تفسير الآية ٨١ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٨١ من سورة طه

كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَلَا تَطْغَوْا۟ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى ۖ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ ٨١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٨١ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٨١ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال تعالى : ( كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ) أي : كلوا من هذا [ الرزق ] الذي رزقتكم ، ولا تطغوا في رزقي ، فتأخذوه من غير حاجة ، وتخالفوا ما آمركم به ، ( فيحل عليكم غضبي ) أي : أغضب عليكم ( ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أي : فقد شقي .

وقال شفي بن ماتع : إن في جهنم قصرا يرمى الكافر من أعلاه ، فيهوي في جهنم أربعين خريفا قبل أن يبلغ الصلصال ، وذلك قوله : ( ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ) رواه ابن أبي حاتم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) يقول تعالى ذكره: فلما نجا موسى بقومه من البحر، وغشي فرعون قومه من اليم ما غشيهم، قلنا لقوم موسى ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ) فِرْعَوْنَ (وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ وَنـزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ) وقد ذكرنا كيف كانت مواعدة الله موسى وقومه جانب الطور الأيمن، وقد بيَّنا المنّ والسلوى باختلاف المختلفين فيهما، وذكرنا الشواهد على الصواب من القول في &; 18-346 &; ذلك فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ ) فكانت عامة قرّاء المدينة والبصرة يقرءونه ( قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ ) بالنون والألف وسائر الحروف الأخرى معه كذلك، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ( قَدْ أنْجَيْتُكُمْ ) بالتاء، وكذلك سائر الحروف الأخر، إلى قوله ( وَنـزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ) فإنهم وافقوا الآخرين في ذلك وقرءوه بالنون والألف.

والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان باتفاق المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ ذلك فمصيب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

كلوا من طيبات ما رزقناكم أي من لذيذ الرزق .

وقيل : من حلاله إذ لا صنع فيه لآدمي فتدخله شبهة .

ولا تطغوا فيه أي لا تحملنكم السعة والعافية أن تعصوا ؛ لأن الطغيان التجاوز إلى ما لا يجوز .

وقيل : المعنى ؛ أي لا تكفروا النعمة ولا تنسوا شكر المنعم بها عليكم .

وقيل : أي ولا تستبدلوا بها شيئا آخر كما قال : أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير وقيل : لا تدخروا منه لأكثر من يوم وليلة ؛ قال ابن عباس : فيتدود عليهم ما ادخروه ؛ ولولا ذلك ما تدود طعام أبدا .فيحل عليكم غضبي أي يجب وينزل ، وهو منصوب بالفاء في جواب النهي من قوله : ولا تطغوا .

فيحل عليكم غضبي قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب والكسائي ( فيحل ) بضم الحاء ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب والكسائي ( ومن يحلل ) بضم اللام الأولى .

والباقون بالكسر وهما لغتان .

وحكى أبو عبيدة وغيره : أنه يقال : حل يحل إذا وجب وحل يحل إذا نزل .

وكذا قال [ ص: 146 ] الفراء : الضم من الحلول بمعنى الوقوع ، والكسر من الوجوب .

والمعنيان متقاربان إلا أن الكسر أولى ؛ لأنهم قد أجمعوا على قوله : ويحل عليه عذاب مقيم .

وغضب الله عقابه ونقمته وعذابه .

فقد هوى قال الزجاج : فقد هلك ؛ أي صار إلى الهاوية وهي قعر النار ، من هوى يهوي هويا أي سقط من علو إلى سفل ، وهوى فلان أي مات .

وذكر ابن المبارك : أخبرنا إسماعيل بن عياش قال حدثنا ثعلبة بن مسلم عن أيوب بن بشير عن شفي الأصبحي قال : إن في جهنم جبلا يدعى صعودا يطلع فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يرقاه ؛ قال الله تعالى : سأرهقه صعودا وإن في جهنم قصرا يقال له هوى يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله قال الله تعالى : ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى وذكر الحديث ؛ وقد ذكرناه في كتاب ( التذكرة ) .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } أي: واشكروه على ما أسدى إليكم من النعم { وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ } أي: في رزقه، فتستعملونه في معاصيه، وتبطرون النعمة، فإنكم إن فعلتم ذلك، حل عليكم غضبي أي: غضبت عليكم، ثم عذبتكم، { وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى } أي: ردى وهلك، وخاب وخسر، لأنه عدم الرضا والإحسان، وحل عليه الغضب والخسران.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) قرأ حمزة والكسائي : " أنجيتكم " ، و " واعدتكم " ، و " رزقتكم " بالتاء على التوحيد ، وقرأ الآخرون بالنون والألف على التعظيم ، ولم يختلفوا في ( ونزلنا ) لأنه مكتوب بالألف .

( ولا تطغوا فيه ) قال ابن عباس : لا تظلموا .

قال الكلبي : لا تكفروا النعمة فتكونوا طاغين .

وقيل : لا تنفقوا في معصيتي .

وقيل : لا تدخروا ، ثم ادخروا فتدود ، ( فيحل ) قرأ الأعمش ، والكسائي : " فيحل " بضم الحاء " ومن يحلل " بضم اللام ، أي : ينزل ، وقرأ الآخرون بكسرها أي : يجب ، ( عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ) هلك وتردى في النار .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«كلوا من طيبات ما رزقناكم» أي المنعم به عليكم «ولا تطغوا فيه» بأن تكفروا النعمة به «فيحل عليكم غضبي» بكسر الحاء: أي يجب وبضمها أي ينزل «ومن يحلل عليه غضبي» بكسر اللام وضمها «فقد هوى» سقط في النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كلوا من رزقنا الطيب، ولا تعتدوا فيه بأن يظلم بعضكم بعضًا، فينزل بكم غضبي، ومَن ينزل به غضبي فقد هلك وخسر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والأمر فى قوله - سبحانه - ( كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) للإباحة ، والجملة مقول لقول محذوف .

أى : وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم من المن والسلوى ، ومن غيرهما من اللذائذ التى أحلها الله لكم .وقوله - تعالى - : ( وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هوى ) تحذير لهم من تجاوز الحدود التى شرعها الله - تعالى - لهم ، إذ الطغيان مجاوزة الحد فى كل شىء .والضمير فى قوله ( فِيهِ ) يعود إلى الموصول الذى هو ( مَا ) فى قوله : ( مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ويحل - بكسر الحاء - بمعنى يجب .

يقال : حل أمر الله على فلان يحل حلالا بمعنى وجب .وقرأ الكسائى ( فَيَحُلَّ ) بضم الحاء بمعنى ينزل يقال : حل فلان بالمكان يحل - بالضم حلولا ، إذا نزل به .والمعنى : كلوا يا بنى إسرائيل من الطيبات التى رزقكم الله إياها واشكروه عليها ، ولا تتجاوزوا فيما رزقناكم الحدود التى شرعناها لكم ، فإنكم إذا فعلتم ذلك حق عليكم غضبى ، ونزل بكم عقابى ، ومن حق عليه غضبى ونزل به عقابى ( فَقَدْ هوى ) أى : إلى النار .وأصله السقوط من مكان مرتفع كجبل ونحوه .

يقال : هوى فلان - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا سقط إلى أسفل ، ثم استعمل فى الهلاك للزومه له .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن في قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى ﴾ دلالة على أن موسى عليه السلام في تلك الحالة كثر مستجيبوه.

فأراد الله تعالى تمييزهم من طائفة فرعون وخلاصهم فأوحى إليه أن يسري بهم ليلاً، والسري اسم لسير الليل والإسراء مثله، فإن قيل: ما الحكمة في أن يسري بهم ليلاً، قلنا لوجوه: أحدها: أن يكون اجتماعهم لا بمشهد من العدو فلا يمنعهم عن استكمال مرادهم في ذلك.

وثانيها: ليكون عائقاً عن طلب فرعون ومتبعيه.

وثالثها: ليكون إذا تقارب العسكران لا يرى عسكر موسى عسكر فرعون فلا يهابوهم، أما قوله: ﴿ فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً ﴾ ففيه وجهان: الأول: أي فاجعل لهم من قولهم ضرب له في ماله سهماً، وضرب اللبن عمله.

والثاني: بين لهم طريقاً في البحر بالضرب بالعصا وهو أن يضرب البحر بالعصا حتى ينفلق، فعدى الضرب إلى الطريق.

والحاصل أنه أريد بضرب الطريق جعل الطريق بالضرب يبساً ثم بين تعالى أن جميع أسباب الأمن كان حاصلاً في ذلك الطريق.

أحدها: أنه كان يبساً قرئ يابساً ويبساً بفتح الياء وتسكين الباء فمن قال: يابساً جعله بمعنى الطريق ومن قال يبساً بتحريك الباء فاليبس واليابس شيء واحد والمعنى طريقاً أيبس.

ومن قال: يبساً بتسكين الباء فهو مخفف عن اليبس، والمراد أنه ما كان فيه وحل ولا نداوة فضلاً عن الماء.

وثانيها: قوله: ﴿ لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى ﴾ أي لا تخاف أن يدركك فرعون فإني أحول بينك وبينه بالتأخير، قال سيبويه: قوله: ﴿ تَخَافُ ﴾ رفعه على وجهين: أحدهما: على الحال كقولك غير خائف ولا خاش.

والثاني: على الإبتداء أي أنت لا تخاف وهذا قول الفراء، قال الأخفش والزجاج: المعنى لا تخاف فيه كقوله: ﴿ واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ  ﴾ أي لا تجزي فيه نفس وقرأ حمزة لا تخف وفيه وجهان.

أحدهما: أنه نهي.

والثاني: قال أبو علي: جعله جواب الشرط على معنى إن تضرب لا تخف وعلى هذه القراءة ذكروا في قوله: ﴿ وَلاَ تخشى ﴾ ثلاثة أوجه.

أحدهما: أن يستأنف كأنه قيل وأنت لا تخشى أي ومن شأنك أنك آمن لا تخشى.

وثانيها: أن لا تكون الألف هي الألف المنقلبة عن الياء التي هي لام الفعل ولكن زائدة للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله تعالى: ﴿ فَأَضَلُّونَا السبيلا  ﴾ ﴿ وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا  ﴾ .

وثالثها: أن يكون مثل قوله: وتضحك مني شيخة عبشمية *** كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً وثالثها: قوله: ﴿ وَلاَ تخشى ﴾ والمعنى أنك لا تخاف إدراك فرعون ولا تخشى الغرق بالماء أما قوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ ﴾ قال أبو مسلم: زعم رواة اللغة أن أتبعهم وتبعهم واحد وذلك جائز ويحتمل أن تكون الباء زائدة والمعنى أتبعهم فرعون جنوده كقوله تعالى: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى  ﴾ أسرى بعبده وقال الزجاج: قرئ: (فأتبعهم فرعون وجنوده) أي ومعه جنوده وقرئ: ﴿ بِجُنُودِهِ ﴾ ومعناه ألحق جنوده بهم ويجوز أن يكون بمعنى معهم أما قوله: ﴿ فَغَشِيَهُمْ ﴾ فالمعنى: علاهم وسترهم وما غشيهم تعظيم للأمر أي غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى وقرئ: (فغشاهم من اليم ما غشيهم) وفاعل غشاهم إما الله سبحانه وتعالى أو ما غشيهم أو فرعون لأنه الذي ورط جنوده وتسبب في هلاكهم أما قوله: ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى ﴾ فاحتج القاضي به وقال لو كان الضلال من خلق الله تعالى لما جاز أن يقال وأضل فرعون قومه بل وجب أن يقال الله تعالى أضلهم ولأن الله تعالى ذمه بذلك فكيف يجوز أن يكون خالقاً للكفر لأن من ذم غيره بشيء لابد وأن يكون هو غير فاعل لذلك الفعل وإلا لاستحق ذلك الذم وقوله: ﴿ وَمَا هدى ﴾ تهكم به في قوله: ﴿ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد  ﴾ ولنذكر القصة وما فيها من المباحث.

قال ابن عباس رضي الله عنهما لما أمر الله تعالى موسى أن يقطع بقومه البحر وكان موسى عليه السلام وبنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحلى والدواب لعيد يخرجون إليه فخرج بهم ليلاً وهم ستمائة ألف وثلاثة آلاف ونيف ليس فيهم ابن ستين ولا عشرين وقد كان يوسف عليه السلام عهد إليهم عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر فلم يخرجوا بها فتحير القوم حتى دلتهم عجوز على موضع العظام فأخذوها فقال موسى عليه السلام للعجوز: احتكمي فقالت: أكون معك في الجنة.

وذكر ابن عباس أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأبا بكر هجموا على رجل من العرب وامرأة ليس لهم إلا عنز فذبحوها لهما فقال عليه السلام إذا سمعت برجل قد ظهر بيثرب فاته فلعل الله يرزقك منه خيراً، فلما سمع بظهور الرسول صلى الله عليه وسلم أتاه مع امرأته فقال: أتعرفني؟

قال: نعم عرفتك فقال له: احتكم، فقال: ثمانون ضانية فأعطاه إياها وقال له: أما إن عجوز بني إسرائيل خير منك وخرج فرعون في طلب موسى عليه السلام وعلى مقدمته ألف ألف وخمسمائة ألف سوى الجنبين والقلب فلما انتهى موسى إلى البحر قال: هاهنا أمرت ثم قال موسى عليه السلام للبحر: انفرق فأبى، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فقال لهم موسى عليه السلام: «ادخلوا فيه فقالوا: كيف وأرضه رطبة فدعا الله فهبت عليه الصبا فجفت فقالوا: نخاف الغرق في بعضنا فجعل بينهم كوى حتى يرى بعضهم بعضاً ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر فأقبل فرعون إلى تلك الطرق فقال قومه له: إن موسى قد سحر البحر فصار كما ترى وكان على فرس حصان وأقبل جبريل عليه السلام على فرس أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة فصار جبريل عليه السلام بين يدي فرعون وأبصر الحصان الفرس الحجر فاقتحم بفرعون على أثرها وصاحت الملائكة في الناس الحقوا الملك حتى إذا دخل آخرهم وكاد أولهم أن يخرج التقى البحر عليهم فغرقوا فسمع بنو إسرائيل خفقة البحر عليهم، فقالوا: ما هذا يا موسى؟

قال: قد أغرق الله فرعون وقومه فرجعوا لينظروا إليهم فقالوا: يا موسى ادع الله أن يخرجهم لنا حتى ننظر إليهم، فدعا فلفظهم البحر إلى الساحل وأصابوا من سلاحهم، وذكر ابن عباس أن جبريل عليه السلام قال: يا محمد لو رأيتني وأنا أدس فرعون في الماء والطين مخافة أن يتوب» فهذا معنى قوله: ﴿ فَغَشِيَهُمْ مّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ ﴾ وفي القصة أبحاث.

البحث الأول: روي في الأخبار أن موسى عليه السلام لما ضرب بعصاه البحر حصل اثنا عشر طريقاً يابساً يتهيأ طروقه وبقي الماء قائماً بين الطريق والطريق كالطود العظيم وهو الجبل.

فأخذ كل سبط من بني إسرائيل في طريق من هذه الطرق.

ومنهم من قال: بل حصل طريق واحد وحجة القول الأول الأخبار ومن القرآن قوله تعالى: ﴿ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم  ﴾ وذلك لا يحصل إلا إذا حصل هناك طرق حتى يكون الماء القائم بين الطريقين كالطود العظيم وحجة القول الثاني ظاهر قوله: ﴿ فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً ﴾ وذلك يتناول الطريق الواحد وإن أمكن حمله على الطرق نظراً إلى الجنس.

البحث الثاني: روي أن بني إسرائيل بعد أن أظهر موسى عليه السلام لهم الطريق وبينها لهم تعنتوا وقالوا: نريد أن يرى بعضنا بعضاً وهذا كالبعيد وذلك أن القوم لما أبصروا مجيء فرعون صاروا في نهاية الخوف والخائف إذا وجد طريق الفرار والخلاص كيف يتفرغ للتعنت البارد.

البحث الثالث: أن فرعون كان عاقلاً بل كان في نهاية الدهاء فكيف اختار إلقاء نفسه إلى التهلكة فإنه كان يعلم من نفسه أن انفلاق البحر ليس بأمره فعند هذا ذكروا وجهين.

أحدهما: أن جبريل عليه السلام كان على الرمكة فتبعه فرس فرعون، ولقائل أن يقول: هذا بعيد لأنه يبعد أن يكون خوض الملك في أمثال هذه المواضع مقدماً على خوض جميع العسكر وما ذكروه إنما يتم إذا كان الأمر كذلك وأيضاً فلو كان الأمر على ما قالوه لكان فرعون في ذلك الدخول كالمجبور وذلك مما يزيده خوفاً ويحمله على الإمساك في أن لا يدخل وأيضاً فأي حاجة لجبريل عليه السلام إلى هذه الحيلة وقد كان يمكنه أن يأخذه مع قومه ويرميه في الماء ابتداء، بل الأولى أن يقال: إنه أمر مقدمة عسكره بالدخول فدخلوا وما غرقوا فغلب على ظنه السلامة فلما دخل الكل أغرقهم الله تعالى.

البحث الرابع: أن الذي نقل عن جبريل عليه السلام أنه كان يدسه في الماء والطين خوفاً من أن يؤمن فبعيد لأن المنع من الإيمان لا يليق بالملائكة والأنبياء عليهم السلام.

البحث الخامس: الذي روي أن موسى عليه السلام كلم البحر قال له: انفلق لي لأعبر عليك، فقال البحر: لا يمر علي رجل عاص.

فهو غير ممتنع على أصولنا لأن عندنا البنية ليست شرطاً للحياة وعند المعتزلة أن ذلك على لسان الحال لا على لسان المقال، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يابنى إسراءيل ﴾ خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك آل فرعون، وقيل: هو للذين كانوا منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منّ الله عليهم بما فعل بآبائهم والوجه هو الأوّل، أي: قلنا يا بني إسرائيل، وحذف القول كثير في القرآن.

وقرئ ﴿ أنجيتكم ﴾ إلى (رزقتكم)، وعلى لفظ الوعد والمواعدة.

وقرئ ﴿ الأيمن ﴾ بالجر على الجوار، نحو (جحر ضب خرب).

ذكرهم النعمة في نجاتهم وهلاك عدوهم، وفيما واعد موسى صلوات الله عليه من المناجاة بجانب الطور، وكتب التوراة في الألواح.

وإنما عدّى المواعدة إليهم لأنها لابستهم واتصلت بهم حيث كانت لنبيهم ونقبائهم، وإليهم رجعت منافعها التي قام بها دينهم وشرعهم، وفيما أفاض عليهم من سائر نعمه وأرزاقه ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ طغيانهم في النعمة: أن يتعدّوا حدود الله فيها بأن يكفروها ويشغلهم اللهو والتنعم عن القيام بشكرها، وأن ينفقوها في المعاصي: وأن يزووا حقوق الفقراء فيها، وأن يسرفوا في إنفاقها وأن يبطروا فيها ويأشروا ويتكبروا.

قرئ ﴿ فَيَحِلَّ ﴾ وعن عبد الله ﴿ لا يحلن ﴾ ﴿ وَمَن يَحْلِلْ ﴾ المكسور في معنى الوجوب، من حل الدّين يحل إذا وجب أداؤه.

ومنه قوله تعالى: ﴿ حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ ﴾ [البقرة: 196] والمضموم في معنى النزول.

وغضب الله: عقوباته ولذلك وصف بالنزول ﴿ هوى ﴾ هلك.

وأصله أن يسقط من جبل فيهلك.

قالت: هَوَى مِنْ رَأْسِ مَرْقَبَةٍ ** فَفُتِّتَ تَحْتَهَا كَبِدُهْ ويقولون: هوت أمّه.

أو سقط سقوطاً لا نهوض بعده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ خِطابٌ لَهم بَعْدَ إنْجائِهِمْ مِنَ البَحْرِ وإهْلاكِ فِرْعَوْنَ عَلى إضْمارِ قُلْنا، أوْ لِلَّذِينِ مِنهم في عَهْدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما فُعِلَ بِآبائِهِمْ.

﴿ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ ﴾ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

﴿ وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ﴾ بِمُناجاةِ مُوسى وإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ، وإنَّما عَدَّ المُواعِدَةَ إلَيْهِمْ وهي لِمُوسى أوَّلُهُ ولِلسَّبْعِينَ المُخْتارِينَ لِلْمُلابَسَةِ.

﴿ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى ﴾ يَعْنِي في التِّيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{كُلُواْ مِن طيبات} حلالات {مَا رزقناكم} أنجيتكم وواعدتك ورزقتكم كوفي غير عاصم {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} ولا تتعدوا حدود الله فيه بأن تكفروا النعم وتنفقوها في المعاصي أولا يظلم بعضكم بعضاً {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى} عقوبتي {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هوى} هلك أو سقط سقوطا لا نهوض قرا على فيحل ويحلل والباون بكسرهما فالمسكور في معنى الوجوب من حل الدين بحل إذ وجب اداؤ وجب أداؤه والمضموم في معنى النزول

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ أيْ: مِن لَذائِذِهِ أوْ حَلالاتِهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالطَّيِّبِ ما يَسْتَطِيبُهُ الطَّبْعُ أوِ الشَّرْعُ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطَّيِّباتِ ما جَمَعَتْ وصْفَيِ اللَّذَّةِ والحِلِّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ إباحَةِ ما ذُكِرَ لَهم وإتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، وقَرَأ مَن ذُكِرَ آنِفًا ( رَزَقْتُكم ) وقَدَّمَ سُبْحانَهُ نِعْمَةَ الإنْجاءِ مِنَ العَدُوِّ لِأنَّها مِن بابِ دَرْءِ المَضارِّ وهو أهَمُّ مِن جَلْبِ المَنافِعِ ومَن ذاقَ مَرارَةَ كَيْدِ الأعْداءِ خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ أنْجاهُ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَ كَيْدَهم في نُحُورِهِمْ عَلِمَ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُتِمَّ نِعَمَهُ عَلَيْنا وأنْ لا يَجْعَلَ لِعَدُوٍّ سَبِيلًا إلَيْنا، وثَنّى جَلَّ وعَلا بِالنِّعْمَةِ الدِّينِيَّةِ لِأنَّها الأنْفُ في وجْهِ المَنافِعِ، وأخَّرَ عَزَّ وجَلَّ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ لِكَوْنِها دُونَ ذَلِكَ فَتَبًّا لِمَن يَبِيعُ الدِّينَ بِالدُّنْيا ﴿ ولا تَطْغَوْا فِيهِ ﴾ أيْ: فِيما رَزَقْناكم بِالإخْلالِ بِشُكْرِهِ وتَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ بِالسَّرَفِ والبَطَرِ والِاسْتِعانَةِ بِهِ عَلى مَعاصِي اللَّهِ تَعالى ومَنعِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ فِيهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أيْ لا يَظْلِمُ بَعْضُكم بَعْضًا فَيَأْخُذُهُ مِن صاحِبِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وقِيلَ: أيْ لا تَدَّخِرُوا.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( ولا تَطْغُوا ) بِضَمِّ الغَيْنِ ﴿ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ﴾ جَوابٌ لِلنَّهْيِ أيْ فَيَلْزَمَكم غَضَبِي ويَجِبُ لَكم مِن حَلَّ الدِّينَ يَحِلُّ بِكَسْرِ الحاءِ إذا وجَبَ أداؤُهُ وأصْلُهُ مِنَ الحُلُولِ وهو في الأجْسامِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِغَيْرِها وشاعَ حَتّى صارَتْ حَقِيقَةً فِيهِ ﴿ ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ﴾ أيْ هَلَكَ وأصْلُهُ الوُقُوعُ مِن عُلُوٍّ كالجَبَلِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الهَلاكِ لِلُزُومِهِ لَهُ، وقِيلَ: أيْ وقَعَ في الهاوِيَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ في جَهَنَّمَ قَصْرًا يُرْمى الكافِرُ مِن أعْلاهُ فَيَهْوِي في جَهَنَّمَ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ الصَّلْصالَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَقَدْ هَوى ﴾ فَيَكُونُ بِمَعْناهُ الأصْلِيِّ إذا أُرِيدَ بِهِ فَرْدٌ مَخْصُوصٌ مِنهُ لا بِخُصُوصِهِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ ( فَيَحُلَّ ) بِضَمِّ الحاءِ ( ومَن يَحْلُلْ ) بِضَمِّ اللّامِ الأُولى وهي قِراءَةُ قَتادَةَ وأبِي حَيْوَةَ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ ووافَقَ ابْنُ عُتْبَةَ في (يَحْلُلْ) فَضَمَّ، وفي الإقْناعِ لِأبِي عَلِيٍّ الأهْوازِيِّ قَرَأ ابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَةَ ( لا يَحِلَّنَّ عَلَيْكم ) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ وفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِ الحاءِ وهو مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هُنا، وفي كِتابِ اللَّوامِحِ قَرَأ قَتادَةُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ( فَيُحِلَّ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مِنَ الإحْلالِ فَفاعِلُهُ ضَمِيرُ الطُّغْيانِ، (وغَضَبِي) مَفْعُولُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيِ العَذابُ أوْ نَحْوُهُ، ومَعْنى يَحُلَّ مَضْمُومِ الحاءِ يَنْزِلُ مِن حَلَّ بِالبَلَدِ إذا نَزَلَ كَما في الكَشّافِ.

وفِي المِصْباحِ حَلَّ العَذابُ يَحِلُّ ويَحُلُّ هَذِهِ وحْدَها بِالكَسْرِ والضَّمِّ والباقِي بِالكَسْرِ فَقَطْ، والغَضَبُ في البَشَرِ ثَوَرانُ دَمِ القَلْبِ عِنْدَ إرادَةِ الِانْتِقامِ، وفي الحَدِيثِ ( «اتَّقُوا الغَضَبَ فَإنَّهُ جَمْرَةٌ تُوقَدُ في قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ألَمْ تَرَوْا إلى انْتِفاخِ أوْداجِهِ وحُمْرَةِ عَيْنَيْهِ» ) وإذا وُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لَمْ يُرَدْ هَذا المَعْنى قَطْعًا وأُرِيدَ مَعْنًى لائِقٌ بِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الِانْتِقامُ والعُقُوبَةُ أوْ إرادَتُهُما نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ، ووَصْفُ ذَلِكَ بِالحُلْوِ حَقِيقَةً عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ ومَجازًا عَلى بَعْضٍ آخَرَ، وفي الِانْتِصافِ أنَّ وصْفَهُ بِالحُلُولِ لا يَتَأتّى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِهِ إرادَةُ العُقُوبَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ( «يَنْزِلُ رَبُّنا إلى السَّماءِ الدُّنْيا» ) .

عَلى التَّأْوِيلِ المَعْرُوفِ أوْ عَبَّرَ عَنْ حُلُولِ أثَرِ الإرادَةِ بِحُلُولِها تَعْبِيرًا عَنِ الأثَرِ بِالمُؤَثِّرِ، كَما يَقُولُ النّاظِرُ إلى عَجِيبٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى: انْظُرْ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يَعْنِي أثَرَ القُدْرَةِ لا نَفْسَها <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً، أي: مشركا.

وإنّ للتأكيد والهاء للعماد وهذا قول الله تعالى عز وجل للنبي  إنه من يأت ربه يوم القيامة كافراً، فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى، يعني: لا يموت فيستريح من العذاب، ولا يحيى حياة تنفعه.

قوله عز وجل: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً، يعني: يأتي يوم القيامة مؤمناً يعني: مصدقاً، قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ يعني: الطاعات.

فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى، يعني: الفضائل في الجنة.

ثم قال عز وجل: جَنَّاتُ عَدْنٍ، يعني: هي جنات عدن.

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، يعني: دائمين في الجنة.

وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى، يعني: ثواب من وحَّد.

قوله تعالى: وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي، يعني: سر بعبادي ليلاً فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً يعني: بيِّن لهم طريقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً، يعني: يابساً.

لاَّ تَخافُ دَرَكاً يعني إدراك فرعون، وَلا تَخْشى الغرق.

قرأ حمزة: لاَ تَخَفْ دَرَكاً على معنى النهي، يعني: لا تخف أن يدركك فرعون.

وقرأ الباقون لاَّ تَخافُ بالألف ومعناه: لست تخاف.

وقال أبو عبيد بهذا نقرأ، لأن من قرأ بالجزم يلزم أن يخشى، لأنه حرف معطوف على الذي قبله.

ثم قال: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، يعني: لحقهم فرعون بجموعه، فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ يعني: أصابهم من البحر ما أصابهم ويقال: علاهم من البحر ما علاهم حين التقى البحر عليهم، ويقال: فغشيهم من البحر ما غرقهم.

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى، يعني: أهلكهم وما نجا بنفسه، ويقال: أضلهم بحمله إياهم على الضلالة، وَما هَدى يعني: ما هداهم إلى الرشاد وهذا رد لقوله: اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ [غافر: 38] ويقال: وَما هَدى يعني: ما هداه إلى الصواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال الطَّبَرِيُّ «١» : يريد نفسه، ومُوسى، والأول أذهب مع مخرقة فرعون، وباقي الآية بَيِّنٌ، ثم قال السحرةُ لفرعون: لَنْ نُؤْثِرَكَ أيْ: لن نفضلك، ونفضِّلَ السلامة مِنْك على ما رأينا مِنْ حُجَّة اللَّه تعالى، وآياته، وعليّ الذي فَطَرنا، هذا على قول جماعةٍ: أَنَّ الواو في قوله وَالَّذِي: عاطفة.

وقالت فرقةٌ: هي واو القسم، وفَطَرَنا أيْ: خلقنا، واخترعنا، فافعل يا فرعونُ ما شِئْت وإنما قضاؤُك في هذه الحياة الدنيا، والآخرةُ مِنْ وراء ذلك لنا بالنعيم، ولك بالعذاب الأليم.

وهؤلاءِ السحرةُ اختلف الناسُ: هل نفذ فيهم وَعِيدُ فرعون، أم لا؟

والأمر في ذلك محتمل.

وقولهم: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى ردّ لقول فرعون: أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى.

وقوله عز وجل: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ...

الآية.

قالت فرقة: هذه الآيةُ بجملتها مِنْ كلام السحرة لفرعون على جهة الموعظة له، والبيان فيما فعلُوه.

وقالتْ فرقةٌ: بلْ هي مِنْ كلام الله عز وجل لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم تنبيهاً على قُبْح ما فعل فرعون، وحُسْنِ ما فعل السحرة، وموعظة، وتحذِيراً قد تضمنت القِصّة المذكورة مثاله.

وقوله: لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى مختصٌّ بالكافر فإنه مُعَذّب عذاباً ينتهي به إلى الموت، ثم لا يُجْهز عليه فيستريح/، بل يُعاد جلده، ويجدّدُ عذابه.

١١ ب وأما مَنْ يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي، فهم قبل أن تخرجهم الشفاعةُ في غمرة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكًا، ﴿ فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ﴾ فَيَسْتَرِيحُ، ﴿ وَلا يَحْيا ﴾ حَياةً تَنْفَعُهُ.

[ أنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مِثْلِ هَذا المَعْنى قَوْلَهُ: ألا مَن لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي شِقاها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ أدّى الفَرائِضَ.

﴿ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا ﴾ يَعْنِي: دَرَجاتُ الجَنَّةِ، وبَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، والعُلا جَمْعُ العُلْيا، وهو تَأْنِيثُ الأعْلى.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قالَ: ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ ؛ لِأنَّ " مَن " تَقَعُ بِلَفْظِ التَّوْحِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الجَمْعِ، فَإذا غَلَبَ لَفْظُها وُحِّدَ الرّاجِعُ إلَيْها، وإذا بُيِّنَ تَأْوِيلُها جُمِعَ المَصْرُوفُ إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: الثَّوابُ، ﴿ جَزاءُ مَن تَزَكّى ﴾ ؛ أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أوحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى ﴾ ﴿ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ ﴾ ﴿ وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى ﴾ هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عن أمْرِ مُوسى، وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَقالِ السَحَرَةِ المُتَقَدِّمْ مُدَّةٌ مِنَ الزَمانِ حَدَثَ فِيها لِمُوسى وفِرْعَوْنَ حَوادِثُ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْقَضى أمْرُ السَحَرَةِ وغَلَبَ مُوسى وقَوِيَ أمْرُهُ، وعَدَهُ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأقامَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى وعْدِهِ حَتّى غَدَرَهُ فِرْعَوْنُ ونَكَثَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُرْسِلُهم مَعَهُ، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى حِينَئِذٍ الآياتِ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ: الجَرادُ والقَمْلُ إلى آخِرِها، وكُلَّما جاءَتْ آيَةٌ وعَدَ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ، فَإذا انْكَشَفَ نَكَثَ حَتّى تَأْتِيَ أُخْرى، فَلَمّا كانَتِ الآياتُ أوحى اللهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ في اللَيْلِ سارِيًا، و "السُرى": سَيْرُ اللَيْلِ، و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ أسْرِ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا  ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الناصِبَةَ لِلْأفْعالِ، وتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا".

وقَوْلُهُ: "بِعِبادِي" إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وكُلُّ الخَلْقِ عِبادُ اللهِ، ولَكِنَّ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي  ﴾ .

ورُوِيَ مِن قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لِما أشْعَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلَيْلَةِ الخُرُوجِ اسْتَعارُوا مِن مَعارِفِهِمْ مِنَ القِبْطِ حُلِيًّا وثِيابًا.

ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أذِنَ لَهم في ذَلِكَ وقالَ لَهُمْ: إنَّ اللهَ سَيُنَفِّلُكُمُوها، ويُرْوى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ دُونَ رَأْيِهِ، وهو الأشْبَهُ بِهِ  ، وسَيَأْتِي في جَمْعِ الحُلِيِّ ما يُؤَيَّدُ ذَلِكَ، ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَجَنُوا زادَهم لَيْلَةَ سُراهم ووَضَعُوهُ لِيَخْتَمِرَ، فَأعْجَلَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في الخُرُوجِ، فَطَبَخُوهُ فَطَيْرًا، فَهي سُنَّتُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ العامِ إلى هَلُمْ، ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نَهَضَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ، فَسارَ بِهِمْ مِن مِصْرَ يُرِيدُ بِحْرَ القَلْزَمِ، فاتَّصَلَ الخَبَرُ بِفِرْعَوْنَ، فَجَمْعَ جُنُودَهُ وحَشَرَهم ونَهَضَ وراءَهُ، فَأوحى اللهُ إلى مُوسى أنْ يَقْصِدَ البَحْرَ، فَجَزِعَ بَنُو إسْرائِيلَ، رَأوا أنَّ العَدُوَّ مِن ورائِهِمْ والبَحْرَ أمامَهُمْ، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَثِقُ بِصُنْعِ اللهِ تَعالى.

فَلَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ قَدْ نَهَضُوا نَحْوَ البَحْرِ طَمِعَ فِيهِمْ، وكانَ مَقْصِدُهم إلى مَوْضِعٍ تَنْقَطِعُ فِيهِ الفُحُوصُ والطُرُقُ الواسِعَةُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في عَدَدِ جُنْدِ فِرْعَوْنَ فَقِيلَ: كانَ في خَيْلِهِ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ مِن سائِرِ الألْوانِ، وقِيلَ أكْثَرُ مِن هَذا مِمّا اخْتَصَرْتُهُ لِقِلَّةِ صِحَّتِهِ، فَلَمّا وصَلَ مُوسى البَحْرَ وقارَبَ فِرْعَوْنُ لَحاقَهُ وقَوِيَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ، أوحى اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ.

ويُرْوى أنَّ الوَحْيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ كانَ مُتَقَدِّمًا بِمِصْرَ، وهو ظاهِرُ الآيَةِ، ويُرْوى أنَّهُ إنَّما أوحى إلَيْهِ بِذَلِكَ في مَوْطِنِ وُقُوعِهِ.

واتَّصَلَ الكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى جِهَةِ وصْفِ الحالِ وضَمِّ بَعْضِ الأُمُورِ إلى بَعْضٍ، فَضَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ البَحْرَ فانْفَلَقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، طُرُقًا واسِعَةً بَيْنَها حِيطانُ ماءٍ واقِفٍ، فَدَخْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ أنْ بَعَثَ اللهُ تَعالى رِيحَ الصِبا فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُرُقَ حَتّى يَبِسَتْ، ودَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، ووَصَلَ فِرْعَوْنُ إلى المَدْخَلِ وبَنُو إسْرائِيلَ كُلُّهم في البَحْرِ، فَرَأى الماءَ عَلى تِلْكَ الحالِ، فَجَزِعَ قَوْمُهُ واسْتَعْظَمُوا الأمْرَ، فَقالَ لَهم لَعَنَهُ اللهُ: إنَّما انْفَلَقَ لِي مِن هَيْبَتِي، وها هُنا كَمالُ إضْلالِهِ لَهُمْ، وحَمَلَهُ اللهُ عَلى الدُخُولِ، وجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ راكِبًا عَلى فَرَسٍ أُنْثى فَأتْبَعَها فَرَسَ فِرْعَوْنَ، وتابَعَهُ الناسُ حَتّى تَكامَلُوا في البَحْرِ فانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ، وسَمِعَ بَنُو إسْرائِيلَ انْطِباقَ الماءِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِأجْمَعِهِمْ مِنَ البَحْرِ فَعَجِبُوا، فَأخْبَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ قَدْ هَلَكُوا فِيهِ، فَطَلَبُوا مِصْداقَ ذَلِكَ فَلَفَظَ البَحْرُ الناسَ، وألْقى اللهُ تَعالى فِرْعَوْنَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ بِدِرْعِهِ المَعْرُوفَةِ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اخْتِصارُ قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِحَسْبَ ألْفاظِها، وقَدْ مَضى أمْرُ فِرْعَوْنَ بِأوعَبَ مِن هَذا في مَوْضِعٍ اقْتَضاهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَبَسًا" مَصْدَرٌ وصَفَ بِهِ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "يابِسًا"، وأشارَ إلى ذِكْرِهِ الزَجّاجُ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "لا تَخْفَ" إمّا عَلى جَوابِ الأمْرِ، وإمّا عَلى نَهْيٍ مُسْتَأْنَفٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا تَخافُ" وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ حالًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ الطَرِيقِ بِتَقْدِيرِ: لا تَخافُ فِيهِ، أيْ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِفَةِ، ومَعْنى هَذا القَوْلِ: لا تَخافُ دَرْكًا مِن فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، ولا تَخْشى غَرَقًا مِنَ البَحْرِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - فِيما رُوِيَ عنهُ -: "فاتَّبَعَهُمْ" بِتَشْدِيدِ التاءِ، وتَبِعَ واتَّبَعَ إنَّما يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: شَوَيْتُ واشْتَوَيْتُ، وفَدَيْتُ وافْتَدَيْتُ، وحَفَرْتُ واحْتَفَرْتُ.

وقَوْلُهُ: "بِجُنُودِهِ"، إمّا أنْ تَكُونَ الباءُ مَعَ ما جُرَّ بِها في مَوْضِعِ الحالِ، كَما تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِتَعَدِّي الفِعْلِ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ إذْ لا يَتَعَدّى دُونَ حَرْفِ جَرٍّ إلّا إلى واحِدٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأتْبَعَهُمْ" بِسُكُونِ التاءِ، وهَذا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فالباءُ - عَلى هَذا - إمّا زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ جُنْدَهُ، وإمّا أنْ تَكُونَ باءَ الحالِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثانِي مُقَدَّرًا، كَأنَّكَ قُلْتَ: رُؤَساءَهُ أو عَزْمَهُ، ونَحْوَ هَذا، والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَغَشِيَهُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَغَشّاهُمُ اللهُ".

وقَوْلُهُ: ﴿ ما غَشِيَهُمْ ﴾ إيهامٌ أهْوَلَ مِنَ النَصِّ عَلى قَدْرٍ ما، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ ﴾ يُرِيدُ: مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى هَذِهِ النِهايَةِ، ثُمْ أكَّدَ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وَما هَدى" مُقابَلَةً لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ: ﴿ وَما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَشادِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء فصيحة عاطفة على مقدر يدلّ عليه الكلام السابق، أي فسرى بهم فأتبعهم فرعون، فإن فرعون بعد أن رأى آيات غضب الله عليه وعلى قومه وأيقن أنّ ذلك كله تأييد لموسى أذن لموسى وهارون أن يخرجا بني إسرائيل، وكان إذْن فرعون قد حصل ليلاً لحدوث موتان عظيم في القبط في ليلة الشهر السابع من أشهر القبط وهو شهر (برمهات) وهو الذي اتّخذه اليهود رأس سنتهم بإذن من الله وسمّوه (تِسّرِي) فخرجوا من مدينة (رعمسيس) قاصدين شاطئ البحر الأحمر.

وندم فرعون على إطلاقهم فأراد أن يلحقهم ليرجعهم إلى مدينته، وخرج في مركبته ومعه ستمائة مركبة مختارة ومركبات أخرى تحمل جيشه.

وأتْبَع: مرادفع تَبِع.

والباء في ﴿ بجُنُودِهِ ﴾ للمصاحبة.

واليمّ: البحر.

وغشيانه إياهم: تغطيته جُثَثَهم، أي فغرِقوا.

وقوله ﴿ مَا غَشِيَهُمْ ﴾ يفيد ما أفاده قوله ﴿ فَغَشِيَهُم مِنَ اليَمّ ﴾ إذ من المعلوم أنهم غشيهم غاششٍ، فتعيّن أن المقصود منه التهويل، أي بلغ من هول ذلك الغرق أنّه لا يستطاع وصفه.

قال في «الكشاف»: «هو من جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة».

وهذا الجزء من القصة تقدم في سورة يونس.

وجملة ﴿ وأضلّ فرعونُ قومه ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿ غَشِيَهُمْ ﴾ .

والإضلال: الإيقاع في الضلال، وهو خطأ الطريق الموصّل.

ويستعمل بكثرة في معنى الجهالة وعَمَل ما فيه ضرّ وهو المراد هنا.

والمعنى: أنّ فرعون أوقع قومه في الجهالة وسوء العاقبة بما بثّ فيهم من قلب الحقائق والجهل المركب، فلم يصادفوا السداد في أعمالهم حتى كانت خاتمتها وقوعهم غرقى في البحر بعناده في تكذيب دعوة موسى عليه السلام.

وعَطْفُ ﴿ وما هدى ﴾ على ﴿ أضلّ ﴾ : إما من عطف الأعمّ على الأخص لأنّ عدم الهدى يصدق بترك الإرشاد من دون إضلال؛ وإما أن يكون تأكيداً لفظياً بالمرادف مؤكداً لنفي الهدى عن فرعون لقومه فيكون قوله ﴿ وما هدى تأكيداً لأضلّ ﴾ بالمرادف كقوله تعالى: ﴿ أموات غير أحياء ﴾ [النحل: 21] وقول الأعشى: حفاة لا نعال لنا ***» من قوله: إمّا تَرَيْنَا حُفَاةً لا نِعال لنا *** إنّا كذلككِ ما نحفَى وننتعل وفي «الكشاف»: إن نكتة ذكر ﴿ وما هدى ﴾ التهكم بفرعون في قوله ﴿ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد اه.

يعني أن في قوله وما هدى ﴾ تلميحاً إلى قصة قوله المحكي في سورة غافر (29): ﴿ قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ﴾ وما في هذه من قوله ﴿ بطريقتكم المثلى ﴾ [طه: 63]، أي هي هَدْي، فيكون من التلميح إلى لفظ وقع في قصة مفضياً إلى التلميح إلى القصة كما في قول مُهلهل: لو كُشِف المقابر عن كُليب *** فخُبّر بالذّنائب أيُّ زير يشير إلى قول كُليب له على وجه الملامة: أنتَ زِير نساء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ أصْحابُ مُوسى لَهُ: هَذا فِرْعَوْنُ قَدْ أدْرَكَنا، وهَذا البَحْرُ وقَدْ غَشِيَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

أيْ لا تَخافُ دَرَكًا مِن فِرْعَوْنَ ولا تَخْشى مِنَ البَحْرِ غَرَقًا إنْ غَشِيَكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة: أن سحرة فرعون كانوا تسعمائة فقالوا لفرعون: إن يكونا هذان ساحرين، فإنا نغلبهم، فإنه لا أسحر منا، وإن كان من رب العالمين، فلما كان من أمرهم ﴿ خروا سجداً ﴾ أراهم الله في سجودهم منازلهم التي إليها يصيرون فعندها قالوا: ﴿ لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ﴾ إلى قوله: ﴿ والله خير وأبقى ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن القاسم بن أبي بزة قال: لما وقعوا سجداً رأوا أهل النار، وأهل الجنة وثواب أهليهما فقالوا: ﴿ لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ قال: أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر بالعوماء، وقال: علموهم تعليماً لا يغلبهم أحد في الأرض.

قال ابن عباس: فهم من الذين قالوا: ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ والله خير وأبقى ﴾ قال: خير منك أن أطيع وأبقى منك عذاباً إن عصي.

وأخرج مسلم وأحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية ﴿ إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أهلها الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا بأهلها، فإن النار تميتهم إماتة، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت القثاء في حميل السبيل والله أعلم» .

وأخرج الطبراني، عن أبي الدرداء، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «ثلاث من كن فيه، لم ينل الدرجات العلى: من تكهن، أو استقسم، أو رده من سفره طيرة» .

وأخرج الأصبهاني في الترغيب، عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان وصلة لأخيه إلى سلطان في مبلغ بر، أو مدفع مكروه، رفعه الله في الدرجات» .

وأخرج ابن المبارك في الزهد وأبو نعيم في الحلية، عن عون بن عبد الله قال: إن الله ليدخل خلقاً الجنة فيعطيهم حتى يملوا، وفوقهم ناس في ﴿ الدرجات العلى ﴾ فإذا نظروا إليهم عرفوهم فيقولون: يا ربنا إخواننا كنا معهم فبم فضلتهم علينا؟

فيقال: هيهات..

!

إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمؤون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويستحصون حين تختصون.

وأخرج أحمد في الزهد، عن ابن عمير قال: إن الرجل وعبده يدخلان الجنة، فيكون عبده أرفع درجة منه، فيقول: يا رب هذا كان عبدي في الدنيا؟!

فيقال: إنه كان أكثر ذكراً لله تعالى منك.

وأخرج أبو داود وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الذري في أفق السماء، وأن أبا بكر وعمر منهم وانعما» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ كُلُوا ﴾ أي: وقلنا لهم كلوا ﴿ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ وهذا أمر يقتضي التعديد بالنعم ﴿ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول لا تظلموا) (١) وقال مقاتل: (ولا تعصوا) (٢) (٣) وقال الكلبي: (لا تجحدوا نعمة الله فيما رزقكم منه فتكونوا طاغين) (٤) وقال مقاتل: (لا تتعدوا ما حد الله لكم في المن والسلوى فتتجاوزوا قدر ما يكفيكم وتدخروا، فمتى ادخرتم منهما شيئًا فأنتم في ذلك طاغون) (٥) وقوله تعالى: ﴿ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ﴾ أي: يجب، قاله قتادة وغيره (٦) وقرئ: ﴿ فَيَحِلَّ ﴾ ﴿ وَمَنْ يَحْلِلْ ﴾ بالكسر والضم (٧) قال الفراء: (والكسر أحب إلي من الضم؛ لأن الضم من الحلول بمعنى الوقوع، ويحل: يجب، وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع) (٨) وقال الزجاج: ( ﴿ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ ﴾ معناه فيجب عليكم، ومن قرأ: بالضم، فمعناه التنزيل) (٩) (١٠) ﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ  ﴾ ، أي: ينزل به بعد أن لم يكن، وقوله: {أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم) [طه: 86]، ولم يختلفوا في كسر هذين، ومن قرأ بالضم فوجهه: أن الغضب لما كان يتبعه العقوبة والعذاب جعله بمنزلة العذاب فقال: يَحُل أي: ينزل.

فجعله بمنزلة قوله: حَلَّ بالمكان يَحُلَّ.

هذا معنى قول أبي علي وبعض كلامه (١١) وقوله تعالى: (فقد هوى) يقال: هَوَى يَهْوِي هَوِيًا: إذا سقط من علو إلى أسفل، وهَوَتْ العُقَابُ تَهْوِى هُوِيًا: إذا سقطت على صيد، وهَوَى يَهْوِي هَوِيًا: إذا وقع مَهْواه، وهَوَى فُلان: إذا مات، قال النابغة (١٢) وقال الشامتون هوى زياد ...

لكل منية سبب مبين وهَوَى: إذا هلك.

ومنه قول كعب بن سعد (١٣) (١٤) هَوَتْ أمُّه ما يَبْعَثُ الصُّبُح غادِيَا أي: هلكت أمه.

هذا معاني (هوى) في اللغة (١٥) (١٦) (١٧) قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول: فقد شقي) (١٨) قوله تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي وعطاء: (تاب من الشرك) (١٩) ﴿ وَآمَنَ ﴾ : وحد الله وصدقه ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ : أدى فرائض الله، وعمل صالحًا فيما بينه وبين الله ﴿ ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ قال في رواية عطاء: (علم أن ذلك بتوفيق من الله له) (٢٠) وقال في رواية الوالبي: (لم يشكك) (٢١) وقال في رواية أبي صالح: (علم أن له ثوابًا بهذا) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال عطاء بن يسار: (ثم أصاب بقوله وعمله السنة) (٢٥) (٢٦) وقال فضيل الناجي (٢٧) (٢٨) وقال زيد بن أسلم: (علم علما يحسن به عمله.

قال: يقول: ﴿ اهْتَدَى ﴾ كيف يعمل) (٢٩) (٣٠) (١) "جامع البيان" 16/ 144، "الكشف والبيان" 3/ 22 ب، "معالم التنزيل" 5/ 287، "البحر المحيط" 6/ 265.

(٢) "تفسير مقاتل" 5 أ.

(٣) "الكشف والبيان" 3/ 22 ب، "النكت والعيون" 3/ 416، "معالم التنزيل" 5/ 287.

(٤) "الكشف والبيان" 3/ 22 ب، "معالم التنزيل" 5/ 287، "البحر المحيط" 6/ 265.

(٥) "تفسير مقاتل" 5/ أ، وذكر نحوه: "بحر العلوم" 2/ 351، "النكت والعيون" 3/ 416، "معالم التنزيل" 5/ 287.

(٦) المروي في كتب التفسير عن قتادة: ينزل عليكم غضبي.

انظر: "تفسير القرآن للصنعاني" 2/ 17، "جامع البيان" 16/ 193.

(٧) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وعاصم: (فيحِل ..

ومن يحلِل) بالكسر في الحاء من (فيحِل) واللام الأولى من (يحلِل)، وقرأ الكسائي: (فيحُل عليكم) بضم الحاء، (ومن يحلُل عليه) بضم اللام.

انظر: "السبعة" ص 442، "الحجة" 5/ 243، "التبصرة" 260، "النشر" 2/ 321.

(٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 188.

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 370.

(١٠) الغضب صفة من صفات الله سبحانه، نثبتها له سبحانه كما أثبتها لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه، وتأويلها العذاب لا يصح؛ لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، وليس عليه دليل.

انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 684، "العقيدة الواسطية" 23.

(١١) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 243.

(١٢) البيت للنابغة الذبياني.

الشماتة: فرح العدو.

وقيل: الفرح ببلية تنزل بمن تعاديه.

انظر: "تهذيب اللغة" (هوى) 4/ 3813، "لسان العرب" (هوا) 8/ 4726.

(١٣) تقدمت ترجمته في سورة البقرة.

(١٤) هذا صدر بيت لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه.

وعجز البيت: ومَاذَا يُودي الليلُ حِينَ يَؤُوبُ انظر: "تهذيب اللغة" (هوى) 4/ 3813، "الصحاح" (هوى (6/ 39، "لسان العرب" (هوا) 15/ 169، "الأمالي" للقالي 2/ 150، "التكملة" للصنعاني (هوى) 6/ 540.

(١٥) انظر: "تهذيب اللغة" (هوى) 4/ 3813، "مقاييس اللغة" (هوى) 6/ 15، "القاموس المحيط" (الهواء) 4/ 404، "الصحاح" (هوى) 6/ 2537 "لسان العرب" (هوا) 8/ 4726.

(١٦) "تفسير مقاتل" 5 أ.

(١٧) "جامع البيان" 16/ 194، "بحر العلوم" 2/ 351، "معالم التنزيل" 5/ 288.

(١٨) "جامع البيان" 16/ 194، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 178، "الدر المنثور" 4/ 544.

(١٩) "جامع البيان" 16/ 194، "معالم التنزيل" 5/ 288، "زاد المسير" 5/ 312، "الدر المنثور" 4/ 544.

(٢٠) "معالم التنزيل" 3/ 227، "زاد المسير" 5/ 214.

(٢١) "جامع البيان" 16/ 194، "النكت والعيون" 3/ 416، "زاد المسير"، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 231، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 79، "الدر المنثور" 4/ 544.

(٢٢) "زاد المسير" 5/ 312، "الدر المنثور" 4/ 544.

(٢٣) "جامع البيان" 16/ 195، "الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "بحر العلوم" 2/ 351، "النكت والعيون" 3/ 417، "معالم التنزيل" 5/ 288، "تفسير مقاتل" 5 ب.

(٢٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 370.

(٢٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "النكت والعيون" 3/ 417، "زاد المسير" 5/ 312، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 179، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 233، "لباب التأويل" 4/ 276.

(٢٦) "معالم التنزيل" 5/ 288، "زاد المسير" 5/ 312، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 231، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 179، "الدر المنثور" 4/ 544.

(٢٧) فضيل الناجي.

ذكره ابن حجر في "التهذيب" وقال: مجهول، وعنه حفص بن حميد القمي.

انظر: "تهذيب التهذيب" 8/ 270، "تهذيب الكمال" 23/ 311، "تقريب التهذيب" 2/ 114.

(٢٨) "الكشف والبيان" 3/ 23 أ.

(٢٩) "الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "معالم التنزيل" 5/ 288، "زاد المسير" 5/ 312.

(٣٠) "جامع البيان" 16/ 195، "النكت والعيون" 3/ 417، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 231.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي ﴾ يعني ببني إسرائيل، وأضافهم إلى نفسه تشريفاً لهم، وكانوا فيما قيل ستمائة ألف ﴿ يَبَساً ﴾ أي يابساً، وهو مصدر وصف به ﴿ لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى ﴾ أي لا تخاف أن يدركك فرعون وقومه، ولا تخشى الغرق في البحر ﴿ مَا غَشِيَهُمْ ﴾ إبهام لقصد التهويل ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى ﴾ إن قيل: إن قوله: ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ ﴾ يغني عن قوله: ﴿ وَمَا هدى ﴾ ، فالجواب أنه مبالغة وتأكيد، وقال الزمخشري: هو تهكم بفرعون في قوله: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد ﴾ [غافر: 29].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.

﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.

الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.

الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.

الباقون مشددة.

﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.

الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.

والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.

وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.

﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.

الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.

الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.

﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.

﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.

التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله  قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.

قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.

فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.

وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم  ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.

ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.

"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.

قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.

وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.

واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.

وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.

قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.

يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.

وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.

أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.

قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.

والنكتة فيه أن عدو‍ّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟

فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.

قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.

قال القاضي.

هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.

ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.

وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.

يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال  ﴿ وحرمنا عليه المراضع  ﴾ جاءت أخت موسى  واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه  ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك  ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.

وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له  ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال  ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.

عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.

ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.

قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله  وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.

قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.

والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.

وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.

وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.

وقال غيره من المعتزلة: إنه  إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.

ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.

أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.

﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.

وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم  ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.

وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.

وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.

والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.

وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.

وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.

وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.

ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟

والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.

ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ والقاتل واحد منهم.

ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.

وقيل: ألهم بذلك.

وقيل: سمع بخبره فتلقاه.

سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟

جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.

وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.

وكيف ذلك القول اللين؟

الأصح انه نحو قوله  ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى  ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.

وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.

فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.

وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.

ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.

بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.

ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.

قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.

وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.

قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.

ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.

وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟

وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.

قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.

وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.

ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.

قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.

وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.

ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.

وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.

وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟

وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.

قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.

والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.

قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.

وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا  كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.

وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى  بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.

فأراد أن يعجز عن الجواب.

قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!

وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.

وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.

واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض  ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا  ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون  ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.

وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين  ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.

وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين  ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.

وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله  غير حاصل للبشر.

وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.

ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.

فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.

ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.

وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما  ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً  ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.

ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت  ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.

من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى  ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.

وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.

ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.

واعلم أن عجائب حكمة الله  في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.

ثم إنه  جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.

وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.

وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.

والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.

ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.

قال أهل النظم: إن موسى  لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟

أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟

فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.

أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.

ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله  بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟

فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.

وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه  عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.

والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.

وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.

وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.

وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.

وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.

والتحقيق ما قاله القفال.

وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.

ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.

قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.

وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.

وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.

يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.

ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.

و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.

ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم  ﴾ ومن نعم الله  أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.

قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.

وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.

﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.

أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.

﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.

﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.

وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.

وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.

وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه  ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.

والحاصل أنه  عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.

وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.

ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.

ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله  : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.

ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.

قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.

ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم  ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.

سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه  ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.

الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.

قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.

وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.

ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.

وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.

وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.

ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.

وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.

ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.

وهو معنى قول مجاهد.

فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.

وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.

وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.

قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.

وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.

وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.

وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.

ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.

ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.

وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.

عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.

وقيل: أربعمائة.

وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله  أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.

حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم  ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.

وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.

وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.

وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.

والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.

﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.

وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.

وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.

وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.

وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.

والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.

قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.

وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.

وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.

وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.

وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.

وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.

وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.

ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.

والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.

من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم  ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.

وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.

ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.

وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.

﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.

واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.

﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.

قال وهب: سحروا أعين موسى  حتى تخيل ذلك.

وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.

وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله  خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.

﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".

ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.

ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!‍.

وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.

واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.

وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.

ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.

قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.

قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.

قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله  ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.

وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.

والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.

والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله  ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.

ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.

وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.

وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.

وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.

قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.

أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر  ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين  ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون  ﴾ إلى آخر السورة.

فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟

سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.

سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.

قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.

ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.

قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.

وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.

ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.

وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ ﴾ .

أصل هذا - والله أعلم -: أن من قبل من الله حياته بالشكر وطيبها بالأعمال الصالحات، طيب الله حياته وعيشه في الآخرة، [و] من لم يقبل حياته من الله بالشكر في الدنيا، بل كفر بها وخبثها وقبحها بالأعمال القبيحة الخبيثة الدنية خبث حياته في الآخرة وعيشه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ ﴾ .

هي ما يرتفع ويعلو، والدركات: ما يتسفل وينحدر في الأرض، والدرجات للمؤمنين في الآخرة، لاختيارهم في الدنيا الأعمال الصالحة الرفيعة العالية، فعلى ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الرفيعة العلية، فلهم في الآخرة مقابل ذلك الدرجات العلا، وأما الدركات فهي لأهل الكفر مقابل ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الدنية الخبيثة أخزاهم، كمثل من زرع بذر الشوك لم يحصد بُرّاً قط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ﴾ .

أي: ذلك الذي ذكر جزاء من صلح عمله وأنماه، والزكاة: هي النماء في اللغة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

كلوا من المستلذّات ممّا رزقناكم من الأطعمة الحلال، ولا تتجاوزوا ما أبحناه لكم إلى ما حرّمناه عليكم، فينزل عليكم غضبي، ومن ينزل عليه غضبي فقد هلك وشقي في الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.mGjJo"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله