الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١٣٥ من سورة طه
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٣٥ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ثم قال تعالى ) قل ) أي : يا محمد لمن كذبك وخالفك واستمر على كفره وعناده ( كل متربص ) أي : منا ومنكم ( فتربصوا ) أي : فانتظروا ، ( فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ) أي : الطريق المستقيم ، ( ومن اهتدى ) إلى الحق وسبيل الرشاد ، وهذا كقوله تعالى ( وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ) [ الفرقان : 42 ] ، ( سيعلمون غدا من الكذاب الأشر ) [ القمر : 26 ] .
آخر تفسير سورة طه ، ولله الحمد والمنة .
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: كلكم أيها المشركون بالله متربص يقول: منتظر لمن يكون الفلاح، وإلى ما يئول أمري وأمركم متوقف ينتظر دوائر الزمان، فتربصوا يقول: فترقبوا وانتظروا، فستعلمون من أهل الطريق المستقيم المعتدل الذي لا اعوجاج فيه إذا جاء أمر الله وقامت القيامة، أنحن أم أنتم؟
ومن اهتدى يقول: وستعلمون حينئذ من المهتدي الذي هو على سنن الطريق القاصد غير الجائر عن قصده منا ومنكم ، وفي " مَن " من قوله ( فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ ) ، والثانية من قوله (وَمَنِ اهْتَدَى) وجهان الرفع، وترك إعمال تعلمون فيهما، كما قال جلّ ثناؤه لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى والنصب على إعمال تعلمون فيهما، كما قال جلّ ثناؤه وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ .
قل كل متربص فتربصوا أي قل لهم يا محمد كل متربص ؛ أي كل المؤمنين والكافرين منتظر دوائر الزمان ولمن يكون النصر .
فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى يريد الدين المستقيم والهدى والمعنى فستعلمون بالنصر من اهتدى إلى دين الحق .
وقيل : فستعلمون يوم القيامة من اهتدى إلى طريق الجنة .
وفي هذا ضرب من الوعيد والتخويف والتهديد ختم به السورة .
وقرئ ( فسوف تعلمون ) .
قال أبو رافع : حفظته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ ذكره الزمخشري .
و من في موضع رفع عند الزجاج .
وقال الفراء يجوز أن يكون في موضع نصب مثل والله يعلم المفسد من المصلح .
قال أبو إسحاق : هذا خطأ ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، و من هاهنا استفهام في موضع رفع بالابتداء ؛ والمعنى : فستعلمون أصحاب الصراط السوي نحن أم أنتم ؟
.
قال النحاس والفراء يذهب إلى أن معنى من أصحاب الصراط السوي من لم يضل وإلى أن معنى ومن اهتدى من ضل ثم اهتدى .
وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري ( فسيعلمون من أصحاب الصراط السوى ) بتشديد الواو بعدها ألف التأنيث على فعلى بغير همزة ؛ وتأنيث الصراط شاذ قليل ، قال الله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم فجاء مذكرا في هذا وفي غيره ، وقد رد هذا أبو حاتم قال : إن كان من السوء وجب أن يقال السوءى وإن كان من السواء وجب أن يقال : السيا بكسر السين والأصل السويا .
قال الزمخشري : وقرئ ( السواء ) بمعنى الوسط والعدل ؛ أو المستوي .
النحاس وجواز قراءة يحيى بن يعمر والجحدري أن يكون الأصل ( السوءى ) والساكن ليس بحاجز حصين ، فكأنه قلب الهمزة ضمة فأبدل منها واوا كما يبدل منها ألف إذا انفتح ما قبلها .
تمت والحمد لله وحده .
قل يا محمد مخاطبا للمكذبين لك الذين يقولون تربصوا به ريب المنون { قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ } فتربصوا بي الموت، وأنا أتربص بكم العذاب { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ } أي: الظفر أو الشهادة { وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا } { فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ } أي: المستقيم، { وَمَنِ اهْتَدَى } بسلوكه، أنا أم أنتم؟
فإن صاحبه هو الفائز الراشد، الناجي المفلح، ومن حاد عنه خاسر خائب معذب، وقد علم أن الرسول هو الذي بهذه الحالة، وأعداؤه بخلافه، والله أعلم.
( قل كل متربص ) منتظر دوائر الزمان ، وذلك أن المشركين قالوا نتربص بمحمد حوادث الدهر ، فإذا مات تخلصنا ، قال الله تعالى : ( فتربصوا ) فانتظروا ، ( فستعلمون ) إذا جاء أمر الله وقامت القيامة ، ( من أصحاب الصراط السوي ) المستقيم ، ( ومن اهتدى ) من الضلالة نحن أم أنتم؟
.
«قل» لهم «كل» منا ومنكم «متربص» منتظر ما يؤول إليه الأمر «فتربصوا فستعلمون» في القيامة «مَن أصحاب الصراط» الطريق «السويّ» المستقيم «ومن اهتدى» من الضلالة أنحن أم أنتم.
قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين بالله: كل منا ومنكم منتظر دوائر الزمان، ولمن يكون النصر والفلاح، فانتظروا، فستعلمون: مَن أهل الطريق المستقيم، ومَن المهتدي للحق منا ومنكم؟
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية التى أمر فيها رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يهددهم بسوء العاقبة ، إذا ما استمروا فى طغيانهم يعمهون ، فقال - تعالى - : ( قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصراط السوي وَمَنِ اهتدى ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين : كل واحد منا ومنكم متربص بالآخر ، ومنتظر لما يؤول إليه أمر صاحبه .وما دام الأمر كذلك ( فَتَرَبَّصُواْ ) وانتظروا ما يؤول إليه حالنا وحالكم ( فَسَتَعْلَمُونَ ) بعد زمن قريب .
( مَنْ ) هم ( أَصْحَابُ الصراط السوي ) أى : الطريق الواضح المستقيم الذى لا اعوجاج فيه ( وَمَنِ ) هم الذين تجنبوا الضلالة ، واهتدوا إلى ما يسعدهم فى دينهم وفى دنياهم وفى آخرتهم .وقريب من هذه الآية فى المعنى قوله - تعالى - : ( سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر ) وقوله - سبحانه - : ( وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) وبعد فهذه سورة طه ، وهذا تفسر تحليلى لها ، وكما أنها قد افتتحت بنفى إرادة الشقاء للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقد اختتمت بهذه البشارة له - صلى الله عليه وسلم - ولأتباعه وبهذا التهديد لأعدائهم .
.
.نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا وبهجة صدورنا ، وشفيعنا يوم الدين ( يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
.
.
اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله عليه السلام على ما يقولون، وأمره بأن يعدل إلى التسبيح أتبع ذلك بنهيه عن مد عينيه إلى ما متع به القوم فقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ وجهان: أحدهما: المراد منه نظر العين وهؤلاء قالوا: مد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده استحساناً للمنظور إليه إعجاباً به كما فعل نظارة قارون حيث قالوا: ﴿ ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارون إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ ﴾ حتى واجههم أولوا العلم والإيمان بقولهم: ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صالحا ﴾ وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه وذلك كما إذا نظر الإنسان إلى شيء مرة ثم غض، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع قيل: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ أي لا تفعل ما أنت معتاد له.
ولقد شدد المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمركوب وغير ذلك لأنهم اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم وكالمقوى لهم على اتخاذها.
القول الثاني: قال أبو مسلم الذي نهى عنه بقوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ ليس هو النظر، بل هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا.
المسألة الثانية: قال أبو رافع: نزل ضيف بالنبي صلى الله عليه وسلم فبعثني إلى يهودي لبيع أو سلف، فقال: والله لا أفعل ذلك إلا برهن فأخبرته بقوله فأمرني أن أذهب بدرعه إليه فنزل قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ وقال عليه السلام: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم» وقال أبو الدرداء: الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له.
وعن الحسن: لولا حمق الناس لخربت الدنيا.
وعن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: لا تتخذوا الدنيا رباً فتتخذكم لها عبيداً، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رآى ما عند السلاطين يتلو هذه الآية، وقال الصلاة يرحمكم الله، أما قوله عز وجل: ﴿ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ ﴾ أي ألذذنا به، والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ويسمع من الأصوات المطربة ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكح، يقال أمتعه إمتاعاً ومتعه تمتيعاً والتفعيل يقتضي التكثير، أما قوله: ﴿ أزواجا مّنْهُمْ ﴾ أي أشكالاً وأشباهاً من الكفار وهي من المزاوجة بين الأشياء وهي المشاكلة، وذلك لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أصنافاً منهم، وقال الكلبي والزجاج: رجالاً منهم، أما قوله: ﴿ زَهْرَةَ الحياة الدنيا ﴾ ففي انتصابه أربعة أوجه: أحدها: على الذم وهو النصب على الاختصاص أو على تضمين متعنا معنى أعطينا وكونه مفعولاً ثانياً له أو على إبداله من محل الجار والمجرور أو على إبداله من أزواجاً على تقدير ذوي، فإن قيل: ما معنى الزهرة فيمن حرك قلنا معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة كما جاء في الجهرة.
قرئ: أرنا الله جهرة، وأن يكون جمع زاهر وصفاً لهم بأنهم زهرة هذه الدنيا لصفاء ألوانهم وتهلل وجوههم بخلاف ما عليه الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب، أما قوله: ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ فذكروا فيه وجوهاً: أحدها: لنعذبهم به كقوله: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا ﴾ .
وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إضلالاً مني لهم.
وثالثها: قال الكلبي ومقاتل تشديداً في التكليف عليهم لأن الإعراض عن الدنيا عند حضورها والإقبال إلى الله أشد من ذلك عند عدم حضورها ولذلك كان رجوع الفقراء إلى خدمة الله تعالى والتضرع إليه أكثر من تضرع الأغنياء، ولأن على من أوتي الدنيا ضروباً من التكليف لولاها لما لزمتهم تلك التكاليف ولأن القادر على المعاصي يكون الاجتناب عن المعاصي أشق عليه من العاجز الفقير، فمن هذه الجهات تكون الزيادة في الدنيا تشديداً في التكليف ثم قال لرسوله: ﴿ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وأبقى ﴾ والأظهر أن المراد أن مطلوبك الذي تجده من الثواب خير من مطلوبهم وأبقى، لأنه يدوم ولا ينقطع وليس كذلك حال ما أوتوه من مَن الدنيا، ويحتمل أن يكون المراد ما أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة خير لك من حيث العاقبة وأبقى، فذكر الرزق في الدنيا ووصفه بحسن عاقبته إذا رضي به وصبر عليه، ويحتمل أن يكون المراد ما أعطى من النبوة والدرجات الرفيعة، وأما قوله: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة ﴾ فمنهم من حمله على أقاربه ومنهم من حمله على كل أهل دينه، وهذا أقرب وهو كقوله: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكواة ﴾ وإن احتمل أن يكون المراد من يضمه المسكن إذ التنبيه على الصلاة والأمر بها في أوقاتها ممكن فيهم دون سائر الأمة يعنى كما أمرناك بالصلاة فامر أنت قومك بها، أما قوله: ﴿ واصطبر عَلَيْهَا ﴾ فالمراد كما تأمرهم فحافظ عليها فعلاً، فإن الوعظ بلسان الفعل أتم منه بلسان القول، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي عليهما السلام كل صباح ويقول: الصلاة وكان يفعل ذلك أشهراً، ثم بين تعالى أنه إنما يأمرهم بذلك لمنافعهم وأنه متعال عن المنافع بقوله: ﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ﴾ وفيه وجوه: أحدها: قال أبو مسلم: المعنى أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم العبادة ولا يريد منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾ .
وثانيها: ﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾ لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك ونرزق أهلك، ففرغ بالك لأمر الآخرة، وفي معناه قول الناس: من كان في عمل الله كان الله في عمله.
وثالثها: المعنى أنا لما أمرناك بالصلاة فليس ذلك لأنا ننتفع بصلاتك.
فعبر عن هذا المعنى بقوله: ﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾ بل نحن نرزقك في الدنيا بوجوه النعم وفي الآخرة بالثواب، قال عبد الله بن سلام: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية واعلم أنه ليس في الآية رخصة في ترك التكسب لأنه تعالى قال في وصف المتقين: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ﴾ ، أما قوله: والعاقبة للتقوى فالمراد والعاقبة الجميلة لأهل التقوى يعني تقوى الله تعالى، ثم إنه سبحانه بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهتهم، فكأنه من تمام قوله: ﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ ﴾ وهي قولهم: ﴿ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِئَايَةٍ مّن رَّبّهِ ﴾ أوهموا بهذا الكلام أنه يكلفهم الإيمان من غير آية، وقالوا في موضع آخر: ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأولونِ ﴾ وأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ﴾ وفيه وجوه: أحدها: أن ما في القرآن إذ وافق ما في كتبهم مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشتغل بالدراسة والتعلم وما رأى أستاذاً ألبتة كان ذلك إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً.
وثانيها: أن بينة ما في الصحف الأولى ما فيها من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنبوته وبعثته.
وثالثها: ذكر ابن جرير والقفال أن المعنى: ﴿ أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ﴾ من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات وكفروا بها كيف عاجلناهم بالعقوبة فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن، فلهذا وصف القرآن بكونه: ﴿ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى ﴾ واعلم أنه إنما ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل، ثم بين أنه تعالى أزاح لهم كل عذر وعلة في التكليف، فقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ والمراد كان لهم أن يقولوا ذلك فيكون عذراً لهم، فأما الآن وقد أرسلناك وبينا على لسانك لهم ما عليهم وما لهم فلا حجة لهم ألبتة بل الحجة عليهم.
ومعنى: ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ يحتمل من قبل إرساله ويحتمل من قبل ما أظهره من البينات فإن قيل فما معنى قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم...
لَقَالُواْ ﴾ والهالك لا يصح أن يقول قلنا المعنى لكان لهم أن يقولوا ذلك يوم القيامة ولذلك قال: ﴿ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى ﴾ وذلك لا يليق إلا بعذاب الآخرة، روي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال عليه السلام: «يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك لك».
وتلا قوله: ﴿ لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلاً أنتفع به، ويقول الصبي: كنت صغيراً لا أعقل فترفع لهم نار، ويقال لهم: ادخلوها فيدخلها من كان في علم الله تعالى أنه شقي ويبقى من في علمه أنه سعيد، فيقول الله تعالى لهم: عصيتم اليوم فكيف برسلي لو أتوكم والقاضي طعن في الخبر وقال: لا يحسن العقاب على من لا يعقل، واعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الجبائي: هذه الآية تدل على وجوب فعل اللطف إذ المراد أنه يجب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده ولو لم يفعل لكان لهم أن يقولوا هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن؟
وهلا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك؟
وإن كان المعلوم أنهم لا يؤمنون ولو بعث إليهم الرسول لم يكن في ذلك حجة، فصح أنه إنما يكون حجة لهم إذا كان في المعلوم أنهم يؤمنون عنده إذا أطاعوه.
المسألة الثانية: قال الكعبي قوله: ﴿ لَولآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ أوضح دليل على أنه تعالى يقبل الاحتجاج من عباده، وأنه ليس قوله: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ كما ظنه أهل الجبر من أن ما هو جور منا يكون عدلاً منه بل تأويله: أنه لا يقع منه إلا العدل فإذا ثبت أنه تعالى يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة.
المسألة الثالثة: قال أصحابنا: الآية تدل على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع إذ لو تحقق العقاب قبل مجيء الشرع لكان العقاب حاصلاً قبل مجيء الشرع.
ثم إنه سبحانه ختم السورة بضرب من الوعيد فقال: ﴿ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبّصٌ ﴾ أي كل منا ومنكم منتظر عاقبة أمره وهذا الانتظار يحتمل أن يكون قبل الموت، إما بسبب الأمر بالجهاد أو بسبب ظهور الدولة والقوة، ويحتمل أن يكون بالموت فإن كل واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه، ويحتمل أن يكون بعد الموت وهو ظهور أمر الثواب والعقاب، فإنه يتميز في الآخرة المحق من المبطل بما يظهر على المحق من أنواع كرامة الله تعالى، وعلى المبطل من أنواع إهانته ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ عند ذلك ﴿ مَنْ أصحاب الصراط السوي وَمَنِ اهتدى ﴾ إليه وليس هو بمعنى الشك والترديد، بل هو على سبيل التهديد والزجر للكفار، والله أعلم.
﴿ كُلٌّ ﴾ أي كل واحد منا ومنكم ﴿ مُّتَرَبّصٌ ﴾ للعاقبة ولما يؤول إليه أمرنا وأمركم.
وقرئ: ﴿ السواء ﴾ بمعنى الوسط والجيد.
أو المستوى والسوء والسوأي والسوي تصغير السوء.
وقرئ: ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ قال أبو رافع: حفظْتهُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأ سورةَ طهَ أُعطيَ يومَ القيامةِ ثوابَ المهاجرينَ والأنصار.» وقالَ: «لا يقرأُ أهلُ الجنةِ مِنَ القرآنِ إلاَّ طهَ ويسَ» .
﴿ وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ ﴾ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ البَيِّنَةِ والتَّذْكِيرِ لِأنَّها في مَعْنى البُرْهانِ، أوِ المُرادُ بِها القُرْآنُ.
﴿ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ في الدُّنْيا.
﴿ وَنَخْزى ﴾ بِدُخُولِ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قُرِئَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِما.
﴿ قُلْ كُلٌّ ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنّا ومِنكم.
﴿ مُتَرَبِّصٌ ﴾ مُنْتَظِرٌ لِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُنا وأمْرُكم.
﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ وقُرِئَ «فَتَمَتَّعُوا» .
﴿ فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ﴾ المُسْتَقِيمِ، وقُرِئَ «السَّواءِ» أيِ الوَسَطِ الجَيِّدِ و «السُّوأى» و «السَّوْءِ» أيِ الشَّرِّ، و «السُّوَيِّ» هو تَصْغِيرُهُ.
﴿ وَمَنِ اهْتَدى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ ( ومَن ) في المَوْضِعَيْنِ لِلِاسْتِفْهامِ ومَحَلُّها الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ مَوْصُولَةً بِخِلافِ الأُولى لِعَدَمِ العائِدِ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُعَلَّقِ عَنْها الفِعْلُ عَلى أنَّ العِلْمَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ أوْ عَلى أصْحابِ أوْ عَلى الصِّراطِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ النَّبِيُّ .
وَعَنْهُ «مَن قَرَأ طَهَ أُعْطِيَ يَوْمَ القِيامَةِ ثَوابَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ رُضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ» .
{قُلْ كُلٌّ} أي كل واحد منا ومنكم {متربص} منتظر للعقابة ولما يؤل اليه أمرنا وامركم {فتربصوا} أنتم {فستعلمون} إذا جاءت القيامة {مِنْ أصحاب} مبتدأ وخبر ومحلهما نصب {الصراط السوي} المستقيم {وَمَنِ اهتدى} الى النعيم المقيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقرأ أهل الجنة إلى سورة طه ويس الله أعلم بالصواب
سورة الانبياء وهي مائة واثنتا عشرة آية كوفي واحدى عشرة آية مدني وبصري
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ قُلْ ﴾ لِأُولَئِكَ الكَفَرَةِ المُتَمَرِّدِينَ ﴿ كُلٌّ ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنّا ومِنكم ﴿ مُتَرَبِّصٌ ﴾ أيْ: مُنْتَظِرٌ لِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُنا وأمْرُكم وهو خَبَرُ ﴿ كُلٌّ ﴾ وإفْرادُهُ حَمْلًا لَهُ عَلى لَفْظِهِ ﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ وقُرِئَ ( فَتَمَتَّعُوا ) (فَسَتَعْلَمُونَ) عَنْ قَرِيبٍ ﴿ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ﴾ أيِ: المُسْتَقِيمِ.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ وعُمْرانُ بْنُ حُدَيْرٍ ( السَّواءِ ) أيِ الوَسَطَ، والمُرادُ بِهِ الجَيِّدُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وابْنُ يَعْمُرَ ( السُّوأى ) بِالضَّمِّ والقَصْرِ عَلى وزْنِ فُعْلى وهو تَأْنِيثُ الأسْوَأِ وأُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الصِّراطِ وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( السَّوْءِ ) بِفَتْحٍ وسُكُونٍ وهَمْزَةٍ آخِرَهُ بِمَعْنى الشَّرِّ.
وقُرِئَ ( السُّوَيِّ ) بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الياءِ وهو تَصْغِيرُ سَوْءٍ بِالفَتْحِ، وقِيلَ: تَصْغِيرُ سُوءٍ بِالضَّمِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ تَصْغِيرُ سَواءٍ كَما قالُوا في عَطا عُطَيٌّ لِأنَّهُ لَوْ كانَ تَصْغِيرُ ذَلِكَ لَثَبَتَتْ هَمْزَتُهُ، وقِيلَ: سُوئِي وتُعُقِّبَ بِأنَّ إبْدالَ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ ياءَ جائِزٌ، وعَنِ الجَحْدَرِيِّ وابْنِ يَعْمُرَ أنَّهُما قَرَأ ( السُّوى ) بِالضَّمِّ والقَصْرِ وتَشْدِيدِ الواوِ، واخْتِيرَ في تَخْرِيجِهِ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ السُّوأى كَما في الرِّوايَةِ الأُولى فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها واوًا وأُدْغِمَتِ الواوُ في الواوِ، وقَدْ رُوعِيَتِ المُقابَلَةُ عَلى أكْثَرِ هَذِهِ القِراءاتِ بَيْنَ ما تَقَدَّمَ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ومَنِ اهْتَدى ﴾ أيْ: مِنَ الضَّلالَةِ ولَمْ تُراعَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ والأُولى مِنَ الشَّواذِّ.
ومَن في المَوْضِعَيْنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ ما بَعْدَ العَطْفِ مِن عَطْفِ الجُمَلِ ومَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ العِلْمِ أوْ مَفْعُولُهُ إنْ كانَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وجُوِّزَ كَوْنُ مِنَ الثّانِيَةِ مَوْصُولَةً فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الأُولى الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُعَلَّقِ عَنْها الفِعْلُ عَلى أنَّ العِلْمَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ إذْ لَوْلاهُ لَكانَ المَوْصُولُ بِواسِطَةِ العَطْفِ أحَدَ المَفْعُولَيْنِ وكانَ المَفْعُولُ الآخَرُ مَحْذُوفًا اقْتِصارًا وهو غَيْرُ جائِزٍ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى (أصْحابُ) فَتَكُونُ في حَيِّزِ مَنِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ أيْ ومَنَ الَّذِي اهْتَدى أوْ عَلى ( الصِّراطِ ) فَتَكُونُ في حَيِّزِ أصْحابٍ أيْ ومَن (أصْحابُ) الَّذِي اهْتَدى يَعْنِي النَّبِيَّ ، وإذا عَنى بِالصِّراطِ السَّوِيِّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا كانَ العَطْفُ مِن بابِ عَطْفِ الصِّفاتِ عَلى الصِّفاتِ مَعَ اتِّحادِ الذّاتِ.
وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ مَنَ الأُولى مَوْصُولَةً أيْضًا بِمَعْنى الَّذِينَ وهي في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِلْعِلْمِ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ (وأصْحابُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو العائِدُ أيِ الَّذِينَ هم أصْحابُ الصِّراطِ وهَذا جائِزٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم يُجَوِّزُونَ حَذْفَ مِثْلِ هَذا العائِدِ سَواءٌ كانَ في الصِّلَةِ طُولٌ أوْ لَمْ يَكُنْ وسَواءٌ كانَ المَوْصُولُ أيًّا أوْ غَيْرَهُ بِخِلافِ البَصْرِيِّينَ، وما أشَدَّ مُناسِبَةَ هَذِهِ الخاتِمَةِ لِلْفاتِحَةِ.
وقَدْ ذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّها خاتِمَةٌ شَرِيفَةٌ ناظِرَةٌ إلى الفاتِحَةِ وأنَّهُ إذا لاحَ أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ لِتَحَمُّلِ تَعَبِ الإبْلاغِ ولا تُنْهِكْ نَفْسَكَ فَحَيْثُ بَلَغْتُ وبَلَغْتَ جُهْدَكَ فَلا عَلَيْكَ وعَلَيْكَ بِالإقْبالِ عَلى طاعَتِكَ قَدْرَ طاقَتِكَ، وأْمُرْ أهْلَكَ وهم أُمَّتُكَ المُتَّبِعُونَ بِذَلِكَ ودَعِ الَّذِينَ لا يَنْجَعُ فِيهِمُ الإنْذارُ فَإنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِمَن يَخْشى وسَيَنْدَمُ المُخالِفُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ انْتَهى.
* * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿ فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ﴾ قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْبَسَ سِحْرَ السَّحَرَةِ لِباسَ القَهْرِ فَخافَ مِنَ القَهْرِ لِأنَّهُ لا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ.
وسُئِلَ ابْنُ عَطاءٍ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ما خافَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَفْسِهِ وإنَّما خافَ عَلى قَوْمِهِ أنْ يَفُوتَهم حَظُّهم مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿ قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى ﴾ أيْ: إنَّكَ المَحْفُوظُ بِعُيُونِ الرِّعايَةِ وحَرَسِ اللُّطْفِ أوْ أنْتَ الرَّفِيعُ القَدِرُ الغالِبُ عَلَيْهِمْ غَلَبَةً تامَّةً بِحَيْثُ يَكُونُونَ بِسَبَبِها مِن أتْباعِكَ فَلا يَفُوتُهم حَظُّهم مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا ﴾ إلى آخِرِ ما كانَ مِنهم فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ بِالتَّوْفِيقِ والوُصُولِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في أقْصَرِ وقْتٍ فَلا يُسْتَبْعَدُ حُصُولُ الكَمالِ لِمَن تابَ وسَلَكَ عَلى يَدِ كامِلٍ مُكَمِّلٍ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ.
وكَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ يُنْكِرُونَ عَلى السّالِكِينَ التّائِبِينَ إذا كانُوا قَرِيبِي العَهْدِ بِمُقارَفَةِ الذُّنُوبِ ومُفارَقَةِ العُيُوبِ حُصُولَ الكَمالِ لَهم وفَيَضانَ الخَيْرِ عَلَيْهِمْ ويَقُولُونَ: كَيْفَ يَحْصُلُ لَهم ذَلِكَ وقَدْ كانُوا بِالأمْسِ كَيْتَ وكَيْتَ، وقَوْلُهم: ﴿ لَنْ نُؤْثِرَكَ ﴾ إلَخْ كَلامٌ صادِرٌ مِن عِظَمِ الهِمَّةِ الحاصِلِ لِلنَّفْسِ بِقُوَّةِ اليَقِينِ فَإنَّهُ مَتى حَصَلَ ذَلِكَ لِلنَّفْسِ لَمْ تُبالِ بِالسَّعادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والشَّقاوَةِ البَدَنِيَّةِ واللَّذّاتِ العاجِلَةِ الفانِيَةِ والآلامِ الحِسِّيَّةِ في جَنْبِ السَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ واللَّذَّةِ الباقِيَةِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿ ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي ﴾ إلَخْ فِيهِ إشارَةٌ إلى اسْتِحْبابِ مُفارَقَةِ الأغْيارِ وتَرْكِ صُحْبَةِ الأشْرارِ ﴿ ولا تَطْغَوْا فِيهِ ﴾ عَدَّ مِنَ الطُّغْيانِ فِيهِ اسْتِعْمالَهُ مَعَ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ نِيَّةِ التَّقْوى بِهِ عَلى تَقْواهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ﴾ الإشارَةُ فِيهِ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلرَّئِيسِ رِعايَةُ الأصْلَحِ في حَقِّ المَرْءُوسِ ولِلشَّيْخِ عَدَمُ فِعْلِ ما يُخْشى مِنهُ سُوءُ ظَنِّ المُرِيدِ لا سِيَّما إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ رُسُوخٌ أصْلًا ﴿ قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ ﴾ .
قالَ ابْنُ عَطاءٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ بِذَلِكَ: أتَدْرِي مِن أيْنَ أُتِيتَ؟
قالَ: لا يا رَبِّ، قالَ سُبْحانَهُ: مِن قَوْلِكَ لِهارُونَ: اخْلُفْنِي في قَوْمِي وعَدَمِ تَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيَّ والِاعْتِمادِ في الخِلافَةِ عَلَيَّ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ سِرَّ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِما ذُكِرَ مُباسَطَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وشَغْلُهُ بِصُحْبَتِهِ عَنْ صُحْبَةِ الأضْدادِ وهو كَما تَرى ﴿ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ ﴾ صارَ سَبَبَ ضَلالِهِمْ بِما صَنَعَ قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّأْوِيلِ: إنَّما ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِما ابْتَلاهم لِيَتَمَيَّزَ مِنهُمُ المُسْتَعِدُّ القابِلُ لِلْكَمالِ بِالتَّجْرِيدِ مِنَ القاصِرِ الِاسْتِعْدادِ المُنْغَمِسِ في المَوادِّ الَّذِي لا يُدْرِكُ إلّا المَحْسُوسَ ولا يَتَنَبَّهُ لِلْمُجَرَّدِ المَعْقُولِ.
ولِهَذا قالُوا: ﴿ ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ﴾ أيْ بِرَأْيِنا فَإنَّهم عَبِيدٌ بِالطَّبْعِ لا رَأْيَ لَهم ولا مَلَكَةَ ولَيْسُوا مُخْتارِينَ لا طَرِيقَ لَهم إلّا التَّقْلِيدُ والعَمَلُ لا التَّحْقِيقُ والعِلْمُ وإنَّما اسْتَعْبَدَهُمُ السّامِرِيُّ بِالطَّلْسَمِ المُفَرَّغِ مِنَ الحُلِيِّ لِرُسُوخِ مُحِبَّةِ الذَّهَبِ في نُفُوسِهِمْ لِأنَّها سُفْلِيَّةٌ مُنْجَذِبَةٌ إلى الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ وتُزَيِّنُ الطَّبِيعَةَ الذَّهَبِيَّةَ وتُحِلِّي تِلْكَ الصُّورَةَ النَّوْعِيَّةَ فِيها لِلتَّناسُبِ الطَّبِيعِيِّ وكانَ ذَلِكَ مِن بابِ مَزْجِ القُوى السَّماوِيَّةِ الَّتِي هي أثَرُ النَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ الكُلِّيَّةِ السَّماوِيَّةِ المُشارِ إلَيْها بِحَيْزُومَ وفَرَسِ الحَياةِ وهي مَرْكَبُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ المُشارُ بِهِ إلى العَقْلِ الفَعّالِ بِالقُوى الأرْضِيَّةِ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ﴾ أيْ: مِنَ العِلْمِ الطَّبِيعِيِّ والرِّياضِيِّ اللَّذَيْنِ يُبْتَنى عَلَيْهِما عِلْمُ الطَّلْسَماتِ والسِّيمِياءِ ﴿ قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ ﴾ قالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَضَبًا عَلى السّامِرِيِّ وطَرْدًا لَهُ وكُلُّ مَن غَضِبَ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ وكَذا الأوْلِياءُ لِكَوْنِهِمْ مَظاهِرَ صِفاتِ الحَقِّ تَعالى وقَعَ في قَهْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وشَقِيَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وكانَتْ صُورَةُ عَذابِ هَذا الطَّرِيدِ في التَّحَرُّزِ عَنِ المُماسَّةِ نَتِيجَةً بَعْدَهُ عَنِ الحَقِّ في الدَّعْوَةِ إلى الباطِلِ وأثَرِ لَعْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهُ عِنْدَ إبْطالِ كَيْدِهِ وإزالَةِ مَكْرِهِ ﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا ﴾ قالَ أهْلُ الوَحْدَةِ: أيْ يَسْألُونَكَ عَنْ وجُوداتِ الأشْياءِ فَقُلْ: يَنْسِفُها رَبِّي بِرِياحِ النَّفَحاتِ الإلَهِيَّةِ النّاشِئَةِ مِن مَعْدِنِ الأحَدِيَّةِ فَيَذْرُها في القِيامَةِ الكُبْرى قاعًا صَفْصَفًا وُجُودًا أحَدِيًّا ﴿ لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا ﴾ اثْنَيْنِيَّةً ولا غَيْرِيَّةً ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ ﴾ الَّذِي هو الحَقُّ سُبْحانَهُ لا عِوَجَ لَهُ إذْ هو تَعالى آخِذٌ بِنَواصِيهِمْ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ ﴾ إذْ لا فِعْلَ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا ﴾ أمْرًا خَفِيًّا بِاعْتِبارِ الإضافَةِ إلى المَظاهِرِ.
انْتَهى.
ولَكَمْ لَهم مِثْلُ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ واللَّهُ تَعالى العاصِمُ ﴿ يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا ﴾ قِيلَ: هو مَن صَحَّحَ فِعْلَهُ وعَقْدَهُ ولَمْ يَنْسُبْ لِنَفْسِهِ شَيْئًا ولا رَأى لَها عَمَلًا ﴿ ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ لِكَمالِ تَقَدُّسِهِ وتَنَزُّهِهِ وجَلالِهِ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ فَهَيْهاتَ أنْ تُحَلِّقَ بَعُوضَةُ الفِكْرِ في جَوِّ سَماءِ الجَبَرُوتِ ومِن أيْنَ لِنَحْلَةِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ أنْ تَرْعى أزْهارَ رِياضِ بَيْداءِ اللّاهُوتِ، نَعَمْ يَتَفاوَتُ الخَلْقُ في العِلْمِ بِصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى قَدْرِ تَفاوُتِ اسْتِعْداداتِهِمْ وهو العِلْمُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ وقِيلَ: هَذا إشارَةٌ إلى العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، والإشارَةُ في قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ مَزِيدُ التَّحَفُّظِ عَنِ الوُقُوعِ في العِصْيانِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: يا ناظِرًا يَرْنُو بِعَيْنَيْ راقِدٍ ومُشاهِدًا لِلْأمْرِ غَيْرَ مُشاهِدِ مَنَّيْتَ نَفْسَكَ ضَلَّةً وأبَيْتَها ∗∗∗ طُرُقُ الرَّجاءِ وهُنَّ غَيْرُ قَواصِدِ تَصِلُ الذُّنُوبَ إلى الذُّنُوبِ وتَرْتَجِي ∗∗∗ دَرَجَ الجِنانِ بِها وفَوْزِ العابِدِ ونَسِيتَ أنَّ اللَّهَ أخْرَجَ آدَمًا ∗∗∗ مِنها إلى الدُّنْيا بِذَنْبٍ واحِدِ ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَيْنا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَبْكِي جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَكى آدَمُ وبَكى جِبْرِيلُ لِبُكائِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ وقالَ: يا آدَمُ ما هَذا البُكاءُ؟
قالَ: يا جِبْرِيلُ وكَيْفَ لا أبْكِي وقَدْ حَوَّلَنِي رَبِّي مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ومِن دارِ النِّعْمَةِ إلى دارِ البُؤْسِ فانْطَلَقَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَقالَةِ آدَمَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: يا جِبْرِيلُ انْطَلِقْ إلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: يا آدَمُ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: ألَمْ أخْلُقْكَ بِيَدِي؟
ألَمْ أنْفُخْ فِيكَ مِن رُوحِي؟
ألَمْ أُسْجِدْ لَكَ مَلائِكَتِي ألَمْ أُسْكِنْكَ جَنَّتِي ألَمْ آمُرْكَ فَعَصَيْتَنِي فَوَعِزَّتِي وجَلالِي لَوْ أنَّ مَلْءَ الأرْضِ رِجالًا مِثْلَكَ ثُمَّ عَصَوْنِي لَأنْزَلَتْهم مَنازِلَ العاصِينَ غَيْرَ أنَّهُ يا آدَمُ قَدْ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي وقَدْ سَمِعْتُ تَضَرُّعَكَ ورَحِمْتَ بُكاءَكَ وأقَلْتَ عَثْرَتَكَ.
﴿ ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾ أيْ بِالتَّوَجُّهِ إلى العالَمِ السُّفْلِيِّ ﴿ فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ لِغَلَبَةِ شُحِّهِ وشِدَّةِ بُخْلِهِ فَإنَّ المُعْرِضَ عَنْ جَنابِ الحَقِّ سُبْحانَهُ انْجَذَبَتْ نَفْسُهُ إلى الزَّخارِفِ الدُّنْيَوِيَّةِ والمُقْتَنَياتِ المادِّيَّةِ لِمُناسَبَتِها إيّاهُ واشْتَدَّ حِرْصُهُ وكَلْبُهُ عَلَيْها وشَغَفُهُ بِها لِلْجِنْسِيَّةِ والِاشْتِراكِ في الظُّلْمَةِ والمِيلِ إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ فَيَشِحُّ بِها عَنْ نَفْسِهِ وغَيْرِهِ، وكُلَّما اسْتَكْثَرَ مِنها ازْدادَ حِرْصُهُ عَلَيْها وشُحُّهُ بِها وتِلْكَ المَعِيشَةُ الضَّنْكُ.
ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: لا يُعْرِضُ أحَدٌ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ إلّا أظْلَمَ عَلَيْهِ وقْتَهُ وتَشَوَّشَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ بِخِلافِ الذّاكِرِ المُتَوَجِّهِ إلَيْهِ تَعالى فَإنَّهُ ذُو يَقِينٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ وتَوَكُّلٍ عَلَيْهِ تَعالى في سِعَةٍ مِن عَيْشِهِ ورَغَدٍ يُنْفِقُ ما يَجِدُ ويَسْتَغْنِي بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ عَمّا يَفْقِدُ ﴿ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ﴾ أيِ: العاقِبَةُ الَّتِي تَعْتَبِرُ وتَسْتَأْهِلُ أنْ تُسَمّى عاقِبَةً لِأهْلِ التَّقْوى المُتَخَلِّينَ عَنِ الرَّذائِلِ النَّفْسانِيَّةِ المُتَحَلِّينَ بِالفَضائِلِ الرُّوحانِيَّةِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِحُسْنِ العاقِبَةِ وصَفاءِ العُمْرِ عَنِ المُشاغَبَةِ ونَحْمَدُهُ سُبْحانَهُ عَلى آلائِهِ ونُصَلِّي ونُسَلِّمُ عَلى خَيْرِ أنْبِيائِهِ وعَلى آلِهِ خَيْرِ آلٍ ما طَلَعَ نَجْمٌ ولَمَعَ آلٌ.
تَمَّ الجُزْءُ السّادِسَ عَشَرَ، ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ السّابِعَ عَشَرَ، وأوَّلُهُ سُورَةُ الأنْبِياءِ.
.
وقال عز وجل: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، يعني: قومك وأهلك وأهل بيتك بالصلاة.
وَاصْطَبِرْ عَلَيْها، يعني: اصبر على ما أصابك فيها من الشدة.
روى عبد الرزاق، عن معمر، عن رجل أن النبي كان إذا دخل عليه نقص في الرزق، أي: الضّيق في الرزق، أمر أهله بالصلاة.
ثم قرأ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها.
لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً يعني: لخلقنا ولا أن ترزق نفسك إنما نسألك العبادة.
نَحْنُ نَرْزُقُكَ في الدنيا ما دمت حيا فيها.
وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى، يعني: الجنة للمتقين.
وَقالُوا، يعني الكفار: لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، يعني: هلا يأتينا محمد بعلامة لنبوته؟
قال الله تعالى: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ، يعني: بيان مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى، يعني: ما في التوراة والإنجيل حتى يجدوا نعته فيه؟
وهذا كقوله عز وجل: فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: 94] .
ثم قال عز وجل: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ، يقول: لو أن أهل مكة أهلكناهم قبل محمد والقرآن، لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى، يعني: من قبل أن نعذب.
ثم قال عز وجل: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ، يعني: منتظر لهلاك صاحبه، أنا وأنتم.
وقال مقاتل: كان كفار مكة قد قالوا: نتربص بمحمد رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور: 30] ، يعنون: الموت، ووعدهم النبيّ العذاب، فأنزل الله تعالى: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ، يعني: أنتم متربصون بمحمد الموت، ومحمد متربص بكم العذاب، فأنزل الله تعالى: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا، يقول: انتظروا، فَسَتَعْلَمُونَ إذا نزل بكم العذاب، مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ، يعني: العدل وَمَنِ اهْتَدى منا ومنكم.
قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بالتاء، لأن لفظ البينة مؤنث، والباقون أَوَلَمْ يَأْتِهِمْ بالياء، لأن معناه البيان.
والله سبحانه وتعالى أعلم، وصل الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
المُرْسِي رضي اللَّه عنه يقول: واللَّه مَا رَأَيْتَ العزَّ إلاَّ في رفع الهِمّة عن الخلق، واذكر رحمك اللَّه هنا: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨] .
ففي العز الذي أَعزّ اللَّه به المؤمن رفْعُ همته إلى مولاه، وثقتُه به دُونَ مَنْ سِوَاهُ، واستحي من اللَّه بعد أن كساك حُلّة الإيمان، وزينك بزينة العِرْفان أن تستولي عليك الغفلة والنسيان حتى تميل إلى الأكوان «١» ، أو تطلب من غيره تعالى وجود إحسان، ثم قال:
ورفع الهِمَّة عن الخلْقِ: هو ميزانُ ذوي الكمال ومِسْبار الرجال، كما توزن الذَّواتُ كذلك توزن الأحوالُ والصِّفَاتُ.
انتهى.
ومن كتاب «صفوة التصوف» لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي الحافظ حَدِيثٌ «٢» بسنده عن ابن عمر قال: أتى النبيّ صلى الله عليه وسلّم رَجَلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدَّثْنِي حَدِيثاً، واجعله موجزا، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلّم: «صَلَّ صَلاَةَ مُوَدَّع، كَأَنَكَ تَرَاهُ، فَإنْ كُنْتَ لاَ تَرَاهُ، فَإنَّهُ يُرَاكَ، وَايَأَس مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، تَعْشِ غَنِيّاً، وإِيَّاكَ وَمَا يُعَتَذَّرُ مِنْهُ» ورواه أبو أيوب الأنصاري بمثله عن النبي صلى الله عليه وسلّم «٣» إنتهى.
وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا محمدٌ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أي: بعلامة مما اقترحناها عليه، ثم وبخهم سبحانه بقوله: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى أَيْ: [ما في] «٤» التوراة، وغيرها، ففيها أعظم شاهد، وأكبر آية له سبحانه.
وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ أي: من قبل إرسالنا إليهم محمداً، لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ...
الآية، وروى أبو سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «يَحْتَجُّ عَلَى اللَّه تعالى يَوْمَ القِيَامَةِ ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب
على عَقْلِهِ، والصَّبِيُّ الصَّغيرُ.
فيقُولُ المَغْلُوبُ على عَقْلِهِ: رَبِّ، لَمْ تَجْعَلْ لِيَ عَقْلاً، ويَقَولُ الصَّبِيُّ نَحْوَهُ، ويَقُولُ الهَالِكُ فِي الفَتْرَةِ.
رَبِّ، لَمْ يُرْسِلْ إِلَيَّ رَسَولاً، وَلَوْ جَاءَنِي، لَكُنْتُ أَطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ، قَالَ: فَتَرْتَفِعُ لَهُمْ نَارٌ، وَيَقَالُ لَهُمُ: رُدُوهَا، فَيَرِدُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّه أَنَّهُ سَعِيدٌ وَيَكَعُ عَنْهَا الشَّقِيُّ، فَيَقُولُ اللَّه تعالى: إيَّايَ عَصَيْتُمْ فَكَيْفَ بِرْسُلِي لَوْ أَتَتْكُمْ» «١» .
قال (ع) «٢» : أما الصبيُّ، والمغلوبُ على عقله، فبَيّن أمرهما، وأما صاحبُ الفَترة، فليس ككفّار قريش قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم، لأن كفار قريش، وغيرهم مِمَّنْ علم وسمع نبوّة ورسالة في أقطار الأرضِ، ليسٍ بصاحب فترةٍ، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم لرجل: «أبي وأبوك في النّار» ورأى صلى الله عليه وسلّم، عمرو بن لحيّ في النار «٣» وإلى غير هذا مِمَّا يطوُلَ ذِكْرهِ، وإنما صاحبُ الفترة يفرض أنه آدميٌّ لم يطرأ إليه أن اللَّه تعالى بعث رَسُولاً، ولاَ دَعا إلى دِينٍ، وهذا قليلُ الوجود إلاّ أن يشذ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران.
ت: والصحيح في هذا الباب: «أَنَّ أوْلادَ المُشْرِكينَ في الجَنَّةِ، وأمَّا أَوَلاَدُ المُسْلِمِينَ فَفِي الجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ» متفق عليه.
وقد أَسند أَبو عُمَرَ في «التمهيد» «٤» من طريق أنس عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «سألتُ رَبِّي في اللاَّهين مِنْ ذًرِّيَّةِ البَشَرِ ألاَّ يُعَذَّبَهُمْ فَأَعْطانِيهِمْ» «٥» .
قال أبو عمر: إنّما قيل للأطفال:
الَّلاهُوَنَ «١» لأن أعمالهم كاللهو، واللعب من غير عقد، ولا عَزْم، ثم أسند أبو عمر، ١٥ ب/ عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «أَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّةِ» «٢» .
قال أبو عمر «٣» ، وروى شُعْبةِ، وسعيد بن أبي عروبة، وأبو عَوَانة، عن قتادة، عن أَبي سراية العجلي، عن سَلْمَان قال: أَطْفَالُ المُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّةِ» .
وذكرِ البخاري حَدِيثَ الرؤيا الطويل، وفيه: «وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ، فَإنَّهُ إبْرَاهِيمَ عليه السلام وأمَّا الوِلْدَانُ حَوْلَهُ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولدُ عَلَى الفِطْرَةِ، قَالَ: فقيل: يَا رَسُولَ اللَّه، وأَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ؟
فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: وأَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ» ، وفي رواية:
«والصبيان حَوْلَهُ أَوْلاَدُ النَّاسِ» وظاهره العمومُ في جميع أولاد الناس.
انتهى [من التمهيد] «٤» والذُّلُّ، والخِزْيُ مقترنان بعذاب الآخرة.
وقوله: قُلْ كُلٌّ أَيْ: مِنَّا ومنكم مُتَرَبِّصٌ والتربصُ: التأَنِّي، والصِّراطُ:
الطريق، وهذا وَعِيدٌ بَيِّنٌ والله الموفّق، والهادي إلى الرشاد بفضله.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ﴿ لَوْلا ﴾ ؛ أيْ: هَلّا يَأْتِينا مُحَمَّدٌ ﴿ بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ ؛ أيْ: كَآياتِ الأنْبِياءِ، نَحْوَ النّاقَةِ والعَصا.
﴿ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تَأْتِهِمْ ) بِالتّاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَأْتِهِمْ ) بِالياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى ﴾ ؛ أيْ: أوَلَمْ يَأْتِهِمْ في القُرْآنِ بَيانُ ما في الكُتُبِ مِن أخْبارِ الأُمَمِ الَّتِي أهْلَكْناها لَمّا سَألُوا الآياتِ ثُمَّ كَفَرُوا بِها، فَما يُؤَمِّنُهم أنْ تَكُونَ حالُهم في سُؤالِ الآياتِ كَحالِ أُولَئِكَ ؟
﴿ وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿ بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ ﴾ في الهاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكُتّابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: إلى الرَّسُولِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقالُوا ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ رَبَّنا لَوْلا ﴾ ؛ أيْ: هَلّا، ﴿ أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا ﴾ يَدْعُونا إلى طاعَتِكَ، ﴿ فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ﴾ ؛ أيْ: نَعْمَلُ بِمُقْتَضاها، ﴿ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ﴾ بِالعَذابِ، ﴿ وَنَخْزى ﴾ في جَهَنَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: ( نُذُلُّ ونُخْزى ) بِرَفْعِ النُّونِ فِيهِما وفَتْحِ الذّالِ.
﴿ قُلْ ﴾ لَهم يا مُحَمَّدُ: ﴿ كُلٌّ ﴾ مِنّا ومِنكم ﴿ مُتَرَبِّصٌ ﴾ ؛ أيْ: نَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمُ العَذابَ في الدُّنْيا، وأنْتُمْ تَتَرَبَّصُونَ بِنا الدَّوائِرَ، ﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ ؛ أيْ: فانْتَظِرُوا، ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ إذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ، ﴿ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ﴾ ؛ أيِ: الدِّينِ المُسْتَقِيمِ، ﴿ وَمَنِ اهْتَدى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، أنْحَنِ أمْ أنْتُمْ ؟
وقِيلَ: هَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى ﴾ ﴿ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِراطِ السَوِيِّ ومَنِ اهْتَدى ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا أنَّهُ لَوْ أهْلَكَ هَذِهِ الأُمَّةَ الكافِرَةَ قَبْلَ إرْسالِهِ إلَيْهِمْ مُحَمَّدًا لَقامَتْ لَهم حُجَّةٌ وقالُوا: ﴿ لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا ﴾ الآيَةَ.
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ عَنِ النَبِيِّ ، قالَ: «يَحْتَجُّ عَلى اللهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الهالِكُ في الفَتْرَةِ، والمَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ، والصَبِيُّ الصَغِيرُ، فَيَقُولُ المَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ: رَبِّ، لِمْ لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا؟
ويَقُولُ الصَبِيُّ نَحْوَهُ، ويَقُولُ الهالِكُ في الفَتْرَةِ: يارَبِّ، لِمْ لَمْ تُرْسِلْ إلَيَّ رَسُولًا؟
ولَوْ جاءَنِي لَكُنْتُ أطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ، قالَ: فَتُرْفَعُ لَهم نارٌ، ويُقالُ لَهُمْ: رُدُّوها، قالَ: فَيَرُدُّها مَن كانَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ سَعِيدٌ، ويَكِعُّ عنها الشَقِيُّ، فَيَقُولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: إيّايَ عَصَيْتُمْ، فَكَيْفَ بِرُسُلِي لَوْ أتَتْكُمْ؟"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أمّا الصَبِيُّ والمَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ فَبَيِّنٌ أمْرُهُما، وأمّا صاحِبُ الفَتْرَةِ فَلَيْسَ كَكُفّارِ قُرَيْشٍ قَبْلَ النَبِيِّ ؛ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ وغَيْرَهم مِمَّنْ عَلِمْ وسَمِعَ عن نُبُوَّةٍ ورِسالَةٍ في أقْطارِ الأرْضِ فَلَيْسَ بِصاحِبِ فَتْرَةٍ، والنَبِيُّ قَدْ «قالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي سَألَهُ عن أبِيهِ: أبِي وأبُوكَ في النارِ»، ورَأى عَمْرُو بْنُ لِحَيٍّ في النارِ، إلى غَيْرِ هَذا مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وإنَّما صاحِبُ الفَتْرَةِ يَفْرِضُ أنَّهُ آدَمِيٌّ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ رَسُولًا ولا دَعا إلى دِينٍ، وهَذا قَلِيلُ الوُجُودِ، اللهم إلّا أنْ يَشِذَّ في أطْرافِ الأرْضِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ العُمْرانِ، و الذُلُّ والخِزْيُ مُقْتَرِنانِ بِعَذابِ الآخِرَةِ،.
ثُمْ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا أنْ يَتَوَعَّدَهم ويَحْمِلَهم ونَفْسَهُ عَلى التَرَبُّصِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، و"التَرَبُّصُ": التَأنِّي، و"الصِراطُ": الطَرِيقُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مِن أصْحابِ الصِراطِ السَوِيِّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الصِراطَ السَواءَ"، فَكَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَسَّمَتِ الفَرِيقَيْنِ، أيْ: سَتَعْلَمُونَ هَذا مِن هَذا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الصِراطَ السَوّا" بِشَدِّ الواوِ وفَتْحِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الصِراطَ السُوؤى" بِضَمِّ السِينِ وهَمْزَةٍ عَلى الواوِ، عَلى وزْنِ فَعْلى.
و"مَنِ اهْتَدى" مَعْناهُ: رَشِدَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
جواب عن قولهم ﴿ لولا يأتينا بآية من ربه ﴾ [طه: 133] وما بينهما اعتراض.
والمعنى: كل فريق متربص فأنتم تتربصون بالإيمان، أي تؤخرون الإيمان إلى أن تأتيكم آية من ربّي، ونحن نتربص أن يأتيكم عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، وتفرع عليه جملة ﴿ يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ﴾ [النساء: 136]، أي فداوموا على تربصكم.
وصيغة الأمر فيه مستعملة في الإنذار، ويسمى المتاركة، أي نترككم وتربصَكم لأنا مؤمنون بسوء مصيركم.
وفي معناه قوله تعالى: ﴿ فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون ﴾ [السجدة: 30].
وفي ما يقرب من هذا جاء قوله ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون ﴾ [التوبة: 52].
وتنوين {كلّ تنوين عوض عن المضاف إليه المفهوم من المقام، كقول الفضل بن عبّاس اللّهَبي: كلّ له نِية في بُغض صاحبه *** بنعمة الله نقليكم وتقلونا والتربص: الانتظار.
تفعّل من الربْص، وهو انتظار حصول حدث من خير أو شرّ، وقد تقدّم في سورة براءة.
وفرع على المتاركة إعلامهم بأنهم يعلمون في المستقبل مَن مِن الفريقين أصحاب الصراط المستقيم ومن هم المهتدون.
وهذا تعريض بأن المؤمنين هم أصحاب الصراط المستقيم المهتدون، لأنّ مثل هذا الكلام لا يقوله في مقام المحاجّة والمتاركة إلا الموقن بأنه المحق.
وفِعل (تعلمون) معلق عن العمل لوجود الاستفهام.
والصراط: الطريق.
وهو مستعار هنا للدّين والاعتقاد، كقوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ [الفاتحة: 6].
والسوي: فعيل بمعنى مفعول، أي الصراط المسَوّى، وهو مشتق من التسوية.
والمعنى: يحتمل أنهم يعلمون ذلك في الدنيا عند انتشار الإسلام وانتصار المسلمين، فيكون الذين يعلمون ذلك مَن يبقى من الكفار المخاطبين حين نزول الآية سواء ممن لم يسلموا مثل أبي جهل، وصناديد المشركين الذين شاهدوا نصر الدين يوم بَدر، أو من أسلموا مثل أبي سفيان، وخالد بن الوليد.
ومن شاهدوا عزّة الإسلام.
ويحتمل أنهم يعلمون ذلك في الآخرة عِلم اليقين.
وقد جاءت خاتمة هذه السورة كأبلغ خواتم الكلام لإيذانها بانتهاء المحاجَة وانطواء بساط المقارعة.
ومن محاسنها: أن فيها شبيه رد العجز على الصدر لأنّها تنظر إلى فاتحة السورة.
وهي قوله ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى ﴾ [طه: 2]، لأن الخاتمة تدل على أنه قد بلّغ كل ما بعث به من الإرشاد والاستدلال، فإذا لم يهتدوا به فكفاه انثلاجَ صدره أنه أدى الرسالة والتذكرة فلم يكونوا من أهل الخشية فتركهم وضلالهم حتى يتبين لهم أنه الحق.
الجزء السابع عشر
﴿ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ ﴾ أيْ مُنْتَظِرٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مُنْتَظِرٌ النَّصْرَ عَلى صاحِبِهِ.
الثّانِي: ظُهُورُ الحَقِّ في عَمَلِهِ.
﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ.
﴿ فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَسَتَعْلَمُونَ بِالنَّصْرِ مَن أهْدى إلى دِينِ الحَقِّ.
الثّانِي: فَسَتَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مَن أهْدى إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
.
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ﴾ قال: التوراة والإنجيل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية قال: الهالك في الفترة والمعتوه والمولود يقول: رب لم يأتني كتاب ولا رسول.
وقرأ هذه الآية ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ أصحاب الصراط السوي ﴾ قال: العدل.
قوله تعالى: ﴿ قُلْ ﴾ أي: قل لهم يا محمد ﴿ كُلٌّ ﴾ منا ومنكم ﴿ مُتَرَبِّصٌ ﴾ مهو نحن نتربص بكم وعدا لنا فيكم، وأنتم تتربصون بنا الدوائر فتستريحوا منا (١) ﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ أي: فانتظروا.
﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ إذا جاء أمر الله وقامت القيامة ﴿ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ ﴾ قال ابن عباس: (يريد الدين المستقيم) (٢) ﴿ مَنِ اهْتَدَى ﴾ أي: من الضلالة أنحن أم أنتم.
(١) ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة الطور الآيتان (30، 31): ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾.
(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "النكت والعيون" 3/ 434، "معالم التنزيل" 5/ 305، "زاد المسير" 5/ 337، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 265، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 190.
﴿ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ ﴾ أي قل كل واحد منا ومنكم منتظر لما يكون من هذا الأمر ﴿ فَتَرَبَّصُواْ ﴾ تهديد ﴿ الصراط السوي ﴾ المستقيم.
القراءات: ﴿ وإنك ﴾ بالكسر: أبو بكر وحماد والخراز ونافع.
الباقون بالفتح عطفاً على ﴿ أن لا تجوع ﴾ ولا يلزم منه دخول "إن" المكسورة على المفتوحة للفصل بالخبر، ولأنه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه ﴿ أعمى ﴾ بالإمالة.
حمزة وعلي وخلف ﴿ حشرتني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
﴿ ترضى ﴾ مبيناً للمفعول: علي وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ زهرة ﴾ بفتح الهاء: قتيبة وسهل ويعقوب.
الآخرون بسكونها.
وقرأ حمزة وعلي وخلف هذه السورة وكل سورة آياتها على الياء بالإمالة المفرطة وإن شاء بين الفتح والكسر.
الوقوف: ﴿ عزماً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أبى ﴾ ه ﴿ فتشقى ﴾ ه ﴿ ولا تعرى ﴾ ه، لمن قرأ ﴿ وإنك ﴾ بالكسر ﴿ ولا تضحى ﴾ ه ﴿ لا يبلى ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ز لنوع عدول عن ذكر حال اثنين إلى بيان فعل من هو المقصود ﴿ فغوى ﴾ ه ص ﴿ وهدى ﴾ ه ﴿ عدوّ ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء ﴿ ولا يشقى ﴾ ، ه ﴿ يوم القيامة أعمى ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ فنسيتها ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ تنسى ﴾ ه ﴿ يآت ربه ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ النهي ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ه ط ﴿ غروبها ﴾ ج لعطف الجملتين مع اختلاف النظم ﴿ يرضى ﴾ ه ﴿ لنفتنهم فيه ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ نرزقك ﴾ ط ﴿ للتقوى ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ الأولى ﴾ ه ﴿ ونخزى ﴾ ه ﴿ فتربصوا ﴾ ج لسين التهديد مع الفاء ﴿ اهتدى ﴾ ه.
التفسير: في تعلق قصة آدم بما قبلها وجوه منها: أنه لما قال: ﴿ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ﴾ ثم عظم شأن القرآن وبالغ فيه ذكر القصة إنجازاً للوعد.
ومنها أنه لما قال: ﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ أردفه بهذه القصة ليعلم أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم وخلة موروثة، وذلك أنه عهد إلى آدم من قبل هؤلاء الذين صرف لأجلهم الوعيد فنسي وترك العهد.
ومنها أن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ دليل على أنه زاد على قدر الواجب في رعاية أمر الدين وكان مفرطاً في أداء الرسالة وحفظ ما أمر به فناسب أن يعطف عليه قصة آدم لأنه كان موسوماً بالتفريط والإفراط والتفريط كلاهما من باب ترك الأولى، وإذا كان أوّل الأنبياء وخاتمهم موصوفين بما فيه نوع تقصير فما ظنك بغيرهما!
ومن هنا يعرف أفضلية الخاتم فإنه سعى في طلب الكمال إلى أن عوتب بالخروج عن حد الاعتدال، وآدم توسط في حيز النقصان فلا جرم وسم بالظلم والعصيان.
ومنها أن محمداً أمر بأن يقول ﴿ رب زدني علماً ﴾ ثم ذكر عقيبه قصة آدم تنبيهاً على أن بني آدم مفتقرون في جميع أحوالهم إلى التضرع واللجأ إلى الله حتى ينفتح عليهم أبواب التيسير في العلم والعمل.
ومعنى ﴿ عهدنا إلى آدم ﴾ أمرناه ووصيناه ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل محمد والقرآن.
وفي النسيان قولان: أحدهما أنه نقيض الذكر.
عن الحسن: والله ما عصي قط إلا بنسيان.
والثاني أن معناه الترك وعلى هذا يحتمل أن يقال: أقدم على الأكل من غير تأويل.
وأن يقال: أقدم عليه بتأويل قد مر في "البقرة".
قال أهل الإشارة: عهد إليه أن لا يعلق نوره فانقاد للشيطان وهو النسيان.
والعزم أيضاً فيه أقوال: أحدها عزماً على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمد.
وثانيها عزماً في العود إلى الذنب ثانياً.
وثالثها رأياً وصبراً أي لم يكن من أهل العزيمة والثبات إذ كان من حقه أن يتصلب في المأمور به تصلباً يؤيس الشيطان من التسويل.
قال جار الله: قوله: ﴿ ولم نجد له ﴾ يجوز أن يكون بمعنى العلم ومفعولاه ﴿ له عزماً ﴾ وأن يكون بمعنى نقيض العدم كأنه قال: وعد مثاله عزماً.
قوله: ﴿ وإذ قلنا للملائكة ﴾ سلف في "البقرة" مستقصى قوله: ﴿ إن هذا عدوّ لك ﴾ ذكروا في سبب عداوته إياه أنه كان شاباً عالماً لقوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ وإبليس كان شيخاً جاهلاً لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله، والشيخ الجاهل أبداً يكون عدوّاً للشاب العالم.
وأيضاً الماء والتراب مضادان للنار ﴿ فلا يخرجنكما ﴾ فلا يكون سبباً لإخراجكما لأن الفاعل الحقيقي هو الله ﴿ فتشقى ﴾ فتتعب في طلب القوت وسائر ما يتعيش به الإنسان أسند الشقاء إليه وحده مع اشتراكهما في الخروج لأن الرجل أصل في باب الإنفاق والكسب والمرأة تابعة له.
ثم بين ذلك الشقاء بقوله: ﴿ إن لك ألا تجوع فيها ﴾ إلى آخره.
والظمأ العطش وتقول: ضحيت للشمس بالكسر أضحى ضحاء ممدوداً إذا برزت لها.
والمراد به الكن مع أن الجنة ليس فيها شمس حتى يتصور فيها الضحاء، نفى كون هذه الأمور في الجنة ليثبت حصولها في غيرها.
ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي: الشبع والري الكسوة والكن.
وأما المنكوح فمشترك إلا أن مؤن النكاح تختص بالدنيا وأنها أيضاً ترجع إلى المذكورات.
يروى أنه كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع.
﴿ فوسوس إليه الشيطان ﴾ أنهى إليه وسوسة كما مر في "الأعراف".
بيان الوسوسة أنه ﴿ قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ﴾ أضافها إلى الخلد وهو الخلود لأن من أكل منها بزعمه كما قيل لحيزوم فرس الحياة لأنه من باشر أثره حيي ﴿ وملك لا يبلى ﴾ أي لا ينقطع ولا يزول.
قال القاضي: ليس في الظاهر أنه قيل ذلك منه لأنه لا بد أن يحصل بين حال التكليف وحال المجازاة فصل بالموت، والنبي يمتنع أن لا يعلم هذا القدر.
وأجيب بالمنع ولو سلم فلم لا يكفي الفصل بغشي أو نوح خفيف.
ولو سلم أنه لا يكفي فلم استحال أن يجهل النبي ذلك كما جهل عدم جواز الرؤية زعمكم حين قال: ﴿ أرني أنظر إليك ﴾ ومما يدل على أن آدم قبل وسوسته قوله : ﴿ فأكلا ﴾ بالفاء مشعر بالعلية كقول الصحابي: "زنى ماعز فرجم" وما في الآية قد مر تفسيره في "الأعراف" إلا قوله: ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ قال بعض الناس: إن آدم ذنبه كبيرة وإلا لم يوصف بالعصيان والغواية فإن العاصي والغاوي اسمان مذمومان عرفاً وشرعاً وقد ترتب الوعيد عليهما.
وأجيب بأن المعصية مخالفة الأمر والأمر قد يكون مندوباً.
وزيف بالمنع من أن المندوب غير مأمور به.
ثم أن مخالفة عاص وإلا كان الأنبياء كلهم عصاة لأنهم لا ينكفون عن ترك المندوب.
قالوا: يقال أشرت إليه في أمر كذا فعصاني وأمرته بشرب الدواء فعصاني.
وأجيب بالمنع من أن هذا من مستعملات العرب العاربة، ولو سلم فلعله إنما يقال ذلك إذا عرف أن المستشير لا بد له أن يفعل ذلك، وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً وإن لم يكن وجوب شرعي لأن ذلك الإيجاب لم يصدر عن الشارع.
ومنهم من زعم أنه ذنب صغير وهم عامة المعتزلة ورد بأن المعاصي إسم من يستحق العقاب وهذا لا يليق بالصغيرة.
وأجاب أبو مسلم الأصفهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف ولهذا قال ﴿ فغوى ﴾ أي خاب من نعيم الجنة لأن الرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود والغي ضده، وأنه سعى في طلب الخلود فنال ضد المقصود.
وعن بعضهم ﴿ فغوى ﴾ أي بشم من كثرة الأكل وزيفه جار الله.
ورد قول أبي مسلم بأن مصالح الدنيا تكون مباحة فلا يوصل تاركها بالعصيان.
قلت: في هذا نظر، والأحوط في هذا الباب أن يعتقد كون هذه الواقعة قبل النبوة بدليل قوله: ﴿ ثم اجتباه ربه ﴾ أي اختاره للرسالة ﴿ وهدى ﴾ لحفظ أسباب العصمة.
أصل الاجتباء هو الجمع كما مر في آخر "الأعراف".
يروى عن أبي أمامة: لو وزنت أحلام بني آدم لرجح حلمه.
وقد قال الله : ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ قال العلماء: فيه دليل على أنه لا رادَّ لقضائه وما قدره كائن لا محالة، وإذا جاء القضاء عمي البصر والدليل قد يكون غاية الظهور ومع ذلك يخفى على أعقل الناس كما خفي على آدم عداوة إبليس، وأنه تعرّض لسخط الله في شأنه حين امتنع من سجوده فكيف قبل من وسوسة ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ قال المحققون: الأولى أن لا يطلق لفظ العاصي والغاوي على آدم وإن ورد في القرآن ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ لأنه لم تصدر عنه الزلة إلا مرة واحدة.
وصيغة اسم الفاعل تنبىْ عن المزاولة، ولأن المسلم إذ تاب عن الشرب أو الزنا وحسنت توبته لا يقال له شارب وزان، ولأن السيد يجوز له أن يشتم عبده بما شاء وليس لغيره ذلك.
﴿ قال اهبطا ﴾ قد مر تفسير مثله في "البقرة" خاطبهما بالهبوط لأنهما أصلا البشر ثم عم الخطاب لهما ولذريتهما في قوله ﴿ فإما يأتينكم ﴾ أما قوله: ﴿ بعضكم لبعض عدوّ ﴾ فقد قال القاضي: يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس والناس أعداء لهم، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام.
عن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا قوله: ﴿ فمن ابتع هداي فلا يضل ولا يشقى ﴾ والسبب فيه أن العقاب في الآخرة لأجل أنه قد ضل عن الدين في مدة التكليف، واتباع كتاب الله يستلزم عدم الضلال عن الدين المستتبع للنجاة من العقاب في الآخرة.
وأما الشقاء الذي قد يلحق المؤمن في الدنيا فلا اعتداد به لقصر مدته على أن الرضا بالقضاء يهوّن عليه مصائب الدنيا وآفاتها.
ثم ذكر وعيد من أعرض عن ذكره ظاهر الكلام يدل على أن الذكر ههنا هو الهدى المذكور لأن قوله: ﴿ ومن أعرض عن ذكري ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ فمن اتبع هداي ﴾ .
وقد مر في أول "البقرة" أن المراد به الشريعة والبيان.
وقال كثير من المفسرين: إن الذكر هو القرآن وسائر كتب الله وفيه نوع تخصيص.
والضنك الضيق مصدر وصف به.
ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث.
يقال: منزل ضنك ومعيشة ضنك كأنه قيل: ذات ضنك.
قالت الحكماء: عيش الدنيا ضنك ضيق لانقضائه وقصر مدّته وكثرة شوائبه، وإنما العيش الواسع عيش الآخرة.
وهذا الضيق المتوعد به إما في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة مال إلى كل طائفة.
أما لأول فلأن المسلم الراضي بقضاء ربه معه من التسليم والتوكل والقناعة ما يعيش به عيشاً رافغاً.
والمعرض عن الدين متول عليه الحرص والشح فلا ينفك عن الانقباض ولطموح ما ليس يناله من الفراغ والرفاغ الكلي فلا هم له إلا هم الدنيا.
عن ابن عباس: المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها، ومن الكفرة من ضربت عليه الذلة والمسكنة.
وسئل الشبلي عن قوله : "إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية" فقال: أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله فعقوبتهم أن يردهم الله إلى أنفسهم وأيّ معيشة أضيق وأشد من أن يرد الأنسان إلى نفسه.
قلت: التحقيق أن بعض البليات من العقوبات فطلب العافية منها لازم، وبعضها لمزيد الدرجات ولكن الإنسان خلق ضعيفاً فكثيراً ما يؤل أمر المبتلي إلى الجزع والفزع فيحرم الثواب فتطلب العافية من هذا القسم أيضاً خوفاً من المآل.
وأما الثاني فعن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري ورفعه أبو هريرة إلى النبي أنه: "عذاب القبر للكافر" وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأسود بن عبد الله المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيه أضلاعه.
وأما الثالث فعن الحسن وقتادة والكلبي أنه ضيق في الآخرة وفي جهنم، وأ طعامهم فيها الضريع والزقوم والحميم والغسلين، فلا يموتون فيها ولا يحيون.
أما قوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ كقوله: ﴿ ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً ﴾ فيمن فسر الزرق بالعمى ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً ﴾ ﴿ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ﴾ قال الجبائي: أراد أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيراً كالأعمى.
وعن مجاهد والضحاك ومقاتل أنه أراد أعمى عن الحجة وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال القاضي: هذا القول ضعيف لأنه لا بد في القيامة أن يعلمهم الله بطلان ما كانوا عليه بتمييزه لهم الحق من الباطل، ومن هذه حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً باعتبار ما كان، لكن قوله: ﴿ وقد كنت بصيراً ﴾ ينافيه.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا، فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر كما في الدنيا.
قال: والتحقيق في الجواب عن الاعتراض هو أن النفوس الجاهلة في الدنيا إذا فارقت أبدانها تبقى على جهالتها في الآخرة فتصير تلك الجهالة سبباً لأعظم الآلام الروحانية.
وأقول على القاضي: يحتمل أن يكون مجازاً باعتبار الغاية.
فقد ينفي الشيء باعتبار عدم غايته وثمرته فلا ينافي كونه أعمى في الآخرة بهذا الاعتبار إعلام الله إياه الحجة، ولا كونه بصيراً في الدنيا كونه أعمى في الآخرة بالاعتبار المذكور لأن المعرض عن الدليل يشبه أن يكون كافراً معانداً، ويكون الغرض من الإعلام التوبيخ والإلزام يؤيده قوله في جوابه: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك فعلت أنت.
ثم فسر ذلك بقوله: ﴿ أتتك آياتنا ﴾ أي دلائلنا وضاحة مستنيرة ﴿ فنسيتها ﴾ أي تركت العمل بها والقيام بموجبها ﴿ وكذلك اليوم تنسى ﴾ تترك بلا فائدة النظر والاعتبار.
وعلى الإمام الرازي: إنه لا يلزم من كون المكلف غير متضرر بنسيان الدلائل في الدنيا كونه غير متضرر به في الآخرة.
وأما قوله في الجواب المحقق بناء على قاعدة الحكيم إن جهل النفس يصير سبباً لتعذيبها فإن كان منعاً لقول المعتزلة إنه يعلم المكلف بطلان ما كان عليه في الدنيا فذاك لا يفتقر إلى العدول، وإن كان تسليماً لقولهم فمن أين يتحمل الاعتراض هذا وقد رأيت في بعض الآثار أن أشد الناس عمى يوم القيامة هم الذين حفظوا القرآن ثم نسوه.
دليله قوله تعالى: ﴿ أتتك آياتنا فنسيتها ﴾ اللَّهم اجعلني ممن يواظب على تلاوة كتابك حتى لا أنساه يوم ألقاك.
﴿ وكذلك نجزي من أسرف ﴾ قيل: عصى ربه.
والأظهر أنه أراد أشرك وكفر بدليل قوله: ﴿ ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة ﴾ وهو الحشر على العمى ﴿ أشد وأبقى ﴾ من ضيق المعيشة في العاجل أو أراد، وتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه لآياتنا.
ثم وبخ المعرضين عن الدلائل بعدم الاعتبار بأحوال القرون الخالية فقال: ﴿ أفلم يهد لهم ﴾ بالفاء وفي السجدة بالواو، لأن الكلام ههنا كالمتصل بقوله: ﴿ ومن أعرض عن ذكري ﴾ وهناك كالمنفصل عن الإعراض لأنه قال: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ﴾ .
وبعد ذلك أورد قصة موسى فناسب الاستئناف بالواو، وأما حذف من ههنا وإثباته هنالك فلما مر من أن "من" تفيد الاستيعاب وهنالك قد زاد في القرون بشرح قصة بني إسرائيل وما فيهم من الملوك والأنبياء.
قال في الكشاف: فاعل: ﴿ لم يهد ﴾ الجملة بعده.
وأنكر البصريون مثل هذا لأن الجملة لا تقع فاعلاً فلهذا قال: يريد أو لم يهد لهم هذا المعنى أو مضمون هذا الكلام.
قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيناً لهم.
وقال الزجاج: أراد أَوَ لَمْ نبين لهم ما يهدون به لو تدبروا وتأملوا.
وقيل: فيه ضمير الله أو الرسول والجملة بعده تفسره يريد أن قريشاً يتقلبون في السورة.
قال بعض أهل اللغة: إن للنبيه مزية على العقل فلا يقال إلا لمن له عقل ينتهي به عن القبائح فقوله: ﴿ أولي النهى ﴾ كقوله: ﴿ أولي العزم ﴾ والحزم ومن هذا فسره بعضهم بأهل الورع والتقوى.
ثم بين الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على من كذب من هذه الأمة فقال: ﴿ ولولا كلمة ﴾ هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة كتبها في اللوح المحفوظ وأخبر بها ملائكته ورسله لأن فيهم أو في نسلهم من يؤمن، أو لمصلحة أخرى خفية.
قال أهل السنة: إنه بحكم المالكية له أن يفعل ما يشاء من غير علة.
واللزام مصدر لازم وصف به.
وقيل: فعال لما يفعل به فهو بمعنى ملزم كأنه آلة اللزوم أي ﴿ لكان ﴾ الأخذ العاجل ﴿ لزاماً وأجل مسمى ﴾ وهو عذاب الآخرة.
وقيل: يوم بدر معطوف على ﴿ كلمة ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون معطوفاً على الضمير في كان.
ولعله إنما جوز ذلك للفصل أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل.
وحين بين أنه لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أمره بالصبر على ما يقولون من التكذيب وسائر الأذيات.
زعم الكلبي ومقاتل أنها منسوخة بآية القتال وليس بذاك فإن كلاً منهما معمول بها في موضعها ﴿ وسبح بحمد ربك ﴾ أي متلبساً بحمده على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه، والأكثرون أنها بمعنى الصلاة ليكون كقوله: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ ولأنه بين أوقاتها فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة الظهر والعصر لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار ﴿ ومن آناء الليل فسبح ﴾ المغرب والعتمة.
وقوله ﴿ وأطراف النهار ﴾ أي في طرفيه فجمع للمبالغة وأمن الإلباس، أو لأن أقل الجمع اثنان.
أو أراد طرفي كل نهار تكرار لصلاتي الفجر والعصر لا المغرب على ما ظن اعتناء بشأنهما كقوله ﴿ والصلاة الوسطى ﴾ وآناء جمع "أنى" وهو الساعة وقد مر في "آل عمران".
وإنما قدم آنا الليل وأدخل الفاء في ﴿ فسبح ﴾ المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها تنبيهاً على زيادة الاهتمام بشأن صلاة الليل، لأن الليل وقت السكون والراحة وهدوّ الأصوات فالصلاة فيه أشق على النفس وأدخل في الإخلاص وأقرب من المحافظة على الخشوع والإخبات.
وبعضهم أخرج من الآية صلاة الظهر لانه خصص قبل الغروب بصلاة العصر.
ومنهم من زاد فيها النوافل لأن الصلاة في الأوقات المذكورة تشملها والأمر قد يكون للندب لا أقل من التغليب.
وقال أبو مسلم: الأقرب حمل التسبيح على التنزيه والإجلال كأنه لما أمره بالصبر على أذية القوم بعثه على الاشتغال بالتقديس والمواظبة عليه في كل الأوقات.
وقوله: ﴿ لعلك ترضى ﴾ كقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ ولا ريب أن الأطماع من الكريم واجب الوقوع اللَّهم ارزقنا شفاعته.
ولما حث رسوله على الأمور الدينية نهاه عن الميل إلى الزخارف الدنيوية فقال: ﴿ ولا تمدّن عينيك ﴾ أي نظر عينيك.
ومد النظر تطويله استحساناً للمنظور إليه، وفيه أن النظر الغير الممدود معفوّ عنه كما لو نظر فغض.
وقال أبو مسلم: المنهي عنه في الآية ليس هو التطويل وإنما هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوا من حظ الدنيا.
قال أبو رافع: نزل ضيف بالنبي فبعثني إلى يهوديّ يستقرضه فقال: لا أقرضه إلا برهن.
فقال رسول الله : "إني لأمين في السماء وإني لأمين في الأرض،أحمل إليه درعي الحديد فنزلت.
" والأزواج الأصناف.
وقيل: أي أشكالاً وأشباهاً من الكفار لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب.
وقد مر في آخر الحجر.
ولقد شدد العلماء المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وملابسهم ومراكبهم لأنهم اتخذوها.
قال جار الله: انتصب ﴿ زهرة ﴾ على الذم، أو على تضمين متعنا بمعنى خولنا وأعطينا، أو على إبداله من محل ﴿ به ﴾ أو على إبداله من ﴿ أزواجاً ﴾ والتقدير ذوي زهرة وهي الزينة والبهجة.
ومن قرأ بفتح الهاء فبمعناها أيضاً أو هي جمع زاهر كأنهم لصفاء ألوانهم وظهور آثار النعومة عليهم زاهر وهذه الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب.
وقوله: ﴿ لنفتنهم ﴾ أي لنبلوهم كقوله: ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ﴾ وقيل: لعذبهم كقوله: ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم ﴾ .
وقال الكلبي ومقاتل: لنشدد عليهم في التكليف لأن الاجتناب عن المعاصي مع القدرة يكون أشق على النفس.
﴿ ورزق ربك ﴾ هو ثواب الآخرة أو ما رزقت من الإسلام والنبوّة ﴿ خير وأبقى ﴾ وقيل: أراد به الحلال الطيب الذي يحق أن ينسب إلى ربك خير من أموالهم التي غلب عليها الغصب والسرقة وسائر وجوه الخيانة، وأبقى بركة ونماء وحسن عاقبة.
﴿ وأمر أهلك ﴾ في سورة مريم ﴿ وكان يأمر أهله بالصلاة ﴾ أي أقبل أنت مع أهلك على عبادة الله.
ومن السلف من كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله رسوله ثم يتلو هذه الآية.
وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ ﴿ ولا تمدنّ عينيك ﴾ الآية.
ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله.
وكان رسول الله بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعليّ كل صباح ويقول: "الصلاة وكان يفعل ذلك شهراً" وقوله: ﴿ واصطبر عليها ﴾ أراد أنك كما تأمرهم بها فحافظ عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أثم منه بلسان القول ﴿ لا نسألك رزقاً ﴾ كما يريد الملوك خراجاً من رعيتهم والسادة خرجاً من عبيدهم ﴿ بل نحن نرزقك ﴾ كقوله: ﴿ وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ﴾ والحاصل أنا إنما أمرناك بالصلاة فذلك لأجل انتفاعك بثوابها لا لأنا ننتفع بها.
وقيل: لا نسألك رزقاً لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك وإياهم فلا تهتم بأمر الرزق والمعيشة وفرغ بالك لأمر الآخرة وفي معناه قولهم "من كان في عمل الله كان الله في عمله".
وقال أهل الإشارة ﴿ ورزق ربك ﴾ رمز إلى قوله: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" قال عبد الله بن سلام: كان النبي إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة.
﴿ والعاقبة ﴾ أي الجميلة ﴿ للتقوى ﴾ .
ثم عاد إلى قوله: ﴿ فاصبر على ما يقولون ﴾ فحكى واحدة من شبهاتهم هي قولهم: ﴿ لولا يأتينا بآية من ربه ﴾ كأنهم لم يتعدّوا بالقرآن الذي أخرس شقاشقهم فرد الله عليهم بقوله: ﴿ أولم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى ﴾ لأن القرآن برهان سائر الكتب المنزلة لأنه معجز دونها فهو شاهد لها بالصحة وأنها من عند الله.
وقيل: أراد بالبينة ما فيها من بشارة مقدم محمد .
وعن ابن جرير أنه ما رأوا فيها من قصص الأمم المكذبة وبيان إهلاكهم بعد اقتراح الآيات وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن فلهذا وصف القرآن بكونه ﴿ بينة ما في الصحف الأولى ﴾ ثم بين الحكمة في نزول القرآن فقال: ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ﴾ أي من قبل البرهان المذكور الدال عليه البينة ﴿ لقالوا ﴾ أي في القيامة لأن الهالك لا قول له في الدنيا.
وعن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: "يحتج على الله يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك وتلا قوله: ﴿ لولا أرسلت إلينا رسولاً ﴾ والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلاً أنتفع به.
ويقول الصبي: كنت صغيراً لا أعقل.
فيرفع لهم نار ويقال لهم ادخلوها فيدخلها من كان في عالم الله أنه سعيد ويتلكأ من كان في علمه أنه شقى.
فيقول الله : عسيتم اليوم فكيف برسولي لو أتاكم؟!" .
وطعن المعتزلة في هذا الخبر قالوا: لا يحسن العقاب على ما لم يفعل.
وقال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب فعل اللطف والمراد أنه يجيب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده وإلا كان لهم أن يقولوا: هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن.
وقال الكعبي: فيها أوضح دليل على أنه تعال يقبل الاحتجاج من عباده.
وليس معنى قوله: ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ أن الجور منه يكون عدلاً بل تأويله أنه لا يقع منه إلا العدل.
وإذا ثبت أنه يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة.
واستدل أهل السنة بها على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع وإلا لكان العقاب حاصلاً قبل مجيئه.
ثم ختم السورة بوعيد إجمالي فقال: ﴿ قل كل ﴾ أي كل منا ومنكم ﴿ متربص ﴾ عاقبة أمره وهذا الانتظار إما قبل الموت بسبب الأمر بالجهاد أو ظهور الدولة والغلبة، أو بالموت فإن كان واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه، وإما بعد الموت وهو ظهور أثر الثواب والعقاب وتمييز المحق المبطل ويؤديه قوله: ﴿ فستعلمون ﴾ إلى آخره وهذا من كلام المنصف وبالله المستعان.
(تم).
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .
سألوه أن يأتيهم بآية من عند ربه على رسالته ونبوته، فقال - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ ﴾ ، أي: قد أتاهم بينة على رسالته ونبوته ما في الصحف الأولى؛ لأن الكتب المتقدمة كانت بغير لسان رسول الله ، ولم يكن يعرف الكتابة بلسانه فضلا عن أن يعرف غيرها من الكتب التي كانت على غير لسانه، ثم أخبر عن الأنباء التي كانت في الكتب المتقدمة على ما كانت فيها؛ دل أنه إنما عرف تلك الأنباء والقصص التي كانت في كتبهم بالله ، فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ ﴾ أي: قد أتاهم على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ ﴾ ، أي: من قبل رسوله، ﴿ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ﴾ ، من الناس من يقول: ليس لله أن يعذبهم تعذيب إهلاك قبل أن يبعث رسولا، ويحتج بظاهر هذه الآية: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ .
وعندنا: له أن يهلكهم بعذاب قبل بعث الرسول إليهم؛ لأنه قد أقام عليهم حجة العقل ما لو تأملوا أو نظروا فيه، لعرفوا وأدركوا حق الله عليهم، فإذا كان كذلك فكان إهلاكه إياهم إهلاكاً عن بينة وحجة، لكنه بفضله ورحمته لا يهلكهم بأول آية يرسل عليهم حتى يرسل الآيات؛ إفضالا منه ومنة، وإلا كان له إهلاكهم بآية واحدة؛ فيكون قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ...
﴾ كذا، إنما ذلك لقطع ذلك القول منهم، لا أن كان لهم ذلك القول والاحتجاج بذلك؛ ولأن قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ...
﴾ كذا يخرج مخرج الامتنان به أنه لم يهلكهم قبل بعث الرسول؛ فدل أن له إهلاكهم قبل بعث الرسول؛ لما ذكرنا من إقامة حجة العقل عليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ ﴾ كانوا يتربصون هلاك رسول الله وانقلاب أمره، ورسول الله يتربص بهم عذاب الله ومواعيده فيهم.
قال الحسن: ﴿ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ ﴾ ، أي: تربصوا أنتم مواعيد الشيطان، ونحن نتربص مواعيد الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ .
قوله: ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ في الآخرة علم عيان ﴿ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ نحن أو أنتم، وفي الدنيا لو تأملوا ونظروا، لعلموا علم استدلال وإدراك من أصحاب الصراط السوي؟
قال بعضهم: ﴿ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ ﴾ : العدل.
وقال [بعضهم]: السوي: القيم.
وفي حرف ابن مسعود وأبي: (ومن اهتدى ومن على الهدى).
قل -أيها الرسول- لهؤلاء.
المكذبين: كل واحد منّا ومنكم منتظر ما يُجْزيه الله، فانتظروا أنتم، فستعلمون -لا محالة- مَن أصحاب الطريق المستقيم، ومَن المهتدون: نحن أم أنتم؟
من فوائد الآيات من الأسباب المعينة على تحمل إيذاء المعرضين استثمار الأوقات الفاضلة في التسبيح بحمد الله.
ينبغي على العبد إذا رأى من نفسه طموحًا إلى زينة الدنيا وإقبالًا عليها أن يوازن بين زينتها الزائلة ونعيم الآخرة الدائم.
على العبد أن يقيم الصلاة حق الإقامة، وإذا حَزَبَهُ أمْر صلى وأمَر أهله بالصلاة، وصبر عليهم تأسيًّا بالرسول .
العاقبة الجميلة المحمودة هي الجنة لأهل التقوى.