الآية ٥ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٥ من سورة الحج

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍۢ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍۢ مُّخَلَّقَةٍۢ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍۢ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًۭا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍۢ شَيْـًۭٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةًۭ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍۢ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 181 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى المخالف للبعث ، المنكر للمعاد ، ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد ، بما يشاهد من بدئه للخلق ، فقال : ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب ) أي : في شك ( من البعث ) وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة ( فإنا خلقناكم من تراب ) أي : أصل برئه لكم من تراب ، وهو الذي خلق منه آدم ، عليه السلام ( ثم من نطفة ) أي : ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، ( ثم من علقة ثم من مضغة ) ذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة ، مكثت أربعين يوما كذلك ، يضاف إليه ما يجتمع إليها ، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله ، فتمكث كذلك أربعين يوما ، ثم تستحيل فتصير مضغة - قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط - ثم يشرع في التشكيل والتخطيط ، فيصور منها رأس ويدان ، وصدر وبطن ، وفخذان ورجلان ، وسائر الأعضاء .

فتارة تسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط ، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط; ولهذا قال تعالى : ( ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة ) أي : كما تشاهدونها ، ( لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ) أي : وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها ، كما قال مجاهد في قوله تعالى : ( مخلقة وغير مخلقة ) قال : هو السقط مخلوق وغير مخلوق .

فإذا مضى عليها أربعون يوما ، وهي مضغة ، أرسل الله تعالى إليها ملكا فنفخ فيها الروح ، وسواها كما يشاء الله عز وجل ، من حسن وقبيح ، وذكر وأنثى ، وكتب رزقها وأجلها ، وشقي أو سعيد ، كما ثبت في الصحيحين ، من حديث الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن ابن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق - : " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات : بكتب عمله وأجله ورزقه ، وشقي أو سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح " .

وروى ابن جرير ، وابن أبي حاتم من حديث داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : النطفة إذا استقرت في الرحم ، ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌أخذها ملك بكفه قال : يا رب ، مخلقة أو غير مخلقة؟

فإن قيل : " غير مخلقة " لم تكن نسمة ، وقذفتها الأرحام دما .

وإن قيل : " مخلقة " ، قال : أي رب ، ذكر أو أنثى؟

شقي أو سعيد؟

ما الأجل؟

وما الأثر؟

وبأي أرض يموت ؟

قال : فيقال للنطفة : من ربك؟

فتقول : الله .

فيقال : من رازقك؟

فتقول : الله .

فيقال له : اذهب إلى أم الكتاب ، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة .

قال : فتخلق فتعيش في أجلها ، وتأكل رزقها ، وتطأ أثرها ، حتى إذا جاء أجلها ماتت ، فدفنت في ذلك المكان ، ثم تلا عامر الشعبي : ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة ) فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة ، فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما ، وإن كانت مخلقة نكست في الخلق .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي الطفيل ، عن حذيفة بن أسيد - يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم - قال : " يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ، فيقول : أي رب ، أشقي أم سعيد؟

فيقول الله ، ويكتبان ، فيقول : أذكر أم أنثى؟

فيقول الله ويكتبان ، ويكتب عمله وأثره ورزقه وأجله ، ثم تطوى الصحف ، فلا يزاد على ما فيها ولا ينتقص .

ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة ، ومن طرق أخر ، عن أبي الطفيل ، بنحو معناه .

وقوله : ( ثم نخرجكم طفلا ) أي : ضعيفا في بدنه ، وسمعه وبصره وحواسه ، وبطشه وعقله .

ثم يعطيه الله القوة شيئا فشيئا ، ويلطف به ، ويحنن عليه والدية في آناء الليل وأطراف النهار; ولهذا قال : ( ثم لتبلغوا أشدكم ) أي : يتكامل القوى ويتزايد ، ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المنظر .

( ومنكم من يتوفى ) ، أي : في حال شبابه وقواه ، ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) ، وهو الشيخوخة والهرم وضعف القوة والعقل والفهم ، وتناقص الأحوال من الخرف وضعف الفكر; ولهذا قال : ( لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ) ، كما قال تعالى : ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ) [ الروم : 54 ] .

وقد قال الحافظ أبو يعلى [ أحمد ] بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده : حدثنا منصور بن أبي مزاحم ، حدثنا خالد الزيات ، حدثني داود أبو سليمان ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم الأنصاري ، عن أنس بن مالك - رفع الحديث - قال : " المولود حتى يبلغ الحنث ، ما عمل من حسنة ، كتبت لوالده أو لوالدته وما عمل من سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه ، فإذا بلغ الحنث جرى الله عليه القلم أمر الملكان اللذان معه أن يحفظا وأن يشددا ، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام أمنه الله من البلايا الثلاث : الجنون ، والجذام ، والبرص .

فإذا بلغ الخمسين ، خفف الله حسابه .

فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة إليه بما يحب ، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء ، فإذا بلغ الثمانين كتب الله حسناته وتجاوز عن سيئاته ، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وشفعه في أهل بيته ، وكان أسير الله في أرضه ، فإذا بلغ أرذل العمر ( لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ) كتب الله له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير ، فإذا عمل سيئة لم تكتب عليه " .

هذا حديث غريب جدا ، وفيه نكارة شديدة .

ومع هذا قد رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده مرفوعا وموقوفا فقال : حدثنا أبو النضر ، حدثنا الفرج ، حدثنا محمد بن عامر ، عن محمد بن عبد الله العامري ، عن عمرو بن جعفر ، عن أنس قال : إذا بلغ الرجل المسلم أربعين سنة ، أمنه الله من أنواع البلايا ، من الجنون والجذام والبرص ، فإذا بلغ الخمسين لين الله حسابه ، وإذا بلغ الستين رزقه الله إنابة يحبه عليها ، وإذا بلغ السبعين أحبه الله ، وأحبه أهل السماء ، وإذا بلغ الثمانين تقبل الله حسناته ، ومحا عنه سيئاته ، وإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وسمي أسير الله في الأرض ، وشفع في أهله .

ثم قال : حدثنا هاشم ، حدثنا الفرج ، حدثني محمد بن عبد الله العامري ، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله .

ورواه الإمام أحمد أيضا : حدثنا أنس بن عياض ، حدثني يوسف بن أبي ذرة الأنصاري ، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري ، عن أنس بن مالك; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة ، إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء : الجنون والجذام والبرص .

.

.

.

.

وذكر تمام الحديث ، كما تقدم سواء .

ورواه الحافظ أبو بكر البزار ، عن عبد الله بن شبيب ، عن أبي شيبة ، عن عبد الله بن عبد الملك ، عن أبي قتادة العذري ، عن ابن أخي الزهري ، عن عمه ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من عبد يعمر في الإسلام أربعين سنة ، إلا صرف الله عنه أنواعا من البلاء : الجنون والجذام والبرص ، فإذا بلغ خمسين سنة لين الله له الحساب ، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه بما يحب ، فإذا بلغ سبعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وسمي أسير الله ، وأحبه أهل السماء ، فإذا بلغ الثمانين تقبل الله منه حسناته وتجاوز عن سيئاته ، فإذا بلغ التسعين غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وسمي أسير الله في أرضه ، وشفع في أهل بيته " .

وقوله : ( وترى الأرض هامدة ) : هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى ، كما يحيي الأرض الميتة الهامدة ، وهي القحلة التي لا نبت فيها ولا شيء .

وقال قتادة : غبراء متهشمة .

وقال السدي : ميتة .

( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ) أي : فإذا أنزل الله عليها المطر ) اهتزت ) أي : تحركت وحييت بعد موتها ، ( وربت ) أي : ارتفعت لما سكن فيها الثرى ، ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفنون ، من ثمار وزروع ، وأشتات النباتات في اختلاف ألوانها وطعومها ، وروائحها وأشكالها ومنافعها; ولهذا قال تعالى : ( وأنبتت من كل زوج بهيج ) أي : حسن المنظر طيب الريح .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وهذا احتجاج من الله على الذي أخبر عنه من الناس أنه يجادل في الله بغير علم، اتباعا منه للشيطان المريد ، وتنبيه له على موضع خطأ قيله، وإنكاره ما أنكر من قدرة ربه.

قال: يا أيها الناس إن كنتم في شكّ من قدرتنا على بعثكم من قبوركم بعد مماتكم وبلاكم استعظاما منكم لذلك، فإن في ابتدائنا خلق أبيكم آدم صلى الله عليه وسلم من تراب ثم إنشائناكم من نطفة آدم ، ثم تصريفناكم أحوالا حالا بعد حال، من نطفة إلى علقة، ثم من علقة إلى مضغة، لكم معتبرا ومتعظا تعتبرون به، فتعلمون أن من قدر على ذلك فغير متعذّر عليه إعادتكم بعد فنائكم كما كنتم أحياء قبل الفناء.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله مخلقة وغير مخلّقة، فقال بعضهم: هي من صفة النطفة.

قال: ومعنى ذلك: فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة مخلَّقة وغير مخلقة قالوا: فأما المخلقة فما كان خلقا سَوِيّا وأما غير مخلقة، فما دفعته الأرحام ، من النطف ، وألقته قبل أن يكون خلقا.

ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، قال: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملَكا فقال: يا ربّ مخلقة ، أو غير مخلقة؟

فإن قال: غير مخلَّقة، مجّتها الأرحام دما، وإن قال: مخلقة، قال: يا ربّ فما صفة هذه النطفة ، أذكر أم أنثى؟

ما رزقها ما أجلها؟

أشقيّ أو سعيد؟

قال: فيقال له: انطلق إلى أمّ الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة!

قال: فينطلق الملك فينسخها فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.

وقال آخرون: معنى ذلك: تامة وغير تامة.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله ( مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) قال: تامة وغير تامة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن قتادة ( مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) فذكر مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك المضغة مصوّرة إنسانا وغير مصوّرة، فإذا صورت فهي مخلقة وإذا لم تصوّر فهي غير مخلقة.

ذكر من قال ذلك: ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله ( مُخَلَّقَةٍ ) قال: السِّقط، ( مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ).

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ( مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) قال: السقط، مخلوق وغير مخلوق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر أنه قال في النطفة والمضغة إذا نكست في الخلق الرابع، كانت نسمة مخلقة، وإذا قذفتها قبل ذلك فهي غير مخلقة.

قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن أبي سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية ( مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) قال: السقط.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: المخلقة المصورة خلقا تاما، وغير مخلقة: السِّقط قبل تمام خلقه، لأن المخلقة وغير المخلقة من نعت المضغة والنطفة بعد مصيرها مضغة، لم يبق لها حتى تصير خلقا سويا إلا التصوير، وذلك هو المراد بقوله ( مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) خلقا سويا، وغير مخلقة بأن تلقيه الأم مضغة ولا تصوّر ولا ينفخ فيها الروح.

وقوله ( لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ) يقول تعالى ذكره: جعلنا المضغة منها المخلقة التامة ومنها السقط غير التام، لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء ونعرفكم ابتداءنا خلقكم.

وقوله ( وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) يقول تعالى ذكره: من كنا كتبنا له بقاء وحياة إلى أمد وغاية، فإنا نقرّه في رحم أمه إلى وقته الذي جعلنا له أن يمكث في رحمها، فلا تسقطه ، ولا يخرج منها حتى يبلغ أجله، فإذا بلغ وقت خروجه من رحمها أذنا له بالخروج منها، فيخرج.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) قال: التمام.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) قال: الأجل المسمى: إقامته في الرحم حتى يخرج.

وقوله ( ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ) يقول تعالى ذكره: ثم نخرجكم من أرحام أمهاتكم إذا بلغتم الأجل الذي قدرته لخروجكم منها طفلا صغارا ووحد الطفل ، وهو صفة للجميع، لأنه مصدر مثل عدل وزور.

وقوله ( ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ) يقول: ثم لتبلغوا كمال عقولكم ونهاية قواكم بعمركم.

وقد ذكرت اختلاف المختلفين في الأشد، والصواب من القول فيه عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

"5" القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ يقول تعالى ذكره: ومنكم أيها الناس من يتوفى قبل أن يبلغ أشدّه فيموت، ومنكم من يُنْسَأ في أجله فيعمر حتى يهرم ، فيردّ من بعد انتهاء شبابه وبلوغه غاية أشده ، إلى أرذل عمره، وذلك الهرم، حتى يعود كهيئته في حال صباه لا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئا.

ومعنى الكلام: ومنكم من يرد إلى أرذل العمر بعد بلوغه أشده ( لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ ) كان يعلمه (شَيْئًا ) .

وقوله ( وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً ) يقول تعالى ذكره: وترى الأرض يا محمد يابسة دارسة الآثار من النبات والزرع، وأصل الهمود: الدروس والدثور، ويقال منه: همدت الأرض تهمد هُمودا ؛ ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس: قــالَتْ قُتَيْلَـةُ مـا لِجِسِـمَك شـاحِبا وأرَى ثِيـــابكَ بالِيـــاتٍ هُمَّــدَا (9) والهُمَّد: جمع هامد، كما الركع جمع راكع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله ( وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً ) قال: لا نبات فيها.

وقوله ( فَإِذَا أَنـزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ ) يقول تعالى ذكره: فإذا نحن أنـزلنا على هذه الأرض الهامدة التي لا نبات فيها ، المطر من السماء اهتزّت يقول: تحركت بالنبات، (وَرَبَتْ) يقول: وأضعفت النبات بمجيء الغيث.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة ( اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ) قال: عُرِف الغيث في ربوها.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة ( اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ) قال: حسنت، وعرف الغيث في ربوها.

وكان بعضهم يقول: معنى ذلك: فإذا أنـزلنا عليها الماء اهتزت، ويوجه المعنى إلى الزرع، وإن كان الكلام مخرجه على الخبر عن الأرض، وقرأت قراء الأمصار ( وَرَبَتْ ) بمعنى: الربو، الذي هو النماء والزيادة.

وكان أبو جعفر القارئ يقرأ ذلك (وَرَبَأَتْ) بالهمز.

حُدثت عن الفراء، عن أبي عبد الله التميمي عنه، وذلك غلط، لأنه لا وجه للرب ههنا، وإنما يقال: ربأ بالهمز بمعنى حرس من الربيئة، ولا معنى للحراسة في هذا الموضع، والصحيح من القراءة ما عليه قراء الأمصار.

وقوله ( وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) يقول جلّ ثناؤه: وأنبتت هذه الأرض الهامدة بذلك الغيث من كل نوع بهيج، يعني بالبهيج ، البهج، وهو الحسن.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة ( وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) قال: حسن.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

-------------------------- الهوامش : (9) البيت لأعشى بن قيس بن ثعلبة ( ديوانه طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين ، ص 227 ) .

وهو من قصيدة قالها لكسرى حين أراد منهم رهائن ، لما أغار الحارث بن وعلة على بعض السواد .

والرواية فيه " سايئا " في موضع " شاحبا " .

قال في تفسيره : سايئ : يسوء من رآه .

وهمد الثوب تقطع من طول الطي ينظر إليه الناظر فيحسبه صحيحا ، فإذا مسه تناثر من البلى ، ومثله في ( اللسان : همد ) : ( وترى الأرض هامدة ) : أي جافة ذات تراب .

وأرض هامدة : مقشعرة ، لا نبات فيها إلا اليابس المتحطم ، وقد أهمدها القحط .

أه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيجقوله تعالى : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث إلى قوله : مسمىفيه اثنتا عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : إن كنتم في ريب من البعث هذا احتجاج على العالم بالبداءة [ ص: 8 ] الأولى .

وقوله : إن كنتم في ريب متضمنة التوقيف .

وقرأ الحسن بن أبي الحسن ( البعث ) بفتح العين ؛ وهي لغة في ( البعث ) عند البصريين .

وهي عند الكوفيين بتخفيف ( بعث ) .

والمعنى : يا أيها الناس إن كنتم في شك من الإعادة .

فإنا خلقناكم أي خلقنا أباكم الذي هو أصل البشر ، يعني آدم - عليه السلام - ( من تراب ) .

( ثم ) خلقنا ذريته .

( من نطفة ) وهو المني ؛ سمي نطفة لقلته ، وهو القليل من الماء ، وقد يقع على الكثير منه ؛ ومنه الحديث حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى جورا .

أراد بحر المشرق وبحر المغرب .

والنطف : القطر .

نطف ينطف وينطف .

وليلة نطوفة دائمة القطر .

( ثم من علقة ) وهو الدم الجامد .

والعلق الدم العبيط ، أي الطري .

وقيل : الشديد الحمرة .

( ثم من مضغة ) وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ ؛ ومنه الحديث ألا وإن في الجسد مضغة .

وهذه الأطوار أربعة أشهر .

قال ابن عباس : وفي العشر بعد الأشهر الأربعة ينفخ فيه الروح ، فذلك عدة المتوفى عنها زوجها ؛ أربعة أشهر وعشر .الثانية : روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، حدثنا داود ، عن عامر ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، وعن ابن عمر أن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه فقال : يا رب ، ذكر أم أنثى ، شقي أم سعيد ، ما الأجل والأثر ، بأي أرض تموت ؟

فيقال له انطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها قصة هذه النطفة ، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب ، فتخلق فتأكل رزقها وتطأ أثرها فإذا جاء أجلها قبضت فدفنت في المكان الذي قدر لها ؛ ثم قرأ عامر يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب .

وفي الصحيح عن أنس بن مالك - ورفع الحديث - قال : إن الله قد وكل بالرحم ملكا فيقول : أي رب ، نطفة .

أي رب ، علقة .

أي رب ، مضغة .

فإذا أراد الله أن يقضي خلقا ، قال : قال الملك : أي رب ، ذكر ، أو أنثى ، شقي ، أو سعيد .

فما الرزق ؟

فما الأجل ؟

فيكتب كذلك في بطن أمه .

وفي الصحيح أيضا عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها ، وخلق سمعها ، وبصرها ، وجلدها ، ولحمها ، وعظامها ، ثم يقول : أي رب ، أذكر ، أم [ ص: 9 ] أنثى .

.

.

وذكر الحديث .

وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود ، قال : حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي ، أو سعيد .

.

.

الحديث .

فهذا الحديث مفسر للأحاديث الأول ؛ فإنه فيه : يجمع أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم أربعين يوما علقة ، ثم أربعين يوما مضغة ، ثم يبعث الملك ، فينفخ فيه الروح ، فهذه أربعة أشهر ، وفي العشر ينفخ الملك الروح ، وهذه عدة المتوفى عنها زوجها كما قال ابن عباس .

وقوله : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه قد فسره ابن مسعود ، سئل الأعمش : ما يجمع في بطن أمه ؟

فقال : حدثنا خيثمة ، قال : قال عبد الله : إذا وقعت النطفة في الرحم ، فأراد أن يخلق منها بشرا طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر ، ثم تمكث أربعين يوما ، ثم تصير دما في الرحم ؛ فذلك جمعها ، وهذا وقت كونها علقة .الثالثة : نسبة الخلق والتصوير للملك نسبة مجازية لا حقيقية ، وأن ما صدر عنه فعل ما في المضغة كان عند التصوير ، والتشكيل بقدرة الله ، وخلقه ، واختراعه ؛ ألا تراه سبحانه قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية ، وقطع عنها نسب جميع الخليقة ، فقال : ولقد خلقناكم ثم صورناكم .

وقال : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين .

وقال : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة .

وقال تعالى : هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن .

ثم قال : وصوركم فأحسن صوركم .

وقال : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم .

وقال : خلق الإنسان من علق .

إلى غير ذلك من الآيات ، مع ما دلت عليه قاطعات البراهين أن لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين .

وهكذا القول في قوله : ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح أي أن النفخ سبب خلق الله فيها الروح والحياة .

وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة ؛ فإنه بإحداث الله تعالى لا بغيره .

فتأمل هذا الأصل وتمسك به ، ففيه النجاة من مذاهب أهل الضلال الطبعيين وغيرهم .[ ص: 10 ] الرابعة : لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوما ، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس ؛ كما بيناه بالأحاديث .

وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع ، وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات ؛ وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف .

وقد قيل : إنه الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر ، وهذا الدخول في الخامس يحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل .الخامسة : النطفة ليست بشيء يقينا ، ولا يتعلق بها حكم إذا ألقتها المرأة إذا لم تجتمع في الرحم ، فهي كما لو كانت في صلب الرجل ؛ فإذا طرحته علقة فقد تحققنا أن النطفة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول أحوال يتحقق به أنه ولد .

وعلى هذا فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة وضع حمل ، تبرأ به الرحم ، وتنقضي به العدة ، ويثبت به لها حكم أم الولد .

وهذا مذهب مالك - رضي الله عنه - وأصحابه .

وقال الشافعي - رضي الله عنه - : لا اعتبار بإسقاط العلقة ، وإنما الاعتبار بظهور الصورة والتخطيط ؛ فإن خفي التخطيط ، وكان لحما فقولان بالنقل والتخريج ، والمنصوص أنه تنقضي به العدة ولا تكون أم ولد .

قالوا : لأن العدة تنقضي بالدم الجاري ، فبغيره أولى .السادسة : قوله تعالى : مخلقة وغير مخلقة قال الفراء : ( مخلقة ) تامة الخلق ، وغير مخلقة السقط .

وقال ابن الأعرابي : ( مخلقة ) قد بدأ خلقها ، وغير مخلقة لم تصور بعد .

ابن زيد : المخلقة التي خلق الله فيها الرأس ، واليدين ، والرجلين ، وغير مخلقة التي لم يخلق فيها شيء .

قال ابن العربي : إذا رجعنا إلى أصل الاشتقاق فإن النطفة ، والعلقة ، والمضغة مخلقة ؛ لأن الكل خلق الله تعالى ، وإن رجعنا إلى التصوير الذي هو منتهى الخلقة كما قال الله تعالى : ثم أنشأناه خلقا آخر فذلك ما قال ابن زيد .قلت : التخليق من الخلق ، وفيه معنى الكثرة ، فما تتابع عليه الأطوار فقد خلق خلقا بعد خلق ، وإذا كان نطفة فهو مخلوق ؛ ولهذا قال الله تعالى : ثم أنشأناه خلقا آخر والله أعلم .

وقد قيل : إن قوله : مخلقة وغير مخلقة يرجع إلى الولد بعينه لا إلى السقط ؛ أي منهم من يتم الرب سبحانه مضغته فيخلق له الأعضاء أجمع ، ومنهم من يكون خديجا ناقصا غير تام .

وقيل : ( المخلقة أن تلد المرأة لتمام الوقت ) .

ابن عباس : المخلقة ما كان حيا ، وغير المخلقة السقط .

قال .[ ص: 11 ]أفي غير المخلقة البكاء فأين الحزم ويحك والحياءالسابعة : أجمع العلماء على أن الأمة تكون أم ولد بما تسقطه من ولد تام الخلق .

وعند مالك ، والأوزاعي ، وغيرهما بالمضغة كانت مخلقة أو غير مخلقة .

قال مالك : إذا علم أنها مضغة .

وقال الشافعي ، وأبو حنيفة : إن كان قد تبين له شيء من خلق بني آدم أصبع أو عين أو غير ذلك فهي له أم ولد .

وأجمعوا على أن المولود إذا استهل صارخا يصلى عليه ؛ فإن لم يستهل صارخا لم يصل عليه عند مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وغيرهم .

وروي عن ابن عمر أنه يصلى عليه ؛ وقال ابن المسيب ، وابن سيرين ، وغيرهما .

وروي عن المغيرة بن شعبة أنه كان يأمر بالصلاة على السقط ، ويقول سموهم ، واغسلوهم ، وكفنوهم ، وحنطوهم ؛ فإن الله أكرم بالإسلام كبيركم وصغيركم ، ويتلو هذه الآية فإنا خلقناكم من تراب إلى وغير مخلقة .

قال ابن العربي : لعل المغيرة بن شعبة أراد بالسقط ما تبين خلقه فهو الذي يسمى ، وما لم يتبين خلقه فلا وجود له .

وقال بعض السلف : يصلى عليه متى نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر .

وروى أبو داود ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا استهل المولود ورث .

الاستهلال : رفع الصوت ؛ فكل مولود كان ذلك منه ، أو حركة ، أو عطاس ، أو تنفس فإنه يورث لوجود ما فيه من دلالة الحياة .

وإلى هذا ذهب سفيان الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي .

قال الخطابي : وأحسنه قول أصحاب الرأي .

وقال مالك : لا ميراث له ، وإن تحرك ، أو عطس ما لم يستهل .

وروي عن محمد بن سيرين ، والشعبي ، والزهري ، وقتادة .الثامنة : قال مالك - رضي الله عنه - : ما طرحته المرأة من مضغة ، أو علقة ، أو ما يعلم أنه ولد إذا ضرب بطنها ففيه الغرة .

وقال الشافعي : لا شيء فيه حتى يتبين من خلقه .

قال مالك : إذا سقط الجنين فلم يستهل صارخا ففيه الغرة .

وسواء تحرك ، أو عطس فيه الغرة أبدا ، حتى يستهل صارخا ففيه الدية كاملة .

وقال الشافعي - رضي الله عنه - وسائر فقهاء الأمصار : إذا علمت حياته بحركة ، أو بعطاس ، أو باستهلال ، أو بغير ذلك مما تستيقن به حياته ففيه الدية .التاسعة : ذكر القاضي إسماعيل أن عدة المرأة تنقضي بالسقط الموضوع ، واحتج عليه بأنه حمل ، وقال : قال الله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن .

قال [ ص: 12 ] القاضي إسماعيل : والدليل على ذلك أنه يرث أباه ، فدل على وجوده خلقا وكونه ولدا وحملا .

قال ابن العربي : ولا يرتبط به شيء من هذه الأحكام إلا أن يكون مخلقا .قلت : ما ذكرناه من الاشتقاق وقوله - عليه الصلاة والسلام - : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه يدل على صحة ما قلناه ، ولأن مسقطة العلقة والمضغة يصدق على المرأة إذا ألقته أنها كانت حاملا وضعت ما استقر في رحمها ، فيشملها قوله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ولأنها وضعت مبدأ الولد عن نطفة متجسدا كالمخطط ، وهذا بين .العاشرة : روى ابن ماجه ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا يزيد ، عن عبد الملك النوفلي ، عن يزيد بن رومان ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه .

وأخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث له عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، فقال : أحب إلي من ألف فارس أخلفه ورائي .الحادية عشرة : لنبين لكم يريد : كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم .

ونقر في الأرحام قرئ بنصب ( نقر ) و ( نخرج ) ، رواه أبو حاتم ، عن أبي زيد ، عن المفضل ، عن عاصم ، قال : قال أبو حاتم : النصب على العطف .

وقال الزجاج : ( نقر ) بالرفع لا غير ؛ لأنه ليس المعنى : فعلنا ذلك لنقر في الأرحام ما نشاء ، وإنما خلقهم - عز وجل - ليدلهم على الرشد والصلاح .

وقيل : المعنى لنبين لهم أمر البعث ؛ فهو اعتراض بين الكلامين .

وقرأت هذه الفرقة بالرفع ( ونقر ) ؛ المعنى : ونحن نقر .

وهي قراءة الجمهور .

وقرئ : ( ويقر ) و ( يخرجكم ) بالياء ، والرفع على هذا سائغ .

وقرأ .

ابن وثاب ( ما نشاء ) بكسر النون .

والأجل المسمى يختلف بحسب جنين جنين ؛ فثم من يسقط ، وثم من يكمل أمره ويخرج حيا .

وقال : ( ما نشاء ) ولم يقل : من نشاء لأنه يرجع إلى الحمل ؛ أي يقر في الأرحام ما يشاء من الحمل ومن المضغة وهي جماد فكنى عنها بلفظ ما .[ ص: 13 ] الثانية عشرة : قوله تعالى : ( ثم نخرجكم طفلا ) أي أطفالا ؛ فهو اسم جنس .

وأيضا فإن العرب قد تسمي الجمع باسم الواحد ؛ قال الشاعر :يلحينني في حبها ويلمنني إن العواذل ليس لي بأميرولم يقل أمراء .

وقال المبرد : وهو اسم يستعمل مصدرا كالرضا والعدل ، فيقع على الواحد والجمع ؛ قال الله تعالى : أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء .

وقال الطبري : وهو نصب على التمييز ، كقوله تعالى : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا .

وقيل : المعنى ثم نخرج كل واحد منكم طفلا .

والطفل يطلق من وقت انفصال الولد إلى البلوغ .

وولد كل وحشية أيضا طفل .

ويقال : جارية طفل ، وجاريتان طفل ، وجوار طفل ، وغلام طفل ، وغلمان طفل .

ويقال أيضا : طفل ، وطفلة ، وطفلان ، وطفلتان ، وأطفال .

ولا يقال : طفلات .

وأطفلت المرأة صارت ذات طفل .

والمطفلة : الظبية معها طفلها ، وهي قريبة عهد بالنتاج .

وكذلك الناقة ، مطافل ومطافيل .

والطفل ( بالفتح في الطاء ) الناعم ؛ يقال : جارية طفلة أي ناعمة ، وبنان طفل .

وقد طفل الليل إذا أقبل ظلامه .

والطفل ( بالتحريك ) : بعد العصر إذا طفلت الشمس للغروب .

والطفل ( أيضا ) : مطر ؛ قال :لوهد جاده طفل الثرياثم لتبلغوا أشدكم قيل : إن ( ثم ) زائدة كالواو في قوله : حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها ؛ لأن ثم من حروف النسق كالواو .

( أشدكم ) كمال عقولكم ، ونهاية قواكم .

وقد مضى في ( الأنعام ) بيانه .

ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم أي أخسه وأدونه ، وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل ؛ ولهذا قال : لكيلا يعلم من بعد علم شيئا كما قال في سورة يس : ومن نعمره ننكسه في الخلق .

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - .

يدعو فيقول : اللهم إني أعوذ بك من البخل ، وأعوذ بك من الجبن ، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا ، وعذاب القبر .

أخرجه النسائي ، عن سعد ، وقال : وكان يعلمهن بنيه كما يعلم المكتب الغلمان .

وقد مضى في النحل هذا المعنى .[ ص: 14 ] قوله تعالى : وترى الأرض هامدة ذكر دلالة أقوى على البعث فقال في الأول : فإنا خلقناكم من تراب فخاطب جمعا .

وقال في الثاني : وترى الأرض فخاطب واحدا ، فانفصل اللفظ عن اللفظ ، ولكن المعنى متصل من حيث الاحتجاج على منكري البعث .

( هامدة ) يابسة لا تنبت شيئا ؛ قال ابن جريج .

وقيل : دارسة .

والهمود الدروس .

قال الأعشى :قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا وأرى ثيابك باليات همداالهروي : ( هامدة ) أي جافة ذات تراب .

وقال شمر : يقال : همد شجر الأرض إذا بلي وذهب .

وهمدت أصواتهم إذا سكنت .

وهمود الأرض ألا يكون فيها حياة ، ولا نبت ، ولا عود ، ولم يصبها مطر .

وفي الحديث : حتى كاد يهمد من الجوع أي يهلك .

يقال : همد الثوب يهمد إذا بلي .

وهمدت النار تهمد .قوله تعالى : فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت أي تحركت .

والاهتزاز : شدة الحركة ؛ يقال : هززت الشيء فاهتز ؛ أي حركته فتحرك .

وهز الحادي الإبل هزيزا فاهتزت هي إذا تحركت في سيرها بحدائه .

واهتز الكوكب في انقضاضه .

وكوكب هاز .

فالأرض تهتز بالنبات ؛ لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة خفية ؛ فسماه اهتزازا مجازا .

وقيل : اهتز نباتها ، فحذف المضاف ؛ قال المبرد ، واهتزازه شدة حركته ، كما قال الشاعر :تثنى إذا قامت وتهتز إن مشت كما اهتز غصن البان في ورق خضروالاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض .

( وربت ) أي ارتفعت وزادت .

وقيل : انتفخت ؛ والمعنى واحد ، وأصله الزيادة .

ربا الشيء يربو ربوا أي زاد ؛ ومنه الربا والربوة .

وقرأ يزيد بن القعقاع ، وخالد بن إلياس ( وربأت ) أي ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة ، وهو الذي يحفظ القوم على شيء مشرف ؛ فهو رابئ وربيئة على المبالغة .

قال امرؤ القيس :بعثنا ربيئا قبل ذاك مخملا كذئب الغضا يمشي الضراء ويتقي( وأنبتت ) أي أخرجت .

( من كل زوج ) أي لون .

( بهيج ) أي حسن ؛ عن قتادة .

أي يبهج من يراه .

والبهجة الحسن ؛ يقال : رجل ذو بهجة .

وقد بهج ( بالضم ) بهاجة وبهجة فهو بهيج .

وأبهجني أعجبني بحسنه .

ولما وصف الأرض بالإنبات دل على أن قوله : اهتزت وربت يرجع إلى الأرض لا إلى النبات ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ } أي: شك واشتباه، وعدم علم بوقوعه، مع أن الواجب عليكم أن تصدقوا ربكم، وتصدقوا رسله في ذلك، ولكن إذا أبيتم إلا الريب، فهاكم دليلين عقليين تشاهدونهما، كل واحد منهما، يدل دلالة قطعية على ما شككتم فيه، ويزيل عن قلوبكم الريب.

أحدهما: الاستدلال بابتداء خلق الإنسان، وأن الذي ابتدأه سيعيده، فقال فيه: { فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ } وذلك بخلق أبي البشر آدم عليه السلام، { ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ } أي: مني، وهذا ابتداء أول التخليق، { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } أي: تنقلب تلك النطفة، بإذن الله دما أحمر، { ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ } أي: ينتقل الدم مضغة، أي: قطعة لحم، بقدر ما يمضغ، وتلك المضغة تارة تكون { مُخَلَّقَةٍ } أي: مصور منها خلق الآدمي، { وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } تارة، بأن تقذفها الأرحام قبل تخليقها، { لِنُبَيِّنَ لَكُمْ } أصل نشأتكم، مع قدرته تعالى، على تكميل خلقه في لحظة واحدة، ولكن ليبين لنا كمال حكمته، وعظيم قدرته، وسعة رحمته.

{ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } أي : ونقر، أي: نبقي في الأرحام من الحمل، الذي لم تقذفه الأرحام، ما نشاء إبقاءه إلى أجل مسمى، وهو مدة الحمل.

{ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ } من بطون أمهاتكم { طِفْلًا } لا تعلمون شيئا، وليس لكم قدرة، وسخرنا لكم الأمهات، وأجرينا لكم في ثديها الرزق، ثم تنتقلون طورا بعد طور، حتى تبلغوا أشدكم، وهو كمال القوة والعقل.

{ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى } من قبل أن يبلغ سن الأشد، ومنكم من يتجاوزه فيرد إلى أرذل العمر، أي: أخسه وأرذله، وهو سن الهرم والتخريف، الذي به يزول العقل، ويضمحل، كما زالت باقي القوة، وضعفت.

{ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا } أي: لأجل أن لا يعلم هذا المعمر شيئا مما كان يعلمه قبل ذلك، وذلك لضعف عقله، فقوة الآدمي محفوفة بضعفين، ضعف الطفولية ونقصها، وضعف الهرم ونقصه، كما قال تعالى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ } والدليل الثاني، إحياء الأرض بعد موتها، فقال الله فيه: { وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً } أي: خاشعة مغبرة لا نبات فيها، ولا خضر، { فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ } أي: تحركت بالنبات { وَرَبَتْ } أي: ارتفعت بعد خشوعها وذلك لزيادة نباتها، { وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ } أي: صنف من أصناف النبات { بَهِيجٍ } أي: يبهج الناظرين، ويسر المتأملين، فهذان الدليلان القاطعان، يدلان على هذه المطالب الخمسة، وهي هذه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا أيها الناس إن كنتم في ريب ) في شك ( من البعث فإنا خلقناكم ) يعني أباكم آدم الذي هو أصل النسل ( من تراب ثم من نطفة ) يعني ذريته والنطفة هي المني وأصلها الماء القليل وجمعها نطاف ( ثم من علقة ) وهي الدم الغليظ المتجمد وجمعها علق وذلك أن النطفة تصير دما غليظا ثم تصير لحما ( ثم من مضغة ) وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ ( مخلقة وغير مخلقة ) قال ابن عباس وقتادة : " مخلقة " أي تامة الخلق " وغير مخلقة " غير تامة أي ناقصة الخلق .

وقال مجاهد : مصورة وغير مصورة يعني السقط وقيل " المخلقة " الولد الذي تأتي به المرأة لوقته " وغير المخلقة " السقط .

روي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه وقال أي رب مخلقة أو غير مخلقة؟

فإن قال غير مخلقة قذفها الرحم دما ولم تكن نسمة وإن قال مخلقة قال الملك : أي رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد؟

ما الأجل ما العمل ما الرزق وبأي أرض يموت؟

فيقال له اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك فيذهب فيجدها في أم الكتاب فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفته .

( لنبين لكم ) كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريف أطوار خلقكم ولتستدلوا بقدرته في ابتداء الخلق على قدرته على الإعادة وقيل لنبين لكم ما تأتون وما تذ‌رون وما تحتاجون إليه في العبادة ( ونقر في الأرحام ما نشاء ) فلا تمجه ولا تسقطه ( إلى أجل مسمى ) وقت خروجها من الرحم تامة الخلق والمدة ( ثم نخرجكم ) من بطون أمهاتكم ( طفلا ) أي صغارا ولم يقل أطفالا لأن العرب تذكر الجمع باسم الواحد وقيل تشبيها بالمصدر مثل عدل وزور ( ثم لتبلغوا أشدكم ) يعني الكمال والقوة ( ومنكم من يتوفى ) من قبل بلوغ الكبر ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) أي الهرم والخرف ، ( لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ) أي يبلغ من السن ما يتغير عقله فلا يعقل شيئا ثم ذكر دليلا آخر على البعث فقال ( وترى الأرض هامدة ) أي يابسة لا نبات فيها ( فإذا أنزلنا عليها الماء ) المطر ، ( اهتزت ) تحركت بالنبات وذلك أن الأرض ترتفع بالنبات فذلك تحركها ( وربت ) أي ارتفعت وزادت ، وقيل فيه تقديم وتأخير معناه ربت واهتزت وربا نباتها فحذف المضاف والاهتزاز في النبات أظهر ، يقال اهتز النبات أي : طال وإنما أنث لذكر الأرض وقرأ أبو جعفر : " وربأت " بالهمزة وكذلك في " حم السجدة " أي ارتفعت وعلت ( وأنبتت من كل زوج بهيج ) أي صنف حسن يبهج به من رآه أي : يسر فهذا دليل آخر على البعث

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الناس» أي أهل مكة «إن كنتم في ريب» شك «من البعث فإنا خلقناكم» أي أصلكم آدم «من تراب ثم» خلقنا ذريته «من نطفة» منيّ «ثم من علقة» وهي الدم الجامد «ثم من مضغة» وهي لحمة قدر ما يمضغ «مخلقة» مصورة تامة الخلق «وغير مخلقة» أي غير تامة الخلق «لنبين لكم» كمال قدرتنا لتستدلوا بها في ابتداء الخلق على إعادته «ونُقرُّ» مستأنف «في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى» وقت خروجه «ثم نخرجكم» من بطون أمهاتكم «طفلا» بمعنى أطفالا «ثم» نعمركم «لتبلغوا أشدكم» أي الكمال والقوة وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين سنة «ومنكم من يُتوفى» يموت قبل بلوغ الأشد «ومنكم من يرد إلى أرذل العمر» أخسه من الهرم والخرف «لكيلا يعلم من بعد علم شيئا» قال عكرمة من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة «وترى الأرض هامدة» يابسة «فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت» تحركت «وَرَبَتْ» ارتفعت وزادت «وأنبتت من» زائدة «كلّ زوج» صنف «بهيج» حسن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الناس إن كنتم في شك من أن الله يُحيي الموتى فإنَّا خلقنا أباكم آدم من تراب، ثم تناسلت ذريته من نطفة، هي المنيُّ يقذفه الرجل في رحم المرأة، فيتحول بقدرة الله إلى علقة، وهي الدم الأحمر الغليظ، ثم إلى مضغة، وهي قطعة لحم صغيرة قَدْر ما يُمْضَغ، فتكون تارة مخلَّقة، أي تامة الخلق تنتهي إلى خروح الجنين حيًا، وغير تامة الخلق تارة أخرى، فتسقط لغير تمام؛ لنبيِّن لكم تمام قدرتنا بتصريف أطوار الخلق، ونبقي في الأرحام ما نشاء، وهو المخلَّق إلى وقت ولادته، وتكتمل الأطوار بولادة الأجنَّة أطفالا صغارًا تكبَرُ حتى تبلغ الأشد، وهو وقت الشباب والقوة واكتمال العقل، وبعض الأطفال قد يموت قبل ذلك، وبعضهم يكبَرُ حتى يبلغ سن الهرم وضَعْف العقل؛ فلا يعلم هذا المعمَّر شيئًا مما كان يعلمه قبل ذلك.

وترى الأرض يابسةً ميتة لا نبات فيها، فإذا أنزلنا عليها الماء تحركت بالنبات تتفتح عنه، وارتفعت وزادت لارتوائها، وأنبتت من كل نوع من أنواع النبات الحسن الذي يَسُرُّ الناظرين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - أهم القضايا التى جادل فيها المشركون بغير علم ، واتبعوا فى جدالهم خطوات الشيطان ، وهى قضية البعث ، وأقام الأدلة على صحتها ، وعلى أن البعث حق وواقع فقال - تعالى - : ( ياأيها الناس .

.

.

) .قال أبو حيان فى البحر : لما ذكر - سبحانه - من يجادل فى قدرة الله بغير علم ، وكان جدالهم فى الحشر والمعاد ، ذكر دليلين واضحين على ذلك .

أحدهما : فى نفس الإنسان وابتداء خلقه .

وتطوره فى أطوار سبعة ، وهى : التراب ، والنطفة ، والعلقة ، والمضغة ، والإخراج طفلا ، وبلوغ الأشد ، والتوفى أو الرد إلى أرذل العمر .والدليل الثانى : فى الأرض التى يشاهد تنقلها من حال إلى حال فإذا اعتبر العاقل ذلك ثبت عنده جوازه عقلا ، فإذا ورد الشرع بوقوعه ، وجب التصديق به ، وأنه واقع لا محالة .والمراد بالناس هنا : المشركون وكل من كان على شاكلتهم فى إنكار أمر البعث واستبعاده ، لأن المؤمنين يعترفون بأن البعث حق ، وأنه واقع بلا أدنى شك أو ريب .والمعنى : يأيها الناس إن كنتم فى شك من أمر إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى للحساب يوم القيامة ، فانظروا وتفكروا فى مبدأ خلقكم ، فإن هذا التفكر من شأنه أن يزيل هذا الشك ، لأن الذى أوجدكم الإيجاد الأول .

وخلقكم من التراب ، قادر على إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى ، إذ الإعادة - كما يعرف كل عاقل - أيسر من ابتداء الفعل .وقد قرب - سبحانه - هذا المعنى فى أذهانكم فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المثل الأعلى فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم ) وأتى - سبحانه - بأن المفيدة للشك فقال : ( إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث ) مع أن كونهم فى ريب أمر محقق تنزيلاً للمحقق منزلة المشكوك فيه ، وتنزيهاً لموضوع البعث عن أن يتحقق الشك فيه من أى عاقل ، وتوبيخا لهم لوضعهم الأمور فى غير مواضعها .ووجه الإتيان بفى الدالة على الظرفية ، للإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف .قال الآلوسى : " وقوله ( فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ) دليل جواب الشرط ، أو هو الجواب بتأويل ، أى : إن كنتم فى ريب من البعث ، فانظروا إلى مبدأ خلقكم ليزول ريبكم ، فإنا خلقناكم من تراب ، وخلقهم من تراب فى ضمن خلق أبيهم آدم منه .

.

" .وقال بعض العلماء ما ملخص : والتحقيق فى معنى قوله - تعالى ( فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ) : أنه - سبحانه - خلق أباهم آدم منه ، ثم خلق من آدم زوجه حواء ، ثم خلق الناس منهما عن طريق التناسل .فلما كان أصلهم الأول من تراب ، أطلق عليهم أنه خلقهم من تراب؛ لأن الفروع تتبع الأصل .

وعلى ذلك يكون خلقهم من تراب هو الطور الأول .

.

" .ثم بين - سبحانه - الطور الثانى من أطوار خلق الإنسان فقال : ( ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ) وهذا اللفظ مأخوذ من النطف - بفتح النون مع التشديد وإسكان الطاء - بمعنى السيلان والتقاطر .يقال : نطفت القربة ، إذا تقاطر الماء منها بقلة .والنطفة تطلق فى اللغة : على الماء القليل ، والمراد بها هنا : الماء المختلط من الرجل والمرأة عند الجماع ، والمعبر عنه بالمنى .وقوله ( ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ) هو الطور الثالث .

والعلقة جمعها علق ، وهى قطعة من الدم جامدة ، تتحول إليها النطفة .وقوله : ( ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ ) هو الطور الرابع ، والمضغة قطعة صغيرة من اللحم تحول إليها العلقة .وقوله - سبحانه - ( مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) صفة للمضغة .والمراد بالمخلقة : التامة الخلقة ، السالمة من العيوب ، والمراد بغير المخلقة : ما ليست كذلك كأن تكون ناقصة الخلقة .وقد اكتفى بهذا المعنى صاحب الكشاف فقال : " والمخلقة " المستواة الملساء من النقصان والعيب : يقال : خلق السواك والعود ، إذا سواه وملسه ، من قولهم : صخرة خلقاء ، إذا كانت ملساء .

كأن الله - تعالى - يخلق المضغ متفاوتة .

منها .

ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ، ومنها ما هو على عكس ذلك ، فيتبع ذلك التفاوت ، تفاوت الناس فى خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم .

.

" .وقيل : " مخلقة " أى : مستبينة الخلق ، ظاهرة التصوير .

" وغير مخلقة " أى : لم يستبن خلقها ولا ظهر تصويرها كالسقط الذى هو مضغة ولم تظهر صورته الإنسانية بعد .وقيل : " مخلقة " أى : نفخ فيها الروح .

" وغير مخلقة " أى : لم ينفخ فيها الروح .ويبدو لنا أن ما ذهب إليه صاحب الكشاف واكتفى به أولى بالقبول ، لأنه هو المشهور من كلام العرب .

فهم يقولون : حجر أخلق أى : أملس مصمت لا يؤثر فيه شىء ، وصخرة خلقاء ، أى : ليس بها تشويه أو كسر .وقوله - تعالى - : ( لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ) متعلق بقوله : ( خَلَقْنَاكُمْ ) أى : خلقناكم على هذا النحو العجيب ، وفى تلك الأطوار البديعة .

لنبين لكم كمال قدرتنا ، وبليغ حكمتنا .

وأننا لا يعجزنا إعادة كل حى إلى الحياة بعد موته .وحذف مفعول " نبين " للإشعار بأن أفعاله - تعالى - الدالة على كمال قدرته ، لا يحيط بها وصف ، ولا تمدها عبارة .

.

.أى : لنبين لكم عن طريق المشاهدة ، ما يدل على كمال قدرتنا دلالة يعجز الوصف عن الإحاطة بها .وقوله - تعالى - : ( وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) كلام مستأنف مسوق لبيان أحوال الناس بعد تمام خلقهم ، وتوارد تلك الأطوار عليهم .أى : ونقر ونثبت فى أرحام الأمهات ما نشاء إقراره وثبوته فيها من الأجنة والأحمال ، إلى أجل معلوم عندنا .

وهو الوقت المحدد للولادة والوضع ، وما لم نشأ إقراره من الحمل لفظته الأرحام وأسقطته ، إذ كل شىء بمشيئتنا وإرادتنا .وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ) بيان للطور الخامس من أطوار خلق الإنسان .أى : ثم نخرجكم من أرحام أمهاتكم بعد استقراركم فيها إلى الوقت الذى حددناه ، طفلاً صغيراً .

أى : أطفالاً صغاراً ، وإنما جاء مفرداً باعتبار إرادة الجنس الشامل للواحد والمتعدد ، او باعتبار كل واحد منهم ، وهو حال من ضمير المخاطبين .ومن الأساليب العربية المعهودة ، أن الاسم المفرد إذا كان اسم جنس .

يكثر إطلاقه على الجمع ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ) أى : أئمة .

وقوله - سبحانه - ( فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً .

.

) أى : أنفسا ، ومن هذا القبيل قول الشاعر :وكان بنو فزارة شَرَّ عمِّ ...

فكنت لهم كشر بنى الأخيناأى : شر أعمام .وقوله تعالى - ( ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ ) بيان للطور السادس ، والأشد : قوة الإنسان وشدته واشتعال حرارته ، من الشدة بمعنى الارتفاع والقوة ، يقال : شد النهار إذا ارتفع ، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع ، أو جمع لا واحد له ، أو جمع شدة - كأنعم ونعمة - .قال الآلوسى : " والجملة علة لنخرجكم ، وهى معطوفة على علة أخرى مناسبة لها .كأنه قيل : ثم نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً ثم لتبلغوا أشدكم ، أى كمالكم فى القوة والعقل والتمييز .

.

.

وقيل : علة لمحذوف .

والتقدير : ثم نمهلكم لتبلغوا أشدكم .

.

.وتقديم التبيين " لنبين لكم " على ما بعده ، مع أن حصوله بالفعل بعد الكل ، للإيذان بأنه غاية الغايات ومقصود بالذات .وإعادة اللام فى " لتبلغوا " مع تجريد " نقر ، ونخرج " عنها ، للإشعار بأصالة البلوغ بالنسبة إلى الإقرار والإخراج إذ عليه يدور التكليف المؤدى إلى السعادة والشقاوة " .وقوله - سبحانه - : ( وَمِنكُمْ مَّن يتوفى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ) بيان للطور السابع والأخير .أى : منكم - أيها الناس - من يبلغ أشده فى هذه الحياة ، ومنكم من يموت قبل ذلك ، ومنكم من يعيش إلى أرذل العمر أى : أخسه وأدونه ، فيصير من بعد علمه بالأشياء وفهمه لها ، لا علم له ولا فهم ، شأنه فى ذلك شأن الأطفال .قال - تعالى - : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) فالآية الكريمة تصور أطوار خلق الإنسان ومراحل حياته أكمل تصوير ، للتنبيه على مظاهر قدرة الله - تعالى - وعلى أن البعث حق وصدق .وبعد إقامة هذا الدليل من نفس الإنسان وتطور خلقه على صحة البعث ، ساق - سبحانه - الدليل الثانى عن طريق مشاهدة الأرض وتنقلها من حال إلى حال ، فقال - تعالى - ( وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) .وقوله : ( هَامِدَةً ) أى : يابسة ، يقال : همدت الأرض تهمد - بضم الميم - هموداً ، إذا يبست .ومعنى : " اهتزت " : تحركت ، يقال : هز فلان الشىء فاهتز ، إذا حركه فتحرك .ومعنى : " ربت " زادت بسبب تداخل الماء والنبات فيها ، يقال : ربا الشىء يربو ربوا ، إذا زاد ونما ، ومنه الربا والربوة .أى : وترى - أيها العاقل - ببصرك الأرض يابسة لا نبات فيها ، فإذا ما أنزلنا عليها بقدرتنا الماء ، تحركت بسبب خروج النبات منها ، وانتفخت بسبب ما يتخللها من الماء والنبات ، وأنبتت بعد ذلك من كل صنف بهيج نضر حسن المنظر .وشبيه بهذه الآية فى أن إحياء الأرض بعد موتها دليل على إحياء الناس بعد موتهم ، بقدرة الله - تعالى - وإرادته ، قوله - عز وجل - ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ إِنَّ الذي أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الموتى إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القراءة قرأ الحسن ﴿ مّنَ البعث ﴾ بالتحريك ونظيره الحلب والطرد في الحلب وفي الطرد ﴿ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ بجر التاء والراء، وقرأ ابن أبي عبلة بنصبهما القراءة المعروفة بالنون في قوله: ﴿ لّنُبَيّنَ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَنُقِرُّ ﴾ وفي قوله: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ ابن أبي عبلة بالياء في هذه الثلاثة، أما القراءة بالنون ففيها وجوه: أحدها: القراءة المشهورة.

وثانيها: روى السيرافي عن داود عن يعقوب ونقر بفتح النون وضم القاف والراء وهو من قر الماء إذا صبه، وفي رواية أخرى عنه كذلك إلا أنه بنصب الراء.

وثالثها: ونقر ونخرجكم بنصب الراء والجيم أما القراءة بالياء ففيها وجوه: أحدها: يقر ويخرجكم بفتح القاف والراء والجيم.

وثانيها: يقر ويخرجكم بضم القاف والراء والجيم.

وثالثها: بفتح الياء وكسر القاف وضم الراء أبو حاتم ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يتوفى ﴾ بفتح الياء أي يتوفاه الله تعالى ابن عمرة والأعمش ﴿ العمر ﴾ بإسكان الميم القراءة المعروفة ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يتوفى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العمر ﴾ وفي حرف عبدالله ومنكم من يتوفى ومنكم من يكون شيوخاً بغير القراءة المعروفة وربت أبو جعفر وربأت أي ارتفعت، وروى العمري عنه بتليين الهمزة وقرئ وأنه باعث.

المعاني: اعلم أنه سبحانه لما حكى عنهم الجدال بغير العلم في إثبات الحشر والنشر وذمهم عليه فهو سبحانه أورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين: أحدهما: الاستدلال بخلقة الحيوان أولاً وهو موافق لما أجمله في قوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ وقوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ فكأنه سبحانه وتعالى قال: إن كنتم في ريب مما وعدناكم من البعث، فتذكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم أولاً قادر على خلقكم ثانياً، ثم إنه سبحانه ذكر من مراتب الخلقة الأولى أموراً سبعة: المرتبة الأولى: قوله: ﴿ فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: إنا خلقنا أصلكم وهو آدم عليه السلام من تراب، لقوله: ﴿ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ وقوله: ﴿ مِنْهَا خلقناكم  ﴾ ، والثاني: أن خلقة الإنسان من المني ودم الطمث وهما إنما يتولدان من الأغذية، والأغذية إما حيوان أو نبات وغذاء الحيوان ينتهي قطعاً للتسلسل إلى النبات، والنبات إنما يتولد من الأرض والماء، فصح قوله: ﴿ إِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ ﴾ المرتبة الثانية: قوله: ﴿ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ والنطفة اسم للماء القليل أي ماء كان، وهو هاهنا ماء الفحل فكأنه سبحانه يقول: أنا الذي قلبت ذلك التراب اليابس ماء لطيفاً، مع أنه لا مناسبة بينهما ألبتة المرتبة الثالثة: قوله: ﴿ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ﴾ العلقة قطعة الدم الجامدة، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة المرتبة الرابعة: قوله: ﴿ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَاءُ ﴾ فالمضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ، والمخلقة المسواة الملساء السالمة من النقصان والعيب، يقال خلق السواك والعود إذا سواه وملسه، من قولهم صخرة خلقاء إذا كانت ملساء.

ثم للمفسرين فيه أقوال: أحدها: أن يكون المراد من تمت فيه أحوال الخلق ومن لم تتم، كأنه سبحانه قسم المضغة إلى قسمين: أحدهما: تامة الصور والحواس والتخاطيط وثانيهما: الناقصة في هذه الأمور فبين أن بعد أن صيره مضعة منها ما خلقه إنساناً تاماً بلا نقص ومنها ما ليس كذلك وهذا قول قتادة والضحاك، فكأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فتبع ذلك التفاوت، تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم.

وثانيها: المخلقة الولد الذي يخرج حياً وغير المخلقة السقط وهو قول مجاهد.

وثالثها: المخلقة المصورة وغير المخلقة أي غير المصورة وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وتشكيل واحتجوا بما روى علقمة عن عبدالله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً وقال يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة، قال يا رب فما صفتها، أذكر أم أنثى، ما رزقها، ما أجلها، أشقى، أم سعيد؟

فيقول الله سبحانه انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، فينطلق الملك فينسخها، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.

ورابعها: قال القفال: التخليق مأخوذ من الخلق فما تتابع عليه الأطوار وتوارد عليه الخلق بعد الخلق فذاك هو المخلق لتتابع الخلق عليه، قالوا فما تم فهو المخلق وما لم يتم فهو غير المخلق، لأنه لم يتوارد عليه التخليقات.

والقول الأول أقرب لأنه تعالى قال في أول الآية: ﴿ فَإِنَّا خلقناكم ﴾ وأشار إلى الناس فيجب أن تحمل مخلقة وغير مخلقة على من سيصير إنساناً وذلك يبعد في السقط لأنه قد يكون سقطاً ولم يتكامل فيه الخلقة فإن قيل هلا حملتم ذلك على السقط لأجل قوله: ﴿ وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَاء ﴾ وذلك كالدلالة على أن فيه مالا يقره في الرحم وهو السقط، فلنا إن ذلك لا يمنع من صحة ما ذكرنا في كون المضغة مخلقة وغير مخلقة، لأنه بعد أن تمم خلقة البعض ونقص خلقة البعض لا يجب أن يتكامل ذلك بل فيه ما يقره الله في الرحم وفيه مالا يقره وإن كان قد أظهر فيه خلقة الإنسان فيكون من هذا الوجه قد دخل فيه السقط.

أما قوله تعالى: ﴿ لّنُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: لنبين لكم أن تغيير المضغة إلى المخلقة هو باختيار الفاعل المختار، ولولاه لما صار بعضه مخلقاً وبعضه غير مخلق وثانيهما: التقدير إن كنتم في ريب من البعث فإنا أخبرناكم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبين لكم ما يزيل عنكم ذلك الريب في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يكون عاجزاً عن الإعادة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَاءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ فالمراد منه من يبلغه الله تعالى حد الولادة، والأجل المسمى هو الوقت المضروب للولادة وهو آخر ستة أشهر، أو تسعة، أو أربع سنين أو كما شاء وقدر الله تعالى فإن كتب ذلك صار أجلاً مسمى المرتبة الخامسة: قوله: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ وإنما وحد الطفل لأن الغرض الدلالة على الجنس ويحتمل أن يخرج كل واحد منكم طفلاً كقوله: ﴿ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ  ﴾ المرتبة السادسة: قوله: ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ﴾ والأشد كمال القوة والعقل والتمييز وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد وكأنها شدة في غير شيء واحد فبنيت لذلك على لفظ الجمع، والمراد والله أعلم ثم سهل في تربيتكم وأغذيتكم أموراً لتبلغوا أشدكم فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ الأشد ويكون بين الحالتين وسائط، وذكر بعضهم أنه ليس بين حال الطفولية وبين ابتداء حال بلوغ الأشد واسطة حتى جوز أن يبلغ في السن ويكون طفلاً كما يكون غلاماً ثم يدخل في الأشد المرتبة السابعة: قوله: ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يتوفى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ والمعنى أن منكم من يتوفى على قوته وكماله، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو الهرم والخرف، فيصير كما كان في أول طفوليته ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم.

فإن قيل كيف قال: ﴿ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ مع أنه يعلم بعض الأشياء كالطفل؟

قلنا المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئاً لأن مثل ذلك قد يذكر في النفي لأجل المبالغة، ومن الناس من قال هذه الحالة لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين * إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ وهو ضعيف.

لأن معنى قوله: ﴿ ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين  ﴾ هو دلالة على الذم فالمراد به ما يجري مجرى العقوبة ولذلك قال: ﴿ إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ  ﴾ فهذا تمام الاستدلال بحال خلقة الحيوان على صحة البعث الوجه الثاني: الاستدلال بحال خلقة النبات على ذلك وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَتَرَى الأرض هَامِدَةً ﴾ وهمودها يبسها وخلوها عن النبات والخضرة ﴿ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ ﴾ والاهتزاز الحركة على سرور فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت وكيت إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع فقوله: ﴿ اهتزت وَرَبَتْ ﴾ أي تحركت بالنبات وانتفخت.

أما قوله: ﴿ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ فهو مجاز لأن الأرض ينبت منها والله تعالى هو المنبت لذلك، لكنه يضاف إليها توسعاً، ومعنى ﴿ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ من كل نوع من أنواع النبات من زرع وغرس، والبهجة حسن الشيء ونضارته، والبهيج بمعنى المبهج قال المبرد وهو الشيء المشرق الجميل، ثم إنه سبحانه لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب والنتيجة وذكر أموراً خمسة أحدها: قوله ذلك: ﴿ بِأَنَّ الله هُوَ الحق ﴾ والحق هو الموجود الثابت فكأنه سبحانه بين أن هذه الوجوه دالة على وجود الصانع وحاصلها راجع إلى أن حدوث هذه الأمراض المتنافية وتواردها على الأجسام يدل على وجود الصانع.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وأنه يحيي الموتى ﴾ فهذا تنبيه على أنه لما لم يستبعد من الإله إيجاد هذه الأشياء فكيف يستبعد منه إعادة الأموات.

وثالثها: قوله: ﴿ وَأَنَّهُ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ يعني أن الذي يصح منه إيجاد هذه الأشياء لابد وأن يكون واجب الإنصاف لذاته بالقدرة ومن كان كذلك كان قادراً على جميع الممكنات ومن كان كذلك فإنه لابد وأن يكون قادراً على الإعادة.

ورابعها: قوله: ﴿ وَأَنَّ الساعة ءاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِي القبور ﴾ والمعنى أنه لما أقام الدلائل على أن الإعادة في نفسها ممكنة وأنه سبحانه وتعالى قادر على كل الممكنات وجب القطع بكونه قادراً على الإعادة في نفسها، وإذا ثبت الإمكان والصادق أخبر عن وقوعه فلابد من القطع بوقوعه، واعلم أن تحرير هذه الدلالة على الوجه النظري أن يقال الإعادة في نفسها ممكنة والصادق أخبر عن وقوعها فلابد من القطع بوقوعها، أما بيان الإمكان فالدليل عليه أن هذه الأجسام بعد تفرقها قابلة لتلك الصفات التي كانت قائمة بها حال كونها حية عاقلة والبارئ سبحانه عالم بكل المعلومات قادر على كل المقدورات الممكنة وذلك يقتضي القطع بإمكان الإعادة لما قلنا إن تلك الإجسام بعد تفرقها قابلة لتلك الصفات لأنها لو لم تكن قابلة لها في وقت لما كانت قابلة لها في شيء من الأوقات لأن الأمور الذاتية لا تزول، ولو لم تكن قابلة لها في شيء من الأوقات لما كانت حية عاقلة في شيء من الأوقات، لكنها كانت حية عاقلة فوجب أن تكون قابلة أبداً لهذه الصفات.

وأما أن البارئ سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن فلأنه سبحانه عالم بكل المعلومات فيكون عالماً بأجزاء كل واحد من المكلفين على التعيين وقادراً على كل الممكنات، فيكون قادراً على إيجاد تلك الصفات في تلك الذوات.

فثبت أن الإعادة في نفسها ممكنة وأنه سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن.

فثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها.

فإذا أخبر الصادق عن وقوعها فلابد من القطع بوقوعها، فهذا هو الكلام في تقرير هذا الأصل.

فإن قيل فأي منفعة لذكر مراتب خلقة الحيوانات وخلقة النبات في هذه الدلالة؟

قلنا إنها تدل على أنه سبحانه قادر على كل الممكنات وعالم بكل المعلومات، ومتى صح ذلك فقد صح كون الإعادة ممكنة فإن الخصم لا ينكر المعاد إلا بناء على إنكار أحد هذين الأصلين، ولذلك فإن الله تعالى حيث أقام الدلالة على البعث في كتابه ذكر معه كونه قادراً عالماً كقوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ  ﴾ فقوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا ﴾ بيان للقدرة وقوله: ﴿ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ بيان للعلم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرأ الحسن ﴿ مّنَ البعث ﴾ بالتحريك ونظيره: الجلب والطرد، في الجلب والطرد، كأنه قيل: إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم.

والعلقة: قطعة الدم الجامدة.

والمضغة: اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ.

والمخلقة: المسواة الملساء من النقصان والعيب.

يقال: خلق السواك والعود، إذا سواه وملسه، من قولهم: صخرة خلقاء، وإذا كانت ملساء، كأنّ الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة: منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم، وتمامهم ونقصانهم.

وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة ﴿ لّنُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولاً، ثم من نطفة ثانياً ولا تناسب بين الماء والتراب وقدر على أن يجعل النطفة علقة وبينهما تباين ظاهر، ثم يجعل العلقة مضغة والمضغة عظاماً: قدر على إعادة ما أبدأه، بل هذا أدخل في القدرة من تلك، وأهون في القياس.

وورود الفعل غير معدي إلى المبين: إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه الذكر ولا يحيط به الوصف وقرأ ابن أبي عبلة: ليبين لكم.

ويقرّ، بالياء وقرئ ﴿ ونقرّ ﴾ ونخرجكم، بالنون والنصب ويقرّ، ويخرجكم، ويقرّ، ويخرجكم: بالنصب والرفع.

وعن يعقوب: (نَقُرُّ) بالنون وضم القاف، من قرّ الماء إذا صبه؛ فالقراءة بالرفع إخبار بأنه يقُرّ ﴿ فِى الأرحام مَا يَشَاء ﴾ أن يقرّه من ذلك ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ وهو وقت الوضع آخر ستة أشهر، أو تسعة، أو سنتين، أو أربع، أو كما شاء وقدّر.

وما لم يشأ إقراره محته الأرحام أو أسقطته.

والقراءة بالنصب: تعليل معطوف على تعليل.

ومعناه: خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغرضين، أحدهما: أن نبين قدرتنا.

والثاني: أن نقرّ في الأرحام من نقرّ، حتى يولدوا وينشؤا ويبلغوا حد التكليف فأكلفهم.

ويعضد هذه القراءة قوله: ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ﴾ وحده لأن الغرض الدلالة عل الجنس.

ويحتمل: نخرج كل واحد منكم طفلاً.

الأشد: كمال القوة والعقل والتمييز، وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد كالأسدّة والقتود والأباطيل وغير ذلك، وكأنها شدّة في غير شيء واحد، فبنيت لذلك على لفظ الجمع.

وقرئ ﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ أي يتوفاه الله ﴿ أَرْذَلِ العمر ﴾ الهرم والخرف، حتى يعود كهيئته الأولى في أوان طفولته: ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم، بين أنه كما قدر على أن يرقيه في درجات الزيادة حتى يبلغه حد التمام، فهو قادر على أن يحطه حتى ينتهي به إلى الحالة السفلى ﴿ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ أي: ليصير نسَّاء بحيث إذ كسب علماً في شيء لم ينشب إن ينساه ويزل عنه علمه حتى يسأل عنه من ساعته، يقول لك: من هذا؟

فتقول: فلان، فما يلبث لحظة إلا سألك عنه.

وقرأ أبو عمرو: العمر، بسكون الميم.

الهامدة: الميتة اليابسة.

وهذه دلالة ثانية على البعث، ولظهورها وكونها مشاهدة معاينة، كررها الله في كتابه ﴿ اهتزت وَرَبَتْ ﴾ تحرّكت بالنبات وانتفخت، وقرئ ﴿ ربأت ﴾ ، أي ارتفعت.

البهيج: الحسن السارّ للناظر إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ ﴾ مِن إمْكانِهِ وكَوْنِهِ مَقْدُورًا، وقُرِئَ «مِنَ البَعَثِ» بِالتَّحْرِيكِ كالجَلْبِ.

﴿ فَإنّا خَلَقْناكُمْ ﴾ أيْ فانْظُرُوا في بَدْءِ خَلْقِكم فَإنَّهُ يُزِيحُ رَيْبَكم فَإنّا خَلَقْناكم.

﴿ مِن تُرابٍ ﴾ بِخَلْقِ آدَمَ مِنهُ، أوِ الأغْذِيَةِ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنها المَنِيُّ.

﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ مَنِيٌّ مِنَ النَّطْفِ وهو الصَّبُّ.

﴿ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ﴾ قِطْعَةٌ مِنَ الدَّمِ جامِدَةٌ.

﴿ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ ﴾ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ وهي في الأصْلِ قَدْرُ ما يُمْضَغُ.

﴿ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ مُسَوّاةٌ لا نَقْصَ فِيها ولا عَيْبَ وغَيْرُ مُسَوّاةٍ أوْ تامَّةٌ وساقِطَةٌ أوْ مُصَوَّرَةٌ وغَيْرُ مُصَوَّرَةٍ.

﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ بِهَذا التَّدْرِيجِ قُدْرَتَنا وحِكْمَتَنا وأنَّ ما قَبِلَ التَّغَيُّرَ والفَسادَ والتَّكَوُّنَ مَرَّةً قَبِلَها أُخْرى، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى تَغْيِيرِهِ وتَصْوِيرِهِ أوَّلًا قَدَرَ عَلى ذَلِكَ ثانِيًا، وحُذِفَ المَفْعُولُ إيماءً إلى أنَّ أفْعالَهُ هَذِهِ يَتَبَيَّنُ بِها مِن قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الذِّكْرُ.

﴿ وَنُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ ﴾ أنْ نُقِرَّهُ.

﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو وقْتُ الوَضْعِ وأدْناهُ بَعْدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ وأقْصاهُ أرْبَعُ سِنِينَ، وقُرِئَ «وَنُقِرَّ» بِالنَّصْبِ وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ﴾ عَطْفًا عَلى «نُبِيِّنُ» كَأنَّ خَلْقَهم مُدْرَجًا لِغَرَضَيْنِ تَبْيِينُ القُدْرَةِ وتَقْرِيرُهم في الأرْحامِ حَتّى يُولَدُوا ويَنْشَئُوا ويَبْلُغُوا حَدَّ التَّكْلِيفِ، وقُرِئا بِالياءِ رَفْعًا ونَصْبًا ويُقِرُّ بِالياءِ ﴿ وَنُقِرُّ ﴾ مِن قَرَرْتُ الماءَ إذا صَبَبْتُهُ، و ﴿ طِفْلا ﴾ حالٌ أُجْرِيَتْ عَلى تَأْوِيلِ كُلِّ واحِدٍ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِ أوْ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ.

﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ ﴾ كَمالَكم في القُوَّةِ والعَقْلِ جَمْعُ شِدَّةٍ كالأنْعُمِ جَمْعُ نِعْمَةٍ كَأنَّها شِدَّةٌ في الأُمُورِ.

﴿ وَمِنكم مَن يُتَوَفّى ﴾ عِنْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ أوْ قَبْلَهُ.

وقُرِئَ ﴿ يُتَوَفّى ﴾ أوْ يَتَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى.

﴿ وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ وهو الهِرَمُ والخَرَفُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ المِيمِ.

﴿ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ لِيَعُودَ كَهَيْئَتِهِ الأُولى في أوانِ الطُّفُولِيَّةِ مِن سَخافَةِ العَقْلِ وقِلَّةِ الفَهْمِ فَيَنْسى ما عَلِمَهُ ويُنْكِرُ ما عَرَفَهُ، والآيَةُ اسْتِدْلالٌ ثانٍ عَلى إمْكانِ البَعْثِ بِما يَعْتَرِي الإنْسانَ في أسْنانِهِ مِنَ الأُمُورِ المُخْتَلِفَةِ والأحْوالِ المُتَضادَّةِ، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى نَظائِرِهِ.

﴿ وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً ﴾ مَيِّتَةً يابِسَةً مِن هَمَدَتِ النّارُ إذا صارَتْ رَمادًا.

﴿ فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ﴾ تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ.

﴿ وَرَبَتْ ﴾ وانْتَفَخَتْ، وقُرِئَ «وَرَبَأتْ» أيِ ارْتَفَعَتْ.

﴿ وَأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ مِن كُلِّ صِنْفٍ بَهِيجٍ حَسَنٍ رائِقٍ، وهَذِهِ دَلالَةٌ ثالِثَةٌ كَرَّرَها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ لِظُهُورِها وكَوْنِها مُشاهَدَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم ألزم الحجة على منكري البعث فقال {يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ البعث} يعني إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم وقد كنتم في الابتداء قرابا وماء وليس سبب إنكاركم البعث إلا هذا وهو صيرورة الخلق تراباً وماء {فَإِنَّا خلقناكم} أي

الحج (٧ - ٥)

أباكم {مّن تُرَابٍ ثُمَّ} خلقتم {مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} أي قطعة دم جامدة {ثم من مضغة} أي لحمة صغسيرة قدر ما يمضغ {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} المخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب كأن الله عز وجل يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم وإنما نقلنا كم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة {لّنُبَيّنَ لَكُمْ} بهذا التدريج كمال قدرتنا وحكمتنا وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا ثم نطفة ثانياً ولا مناسبة بين التراب والماء وقد ر أن يجعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاما قدر على إعادة ما بدأه {وَنُقِرُّ} بالرفع عند غير المفضل مستأنف بعد وقف أي نحن نثبت {فِى الأرحام مَا نَشَاء} ثبوته {إلى أجل مسمى} أي وقت الولادة ومالم نشأ ثبوته أي أسقطته الأرحام {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ} من الرحم {طِفْلاً} حال وأريد به الجنس فلذا لم يجمع أو أريد به ثم نخرج كل واحد منكم طفلاً {ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ} ثم نربيكم لتبلغوا {أَشُدَّكُمْ} كمال عقلكم وقوتكم وهو من ألفاظ الجموع التي لا يستعمل

لها واحد {وَمِنكُمْ مَّن يتوفى} عند بلوغ الأشد أو قبله أبو بعده {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر} أخسه يعني الهرم والخرف {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} أي لكيلا يعلم شيئاً من بعد ما كان يعلمه أو لكيلا يستفيد علماً وينسى ما كان عالماً به ثم ذكر دليلاً آخر على البعث فقال {وَتَرَى الأرض هَامِدَةً} ميتة يابسة {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت} تحركت بالنبات {وَرَبَتْ} وانتفخت وربأت حيث كان يزيد ارتفعت {وَأَنبَتَتْ مِن كل زوج} صنف {بهيج} حسن سار للناظرين إليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ ﴾ إلَخْ إقامَةٌ لِلْحُجَّةِ الَّتِي تُلْقِمُ المُجادِلِينَ في البَعْثِ حَجَرًا إثْرَ الإشارَةِ إلى ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم، واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ هُنا الكَفَرَةُ المُجادِلُونَ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ اعْتِقادِهِمْ في حَقِّهِ بِالرَّيْبِ أيِ الشَّكِّ مَعَ أنَّهم جازِمُونَ بِعَدَمِ إمْكانِهِ إمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ أقْصى ما يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْهم وإنْ كانُوا في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ هو الِارْتِيابُ في شَأْنِهِ، وإمّا الجَزْمُ بِعَدَمِ الإمْكانِ فَخارِجٌ مِن دائِرَةِ الِاحْتِمالِ كَما أنَّ تَنْكِيرَهُ وتَصْدِيرَهُ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ ضَعِيفًا مَشْكُوكَ الوُقُوعِ، وإمّا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ جُرْمَهم ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الرَّيْبِ الضَّعِيفِ لِكَمالِ وُضُوحِ دَلائِلِ الإمْكانِ ونِهايَةِ قُوَّتِها.

وإنَّما لَمْ يَقُلْ وإنِ ارْتَبْتُمْ في البَعْثِ لِلْمُبالَغَةِ في تَنْزِيهِ أمْرِهِ عَنْ شائِبَةِ وُقُوعِ الرَّيْبِ والإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ إنْ وقَعَ فَمِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَتِهِ، واعْتِبارُ اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ وإحاطَتِهِ بِهِمْ لا يُنافِي اعْتِبارَ ضَعْفِهِ وقِلَّتِهِ لِما أنَّ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ هو دَوامُ مُلابَسَتِهِمْ بِهِ لا قُوَّتُهُ وكَثْرَتُهُ، ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلرَّيْبِ، واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ في رَيْبٍ مِن إمْكانِ البَعْثِ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما بَعْدُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادَ مِن وُقُوعِ البَعْثِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الدَّلِيلَ المُشارَ إلَيْهِ فِيما بَعْدُ إنَّما يَدُلُّ عَلى الإمْكانِ مَعَ ما يَلْزَمُ مِنَ التَّكْرارِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى الآتِي ﴿ وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ ﴾ وفِيهِ تَأمُّلٌ فَتَأمَّلْ، وقَرَأ الحَسَنُ «مِنَ البَعَثِ» بِفَتْحِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ فِيهِ كالجَلَبِ والطَّرَدِ في الجَلْبِ والطَّرْدِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ إسْكانُ العَيْنِ تَخْفِيفٌ وهو قِياسِيٌّ في كُلِّ ما وسَطُهُ حَرْفُ حَلْقٍ كالنَّهْرِ والنَّهَرِ والشَّعْرِ والشَّعَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ﴾ دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ أوْ هو الجَوابُ بِتَأْوِيلٍ أيْ وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فانْظُرُوا إلى مَبْدَأِ خَلْقِكم لِيَزُولَ رَيْبُكم فَإنّا خَلَقْناكم إلَخْ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَأُخْبِرُكم وأُعْلِمُكم أنّا خَلَقْناكم إلَخْ ولَيْسَ بِذاكَ، وخَلْقُهم مِن تُرابٍ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ أوْ بِخَلْقِ الأغْذِيَةِ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنها المَنِيُّ مِنهُ وهي وإنْ تَكَوَّنَتْ مِن سائِرِ العَناصِرِ مَعَهُ إلّا أنَّهُ أعْظَمُ الأجْزاءِ عَلى ما قِيلَ فَلِذَلِكَ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِها، واخْتِيرَ الأوَّلُ وجَعْلُ المَعْنى خَلَقْناكم خَلْقًا إجْمالِيًّا مِن تُرابٍ ﴿ ثُمَّ ﴾ خَلَقْناكم خَلْقًا تَفْصِيلِيًّا ﴿ مِن نُطْفَةٍ ﴾ أيْ مَنِيٍّ مِنَ النَّطْفِ بِمَعْنى التَّقاطُرِ، وقالَ الرّاغِبُ: النُّطْفَةُ الماءُ الصّافِي ويُعَبَّرُ بِها عَنْ ماءِ الرَّجُلِ، قِيلَ والتَّخْصِيصُ عَلى هَذا مَعَ أنَّ الخَلْقَ مِن ماءَيْنِ لِأنَّ مُعْظَمَ أجْزاءِ الإنْسانِ مَخْلُوقٌ مِن ماءِ الرَّجُلِ، والحَقُّ أنَّ النُّطْفَةَ كَما يُعَبَّرُ بِها عَنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ يُعَبَّرُ بِها عَنِ المَنِيِّ مُطْلَقًا وكَلامُ الرّاغِبِ لَيْسَ نَصًّا في نَفْيِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ النُّطْفَةُ الَّتِي يُخْلَقُ مِنها كُلُّ واحِدٍ بِلا واسِطَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ نُطْفَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّقّاشِ وهو مِنَ البُعْدِ في غايَتِهِ.

﴿ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ﴾ أيْ قِطْعَةٍ مِنَ الدَّمِ جامِدَةٍ مُتَكَوِّنَةٍ مِنَ المَنِيِّ ﴿ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ ﴾ أيْ قِطْعَةٍ مِنَ اللَّحْمِ مُتَكَوِّنَةٍ مِنَ العَلَقَةِ وأصْلُها قِطْعَةُ لَحْمٍ بِقَدْرِ ما يُمْضَعُ ﴿ مُخَلَّقَةٍ ﴾ بِالجَرِّ صِفَةُ ﴿ مُضْغَةٍ ﴾ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنَّصْبِ فِيهِما عَلى الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ سِيبَوَيْهِ، والمَشْهُورُ المُتَبادَرُ أنَّ المُخَلَّقَةَ المُسْتَبِينَةُ الخَلْقِ أيْ مُضْغَةٌ مُسْتَبِينَةُ الخَلْقِ مُصَوَّرَةٌ ومُضْغَةٌ لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقُها وصُورَتُها بَعْدُ، والمُرادُ تَفْصِيلُ حالِ المُضْغَةِ وكَوْنُها أوَّلًا قِطْعَةً لَمْ يَظْهَرْ فِيها شَيْءٌ مِنَ الأعْضاءِ ثُمَّ ظَهَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا وكانَ مُقْتَضى التَّرْتِيبِ المَبْنِيِّ عَلى التَّدَرُّجِ مِنَ المَبادِئِ البَعِيدَةِ إلى القَرِيبَةِ أنْ يُقَدَّمَ غَيْرُ المُخَلَّقَةِ وإنَّما أُخِّرَتْ لِكَوْنِها عَدَمَ مَلَكَةٍ، وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِكَثْرَةِ الأعْضاءِ المُخْتَصِّ كُلٌّ مِنها بِخَلْقٍ وصُورَةٍ، وقِيلَ: المُخَلَّقَةُ المُسَوّاةُ المَلْساءُ مِنَ النُّقْصانِ والعَيْبِ يُقالُ خَلَقَ السِّواكَ والعُودَ سَوّاهُ ومَلَّسَهُ وصَخْرَةٌ خَلْقاءُ أيْ مَلْساءُ وجَبَلٌ أخْلَقُ أيْ أمْلَسُ، فالمَعْنى مِن نُطْفَةٍ مُسَوّاةٍ لا نَقْصَ فِيها ولا عَيْبَ في ابْتِداءِ خَلْقِها ونُطْفَةٌ غَيْرُ مُسَوّاةٍ فِيها عَيْبٌ فالنُّطَفُ الَّتِي يُخْلَقُ مِنها الإنْسانُ مُتَفاوِتَةٌ مِنها ما هو كامِلُ الخِلْقَةِ أمْلَسُ مِنَ العُيُوبِ ومِنها ما هو عَلى عَكْسِ ذَلِكَ فَيَتْبَعُ ذَلِكَ التَّفاوُتَ تَفاوُتُ النّاسِ في خَلْقِهِمْ وصُوَرِهِمْ وطُولِهِمْ وقِصَرِهِمْ وتَمامِهِمْ ونُقْصانِهِمْ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والشَّعْبِيِّ وأبِي العالِيَةِ وعِكْرِمَةَ أنَّ المُخَلَّقَةَ الَّتِي تَمَّ لَها مُدَّةُ الحَمْلِ وتَوارَدَ عَلَيْها خَلْقٌ بَعْدَ خَلْقٍ وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ الَّتِي لَمْ يَتِمَّ لَها ذَلِكَ وسَقَطَتْ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: النُّطْفَةُ إذا اسْتَقَرَّتْ في الرَّحِمِ أخَذَها مَلَكُ الأرْحامِ بِكَفِّهِ فَقالَ: يا رَبِّ مُخَلَّقَةٌ أمْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ ؟

فَإنْ قِيلَ: غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ لَمْ تَكُنْ نَسَمَةً وقَذَفَها الرَّحِمُ دَمًا وإنْ قِيلَ: مُخَلَّقَةٌ قالَ: يا رَبِّ ذَكَرٌ أمْ أُنْثى شَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ما الأجَلُ وما الأثَرُ وما الرِّزْقُ، وبِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ؟

الخَبَرَ وهو في حُكْمِ المَرْفُوعِ، والمُرادُ أنَّهم خُلِقُوا مِن جِنْسِ هَذِهِ النُّطْفَةِ المَوْصُوفَةِ بِالتّامَّةِ والسّاقِطَةِ لا أنَّهم خُلِقُوا مِن نُطْفَةٍ تامَّةٍ ومِن نُطْفَةٍ ساقِطَةٍ إذْ لا يُتَصَوَّرُ الخَلْقُ مِنَ النُّطْفَةِ السّاقِطَةِ وهو ظاهِرٌ، وكَأنَّ التَّعَرُّضَ عَلى هَذا لِوَصْفِها بِما ذُكِرَ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ القُدْرَةِ وفي جَعْلِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ مَبْدَأً لِخَلْقِهِمْ لا لِخَلْقِ ما بَعْدَها مِنَ المَراتِبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً الآيَةَ مَزِيدُ دَلالَةٍ عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ تَعالى ﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقْنا، وتُرِكَ المَفْعُولُ لِتَفْخِيمِهِ كَمًّا وكَيْفًا أيْ خَلَقْناكم عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ لِنُبَيِّنَ لَكم ما لا يَحْصُرُهُ العِبارَةُ مِنَ الحَقائِقِ والدَّقائِقِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُ البَعْثِ فَإنَّ مَن تَأمَّلَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ التَّدْرِيجِيِّ جَزَمَ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ البَشَرِ أوَّلًا مِن تُرابٍ لَمْ يَذُقْ ماءَ الحَياةِ قَطُّ وإنْشائِهِ عَلى وجْهٍ مُصَحِّحٍ لِتَوْلِيدِ مِثْلِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى بِتَصْرِيفِهِ في أطْوارِ الخِلْقَةِ وتَحْوِيلِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ مَعَ ما بَيْنَ تِلْكَ الأطْوارِ والأحْوالِ مِنَ المُخالَفَةِ والتَّبايُنِ فَهو قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ بَلْ هي أهْوَنُ في القِياسِ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ خاصًّا أيْ لِنُبَيِّنَ لَكم أمْرَ البَعْثِ ولَيْسَ بِذاكَ.

وأبْعَدَ جِدًّا مَن زَعَمَ أنَّ المَعْنى لِنُبَيِّنَ لَكم أنَّ التَّخْلِيقَ اخْتِيارٌ مِنَ الفاعِلِ المُخْتارِ ولَوْلا ذَلِكَ ما صارَ بَعْضُ أفْرادِ المُضْغَةِ غَيْرَ مُخَلَّقٍ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «لِيُبِيِّنَ» بِالياءِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ وكَذا قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ ﴾ وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ تَمامِ خَلْقِهِمْ وتَوارُدِ الأطْوارِ عَلَيْهِمْ أيْ ونُقِرُّ في الأرْحامِ بَعْدَ ذَلِكَ ما نَشاءُ أنْ نُقِرَّهُ فِيها «إلى أجَلٍ مُسَمًّى» هو وقْتُ الوَضْعِ وأدْناهُ سِتَّةُ أشْهُرٍ وأقْصاهُ عِنْدَنا سَنَتانِ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أرْبَعُ سِنِينَ، وعَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ «ونُقِرُّ» بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ القافِ مِن قَرَرْتُ الماءَ إذا صَبَبْتُهُ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ما نِشاءُ بِكَسْرِ النُّونِ.

﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ ﴾ أيْ مِنَ الأرْحامِ بَعْدَ إقْرارِكم فِيها عِنْدَ تَمامِ الأجَلِ المُسَمّى ﴿ طِفْلا ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، والإفْرادُ إمّا بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أوْ بِإرادَةِ الجِنْسِ الصّادِقِ عَلى الكَثِيرِ أوْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَيَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ كَما قالَ المُبَرِّدَ أوْ لِأنَّ المُرادَ طِفْلًا طِفْلًا فاخْتُصِرَ كَما نَقَلَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الأشْباهِ النَّحْوِيَّةِ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ «يُخْرِجُكم» بِالياءِ ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ ﴾ أيْ كَمالَكم في القُوَّةِ والعَقْلِ والتَّمْيِيزِ، وفي القامُوسِ حَتّى يَبْلُغَ أشَدَّهُ ويُضَمُّ أوَّلُهُ أيْ قُوَّتُهُ وهو ما بَيْنَ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً إلى ثَلاثِينَ واحِدٌ جاءَ عَلى بِناءِ الجَمْعِ كَأنَّكَ ولا نَظِيرَ لَهُما أوْ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ أوْ واحِدُهُ شِدَّةٌ بِالكَسْرِ مَعَ أنَّ فِعْلَةً لا تُجْمَعُ عَلى أفْعُلٍ أيْ قِياسًا فَلا يَرِدُ نِعْمَةٌ وأنْعُمٌ أوْ شَدٌّ كَكَلْبٌ وأكْلُبٌ أوْ شِدٌّ كَذِئْبٍ وأذْؤُبٍ وما هُما بِمَسْمُوعَيْنِ بَلْ قِياسٌ ( ولِتَبْلُغُوا )، قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: عِلَّةٌ لِنُخْرِجَكم مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُناسِبَةٍ لَها كَأنَّهُ قِيلَ ثُمَّ نُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا فَشَيْئًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا إلَخْ، وقِيلَ عِلَّةُ المَحْذُوفِ والتَّقْدِيرُ ثُمَّ نُمْهِلُكم لِتَبْلُغُوا إلَخْ.

وجَوَّزَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ( ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ) كانَ ذَلِكَ الإقْرارَ والإخْراجَ وقِيلَ إنَّهُ عُطِفَ عَلى نُبَيِّنَ، وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ بِأنَّهُ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وجَعَلَهُ كَغَيْرِهِ عَطْفًا عَلَيْهِ عَلى قِراءَةِ نُقِرَّ.

ونُخْرِجَ بِالنَّصْبِ وهي قِراءَةُ المُفَضَّلِ وأبِي حاتِمٍ إلّا أنَّ الأوَّلَ قَرَأ بِالنُّونِ والثّانِي قَرَأ بِالياءِ، وكَذا جَعْلُ الفِعْلَيْنِ عَطْفًا عَلَيْهِ وقالَ: المَعْنى خَلَقْناكم عَلى التَّدْرِيجِ المَذْكُورِ لِأمْرَيْنِ، أحَدُهُما أنْ نُبَيِّنَ شُؤُونَنا، والثّانِي أنْ نُقِرَّكم في الأرْحامِ ثُمَّ نُخْرِجَكم صِغارًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم، وتَقْدِيمُ التَّبْيِينِ عَلى ما بَعْدَهُ مَعَ أنَّ حُصُولَهُ بِالفِعْلِ بَعْدَ الكُلِّ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ غايَةُ الغاياتِ ومَقْصُودٌ بِالذّاتِ، وإعادَةُ اللّامِ في ﴿ لِتَبْلُغُوا ﴾ مَعَ تَجْرِيدِ نُقِرُّ «ونُخْرِجُ» عَنْها لِلْإشْعارِ بِأصالَةِ البُلُوغِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإقْرارِ والإخْراجِ إذْ عَلَيْهِ يَدُورُ التَّكْلِيفُ المُؤَدِّي إلى السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وإيثارُ البُلُوغِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِينَ عَلى التَّبْلِيغِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى كالأفْعالِ السّابِقَةِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِبَيانِ حالِ اتِّصافِهِمْ بِالكَمالِ واسْتِقْلالِهِمْ بِمَبْدَئِيَّةِ الآثارِ والأفْعالِ اهَـ.

وما ذَكَرَهُ مِن عَطْفِ نُقِرَّ و(نُخْرِجَ) بِالنَّصْبِ عَلى (نُبَيِّنَ ) لَمْ يَرْتَضِهِ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ، قالَ في شَرْحِ المُفَصَّلِ: إنَّهُ مِمّا يَتَعَذَّرُ فِيهِ النَّصْبُ إذْ لَوْ نُصِبَ عَطْفًا عَلى (نُبَيِّنَ ) ضَعُفَ المَعْنى إذِ اللّامُ في لِنُبَيِّنَ لِلتَّعْلِيلِ لَما تَقَدَّمَ والمُقَدَّمُ سَبَبٌ لِلتَّبْيِينِ فَلَوْ عُطِفَ ( ونُقِرُّ ) عَلَيْهِ لَكانَ داخِلًا في مُسَبِّبِيَّةِ ﴿ فَإنّا خَلَقْناكُمْ ﴾ إلَخْ وخَلْقُهم مِن تُرابٍ ثُمَّ ما تَلاهُ لا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْإقْرارِ في الأرْحامِ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا يَجُوزُ في ( ونُقِرُّ ) إلّا الرَّفْعُ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُقِرَّ في الأرْحامِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الأنامَ لِيُقِرَّهم في الأرْحامِ وإنَّما خَلَقَهم لِيَدُلَّهم عَلى رُشْدِهِمْ وصَلاحِهِمْ وهو قَوْلٌ بِعَدَمِ جَوازِ عَطْفِهِ عَلى نُبَيِّنَ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الغَرَضَ في الحَقِيقَةِ هو بُلُوغُ الأشُدِّ والصُّلُوحُ لِلتَّكْلِيفِ لَكِنْ لَمّا كانَ الإقْرارُ وما تَلاهُ مِن مُقَدِّماتِهِ صَحَّ إدْخالُهُ في التَّعْلِيلِ، وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ العَطْفَ عَلى نُبَيِّنَ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ فالظّاهِرُ أنَّهُ تَعْرِيضٌ بِالزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ جَعَلَ العَطْفَ عَلى ذَلِكَ وقالَ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ عَطْفُ ﴿ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ ﴾ عَلى ﴿ لِنُبَيِّنَ ﴾ ولا طِباقَ قُلْتُ الطِّباقُ حاصِلٌ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ونُقِرُّ ﴾ قَرِينٌ لِلتَّعْلِيلِ ومُقارَنَتُهُ لَهُ والتِباسُهُ بِهِ يُنَزِّلانِهِ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ فَهو راجِعٌ مِن هَذِهِ الجِهَةِ إلى مَتانَةِ القِراءَةِ بِالنَّصْبِ اهَـ.

وفِيهِ ما يُومِئُ إلى أنَّ قِراءَةَ النَّصْبِ أوْضَحُ كَما أنَّها أمْتَنُ، ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ المُحَقِّقُونَ فَفي الكَشْفِ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ هي المَشْهُورَةُ الثّابِتَةُ في السَّبْعِ وهي الأوْلى وقَدْ أُصِيبَ بِتَرْكِيبِها هَكَذا شاكِلَةُ الرَّمْيِ حَتّى لَمْ يُجْعَلِ الإقْرارُ في الأرْحامِ عِلَّةً بَلْ جُعِلَ الغَرَضُ مِنهُ بُلُوغَ الأشُدِّ وهو حالُ الِاسْتِكْمالِ عِلْمًا وعَمَلًا وحَيْثُ لَمْ يُعْطَفْ عَلى ﴿ لِنُبَيِّنَ ﴾ إلّا بَعْدَ أنْ قُدِّمَ عَلَيْهِ ﴿ ونُقِرُّ ﴾ ثُمَّ نُخْرِجُ مَجْعُولًا ﴿ نُقِرَ ﴾ عَطْفًا عَلى إنّا ( خَلَقْناكم ) والعُدُولُ إلى المُضارِعِ لِتَطْوِيرِ الحالِ والدَّلالَةِ عَلى زِيادَةِ الِاخْتِصاصِ فالطِّباقُ حاصِلٌ لَفْظًا ومَعْنى مَعَ أنَّ في الفَصْلِ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ مِنَ النُّكْتَةِ ما لا يَخْفى عَلى ذِي لُبٍّ حَسَنٍ مَوْقِعُها بَعْدَ التَّأمُّلِ، وكَذَلِكَ في الإتْيانِ بِثُمَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ الغَرَضُ الأصِيلُ الَّذِي خُلِقَ الإنْسانُ لَهُ ﴿ وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ  ﴾ ولَمّا كانَتِ الأوائِلُ في الدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ أظْهَرَ قُدِّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنُبَيِّنَ ﴾ عَلى الإقْرارِ والإخْراجِ اهَـ.

ويُعْلَمُ مِنهُ ما في قَوْلِ العَلّامَةِ: إنَّ عَطْفَ «لِتَبْلُغُوا» إلَخْ عَلى «لِنُبِيِّنَ» مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ الِاسْتِئْنافُ في ﴿ ونُقِرُّ ﴾ وفِيهِ أيْضًا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ومِنكم مَن يُتَوَفّى ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أقْسامِ الإخْراجِ مِنَ الرَّحِمِ كَما اسْتَوْفى أقْسامَ الأُوَلِ وفِيهِ تَبْيِينُ تَفْضِيلِ حالِ بُلُوغِ الأشُدِّ وأنَّها الحَقِيقُ بِأنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً مِنَ الإنْشاءِ لَكِنَّ مِنهم مَن لا يَصِلُ إلَيْها فَيُحْتَضَرُ ومِنهم مَن يُجاوِزُها فَيُحْتَقَرُ أيْ مِنكم مَن يَمُوتُ قَبْلَ بُلُوغِ الأشُدِّ ﴿ ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ أيْ أرْداهُ وأدْناهُ، والمُرادُ يُرَدُّ إلى مِثْلِ زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ ﴿ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ ﴾ أيْ عِلْمٍ كَثِيرٍ ( شَيْئًا ) أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُرَدُّ وهي لامُ العاقِبَةِ والمُرادُ المُبالَغَةُ في انْتِقاصِ عِلْمِهِ وانْتِكاسِ حالِهِ ولَيْسَ لِزَمانِ ذَلِكَ الرَّدِّ حَدٌّ مَحْدُودٌ بَلْ هو مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ الأمْزِجَةِ عَلى ما في البَحْرِ وإيرادُ الرَّدِّ والتَّوَفِّي عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ لِتَعَيُّنِ الفاعِلِ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وفي شَرْحِ الكَشّافِ لِلطَّيِّبِيِّ بَعْدَ تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا ﴾ بِتَقْدِيرِ ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا ﴾ كانَ ذَلِكَ الإقْرارُ والإخْراجُ أنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ الإيذانِ بِأنَّ بُلُوغَ الأشُدِّ أفْضَلُ الأحْوالِ والإخْراجَ أبْدَعُها والرَّدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ أسْوَؤُها وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِذَلِكَ ومِن ثَمَّ نُسِبَ الإخْراجُ إلى ذاتِهِ تَعالى المُقَدَّسَةِ وحُذِفَ المُعَلِّلُ في الثّانِي ولَمْ يُنْسَبِ الثّالِثُ إلى فاعِلِهِ وسُلِبَ فِيهِ ما أثْبَتَ لِلْإنْسانِ في تِلْكَ الحالَةِ مِنَ اتِّصافِهِ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ المُومِئُ إلَيْهِ بِالأشُدِّ كَأنَّهُ قِيلَ ثُمَّ يُخْرِجُكم مِن تِلْكَ الأطْوارِ الخَسِيسَةِ طِفْلًا إنْشاءً غَرِيبًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ  ﴾ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم دَبَّرَ ذَلِكَ التَّدْبِيرَ العَجِيبَ لِأنَّهُ أوانُ رُسُوخِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ والتَّمَكُّنِ مِنَ العَمَلِ المَقْصُودَيْنِ مِنَ الإنْشاءِ ثُمَّ يُمِيتُكم أوْ يَرُدُّكم إلى أرْذَلِ العُمُرِ الَّذِي يُسْلَبُ فِيهِ العِلْمُ والقُدْرَةُ عَلى العَمَلِ اهَـ.

ويُفْهَمُ مِنهُ جَوازُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ومِنكم مَن يُتَوَفّى بَعْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ومِنكم مَن يُتَوَفّى عِنْدَ البُلُوغِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَجْعَلُ الجُمْلَةَ حالِيَّةً ومِن صِيغَةِ المُضارِعِ وهو كَما تَرى.

وقُرِئَ «يَتَوَفّى» عَلى صِيغَةِ المَعْلُومِ وفاعِلُهُ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى أيْ مَن يَتَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ مَن أيْ «مَن» يَسْتَوْفِي مُدَّةَ عُمُرِهِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو ونافِعٍ تَسْكِينُ مِيمِ العُمْرِ، هَذا ثُمَّ لا يَخْفى ما في اخْتِلافِ أحْوالِ الإنْسانِ بَعْدَ الإخْراجِ مِنَ الرَّحِمِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ كَما في اخْتِلافِها قَبْلُ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما ذُكِرَ ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ التَّنْزِيلِ ما أكْثَرَ احْتِمالاتِهِ ﴿ وتَرى الأرْضَ هامِدَةً ﴾ حُجَّةٌ أُخْرى عَلى صِحَّةِ البَعْثِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ إنّا خَلَقْناكُمْ ﴾ وهي حُجَّةٌ آفاقِيَّةٌ وما تَقَدَّمَ حُجَّةٌ أنَفُسِيَّةٌ والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وقِيلَ: لِلْمُجادِلِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ وهي بَصَرِيَّةٌ لا عِلْمِيَّةٌ كَما قِيلَ، و ﴿ هامِدَةً ﴾ حالٌ مِن ( الأرْضَ ) أيْ مَيِّتَةً يابِسَةً يُقالُ هَمَدَتِ الأرْضُ إذا يَبِسَتْ ودَرَسَتْ وهَمَدَ الثَّوْبُ إذا بَلِيَ وقالَ الأعْشى: قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هُمَّدا وأصْلُهُ مِن هَمَدَتِ النّارُ إذا صارَتْ رَمادًا ﴿ فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ ﴾ أيْ ماءَ المَطَرِ، وقِيلَ: ما يَعُمُّهُ وماءُ العُيُونِ والأنْهارِ وظاهِرُ الإنْزالِ يَقْتَضِي الأوَّلَ ﴿ اهْتَزَّتْ ﴾ تَحَرَّكَ نَباتُها فالإسْنادُ مَجازِيٌّ أوْ تَخَلْخَلَتْ وانْفَصَلَ بَعْضُ أجْزائِها عَنْ بَعْضٍ لِأجْلِ خُرُوجِ النَّباتِ وحَمْلُ الِاهْتِزازِ عَلى الحَرَكَةِ في الكَيْفِ بِعِيدٌ ﴿ ورَبَتْ ﴾ ازْدادَتْ وانْتَفَخَتْ لِما يَتَداخَلُها مِنَ الماءِ والنَّباتِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ وأبُو عَمْرٍ و في رِوايَةٍ «ورَبَأتْ» بِالهَمْزِ أيِ ارْتَفَعَتْ يُقالُ فُلانٌ يَرْبَأُ بِنَفْسِهِ عَنْ كَذا أيْ يَرْتَفِعُ بِها عَنْهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو مِن رَبَأْتُ القَوْمَ إذا عَلَوْتُ شَرَفًا مِنَ الأرْضِ طَلِيعَةً عَلَيْهِمْ فَكَأنَّ الأرْضَ بِالماءِ تَتَطاوَلُ وتَعْلُو ﴿ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أيْ صِنْفٍ ﴿ بَهِيجٍ ﴾ حَسَنٍ سارٍّ لِلنّاظِرِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ، يعني: يخاصم في الله، يعني: في وحدانيته ويقال: في دين الله.

بِغَيْرِ عِلْمٍ، يعني: بغير حجة.

ويقال: بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمه، وهو النضر بن الحارث وأصحابه.

وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ، يعني: يطيع ويعمل بأمر كل شَيْطانٍ مَرِيدٍ متمرد في معصية الله عز وجل.

ويقال: معناه ويتبع ما سول له الشيطان.

والمريد: الفاسد، يقال: مرد الشيء، إذا بلغ في الشر غايته.

ويقال: مرد الشيء إذا جاوز حد مثله.

ثم قال عز وجل: كُتِبَ عَلَيْهِ، أي: قضي عليه، يعني: الشيطان.

أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ، يعني: من تبع الشيطان فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ عن الهدى، وَيَهْدِيهِ أي: يدعوه إِلى عَذابِ السَّعِيرِ، أي: إلى عمل عذاب النار.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ، يعني: يا كفار مكة.

إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ، يعني: في شك مِنَ الْبَعْثِ بعد الموت، فانظروا إلى بدء خلقكم.

فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني: من آدم  وآدم مِّن تُرَابٍ.

ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ قيل: إنما نقلناكم من حال إلى حال، من خلقة إلى خلقة، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ، مثل قطعة كبد.

مُخَلَّقَةٍ، أي تامة وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، يعني: غير تامة، وهو السقط.

ويقال: مصورة وغير مصورة.

لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بدء خلقكم.

ويقال: يخرج السقط من بطن أمه مصوراً أو غير مصور، لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بدء خلقكم كيف نخلقكم في بطون أمهاتكم.

ويقال: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ في القرآن أنكم كنتم كذلك.

وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ فلا يكون سقطاً.

إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، يعني: إلى وقت خروجه من بطن أمه، ويقال: إلى وقت معلوم لتسعة أشهر.

ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا من بطون أمهاتكم أطفالاً صغاراً.

وقال القتبي: لم يقل أطفالاً، لأنهم لم يخرجوا من أم واحدة، ولكنه أخرجهم من أمهات شتى، فكأنه قال: يخرجكم طفلاً طِفْلاً.

ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، يعني: ثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة، ويقال: إلى ست وثلاثين سنة.

والأشد: هو الكمال في القوة والخير.

وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى يعني: من قبل أن يبلغ أشده، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، يعني: أضعف العمر وهو الهرم.

ويقال: يعني، يرجع إلى أسفل العمر، يعني: يذهب عقله.

لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً، يعني: لكيلا يعقل بعد عقله الأول.

ثم دلهم على إحيائه الموتى بإحيائه الأرض، فقال تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً، يعني: ميتة يابسة جافة ذات تراب.

فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ، يعني: المطر، اهْتَزَّتْ يعني: تحركت بالنبات.

كقوله عز وجل: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ [النمل: 10] يعني: تتحرك، ويقال: اهْتَزَّتْ أي: استبشرت.

وَرَبَتْ، يعني: انتفخت بالنبات.

وأصلهُ: من ربا يربو، وهو الزيادة.

وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ، يعني: من كل صنف من ألوان النبات.

بَهِيجٍ، أي: حسنا يُبْهَجَ به، فدلهم للبعث بإحياء الأرض، ليعتبروا ويعلموا بأن الله هو الحق، وعبادته هي الحق، وغيره من الآلهة باطل.

ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أي قادر على كل شيء من البعث وغيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

السَّعِيرِ وكذلك لا يُعْطَفُ عليه، ولسيبويه في مثل هذا: أنه بدل، وقيل: «أنه» الثانية خبر مبتدإٍ محذوف تقديره: فشأنه أَنه يضلّهُ.

قال ع «١» : ويظهر لي أَنَّ الضميرَ في أَنَّهُ الأولى للشيطان، وفي الثانية لمن الذي هو المتولي، وقرأ أبو عمرو «٢» : «فإِنَّه» بالكسر فيهما.

وقوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ ...

الآية: هذا احتجاج على العالم بالبدأة الأُولى، وضَرَبَ سبحانه وتعالى في هذه الآية مَثَلَيْنِ، إذا اعتبرهما الناظر جَوَّزَ في العقل البعثة/ من القبور، ثم ورد الشرع بوقوع ذلك.

٢٢ أوقوله: فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ يريدُ آدم عليه السلام.

ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ يريد: المنيَّ، والنطفة: تقع على قليلِ الماءِ وكثيره.

ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ يريدُ: من الدم الذي تعودُ النطفةُ إليه في الرحم أو المقارن للنطفة، والعَلَقُ الدمُ الغليظ، وقيل: العلق الشديد الحُمْرَة.

ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ يريد مضغة لحم على قدر ما يمضغ.

وقوله: مُخَلَّقَةٍ معناه: مُتَمَّمَةٌ، وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ غير متممة، أي: التي تسقط، قاله مجاهد «٣» وغيره، فاللفظة بناءُ مبالغة من خلق، ولما كان الإنسانُ فيه أعضاء متباينة، وكل واحد منها مختصّ بخلق- حَسُنَ في جملته تضعيف الفعل لأن فيه خلقا كثيرا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، ﴿ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ ﴾ ؛ أيْ: في شَكٍّ مِنَ القِيامَةِ، ﴿ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي: خَلْقَ آدَمَ، ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يَعْنِي: خَلْقَ ولَدِهِ، والمَعْنى: إنْ شَكَكْتُمْ في بَعْثِكم فَتَدَبَّرُوا أمْرَ خَلْقِكم وابْتِدائِكم، فَإنَّكم لا تَجِدُونَ في القُدْرَةِ فَرْقًا بَيْنَ الِابْتِداءِ والإعادَةِ.

فَأمّا النُّطْفَةُ: فَهي المَنِيُّ.

والعَلَقَةُ: دَمٌ عَبِيطٌ جامِدٌ، وقِيلَ: سُمِّيْتْ عَلَقَةً؛ لِرُطُوبَتِها وتَعَلُّقِها بِما تَمُرُّ بِهِ، فَإذا جَفَّتْ فَلَيْسَتْ عَلَقَةً.

والمُضْغَةُ: لَحْمَةٌ صَغِيرَةٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها بِقَدْرِ ما يُمْضَغُ، كَما قِيلَ: غُرْفَةٌ لِقَدْرِ ما يُغْرَفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُخَلَّقَةَ: ما خُلِقَ سَوِيًّا، وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ: ما ألْقَتْهُ الأرْحامُ مِنَ النُّطَفِ وهو دَمٌ قَبْلَ أنْ يَكُونَ خَلْقًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّ المُخَلَّقَةَ: ما أُكْمِلَ خَلْقُهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وهو الَّذِي يُولَدُ حَيًّا لِتَمامٍ، وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ: ما سَقَطَ غَيْرَ حَيٍّ لَمْ يُكْمَلْ خَلْقُهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُخَلَّقَةَ: المُصَوَّرَةُ، وغَيْرُ المُخَلَّقَةِ: غَيْرُ مُصَوَّرَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّ المُخَلَّقَةَ وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ: السِّقْطُ، تارَةً يَسْقُطُ نُطْفَةً وعَلَقَةً، وتارَةً قَدْ صُوِّرَ بَعْضُهُ، وتارَةً قَدْ صُوِّرَ كُلُّهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والخامِسُ: أنَّ المُخَلَّقَةَ: التّامَّةُ، وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ: السِّقْطُ، قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَلَقْناكم لِنُبَيِّنَ لَكم ما تَأْتُونَ وما تَذَرُوَنَ.

والثّانِي: لِنُبَيِّنَ لَكم في القُرْآنِ بُدُوَّ خَلْقِكم وتَنَقُّلَ أحْوالِكم.

والثّالِثُ: لِنُبَيِّنَ لَكم كَمالَ حِكْمَتِنا وقُدْرَتِنا في تَقْلِيبِ أحْوالِ خَلْقِكم.

والرّابِعُ: لِنُبَيِّنَ لَكم أنَّ البَعْثَ حَقٌّ.

وَقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( لِيُبَيِّنَ لَكم ) بِالياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُقِرُّ في الأرْحامِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ: ( ويُقَرُّ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ القافِ ورَفْعِ الرّاءِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وأبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ: ( ويُقِرَّ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وبِكَسْرِ القافِ ونَصْبِ الرّاءِ.

والَّذِي يُقَرُّ في الأرْحامِ هو الَّذِي لا يَكُونُ سِقْطًا.

﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو أجْلُ الوِلادَةِ، ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو في مَوْضِعِ أطْفالٍ، والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ لَفْظَ الواحِدِ في مَعْنى الجَمِيعِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ  ﴾ ؛ أيْ: ظُهَراءَ، وأنْشَدَ: فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكم فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ وَأنْشَدَ أيْضًا: في حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا وَقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قالَ: ﴿ طِفْلا ﴾ فَوَحَّدَ؛ لِأنَّ المِيمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُخْرِجُكُمْ ﴾ قَدْ دَلَّتْ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يَقُولَ: أطْفالًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا ﴾ فِيهِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ نُعَمِّرُكم لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم، وقَدْ سَبَقَ مَعْنى " الأشُدِّ " ( الأنْعام: ١٥٣ ) .

﴿ وَمِنكم مَن يُتَوَفّى ﴾ مِن قَبْلِ بُلُوغِ الأشُدِّ، ﴿ وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في ( النَّحْلِ: ٧٠ ) .

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى دَلَّهم عَلى إحْيائِهِ المَوْتى بِإحْيائِهِ الأرْضِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: مَيِّتَةً يابِسَةً، ومِثْلُهُ: هَمَدَتِ النّارُ: إذا طُفِئَتْ فَذَهَبَتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ، ﴿ اهْتَزَّتْ ﴾ ؛ أيْ: تَحَرَّكَتْ لِلنَّباتِ، وذَلِكَ أنَّها تَرْتَفِعُ عَنِ النَّباتِ إذا ظَهَرَ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَرَبَتْ ﴾ ؛ أيِ: ارْتَفَعَتْ وزادَتْ.

وقالَ المُبَرِّدُ: أرادَ: اهْتَزَّ نَباتُها ورَبا، فَحَذَفَ المُضافَ.

قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ: ( ورَبَأتْ ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الباءِ.

فَإنْ كانَ ذَهَبَ إلى الرَّبِيئَةِ الَّذِي يَحْرُسُ القَوْمَ؛ أيْ: إنَّهُ يَرْتَفِعُ، وإلّا فَهو غَلَطٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ جِنْسٍ حَسَنٌ يُبْهِجُ؛ أيْ: يُسِرُّ، وهو فَعِيلٌ في مَعْنى فاعِلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ كَما وُصِفَ لَكم، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ﴿ ذَلِكَ ﴾ رَفْعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى مَعْنى: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ هو الحَقُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ السّاعَةَ ﴾ ؛ أيْ: ولِتَعْلَمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الناسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِنَ تُرابٍ ثُمَّ مِنَ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنَ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنَ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مِنَ يُتَوَفّى ومِنكم مِنَ يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنَ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ ﴾ الآيَةُ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في النَضِرِ بْنِ الحارِثِ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمْ هي بَعْدُ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ.

و "المُجادَلَةُ": المُحاجَّةُ، والمادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ "الجَدَلِ" وهو الفَتْلُ، والمَعْنى: "يُجادِلُ" في قُدْرَةِ اللهِ وصِفاتِهِ.

وكانَ سَبَبُ الآيَةِ كَلامَ مَن ذَكَرَ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لا يَبْعَثُ المَوْتى، ولا يُقِيمُ الأجْسادَ مِنَ القُبُورِ.

و"الشَيْطانُ" هُنا هو مُغْوِيهِمْ مِنَ الجِنِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الشَيْطانُ مِنَ الإنْسِ، والإنْحاءُ عَلى مُتَّبِعِيهِ.

و "المُرِيدُ": المُتَجَرِّدُ مِنَ الخَيْرِ إلى الشَرِّ، ومِنهُ الأمْرَدُ، وشَجَرَةٌ مَرْداءٌ أيْ عارِيَةٌ مِنَ الوَرَقِ، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ أيْ مُمَلَّسٌ مِن زُجاجٍ، وصَخْرَةٌ مَرْداءُ أيْ مَلْساءُ.

والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى "الشَيْطانِ"، قالَهُ قُتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "المُجادِلِ".

و "أنَّهُ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، و "أنَّهُ" الثانِيَةُ عَطْفٌ عَلى الأُولى مُؤَكَّدَةٌ مِثْلُها، وقِيلَ: هي مُكَرِّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ، وهو مُعْتَرِضٌ بِأنَّ الشَيْءَ لا يُؤَكِّدُ إلّا بَعْدَ تَمامِهِ وتَمامُ "أنَّهُ" الأولى إنَّما هو بِصِلَتِها في قَوْلِهِ: "السَعِيرِ"، وكَذَلِكَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ، ولِسِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذا أنَّهُ بَدَلٌ، وقِيلَ "أنَّهُ" الثانِيَةُ خَبَرُ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَشَأْنُهُ أنَّهُ يُضِلُّهُ، وقَدَّرَهُ أبُو عَلِيٍّ: فَلَهُ أنْ يُضِلَّهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُظْهِرُ لِي أنَّ الضَمِيرَ في "أنَّهُ" الأولى لِلشَّيْطانِ، وفي الثانِيَةِ لـ "مَنِ" الَّذِي هو المُتَوَلِّي.

وقَوْلُهُ: "وَيَهْدِيهِ" بِمَعْنى: يَدُلُّهُ عَلى طَرِيقِ ذَلِكَ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى الإرْشادِ عَلى الإطْلاقِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "إنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَإنَّهُ يُضِلُّهُ" بِالكَسْرِ فِيهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الناسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ ﴾ الآيَةُ.

هَذا احْتِجاجٌ عَلى العالَمِ بِالبَدْأةِ الأُولى، وضَرَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ مَثَلَيْنِ إذا اعْتَبَرَهُما الناظِرُ جَوَّزَ في العَقْلِ البِعْثَةَ مِنَ القُبُورِ، ثُمْ ورَدَ خَبَرُ الشَرْعِ بِوُجُوبِ ذَلِكَ ووُقُوعِهِ.

و "الرَيْبُ": الشَكُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ ﴾ شَرْطٌ مُضَمِّنُهُ التَوْفِيقَ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "البَعْثَ" بِفَتْحِ العَيْنِ، وهي لُغَةٌ في "البَعْثِ" عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وهي عِنْدُ الكُوفِيِّينَ تَخْفِيفُ "بَعَثَ".

وقَوْلُهُ: ﴿ خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ﴾ يُرِيدُ آدَمُ، ثُمْ سَلَّطَ الفِعْلَ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يُرِيدُ المَنِيَّ الَّذِي يَكُونُ مِنَ البَشَرِ، و "النُطْفَةُ" تَقَعُ عَلى قَلِيلِ الماءِ وكَثِيرِهِ، وقالَ النَقاشُ: المُرادُ نُطْفَةُ آدَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ﴾ يُرِيدُ مِنَ الدَمِ تَعُودُ النُطْفَةُ إلَيْهِ في الرَحِمْ، أوِ المُقارِنُ لِلنُّطْفَةِ، و "العَلَقُ": الدَمُ العَبِيطُ، وقِيلَ: "العَلَقُ": الشَدِيدُ الحُمْرَةُ، فَسُمِّيَ الدَمُ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: "ثُمْ مِن مُضْغَةٍ" يُرِيدُ بِضْعَةَ لَحْمٍ عَلى قَدْرِ ما يُمْضَغُ، وقَوْلُهُ: "مُخَلَّقَةٍ" مَعْناهُ: مُتَمَّمَةُ البِنْيَةِ "وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ" غَيْرِ مُتَمَّمَةِ، أيِ الَّتِي تَسْقُطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والشَعْبِيٌّ، وأبُو العالِيَةِ، فاللَفْظَةُ بِناءُ مُبالِغَةٍ مِن "خَلَقَ"، ولَمّا كانَ الإنْسانُ فِيهِ أعْضاءٌ مُتَبايِنَةٌ وكُلٌّ مِنها مُخْتَصٌّ بِخُلُقٍ حَسَنٍ، في جُمْلَتِهِ تَضْعِيفُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ فِيهِ خُلُقًا كَثِيرَةً، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مُخَلَّقَةً" بِالنَصْبِ "وَغَيْرَ" بِالنَصْبِ في الراءِ.

وَيَتَّصِلُ بِهَذا المَوْضِعِ مِنَ الفِقْهِ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في أُمُ الوَلَدِ إذا أسْقَطَتْ بِضْعَةً لَمْ تُصَوَّرْ، هَلْ تَكُونُ أمَّ ولَدٍ بِذَلِكَ؟

فَقالَ مالِكُ، والأوزاعِيُّ، وغَيْرُهُما: هي أمُّ ولَدٍ بِالمُضْغَةِ إذا عُلِمْ أنَّها مُضْغَةُ الوَلَدِ، وقالَ الشافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: حَتّى يَتَبَيَّنَ فِيهِ خَلْقٌ ولَوْ عُضْوٌ واحِدٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لِنُبَيِّنَ أمْرَ البَعْثِ، فَهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، وقَرَأتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ بِالرَفْعِ في "نُقِرُّ"، المَعْنى: ونَحْنُ نُقِرُّ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لِنُبَيِّنَ لَكُمْ" مَعْناهُ: تَكُونُ المُضْغَةُ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ وطَرَحَ النِساءُ إيّاها، كَذَلِكَ نُبَيِّنُ لِلنّاسِ أنَّ المَناقِلَ في الرَحِمْ هي هَكَذا، وقَرَأتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: "وَنُقِرَّ" بِالنَصْبِ، وكَذَلِكَ قَرَأتْ: "نُخْرِجَكُمْ" بِالنَصْبِ، وهي رِوايَةُ المُفَضَّلِ عن عاصِمْ، وحَكى أبُو عَمْرُو الدانِي أنَّ رِوايَةَ المُفَضَّلِ هَذِهِ هي بِالياءِ في "يُقِرُّ" "وَيُخْرِجُكُمْ"، والرَفْعُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ شائِعٌ، ولا يَجُوزُ النَصْبُ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "ما نَشاءُ" بِكَسْرِ النُونِ.

و "الأجَلُ المُسَمّى" هو مُخْتَلِفٌ بِحَسْبَ جَنِينٍ جَنِينٍ، فَثَمَّ مَن يَسْقُطُ، وثَمَّ مَن يُكْمَلُ أمْرُهُ ويَخْرُجُ حَيًّا.

واخْتَلَفَ الناسُ في "الأشَدِّ" مِن ثَمانِيَةَ عَشَرَ، إلى ثَلاثِينَ، إلى اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ، إلى سِتَّةٍ وثَلاثِينَ، إلى أرْبَعِينَ، إلى خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ، واللَفْظُ تُقالُ بِاشْتِراكٍ، فَأشَدُّ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ غَيْرُ أشَدِّ اليَتِيمِ الَّذِي هو الِاحْتِلامُ.

و "الأشَدُّ" في الآيَةِ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، والرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمْرِ هو حُصُولُ الإنْسانِ في زَمانَهِ واخْتِلالُ قُوَّتِهِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إقامَةِ الطاعاتِ، واخْتِلالُ عَقْلِهِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إقامَةِ ما يَلْزَمُهُ مِنَ المُعْتَقَداتِ، وهَذا أبَدًا يُلْحَقُ مَعَ الكِبَرِ، وقَدْ يَكُونُ أرْذَلِ العُمُرِ في قَلِيلٍ مِنَ السِنِّ بِحَسَبِ شَخْصٍ ما لَحِقَتُهُ زَمانَةٌ، وقَدْ ذُكِرَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ أرْذَلَ العُمُرِ خَمْسَةٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، وإنْ صَحَّ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَلا يَتَوَجَّهُ إلّا أنْ يُرِيدَ: عَلى الأكْثَرِ، فَقَدْ نَرى كَثِيرًا أبْناءَ ثَمانِينَ سَنَةً لَيْسُوا في أرْذَلِ العُمُرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "العُمُرَ" مُشَبَّعَةً، وقَرَأ نافِعٌ: "العُمُرَ" مُخَفِّفَةَ المِيمِ، واخْتَلَفَ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا يَعْلَمَ ﴾ أيْ: لِيَنْسى مَعارِفَهُ وعِلْمَهُ الَّذِي كانَ مَعَهُ فَلا يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، فَهَذا مِثالٌ واحِدٌ يَقْضِي لِلْمُعْتَدِّ بِهِ أنَّ القادِرَ عَلى هَذِهِ المَناقِلِ المُتْقِنَ لَها قادِرٌ عَلى إعادَةِ تِلْكَ الأجْسادِ الَّتِي أوجَدَها بِهَذِهِ المَناقِلِ إلى حالِها الأُولى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خلقناكم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى الارحام مَا نَشَآءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يتوفى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الارض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ أعاد خطاب الناس بعد أن أنذرهم بزلزلة الساعة، وذكر أن منهم من يجادل في الله بغير علم، فأعاد خطابهم بالاستدلال على إمكان البعث وتنظيره بما هو أعظم منه.

وهو الخلق الأول.

قال تعالى: ﴿ أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ﴾ [ق: 15].

فالذي خلق الإنسان من عدم وأخرجه من تراب، ثم كونه من ماء.

ثم خلقه أطواراً عجيبة، إلى أن يتوفاه في أحوال جسمه وفي أحوال عقله وإدراكه، قادر على إعادة خلقه بعد فنائه.

ودخول المشركين بادئ ذي بدء في هذا الخطاب أظهر من دخولهم في الخطاب السابق لأنهم الذين أنكروا البعث، فالمقصود الاستدلال عليهم ولذلك قيل إن الخطاب هنا خاص بهم.

وجُعل ريْبهم في البعث مفروضاً ب (إن) الشرطية مع أن ريبهم محقق للدلالة على أن المقام لما حف به من الأدلة المبطلة لريبهم ينزل منزلة مقام من لا يتحقق ريبُه كما في قوله تعالى: ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أنّ كنتم قوماً مسرفين ﴾ [الزخرف: 5].

والظرفية المفادة ب (في) مجازية.

شبهت ملابسة الريب إياهم بإحاطة الظرف بالمظروف.

وجملة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ واقعة موقع جواب الشرط ولكنها لا يصلح لفظها لأن يكون جواباً لهذا الشرط بل هي دليل الجواب، والتقدير: فاعلموا أو فنعلمكم بأنه ممكن كما خلقناكم من تراب مثل الرُّفات الذي تصير إليه الأجساد بعد الموت، أو التقدير: فانظروا في بدء خلقكم فإنا خلقناكم من تراب.

والذي خُلق من تراب هو أصل النوع، وهو آدم عليه السلام وحواء، ثم كونت في آدم وزوجه قوة التناسل، فصار الخلق من النطفة فلذلك عطفت ب (ثم).

والنطفة: اسم لمنّي الرجل، وهو بوزن فُعلة بمعنى مفعول، أي منطوف، والنَطْف: القطر والصب.

والعلقة: القطعة من الدم الجامد اللين.

والمضغة: القطعة من اللحم بقدر ما يُمضغ مثله، وهي فعلة بمعنى مَفعولة بتأويل: مقدار ممضوغة.

و(ثم) التي عطف بها ﴿ ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ﴾ عاطفة مفردات فهي للتراخي الحقيقي.

و (مِن) المكررة أربع مرات هنا ابتدائية وتكريرها توكيد.

وكون الإنسان مخلوقاً من النطفة لأنه قد تقرر في علم الطب أن في رحم المرأة مُدة الحيض جزءاً هو مقر الأجرام التي أعدت لأن يتكون منها الجنين، وهذا الجُزء من الرحم يسمى في الاصطلاح الطبي (المَبِيض) بفتح الميم وكسر الموحدة على وزن اسم المكان لأنه مقر بَيضات دقيقة هي حُبيبات دقيقة جداً وهي من المرأة بمنزلة البيضة من الدجاجة أو بمنزلة حبوب بيض الحوت، مودعة في كرة دقيقة كالغِلاف لها يقال لها (الحُويصلة) بضم الحاء بصيغة تصغير حَوصلة تشتمل على سائل تسبح فيه البيضة فإذا حاضت المرأة ازدادت كمية ذلك السائل الذي تسبح فيه البيضة فأوجب ذلك انفجار غلاف الحُويصلة، فيأخذ ذلك السائل في الانحدار يَحمل البيضة السابحة فيه إلى قناة دقيقة تسمى (بوق فلوبيوس) لشبهه بالبُوق، وأضيف إلى (فلوبيوس) اسم مكتشفه وهو البزرخ بين المَبِيض والرحم، فإذا نزل فيه ماء الرجل وهو النطفة بعد انتهاء سيلان دم الحيض لقحت فيه البيضة واختلطت أجزاؤها بأجزاء النطفة المشتملة على جرثومات ذات حياة وتمكث مع البيضة متحركة مقدار سبعة أيام تكون البيضة في أثنائها تتطور بالشكل بشِبه تقسيم من أثر ضغط طبيعي.

وفي نهاية تلك المدة تصل البيضة إلى الرحم وهنالك تأخذ في التشكل، وبعد أربعين يوماً تصير البيضة عَلَقة في حجم نملة كبيرة طولها من 12 إلى 14 مليمتر، ثم يزداد تشكلها فتصير قطعة صغيرة من لَحم هي المسماة (مُضغة) طولها ثلاثة سنتيمتر تلوح فيها تشكلات الوجه والأنف خفيّة جداً كالخطوط، ثم يزداد التشكل يوماً فيوماً إلى أن يستكمل الجنين مدته فيندفعَ للخروج وهو الولادة.

فقوله تعالى: ﴿ مخلقة وغير مخلقة ﴾ صفة ﴿ مضغة ﴾ .

وذلك تطور من تطورات المضغة.

أشار إلى أطوار تشكل تلك المضغة فإنها في أول أمرها تكون غير مخلّقة، أي غير ظاهر فيها شَكل الخِلقة، ثم تكون مخلّقة، والمراد تشكيل الوجه ثم الأطراف، ولذلك لم يُذكر مثل هذين الوصفين عند ذكر النطفة والعلقة، إذ ليس لهما مثل هذين الوصفين بخلاف المضغة.

وإذْ قد جعلت المضغة من مبادئ الخلق تعيّن أن كلا الوصفين لازِمان للمضغة، فلا يستقيم تفسير من فسّر غير المخلقة بأنها التي لم يكمل خلقها فسقطت.

والتخليق: صيغة تدل على تكرير الفعل، أي خلقاً بعد خلق، أي شكلاً بعد شكل.

وقُدم ذكر المخلقة على ذكر غير المخلقة على خلاف الترتيب في الوجود لأن المخلقة أدخل في الاستدلال، وذُكر بعده غير المخلقة لأنه إكمال للدليل وتنبيه على أن تخليقها نشأ عن عدم.

فكلا الحالين دليل على القدرة على الإنشاء وهو المقصود من الكلام.

ولذلك عقب بقوله تعالى ﴿ لنبين لكم ﴾ ، أي لنظهر لكم إذا تأملتم دليلاً واضحاً على إمكان الإحياء بعد الموت.

واللام للتعليل متعلقة بما في تضمينه جواب الشرط المقدرُ من فعل ونحوه تدل عليه جملة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ الخ، وهو فعل: فاعلموا، أو فنُعلمكم، أو فانظروا.

وحذف مفعول ﴿ لِنُبيّن ﴾ لتذهب النفس في تقديره كل مذهب مما يرجع إلى بيان ما في هذه التصرفات من القدرة والحكمة، أي لنبيّن لكم قدرتنا وحكمتنا.

وجملة ﴿ ونقرّ ﴾ عطف على جملة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ .

وعدل عن فعل المضي إلى الفعل المضارع للدلالة على استحضار تلك الحالة لما فيها من مشابهة استقرار الأجساد في الأجداث ثم إخراجها منها بالبعث كما يخرج الطفل من قرارة الرحم، مع تفاوت القرار.

فمن الأجنة ما يبقى ستة أشهر، ومنها ما يزيد على ذلك، وهو الذي أفاده إجمال قوله تعالى: ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ .

والاستدلال في هذا كله بأنه إيجاد بعد العدم وإعدام بعد الوجود لتبيين إمكان البعث بالنظير وبالضد.

والأجل: الأمد المجعول لإتمام عمل ما، والمراد هنا مدة الحمل.

والمسمّى: اسم مفعول من سَماه، إذا جعل له اسماً، ويستعار المسمّى للمعيّن المضبوط تشبيهاً لضبط الأمور غيرِ المشخصة بعدد معيّن أو وقت محسوب، بتسمية الشخص بوجه شبه يُميزه عما شابهه.

ومنه قول الفقهاء: المهر المسمّى، أي المعيّن من نقد معدود أو عَرض موصوف، وقول الموثقين: وسمّى لها من الصداق كذا وكذا.

ولكل مولود مدة معينة عند الله لبقائه في رحم أمه قبلَ وضعه.

والأكثر استكمال تسعة أشهر وتسعة أيام، وقد يكون الوضع أسرع من تلك المدة لعارض، وكلٌّ معين في علم الله تعالى.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ إلى أجل مسمى فاكتبوه ﴾ في [سورة البقرة: 282].

وعطف جملة ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ بحرف (ثم) للدلالة على التراخي الرتبي فإن إخراج الجنين هو المقصود.

وقوله ﴿ طفلاً ﴾ حال من ضمير ﴿ نخرجكم، ﴾ أي حال كونكم أطفالاً.

وإنما أفرد ﴿ طفلاً ﴾ لأن المقصود به الجنس فهو بمنزلة الجمع.

وجملة ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ مرتبطة بجملة ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ ارتباط العلّة بالمعلول، واللام للتعليل.

والمعلّل فعل ﴿ نخرجكم طفلاً ﴾ .

وإذ قد كانت بين حال الطفل وحال بلوغ الأشد أطوار كثيرة عُلم أن بلوغ الأشد هو العلّة الكاملة لحكمة إخراج الطفل.

وقد أشير إلى ما قبل بلوغ الأشد وما بعده بقوله ﴿ ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ .

وحرف (ثم) في قوله: ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ تأكيد لمثله في قوله ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ .

هذا ما ظهر لي في اتّصال هذه الجملة بما قبلها وللمفسرين توجيهات غير سالمة من التعقب ذكرها الألوسي.

وإنما جُعل بلوغ الأشد علّة لأنه أقوى أطوار الإنسان وأجلى مظاهر مواهبه في الجسم والعقل وهو الجانب الأهم كما أومأ إلى ذلك قوله بعد هذا ﴿ لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً ﴾ فجعل «الأشد» كأنه الغاية المقصودة من تطويره.

والأشُدّ: سن الفتوة واستجماع القوى.

وقد تقدم في [سورة يوسف: 22] ﴿ ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً ﴾ ووقع في [سورة المؤمن: 67] ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً ﴾ فعطف طور الشيخوخة على طور الأشُد باعتبار أن الشيخوخة مقصد للأحياء لحبهم التعمير، وتلك الآية وردت مورد الامتنان فذكر فيها الطور الذي يتملى المرء فيه بالحياة، ولم يذكر في آية سورة الحج لأنها وردت مورد الاستدلال على الإحياء بعد العدم فلم يذكر فيها من الأطوار إلا ما فيه ازدياد القوة ونماء الحياة دون الشيخوخة القريبة من الاضمحلال، ولأن المخاطبين بها فريق معيّن من المشركين كانوا في طور الأشد، وقد نبهوا عقب ذلك إلى أن منهم نفراً يُردون إلى أرذل العمر، وهو طور الشيخوخة بقوله: ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ .

وجيء بقوله ﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ على وجه الاعتراض استقراء لأحوال الأطوار الدالة على عظيم القدرة والحكمة الإلهية مع التنبيه على تخلل الوجود والعدم أطوار الإنسان بدءاً ونهاية كما يقتضيه مقام الاستدلال على البعث.

والمعنى: ومنكم من يتوفى قبل بلوغ بعض الأطوار.

وأما أصل الوفاة فهي لاحقة لكل إنسان لا لبعضهم، وقد صرح بهذا في سورة المؤمن (67): ﴿ ومنكم من يتوفى من قبل ﴾ وقوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ هو عديل قوله تعالى: ﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ .

وسكت عن ذكر الموت بعد أرذل العمر لأنه معلوم بطريقة لحسن الخطاب.

وجُعل انتفاء علم الإنسان عند أرذل العمر علة لردّه إلى أرذل العمر باعتبار أنه علّة غائية لذلك لأنه مما اقتضته حكمة الله في نظام الخلق فكان حصوله مقصوداً عند ردّ الإنسان إلى أرذل العمر، فإن ضعف القوى الجسمية يستتبع ضعف القوى العقلية.

قال تعالى: ﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق ﴾ [يس: 68] فالخلق يشمل كل ما هو من الخلقة ولا يختص بالجسم.

وقوله ﴿ من بعد علم ﴾ أي بعدما كان علمه فيما قبل أرذل العمر.

و (مِن) الداخلة على (بعد) هنا مزيدة للتأكيد على رأي الأخفش وابن مالك من عدم انحصار زيادة (مِن) في خصوص جرّ النكرة بعد نفي وشبهه، أو هي للابتداء عند الجمهور وهو ابتداء صُوري يساوي معنى التأكيد ولذلك لم يؤت ب (من) في قوله تعالى: ﴿ لكي لا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ في [سورة النحل: 70].

والآيتان بمعنى واحد فذكر (مِن) هنا تفنّن في سياق العبرتين.

و ﴿ شيئاً ﴾ واقع في سياق النفي يعم كل معلوم، أي لا يستفيد معلوماً جديداً.

ولذلك مراتب في ضعف العقل بحسب توغله في أرذل العمر تبلغ إلى مرتبة انعدام قبوله لعلم جديد، وقبلها مراتب من الضعف متفاوتة كمرتبة نسيان الأشياء ومرتبة الاختلاط بين المعلومات وغير ذلك.

﴿ وَتَرَى الارض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ .

عطف على جملة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ ، والخطاب لغير معيّن فيعم كل من يسمع هذا الكلام.

وهذا ارتقاء في الاستدلال على الإحياء بعد الموت بقياس التمثيل لأنه استدلال بحالةٍ مشاهدَة فلذلك افتتح بفعل الرؤية، بخلاف الاستدلال بخلق الإنسان فإن مبدأه غيرُ مشاهَد فقيل في شأنه ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ الآية.

ومحل الاستدلال من قوله تعالى: ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ ، فهو مناسبُ قولِه في الاستدلال الأول ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ ، فهمود الأرض بمنزلة موت الإنسان واهتزازُها وإنباتها بعد ذلك يماثل الإحياء بعد الموت.

والهمود: قريب من الخمود، فهمود الأرض جَفافها وزوال نبتها، وهمود النار خمودها.

والاهتزاز: التحرك إلى أعلى، فاهتزاز الأرض تمثيل لحال ارتفاع ترابها بالماء وحال ارتفاع وجهها بما عليه من العشب بحال الذي يهتز ويتحرك إلى أعلى.

وربت: حصل لها رُبوّ بضمّ الراء وضم الموحدة وهو ازدياد الشيء يقال: رَبَا يربو رُبوا، وفسر هنا بانتفاخ الأرض من تفتق النبت والشجر.

وقرأ أبو جعفر {وربأت بهمزة مفتوحة بعد الموحدة، أي ارتفعت.

ومنه قولهم: رَبَأ بنفسه عن كذا، أي ارتفع مجازاً، وهو فعل مشتق من اسم الربيئة وهو الذي يعلو رُبوة من الأرض لينظر هل من عدوّ يسير إليهم.

والزوج: الصنف من الأشياء.

أطلق عليه اسم الزوج تشبيهاً له بالزوج من الحيوان وهو صنف الذكر وصنف الأنثى، لأن كل فرد من أحد الصنفين يقترن بالفرد من الصنف الآخر فيصير زوجاً فيسمى كلّ واحد منهما زوجاً بهذا المعنى، ثم شاع إطلاقه على أحد الصنفين، ثم أطلق على كلّ نوع وصنف وإن لم يكن ذكراً ولا أنثى، فأطلق هنا على أنواع النبات.

والبهيج: الحسن المنظر السَارّ للناظر، وقد سِيق هذا الوصف إدماجاً للامتنان في أثناء الاستدلال امتناناً بجمال صورة الأرض المنبتة، لأن كونه بهيجاً لا دخل له في الاستدلال، فهو امتنان محض كقوله تعالى: ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ﴾ [النحل: 6] وقوله تعالى: ﴿ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ [الملك: 5].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ.

﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يَعْنِي ولَدَهُ.

﴿ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ﴾ يَعْنِي أنَّ النُّطْفَةَ تَصِيرُ في الرَّحِمِ عَلَقَةً.

﴿ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ ﴾ يَعْنِي أنَّ العَلَقَةَ تَصِيرُ مُضْغَةً، وذَلِكَ مِقْدارُ ما يُمْضَغُ مِنَ اللَّحْمِ.

﴿ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ المُخَلَّقَةَ ما صارَ خَلْقًا، وغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ ما دَفَعَتْهُ الأرْحامُ مِنَ النُّطَفِ فَلَمْ يَصِرْ خَلْقًا، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ تامَّةُ الخَلْقِ وغَيْرُ تامَّةِ الخَلْقِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ مُصَوَّرَةٌ وغَيْرُ مُصَوَّرَةٍ كالسَّقْطِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: يَعْنِي التّامَّ في شُهُورِهِ، وغَيْرَ التّامِّ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ الشّاعِرُ أفِي غَيْرِ المُخَلَّقَةِ البُكاءُ فَأيْنَ العَزْمُ ويْحَكَ والحَياءُ ﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي في القُرْآنِ بَدْءَ خَلْقِكم وتَنَقُّلَ أحْوالِكم.

﴿ وَنُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: إلى التَّمامِ.

﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَ الأشُدِّ.

﴿ وَمِنكم مَن يُتَوَفّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ إلى أرْذَلِ العُمُرِ.

والثّانِي: قَبْلَ بُلُوغِ الأشُدِّ.

﴿ وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الهَرَمُ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

والثّانِي: إلى مِثْلِ حالِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

والثّالِثُ: ذَهابُ العَقْلِ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

﴿ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَسْتَفِيدُ عِلْمًا ما كانَ بِهِ عالِمًا.

الثّانِي: لا يَعْقِلُ بَعْدَ عَقْلِهِ الأوَّلِ شَيْئًا.

وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وجْهًا ثالِثًا: أنَّهُ لا يَعْمَلُ بَعْدَ عِلْمِهِ شَيْئًا، فَعَبَّرَ عَنِ العَمَلِ بِالعِلْمِ [لِافْتِقارِهِ إلَيْهِ لِأنَّ تَأْثِيرَ الكِبْرِ في العَمَلِ أبْلَغُ مِن تَأْثِيرِهِ في العِلْمِ] .

﴿ وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: غَبْراءُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: يابِسَةٌ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنَّها الدّارِسَةُ، والهُمُودُ: الدُّرُوسُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا ∗∗∗ وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هُمَّدا ﴿ فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ ﴾ وفي ﴿ اهْتَزَّتْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنْبَتَتْ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

والثّانِي: مَعْناهُ اهْتَزَّ نَباتُها واهْتِزازُهُ شِدَّةُ حَرَكَتِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: تُثَنِّي إذا قامَتْ وتَهْتَزُّ إنْ مَشَتْ ∗∗∗ كَما اهْتَزَّ غُصْنُ البانِ في ورَقٍ خُضْرِ ﴿ وَرَبَتْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أُضْعِفَ نَباتُها.

والثّانِي: مَعْناهُ انْتَفَخَتْ لِظُهُورِ نَباتِها، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مُقَدَّمًا ومُؤَخَّرًا وتَقْدِيرُهُ: فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ رَبَتْ واهْتَزَّتْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي عُبَيْدَةَ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا يَكُونُ فِيهِ تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ.

﴿ وَأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن كُلِّ نَوْعٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ شَجَرَةَ.

والثّانِي: مِن كُلِّ لَوْنٍ لِاخْتِلافِ ألْوانِ النَّباتِ بِالخُضْرَةِ والحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ.

﴿ بَهِيجٍ ﴾ يَعْنِي حَسَنَ الصُّورَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن عبدالله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد.

فوالذي لا إله إلا غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» .

وأخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً على حالها لا تتغير، فإذا مضت الأربعون صارت علقة، ثم مضغة كذلك، ثم عظاماً كذلك، فإذا أراد أن يسوي خلقه بعث إليه ملكاً فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟

أشقي أم سعيد؟

أقصير أم طويل؟

أناقص أم زائد؟

قوته أجله، أصحيح أم سقيم؟

فيكتب ذلك كله» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال: النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك من الأرحام بكفه فقال: يا رب، مخلقة أم غير مخلقة؟

فإن قيل غير مخلقة، لم تكن نسمة وقذفتها الرحم دماً؛ وإن قيل مخلقة قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟

أشقي أم سعيد؟

ما الأجل وما الأثر وما الرزق؟

وبأي أرض تموت؟

فيقال للنطفة: من ربك؟

فتقول: الله.

فيقال: من رازقك؟

فتقول: الله.

فيقال له: اذهب إلى أمّ الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة.

قال: فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل في رزقها وتطأ في أثرها، حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً فقال: يا رب، مخلقة أو غير مخلقة؟

فإن قال غير مخلقة مجها الرحم دماً؛ وإن قال مخلقة قال: يا رب، فما صفة هذه النطفة...

أذكر أم أنثى؟

وما رزقها؟

وما أجلها؟

أشقي أم سعيد؟

فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة.

فينطلق فينسخها، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تبارك وتعالى وكل بالرحم ملكاً قال: أي رب، نطفة أي رب، علقة أي رب، مضغة؟

فإذا قضى الله تعالى خلقها قال: أي رب، شقى أو سعيد؟

ذكر أو أنثى؟

فما الرزق؟

فما الأجل؟

فيكتب كذلك في بطن أمه» .

وأخرج أحمد ومسلم والبيهقي في الاسماء والصفات، عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول: «إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة» .

وفي لفظ: «إذا مر بالنطفة إثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟

فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، أجله؟

فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، رزقه؟

ويقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على أمره ولا ينقص» .

وفي لفظ: «يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب، أشقي أو سعيد؟

فيُكْتَبان فيقول: أي رب، أذكر أو أنثى؟

فيكْتبان.

فيكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص» .

وأخرج ابن أبي حاتم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ مخلقة وغير مخلقة ﴾ قال: المخلقة، ما كان حياً ﴿ وغير مخلقة ﴾ ما كان من سقط.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: العلقة الدم، والمضغة اللحم والمخلقة، التي تم خلقها ﴿ وغير مخلقة ﴾ السقط.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ مخلقة وغير مخلقة ﴾ قال: تامة وغير تامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية قال: ﴿ غير مخلقة ﴾ السقط.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي قال: إذا دخل في الخلق الرابع كانت نسمة مخلقة، وإذا قدم فيها قبل ذلك فهي غير مخلقة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ مخلقة وغير مخلقة ﴾ قال: السقط مخلوق وغير مخلوق ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ قال: التمام.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ قال: إقامته في الرحم حتى يخرج.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ قال: هذا ما كان من ولد يولد تاماً ليس بسقط.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لنبين لكم ﴾ قال: إنكم كنتم في بطون أمهاتكم كذلك.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ وترى الأرض هامدة ﴾ قال: لا نبات فيها.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وترى الأرض هامدة ﴾ أي غبراء متهشمة ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ﴾ يقول: نفرق الغيث في سبحتها وربوها ﴿ وأنبتت من كل زوج بهيج ﴾ أي حسن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ زوج بهيج ﴾ قال: حسن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (١) ﴿ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ ﴾ قال: يريد إن كنتم في شك من القيامة ﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ﴾ زيد آدم (٢) قال أبو إسحاق: قيل للذين جحدوا البعث وهم المشركون إن كنتم في شك من (٣) (٤) ثم بين لهم ابتداء خلقهم فأعلمهم (٥)  -، ثم خُلِقَ ولده من نطفة، ثم من علقة ثم من مضغة، فأعلمهم أحوال خلقهم (٦) وقال (٧) وقوله ﴿ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾ يعني ولد آدم (٨) ومعنى النطفة في اللغة: الماء القليل.

يقال: في الغدير نطفة زرقاء، أي بقية ماء صاف.

وأصلها من النَّطف (٩) (١٠) وقوله: ﴿ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ﴾ العلق الدم الجامد قبل أن ييبس، والقطعة علقة منه (١١) (١٢) تَمجُّ عُروقُها عَلَقًا مُتَاعا (١٣) وذلك أن النطفة المخلوق منها الولد تصير دمًا غليظًا.

وقوله: ﴿ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ ﴾ المضغة قطعة لحم، وقلب الإنسان مضغة من جسده وإذا صارت العلقة لحمة فهي مضغة.

قال ابن عباس.

يريد من (١٤) وهذا كله في الأطوار أربعة أشهر، وهذا معنى ما روي في الحديث: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم أربعين يومًا مضغة، ثم يبعث الملك فينفخ فيها الروح" (١٥) قال ابن عباس: [ثم يصوّر] (١٦) (١٧) (١٨) قوله: ﴿ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ قال ابن الأعرابي: ﴿ مُخَلَّقَةٍ ﴾ قد بدا خلقه ﴿ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ بعد (١٩) (٢٠) (٢١) هذا الذي ذكره ابن الأعرابي: مخلقة قدرًا (٢٢) وأما أهل التفسير: فإن مجاهدًا والسدي اتفقا (٢٣) قال (٢٤) ﴿ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ قال: السقط مخلوق وغير مخلوق (٢٥) وقد كشف السدي عن هذا المعنى الذي ذكره مجاهد فقال: هذا في السقط، المرأة تسقط النطفة بيضاء والعلقة، وتسقط اللحم لم يخلق، وتسقط قد صور [بعضه، وتسقط قد صور] (٢٦) (٢٧) ويدل على أن هذا (٢٨) ﴿ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ﴾ يعني ما يولد لتمام المدة ولم تسقطه (٢٩) (٣٠) وذهب آخرون إلى أنَّ المخلقة في غير السقط، وغير المخلقة: هو السقط.

قال (٣١) (٣٢) (٣٣) ونحو هذا قال مجاهد -في رواية خُصَيف- قال: المخلقة: الولد، وغير مخلقة: السقط (٣٤) وقال ابن عباس في رواية عطاء: المخلقة: ما أخذ منه الميثاق، وغير المخلقة: ما لم يؤخذ منه الميثاق ولا يكون مخلوقًا.

ويدل على صحة هذا التفسير ما روى علقمة، عن عبد الله بن مسعود (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) وعلى هذا القول معنى (المخلقة): المخلوقة كما ذكره ابن عباس -في رواية عطاء- وهو: أنه أكمل خلقه بنفخ الروح فيه، فما أكمل خلقه بالروح ولد لتمام حيًّا، وما سقط كان غير مخلقة، أي: غير حي بإكمال خلقه بالروح (٣٩) وقال (٤٠) ﴿ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ يقول مخلوق وغير مخلوق، فالمخلوق: هو التمام من الولد، وغير المخلوق: هو السقط.

وهذا القول مذهب أكثر أهل التفسير (٤١) (٤٢) وفي هذا مذهب ثالث وهو: أن المخلقة وغير المخلقة كلاهما (٤٣) وهو مذهب قتادة، واختيار أبي إسحاق وثعلب.

قال قتادة في قوله ﴿ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ : تامة وغير تامة (٤٤) وقال (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) وقال أبو العباس (٤٩) (٥٠) وعلى هذا القول معنى المخلقة: التام الخلقة والأعضاء (٥١) قوله تعالى: ﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ اختلفوا في مفعول (٥٢) (٥٣) فقال (٥٤) (٥٥) يعني أن الله تعالى خلق بني آدم ليبين لهم من أشدهم وما يحتاجون إليه في العبادة.

وقال الزجاج: أي.

ذكرنا أحوال خلق الإنسان لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء ونعرفكم ابتداءنا (٥٦) (٥٧) وقال (٥٨) (٥٩) وقال ابن مسلم: لنبين لكم كيف نخلقكم في الأرحام (٦٠) وقال (٦١) (٦٢) قوله تعالى: ﴿ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ﴾ أي (٦٣) (٦٤) ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أي إلى أجل الولادة.

ويجوز أن يكون المعنى: ﴿ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ﴾ فلا يخرج (٦٥) ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ سماه الله لذلك (٦٦) والقراءة في "ونقرُّ" بالرفع، وروى المفضل (٦٧) (٦٨) قال أبو إسحاق: ولا يجوز فيه إلا الرفع، ولا يجوز أن يكون معناه فعلنا ذلك لنقر في الأرحام؛ لأنَّ الله -عَزَّ وَجَلَّ- لم يخلق الأنام ليقرهم في الأرحام، وإنَّما خلقهم ليدلَّهم على رشدهم وصلاحهم (٦٩) وقال (٧٠) ﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ ثم ابتدأ خبرًا آخر فقال (٧١) ﴿ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ﴾ ولذلك ارتفع؛ لأنه منقطع مما قبله.

وقوله: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ث ﴾ قال الزجاج: "طفلًا" في معنى أطفال، ودلَّ عليه ذكر الجماعة، وكأنَّ طفلا يدل على معنى: ونُخْرِج (٧٢) (٧٣) (٧٤) وقال المبرد: انتصب "طفلاً" على المصدر الذي هو في موضع الحال.

وقد قال قوم: تمييز.

والذي قال جائز في هذا الموضع كقوله: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا  ﴾ فهذا لا يكون إلا تمييزا، إلا أنّا قدمنا المصدر؛ لأنَّه قد استعمل مصدرًا كالرّضا والعدل الذي يقع على الواحد والجماعة، قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا  ﴾ فهذا فيه دليل على أنه مصدر (٧٥) وقال أبو عبيدة: طفلاً في موضع أطفال (٧٦) (٧٧) (٧٨) وقال أبو الهيثم: الصبي يدعى طفلا حين يسقط من بطن أمه إلى أن يحتلم.

قال: والعرب تقول: جاريةٌ طِفْلٌ، وجاريتان طِفْلٌ، وجَوارٍ طفلٌ وغلامٌ طفلٌ، وغلمان طفل (٧٩) (٨٠) (٨١) (٨٢) وأطفلت المرأةُ والظبيةُ (٨٣) (٨٤) قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ﴾ ذكر صاحب النظم منه وجهين: أحدهما: أَن يكون فيه إضمار على تأويل: ثم نخرجكم طفلا، ثم نعمركم (٨٥) (٨٦) والوجه الآخر: أن تكون "ثم" في قوله ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا ﴾ مقحمة (٨٧) (٨٨) (٨٩) قال ابن عباس: يريد ثماني عشرة سنة (٩٠) قال الزَّجَّاج: وتأويله الكمال والقوة والتمييز وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين (٩١) قوله تعالى: ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى ﴾ قال ابن عباس: يريد من قبل ذلك.

يعني من قبل بلوغ الأشد (٩٢) ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ﴾ أي: أخسّه وأدونه، وهو الخرف، يخرف حتى لا يعقل، وبيَّن ذلك بقوله ﴿ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد يبلغ من السن ما يتغير (٩٣) (٩٤) قال: وليس ذلك إلا في أهل الشرك (٩٥) وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة، واحتجّ بقوله: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ  ﴾ قال: إلا الذين قرأوا القرآن (٩٦) قوله ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً ﴾ قال الزَّجَّاج: ثم دلَّهم على إحيائه (٩٧) (٩٨) وقال صاحب النظم: هذا فصل منقطع مما قبله؛ لأنَّ الأول مخاطبة جماعة وهذا مخاطبة واحد، وهو معطوف على ما قبله بمثل معناه لأنّه من تبيين وجوب البعث (٩٩) قال الليث: أرض جامدة مقشعرةٌ لا نبات فيها إلاَّ يبيس (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) وقال شمر: الهامد: الأرض المسنتة (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) (١٠٨) (١٠٩) قال (١١٠) (١١١) (١١٢) (١١٣) قالت قُتَيْلةُ ما لجسمك شاحبًا ...

وأرى ثيابك باليات هُمَّدا (١١٤) (١١٥) قال ابن عباس: هامدة يريد التي قد تلبَّدت وذهب عنها النَّذى.

وقال مجاهد: هالكة.

يعني جافة (١١٦) وقال قتادة: غبراء متهشمة [[قال السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 11: وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله "وترى الأرض هامدة" أي: غبراء متهشمة.

وهذه الرواية عن قتادة ليست موجودة في تفسير عبد الرزاق والطبري في هذا الموطن من سورة الحج كما عزى إليها السيوطي، وإنما موجودة في تفسير قوله تعالى "ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة" [فصلت: 39] فروى عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 188 والطبري 24/ 122 عن قتادة في قوله "ترى الأرض خاشعة" قال: غبراء متهشمة.]].

[يعني متهشمة] (١١٧) وقال أبو إسحاق: يعني جافة ذات تراب (١١٨) وقال ابن مسلم: ميتة يابسة كالنار إذا طفئت فذهبت (١١٩) وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ﴾ قال المفسرون: تحركت بالنبات (١٢٠) والمعنى على هذا تحركت بالنبات عند وقوع الماء، وذلك أن الأرض ترتفع عن النبات إذا ظهر فذلك تحركها، وهو معنى قوله ﴿ وَرَبَتْ ﴾ أي: ارتفعت وزادت.

وقال الليث: يقال اهتزت الأرض (١٢١) (١٢٢) وقال المبرد: أراد (١٢٣) (١٢٤) (١٢٥) (١٢٦) وقوله ﴿ وَرَبَتْ ﴾ أي زادت ونمت، أي الأرض أو نباتها على ما ذكرنا.

ويقال: ربا الشيء، إذا زاد، ومنه الرَّبوة والرِّبا (١٢٧) وقوله ﴿ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ قال ابن عباس: من كل صنف حسن (١٢٨) (١٢٩) قال المبرّد: هو الشيء المشرق الجميل (١٣٠) ﴿ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ  ﴾ .

وعلى هذا هو فعيل من بهج (١٣١) (١٣٢) (١٣٣) (١٣٤) (١٣٥) ويقال: تباهج الروض إذا كثر نواره (١٣٦) (١٣٧) وأكثر أهل (١٣٨) (١٣٩) (١٤٠) (١) مثله في "تنوير المقباس" ص 206، وذكره ابن الجوزي 5/ 406 من غير نسبة لأحد.

(٢) مثله في "تنوير المقباس" ص 206.

(٣) ) من): ساقطة من (أ).

(٤) (فإنكم): ساقطة من (ظ).

(٥) في (ظ): (وعلَّمهم).

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 412.

(٧) في (أ): (قال).

(٨) آدم: ساقطة من (ظ).

(٩) في (ظ): (النطفة).

(١٠) انظر: (نطف) في: "تهذيب اللغة" 13/ 365 - 366، "الصحاح" 4/ 1434، "لسان العرب" 9/ 335 - 336.

(١١) منه: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).

(١٢) انظر: "علق" في "تهذيب اللغة" 11/ 243، "الصحاح" 4/ 1529، "لسان العرب" 10/ 267.

(١٣) هذا عجز بيت للقطامي من قصيدة يمدح بها زفر بن الحارث الكلابي، وصدره: وَظَلَّتْ تَعْبِطُ الأيدي كُلُوما وهو في "ديوانه" ص 33، "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 144 (تدع)، "لسان العرب" 7/ 348 (عبط).

والمتاع: القيء.

"لسان العرب" 8/ 38 (تيع).

(١٤) (من): ساقطة من (ظ).

(١٥) رواه البخاري كتاب "القدر" 12/ 477، ومسلم كتاب "القدر" 4/ 2036 من حديث ابن مسعود  قال: حدثنا رسول الله -  - وهو الصادق المصدوق، فذكره.

(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(١٧) في (ظ)، (ع)، (د): (ولد)، وهو خطأ.

(١٨) ذكره عنه القرطبي 12/ 6 باختصار.

(١٩) (بعد): ساقطة من (ظ)، (ع) وهي في (د): (قد).

(٢٠) في (أ): (يتصور).

وغير واضحة في (د).

(٢١) قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 28.

(٢٢) (مخلقة قدرًا): ساقطة من (أ).

وسقط من (ع): (قدرا).

(٢٣) (اتفقا): زيادة من (ظ).

(٢٤) في (ظ): (وقال).

(٢٥) رواه الطبري 17/ 117 عن مجاهد من رواية ابن أبي نجيح.

(٢٦) ما بين المعقوفين في حاشية (ظ).

(٢٧) ذكره عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 407.

(٢٨) العبارة في (ظ): (ويدل على هذا أنه).

(٢٩) في (أ): (ولم تسقط).

(٣٠) سيأتي بيان ضعف هذا القول مع القول الذي بعده.

(٣١) في (ظ)، (د)، (ع): (وقال).

(٣٢) في (ظ): (ما قد كان حيًا).

(٣٣) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 10.

(٣٤) رواه عنه سعيد بن منصور في "تفسيره" 155 ب من رواية خصيف.

(٣٥) في (ظ): (ابن عباس)، وهو خطأ.

(٣٦) صحتها: رمتها.

"الصحاح" 1/ 340 (مجج).

(٣٧) (منه): ساقطة من (ظ).

(٣٨) رواه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" 17/ 117، قال ابن حجر في "الفتح" 1/ 419: وإسناده صحيح.

وهو موقوف لفظا، مرفوع حكمًا.

اهـ.

ورواه بنحوه مطولاً ابن أبي حاتم (كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 207 و"الدر المنثور" 6/ 9)، والواحدي في "الوسيط" 3/ 259.

والأثر لا يدل كما قال الواحدي على صحة هذا التفسير؛ لأنّ الأثر في النطفة: "إذا وقعت النطفة".

وظاهر القرآن أن قوله تعالى "مخلقة وغير مخلقة" وصفٌ للمضغة لا للنطفة.

(٣٩) ذكره ابن الجوزي 5/ 406 - 407 عن ابن عباس.

(٤٠) في (د)، (ع): (وقد قال).

(٤١) وهو اختيار الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 17/ 117.

قال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 5/ 22 - 23 - بعد أن ذكر أن هذا القول اختيار الطبري.

وغير واحد من أهل العلم-: هذا القول الذي اختاره الإمام الجليل الطبري -رحمه الله- لا يظهر صوابه، وفي الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك وهي قوله -جل وعلا- في أول الآية "فإنا خلقناكم من تراب" لأنّه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى: ثم خلقناكم من مضغة مخلقة وخلقناكم من مضغة غير مخلقة.

وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة فيه من التناقض كما ترى.

فافهم.

فإن قيل: في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة السقط، لأن قوله "ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى" يفهم منه أن هناك قسمًا آخر لا يقره الله في الأرحام إلى ذلك الأجل المسمى وهو السقط؟.

فالجواب: أنَّه لا تعين فهم السقط من الآية؛ لأن الله يقر في الأرحام ما يشاء أن يقرّه إلى أجل مسمّى، فقد يقره ستة أشهر، وقد يقره تسعة وقد يقره أكثر من ذلك كيف شاء.

أما السقط فقد دلت الآية على أنّه غير مراد بدليل قوله "فإنا خلقناكم" الآية؛ لأن السقط الذي تلقيه أمُّه ميتًا -ولو بعد التشكيل والتخطيط- لم يخلق الله منه إنسانًا واحداً من المخاطبين بقوله ﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ﴾ الآية، فظاهر القرآن يقتضي أن كلا من المخلقة وغير المخلقة يخلق منه بعض المخاطبين في قوله "يا أيها الناس ..

" الآية اهـ.

وفي جواب الشنقيطي أيضًا ردّ على قول من قال السقط مخلوق وغير مخلوق.

(٤٢) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 44.

(٤٣) في (أ): (كلاها).

(٤٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 32، والطبري 17/ 117.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 11 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير.

(٤٥) في (ظ): (قال).

(٤٦) في (ظ): (تتم)، وفي (د): (تتم)، مهملة، وفي (ع): (يتم)، وما أثبتنا هو الموافق لما في المعاني.

(٤٧) الاسم الجليل كتب في حاشية (ظ)، وعليه علامة التصحيح.

(٤٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 412.

(٤٩) هو ثعلب.

(٥٠) ذكره عن أبي العباس الأزهري في "تهذيب اللغة" 7/ 28 (خلق).

(٥١) قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 5/ 23 - 24 عن هذا القول أنه أولى الأقوال في الآية وهو القول الذي لا تناقض فيه؛ لأن القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضًا لا == ليتناقض بعضه مع بعض.

وعزاه إلى قتادة والضحاك.

قال: واقتصر عليه الزمخشري ثم نقل الشنقيطي عن الزمخشري -وقول الزمخشري في "الكشاف" 3/ 5 - أنه قال: والمخلقة: المسوّاه الملساء من النقص والعيب، يقال: خلق السواك والعود: إذا سواه وملسه، من قولهم: صخرة ملساء، إذا كانت ملساء، كانَّ الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة، منها ما هو كامل الخلقة أملس من الجوب ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم.

قال الشنقيطي: وهذا المعنى الذي ذكره الزمخشري معروف في كلام.

ثم ذكر الشنقيطي شواهد من شعر العرب وكلامهم في هذا المعنى.

(٥٢) في (ظ): (معنى).

(٥٣) في (د)، (ع): (لنبين).

(٥٤) في (ظ)، (د)، (ع): (قال).

(٥٥) ذكره البغوي 5/ 366، وابن الجوزي 5/ 407 من غير نسبة لأحد.

(٥٦) في (ظ): (ابتداء).

(٥٧) ليس في المطبوع من "معاني الزجاج" 3/ 412 إلا قوله: أي ذكرنا أحوال خلق الإنسان.

(٥٨) في (ظ): (قال).

(٥٩) ذكر ابن عطية في "المحرر" 10/ 229، وابن الجوزي 5/ 407 هذا القول مختصرًا من غير نسبة لأحد.

(٦٠) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 290.

(٦١) في (ظ): (قال).

(٦٢) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 47 أمن غير نسبة لأحد.

وانظر: "الكشاف" للزمخشري 3/ 5.

حيث قال: 3/ 5: وورود الفعل غير معدى إلى المبيَّن إعلامٌ بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه الا يكتنهه ولا يحيط به الوصف.

(٦٣) في (د): (أن)، وهو خطأ.

(٦٤) في (أ): (يثبت)، وفي (ظ): (يثيب)، ومهملة في (د)، وفي (ع): (نبت)، وما أثبتنا هو الصواب.

(٦٥) في (ظ)، (د)، (ع): (فلا يكون سقطا بخرج)، بزيادة: (يكون سقطا)، وهذه الزيادة تخل بالمعنى ويظهر لي أن ناسخ النسخة التي نسخت منها تلك النسخ رجع نظره إلى الجملة التي قبل هذه الجملة فهي مشابهة لها.

(٦٦) في (أ): (كذلك)، وهو خطأ.

(٦٧) هو المفضل بن محمد، الضبي، الكوفي، اللغوي، أبو محمد.

كان من جلّة أصحاب عاصم، قرأ عليه، وتصدَّر للإقراء.

وهو صاحب المفضليات" المشهورة.

قال الخطيب البغدادي: كان إخباريا علامة موثقا.

لكن قال أبو حاتم الرازي: متروك القراءة والحديث.

قال الذهبي -معلقًا على قول أبي حاتم: قلت: قد شذ عن عاصم بأحرف.

وقال أبو حاتم السجستاني: ثقة في الأشعار، غير ثقة في الحروف.

توفي سنة 168 هـ.

"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم 8/ 318، "تاريخ بغداد" 13/ 121، "إنباه الرواة" 3/ 298، "معرفة القراء الكبار" للذهبي 1/ 131، "غاية النهاية" 2/ 357 "لسان الميزان" لابن حجر 6/ 81.

(٦٨) ذكرها النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 87 من رواية المفضل، عنه.

وهي رواية شاذة لا تصح عن عاصم؛ لأنَّ المفضل متروك القراءة.

(٦٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 412.

(٧٠) في (ظ): (قال).

(٧١) في (ظ)، (د): (قال)، وفي (أ): (وقال)، والمثبت من (ع).

(٧٢) في (أ): (يخرج)، مهمل الأول.

وفي (ط)، (د): (يخرج)، مهملة.

والمثبت من (ع).

وفي المطبوع من المعاني: ويخرج.

(٧٣) في (أ): (منهم).

(٧٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 412.

(٧٥) ذكر هذا القول عن المبرد باختصار القرطبي 12/ 12، وأبو حيان 6/ 352 والسمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 232.

(٧٦) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 44.

(٧٧) هذا الشطر من الرجز أنشده أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 195 ونسبه للغنوي.

وهو بلا نسبة في "الكتاب" 9/ 201، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 437، المقتضب للمبرد 2/ 172، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 83.

ونسبه السيرافي في شرح أبيات سيبويه 1/ 212، والشنتمري في "تحصيل عين الذهب" 1/ 107، وابن منظور في "لسان العرب" 14/ 423 "شجا" للمسيب بن زيد بن مناة الغنوي يخاطب به حنظلة بن الأعرف الضبابي، وكان حنظلة قد غزا غَنيّ فأخذ غلامًا منتهم، فبيع ذلك الغلام، فخفي شأنه زمانًا، ثم وجدته غنيّ في بيت ختنٍ لحنظلة بن الأعراف فأخذوا الغلام وقتلوا ختن حنظلة، فبلغهم أن == الأعرف يتبعهم ويتوعدهم، فقال المسيب: مالك يا أعرف تبتغينا إلى أن قال: في حلقكم عظمٌ وقد شجينا.

قال السيرافي: الشاهد فيه قوله "في حلقكم" فوحّد وهو يريد في حلوقكم، فوضع الواحد في موضع الجمع ....

وقوله "في حلقكم عظم وقد شجينا" هو على طريق المثل، يعني أنهم بمنزلة من قد غصّ بشيء في حلقه لأجل قتل ختنهم، ونحن قد شجينا بشيء في حلوقنا من أجل العلام الذي قد سبي هنا.

اهـ.

(٧٨) في (أ)، (د)، (ع) خلقكم.

والمثبت من (ظ) وباقي مصادر التخريج.

(٧٩) وغلمان طفل: ليست في المطبوع من "تهذيب اللغة" 3/ 348.

(٨٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).

(٨١) في "تهذيب اللغة" 13/ 348 نقلاً عن أبي الهيثم: ويقال: طفلٌ، وطفلةٌ، وطفلان، وأطفال، وطفلتان، وطفْلات في القياس.

وكذا في "اللسان" 11/ 402 (طفل).

وعند القرطبي 12/ 12: ويقال أيضًا: طفل وطفلة وطفلان وطفلتان وأطفال، ولا يقال: طفلات مثل ما عند الوحدي.

(٨٢) قول أبي الهثم في "تهذيب اللغة" للأزهري 13/ 348.

(٨٣) في (ظ): (الضبية).

(٨٤) "تهذيب اللغة" للأزهري 13/ 348 (طفل) نقلا عن الليث.

(٨٥) في (ظ): (نقمكم).

(٨٦) ذكر ابن الجوزي 5/ 40 هذا الوجه، ولم ينسبه لأحد.

(٨٧) في (أ): (مفخمة، تفخّم).

(٨٨) ذكر القرطبي 12/ 12 هذا الوجه، وصدره بقوله: وقيل.

وهذا الوجه الذي ذكره الواحدي عن صاحب النظم -مردود؛ قال أبو حيان في البحر 5/ 110: وغير ثابت من "لسان العرب" زيادة "ثم".

(٨٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).

(٩٠) ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 149 عند قوله تعالى ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ  ﴾ عن ابن عباس -من رواية أبي صالح- أنه قال: ما بين ثماني عثمرة إلى ثلاثين سنة.

ثم ذكر قولاً آخر أنه: ثماني عشرة سنة، وعزاه لسعيد بن جبير ومقاتل.

(٩١) "معاني القرآن" للز جاج 3/ 413.

(٩٢) ذكره ابن الجوزي 5/ 408 ولم ينسبه لأحد.

(٩٣) في (ظ)، (ع): (سعد) مهملة.

وفي (أ): (يتعين)، والمثبت من (ع).

(٩٤) في "الوسيط" 3/ 260 عن ابن عباس: يبلغ السن من بعد ما يتغير عقله حتي لا يعقل شيئا.

(٩٥) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 468 عنه من رواية عطاء بمعناه.

عند قوله تعالى ﴿ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا  ﴾ .

وهذه الرواية لا تصح عن ابن عباس، وكم شوهد من أهل الإسلام من ردّ إلى أرذل العمر، وقد كان النبي -  - يقول في دعائه: "وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر" رواه البخاري كتاب الدعوات، باب التعوذ من البخل 11/ 178.

(٩٦) رواه الطبري 30/ 346 بنحوه، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 8/ 558 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.

وقد روى سعيد بن منصور في تفسيره (ل 155 ب) وابن أبي شيبة في مصنفه 10/ 468 عنه قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمل.

ثم قرأ ﴿ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا  ﴾ .

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 146 وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٩٧) في (أ): (إحياء).

(٩٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 413.

(٩٩) ذكره القرطبي 12/ 13 بمعناه من غير نسبة لأحد.

(١٠٠) في (أ): (مهملة).

وفي (ظ): (يبس).

(١٠١) من (أ): (فيحكم)، وهو خطأ.

(١٠٢) في (ظ): (والهادرة).

(١٠٣) قول الليث في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 228 "همد".

وهو في "العين" 4/ 31 "همد" بنصه.

(١٠٤) في (أ): (المسننة)، وفي (ظ)، (د): (المسنة).

وفي (ع): (المسه)، مهملة.

والتصويب من "تهذيب اللغة" 6/ 228.

وفي "تهذيب اللغة" 12/ 385: قال ابن شميل: أرضٌ مسنته: لم يصبها مطرٌ فلم تُنبت.

(١٠٥) في (أ): (وهودها)، وهو خطأ.

(١٠٦) في جميع النسخ: (حيا)، والتصويب في "تهذيب اللغة" 6/ 228.

(١٠٧) في (ظ)، (د)، (ع): (والمراد)، وهو خطأ.

(١٠٨) في (أ): (وهذا)، وهو خطأ.

(١٠٩) "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 228 (همد).

(١١٠) قال: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).

(١١١) في (أ): (همت)، وهو خطأ.

(١١٢) ألبتة مهملة في (د).

(١١٣) "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 228 "همد" من رواية أبي عبيد، عن الأصمعي.

(١١٤) همدا: ساقطة من (ظ).

(١١٥) البيت في "ديوانه" ص 227، والرواية فيه (سايئا) في موضع (شاحبا)، والطبري 17/ 119، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 174، والقرطبي 12/ 13.

(١١٦) في (أ): (حاقة)، وهو خطأ.

(١١٧) ساقط من (ظ)، (د)، (ع).

(١١٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 413.

(١١٩) غريب القرآن لابن قتيبة ص 290.

(١٢٠) الطبري 17/ 119، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 47 ب.

(١٢١) (الأرض): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).

(١٢٢) "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 350 (هزَّ) بنصِّه، لكن من غير نسبة لأحد.

وكأنَّ في المطبوع سقطًا، وهو في العين 2/ 346 "هزّ" مع اختلاف يسير جدًّا.

(١٢٣) أراد: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).

(١٢٤) ذكره عن المبرد ابن الجوزي 5/ 408، والقرطبي 12/ 13.

(١٢٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).

(١٢٦) انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 350 (هز)، "لسان العرب" 5/ 424 (هزز).

وقال أبو حيان في البحر 5/ 353: واختزازها: تخلخلها واضطراب بعض أجسامها لأجل خروج النبات.

(١٢٧) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 272 - 274 (ربا).

(١٢٨) روى ابن أبي حاتم (كما في "الدر المنثور" 6/ 11) عنه قال: "بهيج" أي حسن.

(١٢٩) "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 64 "بهج" عن الليث، وهو في العين 3/ 394 (بهج).

(١٣٠) ذكره الرازي 23/ 9 عن المبرّد.

(١٣١) في (أ): (بهيج)، وهو خطأ.

(١٣٢) في جميع النسخ: (ابن زيد)، وهو تصحيف.

والتصويب من "تهذيب اللغة" وغيره.

(١٣٣) (حسن): ساقط من (ظ)، (د)، (ع).

(١٣٤) في (ظ)، (د)، (ع): (قد).

(١٣٥) قول أبي زيد في "تهذيب اللغة" 6/ 65 (بهج).

(١٣٦) في "تهذيب اللغة" 6/ 64، "لسان العرب" 2/ 216: نَوْرُهُ.

(١٣٧) هذا الشطر أنشده الليث في العين 3/ 394 من غير نسبة، والرواية فيه: "نوارها" في موضع "نواره".

وقال: يصف الروضة.

وهو في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 64 (بهج)، و"لسان العرب" 2/ 9216 (بهج)، وتاج العروس 5/ 431 (بهج).

وفي "التكلمة" للصاغاني 1/ 403 أن القائل هو أسد بن ناعصة، وصدره فيها: في بَطْنِ وادٍ مُسْجَهرٍّ رَفْرَفِ (١٣٨) في (ظ)، (د)، ع): (هذا).

(١٣٩) العبارة في (ظ)، (د)، (ع): (علي بهيج يقال هاهنا)، وهي عبارة ركيكة.

(١٤٠) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص290.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث ﴾ الآية: معناها إن شككتم في البعث الأخروي فزوال ذلك الشك أن تنظروا في ابتداء خلقتكم؛ فتعلموا أن الذي قدر على أن خلقكم أول مرة: قادر على أن يعيدكم ثاني مرة، وأن الذي قدر على إخراج النبات من الأرض بعد موتها: قادر على أن يخرجكم من قبوركم ﴿ خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ إشارة إلى خلق آدم، وأسند ذلك إلى الناس لأنهم من ذريته وهو أصلهم ﴿ مِنْ عَلَقَةٍ ﴾ العلقة قطعة من دم جامدة ﴿ مِن مُّضْغَةٍ ﴾ أي قطعة من لحم ﴿ مُّخَلَّقَةٍ ﴾ المخلقة التامة الخلقة، وغير المخلقة الغير التامة: كالسقط، وقيل: المخلقة المسوّاة السالمة من النقصان ﴿ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ اللام تتعلق بمحذوف تقديره: ذكرنا ذلك ﴿ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ قدرتنا على البعث ﴿ وَنُقِرُّ ﴾ فعل مستأنف ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ يعني وقت وضع الحمل وهو مختلف وأقله ستة أشهر إلى ما فوق ذلك ﴿ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ أفرده لأنه أراد الجنس، أو أراد نخرج كل واحد منكم طفلاً ﴿ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ ﴾ هو كمال القوّة والعقل والتمييز.

وقد اختلف فيه من ثماني عشرة سنة إلى خمس وأربعين ﴿ أَرْذَلِ العمر ﴾ ذكر في [النحل: 70] ﴿ هَامِدَةً ﴾ يعني لا نبات فيها ﴿ اهتزت ﴾ تحركت بالنبات وتخلخلت أجزاؤها لما دخلها الماء ﴿ وَرَبَتْ ﴾ انتفخت ﴿ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ أي صنف عجيب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.

يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.

روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.

الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.

﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.

التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله  في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.

ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.

يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله  فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها  ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.

والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.

وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله  سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.

أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.

وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.

وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.

و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.

عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.

وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.

قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً  ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي  قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.

روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله  قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.

فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.

قال: يا رب وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟

فقال رسول الله  : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .

واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.

وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.

ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول  ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.

ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق  ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.

عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.

ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.

وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.

وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.

والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.

قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.

وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.

وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟

فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟

فيقول  : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.

وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.

وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟

ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.

والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.

ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.

همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً  ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.

ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.

ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.

﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.

وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.

الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.

الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.

فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.

الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.

قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.

وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.

والذي يسنح لي في تفسيره أنه  أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟

فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه  واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.

وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.

ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله  أعلم بمراده.

قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.

وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.

وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.

قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.

وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.

وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.

قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.

﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".

ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.

قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.

وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.

وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.

وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.

وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي  فقال: أقلني.

فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.

والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.

وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.

دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.

قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.

فيه بحث لفظي وبحث معنوي.

أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.

وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.

والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.

وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟

والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.

سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس  ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.

والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.

ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.

أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.

قوله  ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد  للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟

قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.

وعندي في هذا القول بعد.

وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.

وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله  يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.

والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.

ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.

الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.

قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.

ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.

وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.

قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله  فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.

أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.

واعترض بأن الله  وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.

ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله  وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد  وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.

قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.

ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.

وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.

وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.

وقيل: إن أقل الجمع اثنان.

ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.

وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.

وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد  وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.

وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.

فقال علي  : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله  يوم القيامة.

وعن عكرمة هما الجنة والنار.

قالت النار: خلقني الله لعقوبته.

وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد  والأقرب هو الأول.

وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه  يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.

وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ والحميم الماء الحار.

عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.

ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم  ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.

قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.

وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض  ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".

وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون  ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله  أعلم.

التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.

﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.

﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.

وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.

﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ذكر المجادلة في الله، ولم يبين فيم جادلوا؟

وقد كانت مجادلتهم من وجوه: منهم من جادل في مشيئة الله تبارك وتعالى.

ومنهم من جادل: أن هذا العالم منشأ أم لا؟

ومنهم من جادل في وحدانية الله  : واجد أو عدد؟

ومنهم من جادل في بعث الأنبياء وإرسال الرسل.

ومنهم من جادل في إنزال الكتب.

ومنهم من جادل في دين الله -  - المدعو إليه.

وبمثل هذا قد كثرت مجادلاتهم فيما ذكرنا، وكل ذلك كان مجادلة بغير علم؛ لأنهم لو تفكروا في هذا العالم، ونظروا فيه حق النظر لعرفوا أن لهذا العالم منشئاً، وأنه واحد لا عدد، وأنه عالم قادر بذاته، وأنه بعث الرسل والكتب، وعرفوا أيضاً أنه يبعث هذا العالم ويحييهم، وأنه قادر على ذلك، لكنهم [لم] يتفكروا فيه، ولم ينظروا حق النظر، فجادلوا فيه بغير علم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ﴾ : الشيطان المعروف نفسه، يتابعه في كل ما يدعوه.

وجائز أن يكون أراد أنه يتبع كل من يعمل عمل الشيطان، وهم القادة الذين كانوا يدعون إلى اتباع ما يدعو الشيطان ويوحي إليهم ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ  ﴾ ، أخبر أن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوكم، فذلك معنى قوله: ﴿ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ﴾ قيل: فعيل بمعنى فاعل، على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ  ﴾ قال بعضهم: كل متمرد في العناد والمكابرة، فهو مارد.

وقال بعضهم: المارد: هو المجاوز عن جنسه في عتوه وتمرده؛ ولذلك سمي الذي لا لحية له: أمرد؛ لخروجه ومجاوزة أجناسه ورجاله، والمارد بالفارسية: ستنبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ﴾ قال بعضهم: كتب على الشيطان أن من تولاه واتبعه أن يضله ﴿ وَيَهْدِيهِ ﴾ أي: يدعوه ﴿ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ ، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ .

وقال بعضهم: كتب على من تولى الشيطان واتبعه أنه يضله، أي: يدعوه إلى ما به ضلاله وهلاكه.

وقوله: قيل: حكم.

وقيل: قضى.

و ﴿ كُتِبَ ﴾ يحتمل الإثبات، أي: أثبت في أم الكتاب: أن من تولى الشيطان واتبعه أنه يضله، وقد ذكر إضلال الشيطان في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ أي: خلقنا أصلكم من تراب، وخلقنا أولاده من نطفة ﴿ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ...

﴾ الآية.

تأويله - والله أعلم -: أن كيف تشكون في البعث وتنكرونه وليس سبب إنكاركم البعث إلا أن تصيروا تراباً أو ماء في العاقبة، وقد كنتم في مبادئ أحوالكم تراباً وماء، فكيف أنكرتم بعثكم إذا صرتم تراباً؟

أو أن يكون معناه: أن كيف أنكرتم البعث وقد رأيتم أنه يقلبكم من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن العلقة إلى المضغة، ولا يقلب من حال إلى حال بلا عاقبة تقصد، فلو لم يكن بعث - كما تزعمون - لكان خلقكم وتقليبكم من حال إلى حال عبثاً؛ على ما أخبر: أن خلق الخلق لا للرجوع إليه عبث، كقوله؛ ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] صيرّ خلق الخلق لا للرجوع إليه عبثاً، فعلى ذلك الأوّل.

أو أن يكون تأويله - والله أعلم -: ﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ...

﴾ إلى آخر الآية، ولو اجتمع حكماء البشر وعلماؤهم ليعرفوا السبب الذي خلق البشر من ذلك التراب أو من النطفة - ما قدروا عليه، وما وجدوا للبشر فيه أثرا، ولا معنى البشرية فيه، فمن قدر على ابتداء إنشاء هذا العالم من التراب أو من النطفة من غير سبب يوجد فيه، ولا أثر - لقادر على إعادتهم، وإعادة الشيء في عقولكم أهون وأيسر من الابتداء، فمن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر.

وقوله: ﴿ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مُّخَلَّقَةٍ ﴾ : أي مخلوقة خلقا، و ﴿ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ : أي غير مخلوقة خلقا، نطفة على حالها.

وقال بعضهم: ﴿ مُّخَلَّقَةٍ ﴾ أي: تامة، و ﴿ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ أي: غير تامة خلقاً، وهو الأشبه؛ لأن التشديد إنما يذكر لتكثير الفعل، والتخفيف لتقليله، فكأنه قال: ﴿ مُّخَلَّقَةٍ ﴾ ، أي: قد أتم خلقها من الجوارح والأعضاء، و ﴿ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ ، أي: غير تامة خلقا، بل ناقصة.

وقوله: ﴿ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى...

﴾ كأن قوله: ﴿ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ ﴾ موصولا بقوله: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ ثم ﴿ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ : من ستة أشهر إلى سنتين، أو ما شاء الله ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ ﴾ من الأرحام بعد الإقرار فيها ﴿ طِفْلاً ﴾ قال بعضهم: ثم نخرج كلا منكم طفلا.

وقال بعضهم: واسم الطفل يجمع ويفرد.

﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ ﴾ قال بعضهم: الأشد هو ثلاث وثلاثون سنة.

وقال بعضهم: هو من ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وأصل الأشد: هو من اشتداد كل شيء، وتقوي كل شيء فيه من الجوارح والأعضاء، وكل ما ركب فيه من العقل وغيره، ثم عند ذلك يبين لهم، ويكون قوله: ﴿ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ بعد هذا كله إذا بلغوا المبلغ الذي يعرفون تقليبه إياهم من حال إلى حال، على ما ذكر، ثم يحتمل قوله: ﴿ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ وجوهاً: أحدها: يبين قدرته وسلطانه: أن من قدر على تحويلهم من حال التراب إلى حال الإنسانية والبشرية، ومن حال النطفة إلى حال العلقة ...

ثم إلى آخر ما ذكر لقادر على البعث والإحياء بعد ما صاروا تراباً.

أو يبين علمه في الظلمات الثلاث التي كان الولد فيها أن كيف قلبه من حال إلى حال في تلك الظلمات؛ ليعلموا أنه لا يخفى عليه شيء.

أو يبين حكمته وتدبيره في خلق الإنسان من التراب ومن النطفة ما لو اجتمع جميع الحكماء من البشر والعلماء؛ ليعرفوا المعنى الذي به خلق الإنسان منه وصار به بشراً ما قدروا عليه، ولا عرفوا السبب الذي به صار كذلك؛ ليعلموا أنه حكيم بذاته وعالم قادر بذاته، لا بتعليم غيره، ولا بإقدار غيره، فمن كان هذا سبيله لا يعجزه شيء؛ ينشئ الأشياء من الأشياء ولا من الأشياء على ما شاء وكيف شاء.

وقوله: ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ ﴾ أي: من يتوفى قبل أن يبلغ أشده، دليله قوله: ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ ﴾ أي: من قبل أن يبلغ ذلك المبلغ وهو الأشد، ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ ﴾ أي: إلى وقت ما يستقذر ويستخبث، ليس كالصغير؛ لأن الصغير والطفل مما يؤمل منه في العاقبة المنافع والزيادات، [و]هذا لا يرجى منه ولا يؤمل منه العاقبة، كلما مرّ عليه وقت كان أضعف في عقله ونفسه، ولا كذلك الصغير، وهو ما قال: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً  ﴾ .

قال القتبي: ﴿ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ ﴾ : أي: الخرف والهرم.

وقوله: ﴿ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ أي: لكيلا يعلم من بعد ما كان يعلمه شيئاً.

ثم ذكر قدرته وسلطانه فقال: ﴿ وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً ﴾ قال بعضهم: ميتة، وقيل: مشققة، وقيل: يابسة، وقيل: بالية.

وقوله: ﴿ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ﴾ قال الزجاج: ﴿ وَرَبَتْ ﴾ : من الزيادة والنماء، وكذلك قال أبو عوسجة: يقال: ربا يربو، أي: زاد، وهو من الربا، وربا من الارتفاع، ربا يربو ربوة، كقوله: ﴿ وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 50\].

ثم أضاف الاهتزاز والزيادة إلى الأرض، وهي لا تهتز ولا تربو، إنما يربو ويهتز ما يخرج منها من النبات، لكن أضاف ذلك إليها لما بها كان اهتزاز ذلك النبات، وبها كان النماء؛ فاضيف إليها.

أو إن كان من الارتفاع والربوة، فهي ترتفع وتنتفخ وتهتز بالمطر.

وقوله: ﴿ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ قيل: البهيج: الحسن؛ يخبر في كل هذا قدرته وسلطانه: أن من قدر على إحياء الأرض بعد ما كانت يابسة ميتة، لقادر على إحياء الموتى بعد الموت، وبعد ما صاروا تراباً.

وقوله: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ أي: من كل جنس حسن ﴿ بَهِيجٍ ﴾ أي: يسر، وهو فعيل بمعنى فاعل، يقال: امرأة ذات خلق باهج.

وقال أبو عوسجة: الهامد: البالي، يقال: همد الثوب: إذا بلي، والهامد أيضاً: الخامد، خمدت النار تخمد خموداً.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَرَبَتْ ﴾ أي: أضعفت النبات.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: ذلك الذي تقدم ذكره من الساعة وزلزالها وأهوالها وما ذكر من خلق الإنسان وتقليبه من حال إلى حال، وما ذكر من البعث والإحياء، وإحياء الأرض بعد ما كانت هامدة - هو الحق.

﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: كائن لا محالة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ ﴾ هذا كله يدل أن قوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ في تحقيق البعث والإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء، وأنه قادر بذاته، عالم [بذاته].

وقال بعضهم: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ يقول: هذا الذي فعل وظهر من صنعه يدل على أن الله هو الحق وغيره من الآلهة التي يعبدونها باطل، وأنه يحيي الموتى في الآخرة، لا الآلهة التي يعبدونها، ﴿ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ \[أي: قدير\] على ما يشاء، وهو ما أخبرنا.

وقال الحسن: هو اسم من أسماء الله  سمي به؛ لأنه يحكم بالحق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الناس، إن كان لديكم شك في قدرتنا على بعثكم بعد الموت، فتأملوا في خلقكم؛ فقد خلقنا أباكم آدم من تراب، ثم خلافنا ذريته من مني يقذفه الرجل في رحم المرأة، ثم يتحول المني دمًا جامدًا، ثم يتحول الدم الجامد إلى قطعة لحم تشبه قطعة اللحم الممضوغة، ثم تتحول قطعة اللحم إما إلى خلق سوي يبقى في الرحم حتى يخرج مولودًا حيًّا، وإما إلى خلق غير سوي يسقطه الرحم؛ لنبين لكم قدرتنا بخلقكم أطوارًا، ونثبت في الأرحام ما نشاء من الأجنة حتى يولد في أجل محدد وهو تسعة أشهر، ثم نخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالًا، ثم لتصلوا إلى كمال القوة والعقل، ومنكم من يموت قبل ذلك، ومنكم من يعيش حتى يبلغ من الهرم حيث تضعف القوة ويضعف العقل، حتى يصير أسوأ حالًا من الصبي، لا يعلم شيئًا مما كان يعلمه، وترى الأرض يابسة لا نبات فيها، فإذا أنزلنا عليها ماء المطر تفتحت عن النبات، وارتفعت بسبب نموّ نباته، وأخرجت من كل صنف من النبات جميل المنظر.

من فوائد الآيات وجوب الاستعداد ليوم القيامة بزاد التقوى.

شدة أهوال القيامة حيث تنسى المرضع طفلها وتسقط الحامل حملها وتذهب عقول الناس.

التدرج في الخلق سُنَّة إلهية.

دلالة الخلق الأول على إمكان البعث.

ظاهرة المطر وما يتبعها من إنبات الأرض دليل ملموس على بعث الأموات.

<div class="verse-tafsir" id="91.MDMNE"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله