الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١٣٣ من سورة طه
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٣ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قول تعالى مخبرا عن الكفار في قولهم : ( لولا ) أي : هلا ( يأتينا ) محمد ( بآية من ربه ) أي : بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟
قال الله تعالى : ( أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ) يعني : القرآن العظيم الذي أنزله عليه الله وهو أمي ، لا يحسن الكتابة ، ولم يدارس أهل الكتاب ، وقد جاء فيه أخبار الأولين ، بما كان منهم في سالف الدهور ، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها; فإن القرآن مهيمن عليها ، يصدق الصحيح ، ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها .
وهذه الآية كقوله تعالى في سورة " العنكبوت " : ( وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ) [ العنكبوت : 50 ، 51 ] وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .
وإنما ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها ، عليه السلام ، وهو القرآن ، وله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر ، كما هو مودع في كتبه ، ومقرر في مواضعه .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى (133) يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون الذين وصف صفتهم في الآيات قبل هلا يأتينا محمد بآية من ربه، كما أتى قومه صالح بالناقة وعيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، يقول الله جلّ ثناؤه: أو لم يأتهم بيان ما في الكتب التي قبل هذا الكتاب من أنباء الأمم من قبلهم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات فكفروا بها لما أتتهم كيف عجَّلنا لهم العذاب، وأنـزلنا بأسنا بكفرهم بها، يقول: فماذا يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم حال أولئك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى ) قال: التوراة والإنجيل.
حدثنا القاسم: قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى ) الكتب التي خلت من الأمم التي يمشون في مساكنهم.
قوله تعالى : وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه يريد كفار مكة ؛ أي لولا يأتينا محمد بآية توجب العلم الضروري .
أو بآية ظاهرة كالناقة والعصا .
أو هلا يأتينا بالآيات التي نقترحها نحن كما أتى الأنبياء من قبله .قوله تعالى : أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى يريد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة ، وذلك أعظم آية إذ أخبر بما فيها .
وقرئ ( الصحف ) بالتخفيف .
وقيل أولم تأتهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه في الكتب المتقدمة من البشارة .
وقيل : أولم يأتهم إهلاكنا الأمم الذين كفروا واقترحوا الآيات ، فما يؤمنهم إن أتتهم الآيات أن يكون حالهم حال أولئك وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو ويعقوب وابن أبي إسحاق وحفص ( أولم تأتهم ) بالتاء لتأنيث البينة .
الباقون بالياء لتقدم الفعل ولأن البينة هي البيان والبرهان فردوه إلى المعنى ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم .
وحكى الكسائي أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى قال : ويجوز على هذا بينة ما في الصحف الأولى .
قال النحاس إذا نونت ( بينة ) ورفعت جعلت ما بدلا منها وإذا نصبتها فعلى الحال ؛ والمعنى أولم يأتهم ما في الصحف الأولى مبينا .
تفسير الآيات من 133 الى 135 :ـأي: قال المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم: هلا يأتينا بآية من ربه؟
يعنون آيات الاقتراح كقولهم: { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا* أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا } وهذا تعنت منهم وعناد وظلم، فإنهم، هم والرسول، بشر عبيد لله، فلا يليق منهم الاقتراح بحسب أهوائهم، وإنما الذي ينزلها ويختار منها ما يختار بحسب حكمته، هو الله.
ولأن قولهم: { لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ } يقتضي أنه لم يأتهم بآية على صدقه، ولا بينة على حقه، وهذا كذب وافتراء، فإنه أتى من المعجزات الباهرات، والآيات القاهرات، ما يحصل ببعضه المقصود، ولهذا قال: { أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ } إن كانوا صادقين في قولهم، وأنهم يطلبون الحق بدليله، { بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى } أي: هذا القرآن العظيم، المصدق لما في الصحف الأولى، من التوراة والإنجيل، والكتب السابقة المطابق لها، المخبر بما أخبرت به، وتصديقه أيضا مذكور فيها، ومبشر بالرسول بها، وهذا كقوله تعالى: { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فالآيات تنفع المؤمنين، ويزداد بها إيمانهم وإيقانهم، وأما المعرضون عنها المعارضون لها، فلا يؤمنون بها، ولا ينتفعون بها، { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ* وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ }.
قوله تعالى : ( وقالوا ) يعني المشركين ، ( لولا يأتينا بآية من ربه ) أي : الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة ، ( أولم تأتهم بينة ) قرأ أهل المدينة والبصرة وحفص عن عاصم : " تأتهم " لتأنيث البينة ، وقرأ الآخرون بالياء لتقدم الفعل ، ولأن البينة هي البيان فرد إلى المعنى ، ( بينة ما في الصحف الأولى ) أي : بيان ما فيها ، وهو القرآن أقوى دلالة وأوضح آية .
وقيل : أولم يأتهم بيان ما في الصحف الأولى : التوراة ، والإنجيل ، وغيرهما من أنباء الأمم أنهم اقترحوا الآيات ، فلما أتتهم ولم يؤمنوا بها ، كيف عجلنا لهم العذاب والهلاك ، فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك .
«وقالوا» المشركون «لولا» هلا «يأتينا» محمد «بآية من ربه» مما يقترحونه «أو لم تأتيهم» بالتاء والياء «بينة» بيان «ما في الصحف الأولى» المشتمل عليه القرآن من أنباء الأمم الماضية وإهلاكهم بتكذيب الرسل.
وقال مكذبوك - أيها الرسول -: هلا تأتينا بعلامة من ربك تدلُّ على صدقك، أولم يأتهم هذا القرآن المصدق لما في الكتب السابقة من الحق؟
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بإيراد بعض الشبهات التى أثراها المشركون حول النبى - صلى الله عليه وسلم - ورد عليها بما يبطلها فقال - تعالى - : ( وَقَالُواْ لَوْلاَ .
.
.
) .مرادهم بالآية فى قوله - سبحانه - : ( وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) معجزة حية من المعجزات التى اقترحوها عليه - صلى الله عليه وسلم - كتفجير الأنهار حول مكة ، وكرقيه إلى السماء ، وكنزول الملائكة معه .
.أى : وقال الكافرون على سبيل التعنت والعناد للرسول - صلى الله عليه وسلم - هلا أتيت لنا يا محمد بآية من الآيات التى طلبناها منك ، أو بآية من الآيات التى أتى بها الأنبياء من قبلك ، كالعصا بالنسبة لموسى ، والناقة بالنسبة لصالح .فهم - كما يقول الآلوسى - : " بلغوا من المكابرة والعناد إلى حيث لم يعدوا ما شاهدوا من المعجزات التى تخر لها صم الجبال ، من قبيل الآيات ، حتى اجترأوا على التفوه بهذه العظيمة الشنعاء .وقوله - سبحانه - : ( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ) رد على جهالاتهم وجحودهم .والمراد بالبينة القرآن الكريم الذى هو أم الآيات ، ورأس المعجزات .والمراد بالصحف الأولى : الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور .والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والاستفهام لتقرير الإتيان وثوبته .والمعنى : أجهلوا ولم يكفهم اشتمال القرآن الذى جئت به - أيها الرسول الكريم - على يان ما فى الصحف الأولى التى أنزلناها على الرسل السابقين ، ولم يكفهم ذلك فى كونه معجزة حتى طلبوا غيرها؟
.قال صاحب الكشاف : اقترحوا على عادتهم فى التعنت آية على النبوة ، فقيل لهم : أو لم تأتكم أية من أم الآيات وأعظمها فى باب الإعجاز ، يعنى القرآن ، من جهة أن القرآن برهان ما فى سائر الكتب المنزلة ، ودليل صحته لأن معجزة ، وتلك ليست بمعجزات ، فهى مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها ، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة .وقال ابن كثير : قوله : ( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ) يعنى : القرآن العظيم ، الذى أنزله الله - تعالى - عليه - صلى الله عليه وسلم - وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم فى سالف الدهور ، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها ، فإن القرآن مهيمن عليها .
.
.وهذه الآية كقوله - تعالى - : ( وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) وفى الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ما من نبى إلا وقد أوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلى ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .ومنهم من يرى أن المراد بالبينة : الكتب السماوية السابقة .فيكون المعنى : أو لم يكف هؤلاء الجاهلين أن الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل قد بشرت بك وبينت نعوتك وصفاتك ، وهم معترفون بصدقها ، فكيف لا يقرون بنبوتك .قال القرطبى : وقوله : ( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ) يريد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة ، وذلك أعظم آية إذ أخبر بها فيها .
وقيل : أو لم تأتهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه فى الكتب المتقدمة من البشارة .
.
.وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة شهادة من الله - تعالى - بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغه عنه ، ورد مبطل لشبهات الكافرين ولأقوالهم الباطلة ، وإن كان تفسير البينة هنا بالقرآن أظهر وأوضح .
اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله عليه السلام على ما يقولون، وأمره بأن يعدل إلى التسبيح أتبع ذلك بنهيه عن مد عينيه إلى ما متع به القوم فقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ وجهان: أحدهما: المراد منه نظر العين وهؤلاء قالوا: مد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده استحساناً للمنظور إليه إعجاباً به كما فعل نظارة قارون حيث قالوا: ﴿ ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارون إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ ﴾ حتى واجههم أولوا العلم والإيمان بقولهم: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صالحا ﴾ وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه وذلك كما إذا نظر الإنسان إلى شيء مرة ثم غض، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع قيل: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ أي لا تفعل ما أنت معتاد له.
ولقد شدد المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمركوب وغير ذلك لأنهم اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم وكالمقوى لهم على اتخاذها.
القول الثاني: قال أبو مسلم الذي نهى عنه بقوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ ليس هو النظر، بل هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا.
المسألة الثانية: قال أبو رافع: نزل ضيف بالنبي صلى الله عليه وسلم فبعثني إلى يهودي لبيع أو سلف، فقال: والله لا أفعل ذلك إلا برهن فأخبرته بقوله فأمرني أن أذهب بدرعه إليه فنزل قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ وقال عليه السلام: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم» وقال أبو الدرداء: الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له.
وعن الحسن: لولا حمق الناس لخربت الدنيا.
وعن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: لا تتخذوا الدنيا رباً فتتخذكم لها عبيداً، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رآى ما عند السلاطين يتلو هذه الآية، وقال الصلاة يرحمكم الله، أما قوله عز وجل: ﴿ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ ﴾ أي ألذذنا به، والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ويسمع من الأصوات المطربة ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكح، يقال أمتعه إمتاعاً ومتعه تمتيعاً والتفعيل يقتضي التكثير، أما قوله: ﴿ أزواجا مّنْهُمْ ﴾ أي أشكالاً وأشباهاً من الكفار وهي من المزاوجة بين الأشياء وهي المشاكلة، وذلك لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أصنافاً منهم، وقال الكلبي والزجاج: رجالاً منهم، أما قوله: ﴿ زَهْرَةَ الحياة الدنيا ﴾ ففي انتصابه أربعة أوجه: أحدها: على الذم وهو النصب على الاختصاص أو على تضمين متعنا معنى أعطينا وكونه مفعولاً ثانياً له أو على إبداله من محل الجار والمجرور أو على إبداله من أزواجاً على تقدير ذوي، فإن قيل: ما معنى الزهرة فيمن حرك قلنا معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة كما جاء في الجهرة.
قرئ: أرنا الله جهرة، وأن يكون جمع زاهر وصفاً لهم بأنهم زهرة هذه الدنيا لصفاء ألوانهم وتهلل وجوههم بخلاف ما عليه الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب، أما قوله: ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ فذكروا فيه وجوهاً: أحدها: لنعذبهم به كقوله: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا ﴾ .
وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إضلالاً مني لهم.
وثالثها: قال الكلبي ومقاتل تشديداً في التكليف عليهم لأن الإعراض عن الدنيا عند حضورها والإقبال إلى الله أشد من ذلك عند عدم حضورها ولذلك كان رجوع الفقراء إلى خدمة الله تعالى والتضرع إليه أكثر من تضرع الأغنياء، ولأن على من أوتي الدنيا ضروباً من التكليف لولاها لما لزمتهم تلك التكاليف ولأن القادر على المعاصي يكون الاجتناب عن المعاصي أشق عليه من العاجز الفقير، فمن هذه الجهات تكون الزيادة في الدنيا تشديداً في التكليف ثم قال لرسوله: ﴿ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وأبقى ﴾ والأظهر أن المراد أن مطلوبك الذي تجده من الثواب خير من مطلوبهم وأبقى، لأنه يدوم ولا ينقطع وليس كذلك حال ما أوتوه من مَن الدنيا، ويحتمل أن يكون المراد ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة خير لك من حيث العاقبة وأبقى، فذكر الرزق في الدنيا ووصفه بحسن عاقبته إذا رضي به وصبر عليه، ويحتمل أن يكون المراد ما أعطى من النبوة والدرجات الرفيعة، وأما قوله: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة ﴾ فمنهم من حمله على أقاربه ومنهم من حمله على كل أهل دينه، وهذا أقرب وهو كقوله: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكواة ﴾ وإن احتمل أن يكون المراد من يضمه المسكن إذ التنبيه على الصلاة والأمر بها في أوقاتها ممكن فيهم دون سائر الأمة يعنى كما أمرناك بالصلاة فامر أنت قومك بها، أما قوله: ﴿ واصطبر عَلَيْهَا ﴾ فالمراد كما تأمرهم فحافظ عليها فعلاً، فإن الوعظ بلسان الفعل أتم منه بلسان القول، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي عليهما السلام كل صباح ويقول: الصلاة وكان يفعل ذلك أشهراً، ثم بين تعالى أنه إنما يأمرهم بذلك لمنافعهم وأنه متعال عن المنافع بقوله: ﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ﴾ وفيه وجوه: أحدها: قال أبو مسلم: المعنى أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم العبادة ولا يريد منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾ .
وثانيها: ﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾ لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك ونرزق أهلك، ففرغ بالك لأمر الآخرة، وفي معناه قول الناس: من كان في عمل الله كان الله في عمله.
وثالثها: المعنى أنا لما أمرناك بالصلاة فليس ذلك لأنا ننتفع بصلاتك.
فعبر عن هذا المعنى بقوله: ﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾ بل نحن نرزقك في الدنيا بوجوه النعم وفي الآخرة بالثواب، قال عبد الله بن سلام: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية واعلم أنه ليس في الآية رخصة في ترك التكسب لأنه تعالى قال في وصف المتقين: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ﴾ ، أما قوله: والعاقبة للتقوى فالمراد والعاقبة الجميلة لأهل التقوى يعني تقوى الله تعالى، ثم إنه سبحانه بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهتهم، فكأنه من تمام قوله: ﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ ﴾ وهي قولهم: ﴿ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِئَايَةٍ مّن رَّبّهِ ﴾ أوهموا بهذا الكلام أنه يكلفهم الإيمان من غير آية، وقالوا في موضع آخر: ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأولونِ ﴾ وأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ﴾ وفيه وجوه: أحدها: أن ما في القرآن إذ وافق ما في كتبهم مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشتغل بالدراسة والتعلم وما رأى أستاذاً ألبتة كان ذلك إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً.
وثانيها: أن بينة ما في الصحف الأولى ما فيها من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنبوته وبعثته.
وثالثها: ذكر ابن جرير والقفال أن المعنى: ﴿ أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ﴾ من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات وكفروا بها كيف عاجلناهم بالعقوبة فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن، فلهذا وصف القرآن بكونه: ﴿ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ﴾ واعلم أنه إنما ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل، ثم بين أنه تعالى أزاح لهم كل عذر وعلة في التكليف، فقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ والمراد كان لهم أن يقولوا ذلك فيكون عذراً لهم، فأما الآن وقد أرسلناك وبينا على لسانك لهم ما عليهم وما لهم فلا حجة لهم ألبتة بل الحجة عليهم.
ومعنى: ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ يحتمل من قبل إرساله ويحتمل من قبل ما أظهره من البينات فإن قيل فما معنى قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم...
لَقَالُواْ ﴾ والهالك لا يصح أن يقول قلنا المعنى لكان لهم أن يقولوا ذلك يوم القيامة ولذلك قال: ﴿ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى ﴾ وذلك لا يليق إلا بعذاب الآخرة، روي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال عليه السلام: «يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك لك».
وتلا قوله: ﴿ لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلاً أنتفع به، ويقول الصبي: كنت صغيراً لا أعقل فترفع لهم نار، ويقال لهم: ادخلوها فيدخلها من كان في علم الله تعالى أنه شقي ويبقى من في علمه أنه سعيد، فيقول الله تعالى لهم: عصيتم اليوم فكيف برسلي لو أتوكم والقاضي طعن في الخبر وقال: لا يحسن العقاب على من لا يعقل، واعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الجبائي: هذه الآية تدل على وجوب فعل اللطف إذ المراد أنه يجب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده ولو لم يفعل لكان لهم أن يقولوا هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن؟
وهلا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك؟
وإن كان المعلوم أنهم لا يؤمنون ولو بعث إليهم الرسول لم يكن في ذلك حجة، فصح أنه إنما يكون حجة لهم إذا كان في المعلوم أنهم يؤمنون عنده إذا أطاعوه.
المسألة الثانية: قال الكعبي قوله: ﴿ لَولآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ أوضح دليل على أنه تعالى يقبل الاحتجاج من عباده، وأنه ليس قوله: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ كما ظنه أهل الجبر من أن ما هو جور منا يكون عدلاً منه بل تأويله: أنه لا يقع منه إلا العدل فإذا ثبت أنه تعالى يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة.
المسألة الثالثة: قال أصحابنا: الآية تدل على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع إذ لو تحقق العقاب قبل مجيء الشرع لكان العقاب حاصلاً قبل مجيء الشرع.
ثم إنه سبحانه ختم السورة بضرب من الوعيد فقال: ﴿ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبّصٌ ﴾ أي كل منا ومنكم منتظر عاقبة أمره وهذا الانتظار يحتمل أن يكون قبل الموت، إما بسبب الأمر بالجهاد أو بسبب ظهور الدولة والقوة، ويحتمل أن يكون بالموت فإن كل واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه، ويحتمل أن يكون بعد الموت وهو ظهور أمر الثواب والعقاب، فإنه يتميز في الآخرة المحق من المبطل بما يظهر على المحق من أنواع كرامة الله تعالى، وعلى المبطل من أنواع إهانته ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ عند ذلك ﴿ مَنْ أصحاب الصراط السوي وَمَنِ اهتدى ﴾ إليه وليس هو بمعنى الشك والترديد، بل هو على سبيل التهديد والزجر للكفار، والله أعلم.
اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوّة، فقيل لهم: أو لم تأتكم آية هي أمّ الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن، من قبل أنّ القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة ودليل صحته لأنه معجزة، وتلك ليست بمعجزات، فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة.
وقرئ: ﴿ الصحف ﴾ بالتخفيف.
ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ بِآيَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، أوْ بِآيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ إنْكارًا لِما جاءَ بِهِ مِنَ الآياتِ، أوْ لِلِاعْتِدادِ بِهِ تَعَنُّتًا وعِنادًا فَألْزَمَهم بِإتْيانِهِ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو أُمُّ المُعْجِزاتِ وأعْظَمُها وأبْقاها، لِأنَّ حَقِيقَةَ المُعْجِزَةِ اخْتِصاصُ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ بِنَوْعٍ مِنَ العِلْمِ أوِ العَمَلِ عَلى وجْهٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ، ولا شَكَّ أنَّ العِلْمَ أصْلُ العَمَلِ وأعْلى مِنهُ قَدْرًا وأبْقى أثَرًا فَكَذا ما كانَ مِن هَذا القَبِيلِ، ونَبَّهَهم أيْضًا عَلى وجْهٍ أبْيَنَ مِن وُجُوهِ إعْجازِ المُخْتَصَّةِ بِهَذا البابِ فَقالَ: ﴿ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، فَإنَّ اشْتِمالَها عَلى زُبْدَةِ ما فِيها مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ الكُلِّيَّةِ مَعَ أنَّ الآتِيَ بِها أُمِّيٌّ لَمْ يَرَها ولَمْ يَتَعَلَّمْ مِمَّنْ عَلِمَها إعْجازٌ بَيِّنٌ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ كَما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ بُرْهانٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُعْجِزٌ وتِلْكَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هي مُفْتَقِرَةٌ إلى ما يَشْهَدُ عَلى صِحَّتِها.
وقُرِئَ «الصُّحُفِ» بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ ﴾ بِالتّاءِ والباقُونَ بِالياءِ.
<div class="verse-tafsir"
{وقالوا} أي الكافرون {لولا يأتينا بآية مّن رَّبّهِ} هلا يأتينا محمد بآية من ربه تدل على صحة نبوته / أَوَ لَمْ يأتهم / أو لم تأتهم مدني وحفص وبصري {بَيّنَةُ مَا فِى الصحف الأولى} أي الكتب المتقدمة يعني أنهم اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة فقيل لهم أو لم أنكم آية هي أم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن من قبل أن القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة ودليل صحته لأنه معجزة وتلك ليست بمعجزات فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها
﴿ وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضِ أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي أمَرَ النَّبِيُّ بِالصَّبْرِ عَلَيْها أيْ هَلّا يَأْتِينا بِآيَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ في دَعْوى النُّبُوَّةِ أوْ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها لا عَلى التَّعْيِينِ بَلَغُوا مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ إلى حَيْثُ لَمْ يَعُدُّوا ما شاهَدُوا مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ مِن قَبِيلِ الآياتِ حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِهَذِهِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى ﴾ رَدٌّ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِمَقالَتِهِمُ القَبِيحَةِ وتَكْذِيبٌ لَهم فِيما دَسُّوا تَحْتَها مِن إنْكارِ إتْيانِ الآيَةِ بِإتْيانِ القُرْآنِ الكَرِيمِ الَّذِي هو أُمُّ الآياتِ وأُسُّ المُعْجِزاتِ وأرْفَعُها وأنْفَعُها لِأنَّ حَقِيقَةَ المُعْجِزَةِ الأمْرُ الخارِقُ لِلْعادَةِ يَظْهَرُ عَلى يَدِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ عِنْدَ التَّحَدِّي أيُّ أمْرٍ كانَ ولا رَيْبَ فِي أنَّ العِلْمَ أجْلُّ الأُمُورِ وأعْلاها إذْ هو أصْلُ الأعْمالِ ومَبْدَأُ الأفْعالِ وبِهِ تُنالُ المَراتِبُ العَلِيَّةُ والسَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ، ولَقَدْ ظَهَرَ مَعَ حِيازَتِهِ لِجَمِيعِ عُلُومِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ عَلى يَدِ مَن لَمْ يُمارِسْ شَيْئًا مِنَ العُلُومِ ولَمْ يُدارِسْ أحَدًا مِن أهْلِها أصْلًا فَأيُّ مُعْجِزَةٍ تُرادُ بَعْدَ وُرُودِهِ، وأيَّةُ آيَةٍ تُطْلَبُ بَعْدَ وُفُودِهِ، فالمُرادُ بِالبَيِّنَةِ القُرْآنُ الكَرِيمُ، والمُرادُ بِالصُّحُفِ الأُولى التَّوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وبِما فِيها العَقائِدُ الحَقَّةُ وأُصُولُ الأحْكامِ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْها كافَّةُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَعْنى كَوْنِهِ بَيِّنَةً لِذَلِكَ كَوْنُهُ شاهِدًا بِحَقِّيَّتِهِ، وفي إيرادِهِ بِهَذا العُنْوانِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ والإنارَةِ لِبُرْهانِهِ، حَيْثُ أشارَ إلى امْتِيازِهِ وغِناهُ عَمّا يَشْهَدُ بِحَقِّيَّةِ ما فِيهِ بِإعْجازِهِ، وإسْنادِ الإتْيانِ إلَيْهِ مَعَ جَعْلِهِمْ إيّاهُ مَأْتِيًّا بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أصالَتِهِ فِيهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ لِلْبَيِّنَةِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَأْتِهِمْ سائِرُ الآياتِ ولَمْ يَأْتِهِمْ خاصَّةُ بَيِّنَةِ ما في الصُّحُفِ الأُولى تَقْرِيرًا لِإتْيانِهِ وإيذانًا بِأنَّهُ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَتَأتّى مِنهم إنْكارٌ أصْلًا وإنِ اجْتَرَءُوا عَلى إنْكارِ سائِرِ الآياتِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وتَفْسِيرُ الآيَةِ بِما ذُكِرَ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ.
وزَعَمَ الإمامُ والطَّبَرَسِيُّ أنَّ المَعْنى أوَلَمْ يَأْتِهِمْ في القُرْآنِ بَيانُ ما في الكُتُبِ الأُولى مِن أنْباءِ الأُمَمِ الَّتِي أهْلَكْناهم لَمّا اقْتَرَحُوا الآياتِ ثُمَّ كَفَرُوا بِها، فَماذا يُؤَمِّنُهم أنْ يَكُونَ حالُهم في سُؤالِ الآيَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿ لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ ﴾ كَحالِ أُولَئِكَ الهالِكِينَ ا هـ.
وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ القَبُولِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي العُقُولِ.
وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مَناذِرَ وخَلَفٌ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ عِيسى وابْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ ( يِأْتِهِمْ ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ لِمَجازِ تَأْنِيثِ الآيَةِ والفَصْلِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو زَيْدٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( بَيِّنَةٌ ) بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّ ما بَدَلٌ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ نافِيَةً عَلى أنْ يُرادَ بِالآتِي ما في القُرْآنِ مِنَ النّاسِخِ والفَضْلِ مِمّا لَمْ يَكُنْ في غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ وهو كَما تَرى.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِنَصْبِ ( بَيِّنَةً ) والتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ حالٌ، وما فاعِلٌ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ( الصُّحْفِ ) بِإسْكانِ الحاءِ لِلتَّخْفِيفِ، <div class="verse-tafsir"
وقال عز وجل: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، يعني: قومك وأهلك وأهل بيتك بالصلاة.
وَاصْطَبِرْ عَلَيْها، يعني: اصبر على ما أصابك فيها من الشدة.
روى عبد الرزاق، عن معمر، عن رجل أن النبي كان إذا دخل عليه نقص في الرزق، أي: الضّيق في الرزق، أمر أهله بالصلاة.
ثم قرأ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها.
لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً يعني: لخلقنا ولا أن ترزق نفسك إنما نسألك العبادة.
نَحْنُ نَرْزُقُكَ في الدنيا ما دمت حيا فيها.
وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى، يعني: الجنة للمتقين.
وَقالُوا، يعني الكفار: لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، يعني: هلا يأتينا محمد بعلامة لنبوته؟
قال الله تعالى: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ، يعني: بيان مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى، يعني: ما في التوراة والإنجيل حتى يجدوا نعته فيه؟
وهذا كقوله عز وجل: فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: 94] .
ثم قال عز وجل: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ، يقول: لو أن أهل مكة أهلكناهم قبل محمد والقرآن، لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى، يعني: من قبل أن نعذب.
ثم قال عز وجل: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ، يعني: منتظر لهلاك صاحبه، أنا وأنتم.
وقال مقاتل: كان كفار مكة قد قالوا: نتربص بمحمد رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور: 30] ، يعنون: الموت، ووعدهم النبيّ العذاب، فأنزل الله تعالى: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ، يعني: أنتم متربصون بمحمد الموت، ومحمد متربص بكم العذاب، فأنزل الله تعالى: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا، يقول: انتظروا، فَسَتَعْلَمُونَ إذا نزل بكم العذاب، مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ، يعني: العدل وَمَنِ اهْتَدى منا ومنكم.
قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بالتاء، لأن لفظ البينة مؤنث، والباقون أَوَلَمْ يَأْتِهِمْ بالياء، لأن معناه البيان.
والله سبحانه وتعالى أعلم، وصل الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
وَيَخْدِشْنَهُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، ويُحْشَرُ مِنْ قَبْرِهِ إلى مَوْقِفِهِ أعمى» «١» .
انتهى من «التذكرة» فَإنْ صَحَّ هذا الحديث، فلا نظرَ لأحد معه، وإن لم يصحَّ، فالصوابُ حملُ الآية على عُمُومها والله أعلم.
قال الثَّعْلَبِيُّ: قال ابن عباس: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى قال: أَجار اللهُ تعالى تابعَ القرآن من أن يضل في الدنيا، أو يشقى في الآخرة «٢» .
وفي لفظ آخر: «ضمن اللهُ تعالى لمن قرأَ القرآن ...
» الحديث، وعنه: مَنْ قرأَ القرآن واتَّبع ما فيه، هَدَاهُ الله تعالى مِنَ الضَّلاَلَةِ ووقاه اللهُ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ سُوءَ الحِسَابِ.
انتهى.
وقولُه سبحانه: «ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أعمى» قالت فرقةٌ: وهو عَمَى البَصَر، وهذا هو الأوْجه، وأما عمى البَصِيرة، فهو حاصل للكافر.
وقوله سبحانه: كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها النسيان هنا: هو التركُ، ولا مَدْخَلَ للذهول في هذا الموضع، وتُنْسى أيضا بمعنى: تترك في العذاب.
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)
وقوله سبحانه: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ المعنى: أفلم «٣» يبين لهم.
وقرأت «١» فرقةٌ: «نَهْدِ» بالنون، والمراد بالقرونِ المهلَكِين: عَادٌ، وثَمُودٌ، والطَّوائِفُ التي كانت قريشٌ تجوزُ على بلادهم في المرور إلى الشام وغيره، ثم أعلم سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلّم أن العذابَ كان يصير لهم لِزَاماً لولا كلمة سبقَتْ من الله تعالى في تَأْخيره عنهم إلى أجلٍ مُسَمًّى عنده، فتقدير الكلام.
ولولاَ كلمةٌ سبقت في التَّأْخِير، وأجلٍ مسمى، لكَانَ العذابُ لِزَاماً كما تقولُ لَكَانَ حَتْماً، أو واقعاً، لكنّه قدم وأَخّر لتشابه رُؤُوس الآي.
واختُلِف في الأجل المسمى: هل هو يوم القيامة، أو موت كل واحد منهم، أو يوم بدْرٍ؟
وفي «صحيح البخاري» : «٢» أن يوم بَدْرٍ هو: اللزام، وهو: البَطْشَةُ الكبرى، يعني:
وقع في البخاري من تفسير ابن مسعود، وليس هو من تفسير النبي صلى الله عليه وسلّم.
قال ص: ولِزاماً: إمَّا مصدرٌ، وإمَّا بمعنى ملزم، وأجاز أبو البقاء: أنْ يكون جمع لاَزِم، كَقَائِمٍ وقيام.
انتهى.
ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلّم بالصّبْر على أقوالهم: إنه ساحرٌ، إنه كاهن، إنه كاذب «٣» إلَى غير ذلك.
وقوله سبحانه: / وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ...
الآية، قال أكثرُ المفسرين: هذه إشارة ١٤ ب إلى الصلوات الخمس فقبل طلوع الشمس صلاةُ الصبح، وقبل غُرُوْبَها صَلاةُ العَصْر، ومن آناءِ الليل العِشَاءُ، وأطرافُ النهار المغرِبُ والظهر.
[قال ابن العربي «٤» : والصحيحُ أنَّ المغربَ من طَرَفِ الليل، لاَ مِنْ طرف النَّهَارِ.
انتهى من «الأحكام» ] «٥» .
وقالت فرقةٌ: آناء الليل: المغرب والعشاء، وأطراف النهار: الظهر وحدها، ويحتمل اللفظ أن يراد به قول: سبحان الله وبحمده.
وقالت فرقةٌ: في الآية: إشارةٌ إلى نوافل، فمنها آناء الليل، ومنها قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر.
ت: ويتعذر على هذا التأويل قولُه: وَقَبْلَ غُرُوبِها إذْ لَيْس ذلك الوقْتُ وقْتَ نفل «١» ، على ما علم إلاَّ أنَّ يتأول ما قبل الغروب بما قبل صلاة العصر وفيه بعد.
قال ص: بِحَمْدِ رَبِّكَ في موضع الحال، أي: وأنت حامدٌ.
انتهى.
وقرأ الجمهور «٢» : لَعَلَّكَ تَرْضى بِفَتْح التاء، أي: لعلك تُثَابُ على هذه الأعمال بما ترضى به.
قال ابنُ العربي في «أحكامه» «٣» : وهذه الآية تُماثِلُ قولَهُ تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥] .
وعنه صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ فإنِ استطعتم أَلاَّ تُغْلَبُوا «٤» على صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَعْنِي: الصُّبْحَ، وقَبْلَ غُرُوبَهِا فافعلوا» «٥» .
وفي الحديث الصحيح أيضاً: «منْ صَلَّى البَرْدَيْنِ، دَخَلَ الجَنَّةَ» «٦» .
انتهى.
وقرأَ الكسائي، وأبو بكر عن عاصم «٧» : «ترضى» أي: لعلك تُعْطى ما يرضيك، ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلّم: بالاحتقار لشأن الكفرة، والإعراض عن أموالهم، وما في أيْديهم من الدنيا إذ ذلك مُنْحَسِرٌ عنهم صائر إلى خِزْي، والأزواج: الأنواع، فكأنه قال: إلَى ما متعنا به أقواماً منهم، وأصنافا.
وقوله: زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا شبَّه سبحانه نِعَم هؤلاء الكفار بالزهر، وهو ما اصفر من النّوْر، وقيل: الزهر: النورُ جملةً لأن الزهر له منظر، ثم يضمحل عن قرب، فكذلك مآل هؤلاء، ثم أخبر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلّم: أن ذلك إنما هو ليختبرهم به، ويجعله فِتْنةً لهم وأمراً يجازون عليه أسوأ الجزَاءِ لفساد تقلبهم فيه.
ص: وزَهْرَةَ: منصوبٌ على الذمِّ، أو مفعولٌ ثانٍ ل: مَتَّعْنا مضمن معنى أعطينا.
اهـ.
ورزق الله تعالى الذي أحله للمتقين من عباده، خير وأبقى، أيْ: رزق الدنيا خيرٌ ورزق الآخرة أبقى، وبين أنه خير من رزق الدنيا، ثم أمره سبحانه وتعالى بأن يأمر أهله بالصلاة، ويمتثلها معهم ويَصْطَبِر عليها ويلازمها، وتكفَّل هو تعالى برزْقِهِ لا إله إلاَّ هو، وأخبره أن العَاقِبَةَ للمتقِينَ بنصره في الدنيا، ورحمته في الآخرة، وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلّم ويدخل في عُمُوْمِهِ: جميعُ أمته.
ورُوِيَ: أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه كان إذا رأى شيئاً من أخبار السلاطين وأحوالهم، بادر إلَى منزله، فدخله وهو يقول: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ...
الآية إلى قوله وَأَبْقى ثم يُنَادِي: الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ رَحِمَكُمُ اللهُ، ويصلي «١» .
وكان عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ رضي الله عنه يوقِظُ أهل داره لصلاة اللّيل ويصلّي هو ويتمثّل بالآية «٢» .
قال الداوديّ: وعن عَبْدِ اللهُ بْنِ سَلاَمٍ، قال: «كان النبيّ صلى الله عليه وسلّم إذا نزل بأهله ضِيقٌ أوْ شِدَّةٌ أمرهم بالصَّلاَةِ، ثم قرأَ: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ إلى قوله لِلتَّقْوى «٣» .
انتهى.
قال ابن عطاء اللَّه في «التنوير» : واعلم أنَّ هذه الآية علمت أهل الفَهْم عن اللَّه تعالى كَيْفَ يطلبون/ رزقَهُم، فإذَا توقفت عليهم أسباب المعيشة، أكثروا من الخدمة والموافقة، ١٥ أوقرعوا بابَ الرِّزْقِ بمعاملة الرزَّاق- جل وعلا- ثم قال: وسمعت شيخنا أبا العبّاس
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ لَوْلا ﴾ ؛ أيْ: هَلّا يَأْتِينا مُحَمَّدٌ ﴿ بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ ؛ أيْ: كَآياتِ الأنْبِياءِ، نَحْوَ النّاقَةِ والعَصا.
﴿ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَأْتِهِمْ ) بِالتّاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَأْتِهِمْ ) بِالياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى ﴾ ؛ أيْ: أوَلَمْ يَأْتِهِمْ في القُرْآنِ بَيانُ ما في الكُتُبِ مِن أخْبارِ الأُمَمِ الَّتِي أهْلَكْناها لَمّا سَألُوا الآياتِ ثُمَّ كَفَرُوا بِها، فَما يُؤَمِّنُهم أنْ تَكُونَ حالُهم في سُؤالِ الآياتِ كَحالِ أُولَئِكَ ؟
﴿ وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿ بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ ﴾ في الهاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكُتّابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: إلى الرَّسُولِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقالُوا ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ رَبَّنا لَوْلا ﴾ ؛ أيْ: هَلّا، ﴿ أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا ﴾ يَدْعُونا إلى طاعَتِكَ، ﴿ فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ﴾ ؛ أيْ: نَعْمَلُ بِمُقْتَضاها، ﴿ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ﴾ بِالعَذابِ، ﴿ وَنَخْزى ﴾ في جَهَنَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: ( نُذُلُّ ونُخْزى ) بِرَفْعِ النُّونِ فِيهِما وفَتْحِ الذّالِ.
﴿ قُلْ ﴾ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿ كُلٌّ ﴾ مِنّا ومِنكم ﴿ مُتَرَبِّصٌ ﴾ ؛ أيْ: نَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمُ العَذابَ في الدُّنْيا، وأنْتُمْ تَتَرَبَّصُونَ بِنا الدَّوائِرَ، ﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ ؛ أيْ: فانْتَظِرُوا، ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ إذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ، ﴿ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ﴾ ؛ أيِ: الدِّينِ المُسْتَقِيمِ، ﴿ وَمَنِ اهْتَدى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، أنْحَنِ أمْ أنْتُمْ ؟
وقِيلَ: هَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ ﴿ وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ﴾ ﴿ وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُحُفِ الأُولى ﴾ قالَ بَعْضُ الناسِ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَبَعَثَ إلى يَهُودِيٍّ لِيُسْلِفَهُ شَعِيرًا، فَأبى اليَهُودِيُّ إلّا بِرَهْنٍ، فَبَلَّغَ الرَسُولُ ذَلِكَ النَبِيَّ فَقالَ: «واللهِ إنِّي لِأمِينٌ في السَماءِ وأمِينٌ في الأرْضِ»، فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُعْتَرَضٌ أنْ يَكُونَ سَبَبًا؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ والقِصَّةَ المَذْكُورَةَ مَدَنِيَّةٌ في آخِرِ عُمْرِ النَبِيِّ ، لِأنَّهُ ماتَ ودِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ بِهَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، وإنَّما الظاهِرُ أنَّ الآيَةَ مُتَناسِقَةٌ مَعَ ما قَبْلَها، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى وبَّخَهم عَلى تَرْكِ الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ السابِقَةِ، ثُمْ تَوَعَّدَهم بِالعَذابِ المُؤَجَّلِ، ثُمْ أمَرَ نَبِيَّهُ بِالِاحْتِقارِ لِشَأْنِهِمْ والصَبْرِ عَلى أقْوالِهِمْ والإعْراضِ عن أمْوالِهِمْ وما في أيْدِيهِمْ مِنَ الدُنْيا؛ إذْ ذَلِكَ مُنْصَرِمْ عنهُمْ، صائِرٌ بِهِمْ إلى خِزْيٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ أبْلَغُ مِن "وَلا تَنْظُرُ"، لِأنَّ الَّذِي يَمُدُّ بَصَرَهُ إنَّما يَحْمِلُهُ عَلى ذَلِكَ حِرْصٌ مُقْتَرِنٌ، والَّذِي يَنْظُرُ قَدْ لا يَكُونُ ذَلِكَ مَعَهُ، و"الأزْواجُ": الأنْواعُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أقْوامًا مِنهم وأصْنافًا، وقَوْلُهُ: ﴿ زَهْرَةَ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ شَبَّهَ نِعَمَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِالزَهْرِ، وهو ما اصْفَرَّ مِنَ النُورِ، وقِيلَ: الزَهْرُ: النُورُ جُمْلَةٌ؛ لِأنَّ الزَهْرَ لَهُ مَنظَرٌ ثُمْ يَضْمَحِلُّ، فَكَذَلِكَ حالُ هَؤُلاءِ، ونَصْبُ "زَهْرَةَ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: جَعَلْناهُ زَهْرَةً، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الحالِ، وذَلِكَ أنَّ تَعْرِيفَها لَيْسَ بِمَحْضٍ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "زَهْرَةً" بِالتَنْوِينِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "زَهْرَةَ" بِالهاءِ مُسَكَّنَةً، وفِرْقَةٌ: "زَهَرَةَ" بِفَتْحِ الهاءِ.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِيَخْتَبِرَهم بِهِ، ويَجْعَلَهُ فِتْنَةً لَهم وأمْرًا يُجازَوْنَ عَلَيْهِ بِالسُوءِ لِفَسادِ تَقَلُّبِهِمْ فِيهِ، ورِزْقُ اللهِ تَعالى الَّذِي أحَلَّهُ لِلْمُتَّقِينَ مِن عِبادِهِ خَيْرٌ وأبْقى، أيْ: ورِزْقُ الدُنْيا خَيْرٌ، ورِزْقُ الآخِرَةِ أبْقى، وبَيَّنَ أنَّهُ خَيْرٌ مِن رِزْقِ الدُنْيا.
ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِأنْ يَأْمُرَ أهْلَهُ بِالصَلاةِ ويَمْتَثِلَها مَعَهم ويَصْطَبِرَ عَلَيْها ويُلازِمَها، وتَكَفَّلَ هو بِرِزْقِهِ، لا إلَهَ إلّا هُوَ، وأخْبَرَهُ أنَّ العاقِبَةَ لِأُولى التَقْوى وفي حَيِّزِها، فَثَمَّ نَصْرُ اللهِ في الدُنْيا ورَحْمَتُهُ في الآخِرَةِ، وهَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ، ويَدْخُلُ في عُمُومِهِ جَمِيعُ أُمَّتِهِ، ورُوِيَ أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ إذا رَأى شَيْئًا مِن أخْبارِ السَلاطِينِ وأحْوالِهِمْ بادَرَ إلى مَنزِلِهِ فَدَخَلَهُ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ ، ثُمْ يُنادِي: الصَلاةَ الصَلاةَ يَرْحَمُكُمُ اللهُ، ويُصَلِّي، وكانَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُوقِظُ أهْلَ دارِهِ لِصَلاةِ اللَيْلِ ويُصَلِّي ويَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَحْنُ نَرْزُقُكَ" بِضَمِّ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَحْنُ نَرْزُقْكَ" بِسُكُونِها.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن طَوائِفَ مِنَ الكُفّارِ قالُوا عن مُحَمَّدٍ : ﴿ لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ مِمّا اقْتَرَحْناها عَلَيْهِ، أو بِما يُبْهِرُ ويَضْطَرُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُسُلُ اللهِ تَعالى إنَّما اقْتَرَنَتْ مَعَهم آياتٌ مُعَرَّضَةٌ لِلنَّظَرِ، مَحْفُوفَةٌ بِالبَراهِينِ العَقْلِيَّةِ، لِيَضِلَّ مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ ضَلالُهُ، ويَهْتَدِي مَن سَبَقَ في هُداهُ، فَوَبَّخَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُحُفِ الأُولى ﴾ يَعْنِي التَوْراةَ، أعْظَمَ شاهِدٍ وأكْبَرَ آيَةٍ لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "تَأْتِهِمْ" عَلى لَفْظَةٍ "بَيِّنَةٍ"، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "يَأْتِهِمْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيِّنَةُ ما في الصُحُفِ" بِالإضافَةِ إلى "ما"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيِّنَةٌ" بِالتَنْوِينِ، و"ما" بَدَلٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيِّنَةَ ما" بِالنَصْبِ، و"ما" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - فاعِلَةٌ بِـ "تَأْتِي"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي الصُحُفِ" بِضَمِّ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فِي الصُحْفِ" بِسُكُونِها.
<div class="verse-tafsir"
رجوع إلى التنويه بشأن القرآن، وبأنه أعظم المعجزات.
وهو الغرض الذي انتقل منه إلى أغراض مناسبة من قوله ﴿ وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً ﴾ [طه: 113].
والمناسبة في الانتقال هو ما تضمنه قوله ﴿ فاصبر على ما يقولون ﴾ [طه: 130] فجيء هنا بشِنَع من أقوالهم التي أمر الله رسوله بأن يصبر عليها في قوله ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ﴾ [الأنبياء: 5].
ولولا حرف تحضيض.
وجملة ﴿ أو لَمْ تأْتِهِم بيِّنَةُ ما في الصُّحففِ الأُولى ﴾ في موضع الحال، والواو للحال، أي قالوا ذلك في حال أنّهم أتتهم بيّنة ما في الصحف الأولى.
فالاستفهام إنكاري، أنكر به نفي إتيان آية لهم الذي اقتضاه تحضيضهم على الإتيان بآية.
والبيّنة: الحجة.
و ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ [الأعلى: 18 19].
والصحف: جمع صحيفة.
وهي قطعة من ورَق أو كاغَدَ أو خرقة يكتب فيها.
ولما كان الكتاب مجموع صحف أطلق الصحف على الكتب.
ووجه اختيار {الصحف هنا على الكُتب أن في كلّ صحيفة من الكتب علماً، وأن جميعه حَواه القرآن، فكان كلّ جزء من القرآن آية ودليلاً.
وهذه البيّنة هي محمد وكتابُه القرآن، لأنّ الرسول موعود به في الكتب السالفة، ولأنّ في القرآن تصديقاً لما في تلك الكتب من أخبار الأنبياء ومن المواعظ وأصول التشريع.
وقد جاء به رسول أميّ ليس من أهل الكتاب ولا نشأ في قوم أهل علم ومزاولة للتاريخ مع مجيئه بما هو أوضح من فلق الصبح من أخبارهم التي لم يستطع أهل الكتاب إنكارها، قال تعالى: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ﴾ [البقرة: 146]، وكانوا لا يحققون كثيراً منها بما طرأ عليهم من التفرق وتلاشي أصول كتبهم وإعادة كتابة كثير منها بالمعنى على حسب تأويلات سقيمة.
وأما القرآن فما حواه من دلائل الصدق والرشاد، وما امتاز به عن سائر الكتب من البلاغة والفصاحة البالغتين حد الإعجاز، وهو ما قامت به الحجّة على العرب مباشرة وعلى غيرهم استدلالاً.
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البيّنة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة ﴾ [البينة: 12].
وقرأ نافع، وحفص، وابن جماز عن أبي جعفر {تأتِهم بتاء المضارع للمؤنث.
وقرأه الباقون بتحتية المذكر لأنّ تأنيث بيّنة غير حقيقي، وأصل الإسناد التذكير لأنّ التذكير ليس علامة ولكنه الأصل في الكلام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ ﴾ أيْ مُنْتَظِرٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ عَلى صاحِبِهِ.
الثّانِي: ظُهُورُ الحَقِّ في عَمَلِهِ.
﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ.
﴿ فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَسَتَعْلَمُونَ بِالنَّصْرِ مَن أهْدى إلى دِينِ الحَقِّ.
الثّانِي: فَسَتَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مَن أهْدى إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
.
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ﴾ قال: التوراة والإنجيل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية قال: الهالك في الفترة والمعتوه والمولود يقول: رب لم يأتني كتاب ولا رسول.
وقرأ هذه الآية ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ أصحاب الصراط السوي ﴾ قال: العدل.
قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا ﴾ يعني المشركين ﴿ لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾ هلا يأتينا محمد بآية من ربه كما أتى بها الأنبياء نحو الناقة والعصا (١) (٢) قال الله: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴾ يعني: أو لم تأتيهم بالقرآن ببيان ما في التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة، وذلك أعظم آية إذ أخبر أُمِّي بما فيها من غير قراءة كتاب على ما تصدقه أهل الكتب.
هذا معنى قول الكلبي وغيره (٣) وفيه قول آخر وهو: (أن المعنى أولم تأتهم ببيان ما في الكتب من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات ثم كفروا بها فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآية كحال أولئك، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن) (٤) ﴿ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴾ ما تقدم من البشارة بمحمد - - في الكتب المتقدمة وبيان نعته وصفته) (٥) (١) "جامع البيان" 16/ 237، "زاد المسير" 5/ 336، "الجامع لأحكام القرآن" == 11/ 264، "فتح القدير" 3/ 564، ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة هود: ﴿ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ .
وقوله سبحانه في سورة الشعراء: ﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ﴾ .
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 381.
(٣) "الكشف والبيان" 3/ 27، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 195، "التفسير الكبير" 22/ 137.
(٤) "جامع البيان" 16/ 237، "معالم التنزيل" 5/ 304، "زاد المسير" 5/ 336، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 264.
(٥) "بحر العلوم" 2/ 359، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 264، "التفسير الكبير" 22/ 137.
كما قال سبحانه في سورة الصف الآية رقم (6): ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾ أي لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك فتفرغ أنت وأهلك للصلاة فنحن نرزقك، وكان بعض السلف إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمركم الله، ويتلو هذه الآية: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ﴾ البينة هنا البرهان، والصحف الأولى هي التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله بهذا الجواب، والمعنى قد جاءكم برهان ما في التوراة والإنجيل من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، فلأي شيء تطلبون آية أخرى، ويحتمل أن يكون المعنى: قد جاءكم القرآن وفيه من العلوم والقصص ما في الصحف الأولى، فذلك بينة وبرهان على أنه من عند الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وإنك ﴾ بالكسر: أبو بكر وحماد والخراز ونافع.
الباقون بالفتح عطفاً على ﴿ أن لا تجوع ﴾ ولا يلزم منه دخول "إن" المكسورة على المفتوحة للفصل بالخبر، ولأنه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه ﴿ أعمى ﴾ بالإمالة.
حمزة وعلي وخلف ﴿ حشرتني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
﴿ ترضى ﴾ مبيناً للمفعول: علي وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ زهرة ﴾ بفتح الهاء: قتيبة وسهل ويعقوب.
الآخرون بسكونها.
وقرأ حمزة وعلي وخلف هذه السورة وكل سورة آياتها على الياء بالإمالة المفرطة وإن شاء بين الفتح والكسر.
الوقوف: ﴿ عزماً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أبى ﴾ ه ﴿ فتشقى ﴾ ه ﴿ ولا تعرى ﴾ ه، لمن قرأ ﴿ وإنك ﴾ بالكسر ﴿ ولا تضحى ﴾ ه ﴿ لا يبلى ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ز لنوع عدول عن ذكر حال اثنين إلى بيان فعل من هو المقصود ﴿ فغوى ﴾ ه ص ﴿ وهدى ﴾ ه ﴿ عدوّ ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء ﴿ ولا يشقى ﴾ ، ه ﴿ يوم القيامة أعمى ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ فنسيتها ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ تنسى ﴾ ه ﴿ يآت ربه ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ النهي ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ه ط ﴿ غروبها ﴾ ج لعطف الجملتين مع اختلاف النظم ﴿ يرضى ﴾ ه ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ نرزقك ﴾ ط ﴿ للتقوى ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ الأولى ﴾ ه ﴿ ونخزى ﴾ ه ﴿ فتربصوا ﴾ ج لسين التهديد مع الفاء ﴿ اهتدى ﴾ ه.
التفسير: في تعلق قصة آدم بما قبلها وجوه منها: أنه لما قال: ﴿ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ﴾ ثم عظم شأن القرآن وبالغ فيه ذكر القصة إنجازاً للوعد.
ومنها أنه لما قال: ﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ أردفه بهذه القصة ليعلم أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم وخلة موروثة، وذلك أنه عهد إلى آدم من قبل هؤلاء الذين صرف لأجلهم الوعيد فنسي وترك العهد.
ومنها أن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ دليل على أنه زاد على قدر الواجب في رعاية أمر الدين وكان مفرطاً في أداء الرسالة وحفظ ما أمر به فناسب أن يعطف عليه قصة آدم لأنه كان موسوماً بالتفريط والإفراط والتفريط كلاهما من باب ترك الأولى، وإذا كان أوّل الأنبياء وخاتمهم موصوفين بما فيه نوع تقصير فما ظنك بغيرهما!
ومن هنا يعرف أفضلية الخاتم فإنه سعى في طلب الكمال إلى أن عوتب بالخروج عن حد الاعتدال، وآدم توسط في حيز النقصان فلا جرم وسم بالظلم والعصيان.
ومنها أن محمداً أمر بأن يقول ﴿ رب زدني علماً ﴾ ثم ذكر عقيبه قصة آدم تنبيهاً على أن بني آدم مفتقرون في جميع أحوالهم إلى التضرع واللجأ إلى الله حتى ينفتح عليهم أبواب التيسير في العلم والعمل.
ومعنى ﴿ عهدنا إلى آدم ﴾ أمرناه ووصيناه ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل محمد والقرآن.
وفي النسيان قولان: أحدهما أنه نقيض الذكر.
عن الحسن: والله ما عصي قط إلا بنسيان.
والثاني أن معناه الترك وعلى هذا يحتمل أن يقال: أقدم على الأكل من غير تأويل.
وأن يقال: أقدم عليه بتأويل قد مر في "البقرة".
قال أهل الإشارة: عهد إليه أن لا يعلق نوره فانقاد للشيطان وهو النسيان.
والعزم أيضاً فيه أقوال: أحدها عزماً على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمد.
وثانيها عزماً في العود إلى الذنب ثانياً.
وثالثها رأياً وصبراً أي لم يكن من أهل العزيمة والثبات إذ كان من حقه أن يتصلب في المأمور به تصلباً يؤيس الشيطان من التسويل.
قال جار الله: قوله: ﴿ ولم نجد له ﴾ يجوز أن يكون بمعنى العلم ومفعولاه ﴿ له عزماً ﴾ وأن يكون بمعنى نقيض العدم كأنه قال: وعد مثاله عزماً.
قوله: ﴿ وإذ قلنا للملائكة ﴾ سلف في "البقرة" مستقصى قوله: ﴿ إن هذا عدوّ لك ﴾ ذكروا في سبب عداوته إياه أنه كان شاباً عالماً لقوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ وإبليس كان شيخاً جاهلاً لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله، والشيخ الجاهل أبداً يكون عدوّاً للشاب العالم.
وأيضاً الماء والتراب مضادان للنار ﴿ فلا يخرجنكما ﴾ فلا يكون سبباً لإخراجكما لأن الفاعل الحقيقي هو الله ﴿ فتشقى ﴾ فتتعب في طلب القوت وسائر ما يتعيش به الإنسان أسند الشقاء إليه وحده مع اشتراكهما في الخروج لأن الرجل أصل في باب الإنفاق والكسب والمرأة تابعة له.
ثم بين ذلك الشقاء بقوله: ﴿ إن لك ألا تجوع فيها ﴾ إلى آخره.
والظمأ العطش وتقول: ضحيت للشمس بالكسر أضحى ضحاء ممدوداً إذا برزت لها.
والمراد به الكن مع أن الجنة ليس فيها شمس حتى يتصور فيها الضحاء، نفى كون هذه الأمور في الجنة ليثبت حصولها في غيرها.
ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي: الشبع والري الكسوة والكن.
وأما المنكوح فمشترك إلا أن مؤن النكاح تختص بالدنيا وأنها أيضاً ترجع إلى المذكورات.
يروى أنه كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع.
﴿ فوسوس إليه الشيطان ﴾ أنهى إليه وسوسة كما مر في "الأعراف".
بيان الوسوسة أنه ﴿ قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ﴾ أضافها إلى الخلد وهو الخلود لأن من أكل منها بزعمه كما قيل لحيزوم فرس الحياة لأنه من باشر أثره حيي ﴿ وملك لا يبلى ﴾ أي لا ينقطع ولا يزول.
قال القاضي: ليس في الظاهر أنه قيل ذلك منه لأنه لا بد أن يحصل بين حال التكليف وحال المجازاة فصل بالموت، والنبي يمتنع أن لا يعلم هذا القدر.
وأجيب بالمنع ولو سلم فلم لا يكفي الفصل بغشي أو نوح خفيف.
ولو سلم أنه لا يكفي فلم استحال أن يجهل النبي ذلك كما جهل عدم جواز الرؤية زعمكم حين قال: ﴿ أرني أنظر إليك ﴾ ومما يدل على أن آدم قبل وسوسته قوله : ﴿ فأكلا ﴾ بالفاء مشعر بالعلية كقول الصحابي: "زنى ماعز فرجم" وما في الآية قد مر تفسيره في "الأعراف" إلا قوله: ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ قال بعض الناس: إن آدم ذنبه كبيرة وإلا لم يوصف بالعصيان والغواية فإن العاصي والغاوي اسمان مذمومان عرفاً وشرعاً وقد ترتب الوعيد عليهما.
وأجيب بأن المعصية مخالفة الأمر والأمر قد يكون مندوباً.
وزيف بالمنع من أن المندوب غير مأمور به.
ثم أن مخالفة عاص وإلا كان الأنبياء كلهم عصاة لأنهم لا ينكفون عن ترك المندوب.
قالوا: يقال أشرت إليه في أمر كذا فعصاني وأمرته بشرب الدواء فعصاني.
وأجيب بالمنع من أن هذا من مستعملات العرب العاربة، ولو سلم فلعله إنما يقال ذلك إذا عرف أن المستشير لا بد له أن يفعل ذلك، وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً وإن لم يكن وجوب شرعي لأن ذلك الإيجاب لم يصدر عن الشارع.
ومنهم من زعم أنه ذنب صغير وهم عامة المعتزلة ورد بأن المعاصي إسم من يستحق العقاب وهذا لا يليق بالصغيرة.
وأجاب أبو مسلم الأصفهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف ولهذا قال ﴿ فغوى ﴾ أي خاب من نعيم الجنة لأن الرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود والغي ضده، وأنه سعى في طلب الخلود فنال ضد المقصود.
وعن بعضهم ﴿ فغوى ﴾ أي بشم من كثرة الأكل وزيفه جار الله.
ورد قول أبي مسلم بأن مصالح الدنيا تكون مباحة فلا يوصل تاركها بالعصيان.
قلت: في هذا نظر، والأحوط في هذا الباب أن يعتقد كون هذه الواقعة قبل النبوة بدليل قوله: ﴿ ثم اجتباه ربه ﴾ أي اختاره للرسالة ﴿ وهدى ﴾ لحفظ أسباب العصمة.
أصل الاجتباء هو الجمع كما مر في آخر "الأعراف".
يروى عن أبي أمامة: لو وزنت أحلام بني آدم لرجح حلمه.
وقد قال الله : ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ قال العلماء: فيه دليل على أنه لا رادَّ لقضائه وما قدره كائن لا محالة، وإذا جاء القضاء عمي البصر والدليل قد يكون غاية الظهور ومع ذلك يخفى على أعقل الناس كما خفي على آدم عداوة إبليس، وأنه تعرّض لسخط الله في شأنه حين امتنع من سجوده فكيف قبل من وسوسة ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال المحققون: الأولى أن لا يطلق لفظ العاصي والغاوي على آدم وإن ورد في القرآن ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ لأنه لم تصدر عنه الزلة إلا مرة واحدة.
وصيغة اسم الفاعل تنبىْ عن المزاولة، ولأن المسلم إذ تاب عن الشرب أو الزنا وحسنت توبته لا يقال له شارب وزان، ولأن السيد يجوز له أن يشتم عبده بما شاء وليس لغيره ذلك.
﴿ قال اهبطا ﴾ قد مر تفسير مثله في "البقرة" خاطبهما بالهبوط لأنهما أصلا البشر ثم عم الخطاب لهما ولذريتهما في قوله ﴿ فإما يأتينكم ﴾ أما قوله: ﴿ بعضكم لبعض عدوّ ﴾ فقد قال القاضي: يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس والناس أعداء لهم، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام.
عن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا قوله: ﴿ فمن ابتع هداي فلا يضل ولا يشقى ﴾ والسبب فيه أن العقاب في الآخرة لأجل أنه قد ضل عن الدين في مدة التكليف، واتباع كتاب الله يستلزم عدم الضلال عن الدين المستتبع للنجاة من العقاب في الآخرة.
وأما الشقاء الذي قد يلحق المؤمن في الدنيا فلا اعتداد به لقصر مدته على أن الرضا بالقضاء يهوّن عليه مصائب الدنيا وآفاتها.
ثم ذكر وعيد من أعرض عن ذكره ظاهر الكلام يدل على أن الذكر ههنا هو الهدى المذكور لأن قوله: ﴿ ومن أعرض عن ذكري ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ فمن اتبع هداي ﴾ .
وقد مر في أول "البقرة" أن المراد به الشريعة والبيان.
وقال كثير من المفسرين: إن الذكر هو القرآن وسائر كتب الله وفيه نوع تخصيص.
والضنك الضيق مصدر وصف به.
ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث.
يقال: منزل ضنك ومعيشة ضنك كأنه قيل: ذات ضنك.
قالت الحكماء: عيش الدنيا ضنك ضيق لانقضائه وقصر مدّته وكثرة شوائبه، وإنما العيش الواسع عيش الآخرة.
وهذا الضيق المتوعد به إما في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة مال إلى كل طائفة.
أما لأول فلأن المسلم الراضي بقضاء ربه معه من التسليم والتوكل والقناعة ما يعيش به عيشاً رافغاً.
والمعرض عن الدين متول عليه الحرص والشح فلا ينفك عن الانقباض ولطموح ما ليس يناله من الفراغ والرفاغ الكلي فلا هم له إلا هم الدنيا.
عن ابن عباس: المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها، ومن الكفرة من ضربت عليه الذلة والمسكنة.
وسئل الشبلي عن قوله : "إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية" فقال: أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله فعقوبتهم أن يردهم الله إلى أنفسهم وأيّ معيشة أضيق وأشد من أن يرد الأنسان إلى نفسه.
قلت: التحقيق أن بعض البليات من العقوبات فطلب العافية منها لازم، وبعضها لمزيد الدرجات ولكن الإنسان خلق ضعيفاً فكثيراً ما يؤل أمر المبتلي إلى الجزع والفزع فيحرم الثواب فتطلب العافية من هذا القسم أيضاً خوفاً من المآل.
وأما الثاني فعن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري ورفعه أبو هريرة إلى النبي أنه: "عذاب القبر للكافر" وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأسود بن عبد الله المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيه أضلاعه.
وأما الثالث فعن الحسن وقتادة والكلبي أنه ضيق في الآخرة وفي جهنم، وأ طعامهم فيها الضريع والزقوم والحميم والغسلين، فلا يموتون فيها ولا يحيون.
أما قوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ كقوله: ﴿ ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً ﴾ فيمن فسر الزرق بالعمى ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً ﴾ ﴿ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ﴾ قال الجبائي: أراد أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيراً كالأعمى.
وعن مجاهد والضحاك ومقاتل أنه أراد أعمى عن الحجة وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال القاضي: هذا القول ضعيف لأنه لا بد في القيامة أن يعلمهم الله بطلان ما كانوا عليه بتمييزه لهم الحق من الباطل، ومن هذه حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً باعتبار ما كان، لكن قوله: ﴿ وقد كنت بصيراً ﴾ ينافيه.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا، فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر كما في الدنيا.
قال: والتحقيق في الجواب عن الاعتراض هو أن النفوس الجاهلة في الدنيا إذا فارقت أبدانها تبقى على جهالتها في الآخرة فتصير تلك الجهالة سبباً لأعظم الآلام الروحانية.
وأقول على القاضي: يحتمل أن يكون مجازاً باعتبار الغاية.
فقد ينفي الشيء باعتبار عدم غايته وثمرته فلا ينافي كونه أعمى في الآخرة بهذا الاعتبار إعلام الله إياه الحجة، ولا كونه بصيراً في الدنيا كونه أعمى في الآخرة بالاعتبار المذكور لأن المعرض عن الدليل يشبه أن يكون كافراً معانداً، ويكون الغرض من الإعلام التوبيخ والإلزام يؤيده قوله في جوابه: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك فعلت أنت.
ثم فسر ذلك بقوله: ﴿ أتتك آياتنا ﴾ أي دلائلنا وضاحة مستنيرة ﴿ فنسيتها ﴾ أي تركت العمل بها والقيام بموجبها ﴿ وكذلك اليوم تنسى ﴾ تترك بلا فائدة النظر والاعتبار.
وعلى الإمام الرازي: إنه لا يلزم من كون المكلف غير متضرر بنسيان الدلائل في الدنيا كونه غير متضرر به في الآخرة.
وأما قوله في الجواب المحقق بناء على قاعدة الحكيم إن جهل النفس يصير سبباً لتعذيبها فإن كان منعاً لقول المعتزلة إنه يعلم المكلف بطلان ما كان عليه في الدنيا فذاك لا يفتقر إلى العدول، وإن كان تسليماً لقولهم فمن أين يتحمل الاعتراض هذا وقد رأيت في بعض الآثار أن أشد الناس عمى يوم القيامة هم الذين حفظوا القرآن ثم نسوه.
دليله قوله تعالى: ﴿ أتتك آياتنا فنسيتها ﴾ اللَّهم اجعلني ممن يواظب على تلاوة كتابك حتى لا أنساه يوم ألقاك.
﴿ وكذلك نجزي من أسرف ﴾ قيل: عصى ربه.
والأظهر أنه أراد أشرك وكفر بدليل قوله: ﴿ ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة ﴾ وهو الحشر على العمى ﴿ أشد وأبقى ﴾ من ضيق المعيشة في العاجل أو أراد، وتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه لآياتنا.
ثم وبخ المعرضين عن الدلائل بعدم الاعتبار بأحوال القرون الخالية فقال: ﴿ أفلم يهد لهم ﴾ بالفاء وفي السجدة بالواو، لأن الكلام ههنا كالمتصل بقوله: ﴿ ومن أعرض عن ذكري ﴾ وهناك كالمنفصل عن الإعراض لأنه قال: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ﴾ .
وبعد ذلك أورد قصة موسى فناسب الاستئناف بالواو، وأما حذف من ههنا وإثباته هنالك فلما مر من أن "من" تفيد الاستيعاب وهنالك قد زاد في القرون بشرح قصة بني إسرائيل وما فيهم من الملوك والأنبياء.
قال في الكشاف: فاعل: ﴿ لم يهد ﴾ الجملة بعده.
وأنكر البصريون مثل هذا لأن الجملة لا تقع فاعلاً فلهذا قال: يريد أو لم يهد لهم هذا المعنى أو مضمون هذا الكلام.
قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيناً لهم.
وقال الزجاج: أراد أَوَ لَمْ نبين لهم ما يهدون به لو تدبروا وتأملوا.
وقيل: فيه ضمير الله أو الرسول والجملة بعده تفسره يريد أن قريشاً يتقلبون في السورة.
قال بعض أهل اللغة: إن للنبيه مزية على العقل فلا يقال إلا لمن له عقل ينتهي به عن القبائح فقوله: ﴿ أولي النهى ﴾ كقوله: ﴿ أولي العزم ﴾ والحزم ومن هذا فسره بعضهم بأهل الورع والتقوى.
ثم بين الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على من كذب من هذه الأمة فقال: ﴿ ولولا كلمة ﴾ هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة كتبها في اللوح المحفوظ وأخبر بها ملائكته ورسله لأن فيهم أو في نسلهم من يؤمن، أو لمصلحة أخرى خفية.
قال أهل السنة: إنه بحكم المالكية له أن يفعل ما يشاء من غير علة.
واللزام مصدر لازم وصف به.
وقيل: فعال لما يفعل به فهو بمعنى ملزم كأنه آلة اللزوم أي ﴿ لكان ﴾ الأخذ العاجل ﴿ لزاماً وأجل مسمى ﴾ وهو عذاب الآخرة.
وقيل: يوم بدر معطوف على ﴿ كلمة ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون معطوفاً على الضمير في كان.
ولعله إنما جوز ذلك للفصل أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل.
وحين بين أنه لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أمره بالصبر على ما يقولون من التكذيب وسائر الأذيات.
زعم الكلبي ومقاتل أنها منسوخة بآية القتال وليس بذاك فإن كلاً منهما معمول بها في موضعها ﴿ وسبح بحمد ربك ﴾ أي متلبساً بحمده على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه، والأكثرون أنها بمعنى الصلاة ليكون كقوله: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ ولأنه بين أوقاتها فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة الظهر والعصر لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار ﴿ ومن آناء الليل فسبح ﴾ المغرب والعتمة.
وقوله ﴿ وأطراف النهار ﴾ أي في طرفيه فجمع للمبالغة وأمن الإلباس، أو لأن أقل الجمع اثنان.
أو أراد طرفي كل نهار تكرار لصلاتي الفجر والعصر لا المغرب على ما ظن اعتناء بشأنهما كقوله ﴿ والصلاة الوسطى ﴾ وآناء جمع "أنى" وهو الساعة وقد مر في "آل عمران".
وإنما قدم آنا الليل وأدخل الفاء في ﴿ فسبح ﴾ المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها تنبيهاً على زيادة الاهتمام بشأن صلاة الليل، لأن الليل وقت السكون والراحة وهدوّ الأصوات فالصلاة فيه أشق على النفس وأدخل في الإخلاص وأقرب من المحافظة على الخشوع والإخبات.
وبعضهم أخرج من الآية صلاة الظهر لانه خصص قبل الغروب بصلاة العصر.
ومنهم من زاد فيها النوافل لأن الصلاة في الأوقات المذكورة تشملها والأمر قد يكون للندب لا أقل من التغليب.
وقال أبو مسلم: الأقرب حمل التسبيح على التنزيه والإجلال كأنه لما أمره بالصبر على أذية القوم بعثه على الاشتغال بالتقديس والمواظبة عليه في كل الأوقات.
وقوله: ﴿ لعلك ترضى ﴾ كقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ ولا ريب أن الأطماع من الكريم واجب الوقوع اللَّهم ارزقنا شفاعته.
ولما حث رسوله على الأمور الدينية نهاه عن الميل إلى الزخارف الدنيوية فقال: ﴿ ولا تمدّن عينيك ﴾ أي نظر عينيك.
ومد النظر تطويله استحساناً للمنظور إليه، وفيه أن النظر الغير الممدود معفوّ عنه كما لو نظر فغض.
وقال أبو مسلم: المنهي عنه في الآية ليس هو التطويل وإنما هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوا من حظ الدنيا.
قال أبو رافع: نزل ضيف بالنبي فبعثني إلى يهوديّ يستقرضه فقال: لا أقرضه إلا برهن.
فقال رسول الله : "إني لأمين في السماء وإني لأمين في الأرض،أحمل إليه درعي الحديد فنزلت.
" والأزواج الأصناف.
وقيل: أي أشكالاً وأشباهاً من الكفار لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب.
وقد مر في آخر الحجر.
ولقد شدد العلماء المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وملابسهم ومراكبهم لأنهم اتخذوها.
قال جار الله: انتصب ﴿ زهرة ﴾ على الذم، أو على تضمين متعنا بمعنى خولنا وأعطينا، أو على إبداله من محل ﴿ به ﴾ أو على إبداله من ﴿ أزواجاً ﴾ والتقدير ذوي زهرة وهي الزينة والبهجة.
ومن قرأ بفتح الهاء فبمعناها أيضاً أو هي جمع زاهر كأنهم لصفاء ألوانهم وظهور آثار النعومة عليهم زاهر وهذه الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب.
وقوله: ﴿ لنفتنهم ﴾ أي لنبلوهم كقوله: ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ﴾ وقيل: لعذبهم كقوله: ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم ﴾ .
وقال الكلبي ومقاتل: لنشدد عليهم في التكليف لأن الاجتناب عن المعاصي مع القدرة يكون أشق على النفس.
﴿ ورزق ربك ﴾ هو ثواب الآخرة أو ما رزقت من الإسلام والنبوّة ﴿ خير وأبقى ﴾ وقيل: أراد به الحلال الطيب الذي يحق أن ينسب إلى ربك خير من أموالهم التي غلب عليها الغصب والسرقة وسائر وجوه الخيانة، وأبقى بركة ونماء وحسن عاقبة.
﴿ وأمر أهلك ﴾ في سورة مريم ﴿ وكان يأمر أهله بالصلاة ﴾ أي أقبل أنت مع أهلك على عبادة الله.
ومن السلف من كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله رسوله ثم يتلو هذه الآية.
وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ ﴿ ولا تمدنّ عينيك ﴾ الآية.
ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله.
وكان رسول الله بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعليّ كل صباح ويقول: "الصلاة وكان يفعل ذلك شهراً" وقوله: ﴿ واصطبر عليها ﴾ أراد أنك كما تأمرهم بها فحافظ عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أثم منه بلسان القول ﴿ لا نسألك رزقاً ﴾ كما يريد الملوك خراجاً من رعيتهم والسادة خرجاً من عبيدهم ﴿ بل نحن نرزقك ﴾ كقوله: ﴿ وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ﴾ والحاصل أنا إنما أمرناك بالصلاة فذلك لأجل انتفاعك بثوابها لا لأنا ننتفع بها.
وقيل: لا نسألك رزقاً لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك وإياهم فلا تهتم بأمر الرزق والمعيشة وفرغ بالك لأمر الآخرة وفي معناه قولهم "من كان في عمل الله كان الله في عمله".
وقال أهل الإشارة ﴿ ورزق ربك ﴾ رمز إلى قوله: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" قال عبد الله بن سلام: كان النبي إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة.
﴿ والعاقبة ﴾ أي الجميلة ﴿ للتقوى ﴾ .
ثم عاد إلى قوله: ﴿ فاصبر على ما يقولون ﴾ فحكى واحدة من شبهاتهم هي قولهم: ﴿ لولا يأتينا بآية من ربه ﴾ كأنهم لم يتعدّوا بالقرآن الذي أخرس شقاشقهم فرد الله عليهم بقوله: ﴿ أولم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى ﴾ لأن القرآن برهان سائر الكتب المنزلة لأنه معجز دونها فهو شاهد لها بالصحة وأنها من عند الله.
وقيل: أراد بالبينة ما فيها من بشارة مقدم محمد .
وعن ابن جرير أنه ما رأوا فيها من قصص الأمم المكذبة وبيان إهلاكهم بعد اقتراح الآيات وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن فلهذا وصف القرآن بكونه ﴿ بينة ما في الصحف الأولى ﴾ ثم بين الحكمة في نزول القرآن فقال: ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ﴾ أي من قبل البرهان المذكور الدال عليه البينة ﴿ لقالوا ﴾ أي في القيامة لأن الهالك لا قول له في الدنيا.
وعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: "يحتج على الله يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك وتلا قوله: ﴿ لولا أرسلت إلينا رسولاً ﴾ والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلاً أنتفع به.
ويقول الصبي: كنت صغيراً لا أعقل.
فيرفع لهم نار ويقال لهم ادخلوها فيدخلها من كان في عالم الله أنه سعيد ويتلكأ من كان في علمه أنه شقى.
فيقول الله : عسيتم اليوم فكيف برسولي لو أتاكم؟!" .
وطعن المعتزلة في هذا الخبر قالوا: لا يحسن العقاب على ما لم يفعل.
وقال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب فعل اللطف والمراد أنه يجيب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده وإلا كان لهم أن يقولوا: هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن.
وقال الكعبي: فيها أوضح دليل على أنه تعال يقبل الاحتجاج من عباده.
وليس معنى قوله: ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ أن الجور منه يكون عدلاً بل تأويله أنه لا يقع منه إلا العدل.
وإذا ثبت أنه يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة.
واستدل أهل السنة بها على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع وإلا لكان العقاب حاصلاً قبل مجيئه.
ثم ختم السورة بوعيد إجمالي فقال: ﴿ قل كل ﴾ أي كل منا ومنكم ﴿ متربص ﴾ عاقبة أمره وهذا الانتظار إما قبل الموت بسبب الأمر بالجهاد أو ظهور الدولة والغلبة، أو بالموت فإن كان واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه، وإما بعد الموت وهو ظهور أثر الثواب والعقاب وتمييز المحق المبطل ويؤديه قوله: ﴿ فستعلمون ﴾ إلى آخره وهذا من كلام المنصف وبالله المستعان.
(تم).
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .
سألوه أن يأتيهم بآية من عند ربه على رسالته ونبوته، فقال - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ ﴾ ، أي: قد أتاهم بينة على رسالته ونبوته ما في الصحف الأولى؛ لأن الكتب المتقدمة كانت بغير لسان رسول الله ، ولم يكن يعرف الكتابة بلسانه فضلا عن أن يعرف غيرها من الكتب التي كانت على غير لسانه، ثم أخبر عن الأنباء التي كانت في الكتب المتقدمة على ما كانت فيها؛ دل أنه إنما عرف تلك الأنباء والقصص التي كانت في كتبهم بالله ، فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ ﴾ أي: قد أتاهم على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ ﴾ ، أي: من قبل رسوله، ﴿ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ﴾ ، من الناس من يقول: ليس لله أن يعذبهم تعذيب إهلاك قبل أن يبعث رسولا، ويحتج بظاهر هذه الآية: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ .
وعندنا: له أن يهلكهم بعذاب قبل بعث الرسول إليهم؛ لأنه قد أقام عليهم حجة العقل ما لو تأملوا أو نظروا فيه، لعرفوا وأدركوا حق الله عليهم، فإذا كان كذلك فكان إهلاكه إياهم إهلاكاً عن بينة وحجة، لكنه بفضله ورحمته لا يهلكهم بأول آية يرسل عليهم حتى يرسل الآيات؛ إفضالا منه ومنة، وإلا كان له إهلاكهم بآية واحدة؛ فيكون قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ...
﴾ كذا، إنما ذلك لقطع ذلك القول منهم، لا أن كان لهم ذلك القول والاحتجاج بذلك؛ ولأن قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ...
﴾ كذا يخرج مخرج الامتنان به أنه لم يهلكهم قبل بعث الرسول؛ فدل أن له إهلاكهم قبل بعث الرسول؛ لما ذكرنا من إقامة حجة العقل عليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ ﴾ كانوا يتربصون هلاك رسول الله وانقلاب أمره، ورسول الله يتربص بهم عذاب الله ومواعيده فيهم.
قال الحسن: ﴿ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ ﴾ ، أي: تربصوا أنتم مواعيد الشيطان، ونحن نتربص مواعيد الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ .
قوله: ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ في الآخرة علم عيان ﴿ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ نحن أو أنتم، وفي الدنيا لو تأملوا ونظروا، لعلموا علم استدلال وإدراك من أصحاب الصراط السوي؟
قال بعضهم: ﴿ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ ﴾ : العدل.
وقال [بعضهم]: السوي: القيم.
وفي حرف ابن مسعود وأبي: (ومن اهتدى ومن على الهدى).
وقال هؤلاء الكفار المكذبون بالنبي : هلا يأتينا محمَّد بعلامة من ربه تدلّ على صدقه وأنه رسول، أَوَلم يأت هؤلاء المكذبين القرآنُ الذي هو تصديق للكتب السماوية من قبله؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.2pkxX"