الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٦ من سورة الحج
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 59 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٦ من سورة الحج من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( ذلك بأن الله هو الحق ) أي : الخالق المدبر الفعال لما يشاء ، ( وأنه يحيي الموتى ) [ أي : كما أحيا الأرض الميتة وأنبت منها هذه الأنواع; ( إن الذي أحياها لمحيي الموتى ) ] ، ( إنه على كل شيء قدير ) [ فصلت : 39 ] ف ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) [ يس : 82 ] .
يعني تعالى ذكره بقوله: ذلك هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس من بدئنا خلقكم في بطون أمهاتكم، ووصفنا أحوالكم قبل الميلاد وبعده، طفلا وكهلا وشيخا هرما وتنبيهنا لكم على فعلنا بالأرض الهامدة بما ننـزل عليها من الغيث، لتؤمنوا وتصدّقوا بأن ذلك الذي فعل ذلك الله الذي هو الحقّ لا شك فيه، وأن من سواه مما تعبدون من الأوثان والأصنام باطل لأنها لا تقدر على فعل شيء من ذلك، وتعلموا أن القدرة التي جعل بها هذه الأشياء العجيبة لا يتعذّر عليها أن يحيي بها الموتى بعد فنائها ودروسها في التراب، وأن فاعل ذلك على كلّ ما أراد وشاء من شيء قادر لا يمتنع عليه شيء أراده.
قوله تعالى : ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قديرقوله تعالى : ذلك بأن الله هو الحق لما ذكر افتقار الموجودات إليه وتسخيرها على وفق اقتداره واختياره في قوله : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث - إلى قوله - ( بهيج ) .
قال بعد ذلك : ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور .
فنبه سبحانه وتعالى بهذا على أن كل ما سواه وإن كان موجودا حقا فإنه لا حقيقة له من نفسه ؛ لأنه مسخر مصرف .
والحق الحقيقي : هو الموجود المطلق الغني المطلق ؛ وأن وجود كل ذي وجود عن وجوب وجوده ؛ ولهذا قال في آخر السورة : وأن ما يدعون من دونه هو الباطل .
والحق الموجود الثابت الذي لا يتغير ولا يزول ، وهو الله تعالى .
وقيل : ذو الحق على عباده .
وقيل : الحق بمعنى في أفعاله .
وقال الزجاج : ( ذلك ) في موضع رفع ؛ أي الأمر ما وصف لكم وبين .
بأن الله هو الحق أي لأن الله هو الحق .
وقال : ويجوز أن يكون ( ذلك ) نصبا ؛ أي فعل الله ذلك بأنه هو الحق .
وأنه يحيي الموتى أي بأنه وأنه على كل شيء قدير أي وبأنه قادر على ما أراد .
{ ذَلِكَ } الذي أنشأ الآدمي من ما وصف لكم، وأحيا الأرض بعد موتها، { بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ } أي: الرب المعبود، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وعبادته هي الحق، وعبادة غيره باطلة، { وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى } كما ابتدأ الخلق، وكما أحيا الأرض بعد موتها، { وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } كما أشهدكم من بديع قدرته وعظيم صنعته ما أشهدكم.
( ذلك بأن الله هو الحق ) أي لتعلموا أن الله هو الحق ( وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير ) .
«ذلك» المذكور من بدء خلق الإنسان إلى آخر إحياء الأرض «بأن» بسبب أن «الله هو الحق» الثابت الدائم «وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شيء قدير».
ذلك المذكور مما تقدَّم من آيات قدرة الله تعالى، فيه دلالة قاطعة على أن الله سبحانه وتعالى هو الرب المعبود بحق، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وهو يُحيي الموتى، وهو قادر على كل شيء.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على وحدانيته وقدرته فقال : ( ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّهُ يُحْيِي الموتى وَأَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .واسم الإشارة يعود إلى المذكور من خلق الإنسان وإحياء الأرض بعد موتها .
.
.أى : ذلك الذى ذكرناه لكم دليل واضح ، وبرهان قاطع ، على أن الله - تعالى - هو الإله الحق ، الذى يجب أن تخلصوا له العبادة والطاعة ، لأنه هو وحده الخالق لكل شىء ، ولأنه هو وحده الذى يعيد الموتى إلى الحياة ، ولأنه هو وحده الذى لا يعجزه شىء .وخص - سبحانه - إحياء الموتى بالذكر ، مع أن من جملة الأشياء المقدور عليها .
للتصريح بما هو محل النزاع وهو البعث ، ولدحض شبه المنكرين له .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أخبر تعالى فيما تقدم عن أهوال يوم القيامة وشدتها، ودعا الناس إلى تقوى الله.
ثم بين في هذه الآية قوماً من الناس الذين ذكروا في الأول.
وأخبر عن مجادلتهم الثاني: أنه تعالى بين أنه مع هذا التحذير الشديد بذكر زلزلة الساعة وشدائدها، فإن من الناس من يجادل في الله بغير علم، ثم في قوله: ﴿ وَمِنَ الناس ﴾ وجهان: الأول: أنهم الذين ينكرون البعث، ويدل عليه قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ ﴾ إلى آخر الآية.
وأيضاً فإن ما قبل هذه الآية وصف البعث وما بعدها في الدلالة على البعث، فوجب أن يكون المراد من هذه المجادلة هو المجادلة في البعث والثاني: أنها نزلت في النضر بن الحرث، كان يكذب بالقرآن ويزعم أنه أساطير الأولين، ويقول ما يأتيكم به محمد كما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما.
المسألة الثانية: هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة، فالمجادلة الباطلة هي المراد من قوله: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ ﴾ والمجادلة الحقة هي المراد من قوله: ﴿ وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ .
المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شيطان مَّرِيدٍ ﴾ قولان: أحدهما: يجوز أن يريد شياطين الإنس وهم رؤساء الكفار الذين يدعون من دونهم إلى الكفر والثاني: أن يكون المراد بذلك إبليس وجنوده، قال الزجاج المريد والمارد المرتفع الأملس، يقال صخرة مرداء أي ملساء، ويجوز أن يستعمل في غير الشيطان إذا جاوز حد مثله.
أما قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أن الكتبة عليه مثل أي كأنما كتب إضلال من عليه ورقم به لظهور ذلك في حاله والثاني: كتب عليه في أم الكتاب، واعلم أن هذه الهاء بعد ذكر من يجادل وبعد ذكر الشيطان، يحتمل أن يكون راجعاً إلى كل واحد منهما، فإن رجع إلى من يجادل فإنه يرجع إلى لفظه الذي هو موحد، فكأنه قال كتب على من يتبع الشيطان أنه من تولى الشيطان أضله عن الجنة وهداه إلى النار.
وذلك زجر منه تعالى فكأنه تعالى قال كتب على من هذا حاله أنه يصير أهلاً لهذا الوعيد، فإن رجع إلى الشيطان كان المعنى ويتبع كل شيطان مريد قد كتب عليه أنه من يقبل منه فهو في ضلال.
وعلى هذا الوجه أيضاً يكون زجراً عن اتباعه، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي عبد الجبار إذا قيل المراد بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ ﴾ قضى عليه فلا جائز أن يرد إلا إلى من يتبع الشيطان، لأنه تعالى لا يجوز أن يقضي على الشيطان أنه يضل، ويجوز أن يقضي على من يقبله بقوله، قد أضله عن الجنة وهداه إلى النار.
قال أصحابنا رحمهم الله لما كتب ذلك عليه فلو لم يقع لانقلب خبر الله الصدق كذباً، وذلك محال ومستلزم المحال محال، فكان لا وقوعه محالاً.
المسألة الثانية: دلت الآية على أن المجادل في الله إن كان لا يعرف الحق فهو مذموم معاقب، فيدل على أن المعارف ليست ضرورية.
المسألة الثالثة: قال القاضي فيه دلالة على أن المجادلة في الله ليست من خلق الله تعالى وبإرادته، وإلا لما كانت مضافة إلى اتباع الشيطان، وكان لا يصح القول بأن الشيطان يضله بل كان الله تعالى قد أضله والجواب: المعارضة بمسألة العلم وبمسألة الداعي.
المسألة الرابعة: قرئ (أنه) بالفتح والكسر فمن فتح فلأن الأول فاعل كتب والثاني عطف عليه، ومن كسر فعلى حكاية المكتوب كما هو كأنما كتب عليه هذا الكلام، كما يقول كتبت أن الله هو الغني الحميد، أو على تقدير قيل أو على أن كتب فيه معنى القول.
<div class="verse-tafsir"
قرأ الحسن ﴿ مّنَ البعث ﴾ بالتحريك ونظيره: الجلب والطرد، في الجلب والطرد، كأنه قيل: إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم.
والعلقة: قطعة الدم الجامدة.
والمضغة: اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ.
والمخلقة: المسواة الملساء من النقصان والعيب.
يقال: خلق السواك والعود، إذا سواه وملسه، من قولهم: صخرة خلقاء، وإذا كانت ملساء، كأنّ الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة: منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم، وتمامهم ونقصانهم.
وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة ﴿ لّنُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولاً، ثم من نطفة ثانياً ولا تناسب بين الماء والتراب وقدر على أن يجعل النطفة علقة وبينهما تباين ظاهر، ثم يجعل العلقة مضغة والمضغة عظاماً: قدر على إعادة ما أبدأه، بل هذا أدخل في القدرة من تلك، وأهون في القياس.
وورود الفعل غير معدي إلى المبين: إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه الذكر ولا يحيط به الوصف وقرأ ابن أبي عبلة: ليبين لكم.
ويقرّ، بالياء وقرئ ﴿ ونقرّ ﴾ ونخرجكم، بالنون والنصب ويقرّ، ويخرجكم، ويقرّ، ويخرجكم: بالنصب والرفع.
وعن يعقوب: (نَقُرُّ) بالنون وضم القاف، من قرّ الماء إذا صبه؛ فالقراءة بالرفع إخبار بأنه يقُرّ ﴿ فِى الأرحام مَا يَشَاء ﴾ أن يقرّه من ذلك ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ وهو وقت الوضع آخر ستة أشهر، أو تسعة، أو سنتين، أو أربع، أو كما شاء وقدّر.
وما لم يشأ إقراره محته الأرحام أو أسقطته.
والقراءة بالنصب: تعليل معطوف على تعليل.
ومعناه: خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغرضين، أحدهما: أن نبين قدرتنا.
والثاني: أن نقرّ في الأرحام من نقرّ، حتى يولدوا وينشؤا ويبلغوا حد التكليف فأكلفهم.
ويعضد هذه القراءة قوله: ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ﴾ وحده لأن الغرض الدلالة عل الجنس.
ويحتمل: نخرج كل واحد منكم طفلاً.
الأشد: كمال القوة والعقل والتمييز، وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد كالأسدّة والقتود والأباطيل وغير ذلك، وكأنها شدّة في غير شيء واحد، فبنيت لذلك على لفظ الجمع.
وقرئ ﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ أي يتوفاه الله ﴿ أَرْذَلِ العمر ﴾ الهرم والخرف، حتى يعود كهيئته الأولى في أوان طفولته: ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم، بين أنه كما قدر على أن يرقيه في درجات الزيادة حتى يبلغه حد التمام، فهو قادر على أن يحطه حتى ينتهي به إلى الحالة السفلى ﴿ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ أي: ليصير نسَّاء بحيث إذ كسب علماً في شيء لم ينشب إن ينساه ويزل عنه علمه حتى يسأل عنه من ساعته، يقول لك: من هذا؟
فتقول: فلان، فما يلبث لحظة إلا سألك عنه.
وقرأ أبو عمرو: العمر، بسكون الميم.
الهامدة: الميتة اليابسة.
وهذه دلالة ثانية على البعث، ولظهورها وكونها مشاهدة معاينة، كررها الله في كتابه ﴿ اهتزت وَرَبَتْ ﴾ تحرّكت بالنبات وانتفخت، وقرئ ﴿ ربأت ﴾ ، أي ارتفعت.
البهيج: الحسن السارّ للناظر إليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ ﴾ مِن إمْكانِهِ وكَوْنِهِ مَقْدُورًا، وقُرِئَ «مِنَ البَعَثِ» بِالتَّحْرِيكِ كالجَلْبِ.
﴿ فَإنّا خَلَقْناكُمْ ﴾ أيْ فانْظُرُوا في بَدْءِ خَلْقِكم فَإنَّهُ يُزِيحُ رَيْبَكم فَإنّا خَلَقْناكم.
﴿ مِن تُرابٍ ﴾ بِخَلْقِ آدَمَ مِنهُ، أوِ الأغْذِيَةِ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنها المَنِيُّ.
﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ مَنِيٌّ مِنَ النَّطْفِ وهو الصَّبُّ.
﴿ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ﴾ قِطْعَةٌ مِنَ الدَّمِ جامِدَةٌ.
﴿ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ ﴾ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ وهي في الأصْلِ قَدْرُ ما يُمْضَغُ.
﴿ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ مُسَوّاةٌ لا نَقْصَ فِيها ولا عَيْبَ وغَيْرُ مُسَوّاةٍ أوْ تامَّةٌ وساقِطَةٌ أوْ مُصَوَّرَةٌ وغَيْرُ مُصَوَّرَةٍ.
﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ بِهَذا التَّدْرِيجِ قُدْرَتَنا وحِكْمَتَنا وأنَّ ما قَبِلَ التَّغَيُّرَ والفَسادَ والتَّكَوُّنَ مَرَّةً قَبِلَها أُخْرى، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى تَغْيِيرِهِ وتَصْوِيرِهِ أوَّلًا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ ثانِيًا، وحُذِفَ المَفْعُولُ إيماءً إلى أنَّ أفْعالَهُ هَذِهِ يَتَبَيَّنُ بِها مِن قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الذِّكْرُ.
﴿ وَنُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ ﴾ أنْ نُقِرَّهُ.
﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو وقْتُ الوَضْعِ وأدْناهُ بَعْدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ وأقْصاهُ أرْبَعُ سِنِينَ، وقُرِئَ «وَنُقِرَّ» بِالنَّصْبِ وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ﴾ عَطْفًا عَلى «نُبِيِّنُ» كَأنَّ خَلْقَهم مُدْرَجًا لِغَرَضَيْنِ تَبْيِينُ القُدْرَةِ وتَقْرِيرُهم في الأرْحامِ حَتّى يُولَدُوا ويَنْشَئُوا ويَبْلُغُوا حَدَّ التَّكْلِيفِ، وقُرِئا بِالياءِ رَفْعًا ونَصْبًا ويُقِرُّ بِالياءِ ﴿ وَنُقِرُّ ﴾ مِن قَرَرْتُ الماءَ إذا صَبَبْتُهُ، و ﴿ طِفْلا ﴾ حالٌ أُجْرِيَتْ عَلى تَأْوِيلِ كُلِّ واحِدٍ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِ أوْ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ.
﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ ﴾ كَمالَكم في القُوَّةِ والعَقْلِ جَمْعُ شِدَّةٍ كالأنْعُمِ جَمْعُ نِعْمَةٍ كَأنَّها شِدَّةٌ في الأُمُورِ.
﴿ وَمِنكم مَن يُتَوَفّى ﴾ عِنْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ أوْ قَبْلَهُ.
وقُرِئَ ﴿ يُتَوَفّى ﴾ أوْ يَتَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿ وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ وهو الهِرَمُ والخَرَفُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ المِيمِ.
﴿ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ لِيَعُودَ كَهَيْئَتِهِ الأُولى في أوانِ الطُّفُولِيَّةِ مِن سَخافَةِ العَقْلِ وقِلَّةِ الفَهْمِ فَيَنْسى ما عَلِمَهُ ويُنْكِرُ ما عَرَفَهُ، والآيَةُ اسْتِدْلالٌ ثانٍ عَلى إمْكانِ البَعْثِ بِما يَعْتَرِي الإنْسانَ في أسْنانِهِ مِنَ الأُمُورِ المُخْتَلِفَةِ والأحْوالِ المُتَضادَّةِ، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى نَظائِرِهِ.
﴿ وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً ﴾ مَيِّتَةً يابِسَةً مِن هَمَدَتِ النّارُ إذا صارَتْ رَمادًا.
﴿ فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ﴾ تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ.
﴿ وَرَبَتْ ﴾ وانْتَفَخَتْ، وقُرِئَ «وَرَبَأتْ» أيِ ارْتَفَعَتْ.
﴿ وَأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ مِن كُلِّ صِنْفٍ بَهِيجٍ حَسَنٍ رائِقٍ، وهَذِهِ دَلالَةٌ ثالِثَةٌ كَرَّرَها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ لِظُهُورِها وكَوْنِها مُشاهَدَةً.
<div class="verse-tafsir"
{ذلك} مبتدأ خبره {بِأَنَّ الله هُوَ الحق} أي ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم حاصل بهذا وهو أن الله هو الحق أي الثابت الوجود {وأنه يحيي الموتى} كما أحيا الأرض {وَأَنَّهُ على كُلّ شيء قدير} قادر
﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جِيءَ بِهِ إثْرَ تَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ البَعْثِ وإقامَةِ البُرْهانِ عَلَيْهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مِن خَلْقِ الإنْسانِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وتَصْرِيفِهِ في أحْوالٍ مُتَبايِنَةٍ وإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها الكاشِفِ عَنْ حَقِّيَّةِ ذَلِكَ مِن آثارِ أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى وأحْكامِ شُؤُونِهِ الذّاتِيَّةِ والوَصْفِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ وأنَّ ما يُنْكِرُونَهُ مِن إتْيانِ السّاعَةِ والبَعْثِ مِن أسْبابِ تِلْكَ الآثارِ العَجِيبَةِ المَعْلُومَةِ لَهم ومَبادِئِ صُدُورِها عَنْهُ تَعالى، وفِيهِ مِنَ الإيذانِ بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ وأصالَةِ المَدْلُولِ في التَّحَقُّقِ وإظْهارِ بُطْلانِ إنْكارِهِ ما لا يَخْفى فَإنَّ إنْكارَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ مَعَ الجَزْمِ بِتَحَقُّقِ المُسَبِّبِ مِمّا يَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَدِيهَةَ العُقُولِ فَذَلِكَ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وما مَعَهُ والإفْرادُ بِاعْتِبارِ المَذْكُورِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الكَمالِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والمُرادُ بِالحَقِّ هو الثّابِتُ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ لا مَحالَةَ لِكَوْنِهِ لِذاتِهِ لا الثّابِتُ مُطْلَقًا فَوَجْهُ الحَصْرِ ظاهِرٌ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الصُّنْعِ البَدِيعِ حاصِلٌ بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى هو الحَقُّ وحْدَهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ المُحَقِّقُ لِما سِواهُ مِنَ الأشْياءِ ﴿ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى ﴾ أيْ شَأْنُهُ وعادَتُهُ تَعالى إحْياءُ المَوْتى، وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إحْيائِها بَدْءًا وإعادَةً وإلّا لَما أحْيا النُّطْفَةَ والأرْضَ المَيْتَةَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وما تُفِيدُهُ صِيغَةُ المُضارِعِ مِنَ التَّجَدُّدِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ ومُتَعَلِّقِها لا بِاعْتِبارِ نَفْسِها لِأنَّ القِدَمَ الشَّخْصِيَّ يُنافِي ذَلِكَ.
﴿ وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أيْ مَبالِغٌ في القُدْرَةِ وإلّا لَما أوْجَدَ هَذِهِ المَوْجُوداتِ الفائِتَةَ لِلْحَصْرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ، وتَخْصِيصُ إحْياءِ المَوْتى بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ المَقْدُورِ عَلَيْها لِلتَّصْرِيحِ بِما فِيهِ النِّزاعُ والدَّفْعِ في نُحُورِ المُنْكِرِينَ، وتَقْدِيمُهُ لِإبْرازِ الِاعْتِناءِ بِهِ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ، يعني: يخاصم في الله، يعني: في وحدانيته ويقال: في دين الله.
بِغَيْرِ عِلْمٍ، يعني: بغير حجة.
ويقال: بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمه، وهو النضر بن الحارث وأصحابه.
وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ، يعني: يطيع ويعمل بأمر كل شَيْطانٍ مَرِيدٍ متمرد في معصية الله عز وجل.
ويقال: معناه ويتبع ما سول له الشيطان.
والمريد: الفاسد، يقال: مرد الشيء، إذا بلغ في الشر غايته.
ويقال: مرد الشيء إذا جاوز حد مثله.
ثم قال عز وجل: كُتِبَ عَلَيْهِ، أي: قضي عليه، يعني: الشيطان.
أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ، يعني: من تبع الشيطان فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ عن الهدى، وَيَهْدِيهِ أي: يدعوه إِلى عَذابِ السَّعِيرِ، أي: إلى عمل عذاب النار.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ، يعني: يا كفار مكة.
إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ، يعني: في شك مِنَ الْبَعْثِ بعد الموت، فانظروا إلى بدء خلقكم.
فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني: من آدم وآدم مِّن تُرَابٍ.
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ قيل: إنما نقلناكم من حال إلى حال، من خلقة إلى خلقة، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ، مثل قطعة كبد.
مُخَلَّقَةٍ، أي تامة وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، يعني: غير تامة، وهو السقط.
ويقال: مصورة وغير مصورة.
لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بدء خلقكم.
ويقال: يخرج السقط من بطن أمه مصوراً أو غير مصور، لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بدء خلقكم كيف نخلقكم في بطون أمهاتكم.
ويقال: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ في القرآن أنكم كنتم كذلك.
وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ فلا يكون سقطاً.
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، يعني: إلى وقت خروجه من بطن أمه، ويقال: إلى وقت معلوم لتسعة أشهر.
ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا من بطون أمهاتكم أطفالاً صغاراً.
وقال القتبي: لم يقل أطفالاً، لأنهم لم يخرجوا من أم واحدة، ولكنه أخرجهم من أمهات شتى، فكأنه قال: يخرجكم طفلاً طِفْلاً.
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، يعني: ثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة، ويقال: إلى ست وثلاثين سنة.
والأشد: هو الكمال في القوة والخير.
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى يعني: من قبل أن يبلغ أشده، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، يعني: أضعف العمر وهو الهرم.
ويقال: يعني، يرجع إلى أسفل العمر، يعني: يذهب عقله.
لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً، يعني: لكيلا يعقل بعد عقله الأول.
ثم دلهم على إحيائه الموتى بإحيائه الأرض، فقال تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً، يعني: ميتة يابسة جافة ذات تراب.
فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ، يعني: المطر، اهْتَزَّتْ يعني: تحركت بالنبات.
كقوله عز وجل: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ [النمل: 10] يعني: تتحرك، ويقال: اهْتَزَّتْ أي: استبشرت.
وَرَبَتْ، يعني: انتفخت بالنبات.
وأصلهُ: من ربا يربو، وهو الزيادة.
وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ، يعني: من كل صنف من ألوان النبات.
بَهِيجٍ، أي: حسنا يُبْهَجَ به، فدلهم للبعث بإحياء الأرض، ليعتبروا ويعلموا بأن الله هو الحق، وعبادته هي الحق، وغيره من الآلهة باطل.
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أي قادر على كل شيء من البعث وغيره.
<div class="verse-tafsir"
وقال عبد الحق: بل هو حديث منقطع، لاَ يَصِحُّ، والذي عليه المحققون أنَّ هذه الأهوال هي بعد البعث، قاله صاحب «التذكرة» وغيره، انتهى.
والحَمْلُ: - بفتح الحاء- ما كان في بطن أو على رأس شجرة.
وقوله سبحانه: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى
تشبيهاً لهم، أي: من الهم، ثم نفي عنهم السُّكَر الحقيقيَّ الذي هو من الخمر، قاله الحسن «١» وغيره، وقرأ حمزة والكسائيُّ:
«سكرى» في الموضعين «٢» .
قال سيبويه «٣» : وقوم يقولون: سكرى جعلوه مثل مرضى، ثم جعلوا: روبى مثل سكرى، وهم المستثقلون نوما من شرب الرائب.
وقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ.
قال ابن جريج: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث وأبَيِّ بنِ خَلَفٍ، وقيل في أبي جهل بن هشام «٤» ، ثم هي بعدُ تتناول كل مَن اتصف بهَذِهِ الصفة، ومجادلتهم في أنَّ الله تعالى لا يبعثَ مَنْ يموتُ، والشيطان هنا هو مغويهم من الجن، ويحتمل من الأنس، والمريد: المُتَجَرِّدُ من الخير للشَّرِّ، ومنه الأمرد، وشجرة مرداء، أي: عارية من الورق، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ، أي: مملس، والضمير في عَلَيْهِ عائد على الشيطان قاله قتادة «٥» ، ويحتمل أَنْ يعودَ على المجادِل، وأنه في موضع رفع على المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعِلُه، و «أَنَّه» الثانية عطف على الأُولَى مؤكدة مثلها، وقيل: هي مُكَرَّرَةٌ للتأكيد فقط، وهذا مُعْتَرَضٌ بأَنَّ الشيء لا يؤَكَّد إلاَّ بعد تمامه، وتمامٌ «أَنَّ» الأولى إنما هو بصلتها في قوله:
سُورَةُ الحَجِّ * فَصْلٌ: في نُزُولِها رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، غَيْرُ آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ ، والَّتِي تَلِيها [ الحَجّ ١٢، ١٣ ] .
وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا أرْبَعَ آياتٍ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ.
.
.
﴾ إلى آخَرِ الأرْبَعِ [ الحَجّ: ٥٣ - ٥٧ ] .
وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ واللَّتانِ بَعْدَها [ الحَجّ: ٢٠ - ٢٢ ] .
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أوَّلُها مَدَنِيٌّ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ وسائِرُها مَكِّيٌّ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ سِتِّ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمِيدِ ﴾ \[ الحَجّ ٢٠ - ٢٥ \] .
وقالَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَلامَةَ: هي مِن أعاجِيبِ سُوَرِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ فِيها مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا، وحَضَرِيًّا وسَفَرِيًّا، وحَرْبِيًّا وسِلْمِيًّا، ولَيْلِيًّا ونَهارِيًّا، وناسِخًا ومَنسُوخًا.
فَأمّا المَكِّيُّ: فَمِن رَأْسِ الثَّلاثِينَ مِنها إلى آخِرِها.
وَأمّا المَدَنِيُّ: فَمِن رَأْسِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ إلى رَأْسِ ثَلاثِينَ.
وَأمّا اللَّيْلِيُّ: فَمِن أوَّلِها إلى آخَرِ خَمْسِ آياتٍ.
وَأمّا النَّهارِيُّ: فَمِن رَأْسِ خَمْسِ [ آياتٍ ] إلى رَأْسِ تِسْعٍ.
وَأمّا السَّفَرِيُّ: فَمِن رَأْسِ تِسْعٍ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
وَأمّا الحَضَرِيُّ: فَإلى رَأْسِ العِشْرِينَ [ مِنها ]، نُسِبَ إلى المَدِينَةِ لِقُرْبِ مُدَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ ؛ أيِ: احْذَرُوا عِقابَهُ، ﴿ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ ﴾ الزَّلْزَلَةُ: الحَرَكَةُ عَلى الحالَةِ الهائِلَةِ.
وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ النُّشُورِ.
رَوى عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قَرَأ: " ﴿ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ، وقالَ: تَدْرُونَ أيَّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟
فَإنَّهُ يَوْمَ يُنادِي الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ابْعَثْ بَعْثًا إلى النّارِ "»، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : " «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ لِآدَمَ: قُمْ، فابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ؛ وما بَعْثُ النّارِ ؟
قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ، فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ المَوْلُودُ، وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها "، وقَرَأ الآيَةَ» .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زَلْزَلَةُ السّاعَةِ: قِيامُها، يَعْنِي: أنَّها تُقارِبُ قِيامَ السّاعَةِ وتَكُونُ مَعَها.
وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ تَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّها تَكُونُ في الدُّنْيا قَبْلَ القِيامَةِ، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ عَلْقَمَةُ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
ورَوى أبُو العالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ: سِتُّ آياتٍ قَبْلَ القِيامَةِ، بَيْنَما النّاسُ في أسْواقِهِمْ إذْ ذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ تَناثَرَتِ النُّجُومُ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ وقَعَتِ الجِبالُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَتَحَرَّكَتْ واضْطَرَبَتْ، فَفَزِعَ الجِنُّ إلى الإنْسِ، والإنْسُ إلى الجِنِّ، واخْتَلَطَتِ الدَّوابُّ والطَّيْرُ والوَحْشُ، فَماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ، فَقالَتِ الجِنُّ لِلْإنْسِ: نَحْنُ نَأْتِيكم بِالخَبَرِ، فانْطَلَقُوا إلى البُحُورِ، فَإذا هي نارٌ تَأجَّجُ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ، إذْ تَصَدَّعَتِ الأرْضُ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ، والسَّماءُ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ، إذْ جاءَتْهم الرِّيحُ فَماتُوا.
وقالَ مُقاتِلٌ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى، وذَلِكَ أنْ مُنادِيًا يُنادِي مِنَ السَّماءِ: يا أيُّها النّاسُ أتى أمْرُ اللَّهِ، فَيَفْزَعُونَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَيَشِيبُ الصَّغِيرُ وتَضَعُ الحَوامِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ؛ أيْ: لا يُوصَفُ لِعِظَمِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها ﴾ يَعْنِي: الزَّلْزَلَةَ، ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَسْلُو عَنْ ولَدِها وتَتْرُكُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: تُشْغَلُ عَنْهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ رَواحَةَ: وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ وَقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُذْهِلُ ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ( كُلَّ ) بِنَصْبِ اللّامِ.
قالَ الأخْفَشُ: وإنَّما قالَ: ﴿ مُرْضِعَةٍ ﴾ ؛ لِأنَّهُ أرادَ - والله أعْلَمُ - الفِعْلَ، ولَوْ أرادَ الصِّفَةَ فِيما نَرى لَقالَ: مُرْضِعٍ.
قالَ الحَسَنُ: تَذْهَلُ المُرْضِعَةُ عَنْ ولَدِها لِغَيْرِ فِطامٍ، وتَضَعُ الحامِلُ ما في بَطْنِها لِغَيْرِ تَمامٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّلْزَلَةَ تَكُونُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ بَعْدَ البَعْثِ لا تَكُونُ حُبْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى النّاسَ سُكارى ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( وتُرى ) بِضَمِّ التّاءِ، ومَعْنى ﴿ سُكارى ﴾ : مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
﴿ وَما هم بِسُكارى ﴾ مِنَ الشَّرابِ، والمَعْنى: تَرى النّاسَ كَأنَّهم سُكارى مِن ذُهُولِ عُقُولِهِمْ؛ لِشِدَّةِ ما يَمُرُّ بِهِمْ، يَضْطَرِبُونَ اضْطِرابَ السَّكْرانِ مِنَ الشَّرابِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( سَكْرى وما هم بِسَكْرى ) وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وَهُوَ وجْهٌ جَيِّدٌ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الهَلْكى والجَرْحى.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( سُكارى وما هم بِسُكارى ) بِفَتْحِ السِّينِ والرّاءِ وإثْباتِ الألَفِ.
﴿ وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ سُكْرَهم مِن خَوْفِ عَذابِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وفِيما جادَلَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ كُلَّما نَزَلَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَذَّبَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ زَعَمَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: لا يَقْدِرُ اللَّهُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ؛ أيْ: إنَّما يَقُولُهُ بِإغْواءِ الشَّيْطانِ لا بِعِلْمٍ.
﴿ وَيَتَّبِعُ ﴾ ما يُسَوِّلُ لَهُ، ﴿ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " المَرِيدِ " في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١١٧ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ ﴾ : ﴿ كُتِبَ ﴾ بِمَعْنى: قُضِيَ، والهاءُ في " عَلَيْهِ " وفي ﴿ تَوَلاهُ ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الشَّيْطانِ، ومَعْنى الآيَةِ: قُضِيَ عَلى الشَّيْطانِ أنَّهُ يَضِلُّ مَنِ اتَّبَعَهُ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( كَتَبَ ) بِفَتْحِ الكافِ، ( أنَّهُ ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، [ ( فَإنَّهُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ ] .
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( إنَّهُ )، ( فَإنَّهُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِما.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿ السَّعِيرِ ﴾ في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١٠ ) .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الناسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِنَ تُرابٍ ثُمَّ مِنَ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنَ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنَ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مِنَ يُتَوَفّى ومِنكم مِنَ يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنَ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ ﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في النَضِرِ بْنِ الحارِثِ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمْ هي بَعْدُ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ.
و "المُجادَلَةُ": المُحاجَّةُ، والمادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ "الجَدَلِ" وهو الفَتْلُ، والمَعْنى: "يُجادِلُ" في قُدْرَةِ اللهِ وصِفاتِهِ.
وكانَ سَبَبُ الآيَةِ كَلامَ مَن ذَكَرَ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لا يَبْعَثُ المَوْتى، ولا يُقِيمُ الأجْسادَ مِنَ القُبُورِ.
و"الشَيْطانُ" هُنا هو مُغْوِيهِمْ مِنَ الجِنِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الشَيْطانُ مِنَ الإنْسِ، والإنْحاءُ عَلى مُتَّبِعِيهِ.
و "المُرِيدُ": المُتَجَرِّدُ مِنَ الخَيْرِ إلى الشَرِّ، ومِنهُ الأمْرَدُ، وشَجَرَةٌ مَرْداءٌ أيْ عارِيَةٌ مِنَ الوَرَقِ، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ أيْ مُمَلَّسٌ مِن زُجاجٍ، وصَخْرَةٌ مَرْداءُ أيْ مَلْساءُ.
والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى "الشَيْطانِ"، قالَهُ قُتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "المُجادِلِ".
و "أنَّهُ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، و "أنَّهُ" الثانِيَةُ عَطْفٌ عَلى الأُولى مُؤَكَّدَةٌ مِثْلُها، وقِيلَ: هي مُكَرِّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ، وهو مُعْتَرِضٌ بِأنَّ الشَيْءَ لا يُؤَكِّدُ إلّا بَعْدَ تَمامِهِ وتَمامُ "أنَّهُ" الأولى إنَّما هو بِصِلَتِها في قَوْلِهِ: "السَعِيرِ"، وكَذَلِكَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ، ولِسِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذا أنَّهُ بَدَلٌ، وقِيلَ "أنَّهُ" الثانِيَةُ خَبَرُ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَشَأْنُهُ أنَّهُ يُضِلُّهُ، وقَدَّرَهُ أبُو عَلِيٍّ: فَلَهُ أنْ يُضِلَّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُظْهِرُ لِي أنَّ الضَمِيرَ في "أنَّهُ" الأولى لِلشَّيْطانِ، وفي الثانِيَةِ لـ "مَنِ" الَّذِي هو المُتَوَلِّي.
وقَوْلُهُ: "وَيَهْدِيهِ" بِمَعْنى: يَدُلُّهُ عَلى طَرِيقِ ذَلِكَ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى الإرْشادِ عَلى الإطْلاقِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "إنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَإنَّهُ يُضِلُّهُ" بِالكَسْرِ فِيهِما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الناسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ ﴾ الآيَةُ.
هَذا احْتِجاجٌ عَلى العالَمِ بِالبَدْأةِ الأُولى، وضَرَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ مَثَلَيْنِ إذا اعْتَبَرَهُما الناظِرُ جَوَّزَ في العَقْلِ البِعْثَةَ مِنَ القُبُورِ، ثُمْ ورَدَ خَبَرُ الشَرْعِ بِوُجُوبِ ذَلِكَ ووُقُوعِهِ.
و "الرَيْبُ": الشَكُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ ﴾ شَرْطٌ مُضَمِّنُهُ التَوْفِيقَ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "البَعْثَ" بِفَتْحِ العَيْنِ، وهي لُغَةٌ في "البَعْثِ" عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وهي عِنْدُ الكُوفِيِّينَ تَخْفِيفُ "بَعَثَ".
وقَوْلُهُ: ﴿ خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ﴾ يُرِيدُ آدَمُ، ثُمْ سَلَّطَ الفِعْلَ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يُرِيدُ المَنِيَّ الَّذِي يَكُونُ مِنَ البَشَرِ، و "النُطْفَةُ" تَقَعُ عَلى قَلِيلِ الماءِ وكَثِيرِهِ، وقالَ النَقاشُ: المُرادُ نُطْفَةُ آدَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ﴾ يُرِيدُ مِنَ الدَمِ تَعُودُ النُطْفَةُ إلَيْهِ في الرَحِمْ، أوِ المُقارِنُ لِلنُّطْفَةِ، و "العَلَقُ": الدَمُ العَبِيطُ، وقِيلَ: "العَلَقُ": الشَدِيدُ الحُمْرَةُ، فَسُمِّيَ الدَمُ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: "ثُمْ مِن مُضْغَةٍ" يُرِيدُ بِضْعَةَ لَحْمٍ عَلى قَدْرِ ما يُمْضَغُ، وقَوْلُهُ: "مُخَلَّقَةٍ" مَعْناهُ: مُتَمَّمَةُ البِنْيَةِ "وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ" غَيْرِ مُتَمَّمَةِ، أيِ الَّتِي تَسْقُطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والشَعْبِيٌّ، وأبُو العالِيَةِ، فاللَفْظَةُ بِناءُ مُبالِغَةٍ مِن "خَلَقَ"، ولَمّا كانَ الإنْسانُ فِيهِ أعْضاءٌ مُتَبايِنَةٌ وكُلٌّ مِنها مُخْتَصٌّ بِخُلُقٍ حَسَنٍ، في جُمْلَتِهِ تَضْعِيفُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ فِيهِ خُلُقًا كَثِيرَةً، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مُخَلَّقَةً" بِالنَصْبِ "وَغَيْرَ" بِالنَصْبِ في الراءِ.
وَيَتَّصِلُ بِهَذا المَوْضِعِ مِنَ الفِقْهِ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في أُمُ الوَلَدِ إذا أسْقَطَتْ بِضْعَةً لَمْ تُصَوَّرْ، هَلْ تَكُونُ أمَّ ولَدٍ بِذَلِكَ؟
فَقالَ مالِكُ، والأوزاعِيُّ، وغَيْرُهُما: هي أمُّ ولَدٍ بِالمُضْغَةِ إذا عُلِمْ أنَّها مُضْغَةُ الوَلَدِ، وقالَ الشافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: حَتّى يَتَبَيَّنَ فِيهِ خَلْقٌ ولَوْ عُضْوٌ واحِدٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لِنُبَيِّنَ أمْرَ البَعْثِ، فَهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، وقَرَأتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ بِالرَفْعِ في "نُقِرُّ"، المَعْنى: ونَحْنُ نُقِرُّ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لِنُبَيِّنَ لَكُمْ" مَعْناهُ: تَكُونُ المُضْغَةُ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ وطَرَحَ النِساءُ إيّاها، كَذَلِكَ نُبَيِّنُ لِلنّاسِ أنَّ المَناقِلَ في الرَحِمْ هي هَكَذا، وقَرَأتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: "وَنُقِرَّ" بِالنَصْبِ، وكَذَلِكَ قَرَأتْ: "نُخْرِجَكُمْ" بِالنَصْبِ، وهي رِوايَةُ المُفَضَّلِ عن عاصِمْ، وحَكى أبُو عَمْرُو الدانِي أنَّ رِوايَةَ المُفَضَّلِ هَذِهِ هي بِالياءِ في "يُقِرُّ" "وَيُخْرِجُكُمْ"، والرَفْعُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ شائِعٌ، ولا يَجُوزُ النَصْبُ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "ما نَشاءُ" بِكَسْرِ النُونِ.
و "الأجَلُ المُسَمّى" هو مُخْتَلِفٌ بِحَسْبَ جَنِينٍ جَنِينٍ، فَثَمَّ مَن يَسْقُطُ، وثَمَّ مَن يُكْمَلُ أمْرُهُ ويَخْرُجُ حَيًّا.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الأشَدِّ" مِن ثَمانِيَةَ عَشَرَ، إلى ثَلاثِينَ، إلى اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ، إلى سِتَّةٍ وثَلاثِينَ، إلى أرْبَعِينَ، إلى خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ، واللَفْظُ تُقالُ بِاشْتِراكٍ، فَأشَدُّ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ غَيْرُ أشَدِّ اليَتِيمِ الَّذِي هو الِاحْتِلامُ.
و "الأشَدُّ" في الآيَةِ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، والرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمْرِ هو حُصُولُ الإنْسانِ في زَمانَهِ واخْتِلالُ قُوَّتِهِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إقامَةِ الطاعاتِ، واخْتِلالُ عَقْلِهِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إقامَةِ ما يَلْزَمُهُ مِنَ المُعْتَقَداتِ، وهَذا أبَدًا يُلْحَقُ مَعَ الكِبَرِ، وقَدْ يَكُونُ أرْذَلِ العُمُرِ في قَلِيلٍ مِنَ السِنِّ بِحَسَبِ شَخْصٍ ما لَحِقَتُهُ زَمانَةٌ، وقَدْ ذُكِرَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ أرْذَلَ العُمُرِ خَمْسَةٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، وإنْ صَحَّ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَلا يَتَوَجَّهُ إلّا أنْ يُرِيدَ: عَلى الأكْثَرِ، فَقَدْ نَرى كَثِيرًا أبْناءَ ثَمانِينَ سَنَةً لَيْسُوا في أرْذَلِ العُمُرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "العُمُرَ" مُشَبَّعَةً، وقَرَأ نافِعٌ: "العُمُرَ" مُخَفِّفَةَ المِيمِ، واخْتَلَفَ عنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا يَعْلَمَ ﴾ أيْ: لِيَنْسى مَعارِفَهُ وعِلْمَهُ الَّذِي كانَ مَعَهُ فَلا يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، فَهَذا مِثالٌ واحِدٌ يَقْضِي لِلْمُعْتَدِّ بِهِ أنَّ القادِرَ عَلى هَذِهِ المَناقِلِ المُتْقِنَ لَها قادِرٌ عَلى إعادَةِ تِلْكَ الأجْسادِ الَّتِي أوجَدَها بِهَذِهِ المَناقِلِ إلى حالِها الأُولى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خلقناكم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى الارحام مَا نَشَآءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يتوفى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الارض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ أعاد خطاب الناس بعد أن أنذرهم بزلزلة الساعة، وذكر أن منهم من يجادل في الله بغير علم، فأعاد خطابهم بالاستدلال على إمكان البعث وتنظيره بما هو أعظم منه.
وهو الخلق الأول.
قال تعالى: ﴿ أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ﴾ [ق: 15].
فالذي خلق الإنسان من عدم وأخرجه من تراب، ثم كونه من ماء.
ثم خلقه أطواراً عجيبة، إلى أن يتوفاه في أحوال جسمه وفي أحوال عقله وإدراكه، قادر على إعادة خلقه بعد فنائه.
ودخول المشركين بادئ ذي بدء في هذا الخطاب أظهر من دخولهم في الخطاب السابق لأنهم الذين أنكروا البعث، فالمقصود الاستدلال عليهم ولذلك قيل إن الخطاب هنا خاص بهم.
وجُعل ريْبهم في البعث مفروضاً ب (إن) الشرطية مع أن ريبهم محقق للدلالة على أن المقام لما حف به من الأدلة المبطلة لريبهم ينزل منزلة مقام من لا يتحقق ريبُه كما في قوله تعالى: ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أنّ كنتم قوماً مسرفين ﴾ [الزخرف: 5].
والظرفية المفادة ب (في) مجازية.
شبهت ملابسة الريب إياهم بإحاطة الظرف بالمظروف.
وجملة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ واقعة موقع جواب الشرط ولكنها لا يصلح لفظها لأن يكون جواباً لهذا الشرط بل هي دليل الجواب، والتقدير: فاعلموا أو فنعلمكم بأنه ممكن كما خلقناكم من تراب مثل الرُّفات الذي تصير إليه الأجساد بعد الموت، أو التقدير: فانظروا في بدء خلقكم فإنا خلقناكم من تراب.
والذي خُلق من تراب هو أصل النوع، وهو آدم عليه السلام وحواء، ثم كونت في آدم وزوجه قوة التناسل، فصار الخلق من النطفة فلذلك عطفت ب (ثم).
والنطفة: اسم لمنّي الرجل، وهو بوزن فُعلة بمعنى مفعول، أي منطوف، والنَطْف: القطر والصب.
والعلقة: القطعة من الدم الجامد اللين.
والمضغة: القطعة من اللحم بقدر ما يُمضغ مثله، وهي فعلة بمعنى مَفعولة بتأويل: مقدار ممضوغة.
و(ثم) التي عطف بها ﴿ ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ﴾ عاطفة مفردات فهي للتراخي الحقيقي.
و (مِن) المكررة أربع مرات هنا ابتدائية وتكريرها توكيد.
وكون الإنسان مخلوقاً من النطفة لأنه قد تقرر في علم الطب أن في رحم المرأة مُدة الحيض جزءاً هو مقر الأجرام التي أعدت لأن يتكون منها الجنين، وهذا الجُزء من الرحم يسمى في الاصطلاح الطبي (المَبِيض) بفتح الميم وكسر الموحدة على وزن اسم المكان لأنه مقر بَيضات دقيقة هي حُبيبات دقيقة جداً وهي من المرأة بمنزلة البيضة من الدجاجة أو بمنزلة حبوب بيض الحوت، مودعة في كرة دقيقة كالغِلاف لها يقال لها (الحُويصلة) بضم الحاء بصيغة تصغير حَوصلة تشتمل على سائل تسبح فيه البيضة فإذا حاضت المرأة ازدادت كمية ذلك السائل الذي تسبح فيه البيضة فأوجب ذلك انفجار غلاف الحُويصلة، فيأخذ ذلك السائل في الانحدار يَحمل البيضة السابحة فيه إلى قناة دقيقة تسمى (بوق فلوبيوس) لشبهه بالبُوق، وأضيف إلى (فلوبيوس) اسم مكتشفه وهو البزرخ بين المَبِيض والرحم، فإذا نزل فيه ماء الرجل وهو النطفة بعد انتهاء سيلان دم الحيض لقحت فيه البيضة واختلطت أجزاؤها بأجزاء النطفة المشتملة على جرثومات ذات حياة وتمكث مع البيضة متحركة مقدار سبعة أيام تكون البيضة في أثنائها تتطور بالشكل بشِبه تقسيم من أثر ضغط طبيعي.
وفي نهاية تلك المدة تصل البيضة إلى الرحم وهنالك تأخذ في التشكل، وبعد أربعين يوماً تصير البيضة عَلَقة في حجم نملة كبيرة طولها من 12 إلى 14 مليمتر، ثم يزداد تشكلها فتصير قطعة صغيرة من لَحم هي المسماة (مُضغة) طولها ثلاثة سنتيمتر تلوح فيها تشكلات الوجه والأنف خفيّة جداً كالخطوط، ثم يزداد التشكل يوماً فيوماً إلى أن يستكمل الجنين مدته فيندفعَ للخروج وهو الولادة.
فقوله تعالى: ﴿ مخلقة وغير مخلقة ﴾ صفة ﴿ مضغة ﴾ .
وذلك تطور من تطورات المضغة.
أشار إلى أطوار تشكل تلك المضغة فإنها في أول أمرها تكون غير مخلّقة، أي غير ظاهر فيها شَكل الخِلقة، ثم تكون مخلّقة، والمراد تشكيل الوجه ثم الأطراف، ولذلك لم يُذكر مثل هذين الوصفين عند ذكر النطفة والعلقة، إذ ليس لهما مثل هذين الوصفين بخلاف المضغة.
وإذْ قد جعلت المضغة من مبادئ الخلق تعيّن أن كلا الوصفين لازِمان للمضغة، فلا يستقيم تفسير من فسّر غير المخلقة بأنها التي لم يكمل خلقها فسقطت.
والتخليق: صيغة تدل على تكرير الفعل، أي خلقاً بعد خلق، أي شكلاً بعد شكل.
وقُدم ذكر المخلقة على ذكر غير المخلقة على خلاف الترتيب في الوجود لأن المخلقة أدخل في الاستدلال، وذُكر بعده غير المخلقة لأنه إكمال للدليل وتنبيه على أن تخليقها نشأ عن عدم.
فكلا الحالين دليل على القدرة على الإنشاء وهو المقصود من الكلام.
ولذلك عقب بقوله تعالى ﴿ لنبين لكم ﴾ ، أي لنظهر لكم إذا تأملتم دليلاً واضحاً على إمكان الإحياء بعد الموت.
واللام للتعليل متعلقة بما في تضمينه جواب الشرط المقدرُ من فعل ونحوه تدل عليه جملة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ الخ، وهو فعل: فاعلموا، أو فنُعلمكم، أو فانظروا.
وحذف مفعول ﴿ لِنُبيّن ﴾ لتذهب النفس في تقديره كل مذهب مما يرجع إلى بيان ما في هذه التصرفات من القدرة والحكمة، أي لنبيّن لكم قدرتنا وحكمتنا.
وجملة ﴿ ونقرّ ﴾ عطف على جملة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ .
وعدل عن فعل المضي إلى الفعل المضارع للدلالة على استحضار تلك الحالة لما فيها من مشابهة استقرار الأجساد في الأجداث ثم إخراجها منها بالبعث كما يخرج الطفل من قرارة الرحم، مع تفاوت القرار.
فمن الأجنة ما يبقى ستة أشهر، ومنها ما يزيد على ذلك، وهو الذي أفاده إجمال قوله تعالى: ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ .
والاستدلال في هذا كله بأنه إيجاد بعد العدم وإعدام بعد الوجود لتبيين إمكان البعث بالنظير وبالضد.
والأجل: الأمد المجعول لإتمام عمل ما، والمراد هنا مدة الحمل.
والمسمّى: اسم مفعول من سَماه، إذا جعل له اسماً، ويستعار المسمّى للمعيّن المضبوط تشبيهاً لضبط الأمور غيرِ المشخصة بعدد معيّن أو وقت محسوب، بتسمية الشخص بوجه شبه يُميزه عما شابهه.
ومنه قول الفقهاء: المهر المسمّى، أي المعيّن من نقد معدود أو عَرض موصوف، وقول الموثقين: وسمّى لها من الصداق كذا وكذا.
ولكل مولود مدة معينة عند الله لبقائه في رحم أمه قبلَ وضعه.
والأكثر استكمال تسعة أشهر وتسعة أيام، وقد يكون الوضع أسرع من تلك المدة لعارض، وكلٌّ معين في علم الله تعالى.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ إلى أجل مسمى فاكتبوه ﴾ في [سورة البقرة: 282].
وعطف جملة ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ بحرف (ثم) للدلالة على التراخي الرتبي فإن إخراج الجنين هو المقصود.
وقوله ﴿ طفلاً ﴾ حال من ضمير ﴿ نخرجكم، ﴾ أي حال كونكم أطفالاً.
وإنما أفرد ﴿ طفلاً ﴾ لأن المقصود به الجنس فهو بمنزلة الجمع.
وجملة ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ مرتبطة بجملة ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ ارتباط العلّة بالمعلول، واللام للتعليل.
والمعلّل فعل ﴿ نخرجكم طفلاً ﴾ .
وإذ قد كانت بين حال الطفل وحال بلوغ الأشد أطوار كثيرة عُلم أن بلوغ الأشد هو العلّة الكاملة لحكمة إخراج الطفل.
وقد أشير إلى ما قبل بلوغ الأشد وما بعده بقوله ﴿ ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ .
وحرف (ثم) في قوله: ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ تأكيد لمثله في قوله ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ .
هذا ما ظهر لي في اتّصال هذه الجملة بما قبلها وللمفسرين توجيهات غير سالمة من التعقب ذكرها الألوسي.
وإنما جُعل بلوغ الأشد علّة لأنه أقوى أطوار الإنسان وأجلى مظاهر مواهبه في الجسم والعقل وهو الجانب الأهم كما أومأ إلى ذلك قوله بعد هذا ﴿ لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً ﴾ فجعل «الأشد» كأنه الغاية المقصودة من تطويره.
والأشُدّ: سن الفتوة واستجماع القوى.
وقد تقدم في [سورة يوسف: 22] ﴿ ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً ﴾ ووقع في [سورة المؤمن: 67] ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً ﴾ فعطف طور الشيخوخة على طور الأشُد باعتبار أن الشيخوخة مقصد للأحياء لحبهم التعمير، وتلك الآية وردت مورد الامتنان فذكر فيها الطور الذي يتملى المرء فيه بالحياة، ولم يذكر في آية سورة الحج لأنها وردت مورد الاستدلال على الإحياء بعد العدم فلم يذكر فيها من الأطوار إلا ما فيه ازدياد القوة ونماء الحياة دون الشيخوخة القريبة من الاضمحلال، ولأن المخاطبين بها فريق معيّن من المشركين كانوا في طور الأشد، وقد نبهوا عقب ذلك إلى أن منهم نفراً يُردون إلى أرذل العمر، وهو طور الشيخوخة بقوله: ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ .
وجيء بقوله ﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ على وجه الاعتراض استقراء لأحوال الأطوار الدالة على عظيم القدرة والحكمة الإلهية مع التنبيه على تخلل الوجود والعدم أطوار الإنسان بدءاً ونهاية كما يقتضيه مقام الاستدلال على البعث.
والمعنى: ومنكم من يتوفى قبل بلوغ بعض الأطوار.
وأما أصل الوفاة فهي لاحقة لكل إنسان لا لبعضهم، وقد صرح بهذا في سورة المؤمن (67): ﴿ ومنكم من يتوفى من قبل ﴾ وقوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ هو عديل قوله تعالى: ﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ .
وسكت عن ذكر الموت بعد أرذل العمر لأنه معلوم بطريقة لحسن الخطاب.
وجُعل انتفاء علم الإنسان عند أرذل العمر علة لردّه إلى أرذل العمر باعتبار أنه علّة غائية لذلك لأنه مما اقتضته حكمة الله في نظام الخلق فكان حصوله مقصوداً عند ردّ الإنسان إلى أرذل العمر، فإن ضعف القوى الجسمية يستتبع ضعف القوى العقلية.
قال تعالى: ﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق ﴾ [يس: 68] فالخلق يشمل كل ما هو من الخلقة ولا يختص بالجسم.
وقوله ﴿ من بعد علم ﴾ أي بعدما كان علمه فيما قبل أرذل العمر.
و (مِن) الداخلة على (بعد) هنا مزيدة للتأكيد على رأي الأخفش وابن مالك من عدم انحصار زيادة (مِن) في خصوص جرّ النكرة بعد نفي وشبهه، أو هي للابتداء عند الجمهور وهو ابتداء صُوري يساوي معنى التأكيد ولذلك لم يؤت ب (من) في قوله تعالى: ﴿ لكي لا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ في [سورة النحل: 70].
والآيتان بمعنى واحد فذكر (مِن) هنا تفنّن في سياق العبرتين.
و ﴿ شيئاً ﴾ واقع في سياق النفي يعم كل معلوم، أي لا يستفيد معلوماً جديداً.
ولذلك مراتب في ضعف العقل بحسب توغله في أرذل العمر تبلغ إلى مرتبة انعدام قبوله لعلم جديد، وقبلها مراتب من الضعف متفاوتة كمرتبة نسيان الأشياء ومرتبة الاختلاط بين المعلومات وغير ذلك.
﴿ وَتَرَى الارض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ .
عطف على جملة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ ، والخطاب لغير معيّن فيعم كل من يسمع هذا الكلام.
وهذا ارتقاء في الاستدلال على الإحياء بعد الموت بقياس التمثيل لأنه استدلال بحالةٍ مشاهدَة فلذلك افتتح بفعل الرؤية، بخلاف الاستدلال بخلق الإنسان فإن مبدأه غيرُ مشاهَد فقيل في شأنه ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ الآية.
ومحل الاستدلال من قوله تعالى: ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ ، فهو مناسبُ قولِه في الاستدلال الأول ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ ، فهمود الأرض بمنزلة موت الإنسان واهتزازُها وإنباتها بعد ذلك يماثل الإحياء بعد الموت.
والهمود: قريب من الخمود، فهمود الأرض جَفافها وزوال نبتها، وهمود النار خمودها.
والاهتزاز: التحرك إلى أعلى، فاهتزاز الأرض تمثيل لحال ارتفاع ترابها بالماء وحال ارتفاع وجهها بما عليه من العشب بحال الذي يهتز ويتحرك إلى أعلى.
وربت: حصل لها رُبوّ بضمّ الراء وضم الموحدة وهو ازدياد الشيء يقال: رَبَا يربو رُبوا، وفسر هنا بانتفاخ الأرض من تفتق النبت والشجر.
وقرأ أبو جعفر {وربأت بهمزة مفتوحة بعد الموحدة، أي ارتفعت.
ومنه قولهم: رَبَأ بنفسه عن كذا، أي ارتفع مجازاً، وهو فعل مشتق من اسم الربيئة وهو الذي يعلو رُبوة من الأرض لينظر هل من عدوّ يسير إليهم.
والزوج: الصنف من الأشياء.
أطلق عليه اسم الزوج تشبيهاً له بالزوج من الحيوان وهو صنف الذكر وصنف الأنثى، لأن كل فرد من أحد الصنفين يقترن بالفرد من الصنف الآخر فيصير زوجاً فيسمى كلّ واحد منهما زوجاً بهذا المعنى، ثم شاع إطلاقه على أحد الصنفين، ثم أطلق على كلّ نوع وصنف وإن لم يكن ذكراً ولا أنثى، فأطلق هنا على أنواع النبات.
والبهيج: الحسن المنظر السَارّ للناظر، وقد سِيق هذا الوصف إدماجاً للامتنان في أثناء الاستدلال امتناناً بجمال صورة الأرض المنبتة، لأن كونه بهيجاً لا دخل له في الاستدلال، فهو امتنان محض كقوله تعالى: ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ﴾ [النحل: 6] وقوله تعالى: ﴿ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ [الملك: 5].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يُخاصَمَ في الدِّينِ بِالهَوى، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنْ يَرِدَ النَّصُّ بِالقِياسِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن عبدالله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد.
فوالذي لا إله إلا غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً على حالها لا تتغير، فإذا مضت الأربعون صارت علقة، ثم مضغة كذلك، ثم عظاماً كذلك، فإذا أراد أن يسوي خلقه بعث إليه ملكاً فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟
أشقي أم سعيد؟
أقصير أم طويل؟
أناقص أم زائد؟
قوته أجله، أصحيح أم سقيم؟
فيكتب ذلك كله» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال: النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك من الأرحام بكفه فقال: يا رب، مخلقة أم غير مخلقة؟
فإن قيل غير مخلقة، لم تكن نسمة وقذفتها الرحم دماً؛ وإن قيل مخلقة قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟
أشقي أم سعيد؟
ما الأجل وما الأثر وما الرزق؟
وبأي أرض تموت؟
فيقال للنطفة: من ربك؟
فتقول: الله.
فيقال: من رازقك؟
فتقول: الله.
فيقال له: اذهب إلى أمّ الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة.
قال: فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل في رزقها وتطأ في أثرها، حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً فقال: يا رب، مخلقة أو غير مخلقة؟
فإن قال غير مخلقة مجها الرحم دماً؛ وإن قال مخلقة قال: يا رب، فما صفة هذه النطفة...
أذكر أم أنثى؟
وما رزقها؟
وما أجلها؟
أشقي أم سعيد؟
فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة.
فينطلق فينسخها، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تبارك وتعالى وكل بالرحم ملكاً قال: أي رب، نطفة أي رب، علقة أي رب، مضغة؟
فإذا قضى الله تعالى خلقها قال: أي رب، شقى أو سعيد؟
ذكر أو أنثى؟
فما الرزق؟
فما الأجل؟
فيكتب كذلك في بطن أمه» .
وأخرج أحمد ومسلم والبيهقي في الاسماء والصفات، عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول: «إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة» .
وفي لفظ: «إذا مر بالنطفة إثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟
فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، أجله؟
فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، رزقه؟
ويقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على أمره ولا ينقص» .
وفي لفظ: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب، أشقي أو سعيد؟
فيُكْتَبان فيقول: أي رب، أذكر أو أنثى؟
فيكْتبان.
فيكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص» .
وأخرج ابن أبي حاتم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ مخلقة وغير مخلقة ﴾ قال: المخلقة، ما كان حياً ﴿ وغير مخلقة ﴾ ما كان من سقط.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: العلقة الدم، والمضغة اللحم والمخلقة، التي تم خلقها ﴿ وغير مخلقة ﴾ السقط.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ مخلقة وغير مخلقة ﴾ قال: تامة وغير تامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية قال: ﴿ غير مخلقة ﴾ السقط.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي قال: إذا دخل في الخلق الرابع كانت نسمة مخلقة، وإذا قدم فيها قبل ذلك فهي غير مخلقة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ مخلقة وغير مخلقة ﴾ قال: السقط مخلوق وغير مخلوق ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ قال: التمام.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ قال: إقامته في الرحم حتى يخرج.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ قال: هذا ما كان من ولد يولد تاماً ليس بسقط.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لنبين لكم ﴾ قال: إنكم كنتم في بطون أمهاتكم كذلك.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ وترى الأرض هامدة ﴾ قال: لا نبات فيها.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وترى الأرض هامدة ﴾ أي غبراء متهشمة ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ﴾ يقول: نفرق الغيث في سبحتها وربوها ﴿ وأنبتت من كل زوج بهيج ﴾ أي حسن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ زوج بهيج ﴾ قال: حسن.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى الأمر ذلك.
أي الأمر ما وصف لكم وبين بأن الحق هو الله [قال: ويجوز أن يكون نصبًا علي معنى: فعل الله ذلك بأنه هو الحق] (١) (٢) قال أبو علي: موضع "ذلك" من الإعراب لا يخلو من أحد وجهين: أحدهما (٣) وأمّا جهة الرفع فلا يخلو من أن يكون مبتدأً أو خبرًا، ولا يجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف وهو الأمر والشأن على ما ذكره أبو إسحاق لأنه إذا قدر كذلك (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وأما معنى الآية فهو أن يقول: فعل الله ذلك -يعني ما ذكر من ابتداء الخلق وإحياء الأرض، ذلك الذي ذكر فعله (١٤) (١٥) يعني أنَّ جميع ما يأمر به ويفعله هو الحق لا الباطل كما يأمر به الشيطان من الباطل.
قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى ﴾ أي: وبأنه يحي الموتى.
والمعنى أحيا الأرض وفعل ما فعل بقدرته على إحياء الموتى وبأنه قادر على ذلك، وقادر على كل (١٦) ﴿ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 413 مع تقديم وتأخير.
(٣) أحدهما: ساقطة من (أ).
(٤) في (أ): (ذلك)، وهو خطأ.
(٥) (في): ساقطة من (أ).
(٦) في (أ): (وقوله "أن الله")، وهو خطأ.
(٧) في (أ): (يتوسط)، وهو خطأ.
(٨) في "الإغفال" ص 1046: أو نَبَّه.
(٩) في (ظ): (بهما).
(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).
(١١) في (ظ): (إذْ لا يتصل الفعل)، وفي (د): (إذ لا يتصل للفعل).
(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).
(١٣) "الإغفال" لأبي علي الفارسي 2/ 1044 - 1047.
(١٤) ي (ظ)، (د)، (ع): (فعل الله).
(١٥) هو: ليست في (ظ)، (د)، (ع).
(١٦) (كل): ساقطة من (ظ).
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث ﴾ الآية: معناها إن شككتم في البعث الأخروي فزوال ذلك الشك أن تنظروا في ابتداء خلقتكم؛ فتعلموا أن الذي قدر على أن خلقكم أول مرة: قادر على أن يعيدكم ثاني مرة، وأن الذي قدر على إخراج النبات من الأرض بعد موتها: قادر على أن يخرجكم من قبوركم ﴿ خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ إشارة إلى خلق آدم، وأسند ذلك إلى الناس لأنهم من ذريته وهو أصلهم ﴿ مِنْ عَلَقَةٍ ﴾ العلقة قطعة من دم جامدة ﴿ مِن مُّضْغَةٍ ﴾ أي قطعة من لحم ﴿ مُّخَلَّقَةٍ ﴾ المخلقة التامة الخلقة، وغير المخلقة الغير التامة: كالسقط، وقيل: المخلقة المسوّاة السالمة من النقصان ﴿ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ اللام تتعلق بمحذوف تقديره: ذكرنا ذلك ﴿ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ قدرتنا على البعث ﴿ وَنُقِرُّ ﴾ فعل مستأنف ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ يعني وقت وضع الحمل وهو مختلف وأقله ستة أشهر إلى ما فوق ذلك ﴿ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ أفرده لأنه أراد الجنس، أو أراد نخرج كل واحد منكم طفلاً ﴿ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ ﴾ هو كمال القوّة والعقل والتمييز.
وقد اختلف فيه من ثماني عشرة سنة إلى خمس وأربعين ﴿ أَرْذَلِ العمر ﴾ ذكر في [النحل: 70] ﴿ هَامِدَةً ﴾ يعني لا نبات فيها ﴿ اهتزت ﴾ تحركت بالنبات وتخلخلت أجزاؤها لما دخلها الماء ﴿ وَرَبَتْ ﴾ انتفخت ﴿ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ أي صنف عجيب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل - ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ﴾ قد ذكرنا تأويله في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ قال الحسن: إن بين يدي السّاعة آيات تحجبن التوبة وقبول الإيمان، منها: الزلزلة التي ذكر، ومنها: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجّال، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وأمثاله، وهو كقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً ﴾ .
وجائز - عندنا - أن تكون هذه الآيات غاية لقبول التوبة والإيمان، يقبل إلى ذلك الوقت، ولا يقبل بعد ذلك وإن تابوا وآمنوا.
أو أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا ﴾ ؛ لأنهم لا يؤمنون لما تشغلهم تلك الآيات عن ذلك فلا يؤمنون؛ لأن تلك الآيات تعم الخلائق كلهم: المؤمن والكافر جميعاً؛ فلا يعرف المبطل والضال أنه على الضلال والباطل، فيرجع إلى الهدى والحق، ليس كعذاب ينزل على قوم خاصة؛ لأن ذلك يعرف أولئك أنه إنما ينزل بهم خاصّة؛ لما فيهم من التكذيب والعناد، وإذا كانت الآيات عامة، لم يعرف أهل الضلال أنهم على باطل، وأنه إنما ينزل بسببهم؛ لما يرونه أنه قد عمّ الخلائق كلها، فقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ ﴾ ؛ لأنهم لا يؤمنون، كقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ أي: لا يكون لهم من يشفع، ليس أن يكون لهم شفعاء فيشفعون فلا تقبل شفاعتهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ ﴾ لأنهم يشغلون عن الإيمان فلا يؤمنون، فلا ينفع لهم، على ما ذكرنا.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : قبل الساعة، وقيل: القيامة.
وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ ﴾ هي الساعة، وصفها بالشدّة والفزع فقال: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ ﴾ أي: تشغل كل مرضعة؛ لشدّة أهوالها وأفزاعها ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ﴾ هذا على قول من يقول: إن زلزلة الساعة قبل السّاعة يكون على التحقيق، أي: تذهل عما أرضعت، وتضع حملها؛ لأنها تكون في ذلك الوقت مرضعاً وحاملا؛ فتذهل - لأهوال ذلك وأفزاعه - عن ولدها، وتضع ما في بطنها، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...
﴾ الآية [عبس: 34]، فذكر هؤلاء؛ لأن من أصاب شيئاً من البلاء في هذه الدنيا يفزع إلى هؤلاء، فيخبر أن في ذلك اليوم يفر بعض من بعض لشدة ذلك اليوم وهوله؛ لشغله بنفسه.
وعلى قول من يقول: إن زلزلة الساعة هي الساعة؛ فيخرج قوله: ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ...
﴾ الآية على التمثيل، أي: تذهل عما أرضعت أن لو كانت مرضعة، وتضع حملها أن لو كانت حاملا؛ لشدته وهوله.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ ﴾ أي: من مكن له وقوي يرى الناس كأنّهم سكارى وما هم بسكارى، وإلا لم يجز أن يراهم سكارى وليسوا هم بسكارى في الحقيقة.
وإنما قلنا: إنه يرى من مكنّ له وقوي، وإلا لو كانوا كلهم سكارى، لكان لا يراهم سكارى؛ لأن السكران لا يرى من كان في مثل حاله سكران.
أو أن يكون خاطب به رسوله، ولا يكون فيه ذلك الهول الذي يكون في غيره.
أو أن يكون ذلك على التمثيل، وليس على التحقيق.
وقول أهل التأويل: يقول لآدم في ذلك: "قم فابعث بعث النار"، فيقول: يا ربّ كم؟
فيقول: "من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين في النار، وواحد في الجنة" ، ويروون الأخبار في ذلك عن رسول الله ، فإن ثبت ما روي عنه في ذلك وإلا الكف عن مثله أولى؛ لأنه يحزن حيث يؤمر أن يتولى بعث ولده إلى النار من غير أن كان ما يستوجب هذه العقوبة.
قال القتبي: ﴿ تَذْهَلُ ﴾ : أي تسلو عن ولدها وتتركه.
وقال أبو عوسجة: ﴿ تَذْهَلُ ﴾ : أي: تنسى، يقال: ذهل يذهل ذهولا، وأذهلته؛ أي: أنسيته.
وقال غيره: أي: تشغل، والحمل بالنصب: ما في البطن، والحمل بالخفض: ما على الظهر، والزلزلة: الرجفة، يقال: زلزلت، أي: حركت، وتزلزلت، أي: تحركت.
<div class="verse-tafsir"
ذلك الذي ذكرنا لكم -من بدء خلقكم وأطواره وأحوال من يولد منكم- لأجل أن تؤمنوا بأن الله الذي خلقكم هو الحق الذي لا شك فيه، بخلاف ما تعبدون من أصنامكم، ولتؤمنوا بأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير, لا يعجزه شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.XwXdG"