الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٧٨ من سورة الحج
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 177 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٧٨ من سورة الحج من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) أي : بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم ، كما قال تعالى : ( اتقوا الله حق تقاته ) [ آل عمران : 102 ] .
وقوله : ( هو اجتباكم ) أي : يا هذه الأمة ، الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم ، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول ، وأكمل شرع .
( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) أي : ما كلفكم ما لا تطيقون ، وما ألزمكم بشيء فشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا ، فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعا وفي السفر تقصر إلى ثنتين ، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة ، كما ورد به الحديث ، وتصلى رجالا وركبانا ، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها .
وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها ، والقيام فيها يسقط بعذر المرض ، فيصليها المريض جالسا ، فإن لم يستطع فعلى جنبه ، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات ، في سائر الفرائض والواجبات; ولهذا قال ، عليه السلام : " بعثت بالحنيفية السمحة " وقال لمعاذ وأبي موسى ، حين بعثهما أميرين إلى اليمن : " بشرا ولا تنفرا ، ويسرا ولا تعسرا " .
والأحاديث في هذا كثيرة; ولهذا قال ابن عباس في قوله : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) يعني : من ضيق .
وقوله : ( ملة أبيكم إبراهيم ) : قال ابن جرير : نصب على تقدير : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) أي : من ضيق ، بل وسعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم .
[ قال : ويحتمل أنه منصوب على تقدير : الزموا ملة أبيكم إبراهيم ] .
قلت : وهذا المعنى في هذه الآية كقوله : ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا ) الآية [ الأنعام : 161 ] .
وقوله : ( هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ) قال الإمام عبد الله بن المبارك ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) قال : الله عز وجل .
وكذا قال مجاهد ، وعطاء ، والضحاك ، والسدي ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) يعني : إبراهيم ، وذلك لقوله : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) [ البقرة : 128 ] .
قال ابن جرير : وهذا لا وجه له; لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين ، وقد قال الله تعالى : ( هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ) قال مجاهد : الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر ، ) وفي هذا ) يعني : القرآن .
وكذا قال غيره .
قلت : وهذا هو الصواب; لأنه تعالى قال : ( هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ، ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه ، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل ، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان ، في كتب الأنبياء ، يتلى على الأحبار والرهبان ، فقال : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) أي : من قبل هذا القرآن ) وفي هذا ) ، وقد قال النسائي عند تفسير هذه الآية : أنبأنا هشام بن عمار ، حدثنا محمد بن شعيب ، أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام أخبره ، عن أبي سلام أنه أخبره قال : أخبرني الحارث الأشعري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم " .
قال رجل : يا رسول الله ، وإن صام وصلى؟
قال : " نعم ، وإن صام وصلى ، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله " .
وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله : ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) من سورة البقرة [ الآية : 21 ] ; ولهذا قال : ( ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) أي : إنما جعلناكم هكذا أمة وسطا عدولا خيارا ، مشهودا بعدالتكم عند جميع الأمم ، لتكونوا يوم القيامة ( شهداء على الناس ) لأن جميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها; فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة ، في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم ، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك .
وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [ البقرة : 143 ] ، وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته .
وقوله : ( فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) أي : قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها ، وأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض ، وطاعة ما أوجب ، وترك ما حرم .
ومن أهم ذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وهو الإحسان إلى خلق الله ، بما أوجب ، للفقير على الغني ، من إخراج جزء نزر من ماله في السنة للضعفاء والمحاويج ، كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة " التوبة " .
وقوله : ( واعتصموا بالله ) أي : اعتضدوا بالله ، واستعينوا به ، وتوكلوا عليه ، وتأيدوا به ، ( هو مولاكم ) أي : حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم ، ( فنعم المولى ونعم النصير ) يعني : [ نعم ] الولي ونعم الناصر من الأعداء .
قال وهيب بن الورد : يقول الله تعالى : ابن آدم ، اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت ، فلا أمحقك فيمن أمحق ، وإذا ظلمت فاصبر ، وارض بنصرتي ، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك .
رواه ابن أبي حاتم .
والله تعالى أعلم وله الحمد والمنة ، والثناء الحسن والنعمة ، وأسأله التوفيق والعصمة ، في سائر الأفعال والأقوال .
هذا آخر تفسير سورة " الحج " ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وشرف وكرم ، ورضي الله تعالى عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .
القول في تأويل قوله تعالى : وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ واختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ) فقال بعضهم: معناه.
وجاهدوا المشركين في سبيل الله حق جهاده.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني سليمان بن بلال, عن ثور بن زيد, عن عبد الله بن عباس, في قوله ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ) كما جاهدتم أوّل مرّة، فقال عمر من أمر بالجهاد، قال: قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس، فقال عمر، صدقت.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تخافوا في الله لومة لائم، قالوا: وذلك هو حقّ الجهاد.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال ابن عباس, في قوله ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ) لا تخافوا في الله لومة لائم.
وقال آخرون: معنى ذلك: اعملوا بالحقّ، حقّ عمله، وهذا قول ذكره عن الضحاك بعض من في روايته نظر.
والصواب من القول في ذلك، قول من قال: عُني به الجهاد في سبيل الله، لأن المعروف من الجهاد ذلك, وهو الأغلب على قول القائل: جاهدت &; 18-689 &; في الله، وحقّ الجهاد: هو استفراغ الطاقة فيه.
قوله (هُوَ اجْتَباكُمْ) يقول: هو اختاركم لدينه, واصطفاكم لحرب أعدائه والجهاد في سبيله.
وقال ابن زيد في ذلك, ما حدثني به يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله (هُوَ اجْتَباكُمْ) قال: هو هداكم.
وقوله ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) يقول تعالى ذكره: وما جعل عليكم ربكم في الدين الذي تعبَّدكم به من ضيق, لا مخرج لكم مما ابتليتم به فيه، بل وسَّع عليكم, فجعل التوبة من بعض مخرجا, والكفَّارة من بعض, والقصاص من بعض, فلا ذنب يذنب المؤمن إلا وله منه في دين الإسلام مخرج.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني ابن زيد, عن ابن شهاب, قال: سأل عبد الملك بن مروان عليّ بن عبد الله بن عباس عن هذه الآية ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) فقال عليّ بن عبد الله: الحرج: الضيق, فجعل الله الكفارات مخرجا من ذلك, سمعت ابن عباس يقول ذلك.
قال: أخبرنا ابن وهب, قال: ثني سفيان بن عيينة, عن عبيد الله بن أبي يزيد, قال: سمعت ابن عباس يسأل عن ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) قال: ما هاهنا من هذيل أحد فقال رجل: نعم قال: ما تعدّون الحرجة فيكم؟
قال: الشيء الضيق، قال ابن عباس، فهو كذلك.
حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن ابن عيينة, عن عبيد الله بن أبي يزيد, قال: سمعت ابن عباس, وذكر نحوه, إلا أنه قال: فقال ابن عباس: أهاهنا أحد من هذيل فقال رجل: أنا, فقال أيضا: ما تعدّون الحرج، وسائر الحديث مثله.
حدثني عمران بن بكار الكلاعي, قال: ثنا يحيى بن صالح, قال: ثنا يحيى بن حمزة, عن الحكم بن عبد الله, قال: سمعت القاسم بن محمد يحدّث, عن عائشة, قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) قال هُوَ الضيق.
حدثنا حميد بن مسعدة, قال: ثنا يزيد بن زريع, قال: ثنا أبو خلدة, قال: قال لي أبو العالية: أتدري ما الحرج؟
قلت: لا أدري، قال: الضيق، وقرأ هذه الآية ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ).
حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا حماد بن سعدة, عن عوف, عن الحسن, في قوله ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) قال: من ضيق.
حدثنا عمرو بن بندق, قال: ثنا مروان بن معاوية, عن أبي خلدة, قال: قال لي أبو العالية: هل تدري ما الحرج؟
قلت: لا قال: الضيق, إن الله لم يضيق عليكم, لم يجعل عليكم في الدين من حرج.
حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن ابن عون, عن القاسم أنه تلا هذه الآية ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) قال: تدرون ما الحرج؟
قال: الضيق.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن يونس بن أبي إسحاق, عن أبيه, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, قال: إذا تعاجم شيء من القرآن فانظروا في الشعر, فإن الشعر عربيّ، ثم دعا ابن عباس أعرابيا, فقال: ما الحَرَج؟
قال: الضيق.
قال: صدقت.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) قال: من ضيق.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) من ضيق في أوقات فروضكم إذا التبست عليكم, ولكنه قد وسع عليكم حتى تَيَقَّنوا محلها.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن عثمان بن بشار, عن ابن عباس, في قوله ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) قال: هذا في هلال شهر رمضان إذا شكّ فيه الناس, وفي الحجّ إذا شكوا في الهلال, وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليهم وأشباهه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما جعل في الإسلام من ضيق, بل وسعه.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق, هو واسع, وهو مثل قوله في الأنعام فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا يقول: من أراد أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل عليه الإسلام ضيقا, والإسلام واسع.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) يقول: من ضيق, يقول: جعل الدين واسعا ولم يجعله ضيقا.
وقوله ( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ) نصب ملة بمعنى: وما جعل عليكم في الدين من حرج, بل وسعه, كملَّة أبيكم، فلما لم يجعل فيها الكاف اتصلت بالفعل الذي قبلها فنصبت، وقد يحتمل نصبها أن تكون على وجه الأمر بها, لأن الكلام قبله أمر, فكأنه قيل: اركعوا واسجدوا والزموا ملة أبيكم إبراهيم.
وقوله (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا ) يقول تعالى ذكره: سماكم يا معشر من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم المسلمين من قبل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ) يقول الله سماكم.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: أخبرني عطاء بن ابن أبي رباح, أنه سمع ابن عباس يقول: الله سماكم المسلمين من قبل.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قَتادة, وحدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق جميعا؛ عن معمر, عن قَتادة ( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ) قال: الله سماكم المسلمين من قبل.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ) قال: الله سماكم.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.
حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله ( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ) يقول: الله سماكم المسلمين.
وقال آخرون: بل معنا: إبراهيم سماكم المسلمين; وقالوا هو كناية من ذكر إبراهيم صلى الله عليه وسلم: * ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد ( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ) قال: ألا ترى قول إبراهيم وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ قال: هذا قول إبراهيم ( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ) ولم يذكر الله بالإسلام والإيمان غير هذه الأمة, ذُكرت بالإيمان والإسلام جميعا, ولم نسمع بأمة ذكرت إلا بالإيمان ، ولا وجه لما قال ابن زيد من ذلك، لأنه معلوم أن إبراهيم لم يسمّ أمة محمد مسلمين في القرآن، لأن القرآن أنـزل من بعده بدهر طويل, وقد قال الله تعالى ذكره ( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا ) ولكن الذي سمانا مسلمين من قبل نـزول القرآن، وفي القرآن، الله الذي لم يزل ولا يزال.
وأما قوله (مِنْ قَبْلُ) فإن معناه: من قبل نـزول هذا القرآن في الكتب التي نـزلت قبله، وفي هذا يقول: وفي هذا الكتاب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال.
ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ) وفي هذا القرآن.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, قال: قال ابن جُرَيج, قال مجاهد (مِنْ قَبْلُ) قال: في الكتب كلها والذكر (وفي هَذَا) يعني القرآن، وقوله (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) يقول تعالى ذكره اجتباكم الله وسماكم أيها المؤمنون بالله وآياته من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مسلمين, ليكون محمد رسول الله شهيدا عليكم يوم القيامة، بأنه قد بلَّغكم ما أرسل به إليكم, وتكونوا أنتم شهداء حينئذ على الرسل أجمعين، أنهم قد بلَّغوا أممهم ما أرسلوا به إليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قَتادة ( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ) قال: الله سماكم المسلمين من قبل ( وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ ) بأنه بلَّغكم ( وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) أن رسلهم قد بلغتهم.
وبه عن قَتادة, قال: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبيّ, كان يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وقال الله ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) وكان يقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أنت شهيد على قومك، وقال الله لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وكان يقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: سل تعطه، وقال الله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ .
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبيّ, كان يقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: اذهب فليس عليك حرج، فقال الله ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) قال: وكان يقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أنت شهيد على قومك، وقال الله لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وكان يقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: سل تعطه، وقال الله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ .
القول في تأويل قوله تعالى : فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ يعني تعالى ذكره بقوله ( فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) يقول: فأدّوا الصلاة المفروضة لله عليكم بحدودها, وآتوا الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم ( وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ) يقول: وثقوا بالله, وتوكلوا عليه في أموركم ( فَنِعْمَ المَوْلَى ) يقول: نعم الوليّ الله لمن فعل ذلك منكم, فأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وجاهد في سبيل الله حقّ جهاده، واعتصم به ( وَنِعْمَ النَّصِيرُ) يقول: ونعم الناصر هو له على من بغاه بسوء.
قوله تعالى : وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصيرقوله تعالى : وجاهدوا في الله حق جهاده قيل : عنى به جهاد الكفار .
وقيل : هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به ، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه ؛ أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى ، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته ، والظلمة في رد ظلمهم ، والكافرين في رد كفرهم .
قال ابن عطية : وقال مقاتل وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى : فاتقوا الله ما استطعتم .
وكذا قال هبة الله : إن قوله : حق جهاده وقوله في الآية الأخرى .
حق تقاته منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة في هذه الأوامر .
ولا حاجة إلى تقدير النسخ ؛ فإن هذا هو المراد من أول الحكم ؛ لأن حق جهاده ما ارتفع عنه الحرج .
وقد روى سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خير دينكم أيسره .
وقال أبو جعفر النحاس .
وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ ؛ لأنه واجب على الإنسان ، كما روى حيوة بن شريح يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المجاهد من جاهد نفسه لله - عز وجل - .
وكما روى أبو غالب ، عن أبي أمامة أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي الجهاد أفضل ؟
عند الجمرة الأولى فلم يجبه ، ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه ، ثم سأله عند جمرة العقبة ؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أين السائل ؟
فقال : أنا ذا ؛ فقال : عليه السلام - : كلمة عدل عند سلطان جائر .[ ص: 93 ] قوله تعالى : هو اجتباكم أي اختاركم للذب عن دينه والتزام أمره ؛ وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة ؛ أي وجب عليكم أن تجاهدوا لأن الله اختاركم له .قوله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : من حرج أي من ضيق .
وقد تقدم في ( الأنعام ) .
وهذه الآية تدخل في كثير من الأحكام ؛ وهي مما خص الله بها هذه الأمة .
روى معمر ، عن قتادة قال : أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي : كان يقال للنبي اذهب فلا حرج عليك ، وقيل لهذه الأمة : وما جعل عليكم في الدين من حرج .
والنبي شهيد على أمته ، وقيل لهذه الأمة : لتكونوا شهداء على الناس .
ويقال للنبي : سل تعطه ، وقيل لهذه الأمة : ادعوني أستجب لكم .الثانية : واختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله تعالى ؛ فقال عكرمة : هو ما أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع ، وما ملكت يمينك .
وقيل : المراد قصر الصلاة ، والإفطار للمسافر ، وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره ، وحط الجهاد عن الأعمى ، والأعرج ، والمريض ، والعديم الذي لا يجد ما ينفق في غزوه ، والغريم ، ومن له والدان ، وحط الإصر الذي كان على بني إسرائيل .
وقد مضى تفصيل أكثر هذه الأشياء .
وروي عن ابن عباس ، والحسن البصري أن هذا في تقديم الأهلة ، وتأخيرها في الفطر ، والأضحى ، والصوم ؛ فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم ، على خلاف فيه بيناه في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس - رضي الله عنه - .
وما ذكرناه هو الصحيح في الباب .
وكذلك الفطر والأضحى ؛ لما رواه حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد بن المنكدر ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون .
خرجه أبو داود ، والدارقطني ، ولفظه ما ذكرناه .
والمعنى : باجتهادكم من غير حرج يلحقكم .
وقد روى [ ص: 94 ] الأئمة أنه - عليه السلام - سئل يوم النحر عن أشياء ، فما يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها : افعل ولا حرج .الثالثة : قال العلماء : رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع ، وأما السلابة ، والسراق ، وأصحاب الحدود فعليهم الحرج ، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين ، وليس في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله تعالى ؛ ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج .قوله تعالى : ملة أبيكم قال الزجاج : المعنى اتبعوا ملة أبيكم .
الفراء : انتصب على تقدير حذف الكاف ؛ كأنه قال كملة .
وقيل : المعنى وافعلوا الخير فعل أبيكم ، فأقام الفعل مقام الملة .
وإبراهيم هو أبو العرب قاطبة .
وقيل : الخطاب لجميع المسلمين ، وإن لم يكن الكل من ولده ؛ لأن حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد .
هو سماكم المسلمين من قبل قال ابن زيد ، والحسن : ( هو ) راجع إلى إبراهيم ؛ والمعنى : هو سماكم المسلمين من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وفي هذا أي وفي حكمه أن من اتبع محمدا - صلى الله عليه وسلم - فهو مسلم .
قال ابن زيد : وهو معنى قوله : ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك .
قال النحاس : وهذا القول مخالف لقول عظماء الأمة .
روى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : سماكم الله - عز وجل - المسلمين من قبل ، أي في الكتب المتقدمة وفي هذا القرآن ؛ قال مجاهد ، وغيره .
ليكون الرسول شهيدا عليكم أي بتبليغه إياكم .
وتكونوا شهداء على الناس أن رسلهم قد بلغتهم ؛ كما تقدم في ( البقرة ) .
فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير تقدم مستوفى والحمد لله .
{ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } والجهاد بذل الوسع في حصول الغرض المطلوب، فالجهاد في الله حق جهاده، هو القيام التام بأمر الله، ودعوة الخلق إلى سبيله بكل طريق موصل إلى ذلك، من نصيحة وتعليم وقتال وأدب وزجر ووعظ، وغير ذلك.
{ هُوَ اجْتَبَاكُمْ } أي: اختاركم -يا معشر المسلمين- من بين الناس، واختار لكم الدين، ورضيه لكم، واختار لكم أفضل الكتب وأفضل الرسل، فقابلوا هذه المنحة العظيمة، بالقيام بالجهاد فيه حق القيام، ولما كان قوله: { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } ربما توهم متوهم أن هذا من باب تكليف ما لا يطاق، أو تكليف ما يشق، احترز منه بقوله: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } أي: مشقة وعسر، بل يسره غاية التيسير، وسهله بغاية السهولة، فأولا ما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس، لا يثقلها ولا يؤودها، ثم إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف، خفف ما أمر به، إما بإسقاطه، أو إسقاط بعضه.
ويؤخذ من هذه الآية، قاعدة شرعية وهي أن \" المشقة تجلب التيسير \" و \" الضرورات تبيح المحظورات \" فيدخل في ذلك من الأحكام الفرعية، شيء كثير معروف في كتب الأحكام.
{ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } أي: هذه الملة المذكورة، والأوامر المزبورة، ملة أبيكم إبراهيم، التي ما زال عليها، فالزموها واستمسكوا بها.
{ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ } أي: في الكتب السابقة، مذكورون ومشهورون، { وَفِي هَذَا } أي: هذا الكتاب، وهذا الشرع.
أي: ما زال هذا الاسم لكم قديما وحديثا، { لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ } بأعمالكم خيرها وشرها { وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } لكونكم خير أمة أخرجت للناس، أمة وسطا عدلا خيارا، تشهدون للرسل أنهم بلغوا أممهم، وتشهدون على الأمم أن رسلهم بلغتهم بما أخبركم الله به في كتابه، { فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } بأركانها وشروطها وحدودها، وجميع لوازمها، { وَآتُوا الزَّكَاةَ } المفروضة لمستحقيها شكرا لله على ما أولاكم، { وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ } أي: امتنعوا به وتوكلوا عليه في ذلك، ولا تتكلوا على حولكم وقوتكم، { هُوَ مَوْلَاكُمْ } الذي يتولى أموركم، فيدبركم بحسن تدبيره، ويصرفكم على أحسن تقديره، { فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } أي: نعم المولى لمن تولاه، فحصل له مطلوبه { وَنِعْمَ النَّصِيرُ } لمن استنصره فدفع عنه المكروه.
تم تفسير سورة الحج، والحمد لله رب العالمين.
قوله عز وجل : ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) قيل : جاهدوا في سبيل الله أعداء الله " حق جهاده " هو استفراغ الطاقة فيه ، قاله ابن عباس : وعنه أيضا أنه قال : لا تخافوا في الله لومة لائم فهو حق الجهاد ، كما قال تعالى : ( يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) ( المائدة : 54 ) .
قال الضحاك ومقاتل : اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته .
وقال مقاتل بن سليمان : نسخها قوله ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ( التغابن : 16 ) ، وقال أكثر المفسرين : " حق الجهاد " : أن تكون نيته خالصة صادقة لله عز وجل .
وقال السدي : هو أن يطاع فلا يعصى .
وقال عبد الله بن المبارك : هو مجاهدة النفس والهوى ، وهو الجهاد الأكبر ، وهو حق الجهاد .
وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك قال : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " وأراد بالجهاد الأصغر الجهاد مع الكفار ، وبالجهاد الأكبر الجهاد مع النفس .
( هو اجتباكم ) أي : اختاركم لدينه ، ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ضيق ، معناه : أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجا ، بعضها بالتوبة ، وبعضها برد المظالم والقصاص ، وبعضها بأنواع الكفارات ، فليس في دين الإسلام ذنب لا يجد العبد سبيلا إلى الخلاص من العقاب فيه .
وقيل : من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا التبس ذلك عليكم ، وسع ذلك عليكم حتى تتيقنوا .
وقال مقاتل : يعني الرخص عند الضرورات ، كقصر الصلاة في السفر ، والتيمم ، وأكل الميتة عند الضرورة ، والإفطار بالسفر والمرض ، والصلاة قاعدا عند العجز .
وهو قول الكلبي .
وروي عن ابن عباس أنه قال : الحرج ما كان على بني إسرائيل من الآصال التي كانت عليهم ، وضعها الله عن هذه الأمة .
( ملة أبيكم إبراهيم ) أي : كلمة أبيكم ، نصب بنزع حرف الصفة .
وقيل : نصب على الإغراء ، أي : اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم ، [ وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم ] لأنها داخلة في ملة محمد صلى الله عليه وسلم .
فإن قيل : فما وجه قوله : ( ملة أبيكم ) وليس كل المسلمين يرجع نسبهم إلى إبراهيم؟
.
قيل : خاطب به العرب وهم كانوا من نسل إبراهيم .
وقيل : خاطب به جميع المسلمين ، وإبراهيم أب لهم ، على معنى وجوب احترامه وحفظ حقه كما يجب احترام الأب ، وهو كقوله تعالى : ( وأزواجه أمهاتهم ) ( الأحزاب : 6 ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما أنا لكم مثل الوالد [ لوالده ] " .
( هو سماكم ) يعني أن الله تعالى سماكم ( المسلمين من قبل ) يعني من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة .
( وفي هذا ) أي : في الكتاب ، هذا قول أكثر المفسرين .
وقال ابن زيد : " هو " يرجع إلى إبراهيم أي أن إبراهيم سماكم المسلمين في أيامه ، من قبل هذا الوقت ، وفي هذا الوقت ، وهو قوله : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) ( البقرة : 127 ) ، ( ليكون الرسول شهيدا عليكم ) يوم القيامة أن قد بلغكم ، ( وتكونوا ) أنتم ، ( شهداء على الناس ) أن رسلهم قد بلغتهم ، ( فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله ) أي : ثقوا بالله وتوكلوا عليه .
قال الحسن : تمسكوا بدين الله .
وروي عن ابن عباس قال : سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يكره .
وقيل : معناه ادعوه ليثبتكم على دينه .
وقيل : الاعتصام بالله هو التمسك بالكتاب والسنة ، ( هو مولاكم ) [ وليكم ] وناصركم وحافظكم ، ( فنعم المولى ونعم النصير ) الناصر لكم .
«وجاهدوا في الله» لإقامة دينه «حق جهاده» باستفراغ الطاقة فيه ونصب حَقَّ على المصدر «هو اجتباكم» اختاركم لدينه «وما جعل عليكم في الدين من حَرَج» أي ضيق بأن سهله عند الضرورات كالقصر والتيمم وأكل الميتة والفطر للمرض والسفر «مِلة أبيكم» منصوب الخافض الكاف «إبراهيم» عطف بيان «هو» أي الله «سمَّاكم المسلمين من قبل» أي قبل هذا الكتاب «وفي هذا» أي القرآن «ليكون الرسول شهيداً عليكم» يوم القيامة أنه بلَّغكم «وتكونوا» أنتم «شهداء على الناس» أن رسلهم بلَّغوهم «فأقيموا الصلاة» داوموا عليها «وآتوا الزكاة واعتصموا بالله» ثقوا به «هو مولاكم» ناصركم ومتولي أموركم «فنعم المولى» هو «ونعم النصير» الناصر لكم.
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم اركعوا واسجدوا في صلاتكم، واعبدوا ربكم وحده لا شريك له، وافعلوا الخير؛ لتفلحوا، وجاهدوا أنفسكم، وقوموا قيامًا تامًّا بأمر الله، وادعوا الخلق إلى سبيله، وجاهدوا بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، مخلصين فيه النية لله عز وجل، مسلمين له قلوبكم وجوارحكم، هو اصطفاكم لحمل هذا الدين، وقد منَّ عليكم بأن جعل شريعتكم سمحة، ليس فيها تضييق ولا تشديد في تكاليفها وأحكامها، كما كان في بعض الأمم قبلكم، هذه الملة السمحة هي ملة أبيكم إبراهيم، وقد سَمَّاكم الله المسلمين مِن قبلُ في الكتب المنزلة السابقة، وفي هذا القرآن، وقد اختصَّكم بهذا الاختيار؛ ليكون خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم شاهدًا عليكم بأنه بلَّغكم رسالة ربه، وتكونوا شهداء على الأمم أن رسلهم قد بلَّغتهم بما أخبركم الله به في كتابه، فعليكم أن تعرفوا لهذه النعمة قدرها، فتشكروها، وتحافظوا على معالم دين الله بأداء الصلاة بأركانها وشروطها، وإخراج الزكاة المفروضة، وأن تلجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى، وتتوكلوا عليه، فهو نِعْمَ المولى لمن تولاه، ونعم النصير لمن استنصره.
وبعد أن أمر - سبحانه - بالصلاة وبالعبادة وبفعل الخير ، أتبع ذلك بالأمر بالجهاد فقال - تعالى - : ( وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ ) .والجهاد مأخوذ من الجهد ، وهو بذل أقصى الطاقة فى مدافعة العدو .وهى أنواع ، أعظمها : جهاد أعداء الله - تعالى - من الكفار والمنافقين والظالمين والمبتدعين فى دين الله - تعالى - ما ليس منه .كذلك من أنواع الجهاد : جهاد النفس الأمارة بالسوء ، وجهاد الشيطان .وإضافة " حق " إلى " جهاد " فى قوله : ( حَقَّ جِهَادِهِ ) من إضافة الصفة التى إلى الموصوف أى : وجاهدوا - أيها المؤمنون - فى سبيل الله - تعالى - ومن أجل إعلاء كلمته ، ونصر شريعته ، جهادا كاملا صادقا لا تردد معه ولا تراجع .قال صاحب الكشاف : قوله : ( وَجَاهِدُوا .
.
.
.
) أمر بالغزو وبمجاهدة النفس والهوى .
وهو الجهاد الأكبر .
عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه رجع من بعض غزواته فقال : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " ( فِي الله ) أى : فى ذات الله ومن أجله .
يقال : هو حق عالم ، وجد عالم ، ومنه ( حَقَّ جِهَادِهِ ) .فإن قلت : ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه ، أو حق جهادكم فيه ، كما قال : ( وَجَاهِدُوا فِي الله ) ؟قلت : الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص .
فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت إضافته إليه .
.
.وجملة " هو اجتباكم " مستأنفة ، لبيان علة الأمر بالجهاد ، والاجتباء : الاختيار والاصطفاء .أى : جاهدوا - أيها المؤمنون - من أجل إعلاء كلمة الله ، لأنه - سبحانه - هو الذى اختاركم للذب عن دينه ، واصطفاكم لحرب أعدائه ، وجدير بمن اختاره الله واصطفاه أن يكون مطيعا له .ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه بعباده فقال : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ) .أى : ومن مظاهر رحمته بكم - أيها المؤمنون - أنه سبحانه لم يشرع فى هذا الدين الذى تدينون به ما فيه مشقة بكم ، أو ضيق عليكم : وإنما جعل أمر هذا الدين ، مبنى على اليسر والتخفيف ورفع الحرج ، ومن قواعده التى تدل على ذلك : أن الضرر يزال .
وأن المشقة تجلب التيسير : وأن اليقين لا يرفع بالشك ، وأن الأمور تتبع مقاصدها ، وأن التوبة الصادقة النصوح تجب ما قبلها من ذنوب .ومن الآيات التى تدل على أن هذا الدين مبنى على التيسير ورفع الحرج قوله - تعالى - : ( لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا .
.
) وقوله - سبحانه - : ( .
.
.
يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر .
.
.
) وفى الحديث الشريف : " بعثت بالحنيفية السمحاء " .قال بعض العلماء : وأنت خبير بأن هناك فرقا كبيرا ، بين المشقة فى الأحكام الشرعية ، وبين الحرج والعسر فيها ، فإن الأولى حاصلة وقلما يخلو منها تكليف شرعى ، إذ التكليف هو التزام ما فيه كلفة ومشقة ، أما المشقة الزائدة عن الحد التى تصل إلى حد الحرج ، فهى المرفوعة عن المكلفين .فقد فرض الله الصلاة على المكلف ، وأوجب عليه أداءها ، وهذا شىء لا حرج فيه .
ثم هو إذا لم يستطيع الصلاة من قيام ، فله أن يؤديها وهو قاعد أو بالإيماء .
.
.
وهكذا جميع التكاليف الشرعية .والخلاصة : أن هذا الدين الذى جاءنا به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه - عز وجل - مبنى على التخفيف والتيسير ، لا على الضيق والحرج ، والذين يجدون فيه ضيقا وحرجا ، هم الناكبون عن هديه ، الخارجون على تعالميه .ورحم الله الإمام القرطبى فق قال : " رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع ، وأما السراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج ، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين .
.
.
" .والمراد بالملة فى قوله - تعالى - : ( مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ) الدين والشريعة ، ولفظ " ملة " هنا منصوب بنزع الخافض .أى : ما جعل عليكم - أيها المؤمنون - فى دينكم من حرج ، كما لم يجعل ذلك - أيضا - فى لمة أبيكم إبراهيم .ويصح أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل دل عليه ما قبله من نفى الحرج بعد حذف المصدر المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه .
أى : وسع عليكم فى دينكم توسعة ملة إبيكم إبراهيم .ووصف - سبحانه - إبراهيم - عليه السلام - بالأبوة لهذه الأمة ، لأن رسول هذه الأمة - صلى الله عليه وسلم - ينتهى نسبه إلى إبراهيم ، ورسول هذه الأمة - صلى الله عليه وسلم - كالأب لها ، من حيث أنه - صلى الله عليه وسلم - جاءها من عند ربه - عز وجل - بما يحييها ويسعدها .والضمير " هو " فى قوله - تعالى - : ( هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ وَفِي هذا .
.
.
) يعود إلى الله - تعالى - أى : هو - سبحانه - الذى سماكم المسلمين من قبل نزول القرآن .
وسماكم - أيضا - بهذا الإسم فى هذا القرآن .وقيل : الضمير " هو " يعود إلى إبراهيم أى : إبراهيم هو الذى سماكم المسلمين .ومن وجوه ضعف هذا القول : أن اللن - تعالى - قال : ( وَفِي هذا ) أى سماكم المسلمين فى هذا القرآن ، وإبراهيم - عليه السلام - لحق بربه قبل نزول هذا القرآن بآزمان طويلة ، وأيضا فإن السياق يؤيد أن الضمير " هو " يعود إلى الله - تعالى - لأن الأفعال السابقة كقوله ( هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ) تعود إليه - عز وجل - .ثم بين - سبحانه - أسباب هذا الاجتباء والاصطفاء فقال : ( لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس ) .والمراد بشهادة الرسول على أمته : الإخبار بأنه قد بلغهم رسالة ربه .والمراد بشهادة هذه الأمة على غيرها من الناس : الإخبار بأن الرسل الذين أرسلهم الله - تعالى - إلى هؤلاء الناس ، قد بلغوهم رسالة ربهم ، ونصحوهم بإخلاص العبادة لله وحده .ويؤيد ذلك ما رواه البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يدعى نوح - عليه السلام - يوم القيامة فيقول : لبيك وسعديك يا رب .
فيقا له : هل بلغت ما أرسلت به؟
فيقول : نعم .
فيقال لأمته : هل بلغكم؟
فيقولون : ما أتانا من نذير .
فيقال له : من يشهد لك؟
فيقول : محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته ، فيشهدون أنه قد بلغ " .وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى - : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) والمعنى : فعلنا ما فعلنا من اجتبائكم ، والتيسير عليكم ، وتسميتكم بالمسلمين ، ليكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - شهيدا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أمر بتبليغه إليكم ، ولتكونوا أنتم شهداء على الناس بأن رسلهم قد بلغوهم رسالة ربهم .وما دام الأمر كذلك ( فَأَقِيمُواْ الصلاة ) أيها المؤمنون بأن تؤدوها فى أوقاتها بإخلاص وخشوع ( وَآتُواْ الزكاة ) التى كلفكم الله - تعالى - بإيتائها إلى مستحقيها ( واعتصموا بالله ) أى : التجئوا إليه ، واستعينوا به فى كل أموركم فإنه - سبحانه - ( هُوَ مَوْلاَكُمْ ) أى : ناصركم ومتولى شئونكم ، ومالك أمركم ، وهو - تعالى - ( نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير ) أى : هو - عز وجل - نعم المالك لأمركم ، ونعم النصير القوى لشأنكم .وبعد : فهذه سورة الحج ، وهذا تفسير محرر لها .نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
اعلم أنه سبحانه لما تكلم في الإلهيات ثم في النبوات أتبعه بالكلام في الشرائع وهو من أربع أوجه أولها: تعيين المأمور.
وثانيها: أقسام المأمور به.
وثالثها: ذكر ما يوجب قبول تلك الأوامر.
ورابعها: تأكيد ذلك التكليف.
أما النوع الأول: وهو تعيين المأمور فهو قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وفيه قولان: أحدهما: المراد منه كل المكلفين سواء كان مؤمناً أو كافراً، لأن التكليف بهذه الأشياء عام في كل المكلفين فلا معنى لتخصيص المؤمنين بذلك والثاني: أن المراد بذلك المؤمنون فقط أما أولاً: فلأن اللفظ صريح فيه، وأما ثانياً: فلأن قوله بعد ذلك ﴿ هُوَ اجتباكم ﴾ وقوله: ﴿ هُوَ سماكم المسلمين ﴾ وقوله: ﴿ وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ كل ذلك لا يليق إلا بالمؤمنين.
أقصى ما في الباب أن يقال لما كان ذلك واجباً على الكل فأي فائدة في تخصيص المؤمنين؟
لكنا نقول تخصيصهم بالذكر لا يدل على نفي ذلك عما عداهم بل قد دلت هذه الآية على كونهم على التخصيص مأمورين بهذه الأشياء ودلت سائر الآيات على كون الكل مأمورين بها.
ويمكن أن يقال فائدة التخصيص أنه لما جاء الخطاب العام مرة بعد أخرى ثم إنه ما قبله إلا المؤمنون خصهم الله تعالى بهذا الخطاب ليكون ذلك كالتحريض لهم على المواظبة على قبوله وكالتشريف لهم في ذلك الإقرار والتخصيص.
أما النوع الثاني: وهو المأمور به فقد ذكر الله أموراً أربعة: الأول: الصلاة وهو المراد من قوله: ﴿ اركعوا واسجدوا ﴾ وذلك لأن أشرف أركان الصلاة هو الركوع والسجود والصلاة هي المختصة بهذين الركنين فكان ذكرهما جارياً مجرى ذكر الصلاة وذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس في أول إسلامهم كانوا يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية الثاني: قوله: ﴿ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ ﴾ وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: اعبدوه ولا تعبدوا غيره.
وثانيها: واعبدوا ربكم في سائر المأمورات والمنهيات.
وثالثها: افعلوا الركوع والسجود وسائر الطاعات على وجه العبادة لأنه لا يكفي أن يفعل فإنه ما لم يقصد به عبادة الله تعالى لا ينفع في باب الثواب فلذلك عطف هذه الجملة على الركوع والسجود الثالث: قوله تعالى: ﴿ وافعلوا الخير ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد به صلة الرحم ومكارم الأخلاق والوجه عندي في هذا الترتيب أن الصلاة نوع من أنواع العبادة والعبادة نوع من أنواع فعل الخير، لأن فعل الخير ينقسم إلى خدمة المعبود الذي هو عبارة عن التعظيم لأمر الله وإلى الإحسان الذي هو عبارة عن الشفقة على خلق الله ويدخل فيه البر والمعروف والصدقة على الفقراء وحسن القول للناس فكأنه سبحانه قال كلفتكم بالصلاة بل كلفتكم بما هو أعم منها وهو العبادة بل كلفتكم بما هو أعم من العبادة وهو فعل الخيرات.
أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ فقيل معناه لتفلحوا، والفلاح الظفر بنعيم الآخرة، وقال الإمام أبو القاسم الأنصاري لعل كلمة للترجية فإن الإنسان قلما يخلو في أداء الفريضة من تقصير وليس هو على يقين من أن الذي أتي به هل هو مقبول عند الله تعالى والعواقب أيضاً مستورة وكل ميسر لما خلق له الرابع: قوله تعالى: ﴿ وجاهدوا فِي الله حَقَّ جهاده ﴾ قال صاحب الكشاف ﴿ فِى الله ﴾ أي في ذات الله، ومن أجله.
يقال هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقاً وجداً ومنه ﴿ حَقَّ جهاده ﴾ وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال: ﴿ وجاهدوا فِي الله حَقَّ جهاده ﴾ ؟
والجواب: الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد مختصاً بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت الإضافة إليه.
السؤال الثاني: ما هذا الجهاد؟
الجواب: فيه وجوه: أحدها: أن المراد قتال الكفار خاصة، ومعنى ﴿ حَقَّ جهاده ﴾ أن لا يفعل إلا عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الإسم أو الغنيمة والثاني: أن يجاهدوا آخراً كما جاهدوا أولاً فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ ﴿ وجاهدوا فِي الله حَقَّ جهاده ﴾ في آخر الزمان كما جاهدتموه في أوله، فقال عبد الرحمن ومتى ذاك يا أمير المؤمنين؟
قال إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء، واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن وإلا لنقل كنقل نظائره، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ: وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة.
فقال عمر من الذي أمرنا بجهاده؟
فقال قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس، فقال صدقت والثالث: قال ابن عباس: حق جهاده، لا تخافوا في الله لومة لائم والرابع: قال الضحاك: واعملوا لله حق عمله والخامس: استفرغوا وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حقوقه بالحرب باليد واللسان وجميع ما يمكن وردوا أنفسكم عن الهوى والميل والوجه السادس: قال عبدالله ابن المبارك: حق جهاده، مجاهدة النفس والهوى.
ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» والأولى أن يحمل ذلك على كل التكاليف، فكل ما أمر به ونهى عنه فالمحافظة عليه جهاد.
السؤال الثالث: هل يصح ما نقل عن مقاتل والكلبي أن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿ فاتقوا الله مَا استطعتم ﴾ كما أن قوله: ﴿ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ منسوخ بذلك؟
الجواب: هذا بعيد لأن التكليف مشروط بالقدرة لقوله تعالى: ﴿ لاَ يُكَلّفُ الِلَّهِ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ فكيف يقول الله وجاهدوا في الله على وجه لا تقدرون عليه، وكيف وقد كان الجهاد في الأول مضيقاً حتى لا يصح أن يفر الواحد من عشرة، ثم خففه الله بقوله: ﴿ الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ ﴾ أفيجوز مع ذلك أن يوجبه على وجه لا يطاق حتى يقال إنه منسوخ.
النوع الثالث: بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر وهو ثلاثة: الأول: قوله: ﴿ هُوَ اجتباكم ﴾ ومعناه أن التكليف تشريف من الله تعالى للعبد، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته، فأي رتبة أعلى من هذا، وأي سعادة فوق هذا، ويحتمل في اجتباكم خصكم بالهداية والمعونة والتيسير.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ فهو كالجواب عن سؤال يذكر وهو أن التكليف وإن كان تشريفاً واجباً كما ذكرتم لكنه شاق شديد على النفس؟
فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ روي أن أبا هريرة رضي الله عنه قال كيف قال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة؟
فقال ابن عباس رضي الله عنهما: بلى ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما الحرج في أصل اللغة؟
الجواب: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لبعض هذيل ما تعدون الحرج فيكم؟
قال الضيق، وعن عائشة رضي الله عنها: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الضيق».
السؤال الثاني: ما المراد من الحرج في الآية؟
الجواب: قيل هو الإتيان بالرخص، فمن لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً ومن لم يستطع ذلك فليؤم، وأباح للصائح الفطر في السفر والقصر فيه.
وأيضاً فإنه سبحانه لم يبتل عبده بشيء من الذنوب إلا وجعل له مخرجاً منها إما بالتوبة أو بالكفارة، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه من جاءته رخصة فرغب عنها كلف يوم القيامة أن يحمل ثقل تنين حتى يقضي بين الناس وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتمع أمران فأحبهما إلى الله تعالى أيسرهما» وعن كعب: أعطى الله هذه الأمة ثلاثاً لم يعطهم إلا للأنبياء: جعلهم شهداء على الناس، وما جعل عليهم في الدين من حرج، وقال أدعوني أستجب لكم.
السؤال الثالث: استدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من تكليف مالا يطاق، فقالوا: لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي ثم نهاه عنهما كان ذلك من أعظم الحرج وذلك منفي بصريح هذا النص والجواب: لما أمره بترك الكفر وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلاً فقد أمر الله المكلف بقلب علم الله جهلاً وذلك من أعظم الحرج، ولما استوى القدمان زال السؤال.
الموجب الثاني: لقبول التكليف قوله: ﴿ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ ﴾ وفي نصب الملة وجهان: أحدهما: وهو قول الفراء أنها منصوبة بمضمون ما تقدمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والثاني: أن يكون منصوباً على المدح والتعظيم أي أعني بالدين ملة أبيكم إبراهيم، واعلم أن المقصود من ذكره التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
والعرب كانوا محبين لإبراهيم عليه السلام لأنهم من أولاده، فكان التنبيه على ذلك كالسبب لصيروتهم منقادين لقبول هذا الدين وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: لم قال: ﴿ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم ﴾ ولم يدخل في الخطاب المؤمنون الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن من ولده؟
والجواب: من وجهين: أحدهما: لما كان أكثرهم من ولده كالرسول ورهطه وجميع العرب جاز ذلك وثانيهما: وهو قول الحسن أن الله تعالى جعل حرمة إبراهيم عليه السلام على المسلمين كحرمة الوالد على ولده، ومنه قوله تعالى: ﴿ النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ فجعل حرمته كحرمة الوالد على الولد، وحرمة نسائه كحرمة الوالدة على ما قال تعالى: ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ .
السؤال الثاني: هذا يقتضي أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم عليهما السلام سواء، فيكون الرسول ليس له شرع مخصوص ويؤكده قوله تعالى: ﴿ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم ﴾ ، الجواب: هذا الكلام إنما وقع مع عبدة الأوثان، فكأنه تعالى قال: عبادة الله وترك الأوثان هي ملة إبراهيم فأما تفاصيل الشرائع فلا تعلق لها بهذا الموضع.
السؤال الثالث: ما معنى قوله تعالى: ﴿ هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ ﴾ ؟
الجواب: فيه قولان: أحدهما: أن الكناية راجعة إلى إبراهيم عليه السلام، فإن لكل نبي دعوة مستجابة وهو قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿ رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ فاستجاب الله تعالى له فجعلها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وروي أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الله تعالى سيبعث محمداً بمثل ملته وأنه ستسمى أمته بالمسلمين والثاني: أن الكناية راجعة إلى الله تعالى في قوله: ﴿ هُوَ اجتباكم ﴾ فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن الله سماكم المسلمين من قبل أي في كل الكتب، وفي هذا أي في القرآن.
وهذا الوجه أقرب لأنه تعالى قال: ﴿ لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ فبين أنه سماهم بذلك لهذا الغرض وهذا لا يليق إلا بالله، ويدل عليه أيضاً قراءة أبي بن كعب ﴿ الله سماكم ﴾ والمعنى أنه سبحانه في سائر الكتب المتقدمة على القرآن، وفي القرآن أيضاً بين فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم، لأجل الشهادة المذكورة.
فلما خصكم الله بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه.
وهذا هو العلة الثالثة: الموجبة لقبول التكليف، وأما الكلام في أنه كيف يكون الرسول شهيداً علينا، وكيف تكون أمته شهداء على الناس؟
فقد تقدم في سورة البقرة، وبينا أنه أخذ منه ما يدل على أن الإجماع حجة.
النوع الرابع: شرح ما يجري مجرى المؤكد لما مضى، وهو قوله: ﴿ فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ ويجب صرفها إلى المفروضات لأنها هي المعهودة ﴿ واعتصموا بالله ﴾ أي بدلائله العقلية والسمعية وألطافه وعصمته، قال ابن عباس: سلوا الله العصمة عن كل المحرمات وقال القفال: اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون هو مولاكم وسيدكم المتصرف فيكم فنم المولى ونعم البصير، فكأنه سبحانه قال أنا مولاك بل أنا ناصرك وحسبك، واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآيات من وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ يدل على أنه سبحانه أراد الإيمان من الكل، لأنه تعالى لا يجعل الشهيد على عباده إلا من كان عدلاً مرضياً، فإذا أراد أن تكونوا شهداء على الناس فقد أراد تكونوا جميعاً صالحين عدولاً، وقد علمنا أن منهم فاسقاً، فدل ذلك على أن الله تعالى أراد من الفسق كونه عدلاً.
وثانيها: قوله: ﴿ واعتصموا بالله ﴾ وكيف يمكن الاعتصام به مع أن الشر لا يوجد إلا منه؟.
وثالثها: قوله: ﴿ فَنِعْمَ المولى ﴾ لأنه لو كان كما يقوله أهل السنة من أنه خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم لما كان نعم المولى، بل كان لا يوجد من شرار الموالي أحد إلا وهو شر منه.
فكان يجب أن يوصف بأنه بئس المولى وذلك باطل فدل على أنه سبحانه ما أراد من جميعهم إلا الصلاح.
فإن قيل لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين خاصة كما أنه نعم النصير لهم خاصة؟
قلنا إنه تعالى مولى المؤمنين والكافرين جميعاً فيجب أن يقال إنه نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى للكافرين.
فإن ارتكبوا ذلك فقد ردوا القرآن والإجماع وصرحوا بشتم الله تعالى.
ورابعها: أن قوله: ﴿ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ ﴾ يدل على إثبات الأسماء الشرعية وأنها من قبل الله تعالى لأنها لو كانت لغة لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص.
والجواب: عن الأول وهو قوله كونه تعالى مريداً لكونه شاهداً يستلزم كونه مريداً لكونه عدلاً، فنقول: إن كانت إرادة الشيء مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكافر توجب أن تكون مستلزمة لإرادة جهل الله تعالى فيلزم كونه تعالى مريداً لجهل نفسه.
وإن لم يكن ذلك واجباً سقط الكلام.
وأما قوله: ﴿ واعتصموا بالله ﴾ فيقال هذا أيضاً وارد عليكم فإنه سبحانه خلق الشهوة في قلب الفاسق وأكدها وخلق المشتهي وقربه منه ورفع المانع ثم سلط عليه الشياطين من الإنس والجن وعلم أنه لا محالة يقع في الفجور والضلال، وفي الشاهد كل من فعل ذلك فإنه يكون بئس المولى، فإن صح قياس الغائب على الشاهد فهذا لازم عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية.
﴿ وجاهدوا ﴾ أمر بالغزو وبمجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر.
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجع من بعض غزواته فقال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» ﴿ فِى الله ﴾ أي في ذات الله ومن أجله.
يقال: هو حق عالم، وجدّ عالم، أي: عالم حقاً وجداً.
ومنه ﴿ حَقَّ جهاده ﴾ .
فإن قلت: ما وجه هذه الإضافة، وكان القياس: حق الجهاد فيه، أو حق جهادكم فيه، كما قال: ﴿ وجاهدوا فِي الله ﴾ ؟
قلت: الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد مختصاً بالله من حيث أنه مفعول لوجهه ومن أجله، صحت إضافته إليه.
ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله: وَيَوْماً شَهِدْنَاهُ سُلَيْماً وَعَامِراً ﴿ اجتباكم ﴾ اختاركم لدينه ولنصرته ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ فتح باب التوبة للمجرمين، وفسح بأَنواع الرخص والكفارات والديات والأروش.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ﴾ [البقرة: 185] وأمّة محمد صلى الله عليه وسلم هي الأمة المرحومة الموسومة بذلك في الكتب المتقدّمة.
نصب الملة بمضمون ما تقدّمها، كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
أو على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم كقولك: الحمد الله الحميد.
فإن قلت: لم يكن ﴿ إبراهيم ﴾ أباً للأمّة كلها.
قلت: هو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أباً لأمته، لأنّ أمة الرسول في حكم أولاده ﴿ هُوَ ﴾ يرجع إلى الله تعالى.
وقيل: إلى إبراهيم.
ويشهد للقول الأوّل قراءة أبيّ بن كعب: ﴿ الله سماكم ﴾ ﴿ مِن قَبْلُ وَفِى هذا ﴾ أي من قبل القرآن في سائر الكتب وفي القرآن، أي: فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم ﴿ لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ ﴾ أنه قد بلغكم ﴿ وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ بأنّ الرسل قد بلغتهم وإذ خصّكم بهذه الكرامة والأثرة.
فاعبدوه وثقوا به ولا تطلبوا النصرة والولاية إلا منه، فهو خير مولى وناصر.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الحجّ أعطي من الأجر كحجّة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حجّ واعتمر فيما مضى وفيما بقي» .
﴿ وَجاهِدُوا في اللَّهِ ﴾ أيْ لِلَّهِ ومِن أجْلِهِ أعْداءَ دِينِهِ الظّاهِرَةَ كَأهْلِ الزَّيْغِ والباطِنَةَ كالهَوى والنَّفْسِ.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ رَجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقالَ «رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» .
﴿ حَقَّ جِهادِهِ ﴾ أيْ جِهادًا فِيهِ حَقًّا خالِصًا لِوَجْهِهِ فَعَكَسَ وأُضِيفَ الحَقُّ إلى الجِهادِ مُبالَغَةً كَقَوْلِكَ: هو حَقُّ عالِمٍ، وأُضِيفَ الجِهادُ إلى الضَّمِيرِ اتِّساعًا أوْ لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَفْعُولٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى ومِن أجْلِهِ.
﴿ هُوَ اجْتَباكُمْ ﴾ اخْتارَكم لِدِينِهِ ولِنُصْرَتِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى المُقْتَضى لِلْجِهادِ والدّاعِي إلَيْهِ وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ ﴾ أيْ ضِيقٍ بِتَكْلِيفِ ما يَشْتَدُّ القِيامُ بِهِ عَلَيْكم، إشارَةً إلى أنَّهُ لا مانِعَ لَهم عَنْهُ ولا عُذْرَ لَهم في تَرْكِهِ، أوْ إلى الرُّخْصَةِ في إغْفالِ بَعْضِ ما أمَرَهم بِهِ مِن حَيْثُ شَقَّ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فائْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» .
وَقِيلَ ذَلِكَ بِأنْ جَعَلَ لَهم مِن كُلِّ ذَنْبٍ مَخْرَجًا بِأنْ رَخَّصَ لَهم في المَضايِقِ وفَتْحَ عَلَيْهِمْ بابَ التَّوْبَةِ، وشَرَعَ لَهُمُ الكَفّاراتِ في حُقُوقِهِ والأُرُوشَ والدِّياتِ في حُقُوقِ العِبادِ ﴿ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ ﴾ مُنْتَصِبَةٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ ما قَبْلَها بِحَذْفِ المُضافِ أيْ: وسَّعَ دِينَكم تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أبِيكم، أوْ عَلى الإغْراءِ أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، وإنَّما جَعَلَهُ أباهم لِأنَّهُ أبُو رَسُولِ اللَّهِ وهو كالأبِ لِأُمَّتِهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ سَبَبٌ لِحَياتِهِمُ الأبَدِيَّةِ ووُجُودِهِمْ عَلى الوَجْهِ المُعْتَدِّ بِهِ في الآخِرَةِ، أوْ لِأنَّ أكْثَرَ العَرَبِ كانُوا مِن ذُرِّيَّتِهِ فَغُلِّبُوا عَلى غَيْرِهِمْ.
﴿ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ﴾ مِن قَبْلِ القُرْآنِ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ.
﴿ وَفِي هَذا ﴾ وفي القُرْآنِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ «اللَّهُ سَمّاكم»، أوْ لِـ ( إبْراهِيمَ ) وتَسْمِيَتُهم بِمُسْلِمِينَ في القُرْآنِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِنهُ كانَتْ بِسَبَبِ تَسْمِيَتِهِ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ .
وقِيلَ وفي هَذا تَقْدِيرُهُ وفي هَذا بَيانُ تَسْمِيَتِهِ إيّاكم مُسْلِمِينَ.
﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقٌ بِسَمّاكم.
﴿ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ ﴾ بِأنَّهُ بَلَّغَكم فَيَدُلُّ عَلى قَبُولِ شَهادَتِهِ لِنَفْسِهِ اعْتِمادًا عَلى عِصْمَتِهِ، أوْ بِطاعَةِ مَن أطاعَ وعِصْيانِ مَن عَصى.
﴿ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ بِتَبْلِيغِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ.
﴿ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ فَتَقَرَّبُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِأنْواعِ الطّاعاتِ لِما خَصَّكم بِهَذا الفَضْلِ والشَّرَفِ.
﴿ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ﴾ وثِقُوا بِهِ في مَجامِعِ أُمُورِكم ولا تَطْلُبُوا الإعانَةَ والنُّصْرَةَ إلّا مِنهُ.
﴿ هُوَ مَوْلاكُمْ ﴾ ناصِرُكم ومُتَوَلِّي أُمُورِكم ﴿ فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ هو إذْ لا مَثَلَ لَهُ سُبْحانَهُ في الوِلايَةِ والنُّصْرَةِ، بَلْ لا مَوْلى ولا نَصِيرَ سِواهُ في الحَقِيقَةِ.
عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قَرَأ سُورَةَ الحَجِّ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَحَجَّةٍ حَجَّها وعُمْرَةٍ اعْتَمَرَها بِعَدَدِ مَن حَجَّ واعْتَمَرَ فِيما مَضى وفِيما بَقِيَ» .
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)
{وجاهدوا} أمر الغزو أو مجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر أو هو كلمة حق عند أمير جائر {في الله} أى فى
الحج (٧٨)
ذات الله ومن أجله {حَقَّ جهاده} وهو أن لا يخاف في الله لومة لائم يقال هو حق عالم وجد عالم أى حقاً وجداً ومنه حق جهاده وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه لكن الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص فلما كان الجهاد مختصاً بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت إضافته إليه ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله
ويوم شهدنا سليماً وعامراً هُوَ {اجتباكم} اختاركم لدينه ونصرته {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ} ضيق بل رخص لكم في جميع ما كلفكم من الطهارة والصلاة والصوم والحج بالتيمم بالايماء وبالقصد والإفطار لعذر السفر والمرض وعدم الزاد والراحلة {مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم} أي اتبعوا ملة أبيكم أو نصب على الاختصاص أي أعني بالدين ملة أبيكم وسماه أباً وإن لم يكن أباً للأمة كلها لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أباً لأمته لأن أمة الرسول في حكم أولاده قال عليه السلام إنما أنا لكم مثل الوالد {هُوَ سماكم المسلمين} أي الله بدليل قراءة أبى الله سماكم {مِن قَبْلُ} في الكتب المتقدمة {وَفِى هذا} أي في القرآن أي فضلكم على سائر الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم {لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ} أنه قد بلغكم رسالة ربكم {وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس} بتبليغ الرسل رسالات الله إليهم وإنما خصكم بهذه الكرامة والأثرة {فأقيموا الصلاة} بواجباتها {وآتوا الزكاة} بشرائطها {واعتصموا بالله} وثقوا بالله وتوكلوا عليه لا بالصلاة والزكاة {هُوَ مولاكم} أي مالككم وناصركم ومتولي أموركم {فَنِعْمَ المولى} حيث لم يمنعكم رزقكم بعصيانكم {وَنِعْمَ النصير} أي الناصر هو أعانكم على طاعتكم وقد أفلح من هو مولاه وناصره والله الموفق للصواب
المؤمنون (٦ - ١)
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة المؤمنون مكية وهي مائة وثمان عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ وجاهِدُوا في اللَّهِ ﴾ أيْ لِلَّهِ تَعالى أوْ في سَبِيلِهِ سُبْحانَهُ، والجِهادُ كَما قالَ الرّاغِبُ اسْتِفْراغُ الوُسْعِ في مُدافَعَةِ العَدُوِّ وهو ثَلاثَةُ أضْرُبٍ.
مُجاهَدَةُ العَدُوِّ الظّاهِرِ كالكُفّارِ ومُجاهَدَةُ الشَّيْطانِ ومُجاهَدَةُ النَّفْسِ وهي أكْبَرُ مِن مُجاهَدَةِ العَدُوِّ الظّاهِرَةِ كَما يَشْعُرُ بِهِ ما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ قَوْمٌ غُزاةٌ فَقالَ: «قَدِمْتُمْ خَيْرَ مَقْدَمٍ مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ قِيلَ وما الجِهادُ الأكْبَرُ؟
قالَ مُجاهَدَةُ العَبْدِ هَواهُ»» وفي إسْنادِهِ ضَعْفٌ مُغْتَفَرٌ في مِثْلِهِ.
والمُرادُ هُنا عِنْدَ الضَّحّاكِ جِهادُ الكُفّارِ حَتّى يَدْخُلُوا في الإسْلامِ، ويَقْتَضِيَ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً لِأنَّ الجِهادَ إنَّما أُمِرَ بِهِ بَعْدَ الهِجْرَةِ وعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ جِهادُ الهَوى والنَّفْسِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ ضُرُوبَهُ الثَّلاثَةَ ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ في شَيْءٍ، وإلى هَذا يُشِيرُ ما رَوى جَماعَةٌ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ وقالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُجاهِدُ في اللَّهِ تَعالى وما ضَرَبَ بِسَيْفٍ، ويَشْمَلُ ذَلِكَ جِهادَ المُبْتَدِعَةِ والفَسَقَةِ فَإنَّهم أعْداءٌ أيْضًا ويَكُونُ بِزَجْرِهِمْ عَنِ الِابْتِداعِ والفِسْقِ ﴿ حَقَّ جِهادِهِ ﴾ أيْ جِهادًا فِيهِ حَقًّا فَقَدَّمَ حَقًّا وأُضِيفَ عَلى حَدِّ جَرْدِ قَطِيفَةٍ وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وأُضِيفَ جِهادٌ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى عَلى حَدِّ قَوْلِهِ.
ويَوْمَ شَهِدْناهُ سَلِيمًا وعامِرًا.
وفِي الكَشّافِ الإضافَةُ تَكُونُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ واخْتِصاصٍ فَلَمّا كانَ الجِهادُ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ إنَّهُ مَفْعُولٌ لِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ ومِن أجْلِهِ صَحَّتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ، وأيًّا ما كانَ فَنُصِبَ ( حَقَّ ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ جِهادًا حَقَّ جِهادِهِ، وفِيهِ أنَّهُ مَعْرِفَةٌ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ ولا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَزْعُمُ أنَّ الإضافَةَ إذا كانَتْ عَلى الِاتِّساعِ لا تُفِيدُ تَعْرِيفًا فَلا يَتَعَرَّفُ بِها المُضافُ ولا المُضافُ إلَيْهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالجِهادِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِأنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ تَعالى لا يَخْشى فِيهِ لَوْمَةَ لائِمٍ وهي مُحْكَمَةٌ.
ومَن قالَ كَمُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ فَقَدْ أرادَ بِها أنْ يُطاعَ سُبْحانَهُ فَلا يُعْصى أصْلًا وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ لِي عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «ألَسْنا كُنّا نَقْرَأُ وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ في آخِرِ الزَّمانِ كَما جاهَدْتُمْ في أوَّلِهِ» ؟
قُلْتُ: بَلى فَمَتى هَذا يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟
قالَ: إذا كانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ الأُمَراءَ وبَنُو المُغِيرَةِ الوُزَراءَ، وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَذَكَرَهُ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ حُكْمُ هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: قالَ العُلَماءُ لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ فَلَعَلَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ مِن تَفْسِيرِهِ ولَيْسَتْ مِن نَفْسِ القُرْآنِ إلّا لَتَواتَرَتْ وهو كَما تَرى ﴿ هُوَ اجْتَباكُمْ ﴾ أيْ هو جَلَّ شَأْنُهُ اخْتارَكم لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عِلَّةِ الأمْرِ بِالجِهادِ فَإنَّ المُخْتارَ إنَّما يَخْتارُ مَن يَقُومُ بِخِدْمَتِهِ ومِن قُرْبِهِ العَظِيمَ يَلْزَمُهُ دَفْعُ أعْدائِهِ ومُجاهَدَةُ نَفْسِهِ بِتَرْكِ ما لا يَرْضاهُ فَفِيها تَنْبِيهٌ عَلى المُقْتَضى لِلْجِهادِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ ﴾ أيْ في جَمِيعِ أُمُورِهِ ويَدْخُلُ فِيهِ الجِهادُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ مِن حَرَجٍ ﴾ أيْ ضِيقٌ بِتَكْلِيفِ ما يَشْتَدُّ القِيامُ بِهِ عَلَيْكم إشارَةً إلى أنَّهُ لا مانِعَ لَهم عَنْهُ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِالجِهادِ وبَيَّنَ أنَّهُ لا عُذْرَ لَهم في تَرْكِهِ حَيْثُ وُجِدَ المُقْتَضِي وارْتَفَعَ المانِعُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إشارَةً إلى الرُّخْصَةِ في تَرْكِ بَعْضِ ما أمَرَهم سُبْحانَهُ بِهِ حَيْثُ شَقَّ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ : ««إذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأتَوْا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ»» فانْتِفاءُ الحَرَجِ عَلى هَذا بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالتَّرْخِيصِ في التَّرْكِ بِمُقْتَضى الشَّرْعِ وعَلى الأوَّلِ انْتِفاءُ الحَرَجِ ابْتِداءً، وقِيلَ: عَدَمُ الحَرَجِ بِأنْ جَعَلَ لَهم مِن كُلِّ ذَنْبٍ مَخْرَجًا بِأنْ رَخَّصَ لَهم في المَضايِقِ وفَتَحَ عَلَيْهِمْ بابَ التَّوْبَةِ وشَرَعَ لَهُمُ الكَفّاراتِ في حُقُوقِهِ والأُرُوشَ والدِّياتِ في حُقُوقِ العِبادِ، ولا يَخْفى أنَّ تَعْمِيمَهُ لِلتَّوْبَةِ ونَحْوِها خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ رُوِيَ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ الظّاهِرَ حَقُّ جِهادِهِ تَعالى لِما كانَ مُتَعَسَّرًا ذَيَّلَهُ بِهَذا لِيُبَيِّنَ أنَّ المُرادَ ما هو بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ لا ما يَلِيقُ بِهِ جَلَّ وعَلا مِن كُلِّ الوُجُوهِ.
وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلُ قاعِدَةِ المَشَقَّةِ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ وهو أوْفَقُ بِالوَجْهِ الثّانِي فِيها.
﴿ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الحَرَجِ بَعْدَ حَذْفِ مُضافٍ أيْ وسِعَ دِينُكم تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أبِيكم أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ بِتَقْدِيرِ أعْنِي بِالدِّينِ ونَحْوِهِ وإلَيْهِما ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: نُصِبَ عَلى الإغْراءِ بِتَقْدِيرِ اتَّبِعُوا أوِ الزَمُوا أوْ نَحْوِهِ، وقالَ الفَرّاءُ: نُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ كَمِلَّةِ أبِيكم، والمُرادُ بِالمِلَّةِ إمّا ما يَعُمُّ الأُصُولَ والفُرُوعَ أوْ ما يَخُصُّ الأُصُولَ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ، ( وإبْراهِيمَ ) مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ أيْضًا أوْ مَجْرُورٌ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وجَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أباهم لِأنَّهُ أبُو رَسُولِ اللَّهِ وهو كالأبِ لِأُمَّتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِحَياتِهِمُ الأبَدِيَّةِ ووُجُودِهِمْ عَلى الوَجْهِ المُعْتَدِّ بِهِ في الآخِرَةِ أوْ لِأنَّ أكْثَرَ العَرَبِ كانُوا مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَغُلِّبُوا عَلى جَمِيعِ أهْلِ مِلَّتِهِ ( هو ) أيِ اللَّهُ تَعالى كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ وسُفْيانَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَيَأْتِي بَعْدُ في الآيَةِ وقِراءَةِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( اللَّهِ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ) أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ وذَلِكَ في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿ وفِي هَذا ﴾ أيْ في القُرْآنِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ إنَّها كالبَدَلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ اجْتَباكُمْ ﴾ ولِذا لَمْ تُعْطَفْ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ أنَّ الضَّمِيرَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ لِلْقُرْبِ وتَسْمِيَتُهُ إيّاهم بِذَلِكَ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ: ﴿ رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ وقَوْلُهُ هَذا سَبَبٌ لِتَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ في هَذا لِدُخُولِ أكْثَرِهِمْ في الذُّرِّيَّةِ فَجُعِلَ مُسَمِّيًا لَهم فِيهِ مَجازًا، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ وفي جَوازِهِ خِلافٌ مَشْهُورٌ، وقالَ أبُو البَقاءِ: المَعْنى عَلى هَذا وفي هَذا بَيانُ تَسْمِيَتِهِ إيّاكم بِهَذا الِاسْمِ حَيْثُ حَكى في القُرْآنِ مَقالَتَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُقَدَّرُ عَلَيْهِ وسَمَّيْتُكم في هَذا المُسْلِمِينَ، ولا يَخْفى ما في كُلِّ ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ.
واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ التَّسْمِيَةَ بِالمُسْلِمِينَ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وفِيهِ نَظَرٌ.
﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ ﴾ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَكم، ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ مِنهُ تَعالى عَلى قَبُولِ شَهادَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِنَفْسِهِ اعْتِمادًا عَلى عِصْمَتِهِ ولَعَلَّ هَذا مِن خَواصِّهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وإلّا فالمَعْصُومُ يُطالَبُ في الدُّنْيا بِشاهِدَيْنِ إذا ادَّعى شَيْئًا لِنَفْسِهِ كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِصَّةُ الفَرَسِ وشَهادَةُ خُزَيْمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأيْضًا لَوْ كانَ كُلُّ مَعْصُومٍ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ لِنَفْسِهِ في ذَلِكَ لَما احْتِيجَ إلى شَهادَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى الأُمَمِ حِينَ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أنْبِياؤُهم فَيُنْكِرُونَ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ ورُدَّ أنَّهُ يُؤْتى بِالأُمَمِ وأنْبِيائِهِمْ فَيُقالُ لَأنْبِيائِهِمْ: هَلْ بَلَّغْتُمْ أُمَمَكُمْ؟
فَيَقُولُونَ: نَعَمْ بَلَّغْناهم فَيُنْكِرُونَ فَيُؤْتى بِهَذِهِ الأُمَّةِ فَيَشْهَدُونَ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا فَتَقُولُ الأُمَمُ لَهم: مِن أيْنَ عَرَفْتُمْ؟
فَيَقُولُونَ: عَرَفْنا ذَلِكَ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى في كِتابِهِ النّاطِقِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ الصّادِقِ أوْ شَهِيدًا عَلَيْكم بِإطاعَةِ مَن أطاعَ وعِصْيانِ مَن عَصى، ولَعَلَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ بِتَعْرِيفِ اللَّهِ تَعالى بِعَلاماتٍ تَظْهَرُ لَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ تُسَوِّغُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الشَّهادَةَ، وكَوْنُ أعْمالِ أُمَّتِهِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو في البَرْزَخِ كُلَّ أُسْبُوعٍ أوْ أكْثَرَ أوْ أقَلَّ إذا صَحَّ لا يُفِيدُ العِلْمَ بِأعْيانِ ذَوِي الأعْمالِ المَشْهُودِ عَلَيْهِمْ وإلّا أشْكَلَ ما رَواهُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والشَّيْخانِ عَنْ أنَسٍ، وحُذَيْفَةُ قالا: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ ناسٌ مِن أصْحابِي الحَوْضَ حَتّى إذا رَأيْتُهم وعَرَفْتُهُمُ اخْتَلَجُوا دُونِي فَأقُولُ: يا رَبِّ أُصَيْحابِي أُصَيْحابِي فَيُقالُ لِي: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ»» ورُبَّما أشْكَلَ هَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ حَدِيثِ العَرْضِ سَواءٌ أفادَ العِلْمَ بِالأعْيانِ أمْ لا، وإذا التَزَمَ صِحَّةَ ذَلِكَ الحَدِيثِ وأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ أعْمالَ أُولَئِكَ الأقْوامِ حِينَ عَرَفَهم فَقالَ ما قالَ وأنَّ المُرادَ مِن- إنَّكَ لا تَدْرِي- إلَخْ مُجَرَّدُ تَعْظِيمِ أمْرِ ما أحْدَثُوهُ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا نَفْيُ العِلْمِ بِهِ يَبْقى مَن ماتَ مِن أُمَّتِهِ طائِعًا أوْ عاصِيًا في زَمانِ حَياتِهِ ولَمْ يَكُنْ عِلْمٌ بِحالِهِ أصْلًا كَمَن آمَنَ وماتَ ولَمْ يَسْمَعْ بِهِ فَإنَّ عَرْضَ الأعْمالِ في حَقِّهِ لِمَ يَجِئْ في خَبَرٍ أصْلًا، والقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُودِ شَخْصٍ كَذَلِكَ بِعِيدٌ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَ أُمَّتِهِ ويَعْرِفُهم واحِدًا حَيًّا ومَيِّتًا ولِذا ساغَتْ شَهادَتُهُ عَلَيْهِمْ بِالطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ، والآيَةُ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا لَهُ إلّا بِهَذا التَّفْسِيرِ وهو مَحَلُّ البَحْثِ، عَلى أنَّ في حَدِيثِ الإفْكِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مَعْرِفَتَهُ لِلطّائِعِ والعاصِي مِن أُمَّتِهِ لِما أنَّهُ يَحْضُرُ سُؤالَهم في القَبْرِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ ما ورَدَ أنَّهُ يُقالُ لِلْمَقْبُورِ: ما تَقُولُ في هَذا الَّذِي بُعِثَ إلَيْكُمْ؟
واسْمُ الإشارَةِ يَسْتَدْعِي مُشارًا إلَيْهِ مَحْسُوسًا مُشاهَدًا وهو كَما تَرى، واخْتارَ بَعْضٌ أنَّ الشَّهادَةَ بِذَلِكَ عَلى بَعْضِ الأُمَّةِ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ في وقْتِهِ وعَلِمَ حالَهم مِن طاعَةٍ وعِصْيانٍ، والخِطابُ في ( عَلَيْكم ) إمّا خاصٌّ بِهِمْ أوْ عامٌّ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ وفِيهِ ما فِيهِ فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ عَلى في ( عَلَيْكم ) بِمَعْنى اللّامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ ﴾ فالمَعْنى شَهِيدًا لَكم، والمُرادُ بِشَهادَتِهِ لَهم تَزْكِيَتُهُ إيّاهم إذا شَهِدُوا عَلى الأُمَمِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَمّاكم عَلى الوَجْهَيْنِ في الضَّمِيرِ وهي لِلْعاقِبَةِ عَلى ما قِيلَ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لا مانِعَ مِن كَوْنِها لِلتَّعْلِيلِ فَإنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ تَعالى أوْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِالمُسْلِمِينَ حُكْمٌ بِإسْلامِهِمْ وعَدالَتِهِمْ وهو سَبَبٌ لِقَبُولِ شَهادَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الدّاخِلِ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا وقَبُولِ شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ وفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ.
