الآية ٨٢ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٨٢ من سورة طه

وَإِنِّى لَغَفَّارٌۭ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ٨٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٢ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٢ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ) أي : كل من تاب إلي تبت عليه من أي ذنب كان ، حتى إنه تعالى تاب على من عبد العجل من بني إسرائيل .

وقوله : ( تاب ) أي : رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو نفاق أو معصية .

وقوله : ( وآمن ) أي : بقلبه ( وعمل صالحا ) أي : بجوارحه .

وقوله : ( ثم اهتدى ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أي ثم لم يشكك .

وقال سعيد بن جبير : ( ثم اهتدى ) أي : استقام على السنة والجماعة .

وروي نحوه عن مجاهد ، والضحاك ، وغير واحد من السلف .

وقال قتادة : ( ثم اهتدى ) أي : لزم الإسلام حتى يموت .

وقال سفيان الثوري : ( ثم اهتدى ) أي : علم أن لهذا ثوابا .

وثم هاهنا لترتيب الخبر على الخبر ، كقوله : ( ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) [ البلد : 17 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) يقول تعالى ذكره لهم: كلوا يا بني إسرائيل من شهيات رزقنا الذي رزقناكم، وحلاله الذي طيبناه لكم ( وَلا تَطْغَوْا فِيهِ ) يقول: ولا تعتدوا فيه، ولا يظلم فيه بعضكم بعضا.

كما حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( وَلا تَطْغَوْا فِيهِ ) يقول: ولا تظلموا.

وقوله ( فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ) يقول: فينـزل عليكم عقوبتي.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله ( فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ) يقول: فينـزل عليكم غضبي.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة ( فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ ) بكسر الحاء وَمَنْ يَحْلِلْ بكسر اللام، ووجهوا معناه إلى: فيجب عليكم غضبي، وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة ( فَيَحُلَّ عَلَيْكُم) بضم الحاء، ووجهوا تأويله إلى ما ذكرنا عن قَتادة من أنه فيقع وينـزل عليكم غضبي.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، وقد حذّر الله الذين قيل لهم هذا القول من بني إسرائيل وقوع بأسه بهم ونـزوله بمعصيتهم إياه إن هم عصوه، وخوّفهم وجوبه لهم، فسواء قرئ ذلك بالوقوع أو بالوجوب، لأنهم كانوا قد خوّفوا المعنيين كليهما.

"81" &; 18-347 &; القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) يقول تعالى ذكره: ومن يجب عليه غضبي، فينـزل به، فقد هوى، يقول فقد تردى فشقي.

كما حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( فَقَدْ هَوَى ) يقول: فقد شقي.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإني لغفار لمن تاب أي من الشرك .

وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى أي أقام على إيمانه حتى مات عليه ؛ قاله سفيان الثوري وقتادة وغيرهما .

وقال ابن عباس : أي لم يشك في إيمانه ؛ ذكره الماوردي والمهدوي .

وقال سهل بن عبد الله التستري وابن عباس أيضا : أقام على السنة والجماعة ؛ ذكره الثعلبي .

وقال أنس : أخذ بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر المهدوي ، وحكاه الماوردي عن الربيع بن أنس .

وقول خامس : أصاب العمل ؛ قاله ابن زيد ؛ وعنه أيضا : تعلم العلم ليهتدي كيف يفعل ؛ ذكر الأول المهدوي ، والثاني الثعلبي .

وقال الشعبي ومقاتل والكلبي : علم أن لذلك ثوابا وعليه عقابا ؛ وقاله الفراء : وقول ثامن : ثم اهتدى في ولاية أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ قاله ثابت البناني .

والقول الأول أحسن هذه الأقوال - إن شاء الله - وإليه يرجع سائرها .

قال وكيع عن سفيان : كنا نسمع في قوله - عز وجل - : وإني لغفار لمن تاب أي من الشرك وآمن أي بعد الشرك وعمل صالحا صلى وصام ثم اهتدى مات على ذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومع هذا، فالتوبة معروضة، ولو عمل العبد ما عمل من المعاصي، فلهذا قال: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ } أي: كثير المغفرة والرحمة، لمن تاب من الكفر والبدعة والفسوق، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعمل صالحا من أعمال القلب والبدن، وأقوال اللسان.

{ ثُمَّ اهْتَدَى } أي: سلك الصراط المستقيم، وتابع الرسول الكريم، واقتدى بالدين القويم، فهذا يغفر الله أوزاره، ويعفو عما تقدم من ذنبه وإصراره، لأنه أتى بالسبب الأكبر، للمغفرة والرحمة، بل الأسباب كلها منحصرة في هذه الأشياء فإن التوبة تجب ما قبلها، والإيمان والإسلام يهدم ما قبله، والعمل الصالح الذي هو الحسنات، يذهب السيئات، وسلوك طرق الهداية بجميع أنواعها، من تعلم علم، وتدبر آية أو حديث، حتى يتبين له معنى من المعاني يهتدي به، ودعوة إلى دين الحق، ورد بدعة أو كفر أو ضلالة، وجهاد، وهجرة، وغير ذلك من جزئيات الهداية، كلها مكفرات للذنوب محصلات لغاية المطلوب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإني لغفار لمن تاب ) قال ابن عباس : تاب من الشرك ، ( وآمن ) ووحد الله وصدقه ، ( وعمل صالحا ) أدى الفرائض ، ( ثم اهتدى ) قال عطاء عن ابن عباس : علم أن ذلك توفيق من الله .

وقال قتادة وسفيان الثوري : يعني لزم الإسلام حتى مات عليه .

قال الشعبي ، ومقاتل ، والكلبي : علم أن لذلك ثوابا .

وقال زيد بن أسلم : تعلم العلم ليهتدي به كيف يعمل .

قال الضحاك : استقام .

وقال سعيد بن جبير : أقام على السنة والجماعة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإني لغفار لمن تاب» من الشرك «وآمن» وحَّد الله «وعمل صالحا» يصدق بالفرض والنفل «ثم اهتدى» باستمراره على ما ذكر إلى موته.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإني لَغفار لمن تاب من ذنبه وكفره، وآمن بي وعمل الأعمال الصالحة، ثم اهتدى إلى الحق واستقام عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم فتح - سبحانه - باب الأمل لعباده فقال : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ ) أى : لكثير المغفرة ( لِّمَن تَابَ ) من الشرك والمعاصى ( وَآمَنَ ) بكل ما يجب الإيمان به ( وَعَمِلَ صَالِحَاً ) أى : وعمل عملا مستقيما يرضى الله - تعالى - .

( ثُمَّ اهتدى ) أى : ثم واظب على ذلك ، وداوم على استقامته وصلاحه إلى أن لقى الله - تعالى - .وثم فى قوله ( ثُمَّ اهتدى ) للتراخى النسبى ، إذ أن هناك فرقا كبيرا بين من يتوب إلى الله - تعالى - ويقدم العمل الصالح ، ويستمر على ذلك إلى أن يلقى الله - تعالى - وبين من لا يداوم على ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أنعم على قوم موسى عليه السلام بأنواع النعم ذكرهم إياها ولا شك أن إزالة المضرة يجب أن تكون متقدمة على إيصال المنفعة ولا شك أن إيصال المنفعة الدينية أعظم في كونه نعمة من إيصال المنفعة الدنيوية، فلهذا بدأ الله تعالى بقوله: ﴿ أنجيناكم مّنْ عَدُوِّكُمْ ﴾ وهو إشارة إلى إزالة الضرر فإن فرعون كان ينزل بهم من أنواع الظلم كثيراً من القتل والإذلال والإخراج والإتعاب في الأعمال، ثم ثنى بذكر المنفعة الدينية وهي قوله: ﴿ وواعدناكم جَانِبَ الطور الأيمن ﴾ ووجه المنفعة فيه أنه أنزل في ذلك الوقت عليهم كتاباً فيه بيان دينهم وشرح شريعتهم ثم ثلث بذكر المنفعة الدنيوية وهي قوله: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى * كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم ﴾ ثم زجرهم عن العصيان بقوله: ﴿ وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ﴾ ثم بين أن من عصى ثم تاب كان مقبولاً عند الله بقوله: ﴿ وَإِنّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ ﴾ وهذا بيان المقصود من الآية ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي قد أنجيتكم ووعدتكم إلى قوله: ﴿ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم ﴾ كلها بالتاء إلا قوله: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى ﴾ فإنها بالنون وقرأ الباقون كلها بالنون وقرأ نافع وعاصم وواعدناكم وقرأ حمزة والكسائي وواعدتكم.

المسألة الثانية: قال الكلبي: لما جاوز موسى عليه السلام ببني إسرائيل البحر قالوا له: أليس وعدتنا أن تأتينا من ربنا بكتاب فيه الفرائض والأحكام.

قال بلى، ثم تعجل موسى إلى ربه ليأتيهم بالكتاب ووعدهم أن يأتيهم إلى أربعين ليلة من يوم انطلق، وإنما قال: ﴿ وواعدناكم ﴾ لأنه إنما واعد موسى أن يؤتيه التوراة لأجلهم وقال مقاتل: إنما قال: واعدناكم لأن الخطاب له وللسبعين المختارة، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال المفسرون: ليس للجبل يمين ولا يسار بل المراد أن طور سيناء عن يمين من انطلق من مصر إلى الشام وقرئ الأيمن بالجر على الجوار نحو حجر ضب خرب وانتفاع القوم بذلك إما لأن الله تعالى أنزل التوراة عليهم وفيها شرح دينهم، وإما لأن الله تعالى لما كلم موسى على الطور حصل للقوم بسبب ذلك شرف عظيم.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ كُلُواْ ﴾ ليس أمر إيجاب بل أمر إباحة كقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا  ﴾ .

المسألة الخامسة: في الطيبات قولان: أحدهما: اللذائذ لأن المن والسلوى من لذائذ الأطعمة.

والثاني: وهو قول الكلبي ومقاتل الحلال لأنه شيء أنزله الله تعالى إليهم ولم تمسه يد الآدميين ويجوز الجمع بين الوجهين لأن بين المعنيين معنى مشتركاً.

وتمام القول في هذه القصة تقدم في سورة البقرة.

المسألة السادسة: في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَطْغَوْاْ ﴾ فيه وجوه: أحدها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تطغوا، أي لا يظلم بعضكم بعضاً فيأخذه من صاحبه.

وثانيها: قال مقاتل والضحاك: لا تظلموا فيه أنفسكم بأن تتجاوزوا حد الإباحة.

وثالثها: قال الكلبي: لا تكفروا النعمة أي لا تستعينوا بنعمتي على مخالفتي ولا تعرضوا عن الشكر ولا تعدلوا عن الحلال إلى الحرام.

المسألة السابعة: قرأ الأعمش والكسائي فيحل ومن يحلل كلاهما بالضم وروى الأعمش عن أصحاب عبد الله فيحل بالكسر ومن يحلل بالرفع وقراءة العامة بالكسر في الكلمتين أما من كسر فمعناه الوجوب من حل الدين يحل إذا وجب أداؤه ومنه قوله تعالى: ﴿ حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ  ﴾ والمضموم في معنى النزول وقوله: ﴿ فَقَدْ هوى ﴾ أي شقي وقيل فقد وقع في الهاوية، يقال: هوى يهوي هوياً إذا سقط من علو إلى أسفل.

المسألة الثامنة: اعلم أن الله تعالى وصف نفسه بكونه غافراً وغفوراً وغفاراً، وبأن له غفراناً ومغفرة وعبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل والأمر.

أما إنه وصف نفسه بكونه غافراً فقوله: ﴿ غَافِرِ الذنب  ﴾ وأما كونه غفوراً فقوله: ﴿ وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة  ﴾ وأما كونه غفاراً فقوله: ﴿ وَإِنّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ ﴾ وأما الغفران فقوله: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا  ﴾ وأما المغفرة فقوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ  ﴾ وأما صيغة الماضي فقوله: في حق داود عليه السلام ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذلك  ﴾ وأما صيغة المستقبل فقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً  ﴾ وقوله في حق محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله  ﴾ وأما لفظ الاستغفار فقوله: ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات  ﴾ وفي حق نوح عليه السلام: ﴿ فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً  ﴾ وفي الملائكة: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض  ﴾ واعلم أن الأنبياء عليهم السلام كلهم طلبوا المغفرة أما آدم عليه السلام فقال: ﴿ وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين  ﴾ ، وأما نوح عليه السلام فقال: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى  ﴾ ، وأما إبراهيم عليه السلام فقال: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين  ﴾ وطلبها لأبيه: ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي  ﴾ وأما يوسف عليه السلام فقال في إخوته: ﴿ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ  ﴾ وأما موسى عليه السلام ففي قصة القبطي: ﴿ رَبّ اغفر لِي وَلأَخِي  ﴾ وأما داود عليه السلام: ﴿ فاستغفر رَبَّهُ  ﴾ أما سليمان عليه السلام: ﴿ رَبّ اغفر لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً  ﴾ وأما عيسى عليه السلام: ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم  ﴾ وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقول: ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات  ﴾ وأما الأمة فقوله: ﴿ والذين جَاؤوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا  ﴾ واعلم أن بسط الكلام هاهنا أن نبين أولاً حقيقة المغفرة ثم نتكلم في كونه تعالى غافراً وغفوراً وغفاراً ثم نتكلم في أن مغفرته عامة ثم نبين أن مغفرته في حق الأنبياء عليهم السلام كيف تعقل مع أنه لا ذنب لهم، ويتفرع على هذه الجملة استدلال أصحابنا في إثبات العفو وتقريره أن الذنب إما أن يكون صغيراً أو كبيراً بعد التوبة أو قبل التوبة والقسمان الأولان يقبح من الله عذابهما ويجب عليه التجاوز عنهما وترك القبيح لا يسمى غفراناً فتعين أن لا يتحقق الغفران إلا في القسم الثالث وهو المطلوب، فإن قيل: هذا يناقض صريح الآية لأنه أثبت الغفران في حق من استجمع أموراً أربعة: التوبة والإيمان والعمل الصالح والاهتداء، قلنا: إن من تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ثم أذنب بعد ذلك كان تائباً ومؤمناً وآتياً بالعمل الصالح، ومهتدياً ومع ذلك يكون مذنباً فحينئذ يستقيم كلامنا، وهاهنا نكتة، وهي أن العبد له أسماء ثلاثة: الظالم والظلوم والظلام.

فالظالم: ﴿ فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ  ﴾ والظلوم: ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً  ﴾ والظلام إذا كثر ذلك منه، ولله في مقابلة كل واحد من هذه الأسماء اسم فكأنه تعالى يقول: إن كنت ظالماً فأنا غافر وإن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت ظلاماً فأنا غفار: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَآمَنَ ﴾ .

المسألة التاسعة: كثير اختلاف المفسرين في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اهتدى ﴾ وسبب ذلك أن من تاب وآمن وعمل صالحاً فلابد وأن يكون مهتدياً، فما معنى قوله ثم اهتدى بعد ذكر هذه الأشياء؟

والوجوه الملخصة فيه ثلاثة.

أحدها: المراد منه الاستمرار على تلك الطريقة إذ المهتدي في الحال لا يكفيه ذلك في الفوز بالنجاة حتى يستمر عليه في المستقبل ويموت عليه ويؤكده قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا  ﴾ وكلمة ثم للتراخي في هذه الآية وليست لتباين المرتبتين بل لتباين الوقتين فكأنه تعالى قال: الإتيان بالتوبة والإيمان والعمل الصالح مما قد يتفق لكل أحد ولا صعوبة في ذلك إنما الصعوبة في المداومة على ذلك والاستمرار عليه.

وثانيها: المراد من قوله: ﴿ ثُمَّ اهتدى ﴾ أي علم أن ذلك بهداية الله وتوفيقه وبقي مستعيناً بالله في إدامة ذلك من غير تقصير، عن ابن عباس.

وثالثها: المراد من الإيمان الاعتقاد المبني على الدليل والعمل الصالح إشارة إلى أعمال الجوارح بقي بعد ذلك ما يتعلق بتطهير القلب من الأخلاق الذميمة وهو المسمى بالطريقة في لسان الصوفية، ثم انكشاف حقائق الأشياء له وهو المسمى بالحقيقة في لسان الصوفية فهاتان المرتبتان هما المرادتان بقوله: ﴿ ثُمَّ اهتدى ﴾ .

المسألة العاشرة: منهم من قال: تجب التوبة عن الكفر أولاً ثم الإتيان بالإيمان ثانياً واحتج عليه بهذه الآية فإنه تعالى قدم التوبة على الإيمان، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن العمل الصالح غير داخل في الإيمان لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الاهتداء: هو الاستقامة والثبات على الهدى المذكور وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح، ونحوه قوله تعالى: ﴿ إنّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ [فصلت: 30] وكلمة التراخي دلت على تباين المنزلتين دلالتها على تباين الوقتين في (جاءني زيد ثم عمرو) أعني أنّ منزلة الاستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير نفسه؛ لأنها أعلى منها وأفضل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ لَذائِذِهِ أوْ حَلالاتِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «أنْجَيْتُكم» «وَواعَدْتُكم» و «ما رَزَقْتُكم» عَلى التّاءِ.

وقُرِئَ «وَوَعَدْتُكم» «وَوَعَدْناكم»، و ﴿ الأيْمَنَ ﴾ بِالجَرِّ عَلى الجِوارِ مِثْلَ: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.

﴿ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ ﴾ فِيما رَزَقْناكم بِالإخْلالِ بِشُكْرِهِ والتَّعَدِّي لِما حَدَّ اللَّهُ لَكم فِيهِ كالسَّرَفِ والبَطَرِ والمَنعِ عَنِ المُسْتَحِقِّ.

﴿ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ﴾ فَيَلْزَمَكم عَذابِي ويَجِبُ لَكم مِن حَلَّ الدَّيْنُ إذا وجَبَ أداؤُهُ.

﴿ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ﴾ فَقَدْ تَرَدّى وهَلَكَ، وقِيلَ وقَعَ في الهاوِيَةِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ «يَحُلُّ» ويَحْلُلْ بِالضَّمِّ مَن حَلَّ يَحُلُّ إذا نَزَلَ.

﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ ﴾ عَنِ الشِّرْكِ.

﴿ وَآمَنَ ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ.

﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى ﴾ ثُمَّ اسْتَقامَ عَلى الهُدى المَذْكُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإني لغفار لمن تاب} عن الشرك {وآمن} وحد الله تعالى وصدقه فيما أنزل {وَعَمِلَ صالحا} أدى الفرائض {ثُمَّ اهتدى} ثم استقام وثبت على الهدى وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنِّي لَغَفّارٌ ﴾ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ ﴿ لِمَن تابَ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: مِنهُ ومِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الطُّغْيانُ فِيما رُزِقَ ﴿ وآمَنَ ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ.

واقْتَصَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فِيما يُرْوى عَنْهُ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ولَعَلَّهُ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى الأشْرَفِ، وإلّا فالأفْيَدُ إرادَةُ العُمُومِ مَعَ ذِكْرِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ أيْ عَمَلًا مُسْتَقِيمًا عِنْدَ الشَّرْعِ وهو بِحَسَبِ الظّاهِرِ شامِلٌ لِلْفَرْضِ والسُّنَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِأداءِ الفَرائِضِ ﴿ ثُمَّ اهْتَدى ﴾ أيْ لَزِمَ الهُدى واسْتَقامَ عَلَيْهِ إلى المُوافاةِ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَبْرِ.

والهُدى يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الإيمانُ، وقَدْ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِمَدْحِ المُسْتَقِيمِينَ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ .

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاهْتِداءُ هو الِاسْتِقامَةُ والثَّباتُ عَلى الهُدى المَذْكُورِ وهو التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ وأيًّا ما كانَ فَكَلِمَةُ ثُمَّ إمّا لِلتَّراخِي بِاعْتِبارِ الِانْتِهاءِ لِبُعْدِهِ عَنْ أوَّلِ الِانْتِهاءِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ فَإنَّ المُداوَمَةَ أعْلى وأعْظَمُ مِنَ الشُّرُوعِ كَما قِيلَ: لِكُلٍّ إلى شَأْوِ العُلى وثَباتٌ ولَكِنْ قَلِيلٌ في الرِّجالِ ثُباتُ وقِيلَ: المُرادُ ثُمَّ عَمِلَ بِالسُّنَّةِ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّ المُرادَ مَنِ اهْتَدى عَلِمَ أنَّ لِعَمَلِهِ ثَوابًا يُجْزى عَلَيْهِ، ورُوِيَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ طَهَّرَ قَلْبَهُ مِنَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ.

كالعُجْبِ والحَسَدِ والكِبْرِ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَقْوى في مَعْنى ﴿ ثُمَّ اهْتَدى ﴾ أنْ يَكُونَ ثُمَّ حَفِظَ مُعْتَقَداتِهِ مِن أنْ تُخالِفَ الحَقَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَإنَّ الِاهْتِداءَ عَلى هَذا الوَجْهِ غَيْرُ الإيمانِ وغَيْرُ العَمَلِ انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا يَرْجِعُ إلى قَوْلِنا ثُمَّ اسْتَقامَ عَلى الإيمانِ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ، ورَوى الإمامِيَّةُ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ثُمَّ اهْتَدى إلى وِلايَتِنا أهْلِ البَيْتِ فَواللَّهِ لَوْ أنَّ رَجُلًا عَبَدَ اللَّهَ تَعالى عُمْرَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ ثُمَّ ماتَ ولَمْ يَجِئْ بِوِلايَتِنا لَأكَبَّهُ اللَّهُ تَعالى في النّارِ عَلى وجْهِهِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ وِلايَتَهم وحُبَّهم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِمّا لا كَلامَ عِنْدَنا في وُجُوبِهِ لَكِنَّ حَمْلَ الِاهْتِداءِ في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ مَعَ كَوْنِها حِكايَةً لِما خاطَبَ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا يَسْتَدْعِي القَوْلَ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِأهْلِ البَيْتِ وأوْجَبَ عَلَيْهِمْ ولايَتَهم إذْ ذاكَ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في صَحِيحِ الأخْبارِ.

نَعَمْ رَوى الإمامِيَّةُ مِن خَبَرِ جارُودِ بْنِ المُنْذِرِ العَبْدِيِّ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَهُ: ( «يا جارُودُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إلى السَّماءِ أوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيَّ أنْ سَلْ مَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا عَلامَ بُعِثُوا؟

قُلْتُ: عَلامَ بُعِثُوا؟

قالَ: عَلى نُبُوَّتِكَ ووِلايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ والأئِمَّةِ مِنكُما، ثُمَّ عَرَّفَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِمْ بِأسْمائِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ  أسْماءَهم واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ إلى المَهْدِيِّ» .

وهو خَبَرٌ طَوِيلٌ يَتَفَجَّرُ الكَذِبُ مِنهُ.

ولَهم أخْبارٌ في هَذا المَطْلَبِ كُلُّها مِن هَذا القَبِيلِ فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِها إلّا التَّطْوِيلُ.

والآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ المَغْفِرَةِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِمَجْمُوعِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ.

وقُصارى ما يُفْهَمُ مِنها عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ عَدَمُ تُحَقُّقِها لِمَن لَمْ يَتَّصِفْ بِالمَجْمُوعِ، وعَدَمُ التَّحَقُّقِ أعَمُّ مِن تُحَقِّقِ العَدَمِ فالآيَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تَكُونَ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلِيِّ عَلى تَحَقُّقِ عَدَمِ المَغْفِرَةِ لِمُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ إذا ماتَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، فافْهَمْ.

واحْتَجَّ بِها مَن قالَ تَجِبُ التَّوْبَةُ عَنِ الكُفْرِ أوَّلًا ثُمَّ الإتْيانُ بِالإيمانِ ثانِيًا لِأنَّهُ قَدَّمَ فِيها التَّوْبَةَ عَلى الإيمانِ، واحْتَجَّ بِها أيْضًا مَن قالَ بِعَدَمِ دُخُولِ العَمَلِ الصّالِحِ في الإيمانِ لِلْعَطْفِ المُقْتَضِي لِلْمُغايَرَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم ذكر نعمته على بني إسرائيل فقال عز وجل: يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، يعني: فرعون، وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ يعني: يمين موسى، وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى حيث كانوا في التيه.

كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ، يعني: قال لهم: كلوا من حلالات مَا رزقناكم، يعني: أعطيناكم.

قرأ حمزة والكسائي أَنْجَيْتكُمْ وَوَاعَدْتكُمْ مَا رَزَقْتكُمْ الثلاثة كلها بالتاء، وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع وابن عامر: الثلاثة بالألف والنون، وقرأ أبو عمرو بالتاء إلا قوله: وَواعَدْناكُمْ.

ثم قال: وَلا تَطْغَوْا فِيهِ، أي: لا ترفعوا منه شيئاً للغد، فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي يعني: فيجب وينزل عليكم عذابي.

وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي، يعني: ومن يجب وينزل عليه غضبي، فَقَدْ هَوى يعني: هلك وتردى في النار.

قرأ الكسائي فَيَحِلَّ بضم الحاء من يَحْلِلْ بضم اللام، والباقون كلاهما بالكسر.

فمن قرأ بالضم يعني: ينزل، ومن قرأ بالكسر يعني: يجب.

ثم قال عز وجل: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ، يعني: رجع من الشرك والذنوب وَآمَنَ يعني: صدق بالله ورسله، وَعَمِلَ صالِحاً يعني: خالصا فيما بينه وبين ربه، ثُمَّ اهْتَدى يعني: علم أن لعمله ثواباً، وهذا قول مقاتل.

وروى جويبر عن الضحاك: ثُمَّ اهْتَدى أي: ثم استقام، وروى وكيع عن سفيان قال ثُمَّ اهْتَدى، أي: مات على ذلك وقال ابن عباس: ثُمَّ اهْتَدى أي: «مات على السّنّة» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قد قاربوا الموت، إلا أنّهم لا يُجْهز عليهم، ولا يجددُ عذابهم فهذا فرقُ ما بينهم وبين الكفار، وفي الحديث الصحيح: «أَنَّهُمْ يُمَاتُونَ فِيهَا إمَاتَةً» ، وهذا هو معناها لأنه لا موت في الآخرة: وتَزَكَّى معناه: أطاع اللَّهَ، وأخذَ بأَزْكَى الأُمور.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى هذا استئناف إخبارٍ عن شيء من أمر موسى، وباقي الآية بيِّنٌ، وقد تقدم ذكر ما يخصها من القصص.

وقوله تعالى: لاَ تَخافُ دَرَكاً أيْ: من فرعون، وجنودِهِ، وَلا تَخْشى غرقاً من البحر.

وقوله: مَا غَشِيَهُمْ إبهام أهول من النصّ وهذا كقوله: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى.

[النجم: ١٦] .

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ يريد: من أول أمره إلى هذه النهاية، وَما هَدى مقابل لقوله: وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [غافر: ٢٩] .

وقوله عز وجل: يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ ...

الآية، ظاهر هذه الآية: أنّ هذا القول قِيل لبني إسرائيل حينئذٍ عند حُلولِ النِّعم التي عددها اللهُ عليهم، ويحتمل أن تكون هذه المقالة خُوطِب بها مُعَاصِرُو النبي صلى الله عليه وسلّم، والمعنى: هذا فِعْلُنا بأسلافكم وتكون الآيةُ على هذا اعتراضاً في أثناء قصة موسى، والقصدُ به توبيخُ هؤلاء الحضور إذ لم يصبر سلفُهم على أداء شكر نعم الله تعالى، والمعنى الأول أظهر وأبْين.

وقوله سبحانه: وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ ...

الآية، وقصص هذه الآية:

أن الله تعالى لما أنجى بني إسرائيل، وغرّق فرعون، وعد بني إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم فيه موسى، ويناجيه بما فيه صلاحهم، فلما أخذوا في السير، تعجل موسى عليه السلام ابتغاء مَرضَاةِ ربِّه، حَسْبما يأتِي بعدُ.

وقرأ جمهورُ الناس «١» : «فيَحِلّ» بكسر الحاء، «ويَحْلِلْ» بكسر اللام.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أسْرِ بِعِبادِي ﴾ ؛ أيْ: سِرْ بِهِمْ لَيْلًا مِن أرْضِ مِصْرَ، ﴿ فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا ﴾ ؛ أيِ: اجْعَلْ لَهم طَرِيقًا، ﴿ فِي البَحْرِ يَبَسًا ﴾ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ: ( يَبْسًا ) بِإسْكانِ الباءِ.

وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يابِسًا ) بِألِفٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ( اليَبَسُ ) مُتَحَرِّكُ الحُرُوفِ، بِمَعْنى اليابِسِ، يُقالُ: شاةٌ يَبَسٌ؛ أيْ: يابِسَةٌ لَيْسَ لَها لَبَنٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ لِلْيابِسِ: يَبَسٌ ويَبْسٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَخافُ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِألِفٍ.

وقَرَأ أبانُ وحَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ: ( لا تَخَفْ ) .

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( لا تَخافُ ) فالمَعْنى: لَسْتَ تَخافُ، ومَن قَرَأ: ( لا تَخَفْ ) فَهو نَهْيٌ عَنِ الخَوْفِ.

قالَ الفَرّاءُ: قَرَأ حَمْزَةُ: ( لا تَخَفْ ) بِالجَزْمِ، ورَفْعِ ( ولا تَخْشى ) عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ  ﴾ ، اسْتَأْنَفَ بِـ " ثُمَّ "، فَهَذا مِثْلُهُ، ولَوْ نَوى حَمْزَةُ بِقَوْلِهِ: ( ولا تَخْشى ) الجَزْمَ وإنْ كانَتْ فِيهِ الياءُ، كانَ صَوابًا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى ﴿ دَرَكًا ﴾ : لِحاقًا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: قالَ أصْحابُ مُوسى: هَذا فِرْعَوْنُ قَدْ أدْرَكَنا، وهَذا البَحْرُ بَيْنَ أيْدِينا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُوسى: ﴿ لا تَخافُ دَرَكًا ﴾ ؛ أيْ: مِن فِرْعَوْنَ، ﴿ وَلا تَخْشى ﴾ غَرَقًا في البَحْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَحِقَهم.

ورَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( فاتَّبَعَهم ) بِالتَّشْدِيدِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تَبِعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ وأتْبَعَهُ بِمَعْنى واحِدٍ.

ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ اتَّبَعَهم ومَعَهُ الجُنُودُ، ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعُهم ) فَمَعْناهُ: ألْحَقَ جُنُودَهُ بِهِمْ، وجائِزٌ أنَّ يَكُونَ مَعَهم عَلى هَذا اللَّفْظِ، وَجائِزٌ أنْ لا يَكُونَ، إلّا أنَّهُ قَدْ كانَ مَعَهم.

﴿ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: فَغَشِيَهم مِن ماءِ البَحْرِ ما غَرَّقَهم.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ ما غَشِيَهُمْ ﴾ : البَعْضُ الَّذِي غَشِيَهم؛ لِأنَّهُ لَمْ يَغْشَهم كُلُّ مائِهِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ: ( فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشّاهم ) بِألِفٍ فِيهِما مَعَ تَشْدِيدِ الشِّينِ وحَذْفِ الياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ ﴾ ؛ أيْ: دَعاهم إلى عِبادَتِهِ، ﴿ وَما هَدى ﴾ ؛ أيْ: [ ما ] أرْشَدَهم حِينَ أوْرَدَهم مَوارِدَ الهَلَكَةِ.

وهَذا تَكْذِيبٌ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَّشادِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ﴾ لِأخْذِ التَّوْراةِ.

وقَدْ ذَكَرْنا في [ مَرْيَمَ: ٥٢ ] مَعْنى ﴿ الأيْمَنَ ﴾ ، وذَكَرْنا في ( البَقَرَةِ: ٥٧ ) ﴿ المَنَّ والسَّلْوى ﴾ .

[ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُوا ﴾ ؛ أيْ: وقُلْنا لَهم: كُلُوا ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَطْغَوْا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: لا تَبْطُرُوا في نِعَمِي [ فَتَظْلِمُوا ] .

والثّانِي: لا تَجْحَدُوا نِعَمِي فَتَكُونُوا طاغِينَ.

والثّالِثُ: لا تَدَّخِرُوا مِنهُ لِأكْثَرَ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ﴾ ؛ أيْ: فَتَجِبُ لَكم عُقُوبَتِي.

والجُمْهُورُ قَرَؤُوا: ( فَيَحِلَّ ) بِكَسْرِ الحاءِ ( ومَن يَحْلِلْ ) بِكَسْرِ اللّامِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( فَيَحُلُّ ) بِضَمِّ الحاءِ ( ومَن يَحْلُلْ ) بِضَمِّ اللّامِ.

قالَ الفَرّاءُ: والكَسْرُ أحَبُّ إلَيَّ؛ لِأنَّ الضَّمَّ مِنَ الحُلُولِ، ومَعْناهُ: الوُقُوعُ، و( يَحِلُّ ) بِالكَسْرِ: يَجِبُ، وجاءَ التَّفْسِيرُ بِالوُجُوبِ لا بِالوُقُوعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ هَوى ﴾ ؛ أيْ: هَلَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ ﴾ الغَفّارُ: الَّذِي يَغْفِرُ ذُنُوبَ عِبادِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَكُلَّما تَكَرَّرَتْ ذُنُوبُهم تَكَرَّرَتْ مَغْفِرَتُهُ، وأصْلُ الغَفْرِ: السَّتْرُ، وبِهِ سُمِّيَ [ زِئْبِرُ ] الثَّوْبِ: غَفْرًا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ سَداهُ.

فالغَفّارُ: السَّتّارُ لِذُنُوبِ عِبادِهِ، المُسْبِلُ عَلَيْهِمْ ثَوْبَ عَطْفِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن تابَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن تابَ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿ وَآمَنَ ﴾ ؛ أيْ: وحَّدَ اللَّهَ وصَدَّقَهُ، ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ أدّى الفَرائِضَ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اهْتَدى ﴾ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: عَلِمَ أنَّ لِعَمَلِهِ هَذا ثَوابًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَمْ يَشْكُكْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ تَوْفِيقٌ مِنَ اللَّهِ [ لَهُ ]، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: لَزِمَ السَّنَةَ والجَماعَةَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: اسْتَقامَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والسّادِسُ: لَزِمَ الإسْلامَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّابِعُ: اهْتَدى كَيْفَ يَعْمَلُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والثّامِنُ: اهْتَدى إلى وِلايَةِ بَيْتِ النَّبِيِّ  ، قالَهُ ثابِتٌ البُنانِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَلْوى ﴾ ﴿ كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ﴾ ﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ هَذا القَوْلَ قِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَئِذٍ عِنْدَ حُلُولِ هَذِهِ النِعَمِ الَّتِي عَدَّدَها اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وبَيْنَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ وبَيْنَ هَذِهِ المَقالَةِ مُدَّةٌ وحَوادِثُ، ولَكِنْ يَخُصُّ اللهُ تَعالى بِالذِكْرِ ما يَشاءُ مِن ذَلِكَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَقالَةُ خُوطِبَ بِها مُعاصِرُو رَسُولِ اللهِ  ، المَعْنى: هَذا فِعْلُنا بِأسْلافِكُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "كُلُوا" بِتَقْدِيرِ: قِيلَ لَهُمْ: كُلُوا، وتَكُونُ الآيَةُ - عَلى هَذا - اعْتِراضًا في أثْناءِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ القَصْدُ بِهِ تَوْبِيخُ هَؤُلاءِ الحُضُورِ إذْ لَمْ يَصْبِرْ سَلَفُهم عَلى أداءِ شُكْرِ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، والمَعْنى الأوَّلُ أظْهَرُ وأبْيَنُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: [أنْجَيْنا - وواعَدْنا - ونَزَّلْنا عَلَيْكم ورَزَقْناكُمْ]، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ: "وَعَدْناكُمْ" بِغَيْرِ ألْفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: [أنْجَيْتُ - وواعَدْتُ ونَزَّلْتُ ورَزَقْناكُمْ].

وقَوْلُهُ: "وَواعَدْناكُمْ" قِيلَ: هي لُغَةٌ في "وَعَدَ" لا تَقْتَضِي فِعْلَ اثْنَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ حُمِلَتْ عَلى المَعْهُودِ؛ فَلِأنَّ التَلَقِّيَ والعَهْدَ والعَزْمَ عَلى ذَلِكَ يَقُومُ مَقامَ المُواعَدَةِ.

وَقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى لِما أنْجى بَنِي إسْرائِيلَ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ، وعَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَنِي إسْرائِيلَ ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَسِيرُوا إلى جانِبِ طُورِ سَيْناءَ لِيُكَلِّمْ فِيهِ مُوسى ويُناجِيَهُ بِما فِيهِ صَلاحُهم بِأوامِرِهِمْ ونَواهِيهِمْ، فَلَمّا أخَذُوا في السَيْرِ تَعَجَّلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلِقاءِ رَبِّهِ حَسْبَما يَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا الطُورِ هو الَّذِي كَلَّمَ اللهُ تَعالى فِيهِ مُوسى أوَّلًا حَيْثُ رَأى النارَ وكانَ في طَرِيقِهِ مِنَ الشامِ إلى مِصْرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَ بِهِ، و "الطُورُ": الجَبَلُ الَّذِي لا شُعَراءَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: "الأيْمَنُ" إمّا أنْ يُرِيدَ اليَمَنَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ اليَمِينَ بِالإضافَةِ إلى "ذِي يَمِينٍ"، إنْسانٍ أو غَيْرِهِ.

و "المَنَّ والسَلْوى" طَعامُهُمْ، وقَدْ مَضى في البَقَرَةِ اسْتِيعابُ تَفْسِيرِهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ يُرِيدُ الحَلالَ المُلِذَّ؛ لِأنَّ المَعْنى في هَذا المَوْضِعِ قَدْ جَمَعَهُما.

واخْتَلَفَ الناسُ ما المَقْصُودُ الأوَّلُ بِلَفْظَةِ "الطَيِّبِ" في القُرْآنِ، فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: الحَلالُ، وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ما يَطِيبُ لِلنُّفُوسِ، وساقَ إلى هَذا الخِلافِ تَفَقُّهُهم في الخِشاشِ والمُسْتَقْذَرِ مِنَ الحَيَوانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ ﴾ مَعْناهُ: تَتَعَدَّوْنَ الحَدَّ وتَتَعَسَّفُونَ كالَّذِي فَعَلُوا.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَيَحِلُّ" بِكَسْرِ الحاءِ، و "يُحَلِّلُ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فَيَحُلُّ" بِضَمِّ الحاءِ، و"يَحْلُلُ" بِضَمِّ اللامِ، ومَعْنى الأوَّلِ: فَيَجِبُ ويَحِقُّ، ومَعْنى الثانِي: فَيَقَعُ ويَنْزِلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ هَوى ﴾ مَعْناهُ: سَقَطَ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ خَنافِرَ: فَهَوى هَوْيَ العِقابِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ لَمْ يَكُنْ سُقُوطًا فَهو تَشْبِيهٌ بِالساقِطِ، والسُقُوطُ حَقِيقَةٌ قَوْلُ الآخَرِ: .......................

∗∗∗ هُوِيَّ الدَلْوِ أرْسَلَهُ الرِشاءُ وشَبَّهَ الَّذِي وقَعَ في طامَّةٍ أو ورْطَةٍ بَعْدَ أنْ كانَ بِنَجْوَةٍ مِنها بِالساقِطِ، فالآيَةُ مِن هَذا، أيْ: هَوِيَ في جَهَنَّمَ وفي سُخْطِ اللهِ، وقِيلَ: أُخِذَ الفِعْلُ مِنَ الهاوِيَةِ وهو قَعْرُ جَهَنَّمَ.

ولِما حَذَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى غَضَبَهُ والطُغْيانَ في نِعَمِهِ فَتَحَ بابَ الرَجاءِ لِلتّائِبِينَ، والتَوْبَةُ فَرْضٌ عَلى جَمِيعِ الناسِ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النُورِ: ﴿ وَتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ  ﴾ [النُورُ: ٣١]، والناسُ فِيهِ عَلى مَراتِبَ: إمّا مُواقِعُ الذَنَبِ وقُدْرَتُهُ عَلى ذَلِكَ باقِيَةٌ فَتَوْبَتُهُ النَدَمُ عَلى ما مَضى والإقْلاعُ التامُّ عن مِثْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وإمّا الَّذِي واقَعَ الذَنْبَ ثُمْ زالَتْ قُدْرَتُهُ عَلى ذَلِكَ مِن شَيْخٍ أو بِآفَةٍ فَتَوْبَتُهُ النَدَمُ واعْتِقادُ التَرْكِ إنْ لَوْ كانَتْ قُدْرَةٌ، وأمّا مَن لَمْ يُواقِعْ ذَنْبًا فَتَوْبَتُهُ العَزْمُ عَلى تَرْكِ كُلِّ ذَنْبٍ، والتَوْبَةُ مِن ذَنْبٍ تَصِحُّ مَعَ الإقامَةِ عَلى غَيْرِهِ، وهي تَوْبَةٌ مُقَيَّدَةٌ، وإذا تابَ العَبْدُ ثُمْ عاوَدَ الذَنْبَ بِعَيْنِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ فَيَحْتَمِلُ حُذّاقُ أهْلِ السُنَّةِ ألّا يُعِيدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الذَنْبَ الأوَّلَ؛ لِأنَّ التَوْبَةَ كانَتْ مَحْضَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعِيدَهُ لِأنَّها تَوْبَةٌ لَمْ يُوفِ بِها.

واضْطَرَبَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اهْتَدى ﴾ مِن حَيْثُ وجَدُوا الهُدى ضِمْنَ الإيمانِ والعَمَلِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ثُمْ لَزِمُ الإسْلامَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَمْ يَشُكَّ في إيمانِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ثُمُ اسْتَقامَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثُمْ أخَذَ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ  ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ثُمْ أصابَ العَمَلَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ثُمْ عَرَفَ أمْرَ مَشِيبِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: والى أهْلَ البَيْتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ كُلُّها تَخْصِيصُ واحِدٍ مِنها دُونَ ما هو مِن نَوْعِهِ بَعِيدٌ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، والَّذِي يَقْوى في مَعْنى "ثُمُ اهْتَدى" أنْ يَكُونَ: ثُمْ حَفِطَ مُعْتَقَداتِهِ مِن أنْ يُخالِفَ الحَقَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَإنَّ الِاهْتِداءَ - عَلى هَذا الوَجْهِ - غَيْرُ الإيمانِ وغَيْرُ العَمَلِ، ورُبَّ مُؤْمِنٍ عَمِلَ صالِحًا قَدْ أوبَقَهُ عَدَمُ الِاهْتِداءِ كالقَدَرِيَّةِ والمُرْجِئَةِ وسائِرِ أهْلِ البِدَعِ والخَوارِجِ، فَمَعْنى "ثُمُ اهْتَدى": ثُمْ مَشى في عَقائِدِ الشَرْعِ عَلى طَرِيقٍ قَوِيمٍ، جَعَلَنا اللهُ تَعالى مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي حِفْظِ المُعْتَقَداتِ يَنْحَصِرُ عِظَمُ أمْرِ الشَرْعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجمل معترضة في أثناء القصة مثل ما تقدم آنفاً في قوله تعالى: ﴿ إنه من يأت ربه مجرماً ﴾ الآية.

وهذا خطاب لليهود الذين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تذكيراً لهم بنعم أخرى.

وقُدّمت عليها النعمة العظيمة، وهي خلاصهم من استعباد الكفرة.

وقرأ الجمهور {قد أنجيناكم وواعدناكم بنون العظمة.

وقرأهما حمزة، والكسائي، وخلف قد أنجيتكم ووعدتكم بتاء المتكلّم.

وذكّرهم بنعمة نزول الشريعة وهو ما أشار إليه قوله وواعدناكم جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ } .

والمواعدة: اتّعاد من جانبين، أي أمرنا موسى بالحضور للمناجاة فذلك وعد من جانب الله بالمناجاة، وامتثالُ موسى لذلك وعدٌ من جانبه، فتم معنى المواعدة، كما قال تعالى في سورة البقرة (52): ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ﴾ ويظهر أنّ الآية تشير إلى ما جاء في الإصحاح 19 من سفر الخروج: في الشهر الثالث بعد خروج بني إسرائيل من أرض مصر جاءوا إلى برّية سيناء هنالك نزل إسرائيل مقابل الجبل.

وأما موسى فصعد إلى الله فناداه الربّ من الجبل قائلاً: هكذا نقول لبيت يعقوب أنتم رأيتم ما صنعت بالمصريين وأنا حملتكم على أجنحة النّسور، إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة...

إلخ.

وذكر الطور تقدم في سورة البقرة.

وجانب الطور: سفحه.

ووصفه بالأيمن باعتبار جهة الشخص المستقبل مشرقَ الشمس، وإلاّ فليس للجبل يمين وشمال معيّنان، وإنما تعرَّف بمعرفة أصل الجهات وهو مطلع الشمس، فهو الجانب القبلي باصطلاحنا.

وجُعل محلّ المواعدة الجانب القبلي وليس هو من الجانب الغربي الذي في سورة القصص (30): ﴿ فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة وقال فيها وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ﴾ [القصص: 44] فهو جانب غربي، أي من جهة مغرب الشمس من الجبل، وهو الذي آنس موسى منه ناراً.

وانتصب ﴿ جَانِبَ الطُّورِ ﴾ على الظرفية المكانية لأنّه لاتساعه بمنزلة المكان المبهم.

ومفعول المواعدة محذوف، تقديره: المناجاة.

وتعدية ﴿ واعدناكم ﴾ إلى ضمير جماعة بني إسرائيل وإن كانت مواعدة لموسى ومن معه الذين اختارهم من قومه باعتبار أنّ المقصد من المواعدة وحي أصول الشريعة التي تصير صلاحاً للأمّة فكانت المواعدة مع أولئك كالمواعدة مع جميع الأمّة.

وقرأ الجميع {ونزَّلنا عليكم الخ؛ فباعتبار قراءة حمزة، والكسائي، وخلف قد أنجيتكم وواعدتكم بتاء المفرد تكون قراءة وأنزلنا بنون العظمة قريباً من الالتفات وليس عينه، لأن نون العظمة تساوي تاء المتكلّم.

والسلوَى تقدم في سورة البقرة.

وكان ذلك في نصف الشهر الثاني من خروجهم من مصر كما في الإصحاح 16 من سفر الخروج.

وجملة كُلُوا} مقولٌ محذوف.

تقديره: وقلنا أو قائلين.

وتقدم نظيره في سورة البقرة.

وقرأ الجمهور {ما رزقناكم بنون العظمة.

وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف ما رزقتكم بتاء المفرد.

والطغيان: أشدّ الكِبر.

ومعنى النهي عن الطغيان في الرزق: النهي عن ترك الشكر عليه وقلّة الاكتراث بعبادة المُنعِم.

وحرف (في) الظرفيّة استعارةٌ تبعية؛ شبه ملابسة الطغيان للنّعمة بحلول الطغيان فيها تشبيهاً للنعمة الكثيرة بالوعاء المحيط بالمنعَم عليه على طريقة المكنية، وحرف الظرفية قرينتها.

والحلول: النزول والإقامة بالمكان؛ شبهت إصابة آثار الغضب إياهم بحلول الجيش ونحوه بديار قوم.

وقرأ الجمهور فيحِلّ عليكم بكسر الحاء وقرأوا ومن يحلِل عليه غضبي بكسر اللاّم الأولى على أنهما فعلا حَلّ الدّيْن يقال: حلّ الديْن إذا آن أجل أدائه.

وقرأه الكسائي بالضمّ في الفعلين على أنّه من حلّ بالمكان يحُلّ إذا نزل به.

كذا في الكشاف} ولم يتعقبوه.

وهذا مما أهمله ابن مالك في «لامية الأفعال»، ولم يستدركه شارحها بَحْرَق اليمني في «الشرح الكبير».

ووقع في «المصباح» ما يخالفه ولا يعوّل عليه.

وظاهر «القاموس» أن حلّ بمعنى نزل يستعمل قاصراً ومتعدياً، ولم أقف لهم على شاهد في ذلك.

وهوَى: سقط من علوّ، وقد استعير هنا للهلاك الذي لا نهوض بعده، كما قالوا: هوت أمّه، دعاء عليه، وكما يقال: ويل أمّه، ومنه: ﴿ فأمه هاوية ﴾ [القارعة: 9]، فأريد هويّ مخصوص، وهو الهوي من جبل أو سطح بقرينة التهديد.

وجملة ﴿ وإنّي لغَفَّارٌ ﴾ إلى آخرها استطراد بعد التحذير من الطغيان في النعمة بالإرشاد إلى ما يتدارك به الطغيان إن وقع بالتوبة والعمل الصالح.

ومعنى ﴿ تَابَ ﴾ : ندم على كفره وآمن وعمل صالحاً.

وقوله ﴿ ثُمَّ اهتدى ﴾ (ثم) فيه للتراخي في الرتبة؛ استعيرت للدلالة على التباين بين الشيئين في المنزلة كما كانت للتباين بين الوقتين في الحدوث.

ومعنى ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ [الأحقاف: 13].

والآيات تشير إلى ما جاء في الإصحاح من سفر الخروج «الرب إله رحيم ورؤوف، بطيء الغضب وكثير الإحسان غافر الإثم والخطيئة ولكنّه لن يبرئ إبراء».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تَكْفُرُوا بِهِ.

الثّانِي: لا تَدَّخِرُوا مِنهُ لِأكْثَرِ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَدَوَّدَ عَلَيْهِمْ ما ادَّخَرُوهُ، ولَوْلا ذَلِكَ ما دَوَّدَ طَعامٌ أبَدًا.

الثّالِثُ: لا تَسْتَعِينُوا بِرِزْقِي عَلى مَعْصِيَتِي.

﴿ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ﴾ قُرِئَ بِضَمِّ الحاءِ وبِكَسْرِها ومَعْناهُ بِالضَّمِّ يُنْزِلُ، وبِالكَسْرِ يَجِبُ.

﴿ فَقَدْ هَوى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَقَدْ هَوى في النّارِ.

الثّانِي: فَقَدْ هَلَكَ في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ أيْ غَفّارٌ لِمَن تابَ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ وَآمَنَ ﴾ يَعْنِي بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وعَمَلَ صالِحًا يُرِيدُ العَمَلَ بِأوامِرِهِ والوُقُوفَ عِنْدَ نَواهِيهِ.

﴿ ثُمَّ اهْتَدى ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ثُمَّ لَمْ يَشُكَّ في إيمانِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لَزِمَ الإيمانَ حَتّى يَمُوتَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: ثُمَّ أخَذَ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ  ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الرّابِعُ: ثُمَّ أصابَ العَمَلَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: ثُمَّ عَرَفَ جَزاءَ عَمَلِهِ مِن خَيْرٍ بِثَوابٍ، أوْ شَرٍّ بِعِقابٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

السّادِسُ: ثُمَّ اهْتَدى في وِلايَةِ أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ  ، قالَهُ ثابِتٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً ﴾ قال: يابساً ليس فيه ماء ولا طين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ طريقاً في البحر يبساً ﴾ قال: يابساً.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج قال: قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر قد عمنا.

فأنزل الله: ﴿ لا تخاف دركاً ولا تخشى ﴾ من البحر غرقاً ولا وحلاً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تخاف دركاً ﴾ قال: من آل فرعون ﴿ ولا تخشى ﴾ من البحر غرقاً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ فغشيهم من اليم ﴾ قال البحر.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ قال: الطغيان فيه أن يأخذه بغير حله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ فيحل عليكم غضبي ﴾ قال: فينزل عليكم غضبي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأعمش أنه قرأ ﴿ من يحلل عليه غضبي ﴾ بكسر اللام على تفسير من يجب عليه غضبي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مجلز في قوله: ﴿ ومن يحلل عليه غضبي ﴾ قال: إن غضبه خلق من خلقه يدعوه فيكلمه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فقد هوى ﴾ قال: شقي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سقي بن ماتع: أن في جهنم قصراً يرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين، قبل أن يبلغ الصلصال، فذلك قوله: ﴿ ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ وإني لغفار لمن تاب ﴾ قال: من الشرك ﴿ وآمن ﴾ .

قال: وحد الله ﴿ وعمل صالحاً ﴾ قال: أدى الفرائض ﴿ ثم اهتدى ﴾ قال: لم يشك.

وأخرج سعيد بن منصور والفريابي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني لغفار ﴾ الآية.

قال: تاب من الذنب، وآمن من الشرك.

وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه ﴿ ثم اهتدى ﴾ علم أن لعمله ثواباً يجزى عليه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ثم اهتدى ﴾ قال: ثم استقام لفرقة السنة والجماعة.

وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: فعجل موسى إلى ربه فقال الله: ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى ﴾ قال: فرأى في ظل العرش رجلاً فعجب له.

فقال: من هذا يا رب؟

قال: لا أحدثك حديثه لكن سأحدثك بثلاث فيه: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة.

وأخرج ابن مردويه، عن وهب بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لما وعد موسى أن يكلمه، خرج للوقت الذي وعده، فبينما هو يناجي ربه، إذ سمع خلفه صوتاً، فقال إلهي إني أسمع خلفي صوتاً، قال: لعل قومك ضلوا، قال: إلهي، من أضلهم؟

قال: السامري.

قال: كيف أضلهم؟

قال: صاغ لهم ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ قال: إلهي هذا السامري صاغ لهم العجل: فمن نفخ فيه الروح حتى صار له خوار؟

قال: أنا يا موسى، قال: فبعزتك، ما أَضَلَّ قومي أحد غيرك.

قال: صدقت.

قال: يا حكيم الحكماء، لا ينبغي حكيم أن يكون أحكم منك» .

وأخرج ابن جرير في تهذيبه، عن راشد بن سعد قال: إن موسى لما قدم على ربه- واعد قومه أربعين ليلة- قال: يا موسى، إن قومك قد افتتنوا من بعدك.

قال: يا رب كيف يفتنون؟

وقد نجيتهم من فرعون، ونجيتهم من البحر، وأنعمت عليهم، وفعلت بهم؟!

قال: يا موسى إنهم اتخذوا من بعدك عجلاً له خوار قال: يا رب، فمن جعل فيه الروح؟

قال: أنا.

قال: فأنت يا رب أضللتهم.

قال: يا موسى، يا رأس النبيين، ويا أبا الحكام، إني رأيت ذلك في قلوبهم، فيسرته لهم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن علي رضي الله عنه قال: لما تعجل موسى إلى ربه، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي بني إسرائيل فضربه عجلاً، ثم ألقى القبضة في جوفه، فإذا هو عجل جسد له خوار فقال لهم السامري: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى ﴾ فقال لهم هارون: ﴿ يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ﴾ فلما أن رجع موسى أخذ رأس أخيه، فقال له هارون ما قال، فقال موسى للسامري: ﴿ ما خطبك ﴾ فقال: ﴿ قبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي ﴾ فعمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد فبرده وهو على شطر نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء- ممن كان يعبد ذلك العجل- إلا اصفر وجهه مثل الذهب!

فقالوا: يا موسى، ما توبتنا؟

قال: يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أباه وأخاه وابنه، لا يبالي من قتل، حتى قتل منهم سبعون ألفاً!

فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم، فقد غفرت لمن قتل، وتبت على من بقي.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما هجم فرعون على البحر وأصحابه- وكان فرعون على فرس أدهم حصان، هاب الحصان أن يقتحم البحر، فمثل له جبريل على فرس أنثى، فلما رآها الحصان هجم خلفها، وعرف السامري جبريل- لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه- فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه، في واحدة لبناً، وفي الأخرى عسلاً، وفي الأخرى سمناً، فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عاينه في البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه.

قال أخذ من تحت الحافر قبضة، وألقى في روع السامري: إنك لا تلقيها على شيء فتقول كن كذا إلا كان، فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، أغرق الله آل فرعون.

قال موسى لأخيه هارون ﴿ اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ ومضى موسى لموعد ربه، وكان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فكأنهم تأثموا منه، فأخرجوه لتنزل النار فتأكله، فلما جمعوه قال السامري: بالقبضة هكذا، فقذفها فيه، وقال: كن عجلاً جسداً له خوار فصار ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ فكان يدخل الريح من دبره، ويخرج من فيه يسمع له صوت!

فقال: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فعكفوا ﴾ على العجل يعبدونه.

فقال هارون: ﴿ يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ﴾ ﴿ قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ .

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان السامري رجلاً من أهل ماجرما، وكان من قوم يعبدون البقر، فكان يحب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل، فلما فصل موسى إلى ربه قال لهم هارون: إنكم قد حملتم ﴿ أوزاراً من زينة القوم ﴾ آل فرعون ومتاعاً وحلياً فتطهروا منها، فإنها رجس، وأوقد لهم ناراً، فقال: اقذفوا ما معكم من ذلك فيها، فجعلوا يأتون بما معهم فيقذفون فيها، ورأى السامري أثر فرس جبريل، فأخذ تراباً من أثر حافره، ثم أقبل إلى النار، فقال لهارون يا نبي الله، ألقي ما في يدي؟

قال: نعم.

ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة فقذفه فيها فقال: كن ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ ، فكان للبلاء والفتنة.

فقال: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى ﴾ ﴿ فعكفوا عليه ﴾ وأحبوه حباً لم يحبوا مثله شيئاً قط: يقول الله: ﴿ فنسي ﴾ أي ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني السامري ﴿ أفلا يرون أَلاَّ يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ﴾ وكان اسم السامري: موسى بن ظفر وقع في أرض مصر، فدخل في بني إسرائيل، فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: ﴿ يا قوم، إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ فأقام هارون فيمن معه من المسلمين مخافة أن يقول له موسى: ﴿ فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ﴾ وكان له سامعاً مطيعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن هارون مر بالسامري وهو يتنحت العجل فقال له: ما تصنع؟

قال: اصنع ما لا يضر ولا ينفع!

فقال هارون: اللهم أعطه ما سأل على نفسه، ومضى هارون فقال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور، فخار.

فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رؤوسهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن بني إسرائيل استعاروا حليا من القبط، فخرجوا به معهم، فقال لهم هارون: قد ذهب موسى إلى السماء اجمعوا هذا الحلي حتى يجيء موسى، فيقضي فيه ما قضى، فجمع ثم أذيب، فلما ألقى السامري القبضة تحول ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ فقال: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ قال: إن موسى ذهب يطلب ربه، فضل فلم يعلم مكانه وهو هذا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن علي رضي الله عنه قال: إن جبريل لما نزل فصعد بموسى إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس، وحمل جبريل موسى خلفه حتى إذا دنا من باب السماء صعد، وكتب الله الألواح، وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح، فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده، نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان السامري من أهل كرمان.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه قال انطلق موسى إلى ربه فكلمه قال له: ﴿ ما أعجلك عن قومك يا موسى ﴾ ﴿ قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى ﴾ قال: ﴿ فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ﴾ فلما خبره خبرهم قال: يا رب، هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل.

أرأيت الروح من نفخها فيه؟

قال الرب: أنا.

قال: يا رب.

فأنت إذاً أضللتهم.

ثم رجع ﴿ موسى إلى قومه غضبان أسفاً ﴾ قال: حزيناً ﴿ قال يا قوم ألم يَعِدَكُم ربكم وعداً حسناً ﴾ إلى قوله: ﴿ ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ يقول: بطاقتنا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ﴾ يقول: من حلي القبط: ﴿ فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلاً جسداً خوار ﴾ ﴿ فعكفوا عليه يعبدونه ﴾ وكان يخور ويمشي.

فقال لهم هارون: ﴿ يا قوم إنما فتنتم به ﴾ يقول ابتليتم بالعجل.

قال: ﴿ فما خطبك يا سامري ﴾ ما بالك.

إلى قوله: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليك عاكفاً لنحرقنه ﴾ قال: فأخذه فذبحه ثم خرقه بالمبرد.

يعني سحكه، ثم ذراه في اليم.

فلم يبق نهر يجري يومئذ إلا وقع فيه منه شيء، ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا.

فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب، فذلك حين يقول: ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ﴾ قال: فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا، قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ﴾ فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل؛ إلا بالحال التي كرهوا أنهم كرهوا أن يقاتلوهم، حين عبدوا العجل ﴿ فقال موسى يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم ﴾ فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيداً، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل منهم سبعون ألفاً، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا هلكت بنو إسرائيل، ربنا البقية...

البقية، فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم، فكان من قتل منهم....

كان شهيداً، ومن بقي كان مكفراً عنه، فذلك قوله تعالى: ﴿ فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ﴾ ثم إن الله تعالى أمر موسى: أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فوعدهم موعداً ﴿ فاختار موسى سبعين رجلاً ﴾ ثم ذهب ليعتذروا من عبادة العجل، فلما أتوا ذلك، قالوا: ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ فإنك قد كلمته فأرناه ﴿ فأخذتهم الصاعقة ﴾ فماتوا فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب.

ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟

﴿ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل.

فذلك حين يقول موسى: ﴿ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفطال عليكم العهد ﴾ يقول: الوعد وفي قوله: ﴿ فأخلفتم موعدي ﴾ يقول: عهدي وفي قوله: ﴿ ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ بأمر ملكنا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً ﴾ قال: أثقالاً من زينة القوم، وهي الحلي الذي استعاروه من آل فرعون ﴿ فقذفناها ﴾ قال: فألقيناها ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ قال: كذلك صنع ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ قال: حفيف الريح فيه.

فهو خواره، والعجل ولد البقرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بملكنا ﴾ قال: بأمرنا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ قال: بطاقتنا.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ بملكنا ﴾ قال: بسلطاننا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن يحيى أنه قرأ ﴿ بملكنا ﴾ وملكنا.

واحد.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ قال: نسي موسى أن يذكر لكم: إن هذا إلهه!

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فنسي ﴾ قال هم يقولونه، قومه: أخطأ الرب العجل ﴿ أفلا يرون أَلاَّ يرجع إليهم قولاً ﴾ قال: العجل ﴿ ولا يملك لهم ضراً ﴾ قال: ضلالة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن ﴾ قال: تدعهم.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في الآية قال: أمره موسى أن يصلح، ولا يتبع سبيل المفسدين، فكان من إصلاحه أن ينكر العجل.

فذلك قوله: ﴿ أن لا تتبعن أفعصيت أمري ﴾ كذلك أيضاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ﴾ قال: خشيت أن يتبعني بعضهم ويتخلف بعضهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ﴾ قال: قد كره الصالحون الفرقة قبلكم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولم ترقب قولي ﴾ قال: لم تنتظر قولي وما أنا صانع وقائل.

قال: وقال ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لم ترقب قولي ﴾ لم تحفظ قولي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال فما خطبك يا سامري ﴾ قال: لم يكن اسمه، ولكنه كان من قرية اسمها سامرة ﴿ قال بصرت بما لم يبصروا به ﴾ يعني فرس جبريل.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ ﴿ بما لم يبصروا به ﴾ بالياء ورفع الصاد.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول ﴾ قال: من تحت حافر فرس جبريل ﴿ فنبذتها ﴾ قال: نبذ السامري على حلية بني إسرائيل فانقلبت عجلاً.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول ﴾ قال: قبض السامري قبضة من أثر الفرس فصره في ثوبه.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن أنه كان يقرؤها ﴿ فقبصت ﴾ بالصاد.

قال: والقبص بأطراف الأصابع.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الأشهب قال: كان الحسن يقرؤها ﴿ فقبصت قبصة ﴾ بالصاد، يعني بأطراف أصابعه، وكان أبو رجاء يقرؤها ﴿ فقبصت قبصة ﴾ بالصاد، هكذا بجميع كفيه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: القبضة ملء الكف، والقبصة بأطراف الأصابع.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ ﴿ فقبضت قبضة ﴾ بالضاد على معنى القبض.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ﴾ قال: عقوبة له ﴿ وإن لك موعداً لن تخلفه ﴾ قال: لن تغيب عنه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ﴾ قال: أقمت ﴿ لنحرقنه ﴾ قال: بالنار ﴿ ثم لننسفنه في اليم نسفاً ﴾ قال: لنذرينه في البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، أنه كان يقرأ ﴿ لنحرقنه ﴾ خفيفة.

يقول: إن الذهب والفضة لا يحرقان بالنار، يسحل بالمبرد ثم يلقى على النار فيصير رماداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: في بعض القراءة ﴿ لنذبحنه ثم لنحرقنه ﴾ خفيفة.

قال قتادة: وكان له لحم ودم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نهيك الأزدي، أنه قرأ ﴿ لنحرقنه ﴾ بنصب النون وخفض الراء وخففها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اليم، البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: اليم، النهر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يابني إِسْرَائِيلَ ﴾ خطاب لهم بعد خروجهم من البحر، وإغراق فرعون، وقيل: هو خطاب لمن كان منهم في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر ﴿ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن ﴾ لما أهلك الله فرعون وجنوده أمر موسى وبني إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم فيه ربه، والطور هو الجبل، واختلف هل هذا الطور هو الذي رأى فيه موسى النار في أول نبوّته، أو هو غيره ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى ﴾ ذكر في [البقرة: 57] ﴿ فَقَدْ هوى ﴾ استعارة من السقوط من علو إلى سفل ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى ﴾ المغفرة لمن تاب حاصلة ولا بد، والمغفرة للمؤمن الذي لم يتب في مشيئة الله عند أهل السنة، وقالت المعتزلة: لا يغفر إلا لمن تاب ﴿ ثُمَّ اهتدى ﴾ أي استقام ودام على الإيمان والتوبة والعمل الصالح، ويحتمل أن يكون الهدى هنا عبارة عن نور وعلم؛ يجعله الله في قلب من تاب وآمن وعمل صالحاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا تخف دركاً ﴾ بالجزم: حمزة الباقون ﴿ لا تخاف ﴾ بالرفع ﴿ أنجيتكم ﴾ و ﴿ واعدتكم ﴾ و ﴿ رزقكم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ ووعدناكم ﴾ من الوعد.

أبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ فيحل ﴾ ﴿ ومن يحلل ﴾ بالضم فيهما: عليّ.

الآخرون بالكسر ﴿ يملكنا ﴾ بفتح الميم: أبو جعفر ونافع، وعاصم غير المفضل بضمها حمزة، وعلي وخلف بكسرها الباقون والمفضل ﴿ حملنا ﴾ بفتح الحاء والميم مخففة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف سوى حفص.

الآخرون بضم الحاء وكسر الميم مشددة ﴿ تتبعني ﴾ بالياء الساكنة في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو ونافع غير إسماعيل في الوصل، وقرأ يزيد وإسماعيل بفتح الياء.

الباقون بحذفها.

﴿ يا ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.

﴿ لم تبصروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف الباقون على الغيبة ﴿ فنبذتها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وهشام وسهل ﴿ لن تخلفه ﴾ بكسر اللام: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.

الآخرون بفتحها ﴿ لنحرقنه ﴾ بفتح النون وضم الراء: يزيد.

الآخرون من التحريق.

﴿ فلا يخف ﴾ بالجزم على النهي: ابن كثير ﴿ أن نقضي ﴾ النون مبنياً للفاعل ﴿ وحيه ﴾ بالنصب: يعقوب الباقون بالياء مضمومة وبفتح الضاد ﴿ وحيه ﴾ بالرفع.

الوقوف: ﴿ يبسا ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا تخاف ﴾ يصلح صفة للطريق مع حذف الضمير العائد أي لا تخاف فيه، ويصلح مستأنفاً.

ومن قرأ ﴿ لا تخف ﴾ فوقفه أجوز لعدم العاطف ووقوع الحائل مع تعقب النهي الأمر إلا أن يكون جواباً للأمر فلا يوقف ﴿ ولا تخشى ﴾ ه ﴿ ما غشيهم ﴾ ط لأن التقدير وقد أضل من قبل على الحال الماضية دون العطف لأنه عندما عشيه لم يتفرغ للإضلال.

﴿ وما هدى ﴾ ه ﴿ والسلوى ﴾ ه ﴿ غضبي ﴾ ج ﴿ هوى ﴾ ه ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لترضى ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لانتساق الماضي على الماضي بلا ناسق ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ موعدي ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه لا ﴿ فنسي ﴾ ه ط ﴿ قولاً ﴾ لا للعطف ﴿ ولا نفعاً ﴾ ه ط ﴿ فتنتم به ﴾ ج للابتداء بأن مع اتصال العطف ﴿ أمري ﴾ ج ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ أن لا تتبعن ﴾ ط ﴿ أمري ﴾ ه ﴿ برأسي ﴾ ج للابتداء (بأن) مع اتصال المعنى واتحاد القائل ﴿ قولي ﴾ ه ﴿ يا سامري ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ه ﴿ لا مساس ﴾ ص ﴿ لن تخلفه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ عاكفاً ﴾ ط للقسم المحذوف ﴿ نسفاً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ سبق ﴾ ج للإستئناف والحال ﴿ ذكرا ﴾ ج ه لأن الشرطية تصلح صفة للذكر وتصلح مبتدأ بها ﴿ وزراً ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ خالدين ﴾ حال من الضمير في ﴿ يحمل ﴾ وهو عائد إلى "من" ومن للجمع معنى ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ حملاً ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ينفخ ﴾ بدل من يوم القيامة.

﴿ زرقاً ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح للصفة وللاستئناف ﴿ عشراً ﴾ ه ﴿ يوماً ﴾ ه ﴿ نسفاً ﴾ ه لا ﴿ صفصفاً ﴾ ه لا ﴿ أمتا ﴾ ه ﴿ لا عوج له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ همساً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ القيوم ﴾ ط ﴿ ظلماً ﴾ ه ﴿ هضماً ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج ﴿ وحيه ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع اعتراض الظرف وما أضيف إليه ﴿ علماً ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في قصة إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوّهم وقد تقدم في "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "يونس" ومعنى ﴿ فاضرب لهم طريقاً ﴾ إجعل لهم من قولهم "ضرب له في ماله سهماً وضرب اللبن عمله" أو أراد بين لهم طريقاً ﴿ في البحر ﴾ بالضرب بالعصا حتى ينفلق فعدي الضرب إلى الطريق، ثم بين أن جميع أسباب الأمن حاصلة في ذلك الطريق.

واليبس مصدر وصف به ومثله اليبس ونحوهما العدم والعدم ويوصف به المؤنث لذلك فيقال: ناقتنا يبس إذا جف لبنها.

والدرك.

والدرك اسمان من الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك.

وفي ﴿ لا تخشى ﴾ إذا قرىء ﴿ لا تخف ﴾ أوجه الاستئناف أي وأنت لا تخشى، وجوز في الكشاف أن يكون الألف للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله ﴿ وتظنون بالله الظنونا  ﴾ وأن يكون كقول الشاعر: كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً *** أراد لم تر لأن ما قبله: وتضحك مني شيخة عبشمية *** قلت: لعل هذا إنما يجوز في الضرورة ولا ضرورة في الآية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ الحق بهم جنوده أو تبعهم ومعه جنوده كما مر في "يونس" ﴿ فغشيهم ﴾ أي علاهم ورهقهم ﴿ من اليم ما غشيهم ﴾ وهذا من جملة ما علم في باب الإيجاز لدلالته على أنه غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله، وقد سلف منه في السور المذكورة ما حكي في الأخبار وروي في الآثار.

ونسبة الإضلال إلى فرعون لا تنافي انتهاء الكل إلى إرادة الله ومشيئته.

وقوله ﴿ وما هدى ﴾ تأكيد للإضلال وفيه تهكم به في قوله ﴿ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد  ﴾ ثم عدد ما أنعم به على بني إسرائيل، ويجوز أن يكون خطاباً لليهود المعاصرين لأن النعمة على الآباء نعمة في حق الأبناء ومثله قوله ﴿ وواعدناكم جانب الطور الأيمن ﴾ أي الواقع على يمين من انطلق من مصر إلى الشام لأن منفعة المواعدة عادت إليهم وإن كانت المواعدة لنبيهم فبكتب التوراة في ألواح قام شرعهم واستقام أمر معاشهم ومعادهم.

﴿ كلوا ﴾ من تتمة القول.

وطغيانهم في الرزق هو شغلهم باللهو والتنعم عن القيام بشكرها وتعدي حدود الله فيها بالإسراف والتقتير والغصب.

ومن قرأ ﴿ فيحل ﴾ بالكسر فبمعنى الوجوب من قولهم "حل الدين يحل" إذا وجب أداؤه، ومن قرأ بضم فبمعنى النزول ونزول الغضب نزول نتائجة من العقوبات والمثلات.

ومعنى ﴿ هوى ﴾ هلك وأصله السقوط من مكان عالٍ كالجبل.

وقيل: هوى أي وقع في الهاوية.

سؤال: كيف أثبت المغفرة في حق من استجمع التوبة والإيمان والعمل الصالح، والمغفرة إنما تتصور في حق من أذنب؟

وأيضاً ما معنى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ بعد الأمور المذكور والاهتداء إنما يكون قبلها لا أقل من أن يكون معها؟

الجواب أراد وإني لغفار لمن تاب من الكفر وآمن وعمل صالحاً.

وفيه دليل لمن ذهب إلى وجوب تقديم التوبة من الكفر على الإيمان.

والحاصل أن الغفران يعود إلى الذنوب السابقة على هذه الأمور، ويجوز أن يراد أنه إذا تاب من الكفر وأقبل على الإيمان والعمل الصالح فإن الله يغفر الصغائر التي تصدر عنه في خلال ذلك كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم  ﴾ وأما الاهتداء فالمراد به الاستقامة والثبات على الأمور المذكورة كقوله ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ ومعنى "ثم" الدلالة على تباين المرتبتين، فإن المداومة على الخدمة أصعب من الشروع فيها كما قيل: لكل إلى شأو العلى حركات *** ولكن عزيز في الرجال ثبات ونظير هذا العطف قوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا  ﴾ وقد مر البحث فيه.

ويروى أن موسى قد مضى مع النقباء السبعين إلى الطور على الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله فأنكر الله  تقدمه قائلاً ﴿ وما أعجلك عن قومك ﴾ أيّ شيء عجل بك عنهم؟

فالمراد بالقوم النقباء لا جميع قومه على ما توهم بعضهم يؤكده قوله ﴿ هم أولاء على أثري ﴾ ولم يكن جميع قومه على أثره.

قال جار الله: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين: أحدهما إنكار العجلة في نفسها، والثاني السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين إلى موسى تمهيد العذر من العجلة نفسها فاعتل بأنه لم يوجد مني إلا تقدم يسير وليس بيني وبينهم إلا مسافة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال ﴿ وعجلت إليك رب لترضى ﴾ أي طلبت دوم رضاك عني أو مزيد رضاك بناء على اجتهادي أن التعجيل إلى مقام المكالمة والحرص على ذلك يوجب مزيد الثواب والكرامة.

وقيل: لما أنكر عليه الاستعجال دهش خوفاً من العقاب فتحير في الجواب ﴿ قال فإنا قد فتنا قومك ﴾ يعني جميع قومه الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً.

يروى أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا: قد أكملنا العدة.

ثم كان أمر العجل بعد ذلك فسئل أنه تعالى كيف قال لموسى عنه مقدمه ﴿ إنا قد فتنا قومك ﴾ ؟

وأجيب بأنه على عادة الله  في إخباره عن الأمور المترقبة بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، أو أراد بدء الفتنة لأن السامري افترض غيبة موسى فعزم على إضلال قومه غب انطلاقه.

ولقائل أن يمنع كون هذه الأخبار عند مقدم موسى  بل لعله عند رجوعه بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فرجع موسى ﴾ قال جار الله إنه رجع بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأوتي التوراة.

وسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة.

وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم.

وقيل: كان علجاً من كرمان واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً وكان من قوم يعبدون البقر.

قالت المعتزلة: الفتنة بمعنى الإضلال لا يجوز أن تنسب إلى الله  لأنه يناقض قوله ﴿ وأضلهم السامري ﴾ وإنما الفتنة بمعنى الامتحان بتشديد التكليف ومنه "فتنت الذهب بالنار" وبيان ذلك أن السامريّ لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة الأجسام على أن العجل لا يصلح للإلهية.

وقالت الأشاعرة: الشبهة في كون الشمس والقمر إلهاً أعظم من العجل الذي له خوار وهو جسد من الذهب وحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف، فلا يكون فتنة من هذا الوجه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم.

وأجابوا عن إضافة الضلال إلى السامري بن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها في الحقيقة هو الله  .

قال بعضهم: الأسف المغتاظ، وفرق بين الاغتياظ والغضب لأن الغيظ تغير يلحق المغتاظ فلا يصح إلا على الأجسام، والغضب قد يراد به الإضرار بالمغضوب عليه فلهذا صح إطلاقه على الله  .

ثم عاتب موسى  قومه بأمور منها: قوله ﴿ ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ﴾ كأنهم كانوا معترفين بالرب الأكبر لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي تذكر عبدة الأصنام أو على تأويل الحلول.

والوعد الحسن هو إنزال التوراة التي فيها هدى ونور.

وقيل: هو الثواب على الطاعات ومثله ما روي عن مجاهد أن العهد المذكور من قوله ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ إلى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ وقيل: وعدهم إهلاك فرعون ووعدهم أرضهم وديارهم وقد فعل.

ومنها قوله ﴿ أفطال عليكم العهد ﴾ أي الزمان يريد مدة مفارقته لهم وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فاخلفوا موعده بعبادتهم العجل.

وقيل: أراد عهدهم بنعم الله  من الإنجاء وغيره.

والأكثرون على الأول لما روي أنه وعدهم ثلاثين كما أمر الله  ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة  ﴾ فجاء بعد الأربعين لقوله  ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ ولما روي أنهم حسبوا العشرين أربعين ومنها قوله ﴿ أم أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم ﴾ قالوا: هذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد هلاك نفسه ولكن المعصية - وهو خلاف الموعد - لما كانت توجب ذلك صح هذا الكلام لأن مريد السبب مريد للمسبب بالعرض.

احتج العلماء بالآية وبما مر من قوله ﴿ فيحل عليكم غضبي ﴾ أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله  لا تنزل في شيء من الأجسام.

وموعد موسى هو ما ذكرنا من أنهم وعدوه الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور.

وقيل: وعدوه اللحاق به والمجيء على أثره ﴿ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ بالحركات الثلاث أي بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده.

والظاهر أن القائلين هم عبدة العجل.

وقيل: إنهم الذين لم يعبدوا العجل وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل فلم يقدر على منعهم ولم يقدروا أيضاً على مخالفتهم حذراً من التفرقة وزيادة الفتنة.

ثم إن القوم بينوا ذلك العذر المجمل فقالوا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ﴾ أي أثقالاً من حلي القبط كما مر في "الأعراف".

وقيل: الأوزار الآثام وإنها في الحقيقة أثقال مخصوصة معنوية سموا بذلك لأن المغانم لم تحل حينئذ أو لأنهم كانوا مستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي.

وقيل: إن تلك الحلي كان القبط يتزينون بها في مجامع الكفر ومجالس المعاصي فلذلك.

وصفت بأنها أوزار كما يقال في آلات المعاصي ﴿ فقذفناها ﴾ أي في الحفرة، كان هارون أمرهم بجمع الحلي انتظاراً لعود موسى، أو في موضع أمرهم السامري بذلك بعد أن أوقد النار ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ مثل فعلنا أراهم أنه يلقي حلياً في يده مثل ما ألقوه.

وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطىء حافر فرس جبريل كما يجيء في قوله ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ قد مر في "الأعراف" ﴿ فقالوا ﴾ أي السامري ومن تبعه ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ موسى أن يطلبه ههنا فذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر، أو نسي الاستدلال على أن العجل لا يجوز أن يكون إلهاً بقوله ﴿ أفلا يرون أن لا يرجع ﴾ "أن" مخففة من الثقيلة ولهذا لم تعمل.

وقرىء بالنصب على أنها الناصبة.

قال العلماء: ظهور الخوارق على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الالتباس، وههنا كذلك فوجب أن لا يمتنع خلق الحياة في صورة العجل.

وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟

فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي.

فقال: اللهم أعطه ما سألك.

فلما مضى هارون قال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار.

وعلى هذا التقدير يكون معجزاً للنبي لا السامري.

ثم إنه  أخبر أن هارون لم يأل نصحاً وإشفاقاً في شأن نفسه وفي شأن القوم قبل أن يقول لهم السامري ما قال.

أما شفقته على نفسه فهي أنه أدخلها في زمرة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، أما الامتثال فإنه امتثل في نفسه وفي شأن القوم أمر أخيه حين قال لهم ﴿ يا قوم إنما فتنتم به ﴾ قال جار الله: كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة فتنوا به واستحسنوه فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون فزجرهم عن الباطل أولاً بأن هذا من جملة الفتن.

ثم دعاهم إلى الحق بقوله ﴿ وإن ربكم الرحمن ﴾ ومن فوائد تخصيص هذا الاسم بالمقام أنهم إن تابوا عما عزموا عليه لإن الله يرحمهم ويقبل توبتهم.

ثم بين أن الوسيلة إلى معرفة كيفية عبادة الله هو اتباع النبي وطاعته فقال ﴿ فاتبعوني وأطيعوا أمري ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن.

واعلم أن الشفقة على خلق الله أصل عظيم في الدين وقاعدة متينة.

روى النعمان بن بشير عن النبي  " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ويروى أن رسول الله  بينا هو جالس إذا نظر إلى شاب على باب المسجد فقال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه.

فسمع الشاب ذلك فولى وقال: إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد عليّ بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد  وتشعل النار بي حتى يبر يمينه ولا تسفع النار أحداً.

فهبط جبريل وقال: يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقدته من النار بتصديقه لك وفداء أمتك بنفسه وشفقته على الخلق.

قال أهل السنة ههنا: إن الشيعة تمسكوا بقوله  "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ثم إن هارون ما منعته التقية في مثل ذلك الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعته، فلو كانت أمة محمد  على الخطأ لكان يجب على عليّ كرم الله وجهه أن يفعل ما فعل هارون من غير تقية وخوف.

وللشيعة أن يقولوا: إن هارون صرح بالحق وخاف فسكت ولهذا عاتبه موسى بما عاتب فاعتذر بــ ﴿ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني  ﴾ وهكذا علي  امتنع أولاً من البيعة فلما آل الأمر إلى ما آل أعطاهم ما سألوا.

وإنما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصب.

ثم إن القوم قابلوا حسن موعظة هارون بالتقليد والجحود قائلين ﴿ لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من أنواع التوكيد من جهة النفي بـ"لن"، ومن لفظ البراح والعكوف، ومن صيغة اسم الفاعل، ومن تقديم الخبر.

ثم حكى ما جرى بين موسى وهارون بعد الرجوع وقوله ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ﴾ كقوله ﴿ ما منعك ألا تسجد  ﴾ في أن "لا" هذه مزيدة أم لا؟.

وقد مر في "الأعراف".

وفي هذا الإتباع قولان: فعن ابن عباس ما منعك من إتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم.

وقال مقاتل: أراد الإتباع في وصيته كأنه قال: هلا قتلت من كفر بمن آمن ومالك لا تباشر الأمر كما كنت أباشره.

قال الأصوليون: في قوله ﴿ أفعصيت أمري ﴾ دلالة على أن تارك المأمور به عاصٍ والعاصي يستحق العقاب لقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم  ﴾ فيعلم منه أن الأمر للوجوب.

واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى  هل أمر هارون باتباعه أم لا؟

وعلى التقدير فهارون أتبعه أم لا؟

فإن لم يأمره أو أمره ولكن اتبعه فملامته لهارون من غير جرم تكون ذنباً، وإن أمره ولم يتبعه كان هارون عاصياً.

وأيضاً قوله ﴿ أفعصيت ﴾ بمعنى الإنكار.

فإما أن يكون موسى كاذباً في نسبة العصيان إلى هارون، وإما أن يكون هارون عاصياً.

وأيضاً أخذه بلحية هارون وبرأسه إن كان بعد البحث والتفتيش فهارون عاصٍ وإلا فموسى.

وأجيب بأن كل ذلك أمور اجتهادية جائزة الخطأ أو هي من باب الأولى وقد مر في أوائل "البقرة" في آدم ما يتعلق بهذه المسألة.

قوله: ﴿ ولم ترقب قولي ﴾ أي وصيتي لك بحفظ الدهماء واجتماع الشمل يؤيده قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت ﴾ قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة ما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا في الدين ما تحملوا، وأما قوم موسى فقد رأوا ذلك مع زيادة سائر الآيات التسع ومع ذلك اغتروا بصوت العجل وعكفوا على عبادته، فعرفنا أن الغرض لا يحصل إلا بهداية الله  .

ولما فرغ موسى من عتاب هارون أقبل على السامري، ويمكن أن يكون بعيداً ثم حضر أو ذهب إليه موسى ليخاطبهقال جار الله: الخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه.

فإذا قيل: لمن يفعل شيئاً ما خطبك؟

فمعناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه وتعظيم صنيعه ﴿ قال ﴾ أي السامري} بصرت بما لم يبصروا به} قال ابن عباس ورواه أبو عبيدة: علمت بما لم يعلموا به من البصارة.

يعني العلم.

وقال الآخرون: رأيت بما لم تروه فالباء للتعدية، رجح العلماء قراءة الغيبة على الخطاب احترازاً من نسبة عدم البصارة إلى النبي  .

والقبضة بالفتح مصدر بمعنى المفعول وهو المقبوض بجميع الكف.

عامة المفسرين على أن المراد بالرسول جبريل عليه السالم وأثره التراب الذي أخذه من موقع حافر دابته واسمها حيزوم فرس الحياة.

ومتى رآه؟

الأكثرون على أنه رآه يوم فلق البحر كان جبريل على الرمكة وفرعون على حصان وكان لا يدخل البحر، فتقدم جبريل فتبعه فرس فرعون.

وعن علي  أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس وكان راكب حيزوم فقال: إن لهذا شأناً فقبض من تربة موطئه.

فمعنى الآية فقبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد.

ثم من المفسرين من جوز أن السامري لم يعرف أنه جبريل ومنهم من قال: إنه عرفه.

عن ابن عباس: إنما عرفه لأنه رباه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بقتل أولاد بني إسرائيل.

فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس.

فكان السامري أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه.

وقال أبو مسلم: إطلاق الرسول على جبريل في المقام من غير قرينة تكليف بعلم الغيب.

وأيضاً تخصيص السامري من بين الناس برؤية جبريل وبمعرفة خاصية تراب حافر دابته لا يخلو عن تعسف، ولو جاز اطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول: لعل موسى اطلع على شيء آخر لأجله قدره على الخوارق.

فالأولى أن يراد بالرسول موسى فقد يواجه الحاضر بلفظ الغائب كما يقال: ما قول الأمير في كذا؟

ويكون إطلاق الرسول منه على موسى نوعاً من التهكم لأنه كان كافراً به مكذباً.

وأراد بأثره سنته ورسمه من قولهم "فلان يقفو أثر فلان" أي عرفت أن الذي عليه ليس بحق وقد كنت قبضت شيئاً من سنتك فطرحتها.

فعلى قول العامة يكون قوله: ﴿ وكذلك سوّلت لي نفسي ﴾ إشارة إلى ما أوحي إليه وليه الشيطان أن تلك التربة إذا نبذت على الجماد صار حيواناً.

وعلى قول أبي مسلم يشير إلى أن اتباع أثرك كان من تسويلات النفس الأمارة فلذلك تركته.

ثم بين موسى أن له عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة.

يروى أنه أراد أن يقتله فمنعه الله من ذلك وقال: لا تقتله فإنه سخيّ.

وفي قوله: ﴿ لامساس ﴾ وجوه: الأوّل إنه حرم عليه مماسة الناس لأنه إذا اتفق أن هناك مماسة فأحدهم الماس والثاني الممسوس فلذلك إذا رأى أحداً صاح لا مساس.

ويقال: إن قومه باقٍ فيهم ذلك إلى الآن الثاني: أن المراد منع الناس من مخالطته.

قال مقاتل: إن موسى أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له: اخرج أنت وأهلك طريداً إلى البراري.

اعترض الواحدي عليه بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول: هو لامساس.

وإنما يقال له ذلك.

وأجيب بأن هذا على الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك لم تقل إلا لا مساس.

والثالث: قول أبي مسلم إن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يمكن له مماسة المرأة أي مجامعتها.

وأما حاله في الآخرة فلذلك قوله: ﴿ وإن لك موعداً لن تخلفه ﴾ قال جار الله: من قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً.

ثم بين مآل حال إلهه فقال: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ﴾ أي ظللت فحذف إحدى اللامين تخفيفاً ﴿ لنحرقنه ﴾ من الإحراق ففيه دليل على أنه صار لحماً ودماً لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار ونسفه في الميم.

قال السدي: أمر موسى بذبحه فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف.

والنسف النقض ومن جعله من الحرق أي لنبردنه بالمبرد ففيه دلالة على أنه لم ينقلب حيواناً إلا إذا أريد برد عظامه.

ومن جعله من التحريق فإنه يحتمل الوجهين والمراد إهدار السامري وإبطال كيده ومحق صنيعه والله خير الماكرين.

ثم ختم الكلام ببيان الدين الحق فقال: ﴿ إنما إلهكم ﴾ أي المستحق للعباد والتعظيم ﴿ الله الذي لا إله إلاَّ هو وسع كل شيء علماً ﴾ قد مر مثله في "الأنعام" قال مقاتل: أي يعلم من يعبده.

وحين فرغ من قصة موسى شرع في تثبيت رسولنا  فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي نحو اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون والسامري ﴿ نقص عليك من ﴾ سائر أخبار الرسل مع أممهم تكثيراً لمعجزاتك.

ثم عظم شأن القرآن بقوله: ﴿ وقد آتيناك من لدنا ذكراً ﴾ أي ما ذكر فيه كل ما يحتاج إليه المكلف في دينه وفي دنياه والوزر العقوبة الثقيلة التي تنقض ظهر صاحبها، أو المراد جزاء الوزر وهو الإثم ﴿ خالدين فيه ﴾ أي في ذلك الوزر أو في احتماله ﴿ وساء ﴾ فيه ضمير مبهم يفسره ﴿ حملاً ﴾ والمخصوص محذوف للقرينة أي ساء حملاً وزرهم.

واللام في ﴿ لهم ﴾ للبيان كما في ﴿ هيت لك  ﴾ ويجوز أن يكون "ساء" بمعنى "قبح" ويكون فيه ضمير الوزر.

وانتصب ﴿ حملاً ﴾ على التمييز و ﴿ لهم ﴾ حال من ﴿ حملاً ﴾ ولا أدري لم أنكره صاحب الكشاف، اللَّهم إلا أن يمنع وقوع الحال من التمييز وفيه نظر.

قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس: وفي الصور قولان: أشهرهما أنه القرن يؤيده قوله: ﴿ فإذا نقر في الناقور  ﴾ وإنه  يعرّف أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوقات عند الأسفار وفي العساكر فجعل الله  النفخ في تلك الآلة علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات.

وأقربهما من المعقول أن الصور جمع صورة يؤكده قراءة من قرأ بفتح الواو.

يقال: صورة وصور كدرة ودرر.

والنفخ نفخ الروح فيها ولكنه يرد عليه أن النفخ يتكرر لقوله  : ﴿ ثم نفخ فيه أخرى  ﴾ والإحياء لا يتكرر بعد الموت إلا ما ثبت من سؤال القبر وليس هو بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق ﴿ ونحشر المجرمين ﴾ عن ابن عباس: هم الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر.

وقال المعتزلة: هم الكفار والعصاة.

وفي الزرق وجوه: قال الضحاك ومقاتل: إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب، لأن الروم أعداؤهم وإنهم زرق العيون، ومن كلامهم في صفة العدوّ "أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين".

وقال الكلبي: ﴿ رزقاً ﴾ أي عمياً.

قال الزجاج: يخرجون بصراء في أول أمرهم لقوله: ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ ولقوله: ﴿ اقرأ كتابك  ﴾ ثم يؤل حالهم إلى العمى وإن حدقة من يذهب نور بصرة تزرق.

وقيل ﴿ زرقاً ﴾ أي عطاشا لقوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً  ﴾ فكأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون ﴿ بينهم ﴾ من شدة خوفهم أو لأن صدورهم امتلأت رعباً، وهؤلاء يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لأنها أيام سرورهم وهن قصار، وإما لأنها قد انقضت والذاهب قليل وإن طال ولا سيما بالنسبة إلى الأبد السرمدي كأن ظنينهم يقول: قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى لبثنا في الآخرة كعشرة أيام.

فقال أعقلهم: بل كاليوم الواحد.

وإنما قال: ﴿ عشراً ﴾ لأن المراد عشر ليال.

وقال مقاتل: أراد عشر ساعات أي بعض يوم.

وعلى هذا فأفضلهم رد عليهم استقصارهم وتقالهم.

وقيل: المراد لبثهم في القبور.

قال أهل النظم: كأن سائلاً سأل: كيف يصح التخافت بين المجرمين والجبال حائلة مانعة؟

فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الجبال ﴾ وقال الضحاك: إن مشركي مكة قالوا على سبيل الاستهزاء: يا محمد كيف يكون حال الجبال يوم القيامة؟

فنزلت.

ويحتمل أن يكون هذا جواب شبهة تمسك بها منكرو البعث - منهم جالينوس - زعم أن الأفلاك لا تفنى لأنها لو فنيت لابتدأت بالنقصان حتى تنتهي إلى البطلان، وكذا الجبال وغيرها من الأجرام الكلية، فأمر الله نبيه  أن يبين لهم هذه المسألة الأصولية من غير تأخير ولهذا أدخل فاء التعقيب في الجواب.

والنسف القلع.

وقال الخليل: التطيير والإذهاب كأنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها.

وحاصل الجواب أن كل بطلاً لا يلزم أن يكون ذبولياً بل قد يكون رفعياً.

والضمير في ﴿ فيذرها ﴾ للمضاف المحذوف أي فيدع مقارها ومراكزها وهو للأرض للعلم بها كقوله: ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ والقاع المستوي من الأرض.

وقيل: المكان المطمئن.

وقيل: مستنقع الماء.

والصفصف الأرض الملساء المستوية.

وقيل: التي لا نبات فيها.

والأمت النتوّ اليسير.

وقيل: التلال الصغار.

قالوا: العوج بالكسر في المعاني وكأنه  نفى العوج الذي يدق عن الإحساس ولا يدرك إلا بالقياس الهندسي.

وإذا كان هذا النوع من العوج الاعتباري منتفياً فكيف بالعوج الحسي!

وقد يستدل بالآية على أن الأرض يومئذ تكون كرة حقيقة إذ لو كانت مضلعة وقعت بين الأضلاع فصول مشتركة فيعوج الامتداد القائم عليها هناك.

ثم إنه  وصف ذلك اليوم بأن الخلائق فيه ﴿ يتبعون الداعي ﴾ قيل: هو النفخ في الصور وقوله: ﴿ لا عوج له ﴾ أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل.

وقيل: إن إسرافيل أو ملكاً آخر يقوم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء فلا يعوج له مدعوّ بل يتبعون صوته من غير انحراف.

﴿ وخضعت الأصوات للرحمن ﴾ خفضت من شدة الفزع ﴿ فلا تسمع ﴾ أيها السامع ﴿ إلا همساً ﴾ وهو الصوت الخفي.

وذلك أن الجن والإنس علموا أن لا مالك لهم سواه، وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه.

وعن ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد الهمس وطء الأقدام إلى المحشر.

قوله: ﴿ إلا من أذن له الرحمن ﴾ يصلح أن يكون "من" منتصباً على المفعولية وأن يكون مرفوعاً على البدلية بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن ﴿ ورضي له ﴾ أي لأجله ﴿ قولاً ﴾ .

قال الإمام فخر الدين الرازي: الاحتمال الأول أولى لعدم التزام الإضمار، ولأن درجة الشافع درجة عظيمة فلا تصلح ولا تحصل إلا لمن أذن له فيها وكان عند الله مرضياً.

فلو حملنا الآية على ذلك كان من إيضاح الواضحات بخلاف ما لو حملت على المشفوع.

وأقول: الاحتمالان متقاربان متلازمان لأن المشفوع لا تقبل الشفاعة في حقه إلا إذا أذن الرحمن لأجله فيعود إلى الثاني.

قالت المعتزلة: الفاسق غير مرضي عند الله  فوجب أن لا ينتفع بشفاعة الرسول.

وأجيب بأنه قد رضي لأجله قولاً واحداً من أقواله وهو كلمة الشهادة.

قالوا: هب أن الفاسق قد رضي الله قولاً لأجله، فلم قلتم إن الإذن حاصل للشافع في حقه؟

والجواب أنا أيضاً نمنع من أن الإذن غير حاصل في حقه على أنه قال في موضع آخر ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى  ﴾ فلم يعتبر إلا أحد القيدين.

ثم أخبر عن نهاية علمه بقوله: ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ .

الضمير للذين يتبعون الداعي أي يعلم ما يقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه ﴿ ولا يحيطون ﴾ بمعلومه ﴿ علماً ﴾ .

وقال الكلبي ومقاتل: الضمير للشافعين من الملائكة والأنبياء كما مر في آية الكرسي.

وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له أي يعلم ما كان قبل خلقهم وما كان منهم بعد خلقهم من أمر الآخرة والثواب العقاب وإنهم لا يعلمون شيئاً من ذلك فكيف يصلحون للمعبودية.

ثم ذكر غاية قدرته فقال: ﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي زلت رقاب الممكنات منقادين لأمره كالأسارى.

عنا يعنو عنوّاً إذا صار أسيراً.

وقيل: أراد وجوه العصاة في القيامة كقوله: ﴿ سيئت وجوه الذي كفروا  ﴾ ولعله خص الوجوه بالذكر لأن أثر الذل والانكسار فيها أبين وأظهر، قال جار الله: ﴿ وقد خاب ﴾ وما بعده اعتراض أي كل من ظلم فهو خائب خاسر.

ولأهل السنة أن يخصوا الظلم ههنا بالشرك أو يعارضوا هذا العموم بعمومات الوعد.

من قرأ ﴿ فلا يخاف ﴾ بالرفع فعلى الاستئناف أي فهو لا يخاف كقوله: ﴿ فينتقم الله منه  ﴾ ومن قرأ ﴿ فلا يخف ﴾ فمعناه فليأمن له لأن النهي عن الخوف أمر بالأمن.

من فسر الظلم بأنه الأخذ فوق حقه بالنقص من حقه كصفة المطففين فيقدر مضافاً محذوفاً أي فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم لأنه لم يظلم ولم يهضم، ومن فسر الظلم بأنه العقاب لا على جريمة والهضم بأنه النقص من الثواب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.

قال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا يوفى حقه من التعظيم لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثواباً إلا إذا قارنه التعظيم.

قال جار الله: ﴿ وكذلك ﴾ عطف على قوله: ﴿ كذلك نقص ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال وعلى نهجه، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله عربياً لأن العرب أصل وغيرهم تبع لأن النبي عربي.

﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ كررناه وفصلناه ويدخل في ضمنه الفرائض والمحارم لأن الوعيد يتعلق بترك أحدهما وبفعل الآخر ﴿ لعلهم يتقون أن يحدث لهم ذكراً ﴾ حمل جار الله الأول على إرادة ترك المعاصي والثاني على فعل الخبر والطاعة، لأن الذكر قد يطلق على الطاعة والعبادة.

قلت: لا ريب أن القرآن ينفر عن السيئات ويبعث على الطاعات من حيث إن فهم معانيه يؤدّي إلى ذلك، وإنما قدم الأول على الثاني لأن التخلية مقدمة على التحلية.

ويحتمل أن تكون التقوى عبارة عن فعل الخيرات وترك المنكرات جميعاً.

والذكر يكون محمولاً على ضد النسيان أي إن نسوا شيئاً من التروك والأفعال أحدث لهم ذكراً إذا تأملوا معانية.

وكلمة "أو" على الأول للتخيير والإباحة لا للتنافي، وعلى الثاني يجوز أن تكون للتنافي.

وقيل: أراد أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يوجب القرآن لهم ذكراً أي شرفاً ومنصباً كقوله: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ وعلى التقديرين يكون في إنزال القرآن نفع.

ثم عظم شأن القرآن من وجه آخر وهو عظمة شأن منزلة قائلاً ﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ ارتفع صفاته عن صفات المخلوقين أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي وأنه منزه عن الانتفاء والتضرر بطاعاتهم ومعاصيهم.

ومعنى الحق قد مر في البسملة.

قال جار الله: فيه استعظام له ولما يصرّف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه وغير ذلك كما يجري عليه أمر ملكوته.

قال أبو مسلم: إن قوله: ﴿ ويسئلونك عن الجبال ﴾ إلى ههنا كلام تام.

وقوله: ﴿ ولا تعجل ﴾ خطاب مستأنف.

وقال آخرون: إنه  كان يخاف أن يفوته شيء فيقرأ مع الملك، فإنه  حين شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين أنه  متعال عن الانتفاع والتضرر بالطاعات والمعاصي.

وأنه موصوف بالملك الدائم والعز بالباقي، وكل من كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي وما يتعلق بصلاح العباد في المعاش والمعاد.

قال: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ لأنه حصل لك الأمان من السهو والنسيان ﴿ من قبل أن يقضي إليك وحيه ﴾ أي من قبل أن تتم قراءة جبريل ونحوه قوله ﴿ لا تحرّك به لسانك لتعجل به  ﴾ قاله مقاتل والسدي وابن عباس في رواية عطاء.

وقال مجاهد وقتادة: أراد ولا تعجل بالقرآن فتقرأ على أصحابك من قبل أن يوحى إليك بيان معانية أي لا تبلغ ما كان مجملاً حتى يأتيك البيان.

وقال الضحاك: إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة أن اليهود قد غلبوا فنزلت هذه الآية.

أي لا تعجل بنزول القرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومن جبرائيل ومنه إليك.

وعن الحسن: أن امرأة أتت النبي  فقالت: زوجي لطم وجهي فقال: بينكما القصاص فنزلت الآية فأمسك رسول الله  عن القصاص.

وإنما نشأت هذه الأقوال لأن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ يحتمل التعجيل بقراءته في نفسه، أو في تأديته إلى غيره، أو في اعتقاده ظاهره، أو في تعريف الغير ما يقتضيه الظاهر.

وقوله: ﴿ من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ احتمل أن يراد من قبل أن يقضى إليك تمامه، أو من قبل أن يقضى إليك بيانه فقد يجوز أن يحصل عقيبه استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات والمبينات ويؤكد هذه المعاني قوله: ﴿ وقل رب زدني علماً ﴾ لأن معرفة البيان علم زائد على معرفة الإجمال.

والظاهر أن هذا الاستعجال كان أمراً اجتهادياً وكان الأولى تركه فلذلك نهى عنه.

قال جار الله: هذا الأمر متضمن للتواضع لله والشكر له عندما علم من ترتيب التعلم أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدباً جميلاً ما كان عندي فزدنى علماً إلى علم.

ومن فضائل العلم أن النبي  ما أمر بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.

وفيه إشارة إلى أن أسرار القرآن غير متناهية، اللَّهم إن هذا العبد الضعيف معترف بقصوره ونقصانه فأسألك مما سألك به نبيك أن ترزقني بتبعيته علماً ينفعني في الدارين.

التأويل: ﴿ ولقد أوحينا إلى موسى ﴾ القلب ﴿ أن أسر بعبادي ﴾ وهم صفات القلب من الأخلاق الحميدة سر بهم من مصر البشرية إلى بحر الروحانية.

﴿ فاضرب لهم ﴾ بعصا الذكر ﴿ طريقاً يبساً ﴾ من ماء الهوى وطين الصفات الحيوانية وباقي التأويل كما مر في "يونس" ﴿ ونزلنا عليكم ﴾ منّ صفاتنا وسلوى أخلاقنا فاتصفوا بطيبات أخلاقنا ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ بإفشاء أسرار الربوبية إلى غيرنا كمن قال: أنا الحق وسبحاني.

فإن الحالات لا تصلح للمقاولات.

﴿ وإني لغفار لمن ﴾ رجع عن الطغيان ﴿ وآمن ﴾ بالربوبية ﴿ وعمل صالحاً ﴾ في مقام العبودية ﴿ ثم اهتدى ﴾ فتحقق أن حضرة الربوبية منزهة عن دنس الوهم والخيال ومقام الوصال مباين للقيل والقال.

﴿ وعجلت إليك ﴾ فيه أن الشوق إذا غلب انقطع العلائق وأن مطلوب السائل لا ينبغي أن يكون إلا رضا الله.

﴿ قد فتنّا قومك من بعدك ﴾ فيه أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بالنبي والشيخ.

﴿ بملكنا ﴾ أي بإرادتنا ومشيئتنا ولكن بإرادة الله ومشيئته.

﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ من غير اختيار منه ولكن باضطرار من القدر ﴿ با ابن أم ﴾ قيل خاطبه بذلك ليذكره قول الملائكة: يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الأرباب.

﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ فيه أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة ولأهل الغرامة استدراج وفتنة فيصرفونها في الباطل والطبيعة لا في الحق والحقيقة.

قوله: ﴿ لامساس ﴾ فيه معارضة بنقيض مقصود من أراد الجمعية والغلبة واتباع الناس إياه، فعدت بالتفرد والتوحش والنفار عن الخلق ﴿ زرقا ﴾ إن الوجه أشرف أعضاء الإنسان والعين أشرف أعضاء الوجه، وزرق العين دلالة على خروجها عن الاعتدال، وإذا كان أشرف الأعضاء خارجاً عن الاعتدال فما ظنك بغيرها؟

وكذا بالأخلاق التابعة للأمزجة.

﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي كل جهة بها يستند الممكن إلى الواجب.

﴿ يتبعون الداعي ﴾ لأن كل ناس تدعى بإمامهم فيتبعونه ألبتة وأهل الله لا يفرون إلا إلى الله في قوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام  ﴾ وعلى الله السمتعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي ﴾ : وهو السير بالليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً ﴾ أي: اضرب بعصاك البحر، اجعل لهم طريقاً في البحر يابساً؛ كقوله: ﴿ فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ...

﴾ الآية [الشعراء: 63].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ ﴾ .

أي: لا تخاف لحوق فرعون وجنوده، ولا تخشى غرق البحر، ليس على النهي، ولكن على رفع الخوف عنه والأمن عن أن يدركهم ويلحقهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ  قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ ﴾ .

دل قوله: ﴿ بِجُنُودِهِ ﴾ على أن كان معه جنود لا جند واحد، وأما العدد فإنهم كذا وكذا ألفا وقوم موسى كذا وكذا ألفا، فذلك لا يعلم إلا بالخبر وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴾ ؛ أي: من الغرق والهلاك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: وأضل فرعون قومه وما هداه الله.

وقال بعضهم: وأضل فرعون قومه وما هداهم حيث قال: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ  ﴾ .

وقيل: أضل قومه وما هدى نفسه.

وقال بعضهم: ﴿ وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ  ﴾ ، أي: آمن؛ وذلك أنه بالإيمان تزكو الأعمال وتنمو، وبه يثاب عليها ويؤجر.

وقال القتبي: ﴿ لاَّ تَخَافُ دَرَكاً ﴾ أي: لحاقاً.

وقوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ ﴾ أي: لحقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ ﴾ .

هذا خبر يخبر عما أنعم عليهم ومن على أوائلهم وآبائهم من حضر رسول الله، يذكر هؤلاء بما أنعم ومَنَّ على أولئك، وإلا لم يكن هؤلاء يومئذ، وفيه تذكير النعم والمنن على الصحابة في أواخر أمورهم؛ لأنه أمنهم في آخر أمرهم من عدوهم وأيأسهم عن عود هؤلاء إلى دينهم.

وفيه تذكير لنا فيما أنعم علينا ومَنَّ في أوائل أمورنا وآخرها، ليس التذكير لبني إسرائيل خاصة، ولكن لكل من أنعم عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ ﴾ .

لسنا ندري أن الأيمن هو اسم ذلك الجبل، أو سماه الأيمن؛ ليمنه وبركته، وقال - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ  ﴾ .

أو سماه الأيمن من يمين موسى  .

فإن كان هو من اليمن والبركة فهو كذلك؛ لأنه به كان بدء وحي موسى  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ﴾ .

يذكر هؤلاء ما وسع على أوائلهم من الرزق وأخصهم؛ ليستأدي بذلك الشكر على ما أنعم عليهم، وذلك تذكير لنا ولمن وسع عليه ذلك؛ إذ لم يزل علينا يوسع الرزق من أول عمرنا إلى آخره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .

أي: قلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم.

ثم يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: ﴿ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ أي: من حلالات ما رزقناكم، فإن كان على هذا ففيه دلالة أنه يرزق ما ليس بحلال.

والثاني: ﴿ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ أي: ما تطيب به أنفسكم، ففيه دلالة أنه يجوز لنا أن نختار من الأطعمة ما هو أطيب إن كان على ما تستطيب به الأنفس.

وقوله  : ﴿ وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ ﴾ .

الطغيان: هو المجاوزة عن الحدود التي جعلت، أي: لا تطغوا فيما رزقكم من الطيبات وتجعلونه في غير ما جعل وتتجاوزوا عن القدر الذي جعل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ﴾ برفع الحاء والخفض جميعاً، يحل أن ينزل عليكم غضبي؛ ويحل بالرفع: يجب.

وقوله: ﴿ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ ﴾ .

قيل: ﴿ هَوَىٰ ﴾ : هلك، أي: من يجب عليه عذابي فقد هلك، وكذلك قال القتبي: ﴿ هَوَىٰ ﴾ ، أي هلك، يقال: هوت أمه: هلكت.

وقيل: ﴿ فَقَدْ هَوَىٰ ﴾ ، أي: سقط في النار، يقال: هوى في موضع كذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ ﴾ عن الشرك، ورجع عنه، وآمن بتوحيده، وعمل صالحاً فيما بين ذلك، ﴿ ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ﴾ : في حفظ أمره والنهي عما نهى.

والثاني: ﴿ لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ ﴾ : عن جميع المناهي وآمن بجميع ما أمر.

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ﴾ أي: دام على ذلك وثبت؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإني لكثير المغفرة والعفو لمن تاب إليّ وآمن، وعمل عملًا صالحًا، ثم استقام على الحق.

<div class="verse-tafsir" id="91.m8PLJ"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله