الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٩٤ من سورة طه
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 88 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٩٤ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
قال : ( يا ابن أم ) ترفق له بذكر الأم مع أنه شقيقه لأبويه; لأن ذكر الأم هاهنا أرق وأبلغ ، أي : في الحنو والعطف; ولهذا قال : ( يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ) .
هذا اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه ، حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم قال ( إني خشيت ) أن أتبعك فأخبرك بهذا ، فتقول لي : لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم ( ولم ترقب قولي ) أي : وما راعيت ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم .
قال ابن عباس : وكان هارون هائبا له مطيعا .
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله ( مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلا تَتَّبِعَنِي ) قال: أمر موسى هارون أن يصلح، ولا يتبع سبيل المفسدين، فذلك قوله ( أَلا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) بذلك.
قوله تعالى : قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ابن عباس : أخذ شعره بيمينه ولحيته بيساره ؛ لأن الغيرة في الله ملكته ؛ أي لا تفعل هذا فيتوهموا أنه منك استخفاف أو عقوبة .
وقد قيل : إن موسى - عليه السلام - إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه .
وقد مضى هذا في ( الأعراف ) مستوفى .
والله - عز وجل - أعلم بما أراد نبيه - عليه السلام - إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل أي خشيت أن أخرج وأتركهم وقد [ ص: 153 ] أمرتني أن أخرج معهم ، فلو خرجت لاتبعني قوم ويتخلف مع العجل قوم ؛ وربما أدى الأمر إلى سفك الدماء ؛ وخشيت إن زجرتهم أن يقع قتال فتلومني على ذلك .
وهذا جواب هارون لموسى - عليه السلام - عن قوله : أفعصيت أمري وفي الأعراف إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء لأنك أمرتني أن أكون معهم .
وقد تقدم .
ومعنى ولم ترقب قولي لم تعمل بوصيتي في حفظه ؛ قاله مقاتل .
وقال أبو عبيدة : لم تنظر عهدي وقدومي .
فأخذ موسى برأس هارون ولحيته، يجره من الغضب والعتب عليه، فقال هارون: { يَا ابْنَ أُمَّ } ترقيق له، وإلا فهو شقيقه { لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } فإنك أمرتني أن أخلفك فيهم، فلو تبعتك، لتركت ما أمرتني بلزومه وخشيت لأئمتك، و { أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } حيث تركتهم، وليس عندهم راع ولا خليفة، فإن هذا يفرقهم ويشتت شملهم، فلا تجعلني مع القوم الظالمين، ولا تشمت فينا الأعداء، فندم موسى على ما صنع بأخيه، وهو غير مستحق لذلك فـ { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }
( قال ياابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ) أي بشعر رأسي وكان قد أخذ ذوائبه ، ( إني خشيت ) لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضا ، ( أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ) أي : خشيت إن فارقتهم واتبعتك صاروا أحزابا يتقاتلون ، فتقول أنت فرقت بين بني إسرائيل ( ولم ترقب قولي ) ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي ، وأصلح أي ارفق بهم ، ثم أقبل موسى على السامري
«قال» هارون «يا ابن أم» بكسر الميم وفتحها أراد أمي وذكرها أَعْطَف لقلبه «لا تأخذ بلحيتي» وكان أخذها بشماله «ولا برأسي» وكان أخذ شعره بيمينه غضبا «إني خشيت» لو اتبعك ولا بد أن يتبعني جمع ممن لم يعبدوا العجل «أن تقول فرقت بين بني إسرائيل» وتغضب عليَّ «ولم ترقب» تنتظر «قولي» فيما رأيته في ذلك.
ثم أخذ موسى بلحية هارون ورأسه يجرُّه إليه، فقال له هارون: يا ابن أمي لا تمسك بلحيتي ولا بشعر رأسي، إني خفتُ - إن تركتهم ولحقت بك - أن تقول: فرَّقت بين بني إسرائيل، ولم تحفظ وصيتي بحسن رعايتهم.
وهنا يرد هارون على أخيه موسى ردا يبدو فيه الرفق والاستعطاف فيقول : ( يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ) .أى : قال هارون لموسى محاولا أن يهدىء من غضبه ، بتحريك عاطفة الرحم فى قلبه : يابن أمى لا تمسك بلحيتى ولا برأسى على سبيل التأنيب لى : فإنى لست عاصيا لأمرك ، ولا معرضا عن اتباعك .قال الآلوسى ما ملخصه : خص الأم بالإضافة استعطافا وترقيقا لقلبه ، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه ، فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين .وقوله : ( لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ) .
.
.
روى أنه أخذ شعر رأسه بيمينه ، ولحيته بشماله ، وكان موسى - عليه السلام - حديدا متصلبا غضوبا لله - تعالى - ، وغلب على ظنه أن هارون قد قصر معهم .
.
.وقوله : ( إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) استئناف لتعليل موجب النهى ، بتحقيق أنه غير عاص لأمره ، وغير معرض عن اتباعه .أى : يابن أمى لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى ، فإنى ما حملنى على البقاء معهم وعلى ترك مقاتلتهم بعد أن عبدوا العجل ، إلا خوفى من أن تقول لى - لو قاتلتهم أو فارقتهم بمن معى من المؤمنين - إنك بعملك هذا قد جعلت بنى إسرائيل فرقتين متنازعتين ( وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) أى : ولم تتبع وتطع قولى لك : ( اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين ) ولذلك لم أقدم على مقاتلتهم بمن معى من المؤمنين ، ولم أقدم كذلك على مفارقتهم ، بل بقيت معهم ناصحا واعظا ، حتى تعود أنت إليهم ، فتتدارك الأمر بنفسك ، وتعالجه برأيك .قال بعض العلماء ما ملخصه : وهذه الآية الكريمة .
.
.
تدل على لزوم إعفاء اللحية وعدم حلقها ، لأنه لو كان هارون حالقا لحيته لما أخذ بها موسى - إذ من المشهور أن اللحية تطلق على الشعر النابت فى العضو المخصوص وهو الذقن - وبذلك يتبين لك أن إعفاء اللحية سمت الرسل الكرام الذين أمرنا الله - تعالى - بالاقتداء بهم .فقد قال - تعالى - : بعد أن ذكر عددا من الأنبياء منهم هارون : ( أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده .
.
.
) والعجب من الذين مسخت ضمائرهم .
.
.
حتى صاروا ينفرون من صفات الذكورية ، وشرف الرجوله إلى خنوثه الأنوثة .
.
.هذا ، وبعد أن انتهى موسى من سماع اعتذار أخيه هارون ، اتجه بغضبه إلى السامرى - رأس الفتنة ومدبرها - فأخذ فى زجره وتوبيخه .
اعلم أن الطاعنين في عصمة الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بهذه الآية من وجوه: أحدها: أن موسى عليه السلام إما أن يكون قد أمر هرون باتباعه أو لم يأمره، فإن أمره به فإما أن يكون هرون قد اتبعه أو لم يتبعه، فإن اتبعه كانت ملامة موسى لهارون معصية وذنباً لأن ملامة غير المجرم معصية.
وإن لم يتبعه كان هارون تاركاً للواجب فكان فاعلاً للمعصية، وأما إن قلنا: إن موسى عليه السلام ما أمره باتباعه كانت ملامته إياه بترك الاتباع معصية فثبت أن على جميع التقديرات يلزم إسناد المعصية إما إلى موسى أو إلى هرون.
وثانيها: قول موسى عليه السلام: ﴿ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ﴾ استفهام على سبيل الإنكار فوجب أن يكون هارون قد عصاه، وأن يكون ذلك العصيان منكراً، وإلا لكان موسى عليه السلام كاذباً وهو معصية، فإذا فعل هارون ذلك فقد فعل المعصية.
وثالثها: قوله: ﴿ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى ﴾ وهذا معصية لأن هارون عليه السلام قد فعل ما قدر عليه من النصيحة والوعظ والزجر، فإن كان موسى عليه السلام قد بحث عن الواقعة، وبعد أن علم أن هرون قد فعل ما قدر عليه كان الأخذ برأسه ولحيته معصية وإن فعل ذلك قبل تعرف الحال كان ذلك أيضاً معصية.
ورابعها: إن هارون عليه السلام قال: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى ﴾ فإن كان الأخذ بلحيته وبرأسه جائزاً كان قول هارون لا تأخذ منعاً له عما كان له أن يفعله فيكون ذلك معصية، وإن لم يكن ذلك الأخذ جائزاً كان موسى عليه السلام فاعلاً للمعصية فهذه أمثلة لطيفة في هذا الباب.
والجواب عن الكل: أنا بينا في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا ﴾ أنواعاً من الدلائل الجلية في أنه لا يجوز صدور المعصية من الأنبياء، وحاصل هذه الوجوه تمسك بظواهر قابلة للتأويل ومعارضة ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز، إذا ثبتت هذه المقدمة فاعلم أن لنا في الجواب عن هذه الإشكالات وجوهاً: أحدها: أنا وإن اختلفنا في جواز المعصية على الأنبياء لكن اتفقنا على جواز ترك الأولى عليهم، وإن كان كذلك فالفعل الذي يفعله أحدهما ويمنعه الآخر أعني بهما موسى وهارون عليهما السلام لعله كان أحدهما أولى والآخر كان ترك الأولى فلذلك فعَله أحدهما وتركه الآخر، فإن قيل هذا التأويل غير جائز لأن كل واحد منهما كان جازماً فيما يأتي به فعلاً كان أو تركاً وفعل المندوب وتركه لا يجزم به، قلنا: تقييد المطلق بالدليل غير ممتنع، فنحن نحمل ذلك الجزم في الفعل والترك على أن المراد افعل ذلك أو اتركه إن كنت تريد الأصلح، وقد يترك ذلك الشرط إذا كان تواطؤهما على رعايته معلوماً متقرراً.
وثانيها: أن موسى عليه السلام أقبل وهو غضبان على قومه فأخذ برأس أخيه وجره إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب فإن الغضبان المتفكر قد يعض على شفتيه ويفتل أصابعه ويقبض لحيته فأجرى موسى عليه السلام أخاه هرون مجرى نفسه لأنه كان أخاه وشريكه فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال الفكر والغضب فأما قوله: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى ﴾ فلا يمتنع أن يكون هرون عليه السلام خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل من سوء ظنهم أنه منكر عليه غير معاون له، ثم أخذ في شرح القصة فقال: ﴿ إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْراءِيلَ ﴾ .
وثالثها: أن بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى عليه السلام حتى أن هارون غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى عليه السلام: «أنت قتلته، فلما واعد الله تعالى موسى عليه السلام ثلاثين ليلة وأتمها بعشر وكتب له في الألواح من كل شيء ثم رجع فرآى في قومه ما رآى فأخذ برأس أخيه ليدنيه فيتفحص عن كيفية الواقعة فخاف هارون عليه السلام أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له فقال إشفاقاً على موسى: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي لئلا يظن القوم ما لا يليق بك».
ورابعها: قال صاحب الكشاف: كان موسى عليه السلام رجلاً حديداً مجبولاً على الحدة والخشونة والتصلب في كل شيء شديد الغضب لله تعالى ولدينه فلم يتمالك حين رآى قومه يعبدون عجلاً من دون الله تعالى من بعد ما رأوا من الآيات العظام أن ألقى ألواح التوراة لما غلب على ذهنه من الدهشة العظيمة غضباً لله تعالى وحمية وعنف بأخيه وخليفته على قومه فأقبل عليه إقبال العدو المكاشر، واعلم أن هذا الجواب ساقط لأنه يقال: هب أنه كان شديد الغضب ولكن مع ذلك الغضب الشديد هل كان يبقى عاقلاً مكلفاً أم لا؟
فإن بقي عاقلاً مكلفاً فالأسئلة باقية بتمامها أكثر ما في الباب أنك ذكرت أنه أتى بغضب شديد وذلك من جملة المعاصي فقد زدت إشكالاً آخر.
فإن قلتم بأنه في ذلك الغضب لم يبق عاقلاً ولا مكلفاً فهذا مما لا يرتضيه مسلم ألبتة فهذه أجوبة من لم يجوز الصغائر وأما من جوزها فلا شك في سقوط السؤال، والله أعلم.
أما قوله: ﴿ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن لا صلة والمراد ما منعك أن تتبعني.
والثاني: أن يكون المراد ما دعاك إلى أن لا تتبعني فأقام منعك مقام دعاك وفي الاتباع قولان: أحدهما: ما منعك من اتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء.
والثاني: أن تتبعني في وصيتي إذ قلت لك: ﴿ اخلفنى فِي قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين ﴾ فلم تركت قتالهم وتأديبهم وهذا قول مقاتل ثم قال: ﴿ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ﴾ ومعناه ظاهر وهذا يدل على أن تارك المأمور به عاص والعاصي مستحق للعقاب لقوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا ﴾ ولقوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خالدا فِيهَا ﴾ فمجموع الآيتين يدل على أن الأمر للوجوب، فأجاب هارون عليه السلام وقال: ﴿ يبنؤم ﴾ قيل: إنما خاطبه بذلك ليدفعه عنه فيتركه، وقيل: كان أخاه لأمه: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى ﴾ واعلم أنه ليس في القرآن دلالة على أنه فعل ذلك، فإن النهي عن الشيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهى عنه كقوله: ﴿ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ﴾ وقوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ والذي فيه أنه أخذ برأس أخيه يجره إليه وهذا القدر لا يدل على الاستخفاف به بل قد يفعل ذلك لسائر الأغراض على ما بيناه، ومن الناس من يقول إنه أخذ ذؤابتيه بيمينه ولحيته بيساره ثم قال: ﴿ إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْراءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ﴾ ولقائل أن يقول: إن قول موسى عليه السلام: (ما منعك أن لا تتبعن أفعصيت أمري) يدل على أنه أمره بشيء فكيف يحسن في جوابه أن يقال: إنما لم أمتثل قولك خوفاً من أن تقول: ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ﴾ فهل يجوز مثل هذا الكلام على العاقل.
والجواب: لعل موسى عليه السلام إنما أمره بالذهاب إليه بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى فساد في القوم فلما قال موسى: (ما منعك أن لا تتبعن) قال لأنك إنما أمرتني باتباعك إذا لم يحصل الفساد فلو جئتك مع حصول الفساد ما كنت مراقباً لقولك.
قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة كانوا أجانب عن الإيمان وما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا العذاب الشديد في الدنيا ولم يرجعوا عن الإيمان، وأما قومه فإنهم رأوا انقلاب العصا ثعباناً والتقم كل ما جمعه السحرة ثم عاد عصا ورأوا اعتراف السحرة بأن ذلك ليس بسحر وأنه أمر إلهي ورأوا الآيات التسع مدة مديدة ثم رأوا انفراق البحر إثني عشر طريقاً وأن الله تعالى أنجاهم من الغرق وأهلك أعداءهم مع كثرة عددهم، ثم إن هؤلاء مع ما شاهدوا من هذه الآيات لما خرجوا من البحر ورأوا قوماً يعبدون البقر قالوا: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، ولما سمعوا صوتاً من عجل عكفوا على عبادته، وذلك يدل على أنه لا يحصل الغرض بالدلائل بل بالهداية، قرأ حمزة والكسائي: (يا ابن أم) بكسر الميم والإضافة ودلت كسرة الميم على الياء والباقون بالفتح وتقديره يا ابن أماه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ بِلِحْيَتِى ﴾ بفتح اللام وهي لغة أهل الحجاز، كان موسى صلوات الله عليه رجلاً حديداً مجبولاً على الحدة والخشونة والتصلب في كل شيء، شديد الغضب لله ولدينه، فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلاً من دون الله بعد ما رأوا من الآيات العظام، أن ألقى ألواح التوارة لما غلب ذهنه من الدهشة العظيمة، غضبا لله واستنكافاً وحمية، وعنف بأخيه وخليفته على قومه، فأقبل عليه إقبال العدوّ المكاشف قابضاً على شعر رأسه- وكان أفرع- وعلى شعر وجهه يجرّه إليه.
أي: لو قاتلت بعضهم ببعض لتفرقوا وتفانوا، فاستأنيتك أن تكون أنت المتدارك بنفسك، المتلافي برأيك؛ وخشيت عتابك على إطراح ما وصيتني به من ضم النشر وحفظ الدهماء ولم يكن لي بد من رقبة وصيتك والعمل على موجبها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ يا هارُونُ ﴾ أيْ قالَ لَهُ مُوسى حِينَ رَجَعَ.
﴿ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ.
﴿ ألا تَتَّبِعَنِي ﴾ أنْ تَتَّبِعَنِي في الغَضَبِ لِلَّهِ والمُقاتَلَةِ مَعَ مَن كَفَرَ بِهِ، أوْ أنْ تَأْتِيَ عَقِبِي وتَلْحَقَنِي و «لا» مَزِيدَةٌ كَما في قَوْلِهِ ( ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ ﴾ ) .
﴿ أفَعَصَيْتَ أمْرِي ﴾ بِالصَّلابَةِ في الدِّينِ والمُحاماةِ عَلَيْهِ.
﴿ قالَ يا ابْنَ أُمَّ ﴾ خَصَّ الأُمَّ اسْتِعْطافًا وتَرْقِيقًا، وقِيلَ لِأنَّهُ كانَ أخاهُ مِنَ الأُمِّ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُما كانا مِن أبٍ وأُمٍّ.
﴿ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي ﴾ أيْ بِشَعْرِ رَأْسِيِّ قَبَضَ عَلَيْهِما يَجُرُّهُ إلَيْهِ مِن شِدَّةِ غَيْظِهِ وفَرْطِ غَضَبِهِ لِلَّهِ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَدِيدًا خَشِنًا مُتَصَلِّبًا في كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ يَتَمالَكْ حِينَ رَآهم يَعْبُدُونَ العِجْلَ.
﴿ إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ لَوْ قاتَلْتُ أوْ فارَقْتُ بَعْضَهم بِبَعْضٍ.
﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ حِينَ قُلْتَ ﴿ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ﴾ فَإنَّ الإصْلاحَ كانَ في حِفْظِ الدَّهْماءِ والمُداراةِ لَهم إلى أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَتَتَدارَكَ الأمْرَ بِرَأْيِكَ.
<div class="verse-tafsir"
{قال يا ابن أم} ويخفض الميم شامي وكوفي غير حفص وكان لأبيه وأمه عند الجمهور ولكنه ذكر الأم استعطافاً
طه (٩٨ - ٩٤)
وترفيقاً {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى} ثم ذكر عذره فقال {إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ} إن قاتلت بعضهم ببعض {فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إسرائيل} أو خفت أن تقول إن فارقتهم واتبعتك ولحق بي فريق وتبع السامري فريق فَرَّقْتَ بين بني اسرائيل {وَلَمْ تَرْقُبْ} ولم تحفظ {قَوْلِي} اخلفني في قومي وأصلح وفيه دليل على جواز الاجتهاد
﴿ قالَ يا ابْنَ أُمَّ ﴾ خَصَّ الأُمَّ بِالإضافَةِ اسْتِعْطافًا وتَرْقِيقًا لِقَلْبِهِ لا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ كانَ أخاهُ لِأُمِّهِ فَإنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّهُما كانا شَقِيقَيْنِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يا بْنَ أُمِّ ) بِكَسْرِ المِيمِ ﴿ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي ﴾ أيْ بِشَعْرِ رَأْسِي فَإنَّ الأخْذَ أنْسَبُ بِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ (لِحْيَتِي) عَلى مَعْنى بِشَعْرِ لِحْيَتِي أيْضًا لِأنَّ أصْلَ وضْعِ اللِّحْيَةِ لِلْعُضْوِ النّابِتِ عَلَيْهِ الشَّعْرُ ولا يُناسِبُهُ الأخْذُ كَثِيرَ مُناسَبَةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ اسْتِعْمالُ اللِّحْيَةِ في الشَّعْرِ النّابِتِ عَلى العُضْوِ المَخْصُوصِ، وظاهِرُ الآياتِ والأخْبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ بِذَلِكَ.
رُوِيَ أنَّهُ أخَذَ شَعْرَ رَأْسِهِ بِيَمِينِهِ ولِحْيَتِهِ بِشَمالِهِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَدِيدًا مُتَصَلِّبًا غَضُوبًا لِلَّهِ تَعالى وقَدْ شاهَدَ ما شاهَدَ وغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ تَقْصِيرٌ في هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْتَحِقُّ بِهِ وإنْ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ دائِرَةِ العِصْمَةِ الثّابِتَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ التَّأْدِيبُ فَفَعَلَ بِهِ ما فَعَلَ وباشَرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ولا مَحْذُورَ فِيهِ أصْلًا ولا مُخالَفَةَ لِلشَّرْعِ، فَلا يَرُدُّ ما تَوَهَّمَهُ الإمامُ فَقالَ: لا يَخْلُو الغَضَبُ مِن أنْ يُزِيلَ عَقْلَهُ أوَّلًا والأوَّلُ لا يَعْتَقِدُهُ مُسْلِمٌ والثّانِي لا يُزِيلُ السُّؤالَ بِلُزُومِ عَدَمِ العِصْمَةِ.
وأجابَ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ ( بِلِحْيَتِي ) بِفَتْحِ اللّامِ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ (إنِّي خَشِيتُ) إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ مُوجِبِ النَّهْيِ بِتَحْقِيقِ أنَّهُ غَيْرُ عاصٍ أمْرَهُ ولا مُقَصِّرٍ في المَصْلَحَةِ أيْ خَشِيتُ لَوْ قاتَلْتُ بَعْضَهم بِبَعْضٍ وتَفانَوْا وتَفَرَّقُوا أوْ خَشِيتً لَوْ لَحِقْتُكَ بِمَن آمَنَ ﴿ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ بِرَأْيِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ أبْناءَ واحِدٍ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ ذِكْرُهم بِهَذا العُنْوانِ دُونَ القَوْمِ ونَحْوِهِ، واسْتِلْزامُ المُقاتَلَةِ التَّفْرِيقَ ظاهِرٌ، وكَذا اللُّحُوقُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ مَن آمَنَ ورُبَّما يَجُرُّ ذَلِكَ إلى المُقاتَلَةِ.
وقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّفْرِيقِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ ما يَسْتَتْبِعُهُ القِتالُ مِنَ التَّفْرِيقِ الَّذِي لا يُرْجى بَعْدَهُ الِاجْتِماعُ.
(لَمْ تَرْقُبْ) أيْ ولَمْ تُراعِ (قَوْلِي) والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (فَرَّقْتَ) أيْ خَشِيتُ أنْ تَقُولَ مَجْمُوعَ الجُمْلَتَيْنِ وتَنْسُبَ إلَيَّ تَفْرِيقَ بَنِي إسْرائِيلَ وعَدَمَ مُراعاةِ قَوْلِكَ لِي ووَصِيَّتَكَ إيّايَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ فَرَّقْتَ ﴾ أيْ خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَهم غَيْرَ مُراعٍ قَوْلِي أيْ خَشِيتُ أنْ تَقُولَ مَجْمُوعَ هَذا الكَلامِ، وأرادَ بِقَوْلِ مُوسى المُضافِ إلى الياءِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ﴾ إلَخْ، وحاصِلُ اعْتِذارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنِّي رَأيْتُ الإصْلاحَ في حِفْظِ الدَّهْماءِ والمُداراةِ مَعَهم وزَجْرِهِمْ عَلى وجْهٍ لا يَخْتَلُّ بِهِ أمْرُ انْتِظامِهِمْ واجْتِماعِهِمْ ولا يَكُونُ سَبَبًا لِلَوْمِكَ إيّايَ إلى أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَتَكُونَ أنْتَ المُتَدارِكُ لِلْأمْرِ حَسْبَما تَراهُ لا سِيَّما والقَوْمُ قَدِ اسْتَضْعَفُونِي وقَرُبُوا مِن أنْ يَقْتُلُونِي كَما أفْصَحَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا في آيَةٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ القَوْلِ المُضافِ قَوْلُ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجُمْلَةُ (لَمْ تَرْقُبْ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (تَقُولَ) أيْ خَشِيتُ أنْ تَقُولَ ذَلِكَ غَيْرَ مُنْتَظِرٍ قَوْلِي وبَيانُ حَقِيقَةِ الحالِ فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( ولَمْ تَرْقُبْ ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ مُضارِعُ أرْقَبَ (قالَ) اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِنِ اعْتِذارِ القَوْمِ بِإسْنادِ الفَسادِ إلى السّامِرِيِّ واعْتِذارِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ سَماعِ ما حُكِيَ مِنَ الِاعْتِذارَيْنِ واسْتِقْرارِ أصْلِ الفِتْنَةِ عَلى السّامِرِيِّ؟
فَقِيلَ قالَ مُوَبِّخًا لَهُ إذا كانَ الأمْرُ هَذا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ، يعني: من قبل مجيء موسى إليهم: يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ، يعني: إنما ابتليتم بعبادة العجل.
وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ، يعني: إلهكم الرحمن، فَاتَّبِعُونِي يعني: اتبعوا ديني وَأَطِيعُوا أَمْرِي يعني: قولي.
قوله تعالى: قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ، يعني: لا نزال على عبادة العجل عاكِفِينَ يعني: مقيمين، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى.
فلما جاءهم موسى، قالَ يا هارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، يعني أخطئوا الطريق بعبادة العجل أَلَّا تَتَّبِعَنِ يعني: أن لا تتبع أمري في وصيتي فتناجزهم الحرب؟
أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي.
يعني: أفتركت وصيتي؟.
الَ له موسى ذلك بعد ما أخذ بشعر رأسه ولحيته، فقال هارون : ابْنَ أُمَ قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر يا ابن أُمَّ بكسر الميم على معنى الإضافة، وقرأ الباقون بالنصب بمنزلة اسم واحد تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بشعررَأْسِي .
نِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ، يعني: جعلتهم فرقتين وألقيت بينهم الحرب، لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي يعني: لم تنتظر قدومي.
<div class="verse-tafsir"
قد قاربوا الموت، إلا أنّهم لا يُجْهز عليهم، ولا يجددُ عذابهم فهذا فرقُ ما بينهم وبين الكفار، وفي الحديث الصحيح: «أَنَّهُمْ يُمَاتُونَ فِيهَا إمَاتَةً» ، وهذا هو معناها لأنه لا موت في الآخرة: وتَزَكَّى معناه: أطاع اللَّهَ، وأخذَ بأَزْكَى الأُمور.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى هذا استئناف إخبارٍ عن شيء من أمر موسى، وباقي الآية بيِّنٌ، وقد تقدم ذكر ما يخصها من القصص.
وقوله تعالى: لاَ تَخافُ دَرَكاً أيْ: من فرعون، وجنودِهِ، وَلا تَخْشى غرقاً من البحر.
وقوله: مَا غَشِيَهُمْ إبهام أهول من النصّ وهذا كقوله: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى.
[النجم: ١٦] .
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ يريد: من أول أمره إلى هذه النهاية، وَما هَدى مقابل لقوله: وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [غافر: ٢٩] .
وقوله عز وجل: يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ ...
الآية، ظاهر هذه الآية: أنّ هذا القول قِيل لبني إسرائيل حينئذٍ عند حُلولِ النِّعم التي عددها اللهُ عليهم، ويحتمل أن تكون هذه المقالة خُوطِب بها مُعَاصِرُو النبي صلى الله عليه وسلّم، والمعنى: هذا فِعْلُنا بأسلافكم وتكون الآيةُ على هذا اعتراضاً في أثناء قصة موسى، والقصدُ به توبيخُ هؤلاء الحضور إذ لم يصبر سلفُهم على أداء شكر نعم الله تعالى، والمعنى الأول أظهر وأبْين.
وقوله سبحانه: وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ ...
الآية، وقصص هذه الآية:
أن الله تعالى لما أنجى بني إسرائيل، وغرّق فرعون، وعد بني إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم فيه موسى، ويناجيه بما فيه صلاحهم، فلما أخذوا في السير، تعجل موسى عليه السلام ابتغاء مَرضَاةِ ربِّه، حَسْبما يأتِي بعدُ.
وقرأ جمهورُ الناس «١» : «فيَحِلّ» بكسر الحاء، «ويَحْلِلْ» بكسر اللام.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ ﴾ ؛ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مُوسى، ﴿ يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ﴾ ؛ أيِ: ابْتُلِيتُمْ، ﴿ وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ ﴾ لا العِجْلُ، ﴿ قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ ﴾ ؛ أيْ: لَنْ نَزالَ مُقِيمِينَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، ﴿ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى ﴾ فَلَمّا رَجَعَ مُوسى، ﴿ قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ.
﴿ ألا تَتَّبِعَنِي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( ألّا تَتَّبِعَنِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ ساكِنَةٍ، ويَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ.
ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: ( ألّا تَتَّبِعَنِيَ أفَعَصَيْتَ ) بِياءٍ مَنصُوبَةٍ.
ورَوى قالُونُ عَنْ نافِعٍ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو سَواءً.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، والمَعْنى: ما مَنَعَكَ مِنَ اتِّباعِي، و" لا " كَلِمَةٌ زائِدَةٌ.
وَفِي المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: تَسِيرُ ورائِي بِمَن مَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وتُفارِقُهم، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنْ تُناجِزَهُمُ القِتالَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَعَصَيْتَ أمْرِي ﴾ وهو قَوْلُهُ في وصِيَّتِهِ إيّاهُ: ﴿ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ﴾ ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ولِحْيَتِهِ غَضَبًا مِنهُ عَلَيْهِ.
وهَذا وإنْ لَمْ يُذْكُرْ هاهُنا، فَقَدْ ذُكِرَ في ( الأعْرافِ: ١٥٠ )، فاكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وقَدْ شَرَحْنا هُناكَ مَعْنى ﴿ يا ابْنَ أُمَّ ﴾ ، واخْتِلافَ القُرّاءِ فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا بِرَأْسِي ﴾ ؛ أيْ: بِشَعْرِ رَأْسِي.
وهَذا الغَضَبُ كانَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ هارُونَ عَصى اللَّهَ بِتَرْكِ اتِّباعِ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي خَشِيتُ ﴾ ؛ أيْ: إنْ فارَقَتْهم واتَّبَعْتُكَ، ﴿ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِاتِّباعِي إيّاكَ ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
والثّانِي: بِقِتالِي لِبَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي لَكَ: ﴿ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ﴾ .
والثّانِي: لَمْ تَنْتَظِرْ أمْرِي فِيهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ﴾ ﴿ ألا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي ﴾ ﴿ قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ فِي سَرْدِ القِصَصِ اقْتِضابٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ، تَقْدِيرُهُ: فَرَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ فَوَجَدَ الأمْرَ كَما ذَكَرَ اللهُ تَعالى لَهُ، فَجَعَلَ يُؤَنِّبُ هارُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألّا تَتَّبِعَنِ" بِحَذْفِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِإثْباتِها في الوَصْلِ، ويَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ الياءِ.
ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "ألّا تَتَّبِعَنِ" أيْ بِبَنِي إسْرائِيلَ نَحْوَ جَبَلِ الطُورِ، فَيَجِيءُ اعْتِذارُ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَعْنى: إنِّي لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ مَشَتْ مَعِي طائِفَةٌ وأقامَتْ طائِفَةٌ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، فَتَفَرَّقَ الجَمْعُ، فَخِفْتُ لَوْمَكَ عَلى التَفْرِيقِ.
ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "ألّا تَتَّبِعَنِ" أيْ ألّا تَسِيرَ بِسَيْرِي وعَلى طَرِيقَتِي في الإصْلاحِ والتَسْدِيدِ، فَيَجِيءُ اعْتِذارُ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَعْنى: إنِ الأمْرَ كانَ مُتَفاقِمًا، فَلَوْ تَقَوَّيْتُ عَلَيْهِ وقَعَ القِتالُ واخْتِلافُ الكَلِمَةِ فَكانَ تَفْرِيقًا بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّما لا يَنْتُ جُهْدِي.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تَتَّبِعَنِ" بِمَعْنى: ما مَنَعَكَ أنْ تَتَبَّعَنِي.
واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ دُخُولِ "لا"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي زائِدَةٌ، وذَهَبَ حُذّاقُ النُحاةِ إلى أنَّها مُؤَكِّدَةٌ، وأنَّ في الكَلامِ فِعْلًا مُقَدَّرًا، كَأنَّهُ قالَ: ما مَنعُكَ ذَلِكَ، أو خَصَّكَ، أو نَحْوَ هَذا عَلى "ألّا تَتَّبِعَنِ"؟
وما قَبْلُ وما بَعْدُ يَدُلُّ عَلى هَذا ويَقْتَضِيهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "يابْنَ أُمْ"، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "يا بْنَ أُمّا" فَحَذَفَ الألِفَ تَخْفِيفًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ الِاسْمَيْنِ اِسْمًا واحِدًا: وبَناهُ كَخَمْسَةَ عَشَرَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يا بْنَ أُمْ" بِالكَسْرِ عَلى حَذْفِ الياءِ تَخْفِيفًا، وهو شاذٌّ لِأنَّها لَيْسَتْ كالياءِ في قَوْلِكَ: يا غُلامِي، وإنَّما هي كالياءِ في قَوْلِكَ: يا غُلامَ غُلامِي، وهَذِهِ ياءٌ لا تُحْذَفُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ الِاسْمَيْنِ اِسْمًا واحِدًا ثُمْ أضافَ إلى نَفْسِهِ فَحَذَفَ الياءَ كَما تُحْذَفُ مِنَ الأسْماءِ المُفْرَدَةِ إذا أُضِيفَتْ، نَحْوَ يا غُلامُ، وقالَتْ فَرْقَةٌ: لَمْ يَكُنْ هارُونُ أخا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلّا مِن أُمِّهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ شَقِيقَهُ، وإنَّما دَعاهُ بِأُمِّهِ لِأنَّ التَداعِيَ بِالأُمْ أشْفَقُ وأشَدُّ اسْتِرْحامًا، وأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلِحْيَةِ هارُونَ غَضَبًا، وكانَ حَدِيدَ الخُلُقِ عَلَيْهِ السَلامُ.
<div class="verse-tafsir"
انتقل موسى من محاورة قومه إلى محاورة أخيه، فجملة ﴿ قَالَ ياهارون ﴾ تابعة لجملة ﴿ قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ﴾ [طه: 86]، ولجملة ﴿ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ [طاه: 87] وقد وجدت مناسبة لحكاية خطابه هارون بعد أن وقع الفصْل بين أجزاء الحكاية بالجمل المعترضة التي منها جملة ﴿ ولقد قال لهم هارون من قبل ﴾ [طه: 90] الخ فهو استطراد في خلال الحكاية للإشعار بعذر هارون كما تقدم.
ويحتمل أن تكون عطفاً على جملة ﴿ ولقد قال لهم هارون ﴾ الخ على احتمال كون تلك من حكاية كلام قوم موسى.
علم موسى أن هارون مخصوص من قومه بأنّه لم يعبد العجل، إذ لا يجوز عليه ذلك لأنّ الرسالة تقتضي العصمة، فلذلك خصه بخطاب يناسب حاله بعد أن خاطب عموم الأمة بالخطاب الماضي.
وهذا خطاب التوبيخ والتهديد على بقائه بين عبدة الصنم.
والاستفهام في قوله ﴿ مَا مَنَعَكَ ﴾ إنكاري، أي لا مانع لك من اللحاق بي، لأنه أقامه خليفة عنه فيهم فلما لم يمتثلوا أمره كان عليه أن يرد الخلافة إلى من استخلفه.
و ﴿ إذْ رأيْتَهُم ﴾ متعلق ب ﴿ مَنَعَكَ ﴾ .
و(أنْ) مصدرية، و(لا) حرف نفي.
وهي مؤذنة بفعل محذوف يناسب معنى النفي.
والمصدر الذي تقتضيه (أن) هو مفعول الفعل المحذوف.
وأما مفعول ﴿ مَنَعَكَ ﴾ فمحذوف يدلّ عليه ﴿ مَنَعَكَ ﴾ ويدل عليه المذكور.
والتقدير: ما منَعك أن تتبعني واضطرّك إلى أنْ لا تتبعني، فيكون في الكلام شِبه احتباك.
والمقصود تأكيدُ وتشديدُ التوبيخ بإنكار أن يكون لهارونَ مانع حينئذ من اللحاق بموسى ومقتض لعدم اللحاق بموسى، كما يقال: وُجد السبب وانتفَى المانع.
ونظيره قوله تعالى: ﴿ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ﴾ في سورة الأعراف (12) فارجعْ إليه.
والاستفهام في قوله أفَعَصَيْتَ أمري} مفرع على الإنكار، فهو إنكار ثان على مخالفة أمره، مشوب بتقرير للتهديد.
وقوله في الجواب ﴿ يا ابن أم ﴾ نداء لقصد الترقيق والاستشفاع.
وهو مؤذن بأن موسى حين وبّخه أخذ بِشَعرِ لحية هارون، ويشعر بأنه يجذبه إليه ليلطمه، وقد صرح به في الأعراف (50) بقوله تعالى: ﴿ وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه ﴾ وقرأ الجمهور يا ابن أمَّ بفتح الميم.
وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف بكسر الميم وأصله: يا ابن أمّي، فحذفت ياء المتكلم تخفيفاً، وهو حذف مخصوص بالنداء.
والقراءتان وجهان في حذف ياء المتكلّم المضاف إليها لفظ أمّ ولفظ (عَمّ) في النداء.
وعطف الرأس على اللحية لأنّ أخذه من لحيته أشد ألماً وأنكى في الإذلال.
وابنُ الأم: الأخ.
وعدل عن (يا أخي) إلى (ابن أم) لأن ذكر الأم تذكير بأقوى أواصر الأخوّة، وهي آصرة الولادة من بطن واحد والرضاععِ من لبان واحد.
واللِحية بكسر اللاّم ويجوز فتح اللاّم في لغة الحجاز اسم للشعر النابت بالوجه على موضع اللحيين والذقْن، وقد أجمع القراء على كسر اللاّم من لِحيتي}.
واعتذر هارون عن بقائه بين القوم بقوله ﴿ وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ في سورة الأعراف (142).
وهو الذي أشار إليه هنا بقوله ولَمْ تَرْقُب قَوْلي } ، فهو من جملة حكاية قول موسى الذي قدره هارون في ظنه.
وهذا اجتهاد منه في سياسة الأمة إذ تعارضت عنده مصلحتان مصلحة حفظ العقيدة ومصلحة حفظ الجامعة من الهرج.
وفي أثنائها حفظ الأنفس والأموال والأخوة بين الأمّة فرجّح الثانية، وإنما رجحها لأنه رآها أدوم فإن مصلحة حفظ العقيدة يُستدرك فواتُها الوقتيُّ برجوع موسى وإبطاله عبادة العجل حيث غيوا عكوفهم على العجل برجوع موسى، بخلاف مصلحة حفظ الأنفس والأموال واجتماع الكلمة إذا انثلمت عسر تداركها.
وتضمن هذا قوله ﴿ إنِّي خَشِيتُ أن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إسرائيلَ ولَمْ تَرْقُب قَوْلِي ﴾ ، وكان اجتهاده ذلك مرجوحاً لأن حفظ الأصل الأصيل للشريعة أهم من حفظ الأصول المتفرعة عليه، لأنّ مصلحة صلاح الاعتقاد هي أم المصالح التي بها صلاح الاجتماع، كما بيناه في كتاب «أصول نظام الاجتماع الإسلامي».
ولذلك لم يكن موسى خَافياً عليه أن هارون كان من واجبه أن يتركهم وضلالهم وأن يلتحق بأخيه مع علمه بما يفضي إلى ذلك من الاختلاف بينهم، فإن حرمة الشريعة بحفظ أصولها وعدم التساهل فيها، وبحرمة الشريعة يبقى نفوذها في الأمة والعملُ بها كما بينته في كتاب «مقاصد الشريعة».
وفي قوله تعالى: ﴿ بين بَني ﴾ جناس، وطرد وعكس.
وهذا بعض ما اعتذر به هارون، وحكي عنه في سورة الأعراف (150) أنه اعتذر بقوله ﴿ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني.
﴾ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ﴾ يَعْنِي بِعِبادَةِ العِجْلِ.
﴿ ألا تَتَّبِعَنِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ألّا تَتَّبِعَنِي في الخُرُوجِ ولا تَقُمْ مَعَ مَن ضَلَّ.
الثّانِي: ألّا تَتَّبِعَ عادَتِي في مَنعِهِمْ والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ أفَعَصَيْتَ أمْرِي ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ ﴾ فَلَمّا أقامَ مَعَهم ولَمْ يُبالِغْ في مَنعِهِمْ والإنْكارِ عَلَيْهِمْ نَسَبَهُ إلى العِصْيانِ ومُخالَفَةِ أمْرِهِ.
﴿ قالَ يا ابْنَ أُمَّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كانَ أخاهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ أخاهُ لِأبِيهِ دُونَ أُمِّهِ، وإنَّما قالَ يا ابْنَ أُمِّ تَرْفِيقًا لَهُ واسْتِعْطافًا.
﴿ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَذَ شَعَرَهُ بِيَمِينِهِ، ولِحْيَتَهُ بِيُسْراهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أخَذَ بِأُذُنِهِ ولِحْيَتِهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الأُذُنِ بِالرَّأْسِ، وهو قَوْلُ مَن جَعَلَ الأُذُنَ مِنَ الرَّأْسِ.
واخْتُلِفَ في سَبَبِ أخْذِهِ بِلِحْيَتِهِ ورَأْسِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: لِيُسِرَّ إلَيْهِ نُزُولَ الألْواحِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ في هَذِهِ المُناجاةِ.
وَأرادَ أنْ يُخْفِيَها عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَقالَ لَهُ هارُونُ: لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي لِيَشْتَبِهَ سِرارُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
الثّانِي: فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ وقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ هارُونَ مائِلٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فِيما فَعَلُوهُ مِن أمْرِ العِجْلِ، ومِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ.
الثّالِثُ: وهو الأشْبَهُ - أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِإمْساكِهِ عَنِ الإنْكارِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ ومَقامِهِ بَيْنَهم عَلى مَعاصِيهِمْ.
﴿ إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وهَذا جَوابُ هارُونَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ أفَعَصَيْتَ أمْرِي ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَرَّقْتَ بَيْنَهم بِما وقَعَ مِنَ اخْتِلافِ مُعْتَقَدِهِمْ.
الثّانِي: [فَرَّقْتَ] بَيْنَهم بِقِتالِ مَن عَبَدَ العِجْلَ مِنهم.
وَقِيلَ: إنَّهم عَبَدُوهُ جَمِيعًا إلّا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا بَقُوا مَعَ هارُونَ لَمْ يَعْبُدُوهُ.
﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ تَعْمَلْ بِوَصِيَّتِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: لَمْ تَنْتَظِرْ عَهْدِي، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة: أن سحرة فرعون كانوا تسعمائة فقالوا لفرعون: إن يكونا هذان ساحرين، فإنا نغلبهم، فإنه لا أسحر منا، وإن كان من رب العالمين، فلما كان من أمرهم ﴿ خروا سجداً ﴾ أراهم الله في سجودهم منازلهم التي إليها يصيرون فعندها قالوا: ﴿ لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ﴾ إلى قوله: ﴿ والله خير وأبقى ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن القاسم بن أبي بزة قال: لما وقعوا سجداً رأوا أهل النار، وأهل الجنة وثواب أهليهما فقالوا: ﴿ لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ قال: أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر بالعوماء، وقال: علموهم تعليماً لا يغلبهم أحد في الأرض.
قال ابن عباس: فهم من الذين قالوا: ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ والله خير وأبقى ﴾ قال: خير منك أن أطيع وأبقى منك عذاباً إن عصي.
وأخرج مسلم وأحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية ﴿ إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أهلها الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا بأهلها، فإن النار تميتهم إماتة، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت القثاء في حميل السبيل والله أعلم» .
وأخرج الطبراني، عن أبي الدرداء، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «ثلاث من كن فيه، لم ينل الدرجات العلى: من تكهن، أو استقسم، أو رده من سفره طيرة» .
وأخرج الأصبهاني في الترغيب، عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان وصلة لأخيه إلى سلطان في مبلغ بر، أو مدفع مكروه، رفعه الله في الدرجات» .
وأخرج ابن المبارك في الزهد وأبو نعيم في الحلية، عن عون بن عبد الله قال: إن الله ليدخل خلقاً الجنة فيعطيهم حتى يملوا، وفوقهم ناس في ﴿ الدرجات العلى ﴾ فإذا نظروا إليهم عرفوهم فيقولون: يا ربنا إخواننا كنا معهم فبم فضلتهم علينا؟
فيقال: هيهات..
!
إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمؤون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويستحصون حين تختصون.
وأخرج أحمد في الزهد، عن ابن عمير قال: إن الرجل وعبده يدخلان الجنة، فيكون عبده أرفع درجة منه، فيقول: يا رب هذا كان عبدي في الدنيا؟!
فيقال: إنه كان أكثر ذكراً لله تعالى منك.
وأخرج أبو داود وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الذري في أفق السماء، وأن أبا بكر وعمر منهم وانعما» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ ابْنَ أُمَّ ﴾ أضافه إلى الأم دون الأب ترقيقًا واستعطافًا، هذا معنى قول الكلبي (١) وقال أبو إسحاق: (وقيل في هارون إنه لم يكن أخا موسى لأبيه وكان أخاه لأمه) (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ﴾ أراد ولا شعر رأسي.
فإن قيل: الأخذ باللحية يؤدي إلى الاستخفاف بمن فعل به، فلم فعل ذلك موسى؟
والجواب: أن العادة في ذلك الزمان لم تكن كهذه العادة بل كان يجري ذلك مجرى القبض على اليد، والأشياء تختلف حكمها بحسب العادة فيها (٥) (٦) قال ابن الأنباري: (وقع في نفس موسى أن هارون (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنِّي خَشِيتُ ﴾ قال ابن عباس: (يريد إن أنا أتيتك) (٩) ﴿ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ يعني: ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك: اخلفني في قومي (١٣) وقال ابن جريج في قوله: (ألا تتبعني) أي: في شدة الزجر لهم عن الكفر بالله وعبادة غير الله) (١٤) وقال في قوله: ﴿ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ : (خشيت من العنف بهم أن يتفرقوا أحزابًا فيقتل بعضهم بعضًا) (١٥) (١) "الكشف والبيان" 3/ 23 ب، "المحرر الوجيز" 10/ 81، "روح المعاني" 16/ 25 وقال: (فإن الجمهور على أنهما كان شقيقين).
(٢) ذكر هذا القول "الكشف والبيان" 3/ 23 ب، ولم أجده بهذا اللفظ عند الزجاج، والذي ورد في "معاني القرآن" للزجاج 3/ 373 قوله: وقد قيل في هارون إنه لم يكن أخا موسى لأمه.
وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 10/ 81: وقالت فرقة لم يكن هارون أخا موسى إلا من أمه، وهذا ضعيف.
(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: (يابن أمَّ) بفتح الميم، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (يابن أمِّ) بكسر الميم.
انظر: "السبعة" 423، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 248، "العنوان في القراءات" ص 130.
(٤) عند قوله سبحانه في سورهَ الأعراف الآية رقم (150): ﴿ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ .
(٥) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 239.
(٦) "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 55.
(٧) في (ص): (أن موسى)، وهو تصحيف.
(٨) ذكره ابن الجوزي بلا نسبة في "زاد المسير" 5/ 317.
(٩) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة انظر: "معالم التنزيل" 5/ 291، "زاد المسير" 5/ 317، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 239، "روح المعاني" 16/ 251.
(١٠) قوله: (يريد)، ساقط من نسخة (س).
(١١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 203، "معالم التنزيل" 5/ 291، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 239، "لباب التأويل" 4/ 278.
(١٢) "جامع البيان" 16/ 204، "الكشف والبيان" 3/ 23 ب، "القرطبي" 11/ 239.
(١٣) "جامع البيان" 16/ 204، "معالم التنزيل" 5/ 291، "القرطبي" 11/ 239.
(١٤) ذكرته كتب التفسير نحوه بدون نسبة انظر: "النكت والعيون" 3/ 420، "زاد المسير" 5/ 317، "القرطبي" 11/ 237، "لباب التأويل" 4/ 278.
(١٥) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "معالم التنزيل" 5/ 291، "زاد المسير" 5/ 317، "القرطبي" 11/ 239.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ يَبْنَؤُمَّ ﴾ ذكر في [الأعراف: 150] ﴿ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ كان موسى قد أخذ بشعر هارون ولحيته من شدّة غضبه، لما وجد بني إسرائيل قد عبدوا العجل ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ ﴾ أي: لو قاتلت من عبد العجل منهم بمن لم يعبده، لقلت فرقت جماعتهم وأدخلت العداوة بينهم، وهذا على أن يكون معنى قوله: ﴿ تَتَّبِعَنِ ﴾ في الزجر والقتال، ولو أتبعتك في المشي إلى الطور لاتبعني بعضهم دون بعض، فتفرقت جماعتهم وهذا على أن يكون معنى ﴿ تَتَّبِعَنِ ﴾ في المشي إلى الطور ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ يعني قوله له: اخلفني في قومي وأصلح.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولتصنع ﴾ بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين ﴿ لنفسي اذهب ﴾ ﴿ في ذكري اذهبا ﴾ تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ خلقه ﴾ فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون.
﴿ مهداً ﴾ وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح.
الآخرون ﴿ مهاداً ﴾ ﴿ سوى ﴾ بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم ﴿ لا نخلفه ﴾ بالجزم جواباً للأمر: يزيد ﴿ يوم الزينة ﴾ على الظرف: هبيرة: ﴿ وقد خاب ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة ﴿ فيسحتكم ﴾ من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص.
الباقون بفتح الياء والحاء ﴿ إن ﴾ مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل.
الباقون مشددة.
﴿ هذين ﴾ أبو عمرو و ﴿ هذان ﴾ بالتشديد: ابن كثير.
الباقون بالتخفيف ﴿ فاجمعوا ﴾ بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو.
والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ﴿ وقد أفلح ﴾ بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف ﴿ تخيل ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف والجزم: حفص والفضل.
وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء ﴿ كيد سحر ﴾ على المصدر: حمزة وعلي وخلف.
الباقون ﴿ كيد ساحر ﴾ على الوصف.
﴿ قال آمنتم ﴾ بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ قال أمنتم ﴾ على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الباقون ﴿ أآمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام ﴿ ومن يأته ﴾ مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ﴿ ومن يأته ﴾ بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد.
الباقون ﴿ يأته ﴾ بالإشباع.
الوقوف: ﴿ أخرى ﴾ ه لا لأن "إذ" تفسير المرة ﴿ ما يوحى ﴾ ه لا لأن ما بعده تفسير ﴿ ما يوحى ﴾ ﴿ وعدوّ له ﴾ ط ﴿ مني ﴾ ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ ﴿ ألقيت ﴾ وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على ﴿ مني ﴾ لا محالة ﴿ على عيني ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف ﴿ لتصنع ﴾ ﴿ من يكفله ﴾ ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل.
﴿ ولا تحزن ﴾ ط لابتداء منة أخرى ﴿ فتوناً ﴾ ه ط ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لنفسي ﴾ ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة ﴿ ذكري ﴾ ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع الفاء ﴿ يخشى ﴾ ه ﴿ يطغى ﴾ ه ﴿ وأرى ﴾ ه ﴿ ولا تعذبهم ﴾ ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل ﴿ من ربك ﴾ ط لذلك فإن الواو للابتداء ﴿ في كتاب ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ ولا ينسى ﴾ ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ﴿ ماء ﴾ ط للالتفات ﴿ شتى ﴾ ه ﴿ أنعامكم ﴾ ط ﴿ النهى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه ﴿ وأبى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ سوى ﴾ ه ﴿ ضحى ﴾ ه ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ بعذاب ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ افترى ﴾ ه ﴿ النجوى ﴾ ه ﴿ المثلى ﴾ ه ﴿ صفاً ﴾ ه ﴿ استعلى ﴾ ه ﴿ ألقى ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ﴿ تسعى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه ﴿ ما صنعوا ﴾ ط ﴿ كيد ساحر ﴾ ط ﴿ أتى ﴾ ه ﴿ وموسى ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ السحر ﴾ ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام ﴿ النخل ﴾ ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام.
﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ قاض ﴾ ط ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ط ﴿ من السحر ﴾ ط ﴿ وأبقى ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ ولا يحيى ﴾ ه ﴿ العلى ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ تزكى ﴾ ه.
التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي.
قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى.
فقوله ﴿ ولقد مننا عليك ﴾ يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة.
وإنما قال ﴿ مرة أخرى ﴾ لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم ﴾ أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها.
ومعنى ﴿ ما يوحى ﴾ ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي.
"وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت.
قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله ﴿ فاقذفيه في اليم فليلقه ﴾ عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ﴿ عدوّ له ﴾ لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة.
وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة.
واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر.
وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول.
قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته.
يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.
وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة.
أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه.
قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل.
والنكتة فيه أن عدوّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟
فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل.
قوله ﴿ مني ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه.
قال القاضي.
هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب.
ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه.
وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في ﴿ لتصنع ﴾ وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إذ تمشي ﴾ ظرفاً ﴿ لتصنع ﴾ وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ ﴿ ألقيت ﴾ أو بدل من ﴿ إذ أوحينا ﴾ على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.
يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال ﴿ وحرمنا عليه المراضع ﴾ جاءت أخت موسى واسمها مريم متنكرة فقالت ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله ﴿ فرجعناك إلى أمك ﴾ وقال في القصص ﴿ فرددناه إلى أمه ﴾ تصديقاً لقوله ﴿ إنا رادوه إليك ﴾ ﴿ كي تقر عينها ﴾ بلقائك ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك ﴿ وقتلت ﴾ وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ﴿ نفساً ﴾ هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص ﴿ فنجيناك من الغم ﴾ وهو اقتصاص فرعون منك.
وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله ﴿ فاغفر لي فغفر له ﴾ ﴿ وفتناك فتوناً ﴾ مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه.
عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة.
ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير.
قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله وإن جاء ﴿ وفتناك ﴾ لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز.
قوله ﴿ على قدر ﴾ أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره.
والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ.
وقوله ﴿ لنفسي ﴾ أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة.
وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه.
وقال غيره من المعتزلة: إنه إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه.
ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً.
أما الأمر فقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك ﴾ وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة.
﴿ بآياتي ﴾ أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد.
وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم ﴾ وقيل: هما مع حل العقدة.
وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها.
وأما النهي فقوله ﴿ ولا تنيا ﴾ بكسر النون مثل تعدا وقرىء ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع.
والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره.
وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه.
وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة.
وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب.
ما الفائدة في تكرير قوله ﴿ اذهبا إلى فرعون ﴾ ؟
والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي.
ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ والقاتل واحد منهم.
ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.
وقيل: ألهم بذلك.
وقيل: سمع بخبره فتلقاه.
سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟
جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً.
وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة.
وكيف ذلك القول اللين؟
الأصح انه نحو قوله ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ﴾ لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين.
وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.
حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة.
فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة.
وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة.
ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة.
بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة.
ومعني الترجي في ﴿ لعله ﴾ يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف ﴿ أو يخشى ﴾ فيقل: إنكاره وإصراره.
قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة.
وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان.
قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان.
ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ وسأقسي قلبه فلا يؤمن" ﴿ قالا ربنا ﴾ فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا.
وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا ﴿ إننا نخاف ﴾ فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟
وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف.
قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله ﴿ أن يفرط علينا ﴾ أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ﴿ وأن يطغى ﴾ أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء.
وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا ﴿ قال لا تخافا إنني معكما ﴾ أي بالنصرة والتأييد ﴿ أسمع وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما.
ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة.
قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح.
وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه.
ثم كرر الأمر قائلاً: ﴿ فأتياه فقولا ﴾ فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار.
وثانياً بقوله ﴿ فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة.
وثالثاً بقوله ﴿ ولا تعذبهم ﴾ وفيه منعه عما يريده بهم؟
وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة.
قيل: أليس الأولى أن يقولا ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ ﴿ قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة.
والجواب أن قوله ﴿ فأرسل ﴾ من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ومعه آيتان بل آيات لقوله ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان.
قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه.
وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي ﴿ والسلام ﴾ أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة ﴿ على من اتبع الهدى ﴾ يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله ﴿ بآية من ربك ﴾ ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أن العذاب ﴾ أي جنسه أو كل فرد منه ﴿ على من كذب وتولى ﴾ دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً.
وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ﴿ قال فمن ربكما يا موسى ﴾ خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى.
فأراد أن يعجز عن الجواب.
قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟!
وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك.
وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.
واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله ﴿ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ﴾ وقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا ﴾ وقوله في سورة القصص ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴾ وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ.
وقوله في الشعراء { ﴿ وما رب العالمين ﴾ إلى قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود.
وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين ﴾ فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود.
وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله غير حاصل للبشر.
وأيضاً إنه قال في الجواب ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب.
ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما.
فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً.
ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة.
وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه.
قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ فمن ربكما ﴾ ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى.
ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله ﴿ إنا رسولا ربك ﴾ غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله ﴿ أنا أحيي وأميت ﴾ ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء.
من قرأ ﴿ خلقه ﴾ بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله ﴿ الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى ﴾ وقوله حكاية عن إبراهيم ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب.
وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة.
ومن قرأ ﴿ خلقه ﴾ بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه.
واعلم أن عجائب حكمة الله في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل.
ثم إنه جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن.
وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار.
وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير.
والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته.
ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار.
قال أهل النظم: إن موسى لما قرر عليه أمر المبدأ ﴿ قال ﴾ فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟
أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟
فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب.
أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ﴿ قال علمها عند ربي ﴾ ولا يتعلق غرضي بأحوالهم.
ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟
فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل.
وقوله ﴿ علمها عند ربي ﴾ مع قوله ﴿ في كتاب ﴾ لا يتنافيان، بل المراد أنه عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه.
والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له.
وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه.
وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه.
وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء.
وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة.
والتحقيق ما قاله القفال.
وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه.
ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا ﴾ أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي.
قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر.
وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع.
وقال المفضل: هما مصدران ﴿ وسلك ﴾ أي حصل ﴿ لكم فيها سبلاً ﴾ ووسطها بين الجبال والأودية والبراري.
يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه ﴿ فأخرجنا به ﴾ أي بواسطة إنزال الماء.
ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض.
و ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل.
ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم ﴾ ومن نعم الله أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.
قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح.
وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها.
﴿ ومنها خلقناكم ﴾ لأن آدم مخلوق من الأرض.
أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة.
﴿ وفيها نعيدكم ﴾ لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك.
﴿ ومنها يخرجكم تارة أخرى ﴾ بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر.
وههنا بحث وهو أن يكون قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى.
وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع ﴿ أزواجاً من نبات شتى ﴾ إلا أن قوله: ﴿ كلوا وارعوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنها نخرجكم ﴾ لا يطابقه.
وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: ﴿ وأنزلنا من السماء ماء ﴾ لم يصلح قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ﴿ ولا ينسى ﴾ ثم إنه ابتداء فقال: ﴿ الذي ﴾ أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فأخرجنا ﴾ من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه.
والحاصل أنه عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة.
وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم.
ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا.
ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله : "تمسحوا بالأرض" أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم.
ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم.
قوله عز وعلا: ﴿ ولقد أريناه آياتنا ﴾ أي عرفناه صحتها.
ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ﴾ وإلا كان كفر جهالة وضلالة.
سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها.
الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ﴾ ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: ﴿ فكذب ﴾ أي الآيات كلها ﴿ وأبى ﴾ قول الحق.
قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم.
وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل.
ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً ﴿ أجئتنا لتخرجنا ﴾ فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: ﴿ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ﴾ ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ بالرفع كان الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً.
وانتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: ﴿ مكاناً ﴾ بدلاً منه فوجه عود الضمير في ﴿ لا نخلفه ﴾ مثل ما قلنا، ويكون قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة.
وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب ﴿ مكاناً ﴾ على أنه ظرف.
ثم من قرأ ﴿ يوم الزينة ﴾ بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة.
وفي يوم ﴿ يحشر الناس ﴾ هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم.
ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى ﴿ سوى ﴾ بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين.
وهو معنى قول مجاهد.
فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة.
وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين.
وقال الكلبي: ﴿ مكاناً سوى ﴾ هذا المكان الذي نحن فيه الآن.
قال القاضي: الأظهر أن قوله: ﴿ موعدكم يوم الزينة ﴾ من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه.
وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم.
وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء.
وإنما قال: ﴿ وأن يحشر ﴾ من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم.
ومحل ﴿ أن يحشر ﴾ رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم.
ثم الساعة وهي ﴿ ضحى ﴾ ذلك اليوم.
وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم ﴿ فتولى فرعون ﴾ انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ﴿ فجمع كيده ﴾ أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ﴿ ثم أتى ﴾ الموعد.
عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا.
وقيل: أربعمائة.
وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ﴿ ويلكم ﴾ نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء ﴿ لا تفتروا على الله كذباً ﴾ بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً ﴿ فيسحتكم ﴾ السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال.
حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم ﴾ كقوله في الكهف: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ أي وقع التنازع بينهم ﴿ وأسروا النجوى ﴾ الضمير لفرعون وقومه.
وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه.
وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.
وعن وهب: لما قال ﴿ ويلكم ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.
والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم.
﴿ قالوا إنْ هذان ساحران ﴾ إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية.
وأما من قرأ "إن" بالتشديد و ﴿ هذان ﴾ بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى.
وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.
وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة *** ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر.
وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ.
والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى.
قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام.
وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس.
وأيضاً امتنعالبصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز.
وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى.
وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة.
وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور.
وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر.
ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.
ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون.
والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به.
من قرأ ﴿ فأجمعوا ﴾ من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له.
وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه.
ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس.
وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم.
﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ أي فاز من غلب وهو اعتراض.
واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة.
﴿ إما أن تلقي ﴾ أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا ﴿ فإذا حبالهم ﴾ هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.
قال وهب: سحروا أعين موسى حتى تخيل ذلك.
وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً ﴿ فأوجس ﴾ أضمر ﴿ في نفسه خيفةً ﴾ هو مفعول ﴿ أوجس ﴾ و ﴿ موسى ﴾ فاعله أخر للفاصلة.
وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله خوفه مجملاً بقوله ﴿ إنك أنت إلاّ على ﴾ وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله ﴿ وألق ما في يمينك ﴾ لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة ﴿ وما تلك بيمينك ﴾ وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع ﴿ ما صنعوا ﴾ أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها ﴿ إنما صنعوا ﴾ إن الذي افتعلوه ﴿ كيد سحر ﴾ أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال.
﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره".
ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء.
ومعنى ﴿ حيث أتى ﴾ أينما كان وأية سلك ﴿ فألقى السحرة سجداً ﴾ قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!.
وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.
واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف.
وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء.
ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿ من خلاف ﴾ قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه.
قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات.
قيل ﴿ في جذوع النخل ﴾ أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف ﴿ أينا أشد ﴾ أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف.
قلت: يحتمل أن يريد بقوله ﴿ أينا ﴾ الله ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله ﴿ أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ وفي قوله ﴿ فيسحتكم بعذاب ﴾ ويؤيده قول السحرة في جوابه ﴿ والله خير وأبقى ﴾ ﴿ لن نؤثرك ﴾ لن نختارك ﴿ على ما جاءنا من البينات ﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ و ﴾ على ﴿ الذي فطرنا ﴾ أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه.
وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ بما شئت من العذاب ﴿ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ﴾ أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء ﴿ تقضي ﴾ مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة.
والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية.
والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله ﴿ فاقض ما أنت قاضٍ ﴾ والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.
ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا ﴿ وما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل.
وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه.
وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا.
وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يأت ربه ﴾ أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي ﴿ مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ﴾ موتة مريحة ﴿ ولا يحيى ﴾ حياة ممتعة.
قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر.
أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ﴿ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر ﴾ إلى قوله ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين ﴾ ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ﴾ إلى آخر السورة.
فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟
سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق.
سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا.
قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله ﴿ قد عمل الصالحات ﴾ وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل.
ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة.
قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل.
وقوله ﴿ نكالاً من الله ﴾ في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان.
ثم عظم شأن المذكور بقوله ﴿ وذلك جزاء من تزكى ﴾ أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس.
وفيه دليل على أن قوله ﴿ ومن يأته مؤمناً ﴾ يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون ﴿ تزكى ﴾ أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ .
يذكر - والله [أعلم] - بهذا رسوله: أن الذين كذبوك وجحدوا رسالتك لم يكذبوك لجهلهم بالرسالة، ولكن لتعنتهم وعنادهم على ما ذكروا نبأه من قول هارون لقومه لما عبدوا العجل حيث قال: ﴿ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ فكأنه يؤيسه عن إيمان أولئك لعنادهم، وهو ما قال: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ فُتِنتُمْ ﴾ ، أي: صرتم مفتونين بالعجل بصوته وخواره أو بغيره.
والثاني: ﴿ فُتِنتُمْ ﴾ أي: ضللتم به، أي: بالعجل وإن ربكم الرحمن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّبِعُونِي ﴾ ، أي: أجيبوا لي إلى ما أدعوكم به ﴿ وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي ﴾ ، أي: ما آمركم به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ لَن نَّبْرَحَ ﴾ ، أي: لن نزال على عبادة العجل مقيمين حتى يرجع إلينا موسى.
وقال بعضهم: ﴿ لَن نَّبْرَحَ ﴾ ، أي: لن نفارق عبادته، ثم قال موسى: ﴿ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ ﴾ هذا يدل أن قول هارون لهم: ﴿ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ ﴾ أراد به: الضلال؛ حيث قال له موسى: ﴿ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴾ يحتمل ﴿ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ ﴾ ، أي: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا صرت إلى ما كنت صرت أنا؟
وقد علمت إلى أين صرت أنا، أو أن يكون قوله: ﴿ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ ﴾ ، أي: ألا تتبع ديني وسنتي وكانت [سنته] ومذهبه القتال والحرب معهم إذا ضلوا وتركوا دين الله.
فاعتذر إليه هارون فقال: ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ ، هذا أيضاً يخرج على وجهين: أحدهما: أني خشيت إن اتبعتك وصرت إلى ما صرت أنت تقول لي: ﴿ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ ﴾ ؛ لأنك لو نهيتهم عما اختاروا من عبادة العجل وبينت لهم السبيل لعلهم يتبعونك، فحيث لم تفعل فأنت الذي فرقت بينهم.
والثاني: على تأويل القتال والحرب في قوله: ﴿ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ ﴾ إني خشيت لو قاتلتهم ونصبت الحرب بينهم صاروا فريقين، فإذا تفرقوا اقتتلوا وسفكوا الدماء وتفانوا، فترك القتال لما أطمعوه الإيمان إذا رجع إليهم موسى ونهاهم عن ذلك، فلعل سنته في القتال مع من لم يطمع منه الإيمان، هذا على تأويل من يقول بأن هارون اعتزلهم لما عبدوا العجل مع عشرة آلاف نفر وأكثر أو أقل على ما ذكر.
وأما الحسن فإنه يقول: كلهم قد عبدوا العجل إلا هارون، فعلى قوله لا يحتمل الحرب والقتال معهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ .
قيل: هو ما قال: ﴿ وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ ، ودل قوله: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ بأن كان له الشعر، فكنى بالرأس عن الشعر.
<div class="verse-tafsir"
ولما أخذ موسى بلحية أخيه ورأسه يسحبه إليه مستنكرًا عليه صنيعه قال له هارون مستعطفا إياه: لا تمسك بلحيتي ولا بشعر رأسي، فإن لي عذرًا في بقائي معهم، فقد خفت إن تركتهم وحدهم أن يتفرّقوا، فتقول: إني فرقت بينهم، وإني لم أحفظ وصيتك فيهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.2joQM"