﴿ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ أيْ فَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ تَعالى لِما خَصَّكم بِهَذا الفَضْلِ والشَّرَفِ بِأنْواعِ الطّاعاتِ، وتَخْصِيصُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِالذِّكْرِ لِإنافَتِهِما وفَضْلِهِما ﴿ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ﴾ أيْ ثِقُوا بِهِ تَعالى في جَمِيعِ أُمُورِكم ﴿ هُوَ مَوْلاكُمْ ﴾ ناصِرُكم ومُتَوَلِّي أُمُورِكم ﴿ فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ هو إذْ لا مَثِيلَ لَهُ تَعالى في الوِلايَةِ والنُّصْرَةِ فَإنَّ مَن تَوَلّاهُ لَمْ يَضِعْ ومَن نَصَرَهُ لَمْ يُخْذَلْ بَلْ لا ولِيَّ ولا ناصِرَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ قُصارى الكَمالِ الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ تَعالى وتَحْقِيقُ مَقامِ العُبُودِيَّةِ وهو وراءُ التَّسْمِيَةِ والِاجْتِباءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ هُوَ مَوْلاكُمْ ﴾ تَتْمِيمًا لِلِاجْتِباءِ ولَيْسَ بِذاكَ هَذا.
* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ كَيْدَ عَدُوِّهِمْ مِنَ الشَّيْطانِ والنَّفْسِ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ ﴾ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الشَّيْطانُ والنَّفْسُ، وصِدْقُ الوَصْفَيْنِ عَلَيْهِما ظاهِرٌ جِدًّا بَلْ لا خَوّانَ ولا كَفُورَ مِثْلُهُما ﴿ الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ ﴾ إلَخْ فِيهِ إشارَةٌ إلى حالِ أهْلِ التَّمْكِينِ وأنَّهم مَهْدِيُّونَ هادُونَ فَلا شَطْحَ عِنْدَهم ولا يَضِلُّ أحَدٌ بِكَلِماتِهِمْ ﴿ فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ قِيلَ: في القَرْيَةِ الظّالِمَةِ إشارَةٌ إلى القَلْبِ الغافِلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وفي البِئْرِ المُعَطَّلَةِ إشارَةٌ إلى الذِّهْنِ الَّذِي لَمْ يُسْتَخْرَجْ مِنهُ الأفْكارُ الصّافِيَةُ، وفي القَصْرِ المَشِيدِ إشارَةٌ إلى البَدَنِ المُشْتَمِلِ عَلى حُجُراتِ القُوى.
﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ المَحْجُوبِينَ المُنْكِرِينَ فَإنَّ قُلُوبَهم عُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ أنْوارِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ لَهم أنْوارًا لا تُرى إلّا بِعَيْنِ القَلْبِ وبِهَذِهِ العَيْنِ تُدْرَكُ حَقائِقُ المُلْكِ ودَقائِقُ المَلَكُوتِ، وفي الحَدِيثِ ««اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ»» ﴿ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في اليَوْمِ وانْقِسامِهِ فَتَذَكَّرْ ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ أيْ سَتْرٌ عَنِ الأغْيارِ مِن أنْ يَقِفُوا عَلى حَقِيقَتِهِمْ كَما يُشِيرُ ما يَرْوُونَهُ مِنَ الحَدِيثِ القُدُسِيِّ ««أوْلِيائِي تَحْتَ قُبابِي لا يَعْرِفُهم أحَدٌ غَيْرِي»» ﴿ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ وهو العِلْمُ اللَّدْنِيُّ الَّذِي بِهِ غِذاءُ الأرْواحِ.
وقالَ بَعْضُهم: رِزْقُ القُلُوبِ حَلاوَةُ العِرْفانِ ورِزْقُ الأسْرارِ مُشاهَدَةُ الجَمالِ ورِزْقُ الأرْواحِ مُكاشَفَةُ الجَلالِ وإلى هَذا الرِّزْقِ يُشِيرُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: ««أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي»» والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ الآياتِ عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ صِحَّةَ حَدِيثِ الغَرانِيقِ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ العَبْدُ فَناءً في إرادَةِ مَوْلاهُ عَزَّ وجَلَّ وإلّا ابْتُلِيَ بِتَلْبِيسِ الشَّيْطانِ لِيَتَأدَّبَ ولا يَبْقى ذَلِكَ التَّلْبِيسُ لِمُنافاتِهِ الحِكْمَةَ ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ عَنْ أوْطانِ الطَّبِيعَةِ في طَلَبِ الحَقِيقَةِ ﴿ ثُمَّ قُتِلُوا ﴾ بِسَيْفِ الصِّدْقِ والرِّياضَةِ ﴿ أوْ ماتُوا ﴾ بِالجَذْبَةِ عَنْ أوْصافِ البَشَرِيَّةِ ﴿ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ هو رِزْقُ دَوامِ الوَصْلَةِ كَما قِيلَ: أوْ هو كالرِّزْقِ الكَرِيمِ ﴿ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى نَصْرِ السّالِكِ الَّذِي عاقَبَ نَفْسَهُ بِالمُجاهَدَةِ بَعْدَ أنْ عاقَبَتْهُ بِالمُخالَفَةِ ثُمَّ ظَلَمَتْهُ بِاسْتِيلاءِ صِفاتِها ﴿ وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ أخَذَ الصُّوفِيَّةُ مِنهُ تَرْكَ الجِدالِ مَعَ المُنْكِرِينَ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الجِدالَ مَعَهم عَبَثٌ كالجِدالِ مَعَ العِنِّينِ في لَذَّةِ الجِماعِ ﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ ﴾ الآيَةُ فِيهِ إشارَةٌ إلى ذَمِّ المُتَصَوِّفَةِ الَّذِينَ إذا سَمِعُوا الآياتِ الرّادَّةَ عَلَيْهِمْ ظَهَرَ عَلَيْهِمُ التَّجَهُّمُ والبُسُورُ وهم في زَمانِنا كَثِيرُونَ فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى ذَمِّ الغالِينَ في أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ يَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ في الشِّدَّةِ غافِلِينَ عَنِ اللَّهِ تَعالى ويُنْذِرُونَ لَهُمُ النُّذُورَ والعُقَلاءُ مِنهم يَقُولُونَ: إنَّهم وسائِلُنا إلى اللَّهِ تَعالى وإنَّما نُنْذِرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ونَجْعَلُ ثَوابَهُ لِلْوَلِيِّ، ولا يَخْفى أنَّهم في دَعْواهُمُ الأُولى أشْبَهُ النّاسِ بِعَبَدَةِ الأصْنامِ القائِلِينَ إنَّما نَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، ودَعْواهُمُ الثّانِيَةِ لا بَأْسَ بِها لَوْ لَمْ يَطْلُبُوا مِنهم ذَلِكَ شِفاءَ مَرِيضِهِمْ أوْ رَدَّ غائِبِهِمْ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، والظّاهِرُ مِن حالِهِمُ الطَّلَبُ، ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: أنْذِرُوا لِلَّهِ تَعالى واجْعَلُوا ثَوابَهُ لِوالِدَيْكم فَإنَّهم أحْوَجُ مِن أُولَئِكَ الأوْلِياءِ لَمْ يَفْعَلُوا، ورَأيْتُ كَثِيرًا مِنهم يَسْجُدُ عَلى أعْتابِ حُجَرِ قُبُورِ الأوْلِياءِ ومِنهم مَن يُثْبِتُ التَّصَرُّفَ لَهم جَمِيعًا في قُبُورِهِمْ لَكِنَّهم مُتَفاوِتُونَ فِيهِ حَسَبَ تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ، والعُلَماءُ مِنهم يَحْصُرُونَ التَّصَرُّفَ في القُبُورِ في أرْبَعَةٍ أوْ خَمْسَةٍ وإذا طُولِبُوا بِالدَّلِيلِ قالُوا: ثَبَتَ ذَلِكَ بِالكَشْفِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى ما أجْهَلَهم وأكْثَرَ افْتِرائِهِمْ، ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّهم يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ ويَتَشَكَّلُونَ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وعُلَماؤُهم يَقُولُونَ: إنَّما تَظْهَرُ أرْواحُهم مُتَشَكِّلَةً وتَطُوفُ حَيْثُ شاءَتْ ورُبَّما تَشَكَّلَتْ بِصُورَةِ أسَدٍ أوْ غَزالٍ أوْ نَحْوِهِ وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ لا أصْلَ لَهُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وكَلامِ سَلَفِ الأُمَّةِ، وقَدْ أفْسَدَ هَؤُلاءِ عَلى النّاسِ دِينَهم وصارُوا ضُحَكَةً لِأهْلِ الأدْيانِ المَنسُوخَةِ في اليَهُودِ والنَّصارى، وكَذا لِأهْلِ النِّحَلِ والدَّهْرِيَّةِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ.
﴿ وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ ﴾ شامِلٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ المُجاهَدَةِ، ومِنها جِهادُ النَّفْسِ وهو بِتَزْكِيَتِها بِأداءِ الحُقُوقِ وتَرْكِ الحُظُوظِ، وجِهادُ القَلْبِ بِتَصْفِيَتِهِ وقَطْعِ تَعَلُّقِهِ عَنِ الكَوْنَيْنِ، وجِهادُ الرُّوحِ بِإفْناءِ الوُجُودِ، وقَدْ قِيلَ: وجُودُكَ ذَنْبٌ لا يُقاسِ بِهِ ذَنْبٌ.
﴿ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ﴾ تَمَسَّكُوا بِهِ جَلَّ وعَلا في جَمِيعِ أحْوالِكم ﴿ هُوَ مَوْلاكُمْ ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ ﴿ فَنِعْمَ المَوْلى ﴾ في إفْناءِ وجُودِكم ﴿ ونِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ في إبْقائِكم، وما أعْظَمَ هَذِهِ الخاتِمَةَ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وسُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ الجُزْءُ السّابِعَ عَشَرَ، ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثّامِنَ عَشَرَ، وأوَّلُهُ سُورَةُ المُؤْمِنِينَ
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا، يعني: صلوا لله تعالى، وقال: بعض الناس يسجد في هذا الموضع، يذكر ذلك عن عمر وابن عمر، وروي عن ابن عباس أنه قال: «السجدة في الحج في الأولى منهما» ، وهذا قول أهل العراق، لأن السجدة سجدة الصلاة، بدليل أنها مقرونة بالركوع.
معناه: اركعوا واسجدوا في الصلوات المفروضات التطوع.
وروي عن ابن عباس أنه قال: «أول ما أسلموا، كانوا يسجدون بغير ركوع فأمرهم الله تعالى بأن يركعوا ويسجدوا» .
ثم قال: وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ، أي وحدوه وأطيعوه، وَافْعَلُوا الْخَيْرَ أي: أكثروا من الطاعات والخيرات ما استطعتم، وبادروا إليها.
ويقال: التسبيحات.
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، يعني: تنجون من عذاب الله تعالى.
قوله عز وجل: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، يعني: اعملوا لله عز وجل حق عمله، ويقال: جاهدوا في طاعة الله عز وجل وطلب مرضاته.
وقال الحسن: حَقَّ جِهادِهِ أن تؤدي جميع ما أمرك الله عز وجل به، وتجتنب جميع ما نهاك الله عنه، وأن تترك رغبة الدنيا لرهبة الآخرة.
وروي عن النبي أن رجلاً سأله، فقال: أي الجهاد أفضل؟
فقال: «كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ السُّلْطَانِ» .
ثم قال: هُوَ اجْتَباكُمْ، يعني: اختاركم واصطفاكم.
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، يعني: في الإسلام من ضيق، ولكن جعله واسعاً ولم يكلفكم مجهود الطاقة، وإنما كلفكم دون ما تطيقون.
ويقال: وضع عنكم إصركم والأغلال التي كانت عليكم.
ويقال: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وهو ما رخص في الإفطار في السفر، والصلاة قاعداً عند العلة.
وقال قتادة: أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم يعطها إلا نبي، كان يقال للنبي : اذهب فليس عليك من حرج، وقال لهذه الأمة وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وكان يقال للنبي : أنت شهيد على قومك، وقال لهذه الأمة: وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وكان يقال للنبي : سل تعط، وقال لهذه الأمة: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] .
ثم قال: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ، قال الزجاج: إنما صار منصوباً، لأن معناه: اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم.
قال: وجائز أن يكون وافعلوا الخير فعل أبيكم إبراهيم، ويقال: معناه وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ولكن جعل لكم ملة سمحة سهلة كملة أبيكم إبراهيم.
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ، يعني: الله تعالى سماكم المسلمين.
ويقال: إبراهيم سماكم، أي من آمن بمحمد والقرآن، والطريق الأول أصح، لأنه قال من قبل: وَفِي هذا، يعني: الله سماكم المسلمين في سائر الكتب مِن قَبْلِ هذا القرآن.
وفى هذا القرآن، لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ يعني: محمدا شهيدا على أمته بأنه بلغهم الرسالة بالتصديق لهم وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يعني: على سائر الأمم أن الرسل قد بلغتهم.
وقال مقاتل: وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، يعني: للناس، يعني: للرسل على قومهم، كقوله: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب أي للنصب.
ثم قال: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، يعني: أقروا بها وأتموها، وَآتُوا الزَّكاةَ يعني: أقروا بها وأدوها.
ثم قال: وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ، يعني: وثقوا بالله إذا فعلتم ذلك، ويقال: معناه تمسكوا بتوحيد الله تعالى، وهو قول لا إله إلا الله.
هُوَ مَوْلاكُمْ، أي وليكم وناصركم وحافظكم.
فَنِعْمَ الْمَوْلى، يعني: نعم الحافظ، وَنِعْمَ النَّصِيرُ يعني: نعم المانع لكم برحمته، والله سبحانه وتعالى أعلم- وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
عَرْصَةٍ ظَلَّ فِيهُمُ امرؤ جَائِعاً، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللهِ» «١» .
انتهى من «الكوكب الدري» .
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)
وقوله سبحانه: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ قالت فرقة: الآية في قتال الكُفَّارِ.
وقالت فرقة: بل هي أَعَمُّ من هذا، وهو جهاد النفس، وجهادُ الكفار والظَّلَمَةِ، وغيرِ ذلك، أمر اللَّه عباده بأَنْ يفعلوا ذلك في ذات الله حَقَّ فعله.
قال ع «٢» : والعموم أحسن، وبَيِّنٌ أَنَّ عُرْفَ اللفظة يقتضي القتال في سبيل الله.
وقوله: هُوَ اجْتَباكُمْ [أي: تخيَّرَكم] «٣» ، وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ أي: من تضييقٍ، وذلك أَنَّ المِلَّةَ حنيفية سَمْحَةٌ، ليست كشدائد بني إسرائيل وغيرهم، بل فيها التوبة والكَفَّارَاتُ، والرُّخَصُ، ونحو هذا مِمَّا يكثر عَدُّهُ، ورفع الحرج عن هذه الأمة لمن استقام منهم على منهاج الشرع، وأَمَّا السُّلابة «٤» والسُّرَّاقُ وأصحابُ الحدود فهم أَدخلوا الحَرَجَ على أنفسهم بمفارقتهم الدِّين، وليس في الدِّين أَشَدُّ من إلزام رجل لاثنين في سبيل الله، ومع صحة اليقين، وجودة العزم ليس بحرج ومِلَّةَ نصب بفعل مضمر من أفعال الإغراء.
وقوله: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ «١» قال ابن زيد «٢» : الضمير ل إِبْراهِيمَ- عليه السلام- والإشارة إلى قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: ١٢٨] ، وقال ابن عباس، وقتادة، ومجاهد: الضمير للَّه عز وجل «٣» .
ومِنْ قَبْلُ معناه: في الكتب القديمة، وَفِي هذا أي: في القرآن، وهذه اللفظة تُضْعِفُ قولَ مَنْ قال: الضمير لإبراهيم عليه السلام، ولا يتوجه إلاَّ على تقدير محذوف من الكلام مستأنف.
قال ص: هُوَ قيل: يعود على الله تعالى، وقيل: على إبراهيم، وعلى هذا فيكون: وَفِي هذا: القرآن، [أي] «٤» : وسميتم بسببه فيه، انتهى.
وقوله سبحانه: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ أي: بالتبليغ.
وقوله: وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ أي: بتبليغ رسلهم إليهم على ما أخبركم نَبِيُّكم، ثم أمر سبحانه بالصلاة المفروضة أَنْ تُقَامَ ويُدَامَ عليها بجميع حدودها، وبالزكاة أَنْ تُؤَدَّى، ثم أمر سبحانه بالاعتصام به، أي: بالتعلُّق به والخلوص له وطَلَبِ النجاة منه، ورفض التوكّل على سواه.
٢٩ أوقوله سبحانه: / هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ المولى: في هذه الآية معناه: الذي يليكم نصره وحفظه، [وباقي الآية بيّن] «٥» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ارْكَعُوا واسْجُدُوا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ: صَلُّوا؛ لِأنَّ الصَّلاةَ لا تَكُونُ إلّا بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
﴿ واعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾ ؛ أيْ: وحِّدُوهُ، " وافْعَلُوا الخَيْرَ " يُرِيدُ: أبْوابُ المَعْرُوفِ، ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ؛ أيْ: لِكَيْ تَسْعَدُوا وتَبْقَوْا في الجَنَّةِ.
* فَصْلٌ لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ في السَّجْدَةِ الأُولى مِنَ ( الحَجِّ )، واخْتَلَفُوا في هَذِهِ السَّجْدَةِ الأخِيرَةِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وعَمّارٍ، وأبِي الدَّرْداءِ، وأبِي مُوسى، وابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهم قالُوا: في ( الحَجِّ ) سَجْدَتانِ، وقالُوا: فُضِّلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى غَيْرِها بِسَجْدَتَيْنِ، وبِهَذا قالَ أصْحابُنا، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: في ( الحَجِّ ) سَجْدَةٌ، وبِهَذا قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، ومالِكٌ؛ ويَدُلُّ عَلى الأوَّلِ ما «رَوى عَقَبَةُ بْنُ عامِرٍ، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفِي ( الحَجِّ ) سَجْدَتانِ ؟
قالَ: " نَعَمْ، ومَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما "» .
* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في عَدَدِ سُجُودِ القُرْآنِ، فَرُوِيَ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ: إحْداهُما: أنَّها أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ.
والثّانِيَةُ: أنَّها خَمْسَ عَشْرَةَ، فَزادَ سَجْدَةً ( ص: ٢٤ ) .
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هي أرْبَعَ عَشْرَةَ، فَأخْرَجَ الَّتِي في آخِرِ ( الحَجِّ )، وأبْدَلَ مِنها سَجْدَةَ ( ص: ٢٤ ) .
* فَصْلٌ وَسُجُودُ التِّلاوَةِ سُنَّةٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: واجِبٌ.
ولا يَصِحُّ سُجُودُ التِّلاوَةِ إلّا بِتَكْبِيرَةِ الإحْرامِ والسَّلامِ، خِلافًا لِأصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ وبَعْضِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ.
ولا يُجْزِئُ الرُّكُوعُ عَنْ سُجُودِ التِّلاوَةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ.
ولا يَسْجُدُ المُسْتَمِعُ إذا لَمْ يَسْجُدِ التّالِي، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وتُكْرَهُ قِراءَةُ السَّجْدَةِ في صَلاةِ الإخْفاتِ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاهِدُوا في اللَّهِ ﴾ في هَذا الجِهادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ فِعْلُ جَمِيعِ الطّاعاتِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ جِهادُ الكُفّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ جِهادُ النَّفْسِ والهَوى، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ.
فَأمّا حَقُّ الجِهادِ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الجِدُّ في المُجاهَدَةِ واسْتِيفاءِ الإمْكانِ فِيها.
والثّانِي: أنَّهُ إخْلاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ فِعْلُ ما فِيهِ وفاءٌ لِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
* فَصْلٌ وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، واخْتَلَفُوا في ناسِخِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ .
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ .
وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، ويُؤَكِّدُهُ القَوْلانِ الأوَّلانِ في تَفْسِيرِ حَقِّ الجِهادِ، وهو الأصَحُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ اجْتَباكُمْ ﴾ ؛ أيِ: اخْتارَكم واصْطَفاكم لِدِينِهِ.
والحَرَجُ: الضِّيقُ، فَما مِن شَيْءٍ وقَعَ الإنْسانُ فِيهِ إلّا وجَدَ لَهُ في الشَّرْعِ مَخْرَجًا بِتَوْبَةٍ، أوْ كَفّارَةٍ، أوِ انْتِقالٍ إلى رُخْصَةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الحَرَجُ: ما كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الإصْرِ والشَّدائِدِ، وضَعَهُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِلَّةَ أبِيكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: وسَّعَ عَلَيْكم كَمِلَّةِ أبِيكم، فَإذا أُلْقِيَتِ الكافُ نُصِبَتْ، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى مَعْنى الأمْر بِها؛ لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ أمْرٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ ارْكَعُوا واسْجُدُوا ﴾ ، والزَمُوا مِلَّةَ أبِيكم.
فَإنْ قِيلَ: هَذا الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ ولَيْسَ إبْراهِيمُ أبًا لِكُلِّهِمْ ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ إنْ كانَ خِطابًا عامًّا لِلْمُسْلِمِينَ، فَهو كالأبِ لَهم؛ لِأنَّ حُرْمَتَهُ وحَقَّهُ عَلَيْهِمْ كَحَقِّ الوَلَدِ، وإنَّ كانَ خِطابًا لِلْعَرَبِ خاصَّةً، فَإبْراهِيمُ أبُو العَرَبِ قاطِبَةً، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ.
والَّذِي يَقَعُ لِي أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ أبُوهُ، وأُمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ داخِلَةٌ فِيما خُوطِبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ؛ فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن قَبْلِ إنْزالِ القُرْآنِ سَمّاكم بِهَذا في الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها.
والثّانِي: " مِن قَبْلُ "؛ أيْ: في أُمِّ الكِتابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَفِي هَذا ﴾ ؛ أيْ: في القُرْآنِ.
والثّانِي: أنَّهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ ، فالمَعْنى: مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ، وذَلِكَ في زَمانِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي هَذا الوَقْتِ حِينَ قالَ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً ﴾ ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ ﴾ المَعْنى: اجْتَباكم وسَمّاكم لِيَكُونَ الرَّسُولُ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا ، ﴿ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَكم، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في ( البَقَرَةِ: ١٤٣ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَآتُوا الزَّكاةَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَلُوهُ أنْ يَعْصِمَكم مِن كُلِّ ما يَسْخَطُ ويَكْرَهُ.
وقالَ الحَسَنُ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ.
وما بَعْدَ هَذا مَشْرُوحٌ في ( الأنْفالِ: ٤٠ ) .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ فَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَصِيرُ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ آيَةٌ أمَرَ اللهُ -تَعالى- فِيها بِالجِهادِ في سَبِيلِهِ، وهو قِتالُ الكُفّارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وهو جِهادُ النَفْسِ، وجِهادُ الكافِرِينَ، وجِهادُ الظَلَمَةِ، وغَيْرُ ذَلِكَ، أمَرَ اللهُ عِبادَهُ بِأنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ في ذاتِ اللهِ حَقَّ فِعْلِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: والعُمُومُ حَسَنٌ.
وبَيَّنَ أنَّ عُرْفَ اللَفْظَةِ يَقْتَضِي الجِهادَ في سَبِيلِ اللهِ، وقالَ هِبَةُ اللهِ وَغَيْرُهُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حَقَّ جِهادِهِ ﴾ وقَوْلَهُ في الأُخْرى: ﴿ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ [آل عِمْرانَ: ١٠٢] مَنسُوخٌ بِالتَخْفِيفِ إلى الِاسْتِطاعَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ومَعْنى الِاسْتِطاعَةُ في هَذِهِ الأوامِرِ هو المُرادُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ تَكْلِيفُ بُلُوغِ الغايَةِ شَرْعًا ثابِتًا فَيُقالُ: إنَّهُ نُسِخَ بِالتَخْفِيفِ، وإطْلاقُهُمُ النَسْخَ في هَذا غَيْرُ مُحْدِقٍ.و"اجْتَباكُمْ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِينِ مِن حَرَجٍ ﴾ مَعْناهُ: مِن تَضْيِيقٍ، يُرِيدُ: في شِرْعَةِ المِلَّةِ، وذَلِكَ أنَّها حَنِيفِيَّةٌ سَمْحَةٌ، لَيْسَتْ كَشَدائِدَ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ، بَلْ فِيها التَوْبَةُ والكَفّاراتُ والرُخَصُ ونَحْوِ هَذا مِمّا كَثُرَ عَدُّهُ.و"الحَرَجَةُ": الشَجَرُ المُلْتَفُّ المُتَضايِقُ، ورَفْعُ الحَرَجِ صَحَّ لِجُمْهُورِ هَذِهِ الأُمَّةِ ولِمَنِ اسْتَقامَ عَلى مِنهاجِ الشَرْعِ، وأمّا السَلّابَةُ والسُرّاقُ وأصْحابُ الحُدُودِ فَعَلَيْهِمُ الحَرَجُ، وهم جاعِلُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِمُفارَقَتِهِمُ الدِينَ، ولَيْسَ في الشَرْعِ أعْظَمُ حَرَجًا مِن إلْزامِ ثُبُوتِ رَجُلٍ لِاثْنَيْنِ في سَبِيلِ اللهِ -تَعالى- ومَعَ صِحَّةِ اليَقِينِ وجَوْدَةِ العَزْمِ لَيْسَ بِحَرَجٍ.
وقَوْلُهُ: "مِلَّةَ" نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: بَلْ جَعَلَها، أو نَحْوَهُ مِن أفْعالِ الإغْراءِ، وقالَ الفِراءُ: هو نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الكافِ كَأنَّهُ قالَ: "كَمِلَّةِ"، وقِيلَ: هو كَما يُنْصَبُ المَصْدَرُ.
وقَوْلُهُ: "هُوَ سَمّاكُمْ"، قالَ ابْنُ زَيْدِ: الضَمِيرُ لِإبْراهِيمَ والإشارَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسِ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدُ: الضَمِيرُ لِلَّهِ -تَعالى- و"مِن قَبْلُ" مَعْناهُ: في الكُتُبِ القَدِيمَةِ، "وَفِي هَذا": في القُرْآنِ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ تُضَعِّفُ قَوْلَ مَن قالَ: الضَمِيرُ، لِإبْراهِيمَ، ولا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مِنَ الكَلامِ مُسْتَأْنَفٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكُونَ الرَسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: بِالتَبْلِيغِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ ﴾ أيْ: بِتَبْلِيغِ رُسُلِهِمْ إلَيْهِمْ عَلى ما أخْبَرَكم نَبِيُّكم.
وأسْنَدَ الطَبَرَيُّ إلى قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: أُعْطِيتْ هَذِهِ الأُمَّةُ ما لَمْ يُعْطَهُ إلّا نَبِيٌّ، كانَ يُقالُ لِلنَّبِيِّ: أنْتَ شَهِيدٌ عَلى أُمَّتِكَ، وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ ﴾ ، وكانَ يُقالُ لِلنَّبِيِّ: لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ، وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِينِ مِن حَرَجٍ ﴾ ، وكانَ يُقالُ لِلنَّبِيِّ: سَلْ تُعْطَ، وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ .
ثُمْ أمَرَ -تَعالى- بِالصَلاةِ المَفْرُوضَةِ أنْ تُقامَ ويُدامَ عَلَيْها بِجَمِيعِ حُدُودِها، وبِالزَكاةِ أنْ تُؤَدّى، كَما أنْعَمَ عَلَيْكم فافْعَلُوا كَذا، ثُمْ أمَرَ بِالِاعْتِصامِ بِاللهِ -تَعالى- أيْ: بِالتَعَلُّقِ بِهِ والخُلُوصِ لَهُ، وطَلَبِ النَجاةِ مِنهُ ورَفَضِ التَوَكُّلِ عَلى سِواهُ.و"المَوْلى" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: الَّذِي يَلِيكم نَصْرُهُ وحِفْظُهُ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَجِّ بِحَمْدِ اللهِ تَعالى وعَوْنِهِ
﴿ وجاهدوا فِى الله حَقَّ جهاده هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ وَفِى هذا لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس فَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكواة واعتصموا بالله هُوَ مولاكم فَنِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير ﴾ الجهاد بصيغة المفاعلة حقيقة عرفية في قتال أعداء المسلمين في الدّين لأجل إعلاء كلمة الإسلام أو للدفع عنه كما فسرّه النبي صلى الله عليه وسلم «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
وأن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين قفل من غزوة تبوك قال لأصحابه: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» وفسّره لهم بمجاهدة العبد هواه، فذلك محمول على المشاكلة بإطلاق الجهاد على منع داعي النفس إلى المعصية.
ومعنى (في) التعليل، أي لأجل الله، أي لأجل نصر دينه كقول النبي صلى الله عليه وسلم «دخلت امرأة النارَ في هِرّة» أي لأجل هِرة، أي لعمل يتعلق بهرّة كما بيّنه بقوله: «حَبَسَتْها لا هِيَ أطعمتها ولا هي أرسلتها ترمم من خشاش الأرض حتى ماتت هزلاً».
وانتصب ﴿ حق جهاده ﴾ على المفعول المطلق المبيّن للنوع، وأضيفت الصفة إلى الموصوف، وأصله: جهادَه الحقّ، وإضافة جهاد إلى ضمير الجلالة لأدنى ملابسة، أي حق الجهاد لأجله، وقرينة المراد تقدّم حرف (في) كقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴾ [آل عمران: 102].
والحق بمعنى الخالص، أي الجهاد الذي لا يشوبه تقصير.
والآية أمر بالجهاد، ولعَلّها أول آية جاءت في الأمر بالجهاد لأنّ السورة بعضها مكي وبعضها مدنيّ ولأنه تقدم آنفاً قوله: ﴿ ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله ﴾ [الحج: 60]، فهذا الآن أمر بالأخذ في وسائل النصر، فالآية نزلت قبل وقعة بدر لا محالة.
﴿ هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ وَفِى هذا لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس ﴾ جملة ﴿ هو اجتباكم ﴾ إن حملت على أنها واقعة موقع العلة لما أمروا به ابتداء من قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا ﴾ [الحج: 77] الخ، أي لأنه لما اجتباكم، كان حقيقاً بالشكر له بتلك الخصال المأمور بها.
والاجتباء: الاصطفاء والاختبار، أي هو اختاركم لتلقي دينه ونشره ونصره على معانديه.
فيظهر أن هذا موجّه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصالة ويشركهم فيه كل من جاء بعدهم بحكم اتّحاد الوصف في الأجيال كما هو الشأن في مخاطبات التشريع.
وإن حمل قوله ﴿ هو اجتباكم ﴾ على معنى التفضيل على الأمم كان ملحوظاً فيه تفضيل مجموع الأمة على مجموع الأمم السابقة الراجع إلى تفضيل كل طبقة من هذه الأمة على الطبقة المماثلة لها من الأمم السالفة.
وقد تقدم مثل هذين المحملين في قوله تعالى: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ [آل عمران: 110].
وأعقب ذلك بتفضيل هذا الدّين المستتبع تفضيل أهله بأن جعله ديناً لا حرج فيه لأنّ ذلك يسهل العمل به مع حصول مقصد الشريعة من العمل فيسعد أهله بسهولة امتثاله، وقد امتنّ الله تعالى بهذا المعنى في آيات كثيرة من القرآن، منها قوله تعالى: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ [البقرة: 185].
ووصفهِ الدين بالحنيف، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «بُعِثت بالحنيفيّة السّمحة».
والحرج: الضيق، أطلق على عسر الأفعال تشبيهاً للمعقول بالمحسوس ثمّ شاع ذلك حتى صار حقيقة عُرفية كما هنا.
والمِلّة: الدين والشريعة.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ في [سورة النحل: 123].
وقوله: ﴿ واتبعت ملة آباءي ﴾ في [سورة يوسف: 38].
وقوله ﴿ ملة أبيكم إبراهيم ﴾ زيادة في التنويه بهذا الدّين وتحْضيض على الأخذ به بأنه اختص بأنه دين جاء به رسولان إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم وهذا لم يستتب لدين آخر، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «أنا دعوة أبي إبراهيم» أي بقوله: ﴿ ربّنا وابْعَث فيهم رسولاً منهم ﴾ [البقرة: 129]، وإذ قد كان هذا هو المقصود فمحمل الكلام أنّ هذا الدّين دين إبراهيم، أي أنّ الإسلام احتوى على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
ومعلوم أن للإسلام أحكاماً كثيرة ولكنه اشتمل على ما لم يشتمل عليه غيره من الشرائع الأخرى من دين إبراهيم، جعل كأنه عين ملّة إبراهيم، فعلى هذا الاعتبار يكون انتصاب ﴿ ملة أبيكم إبراهيم ﴾ على الحال من ﴿ الدّين ﴾ باعتبار أن الإسلام حوى ملّة إبراهيم.
ثم إن كان الخطاب موجّهاً إلى الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم فإضافة أبوة إبراهيم إليهم باعتبار غالب الأمة، لأنّ غالب الأمة يومئذ من العرب المُضَرية وأمّا الأنصار فإن نسبهم لا ينتمي إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنّهم من العرب القحطانيين؛ على أن أكثرهم كانت لإبراهيم عليهم ولادة من قِبل الأمهات.
وإن كان الخطاب لعموم المسلمين كانت إضافة أبوة إبراهيم لهم على معنى التشبيه في الحُرمة واستحقاق التعظيم كقوله تعالى: ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ [الأحزاب: 6]، ولأنه أبو النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومحمد له مقام الأبوة للمسلمين وقد قرئ قوله تعالى: ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ [الأحزاب: 6] بزيادة وهو أبوهم.
ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم على طريقة التعظيم كأنه قال: ملّة أبيك إبراهيم.
والضمير في ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ عائد إلى الجلالة كضمير ﴿ هو اجتباكم ﴾ فتكون الجملة استئنافاً ثانياً، أي هو اجتباكم وخصّكم بهذا الاسم الجليل فلم يعطه غيركم ولا يعود إلى إبراهيم.
و ﴿ قبْلُ ﴾ إذا بني على الضم كان على تقدير مضاف إليه منوي بمعناه دون لفظه.
والاسم الذي أضيف إليه ﴿ قبلُ ﴾ محذوف، وبني ﴿ قبلُ ﴾ على الضم إشعاراً بالمضاف إليه.
والتقدير: من قبل القرآن.
والقرينة قوله ﴿ وفي هذا ﴾ ، أي وفي هذا القرآن.
والإشارة في قوله ﴿ وفي هذا ﴾ إلى القرآن كما في قوله تعالى: ﴿ ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ﴾ [الأحقاف: 4]، أي وسماكم المسلمين في القرآن.
وذلك في نحو قوله: ﴿ فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ﴾ [آل عمران: 64] وقوله: ﴿ وأمرت لأن أكون أول المسلمين ﴾ [الزمر: 12].
واللاّم في قوله ﴿ ليكون الرسول شهيداً عليكم ﴾ يتعلّق بقوله ﴿ اركعوا واسجدوا ﴾ [الحج: 77] أو بقوله ﴿ اجتباكم ﴾ أي ليكون الرسول، أي محمد عليه الصلاة والسلام شهيداً على الأمة الإسلامية بأنها آمنت به، وتكون الأمة الإسلامية شاهدة على النّاس، أي على الأمم بأن رسلهم بلغوهم الدعوة فكفر بهم الكافرون.
ومن جملة الناس القوم الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقدمت شهادة الرسول للأمة هنا، وقدمت شهادة الأمة في آية [البقرة: 143] ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ لأن آية هذه السورة في مقام التنويه بالدّين الذي جاء به الرسول.
فالرسول هنا أسبق إلى الحضور فكان ذكر شهادته أهم، وآية البقرة صُدّرت بالثناء على الأمّة فكان ذكر شهادة الأمة أهمّ.
﴿ فَأَقِيمُواْ الصلاة وَءَاتُواْ الزكواة واعتصموا بالله هُوَ مولاكم فَنِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير ﴾ تفريع على جملة ﴿ هو اجتباكم ﴾ وما بعدها، أي فاشكروا الله بالدوام على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله.
والاعتصام: افتعال من العَصْم، وهو المنع من الضُرّ والنجاةُ، قال تعالى: ﴿ قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله ﴾ [هود: 43]، وقال النابغة: يظل من خوفه الملاحُ مُعتصماً *** بالخيزرانة بعد الأيْن والنجد والمعنى: اجعلوا الله ملجأكم ومنجاكم.
وجملة ﴿ هو مولاكم ﴾ مستأنفة معلّلة للأمر بالاعتصام بالله لأنّ المولى يُعتصم به ويُرجع إليه لعظيم قدرته وبديع حكمته.
والمولى: السيد الذي يراعي صلاح عبده.
وفرع عليه إنشاء الثناء على الله بأنه أحسن مولى وأحسن نصير.
أي نِعم المدبر لشؤونكم، ونِعم الناصر لكم.
ونصير: صيغة مبالغة في النصر، أي نِعم المولى لكم ونِعم النصير لكم.
وأما الكافرون فلا يتولاّهم تولي العناية ولا ينصرهم.
وهذا الإنشاء يتضمّن تحقيق حسن ولايَة الله تعالى وحسن نصره.
وبذلك الاعتبار حسن تفريعه على الأمر بالاعتصام به.
وهذا من براعة الختام، كما هو بَيّن لذوي الأفهام.
الجزء الثامن عشر
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: اعْمَلُوا لِلَّهِ حَقَّ عَمَلِهِ، وقالَ الضَّحّاكُ أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى ويُذْكَرُ فَلا يُنْسى ويُشْكَرُ فَلا يُكْفَرُ.
وَهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ .
واخْتَلَفَ في نُسَخِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ .
والثّانِي: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ لِأنَّ حَقَّ جِهادِهِ ما ارْتَفَعَ مَعَهُ الحَرَجُ، رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «خَيْرُ دِينِكم أيْسَرُهُ» .
﴿ هُوَ اجْتَباكُمْ ﴾ أيِ اخْتارَكم لِدِينِهِ.
﴿ وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ ﴾ يَعْنِي مِن ضِيقٍ، وفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الخَلاصُ مِنَ المَعاصِي بِالتَّوْبَةِ.
الثّانِي: المُخْرِجُ مِنَ الأيْمانِ بِالكَفّارَةِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَقْدِيمُ الأهِلَّةِ وتَأْخِيرُها في الصَّوْمِ والفِطْرِ والأضْحى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ رَخَّصَ السَّفَرَ مِنَ القَصْرِ والفِطْرِ.
الخامِسُ: أنَّهُ عامٌّ لِأنَّهُ لَيْسَ في دِينِ الإسْلامِ ما لا سَبِيلَ إلى الخَلاصِ مِنَ المَأْثَمِ فِيهِ.
﴿ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ وسَّعَ عَلَيْكم في الدِّينِ كَما وسَّعَ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ.
الثّانِي: وافْعَلُوا الخَيْرَ كَفِعْلِ أبِيكم إبْراهِيمَ.
الثّالِثُ: أنَّ مِلَّةَ إبْراهِيمَ وهي دِينُهُ لازِمَةٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، وداخِلَةٌ في دِينِهِ.
الرّابِعُ: أنَّ عَلَيْنا وِلايَةَ إبْراهِيمَ ولَيْسَ يَلْزَمُنا أحْكامُ دِينِهِ.
﴿ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ وفي هَذا القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ احْتِجاجًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ .
﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم في إبْلاغِ رِسالَةِ رَبِّهِ إلَيْكم، وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ تُبَلِّغُونَهم رِسالَةَ رَبِّهِمْ كَما بَلَغْتُمْ إلَيْهِمْ ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ إلَيْكم.
الثّانِي: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم بِأعْمالِكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ بِأنَّ رُسُلَهم قَدْ بَلَّغُوهم.
﴿ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ يَعْنِي المَفْرُوضَةَ.
﴿ وَآتُوا الزَّكاةَ ﴾ يُعْنى الواجِبَةَ.
﴿ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: امْتَنِعُوا بِاللَّهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ شَجَرَةَ.
والثّانِي: مَعْناهُ تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
﴿ هُوَ مَوْلاكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مالِكُكم.
الثّانِي: ولِيُّكُمُ المُتَوَلِّي لِأُمُورِكم.
﴿ فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ أيْ فَنِعْمَ المَوْلى حِينَ لَمْ يَمْنَعْكُمُ الرِّزْقَ لَمّا عَصَيْتُمُوهُ، ونَعِمَ النَّصِيرُ حِينَ أعانَكم لَمّا أطَعْتُمُوهُ.
أخرج ابن مردويه، عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال لي عمر ألسنا كنا نقرأ فيما نقرأ ﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله قلت: بلى.
فمتى هذا يا أمير المؤمنين؟
قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء، وبنو المغيرة الوزراء.
وأخرجه البيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة.
قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف فذكره.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ قال: جاهدوا عدو محمد حتى يدخلوا في الإسلام.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ قال: ان الرجل ليجاهد في الله حق جهاده وما ضرب بسيف.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل رضي الله عنه ﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ يعني العمل أن يجتهدوا فيه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه ﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ قال: يطاع فلا يعصى.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ قال: لا تخافوا في الله لومة لائم ﴿ هو اجتباكم ﴾ قال: استخلصكم.
وأخرج ابن مردويه، عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: «قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-المجا هد من جاهد نفسه في طاعة الله» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه، «عن عائشة- رضي الله عنها- أنها سألت النبي- صلى الله عليه وسلم- عن هذه الآية ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ قال: من ضيق» .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد قال: قال أبو هريرة لابن عباس أما علينا في الدين من حرج؛ في أن نسرق أو نزني قال: بلى.
قال: ﴿ فما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ قال: الأصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم.
وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق ابن شهاب، أن ابن عباس كان يقول: في قوله: ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ توسعة الإسلام؛ ما جعل الله من التوبة ومن الكفارات.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن بشار، عن ابن عباس ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ قال: هذا في هلال رمضان؛ إذا شك فيه الناس، وفي الحج، إذا شكوا في الهلال، وفي الأضحى وفي الفطر وفي أشباهه.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير أن ابن عباس سئل، عن الحرج؟
فقال: ادعوا لي رجلاً من هذيل فجاءه فقال: ما الحرج فيكم؟
فقال: الحرجة من الشجر التي ليس لها مخرج.
فقال ابن عباس: هذا الحرج الذي ليس له مخرج.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق عبيدالله بن أبي يزيد، ان ابن عباس سئل عن الحرج؟
فقال: هاهنا أحد من هذيل؟
فقال رجل: أنا.
فقال: ما تعدون الحرجة فيكم؟
قال: الشيء الضيق.
قال: هو ذاك.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: الحرج الضيق لم يجعله ضيقاً، ولكنه جعله واسعاً ﴿ أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ﴾ ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ ﴿ وحرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ﴾ .
وأخرج محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات وابن عساكر، عن ابن شهاب قال: سأل عبد الملك بن مروان علي بن عبدالله، عن هذه الآية؟
﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ فقال علي بن عبدالله: الحرج، الضيق؛ جعل الله الكفارات مخرجاً من ذلك.
سمعت ابن عباس يقول ذلك.
وأخرج البيهقي في سننه، عن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر قال: قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ ثم قال: ادعوا لي رجلاً من بني مدلج.
قال عمر: ما الحرج فيكم؟
قال: الضيق.
وأخرج أحمد، عن حذيفة بن اليمان قال: غاب عنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوماً فلم يخرج حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة، فظننا أن نفسه قد قبضت!
فلما رفع رأسه قال: «إن ربي عز وجل إستشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟
فقلت: ما شئت أي رب؛ هم خلقك وعبادك، فاستشارني الثانية؟
فقلت له كذلك، فقال: لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني: إن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفاً مع كل ألف سبعون ألفاً ليس عليهم حساب.
ثم أرسل إلي ادع تجب، وسل تعط، فقلت لرسوله: أو معطي ربي سؤلي؟
قال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك.
ولقد أعطاني ربي عز وجل ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأنا أمشي حياء، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر، فهو نهر في الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب، يسعى بين يدي أمتي شهراً، وأعطاني: أني أول الأنبياء أدخل الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيراً ممن شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا من حرج، فلم أجد لي شكراً إلا هذه السجدة» .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ يقول: لم يضيق الدين عليكم، ولكن جعله واسعاً لمن دخله، وذلك أنه ليس مما فرض عليهم فيه، إلا ساق إليهم عند الاضطرار رخصة؛ والرخصة في الدنيا فيها وسع عليهم رحمة منه، إذا فرض عليهم الصلاة في المقام أربع ركعات، وجعلها في السفر ركعتين وعند الخوف من العدو ركعة، ثم جعل في وجهة رخصة؛ أن يوميء إيماء أن لم يستطيع السجود، في أي نحو كان وجهه، لمن تجاوز عن السيئات منه والخطأ، وجعل في الوضوء والغسل رخصة، إذا لم يجد الماء أن يتيمموا الصعيد، وجعل الصيام على المقيم واجباً، ورخص فيه للمريض، والمسافر عدة من أيام أخر، فمن لم يطق فإطعام مسكين مكان كل يوم، وجعل في الحج رخصة؛ إن لم يجد زاداً أو حملاناً أو حبس دونه، وجعل في الجهاد رخصة؛ إن لم يجد حملاناً أو نفقة، وجعل عند الجهد والاضطرار من الجوع: أن رخص في الميتة والدم ولحم الخنزير قدر ما يرد نفسه؛ لا يموت جوعاً في أشباه هذا في القرآن، وسعة الله على هذه الأمة رخصة منه ساقها إليهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ ملة أبيكم إبراهيم ﴾ قال: دين أبيكم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس في قوله: ﴿ هو سماكم المسلمين من قبل ﴾ قال الله عز وجل ﴿ سماكم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ قال الله عز وجل ﴿ سماكم من قبل ﴾ قال الكتب كلها ﴿ وفي الذكر ﴾ ﴿ وفي هذا ﴾ ، قال: القرآن.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ هو سماكم ﴾ قال الله: ﴿ سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ﴾ أي في كتابكم: ﴿ ليكون الرسول شهيداً عليكم ﴾ أنه قد بلغكم ﴿ وتكونوا شهداء على الناس ﴾ أن رسلهم قد بلغتهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سفيان في قوله: ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ قال الله عز وجل ﴿ من قبل ﴾ قال: في التوراة والإنجيل ﴿ وفي هذا ﴾ قال: القرآن ﴿ ليكون الرسول شهيداً عليكم ﴾ قال: ﴿ بأعمالكم وتكونوا شهداء على الناس ﴾ قال: على الأمم بأن الرسل قد بلغتهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال: لم يذكر الله بالإسلام والإيمان غير هذه الأمة، ذكرت بهما جميعاً ولم يسمع بأمة ذكرت بالإسلام والإيمان غيرها.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ قال إبراهيم: ألا ترى إلى قوله: ﴿ ربنا واجعلنا مسلمين لك ﴾ الآية: كلها.
وأخرج الطيالسي وأحمد وابن حبان والبخاري في تاريخه والترمذي وصححه والنسائي والموصلي وابن خزيمة وابن حبان والبوردي وابن قانع والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن الحارث الأشعري، عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «من دعا بدعوى الجاهلية، فإنه من جثاء جهنم قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلّى؟
قال: نعم.
فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله» .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبدالله بن يزيد الأنصاري قال: تسموا بأسمائكم التي سماكم الله بها: بالحنيفية والإسلام والإيمان.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وإسحق بن راهويه في مسنده، عن مكحول: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «تسمى الله باسمين، سمى بها أمتي: هو السلام، وسمى أمتي المسلمين، وهو المؤمن، وسمى أمتي المؤمنين، والله تعالى أعلم» .
قوله: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء: بنية صادقة (١) وقال مقاتل بن حيان: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ يعني العمل أن تجتهدوا (٢) (٣) وقال السدي: هو أن يطاع فلا يعصى (٤) وقال مقاتل بن سليمان: يقول اعملوا لله بالخير حق عمله، نسختها الآية التي في التغابن ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ (٥) ونحو هذا قال الضحاك (٦) (٧) وروي عن ابن عباس: جاهدوا في سبيل الله أعداء الله باستفراغ الطاقة فيه (٨) (٩) ﴿ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ أي لا تخافوا (١٠) (١١) وقال عبد الله بن المبارك: حق الجهاد مجاهدة النفس والهوى (١٢) قوله: ﴿ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ﴾ أي: اختاركم واصطفاكم واستخلصكم لدينه ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ قالوا جميعًا: من ضيق (١٣) واختلفوا في وجه رفع الحرج.
فروي عن ابن عباس أنه قال: جعل الله (١٤) (١٥) يعني أن (١٦) (١٧) (١٨) وروي عنه قول آخر، قال: هذا في هلال شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شكوا في الهلال، وفي الفطر (١٩) (٢٠) وعلى هذا رفع الحرج يعود إلى أنا أمرنا بالأخذ باليقين عند الاشتباه.
وروي عن أبي هريرة أنه قال لابن عباس: أما علينا في الدين من حرج أن نسرق أو نزني؟
قال: بلى.
قال (٢١) (٢٢) (٢٣) وقال مقاتل بن حيان: يعني إباحة الرخص عند الضرورات، كالقصر في الصلاة، والتيمم، وأكل الميتة، والإفطار عند المرض والسفر (٢٤) وهو قول الكلبي (٢٥) (٢٦) قوله تعالى: ﴿ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ﴾ قال أكثر النحويين (٢٧) وقال المبرد: أي عليكم ملة أبيكم (٢٨) وتأويل عليكم: اتبعوا واحفظوا.
وهذا قول الأخفش (٢٩) (٣٠) (٣١) قال الفراء: ويجوز أن يكون المعنى كملة أبيكم فإذا ألقيت (٣٢) (٣٣) وقال أبو إسحاق: وجائز أن يكون منصوبًا بقوله: (٣٤) ﴿ وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ﴾ فعل أبيكم إبراهيم (٣٥) وعلى هذا أقيم قوله (ملة) مقام المصدر، وذلك أن فعل إبراهيم هو ملته وشرعه (٣٦) وقوله: ﴿ أَبِيكُمْ ﴾ إن حمل الكلام على تخصيص العرب (٣٧) (٣٨) -: "إنما أنا لكم مثل الوالد" (٣٩) ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ .
وهذا معنى قول الحسن (٤٠) قال المفسرون: وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم، لأنها داخلة في ملة محمد عليهما (٤١) (٤٢) وقوله: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ﴾ قال جماعة المفسرين وأهل المعاني: هو كناية عن الله تعالى (٤٣) (٤٤) وقال مقاتل بن حيان: ﴿ مِنْ قَبْلِ ﴾ وهو يعني [في أم الكتاب (٤٥) ﴿ وَفِي هَذَا ﴾ قالوا (٤٦) وقال ابن زيد: هو كناية عن إبراهيم (٤٧) يعني] (٤٨) ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ (٤٩) وذكر أبو إسحاق القولين، وقال في القول الثاني: أي حكم إبراهيم أن كل من آمن بمحمد موحدًا لله فقد سماه إبراهيم مسلمًا (٥٠) قوله: ﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ ﴾ أي: اجتباكم وسماكم المسلمين ليكون محمد (٥١) ﴿ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ ﴾ يوم القيامة بالتبليغ ﴿ وَتَكُونُوا ﴾ أنتم ﴿ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ أن الرسول قد بلغهم.
وهذا قول ابن عباس، وقتادة (٥٢) (٥٣) وقد سبق الكلام في هذا عند قوله ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ .
الآية.
وقوله ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يسخط ويكره (٥٤) (٥٥) وقال مقاتل: وثقوا بالله (٥٦) ﴿ هُوَ مَوْلَاكُمْ ﴾ قال ابن عباس: ناصركم (٥٧) (٥٨) ثم مدح نفسه فقال: ﴿ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ قال مقاتل: يقول: نعم المولى هو لكم، ونعم النصر هو لكم (٥٩) (٦٠) (١) ذكر هذا القول البغوي 5/ 402، وعزاه لأكثر المفسرين.
(٢) في (ظ): (يجهدوا).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" 6/ 78.
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" 6/ 78.
(٥) "تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.
(٦) ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 أ، وذكر الطبري 17/ 205 هذا القول ثم قال: وهذا قول ذكره عن الضحاك عن بعض من في روايته نظر.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 439.
والقول بنسخ هذه الآية لا دليل عليه، ولا تعارض بين هذه الآية وآية التغابن، ولهذا قال أبو عثمان النحاس في "الناسخ والمنسوخ" ص 577: وهذا لا نسخ فيه.
وقال مكي بن أبي طالب في "إيضاح ناسخ القرآن ومنسوخه" ص 310: والقول في هذا أنه محكم، ومعناه: جاهدوا في الله بقدر الطاقة، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وقال ابن عطية 10/ 326: ومعنى الاستطاعة في هذه الأوامر هو المراد من أول الأمر، فلم يستقر تكليف بلوغ الغاية شرعًا ثابتًا فيقال إنه نُسِخ بالتخفيف، وإطلاقهم النسخ في هذا غير محدق.
وقال ابن القيم في "زاد المعاد" 3/ 8: ولم يصب من قال إن الآيتين -يعني هذه الآيهَ وقوله: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ - منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يطاق، وحق تقاته وحق جهاده.
هو ما يطيقه كل عيد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين في القدرة والعجز والعلم والجهل.
فحق == التقوى وحق الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شيء، وتأمل كيف عقب الأمر بذلك بقوله: ﴿ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ والحرج الضيق، بل جعله واسعًا يسع كل أحد.
(٨) ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 أ.
(٩) في (ظ): (عن ابن عباس).
(١٠) في (أ)، (ظ)، (د): (تخاف.
والمثبت من (ع) هو الموافق لما عند الطبري والثعلبي.
(١١) ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 أ.
ورواه الطبري 17/ 205.
(١٢) ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 أ.
(١٣) انظر: الطبري 17/ 206، "الدر المنثور" 6/ 79 - 80.
(١٤) لفظ الجلالة زيادة من (أ).
(١٥) سيأتي تخريجه.
(١٦) (أن): ساقطة من (ظ)، (ع).
(١٧) في (د)، (ع): (مخرج).
(١٨) روى الطبري في "تفسيره" 17/ 205 - 206 عن الزهري قال: سأل عبد الملك بن مروان علي بن عبد الله بن عباس عن هذه الآية ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ فقال علي بن عبد الله: الحرج: الضيق، فجعل الله الكفارات مخرجًا من ذلك.
سمعت ابن عباس يقول ذلك.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 79 وعزاه لمحمد بن يحيى الذهلي في "الزهريات" وابن عساكر.
وروى ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 78 - 79 من طريق ابن شهاب، أن ابن عباس كان يقول في قوله ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ : توسعة الإسلام، وما جعل الله من التوبة ومن الكفارات.
(١٩) في (أ): (الفطرة).
(٢٠) رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل 156 ب، والطبري 17/ 207 وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 6/ 79 من طريق عثمان بن يسار -وتصحف في المطبوع من الطبري والدر المنثور إلى: بشار، والصواب يسار كما في "التاريخ الكبير" للبخاري 6/ 173، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم 6/ 257 - عن ابن عباس.
وليس قوله (حتى يتيقنوا) في رواية أحد منهم، وإنما أدخلها الواحدي من كلام الثعلبي 3/ 57 ب، حيث ذكر الثعلبي هذا القول ولم ينسبه لأحد.
(٢١) (قال): ساقطة من (ظ).
(٢٢) في (ج)، (د)، (ع): (الأمر).
(٢٣) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 78 عن محمد قال: قال أبو هريرة لابن عباس، فذكره.
(٢٤) ذكره السيوطي عنه في "الدر المنثور" 6/ 80 بأطول من هذا، وعزاه لابن أبي حاتم.
(٢٥) ذكره عنه البغوي 5/ 403.
(٢٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 440.
وما ذكر هنا من الأقوال داخل في معنى الآية، وكل ذكر مثلا على رفع الحرج.
قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1305 - بعد أن ذكر وجوهًا من رفع الحرج: ولو ذهبت إلى تعديد نعم الله في رفع الحرج لطال المرام.
وقال ابن القيم في "زاد المعاد" 3/ 8 - 9: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ والحرج: الضيق، بل جعله واسعًا يسع كل أحد، ..
، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجه ما ..
وقد وسع الله -سبحانه وتعالى- على عباده غاية التوسعة في دينه ورزقه وعفوه ومغفرته ..
ثم ذكر -رحمه الله- أمثلة لذلك.
(٢٧) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 106، "الإملاء" للعكبري 2/ 147، "البحر المحيط" 6/ 391، "الدر المصون" 8/ 309.
(٢٨) لم أجده.
(٢٩) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 638.
(٣٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 231 وفيه: وقد تنصب (ملة إبراهيم) على الأمر بها.
(٣١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 440.
(٣٢) في (أ): (الغيت).
(٣٣) عبارة الفراء في "معانيه" 2/ 231 هي: وقوله: (ملة أبيكم) نصبتها على: وسع عليكم كملة إبراهيم؛ لأن قوله ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ يقول: وسعة وسمحه كملة إبراهيم، فإذا ألقيت الكاف نصبت.
وقد تنصب (ملة إبراهيم) على الأمر بها؛ لأن أول الكلام أمر كأنه قال: اركعوا والزموا ملة إبراهيم.
انتهى كلامه.
فليس في عبارة الفراء: ويجوز، بل إنه ذكر هذا القول ثم ذكر قولا آخر وصدره بقوله: وقد -وهو القول الذي ذكر الواحدي أنه قول الفراء- فعكس الواحدي الأمر.
والله أعلم.
وهذا الوجه الذي ذكره الفراء استبعده مكي في "مشكل إعراب القرآن" 2/ 495، والأنباري في "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 179.
(٣٤) في (أ)، (ظ): (اعبدوا)، وهو هكذا في "معاني الزجاج".
(٣٥) "معاني القرآن" للزجاج 30/ 440.
ونحو هذا قال الزمخشري 3/ 24: كأنه قال: وسع عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم.
ثم حذف المضاف -يعني توسعة- وأقيم المضاف إليه -يعني ملة- مقامه.
وعلى هذا القول انتصاب (ملة) على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف.
واستظهر هذا الوجه السمين الحلبي 8/ 310.
وقيل (ملة) منصوبة على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم.
== وقيل: منصوبة بـ (جعلها) مقدرًا.
انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 106، "الإملاء" للعكبري 2/ 147، "البحر المحيط" 6/ 390، "الدر المصون" 8/ 309 - 310.
(٣٦) في (ظ): (شرعه).
(٣٧) (العرب): ساقطة من (أ).
فأصبحت العبارة في (أ): (على تخصيص الخطاب).
(٣٨) في (أ): (عمل)، وهو خطأ.
(٣٩) هذا قطعة من حديث رواه الدارمي في "مسنده" 1/ 172، الإمام أحمد في "مسنده" 13/ 100، والنسائي في "سننه" كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاستطابة بالروث 1/ 38، وابن ماجة في "سننه" كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاد بالحجارة والنهي عن الروث والرمة 1/ 3 من حديث أبي هريرة .
قال العلامة أحمد شاكر في "قعليقه على المسند" 13/ 100: إسناده صحيح.
(٤٠) ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 ب.
(٤١) عليهما السلام: في حاشية (أ) وعليها علامة التصحيح.
وفي (ظ): (عليهم السلام)، وفي (د)، (ع): (صلى الله عليهما وسلم)، وأثبتنا ما في (أ) لأنه الموافق لما عند الثعلبي.
فالنص منقول منه.
(٤٢) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 57 ب.
(٤٣) انظر الطبري 17/ 207 - 208، الثعلبي 3/ 57 ب، ابن كثير 3/ 236 "الدر المنثور" 6/ 80 - 81، "معاني القرآن" للفراء 2/ 231، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 440.
(٤٤) في (ظ): (أن).
(٤٥) ذكره ابن الجوزي 5/ 457 ولم ينسبه لأحد.
(٤٦) قالوا: يعني جماعة المفسرين وأهل المعاني.
وانظر فقرة (3).
(٤٧) ذكره الثعلبي 3/ 57 ب، ورواه الطبري 17/ 208، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 81 وعزاه لابن أبي حاتم.
قال الطبري 17/ 208: ولا وجه لما قال ابن زيد من ذلك؛ لأنه معلوم أن إبراهيم لم يُسم أمة محمد مسلمين في القرآن؛ لأن القرآن أُنزل من بعده بدهر طويل، وقد قال الله تعالى ذكره ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا ﴾ ولكن الذي سمانا مسلمين من قبل نزول القرآن وفي القرآن الله الذي لم يزل ولا يزال.
أهـ.
وقال الشنقيطي 5/ 750 وفي هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم غير صواب، ثم ذكر الشنقيطي الأولى وهو مثل ما قال الطبري، وأشار إلى أن ابن جرير نبه عليها.
ثم قال: القرينة الثانية.
أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله لا إلى إبراهيم، فقوله (هو اجتباكم) أي الله ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي الله.
أهـ.
فظهر بذلك أن القول الأول هو الصحيح، وصوبه ابن كثير 3/ 236 وغيره.
(٤٨) ما بين المعقوفين في حاشية (ظ)، وعليه علامة التصحيح.
(٤٩) الثعلبي 3/ 57 ب مع تصرف.
(٥٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 440.
(٥١) في (ظ)، (ع): (محمدًا)، وهو خطأ.
(٥٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 42، والطبري 17/ 208.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 81 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥٣) انظر: الطبري 17/ 208، الثعلبي 3/ 57 ب، "الدر المنثور" 6/ 81.
(٥٤) ذكره عنه البغوي 5/ 404، وابن الجوزي 5/ 457.
(٥٥) ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 ب.
(٥٦) "تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.
(٥٧) انظر البغوي 5/ 404، وابن كثير 3/ 237.
(٥٨) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾ .
(٥٩) "تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.
(٦٠) هنا ينتهي الموجود من نسخة (د).
وكتب في ختامها: انتهت.
العاشر، ويتلوه في الحادية عشر سورة المؤمنون -عليهم السلام- وهو قوله -عز وجل- ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ قال الليث: (قد) حرف، وفي آخر الأصل: (والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم).
﴿ وَجَاهِدُوا فِي الله ﴾ يحتمل أن يريد جهاد الكفار، أو جهاد النفس والشيطان أو الهوى، أو العموم في ذلك ﴿ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ قيل: إنه منسوخ كنسخ حق تقاته بقوله: ﴿ مَا استطعتم ﴾ [الأنفال: 60، التغابن: 16] وفي ذلك نظر، وإنما أضاف الجهاد إلى الله ليبين بذلك فضله واختصاصه بالله ﴿ اجتباكم ﴾ أي اختاركم من بين الأمم ﴿ مِنْ حَرَجٍ ﴾ أي مشقة، وأصل الحرج الضيق ﴿ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﴾ انتصب ملة بفعل مضمر تقديره: أعني بالدين ملة إبراهيم أو التزموا ملة إبراهيم وقال الفراء: انتصب على تقدير حذف الكاف كأنه قال كلمة، وقال الزمخشري: انتصب بمضمون ما تقدم: كأنه قال: وسع عليكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم، ثم حذف المضاف، فإن قيل: لم يكن إبراهيم للمسلمين كلهم، فالجواب: أنه كان أباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أباً لأمته لأن أمة الرسول في حكم أولاده، ولذلك قرئ ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ [الأحزاب: 6]، ﴿ وهو أب لهم ﴾ وأيضاً فإن قريشاً وأكثر العرب من ذرية إبراهيم، وهم أكثر الأمة فاعتبرهم دون غيرهم ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ ﴾ الضمير لله تعالى، ومعنى ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ من الكتب المتقدمة.
وفي هذا أي في القرآن، وقيل الضمير لإبراهيم والإشارة إلى قوله: ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، ومعنى من قبل على هذا: من قبل وجودكم، وهنا يتم الكلام على هذا القول ويكون قوله: ﴿ وَفِي هذا ﴾ مستأنفاً: أي وفي هذا البلاغ، والقول الأول أرجح وأقل تكلفاً، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب: الله سماكم المسلمين ﴿ شَهِيداً عَلَيْكُمْ ﴾ تقدم معنى هذه الشهادة في البقرة ﴿ فَأَقِيمُواْ الصلاة ﴾ الظاهر أنها المكتوبة لاقترانها مع الزكاة ﴿ هُوَ مَوْلاَكُمْ ﴾ معناه هنا: وليكم وناصركم؛ بدلالة ما بعد ذلك.
القراآت: ﴿ ما لم ينزل ﴾ من الإنزال ابن كثير وأبو عمرو وسهل.
والآخرون بالتشديد ﴿ يصطون ﴾ بالصاد مثل ﴿ بصطة ﴾ في البقرة ﴿ الذين يدعون ﴾ بياء الغيبة: سهل ويعقوب.
الوقوف: ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ بإذنه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أحياكم ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يحييكم ﴾ ه ط ﴿ لكفور ﴾ ه ﴿ إلى ربك ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ ذلكم ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ فاستمعوا له ﴾ ط ﴿ اجتمعوا له ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ والمطلوب ﴾ ه ﴿ قدره ﴾ ط ﴿ ومن الناس ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ خلفهم ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ جهاده ﴾ ط ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ الناس ﴾ ج للعطف مع الفاء ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ النصير ﴾ ه.
التفسير: إن من جملة نعم الله على عباده تسخير الأرضيات وتذليلها لهم، فلا اصلب من الحديد والحجر، ولا أشد نكاية من النار وقد سخرها للإنسان وسخر لهم الأنعام ايضاً ينتفعون بها بالأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ وسخر لهم الدواب، وغيرها وسَخرَ لهم الفلك حال كونها جارية بأمره وهو تهيئة الأسباب المعاونة ودفع الأشياء المضادة لسهولة جريها.
ولا ريب أن الانتفاع بالأرضيات لا يتأتى إلا بعد الأمن من وقوع السماء على الأرض، فمّن الله تعالى على المكلفين بأن حفظها كيلا تقع أو كراهة أن تقع على الأرض وذلك بمحض الإقتدار عند أهل الظاهر، أو بأن جعل طبعها هو الإحاطة بما في ضمنها إذ لا خفة فيها ولا ثقل ولهذا خصت بالحركة على المركز.
وفي قوله ﴿ إلا بإذنه ﴾ إشارة إلى أن الأفلاك ستنخرق وتنشق فتقع على الأرض، ويحتمل، يقال: توقيف الوقوع على الإذن لا يوجب حصول الإذن، فالانخراق والانشقاق لا يستفاد من هذه الآية.
ثم ذكر الإنسان مبدأه ومعاده فقال {وهو الذي أحياكم نظيره قوله في أول البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ﴾ وقد سبق هنالك.
وفي قوله ﴿ إن الإنسان لكفور ﴾ زجر لهم عن الكفران بطريق التوبيخ.
وعن ابن عباس أنه الكافر.
وبعضهم جعله أخص فقال: هو ابو جهل وأضرابه، والأولى إرادة الجنس، ثم عاد إلى بيان أن أمر التكاليف مستقر على ما في هذه الشريعة فقال ﴿ لكل أمة ﴾ الآية.
قال في الكشاف: إنما فقد العاطف ههنا بخلاف نظرائها في السورة لأن تلك مناسبة لما تقدمها في هذه مباينة لها.
قلت: وذلك لأن من ههنا إلى آخر السورة عوداً بعد ذكر المعاد إلى الوسط الذي هو حالة التكليف، والأقرب أن المنسك في هذه الآية هو الشريعة كقوله ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴾ وهو قول ابن عباس في رواية عطاء.
وقيل: أراد مكاناً معيناً وزماناً لأداء الطاعات.
وقال مجاهد: هو الذبائح ولا وجه للتخصيص ههنا والأمة أعم من أن تكون قد بقيت آثارهم أو لم تبق.
أما الضمير في قوله ﴿ فلا ينازعنك ﴾ فلا بد من رجوعه إلى الأمم الباقية آثارهم في عهد رسول الله .
قال الزجاج: إنه نهي له عن منازعتهم كما تقول "لا يضاربنك فلان" أي لا تضار به.
وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمناً.
وقال في الكشاف: هو نهي لرسول الله اي لا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك، أو هو زجر لهم عن التعرض لرسول الله بالمنازعة في أمر الدين وكانوا يقولون في الميتة "مال كم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله".
ومنه يعلم استقرار أمر الديانة على هذه الشريعة وأن على كل أمة من الأمم التي بقيت منها بقية أن يتبعوه ويتركوا مخالفته فلذلك قال: ﴿ وأدع إلى ربك ﴾ أي لا تخص بالدعوة أمة دون أمة فإن كلهم أمتك ﴿ إنك لعلى هدى مستقيم ﴾ أي على دين وسط دليل ظاهر.
وإن أبوا إلا الجدال فكل أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ الله أعلم بما تعملون ﴾ وفيه وعيد وإنذار مخلوط برفق ولكن ﴿ الله يحكم بينكم ﴾ أي يفصل بين المؤمنين والكافرين منكم، ويحتمل أن يكون من تتمة المقول وأن يكون ابتداء خطاب من الله للأمم.
﴿ ألم تعلم ﴾ خطاب لكل عالم أو للرسول والمراد تقوية قلبه وإلا فالرسالة لا تكون إلا بعد العلم بكونه عالماً بكل المعلومات وإلا اشتبه عليه الصادق بالكاذب.
﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر وهو كل ما في السماء والأرض ﴿ في كتاب ﴾ قال أبو مسلم: أراد به الحفظ والضبط كالشيء المكتوب، والجمهور على أنه حقيقة وقد كتبه في اللوح قبل حدوثه.
ولعل في تلك الكتابة لطفاً للملائكة لأن مطابقة تلك الأشياء المكتوبة لما سيحدث إلى الأبد من أدل دليل على كونه عالم الذات ولذلك قال ﴿ إن ذلك ﴾ الكتب ﴿ على الله يسير ﴾ وهذا تصوير لضده وهو صعوبة مثل ذلك على غيره وإلا فلا مدخل لليسر والصعوبة في كمال قدرته.
وحين بين كمال ألوهيته قطع شأن أهل الشرك بقوله ﴿ ويعبدون ﴾ الآية والمراد أنهم لم يتمسكوا في صحة عبادته بدليل سمعي ولا علم ضروري وقوله ﴿ وما للظالمين من نصير ﴾ الظلم الشرك، والصنرة إما بالشفاعة أو بالحجة ولا حجة إلا للحق وهو كقوله في آخر آل عمران ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ وقد مر.
والمنكر دلائل الغيظ والحنق.
وقال جار الله: وهو الفظيع من التجهم والبسور أو هو الإنكار كالمكرم بمعنى الإكرام وقال الكلبي: اراد أنهم كرهوا القرآن مع وضوح دلائلة.
وقال ابن عباس: هو التجبر والترفع.
وقال مقاتل: أنكروا أن يكون من الله .
السطو الوثب والبطش أي يهمون بالبطش والوثوب لعظم إنكار ما تلي عليهم.
وقوله ﴿ من ذلكم ﴾ إشارة إلى غيظهم على التالين أو إلى همهم.
ثم إنه كأن سائلاً قائلاً ما ذلك الشر فقيل ﴿ النار ﴾ اي هو النار.
قلت: وذلك أن حرارة الغيظ والسطو تشبه حرارة النار ولكن هذه أقوى ولا سيما نار جهنم.
ثم استأنف للنار حكماً فقال ﴿ وعدها ﴾ الآية.
ويحتمل أن تكون ﴿ النار ﴾ مبتدأ و ﴿ وعدها ﴾ خبراً.
ثم ضرب للاصنام مثلا فقال ﴿ يا أيها الناس ضرب مثل ﴾ إنما قال بلفظ الماضي لأنه معلوم من قبل لكل ذي عقل.
والمثل بمعنى المثل استعاروه لجملة من الكلام مستغربة مستفصحة متلقاة بالرضا والقبول أهل للتسيير والإرسال وذلك أنهم جعلوا مضربها مثلاً لموردها، ثم استعاروا هذا المستعار للقصة أو الحالة أو الصفة المستغربة لتماثلها في الغرابة وهذا هو الذي قصد في الآية: ﴿ فاستمعوا له ﴾ أي تدبروه وحق له ذلك فإن السماع المجرد لا نفع له.
قال جار الله: محل ﴿ ولو اجتمعوا له ﴾ نصب على الحال كأنه قال مستحيل أن يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم جميعاً فكيف لو انفردوا؟
وأقول: الظاهر أن "لو" هذه للمبالغة وجوابه محذوف لدلالة ما تقدم عليه تقديره، ولو اجتمعوا لخلق الذباب لن يخلقوه ايضاً، وليس من شرط كل جملة أن يكون لها محل.
ثم زاد لعجزهم وضعفهم تأكيداً بقوله ﴿ وإن يسلبهم الذباب ﴾ الاية.
بمعنى أترك أمر الحلق والإيجاد وتكلم فيما هو أسهل من ذلك، إن هذا الحيوان الضعيف الذي لا قدرة لهم على خلقه لو سلب منهم شيئاً لم يقدروا أيضاً على استخلاص ذلك الشيء منه.
عن ابن عباس أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله.
وقيل: سمي الذباب ذباباً كلما ذب آب.
ثم عجب من ضعف الأصنام والذباب بقوله ﴿ ضعف الطالب والمطلوب ﴾ فالصنم كالطالب من حيث إنه يطلب خلق الذباب أو يطلب استنفاذ ما سلبه منه.
وقيل: الطالب عابد الصنم والمطلوب هو الصنم أو عبادته، ويجوز أن يكون الطالب هو السالب والمطلوب المسلوب منه.
ثم بين أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة بهذه المثابة ﴿ ما قدروا الله حق قدره ﴾ أي ما عرفوه حق معرفته وقد مر مثله في "الأنعام".
﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ قادر غالب فكيف يسوِّي بينه وبين العاجز المغلوب في العبادة وهي نهاية التعظيم.
وذلك أنهم لو إعتقدوا كون تلك الأصنام طلسمات موضوعة على الكواكب فإذا لم تنفع نفسها في المقدار المذكور فلأن لا تنفع غيرها أولى، وإن اعتقدوا أنها تماثيل الملائكة أو الأنبياء فلا يليق بها غاية الخضوع التي يستحقها خالق الكل.
وحين رد على أهل الشرك معتقدهم في الإلهيات أراد أن يرد عليهم عقيدتهم في النبوَّات وهي أن الرسول لا يكون بشراً فقال ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ﴾ فالملك رسول إلى النبي والنبي رسول إلى سائر البشر قاله مقاتل.
ههنا سؤالات: الأول أن "من" للتبعيض فتفيد الآية أن بعض الملائكة رسل فيكون مناقضاً لقوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ والجواب أن الموجبة الجزئية لا تناقض الموجبة الكلية، أو أراد بهذا البعض من هو رسول إلى نبي آدم وهو أكابر الملائكة ولا يبعد أن يكون بعض الملائكة رسلاً إلى بعض آخر منهم.
وثانيهما أنه قال في موضع آخر ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء ﴾ وقد نص في هذه الآية أن بعض الناس مصطفى فيلزم من مجموع الآيتين أنه قد اصطفى ولداً.
والجواب أن تلك الآية دلت على أن كل ولد مصطفى ولكن لا يلزم من هذه الآية أن كل مصطفى ولد فمن أين يحصل ما ادعيت؟
والتحقيق أن الموجبتين في الشكل الثاني لا ينتجان هذا، ويحتمل أن تكون هذه الآية مسوقة للرد على عبدة الملائكة كما كانت الآية المتقدمة للرد على عبدة الأصنام إذ يعلم من هذا أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة بل لأن الله اصطفاهم للرسالة حين كانوا أمناء على وحيه لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
ثم بين علو شأنه وكمال علمه وإحاطته بأحوال المكلفين ما مضى منها وما غبر، وأن مرجع الأمور كلها إليه، وفي كل زجر عن الإقدام على المعصية وبعث الجد في الطاعة فلا جرم صرح بالمقصود قائلاً ﴿ يا ايها الذين آمنوا ﴾ والظاهر أنه خطاب مختص بالمؤمنين ويؤكده قوله بعد ذلك ﴿ هو اجتباكم ﴾ ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ وقيل: عام لكل المكلفين لأن المأمورات بعده لا تختص ببعض الناس دون بعض والتخصيص بالذكر للتشريف فإنهم الذين قبلوا الخطاب.
ودل بالركوع والسجود على الصلاة لأنهما ركنان معتبران.
وقيل: كان الناس أول ما اسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود ذكره ابن عباس.
قال جار الله: عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟
قال: نعم أن لم تسجدهما فلا تقرأهما.
وعن عبد الله بن عمر: فضلت سورة الحج بسجدتين.
وهو مذهب الشافعي.
وأما أبو حنيفة فلا يرى هذه سجدة لأنه قرن الركوع بالسجود قال: فدل ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة، قدم الصلاة لأنها أشرف العبادات ثم عمم فأمر بالعبادة مطلقاً، ثم جعل الأمر أعم وهو فعل الخيرات الشامل للنوعين التعظيم لأمر الله والشفعة على خلق الله كأنه قال: كلفتكم الصلاة بل كلفتكم ما هو أعم منها وهو العبادة، بل كلفتكم أعم وهو فعل الخيرات على الإطلاق.
وقيل: معناه واعبدوا ربكم اقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله عز وجل.
وعن ابن عباس أن فعل الخير صلة الأرحام ومكارم الأخلاق.
ومعنى ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ افعلوا كل ذلك راجين الفلاح وهو الظفر بنعيم الآخرة لا متيقنين ذلك فإن الإنسان قلما يخلو في أداء فرائضه من تقصير والعواقب أيضاً مستورة.
ثم أمر بخلاف النفس والهوى في جميع ما ذكر وهو الجهاد الأكبر فقال ﴿ وجاهدوا في الله ﴾ اي في ذاته ومن أجله ﴿ حق جهاده ﴾ اي حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه فإضافة الجهاد إلى الله من قبيل التوسعة ولأدنى ملابسة من حيث إن الجهاد فعل لوجهه.
وقيل: هو امر بالغزو، أمروا أن يجاهدوا آخرا كما جاهدوا أولاً فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنيعهم يوم بدر.
وعن عمر أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ ﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله؟
فقال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟
قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء.
قال العلماء: لو صحت هذه الرواية فلعل هذه الزيادة من تفسير الرسول ليست من نفس القرآن وإلا لتواترت.
وإما عبارات المفسرين فعن ابن عباس: حق جهاده أي لا تخافوا في الله لومة لائم.
وقال الضحاك: اعملوا لله حق عمله.
وقال آخرون: استفرغوا ما في وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حدوده باليد واللسان وجميع ما يمكن، وردوا أنفسكم عن الهوى والميل.
وعن مقاتل والكلبي: أن الآية منسوخة بقوله ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ كما أن قوله ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ منسوخ بذلك.
وضعف بأن التكليف مشروط بالقدرة فلا حاجة إلى التزام النسخ.
ثم عظم شأن المكلفين بقوله ﴿ هو اجتباكم ﴾ أي اختاركم لدينه ونصرته وفيه تشريف كقوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: التكليف وإن كان تشريفاً إلا أن فيه مشقة على النس فقال ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ اي ضيق وشدة وذلك أنه فتح باب التوبة ووسع على المكلفين بأنواع الرخص والكفارات والديات والأروش.
يروى أن أبا هريرة قال: كيف قال ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ مع أنا منعنا عن الزنا والسرقة؟
فقال ابن عباس: بلى ولكن الإصر الذي كان علي بني إسرائيل وضع عنكم.
قالت المعتزلة: لو خلق الله فيه الكفر ثم نهاه عنه كان ذلك من أعظم الحرج.
وعورض بأنه نهاه عن الكفر مع أنه علم ذلك منه، وكأنه أمره بقلب علم الله جهلاً وهو أعظم الحرج.
ثم أثنى على هذه الأمة بقوله ﴿ ملة أبيكم ﴾ أي أعني ملة أبيكم، ويجوز أن ينتصب بمضمون ما تقدم كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة ابيكم فأقام المضاف إليه مقام المضاف، وإنما كان إبراهيم أبا هذه الأمة لأنه أبو الرسول وكل نبي أبو أمته.
والمراد أن التوحيد والحنيفية هي مما شرعه إبراهيم.
﴿ هو ﴾ أي الله أو إبراهيم ﴿ سماكم المسلمين من قبل ﴾ اي في سائر الكتب أو في قوله ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ﴾ ﴿ وفي هذا ﴾ القرآن أما إن كان المسمى هو الله فظاهر، وأما إن كان هو إبراهيم فلعله أراد أن حكاية دعائه مذكورة في القرآن.
وقوله ﴿ ليكون الرسول ﴾ متعلق بقوله ﴿ هو اجتباكم ﴾ اي فضلكم على الأمم لهذا الغرض نظيره قوله في البقرة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا ﴾ والأصل تقديم الأمة كما في "البقرة" لأن الخطاب معهم وليقع الختم على شهادة الرسول كما هو الواقع إلا أنه عكس الترتيب في هذه السورة ليناط به قوله ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ والمراد إذ خصكم بهذه الكرامة فاعبدوه واعتصموا بدلائله العقلية والسمعية أو بألطافه وعنايته.
قال ابن عباس: سلوا الله العصمة عن كل المحرمات.
وقال آخرون: اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون فهو خير مولى وناصر.
استدلت المعتزلة بالآية في قولهم إنه يريد الإيمان من الكل من وجوه: الأول أنه أراد أن يكونوا شهداء ولن يكونوا كذلك إلا إذا آمنوا، الثاني أنه لا يمكن الاعتصام به إلا إذا لم يوجد منه الشر ألبتة.
الثالث أنه لو خلق في عبادة الكفر والمعاصي لم يكن نعم المولى.
وأجيب بعد تسليم إرادة الإيمان من الكل أن إرادة الشيء إن كانت مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكفار تستلزم أن يكون الله مريداً لجهل نفسه.
وإن لم تستلزم فقد سقط السؤال وايضاً الاعتصام به إنما يكون منه كقوله"أعوذ بك منه" وايضاً إنه خلق الشهوة في قلب الفاسق وخلق المشتهي وقربه منه ودفع المانع وسلط عليه شياطين الإنس والجن، فلو لم تكن كل هذه مقتضية لكونه بئس المولى لم يكن خلق الكفر أيضاً مقتضياً لذلك.
التأويل: ﴿ سخر لكم ما ﴾ في أرض البشرية من الصفات الحيوانية والشيطانية، وسخر فلك الواردات المغيبة تجري في بحر القلب، ويمسك القلب أن تقع على ارض النفس بأن تتصف بصفاتها ﴿ إلا بإذنه ﴾ بقدر ما أباحه الشرع من ضروريات المأكول والملبوس وغيرهما ﴿ وهو الذي أحياكم ﴾ بازدواج الروح إلى القالب ﴿ ثم يميتكم ﴾ عن صفات البشرية ﴿ ثم يحييكم ﴾ بنور الصفات الرحمانية ﴿ فلا ينازعنك ﴾ في أمرك فإن لك مع الله وقتاً لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولكل قوم رتبة لا يتجاوزونها ﴿ إن الذين يدعون من دون الله ﴾ كالأصنام الظاهرة والباطنة لن يطلعوا على كيفية خلق الذباب، وإن يسلبهم ذباب هواجس النفس شيئاً من صفاء القلب وجمعية الوقت ﴿ ضعف الطالب ﴾ وهو القلب غير المؤيد بنور الإيمان ﴿ والمطلوب ﴾ وهو النفس والشيطان ﴿ اركعوا ﴾ بالنزول عن مرتبة الإنسانية إلى خضوع الحيوانية: ﴿ ومنهم من يمشي على أربع ﴾ ﴿ واسجدوا ﴾ بالنزول إلى مرتبة الحيواينة ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ ﴿ واعبدوا ربكم ﴾ بجعل الطاعة خالصة له ﴿ وافعلوا الخير ﴾ بمراقبة الله في جميع أحوالكم ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ بالوصال.
﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ فجهاد النفس بتزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه عن الكونين، وجهاد الروح بتحليته بإفناء الوجود في وجوده ﴿ هو اجتباكم ﴾ لهذه الكرامات من بين سائر البريات ولولا أنه اجتباكم ما اهتديتم إليه كما قيل: فلولاكم ما عرفنا الهوى *** وما جعل عليكم في دين العشاق.
وهو السير إلى الله من ضيق "من تقرَّب إلي شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً" والسير إلى الله من سنة إبراهيم ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴾ ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ في الأزل وهو في هذا الطور.
وإنما قدم الرسول لأن روحه في طرف الأزل مقدم "أول ما خلق الله روحي" فهو مشرف وقتئذ على أرواح أمته وبعد ذلك خلقت أرواح أمته مشرفين على أرواح غيرهم.
وفي سورة البقرة اعتبر طرف الأبد فوقع الختم على الرسول وعلى شهادته ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ بدوام السير والعروج إلى الله والتعظيم لأمره ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ بدعوة الخلق إلى الله والشفقة عليهم ﴿ واعتصموا بحبل الله ﴾ حتى تصلوا إليه هو متولي أفنائكم عنكم ﴿ فنعم المولى ﴾ في إفناء وجودكم ﴿ ونعم النصير ﴾ في إبقائكم بربكم والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين وذرياته وسلم تسليماً كثيراً دائماً ابداً إلى يوم الدين.
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ ﴾ .
في الآية دلالة أن الإيمان هو شيء خاص وشيء واحد، لا اسم جميع الخيرات، وهو التصديق؛ لأنه أثبت لهم اسم الإيمان، ثم أمرهم بالركوع والسجود وفعل الخيرات؛ لأن جميع المخاطبين بهذه الآية عرفوا من خوطب بها، فلو كان اسما لجميع الخيرات لكان لا يعرف المخاطب بها؛ لأنه لا يقدر أحد على جميع الخيرات؛ فدل أنه شيء معروف خاص مما يرجع صاحبه إلى حد المعرفة، حيث عرفه المخاطب به، والله أعلم.
ثم يحتمل قوله: ﴿ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ ﴾ وجوهاً: أحدهما: أن اجعلوا ركوعكم وسجودكم وعبادتكم عبادة الله لا تشركوا فيها غيره على ما أشرك أهل مكة وغيرهم من الكفار في عبادتهم غيره، وهي الأصنام التي عبدوها.
والثاني: اعبدوا ربكم بالأسباب والأشياء التي عرفكم أنها عبادة، وكذلك افعلوا الخيرات التي عرفكم أنها خيرات.
والثالث: أن اجعلوا أحوالكم التي أنتم عليها من قيام وقعود، وحركة وسكون، عبادة لله ، واجعلوا تقلبكم أيضاً للمعاش الذي أبيح لكم وأذن فيه عبادة، فالأول هو عبادة بنفسه التي جعلها الله نصّاً، والثاني هو الذي يصير عبادة بالنية والقصد؛ فيكون في جميع أحواله مؤدي عبادة، وهكذا الواجب على المرء أن يكون في جميع ما يؤدّي من الصلاة والصيام وغيره مؤدي فرض، وهو أن يؤدي جميع ذلك بنية الشكر لنعمه، وتكفيراً لمعاصيه، وكلاهما لازمان واجبان، فإن فعل ذلك كان مؤدي لازم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ظاهره خرج على الترجي، وفي الحقيقة على الوجوب، على ما ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ ليس لحق الله غاية يوصل بها، وكذلك قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ ؛ لأنه لو كان لحقه غاية لكان الرسل والملائكة يقومون بوفاء ذلك [و] يتوهم منهم المجاوزة عن ذلك؛ إذ كل ذي حدّ وغاية يتوهم المجاوزة فيه، فإن لم يحتمل المجاوزة دل أن حقه ليس بذي حدّ وغاية، ويكون تأويل قوله: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ و ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ حقه الذي احتمل وسعكم وبنيتكم وطاقتكم، كقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ فيكون هذا تفسيراً لقوله: ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ و ﴿ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ .
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ ﴾ أي: جاهدوا أنفسكم في شهوتها وأمانيها.
أو جاهدوا أعداء الله في دفع الوسواس والمحاربة معهم.
وقوله: ﴿ هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ ﴾ للإيمان والهدى والتوحيد.
أو ﴿ هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ ﴾ جنساً من أفضل الأجناس وأكرمهم من بين سائر الأجناس، كقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .
وقال عامة أهل التأويل في قوله: ﴿ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أي: وحدّوا ربكم، جعلوا كل عبادة مذكورة في الكتاب توحيدا؛ فيكون ذكر العبادة هاهنا كقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ ﴾ كأنه قال: يأيها الذين آمنوا وحدوا ربكم.
ثمّ اختلف في قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ ﴾ : قال بعضهم: فيه وجوب سجدة التلاوة على ذلك، وهي في الخبر عن رسول الله أنه قال: "فضلت سورة الحج بسجدتين على غيرها من السور، فمن لم يسجدهما فلا يقرأها" وكذلك روي عن عمر - - أنه قرأها فسجد فيها مرتين، ثم قال ما ذكرناه.
وتأويله - عندنا - أن قوله: "فضلت بسجدتين" التي هي من صلب الصلاة، وسجدة التلاوة في أوّل السّورة، فمن لم يسجدهما فلا يقرأها، وأصله في وجوب سجدة التلاوة: أن كل سجود ذكر في القرآن للخضوع فهو واجب للتلاوة، لازم له، وكل سجود كان الأمر به لحق سجود الصلاة فإنه لا يلزمه السجدة للتلاوة، فالأمر بالسجود في قوله: ﴿ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ ﴾ أمر بسجود الصلاة لا غير لم يلزم تاليه السجود بالتلاوة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ يحتمل تأويله وجوهاً: أحدها: أن عليهم معرفة وحدانية الله، وألوهيته، وتعاليه عن الأشباه والشركاء، وعليهم معرفة نعمه، والقيام بشكرها له، والخضوع له في كل وقت، وإن [لم] يبعث الرسل، لكنّه بفضله ورحمته بعث إليهم الرسل ليكون أيسر عليهم معرفة ذلك وأهون، والقيام بأداء ذلك أخف؛ لأن معرفة الأشياء بالسماع من لسان الصدوق والعدل أيسر، والإدراك أهون من معرفتها بالنظر والتفكر، وهو ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أخبر أنه لولا فضله ورحمته في بعث الرسل، لاتبعوا الشيطان إلا قليلا، والقليل الذين استثناهم: الذين يتفكرون وينظرون فيعرفون بالتفكر والنظر، وذلك لا يعرف إلا بجهد وتكلف، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ ولكن بعث إليكم الرسل ليكون أوضح لسبيل الحق ومعرفته، وإن كان له ألا يرسل، ويكلف ذلك بالنظر والتفكر.
والثاني: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ قطع ما يقع لهم الحوائج، وتحريم كل أنواع المطاعم والمشارب واللباس عليكم لكنه إذا حرم نوعاً منها أباح نوعاً آخر بإزائه مما يسدّ به حاجته ويزيح به علته، ولو حرم كل أنواعها كان حرجا في الدين وضيقاً.
والثالث: لم يجعل عليهم من العبادات والفرائض التي كلفهم بها والقيام بأدائها ما لا يحتمل وسعهم، ولا بنيتهم، ولا حمل عليهم أموراً شاقة خلاف ما عليه طباعهم وأمر معاشهم، ولكن كلفهم بعبادات احتمل بها وسعهم وبنيتهم، وحمل عليهم أموراً غير شاقة موافقة لما عليه أمر معاشهم وطباعهم، وإن بعد ونأى عليهم.
والرابع: أنه لم يجعل توبتهم عما ارتكبوا من المعاصي والمآثم قتل بعضهم بعضا، وإهلاك بعضهم بعضا، على ما جعل ذلك لقوم، حيث قالوا لهم: ﴿ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ ، ولو كلف ذلك كان حرجاً في الدين، وأمثال ذلك.
والخامس: جائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ أي: من شك وشبه، أي: قد أزاح عنكم الشبه والشك بالحجج والبراهين التي أقامها لكم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على الأمر: أن الزموا ملة إبراهيم.
والثاني: أن هذا الذي ذكر هو ملة أبيكم إبراهيم.
وقوله: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا ﴾ اختلف فيه: قال عامة أهل التأويل: قوله: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ ﴾ أي: الله سماكم المسلمين.
وقال بعضهم: إبراهيم ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ﴾ ، حيث قال: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ ورسول الله محمد كان من ولد إسماعيل، وقد دعا له ولذريته بذلك.
وقوله: ﴿ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا ﴾ : قال بعضهم: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ : في الكتب المتقدمة ﴿ وَفِي هَـٰذَا ﴾ ، أي: في القرِآن.
وقال بعضهم: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ : في الأمم الذين كانوا من قبل؛ لأنه ما من قوم وأمة إلا وفيهم مسلمون متسمون بهذا الاسم، ﴿ وَفِي هَـٰذَا ﴾ : في قومه: أي: كنتم متسمون بهذا الاسم في الأمم الخالية، كقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ أي: كنتم خير أمة في الأمم التي كانت من قبل أنها تخرج في هذا الوقت، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ ﴾ قال قائلون: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ بمعنى: لكم، وذلك جائز في اللغة، كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ أي: للنصب؛ فعلى ذلك جائز في هذا ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: لكم، ويكون تأويله: يكون الرسول لكم شهيداً بالتصديق له، وتكونوا أنتم شهداء للناس بالتصديق لرسول الله إذا صدقتم إياه.
وقال بعضهم: ﴿ لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ ﴾ ، بمعنى: عليكم، وتأويله: يكون شهيداً عليكم إذا خالفتموه ولم تصدقوه، وتكونوا أنتم إذا صدقتم رسولكم ووافقتموه - شهداء على سائر الناس إذا كذبوا رسولهم: أنهم كذبوه وخالفوه.
وفي هذه الآية دلالة اتفاق قرن حجة على من بعدهم، حيث جعلهم شهداء على من بعدهم ومن قبلهم، وقد ذكرنا تأويل الآية في سورة البقرة.
وقوله: ﴿ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ فإذا أراد الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة، ففي الأمر بإقامة الصلاة أمر بإصلاح ما بينهم وبين ربهم، وفي الزكاة إصلاح ما بينهم وبين الخلق، كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ وفي حرف عبد الله بن مسعود: (إن الصلاة تأمر بالعدل وتنهى عن الفحشاء والمنكر).
قوله: ﴿ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ ﴾ .
قال بعضهم: بدين الله وهو ما ذكر فيما تقدم ذكره من قوله: ﴿ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ ﴾ .
﴿ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ...
﴾ إلى [آخر] ما ذكر؛ فكأنه يقول: اعتصموا بالذي ذكر، وأصل الاعتصام هو الالتجاء إليه؛ فكأنه قال: اعتصموا به من كل ما نهى عنه من الشرور، وبكل ما أمر به من الخير.
وقوله: ﴿ هُوَ مَوْلاَكُمْ ﴾ .
قال الحسن: هو مولى كل من تولاه بالطاعة.
وقال بعضهم: المولى: النصير، أي: هو ناصركم وحافظكم.
﴿ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ ﴾ .
المانع والنصير: المنتصر ينتصر لهم من أعدائهم، ويمنع عنهم الأعداء.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ هُوَ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: ربكم وسيدكم، كما يقال لمولى العبد: هذا مولاه وسيّده، والله أعلم.
ويكون في قوله: ﴿ لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ ﴾ أنه قد بلغكم؛ ﴿ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ بأن الرسول قد بلغهم.
قال أبو عوسجة: ﴿ مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ، أي: ما عرفوا الله حق معرفته، يقال في الكلام: ما قدرتك حق قدرك، أي: ما عرفتك حق معرفتك.
وقالوا: الحرج: الضعيف في هذا، وفي غير هذا الموضع، قيل: هو شك في قوله: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ ، أي: شك، والضيق إنما يكون من الشك إذا شك في شيء ضاق صدره فيه.
قال أبو معاذ: وأصل الحرج في الكلام: شجر من شوك ملتف، والواحدة: حرجة، منه: حرجة مسلم.
وقوله: ﴿ هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ ﴾ .
أي: اختاركم، وفي حرف ابن مسعود وأبي: "هو اجتباكم وسماكم المسلمين من قبل)، وهذا يؤيد تأويل من يقول: هو سماكم المسلمين، أي: الله سماكم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ ، قال: لم يفرض الله على هذه الأمة شيئاً إلا جعل فيه رخصة لهم عند الاضطرار؛ مثل التيمم إذا لم يجد ماء، ويصلي قاعداً ومضطجعاً في المرض، وتفطر إذا كنت مريضاً، ونحو هذا، ليس فريضة إلا فيها رخصة، ولم يكن من قبل ذلك، وهو قول مقاتل بن حيان.
وقال قتادة: قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ ، أي: ضيق، قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم يعطها إلا نبي: كان يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وقال الله لهذه الأمة: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ ، وكان يقال للنبي: أنت شهيد على قومك، وقال الله لهذه الأمة: ﴿ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، وكان يقول للنبي: سل تعطه، وقال الله لهذه الأمة: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ ﴾ ، أي: صلوا لله، كقوله: ﴿ وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ ﴾ يقول: صلوا، لا يصلون.
وقال قتادة: ﴿ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ ﴾ ، قال: لا صلاة إلا بركوع، وإن أقواماً أحدثوا بدعاً: يسجد أحدهم مائة سجدة لا يركع فيهن، وكان يقال: ثلاث مما أحدث الناس: "رفع الأيدي في الدعاء، والأصوات عند المسألة، والاختصار في السجود".
وقال أبو هريرة: "لا يصلح سجود إلا بركوع"، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وبه نستعين.
وجاهدوا في سبيل الله جهادًا خالصًا لوجهه، هو اختاركم وجعل دينكم سَمْحًا لا ضيق فيه ولا شدّة، هذه الملة السمْحَة هي ملة أبيكم إبراهيم ، وقد سماكم الله المسلمين في الكتب السابقة وفي القرآن؛ ليكون الرسول شهيدًا عليكم أنه بلغكم ما أمِر بتبليغه، ولتكونوا أنتم شهودًا على الأمم السابقة أنّ رسلها بلَّغَتها، فاشكروا الله على ذلك بالإتيان بالصلاة على أكمل وجه، وأعطوا زكاة أموالكم، والجؤوا إلى الله، واعتمدوا عليه في أموركم، فهو سبحانه نِعْم المولى لمن تولاه من المؤمنين، ونعْم النصير لمن استنصره منهم، فتولوه يتولكم، واستنصروه ينصركم.
من فوائد الآيات أهمية ضرب الأمثال لتوضيح المعاني، وهي طريقة تربوية جليلة.
عجز الأصنام عن خلق الأدنى دليل على عجزها عن خلق غيره.
الإشراك بالله سببه عدم تعظيم الله.
إثبات صفتي القوة والعزة لله، وأهمية أن يستحضر المؤمن معاني هذه الصفات.
قد يجد الباطل أنصارًا، فيتبوأ من أنفسهم دارًا، ويتخذ له منها قرارًا، وتذهب على ذلك الأيام بعد الأيام، وتمضي عليه الأعوام إثر الأعوام، وهو يلعب بأهله، ويغلب أهواءهم بحيله، حتى يقصروا نظرهم عليه، ولا يجدوا ملجأ منه إلا إليه، فإذا أتوا من ناحيته رضوا، وإذا عرض لهم الحق أعرضوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تنحل به عراهم، وتفسد بعلله قواهم، والحق لا يزال يعرض نفسه، يستخدم مرة لينه وأخرى بأسه، وهو الشباب الذي لا يهرم، والعامل الصبور الذي لا يسأم، وإنما يعرض بوجه عن الأغبياء، ويولي ظهره الأشقياء، ثم لا ينفك يرحمهم ولا يبرح يتعهدهم، يسفر عليهم محياه، ويرسل إليهم أشعة من سناه، فإذا وافهم وقد وهنت منهم ومرهت عيونهم وحللت ليلهم، واشتد خبلهم، صاح بهم منه صائح ورمحهم من جنده رامح، فقلق بالباطل مكانه وزلزلت من حوله أركانه، وفزع يطلب النصير، وثار يلتمس المجير، فلا يجد إلا أسبابًا تقطعت به، وأعضادًا فت فيها بسبب، وقد رَنَّقَ قومه، وعبس يومه، فيحملق إلى الحق ويأخذ ببصره، ويستنزله بنظره، ولكن خاب الظن، وبطل الفن، ثم لا يلبث، وهو الباطل، أن يتحول عنده اليأس أملًا، ويجد من اليبس بللًا، فيظن، وهو هو، أن الحق ناصره، وأنْ ستقوى به أواصره، فيستنصر بجنده، ويطلب النجدة من عنده، وأقرب ما يكون خصم إلى الهلكة إذا اطمأن إلى عدوه، وأمل الخير في دنوه، هذا شأن الباطل وأهله، معه تقلبه في ملله ونِحَلِه.
يعلم كل ناظر في كتابنا الإلهي، (القرآن)، ما رفع الإسلام من شأن الأنبياء والمرسلين، والمنزلة التي أحلهم من حيث هم حملة الوحي، وقدوة البشر في الفضائل وصالح الأعمال، وتنزيهه إياهم عما رماهم به أعداؤهم وما نسبه إليهم المعتقدون بأديانهم.
ولا يخفى على أحد من أهل النظر في هذا الدين القويم أنه قد قرر عصمة الرسل كافة من الزلل في التبليغ، والزيغ عن الوجهة التي وجه الله وجوههم نحوها من قول أو عمل، وخص خاتمهم محمدًا فوق ذلك بمزايا فصلت في ثنايا الكتاب العزيز.
عصمة الرسل في التبليغ عن الله أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب، وأيدته السنة، وأجمعت عليه الأمة، وما خالف منه بعض الفرق فإنما هو في غير الإخبار عن الله وإبلاغ وحيه في خلقه، ذلك الأصل الذي اعتمدت عليه الأديان حتى لا يرتاب فيه ملِّيٌّ يفهم ما معنى الدين.
مع ذلك لم يعدم الباطل فيه أعوانًا يعملون على هدمه، وتوهين كنهه، أولئك عشاق الروايات وعبدة النقل.
نظروا نظرة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ﴾ - الآية.
وفيما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، من أن "تَمَنَّي" بمعنى قرأ، والأمنية القراءة، فعمي عليهم وجه التأويل الحق، على فرض صحة الرواية عن ابن عباس، فذهبوا يطلبون ما به يصح التأويل في زعمهم، فقُيِّض لهم من يروي في ذلك أحاديث تختلف طرقها، وتتباين ألفاظها وتتفق في أن النبي ، عندما بلغ منه أذى المشركين ما بلغ، وأعرضوا عنه، وجفاه قومه وعشيرته، لعيبه أصنامهم، وزرايته على آلهتم، أخذه الضجر من إعراضهم، ولحرصه على إسلامهم وتهالكه عليه، تمنى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقًا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ وهو في نادي قومه، وروي أنه كان في الصلاة، وذلك التمني أخذ بنفسه فطفق يقرؤها فلما بلغ قوله: ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴾ ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها بأن وسوس له بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط فمدح تلك الأصنام، وذكر أن شفاعتهن تُرْتَجى، فمنهم من قال إنه عندما بلغ ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴾ سها فقال: تلك الغرانيق العلى، إن شفاعتهن لَتُرْتَجى، ومنهم من روى (الغرانقة العلى)، ومنهم من روى إن شفاعتهن ترتجى، بدون ذكر الغرانقة والغرانيق، ومنهم من قال إنه قال: وأنها لمع الغرانيق العلى ومنهم من روى وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي تُرْتَجى، ففرح المشركون بذلك وعندما سجد في آخر السورة سجدوا معه جميعًا.
قال ابن حجر العسقلاني وتعدد الطرق وصحة ثلاثة منها وإن كانت مرسلة يدل على أن للواقعة أصلًا صحيحًا، وهذه الأسانيد الصحيحة -في رأيه- وإن كانت مراسيل يحتج بها من يرى الاحتجاج بالحديث المرسل، بل ومن لا يراه كذلك، لأنها متعددة يعضد بعضها بعضًا..
ولولا خوف التطويل لأتيت بجميع تلك الروايات، ما صح عنده منها وما لم يصح، ولكن لا أرى حاجة إليه في مقالي هذا.
روى ذلك ابن جرير الطبري، وشايعه عليه كثير من المفسرين، وفي طباع الناس إلْفُ الغريب، والتهافت على العجيب، فولعوا بهذه التفاسير واتخذوها عقدة إيمانهم، حتى ظنوا -وبعض الظن إثم- أنْ لا معدل عنها، ولا سبيل في فهم الآية سواها، ونسوا ما رآه جمهور المحققين في تأويلها وذهب إليه الأئمة في بيانها، حتى ثارت ثائرة الشبه هذه الأيام في نفوس كثيرة منهم وهم يزعمون أنهم مسلمون، وأحسوا أن ذلك الضرب من التفسير لا يتفق مع أصل العصمة في التبليغ، وأن فيه من الحجة للعدو ما لا سبيل إلى دفعه، فلجأوا إلى أهل العلم الصحيح يلتمسون منهم بيان المخرج مما سقطوا فيه، وتوهموا أنهم يقررون لهم ما ألفوا، ثم ينقذونهم من الحيرة مع ثباتهم على ما حرفوا، ولكن ضل رأيهم، وخاب ظنهم، وسيقامون على المنهج، ويرون الحق ناصعًا أبلج.
في صحيح البخاري: وقال ابن عباس في ﴿ ِإذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ﴾ ، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، ويحكم الله آياته، ويقال أُمنيته قراءته ﴿ إِلَّا أَمَانِيَّ ﴾ يقرؤون ولا يكتبون.
اهـ.
فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ (يقال) بعدها فسرها بالحديث، رواية عن ابن عباس، وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين فيما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهرة العبارة، ثم حكايته تفسير الأمنية بمعنى القراءة بلفظ (يقال) يفيد أنه غير معتبر عنده (وسيأتي أن المراد بالحديث حديث النفس ).
وقال صاحب الإبريز: إن تفسير تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة مروي عن ابن عباس في نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواها علي بن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد علم ما للناس في ابن أبي صالح كاتب الليث وأن المحققين على تضعيفه..
-هذا ما في الرواية عن ابن عباس، وهي أصل هذه الفتنة وقد رأيت أن المحققين يضعفون راويها.
وأما قصة الغرانيق فمع ما فيها من الاختلاف الذي سبق ذكره جاء في تتميمها أن النبي لم يفطن لما ورد على لسانه، وأن جبريل جاءه بعد ذلك فعرض عليه السورة فلما بلغ المتكلمين قال له: ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك فأنزل الله عليه ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ الآيات -تسلية له كما أنزل لذلك قوله: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾ وفي بعض الروايات: إن حديث الغرانيق فشا في الناس حتى بلغ أرض الحبشة فساء ذلك المسلمين والنبي ، فنزلت ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ الآية.
قال العسقلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد من الأئمة حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة اهـ.
وكفى في إنكار حديث أن يقول فيه ابن إسحاق: إنه من وضع الزنادقة، مع حال ابن إسحاق المعروفة عند المحدثين.
وقال القاضي عياض: إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلفقون من الصحف كل صحيح وسقيم، ثم نقل عن أبي بكر بن العلاء ما يدل على سقم الرواية واضطرب الرواة فيها وما يقضي عليها بالوهن والسقوط عن درجة الاعتبار.
وقال الإمام أبو بكر بن العربي -وكفى به حجة في الرواية والتفسير- إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له.
قال القاضي عياض: والذي ورد في الصحيح أن النبي قرأ: ﴿ وَالنَّجْمِ ﴾ وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس..
وقد يكون ذلك لبلاغة السورة، وشدة قرعها، وعظم وقعها، ثم قال القاضي: قد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ونزاهته عن هذه الرزيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسود عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي أن من القرآن ما ليس منه حتى يفهمه جبريل ، وذلك كله ممتنع في حقه ، أو يقول ذلك النبي من قبل نفسه عمدًا -وذلك كفر- أو سهوًا وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يشبّه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله -لا عمدًا ولا سهوًا- ما ل يُنزل عليه وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴾ .
وقال: ﴿ ِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾ .
(ووجه ثان): وهو استحالة هذه القصة نظرًا وعرفًا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولَما كان النبي ومن بحضرته من المسلمين، وصناديد المشركين، ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه.
(ووجه ثالث): أنه علم من عادة المنافقين، ومعاندة المشركين، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان كذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، قال: ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، وما ورد عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة، فدل على بطلها، واجتثاث أصلها، ولاشك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على بعض مغفلي المُحَدِّثين، ليلبس به على ضعفاء المسلمين.
(ووجه رابع): ذكر الرواة لهذه القصة أن فيها نزلت ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ﴾ الآيتان -هاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه-، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، ولولا أن ثبته لكاد يركن إليهم شيئًا قليلًا، فمضمون هذا ومفهومه أن الله عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا.
وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال: افتريت على الله وقلت ما لم يقل، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟!
وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قال القشيري ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يُقْبِلَ بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كان ليفعل.
قال ابن الأنباري ما قارب الرسول ولا ركن.
انتهى المطلوب من كلام القاضي رحمه الله، وقد أورد بعد ذلك كثيرًا من القول في توهين الرواية وتكذيبها.
أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلة من ثلاث طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها...
إلخ، ما سبق فقد ذهبت عليه -كما قال في الإبريز- أن العصمة في العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أي وجه جاء، وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها.
هذا لو فرض اتصال الحديث، فما ظنك بالمراسيل، وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالرسل وما جاءوا به، فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له.
هذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم فلا يعتد بذكرها في بعض كتب التفسير، وأن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في بطله لا تنفخ في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه.
تفسير الآيات والآن أرجع إلى تفسير الآيات على الوجه الذي تحتمله ألفاظها، وتدل عليه عباراتها والله أعلم.
ولا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ﴾ الآيات -يحكي قَدَرًا قُدِّرّ للمرسلين كافة لا يعدونه، ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عرفت فيهم وفي أممهم.
فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قدس سلط الشيطان عليهم، فخلط في الوحي المنزل إليهم، ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته إلخ.
وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه، واختياراته من خاصة أوليائه، فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده.
ذكر الله لنبيه حالًا من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله، ليبين له سنته فيهم، وذلك بعد أن قال: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ .
إلى آخر الآيات.
ثم قال: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ﴾ إلخ، فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم ثم تبعه الأمر الإلهي بأن يقول النبي لقومه: إنني لم أرسل إليكم إلا لإنذاركم بعاقبة ما أنتم عليه ولأبشر المؤمنين بالنعيم، وأما الذين يسعون في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدى وطرق السعادة ليحولوا عنها الأنظار، ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أقيمت لأجله، ويعاجز بذلك النبي والمؤمنين -أي- يسابقونهم ليعجزوهم ويسكتوهم عن القول وذلك بلعبهم بالألفاظ وتحويلها عن مقصد قائلها -كما يقع عادة من أهل الجدل والمماحكة- هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم، وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتلى به النبي من المعاجزة في الآيات قد ابتلى به الأنبياء السابقون فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف ويضادون أمانيه، ويحولون بينه وبين ما يبتغي بما يلقون في سبيله من العثرات.
فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الانبياء جميعًا يجب أن تفسر الآية وذلك على وجهين: (الأول): أن يكون تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة وهو معنى قد يصح وقد ورد استعمال اللفظ فيه، قال حسان بن ثابت في عثمان : تمنى كتاب الله اول ليله وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر: تمنى كتاب الله أول ليله تَمَنِّيَ داود الزبور على رسل غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه بل على المعنى المفهوم من قولك: "ألقيت في حديث فلان" إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه ولا يكون قد أراده، أو نسبت إليه ما لم يقله، تعللًا بأن ذلك الحديث يؤدي إليه، وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة فالإلقاء بهذا بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال يصح أن ينسب إليه ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا أحدَّث قومه عليهم عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه فيه هدى لهم قام في وجهه شاغبون يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويتقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل، ولا زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق ولا يعتدون بتعجيز المعجزين ولا بهزء المستهزئين، إلى أن يظهر الحق بالمجاهدة وينتصر على الباطل بالمجالدة، فينسخ الله تلك الشبه ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها.
وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها، ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة، فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جلدهم، ثم يتمحص الحق عند الذين أوتو العلم، ويخلص لهم ورود كل شبهة عليه فيعلمون أن الحق من ربك فيصدقون به فتخبت وتطمئن له قلوبهم.
والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقر بالعقل في قرارة اليقين، وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين، وسواء أرجعت الضمير في "أنه الحق" إلى ما جاءت به الآيات المحكمة من الهدي الإلهي أو إلى القرآن، وهو أجلها، فالمعنى من الصحة على ما يراه أهل التمكين.
هؤلاء الذين أوتوا العلم هم الذين آمنوا وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، ولم يجعل للوهم عليهم سلطانًا فيحيد بهم عن ذلك النهج القويم، وأما الذين كفروا وهم ضعفاء العقول ومرضى القلوب، أو أهل العناد وزعماء الباطل، وقساة الطباع الذين لا تلين أفئدتهم، ولا تبش للحق قلوبهم، فأولئك لا يزالون في ريب من الحق أو الكتاب، لا تستقر عقولهم عليه، ولا يرجعون في متصرفات شؤونهم إليه، حتى تأتي ساعة هلاكهم بغتة فيلاقون حسابهم عند ربهم، أو إن أمتد بهم الزمن، ومادهم الأجل، فيصيبهم ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ يوم حرب يسامون فيه سوء عذاب القتل أو الأسر، ويقذفون إلى مطارح الذل وقرارات الشر، فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة، بل يسلبون ما كان لديهم ويساقون ما كان لديهم ويساقون إلى مصارع الهلكة، وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته.
ما أقرب هذه الآيات في معانيها إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ ، وقد قال بعد ذلك: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ ،ثم قال: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ إلخ الآيات.
وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى، فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم فيقولون آمنا به كل من عند ربنا فتخبت له قلوبهم وإن الله ليهديهم إلى صراط مستقيم، وأولئك هم الذين يفتتنون بالتأويل، ويشتغلون بقال وقيل، بما يلقي إليهم الشيطان، ويصرفهم عن مرامي البيان، ويميل بهم عن محجة الفرقان، وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد لن يغني عنهم من الله شيئًا فستوافيهم آجالهم، وتستقبلهم أعمالهم، فإن لم يوافهم الأجل على فراشهم، فيسغلبون في هراشهم، وهذه سنة جميع الأنبياء مع أممهم، وسبيل الحق مع الباطل من يوم رفع الله الانسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه، وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران لا مدخل لها في آيات سورة الحج، هذا هو الوجه الأول في تفسير آيات: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ إلى آخرها على تقدير أن تمنى قرأ وأن الأمنية بمعنى القراءة.
والله أعلم.
(الوجه الثاني في تفسير الآيات): أن التمني على معناه المعروف، وكذلك الأمنية، وهي أفعولة بمعنى المنية وجمعها أماني كما هو مشهور.
قال أبو العباس أحمد بن يحيي: التمني حديث النفس بما يكون وبما لا يكون، قال: والتمني سؤال الرب وفي الحديث: "إذا تمنى أحدكم فليتكثر فإنما يسأل ربه" وفي رواية "فليكثر" وقال ابن الأثيرالتمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون، وقال أبو بكر: تمنيت الشيء إذ قدرته وأحببت أن يصير إلى.
وكل ما قيل في معنى التمني على هذا الوجه فهو يرجع إلى ما ذكرنا ويتبعه معنى الأمنية.
ما أرسل الله من رسول ولا نبي ليدعو قومًا إلى هدى جديد أو شرع سابق شرعه لهم، ويحملهم على التصديق بكتاب جاء به نفسه إن كان رسولًا أو جاء به غيره إن كان نبيًا بعث ليحمل الناس على اتباع من سبقه إلا وله أمنية في قومه وهي أن يتبعوه وينحازوا على ما يدعوهم إليه، ويستشفوا من دائهم بدوائه، ويعصوا أهواءهم بإجابة ندائه، وما من رسول أرسل إلا وقد كان أحرص على إيمان أمته، وتصديقهم برسالته، منه على طعامه الذي يطعم وشرابه الذي يشرب، وسكنه الذي يسكن إليه، ويغدو عنه ويروح عليه، وقد كان نبينا من ذلك في المقام الأعلى، والمكان الأسمى، قال الله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ وقال: ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ، وفي الآيات ما يطول سرده مما يدل على أمانيه المتعلقة بهداية قومه وإخراجهم من ظلمات ما كانوا فيه إلى نور ما جاء به.
وما من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات، ووسوس في صدور الناس، وسلبهم الانتفاع بما وهبوا من قوة العقل والاحساس، فثاروا في وجهه، وصدوه عن قصده، وعاجزوه حتى لقد يعجزونه، وجادلوه بالسلاح والقوة حتى لقد يقهرونه، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها وسهل عليهم إيذاؤه وهو قليل الاتباع، ضعيف الأنصار، ظنوا الحق من جانبهم، وكان فيما القوة من العوائق بينه وبين ما عمد إليه فتنة لهم.
غلبت سنة الله في أن يكون الرسل من أوسط قومهم أو من المستضعفين فيهم، ليكون العامل في الإذعان بالحق محض الدليل وقوة البرهان، وليكون الاختيار المطلق هو الحامل لمن يدعى إليه على قبوله ولكيلا يشارك الحق الباطل في وسائله، أو يشاركه في نصب شراكه وحبائله، أنصار الباطل في كل زمان هم أهل الانفة والقوة والجاه والاعتزاز بالأموال والأولاد والعشيرة والأعوان والغرور بالزخارف، والزهو بكثرة المعارف، وتلك الخصال إنما تجتمع كلها أو بعضها في الرؤساء وذوي المكانة من الناس فتذهلهم عن أنفسهم، وتصرف نظرهم عن سبيل رشدهم، فإذا دعا إلى الحق داع عرفته القلوب النقية من أوضار هذه الفواتن، وفزعت إليه النفوس الصافية والعقول المستعدة لقبوله بخلوصها من هذه الشواغل، وقلما توجد إلا عند الضعفاء وأهل المسكنة فإذا التف هؤلاء حول الداعي وظاهروه على دعوته قام أولئك المغرورون يقولون: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾ ، فإذا استدرجهم الله على سنته وجعل الجدال بينهم وبين المؤمنين سجالًا افتتن الذين في قلوبهم مرض من أشياعهم، وافتتنوا بما أصابوا من الظفر في دفاعهم، ولكن الله غالب على أمره فيمحق ما ألقاه الشيطان من هذه الشبهات ويرفع هذه الموانع وتلك العقبات، ويهب السلطان لآياته فيحكمها، ويثبت دعائمها، وينشئ من ضعف أنصارها قوة، ويخلف لهم في ذاتهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الشيطان هي السفلى، ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ .
وفي حكاية هذه السنة الإلهية التي أقام عليها الأنبياء والمرسلين، تسلية لنبينا عما كان يلاقي من قومه ووعد له بأن سيكمل له دينه، ويتم عليه وعلى المؤمنين نعمته، مع التفاتهم إلى سيرة من سبقهم، ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ - ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ ، هذا هو التأويل الثاني في معنى الآية ويدل عليه ما سبق من الآيات ويرشد إليه سياق القصص السابق في قوله: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ إلخ، وأنت ترى أن قصة الغرانيق لا تتفق مع هذا المعنى الصحيح.
وهناك تأويل ثالث ذكره صاحب الإبريز وإني أنقله بحروفه، وما هو بالبعيد عن هذا بكثير، بعد ذكر أماني الأنبياء في أممهم، وطعمهم في إيمانهم، وشأن نبينا في ذلك على نحو يقرب مما ذكرنا في الوجه الثاني: "ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كَفَرَ ﴾ ، فأما من كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضًا لا يخلو أيضًا من وساوس لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة وبحسب المتعلقات.
إذا تقرر هذا فمعنى تمنى أنه يتمنى لهم الإيمان ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به، فخرج من هذا: أن الوساوس تلقى أولًا في قلوب الفريقين معًا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين، وتدوم على الكافرين.
وأنت إذا نظرت بين هذا التفسير وبين ما سبقه تتبين الأحق بالترجيح.
لو صح ما قاله نقله قصة الغرانيق لارتفعت الثقة بالوحي وانتفض الاعتماد عليه، كما قال القاضي البيضاوي وغيره، ولكان الكلام في الناسخ كالكلام في المنسوخ يجوز أن يلقي فيه الشيطان ما يشاء، ولا نهدم أعظم ركن للشرائع الإلهية وهو العصمة، وما يقال في المخرج عن ذلك ينفر منه الذوق ولا ينظر إليه العقل، على أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق العلى لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريًا على ألسنتهم إلا ما جاء في معجم ياقوت غير مسند ولا معروف بطريق صحيح وهذا يدل على أن القصة من اختراع الزنادقة كما قال ابن اسحق، وربما كانت منشأ ما أورده ياقوت، ولا يخفى أن الغرنوق والغرنيق لم يعرف في اللغة إلا اسمًا لطائر مائي أسود أو أبيض، أو هو اسم الكركي أو طائر يشبهه.
والغرنيق (بالضم وكزنبور وقنديل وسموأل وفردوس وقرطاس وعلابط) معناه الشاب الأبيض الجميل وتسمى الخصلة من الشعر المفتلة "الغرنوق" كما يسمى به ضرب من الشجر.
ويطلق الغرنوق والغرانق على ما يكون في أصل العوسج اللين النبات ويقال لمة غرانقة وغرانقية أي ناعمة تفيئها الريح، أو الغرنوق الناعم المستتر من النبات إلخ ولا شيء في هذه المعاني يلائم الآلهة والأصنام حتى يطلق عليها في فصيح القول الذي يعرض على ملوك البلاغة وأمراء الكلام.
فلا أظنك تعتقد إلا أنها من مفتريات الأعاجم ومختلفات الملبسين ممن لا يميز بين حر الكلام، وما استبعد من الضعفاء الأحلام، فراج ذلك على من يذهله الولوع بالرواية، عما تقضيه الدراية ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ .