوى وبالاعتبار أولى.
هذا كله إذا حملنا التسبيح على الصلاة، قال أبو مسلم: لا يبعد حمله على التنزيه والإجلال، والمعنى اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات، وهذا القول أقرب إلى الظاهر وإلى ما تقدم ذكره، وذلك لأنه تعالى صبره أولاً على ما يقولون من تكذيبه ومن إظهار الشرك والكفر، والذي يليق بذلك أن يأمر بتنزيهه تعالى عن قولهم حتى يكون دائماً مظهراً لذلك وداعياً إليه فلذلك قال ما يجمع كل الأوقات.
المسألة الرابعة: أفضل الذكر ما كان بالليل لأن الجمعية فيه أكثر.
وذلك لسكون الناس وهدء حركاتهم وتعطيل الحواس عن الحركات وعن الأعمال، ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اليل هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾ وقال: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اليل ساجدا وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخرة ﴾ ولأن الليل وقت السكون والراحة.
فإذا صرف إلى العبادة كانت على الأنفس أشق وللبدن أتعب فكانت أدخل في استحقاق الأجر والفضل.
المسألة الخامسة: لقائل أن يقول: النهار له طرفان فكيف قال: ﴿ وَأَطْرَافَ النهار ﴾ بل الأولى أن يقول كما قال: ﴿ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار ﴾ ، وجوابه من الناس من قال أقل الجمع اثنان فسقط السؤال، ومنهم من قال: إنما جمع لأنه يتكرر في كل نهار ويعود، أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكَ ترضى ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أن هذا كما يقول الملك الكبير: يا فلان اشتغل بالخدمة فلعلك تنتفع به ويكون المراد إني أوصلك إلى درجة عالية في النعمة، وهو إشارة إلى قوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى ﴾ وقوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ .
وثانيها: لعلك ترضى ما تنال من الثواب.
وثالثها: لعلك ترضى ما تنال من الشفاعة.
وقرأ الكسائي وعاصم: ﴿ لعلك ترضى ﴾ بضم التاء والمعنى لا يختلف لأن الله تعالى إذا أرضاه فقد رضيه وإذا رضيه فقد أرضاه.
<div class="verse-tafsir"
اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوّة، فقيل لهم: أو لم تأتكم آية هي أمّ الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن، من قبل أنّ القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة ودليل صحته لأنه معجزة، وتلك ليست بمعجزات، فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة.
وقرئ: ﴿ الصحف ﴾ بالتخفيف.
ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ بِآيَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، أوْ بِآيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ إنْكارًا لِما جاءَ بِهِ مِنَ الآياتِ، أوْ لِلِاعْتِدادِ بِهِ تَعَنُّتًا وعِنادًا فَألْزَمَهم بِإتْيانِهِ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو أُمُّ المُعْجِزاتِ وأعْظَمُها وأبْقاها، لِأنَّ حَقِيقَةَ المُعْجِزَةِ اخْتِصاصُ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ بِنَوْعٍ مِنَ العِلْمِ أوِ العَمَلِ عَلى وجْهٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ، ولا شَكَّ أنَّ العِلْمَ أصْلُ العَمَلِ وأعْلى مِنهُ قَدْرًا وأبْقى أثَرًا فَكَذا ما كانَ مِن هَذا القَبِيلِ، ونَبَّهَهم أيْضًا عَلى وجْهٍ أبْيَنَ مِن وُجُوهِ إعْجازِ المُخْتَصَّةِ بِهَذا البابِ فَقالَ: ﴿ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، فَإنَّ اشْتِمالَها عَلى زُبْدَةِ ما فِيها مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ الكُلِّيَّةِ مَعَ أنَّ الآتِيَ بِها أُمِّيٌّ لَمْ يَرَها ولَمْ يَتَعَلَّمْ مِمَّنْ عَلِمَها إعْجازٌ بَيِّنٌ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ كَما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ بُرْهانٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُعْجِزٌ وتِلْكَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هي مُفْتَقِرَةٌ إلى ما يَشْهَدُ عَلى صِحَّتِها.
وقُرِئَ «الصُّحُفِ» بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ ﴾ بِالتّاءِ والباقُونَ بِالياءِ.
<div class="verse-tafsir"
{وقالوا} أي الكافرون {لولا يأتينا بآية مّن رَّبّهِ} هلا يأتينا محمد بآية من ربه تدل على صحة نبوته / أَوَ لَمْ يأتهم / أو لم تأتهم مدني وحفص وبصري {بَيّنَةُ مَا فِى الصحف الأولى} أي الكتب المتقدمة يعني أنهم اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة فقيل لهم أو لم أنكم آية هي أم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن من قبل أن القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة ودليل صحته لأنه معجزة وتلك ليست بمعجزات فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها
﴿ وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضِ أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي أمَرَ النَّبِيُّ بِالصَّبْرِ عَلَيْها أيْ هَلّا يَأْتِينا بِآيَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ في دَعْوى النُّبُوَّةِ أوْ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها لا عَلى التَّعْيِينِ بَلَغُوا مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ إلى حَيْثُ لَمْ يَعُدُّوا ما شاهَدُوا مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ مِن قَبِيلِ الآياتِ حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِهَذِهِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى ﴾ رَدٌّ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِمَقالَتِهِمُ القَبِيحَةِ وتَكْذِيبٌ لَهم فِيما دَسُّوا تَحْتَها مِن إنْكارِ إتْيانِ الآيَةِ بِإتْيانِ القُرْآنِ الكَرِيمِ الَّذِي هو أُمُّ الآياتِ وأُسُّ المُعْجِزاتِ وأرْفَعُها وأنْفَعُها لِأنَّ حَقِيقَةَ المُعْجِزَةِ الأمْرُ الخارِقُ لِلْعادَةِ يَظْهَرُ عَلى يَدِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ عِنْدَ التَّحَدِّي أيُّ أمْرٍ كانَ ولا رَيْبَ فِي أنَّ العِلْمَ أجْلُّ الأُمُورِ وأعْلاها إذْ هو أصْلُ الأعْمالِ ومَبْدَأُ الأفْعالِ وبِهِ تُنالُ المَراتِبُ العَلِيَّةُ والسَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ، ولَقَدْ ظَهَرَ مَعَ حِيازَتِهِ لِجَمِيعِ عُلُومِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ عَلى يَدِ مَن لَمْ يُمارِسْ شَيْئًا مِنَ العُلُومِ ولَمْ يُدارِسْ أحَدًا مِن أهْلِها أصْلًا فَأيُّ مُعْجِزَةٍ تُرادُ بَعْدَ وُرُودِهِ، وأيَّةُ آيَةٍ تُطْلَبُ بَعْدَ وُفُودِهِ، فالمُرادُ بِالبَيِّنَةِ القُرْآنُ الكَرِيمُ، والمُرادُ بِالصُّحُفِ الأُولى التَّوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وبِما فِيها العَقائِدُ الحَقَّةُ وأُصُولُ الأحْكامِ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْها كافَّةُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَعْنى كَوْنِهِ بَيِّنَةً لِذَلِكَ كَوْنُهُ شاهِدًا بِحَقِّيَّتِهِ، وفي إيرادِهِ بِهَذا العُنْوانِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ والإنارَةِ لِبُرْهانِهِ، حَيْثُ أشارَ إلى امْتِيازِهِ وغِناهُ عَمّا يَشْهَدُ بِحَقِّيَّةِ ما فِيهِ بِإعْجازِهِ، وإسْنادِ الإتْيانِ إلَيْهِ مَعَ جَعْلِهِمْ إيّاهُ مَأْتِيًّا بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أصالَتِهِ فِيهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ لِلْبَيِّنَةِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَأْتِهِمْ سائِرُ الآياتِ ولَمْ يَأْتِهِمْ خاصَّةُ بَيِّنَةِ ما في الصُّحُفِ الأُولى تَقْرِيرًا لِإتْيانِهِ وإيذانًا بِأنَّهُ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَتَأتّى مِنهم إنْكارٌ أصْلًا وإنِ اجْتَرَءُوا عَلى إنْكارِ سائِرِ الآياتِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وتَفْسِيرُ الآيَةِ بِما ذُكِرَ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ.
وزَعَمَ الإمامُ والطَّبَرَسِيُّ أنَّ المَعْنى أوَلَمْ يَأْتِهِمْ في القُرْآنِ بَيانُ ما في الكُتُبِ الأُولى مِن أنْباءِ الأُمَمِ الَّتِي أهْلَكْناهم لَمّا اقْتَرَحُوا الآياتِ ثُمَّ كَفَرُوا بِها، فَماذا يُؤَمِّنُهم أنْ يَكُونَ حالُهم في سُؤالِ الآيَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿ لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ ﴾ كَحالِ أُولَئِكَ الهالِكِينَ ا هـ.
وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ القَبُولِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي العُقُولِ.
وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مَناذِرَ وخَلَفٌ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ عِيسى وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ ( يِأْتِهِمْ ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ لِمَجازِ تَأْنِيثِ الآيَةِ والفَصْلِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو زَيْدٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( بَيِّنَةٌ ) بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّ ما بَدَلٌ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ نافِيَةً عَلى أنْ يُرادَ بِالآتِي ما في القُرْآنِ مِنَ النّاسِخِ والفَضْلِ مِمّا لَمْ يَكُنْ في غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ وهو كَما تَرى.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِنَصْبِ ( بَيِّنَةً ) والتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ حالٌ، وما فاعِلٌ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ( الصُّحْفِ ) بِإسْكانِ الحاءِ لِلتَّخْفِيفِ، <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ، يعني: على ما يقول أهل مكة من تكذيبهم إياك.
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، يعني: صلّ لربك وبمحمد ربك وبأمر ربك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يعني: صلاة الفجر وَقَبْلَ غُرُوبِها يعني: صلاة العصر، ويقال: صلاة الظهر والعصر.
وروى جرير، عن عبد الله البجلي، عن رسول الله أنه قال: «سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ، لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ» (١) ثمّ قال: وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ، يعني: ساعات الليل.
فَسَبِّحْ، يعني: صلاة المغرب والعشاء، وَأَطْرافَ النَّهارِ يعني: غدوة وعشية على معنى التأكيد للتكرار.
لَعَلَّكَ تَرْضى يعني: لعلك تعطى من الشفاعة حتى ترضى.
قرأ الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر ترضى بضم التاء، على فعل ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون بالنصب يعني: ترضى أنت.
وقال أبو عبيدة: وبالقراءة الأولى نقرأ يعني: بالضم، لأن فيها معنيين، أحدهما: ترضى أي: تعطى الرضا، والأخرى: ترضى أي يرضاك الله.
وتصديقه قوله تعالى: وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم: 55] وليس في الأخرى وهي القراءة بالنصب، إلا وجه واحد.
ثم قال عز وجل: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ، يعني: لا تنظر بالرغبة إلى ما أعطينا رجالاً منهم من الأموال والأولاد.
زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني: فإنه زينة الدنيا.
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ، يعني: لنبتليهم بالمال وقلة الشكر.
وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى، يعني: جنة ربك خَيْرٌ من هذه الزينة التي في الدنيا، وَأَبْقى أي: وأدوم.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: حدثنا محمد بن الفضل.
قال: حدثنا محمد بن جعفر.
قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف.
قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي رافع قال: نزل برسول الله ضيف فبعثني إلى يهودي أن يبيعنا أو يسلفنا إلى أجل، فقال اليهودي: لا والله إلاَّ بِرَهْنٍ.
فرجعت إليه فأخبرته فقال: «لَوْ بَاعَنِي أوْ أْسْلَفَنِي لَقَضَيْتُهُ وإنِّي لأَمِينٌ فِي السَّمَاءِ وَأمِينٌ فِي الأَرْضِ، اذْهَبْ بِدِرْعِي الحَدِيدِيِّ» (٢) (١) أخرجه البخاري (573) و (7434) و (7435) ومسلم (633) وأبو داود (4729) والترمذي (2551) وابن ماجة (177) وأحمد 4/ 362.
(٢) عزاه السيوطي: 5/ 612 إلى ابن أبي شيبة وابن راهويه والبزار وأبي يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في المعرفة.
<div class="verse-tafsir"
وَيَخْدِشْنَهُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، ويُحْشَرُ مِنْ قَبْرِهِ إلى مَوْقِفِهِ أعمى» «١» .
انتهى من «التذكرة» فَإنْ صَحَّ هذا الحديث، فلا نظرَ لأحد معه، وإن لم يصحَّ، فالصوابُ حملُ الآية على عُمُومها والله أعلم.
قال الثَّعْلَبِيُّ: قال ابن عباس: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى قال: أَجار اللهُ تعالى تابعَ القرآن من أن يضل في الدنيا، أو يشقى في الآخرة «٢» .
وفي لفظ آخر: «ضمن اللهُ تعالى لمن قرأَ القرآن ...
» الحديث، وعنه: مَنْ قرأَ القرآن واتَّبع ما فيه، هَدَاهُ الله تعالى مِنَ الضَّلاَلَةِ ووقاه اللهُ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ سُوءَ الحِسَابِ.
انتهى.
وقولُه سبحانه: «ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أعمى» قالت فرقةٌ: وهو عَمَى البَصَر، وهذا هو الأوْجه، وأما عمى البَصِيرة، فهو حاصل للكافر.
وقوله سبحانه: كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها النسيان هنا: هو التركُ، ولا مَدْخَلَ للذهول في هذا الموضع، وتُنْسى أيضا بمعنى: تترك في العذاب.
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)
وقوله سبحانه: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ المعنى: أفلم «٣» يبين لهم.
وقرأت «١» فرقةٌ: «نَهْدِ» بالنون، والمراد بالقرونِ المهلَكِين: عَادٌ، وثَمُودٌ، والطَّوائِفُ التي كانت قريشٌ تجوزُ على بلادهم في المرور إلى الشام وغيره، ثم أعلم سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلّم أن العذابَ كان يصير لهم لِزَاماً لولا كلمة سبقَتْ من الله تعالى في تَأْخيره عنهم إلى أجلٍ مُسَمًّى عنده، فتقدير الكلام.
ولولاَ كلمةٌ سبقت في التَّأْخِير، وأجلٍ مسمى، لكَانَ العذابُ لِزَاماً كما تقولُ لَكَانَ حَتْماً، أو واقعاً، لكنّه قدم وأَخّر لتشابه رُؤُوس الآي.
واختُلِف في الأجل المسمى: هل هو يوم القيامة، أو موت كل واحد منهم، أو يوم بدْرٍ؟
وفي «صحيح البخاري» : «٢» أن يوم بَدْرٍ هو: اللزام، وهو: البَطْشَةُ الكبرى، يعني:
وقع في البخاري من تفسير ابن مسعود، وليس هو من تفسير النبي صلى الله عليه وسلّم.
قال ص: ولِزاماً: إمَّا مصدرٌ، وإمَّا بمعنى ملزم، وأجاز أبو البقاء: أنْ يكون جمع لاَزِم، كَقَائِمٍ وقيام.
انتهى.
ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلّم بالصّبْر على أقوالهم: إنه ساحرٌ، إنه كاهن، إنه كاذب «٣» إلَى غير ذلك.
وقوله سبحانه: / وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ...
الآية، قال أكثرُ المفسرين: هذه إشارة ١٤ ب إلى الصلوات الخمس فقبل طلوع الشمس صلاةُ الصبح، وقبل غُرُوْبَها صَلاةُ العَصْر، ومن آناءِ الليل العِشَاءُ، وأطرافُ النهار المغرِبُ والظهر.
[قال ابن العربي «٤» : والصحيحُ أنَّ المغربَ من طَرَفِ الليل، لاَ مِنْ طرف النَّهَارِ.
انتهى من «الأحكام» ] «٥» .
وقالت فرقةٌ: آناء الليل: المغرب والعشاء، وأطراف النهار: الظهر وحدها، ويحتمل اللفظ أن يراد به قول: سبحان الله وبحمده.
وقالت فرقةٌ: في الآية: إشارةٌ إلى نوافل، فمنها آناء الليل، ومنها قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر.
ت: ويتعذر على هذا التأويل قولُه: وَقَبْلَ غُرُوبِها إذْ لَيْس ذلك الوقْتُ وقْتَ نفل «١» ، على ما علم إلاَّ أنَّ يتأول ما قبل الغروب بما قبل صلاة العصر وفيه بعد.
قال ص: بِحَمْدِ رَبِّكَ في موضع الحال، أي: وأنت حامدٌ.
انتهى.
وقرأ الجمهور «٢» : لَعَلَّكَ تَرْضى بِفَتْح التاء، أي: لعلك تُثَابُ على هذه الأعمال بما ترضى به.
قال ابنُ العربي في «أحكامه» «٣» : وهذه الآية تُماثِلُ قولَهُ تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥] .
وعنه صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ فإنِ استطعتم أَلاَّ تُغْلَبُوا «٤» على صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَعْنِي: الصُّبْحَ، وقَبْلَ غُرُوبَهِا فافعلوا» «٥» .
وفي الحديث الصحيح أيضاً: «منْ صَلَّى البَرْدَيْنِ، دَخَلَ الجَنَّةَ» «٦» .
انتهى.
وقرأَ الكسائي، وأبو بكر عن عاصم «٧» : «ترضى» أي: لعلك تُعْطى ما يرضيك، ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلّم: بالاحتقار لشأن الكفرة، والإعراض عن أموالهم، وما في أيْديهم من الدنيا إذ ذلك مُنْحَسِرٌ عنهم صائر إلى خِزْي، والأزواج: الأنواع، فكأنه قال: إلَى ما متعنا به أقواماً منهم، وأصنافا.
وقوله: زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا شبَّه سبحانه نِعَم هؤلاء الكفار بالزهر، وهو ما اصفر من النّوْر، وقيل: الزهر: النورُ جملةً لأن الزهر له منظر، ثم يضمحل عن قرب، فكذلك مآل هؤلاء، ثم أخبر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلّم: أن ذلك إنما هو ليختبرهم به، ويجعله فِتْنةً لهم وأمراً يجازون عليه أسوأ الجزَاءِ لفساد تقلبهم فيه.
ص: وزَهْرَةَ: منصوبٌ على الذمِّ، أو مفعولٌ ثانٍ ل: مَتَّعْنا مضمن معنى أعطينا.
اهـ.
ورزق الله تعالى الذي أحله للمتقين من عباده، خير وأبقى، أيْ: رزق الدنيا خيرٌ ورزق الآخرة أبقى، وبين أنه خير من رزق الدنيا، ثم أمره سبحانه وتعالى بأن يأمر أهله بالصلاة، ويمتثلها معهم ويَصْطَبِر عليها ويلازمها، وتكفَّل هو تعالى برزْقِهِ لا إله إلاَّ هو، وأخبره أن العَاقِبَةَ للمتقِينَ بنصره في الدنيا، ورحمته في الآخرة، وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلّم ويدخل في عُمُوْمِهِ: جميعُ أمته.
ورُوِيَ: أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه كان إذا رأى شيئاً من أخبار السلاطين وأحوالهم، بادر إلَى منزله، فدخله وهو يقول: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ...
الآية إلى قوله وَأَبْقى ثم يُنَادِي: الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ رَحِمَكُمُ اللهُ، ويصلي «١» .
وكان عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ رضي الله عنه يوقِظُ أهل داره لصلاة اللّيل ويصلّي هو ويتمثّل بالآية «٢» .
قال الداوديّ: وعن عَبْدِ اللهُ بْنِ سَلاَمٍ، قال: «كان النبيّ صلى الله عليه وسلّم إذا نزل بأهله ضِيقٌ أوْ شِدَّةٌ أمرهم بالصَّلاَةِ، ثم قرأَ: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ إلى قوله لِلتَّقْوى «٣» .
انتهى.
قال ابن عطاء اللَّه في «التنوير» : واعلم أنَّ هذه الآية علمت أهل الفَهْم عن اللَّه تعالى كَيْفَ يطلبون/ رزقَهُم، فإذَا توقفت عليهم أسباب المعيشة، أكثروا من الخدمة والموافقة، ١٥ أوقرعوا بابَ الرِّزْقِ بمعاملة الرزَّاق- جل وعلا- ثم قال: وسمعت شيخنا أبا العبّاس
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها ما رَوى أبُو رافِعٍ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ، قالَ: «نَزَلَ ضَيْفٌ بِرَسُولِ اللَّهِ فَدَعانِي، فَأرْسَلَنِي إلى رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ يَبِيعُ طَعامًا، فَقالَ: قُلْ لَهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: " بِعْنِي كَذا وكَذا مِنَ الدَّقِيقِ، أوْ أسْلِفْنِي إلى هِلالِ رَجَبٍ "، فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: واللَّهُ لا أبِيعُهُ ولا أُسْلِفُهُ إلّا بَرَهْنٍ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: " واللَّهِ لَوْ باعَنِي أوْ أسَلَفَنِي لَقَضَيْتُهُ، وإنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ أمِينٌ في الأرْضِ، اذْهَبْ بِدِرْعِي الحَدِيدِ إلَيْهِ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَعْزِيَةً لَهُ عَنِ الدُّنْيا» .
قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مَن لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزاءِ اللَّهِ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ حَسَراتٍ عَلى الدُّنْيا.
وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ ( الحِجْرِ: ٨٨ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، ويَعْقُوبُ: ( زَهْرَةَ ) بِفَتْحِ الهاءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَنصُوبٌ بِمَعْنى: ( مَتَّعْنا )؛ لِأنَّ مَعْنى ( مَتَّعْنا ): جَعَلْنا لَهُمُ الحَياةَ الدُّنْيا زَهْرَةً.
﴿ لِنَفْتِنَهم فِيهِ ﴾ ؛ أيْ: لِنَجْعَلَ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهم.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِنَخْتَبِرَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: زَهْرَةُ الدُّنْيا: بَهْجَتُها وغَضارَتُها، وما يَرُوقُ النّاظِرَ مِنها عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وهو مِن زَهْرَةِ النَّباتِ وحُسْنِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ثَوابُهُ في الآخِرَةِ.
والثّانِي: القَناعَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِأهْلِهِ: قَوْمُهُ ومَن كانَ عَلى دِينِهِ، ويَدْخُلُ في هَذا أهْلُ بَيْتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْطَبِرْ عَلَيْها ﴾ ؛ أيْ: واصْبِرْ عَلى الصَّلاةِ.
﴿ لا نَسْألُكَ رِزْقًا ﴾ ؛ أيْ: لا نُكَلِّفُكَ رِزْقًا لِنَفْسِكَ ولا لِخَلْقِنا، إنَّما نَأْمُرُكَ بِالعِبادَةِ، ورِزْقُكَ عَلَيْنا.
﴿ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ﴾ ؛ أيْ: وحُسْنُ العاقِبَةِ لِأهْلِ التَّقْوى.
وكانَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ إذا أصابَ أهْلَهُ خَصاصَةٌ قالَ: قُومُوا فَصَلُّوا، ثُمَّ يَقُولُ: بِهَذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ، ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ ﴿ وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ﴾ ﴿ وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُحُفِ الأُولى ﴾ قالَ بَعْضُ الناسِ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَبَعَثَ إلى يَهُودِيٍّ لِيُسْلِفَهُ شَعِيرًا، فَأبى اليَهُودِيُّ إلّا بِرَهْنٍ، فَبَلَّغَ الرَسُولُ ذَلِكَ النَبِيَّ فَقالَ: «واللهِ إنِّي لِأمِينٌ في السَماءِ وأمِينٌ في الأرْضِ»، فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُعْتَرَضٌ أنْ يَكُونَ سَبَبًا؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ والقِصَّةَ المَذْكُورَةَ مَدَنِيَّةٌ في آخِرِ عُمْرِ النَبِيِّ ، لِأنَّهُ ماتَ ودِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ بِهَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، وإنَّما الظاهِرُ أنَّ الآيَةَ مُتَناسِقَةٌ مَعَ ما قَبْلَها، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى وبَّخَهم عَلى تَرْكِ الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ السابِقَةِ، ثُمْ تَوَعَّدَهم بِالعَذابِ المُؤَجَّلِ، ثُمْ أمَرَ نَبِيَّهُ بِالِاحْتِقارِ لِشَأْنِهِمْ والصَبْرِ عَلى أقْوالِهِمْ والإعْراضِ عن أمْوالِهِمْ وما في أيْدِيهِمْ مِنَ الدُنْيا؛ إذْ ذَلِكَ مُنْصَرِمْ عنهُمْ، صائِرٌ بِهِمْ إلى خِزْيٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ أبْلَغُ مِن "وَلا تَنْظُرُ"، لِأنَّ الَّذِي يَمُدُّ بَصَرَهُ إنَّما يَحْمِلُهُ عَلى ذَلِكَ حِرْصٌ مُقْتَرِنٌ، والَّذِي يَنْظُرُ قَدْ لا يَكُونُ ذَلِكَ مَعَهُ، و"الأزْواجُ": الأنْواعُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أقْوامًا مِنهم وأصْنافًا، وقَوْلُهُ: ﴿ زَهْرَةَ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ شَبَّهَ نِعَمَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِالزَهْرِ، وهو ما اصْفَرَّ مِنَ النُورِ، وقِيلَ: الزَهْرُ: النُورُ جُمْلَةٌ؛ لِأنَّ الزَهْرَ لَهُ مَنظَرٌ ثُمْ يَضْمَحِلُّ، فَكَذَلِكَ حالُ هَؤُلاءِ، ونَصْبُ "زَهْرَةَ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: جَعَلْناهُ زَهْرَةً، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الحالِ، وذَلِكَ أنَّ تَعْرِيفَها لَيْسَ بِمَحْضٍ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "زَهْرَةً" بِالتَنْوِينِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "زَهْرَةَ" بِالهاءِ مُسَكَّنَةً، وفِرْقَةٌ: "زَهَرَةَ" بِفَتْحِ الهاءِ.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِيَخْتَبِرَهم بِهِ، ويَجْعَلَهُ فِتْنَةً لَهم وأمْرًا يُجازَوْنَ عَلَيْهِ بِالسُوءِ لِفَسادِ تَقَلُّبِهِمْ فِيهِ، ورِزْقُ اللهِ تَعالى الَّذِي أحَلَّهُ لِلْمُتَّقِينَ مِن عِبادِهِ خَيْرٌ وأبْقى، أيْ: ورِزْقُ الدُنْيا خَيْرٌ، ورِزْقُ الآخِرَةِ أبْقى، وبَيَّنَ أنَّهُ خَيْرٌ مِن رِزْقِ الدُنْيا.
ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِأنْ يَأْمُرَ أهْلَهُ بِالصَلاةِ ويَمْتَثِلَها مَعَهم ويَصْطَبِرَ عَلَيْها ويُلازِمَها، وتَكَفَّلَ هو بِرِزْقِهِ، لا إلَهَ إلّا هُوَ، وأخْبَرَهُ أنَّ العاقِبَةَ لِأُولى التَقْوى وفي حَيِّزِها، فَثَمَّ نَصْرُ اللهِ في الدُنْيا ورَحْمَتُهُ في الآخِرَةِ، وهَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ، ويَدْخُلُ في عُمُومِهِ جَمِيعُ أُمَّتِهِ، ورُوِيَ أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ إذا رَأى شَيْئًا مِن أخْبارِ السَلاطِينِ وأحْوالِهِمْ بادَرَ إلى مَنزِلِهِ فَدَخَلَهُ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ ، ثُمْ يُنادِي: الصَلاةَ الصَلاةَ يَرْحَمُكُمُ اللهُ، ويُصَلِّي، وكانَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُوقِظُ أهْلَ دارِهِ لِصَلاةِ اللَيْلِ ويُصَلِّي ويَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَحْنُ نَرْزُقُكَ" بِضَمِّ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَحْنُ نَرْزُقْكَ" بِسُكُونِها.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن طَوائِفَ مِنَ الكُفّارِ قالُوا عن مُحَمَّدٍ : ﴿ لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ مِمّا اقْتَرَحْناها عَلَيْهِ، أو بِما يُبْهِرُ ويَضْطَرُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُسُلُ اللهِ تَعالى إنَّما اقْتَرَنَتْ مَعَهم آياتٌ مُعَرَّضَةٌ لِلنَّظَرِ، مَحْفُوفَةٌ بِالبَراهِينِ العَقْلِيَّةِ، لِيَضِلَّ مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ ضَلالُهُ، ويَهْتَدِي مَن سَبَقَ في هُداهُ، فَوَبَّخَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُحُفِ الأُولى ﴾ يَعْنِي التَوْراةَ، أعْظَمَ شاهِدٍ وأكْبَرَ آيَةٍ لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "تَأْتِهِمْ" عَلى لَفْظَةٍ "بَيِّنَةٍ"، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "يَأْتِهِمْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيِّنَةُ ما في الصُحُفِ" بِالإضافَةِ إلى "ما"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيِّنَةٌ" بِالتَنْوِينِ، و"ما" بَدَلٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيِّنَةَ ما" بِالنَصْبِ، و"ما" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - فاعِلَةٌ بِـ "تَأْتِي"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي الصُحُفِ" بِضَمِّ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فِي الصُحْفِ" بِسُكُونِها.
<div class="verse-tafsir"
رجوع إلى التنويه بشأن القرآن، وبأنه أعظم المعجزات.
وهو الغرض الذي انتقل منه إلى أغراض مناسبة من قوله ﴿ وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً ﴾ [طه: 113].
والمناسبة في الانتقال هو ما تضمنه قوله ﴿ فاصبر على ما يقولون ﴾ [طه: 130] فجيء هنا بشِنَع من أقوالهم التي أمر الله رسوله بأن يصبر عليها في قوله ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ﴾ [الأنبياء: 5].
ولولا حرف تحضيض.
وجملة ﴿ أو لَمْ تأْتِهِم بيِّنَةُ ما في الصُّحففِ الأُولى ﴾ في موضع الحال، والواو للحال، أي قالوا ذلك في حال أنّهم أتتهم بيّنة ما في الصحف الأولى.
فالاستفهام إنكاري، أنكر به نفي إتيان آية لهم الذي اقتضاه تحضيضهم على الإتيان بآية.
والبيّنة: الحجة.
و ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ [الأعلى: 18 19].
والصحف: جمع صحيفة.
وهي قطعة من ورَق أو كاغَدَ أو خرقة يكتب فيها.
ولما كان الكتاب مجموع صحف أطلق الصحف على الكتب.
ووجه اختيار {الصحف هنا على الكُتب أن في كلّ صحيفة من الكتب علماً، وأن جميعه حَواه القرآن، فكان كلّ جزء من القرآن آية ودليلاً.
وهذه البيّنة هي محمد وكتابُه القرآن، لأنّ الرسول موعود به في الكتب السالفة، ولأنّ في القرآن تصديقاً لما في تلك الكتب من أخبار الأنبياء ومن المواعظ وأصول التشريع.
وقد جاء به رسول أميّ ليس من أهل الكتاب ولا نشأ في قوم أهل علم ومزاولة للتاريخ مع مجيئه بما هو أوضح من فلق الصبح من أخبارهم التي لم يستطع أهل الكتاب إنكارها، قال تعالى: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ﴾ [البقرة: 146]، وكانوا لا يحققون كثيراً منها بما طرأ عليهم من التفرق وتلاشي أصول كتبهم وإعادة كتابة كثير منها بالمعنى على حسب تأويلات سقيمة.
وأما القرآن فما حواه من دلائل الصدق والرشاد، وما امتاز به عن سائر الكتب من البلاغة والفصاحة البالغتين حد الإعجاز، وهو ما قامت به الحجّة على العرب مباشرة وعلى غيرهم استدلالاً.
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البيّنة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة ﴾ [البينة: 12].
وقرأ نافع، وحفص، وابن جماز عن أبي جعفر {تأتِهم بتاء المضارع للمؤنث.
وقرأه الباقون بتحتية المذكر لأنّ تأنيث بيّنة غير حقيقي، وأصل الإسناد التذكير لأنّ التذكير ليس علامة ولكنه الأصل في الكلام.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِمَدِّ العَيْنِ النَّظَرَ.
الثّانِي: أرادَ بِهِ الأسَفَ.
﴿ أزْواجًا ﴾ أيْ أشْكالًا، مَأْخُوذٌ مِنَ المُزاوَجَةِ.
﴿ زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ قالَ قَتادَةُ: زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا.
﴿ لِنَفْتِنَهم فِيهِ ﴾ يَعْنِي فِيما مَتَّعْناهم بِهِ مِن هَذِهِ الزَّهْرَةِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِنَفْتِنَهم أيْ لِنُعَذِّبَهم بِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: لِنُمِيلَهم عَنْ مَصالِحِهِمْ وهو مُحْتَمَلٌ.
﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القَناعَةُ بِما يَمْلِكُهُ والزُّهْدُ فِيما لا يَمْلِكُهُ.
الثّانِي: وثَوابُ رَبِّكَ في الآخِرَةِ خَيْرٌ وأبْقى مِمّا مَتَّعْنا بِهِ هَؤُلاءِ في الدُّنْيا.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ الحَلالُ المُبْقِي خَيْرًا مِنَ الكَثِيرِ المُطْغِي.
وَسَبَبُ نُزُولِها ما رَواهُ أبُو رافِعٍ «أنَّ النَّبِيَّ اسْتَلَفَ مِن يَهُودِيٍّ طَعامًا فَأبى أنْ يُسْلِفَهُ إلّا بِرِهْنٍ، فَحَزِنَ وقالَ: (إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ وأمِينٌ في الأرْضِ، أحْمِلُ دِرْعِي إلَيْهِ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
» وَرَوى أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ مُنادِيَهُ فَنادى: مَن لَمْ يَتَأدَّبْ بِأدَبِ اللَّهِ تَعالى تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلى الدُّنْيا حَسَراتٍ.
» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أهْلَهُ المُناسِبِينَ لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ جَمِيعَ مَنِ اتَّبَعَهُ وآمَنَ بِهِ؛ لِأنَّهم يَحُلُّونَ بِالطّاعَةِ لَهُ مَحَلَّ أهْلِهِ.
﴿ واصْطَبِرْ عَلَيْها ﴾ أيِ اصْبِرْ عَلى فِعْلِها وعَلى أمْرِهِمْ بِها.
وَ ﴿ لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ ﴾ هَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ فالمُرادُ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ أنَّهُ تَعالى يَرْزُقُهم ولا يَسْتَرْزِقُهم، ويَنْفَعُهم ولا يَنْتَفِعُ بِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ.
﴿ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ﴾ أيْ وحُسْنُ العاقِبَةِ لِأهْلِ التَّقْوى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وأمر أهلك بالصلاة ﴾ قال: قومك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري في قوله: ﴿ لا نسألك رزقاً ﴾ قال: لا نكلفك الطلب.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عروة، أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفاً، فإذا رجع إلى أهله فدخل الدار قرأ ﴿ ولا تمدن عينيك ﴾ إلى قوله: ﴿ نحن نرزقك ﴾ ثم يقول: الصلاة...
الصلاة رحمكم الله.
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر وابن النجار، عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت ﴿ وأمر أهلك بالصلاة ﴾ كان النبي صلى الله عليه وسلم يجيء إلى باب عليّ صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول: «الصلاة رحمكم الله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ [ الأحزاب: 33] » .
وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن ثابت قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله بالصلاة: صلوا...
صلوا...» قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد عن معمر، عن رجل من قريش قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على أهله بعض الضيق في الرزق، أمر أهله بالصلاة ثم قرأ ﴿ وأمر أهلك بالصلاة...
﴾ الآية» .
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح، عن عبد الله بن سلام قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق، أمرهم بالصلاة وتلا ﴿ وأمر أهلك بالصلاة...
﴾ الآية» .
وأخرج مالك والبيهقي عن أسلم قال: كان عمر بن الخطاب يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله للصلاة ويقول لهم: الصلاة...
الصلاة...
ويتلو هذه الآية: ﴿ وأمر أهلك بالصلاة ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة قال: قال لنا أبي: إذا رأى أحدكم شيئاً من زينة الدنيا وزهرتها، فليأت أهله وليأمر أهله بالصلاة وليصطبر عليها، فإن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم....
﴾ وقرأ إلى آخر الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ والعاقبة للتقوى ﴾ قال: هي الجنة.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا ﴾ يعني المشركين ﴿ لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾ هلا يأتينا محمد بآية من ربه كما أتى بها الأنبياء نحو الناقة والعصا (١) (٢) قال الله: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴾ يعني: أو لم تأتيهم بالقرآن ببيان ما في التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة، وذلك أعظم آية إذ أخبر أُمِّي بما فيها من غير قراءة كتاب على ما تصدقه أهل الكتب.
هذا معنى قول الكلبي وغيره (٣) وفيه قول آخر وهو: (أن المعنى أولم تأتهم ببيان ما في الكتب من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات ثم كفروا بها فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآية كحال أولئك، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن) (٤) ﴿ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴾ ما تقدم من البشارة بمحمد - - في الكتب المتقدمة وبيان نعته وصفته) (٥) (١) "جامع البيان" 16/ 237، "زاد المسير" 5/ 336، "الجامع لأحكام القرآن" == 11/ 264، "فتح القدير" 3/ 564، ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة هود: ﴿ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ .
وقوله سبحانه في سورة الشعراء: ﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ﴾ .
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 381.
(٣) "الكشف والبيان" 3/ 27، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 195، "التفسير الكبير" 22/ 137.
(٤) "جامع البيان" 16/ 237، "معالم التنزيل" 5/ 304، "زاد المسير" 5/ 336، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 264.
(٥) "بحر العلوم" 2/ 359، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 264، "التفسير الكبير" 22/ 137.
كما قال سبحانه في سورة الصف الآية رقم (6): ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾ أي لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك فتفرغ أنت وأهلك للصلاة فنحن نرزقك، وكان بعض السلف إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمركم الله، ويتلو هذه الآية: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ﴾ البينة هنا البرهان، والصحف الأولى هي التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله بهذا الجواب، والمعنى قد جاءكم برهان ما في التوراة والإنجيل من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، فلأي شيء تطلبون آية أخرى، ويحتمل أن يكون المعنى: قد جاءكم القرآن وفيه من العلوم والقصص ما في الصحف الأولى، فذلك بينة وبرهان على أنه من عند الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا تخف دركاً ﴾ بالجزم: حمزة الباقون ﴿ لا تخاف ﴾ بالرفع ﴿ أنجيتكم ﴾ و ﴿ واعدتكم ﴾ و ﴿ رزقكم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ ووعدناكم ﴾ من الوعد.
أبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ فيحل ﴾ ﴿ ومن يحلل ﴾ بالضم فيهما: عليّ.
الآخرون بالكسر ﴿ يملكنا ﴾ بفتح الميم: أبو جعفر ونافع، وعاصم غير المفضل بضمها حمزة، وعلي وخلف بكسرها الباقون والمفضل ﴿ حملنا ﴾ بفتح الحاء والميم مخففة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف سوى حفص.
الآخرون بضم الحاء وكسر الميم مشددة ﴿ تتبعني ﴾ بالياء الساكنة في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو ونافع غير إسماعيل في الوصل، وقرأ يزيد وإسماعيل بفتح الياء.
الباقون بحذفها.
﴿ يا ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
﴿ لم تبصروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف الباقون على الغيبة ﴿ فنبذتها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وهشام وسهل ﴿ لن تخلفه ﴾ بكسر اللام: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
الآخرون بفتحها ﴿ لنحرقنه ﴾ بفتح النون وضم الراء: يزيد.
الآخرون من التحريق.
﴿ فلا يخف ﴾ بالجزم على النهي: ابن كثير ﴿ أن نقضي ﴾ النون مبنياً للفاعل ﴿ وحيه ﴾ بالنصب: يعقوب الباقون بالياء مضمومة وبفتح الضاد ﴿ وحيه ﴾ بالرفع.
الوقوف: ﴿ يبسا ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا تخاف ﴾ يصلح صفة للطريق مع حذف الضمير العائد أي لا تخاف فيه، ويصلح مستأنفاً.
ومن قرأ ﴿ لا تخف ﴾ فوقفه أجوز لعدم العاطف ووقوع الحائل مع تعقب النهي الأمر إلا أن يكون جواباً للأمر فلا يوقف ﴿ ولا تخشى ﴾ ه ﴿ ما غشيهم ﴾ ط لأن التقدير وقد أضل من قبل على الحال الماضية دون العطف لأنه عندما عشيه لم يتفرغ للإضلال.
﴿ وما هدى ﴾ ه ﴿ والسلوى ﴾ ه ﴿ غضبي ﴾ ج ﴿ هوى ﴾ ه ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لترضى ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لانتساق الماضي على الماضي بلا ناسق ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ موعدي ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه لا ﴿ فنسي ﴾ ه ط ﴿ قولاً ﴾ لا للعطف ﴿ ولا نفعاً ﴾ ه ط ﴿ فتنتم به ﴾ ج للابتداء بأن مع اتصال العطف ﴿ أمري ﴾ ج ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ أن لا تتبعن ﴾ ط ﴿ أمري ﴾ ه ﴿ برأسي ﴾ ج للابتداء (بأن) مع اتصال المعنى واتحاد القائل ﴿ قولي ﴾ ه ﴿ يا سامري ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ه ﴿ لا مساس ﴾ ص ﴿ لن تخلفه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ عاكفاً ﴾ ط للقسم المحذوف ﴿ نسفاً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ سبق ﴾ ج للإستئناف والحال ﴿ ذكرا ﴾ ج ه لأن الشرطية تصلح صفة للذكر وتصلح مبتدأ بها ﴿ وزراً ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ خالدين ﴾ حال من الضمير في ﴿ يحمل ﴾ وهو عائد إلى "من" ومن للجمع معنى ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ حملاً ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ينفخ ﴾ بدل من يوم القيامة.
﴿ زرقاً ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح للصفة وللاستئناف ﴿ عشراً ﴾ ه ﴿ يوماً ﴾ ه ﴿ نسفاً ﴾ ه لا ﴿ صفصفاً ﴾ ه لا ﴿ أمتا ﴾ ه ﴿ لا عوج له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ همساً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ القيوم ﴾ ط ﴿ ظلماً ﴾ ه ﴿ هضماً ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج ﴿ وحيه ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع اعتراض الظرف وما أضيف إليه ﴿ علماً ﴾ ه.
التفسير: هذا شروع في قصة إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوّهم وقد تقدم في "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "يونس" ومعنى ﴿ فاضرب لهم طريقاً ﴾ إجعل لهم من قولهم "ضرب له في ماله سهماً وضرب اللبن عمله" أو أراد بين لهم طريقاً ﴿ في البحر ﴾ بالضرب بالعصا حتى ينفلق فعدي الضرب إلى الطريق، ثم بين أن جميع أسباب الأمن حاصلة في ذلك الطريق.
واليبس مصدر وصف به ومثله اليبس ونحوهما العدم والعدم ويوصف به المؤنث لذلك فيقال: ناقتنا يبس إذا جف لبنها.
والدرك.
والدرك اسمان من الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك.
وفي ﴿ لا تخشى ﴾ إذا قرىء ﴿ لا تخف ﴾ أوجه الاستئناف أي وأنت لا تخشى، وجوز في الكشاف أن يكون الألف للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾ وأن يكون كقول الشاعر: كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً *** أراد لم تر لأن ما قبله: وتضحك مني شيخة عبشمية *** قلت: لعل هذا إنما يجوز في الضرورة ولا ضرورة في الآية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ الحق بهم جنوده أو تبعهم ومعه جنوده كما مر في "يونس" ﴿ فغشيهم ﴾ أي علاهم ورهقهم ﴿ من اليم ما غشيهم ﴾ وهذا من جملة ما علم في باب الإيجاز لدلالته على أنه غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله، وقد سلف منه في السور المذكورة ما حكي في الأخبار وروي في الآثار.
ونسبة الإضلال إلى فرعون لا تنافي انتهاء الكل إلى إرادة الله ومشيئته.
وقوله ﴿ وما هدى ﴾ تأكيد للإضلال وفيه تهكم به في قوله ﴿ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ﴾ ثم عدد ما أنعم به على بني إسرائيل، ويجوز أن يكون خطاباً لليهود المعاصرين لأن النعمة على الآباء نعمة في حق الأبناء ومثله قوله ﴿ وواعدناكم جانب الطور الأيمن ﴾ أي الواقع على يمين من انطلق من مصر إلى الشام لأن منفعة المواعدة عادت إليهم وإن كانت المواعدة لنبيهم فبكتب التوراة في ألواح قام شرعهم واستقام أمر معاشهم ومعادهم.
﴿ كلوا ﴾ من تتمة القول.
وطغيانهم في الرزق هو شغلهم باللهو والتنعم عن القيام بشكرها وتعدي حدود الله فيها بالإسراف والتقتير والغصب.
ومن قرأ ﴿ فيحل ﴾ بالكسر فبمعنى الوجوب من قولهم "حل الدين يحل" إذا وجب أداؤه، ومن قرأ بضم فبمعنى النزول ونزول الغضب نزول نتائجة من العقوبات والمثلات.
ومعنى ﴿ هوى ﴾ هلك وأصله السقوط من مكان عالٍ كالجبل.
وقيل: هوى أي وقع في الهاوية.
سؤال: كيف أثبت المغفرة في حق من استجمع التوبة والإيمان والعمل الصالح، والمغفرة إنما تتصور في حق من أذنب؟
وأيضاً ما معنى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ بعد الأمور المذكور والاهتداء إنما يكون قبلها لا أقل من أن يكون معها؟
الجواب أراد وإني لغفار لمن تاب من الكفر وآمن وعمل صالحاً.
وفيه دليل لمن ذهب إلى وجوب تقديم التوبة من الكفر على الإيمان.
والحاصل أن الغفران يعود إلى الذنوب السابقة على هذه الأمور، ويجوز أن يراد أنه إذا تاب من الكفر وأقبل على الإيمان والعمل الصالح فإن الله يغفر الصغائر التي تصدر عنه في خلال ذلك كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ وأما الاهتداء فالمراد به الاستقامة والثبات على الأمور المذكورة كقوله ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ ومعنى "ثم" الدلالة على تباين المرتبتين، فإن المداومة على الخدمة أصعب من الشروع فيها كما قيل: لكل إلى شأو العلى حركات *** ولكن عزيز في الرجال ثبات ونظير هذا العطف قوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا ﴾ وقد مر البحث فيه.
ويروى أن موسى قد مضى مع النقباء السبعين إلى الطور على الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله فأنكر الله تقدمه قائلاً ﴿ وما أعجلك عن قومك ﴾ أيّ شيء عجل بك عنهم؟
فالمراد بالقوم النقباء لا جميع قومه على ما توهم بعضهم يؤكده قوله ﴿ هم أولاء على أثري ﴾ ولم يكن جميع قومه على أثره.
قال جار الله: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين: أحدهما إنكار العجلة في نفسها، والثاني السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين إلى موسى تمهيد العذر من العجلة نفسها فاعتل بأنه لم يوجد مني إلا تقدم يسير وليس بيني وبينهم إلا مسافة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال ﴿ وعجلت إليك رب لترضى ﴾ أي طلبت دوم رضاك عني أو مزيد رضاك بناء على اجتهادي أن التعجيل إلى مقام المكالمة والحرص على ذلك يوجب مزيد الثواب والكرامة.
وقيل: لما أنكر عليه الاستعجال دهش خوفاً من العقاب فتحير في الجواب ﴿ قال فإنا قد فتنا قومك ﴾ يعني جميع قومه الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً.
يروى أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا: قد أكملنا العدة.
ثم كان أمر العجل بعد ذلك فسئل أنه تعالى كيف قال لموسى عنه مقدمه ﴿ إنا قد فتنا قومك ﴾ ؟
وأجيب بأنه على عادة الله في إخباره عن الأمور المترقبة بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، أو أراد بدء الفتنة لأن السامري افترض غيبة موسى فعزم على إضلال قومه غب انطلاقه.
ولقائل أن يمنع كون هذه الأخبار عند مقدم موسى بل لعله عند رجوعه بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فرجع موسى ﴾ قال جار الله إنه رجع بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأوتي التوراة.
وسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة.
وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم.
وقيل: كان علجاً من كرمان واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً وكان من قوم يعبدون البقر.
قالت المعتزلة: الفتنة بمعنى الإضلال لا يجوز أن تنسب إلى الله لأنه يناقض قوله ﴿ وأضلهم السامري ﴾ وإنما الفتنة بمعنى الامتحان بتشديد التكليف ومنه "فتنت الذهب بالنار" وبيان ذلك أن السامريّ لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة الأجسام على أن العجل لا يصلح للإلهية.
وقالت الأشاعرة: الشبهة في كون الشمس والقمر إلهاً أعظم من العجل الذي له خوار وهو جسد من الذهب وحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف، فلا يكون فتنة من هذا الوجه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم.
وأجابوا عن إضافة الضلال إلى السامري بن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها في الحقيقة هو الله .
قال بعضهم: الأسف المغتاظ، وفرق بين الاغتياظ والغضب لأن الغيظ تغير يلحق المغتاظ فلا يصح إلا على الأجسام، والغضب قد يراد به الإضرار بالمغضوب عليه فلهذا صح إطلاقه على الله .
ثم عاتب موسى قومه بأمور منها: قوله ﴿ ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ﴾ كأنهم كانوا معترفين بالرب الأكبر لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي تذكر عبدة الأصنام أو على تأويل الحلول.
والوعد الحسن هو إنزال التوراة التي فيها هدى ونور.
وقيل: هو الثواب على الطاعات ومثله ما روي عن مجاهد أن العهد المذكور من قوله ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ إلى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ وقيل: وعدهم إهلاك فرعون ووعدهم أرضهم وديارهم وقد فعل.
ومنها قوله ﴿ أفطال عليكم العهد ﴾ أي الزمان يريد مدة مفارقته لهم وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فاخلفوا موعده بعبادتهم العجل.
وقيل: أراد عهدهم بنعم الله من الإنجاء وغيره.
والأكثرون على الأول لما روي أنه وعدهم ثلاثين كما أمر الله ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ﴾ فجاء بعد الأربعين لقوله ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ ولما روي أنهم حسبوا العشرين أربعين ومنها قوله ﴿ أم أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم ﴾ قالوا: هذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد هلاك نفسه ولكن المعصية - وهو خلاف الموعد - لما كانت توجب ذلك صح هذا الكلام لأن مريد السبب مريد للمسبب بالعرض.
احتج العلماء بالآية وبما مر من قوله ﴿ فيحل عليكم غضبي ﴾ أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله لا تنزل في شيء من الأجسام.
وموعد موسى هو ما ذكرنا من أنهم وعدوه الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور.
وقيل: وعدوه اللحاق به والمجيء على أثره ﴿ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ بالحركات الثلاث أي بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده.
والظاهر أن القائلين هم عبدة العجل.
وقيل: إنهم الذين لم يعبدوا العجل وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل فلم يقدر على منعهم ولم يقدروا أيضاً على مخالفتهم حذراً من التفرقة وزيادة الفتنة.
ثم إن القوم بينوا ذلك العذر المجمل فقالوا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ﴾ أي أثقالاً من حلي القبط كما مر في "الأعراف".
وقيل: الأوزار الآثام وإنها في الحقيقة أثقال مخصوصة معنوية سموا بذلك لأن المغانم لم تحل حينئذ أو لأنهم كانوا مستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي.
وقيل: إن تلك الحلي كان القبط يتزينون بها في مجامع الكفر ومجالس المعاصي فلذلك.
وصفت بأنها أوزار كما يقال في آلات المعاصي ﴿ فقذفناها ﴾ أي في الحفرة، كان هارون أمرهم بجمع الحلي انتظاراً لعود موسى، أو في موضع أمرهم السامري بذلك بعد أن أوقد النار ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ مثل فعلنا أراهم أنه يلقي حلياً في يده مثل ما ألقوه.
وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطىء حافر فرس جبريل كما يجيء في قوله ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ قد مر في "الأعراف" ﴿ فقالوا ﴾ أي السامري ومن تبعه ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ موسى أن يطلبه ههنا فذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر، أو نسي الاستدلال على أن العجل لا يجوز أن يكون إلهاً بقوله ﴿ أفلا يرون أن لا يرجع ﴾ "أن" مخففة من الثقيلة ولهذا لم تعمل.
وقرىء بالنصب على أنها الناصبة.
قال العلماء: ظهور الخوارق على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الالتباس، وههنا كذلك فوجب أن لا يمتنع خلق الحياة في صورة العجل.
وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟
فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي.
فقال: اللهم أعطه ما سألك.
فلما مضى هارون قال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار.
وعلى هذا التقدير يكون معجزاً للنبي لا السامري.
ثم إنه أخبر أن هارون لم يأل نصحاً وإشفاقاً في شأن نفسه وفي شأن القوم قبل أن يقول لهم السامري ما قال.
أما شفقته على نفسه فهي أنه أدخلها في زمرة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، أما الامتثال فإنه امتثل في نفسه وفي شأن القوم أمر أخيه حين قال لهم ﴿ يا قوم إنما فتنتم به ﴾ قال جار الله: كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة فتنوا به واستحسنوه فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون فزجرهم عن الباطل أولاً بأن هذا من جملة الفتن.
ثم دعاهم إلى الحق بقوله ﴿ وإن ربكم الرحمن ﴾ ومن فوائد تخصيص هذا الاسم بالمقام أنهم إن تابوا عما عزموا عليه لإن الله يرحمهم ويقبل توبتهم.
ثم بين أن الوسيلة إلى معرفة كيفية عبادة الله هو اتباع النبي وطاعته فقال ﴿ فاتبعوني وأطيعوا أمري ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن.
واعلم أن الشفقة على خلق الله أصل عظيم في الدين وقاعدة متينة.
روى النعمان بن بشير عن النبي " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ويروى أن رسول الله بينا هو جالس إذا نظر إلى شاب على باب المسجد فقال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه.
فسمع الشاب ذلك فولى وقال: إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد عليّ بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد وتشعل النار بي حتى يبر يمينه ولا تسفع النار أحداً.
فهبط جبريل وقال: يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقدته من النار بتصديقه لك وفداء أمتك بنفسه وشفقته على الخلق.
قال أهل السنة ههنا: إن الشيعة تمسكوا بقوله "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ثم إن هارون ما منعته التقية في مثل ذلك الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعته، فلو كانت أمة محمد على الخطأ لكان يجب على عليّ كرم الله وجهه أن يفعل ما فعل هارون من غير تقية وخوف.
وللشيعة أن يقولوا: إن هارون صرح بالحق وخاف فسكت ولهذا عاتبه موسى بما عاتب فاعتذر بــ ﴿ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ﴾ وهكذا علي امتنع أولاً من البيعة فلما آل الأمر إلى ما آل أعطاهم ما سألوا.
وإنما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصب.
ثم إن القوم قابلوا حسن موعظة هارون بالتقليد والجحود قائلين ﴿ لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من أنواع التوكيد من جهة النفي بـ"لن"، ومن لفظ البراح والعكوف، ومن صيغة اسم الفاعل، ومن تقديم الخبر.
ثم حكى ما جرى بين موسى وهارون بعد الرجوع وقوله ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ﴾ كقوله ﴿ ما منعك ألا تسجد ﴾ في أن "لا" هذه مزيدة أم لا؟.
وقد مر في "الأعراف".
وفي هذا الإتباع قولان: فعن ابن عباس ما منعك من إتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم.
وقال مقاتل: أراد الإتباع في وصيته كأنه قال: هلا قتلت من كفر بمن آمن ومالك لا تباشر الأمر كما كنت أباشره.
قال الأصوليون: في قوله ﴿ أفعصيت أمري ﴾ دلالة على أن تارك المأمور به عاصٍ والعاصي يستحق العقاب لقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ﴾ فيعلم منه أن الأمر للوجوب.
واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى هل أمر هارون باتباعه أم لا؟
وعلى التقدير فهارون أتبعه أم لا؟
فإن لم يأمره أو أمره ولكن اتبعه فملامته لهارون من غير جرم تكون ذنباً، وإن أمره ولم يتبعه كان هارون عاصياً.
وأيضاً قوله ﴿ أفعصيت ﴾ بمعنى الإنكار.
فإما أن يكون موسى كاذباً في نسبة العصيان إلى هارون، وإما أن يكون هارون عاصياً.
وأيضاً أخذه بلحية هارون وبرأسه إن كان بعد البحث والتفتيش فهارون عاصٍ وإلا فموسى.
وأجيب بأن كل ذلك أمور اجتهادية جائزة الخطأ أو هي من باب الأولى وقد مر في أوائل "البقرة" في آدم ما يتعلق بهذه المسألة.
قوله: ﴿ ولم ترقب قولي ﴾ أي وصيتي لك بحفظ الدهماء واجتماع الشمل يؤيده قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت ﴾ قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة ما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا في الدين ما تحملوا، وأما قوم موسى فقد رأوا ذلك مع زيادة سائر الآيات التسع ومع ذلك اغتروا بصوت العجل وعكفوا على عبادته، فعرفنا أن الغرض لا يحصل إلا بهداية الله .
ولما فرغ موسى من عتاب هارون أقبل على السامري، ويمكن أن يكون بعيداً ثم حضر أو ذهب إليه موسى ليخاطبهقال جار الله: الخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه.
فإذا قيل: لمن يفعل شيئاً ما خطبك؟
فمعناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه وتعظيم صنيعه ﴿ قال ﴾ أي السامري} بصرت بما لم يبصروا به} قال ابن عباس ورواه أبو عبيدة: علمت بما لم يعلموا به من البصارة.
يعني العلم.
وقال الآخرون: رأيت بما لم تروه فالباء للتعدية، رجح العلماء قراءة الغيبة على الخطاب احترازاً من نسبة عدم البصارة إلى النبي .
والقبضة بالفتح مصدر بمعنى المفعول وهو المقبوض بجميع الكف.
عامة المفسرين على أن المراد بالرسول جبريل عليه السالم وأثره التراب الذي أخذه من موقع حافر دابته واسمها حيزوم فرس الحياة.
ومتى رآه؟
الأكثرون على أنه رآه يوم فلق البحر كان جبريل على الرمكة وفرعون على حصان وكان لا يدخل البحر، فتقدم جبريل فتبعه فرس فرعون.
وعن علي أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس وكان راكب حيزوم فقال: إن لهذا شأناً فقبض من تربة موطئه.
فمعنى الآية فقبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد.
ثم من المفسرين من جوز أن السامري لم يعرف أنه جبريل ومنهم من قال: إنه عرفه.
عن ابن عباس: إنما عرفه لأنه رباه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بقتل أولاد بني إسرائيل.
فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس.
فكان السامري أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه.
وقال أبو مسلم: إطلاق الرسول على جبريل في المقام من غير قرينة تكليف بعلم الغيب.
وأيضاً تخصيص السامري من بين الناس برؤية جبريل وبمعرفة خاصية تراب حافر دابته لا يخلو عن تعسف، ولو جاز اطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول: لعل موسى اطلع على شيء آخر لأجله قدره على الخوارق.
فالأولى أن يراد بالرسول موسى فقد يواجه الحاضر بلفظ الغائب كما يقال: ما قول الأمير في كذا؟
ويكون إطلاق الرسول منه على موسى نوعاً من التهكم لأنه كان كافراً به مكذباً.
وأراد بأثره سنته ورسمه من قولهم "فلان يقفو أثر فلان" أي عرفت أن الذي عليه ليس بحق وقد كنت قبضت شيئاً من سنتك فطرحتها.
فعلى قول العامة يكون قوله: ﴿ وكذلك سوّلت لي نفسي ﴾ إشارة إلى ما أوحي إليه وليه الشيطان أن تلك التربة إذا نبذت على الجماد صار حيواناً.
وعلى قول أبي مسلم يشير إلى أن اتباع أثرك كان من تسويلات النفس الأمارة فلذلك تركته.
ثم بين موسى أن له عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة.
يروى أنه أراد أن يقتله فمنعه الله من ذلك وقال: لا تقتله فإنه سخيّ.
وفي قوله: ﴿ لامساس ﴾ وجوه: الأوّل إنه حرم عليه مماسة الناس لأنه إذا اتفق أن هناك مماسة فأحدهم الماس والثاني الممسوس فلذلك إذا رأى أحداً صاح لا مساس.
ويقال: إن قومه باقٍ فيهم ذلك إلى الآن الثاني: أن المراد منع الناس من مخالطته.
قال مقاتل: إن موسى أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له: اخرج أنت وأهلك طريداً إلى البراري.
اعترض الواحدي عليه بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول: هو لامساس.
وإنما يقال له ذلك.
وأجيب بأن هذا على الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك لم تقل إلا لا مساس.
والثالث: قول أبي مسلم إن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يمكن له مماسة المرأة أي مجامعتها.
وأما حاله في الآخرة فلذلك قوله: ﴿ وإن لك موعداً لن تخلفه ﴾ قال جار الله: من قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً.
ثم بين مآل حال إلهه فقال: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ﴾ أي ظللت فحذف إحدى اللامين تخفيفاً ﴿ لنحرقنه ﴾ من الإحراق ففيه دليل على أنه صار لحماً ودماً لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار ونسفه في الميم.
قال السدي: أمر موسى بذبحه فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف.
والنسف النقض ومن جعله من الحرق أي لنبردنه بالمبرد ففيه دلالة على أنه لم ينقلب حيواناً إلا إذا أريد برد عظامه.
ومن جعله من التحريق فإنه يحتمل الوجهين والمراد إهدار السامري وإبطال كيده ومحق صنيعه والله خير الماكرين.
ثم ختم الكلام ببيان الدين الحق فقال: ﴿ إنما إلهكم ﴾ أي المستحق للعباد والتعظيم ﴿ الله الذي لا إله إلاَّ هو وسع كل شيء علماً ﴾ قد مر مثله في "الأنعام" قال مقاتل: أي يعلم من يعبده.
وحين فرغ من قصة موسى شرع في تثبيت رسولنا فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي نحو اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون والسامري ﴿ نقص عليك من ﴾ سائر أخبار الرسل مع أممهم تكثيراً لمعجزاتك.
ثم عظم شأن القرآن بقوله: ﴿ وقد آتيناك من لدنا ذكراً ﴾ أي ما ذكر فيه كل ما يحتاج إليه المكلف في دينه وفي دنياه والوزر العقوبة الثقيلة التي تنقض ظهر صاحبها، أو المراد جزاء الوزر وهو الإثم ﴿ خالدين فيه ﴾ أي في ذلك الوزر أو في احتماله ﴿ وساء ﴾ فيه ضمير مبهم يفسره ﴿ حملاً ﴾ والمخصوص محذوف للقرينة أي ساء حملاً وزرهم.
واللام في ﴿ لهم ﴾ للبيان كما في ﴿ هيت لك ﴾ ويجوز أن يكون "ساء" بمعنى "قبح" ويكون فيه ضمير الوزر.
وانتصب ﴿ حملاً ﴾ على التمييز و ﴿ لهم ﴾ حال من ﴿ حملاً ﴾ ولا أدري لم أنكره صاحب الكشاف، اللَّهم إلا أن يمنع وقوع الحال من التمييز وفيه نظر.
قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس: وفي الصور قولان: أشهرهما أنه القرن يؤيده قوله: ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ وإنه يعرّف أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوقات عند الأسفار وفي العساكر فجعل الله النفخ في تلك الآلة علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات.
وأقربهما من المعقول أن الصور جمع صورة يؤكده قراءة من قرأ بفتح الواو.
يقال: صورة وصور كدرة ودرر.
والنفخ نفخ الروح فيها ولكنه يرد عليه أن النفخ يتكرر لقوله : ﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ والإحياء لا يتكرر بعد الموت إلا ما ثبت من سؤال القبر وليس هو بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق ﴿ ونحشر المجرمين ﴾ عن ابن عباس: هم الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر.
وقال المعتزلة: هم الكفار والعصاة.
وفي الزرق وجوه: قال الضحاك ومقاتل: إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب، لأن الروم أعداؤهم وإنهم زرق العيون، ومن كلامهم في صفة العدوّ "أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين".
وقال الكلبي: ﴿ رزقاً ﴾ أي عمياً.
قال الزجاج: يخرجون بصراء في أول أمرهم لقوله: ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ ولقوله: ﴿ اقرأ كتابك ﴾ ثم يؤل حالهم إلى العمى وإن حدقة من يذهب نور بصرة تزرق.
وقيل ﴿ زرقاً ﴾ أي عطاشا لقوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ فكأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون ﴿ بينهم ﴾ من شدة خوفهم أو لأن صدورهم امتلأت رعباً، وهؤلاء يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لأنها أيام سرورهم وهن قصار، وإما لأنها قد انقضت والذاهب قليل وإن طال ولا سيما بالنسبة إلى الأبد السرمدي كأن ظنينهم يقول: قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى لبثنا في الآخرة كعشرة أيام.
فقال أعقلهم: بل كاليوم الواحد.
وإنما قال: ﴿ عشراً ﴾ لأن المراد عشر ليال.
وقال مقاتل: أراد عشر ساعات أي بعض يوم.
وعلى هذا فأفضلهم رد عليهم استقصارهم وتقالهم.
وقيل: المراد لبثهم في القبور.
قال أهل النظم: كأن سائلاً سأل: كيف يصح التخافت بين المجرمين والجبال حائلة مانعة؟
فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الجبال ﴾ وقال الضحاك: إن مشركي مكة قالوا على سبيل الاستهزاء: يا محمد كيف يكون حال الجبال يوم القيامة؟
فنزلت.
ويحتمل أن يكون هذا جواب شبهة تمسك بها منكرو البعث - منهم جالينوس - زعم أن الأفلاك لا تفنى لأنها لو فنيت لابتدأت بالنقصان حتى تنتهي إلى البطلان، وكذا الجبال وغيرها من الأجرام الكلية، فأمر الله نبيه أن يبين لهم هذه المسألة الأصولية من غير تأخير ولهذا أدخل فاء التعقيب في الجواب.
والنسف القلع.
وقال الخليل: التطيير والإذهاب كأنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها.
وحاصل الجواب أن كل بطلاً لا يلزم أن يكون ذبولياً بل قد يكون رفعياً.
والضمير في ﴿ فيذرها ﴾ للمضاف المحذوف أي فيدع مقارها ومراكزها وهو للأرض للعلم بها كقوله: ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ والقاع المستوي من الأرض.
وقيل: المكان المطمئن.
وقيل: مستنقع الماء.
والصفصف الأرض الملساء المستوية.
وقيل: التي لا نبات فيها.
والأمت النتوّ اليسير.
وقيل: التلال الصغار.
قالوا: العوج بالكسر في المعاني وكأنه نفى العوج الذي يدق عن الإحساس ولا يدرك إلا بالقياس الهندسي.
وإذا كان هذا النوع من العوج الاعتباري منتفياً فكيف بالعوج الحسي!
وقد يستدل بالآية على أن الأرض يومئذ تكون كرة حقيقة إذ لو كانت مضلعة وقعت بين الأضلاع فصول مشتركة فيعوج الامتداد القائم عليها هناك.
ثم إنه وصف ذلك اليوم بأن الخلائق فيه ﴿ يتبعون الداعي ﴾ قيل: هو النفخ في الصور وقوله: ﴿ لا عوج له ﴾ أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل.
وقيل: إن إسرافيل أو ملكاً آخر يقوم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء فلا يعوج له مدعوّ بل يتبعون صوته من غير انحراف.
﴿ وخضعت الأصوات للرحمن ﴾ خفضت من شدة الفزع ﴿ فلا تسمع ﴾ أيها السامع ﴿ إلا همساً ﴾ وهو الصوت الخفي.
وذلك أن الجن والإنس علموا أن لا مالك لهم سواه، وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه.
وعن ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد الهمس وطء الأقدام إلى المحشر.
قوله: ﴿ إلا من أذن له الرحمن ﴾ يصلح أن يكون "من" منتصباً على المفعولية وأن يكون مرفوعاً على البدلية بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن ﴿ ورضي له ﴾ أي لأجله ﴿ قولاً ﴾ .
قال الإمام فخر الدين الرازي: الاحتمال الأول أولى لعدم التزام الإضمار، ولأن درجة الشافع درجة عظيمة فلا تصلح ولا تحصل إلا لمن أذن له فيها وكان عند الله مرضياً.
فلو حملنا الآية على ذلك كان من إيضاح الواضحات بخلاف ما لو حملت على المشفوع.
وأقول: الاحتمالان متقاربان متلازمان لأن المشفوع لا تقبل الشفاعة في حقه إلا إذا أذن الرحمن لأجله فيعود إلى الثاني.
قالت المعتزلة: الفاسق غير مرضي عند الله فوجب أن لا ينتفع بشفاعة الرسول.
وأجيب بأنه قد رضي لأجله قولاً واحداً من أقواله وهو كلمة الشهادة.
قالوا: هب أن الفاسق قد رضي الله قولاً لأجله، فلم قلتم إن الإذن حاصل للشافع في حقه؟
والجواب أنا أيضاً نمنع من أن الإذن غير حاصل في حقه على أنه قال في موضع آخر ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ فلم يعتبر إلا أحد القيدين.
ثم أخبر عن نهاية علمه بقوله: ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ .
الضمير للذين يتبعون الداعي أي يعلم ما يقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه ﴿ ولا يحيطون ﴾ بمعلومه ﴿ علماً ﴾ .
وقال الكلبي ومقاتل: الضمير للشافعين من الملائكة والأنبياء كما مر في آية الكرسي.
وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له أي يعلم ما كان قبل خلقهم وما كان منهم بعد خلقهم من أمر الآخرة والثواب العقاب وإنهم لا يعلمون شيئاً من ذلك فكيف يصلحون للمعبودية.
ثم ذكر غاية قدرته فقال: ﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي زلت رقاب الممكنات منقادين لأمره كالأسارى.
عنا يعنو عنوّاً إذا صار أسيراً.
وقيل: أراد وجوه العصاة في القيامة كقوله: ﴿ سيئت وجوه الذي كفروا ﴾ ولعله خص الوجوه بالذكر لأن أثر الذل والانكسار فيها أبين وأظهر، قال جار الله: ﴿ وقد خاب ﴾ وما بعده اعتراض أي كل من ظلم فهو خائب خاسر.
ولأهل السنة أن يخصوا الظلم ههنا بالشرك أو يعارضوا هذا العموم بعمومات الوعد.
من قرأ ﴿ فلا يخاف ﴾ بالرفع فعلى الاستئناف أي فهو لا يخاف كقوله: ﴿ فينتقم الله منه ﴾ ومن قرأ ﴿ فلا يخف ﴾ فمعناه فليأمن له لأن النهي عن الخوف أمر بالأمن.
من فسر الظلم بأنه الأخذ فوق حقه بالنقص من حقه كصفة المطففين فيقدر مضافاً محذوفاً أي فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم لأنه لم يظلم ولم يهضم، ومن فسر الظلم بأنه العقاب لا على جريمة والهضم بأنه النقص من الثواب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.
قال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا يوفى حقه من التعظيم لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثواباً إلا إذا قارنه التعظيم.
قال جار الله: ﴿ وكذلك ﴾ عطف على قوله: ﴿ كذلك نقص ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال وعلى نهجه، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله عربياً لأن العرب أصل وغيرهم تبع لأن النبي عربي.
﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ كررناه وفصلناه ويدخل في ضمنه الفرائض والمحارم لأن الوعيد يتعلق بترك أحدهما وبفعل الآخر ﴿ لعلهم يتقون أن يحدث لهم ذكراً ﴾ حمل جار الله الأول على إرادة ترك المعاصي والثاني على فعل الخبر والطاعة، لأن الذكر قد يطلق على الطاعة والعبادة.
قلت: لا ريب أن القرآن ينفر عن السيئات ويبعث على الطاعات من حيث إن فهم معانيه يؤدّي إلى ذلك، وإنما قدم الأول على الثاني لأن التخلية مقدمة على التحلية.
ويحتمل أن تكون التقوى عبارة عن فعل الخيرات وترك المنكرات جميعاً.
والذكر يكون محمولاً على ضد النسيان أي إن نسوا شيئاً من التروك والأفعال أحدث لهم ذكراً إذا تأملوا معانية.
وكلمة "أو" على الأول للتخيير والإباحة لا للتنافي، وعلى الثاني يجوز أن تكون للتنافي.
وقيل: أراد أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يوجب القرآن لهم ذكراً أي شرفاً ومنصباً كقوله: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ وعلى التقديرين يكون في إنزال القرآن نفع.
ثم عظم شأن القرآن من وجه آخر وهو عظمة شأن منزلة قائلاً ﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ ارتفع صفاته عن صفات المخلوقين أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي وأنه منزه عن الانتفاء والتضرر بطاعاتهم ومعاصيهم.
ومعنى الحق قد مر في البسملة.
قال جار الله: فيه استعظام له ولما يصرّف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه وغير ذلك كما يجري عليه أمر ملكوته.
قال أبو مسلم: إن قوله: ﴿ ويسئلونك عن الجبال ﴾ إلى ههنا كلام تام.
وقوله: ﴿ ولا تعجل ﴾ خطاب مستأنف.
وقال آخرون: إنه كان يخاف أن يفوته شيء فيقرأ مع الملك، فإنه حين شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين أنه متعال عن الانتفاع والتضرر بالطاعات والمعاصي.
وأنه موصوف بالملك الدائم والعز بالباقي، وكل من كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي وما يتعلق بصلاح العباد في المعاش والمعاد.
قال: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ لأنه حصل لك الأمان من السهو والنسيان ﴿ من قبل أن يقضي إليك وحيه ﴾ أي من قبل أن تتم قراءة جبريل ونحوه قوله ﴿ لا تحرّك به لسانك لتعجل به ﴾ قاله مقاتل والسدي وابن عباس في رواية عطاء.
وقال مجاهد وقتادة: أراد ولا تعجل بالقرآن فتقرأ على أصحابك من قبل أن يوحى إليك بيان معانية أي لا تبلغ ما كان مجملاً حتى يأتيك البيان.
وقال الضحاك: إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة أن اليهود قد غلبوا فنزلت هذه الآية.
أي لا تعجل بنزول القرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومن جبرائيل ومنه إليك.
وعن الحسن: أن امرأة أتت النبي فقالت: زوجي لطم وجهي فقال: بينكما القصاص فنزلت الآية فأمسك رسول الله عن القصاص.
وإنما نشأت هذه الأقوال لأن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ يحتمل التعجيل بقراءته في نفسه، أو في تأديته إلى غيره، أو في اعتقاده ظاهره، أو في تعريف الغير ما يقتضيه الظاهر.
وقوله: ﴿ من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ احتمل أن يراد من قبل أن يقضى إليك تمامه، أو من قبل أن يقضى إليك بيانه فقد يجوز أن يحصل عقيبه استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات والمبينات ويؤكد هذه المعاني قوله: ﴿ وقل رب زدني علماً ﴾ لأن معرفة البيان علم زائد على معرفة الإجمال.
والظاهر أن هذا الاستعجال كان أمراً اجتهادياً وكان الأولى تركه فلذلك نهى عنه.
قال جار الله: هذا الأمر متضمن للتواضع لله والشكر له عندما علم من ترتيب التعلم أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدباً جميلاً ما كان عندي فزدنى علماً إلى علم.
ومن فضائل العلم أن النبي ما أمر بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وفيه إشارة إلى أن أسرار القرآن غير متناهية، اللَّهم إن هذا العبد الضعيف معترف بقصوره ونقصانه فأسألك مما سألك به نبيك أن ترزقني بتبعيته علماً ينفعني في الدارين.
التأويل: ﴿ ولقد أوحينا إلى موسى ﴾ القلب ﴿ أن أسر بعبادي ﴾ وهم صفات القلب من الأخلاق الحميدة سر بهم من مصر البشرية إلى بحر الروحانية.
﴿ فاضرب لهم ﴾ بعصا الذكر ﴿ طريقاً يبساً ﴾ من ماء الهوى وطين الصفات الحيوانية وباقي التأويل كما مر في "يونس" ﴿ ونزلنا عليكم ﴾ منّ صفاتنا وسلوى أخلاقنا فاتصفوا بطيبات أخلاقنا ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ بإفشاء أسرار الربوبية إلى غيرنا كمن قال: أنا الحق وسبحاني.
فإن الحالات لا تصلح للمقاولات.
﴿ وإني لغفار لمن ﴾ رجع عن الطغيان ﴿ وآمن ﴾ بالربوبية ﴿ وعمل صالحاً ﴾ في مقام العبودية ﴿ ثم اهتدى ﴾ فتحقق أن حضرة الربوبية منزهة عن دنس الوهم والخيال ومقام الوصال مباين للقيل والقال.
﴿ وعجلت إليك ﴾ فيه أن الشوق إذا غلب انقطع العلائق وأن مطلوب السائل لا ينبغي أن يكون إلا رضا الله.
﴿ قد فتنّا قومك من بعدك ﴾ فيه أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بالنبي والشيخ.
﴿ بملكنا ﴾ أي بإرادتنا ومشيئتنا ولكن بإرادة الله ومشيئته.
﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ من غير اختيار منه ولكن باضطرار من القدر ﴿ با ابن أم ﴾ قيل خاطبه بذلك ليذكره قول الملائكة: يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الأرباب.
﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ فيه أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة ولأهل الغرامة استدراج وفتنة فيصرفونها في الباطل والطبيعة لا في الحق والحقيقة.
قوله: ﴿ لامساس ﴾ فيه معارضة بنقيض مقصود من أراد الجمعية والغلبة واتباع الناس إياه، فعدت بالتفرد والتوحش والنفار عن الخلق ﴿ زرقا ﴾ إن الوجه أشرف أعضاء الإنسان والعين أشرف أعضاء الوجه، وزرق العين دلالة على خروجها عن الاعتدال، وإذا كان أشرف الأعضاء خارجاً عن الاعتدال فما ظنك بغيرها؟
وكذا بالأخلاق التابعة للأمزجة.
﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي كل جهة بها يستند الممكن إلى الواجب.
﴿ يتبعون الداعي ﴾ لأن كل ناس تدعى بإمامهم فيتبعونه ألبتة وأهل الله لا يفرون إلا إلى الله في قوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ وعلى الله السمتعان.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ ، جميع ما ذكر في القرآن مثل هذا ﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ ، ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ ﴾ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ ، وأمثاله كله أنه قد بين لهم وراء ذلك، أي: قد بين لهؤلاء أنهم قد وافقوا أولئك الذين أهلكهم من القرون الماضية وما نزل بهم بتكذيبهم الرسل والآيات التي أتوا بها، وهم آمنون يمشون في مساكنهم، فكيف أمن هؤلاء من عذاب الله [مع] موافقتهم أولئك في جميع صنيعهم.
أو يقول: أفلم نبين لهم سنتي فيمن كان قبلهم من القرون الماضية بتكذيبهم الرسل وردهم الآيات، وهم كانوا آمنين في مساكنهم فكيف أمن هؤلاء من عذابه وقد ساووا أولئك في جميع صنيعهم وفعلهم، وهما واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ﴾ : هم الذين انتهوا عما نهاهم الله عنه، وهم ذوو العقول، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
قال أبو عوسجة: ﴿ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ ﴾ ، أي: لا تظهر للشمس، والظمأ: العطش، والضحى: الحر.
قال أبو عبيدة: وقال أبو عوسجة: وطفقا وعلقا واحد، يقال: علق يعلق علقا فهو عالق وطافق.
وقال: يقال من الخصف: خصفت الخف، إذا أنعلته، ونعلت الخف، ويسمى ذلك: النعيلة، والنعائل جمع.
وقال: قوله: ﴿ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ ، أي: ضيقة.
قال أبو عبيدة: وكل ضيق - منزل أو غيره - فهو ضنك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ .
هو على التقديم والتأخير، أي: لولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى، لكان العذاب لازماً لهم، يقول - والله أعلم -: يلزم كل إنسان بما عمل.
قال: والأجل المسمى: الساعة التي قال: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴾ .
وجائز أن يكون قوله على غير التقديم والتأخير، لكنه على الإضمار، أي: لولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما ولكن سيلزمهم إلى أجل مسمى، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ﴾ بما يكون بحق الإفضال أو توجبه الحكمة، لكان العذاب لازماً لهم، وحق الإفضال ما سبق منه من الوعيد أنه يؤخر، ولا يقال فيما كان طريقه الإفضال: لم تفضلت؟
وأصل هذا: لولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما، لولا ما سبق من وعده: أنه لا يعذب هذه الأمة تعذيب إهلاك وقت تكذيبهم الرسل وردهم الآيات، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، وهو ما ذكرنا، وهو قوله: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ : يصبر رسوله على أذاهم بلسانهم من السب والنسبة إلى السحر والجنون والافتراء على الله ونحوه، وإن كان وعد أنه يعصمه منهم حتى لا يقدروا على إتلافه وإهلاكه؛ لأن في حفظ نفسه من الإتلاف والإهلاك آية من آيات رسالته؛ إذ بعثه إلى الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم وعادتهم قتل من يخالفهم في شيء وإهلاك من يستقبلهم بما يكرهون؛ فدل عجزهم عن إتلافه وإهلاكه وحفظ نفسه منهم: أنه كان ذلك لآية في نفسه، وأما أذاهم إياه باللسان ليس في حفظه عنه آية؛ لأن ذلك لو كان آية، لمنعهم وذلك مما لم يؤثر نقصاً في نفسه أو شيئاً؛ ألا ترى أنهم قالوا في الله ما لا يليق به من الولد وغيره، فدل أنه ليس في حفظ نفسه عن أذاهم بلسانهم آية، إنما الآية فيما ذكرنا من حفظ نفسه من الإتلاف، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ : قال أهل التأويل: صل بأمر ربك، وتأويل قولهم هذا صل بأمر ربك؛ لأنه أمره أن يصلي لله بقوله: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ ﴾ ، فيكون قوله: ﴿ وَسَبِّحْ ﴾ أي: صل بأمر ربك الذي أمرك بقوله: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ ، ولولا صرف أهل التأويل التسبيح في هذه الآية إلى الصلاة وإلا يجوز أن يصرف إلى غيرها من الأذكار في كل وقت، لكن صرفوا إلى الصلاة؛ لأن الصلاة تشتمل على معان: قولا وفعلا، وسائر الأذكار لا تشتمل إلا معنى الذكر قولا، فهي أجمع وأشمل لذكره، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ ﴾ : قبل صلاة الفجر، ﴿ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ صلاة العصر.
وقال بعضهم: ﴿ قَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ الظهر والعصر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ ﴾ قيل: صلاة المغرب والعشاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ ﴾ ؛ قيل: صلاة الفجر والعصر؛ فهو على التكرار والإعادة تأكيداً؛ كقوله: ﴿ حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ ﴾ ، ذكر الصلوات بجملتها، ثم خص الصلاة [الوسطى] بالذكر لمعنى؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ ﴾ تكرارا منه لصلاة الفجر والعصر لمعنى.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ ﴾ أنه ليس على إرادة وقت دون وقت، ولكن يريد به الأوقات كلها، وعلى ذلك يخرج قول من قال في قوله: ﴿ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ : صلاة الظهر والعصر، والله [أعلم].
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴾ بالنصب والرفع جميعاً، أي: يرضيك ربك بما عملت أو يرضى بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ .
هذه الآية تحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ أي: لا ترغبن في هذه الدنيا، ولا تركنن إلى ما متع به هؤلاء من ألوانها وزهرتها، وهو كقوله : ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ...
﴾ الآية [التوبة: 55].
والثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ على حقيقة مدّ البصر، أي: لا تمدن بصرك إلى أعين الدنيا وإلى ظاهر ما هم عليه من الغرور والتزيين، ولكن انظر إلى الدنيا إلى ما جعلت الدنيا؟
وإلى ما فيها من سمومها وتنغيصها على أهلها، فإن من نظر إليها لما فيها من سمومها وتنغيصها، لزهد فيها ورغب عنها، ومن نظر إليها وإلى عينها وظاهرها [و] ما هي عليها من الغرور والتزيين، لاغتر بها ورغب فيها وركن إليها، ومن نظر إلى حقيقة ما هي عليه وجعلت على ما ذكرنا لزهد فيها ورغب عنها.
ثم معلوم أن رسول الله لم يكن يمد بصره إلى الدنيا أو يركن إليها ويرغب فيها لها، وإنما هو ابتداء نهي رسوله.
ومعلوم أيضاً أنه لو رغب في شيء منها لم يكن يرغب ليتمتع هو به، إنما يرغب ويتناوله ليوسع به على أهل الحاجة والفقر، ثم نهاه عن ذلك؛ فدل أن الزهد فيها والرغبة عنها خير من الأخذ منها والوضع في حق؛ حيث نهاه عن ذلك على علم منه أنه لا يتناولها ليتمتع هو بها [و] ليوسع بها على نفسه، ولكن يأخذها؛ ليضعها في المستحقين لها.
ثم اختلف أهل التأويل في التقديم والتأخير: قال الحسن: هو على تقديم قوله: ﴿ مِّنْهُمْ ﴾ على قوله: ﴿ أَزْوَاجاً ﴾ يقول: تأويله: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به منهم أزواجاً ﴿ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
فعلى تأويله: أزواجاً: زهرة الحياة الدنيا، أي: ألواناً وأصنافاً من النبات؛ فذلك زهرة الدنيا.
وقال بعضهم: على غير تقديم، ولكن على سياق ما ذكر في الآية؛ فعلى هذا يكون تأويل الأزواج، أي: رجالا منهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ .
قال أهل التأويل: أي: لنبتليهم ونختبرهم، وكأن الفتنة هي المحنة التي فيها شدة وبلاء، كأنه أخبر أنه إنما متعهم بما متع من زهرة الحياة الدنيا ليمتحنهم فيها بالشدائد؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ...
﴾ الآية [التوبة: 55]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ ، وقال: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ، ففي هذه الآيات دلالة أن السعة والضيق فيها ليس لفضل أهلها ولا لهواهم، ولكن إنما هو محنة يمتحنهم، فيمتحن [بعضهم] بالسعة والغناء وبعضهم بالشدة والضيق، فالتكلم بأن هذا خير من هذا كلام لا معنى له مع ما ذكرنا من البينات في قوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ ﴾ أن الزهد في الدنيا وترك التناول منها حلالاً خير من التناول منها حلالا ووضعها موضعها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ .
أي: ما رزق ربك من النبوة والرسالة والتوحيد له والإيمان به خير وأبقى مما متع [به] هؤلاء من ألوان زهرة الحياة الدنيا وأصنافها.
وقال بعضهم: ﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ أي: حظك من ربك خير في البقاء مما متع به هؤلاء من زهرة الدنيا، وهو قول أهل التأويل: إن نبي الله نزل به ضيف فاستسلف من يهودي طعاماً، فأبى أن يعطيه إلا برهن، فرهن درعه عنده، فنزل قوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...
﴾ الآية؛ تعزية له عن الدنيا، لكن لسنا نعرف نزول الآية على ما ذكر إلا أن يثبت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ ﴾ قال بعضهم: أراد بأهله: قومه، وقد يسمى قوم الرسل: أهلهم، وجائز أن يكون المراد بالأهل: الذين تأهلهم وكانوا في عياله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: داوم عليها والزمها، [و] فيه أن الصلاة فرضت على الدوام عليها واللزوم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾ قال بعضهم: لا نسألك جعلا وأجراً على نبوتك ورسالتك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ﴾ قال بعضهم: لا نسألك للخلق رزقاً بل نحن نرزقهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقال هؤلاء الكفار المكذبون بالنبي : هلا يأتينا محمَّد بعلامة من ربه تدلّ على صدقه وأنه رسول، أَوَلم يأت هؤلاء المكذبين القرآنُ الذي هو تصديق للكتب السماوية من قبله؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.2pkxX"