الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١٣٤ من سورة طه
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 59 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٤ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ) أي : لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم ، وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم لكانوا قالوا : ( ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ) قبل أن تهلكنا ، حتى نؤمن به ونتبعه؟
كما قال : ( فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) ، يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون ( ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 97 ] ، كما قال تعالى : ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ) [ الأنعام : 155 - 157 ] وقال : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا ) [ فاطر : 42 ] وقال : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) [ الأنعام : 109 ، 110 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) يقول تعالى ذكره: ولو أنا أهلكنا هؤلاء المشركين الذين يكذبون بهذا القرآن من قبل أن ننـزله عليهم، ومن قبل أن نبعث داعيا يدعوهم إلى ما فرضنا عليهم فيه بعذاب ننـزله بهم بكفرهم بالله، لقالوا يوم القيامة، إذ وردوا علينا، فأردنا عقابهم: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا يدعونا إلى طاعتك، فنتبع آياتك: يقول: فنتبع حجتك وأدلتك وما تنـزله عليه من أمرك ونهيك من قبل أن نذلّ بتعذيبك إيانا ونخزى به.
كما حدثني الفضل بن إسحاق، قال: ثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة، عن فضيل عن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخُدريّ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : " يَحْتَجُّ عَلى اللهِ يَوْمَ القيامَةِ ثَلاثَةٌ: الهَالِكُ فِي الفَتْرَةِ، والمَغْلُوبُ على عَقْلِه، والصَّبيُّ الصَّغيرُ، فَيَقُولُ المَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ: لَمْ تَجْعَلْ لي عَقْلا أنْتَفِع بِهِ، وَيَقُولُ الهَالِكُ فِي الفتْرَةِ: لَمْ يأْتِني رَسُولٌ وَلا نَبيٌّ، ولَوْ أتانِي لَكَ رَسُولٌ أوْ نَبيّ لكُنْتُ أطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ وقرأ: ( لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا ) ويَقُولُ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ: كَنْتُ صَغِيرًا لا أعْقِلُ قال: فَتُرْفَعُ لَهُمْ نارٌ وَيُقالُ لَهُمْ: رِدُوها قال: فَيرِدُها مَنْ كَانَ فِي علْمِ اللهِ أنَّه سَعيدٌ، وَيَتَلَكَّأُ عَنْها مَنْ كانَ فِي عِلْمِ اللهِ أنَّهُ شَقِيّ، فَيَقُولُ: إيَّايَ عَصَيْتُمْ، فَكَيْفَ بِرُسُلي لَوْ أتَتْكُمْ؟
".
قوله تعالى : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله أي من قبل بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونزول القرآن لقالوا أي يوم القيامة ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا أي هلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى وقرئ ( نذل ونخزى ) على ما لم يسم فاعله .
وروى أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود قال : ( يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ثم تلا ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا الآية ويقول المعتوه : رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ويقول المولود : رب لم أدرك العمل ، فترفع لهم نار فيقول لهم ردوها وادخلوها قال فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل فيقول الله تبارك وتعالى إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم ) .
ويروى موقوفا عن أبي سعيد قوله فيه نظر وقد بيناه في كتاب ( التذكرة ) وبه احتج من قال : إن [ ص: 176 ] الأطفال وغيرهم يمتحنون في الآخرة .
فنتبع نصب بجواب التخصيص .
آياتك يريد ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من قبل أن نذل أي في العذاب ونخزى في جهنم ؛ قاله ابن عباس .
وقيل : من قبل أن نذل في الدنيا بالعذاب ونخزى في الآخرة بعذابها .
وإنما الفائدة في سوقها إليهم ومخاطبتهم بها، لتقوم عليهم حجة الله، ولئلا يقولوا حين ينزل بهم العذاب: { لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى } بالعقوبة، فها قد جاءكم رسولي ومعه آياتي وبراهيني، فإن كنتم كما تقولون، فصدقوه.
( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ) من قبل إرسال الرسول وإنزال القرآن ، ( لقالوا ربنا لولا ) هلا ( أرسلت إلينا رسولا ) يدعونا ، أي : لقالوا يوم القيامة ، ( فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) بالعذاب ، والذل ، والهوان ، والخزي ، والافتضاح .
«ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله» قبل محمد الرسول «لقالوا» يوم القيامة «ربنا لولا» هلا «أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك» المرسل بها «من قبل أن نذل» في القيامة «ونخزى» في جهنم.
ولو أنَّا أهلكنا هؤلاء المكذبين بعذاب من قبل أن نرسل إليهم رسولا وننزل عليهم كتابًا لقالوا: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من عندك، فنصدقه، ونتبع آياتك وشرعك، مِن قبل أن نَذلَّ ونَخزى بعذابك.
وقوله - تعالى - : ( وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى ) كلام مستأنف لتقرير ما قبله من أن القرآن الكريم هو معجزة المعجزات ، وآية الآيات وأرفعها وأنفعها .أى : ولو أنه أهلكنا هؤلاء الكافرين بعذاب الاستئصال ، من قبل مجىء الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم ومعه هذا القرآن الكريم معجزة له ، لقالوا على سبيل الاعتذار يوم القيامة : يا ربنا هلا أرسلت إلينا فى الدنيا رسولا من عندك ومعه المعجزات التى تدل على صدقه ، فكنا فى هذه الحالة اتبعنا آياتك التى جاءنا بها وصدقناه وآمنا به ، من قبل أن يحصل لنا الذل والهوان والخزى والافتضاح فى اللآخرة .والمقصود من الآية الكريمة قطع أعذارهم ، أى : لو أنا أهلكناهم قبل ذلك ، لقالوا ما قالوا ، ولكنا لم نهلكهم بل أرسلنا إليهم رسلونا ، فبلغهم ما أرسلناه به ، فانقطع عذرهم ، وبطلت حجتهم .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ).
اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله عليه السلام على ما يقولون، وأمره بأن يعدل إلى التسبيح أتبع ذلك بنهيه عن مد عينيه إلى ما متع به القوم فقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ وجهان: أحدهما: المراد منه نظر العين وهؤلاء قالوا: مد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده استحساناً للمنظور إليه إعجاباً به كما فعل نظارة قارون حيث قالوا: ﴿ ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارون إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ ﴾ حتى واجههم أولوا العلم والإيمان بقولهم: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صالحا ﴾ وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه وذلك كما إذا نظر الإنسان إلى شيء مرة ثم غض، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع قيل: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ أي لا تفعل ما أنت معتاد له.
ولقد شدد المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمركوب وغير ذلك لأنهم اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم وكالمقوى لهم على اتخاذها.
القول الثاني: قال أبو مسلم الذي نهى عنه بقوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ ليس هو النظر، بل هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا.
المسألة الثانية: قال أبو رافع: نزل ضيف بالنبي صلى الله عليه وسلم فبعثني إلى يهودي لبيع أو سلف، فقال: والله لا أفعل ذلك إلا برهن فأخبرته بقوله فأمرني أن أذهب بدرعه إليه فنزل قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ وقال عليه السلام: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم» وقال أبو الدرداء: الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له.
وعن الحسن: لولا حمق الناس لخربت الدنيا.
وعن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: لا تتخذوا الدنيا رباً فتتخذكم لها عبيداً، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رآى ما عند السلاطين يتلو هذه الآية، وقال الصلاة يرحمكم الله، أما قوله عز وجل: ﴿ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ ﴾ أي ألذذنا به، والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ويسمع من الأصوات المطربة ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكح، يقال أمتعه إمتاعاً ومتعه تمتيعاً والتفعيل يقتضي التكثير، أما قوله: ﴿ أزواجا مّنْهُمْ ﴾ أي أشكالاً وأشباهاً من الكفار وهي من المزاوجة بين الأشياء وهي المشاكلة، وذلك لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أصنافاً منهم، وقال الكلبي والزجاج: رجالاً منهم، أما قوله: ﴿ زَهْرَةَ الحياة الدنيا ﴾ ففي انتصابه أربعة أوجه: أحدها: على الذم وهو النصب على الاختصاص أو على تضمين متعنا معنى أعطينا وكونه مفعولاً ثانياً له أو على إبداله من محل الجار والمجرور أو على إبداله من أزواجاً على تقدير ذوي، فإن قيل: ما معنى الزهرة فيمن حرك قلنا معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة كما جاء في الجهرة.
قرئ: أرنا الله جهرة، وأن يكون جمع زاهر وصفاً لهم بأنهم زهرة هذه الدنيا لصفاء ألوانهم وتهلل وجوههم بخلاف ما عليه الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب، أما قوله: ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ فذكروا فيه وجوهاً: أحدها: لنعذبهم به كقوله: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا ﴾ .
وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إضلالاً مني لهم.
وثالثها: قال الكلبي ومقاتل تشديداً في التكليف عليهم لأن الإعراض عن الدنيا عند حضورها والإقبال إلى الله أشد من ذلك عند عدم حضورها ولذلك كان رجوع الفقراء إلى خدمة الله تعالى والتضرع إليه أكثر من تضرع الأغنياء، ولأن على من أوتي الدنيا ضروباً من التكليف لولاها لما لزمتهم تلك التكاليف ولأن القادر على المعاصي يكون الاجتناب عن المعاصي أشق عليه من العاجز الفقير، فمن هذه الجهات تكون الزيادة في الدنيا تشديداً في التكليف ثم قال لرسوله: ﴿ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وأبقى ﴾ والأظهر أن المراد أن مطلوبك الذي تجده من الثواب خير من مطلوبهم وأبقى، لأنه يدوم ولا ينقطع وليس كذلك حال ما أوتوه من مَن الدنيا، ويحتمل أن يكون المراد ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة خير لك من حيث العاقبة وأبقى، فذكر الرزق في الدنيا ووصفه بحسن عاقبته إذا رضي به وصبر عليه، ويحتمل أن يكون المراد ما أعطى من النبوة والدرجات الرفيعة، وأما قوله: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة ﴾ فمنهم من حمله على أقاربه ومنهم من حمله على كل أهل دينه، وهذا أقرب وهو كقوله: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكواة ﴾ وإن احتمل أن يكون المراد من يضمه المسكن إذ التنبيه على الصلاة والأمر بها في أوقاتها ممكن فيهم دون سائر الأمة يعنى كما أمرناك بالصلاة فامر أنت قومك بها، أما قوله: ﴿ واصطبر عَلَيْهَا ﴾ فالمراد كما تأمرهم فحافظ عليها فعلاً، فإن الوعظ بلسان الفعل أتم منه بلسان القول، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي عليهما السلام كل صباح ويقول: الصلاة وكان يفعل ذلك أشهراً، ثم بين تعالى أنه إنما يأمرهم بذلك لمنافعهم وأنه متعال عن المنافع بقوله: ﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ﴾ وفيه وجوه: أحدها: قال أبو مسلم: المعنى أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم العبادة ولا يريد منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾ .
وثانيها: ﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾ لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك ونرزق أهلك، ففرغ بالك لأمر الآخرة، وفي معناه قول الناس: من كان في عمل الله كان الله في عمله.
وثالثها: المعنى أنا لما أمرناك بالصلاة فليس ذلك لأنا ننتفع بصلاتك.
فعبر عن هذا المعنى بقوله: ﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾ بل نحن نرزقك في الدنيا بوجوه النعم وفي الآخرة بالثواب، قال عبد الله بن سلام: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية واعلم أنه ليس في الآية رخصة في ترك التكسب لأنه تعالى قال في وصف المتقين: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ﴾ ، أما قوله: والعاقبة للتقوى فالمراد والعاقبة الجميلة لأهل التقوى يعني تقوى الله تعالى، ثم إنه سبحانه بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهتهم، فكأنه من تمام قوله: ﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ ﴾ وهي قولهم: ﴿ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِئَايَةٍ مّن رَّبّهِ ﴾ أوهموا بهذا الكلام أنه يكلفهم الإيمان من غير آية، وقالوا في موضع آخر: ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأولونِ ﴾ وأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ﴾ وفيه وجوه: أحدها: أن ما في القرآن إذ وافق ما في كتبهم مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشتغل بالدراسة والتعلم وما رأى أستاذاً ألبتة كان ذلك إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً.
وثانيها: أن بينة ما في الصحف الأولى ما فيها من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنبوته وبعثته.
وثالثها: ذكر ابن جرير والقفال أن المعنى: ﴿ أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ﴾ من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات وكفروا بها كيف عاجلناهم بالعقوبة فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن، فلهذا وصف القرآن بكونه: ﴿ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ﴾ واعلم أنه إنما ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل، ثم بين أنه تعالى أزاح لهم كل عذر وعلة في التكليف، فقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ والمراد كان لهم أن يقولوا ذلك فيكون عذراً لهم، فأما الآن وقد أرسلناك وبينا على لسانك لهم ما عليهم وما لهم فلا حجة لهم ألبتة بل الحجة عليهم.
ومعنى: ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ يحتمل من قبل إرساله ويحتمل من قبل ما أظهره من البينات فإن قيل فما معنى قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم...
لَقَالُواْ ﴾ والهالك لا يصح أن يقول قلنا المعنى لكان لهم أن يقولوا ذلك يوم القيامة ولذلك قال: ﴿ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى ﴾ وذلك لا يليق إلا بعذاب الآخرة، روي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال عليه السلام: «يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك لك».
وتلا قوله: ﴿ لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلاً أنتفع به، ويقول الصبي: كنت صغيراً لا أعقل فترفع لهم نار، ويقال لهم: ادخلوها فيدخلها من كان في علم الله تعالى أنه شقي ويبقى من في علمه أنه سعيد، فيقول الله تعالى لهم: عصيتم اليوم فكيف برسلي لو أتوكم والقاضي طعن في الخبر وقال: لا يحسن العقاب على من لا يعقل، واعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الجبائي: هذه الآية تدل على وجوب فعل اللطف إذ المراد أنه يجب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده ولو لم يفعل لكان لهم أن يقولوا هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن؟
وهلا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك؟
وإن كان المعلوم أنهم لا يؤمنون ولو بعث إليهم الرسول لم يكن في ذلك حجة، فصح أنه إنما يكون حجة لهم إذا كان في المعلوم أنهم يؤمنون عنده إذا أطاعوه.
المسألة الثانية: قال الكعبي قوله: ﴿ لَولآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ أوضح دليل على أنه تعالى يقبل الاحتجاج من عباده، وأنه ليس قوله: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ كما ظنه أهل الجبر من أن ما هو جور منا يكون عدلاً منه بل تأويله: أنه لا يقع منه إلا العدل فإذا ثبت أنه تعالى يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة.
المسألة الثالثة: قال أصحابنا: الآية تدل على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع إذ لو تحقق العقاب قبل مجيء الشرع لكان العقاب حاصلاً قبل مجيء الشرع.
ثم إنه سبحانه ختم السورة بضرب من الوعيد فقال: ﴿ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبّصٌ ﴾ أي كل منا ومنكم منتظر عاقبة أمره وهذا الانتظار يحتمل أن يكون قبل الموت، إما بسبب الأمر بالجهاد أو بسبب ظهور الدولة والقوة، ويحتمل أن يكون بالموت فإن كل واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه، ويحتمل أن يكون بعد الموت وهو ظهور أمر الثواب والعقاب، فإنه يتميز في الآخرة المحق من المبطل بما يظهر على المحق من أنواع كرامة الله تعالى، وعلى المبطل من أنواع إهانته ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ عند ذلك ﴿ مَنْ أصحاب الصراط السوي وَمَنِ اهتدى ﴾ إليه وليس هو بمعنى الشك والترديد، بل هو على سبيل التهديد والزجر للكفار، والله أعلم.
قرئ ﴿ نَّذِلَّ ونخزى ﴾ على لفظ ما لم يسم فاعله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ ﴾ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ البَيِّنَةِ والتَّذْكِيرِ لِأنَّها في مَعْنى البُرْهانِ، أوِ المُرادُ بِها القُرْآنُ.
﴿ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ في الدُّنْيا.
﴿ وَنَخْزى ﴾ بِدُخُولِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قُرِئَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِما.
﴿ قُلْ كُلٌّ ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنّا ومِنكم.
﴿ مُتَرَبِّصٌ ﴾ مُنْتَظِرٌ لِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُنا وأمْرُكم.
﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ وقُرِئَ «فَتَمَتَّعُوا» .
﴿ فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ﴾ المُسْتَقِيمِ، وقُرِئَ «السَّواءِ» أيِ الوَسَطِ الجَيِّدِ و «السُّوأى» و «السَّوْءِ» أيِ الشَّرِّ، و «السُّوَيِّ» هو تَصْغِيرُهُ.
﴿ وَمَنِ اهْتَدى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ ( ومَن ) في المَوْضِعَيْنِ لِلِاسْتِفْهامِ ومَحَلُّها الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ مَوْصُولَةً بِخِلافِ الأُولى لِعَدَمِ العائِدِ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُعَلَّقِ عَنْها الفِعْلُ عَلى أنَّ العِلْمَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ أوْ عَلى أصْحابِ أوْ عَلى الصِّراطِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ النَّبِيُّ .
وَعَنْهُ «مَن قَرَأ طَهَ أُعْطِيَ يَوْمَ القِيامَةِ ثَوابَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ رُضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ» .
{وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ} من قبل الرسول والقرآن {لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا} هلا {أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فنتبع} بالنصب علي جواب
الاستفهام بالفاء {آياتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ} بنزول العذاب {ونخزى} في العقبى
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن كَوْنِ القُرْآنِ آيَةً بَيِّنَةً لا يُمْكِنُ إنْكارُها بِبَيانِ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم في الدُّنْيا بِعَذابٍ مُسْتَأْصِلٍ ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأهْلَكْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِعَذابٍ أيْ بِعَذابٍ كائِنٍ مِن قَبْلِهِ، والضَّمِيرُ لِلْبَيِّنَةِ والتَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ أنَّها بُرْهانٌ ودَلِيلٌ أوْ لِلْإتْيانِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ أيْ مِن قَبْلِ إتْيانِ البَيِّنَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ لِلرَّسُولِ بِقَرِينَةِ ما بَعْدَ مِن ذِكْرِ الرَّسُولِ وهو مُرادُ مَن قالَ: أيْ مِن قَبْلِ إرْسالِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ لَقالُوا ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ إلَيْنا رَسُولا ﴾ مَعَ آياتٍ ﴿ فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ﴾ الَّتِي جاءَنا بِها ﴿ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ﴾ بِالعَذابِ في الدُّنْيا ﴿ ونَخْزى ﴾ بِدُخُولِ النّارِ اليَوْمَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الذُّلُّ والخِزْيُ كِلاهُما بِعَذابِ الآخِرَةِ، ونَقَلَ تَفْسِيرَ الذُّلِّ بِالهَوانِ والخِزْيِ بِالِافْتِضاحِ والمُرادُ أنّا لَوْ أهْلَكْناهم قَبْلَ ذَلِكَ لَقالُوا ولَكُنّا لَمْ نُهْلِكْهم قَبْلَهُ فانْقَطَعَتْ مَعْذِرَتُهم فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ في رِوايَةِ عَبّادٍ والعُمَرِيُّ وداوُدُ والفَزارِيُّ وأبُو حاتِمٍ ويَعْقُوبُ ( نُذَلُّ ونَخْزى ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واسْتَدَلَّ الأشاعِرَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الوُجُوبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِالشَّرْعِ والجُبّائِيُّ عَلى وُجُوبِ اللُّطْفِ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وفِيهِ نَظَرٌ <div class="verse-tafsir"
وقال عز وجل: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، يعني: قومك وأهلك وأهل بيتك بالصلاة.
وَاصْطَبِرْ عَلَيْها، يعني: اصبر على ما أصابك فيها من الشدة.
روى عبد الرزاق، عن معمر، عن رجل أن النبي كان إذا دخل عليه نقص في الرزق، أي: الضّيق في الرزق، أمر أهله بالصلاة.
ثم قرأ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها.
لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً يعني: لخلقنا ولا أن ترزق نفسك إنما نسألك العبادة.
نَحْنُ نَرْزُقُكَ في الدنيا ما دمت حيا فيها.
وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى، يعني: الجنة للمتقين.
وَقالُوا، يعني الكفار: لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، يعني: هلا يأتينا محمد بعلامة لنبوته؟
قال الله تعالى: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ، يعني: بيان مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى، يعني: ما في التوراة والإنجيل حتى يجدوا نعته فيه؟
وهذا كقوله عز وجل: فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: 94] .
ثم قال عز وجل: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ، يقول: لو أن أهل مكة أهلكناهم قبل محمد والقرآن، لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى، يعني: من قبل أن نعذب.
ثم قال عز وجل: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ، يعني: منتظر لهلاك صاحبه، أنا وأنتم.
وقال مقاتل: كان كفار مكة قد قالوا: نتربص بمحمد رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور: 30] ، يعنون: الموت، ووعدهم النبيّ العذاب، فأنزل الله تعالى: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ، يعني: أنتم متربصون بمحمد الموت، ومحمد متربص بكم العذاب، فأنزل الله تعالى: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا، يقول: انتظروا، فَسَتَعْلَمُونَ إذا نزل بكم العذاب، مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ، يعني: العدل وَمَنِ اهْتَدى منا ومنكم.
قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بالتاء، لأن لفظ البينة مؤنث، والباقون أَوَلَمْ يَأْتِهِمْ بالياء، لأن معناه البيان.
والله سبحانه وتعالى أعلم، وصل الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
المُرْسِي رضي اللَّه عنه يقول: واللَّه مَا رَأَيْتَ العزَّ إلاَّ في رفع الهِمّة عن الخلق، واذكر رحمك اللَّه هنا: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨] .
ففي العز الذي أَعزّ اللَّه به المؤمن رفْعُ همته إلى مولاه، وثقتُه به دُونَ مَنْ سِوَاهُ، واستحي من اللَّه بعد أن كساك حُلّة الإيمان، وزينك بزينة العِرْفان أن تستولي عليك الغفلة والنسيان حتى تميل إلى الأكوان «١» ، أو تطلب من غيره تعالى وجود إحسان، ثم قال:
ورفع الهِمَّة عن الخلْقِ: هو ميزانُ ذوي الكمال ومِسْبار الرجال، كما توزن الذَّواتُ كذلك توزن الأحوالُ والصِّفَاتُ.
انتهى.
ومن كتاب «صفوة التصوف» لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي الحافظ حَدِيثٌ «٢» بسنده عن ابن عمر قال: أتى النبيّ صلى الله عليه وسلّم رَجَلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدَّثْنِي حَدِيثاً، واجعله موجزا، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلّم: «صَلَّ صَلاَةَ مُوَدَّع، كَأَنَكَ تَرَاهُ، فَإنْ كُنْتَ لاَ تَرَاهُ، فَإنَّهُ يُرَاكَ، وَايَأَس مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، تَعْشِ غَنِيّاً، وإِيَّاكَ وَمَا يُعَتَذَّرُ مِنْهُ» ورواه أبو أيوب الأنصاري بمثله عن النبي صلى الله عليه وسلّم «٣» إنتهى.
وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا محمدٌ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أي: بعلامة مما اقترحناها عليه، ثم وبخهم سبحانه بقوله: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى أَيْ: [ما في] «٤» التوراة، وغيرها، ففيها أعظم شاهد، وأكبر آية له سبحانه.
وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ أي: من قبل إرسالنا إليهم محمداً، لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ...
الآية، وروى أبو سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «يَحْتَجُّ عَلَى اللَّه تعالى يَوْمَ القِيَامَةِ ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب
على عَقْلِهِ، والصَّبِيُّ الصَّغيرُ.
فيقُولُ المَغْلُوبُ على عَقْلِهِ: رَبِّ، لَمْ تَجْعَلْ لِيَ عَقْلاً، ويَقَولُ الصَّبِيُّ نَحْوَهُ، ويَقُولُ الهَالِكُ فِي الفَتْرَةِ.
رَبِّ، لَمْ يُرْسِلْ إِلَيَّ رَسَولاً، وَلَوْ جَاءَنِي، لَكُنْتُ أَطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ، قَالَ: فَتَرْتَفِعُ لَهُمْ نَارٌ، وَيَقَالُ لَهُمُ: رُدُوهَا، فَيَرِدُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّه أَنَّهُ سَعِيدٌ وَيَكَعُ عَنْهَا الشَّقِيُّ، فَيَقُولُ اللَّه تعالى: إيَّايَ عَصَيْتُمْ فَكَيْفَ بِرْسُلِي لَوْ أَتَتْكُمْ» «١» .
قال (ع) «٢» : أما الصبيُّ، والمغلوبُ على عقله، فبَيّن أمرهما، وأما صاحبُ الفَترة، فليس ككفّار قريش قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم، لأن كفار قريش، وغيرهم مِمَّنْ علم وسمع نبوّة ورسالة في أقطار الأرضِ، ليسٍ بصاحب فترةٍ، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم لرجل: «أبي وأبوك في النّار» ورأى صلى الله عليه وسلّم، عمرو بن لحيّ في النار «٣» وإلى غير هذا مِمَّا يطوُلَ ذِكْرهِ، وإنما صاحبُ الفترة يفرض أنه آدميٌّ لم يطرأ إليه أن اللَّه تعالى بعث رَسُولاً، ولاَ دَعا إلى دِينٍ، وهذا قليلُ الوجود إلاّ أن يشذ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران.
ت: والصحيح في هذا الباب: «أَنَّ أوْلادَ المُشْرِكينَ في الجَنَّةِ، وأمَّا أَوَلاَدُ المُسْلِمِينَ فَفِي الجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ» متفق عليه.
وقد أَسند أَبو عُمَرَ في «التمهيد» «٤» من طريق أنس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «سألتُ رَبِّي في اللاَّهين مِنْ ذًرِّيَّةِ البَشَرِ ألاَّ يُعَذَّبَهُمْ فَأَعْطانِيهِمْ» «٥» .
قال أبو عمر: إنّما قيل للأطفال:
الَّلاهُوَنَ «١» لأن أعمالهم كاللهو، واللعب من غير عقد، ولا عَزْم، ثم أسند أبو عمر، ١٥ ب/ عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «أَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّةِ» «٢» .
قال أبو عمر «٣» ، وروى شُعْبةِ، وسعيد بن أبي عروبة، وأبو عَوَانة، عن قتادة، عن أَبي سراية العجلي، عن سَلْمَان قال: أَطْفَالُ المُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّةِ» .
وذكرِ البخاري حَدِيثَ الرؤيا الطويل، وفيه: «وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ، فَإنَّهُ إبْرَاهِيمَ عليه السلام وأمَّا الوِلْدَانُ حَوْلَهُ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولدُ عَلَى الفِطْرَةِ، قَالَ: فقيل: يَا رَسُولَ اللَّه، وأَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ؟
فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: وأَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ» ، وفي رواية:
«والصبيان حَوْلَهُ أَوْلاَدُ النَّاسِ» وظاهره العمومُ في جميع أولاد الناس.
انتهى [من التمهيد] «٤» والذُّلُّ، والخِزْيُ مقترنان بعذاب الآخرة.
وقوله: قُلْ كُلٌّ أَيْ: مِنَّا ومنكم مُتَرَبِّصٌ والتربصُ: التأَنِّي، والصِّراطُ:
الطريق، وهذا وَعِيدٌ بَيِّنٌ والله الموفّق، والهادي إلى الرشاد بفضله.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ لَوْلا ﴾ ؛ أيْ: هَلّا يَأْتِينا مُحَمَّدٌ ﴿ بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ ؛ أيْ: كَآياتِ الأنْبِياءِ، نَحْوَ النّاقَةِ والعَصا.
﴿ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَأْتِهِمْ ) بِالتّاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَأْتِهِمْ ) بِالياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى ﴾ ؛ أيْ: أوَلَمْ يَأْتِهِمْ في القُرْآنِ بَيانُ ما في الكُتُبِ مِن أخْبارِ الأُمَمِ الَّتِي أهْلَكْناها لَمّا سَألُوا الآياتِ ثُمَّ كَفَرُوا بِها، فَما يُؤَمِّنُهم أنْ تَكُونَ حالُهم في سُؤالِ الآياتِ كَحالِ أُولَئِكَ ؟
﴿ وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿ بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ ﴾ في الهاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكُتّابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: إلى الرَّسُولِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقالُوا ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ رَبَّنا لَوْلا ﴾ ؛ أيْ: هَلّا، ﴿ أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا ﴾ يَدْعُونا إلى طاعَتِكَ، ﴿ فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ﴾ ؛ أيْ: نَعْمَلُ بِمُقْتَضاها، ﴿ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ﴾ بِالعَذابِ، ﴿ وَنَخْزى ﴾ في جَهَنَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: ( نُذُلُّ ونُخْزى ) بِرَفْعِ النُّونِ فِيهِما وفَتْحِ الذّالِ.
﴿ قُلْ ﴾ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿ كُلٌّ ﴾ مِنّا ومِنكم ﴿ مُتَرَبِّصٌ ﴾ ؛ أيْ: نَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمُ العَذابَ في الدُّنْيا، وأنْتُمْ تَتَرَبَّصُونَ بِنا الدَّوائِرَ، ﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ ؛ أيْ: فانْتَظِرُوا، ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ إذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ، ﴿ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ﴾ ؛ أيِ: الدِّينِ المُسْتَقِيمِ، ﴿ وَمَنِ اهْتَدى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، أنْحَنِ أمْ أنْتُمْ ؟
وقِيلَ: هَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى ﴾ ﴿ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِراطِ السَوِيِّ ومَنِ اهْتَدى ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا أنَّهُ لَوْ أهْلَكَ هَذِهِ الأُمَّةَ الكافِرَةَ قَبْلَ إرْسالِهِ إلَيْهِمْ مُحَمَّدًا لَقامَتْ لَهم حُجَّةٌ وقالُوا: ﴿ لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا ﴾ الآيَةَ.
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ عَنِ النَبِيِّ ، قالَ: «يَحْتَجُّ عَلى اللهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الهالِكُ في الفَتْرَةِ، والمَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ، والصَبِيُّ الصَغِيرُ، فَيَقُولُ المَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ: رَبِّ، لِمْ لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا؟
ويَقُولُ الصَبِيُّ نَحْوَهُ، ويَقُولُ الهالِكُ في الفَتْرَةِ: يارَبِّ، لِمْ لَمْ تُرْسِلْ إلَيَّ رَسُولًا؟
ولَوْ جاءَنِي لَكُنْتُ أطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ، قالَ: فَتُرْفَعُ لَهم نارٌ، ويُقالُ لَهُمْ: رُدُّوها، قالَ: فَيَرُدُّها مَن كانَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ سَعِيدٌ، ويَكِعُّ عنها الشَقِيُّ، فَيَقُولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: إيّايَ عَصَيْتُمْ، فَكَيْفَ بِرُسُلِي لَوْ أتَتْكُمْ؟"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أمّا الصَبِيُّ والمَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ فَبَيِّنٌ أمْرُهُما، وأمّا صاحِبُ الفَتْرَةِ فَلَيْسَ كَكُفّارِ قُرَيْشٍ قَبْلَ النَبِيِّ ؛ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ وغَيْرَهم مِمَّنْ عَلِمْ وسَمِعَ عن نُبُوَّةٍ ورِسالَةٍ في أقْطارِ الأرْضِ فَلَيْسَ بِصاحِبِ فَتْرَةٍ، والنَبِيُّ قَدْ «قالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي سَألَهُ عن أبِيهِ: أبِي وأبُوكَ في النارِ»، ورَأى عَمْرُو بْنُ لِحَيٍّ في النارِ، إلى غَيْرِ هَذا مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وإنَّما صاحِبُ الفَتْرَةِ يَفْرِضُ أنَّهُ آدَمِيٌّ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ رَسُولًا ولا دَعا إلى دِينٍ، وهَذا قَلِيلُ الوُجُودِ، اللهم إلّا أنْ يَشِذَّ في أطْرافِ الأرْضِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ العُمْرانِ، و الذُلُّ والخِزْيُ مُقْتَرِنانِ بِعَذابِ الآخِرَةِ،.
ثُمْ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا أنْ يَتَوَعَّدَهم ويَحْمِلَهم ونَفْسَهُ عَلى التَرَبُّصِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، و"التَرَبُّصُ": التَأنِّي، و"الصِراطُ": الطَرِيقُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مِن أصْحابِ الصِراطِ السَوِيِّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الصِراطَ السَواءَ"، فَكَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَسَّمَتِ الفَرِيقَيْنِ، أيْ: سَتَعْلَمُونَ هَذا مِن هَذا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الصِراطَ السَوّا" بِشَدِّ الواوِ وفَتْحِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الصِراطَ السُوؤى" بِضَمِّ السِينِ وهَمْزَةٍ عَلى الواوِ، عَلى وزْنِ فَعْلى.
و"مَنِ اهْتَدى" مَعْناهُ: رَشِدَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
الذي يظهر أن جملة ﴿ ولو أنَّا أهلكناهم بعذاب من قبله ﴾ معطوفة على جملة ﴿ أو لم تأتهم بيّنة ما في الصحف الأولى ﴾ [طه: 133]، وأنّ المعنى على الارتقاء في الاستدلال عليهم بأنّهم ضالّون حين أخروا الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وجعلوه متوقفاً على أن يأتيهم بآية من ربّه، لأنّ ما هم متلبسون به من الإشراك بالله ضلال بيّن قد حَجَبتْ عن إدراك فساده العادَات واشتغال البال بشؤون دين الشرك، فالإشراك وحده كاف في استحقاقهم العذاب ولكن الله رحمهم فلم يؤاخذهم به إلاّ بعد أن أرسل إليهم رسولاً يوقظ عقولهم.
فمجيء الرسول بذلك كاف في استدلال العقول على فساد ما هم فيه، فكيف يسألون بعد ذلك إتيان الرسول لهم بآية على صدقه فيما دعاهم إليه من نبذ الشرك لو سُلّم لهم جدلاً أن ما جاءهم من البيّنة ليس هو بآية، فقد بطل عذرهم من أصله، وهو قولهم ﴿ ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ﴾ .
وهذا كقوله تعالى: ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنّا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ﴾ [الأنعام: 156].
فالضمير في قوله ﴿ من قبله ﴾ عائد إلى القرآن الذي الكلام عليه، أو على الرسول باعتبار وصفه بأنه بيّنة، أو على إتيان البيّنة المأخوذ من ﴿ أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ﴾ [طه: 133].
وفي هذه الآية دليل على أنّ الإيمان بوحدانية خالق الخلق يقتضيه العقل لولا حجب الضلالات والهوى، وأن مجيء الرسل لإيقاظ العقول والفطر، وأن الله لا يؤاخذ أهل الفترة على الإشراك حتى يبعث إليهم رسولاً، وأنّ قريشاً كانوا أهل فترة قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ومعنى ﴿ لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً ﴾ : أنهم يقولون ذلك يوم الحساب بعد أن أهلكهم الله الإهلاك المفروض، لأنّ الإهلاك بعذاب الدنيا يقتضي أنهم معذبون في الآخرة.
و (لولا) حرف تحضيض، مستعمل في اللوم أو الاحتجاج لأنّه قد فات وقت الإرسال، فالتقدير: هلاّ كنت أرسلت إلينا رسولاً وانتصب ﴿ فنتبع ﴾ على جواب التحضيض باعتبار تقدير حصوله فيما مضى.
والذل: الهوان.
والخزي: الافتضاح، أي الذل بالعذاب.
والخزي في حشرهم مع الجناة كما قال إبراهيم عليه السلام ﴿ ولا تخزني يوم يبعثون ﴾ [الشعراء: 87].
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ ﴾ أيْ مُنْتَظِرٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ عَلى صاحِبِهِ.
الثّانِي: ظُهُورُ الحَقِّ في عَمَلِهِ.
﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ.
﴿ فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَسَتَعْلَمُونَ بِالنَّصْرِ مَن أهْدى إلى دِينِ الحَقِّ.
الثّانِي: فَسَتَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مَن أهْدى إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
.
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ﴾ قال: التوراة والإنجيل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية قال: الهالك في الفترة والمعتوه والمولود يقول: رب لم يأتني كتاب ولا رسول.
وقرأ هذه الآية ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ أصحاب الصراط السوي ﴾ قال: العدل.
قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ يعني مشركي مكة ﴿ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ ﴾ من قبل بعث محمد ونزول القرآن ﴿ لَقَالُوا ﴾ يوم القيامة ﴿ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا ﴾ هلا أرسلت إلينا رسولا يدعونا إلى طاعتك في ﴿ فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ﴾ نعمل بما فيها يعني بما نزل على ذلك الرسول ويأتينا به ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾ في جهنم، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ ﴾ الآية: معناها لو أهلكنا هؤلاء الكفار قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم لاحتجوا على الله بأن يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولاً، ولولا هنا: عرض فقامت عليهم الحجة ببعثه صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وإنك ﴾ بالكسر: أبو بكر وحماد والخراز ونافع.
الباقون بالفتح عطفاً على ﴿ أن لا تجوع ﴾ ولا يلزم منه دخول "إن" المكسورة على المفتوحة للفصل بالخبر، ولأنه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه ﴿ أعمى ﴾ بالإمالة.
حمزة وعلي وخلف ﴿ حشرتني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
﴿ ترضى ﴾ مبيناً للمفعول: علي وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ زهرة ﴾ بفتح الهاء: قتيبة وسهل ويعقوب.
الآخرون بسكونها.
وقرأ حمزة وعلي وخلف هذه السورة وكل سورة آياتها على الياء بالإمالة المفرطة وإن شاء بين الفتح والكسر.
الوقوف: ﴿ عزماً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أبى ﴾ ه ﴿ فتشقى ﴾ ه ﴿ ولا تعرى ﴾ ه، لمن قرأ ﴿ وإنك ﴾ بالكسر ﴿ ولا تضحى ﴾ ه ﴿ لا يبلى ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ز لنوع عدول عن ذكر حال اثنين إلى بيان فعل من هو المقصود ﴿ فغوى ﴾ ه ص ﴿ وهدى ﴾ ه ﴿ عدوّ ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء ﴿ ولا يشقى ﴾ ، ه ﴿ يوم القيامة أعمى ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ فنسيتها ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ تنسى ﴾ ه ﴿ يآت ربه ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ النهي ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ه ط ﴿ غروبها ﴾ ج لعطف الجملتين مع اختلاف النظم ﴿ يرضى ﴾ ه ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ نرزقك ﴾ ط ﴿ للتقوى ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ الأولى ﴾ ه ﴿ ونخزى ﴾ ه ﴿ فتربصوا ﴾ ج لسين التهديد مع الفاء ﴿ اهتدى ﴾ ه.
التفسير: في تعلق قصة آدم بما قبلها وجوه منها: أنه لما قال: ﴿ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ﴾ ثم عظم شأن القرآن وبالغ فيه ذكر القصة إنجازاً للوعد.
ومنها أنه لما قال: ﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ أردفه بهذه القصة ليعلم أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم وخلة موروثة، وذلك أنه عهد إلى آدم من قبل هؤلاء الذين صرف لأجلهم الوعيد فنسي وترك العهد.
ومنها أن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ دليل على أنه زاد على قدر الواجب في رعاية أمر الدين وكان مفرطاً في أداء الرسالة وحفظ ما أمر به فناسب أن يعطف عليه قصة آدم لأنه كان موسوماً بالتفريط والإفراط والتفريط كلاهما من باب ترك الأولى، وإذا كان أوّل الأنبياء وخاتمهم موصوفين بما فيه نوع تقصير فما ظنك بغيرهما!
ومن هنا يعرف أفضلية الخاتم فإنه سعى في طلب الكمال إلى أن عوتب بالخروج عن حد الاعتدال، وآدم توسط في حيز النقصان فلا جرم وسم بالظلم والعصيان.
ومنها أن محمداً أمر بأن يقول ﴿ رب زدني علماً ﴾ ثم ذكر عقيبه قصة آدم تنبيهاً على أن بني آدم مفتقرون في جميع أحوالهم إلى التضرع واللجأ إلى الله حتى ينفتح عليهم أبواب التيسير في العلم والعمل.
ومعنى ﴿ عهدنا إلى آدم ﴾ أمرناه ووصيناه ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل محمد والقرآن.
وفي النسيان قولان: أحدهما أنه نقيض الذكر.
عن الحسن: والله ما عصي قط إلا بنسيان.
والثاني أن معناه الترك وعلى هذا يحتمل أن يقال: أقدم على الأكل من غير تأويل.
وأن يقال: أقدم عليه بتأويل قد مر في "البقرة".
قال أهل الإشارة: عهد إليه أن لا يعلق نوره فانقاد للشيطان وهو النسيان.
والعزم أيضاً فيه أقوال: أحدها عزماً على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمد.
وثانيها عزماً في العود إلى الذنب ثانياً.
وثالثها رأياً وصبراً أي لم يكن من أهل العزيمة والثبات إذ كان من حقه أن يتصلب في المأمور به تصلباً يؤيس الشيطان من التسويل.
قال جار الله: قوله: ﴿ ولم نجد له ﴾ يجوز أن يكون بمعنى العلم ومفعولاه ﴿ له عزماً ﴾ وأن يكون بمعنى نقيض العدم كأنه قال: وعد مثاله عزماً.
قوله: ﴿ وإذ قلنا للملائكة ﴾ سلف في "البقرة" مستقصى قوله: ﴿ إن هذا عدوّ لك ﴾ ذكروا في سبب عداوته إياه أنه كان شاباً عالماً لقوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ وإبليس كان شيخاً جاهلاً لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله، والشيخ الجاهل أبداً يكون عدوّاً للشاب العالم.
وأيضاً الماء والتراب مضادان للنار ﴿ فلا يخرجنكما ﴾ فلا يكون سبباً لإخراجكما لأن الفاعل الحقيقي هو الله ﴿ فتشقى ﴾ فتتعب في طلب القوت وسائر ما يتعيش به الإنسان أسند الشقاء إليه وحده مع اشتراكهما في الخروج لأن الرجل أصل في باب الإنفاق والكسب والمرأة تابعة له.
ثم بين ذلك الشقاء بقوله: ﴿ إن لك ألا تجوع فيها ﴾ إلى آخره.
والظمأ العطش وتقول: ضحيت للشمس بالكسر أضحى ضحاء ممدوداً إذا برزت لها.
والمراد به الكن مع أن الجنة ليس فيها شمس حتى يتصور فيها الضحاء، نفى كون هذه الأمور في الجنة ليثبت حصولها في غيرها.
ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي: الشبع والري الكسوة والكن.
وأما المنكوح فمشترك إلا أن مؤن النكاح تختص بالدنيا وأنها أيضاً ترجع إلى المذكورات.
يروى أنه كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع.
﴿ فوسوس إليه الشيطان ﴾ أنهى إليه وسوسة كما مر في "الأعراف".
بيان الوسوسة أنه ﴿ قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ﴾ أضافها إلى الخلد وهو الخلود لأن من أكل منها بزعمه كما قيل لحيزوم فرس الحياة لأنه من باشر أثره حيي ﴿ وملك لا يبلى ﴾ أي لا ينقطع ولا يزول.
قال القاضي: ليس في الظاهر أنه قيل ذلك منه لأنه لا بد أن يحصل بين حال التكليف وحال المجازاة فصل بالموت، والنبي يمتنع أن لا يعلم هذا القدر.
وأجيب بالمنع ولو سلم فلم لا يكفي الفصل بغشي أو نوح خفيف.
ولو سلم أنه لا يكفي فلم استحال أن يجهل النبي ذلك كما جهل عدم جواز الرؤية زعمكم حين قال: ﴿ أرني أنظر إليك ﴾ ومما يدل على أن آدم قبل وسوسته قوله : ﴿ فأكلا ﴾ بالفاء مشعر بالعلية كقول الصحابي: "زنى ماعز فرجم" وما في الآية قد مر تفسيره في "الأعراف" إلا قوله: ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ قال بعض الناس: إن آدم ذنبه كبيرة وإلا لم يوصف بالعصيان والغواية فإن العاصي والغاوي اسمان مذمومان عرفاً وشرعاً وقد ترتب الوعيد عليهما.
وأجيب بأن المعصية مخالفة الأمر والأمر قد يكون مندوباً.
وزيف بالمنع من أن المندوب غير مأمور به.
ثم أن مخالفة عاص وإلا كان الأنبياء كلهم عصاة لأنهم لا ينكفون عن ترك المندوب.
قالوا: يقال أشرت إليه في أمر كذا فعصاني وأمرته بشرب الدواء فعصاني.
وأجيب بالمنع من أن هذا من مستعملات العرب العاربة، ولو سلم فلعله إنما يقال ذلك إذا عرف أن المستشير لا بد له أن يفعل ذلك، وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً وإن لم يكن وجوب شرعي لأن ذلك الإيجاب لم يصدر عن الشارع.
ومنهم من زعم أنه ذنب صغير وهم عامة المعتزلة ورد بأن المعاصي إسم من يستحق العقاب وهذا لا يليق بالصغيرة.
وأجاب أبو مسلم الأصفهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف ولهذا قال ﴿ فغوى ﴾ أي خاب من نعيم الجنة لأن الرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود والغي ضده، وأنه سعى في طلب الخلود فنال ضد المقصود.
وعن بعضهم ﴿ فغوى ﴾ أي بشم من كثرة الأكل وزيفه جار الله.
ورد قول أبي مسلم بأن مصالح الدنيا تكون مباحة فلا يوصل تاركها بالعصيان.
قلت: في هذا نظر، والأحوط في هذا الباب أن يعتقد كون هذه الواقعة قبل النبوة بدليل قوله: ﴿ ثم اجتباه ربه ﴾ أي اختاره للرسالة ﴿ وهدى ﴾ لحفظ أسباب العصمة.
أصل الاجتباء هو الجمع كما مر في آخر "الأعراف".
يروى عن أبي أمامة: لو وزنت أحلام بني آدم لرجح حلمه.
وقد قال الله : ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ قال العلماء: فيه دليل على أنه لا رادَّ لقضائه وما قدره كائن لا محالة، وإذا جاء القضاء عمي البصر والدليل قد يكون غاية الظهور ومع ذلك يخفى على أعقل الناس كما خفي على آدم عداوة إبليس، وأنه تعرّض لسخط الله في شأنه حين امتنع من سجوده فكيف قبل من وسوسة ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال المحققون: الأولى أن لا يطلق لفظ العاصي والغاوي على آدم وإن ورد في القرآن ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ لأنه لم تصدر عنه الزلة إلا مرة واحدة.
وصيغة اسم الفاعل تنبىْ عن المزاولة، ولأن المسلم إذ تاب عن الشرب أو الزنا وحسنت توبته لا يقال له شارب وزان، ولأن السيد يجوز له أن يشتم عبده بما شاء وليس لغيره ذلك.
﴿ قال اهبطا ﴾ قد مر تفسير مثله في "البقرة" خاطبهما بالهبوط لأنهما أصلا البشر ثم عم الخطاب لهما ولذريتهما في قوله ﴿ فإما يأتينكم ﴾ أما قوله: ﴿ بعضكم لبعض عدوّ ﴾ فقد قال القاضي: يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس والناس أعداء لهم، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام.
عن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا قوله: ﴿ فمن ابتع هداي فلا يضل ولا يشقى ﴾ والسبب فيه أن العقاب في الآخرة لأجل أنه قد ضل عن الدين في مدة التكليف، واتباع كتاب الله يستلزم عدم الضلال عن الدين المستتبع للنجاة من العقاب في الآخرة.
وأما الشقاء الذي قد يلحق المؤمن في الدنيا فلا اعتداد به لقصر مدته على أن الرضا بالقضاء يهوّن عليه مصائب الدنيا وآفاتها.
ثم ذكر وعيد من أعرض عن ذكره ظاهر الكلام يدل على أن الذكر ههنا هو الهدى المذكور لأن قوله: ﴿ ومن أعرض عن ذكري ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ فمن اتبع هداي ﴾ .
وقد مر في أول "البقرة" أن المراد به الشريعة والبيان.
وقال كثير من المفسرين: إن الذكر هو القرآن وسائر كتب الله وفيه نوع تخصيص.
والضنك الضيق مصدر وصف به.
ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث.
يقال: منزل ضنك ومعيشة ضنك كأنه قيل: ذات ضنك.
قالت الحكماء: عيش الدنيا ضنك ضيق لانقضائه وقصر مدّته وكثرة شوائبه، وإنما العيش الواسع عيش الآخرة.
وهذا الضيق المتوعد به إما في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة مال إلى كل طائفة.
أما لأول فلأن المسلم الراضي بقضاء ربه معه من التسليم والتوكل والقناعة ما يعيش به عيشاً رافغاً.
والمعرض عن الدين متول عليه الحرص والشح فلا ينفك عن الانقباض ولطموح ما ليس يناله من الفراغ والرفاغ الكلي فلا هم له إلا هم الدنيا.
عن ابن عباس: المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها، ومن الكفرة من ضربت عليه الذلة والمسكنة.
وسئل الشبلي عن قوله : "إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية" فقال: أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله فعقوبتهم أن يردهم الله إلى أنفسهم وأيّ معيشة أضيق وأشد من أن يرد الأنسان إلى نفسه.
قلت: التحقيق أن بعض البليات من العقوبات فطلب العافية منها لازم، وبعضها لمزيد الدرجات ولكن الإنسان خلق ضعيفاً فكثيراً ما يؤل أمر المبتلي إلى الجزع والفزع فيحرم الثواب فتطلب العافية من هذا القسم أيضاً خوفاً من المآل.
وأما الثاني فعن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري ورفعه أبو هريرة إلى النبي أنه: "عذاب القبر للكافر" وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأسود بن عبد الله المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيه أضلاعه.
وأما الثالث فعن الحسن وقتادة والكلبي أنه ضيق في الآخرة وفي جهنم، وأ طعامهم فيها الضريع والزقوم والحميم والغسلين، فلا يموتون فيها ولا يحيون.
أما قوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ كقوله: ﴿ ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً ﴾ فيمن فسر الزرق بالعمى ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً ﴾ ﴿ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ﴾ قال الجبائي: أراد أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيراً كالأعمى.
وعن مجاهد والضحاك ومقاتل أنه أراد أعمى عن الحجة وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال القاضي: هذا القول ضعيف لأنه لا بد في القيامة أن يعلمهم الله بطلان ما كانوا عليه بتمييزه لهم الحق من الباطل، ومن هذه حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً باعتبار ما كان، لكن قوله: ﴿ وقد كنت بصيراً ﴾ ينافيه.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا، فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر كما في الدنيا.
قال: والتحقيق في الجواب عن الاعتراض هو أن النفوس الجاهلة في الدنيا إذا فارقت أبدانها تبقى على جهالتها في الآخرة فتصير تلك الجهالة سبباً لأعظم الآلام الروحانية.
وأقول على القاضي: يحتمل أن يكون مجازاً باعتبار الغاية.
فقد ينفي الشيء باعتبار عدم غايته وثمرته فلا ينافي كونه أعمى في الآخرة بهذا الاعتبار إعلام الله إياه الحجة، ولا كونه بصيراً في الدنيا كونه أعمى في الآخرة بالاعتبار المذكور لأن المعرض عن الدليل يشبه أن يكون كافراً معانداً، ويكون الغرض من الإعلام التوبيخ والإلزام يؤيده قوله في جوابه: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك فعلت أنت.
ثم فسر ذلك بقوله: ﴿ أتتك آياتنا ﴾ أي دلائلنا وضاحة مستنيرة ﴿ فنسيتها ﴾ أي تركت العمل بها والقيام بموجبها ﴿ وكذلك اليوم تنسى ﴾ تترك بلا فائدة النظر والاعتبار.
وعلى الإمام الرازي: إنه لا يلزم من كون المكلف غير متضرر بنسيان الدلائل في الدنيا كونه غير متضرر به في الآخرة.
وأما قوله في الجواب المحقق بناء على قاعدة الحكيم إن جهل النفس يصير سبباً لتعذيبها فإن كان منعاً لقول المعتزلة إنه يعلم المكلف بطلان ما كان عليه في الدنيا فذاك لا يفتقر إلى العدول، وإن كان تسليماً لقولهم فمن أين يتحمل الاعتراض هذا وقد رأيت في بعض الآثار أن أشد الناس عمى يوم القيامة هم الذين حفظوا القرآن ثم نسوه.
دليله قوله تعالى: ﴿ أتتك آياتنا فنسيتها ﴾ اللَّهم اجعلني ممن يواظب على تلاوة كتابك حتى لا أنساه يوم ألقاك.
﴿ وكذلك نجزي من أسرف ﴾ قيل: عصى ربه.
والأظهر أنه أراد أشرك وكفر بدليل قوله: ﴿ ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة ﴾ وهو الحشر على العمى ﴿ أشد وأبقى ﴾ من ضيق المعيشة في العاجل أو أراد، وتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه لآياتنا.
ثم وبخ المعرضين عن الدلائل بعدم الاعتبار بأحوال القرون الخالية فقال: ﴿ أفلم يهد لهم ﴾ بالفاء وفي السجدة بالواو، لأن الكلام ههنا كالمتصل بقوله: ﴿ ومن أعرض عن ذكري ﴾ وهناك كالمنفصل عن الإعراض لأنه قال: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ﴾ .
وبعد ذلك أورد قصة موسى فناسب الاستئناف بالواو، وأما حذف من ههنا وإثباته هنالك فلما مر من أن "من" تفيد الاستيعاب وهنالك قد زاد في القرون بشرح قصة بني إسرائيل وما فيهم من الملوك والأنبياء.
قال في الكشاف: فاعل: ﴿ لم يهد ﴾ الجملة بعده.
وأنكر البصريون مثل هذا لأن الجملة لا تقع فاعلاً فلهذا قال: يريد أو لم يهد لهم هذا المعنى أو مضمون هذا الكلام.
قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيناً لهم.
وقال الزجاج: أراد أَوَ لَمْ نبين لهم ما يهدون به لو تدبروا وتأملوا.
وقيل: فيه ضمير الله أو الرسول والجملة بعده تفسره يريد أن قريشاً يتقلبون في السورة.
قال بعض أهل اللغة: إن للنبيه مزية على العقل فلا يقال إلا لمن له عقل ينتهي به عن القبائح فقوله: ﴿ أولي النهى ﴾ كقوله: ﴿ أولي العزم ﴾ والحزم ومن هذا فسره بعضهم بأهل الورع والتقوى.
ثم بين الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على من كذب من هذه الأمة فقال: ﴿ ولولا كلمة ﴾ هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة كتبها في اللوح المحفوظ وأخبر بها ملائكته ورسله لأن فيهم أو في نسلهم من يؤمن، أو لمصلحة أخرى خفية.
قال أهل السنة: إنه بحكم المالكية له أن يفعل ما يشاء من غير علة.
واللزام مصدر لازم وصف به.
وقيل: فعال لما يفعل به فهو بمعنى ملزم كأنه آلة اللزوم أي ﴿ لكان ﴾ الأخذ العاجل ﴿ لزاماً وأجل مسمى ﴾ وهو عذاب الآخرة.
وقيل: يوم بدر معطوف على ﴿ كلمة ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون معطوفاً على الضمير في كان.
ولعله إنما جوز ذلك للفصل أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل.
وحين بين أنه لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أمره بالصبر على ما يقولون من التكذيب وسائر الأذيات.
زعم الكلبي ومقاتل أنها منسوخة بآية القتال وليس بذاك فإن كلاً منهما معمول بها في موضعها ﴿ وسبح بحمد ربك ﴾ أي متلبساً بحمده على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه، والأكثرون أنها بمعنى الصلاة ليكون كقوله: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ ولأنه بين أوقاتها فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة الظهر والعصر لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار ﴿ ومن آناء الليل فسبح ﴾ المغرب والعتمة.
وقوله ﴿ وأطراف النهار ﴾ أي في طرفيه فجمع للمبالغة وأمن الإلباس، أو لأن أقل الجمع اثنان.
أو أراد طرفي كل نهار تكرار لصلاتي الفجر والعصر لا المغرب على ما ظن اعتناء بشأنهما كقوله ﴿ والصلاة الوسطى ﴾ وآناء جمع "أنى" وهو الساعة وقد مر في "آل عمران".
وإنما قدم آنا الليل وأدخل الفاء في ﴿ فسبح ﴾ المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها تنبيهاً على زيادة الاهتمام بشأن صلاة الليل، لأن الليل وقت السكون والراحة وهدوّ الأصوات فالصلاة فيه أشق على النفس وأدخل في الإخلاص وأقرب من المحافظة على الخشوع والإخبات.
وبعضهم أخرج من الآية صلاة الظهر لانه خصص قبل الغروب بصلاة العصر.
ومنهم من زاد فيها النوافل لأن الصلاة في الأوقات المذكورة تشملها والأمر قد يكون للندب لا أقل من التغليب.
وقال أبو مسلم: الأقرب حمل التسبيح على التنزيه والإجلال كأنه لما أمره بالصبر على أذية القوم بعثه على الاشتغال بالتقديس والمواظبة عليه في كل الأوقات.
وقوله: ﴿ لعلك ترضى ﴾ كقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ ولا ريب أن الأطماع من الكريم واجب الوقوع اللَّهم ارزقنا شفاعته.
ولما حث رسوله على الأمور الدينية نهاه عن الميل إلى الزخارف الدنيوية فقال: ﴿ ولا تمدّن عينيك ﴾ أي نظر عينيك.
ومد النظر تطويله استحساناً للمنظور إليه، وفيه أن النظر الغير الممدود معفوّ عنه كما لو نظر فغض.
وقال أبو مسلم: المنهي عنه في الآية ليس هو التطويل وإنما هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوا من حظ الدنيا.
قال أبو رافع: نزل ضيف بالنبي فبعثني إلى يهوديّ يستقرضه فقال: لا أقرضه إلا برهن.
فقال رسول الله : "إني لأمين في السماء وإني لأمين في الأرض،أحمل إليه درعي الحديد فنزلت.
" والأزواج الأصناف.
وقيل: أي أشكالاً وأشباهاً من الكفار لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب.
وقد مر في آخر الحجر.
ولقد شدد العلماء المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وملابسهم ومراكبهم لأنهم اتخذوها.
قال جار الله: انتصب ﴿ زهرة ﴾ على الذم، أو على تضمين متعنا بمعنى خولنا وأعطينا، أو على إبداله من محل ﴿ به ﴾ أو على إبداله من ﴿ أزواجاً ﴾ والتقدير ذوي زهرة وهي الزينة والبهجة.
ومن قرأ بفتح الهاء فبمعناها أيضاً أو هي جمع زاهر كأنهم لصفاء ألوانهم وظهور آثار النعومة عليهم زاهر وهذه الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب.
وقوله: ﴿ لنفتنهم ﴾ أي لنبلوهم كقوله: ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ﴾ وقيل: لعذبهم كقوله: ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم ﴾ .
وقال الكلبي ومقاتل: لنشدد عليهم في التكليف لأن الاجتناب عن المعاصي مع القدرة يكون أشق على النفس.
﴿ ورزق ربك ﴾ هو ثواب الآخرة أو ما رزقت من الإسلام والنبوّة ﴿ خير وأبقى ﴾ وقيل: أراد به الحلال الطيب الذي يحق أن ينسب إلى ربك خير من أموالهم التي غلب عليها الغصب والسرقة وسائر وجوه الخيانة، وأبقى بركة ونماء وحسن عاقبة.
﴿ وأمر أهلك ﴾ في سورة مريم ﴿ وكان يأمر أهله بالصلاة ﴾ أي أقبل أنت مع أهلك على عبادة الله.
ومن السلف من كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله رسوله ثم يتلو هذه الآية.
وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ ﴿ ولا تمدنّ عينيك ﴾ الآية.
ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله.
وكان رسول الله بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعليّ كل صباح ويقول: "الصلاة وكان يفعل ذلك شهراً" وقوله: ﴿ واصطبر عليها ﴾ أراد أنك كما تأمرهم بها فحافظ عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أثم منه بلسان القول ﴿ لا نسألك رزقاً ﴾ كما يريد الملوك خراجاً من رعيتهم والسادة خرجاً من عبيدهم ﴿ بل نحن نرزقك ﴾ كقوله: ﴿ وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ﴾ والحاصل أنا إنما أمرناك بالصلاة فذلك لأجل انتفاعك بثوابها لا لأنا ننتفع بها.
وقيل: لا نسألك رزقاً لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك وإياهم فلا تهتم بأمر الرزق والمعيشة وفرغ بالك لأمر الآخرة وفي معناه قولهم "من كان في عمل الله كان الله في عمله".
وقال أهل الإشارة ﴿ ورزق ربك ﴾ رمز إلى قوله: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" قال عبد الله بن سلام: كان النبي إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة.
﴿ والعاقبة ﴾ أي الجميلة ﴿ للتقوى ﴾ .
ثم عاد إلى قوله: ﴿ فاصبر على ما يقولون ﴾ فحكى واحدة من شبهاتهم هي قولهم: ﴿ لولا يأتينا بآية من ربه ﴾ كأنهم لم يتعدّوا بالقرآن الذي أخرس شقاشقهم فرد الله عليهم بقوله: ﴿ أولم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى ﴾ لأن القرآن برهان سائر الكتب المنزلة لأنه معجز دونها فهو شاهد لها بالصحة وأنها من عند الله.
وقيل: أراد بالبينة ما فيها من بشارة مقدم محمد .
وعن ابن جرير أنه ما رأوا فيها من قصص الأمم المكذبة وبيان إهلاكهم بعد اقتراح الآيات وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن فلهذا وصف القرآن بكونه ﴿ بينة ما في الصحف الأولى ﴾ ثم بين الحكمة في نزول القرآن فقال: ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ﴾ أي من قبل البرهان المذكور الدال عليه البينة ﴿ لقالوا ﴾ أي في القيامة لأن الهالك لا قول له في الدنيا.
وعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: "يحتج على الله يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك وتلا قوله: ﴿ لولا أرسلت إلينا رسولاً ﴾ والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلاً أنتفع به.
ويقول الصبي: كنت صغيراً لا أعقل.
فيرفع لهم نار ويقال لهم ادخلوها فيدخلها من كان في عالم الله أنه سعيد ويتلكأ من كان في علمه أنه شقى.
فيقول الله : عسيتم اليوم فكيف برسولي لو أتاكم؟!" .
وطعن المعتزلة في هذا الخبر قالوا: لا يحسن العقاب على ما لم يفعل.
وقال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب فعل اللطف والمراد أنه يجيب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده وإلا كان لهم أن يقولوا: هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن.
وقال الكعبي: فيها أوضح دليل على أنه تعال يقبل الاحتجاج من عباده.
وليس معنى قوله: ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ أن الجور منه يكون عدلاً بل تأويله أنه لا يقع منه إلا العدل.
وإذا ثبت أنه يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة.
واستدل أهل السنة بها على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع وإلا لكان العقاب حاصلاً قبل مجيئه.
ثم ختم السورة بوعيد إجمالي فقال: ﴿ قل كل ﴾ أي كل منا ومنكم ﴿ متربص ﴾ عاقبة أمره وهذا الانتظار إما قبل الموت بسبب الأمر بالجهاد أو ظهور الدولة والغلبة، أو بالموت فإن كان واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه، وإما بعد الموت وهو ظهور أثر الثواب والعقاب وتمييز المحق المبطل ويؤديه قوله: ﴿ فستعلمون ﴾ إلى آخره وهذا من كلام المنصف وبالله المستعان.
(تم).
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .
سألوه أن يأتيهم بآية من عند ربه على رسالته ونبوته، فقال - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ ﴾ ، أي: قد أتاهم بينة على رسالته ونبوته ما في الصحف الأولى؛ لأن الكتب المتقدمة كانت بغير لسان رسول الله ، ولم يكن يعرف الكتابة بلسانه فضلا عن أن يعرف غيرها من الكتب التي كانت على غير لسانه، ثم أخبر عن الأنباء التي كانت في الكتب المتقدمة على ما كانت فيها؛ دل أنه إنما عرف تلك الأنباء والقصص التي كانت في كتبهم بالله ، فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ ﴾ أي: قد أتاهم على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ ﴾ ، أي: من قبل رسوله، ﴿ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ﴾ ، من الناس من يقول: ليس لله أن يعذبهم تعذيب إهلاك قبل أن يبعث رسولا، ويحتج بظاهر هذه الآية: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ .
وعندنا: له أن يهلكهم بعذاب قبل بعث الرسول إليهم؛ لأنه قد أقام عليهم حجة العقل ما لو تأملوا أو نظروا فيه، لعرفوا وأدركوا حق الله عليهم، فإذا كان كذلك فكان إهلاكه إياهم إهلاكاً عن بينة وحجة، لكنه بفضله ورحمته لا يهلكهم بأول آية يرسل عليهم حتى يرسل الآيات؛ إفضالا منه ومنة، وإلا كان له إهلاكهم بآية واحدة؛ فيكون قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ...
﴾ كذا، إنما ذلك لقطع ذلك القول منهم، لا أن كان لهم ذلك القول والاحتجاج بذلك؛ ولأن قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ...
﴾ كذا يخرج مخرج الامتنان به أنه لم يهلكهم قبل بعث الرسول؛ فدل أن له إهلاكهم قبل بعث الرسول؛ لما ذكرنا من إقامة حجة العقل عليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ ﴾ كانوا يتربصون هلاك رسول الله وانقلاب أمره، ورسول الله يتربص بهم عذاب الله ومواعيده فيهم.
قال الحسن: ﴿ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ ﴾ ، أي: تربصوا أنتم مواعيد الشيطان، ونحن نتربص مواعيد الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ .
قوله: ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ في الآخرة علم عيان ﴿ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ نحن أو أنتم، وفي الدنيا لو تأملوا ونظروا، لعلموا علم استدلال وإدراك من أصحاب الصراط السوي؟
قال بعضهم: ﴿ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ ﴾ : العدل.
وقال [بعضهم]: السوي: القيم.
وفي حرف ابن مسعود وأبي: (ومن اهتدى ومن على الهدى).
ولو أنَّا أهلكنا هؤلاء المكذبين بالنبي بإنزال عذاب عليهم لكفرهم وعنادهم قبل أن نرسل إليهم رسولًا، وننزل عليهم كتابًا لقالوا يوم القيامة معتذرين عن كفرهم: هلا أرسلت -ربنا- إلينا رسولًا في الدنيا، فنؤمن به ونتبع ما جاء به من آيات من قبل أن يحل بنا الهوان والخزي بسبب عذابك؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.RWd2g"