الآية ٦ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٦ من سورة الحج

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ذلك بأن الله هو الحق ) أي : الخالق المدبر الفعال لما يشاء ، ( وأنه يحيي الموتى ) [ أي : كما أحيا الأرض الميتة وأنبت منها هذه الأنواع; ( إن الذي أحياها لمحيي الموتى ) ] ، ( إنه على كل شيء قدير ) [ فصلت : 39 ] ف ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) [ يس : 82 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يعني تعالى ذكره بقوله: ذلك هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس من بدئنا خلقكم في بطون أمهاتكم، ووصفنا أحوالكم قبل الميلاد وبعده، طفلا وكهلا وشيخا هرما وتنبيهنا لكم على فعلنا بالأرض الهامدة بما ننـزل عليها من الغيث، لتؤمنوا وتصدّقوا بأن ذلك الذي فعل ذلك الله الذي هو الحقّ لا شك فيه، وأن من سواه مما تعبدون من الأوثان والأصنام باطل لأنها لا تقدر على فعل شيء من ذلك، وتعلموا أن القدرة التي جعل بها هذه الأشياء العجيبة لا يتعذّر عليها أن يحيي بها الموتى بعد فنائها ودروسها في التراب، وأن فاعل ذلك على كلّ ما أراد وشاء من شيء قادر لا يمتنع عليه شيء أراده.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قديرقوله تعالى : ذلك بأن الله هو الحق لما ذكر افتقار الموجودات إليه وتسخيرها على وفق اقتداره واختياره في قوله : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث - إلى قوله - ( بهيج ) .

قال بعد ذلك : ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور .

فنبه سبحانه وتعالى بهذا على أن كل ما سواه وإن كان موجودا حقا فإنه لا حقيقة له من نفسه ؛ لأنه مسخر مصرف .

والحق الحقيقي : هو الموجود المطلق الغني المطلق ؛ وأن وجود كل ذي وجود عن وجوب وجوده ؛ ولهذا قال في آخر السورة : وأن ما يدعون من دونه هو الباطل .

والحق الموجود الثابت الذي لا يتغير ولا يزول ، وهو الله تعالى .

وقيل : ذو الحق على عباده .

وقيل : الحق بمعنى في أفعاله .

وقال الزجاج : ( ذلك ) في موضع رفع ؛ أي الأمر ما وصف لكم وبين .

بأن الله هو الحق أي لأن الله هو الحق .

وقال : ويجوز أن يكون ( ذلك ) نصبا ؛ أي فعل الله ذلك بأنه هو الحق .

وأنه يحيي الموتى أي بأنه وأنه على كل شيء قدير أي وبأنه قادر على ما أراد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ذَلِكَ } الذي أنشأ الآدمي من ما وصف لكم، وأحيا الأرض بعد موتها، { بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ } أي: الرب المعبود، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وعبادته هي الحق، وعبادة غيره باطلة، { وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى } كما ابتدأ الخلق، وكما أحيا الأرض بعد موتها، { وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } كما أشهدكم من بديع قدرته وعظيم صنعته ما أشهدكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلك بأن الله هو الحق ) أي لتعلموا أن الله هو الحق ( وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك» المذكور من بدء خلق الإنسان إلى آخر إحياء الأرض «بأن» بسبب أن «الله هو الحق» الثابت الدائم «وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شيء قدير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ذلك المذكور مما تقدَّم من آيات قدرة الله تعالى، فيه دلالة قاطعة على أن الله سبحانه وتعالى هو الرب المعبود بحق، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وهو يُحيي الموتى، وهو قادر على كل شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على وحدانيته وقدرته فقال : ( ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّهُ يُحْيِي الموتى وَأَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .واسم الإشارة يعود إلى المذكور من خلق الإنسان وإحياء الأرض بعد موتها .

.

.أى : ذلك الذى ذكرناه لكم دليل واضح ، وبرهان قاطع ، على أن الله - تعالى - هو الإله الحق ، الذى يجب أن تخلصوا له العبادة والطاعة ، لأنه هو وحده الخالق لكل شىء ، ولأنه هو وحده الذى يعيد الموتى إلى الحياة ، ولأنه هو وحده الذى لا يعجزه شىء .وخص - سبحانه - إحياء الموتى بالذكر ، مع أن من جملة الأشياء المقدور عليها .

للتصريح بما هو محل النزاع وهو البعث ، ولدحض شبه المنكرين له .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القراءة قرأ الحسن ﴿ مّنَ البعث ﴾ بالتحريك ونظيره الحلب والطرد في الحلب وفي الطرد ﴿ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ بجر التاء والراء، وقرأ ابن أبي عبلة بنصبهما القراءة المعروفة بالنون في قوله: ﴿ لّنُبَيّنَ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَنُقِرُّ ﴾ وفي قوله: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ ابن أبي عبلة بالياء في هذه الثلاثة، أما القراءة بالنون ففيها وجوه: أحدها: القراءة المشهورة.

وثانيها: روى السيرافي عن داود عن يعقوب ونقر بفتح النون وضم القاف والراء وهو من قر الماء إذا صبه، وفي رواية أخرى عنه كذلك إلا أنه بنصب الراء.

وثالثها: ونقر ونخرجكم بنصب الراء والجيم أما القراءة بالياء ففيها وجوه: أحدها: يقر ويخرجكم بفتح القاف والراء والجيم.

وثانيها: يقر ويخرجكم بضم القاف والراء والجيم.

وثالثها: بفتح الياء وكسر القاف وضم الراء أبو حاتم ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يتوفى ﴾ بفتح الياء أي يتوفاه الله تعالى ابن عمرة والأعمش ﴿ العمر ﴾ بإسكان الميم القراءة المعروفة ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يتوفى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العمر ﴾ وفي حرف عبدالله ومنكم من يتوفى ومنكم من يكون شيوخاً بغير القراءة المعروفة وربت أبو جعفر وربأت أي ارتفعت، وروى العمري عنه بتليين الهمزة وقرئ وأنه باعث.

المعاني: اعلم أنه سبحانه لما حكى عنهم الجدال بغير العلم في إثبات الحشر والنشر وذمهم عليه فهو سبحانه أورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين: أحدهما: الاستدلال بخلقة الحيوان أولاً وهو موافق لما أجمله في قوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ وقوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ فكأنه سبحانه وتعالى قال: إن كنتم في ريب مما وعدناكم من البعث، فتذكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم أولاً قادر على خلقكم ثانياً، ثم إنه سبحانه ذكر من مراتب الخلقة الأولى أموراً سبعة: المرتبة الأولى: قوله: ﴿ فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: إنا خلقنا أصلكم وهو آدم عليه السلام من تراب، لقوله: ﴿ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ وقوله: ﴿ مِنْهَا خلقناكم  ﴾ ، والثاني: أن خلقة الإنسان من المني ودم الطمث وهما إنما يتولدان من الأغذية، والأغذية إما حيوان أو نبات وغذاء الحيوان ينتهي قطعاً للتسلسل إلى النبات، والنبات إنما يتولد من الأرض والماء، فصح قوله: ﴿ إِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ ﴾ المرتبة الثانية: قوله: ﴿ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ والنطفة اسم للماء القليل أي ماء كان، وهو هاهنا ماء الفحل فكأنه سبحانه يقول: أنا الذي قلبت ذلك التراب اليابس ماء لطيفاً، مع أنه لا مناسبة بينهما ألبتة المرتبة الثالثة: قوله: ﴿ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ﴾ العلقة قطعة الدم الجامدة، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة المرتبة الرابعة: قوله: ﴿ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَاءُ ﴾ فالمضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ، والمخلقة المسواة الملساء السالمة من النقصان والعيب، يقال خلق السواك والعود إذا سواه وملسه، من قولهم صخرة خلقاء إذا كانت ملساء.

ثم للمفسرين فيه أقوال: أحدها: أن يكون المراد من تمت فيه أحوال الخلق ومن لم تتم، كأنه سبحانه قسم المضغة إلى قسمين: أحدهما: تامة الصور والحواس والتخاطيط وثانيهما: الناقصة في هذه الأمور فبين أن بعد أن صيره مضعة منها ما خلقه إنساناً تاماً بلا نقص ومنها ما ليس كذلك وهذا قول قتادة والضحاك، فكأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فتبع ذلك التفاوت، تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم.

وثانيها: المخلقة الولد الذي يخرج حياً وغير المخلقة السقط وهو قول مجاهد.

وثالثها: المخلقة المصورة وغير المخلقة أي غير المصورة وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وتشكيل واحتجوا بما روى علقمة عن عبدالله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً وقال يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة، قال يا رب فما صفتها، أذكر أم أنثى، ما رزقها، ما أجلها، أشقى، أم سعيد؟

فيقول الله سبحانه انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، فينطلق الملك فينسخها، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.

ورابعها: قال القفال: التخليق مأخوذ من الخلق فما تتابع عليه الأطوار وتوارد عليه الخلق بعد الخلق فذاك هو المخلق لتتابع الخلق عليه، قالوا فما تم فهو المخلق وما لم يتم فهو غير المخلق، لأنه لم يتوارد عليه التخليقات.

والقول الأول أقرب لأنه تعالى قال في أول الآية: ﴿ فَإِنَّا خلقناكم ﴾ وأشار إلى الناس فيجب أن تحمل مخلقة وغير مخلقة على من سيصير إنساناً وذلك يبعد في السقط لأنه قد يكون سقطاً ولم يتكامل فيه الخلقة فإن قيل هلا حملتم ذلك على السقط لأجل قوله: ﴿ وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَاء ﴾ وذلك كالدلالة على أن فيه مالا يقره في الرحم وهو السقط، فلنا إن ذلك لا يمنع من صحة ما ذكرنا في كون المضغة مخلقة وغير مخلقة، لأنه بعد أن تمم خلقة البعض ونقص خلقة البعض لا يجب أن يتكامل ذلك بل فيه ما يقره الله في الرحم وفيه مالا يقره وإن كان قد أظهر فيه خلقة الإنسان فيكون من هذا الوجه قد دخل فيه السقط.

أما قوله تعالى: ﴿ لّنُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: لنبين لكم أن تغيير المضغة إلى المخلقة هو باختيار الفاعل المختار، ولولاه لما صار بعضه مخلقاً وبعضه غير مخلق وثانيهما: التقدير إن كنتم في ريب من البعث فإنا أخبرناكم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبين لكم ما يزيل عنكم ذلك الريب في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يكون عاجزاً عن الإعادة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَاءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ فالمراد منه من يبلغه الله تعالى حد الولادة، والأجل المسمى هو الوقت المضروب للولادة وهو آخر ستة أشهر، أو تسعة، أو أربع سنين أو كما شاء وقدر الله تعالى فإن كتب ذلك صار أجلاً مسمى المرتبة الخامسة: قوله: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ وإنما وحد الطفل لأن الغرض الدلالة على الجنس ويحتمل أن يخرج كل واحد منكم طفلاً كقوله: ﴿ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ  ﴾ المرتبة السادسة: قوله: ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ﴾ والأشد كمال القوة والعقل والتمييز وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد وكأنها شدة في غير شيء واحد فبنيت لذلك على لفظ الجمع، والمراد والله أعلم ثم سهل في تربيتكم وأغذيتكم أموراً لتبلغوا أشدكم فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ الأشد ويكون بين الحالتين وسائط، وذكر بعضهم أنه ليس بين حال الطفولية وبين ابتداء حال بلوغ الأشد واسطة حتى جوز أن يبلغ في السن ويكون طفلاً كما يكون غلاماً ثم يدخل في الأشد المرتبة السابعة: قوله: ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يتوفى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ والمعنى أن منكم من يتوفى على قوته وكماله، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو الهرم والخرف، فيصير كما كان في أول طفوليته ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم.

فإن قيل كيف قال: ﴿ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ مع أنه يعلم بعض الأشياء كالطفل؟

قلنا المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئاً لأن مثل ذلك قد يذكر في النفي لأجل المبالغة، ومن الناس من قال هذه الحالة لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين * إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ وهو ضعيف.

لأن معنى قوله: ﴿ ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين  ﴾ هو دلالة على الذم فالمراد به ما يجري مجرى العقوبة ولذلك قال: ﴿ إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ  ﴾ فهذا تمام الاستدلال بحال خلقة الحيوان على صحة البعث الوجه الثاني: الاستدلال بحال خلقة النبات على ذلك وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَتَرَى الأرض هَامِدَةً ﴾ وهمودها يبسها وخلوها عن النبات والخضرة ﴿ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ ﴾ والاهتزاز الحركة على سرور فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت وكيت إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع فقوله: ﴿ اهتزت وَرَبَتْ ﴾ أي تحركت بالنبات وانتفخت.

أما قوله: ﴿ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ فهو مجاز لأن الأرض ينبت منها والله تعالى هو المنبت لذلك، لكنه يضاف إليها توسعاً، ومعنى ﴿ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ من كل نوع من أنواع النبات من زرع وغرس، والبهجة حسن الشيء ونضارته، والبهيج بمعنى المبهج قال المبرد وهو الشيء المشرق الجميل، ثم إنه سبحانه لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب والنتيجة وذكر أموراً خمسة أحدها: قوله ذلك: ﴿ بِأَنَّ الله هُوَ الحق ﴾ والحق هو الموجود الثابت فكأنه سبحانه بين أن هذه الوجوه دالة على وجود الصانع وحاصلها راجع إلى أن حدوث هذه الأمراض المتنافية وتواردها على الأجسام يدل على وجود الصانع.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وأنه يحيي الموتى ﴾ فهذا تنبيه على أنه لما لم يستبعد من الإله إيجاد هذه الأشياء فكيف يستبعد منه إعادة الأموات.

وثالثها: قوله: ﴿ وَأَنَّهُ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ يعني أن الذي يصح منه إيجاد هذه الأشياء لابد وأن يكون واجب الإنصاف لذاته بالقدرة ومن كان كذلك كان قادراً على جميع الممكنات ومن كان كذلك فإنه لابد وأن يكون قادراً على الإعادة.

ورابعها: قوله: ﴿ وَأَنَّ الساعة ءاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِي القبور ﴾ والمعنى أنه لما أقام الدلائل على أن الإعادة في نفسها ممكنة وأنه سبحانه وتعالى قادر على كل الممكنات وجب القطع بكونه قادراً على الإعادة في نفسها، وإذا ثبت الإمكان والصادق أخبر عن وقوعه فلابد من القطع بوقوعه، واعلم أن تحرير هذه الدلالة على الوجه النظري أن يقال الإعادة في نفسها ممكنة والصادق أخبر عن وقوعها فلابد من القطع بوقوعها، أما بيان الإمكان فالدليل عليه أن هذه الأجسام بعد تفرقها قابلة لتلك الصفات التي كانت قائمة بها حال كونها حية عاقلة والبارئ سبحانه عالم بكل المعلومات قادر على كل المقدورات الممكنة وذلك يقتضي القطع بإمكان الإعادة لما قلنا إن تلك الإجسام بعد تفرقها قابلة لتلك الصفات لأنها لو لم تكن قابلة لها في وقت لما كانت قابلة لها في شيء من الأوقات لأن الأمور الذاتية لا تزول، ولو لم تكن قابلة لها في شيء من الأوقات لما كانت حية عاقلة في شيء من الأوقات، لكنها كانت حية عاقلة فوجب أن تكون قابلة أبداً لهذه الصفات.

وأما أن البارئ سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن فلأنه سبحانه عالم بكل المعلومات فيكون عالماً بأجزاء كل واحد من المكلفين على التعيين وقادراً على كل الممكنات، فيكون قادراً على إيجاد تلك الصفات في تلك الذوات.

فثبت أن الإعادة في نفسها ممكنة وأنه سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن.

فثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها.

فإذا أخبر الصادق عن وقوعها فلابد من القطع بوقوعها، فهذا هو الكلام في تقرير هذا الأصل.

فإن قيل فأي منفعة لذكر مراتب خلقة الحيوانات وخلقة النبات في هذه الدلالة؟

قلنا إنها تدل على أنه سبحانه قادر على كل الممكنات وعالم بكل المعلومات، ومتى صح ذلك فقد صح كون الإعادة ممكنة فإن الخصم لا ينكر المعاد إلا بناء على إنكار أحد هذين الأصلين، ولذلك فإن الله تعالى حيث أقام الدلالة على البعث في كتابه ذكر معه كونه قادراً عالماً كقوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ  ﴾ فقوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا ﴾ بيان للقدرة وقوله: ﴿ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ بيان للعلم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي: ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض، مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم واللطائف، حاصل بهذا وهو السبب في حصوله، ولولاه لم يتصور كونه، وهو ﴿ أَنَّ الله هُوَ الحق ﴾ أي الثابت الموجود، وأنه قادر على إحياء الموتى وعلى كل مقدور، وأنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث، فلا بدّ أن يفي بما وعد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِن خَلْقِ الإنْسانِ في أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وتَحْوِيلِهِ عَلى أحْوالٍ مُتَضادَّةٍ، وإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهُ الثّابِتُ في نَفْسِهِ الَّذِي بِهِ تَتَحَقَّقُ الأشْياءُ.

﴿ وَأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى ﴾ وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى إحْيائِها وإلّا لَما أحْيا النُّطْفَةَ والأرْضَ المَيْتَةَ.

﴿ وَأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ لِأنَّ قُدْرَتَهُ لِذاتِهِ الَّذِي نِسْبَتُهُ إلى الكُلِّ عَلى سَواءٍ، فَلَمّا دَلَّتِ المُشاهَدَةُ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إحْياءِ بَعْضِ الأمْواتِ لَزِمَ اقْتِدارُهُ عَلى إحْياءِ كُلِّها.

﴿ وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ﴾ فَإنَّ التَّغَيُّرَ مِن مُقَدِّماتِ الِانْصِرامِ وطَلائِعِهِ.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ ﴾ بِمُقْتَضى وعْدِهِ الَّذِي لا يَقْبَلُ الخُلْفَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذلك} مبتدأ خبره {بِأَنَّ الله هُوَ الحق} أي ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم حاصل بهذا وهو أن الله هو الحق أي الثابت الوجود {وأنه يحيي الموتى} كما أحيا الأرض {وَأَنَّهُ على كُلّ شيء قدير} قادر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جِيءَ بِهِ إثْرَ تَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ البَعْثِ وإقامَةِ البُرْهانِ عَلَيْهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مِن خَلْقِ الإنْسانِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وتَصْرِيفِهِ في أحْوالٍ مُتَبايِنَةٍ وإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها الكاشِفِ عَنْ حَقِّيَّةِ ذَلِكَ مِن آثارِ أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى وأحْكامِ شُؤُونِهِ الذّاتِيَّةِ والوَصْفِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ وأنَّ ما يُنْكِرُونَهُ مِن إتْيانِ السّاعَةِ والبَعْثِ مِن أسْبابِ تِلْكَ الآثارِ العَجِيبَةِ المَعْلُومَةِ لَهم ومَبادِئِ صُدُورِها عَنْهُ تَعالى، وفِيهِ مِنَ الإيذانِ بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ وأصالَةِ المَدْلُولِ في التَّحَقُّقِ وإظْهارِ بُطْلانِ إنْكارِهِ ما لا يَخْفى فَإنَّ إنْكارَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ مَعَ الجَزْمِ بِتَحَقُّقِ المُسَبِّبِ مِمّا يَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَدِيهَةَ العُقُولِ فَذَلِكَ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وما مَعَهُ والإفْرادُ بِاعْتِبارِ المَذْكُورِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الكَمالِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ، والمُرادُ بِالحَقِّ هو الثّابِتُ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ لا مَحالَةَ لِكَوْنِهِ لِذاتِهِ لا الثّابِتُ مُطْلَقًا فَوَجْهُ الحَصْرِ ظاهِرٌ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الصُّنْعِ البَدِيعِ حاصِلٌ بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى هو الحَقُّ وحْدَهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ المُحَقِّقُ لِما سِواهُ مِنَ الأشْياءِ ﴿ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى ﴾ أيْ شَأْنُهُ وعادَتُهُ تَعالى إحْياءُ المَوْتى، وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إحْيائِها بَدْءًا وإعادَةً وإلّا لَما أحْيا النُّطْفَةَ والأرْضَ المَيْتَةَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وما تُفِيدُهُ صِيغَةُ المُضارِعِ مِنَ التَّجَدُّدِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ ومُتَعَلِّقِها لا بِاعْتِبارِ نَفْسِها لِأنَّ القِدَمَ الشَّخْصِيَّ يُنافِي ذَلِكَ.

﴿ وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أيْ مَبالِغٌ في القُدْرَةِ وإلّا لَما أوْجَدَ هَذِهِ المَوْجُوداتِ الفائِتَةَ لِلْحَصْرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ، وتَخْصِيصُ إحْياءِ المَوْتى بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ المَقْدُورِ عَلَيْها لِلتَّصْرِيحِ بِما فِيهِ النِّزاعُ والدَّفْعِ في نُحُورِ المُنْكِرِينَ، وتَقْدِيمُهُ لِإبْرازِ الِاعْتِناءِ بِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ، يعني: يخاصم في الله، يعني: في وحدانيته ويقال: في دين الله.

بِغَيْرِ عِلْمٍ، يعني: بغير حجة.

ويقال: بِغَيْرِ عِلْمٍ يعلمه، وهو النضر بن الحارث وأصحابه.

وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ، يعني: يطيع ويعمل بأمر كل شَيْطانٍ مَرِيدٍ متمرد في معصية الله عز وجل.

ويقال: معناه ويتبع ما سول له الشيطان.

والمريد: الفاسد، يقال: مرد الشيء، إذا بلغ في الشر غايته.

ويقال: مرد الشيء إذا جاوز حد مثله.

ثم قال عز وجل: كُتِبَ عَلَيْهِ، أي: قضي عليه، يعني: الشيطان.

أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ، يعني: من تبع الشيطان فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ عن الهدى، وَيَهْدِيهِ أي: يدعوه إِلى عَذابِ السَّعِيرِ، أي: إلى عمل عذاب النار.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ، يعني: يا كفار مكة.

إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ، يعني: في شك مِنَ الْبَعْثِ بعد الموت، فانظروا إلى بدء خلقكم.

فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني: من آدم  وآدم مِّن تُرَابٍ.

ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ قيل: إنما نقلناكم من حال إلى حال، من خلقة إلى خلقة، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ، مثل قطعة كبد.

مُخَلَّقَةٍ، أي تامة وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، يعني: غير تامة، وهو السقط.

ويقال: مصورة وغير مصورة.

لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بدء خلقكم.

ويقال: يخرج السقط من بطن أمه مصوراً أو غير مصور، لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بدء خلقكم كيف نخلقكم في بطون أمهاتكم.

ويقال: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ في القرآن أنكم كنتم كذلك.

وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ فلا يكون سقطاً.

إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، يعني: إلى وقت خروجه من بطن أمه، ويقال: إلى وقت معلوم لتسعة أشهر.

ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا من بطون أمهاتكم أطفالاً صغاراً.

وقال القتبي: لم يقل أطفالاً، لأنهم لم يخرجوا من أم واحدة، ولكنه أخرجهم من أمهات شتى، فكأنه قال: يخرجكم طفلاً طِفْلاً.

ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، يعني: ثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة، ويقال: إلى ست وثلاثين سنة.

والأشد: هو الكمال في القوة والخير.

وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى يعني: من قبل أن يبلغ أشده، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، يعني: أضعف العمر وهو الهرم.

ويقال: يعني، يرجع إلى أسفل العمر، يعني: يذهب عقله.

لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً، يعني: لكيلا يعقل بعد عقله الأول.

ثم دلهم على إحيائه الموتى بإحيائه الأرض، فقال تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً، يعني: ميتة يابسة جافة ذات تراب.

فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ، يعني: المطر، اهْتَزَّتْ يعني: تحركت بالنبات.

كقوله عز وجل: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ [النمل: 10] يعني: تتحرك، ويقال: اهْتَزَّتْ أي: استبشرت.

وَرَبَتْ، يعني: انتفخت بالنبات.

وأصلهُ: من ربا يربو، وهو الزيادة.

وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ، يعني: من كل صنف من ألوان النبات.

بَهِيجٍ، أي: حسنا يُبْهَجَ به، فدلهم للبعث بإحياء الأرض، ليعتبروا ويعلموا بأن الله هو الحق، وعبادته هي الحق، وغيره من الآلهة باطل.

ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أي قادر على كل شيء من البعث وغيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

السَّعِيرِ وكذلك لا يُعْطَفُ عليه، ولسيبويه في مثل هذا: أنه بدل، وقيل: «أنه» الثانية خبر مبتدإٍ محذوف تقديره: فشأنه أَنه يضلّهُ.

قال ع «١» : ويظهر لي أَنَّ الضميرَ في أَنَّهُ الأولى للشيطان، وفي الثانية لمن الذي هو المتولي، وقرأ أبو عمرو «٢» : «فإِنَّه» بالكسر فيهما.

وقوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ ...

الآية: هذا احتجاج على العالم بالبدأة الأُولى، وضَرَبَ سبحانه وتعالى في هذه الآية مَثَلَيْنِ، إذا اعتبرهما الناظر جَوَّزَ في العقل البعثة/ من القبور، ثم ورد الشرع بوقوع ذلك.

٢٢ أوقوله: فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ يريدُ آدم عليه السلام.

ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ يريد: المنيَّ، والنطفة: تقع على قليلِ الماءِ وكثيره.

ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ يريدُ: من الدم الذي تعودُ النطفةُ إليه في الرحم أو المقارن للنطفة، والعَلَقُ الدمُ الغليظ، وقيل: العلق الشديد الحُمْرَة.

ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ يريد مضغة لحم على قدر ما يمضغ.

وقوله: مُخَلَّقَةٍ معناه: مُتَمَّمَةٌ، وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ غير متممة، أي: التي تسقط، قاله مجاهد «٣» وغيره، فاللفظة بناءُ مبالغة من خلق، ولما كان الإنسانُ فيه أعضاء متباينة، وكل واحد منها مختصّ بخلق- حَسُنَ في جملته تضعيف الفعل لأن فيه خلقا كثيرا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، ﴿ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ ﴾ ؛ أيْ: في شَكٍّ مِنَ القِيامَةِ، ﴿ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي: خَلْقَ آدَمَ، ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يَعْنِي: خَلْقَ ولَدِهِ، والمَعْنى: إنْ شَكَكْتُمْ في بَعْثِكم فَتَدَبَّرُوا أمْرَ خَلْقِكم وابْتِدائِكم، فَإنَّكم لا تَجِدُونَ في القُدْرَةِ فَرْقًا بَيْنَ الِابْتِداءِ والإعادَةِ.

فَأمّا النُّطْفَةُ: فَهي المَنِيُّ.

والعَلَقَةُ: دَمٌ عَبِيطٌ جامِدٌ، وقِيلَ: سُمِّيْتْ عَلَقَةً؛ لِرُطُوبَتِها وتَعَلُّقِها بِما تَمُرُّ بِهِ، فَإذا جَفَّتْ فَلَيْسَتْ عَلَقَةً.

والمُضْغَةُ: لَحْمَةٌ صَغِيرَةٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها بِقَدْرِ ما يُمْضَغُ، كَما قِيلَ: غُرْفَةٌ لِقَدْرِ ما يُغْرَفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُخَلَّقَةَ: ما خُلِقَ سَوِيًّا، وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ: ما ألْقَتْهُ الأرْحامُ مِنَ النُّطَفِ وهو دَمٌ قَبْلَ أنْ يَكُونَ خَلْقًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّ المُخَلَّقَةَ: ما أُكْمِلَ خَلْقُهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وهو الَّذِي يُولَدُ حَيًّا لِتَمامٍ، وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ: ما سَقَطَ غَيْرَ حَيٍّ لَمْ يُكْمَلْ خَلْقُهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُخَلَّقَةَ: المُصَوَّرَةُ، وغَيْرُ المُخَلَّقَةِ: غَيْرُ مُصَوَّرَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّ المُخَلَّقَةَ وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ: السِّقْطُ، تارَةً يَسْقُطُ نُطْفَةً وعَلَقَةً، وتارَةً قَدْ صُوِّرَ بَعْضُهُ، وتارَةً قَدْ صُوِّرَ كُلُّهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والخامِسُ: أنَّ المُخَلَّقَةَ: التّامَّةُ، وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ: السِّقْطُ، قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَلَقْناكم لِنُبَيِّنَ لَكم ما تَأْتُونَ وما تَذَرُوَنَ.

والثّانِي: لِنُبَيِّنَ لَكم في القُرْآنِ بُدُوَّ خَلْقِكم وتَنَقُّلَ أحْوالِكم.

والثّالِثُ: لِنُبَيِّنَ لَكم كَمالَ حِكْمَتِنا وقُدْرَتِنا في تَقْلِيبِ أحْوالِ خَلْقِكم.

والرّابِعُ: لِنُبَيِّنَ لَكم أنَّ البَعْثَ حَقٌّ.

وَقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( لِيُبَيِّنَ لَكم ) بِالياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُقِرُّ في الأرْحامِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ: ( ويُقَرُّ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ القافِ ورَفْعِ الرّاءِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وأبُو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ: ( ويُقِرَّ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وبِكَسْرِ القافِ ونَصْبِ الرّاءِ.

والَّذِي يُقَرُّ في الأرْحامِ هو الَّذِي لا يَكُونُ سِقْطًا.

﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو أجْلُ الوِلادَةِ، ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو في مَوْضِعِ أطْفالٍ، والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ لَفْظَ الواحِدِ في مَعْنى الجَمِيعِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ  ﴾ ؛ أيْ: ظُهَراءَ، وأنْشَدَ: فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكم فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ وَأنْشَدَ أيْضًا: في حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا وَقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قالَ: ﴿ طِفْلا ﴾ فَوَحَّدَ؛ لِأنَّ المِيمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُخْرِجُكُمْ ﴾ قَدْ دَلَّتْ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يَقُولَ: أطْفالًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا ﴾ فِيهِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ نُعَمِّرُكم لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم، وقَدْ سَبَقَ مَعْنى " الأشُدِّ " ( الأنْعام: ١٥٣ ) .

﴿ وَمِنكم مَن يُتَوَفّى ﴾ مِن قَبْلِ بُلُوغِ الأشُدِّ، ﴿ وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في ( النَّحْلِ: ٧٠ ) .

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى دَلَّهم عَلى إحْيائِهِ المَوْتى بِإحْيائِهِ الأرْضِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: مَيِّتَةً يابِسَةً، ومِثْلُهُ: هَمَدَتِ النّارُ: إذا طُفِئَتْ فَذَهَبَتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ، ﴿ اهْتَزَّتْ ﴾ ؛ أيْ: تَحَرَّكَتْ لِلنَّباتِ، وذَلِكَ أنَّها تَرْتَفِعُ عَنِ النَّباتِ إذا ظَهَرَ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَرَبَتْ ﴾ ؛ أيِ: ارْتَفَعَتْ وزادَتْ.

وقالَ المُبَرِّدُ: أرادَ: اهْتَزَّ نَباتُها ورَبا، فَحَذَفَ المُضافَ.

قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ: ( ورَبَأتْ ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الباءِ.

فَإنْ كانَ ذَهَبَ إلى الرَّبِيئَةِ الَّذِي يَحْرُسُ القَوْمَ؛ أيْ: إنَّهُ يَرْتَفِعُ، وإلّا فَهو غَلَطٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ جِنْسٍ حَسَنٌ يُبْهِجُ؛ أيْ: يُسِرُّ، وهو فَعِيلٌ في مَعْنى فاعِلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ كَما وُصِفَ لَكم، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ﴿ ذَلِكَ ﴾ رَفْعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى مَعْنى: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ هو الحَقُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ السّاعَةَ ﴾ ؛ أيْ: ولِتَعْلَمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ وَأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ ﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عن سَبِيلِ اللهِ لَهُ في الدُنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ هَذا هو المِثالُ الَّذِي يُعْطِي لِلْمُعْتَبِرِ فِيهِ جَوازَ بَعْثِ الأجْسادِ، وذَلِكَ أنَّ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها بَيِّنٌ، فَكَذَلِكَ الأجْسادِ، و "هامِدَةً" مَعْناها: ساكِنَةٌ دارِسَةٌ بالِيَةٌ، ومِنهُ قِيلَ: هَمَدَ الثَوْبُ إذا بَلِيَ، قالَ الأعْشى: قالَتْ قَتِيلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هَمَدا و "اهْتِزازُ الأرْضِ" هو حَرَكَتُها بِالنَباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْتَرِيها بِالماءِ، و"رَبَتْ" مَعْناهُ: نَشَزَتْ وارْتَفَعَتْ، ومِنهُ الرَبْوَةُ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ القَعْقاعِ: "وَرَبَأتْ" بِالهَمْزِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو، وقَرَأها عَبْدُ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَخالِدُ بْنُ إلْياسٍ، وهي غَيْرُ وجِيهَةٍ، ووَجْهُها أنْ تَكُونَ مِن: "رَبَأْتُ القَوْمَ" إذا عَلَوْتَ شَرَفًا مِنَ الأرْضِ طَلِيعَةً، فَكَأنَّ الأرْضَ بِالماءِ تَتَطاوَلُ وتَعْلُو.

و"الزَوْجُ": النَوْعُ، و "البَهِيجُ" فَعِيلٌ مِنَ البَهْجَةِ وهي الحَسَنُ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَـ "ذَلِكَ" ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ "بِأنَّ"، أيْ: هو بِأنَّ اللهَ حَقٌّ مُحْيِي قادِرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ ﴾ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِما ذُكِرَ، لَكِنَّ المَعْنى أنَّ الأمْرَ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، أو عَلى تَقْدِيرِ: والأمْرُ أنَّ الساعَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَعْبُدُ  ﴾ الآيَةُ.

الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: " ومِنَ الناسِ " إلى القَوْمِ المُتَقَدِّمْ ذَكْرُهُمْ، وحَكى النَقاشُ عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، وكَرَّرَ هَذِهِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: وهَذِهِ الأمْثالُ في غايَةِ الوُضُوحِ والبَيانِ، ومِنَ الناسِ مَعَ ذَلِكَ مَن يُجادِلُ، فَكَأنَّ الواوَ واوُ الحالِ، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ الواوُ فِيها واوٌ عَطَفَتْ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى ما قَبِلَها، والآيَةُ عَلى مَعْنى الإخْبارِ، وهي ها هُنا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْبِيخِ، و "ثانِيَ" حالٌ مِن ضَمِيرٍ في "يُجادِلُ"، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن "مِنَ" لِأنَّها ابْتِداءٌ، والِابْتِداءُ عَمَلُهُ الرَفْعُ لا النَصْبُ، وإضافَةُ "ثانِيَ" غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِها؛ لِأنَّها في مَعْنى الِانْفِصالِ إذْ تَقْدِيرُها: ثانِيًا عِطْفِهِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ ﴾ عِبارَةٌ عَنِ المُتَكَبِّرِ المُعْرِضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ أنَّ صاحِبَ الكِبْرِ يَرُدُّ وجْهَهُ عَمّا يَتَكَبَّرُ عنهُ، فَهو يَرُدُّ وجْهَهُ يُصَعِّرُ خَدَّهُ ويَلْوِي عُنُقَهُ، ويَثْنِي عِطْفِهِ، وهَذِهِ هي عِباراتُ المُفَسِّرِينَ.

و "العِطْفُ": الجانِبُ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "عِطْفُهُ" بِفَتْحِ العَيْنِ، والعِطافُ: السَيْفُ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يَتَعَطَّفُهُ، أيْ يَصِلُهُ بِجَنْبِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيُضِلَّ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ مُجاهِدُ وأهْلُ مَكَّةَ: "لِيَضِلَّ" بِفَتْحِ الياءِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرُو.

و "الخِزْيِ": الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ النَضْرُ بْنُ الحارِثِ في أسْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَتْلِهِ بالصَفْراءِ و"الحَرِيقُ": طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ﴾ بِمَعْنى: يُقالُ لَهُ، ونَسَبَ التَقْدِيمَ إلى اليَدَيْنِ إذْ هُما آلَةُ الِاكْتِسابِ، واُخْتُلِفَ في الوَقْفِ عَلى "يَداكَ" فَقِيلَ: لا يَجُوزُ لِأنَّ التَقْدِيرَ: وبِأنَّ اللهَ، أيْ أنَّ هَذا هو العَدْلُ فِيكَ بِجَرائِمِكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ بِمَعْنى: والأمْرُ أنَّ اللهَ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ.

و "العَبِيدُ" هُنا ذُكِرُوا في مَعْنى مَكْسَنَتِهِمْ وقِلَّةِ قُدْرَتِهِمْ، فَلِذَلِكَ جاءَتْ هَذِهِ الصِيغَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فذلكة لما تقدم، فالجملة تذييل.

والإشارة ب ﴿ ذلك ﴾ إلى ما تقدم من أطوار خلق الإنسان وفنائه، ومن إحياء الأرض بعد موتها وانبثاق النبت منها.

وإفراد حرف الخطاب المقترن باسم الإشارة لإرادة مخاطب غير معيّن على نسق قوله ﴿ وترى الأرض هامدة ﴾ [الحج: 5] على أن اتصال اسم الإشارة بكاف خطاب الواحد هو الأصل.

والمجرور خبر عن اسم الإشارة، أي ذلك حصل بسبب أن الله هو الحق الخ...

والباء للسببية فالمعنى: تَكوّن ذلك الخلق من تراب وتطَور، وتكوّن إنزال الماء على الأرض الهامدة والنبات البهيج بسبب أنّ الله هو الإله الحق دون غيره.

ويجوز أن تكون الباء للملابسة، أي كان ذلك الخلق وذلك الإنبات البهيج ملابساً لحقيّة إلهيّة الله.

وهذه الملابسة ملابسة الدليل لمدلوله، وهذا أرشق من حمل الباء على معنى السببية وهو أجمع لوجوه الاستدلال.

والحق: الثابت الذي لا مراء فيه، أي هو الموجود.

والقصر إضافي، أي دون غيره من معبوداتكم فإنها لا وجود لها، قال تعالى: ﴿ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ [الحج: 23] وهذا الاستدلال هو أصل بقية الأدلة لأنه نقضٌ للشرك الذي هو الأصل لجميع ضلالات أهله كما قال تعالى: ﴿ إنما النسيء زيادة في الكفر ﴾ [التوبة: 37].

وأما بقية الأمور المذكورة بعد قوله ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ ، فهي لبيان إمكان البعث.

ووجه كون هذه الأمور الخمسة المعدودة في هذه الآية ملابسة لأحوال خلق الإنسان وأحوال إحياء الأرض أن تلك الأحوال دالة على هذه الأمور الخمسة: إما بدلالة المسبب على السبب بالنسبة إلى وجود الله وإلى ثبوت قدرته على كل شيء، وإما بدلالة التمثيل على الممثَّل والواقععِ على إمكان نظيره الذي لم يقع بالنسبة إلى إحياء الله الموتى، ومجيء الساعة، والبعثثِ.

وإذا تبين إمكان ذلك حق التصديق بوقوعه لأنهم لم يكن بينهم وبين التصديق به حائل إلا ظنهم استحالته، فالذي قدر على خلق الإنسان عن عدم سابق قادر على إعادته بعد اضمحلاله الطارئ على وجوده الأحْرَى، بطريقة.

والذي خلق الأحياء بعد أن لم تكن فيها حياةٌ يمكنه فعل الحياة فيها أو في بقيّة آثارها أو خلق أجسام مماثلة لها وإيداع أرواحها فيها بالأولى.

وإذا كان كذلك علم أن ساعة فناء هذا العالم واقعة قياساً على انعدام المخلوقات بعد تكوينها، وعُلم أن الله يعيدها قياساً على إيجاد النسل وانعدام أصله الحاصل للمشركين في وقوع الساعة منزّل منزلة العدم لانتفاء استناده إلى دليل.

وصيغة نفي الجنس على سبيل التنصيص صيغة تأكيد، لأن (لاَ) النافية للجنس في مقام النفي بمنزلة (إنّ) في مقام الإثبات ولذلك حملت عليها في العمل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ.

﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يَعْنِي ولَدَهُ.

﴿ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ﴾ يَعْنِي أنَّ النُّطْفَةَ تَصِيرُ في الرَّحِمِ عَلَقَةً.

﴿ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ ﴾ يَعْنِي أنَّ العَلَقَةَ تَصِيرُ مُضْغَةً، وذَلِكَ مِقْدارُ ما يُمْضَغُ مِنَ اللَّحْمِ.

﴿ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ المُخَلَّقَةَ ما صارَ خَلْقًا، وغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ ما دَفَعَتْهُ الأرْحامُ مِنَ النُّطَفِ فَلَمْ يَصِرْ خَلْقًا، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ تامَّةُ الخَلْقِ وغَيْرُ تامَّةِ الخَلْقِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ مُصَوَّرَةٌ وغَيْرُ مُصَوَّرَةٍ كالسَّقْطِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: يَعْنِي التّامَّ في شُهُورِهِ، وغَيْرَ التّامِّ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ الشّاعِرُ أفِي غَيْرِ المُخَلَّقَةِ البُكاءُ فَأيْنَ العَزْمُ ويْحَكَ والحَياءُ ﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي في القُرْآنِ بَدْءَ خَلْقِكم وتَنَقُّلَ أحْوالِكم.

﴿ وَنُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: إلى التَّمامِ.

﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا عَدَدَ الأشُدِّ.

﴿ وَمِنكم مَن يُتَوَفّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ إلى أرْذَلِ العُمُرِ.

والثّانِي: قَبْلَ بُلُوغِ الأشُدِّ.

﴿ وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الهَرَمُ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

والثّانِي: إلى مِثْلِ حالِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

والثّالِثُ: ذَهابُ العَقْلِ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

﴿ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَسْتَفِيدُ عِلْمًا ما كانَ بِهِ عالِمًا.

الثّانِي: لا يَعْقِلُ بَعْدَ عَقْلِهِ الأوَّلِ شَيْئًا.

وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وجْهًا ثالِثًا: أنَّهُ لا يَعْمَلُ بَعْدَ عِلْمِهِ شَيْئًا، فَعَبَّرَ عَنِ العَمَلِ بِالعِلْمِ [لِافْتِقارِهِ إلَيْهِ لِأنَّ تَأْثِيرَ الكِبْرِ في العَمَلِ أبْلَغُ مِن تَأْثِيرِهِ في العِلْمِ] .

﴿ وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: غَبْراءُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: يابِسَةٌ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنَّها الدّارِسَةُ، والهُمُودُ: الدُّرُوسُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا ∗∗∗ وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هُمَّدا ﴿ فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ ﴾ وفي ﴿ اهْتَزَّتْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنْبَتَتْ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

والثّانِي: مَعْناهُ اهْتَزَّ نَباتُها واهْتِزازُهُ شِدَّةُ حَرَكَتِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: تُثَنِّي إذا قامَتْ وتَهْتَزُّ إنْ مَشَتْ ∗∗∗ كَما اهْتَزَّ غُصْنُ البانِ في ورَقٍ خُضْرِ ﴿ وَرَبَتْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أُضْعِفَ نَباتُها.

والثّانِي: مَعْناهُ انْتَفَخَتْ لِظُهُورِ نَباتِها، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مُقَدَّمًا ومُؤَخَّرًا وتَقْدِيرُهُ: فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ رَبَتْ واهْتَزَّتْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي عُبَيْدَةَ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا يَكُونُ فِيهِ تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ.

﴿ وَأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن كُلِّ نَوْعٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ شَجَرَةَ.

والثّانِي: مِن كُلِّ لَوْنٍ لِاخْتِلافِ ألْوانِ النَّباتِ بِالخُضْرَةِ والحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ.

﴿ بَهِيجٍ ﴾ يَعْنِي حَسَنَ الصُّورَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد، عن معاذ بن جبل قال: من علم أن الله عز وجل حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، دخل الجنة.

وأخرج الخطيب وابن عساكر عن عائشة عن أبي بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا صلى الصبح مرحباً بالنهار الجديد والكاتب والشهيد، اكتبا: بسم الله الرحمن الرحيم..

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن الدين كما وصف، والكتاب كما أنزل، وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور» .

وأخرج الحاكم في تاريخه عن أنس رفعه: «من قال في كل يوم أربع مرات: أشهد أن الله هو الحق المبين، وأنه يحيي ويميت، وأنه على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، صرف الله عنه السوء» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى الأمر ذلك.

أي الأمر ما وصف لكم وبين بأن الحق هو الله [قال: ويجوز أن يكون نصبًا علي معنى: فعل الله ذلك بأنه هو الحق] (١) (٢) قال أبو علي: موضع "ذلك" من الإعراب لا يخلو من أحد وجهين: أحدهما (٣) وأمّا جهة الرفع فلا يخلو من أن يكون مبتدأً أو خبرًا، ولا يجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف وهو الأمر والشأن على ما ذكره أبو إسحاق لأنه إذا قدر كذلك (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وأما معنى الآية فهو أن يقول: فعل الله ذلك -يعني ما ذكر من ابتداء الخلق وإحياء الأرض، ذلك الذي ذكر فعله (١٤) (١٥) يعني أنَّ جميع ما يأمر به ويفعله هو الحق لا الباطل كما يأمر به الشيطان من الباطل.

قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى ﴾ أي: وبأنه يحي الموتى.

والمعنى أحيا الأرض وفعل ما فعل بقدرته على إحياء الموتى وبأنه قادر على ذلك، وقادر على كل (١٦) ﴿ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 413 مع تقديم وتأخير.

(٣) أحدهما: ساقطة من (أ).

(٤) في (أ): (ذلك)، وهو خطأ.

(٥) (في): ساقطة من (أ).

(٦) في (أ): (وقوله "أن الله")، وهو خطأ.

(٧) في (أ): (يتوسط)، وهو خطأ.

(٨) في "الإغفال" ص 1046: أو نَبَّه.

(٩) في (ظ): (بهما).

(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).

(١١) في (ظ): (إذْ لا يتصل الفعل)، وفي (د): (إذ لا يتصل للفعل).

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).

(١٣) "الإغفال" لأبي علي الفارسي 2/ 1044 - 1047.

(١٤) ي (ظ)، (د)، (ع): (فعل الله).

(١٥) هو: ليست في (ظ)، (د)، (ع).

(١٦) (كل): ساقطة من (ظ).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق ﴾ أي ذلك المذكور من أمر الإنسان، والنبات حاصل، بأن الله هو الحق، هكذا قدره الزمخشري، والباء على هذا سببية، وبهذا المعنى أيضاً فسّره ابن عطية، ويلزم على هذا أن لا يكون قوله: ﴿ وَأَنَّ الساعة آتِيَةٌ ﴾ : معطوفاً على ذلك، لأنه ليس بسبب لما ذكر، فقال ابن عطية قوله: أن الساعة ليس بسبب لما ذكر ولكن المعنى أن الأمر مرتبط بعضه ببعض، أو على تقدير: والأمر أن الساعة وهذان الجوابان اللذان ذكر ابن عطية ضيعفان: أما قوله إن الأمر مرتبط بعضه ببعض، فالارتباط هنا إنما يكون بالعطف والعطف لا يصح، وأما قوله على تقدير الأمر: أن الساعة، فذلك استئناف وقطع الكلام الأول، ولا شك أن المقصود من الكلام الأول: هو إثبات الساعة فكيف يجعل ذكرها مقطوعاً مما قبله، والذي يظهر لي أن الباء ليست بسببية، وإنما يقدر لها فعل تتعلق به ويقتضيه المعنى؛ وذلك أن يكون التقدير؛ ذلك الذي تقدم من خلقة الإنسان والنبات شاهد بأن الله هو الحق، وأنه يحيي الموتى، وبأن الساعة أتية، فيصح عطف: ﴿ وَأَنَّ الساعة ﴾ على ما قبله بهذا التقدير، وتكون هذه الأشياء المذكورة بعد قوله: ﴿ ذلك ﴾ مما استدل عليها بخلقة الإنسان والنبات.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.

يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.

روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.

الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.

﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.

التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله  في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.

ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.

يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله  فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها  ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.

والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.

وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله  سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.

أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.

وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.

وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.

و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.

عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.

وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.

قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً  ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي  قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.

روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله  قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.

فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.

قال: يا رب وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟

فقال رسول الله  : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .

واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.

وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.

ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول  ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.

ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق  ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.

عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.

ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.

وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.

وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.

والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.

قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.

وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.

وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟

فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟

فيقول  : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.

وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.

وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟

ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.

والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.

ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.

همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً  ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.

ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.

ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.

﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.

وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.

الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.

الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.

فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.

الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.

قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.

وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.

والذي يسنح لي في تفسيره أنه  أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟

فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه  واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.

وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.

ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله  أعلم بمراده.

قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.

وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.

وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.

قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.

وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.

وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.

قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.

﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".

ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.

قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.

وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.

وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.

وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.

وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي  فقال: أقلني.

فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.

والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.

وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.

دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.

قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.

فيه بحث لفظي وبحث معنوي.

أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.

وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.

والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.

وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟

والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.

سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس  ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.

والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.

ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.

أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.

قوله  ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد  للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟

قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.

وعندي في هذا القول بعد.

وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.

وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله  يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.

والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.

ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.

الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.

قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.

ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.

وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.

قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله  فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.

أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.

واعترض بأن الله  وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.

ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله  وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد  وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.

قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.

ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.

وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.

وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.

وقيل: إن أقل الجمع اثنان.

ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.

وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.

وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد  وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.

وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.

فقال علي  : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله  يوم القيامة.

وعن عكرمة هما الجنة والنار.

قالت النار: خلقني الله لعقوبته.

وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد  والأقرب هو الأول.

وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه  يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.

وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ والحميم الماء الحار.

عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.

ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم  ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.

قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.

وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض  ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".

وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون  ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله  أعلم.

التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.

﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.

﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.

وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.

﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ذكر المجادلة في الله، ولم يبين فيم جادلوا؟

وقد كانت مجادلتهم من وجوه: منهم من جادل في مشيئة الله تبارك وتعالى.

ومنهم من جادل: أن هذا العالم منشأ أم لا؟

ومنهم من جادل في وحدانية الله  : واجد أو عدد؟

ومنهم من جادل في بعث الأنبياء وإرسال الرسل.

ومنهم من جادل في إنزال الكتب.

ومنهم من جادل في دين الله -  - المدعو إليه.

وبمثل هذا قد كثرت مجادلاتهم فيما ذكرنا، وكل ذلك كان مجادلة بغير علم؛ لأنهم لو تفكروا في هذا العالم، ونظروا فيه حق النظر لعرفوا أن لهذا العالم منشئاً، وأنه واحد لا عدد، وأنه عالم قادر بذاته، وأنه بعث الرسل والكتب، وعرفوا أيضاً أنه يبعث هذا العالم ويحييهم، وأنه قادر على ذلك، لكنهم [لم] يتفكروا فيه، ولم ينظروا حق النظر، فجادلوا فيه بغير علم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ﴾ : الشيطان المعروف نفسه، يتابعه في كل ما يدعوه.

وجائز أن يكون أراد أنه يتبع كل من يعمل عمل الشيطان، وهم القادة الذين كانوا يدعون إلى اتباع ما يدعو الشيطان ويوحي إليهم ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ  ﴾ ، أخبر أن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوكم، فذلك معنى قوله: ﴿ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ﴾ قيل: فعيل بمعنى فاعل، على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ  ﴾ قال بعضهم: كل متمرد في العناد والمكابرة، فهو مارد.

وقال بعضهم: المارد: هو المجاوز عن جنسه في عتوه وتمرده؛ ولذلك سمي الذي لا لحية له: أمرد؛ لخروجه ومجاوزة أجناسه ورجاله، والمارد بالفارسية: ستنبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ﴾ قال بعضهم: كتب على الشيطان أن من تولاه واتبعه أن يضله ﴿ وَيَهْدِيهِ ﴾ أي: يدعوه ﴿ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ ، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ .

وقال بعضهم: كتب على من تولى الشيطان واتبعه أنه يضله، أي: يدعوه إلى ما به ضلاله وهلاكه.

وقوله: قيل: حكم.

وقيل: قضى.

و ﴿ كُتِبَ ﴾ يحتمل الإثبات، أي: أثبت في أم الكتاب: أن من تولى الشيطان واتبعه أنه يضله، وقد ذكر إضلال الشيطان في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ أي: خلقنا أصلكم من تراب، وخلقنا أولاده من نطفة ﴿ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ...

﴾ الآية.

تأويله - والله أعلم -: أن كيف تشكون في البعث وتنكرونه وليس سبب إنكاركم البعث إلا أن تصيروا تراباً أو ماء في العاقبة، وقد كنتم في مبادئ أحوالكم تراباً وماء، فكيف أنكرتم بعثكم إذا صرتم تراباً؟

أو أن يكون معناه: أن كيف أنكرتم البعث وقد رأيتم أنه يقلبكم من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن العلقة إلى المضغة، ولا يقلب من حال إلى حال بلا عاقبة تقصد، فلو لم يكن بعث - كما تزعمون - لكان خلقكم وتقليبكم من حال إلى حال عبثاً؛ على ما أخبر: أن خلق الخلق لا للرجوع إليه عبث، كقوله؛ ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] صيرّ خلق الخلق لا للرجوع إليه عبثاً، فعلى ذلك الأوّل.

أو أن يكون تأويله - والله أعلم -: ﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ...

﴾ إلى آخر الآية، ولو اجتمع حكماء البشر وعلماؤهم ليعرفوا السبب الذي خلق البشر من ذلك التراب أو من النطفة - ما قدروا عليه، وما وجدوا للبشر فيه أثرا، ولا معنى البشرية فيه، فمن قدر على ابتداء إنشاء هذا العالم من التراب أو من النطفة من غير سبب يوجد فيه، ولا أثر - لقادر على إعادتهم، وإعادة الشيء في عقولكم أهون وأيسر من الابتداء، فمن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر.

وقوله: ﴿ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مُّخَلَّقَةٍ ﴾ : أي مخلوقة خلقا، و ﴿ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ : أي غير مخلوقة خلقا، نطفة على حالها.

وقال بعضهم: ﴿ مُّخَلَّقَةٍ ﴾ أي: تامة، و ﴿ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ أي: غير تامة خلقاً، وهو الأشبه؛ لأن التشديد إنما يذكر لتكثير الفعل، والتخفيف لتقليله، فكأنه قال: ﴿ مُّخَلَّقَةٍ ﴾ ، أي: قد أتم خلقها من الجوارح والأعضاء، و ﴿ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ ، أي: غير تامة خلقا، بل ناقصة.

وقوله: ﴿ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى...

﴾ كأن قوله: ﴿ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ ﴾ موصولا بقوله: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ ثم ﴿ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ : من ستة أشهر إلى سنتين، أو ما شاء الله ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ ﴾ من الأرحام بعد الإقرار فيها ﴿ طِفْلاً ﴾ قال بعضهم: ثم نخرج كلا منكم طفلا.

وقال بعضهم: واسم الطفل يجمع ويفرد.

﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ ﴾ قال بعضهم: الأشد هو ثلاث وثلاثون سنة.

وقال بعضهم: هو من ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وأصل الأشد: هو من اشتداد كل شيء، وتقوي كل شيء فيه من الجوارح والأعضاء، وكل ما ركب فيه من العقل وغيره، ثم عند ذلك يبين لهم، ويكون قوله: ﴿ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ بعد هذا كله إذا بلغوا المبلغ الذي يعرفون تقليبه إياهم من حال إلى حال، على ما ذكر، ثم يحتمل قوله: ﴿ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ وجوهاً: أحدها: يبين قدرته وسلطانه: أن من قدر على تحويلهم من حال التراب إلى حال الإنسانية والبشرية، ومن حال النطفة إلى حال العلقة ...

ثم إلى آخر ما ذكر لقادر على البعث والإحياء بعد ما صاروا تراباً.

أو يبين علمه في الظلمات الثلاث التي كان الولد فيها أن كيف قلبه من حال إلى حال في تلك الظلمات؛ ليعلموا أنه لا يخفى عليه شيء.

أو يبين حكمته وتدبيره في خلق الإنسان من التراب ومن النطفة ما لو اجتمع جميع الحكماء من البشر والعلماء؛ ليعرفوا المعنى الذي به خلق الإنسان منه وصار به بشراً ما قدروا عليه، ولا عرفوا السبب الذي به صار كذلك؛ ليعلموا أنه حكيم بذاته وعالم قادر بذاته، لا بتعليم غيره، ولا بإقدار غيره، فمن كان هذا سبيله لا يعجزه شيء؛ ينشئ الأشياء من الأشياء ولا من الأشياء على ما شاء وكيف شاء.

وقوله: ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ ﴾ أي: من يتوفى قبل أن يبلغ أشده، دليله قوله: ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ ﴾ أي: من قبل أن يبلغ ذلك المبلغ وهو الأشد، ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ ﴾ أي: إلى وقت ما يستقذر ويستخبث، ليس كالصغير؛ لأن الصغير والطفل مما يؤمل منه في العاقبة المنافع والزيادات، [و]هذا لا يرجى منه ولا يؤمل منه العاقبة، كلما مرّ عليه وقت كان أضعف في عقله ونفسه، ولا كذلك الصغير، وهو ما قال: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً  ﴾ .

قال القتبي: ﴿ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ ﴾ : أي: الخرف والهرم.

وقوله: ﴿ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ أي: لكيلا يعلم من بعد ما كان يعلمه شيئاً.

ثم ذكر قدرته وسلطانه فقال: ﴿ وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً ﴾ قال بعضهم: ميتة، وقيل: مشققة، وقيل: يابسة، وقيل: بالية.

وقوله: ﴿ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ﴾ قال الزجاج: ﴿ وَرَبَتْ ﴾ : من الزيادة والنماء، وكذلك قال أبو عوسجة: يقال: ربا يربو، أي: زاد، وهو من الربا، وربا من الارتفاع، ربا يربو ربوة، كقوله: ﴿ وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 50\].

ثم أضاف الاهتزاز والزيادة إلى الأرض، وهي لا تهتز ولا تربو، إنما يربو ويهتز ما يخرج منها من النبات، لكن أضاف ذلك إليها لما بها كان اهتزاز ذلك النبات، وبها كان النماء؛ فاضيف إليها.

أو إن كان من الارتفاع والربوة، فهي ترتفع وتنتفخ وتهتز بالمطر.

وقوله: ﴿ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ قيل: البهيج: الحسن؛ يخبر في كل هذا قدرته وسلطانه: أن من قدر على إحياء الأرض بعد ما كانت يابسة ميتة، لقادر على إحياء الموتى بعد الموت، وبعد ما صاروا تراباً.

وقوله: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ أي: من كل جنس حسن ﴿ بَهِيجٍ ﴾ أي: يسر، وهو فعيل بمعنى فاعل، يقال: امرأة ذات خلق باهج.

وقال أبو عوسجة: الهامد: البالي، يقال: همد الثوب: إذا بلي، والهامد أيضاً: الخامد، خمدت النار تخمد خموداً.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَرَبَتْ ﴾ أي: أضعفت النبات.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: ذلك الذي تقدم ذكره من الساعة وزلزالها وأهوالها وما ذكر من خلق الإنسان وتقليبه من حال إلى حال، وما ذكر من البعث والإحياء، وإحياء الأرض بعد ما كانت هامدة - هو الحق.

﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: كائن لا محالة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ ﴾ هذا كله يدل أن قوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ في تحقيق البعث والإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء، وأنه قادر بذاته، عالم [بذاته].

وقال بعضهم: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ يقول: هذا الذي فعل وظهر من صنعه يدل على أن الله هو الحق وغيره من الآلهة التي يعبدونها باطل، وأنه يحيي الموتى في الآخرة، لا الآلهة التي يعبدونها، ﴿ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ \[أي: قدير\] على ما يشاء، وهو ما أخبرنا.

وقال الحسن: هو اسم من أسماء الله  سمي به؛ لأنه يحكم بالحق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك الذي ذكرنا لكم -من بدء خلقكم وأطواره وأحوال من يولد منكم- لأجل أن تؤمنوا بأن الله الذي خلقكم هو الحق الذي لا شك فيه، بخلاف ما تعبدون من أصنامكم، ولتؤمنوا بأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير, لا يعجزه شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.XwXdG"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.9 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله