الآية ٧٧ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٧٧ من سورة الحج

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ ٧٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 105 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٧ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٧ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اختلف الأئمة ، رحمهم الله ، في هذه السجدة الثانية من سورة الحج : هل هي مشروع السجود فيها أم لا؟

على قولين .

وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فضلت سورة الحج بسجدتين ، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله (ارْكَعُوا) لله في &; 18-688 &; صلاتكم (واسْجُدُوا) له فيها( وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ) يقول: وذلوا لربكم, واخضعوا له بالطاعة, الذي أمركم ربكم بفعله ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) يقول: لتفلحوا بذلك, فتدركوا به طَلباتكم عند ربكم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحونقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا تقدم في أول السورة أنها فضلت بسجدتين ؛ وهذه السجدة الثانية لم يرها مالك ، وأبو حنيفة من العزائم ؛ لأنه قرن الركوع بالسجود ، وأن المراد بها الصلاة المفروضة ؛ وخص الركوع والسجود تشريفا للصلاة .

وقد مضى القول في الركوع والسجود مبينا في ( البقرة ) والحمد لله وحده .قوله تعالى : واعبدوا ربكم أي امتثلوا أمره .

وافعلوا الخير ندب فيما عدا الواجبات التي صح وجوبها من غير هذا الموضع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى، عباده المؤمنين بالصلاة، وخص منها الركوع والسجود، لفضلهما وركنيتهما، وعبادته التي هي قرة العيون، وسلوة القلب المحزون، وأن ربوبيته وإحسانه على العباد، يقتضي منهم أن يخلصوا له العبادة، ويأمرهم بفعل الخير عموما.

وعلق تعالى الفلاح على هذه الأمور فقال: { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي: تفوزون بالمطلوب المرغوب، وتنجون من المكروه المرهوب، فلا طريق للفلاح سوى الإخلاص في عبادة الخالق، والسعي في نفع عبيده، فمن وفق لذلك، فله القدح المعلى، من السعادة والنجاح والفلاح.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا ) أي : صلوا ، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود ، ( واعبدوا ربكم ) وحده ، ( وافعلوا الخير ) قال ابن عباس صلة الرحم ومكارم الأخلاق ، ( لعلكم تفلحون ) لكي تسعدوا وتفوزوا بالجنة .

واختلف أهل العلم في سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية .

فذهب قوم إلى أنه يسجد عندها ، وهو قول عمر ، وعلي ، وابن عمر ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وبه قال ابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .

واحتجوا بما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، أخبرنا أبو عيسى الترمذي ، أخبرنا قتيبة ، أخبرنا ابن لهيعة ، عن مشرح بن هاعان ، عن عقبة بن عامر قال : قلت يا رسول الله : فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين؟

قال " نعم ، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما " .

وذهب قوم إلى أنه لا يسجد هاهنا ، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي .

وعدة سجود القرآن أربعة عشر عند أكثر أهل العلم ، منها ثلاث في المفصل .

وذهب قوم إلى أنه ليس في المفصل سجود .

روي ذلك عن أبي بن كعب ، وابن عباس ، وبه قال مالك .

وقد صح عن أبي هريرة قال : سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : في " اقرأ " و " إذا السماء انشقت " وأبو هريرة من متأخري الإسلام .

واختلفوا في سجود " صاد " ، فذهب الشافعي : إلى أنه سجود شكر ليس من عزائم السجود ، ويروى ذلك عن ابن عباس وذهب قوم إلى أنه يسجد فيها ، روي ذلك عن عمر ، وبه قال سفيان الثوري ، وابن المبارك ، وأصحاب الرأي ، وأحمد ، وإسحاق ، فعند ابن المبارك ، وإسحاق ، وأحمد ، وجماعة : سجود القرآن خمسة عشرة سجدة ، فعدوا سجدتي الحج وسجدة ص ، وروي عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا» أي صلوا «واعبدوا ربكم» وحدوه «وافعلوا الخير» كصلة الرحم ومكارم الأخلاق «لعلكم تفلحون» تفوزون بالبقاء في الجنة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم اركعوا واسجدوا في صلاتكم، واعبدوا ربكم وحده لا شريك له، وافعلوا الخير؛ لتفلحوا، وجاهدوا أنفسكم، وقوموا قيامًا تامًّا بأمر الله، وادعوا الخلق إلى سبيله، وجاهدوا بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، مخلصين فيه النية لله عز وجل، مسلمين له قلوبكم وجوارحكم، هو اصطفاكم لحمل هذا الدين، وقد منَّ عليكم بأن جعل شريعتكم سمحة، ليس فيها تضييق ولا تشديد في تكاليفها وأحكامها، كما كان في بعض الأمم قبلكم، هذه الملة السمحة هي ملة أبيكم إبراهيم، وقد سَمَّاكم الله المسلمين مِن قبلُ في الكتب المنزلة السابقة، وفي هذا القرآن، وقد اختصَّكم بهذا الاختيار؛ ليكون خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم شاهدًا عليكم بأنه بلَّغكم رسالة ربه، وتكونوا شهداء على الأمم أن رسلهم قد بلَّغتهم بما أخبركم الله به في كتابه، فعليكم أن تعرفوا لهذه النعمة قدرها، فتشكروها، وتحافظوا على معالم دين الله بأداء الصلاة بأركانها وشروطها، وإخراج الزكاة المفروضة، وأن تلجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى، وتتوكلوا عليه، فهو نِعْمَ المولى لمن تولاه، ونعم النصير لمن استنصره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه - سبحانه - فى نهاية السورة نداء إلى عبادة المؤمنين ، أمرهم فيه بالمداومة على طاعته ، وبالإخلاص فى عبادته ، وبالجهاد فى سبيله ، وبالاعتصام بحبله ، فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ اركعوا .

.

.

) .والمراد بالركوع والسجود هنا : الصلاة ، وعبر عنها بهما ، لأنهما أهم أركانها ، وناداهم - سبحانه - بصفة الإيمان ، لحضهم على الامتثال لما أمروا به .أى : يا من آمنتم بالله - تعالى - وبملائكته وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر حافظوا على أداء الصلاة فى مواقيتها بخشوع وإخلاص ، لأن هذه الصلاة من شأنها أن تنهاكم عن الفحشاء والمنكر ، وأن ترفع درجاتكم عند خالقكم .وقوله - تعالى - : ( وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ ) أى : واعبدوا ربكم الذى تولاكم برعايته وتربيته فى كل مراحل حياتكم ، عبادة خالصة لوجهه الكريم .وقوله : ( وافعلوا الخير ) تعميم بعد التخصيص ، إذ فعل الخير يشمل كل قول وعمل يرضى الله - تعالى - : كإنفاق المال فى وجوه البر ، وكصلة الرحم والإحسان إلى الجار وكغير ذلك من الأفعال التى حضت عليها تعاليم الإسلام .وقوله - تعالى - : ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) تذييل قصد به التحريض على امتثال ما أمره الله - تعالى - به ، والفلاح : الظفر بالمطلوب .أى : أدوا الصلاة بخشوع ومواظبة ، واعبدوا ربكم عبادة خالصة ، وافعلوا الخير الذى يقربكم من خالقكم ، لكى تنالوا رضاه وثوابه - عز وجل - .فكلمة " لعل " للتعليل ، ويصح أن تكون على معناها الحقيقى وهو الرجاء ، ولكن على تقدير صدوره من العباد فيكون المعنى : وافعلوا الخير حالة كونكم راجين الفلاح ، ومتوقعين الفوز والنجاح .والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها أنها قد جمعت أنواع التكاليف الشرعية ، وأحاطت بها من كل جوانبها .قال الآلوسى ما ملخصه : وهذه الآية آية سجدة عند الشافعة وأحمد ، لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود ، ولحديث عقبة بن عامر قال : قلت يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟

قال : نعم فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما .وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها ليست آية سجدة .

لأنها مقرونة بالأمر بالركوع ، والمعهود فى مثله من القرآن ، كونه أمرا بما هو ركن للصلاة ، كما فى قوله - تعالى - : ( يامريم اقنتي لِرَبِّكِ واسجدي واركعي مَعَ الراكعين ) وما روى من حديث عقبة إسناده ليس بالقوى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما تكلم في الإلهيات ثم في النبوات أتبعه بالكلام في الشرائع وهو من أربع أوجه أولها: تعيين المأمور.

وثانيها: أقسام المأمور به.

وثالثها: ذكر ما يوجب قبول تلك الأوامر.

ورابعها: تأكيد ذلك التكليف.

أما النوع الأول: وهو تعيين المأمور فهو قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وفيه قولان: أحدهما: المراد منه كل المكلفين سواء كان مؤمناً أو كافراً، لأن التكليف بهذه الأشياء عام في كل المكلفين فلا معنى لتخصيص المؤمنين بذلك والثاني: أن المراد بذلك المؤمنون فقط أما أولاً: فلأن اللفظ صريح فيه، وأما ثانياً: فلأن قوله بعد ذلك ﴿ هُوَ اجتباكم ﴾ وقوله: ﴿ هُوَ سماكم المسلمين ﴾ وقوله: ﴿ وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ كل ذلك لا يليق إلا بالمؤمنين.

أقصى ما في الباب أن يقال لما كان ذلك واجباً على الكل فأي فائدة في تخصيص المؤمنين؟

لكنا نقول تخصيصهم بالذكر لا يدل على نفي ذلك عما عداهم بل قد دلت هذه الآية على كونهم على التخصيص مأمورين بهذه الأشياء ودلت سائر الآيات على كون الكل مأمورين بها.

ويمكن أن يقال فائدة التخصيص أنه لما جاء الخطاب العام مرة بعد أخرى ثم إنه ما قبله إلا المؤمنون خصهم الله تعالى بهذا الخطاب ليكون ذلك كالتحريض لهم على المواظبة على قبوله وكالتشريف لهم في ذلك الإقرار والتخصيص.

أما النوع الثاني: وهو المأمور به فقد ذكر الله أموراً أربعة: الأول: الصلاة وهو المراد من قوله: ﴿ اركعوا واسجدوا ﴾ وذلك لأن أشرف أركان الصلاة هو الركوع والسجود والصلاة هي المختصة بهذين الركنين فكان ذكرهما جارياً مجرى ذكر الصلاة وذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس في أول إسلامهم كانوا يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية الثاني: قوله: ﴿ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ ﴾ وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: اعبدوه ولا تعبدوا غيره.

وثانيها: واعبدوا ربكم في سائر المأمورات والمنهيات.

وثالثها: افعلوا الركوع والسجود وسائر الطاعات على وجه العبادة لأنه لا يكفي أن يفعل فإنه ما لم يقصد به عبادة الله تعالى لا ينفع في باب الثواب فلذلك عطف هذه الجملة على الركوع والسجود الثالث: قوله تعالى: ﴿ وافعلوا الخير ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد به صلة الرحم ومكارم الأخلاق والوجه عندي في هذا الترتيب أن الصلاة نوع من أنواع العبادة والعبادة نوع من أنواع فعل الخير، لأن فعل الخير ينقسم إلى خدمة المعبود الذي هو عبارة عن التعظيم لأمر الله وإلى الإحسان الذي هو عبارة عن الشفقة على خلق الله ويدخل فيه البر والمعروف والصدقة على الفقراء وحسن القول للناس فكأنه سبحانه قال كلفتكم بالصلاة بل كلفتكم بما هو أعم منها وهو العبادة بل كلفتكم بما هو أعم من العبادة وهو فعل الخيرات.

أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ فقيل معناه لتفلحوا، والفلاح الظفر بنعيم الآخرة، وقال الإمام أبو القاسم الأنصاري لعل كلمة للترجية فإن الإنسان قلما يخلو في أداء الفريضة من تقصير وليس هو على يقين من أن الذي أتي به هل هو مقبول عند الله تعالى والعواقب أيضاً مستورة وكل ميسر لما خلق له الرابع: قوله تعالى: ﴿ وجاهدوا فِي الله حَقَّ جهاده ﴾ قال صاحب الكشاف ﴿ فِى الله ﴾ أي في ذات الله، ومن أجله.

يقال هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقاً وجداً ومنه ﴿ حَقَّ جهاده ﴾ وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال: ﴿ وجاهدوا فِي الله حَقَّ جهاده ﴾ ؟

والجواب: الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد مختصاً بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت الإضافة إليه.

السؤال الثاني: ما هذا الجهاد؟

الجواب: فيه وجوه: أحدها: أن المراد قتال الكفار خاصة، ومعنى ﴿ حَقَّ جهاده ﴾ أن لا يفعل إلا عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الإسم أو الغنيمة والثاني: أن يجاهدوا آخراً كما جاهدوا أولاً فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ ﴿ وجاهدوا فِي الله حَقَّ جهاده ﴾ في آخر الزمان كما جاهدتموه في أوله، فقال عبد الرحمن ومتى ذاك يا أمير المؤمنين؟

قال إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء، واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن وإلا لنقل كنقل نظائره، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ: وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة.

فقال عمر من الذي أمرنا بجهاده؟

فقال قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس، فقال صدقت والثالث: قال ابن عباس: حق جهاده، لا تخافوا في الله لومة لائم والرابع: قال الضحاك: واعملوا لله حق عمله والخامس: استفرغوا وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حقوقه بالحرب باليد واللسان وجميع ما يمكن وردوا أنفسكم عن الهوى والميل والوجه السادس: قال عبدالله ابن المبارك: حق جهاده، مجاهدة النفس والهوى.

ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» والأولى أن يحمل ذلك على كل التكاليف، فكل ما أمر به ونهى عنه فالمحافظة عليه جهاد.

السؤال الثالث: هل يصح ما نقل عن مقاتل والكلبي أن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿ فاتقوا الله مَا استطعتم  ﴾ كما أن قوله: ﴿ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ منسوخ بذلك؟

الجواب: هذا بعيد لأن التكليف مشروط بالقدرة لقوله تعالى: ﴿ لاَ يُكَلّفُ الِلَّهِ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا  ﴾ فكيف يقول الله وجاهدوا في الله على وجه لا تقدرون عليه، وكيف وقد كان الجهاد في الأول مضيقاً حتى لا يصح أن يفر الواحد من عشرة، ثم خففه الله بقوله: ﴿ الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ  ﴾ أفيجوز مع ذلك أن يوجبه على وجه لا يطاق حتى يقال إنه منسوخ.

النوع الثالث: بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر وهو ثلاثة: الأول: قوله: ﴿ هُوَ اجتباكم ﴾ ومعناه أن التكليف تشريف من الله تعالى للعبد، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته، فأي رتبة أعلى من هذا، وأي سعادة فوق هذا، ويحتمل في اجتباكم خصكم بالهداية والمعونة والتيسير.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ فهو كالجواب عن سؤال يذكر وهو أن التكليف وإن كان تشريفاً واجباً كما ذكرتم لكنه شاق شديد على النفس؟

فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ روي أن أبا هريرة رضي الله عنه قال كيف قال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة؟

فقال ابن عباس رضي الله عنهما: بلى ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما الحرج في أصل اللغة؟

الجواب: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لبعض هذيل ما تعدون الحرج فيكم؟

قال الضيق، وعن عائشة رضي الله عنها: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الضيق».

السؤال الثاني: ما المراد من الحرج في الآية؟

الجواب: قيل هو الإتيان بالرخص، فمن لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً ومن لم يستطع ذلك فليؤم، وأباح للصائح الفطر في السفر والقصر فيه.

وأيضاً فإنه سبحانه لم يبتل عبده بشيء من الذنوب إلا وجعل له مخرجاً منها إما بالتوبة أو بالكفارة، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه من جاءته رخصة فرغب عنها كلف يوم القيامة أن يحمل ثقل تنين حتى يقضي بين الناس وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتمع أمران فأحبهما إلى الله تعالى أيسرهما» وعن كعب: أعطى الله هذه الأمة ثلاثاً لم يعطهم إلا للأنبياء: جعلهم شهداء على الناس، وما جعل عليهم في الدين من حرج، وقال أدعوني أستجب لكم.

السؤال الثالث: استدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من تكليف مالا يطاق، فقالوا: لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي ثم نهاه عنهما كان ذلك من أعظم الحرج وذلك منفي بصريح هذا النص والجواب: لما أمره بترك الكفر وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلاً فقد أمر الله المكلف بقلب علم الله جهلاً وذلك من أعظم الحرج، ولما استوى القدمان زال السؤال.

الموجب الثاني: لقبول التكليف قوله: ﴿ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ ﴾ وفي نصب الملة وجهان: أحدهما: وهو قول الفراء أنها منصوبة بمضمون ما تقدمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والثاني: أن يكون منصوباً على المدح والتعظيم أي أعني بالدين ملة أبيكم إبراهيم، واعلم أن المقصود من ذكره التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

والعرب كانوا محبين لإبراهيم عليه السلام لأنهم من أولاده، فكان التنبيه على ذلك كالسبب لصيروتهم منقادين لقبول هذا الدين وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: لم قال: ﴿ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم ﴾ ولم يدخل في الخطاب المؤمنون الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن من ولده؟

والجواب: من وجهين: أحدهما: لما كان أكثرهم من ولده كالرسول ورهطه وجميع العرب جاز ذلك وثانيهما: وهو قول الحسن أن الله تعالى جعل حرمة إبراهيم عليه السلام على المسلمين كحرمة الوالد على ولده، ومنه قوله تعالى: ﴿ النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ  ﴾ فجعل حرمته كحرمة الوالد على الولد، وحرمة نسائه كحرمة الوالدة على ما قال تعالى: ﴿ وأزواجه أمهاتهم  ﴾ .

السؤال الثاني: هذا يقتضي أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم عليهما السلام سواء، فيكون الرسول ليس له شرع مخصوص ويؤكده قوله تعالى: ﴿ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم  ﴾ ، الجواب: هذا الكلام إنما وقع مع عبدة الأوثان، فكأنه تعالى قال: عبادة الله وترك الأوثان هي ملة إبراهيم فأما تفاصيل الشرائع فلا تعلق لها بهذا الموضع.

السؤال الثالث: ما معنى قوله تعالى: ﴿ هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ ﴾ ؟

الجواب: فيه قولان: أحدهما: أن الكناية راجعة إلى إبراهيم عليه السلام، فإن لكل نبي دعوة مستجابة وهو قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿ رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ  ﴾ فاستجاب الله تعالى له فجعلها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وروي أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الله تعالى سيبعث محمداً بمثل ملته وأنه ستسمى أمته بالمسلمين والثاني: أن الكناية راجعة إلى الله تعالى في قوله: ﴿ هُوَ اجتباكم ﴾ فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن الله سماكم المسلمين من قبل أي في كل الكتب، وفي هذا أي في القرآن.

وهذا الوجه أقرب لأنه تعالى قال: ﴿ لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ فبين أنه سماهم بذلك لهذا الغرض وهذا لا يليق إلا بالله، ويدل عليه أيضاً قراءة أبي بن كعب ﴿ الله سماكم ﴾ والمعنى أنه سبحانه في سائر الكتب المتقدمة على القرآن، وفي القرآن أيضاً بين فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم، لأجل الشهادة المذكورة.

فلما خصكم الله بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه.

وهذا هو العلة الثالثة: الموجبة لقبول التكليف، وأما الكلام في أنه كيف يكون الرسول شهيداً علينا، وكيف تكون أمته شهداء على الناس؟

فقد تقدم في سورة البقرة، وبينا أنه أخذ منه ما يدل على أن الإجماع حجة.

النوع الرابع: شرح ما يجري مجرى المؤكد لما مضى، وهو قوله: ﴿ فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ ويجب صرفها إلى المفروضات لأنها هي المعهودة ﴿ واعتصموا بالله ﴾ أي بدلائله العقلية والسمعية وألطافه وعصمته، قال ابن عباس: سلوا الله العصمة عن كل المحرمات وقال القفال: اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون هو مولاكم وسيدكم المتصرف فيكم فنم المولى ونعم البصير، فكأنه سبحانه قال أنا مولاك بل أنا ناصرك وحسبك، واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآيات من وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ يدل على أنه سبحانه أراد الإيمان من الكل، لأنه تعالى لا يجعل الشهيد على عباده إلا من كان عدلاً مرضياً، فإذا أراد أن تكونوا شهداء على الناس فقد أراد تكونوا جميعاً صالحين عدولاً، وقد علمنا أن منهم فاسقاً، فدل ذلك على أن الله تعالى أراد من الفسق كونه عدلاً.

وثانيها: قوله: ﴿ واعتصموا بالله ﴾ وكيف يمكن الاعتصام به مع أن الشر لا يوجد إلا منه؟.

وثالثها: قوله: ﴿ فَنِعْمَ المولى ﴾ لأنه لو كان كما يقوله أهل السنة من أنه خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم لما كان نعم المولى، بل كان لا يوجد من شرار الموالي أحد إلا وهو شر منه.

فكان يجب أن يوصف بأنه بئس المولى وذلك باطل فدل على أنه سبحانه ما أراد من جميعهم إلا الصلاح.

فإن قيل لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين خاصة كما أنه نعم النصير لهم خاصة؟

قلنا إنه تعالى مولى المؤمنين والكافرين جميعاً فيجب أن يقال إنه نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى للكافرين.

فإن ارتكبوا ذلك فقد ردوا القرآن والإجماع وصرحوا بشتم الله تعالى.

ورابعها: أن قوله: ﴿ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ ﴾ يدل على إثبات الأسماء الشرعية وأنها من قبل الله تعالى لأنها لو كانت لغة لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص.

والجواب: عن الأول وهو قوله كونه تعالى مريداً لكونه شاهداً يستلزم كونه مريداً لكونه عدلاً، فنقول: إن كانت إرادة الشيء مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكافر توجب أن تكون مستلزمة لإرادة جهل الله تعالى فيلزم كونه تعالى مريداً لجهل نفسه.

وإن لم يكن ذلك واجباً سقط الكلام.

وأما قوله: ﴿ واعتصموا بالله ﴾ فيقال هذا أيضاً وارد عليكم فإنه سبحانه خلق الشهوة في قلب الفاسق وأكدها وخلق المشتهي وقربه منه ورفع المانع ثم سلط عليه الشياطين من الإنس والجن وعلم أنه لا محالة يقع في الفجور والضلال، وفي الشاهد كل من فعل ذلك فإنه يكون بئس المولى، فإن صح قياس الغائب على الشاهد فهذا لازم عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

للذكر شأن ليس لغيره من الطاعات.

وفي هذه السورة دلالات على ذلك، فمن ثمة دعا المؤمنين أولاً إلى الصلاة التي هي ذكر خالص، ثم إلى العبادة بغير الصلاة كالصوم والحجّ والغزو، ثم عمّ بالحثّ على سائر الخيرات.

وقيل: كان الناس أوّل ما أسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود.

وقيل: معنى: ﴿ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ ﴾ اقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله.

وعن ابن عباس في قوله: ﴿ وافعلوا الخير ﴾ صلة الأرحام ومكارم الأخلاق ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي افعلوا هذا كله وأنتم راجون للفلاح طامعون فيه، غير مستيقنين ولا تتكلوا على أعمالكم، وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله في سورة الحجّ سجدتان؟

قال: «نعم، إن لم تسجدهما فلا تقرأهما» وعن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما فضلت سورة الحج بسجدتين.

وبذلك احتجّ الشافعي رضي الله عنه، فرأى سجدتين في سورة الحجّ، وأبو حنيفة وأصحابه رضي لله عنهم لا يرون فيها إلا سجدة واحدة، لأنهم يقولون: قرن السجود بالركوع، فدلّ ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا ﴾ في صَلاتِكم، أمَرَهم بِهِما لِأنَّهم ما كانُوا يَفْعَلُونَها أوَّلَ الإسْلامِ، أوْ صَلُّوا وعَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِهِما لِأنَّهُما أعْظَمُ أرْكانِها، أوِ اخْضَعُوا لِلَّهِ وخُرُّوا لَهُ سُجَّدًا.

﴿ واعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾ بِسائِرِ ما تَعَبَّدَكم بِهِ.

﴿ وافْعَلُوا الخَيْرَ ﴾ وتَحَرَّوْا ما هو خَيْرٌ وأصْلَحُ فِيما تَأْتُونَ وتَذْرُوَنَ كَنَوافِلِ الطّاعاتِ وصِلَةِ الأرْحامِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ.

﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ أيِ افْعَلُوا هَذِهِ كُلَّها وأنْتُمْ راجُونَ الفَلّاحَ غَيْرُ مُتَيَقِّنِينَ لَهُ واثِقِينَ عَلى أعْمالِكم، والآيَةُ آيَةُ سَجْدَةٍ عِنْدِنا لِظاهِرِ ما فِيها مِنَ الأمْرِ بِالسُّجُودِ ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ مَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْها» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} في صلاتكم وكان أول ما أسلموا يصلون بلا ركوع وسجود فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود وفيه دليل على أن الأعمال ليست من الإيمان وأن هذه السجدة للصلاة لا للتلاوة {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} واقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله لا الصنم {وافعلوا الخير} قيل لما كان للذكر مزية على غيره من الطاعات دعا المؤمنين أولاً إلى الصلاة التي هي ذكر خالص لقوله تعالى وأقم الصلاة لذكرى ثم إلى العبادة بغير الصلاة كالصوم والحج وغيرهما ثم عم الحث على سائر الخيرات وقيل أريد به صلة الأرحام ومكارم الأخلاق {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي كي تفوزوا وافعلوا هذا كله وأنتم راجون للفلاح غير مستيقنين ولا تتكلوا على أعمالكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا ﴾ أيْ صَلُّوا وعَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِهِما لِأنَّهُما أعْظَمُ أرْكانِها وأفْضَلُها والمُرادُ أنَّ مَجْمُوعَهُما كَذَلِكَ وهو لا يُنافِي تَفْضِيلَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ ولا تَفْضِيلَ القِيامِ أوِ السُّجُودِ عَلى كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ الأرْكانِ، وقِيلَ: المَعْنى اخْضَعُوا لِلَّهِ تَعالى وخُرُّوا لَهُ سُجَّدًا، وقِيلَ: المُرادُ الأمْرُ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ بِمَعْناهُما الشَّرْعِيِّ في الصَّلاةِ فَإنَّهم كانُوا في أوَّلِ إسْلامِهِمْ يَرْكَعُونَ في صَلاتِهِمْ بِلا سُجُودٍ تارَةً ويَسْجُدُونَ بِلا رُكُوعٍ أُخْرى فَأُمِرُوا بِفِعْلِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا فِيما حَكاهُ في البَحْرِ ولَمْ نَرَهُ في أثَرٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وتَوَقَّفَ فِيهِ صاحِبُ المَواهِبِ وذَكَرَهُ الفَرّاءُ بِلا سَنَدٍ ﴿ واعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾ بِسائِرِ ما تَعَبَّدَكم سُبْحانَهُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَرْكُ المُتَعَلَّقُ وقِيلَ: المُرادُ أمْرُهم بِأداءِ الفَرائِضِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وافْعَلُوا الخَيْرَ ﴾ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ أوْ مَخْصُوصٌ بِالنَّوافِلِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ أمَرَ بِصِلَةِ الأرْحامِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أيِ افْعَلُوا كُلَّ ذَلِكَ وأنْتُمْ راجُونَ بِهِ الفَلاحَ غَيْرَ مُتَيَقِّنِينَ بِهِ واثِقِينَ بِأعْمالِكم، والآيَةُ آيَةُ سَجْدَةٍ عِنْدَ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وابْنِ المُبارَكِ وإسْحاقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لِظاهِرِ ما فِيها مِنَ الأمْرِ بِالسُّجُودِ ولِما تَقَدَّمَ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ؟

قالَ: نَعَمْ فَمَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما»، وبِذَلِكَ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعُمَرُ وابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وعُثْمانُ وأبُو الدَّرْداءِ وأبُو مُوسى وابْنُ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ والحَسَنُ وابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ جُبَيْرٍ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إلى أنَّها لَيْسَتْ آيَةَ سَجْدَةٍ، قالَ ابْنُ الهُمامُ: لِأنَّها مَقْرُونَةٌ بِالأمْرِ بِالرُّكُوعِ والمَعْهُودُ في مِثْلِهِ مِنَ القُرْآنِ كَوْنُهُ أمْرًا بِما هو رُكْنٌ لِلصَّلاةِ بِالِاسْتِقْراءِ نَحْوَ ( ﴿ اسْجُدِي وارْكَعِي ﴾ ) [آلَ عِمْرانَ: 43] وإذا جاءَ الِاحْتِمالُ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، وما رُوِيَ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ قالَ التِّرْمِذِيُّ: إسْنادُهُ لَيْسَ بِالقَوِيِّ وكَذا قالَ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ انْتَهى.

وانْتَصَرَ الطَّيِّبِيُّ لِإمامِهِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: الرُّكُوعُ مَجازٌ عَنِ الصَّلاةِ لِاخْتِصاصِهِ بِها وأمّا السُّجُودُ فَلَمّا لَمْ يَخْتَصَّ حُمِلَ عَلى الحَقِيقَةِ لِعُمُومِ الفائِدَةِ ولِأنَّ العُدُولَ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ صارِفٍ أوْ نُكْتَةٍ غَيْرُ جائِزٍ والمُقارَنَةُ لا تُوجِبُ ذَلِكَ، وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ لِلْقائِلِ أنْ يَقُولَ: المُقارَنَةُ تَحْسُنُ، وتَوافُقُ الأمْرَيْنِ في الفَرْضِيَّةِ أوِ الإيجابِ عَلى المَذْهَبَيْنِ مِنَ المُقْتَضَياتِ أيْضًا، ثُمَّ رَجَعَ إلى الِانْتِصارِ فَقالَ: الحَقُّ أنَّ السُّجُودَ حَيْثُ ثَبَتَ لَيْسَ مِن مُقْتَضى خُصُوصِ تِلْكَ الآيَةِ لِأنَّ دَلالَةَ الآيَةِ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِحالِ التِّلاوَةِ، بَلْ إنَّما ذَلِكَ بِفِعْلِ الرَّسُولِ  أوْ قَوْلِهِ فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ الآيَةِ دالَّةً عَلى فَرْضِيَّةِ سُجُودِ الصَّلاةِ ومَعَ ذَلِكَ تُشْرَعُ السَّجْدَةُ عِنْدَ تِلاوَتِها لِما ثَبَتَ مِنَ الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ، وفِيهِ أنَّهُ إنْ أرادَ أنَّ ما ثَبَتَ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ عَلى مَشْرُوعِيَّتِها مِن غَيْرِ مَدْخَلٍ لِلْآيَةِ فَذَلِكَ عَلى ما فِيهِ مِمّا لَمْ يَقُلْهُ الشّافِعِيُّ ولا غَيْرُهُ، وإنْ أرادَ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَما تَدُلُّ عَلى فَرْضِيَّةِ سُجُودِ الصَّلاةِ وما ثَبَتَ كاشِفٌ عَنْ تِلْكَ الدَّلالَةِ فَذَلِكَ قَوْلٌ بِخَفاءِ تِلْكَ الدَّلالَةِ والتِزامُ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ الشّامِلِ لِما كانَ عَلى سَبِيلِ الإيجابِ كَما في طَلَبِ سُجُودِ الصَّلاةِ ولِما كانَ عَلى سَبِيلِ النَّدْبِ كَما في طَلَبِ سُجُودِ التِّلاوَةِ فَإنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولَعَلَّهُ يَتَعَيَّنُ عِنْدَهُ ذَلِكَ ولا مَحْذُورَ فِيهِ بَلْ لا مَعْدِلَ عَنْهُ إنْ صَحَّ الحَدِيثُ لَكِنْ قَدْ سَمِعْتُ آنِفًا ما قِيلَ فِيهِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّهُ قَدْ قَوِيَ بِما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقْرَأهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً في القُرْآنِ مِنها ثَلاثٌ في المُفَصَّلِ» .

وفِي سُورَةِ الحَجِّ سَجْدَتانِ وبِعَمَلِ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ الظّاهِرُ في كَوْنِهِ عَنْ سَماعٍ مِنهُ  أوْ رُؤْيَةٍ لِفِعْلِهِ ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا، يعني: صلوا لله تعالى، وقال: بعض الناس يسجد في هذا الموضع، يذكر ذلك عن عمر وابن عمر، وروي عن ابن عباس أنه قال: «السجدة في الحج في الأولى منهما» ، وهذا قول أهل العراق، لأن السجدة سجدة الصلاة، بدليل أنها مقرونة بالركوع.

معناه: اركعوا واسجدوا في الصلوات المفروضات التطوع.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «أول ما أسلموا، كانوا يسجدون بغير ركوع فأمرهم الله تعالى بأن يركعوا ويسجدوا» .

ثم قال: وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ، أي وحدوه وأطيعوه، وَافْعَلُوا الْخَيْرَ أي: أكثروا من الطاعات والخيرات ما استطعتم، وبادروا إليها.

ويقال: التسبيحات.

لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، يعني: تنجون من عذاب الله تعالى.

قوله عز وجل: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، يعني: اعملوا لله عز وجل حق عمله، ويقال: جاهدوا في طاعة الله عز وجل وطلب مرضاته.

وقال الحسن: حَقَّ جِهادِهِ أن تؤدي جميع ما أمرك الله عز وجل به، وتجتنب جميع ما نهاك الله عنه، وأن تترك رغبة الدنيا لرهبة الآخرة.

وروي عن النبي  أن رجلاً سأله، فقال: أي الجهاد أفضل؟

فقال: «كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ السُّلْطَانِ» .

ثم قال: هُوَ اجْتَباكُمْ، يعني: اختاركم واصطفاكم.

وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، يعني: في الإسلام من ضيق، ولكن جعله واسعاً ولم يكلفكم مجهود الطاقة، وإنما كلفكم دون ما تطيقون.

ويقال: وضع عنكم إصركم والأغلال التي كانت عليكم.

ويقال: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وهو ما رخص في الإفطار في السفر، والصلاة قاعداً عند العلة.

وقال قتادة: أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم يعطها إلا نبي، كان يقال للنبي  : اذهب فليس عليك من حرج، وقال لهذه الأمة وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وكان يقال للنبي  : أنت شهيد على قومك، وقال لهذه الأمة: وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وكان يقال للنبي  : سل تعط، وقال لهذه الأمة: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] .

ثم قال: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ، قال الزجاج: إنما صار منصوباً، لأن معناه: اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم.

قال: وجائز أن يكون وافعلوا الخير فعل أبيكم إبراهيم، ويقال: معناه وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ولكن جعل لكم ملة سمحة سهلة كملة أبيكم إبراهيم.

هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ، يعني: الله تعالى سماكم المسلمين.

ويقال: إبراهيم سماكم، أي من آمن بمحمد  والقرآن، والطريق الأول أصح، لأنه قال من قبل: وَفِي هذا، يعني: الله سماكم المسلمين في سائر الكتب مِن قَبْلِ هذا القرآن.

وفى هذا القرآن، لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ يعني: محمدا  شهيدا على أمته بأنه بلغهم الرسالة بالتصديق لهم وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يعني: على سائر الأمم أن الرسل قد بلغتهم.

وقال مقاتل: وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، يعني: للناس، يعني: للرسل على قومهم، كقوله: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب أي للنصب.

ثم قال: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، يعني: أقروا بها وأتموها، وَآتُوا الزَّكاةَ يعني: أقروا بها وأدوها.

ثم قال: وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ، يعني: وثقوا بالله إذا فعلتم ذلك، ويقال: معناه تمسكوا بتوحيد الله تعالى، وهو قول لا إله إلا الله.

هُوَ مَوْلاكُمْ، أي وليكم وناصركم وحافظكم.

فَنِعْمَ الْمَوْلى، يعني: نعم الحافظ، وَنِعْمَ النَّصِيرُ يعني: نعم المانع لكم برحمته، والله سبحانه وتعالى أعلم- وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أن يقول لهم على جهة الوعيد والتقريع: أَفَأُنَبِّئُكُمْ أي: أخبركم.

بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ:

والإشارة بذلكم إلى السطو، ثم ابتدأ بخبر كأن قائلاً قال له: وما هو؟

قال: النَّارُ «١» أي: نار جهنم.

وقوله: وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا يحتمل أَنْ يكون أراد: أَنَّ الله تعالى وعدهم بالنار، فيكونُ الوعد في الشر، ويحتمل أَنَّهُ أراد: أَنَّ الله سبحانه وعد النارَ «٢» بأن يُطْعِمَهَا الكُفَّارَ، فيكون الوعد على بابه، إذ الذي يقتضي قولها: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق: ٣٠] ونحو ذلك، أَنَّ ذلك من مَسَارِّها.

قلت: والظاهر الأَوَّل.

وقوله سبحانه: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ...

الآية: ذكر تعالى أمر سالب الذباب، وذلك أنهم كانوا يضمخون «٣» أوثانهم بأنواع الطِّيبِ فكان الذبابُ يتسلط ويذهب بذلك الطيب، وكانوا يتألّمُون من ذلك، فَجُعِلَتْ مثلاً، واخْتَلَفَ المتأوَّلُون في قوله تعالى: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ فقالت فرقة: أراد بالطالب: الأصنامَ، وبالمطلوبِ:

الذبابَ، أي: أنهم ينبغي أن يكونوا طالبين لما يسلب من طيبهم على معهود الأنفة في الحيوان، وقيل: معناه: ضَعُفَ الكُفَّارُ في طلبهم الصوابَ والفضيلةَ من جهة الأصنام، وضَعُفَ الأصنامُ في إعطاء ذلك وإنالته.

قال ع «٤» : ويحتمل أنْ يريد: ضعف الطالب وهو الذبابُ في استلابه ما على الأصنامِ، وضعف الأصنام في أنْ لا منعة لهم، وبالجملة فدلتهم الآيةُ على أَنَّ الأصنام في أَحَطِّ رُتْبَةٍ، وأَخَسِّ منزلة لو كانوا يعقلون.

وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ المعنى: ما وَفَّوْهُ حقّه سبحانه من التعظيم والتوحيد.

وقوله سبحانه: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ...

الآية: نزلت بسبب قول الوليد بن المُغِيرَةِ: أَأُنْزِلَ «١» عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ص: ٨] .

ص: أبو البقاء: وَمِنَ النَّاسِ أي: رسلا، انتهى، ثم أمر سبحانه بعبادته ٢٨ ب وخَصَّ الركوعَ والسجودَ بالذكر تشريفاً/ للصلاة، واختلف الناسُ: هل [في] «٢» هذه الآية سجدة أم «٣» لا؟.

قال ابنُ العربيّ «٤» في «أحكامه» : قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا تَقَبَّلَهَا قوم على أَنَّها سجدةُ تلاوة فسجدوها.

وقال آخرون: هو سجود الصلاة فقصروه عليه، ورأى عمرُ وابنُه عبدُ الله رضي الله عنهما: أنها سجدةُ تلاوة، وإنِّي لأَسجُدُها وأراها كذلك «٥» لما رَوَى ابنُ وهب، وغيره عن مالك، وغيره «٦» ، انتهى.

وقوله سبحانه: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ نَدْبٌ فيما عدا الواجبات.

قلت: وهذه الآية الكريمةَ عَامَّةٌ في أنواع الخيرات، ومن أعظمها الرأفةُ والشفقة على خَلْقِ الله، ومُوَاساةُ الفقراء وأهلِ الحاجة، وقد روى أبو داود والترمذيّ عن النبي صلى الله عليه وسلّم [أنه قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ] «٧» كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً عَلَى ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ» «٨» .

انتهى.

وروى عليُّ بن عبد العزيز البَغَوِّيُّ في «المُسْنَد المنتخب» عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً، كَانَ فِي حِفْظِ اللهِ مَا بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ رُقْعَةٌ» «٩» .

وروى ابن أبي شَيْبَة في «مُسْنَدِهِ» عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنّه قال: «أيّما أهل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ارْكَعُوا واسْجُدُوا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ: صَلُّوا؛ لِأنَّ الصَّلاةَ لا تَكُونُ إلّا بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ.

﴿ واعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾ ؛ أيْ: وحِّدُوهُ، " وافْعَلُوا الخَيْرَ " يُرِيدُ: أبْوابُ المَعْرُوفِ، ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ؛ أيْ: لِكَيْ تَسْعَدُوا وتَبْقَوْا في الجَنَّةِ.

* فَصْلٌ لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ في السَّجْدَةِ الأُولى مِنَ ( الحَجِّ )، واخْتَلَفُوا في هَذِهِ السَّجْدَةِ الأخِيرَةِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وعَمّارٍ، وأبِي الدَّرْداءِ، وأبِي مُوسى، وابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهم قالُوا: في ( الحَجِّ ) سَجْدَتانِ، وقالُوا: فُضِّلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى غَيْرِها بِسَجْدَتَيْنِ، وبِهَذا قالَ أصْحابُنا، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: في ( الحَجِّ ) سَجْدَةٌ، وبِهَذا قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، ومالِكٌ؛ ويَدُلُّ عَلى الأوَّلِ ما «رَوى عَقَبَةُ بْنُ عامِرٍ، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفِي ( الحَجِّ ) سَجْدَتانِ ؟

قالَ: " نَعَمْ، ومَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما "» .

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في عَدَدِ سُجُودِ القُرْآنِ، فَرُوِيَ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ: إحْداهُما: أنَّها أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ.

والثّانِيَةُ: أنَّها خَمْسَ عَشْرَةَ، فَزادَ سَجْدَةً ( ص: ٢٤ ) .

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هي أرْبَعَ عَشْرَةَ، فَأخْرَجَ الَّتِي في آخِرِ ( الحَجِّ )، وأبْدَلَ مِنها سَجْدَةَ ( ص: ٢٤ ) .

* فَصْلٌ وَسُجُودُ التِّلاوَةِ سُنَّةٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: واجِبٌ.

ولا يَصِحُّ سُجُودُ التِّلاوَةِ إلّا بِتَكْبِيرَةِ الإحْرامِ والسَّلامِ، خِلافًا لِأصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ وبَعْضِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ.

ولا يُجْزِئُ الرُّكُوعُ عَنْ سُجُودِ التِّلاوَةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ.

ولا يَسْجُدُ المُسْتَمِعُ إذا لَمْ يَسْجُدِ التّالِي، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وتُكْرَهُ قِراءَةُ السَّجْدَةِ في صَلاةِ الإخْفاتِ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاهِدُوا في اللَّهِ ﴾ في هَذا الجِهادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ فِعْلُ جَمِيعِ الطّاعاتِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ جِهادُ الكُفّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ جِهادُ النَّفْسِ والهَوى، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ.

فَأمّا حَقُّ الجِهادِ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الجِدُّ في المُجاهَدَةِ واسْتِيفاءِ الإمْكانِ فِيها.

والثّانِي: أنَّهُ إخْلاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ فِعْلُ ما فِيهِ وفاءٌ لِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

* فَصْلٌ وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، واخْتَلَفُوا في ناسِخِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها  ﴾ .

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ  ﴾ .

وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هي مُحْكَمَةٌ، ويُؤَكِّدُهُ القَوْلانِ الأوَّلانِ في تَفْسِيرِ حَقِّ الجِهادِ، وهو الأصَحُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ اجْتَباكُمْ ﴾ ؛ أيِ: اخْتارَكم واصْطَفاكم لِدِينِهِ.

والحَرَجُ: الضِّيقُ، فَما مِن شَيْءٍ وقَعَ الإنْسانُ فِيهِ إلّا وجَدَ لَهُ في الشَّرْعِ مَخْرَجًا بِتَوْبَةٍ، أوْ كَفّارَةٍ، أوِ انْتِقالٍ إلى رُخْصَةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الحَرَجُ: ما كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الإصْرِ والشَّدائِدِ، وضَعَهُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِلَّةَ أبِيكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: وسَّعَ عَلَيْكم كَمِلَّةِ أبِيكم، فَإذا أُلْقِيَتِ الكافُ نُصِبَتْ، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى مَعْنى الأمْر بِها؛ لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ أمْرٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ ارْكَعُوا واسْجُدُوا ﴾ ، والزَمُوا مِلَّةَ أبِيكم.

فَإنْ قِيلَ: هَذا الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ ولَيْسَ إبْراهِيمُ أبًا لِكُلِّهِمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ إنْ كانَ خِطابًا عامًّا لِلْمُسْلِمِينَ، فَهو كالأبِ لَهم؛ لِأنَّ حُرْمَتَهُ وحَقَّهُ عَلَيْهِمْ كَحَقِّ الوَلَدِ، وإنَّ كانَ خِطابًا لِلْعَرَبِ خاصَّةً، فَإبْراهِيمُ أبُو العَرَبِ قاطِبَةً، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ.

والَّذِي يَقَعُ لِي أنَّ الخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ أبُوهُ، وأُمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ  داخِلَةٌ فِيما خُوطِبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ؛ فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن قَبْلِ إنْزالِ القُرْآنِ سَمّاكم بِهَذا في الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها.

والثّانِي: " مِن قَبْلُ "؛ أيْ: في أُمِّ الكِتابِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَفِي هَذا ﴾ ؛ أيْ: في القُرْآنِ.

والثّانِي: أنَّهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ  ﴾ ، فالمَعْنى: مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ، وذَلِكَ في زَمانِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي هَذا الوَقْتِ حِينَ قالَ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً ﴾ ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ ﴾ المَعْنى: اجْتَباكم وسَمّاكم لِيَكُونَ الرَّسُولُ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا  ، ﴿ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَكم، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في ( البَقَرَةِ: ١٤٣ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَآتُوا الزَّكاةَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَلُوهُ أنْ يَعْصِمَكم مِن كُلِّ ما يَسْخَطُ ويَكْرَهُ.

وقالَ الحَسَنُ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ.

وما بَعْدَ هَذا مَشْرُوحٌ في ( الأنْفالِ: ٤٠ ) .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ الناسِ إنَّ اللهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ رَوِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "الأُمُورُ" نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ: ﴿ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ مِن بَيْنِنا  ﴾ الآيَةُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ "يَصْطَفِي" أيْ: ﴿ مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ﴾ إلى الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ حَسْبَما ورَدَ في الأحادِيثِ، ﴿ وَمِنَ الناسِ ﴾ وهُمُ الأنْبِياءُ المَبْعُوثُونَ لِإصْلاحِ الخَلْقِ، الَّذِينَ اجْتَمَعَتْ لَهُمُ النُبُوءَةُ والرِسالَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ عِبارَةٌ عن إحاطَةِ عِلْمِهِ بِهِمْ، وحَقِيقَتُها: ما قَبْلَهم مِنَ الحَوادِثِ وما بَعْدَهُمْ، و"الأُمُورُ" جَمْعُ "أمْرٍ"، لَيْسَ يُرادُ بِهِ المَصْدَرُ.

ثُمْ أمَرَ اللهُ -تَعالى- بِعِبادَتِهِ، وخَصَّ الرُكُوعَ والسُجُودَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لِلصَّلاةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ في هَذِهِ الآيَةِ سَجْدَةٌ؟

ومَذْهَبُ مالِكٍ -رَحِمَهُ اللهُ- ألّا يَسْجُدَ هُنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وافْعَلُوا الخَيْرَ ﴾ نَدْبٌ فِيما عَدا الواجِباتِ الَّتِي صَحَّ وُجُوبُها مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وقَوْلُهُ -تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ تَرَجٍّ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشى  ﴾ ، و "الفَلّاحُ" في هَذِهِ الآيَةِ نَيْلُ البُغْيَةِ وبُلُوغُ الأمَلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان خطاب المشركين فاتحاً لهذه السورة وشاغلاً لمعظمها عدَا ما وقع اعتراضاً في خلال ذلك، فقد خوطب المشركون ب ﴿ يا أيها الناس ﴾ أربع مرات، فعند استيفاء ما سيق إلى المشركين من الحجج والقوارع والنداء على مساوي أعمالهم، خُتمت السورة بالإقبال على خطاب المؤمنين بما يُصلح أعمالهم وينوّه بشأنهم.

وفي هذا الترتيب إيماء إلى أن الاشتغال بإصلاح الاعتقاد مقدم على الاشتغال بإصلاح الأعمال.

والمراد بالركوع والسجود الصلوات.

وتخصيصهما بالذكر من بين أعمال الصلاة لأنهما أعظم أركان الصلاة إذ بهما إظهار الخضوع والعبودية.

وتخصيص الصلاة بالذكر قبل الأمر ببقية العبادات المشمولة لقوله ﴿ واعبدوا ربكم ﴾ تنبيه على أنّ الصلاة عماد الدين.

والمراد بالعبادة: ما أمر الله النّاس أن يتعبدوا به مثل الصيام والحج.

وقوله ﴿ وافعلوا الخير ﴾ أمر بإسداء الخير إلى الناس من الزكاة، وحسن المعاملة كصلة الرّحِم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وسائر مكارم الأخلاق، وهذا مجمل بينته وبينت مراتبه أدلة أخرى.

والرجاء المستفاد من ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ مستعمل في معنى تقريب الفلاح لهم إذا بلغوا بأعمالهم الحدّ الموجب للفلاح فيما حدّد الله تعالى، فهذه حقيقة الرجاء.

وأما ما يستلزمه الرجاء من تردّد الراجي في حصول المرجو فذلك لا يخطر بالبال لقيام الأدلة التي تُحِيل الشكّ على الله تعالى.

واعلم أن قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا ﴾ إلى ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ اختلف الأيمّة في كون ذلك موضع سجدة من سجود القرآن.

والذي ذهب إليه الجمهور أن ليس ذلك موضع سجدة وهو قول مالك في «الموطأ» و«المدوّنة»، وأبي حنيفة، والثوري.

وذهب جمع غفير إلى أن ذلك موضع سجدة، وروى الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وفقهاء المدينة، ونسبه ابن العربي إلى مالك في رواية المدنيين من أصحابه عنه.

وقال ابن عبد البر في «الكافي»: «ومن أهل المدينة قديماً وحديثاً من يرى السجود في الثانية من الحجّ قال: وقد رواه ابن وهب عن مالك».

وتحصيل مذهبه أنها إحدى عشرة سجدة ليس في المفصّل منها شيء»، فلم ينسبه إلى مالك إلا من رواية ابن وهب، وكذلك ابن رشد في «المقدمات»: فما نسبه ابن العربي إلى المدنيين من أصحاب مالك غريب.

وروى الترمذي عن ابن لهيعة عن مِشْرَح عن عقبة بن عامر قال: " قلت يا رسول الله فُضلت سورة الحجّ لأنّ فيها سجدتين؟

قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما " اه.

قال أبو عيسى: هذا حديث إسناده ليس بالقويّ اه، أي من أجل أن ابن لهيعة ضعّفه يحيى بن مَعين، وقال مسلم: تركه وكيع، والقطّان، وابن مهدي.

وقال أحمد: احترقت كتبه فمن روى عنه قديماً (أي قبل احتراق كتِبه) قُبل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: اعْمَلُوا لِلَّهِ حَقَّ عَمَلِهِ، وقالَ الضَّحّاكُ أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى ويُذْكَرُ فَلا يُنْسى ويُشْكَرُ فَلا يُكْفَرُ.

وَهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ  ﴾ .

واخْتَلَفَ في نُسَخِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ لِأنَّ حَقَّ جِهادِهِ ما ارْتَفَعَ مَعَهُ الحَرَجُ، رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «خَيْرُ دِينِكم أيْسَرُهُ» .

﴿ هُوَ اجْتَباكُمْ ﴾ أيِ اخْتارَكم لِدِينِهِ.

﴿ وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ ﴾ يَعْنِي مِن ضِيقٍ، وفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الخَلاصُ مِنَ المَعاصِي بِالتَّوْبَةِ.

الثّانِي: المُخْرِجُ مِنَ الأيْمانِ بِالكَفّارَةِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَقْدِيمُ الأهِلَّةِ وتَأْخِيرُها في الصَّوْمِ والفِطْرِ والأضْحى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ رَخَّصَ السَّفَرَ مِنَ القَصْرِ والفِطْرِ.

الخامِسُ: أنَّهُ عامٌّ لِأنَّهُ لَيْسَ في دِينِ الإسْلامِ ما لا سَبِيلَ إلى الخَلاصِ مِنَ المَأْثَمِ فِيهِ.

﴿ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ وسَّعَ عَلَيْكم في الدِّينِ كَما وسَّعَ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ.

الثّانِي: وافْعَلُوا الخَيْرَ كَفِعْلِ أبِيكم إبْراهِيمَ.

الثّالِثُ: أنَّ مِلَّةَ إبْراهِيمَ وهي دِينُهُ لازِمَةٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وداخِلَةٌ في دِينِهِ.

الرّابِعُ: أنَّ عَلَيْنا وِلايَةَ إبْراهِيمَ ولَيْسَ يَلْزَمُنا أحْكامُ دِينِهِ.

﴿ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ وفي هَذا القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ احْتِجاجًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ  ﴾ .

﴿ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم في إبْلاغِ رِسالَةِ رَبِّهِ إلَيْكم، وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ تُبَلِّغُونَهم رِسالَةَ رَبِّهِمْ كَما بَلَغْتُمْ إلَيْهِمْ ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ إلَيْكم.

الثّانِي: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم بِأعْمالِكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ بِأنَّ رُسُلَهم قَدْ بَلَّغُوهم.

﴿ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ يَعْنِي المَفْرُوضَةَ.

﴿ وَآتُوا الزَّكاةَ ﴾ يُعْنى الواجِبَةَ.

﴿ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: امْتَنِعُوا بِاللَّهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ شَجَرَةَ.

والثّانِي: مَعْناهُ تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

﴿ هُوَ مَوْلاكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مالِكُكم.

الثّانِي: ولِيُّكُمُ المُتَوَلِّي لِأُمُورِكم.

﴿ فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ أيْ فَنِعْمَ المَوْلى حِينَ لَمْ يَمْنَعْكُمُ الرِّزْقَ لَمّا عَصَيْتُمُوهُ، ونَعِمَ النَّصِيرُ حِينَ أعانَكم لَمّا أطَعْتُمُوهُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: الذي ﴿ يصطفى ﴾ من الناس هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى موسى بالكلام وإبراهيم بالخلة» .

وأخرج الحاكم وصححه، عن أنس رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «موسى بن عمران صفي الله» .

وأخرج البغوي في معجمه والباوردي وابن قانع والطبراني وابن عساكر، عن زيد بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد المدينة فجعل يقول: «أين فلان؟

أين فلان؟» فلم يزل يتفقدهم، وينصب إليهم حتى اجتمعوا عنده فقال: إني محدثكم فاحفظوه وعوه وحدثوا به من بعدكم، إن الله اصطفى من خلقه خلقاً «ثم تلا هذه الآية ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ﴾ خلقاً يدخلهم الجنة» وإني مصطفٍ منكم من أحب أن اصطفيه، ومؤاخ بينكم كما آخى الله بين الملائكة، قم يا أبا بكر.

فقام فجثا بين يديه.

فقال: إن لك عندي يداً أن الله يجزيك بها، فلو كنت متخذاً خليلاً، لاتخذتك خليلاً، فأنت مني بمنزلة قميصي من جسدي، وحرك قميصه بيده.

ثم قال: ادن يا عمر، فدنا ثم قال: ادن يا عمر، فدنا ثم قال: كنت شديد الثغب علينا أبا حفص، فدعوت الله أن يعز الدين بك، أو بأبي جهل، ففعل الله ذلك لك، وكنت أحبهما إليّ، فأنت معي في الجنة ثالث ثلاثة من هذه الأمة.

ثم تنحى وآخى بينه وبين أبي بكر، ثم دعا عثمان بن عفان فقال: ادن يا عثمان ادن يا عثمان، فلم يزل يدنو منه حتى ألصق ركبته بركبة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم نظر اليه ثم نظر إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم ثلاث مرات، ثم نظر إلى عثمان فإذا ازراره محلولة، فزرها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بيده ثم قال: اجمع عطفي ردائك على نحرك، فإن لك شأناً في أهل السماء، أنت ممن يرد عليّ الحوض، وأوداجه تشخب دماً فأقول من فعل هذا بك؟

فتقول فلان.

وذلك كلام جبريل، وذلك إذا هتف من السماء: إلا أن عثمان أمير على كل خاذل.

ثم دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: ادن يا أمين الله والامين في السماء، يسلط الله على مالك بالحق، أما ان لك عندي دعوة وقد أخرتها.

قال: خر لي يا رسول الله.

قال: حملتني يا عبد الرحمن أمانة، أكثر الله مالك وجعل يحرك يده ثم تنحى، وآخى بينه وبين عثمان، ثم دخل طلحة والزبير فقال: ادنوا مني فدنوا منه فقال: «أنتما حواري كحواري عيسى ابن مريم» ثم آخى بينهما، ثم دعا سعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر فقال: يا عمار، قتلتك الفئة الباغية.

ثم آخى بينهما، ثم دعا أبا الدرداء وسلمان الفارسي فقال: «يا سلمان أنت منا أهل البيت وقد آتاك الله العلم الأول، والعلم الآخر، والكتاب الأول، والكتاب الآخر.

ثم قال إلا أنشدك يا أبا الدرداء؟

قال: بلى يا رسول الله، قال: إن تنقدهم ينقدوك وإن تتركهم لا يتركوك، وإن تهرب منهم يدركوك، فاقرضهم عرضك ليوم فقرك فآخى بينهما، ثم نظر في وجوه أصحابه فقال: ابشروا وقروا عيناً، فأنتم أول من يرد عليّ الحوض، وأنتم في أعلى الغرف.

ثم نظر إلى عبدالله بن عمر، فقال: الحمد لله الذي يهدي من الضلالة، فقال علي: يا رسول الله، ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت ما فعلت بأصحابك غيري!

فإن كان من سخط علي، فلك العتبى والكرامة.

فقال: والذي بعثني بالحق، ما أخرتك إلا لنفسي فأنت عندي بمنزلة هارون من موسى ووارثي.

فقال: يا رسول الله، ما أرث منك؟

قال: ما ورثت الأنبياء.

قال: وما ورثت الأنبياء قبلك؟

قال: كتاب الله وسنة نبيهم، وأنت معي في قصري في الجنة، مع فاطمة ابنتي وأنت أخي ورفيقي، ثم تلا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هذه.

الآية ﴿ اخواناً على سرر متقابلين ﴾ .

الاخلاء في الله ينظر بعضهم إلى بعض» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اركعوا ﴾ قال إنما هي أدب وموعظة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ﴾ قال المفسرون: أي: صلوا، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود (١) ﴿ وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾ قال مقاتل: يقول: وحّدوا ربكم (٢) يعني: أن من أشرك بعبادته غيره لم (٣) وقال أبو إسحاق: أي: اقصدوا بركوعكم وسجودكم الله -عز وجل- وحده (٤) ﴿ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ﴾ قال مقاتل: الخير الذي أمرتم به (٥) (٦) وقال ابن عباس: يريد صلة الرحم ومكارم الأخلاق (٧) وقال الزجاج: الخير كل ما أمر الله به ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ قال: لترجوا أن تكونوا على فلاح (٨) وقال ابن عباس: يريد: كي تسعدوا وتبقوا في الجنة (٩) وذكرنا قديمًا هذين المذهبين في ﴿ لَعَلَّكُمْ ﴾ أينما كان في القرآن (١٠) (١) الطبري 17/ 204.

وانظر البغوي 5/ 401.

(٢) "تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.

(٣) في (ظ): (ولم).

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 439.

(٥) "تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.

(٦) في (ظ)، (د)، (ع): (يعني).

(٧) ذكره عنه البغوي 5/ 401، والزمخشري 3/ 23، وأبو حيان 6/ 391.

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 439.

(٩) ذكره عنه البغوي 5/ 401، وذكره ابن الجوزي 5/ 454 من غير نسبة لأحد.

(١٠) انظر: "البسيط" ظهر قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اركعوا واسجدوا ﴾ في هذه الآية سجدة عند الشافعي ون غيره للحديث الصحيح الوارد في ذلك خلافاً للمالكية ﴿ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ ﴾ عموم في العبادة بعد ذلك الصلاة التي عبر عنها بالركوع والسجود، وإنما قدمها لأنها أهم العبادات ﴿ وافعلوا الخير ﴾ قيل: المراد صلة الرحم، وقال ابن عطية: هي في الندب فيما عدا الواجبات واللفظ أعم من ذلك كله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ ما لم ينزل ﴾ من الإنزال ابن كثير وأبو عمرو وسهل.

والآخرون بالتشديد ﴿ يصطون ﴾ بالصاد مثل ﴿ بصطة  ﴾ في البقرة ﴿ الذين يدعون ﴾ بياء الغيبة: سهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ بإذنه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أحياكم ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يحييكم ﴾ ه ط ﴿ لكفور ﴾ ه ﴿ إلى ربك ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ ذلكم ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ فاستمعوا له ﴾ ط ﴿ اجتمعوا له ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ والمطلوب ﴾ ه ﴿ قدره ﴾ ط ﴿ ومن الناس ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ خلفهم ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ جهاده ﴾ ط ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ الناس ﴾ ج للعطف مع الفاء ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ النصير ﴾ ه.

التفسير: إن من جملة نعم الله  على عباده تسخير الأرضيات وتذليلها لهم، فلا اصلب من الحديد والحجر، ولا أشد نكاية من النار وقد سخرها للإنسان وسخر لهم الأنعام ايضاً ينتفعون بها بالأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت  ﴾ وسخر لهم الدواب، وغيرها وسَخرَ لهم الفلك حال كونها جارية بأمره وهو تهيئة الأسباب المعاونة ودفع الأشياء المضادة لسهولة جريها.

ولا ريب أن الانتفاع بالأرضيات لا يتأتى إلا بعد الأمن من وقوع السماء على الأرض، فمّن الله تعالى على المكلفين بأن حفظها كيلا تقع أو كراهة أن تقع على الأرض وذلك بمحض الإقتدار عند أهل الظاهر، أو بأن جعل طبعها هو الإحاطة بما في ضمنها إذ لا خفة فيها ولا ثقل ولهذا خصت بالحركة على المركز.

وفي قوله ﴿ إلا بإذنه ﴾ إشارة إلى أن الأفلاك ستنخرق وتنشق فتقع على الأرض، ويحتمل، يقال: توقيف الوقوع على الإذن لا يوجب حصول الإذن، فالانخراق والانشقاق لا يستفاد من هذه الآية.

ثم ذكر الإنسان مبدأه ومعاده فقال {وهو الذي أحياكم نظيره قوله في أول البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ وقد سبق هنالك.

وفي قوله ﴿ إن الإنسان لكفور ﴾ زجر لهم عن الكفران بطريق التوبيخ.

وعن ابن عباس أنه الكافر.

وبعضهم جعله أخص فقال: هو ابو جهل وأضرابه، والأولى إرادة الجنس، ثم عاد إلى بيان أن أمر التكاليف مستقر على ما في هذه الشريعة فقال ﴿ لكل أمة ﴾ الآية.

قال في الكشاف: إنما فقد العاطف ههنا بخلاف نظرائها في السورة لأن تلك مناسبة لما تقدمها في هذه مباينة لها.

قلت: وذلك لأن من ههنا إلى آخر السورة عوداً بعد ذكر المعاد إلى الوسط الذي هو حالة التكليف، والأقرب أن المنسك في هذه الآية هو الشريعة كقوله ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً  ﴾ وهو قول ابن عباس في رواية عطاء.

وقيل: أراد مكاناً معيناً وزماناً لأداء الطاعات.

وقال مجاهد: هو الذبائح ولا وجه للتخصيص ههنا والأمة أعم من أن تكون قد بقيت آثارهم أو لم تبق.

أما الضمير في قوله ﴿ فلا ينازعنك ﴾ فلا بد من رجوعه إلى الأمم الباقية آثارهم في عهد رسول الله  .

قال الزجاج: إنه نهي له عن منازعتهم كما تقول "لا يضاربنك فلان" أي لا تضار به.

وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمناً.

وقال في الكشاف: هو نهي لرسول الله  اي لا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك، أو هو زجر لهم عن التعرض لرسول الله  بالمنازعة في أمر الدين وكانوا يقولون في الميتة "مال كم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله".

ومنه يعلم استقرار أمر الديانة على هذه الشريعة وأن على كل أمة من الأمم التي بقيت منها بقية أن يتبعوه ويتركوا مخالفته فلذلك قال: ﴿ وأدع إلى ربك ﴾ أي لا تخص بالدعوة أمة دون أمة فإن كلهم أمتك ﴿ إنك لعلى هدى مستقيم ﴾ أي على دين وسط دليل ظاهر.

وإن أبوا إلا الجدال فكل أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ الله أعلم بما تعملون ﴾ وفيه وعيد وإنذار مخلوط برفق ولكن ﴿ الله يحكم بينكم ﴾ أي يفصل بين المؤمنين والكافرين منكم، ويحتمل أن يكون من تتمة المقول وأن يكون ابتداء خطاب من الله  للأمم.

﴿ ألم تعلم ﴾ خطاب لكل عالم أو للرسول  والمراد تقوية قلبه وإلا فالرسالة لا تكون إلا بعد العلم بكونه  عالماً بكل المعلومات وإلا اشتبه عليه الصادق بالكاذب.

﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر وهو كل ما في السماء والأرض ﴿ في كتاب ﴾ قال أبو مسلم: أراد به الحفظ والضبط كالشيء المكتوب، والجمهور على أنه حقيقة وقد كتبه في اللوح قبل حدوثه.

ولعل في تلك الكتابة لطفاً للملائكة لأن مطابقة تلك الأشياء المكتوبة لما سيحدث إلى الأبد من أدل دليل على كونه عالم الذات ولذلك قال ﴿ إن ذلك ﴾ الكتب ﴿ على الله يسير ﴾ وهذا تصوير لضده وهو صعوبة مثل ذلك على غيره وإلا فلا مدخل لليسر والصعوبة في كمال قدرته.

وحين بين كمال ألوهيته قطع شأن أهل الشرك بقوله ﴿ ويعبدون ﴾ الآية والمراد أنهم لم يتمسكوا في صحة عبادته بدليل سمعي ولا علم ضروري وقوله ﴿ وما للظالمين من نصير ﴾ الظلم الشرك، والصنرة إما بالشفاعة أو بالحجة ولا حجة إلا للحق وهو كقوله في آخر آل عمران ﴿ وما للظالمين من أنصار  ﴾ وقد مر.

والمنكر دلائل الغيظ والحنق.

وقال جار الله: وهو الفظيع من التجهم والبسور أو هو الإنكار كالمكرم بمعنى الإكرام وقال الكلبي: اراد أنهم كرهوا القرآن مع وضوح دلائلة.

وقال ابن عباس: هو التجبر والترفع.

وقال مقاتل: أنكروا أن يكون من الله  .

السطو الوثب والبطش أي يهمون بالبطش والوثوب لعظم إنكار ما تلي عليهم.

وقوله ﴿ من ذلكم ﴾ إشارة إلى غيظهم على التالين أو إلى همهم.

ثم إنه كأن سائلاً قائلاً ما ذلك الشر فقيل ﴿ النار ﴾ اي هو النار.

قلت: وذلك أن حرارة الغيظ والسطو تشبه حرارة النار ولكن هذه أقوى ولا سيما نار جهنم.

ثم استأنف للنار حكماً فقال ﴿ وعدها ﴾ الآية.

ويحتمل أن تكون ﴿ النار ﴾ مبتدأ و ﴿ وعدها ﴾ خبراً.

ثم ضرب للاصنام مثلا فقال ﴿ يا أيها الناس ضرب مثل ﴾ إنما قال بلفظ الماضي لأنه معلوم من قبل لكل ذي عقل.

والمثل بمعنى المثل استعاروه لجملة من الكلام مستغربة مستفصحة متلقاة بالرضا والقبول أهل للتسيير والإرسال وذلك أنهم جعلوا مضربها مثلاً لموردها، ثم استعاروا هذا المستعار للقصة أو الحالة أو الصفة المستغربة لتماثلها في الغرابة وهذا هو الذي قصد في الآية: ﴿ فاستمعوا له ﴾ أي تدبروه وحق له ذلك فإن السماع المجرد لا نفع له.

قال جار الله: محل ﴿ ولو اجتمعوا له ﴾ نصب على الحال كأنه قال مستحيل أن يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم جميعاً فكيف لو انفردوا؟

وأقول: الظاهر أن "لو" هذه للمبالغة وجوابه محذوف لدلالة ما تقدم عليه تقديره، ولو اجتمعوا لخلق الذباب لن يخلقوه ايضاً، وليس من شرط كل جملة أن يكون لها محل.

ثم زاد لعجزهم وضعفهم تأكيداً بقوله ﴿ وإن يسلبهم الذباب ﴾ الاية.

بمعنى أترك أمر الحلق والإيجاد وتكلم فيما هو أسهل من ذلك، إن هذا الحيوان الضعيف الذي لا قدرة لهم على خلقه لو سلب منهم شيئاً لم يقدروا أيضاً على استخلاص ذلك الشيء منه.

عن ابن عباس أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله.

وقيل: سمي الذباب ذباباً كلما ذب آب.

ثم عجب من ضعف الأصنام والذباب بقوله ﴿ ضعف الطالب والمطلوب ﴾ فالصنم كالطالب من حيث إنه يطلب خلق الذباب أو يطلب استنفاذ ما سلبه منه.

وقيل: الطالب عابد الصنم والمطلوب هو الصنم أو عبادته، ويجوز أن يكون الطالب هو السالب والمطلوب المسلوب منه.

ثم بين أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة بهذه المثابة ﴿ ما قدروا الله حق قدره ﴾ أي ما عرفوه حق معرفته وقد مر مثله في "الأنعام".

﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ قادر غالب فكيف يسوِّي بينه وبين العاجز المغلوب في العبادة وهي نهاية التعظيم.

وذلك أنهم لو إعتقدوا كون تلك الأصنام طلسمات موضوعة على الكواكب فإذا لم تنفع نفسها في المقدار المذكور فلأن لا تنفع غيرها أولى، وإن اعتقدوا أنها تماثيل الملائكة أو الأنبياء فلا يليق بها غاية الخضوع التي يستحقها خالق الكل.

وحين رد على أهل الشرك معتقدهم في الإلهيات أراد أن يرد عليهم عقيدتهم في النبوَّات وهي أن الرسول لا يكون بشراً فقال ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ﴾ فالملك رسول إلى النبي والنبي رسول إلى سائر البشر قاله مقاتل.

ههنا سؤالات: الأول أن "من" للتبعيض فتفيد الآية أن بعض الملائكة رسل فيكون مناقضاً لقوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ والجواب أن الموجبة الجزئية لا تناقض الموجبة الكلية، أو أراد بهذا البعض من هو رسول إلى نبي آدم وهو أكابر الملائكة ولا يبعد أن يكون بعض الملائكة رسلاً إلى بعض آخر منهم.

وثانيهما أنه قال في موضع آخر ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء  ﴾ وقد نص في هذه الآية أن بعض الناس مصطفى فيلزم من مجموع الآيتين أنه قد اصطفى ولداً.

والجواب أن تلك الآية دلت على أن كل ولد مصطفى ولكن لا يلزم من هذه الآية أن كل مصطفى ولد فمن أين يحصل ما ادعيت؟

والتحقيق أن الموجبتين في الشكل الثاني لا ينتجان هذا، ويحتمل أن تكون هذه الآية مسوقة للرد على عبدة الملائكة كما كانت الآية المتقدمة للرد على عبدة الأصنام إذ يعلم من هذا أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة بل لأن الله اصطفاهم للرسالة حين كانوا أمناء على وحيه لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

ثم بين علو شأنه وكمال علمه وإحاطته بأحوال المكلفين ما مضى منها وما غبر، وأن مرجع الأمور كلها إليه، وفي كل زجر عن الإقدام على المعصية وبعث الجد في الطاعة فلا جرم صرح بالمقصود قائلاً ﴿ يا ايها الذين آمنوا ﴾ والظاهر أنه خطاب مختص بالمؤمنين ويؤكده قوله بعد ذلك ﴿ هو اجتباكم ﴾ ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ وقيل: عام لكل المكلفين لأن المأمورات بعده لا تختص ببعض الناس دون بعض والتخصيص بالذكر للتشريف فإنهم الذين قبلوا الخطاب.

ودل بالركوع والسجود على الصلاة لأنهما ركنان معتبران.

وقيل: كان الناس أول ما اسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود ذكره ابن عباس.

قال جار الله: عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟

قال: نعم أن لم تسجدهما فلا تقرأهما.

وعن عبد الله بن عمر: فضلت سورة الحج بسجدتين.

وهو مذهب الشافعي.

وأما أبو حنيفة فلا يرى هذه سجدة لأنه قرن الركوع بالسجود قال: فدل ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة، قدم الصلاة لأنها أشرف العبادات ثم عمم فأمر بالعبادة مطلقاً، ثم جعل الأمر أعم وهو فعل الخيرات الشامل للنوعين التعظيم لأمر الله والشفعة على خلق الله كأنه قال: كلفتكم الصلاة بل كلفتكم ما هو أعم منها وهو العبادة، بل كلفتكم أعم وهو فعل الخيرات على الإطلاق.

وقيل: معناه واعبدوا ربكم اقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله عز وجل.

وعن ابن عباس أن فعل الخير صلة الأرحام ومكارم الأخلاق.

ومعنى ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ افعلوا كل ذلك راجين الفلاح وهو الظفر بنعيم الآخرة لا متيقنين ذلك فإن الإنسان قلما يخلو في أداء فرائضه من تقصير والعواقب أيضاً مستورة.

ثم أمر بخلاف النفس والهوى في جميع ما ذكر وهو الجهاد الأكبر فقال ﴿ وجاهدوا في الله ﴾ اي في ذاته ومن أجله ﴿ حق جهاده ﴾ اي حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه فإضافة الجهاد إلى الله من قبيل التوسعة ولأدنى ملابسة من حيث إن الجهاد فعل لوجهه.

وقيل: هو امر بالغزو، أمروا أن يجاهدوا آخرا كما جاهدوا أولاً فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنيعهم يوم بدر.

وعن عمر أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ ﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله؟

فقال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟

قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء.

قال العلماء: لو صحت هذه الرواية فلعل هذه الزيادة من تفسير الرسول  ليست من نفس القرآن وإلا لتواترت.

وإما عبارات المفسرين فعن ابن عباس: حق جهاده أي لا تخافوا في الله لومة لائم.

وقال الضحاك: اعملوا لله حق عمله.

وقال آخرون: استفرغوا ما في وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حدوده باليد واللسان وجميع ما يمكن، وردوا أنفسكم عن الهوى والميل.

وعن مقاتل والكلبي: أن الآية منسوخة بقوله ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم  ﴾ كما أن قوله ﴿ اتقوا الله حق تقاته  ﴾ منسوخ بذلك.

وضعف بأن التكليف مشروط بالقدرة فلا حاجة إلى التزام النسخ.

ثم عظم شأن المكلفين بقوله ﴿ هو اجتباكم ﴾ أي اختاركم لدينه ونصرته وفيه تشريف كقوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: التكليف وإن كان تشريفاً إلا أن فيه مشقة على النس فقال ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ اي ضيق وشدة وذلك أنه فتح باب التوبة ووسع على المكلفين بأنواع الرخص والكفارات والديات والأروش.

يروى أن أبا هريرة قال: كيف قال  ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ مع أنا منعنا عن الزنا والسرقة؟

فقال ابن عباس: بلى ولكن الإصر الذي كان علي بني إسرائيل وضع عنكم.

قالت المعتزلة: لو خلق الله فيه الكفر ثم نهاه عنه كان ذلك من أعظم الحرج.

وعورض بأنه نهاه عن الكفر مع أنه علم ذلك منه، وكأنه أمره بقلب علم الله جهلاً وهو أعظم الحرج.

ثم أثنى على هذه الأمة بقوله ﴿ ملة أبيكم ﴾ أي أعني ملة أبيكم، ويجوز أن ينتصب بمضمون ما تقدم كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة ابيكم فأقام المضاف إليه مقام المضاف، وإنما كان إبراهيم أبا هذه الأمة لأنه أبو الرسول  وكل نبي أبو أمته.

والمراد أن التوحيد والحنيفية هي مما شرعه إبراهيم.

﴿ هو ﴾ أي الله أو إبراهيم ﴿ سماكم المسلمين من قبل ﴾ اي في سائر الكتب أو في قوله ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك  ﴾ ﴿ وفي هذا ﴾ القرآن أما إن كان المسمى هو الله فظاهر، وأما إن كان هو إبراهيم فلعله أراد أن حكاية دعائه مذكورة في القرآن.

وقوله ﴿ ليكون الرسول ﴾ متعلق بقوله ﴿ هو اجتباكم ﴾ اي فضلكم على الأمم لهذا الغرض نظيره قوله في البقرة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا  ﴾ والأصل تقديم الأمة كما في "البقرة" لأن الخطاب معهم وليقع الختم على شهادة الرسول كما هو الواقع إلا أنه عكس الترتيب في هذه السورة ليناط به قوله ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ والمراد إذ خصكم بهذه الكرامة فاعبدوه واعتصموا بدلائله العقلية والسمعية أو بألطافه وعنايته.

قال ابن عباس: سلوا الله العصمة عن كل المحرمات.

وقال آخرون: اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون فهو خير مولى وناصر.

استدلت المعتزلة بالآية في قولهم إنه يريد الإيمان من الكل من وجوه: الأول أنه أراد أن يكونوا شهداء ولن يكونوا كذلك إلا إذا آمنوا، الثاني أنه لا يمكن الاعتصام به إلا إذا لم يوجد منه الشر ألبتة.

الثالث أنه لو خلق في عبادة الكفر والمعاصي لم يكن نعم المولى.

وأجيب بعد تسليم إرادة الإيمان من الكل أن إرادة الشيء إن كانت مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكفار تستلزم أن يكون الله  مريداً لجهل نفسه.

وإن لم تستلزم فقد سقط السؤال وايضاً الاعتصام به إنما يكون منه كقوله"أعوذ بك منه" وايضاً إنه خلق الشهوة في قلب الفاسق وخلق المشتهي وقربه منه ودفع المانع وسلط عليه شياطين الإنس والجن، فلو لم تكن كل هذه مقتضية لكونه بئس المولى لم يكن خلق الكفر أيضاً مقتضياً لذلك.

التأويل: ﴿ سخر لكم ما ﴾ في أرض البشرية من الصفات الحيوانية والشيطانية، وسخر فلك الواردات المغيبة تجري في بحر القلب، ويمسك القلب أن تقع على ارض النفس بأن تتصف بصفاتها ﴿ إلا بإذنه ﴾ بقدر ما أباحه الشرع من ضروريات المأكول والملبوس وغيرهما ﴿ وهو الذي أحياكم ﴾ بازدواج الروح إلى القالب ﴿ ثم يميتكم ﴾ عن صفات البشرية ﴿ ثم يحييكم ﴾ بنور الصفات الرحمانية ﴿ فلا ينازعنك ﴾ في أمرك فإن لك مع الله وقتاً لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولكل قوم رتبة لا يتجاوزونها ﴿ إن الذين يدعون من دون الله ﴾ كالأصنام الظاهرة والباطنة لن يطلعوا على كيفية خلق الذباب، وإن يسلبهم ذباب هواجس النفس شيئاً من صفاء القلب وجمعية الوقت ﴿ ضعف الطالب ﴾ وهو القلب غير المؤيد بنور الإيمان ﴿ والمطلوب ﴾ وهو النفس والشيطان ﴿ اركعوا ﴾ بالنزول عن مرتبة الإنسانية إلى خضوع الحيوانية: ﴿ ومنهم من يمشي على أربع  ﴾ ﴿ واسجدوا ﴾ بالنزول إلى مرتبة الحيواينة ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ ﴿ واعبدوا ربكم ﴾ بجعل الطاعة خالصة له ﴿ وافعلوا الخير ﴾ بمراقبة الله في جميع أحوالكم ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ بالوصال.

﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ فجهاد النفس بتزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه عن الكونين، وجهاد الروح بتحليته بإفناء الوجود في وجوده ﴿ هو اجتباكم ﴾ لهذه الكرامات من بين سائر البريات ولولا أنه اجتباكم ما اهتديتم إليه كما قيل: فلولاكم ما عرفنا الهوى *** وما جعل عليكم في دين العشاق.

وهو السير إلى الله من ضيق "من تقرَّب إلي شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً" والسير إلى الله من سنة إبراهيم ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين  ﴾ ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ في الأزل وهو في هذا الطور.

وإنما قدم الرسول لأن روحه في طرف الأزل مقدم "أول ما خلق الله روحي" فهو مشرف وقتئذ على أرواح أمته وبعد ذلك خلقت أرواح أمته مشرفين على أرواح غيرهم.

وفي سورة البقرة اعتبر طرف الأبد فوقع الختم على الرسول وعلى شهادته ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ بدوام السير والعروج إلى الله والتعظيم لأمره ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ بدعوة الخلق إلى الله والشفقة عليهم ﴿ واعتصموا بحبل الله ﴾ حتى تصلوا إليه هو متولي أفنائكم عنكم ﴿ فنعم المولى ﴾ في إفناء وجودكم ﴿ ونعم النصير ﴾ في إبقائكم بربكم والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين وذرياته وسلم تسليماً كثيراً دائماً ابداً إلى يوم الدين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ ﴾ .

في الآية دلالة أن الإيمان هو شيء خاص وشيء واحد، لا اسم جميع الخيرات، وهو التصديق؛ لأنه أثبت لهم اسم الإيمان، ثم أمرهم بالركوع والسجود وفعل الخيرات؛ لأن جميع المخاطبين بهذه الآية عرفوا من خوطب بها، فلو كان اسما لجميع الخيرات لكان لا يعرف المخاطب بها؛ لأنه لا يقدر أحد على جميع الخيرات؛ فدل أنه شيء معروف خاص مما يرجع صاحبه إلى حد المعرفة، حيث عرفه المخاطب به، والله أعلم.

ثم يحتمل قوله: ﴿ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ ﴾ وجوهاً: أحدهما: أن اجعلوا ركوعكم وسجودكم وعبادتكم عبادة الله لا تشركوا فيها غيره على ما أشرك أهل مكة وغيرهم من الكفار في عبادتهم غيره، وهي الأصنام التي عبدوها.

والثاني: اعبدوا ربكم بالأسباب والأشياء التي عرفكم أنها عبادة، وكذلك افعلوا الخيرات التي عرفكم أنها خيرات.

والثالث: أن اجعلوا أحوالكم التي أنتم عليها من قيام وقعود، وحركة وسكون، عبادة لله  ، واجعلوا تقلبكم أيضاً للمعاش الذي أبيح لكم وأذن فيه عبادة، فالأول هو عبادة بنفسه التي جعلها الله نصّاً، والثاني هو الذي يصير عبادة بالنية والقصد؛ فيكون في جميع أحواله مؤدي عبادة، وهكذا الواجب على المرء أن يكون في جميع ما يؤدّي من الصلاة والصيام وغيره مؤدي فرض، وهو أن يؤدي جميع ذلك بنية الشكر لنعمه، وتكفيراً لمعاصيه، وكلاهما لازمان واجبان، فإن فعل ذلك كان مؤدي لازم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ظاهره خرج على الترجي، وفي الحقيقة على الوجوب، على ما ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ ليس لحق الله غاية يوصل بها، وكذلك قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ ؛ لأنه لو كان لحقه غاية لكان الرسل والملائكة يقومون بوفاء ذلك [و] يتوهم منهم المجاوزة عن ذلك؛ إذ كل ذي حدّ وغاية يتوهم المجاوزة فيه، فإن لم يحتمل المجاوزة دل أن حقه ليس بذي حدّ وغاية، ويكون تأويل قوله: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ و ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ حقه الذي احتمل وسعكم وبنيتكم وطاقتكم، كقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ  ﴾ فيكون هذا تفسيراً لقوله: ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ و ﴿ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ .

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ ﴾ أي: جاهدوا أنفسكم في شهوتها وأمانيها.

أو جاهدوا أعداء الله في دفع الوسواس والمحاربة معهم.

وقوله: ﴿ هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ ﴾ للإيمان والهدى والتوحيد.

أو ﴿ هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ ﴾ جنساً من أفضل الأجناس وأكرمهم من بين سائر الأجناس، كقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ .

وقال عامة أهل التأويل في قوله: ﴿ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أي: وحدّوا ربكم، جعلوا كل عبادة مذكورة في الكتاب توحيدا؛ فيكون ذكر العبادة هاهنا كقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ  ﴾ كأنه قال: يأيها الذين آمنوا وحدوا ربكم.

ثمّ اختلف في قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ ﴾ : قال بعضهم: فيه وجوب سجدة التلاوة على ذلك، وهي في الخبر عن رسول الله  أنه قال: "فضلت سورة الحج بسجدتين على غيرها من السور، فمن لم يسجدهما فلا يقرأها" وكذلك روي عن عمر -  - أنه قرأها فسجد فيها مرتين، ثم قال ما ذكرناه.

وتأويله - عندنا - أن قوله: "فضلت بسجدتين" التي هي من صلب الصلاة، وسجدة التلاوة في أوّل السّورة، فمن لم يسجدهما فلا يقرأها، وأصله في وجوب سجدة التلاوة: أن كل سجود ذكر في القرآن للخضوع فهو واجب للتلاوة، لازم له، وكل سجود كان الأمر به لحق سجود الصلاة فإنه لا يلزمه السجدة للتلاوة، فالأمر بالسجود في قوله: ﴿ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ ﴾ أمر بسجود الصلاة لا غير لم يلزم تاليه السجود بالتلاوة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ يحتمل تأويله وجوهاً: أحدها: أن عليهم معرفة وحدانية الله، وألوهيته، وتعاليه عن الأشباه والشركاء، وعليهم معرفة نعمه، والقيام بشكرها له، والخضوع له في كل وقت، وإن [لم] يبعث الرسل، لكنّه بفضله ورحمته بعث إليهم الرسل ليكون أيسر عليهم معرفة ذلك وأهون، والقيام بأداء ذلك أخف؛ لأن معرفة الأشياء بالسماع من لسان الصدوق والعدل أيسر، والإدراك أهون من معرفتها بالنظر والتفكر، وهو ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ أخبر أنه لولا فضله ورحمته في بعث الرسل، لاتبعوا الشيطان إلا قليلا، والقليل الذين استثناهم: الذين يتفكرون وينظرون فيعرفون بالتفكر والنظر، وذلك لا يعرف إلا بجهد وتكلف، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ ولكن بعث إليكم الرسل ليكون أوضح لسبيل الحق ومعرفته، وإن كان له ألا يرسل، ويكلف ذلك بالنظر والتفكر.

والثاني: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ قطع ما يقع لهم الحوائج، وتحريم كل أنواع المطاعم والمشارب واللباس عليكم لكنه إذا حرم نوعاً منها أباح نوعاً آخر بإزائه مما يسدّ به حاجته ويزيح به علته، ولو حرم كل أنواعها كان حرجا في الدين وضيقاً.

والثالث: لم يجعل عليهم من العبادات والفرائض التي كلفهم بها والقيام بأدائها ما لا يحتمل وسعهم، ولا بنيتهم، ولا حمل عليهم أموراً شاقة خلاف ما عليه طباعهم وأمر معاشهم، ولكن كلفهم بعبادات احتمل بها وسعهم وبنيتهم، وحمل عليهم أموراً غير شاقة موافقة لما عليه أمر معاشهم وطباعهم، وإن بعد ونأى عليهم.

والرابع: أنه لم يجعل توبتهم عما ارتكبوا من المعاصي والمآثم قتل بعضهم بعضا، وإهلاك بعضهم بعضا، على ما جعل ذلك لقوم، حيث قالوا لهم: ﴿ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ ، ولو كلف ذلك كان حرجاً في الدين، وأمثال ذلك.

والخامس: جائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ أي: من شك وشبه، أي: قد أزاح عنكم الشبه والشك بالحجج والبراهين التي أقامها لكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على الأمر: أن الزموا ملة إبراهيم.

والثاني: أن هذا الذي ذكر هو ملة أبيكم إبراهيم.

وقوله: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا ﴾ اختلف فيه: قال عامة أهل التأويل: قوله: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ ﴾ أي: الله سماكم المسلمين.

وقال بعضهم: إبراهيم ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ﴾ ، حيث قال: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ  ﴾ ورسول الله محمد  كان من ولد إسماعيل، وقد دعا له ولذريته بذلك.

وقوله: ﴿ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا ﴾ : قال بعضهم: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ : في الكتب المتقدمة ﴿ وَفِي هَـٰذَا ﴾ ، أي: في القرِآن.

وقال بعضهم: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ : في الأمم الذين كانوا من قبل؛ لأنه ما من قوم وأمة إلا وفيهم مسلمون متسمون بهذا الاسم، ﴿ وَفِي هَـٰذَا ﴾ : في قومه: أي: كنتم متسمون بهذا الاسم في الأمم الخالية، كقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  ﴾ أي: كنتم خير أمة في الأمم التي كانت من قبل أنها تخرج في هذا الوقت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ ﴾ قال قائلون: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ بمعنى: لكم، وذلك جائز في اللغة، كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ أي: للنصب؛ فعلى ذلك جائز في هذا ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: لكم، ويكون تأويله: يكون الرسول لكم شهيداً بالتصديق له، وتكونوا أنتم شهداء للناس بالتصديق لرسول الله إذا صدقتم إياه.

وقال بعضهم: ﴿ لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ ﴾ ، بمعنى: عليكم، وتأويله: يكون شهيداً عليكم إذا خالفتموه ولم تصدقوه، وتكونوا أنتم إذا صدقتم رسولكم ووافقتموه - شهداء على سائر الناس إذا كذبوا رسولهم: أنهم كذبوه وخالفوه.

وفي هذه الآية دلالة اتفاق قرن حجة على من بعدهم، حيث جعلهم شهداء على من بعدهم ومن قبلهم، وقد ذكرنا تأويل الآية في سورة البقرة.

وقوله: ﴿ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ فإذا أراد الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة، ففي الأمر بإقامة الصلاة أمر بإصلاح ما بينهم وبين ربهم، وفي الزكاة إصلاح ما بينهم وبين الخلق، كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ  ﴾ وفي حرف عبد الله بن مسعود: (إن الصلاة تأمر بالعدل وتنهى عن الفحشاء والمنكر).

قوله: ﴿ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: بدين الله وهو ما ذكر فيما تقدم ذكره من قوله: ﴿ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ ﴾ .

﴿ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ...

﴾ إلى [آخر] ما ذكر؛ فكأنه يقول: اعتصموا بالذي ذكر، وأصل الاعتصام هو الالتجاء إليه؛ فكأنه قال: اعتصموا به من كل ما نهى عنه من الشرور، وبكل ما أمر به من الخير.

وقوله: ﴿ هُوَ مَوْلاَكُمْ ﴾ .

قال الحسن: هو مولى كل من تولاه بالطاعة.

وقال بعضهم: المولى: النصير، أي: هو ناصركم وحافظكم.

﴿ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ ﴾ .

المانع والنصير: المنتصر ينتصر لهم من أعدائهم، ويمنع عنهم الأعداء.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ هُوَ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: ربكم وسيدكم، كما يقال لمولى العبد: هذا مولاه وسيّده، والله أعلم.

ويكون في قوله: ﴿ لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ ﴾ أنه قد بلغكم؛ ﴿ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ بأن الرسول قد بلغهم.

قال أبو عوسجة: ﴿ مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ، أي: ما عرفوا الله حق معرفته، يقال في الكلام: ما قدرتك حق قدرك، أي: ما عرفتك حق معرفتك.

وقالوا: الحرج: الضعيف في هذا، وفي غير هذا الموضع، قيل: هو شك في قوله: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ  ﴾ ، أي: شك، والضيق إنما يكون من الشك إذا شك في شيء ضاق صدره فيه.

قال أبو معاذ: وأصل الحرج في الكلام: شجر من شوك ملتف، والواحدة: حرجة، منه: حرجة مسلم.

وقوله: ﴿ هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ ﴾ .

أي: اختاركم، وفي حرف ابن مسعود وأبي: "هو اجتباكم وسماكم المسلمين من قبل)، وهذا يؤيد تأويل من يقول: هو سماكم المسلمين، أي: الله سماكم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ ، قال: لم يفرض الله على هذه الأمة شيئاً إلا جعل فيه رخصة لهم عند الاضطرار؛ مثل التيمم إذا لم يجد ماء، ويصلي قاعداً ومضطجعاً في المرض، وتفطر إذا كنت مريضاً، ونحو هذا، ليس فريضة إلا فيها رخصة، ولم يكن من قبل ذلك، وهو قول مقاتل بن حيان.

وقال قتادة: قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ ، أي: ضيق، قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم يعطها إلا نبي: كان يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وقال الله لهذه الأمة: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ ، وكان يقال للنبي: أنت شهيد على قومك، وقال الله لهذه الأمة: ﴿ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، وكان يقول للنبي: سل تعطه، وقال الله لهذه الأمة: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ ﴾ ، أي: صلوا لله، كقوله: ﴿ وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ  ﴾ يقول: صلوا، لا يصلون.

وقال قتادة: ﴿ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ ﴾ ، قال: لا صلاة إلا بركوع، وإن أقواماً أحدثوا بدعاً: يسجد أحدهم مائة سجدة لا يركع فيهن، وكان يقال: ثلاث مما أحدث الناس: "رفع الأيدي في الدعاء، والأصوات عند المسألة، والاختصار في السجود".

وقال أبو هريرة: "لا يصلح سجود إلا بركوع"، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وبه نستعين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع لهم، اركعوا واسجدوا في صلاتكم لله وحده، وافعلوا الخير من صدقة وصلة؛ رجاء أن تفوزوا بالمطلوب، وتنجوا من المرهوب.

<div class="verse-tafsir" id="91.DWJgZ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قد يجد الباطل أنصارًا، فيتبوأ من أنفسهم دارًا، ويتخذ له منها قرارًا، وتذهب على ذلك الأيام بعد الأيام، وتمضي عليه الأعوام إثر الأعوام، وهو يلعب بأهله، ويغلب أهواءهم بحيله، حتى يقصروا نظرهم عليه، ولا يجدوا ملجأ منه إلا إليه، فإذا أتوا من ناحيته رضوا، وإذا عرض لهم الحق أعرضوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تنحل به عراهم، وتفسد بعلله قواهم، والحق لا يزال يعرض نفسه، يستخدم مرة لينه وأخرى بأسه، وهو الشباب الذي لا يهرم، والعامل الصبور الذي لا يسأم، وإنما يعرض بوجه عن الأغبياء، ويولي ظهره الأشقياء، ثم لا ينفك يرحمهم ولا يبرح يتعهدهم، يسفر عليهم محياه، ويرسل إليهم أشعة من سناه، فإذا وافهم وقد وهنت منهم ومرهت عيونهم وحللت ليلهم، واشتد خبلهم، صاح بهم منه صائح ورمحهم من جنده رامح، فقلق بالباطل مكانه وزلزلت من حوله أركانه، وفزع يطلب النصير، وثار يلتمس المجير، فلا يجد إلا أسبابًا تقطعت به، وأعضادًا فت فيها بسبب، وقد رَنَّقَ قومه، وعبس يومه، فيحملق إلى الحق ويأخذ ببصره، ويستنزله بنظره، ولكن خاب الظن، وبطل الفن، ثم لا يلبث، وهو الباطل، أن يتحول عنده اليأس أملًا، ويجد من اليبس بللًا، فيظن، وهو هو، أن الحق ناصره، وأنْ ستقوى به أواصره، فيستنصر بجنده، ويطلب النجدة من عنده، وأقرب ما يكون خصم إلى الهلكة إذا اطمأن إلى عدوه، وأمل الخير في دنوه، هذا شأن الباطل وأهله، معه تقلبه في ملله ونِحَلِه.

يعلم كل ناظر في كتابنا الإلهي، (القرآن)، ما رفع الإسلام من شأن الأنبياء والمرسلين، والمنزلة التي أحلهم من حيث هم حملة الوحي، وقدوة البشر في الفضائل وصالح الأعمال، وتنزيهه إياهم عما رماهم به أعداؤهم وما نسبه إليهم المعتقدون بأديانهم.

ولا يخفى على أحد من أهل النظر في هذا الدين القويم أنه قد قرر عصمة الرسل كافة من الزلل في التبليغ، والزيغ عن الوجهة التي وجه الله وجوههم نحوها من قول أو عمل، وخص خاتمهم محمدًا  فوق ذلك بمزايا فصلت في ثنايا الكتاب العزيز.

عصمة الرسل في التبليغ عن الله أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب، وأيدته السنة، وأجمعت عليه الأمة، وما خالف منه بعض الفرق فإنما هو في غير الإخبار عن الله وإبلاغ وحيه في خلقه، ذلك الأصل الذي اعتمدت عليه الأديان حتى لا يرتاب فيه ملِّيٌّ يفهم ما معنى الدين.

مع ذلك لم يعدم الباطل فيه أعوانًا يعملون على هدمه، وتوهين كنهه، أولئك عشاق الروايات وعبدة النقل.

نظروا نظرة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ - الآية.

وفيما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، من أن "تَمَنَّي" بمعنى قرأ، والأمنية القراءة، فعمي عليهم وجه التأويل الحق، على فرض صحة الرواية عن ابن عباس، فذهبوا يطلبون ما به يصح التأويل في زعمهم، فقُيِّض لهم من يروي في ذلك أحاديث تختلف طرقها، وتتباين ألفاظها وتتفق في أن النبي  ، عندما بلغ منه أذى المشركين ما بلغ، وأعرضوا عنه، وجفاه قومه وعشيرته، لعيبه أصنامهم، وزرايته على آلهتم، أخذه الضجر من إعراضهم، ولحرصه على إسلامهم وتهالكه عليه، تمنى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقًا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى  ﴾ وهو في نادي قومه، وروي أنه كان في الصلاة، وذلك التمني أخذ بنفسه فطفق يقرؤها فلما بلغ قوله: ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى  ﴾ ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها بأن وسوس له بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط فمدح تلك الأصنام، وذكر أن شفاعتهن تُرْتَجى، فمنهم من قال إنه عندما بلغ ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى  ﴾ سها فقال: تلك الغرانيق العلى، إن شفاعتهن لَتُرْتَجى، ومنهم من روى (الغرانقة العلى)، ومنهم من روى إن شفاعتهن ترتجى، بدون ذكر الغرانقة والغرانيق، ومنهم من قال إنه قال: وأنها لمع الغرانيق العلى ومنهم من روى وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي تُرْتَجى، ففرح المشركون بذلك وعندما سجد في آخر السورة سجدوا معه جميعًا.

قال ابن حجر العسقلاني وتعدد الطرق وصحة ثلاثة منها وإن كانت مرسلة يدل على أن للواقعة أصلًا صحيحًا، وهذه الأسانيد الصحيحة -في رأيه- وإن كانت مراسيل يحتج بها من يرى الاحتجاج بالحديث المرسل، بل ومن لا يراه كذلك، لأنها متعددة يعضد بعضها بعضًا..

ولولا خوف التطويل لأتيت بجميع تلك الروايات، ما صح عنده منها وما لم يصح، ولكن لا أرى حاجة إليه في مقالي هذا.

روى ذلك ابن جرير الطبري، وشايعه عليه كثير من المفسرين، وفي طباع الناس إلْفُ الغريب، والتهافت على العجيب، فولعوا بهذه التفاسير واتخذوها عقدة إيمانهم، حتى ظنوا -وبعض الظن إثم- أنْ لا معدل عنها، ولا سبيل في فهم الآية سواها، ونسوا ما رآه جمهور المحققين في تأويلها وذهب إليه الأئمة في بيانها، حتى ثارت ثائرة الشبه هذه الأيام في نفوس كثيرة منهم وهم يزعمون أنهم مسلمون، وأحسوا أن ذلك الضرب من التفسير لا يتفق مع أصل العصمة في التبليغ، وأن فيه من الحجة للعدو ما لا سبيل إلى دفعه، فلجأوا إلى أهل العلم الصحيح يلتمسون منهم بيان المخرج مما سقطوا فيه، وتوهموا أنهم يقررون لهم ما ألفوا، ثم ينقذونهم من الحيرة مع ثباتهم على ما حرفوا، ولكن ضل رأيهم، وخاب ظنهم، وسيقامون على المنهج، ويرون الحق ناصعًا أبلج.

في صحيح البخاري: وقال ابن عباس في ﴿ ِإذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ  ﴾ ، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، ويحكم الله آياته، ويقال أُمنيته قراءته ﴿ إِلَّا أَمَانِيَّ  ﴾ يقرؤون ولا يكتبون.

اهـ.

فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ (يقال) بعدها فسرها بالحديث، رواية عن ابن عباس، وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين فيما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهرة العبارة، ثم حكايته تفسير الأمنية بمعنى القراءة بلفظ (يقال) يفيد أنه غير معتبر عنده (وسيأتي أن المراد بالحديث حديث النفس ).

وقال صاحب الإبريز: إن تفسير تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة مروي عن ابن عباس في نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواها علي بن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد علم ما للناس في ابن أبي صالح كاتب الليث وأن المحققين على تضعيفه..

-هذا ما في الرواية عن ابن عباس، وهي أصل هذه الفتنة وقد رأيت أن المحققين يضعفون راويها.

وأما قصة الغرانيق فمع ما فيها من الاختلاف الذي سبق ذكره جاء في تتميمها أن النبي  لم يفطن لما ورد على لسانه، وأن جبريل جاءه بعد ذلك فعرض عليه السورة فلما بلغ المتكلمين قال له: ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك فأنزل الله عليه ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ الآيات -تسلية له كما أنزل لذلك قوله: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا  إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا  ﴾ وفي بعض الروايات: إن حديث الغرانيق فشا في الناس حتى بلغ أرض الحبشة فساء ذلك المسلمين والنبي  ، فنزلت ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ الآية.

قال العسقلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد من الأئمة حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة اهـ.

وكفى في إنكار حديث أن يقول فيه ابن إسحاق: إنه من وضع الزنادقة، مع حال ابن إسحاق المعروفة عند المحدثين.

وقال القاضي عياض: إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلفقون من الصحف كل صحيح وسقيم، ثم نقل عن أبي بكر بن العلاء ما يدل على سقم الرواية واضطرب الرواة فيها وما يقضي عليها بالوهن والسقوط عن درجة الاعتبار.

وقال الإمام أبو بكر بن العربي -وكفى به حجة في الرواية والتفسير- إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له.

قال القاضي عياض: والذي ورد في الصحيح أن النبي  قرأ: ﴿ وَالنَّجْمِ  ﴾ وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس..

وقد يكون ذلك لبلاغة السورة، وشدة قرعها، وعظم وقعها، ثم قال القاضي: قد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته  ونزاهته عن هذه الرزيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسود عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي  أن من القرآن ما ليس منه حتى يفهمه جبريل  ، وذلك كله ممتنع في حقه  ، أو يقول ذلك النبي  من قبل نفسه عمدًا -وذلك كفر- أو سهوًا وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته  من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يشبّه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله -لا عمدًا ولا سهوًا- ما ل يُنزل عليه وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ  ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ  ﴾ .

وقال: ﴿ ِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا  ﴾ .

(ووجه ثان): وهو استحالة هذه القصة نظرًا وعرفًا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولَما كان النبي  ومن بحضرته من المسلمين، وصناديد المشركين، ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه.

(ووجه ثالث): أنه علم من عادة المنافقين، ومعاندة المشركين، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي  لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان كذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، قال: ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، وما ورد عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة، فدل على بطلها، واجتثاث أصلها، ولاشك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على بعض مغفلي المُحَدِّثين، ليلبس به على ضعفاء المسلمين.

(ووجه رابع): ذكر الرواة لهذه القصة أن فيها نزلت ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  ﴾ الآيتان -هاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه-، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، ولولا أن ثبته لكاد يركن إليهم شيئًا قليلًا، فمضمون هذا ومفهومه أن الله عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا.

وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه  قال: افتريت على الله وقلت ما لم يقل، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟!

وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ قال القشيري ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يُقْبِلَ بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كان ليفعل.

قال ابن الأنباري ما قارب الرسول ولا ركن.

انتهى المطلوب من كلام القاضي رحمه الله، وقد أورد بعد ذلك كثيرًا من القول في توهين الرواية وتكذيبها.

أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلة من ثلاث طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها...

إلخ، ما سبق فقد ذهبت عليه -كما قال في الإبريز- أن العصمة في العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أي وجه جاء، وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها.

هذا لو فرض اتصال الحديث، فما ظنك بالمراسيل، وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالرسل وما جاءوا به، فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له.

هذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم فلا يعتد بذكرها في بعض كتب التفسير، وأن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في بطله لا تنفخ في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه.

تفسير الآيات والآن أرجع إلى تفسير الآيات على الوجه الذي تحتمله ألفاظها، وتدل عليه عباراتها والله أعلم.

ولا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ الآيات -يحكي قَدَرًا قُدِّرّ للمرسلين كافة لا يعدونه، ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عرفت فيهم وفي أممهم.

فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قدس سلط الشيطان عليهم، فخلط في الوحي المنزل إليهم، ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته إلخ.

وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه، واختياراته من خاصة أوليائه، فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده.

ذكر الله لنبيه حالًا من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله، ليبين له سنته فيهم، وذلك بعد أن قال: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ  وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ  وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ  ﴾ .

إلى آخر الآيات.

ثم قال: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ  فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ إلخ، فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم ثم تبعه الأمر الإلهي بأن يقول النبي  لقومه: إنني لم أرسل إليكم إلا لإنذاركم بعاقبة ما أنتم عليه ولأبشر المؤمنين بالنعيم، وأما الذين يسعون في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدى وطرق السعادة ليحولوا عنها الأنظار، ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أقيمت لأجله، ويعاجز بذلك النبي  والمؤمنين -أي- يسابقونهم ليعجزوهم ويسكتوهم عن القول وذلك بلعبهم بالألفاظ وتحويلها عن مقصد قائلها -كما يقع عادة من أهل الجدل والمماحكة- هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم، وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتلى به النبي  من المعاجزة في الآيات قد ابتلى به الأنبياء السابقون فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف ويضادون أمانيه، ويحولون بينه وبين ما يبتغي بما يلقون في سبيله من العثرات.

فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الانبياء جميعًا يجب أن تفسر الآية وذلك على وجهين: (الأول): أن يكون تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة وهو معنى قد يصح وقد ورد استعمال اللفظ فيه، قال حسان بن ثابت في عثمان  : تمنى كتاب الله اول ليله وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر: تمنى كتاب الله أول ليله تَمَنِّيَ داود الزبور على رسل غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه بل على المعنى المفهوم من قولك: "ألقيت في حديث فلان" إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه ولا يكون قد أراده، أو نسبت إليه ما لم يقله، تعللًا بأن ذلك الحديث يؤدي إليه، وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة فالإلقاء بهذا بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال يصح أن ينسب إليه ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا أحدَّث قومه عليهم عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه فيه هدى لهم قام في وجهه شاغبون يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويتقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل، ولا زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق ولا يعتدون بتعجيز المعجزين ولا بهزء المستهزئين، إلى أن يظهر الحق بالمجاهدة وينتصر على الباطل بالمجالدة، فينسخ الله تلك الشبه ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها.

وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها، ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة، فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جلدهم، ثم يتمحص الحق عند الذين أوتو العلم، ويخلص لهم ورود كل شبهة عليه فيعلمون أن الحق من ربك فيصدقون به فتخبت وتطمئن له قلوبهم.

والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقر بالعقل في قرارة اليقين، وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين، وسواء أرجعت الضمير في "أنه الحق" إلى ما جاءت به الآيات المحكمة من الهدي الإلهي أو إلى القرآن، وهو أجلها، فالمعنى من الصحة على ما يراه أهل التمكين.

هؤلاء الذين أوتوا العلم هم الذين آمنوا وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، ولم يجعل للوهم عليهم سلطانًا فيحيد بهم عن ذلك النهج القويم، وأما الذين كفروا وهم ضعفاء العقول ومرضى القلوب، أو أهل العناد وزعماء الباطل، وقساة الطباع الذين لا تلين أفئدتهم، ولا تبش للحق قلوبهم، فأولئك لا يزالون في ريب من الحق أو الكتاب، لا تستقر عقولهم عليه، ولا يرجعون في متصرفات شؤونهم إليه، حتى تأتي ساعة هلاكهم بغتة فيلاقون حسابهم عند ربهم، أو إن أمتد بهم الزمن، ومادهم الأجل، فيصيبهم ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ  ﴾ يوم حرب يسامون فيه سوء عذاب القتل أو الأسر، ويقذفون إلى مطارح الذل وقرارات الشر، فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة، بل يسلبون ما كان لديهم ويساقون ما كان لديهم ويساقون إلى مصارع الهلكة، وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته.

ما أقرب هذه الآيات في معانيها إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ ، وقد قال بعد ذلك: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ  ﴾ ،ثم قال: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ  ﴾ إلخ الآيات.

وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى، فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم فيقولون آمنا به كل من عند ربنا فتخبت له قلوبهم وإن الله ليهديهم إلى صراط مستقيم، وأولئك هم الذين يفتتنون بالتأويل، ويشتغلون بقال وقيل، بما يلقي إليهم الشيطان، ويصرفهم عن مرامي البيان، ويميل بهم عن محجة الفرقان، وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد لن يغني عنهم من الله شيئًا فستوافيهم آجالهم، وتستقبلهم أعمالهم، فإن لم يوافهم الأجل على فراشهم، فيسغلبون في هراشهم، وهذه سنة جميع الأنبياء مع أممهم، وسبيل الحق مع الباطل من يوم رفع الله الانسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه، وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران لا مدخل لها في آيات سورة الحج، هذا هو الوجه الأول في تفسير آيات: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ إلى آخرها على تقدير أن تمنى قرأ وأن الأمنية بمعنى القراءة.

والله أعلم.

(الوجه الثاني في تفسير الآيات): أن التمني على معناه المعروف، وكذلك الأمنية، وهي أفعولة بمعنى المنية وجمعها أماني كما هو مشهور.

قال أبو العباس أحمد بن يحيي: التمني حديث النفس بما يكون وبما لا يكون، قال: والتمني سؤال الرب وفي الحديث: "إذا تمنى أحدكم فليتكثر فإنما يسأل ربه" وفي رواية "فليكثر" وقال ابن الأثيرالتمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون، وقال أبو بكر: تمنيت الشيء إذ قدرته وأحببت أن يصير إلى.

وكل ما قيل في معنى التمني على هذا الوجه فهو يرجع إلى ما ذكرنا ويتبعه معنى الأمنية.

ما أرسل الله من رسول ولا نبي ليدعو قومًا إلى هدى جديد أو شرع سابق شرعه لهم، ويحملهم على التصديق بكتاب جاء به نفسه إن كان رسولًا أو جاء به غيره إن كان نبيًا بعث ليحمل الناس على اتباع من سبقه إلا وله أمنية في قومه وهي أن يتبعوه وينحازوا على ما يدعوهم إليه، ويستشفوا من دائهم بدوائه، ويعصوا أهواءهم بإجابة ندائه، وما من رسول أرسل إلا وقد كان أحرص على إيمان أمته، وتصديقهم برسالته، منه على طعامه الذي يطعم وشرابه الذي يشرب، وسكنه الذي يسكن إليه، ويغدو عنه ويروح عليه، وقد كان نبينا  من ذلك في المقام الأعلى، والمكان الأسمى، قال الله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ  ﴾ وقال: ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وفي الآيات ما يطول سرده مما يدل على أمانيه  المتعلقة بهداية قومه وإخراجهم من ظلمات ما كانوا فيه إلى نور ما جاء به.

وما من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات، ووسوس في صدور الناس، وسلبهم الانتفاع بما وهبوا من قوة العقل والاحساس، فثاروا في وجهه، وصدوه عن قصده، وعاجزوه حتى لقد يعجزونه، وجادلوه بالسلاح والقوة حتى لقد يقهرونه، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها وسهل عليهم إيذاؤه وهو قليل الاتباع، ضعيف الأنصار، ظنوا الحق من جانبهم، وكان فيما القوة من العوائق بينه وبين ما عمد إليه فتنة لهم.

غلبت سنة الله في أن يكون الرسل من أوسط قومهم أو من المستضعفين فيهم، ليكون العامل في الإذعان بالحق محض الدليل وقوة البرهان، وليكون الاختيار المطلق هو الحامل لمن يدعى إليه على قبوله ولكيلا يشارك الحق الباطل في وسائله، أو يشاركه في نصب شراكه وحبائله، أنصار الباطل في كل زمان هم أهل الانفة والقوة والجاه والاعتزاز بالأموال والأولاد والعشيرة والأعوان والغرور بالزخارف، والزهو بكثرة المعارف، وتلك الخصال إنما تجتمع كلها أو بعضها في الرؤساء وذوي المكانة من الناس فتذهلهم عن أنفسهم، وتصرف نظرهم عن سبيل رشدهم، فإذا دعا إلى الحق داع عرفته القلوب النقية من أوضار هذه الفواتن، وفزعت إليه النفوس الصافية والعقول المستعدة لقبوله بخلوصها من هذه الشواغل، وقلما توجد إلا عند الضعفاء وأهل المسكنة فإذا التف هؤلاء حول الداعي وظاهروه على دعوته قام أولئك المغرورون يقولون: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ  ﴾ ، فإذا استدرجهم الله على سنته وجعل الجدال بينهم وبين المؤمنين سجالًا افتتن الذين في قلوبهم مرض من أشياعهم، وافتتنوا بما أصابوا من الظفر في دفاعهم، ولكن الله غالب على أمره فيمحق ما ألقاه الشيطان من هذه الشبهات ويرفع هذه الموانع وتلك العقبات، ويهب السلطان لآياته فيحكمها، ويثبت دعائمها، وينشئ من ضعف أنصارها قوة، ويخلف لهم في ذاتهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الشيطان هي السفلى، ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ  ﴾ .

وفي حكاية هذه السنة الإلهية التي أقام عليها الأنبياء والمرسلين، تسلية لنبينا  عما كان يلاقي من قومه ووعد له بأن سيكمل له دينه، ويتم عليه وعلى المؤمنين نعمته، مع التفاتهم إلى سيرة من سبقهم، ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ  ﴾ - ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ  ﴾ ، هذا هو التأويل الثاني في معنى الآية ويدل عليه ما سبق من الآيات ويرشد إليه سياق القصص السابق في قوله: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ  ﴾ إلخ، وأنت ترى أن قصة الغرانيق لا تتفق مع هذا المعنى الصحيح.

وهناك تأويل ثالث ذكره صاحب الإبريز وإني أنقله بحروفه، وما هو بالبعيد عن هذا بكثير، بعد ذكر أماني الأنبياء في أممهم، وطعمهم في إيمانهم، وشأن نبينا  في ذلك على نحو يقرب مما ذكرنا في الوجه الثاني: "ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كَفَرَ  ﴾ ، فأما من كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضًا لا يخلو أيضًا من وساوس لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة وبحسب المتعلقات.

إذا تقرر هذا فمعنى تمنى أنه يتمنى لهم الإيمان ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك  في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به، فخرج من هذا: أن الوساوس تلقى أولًا في قلوب الفريقين معًا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين، وتدوم على الكافرين.

وأنت إذا نظرت بين هذا التفسير وبين ما سبقه تتبين الأحق بالترجيح.

لو صح ما قاله نقله قصة الغرانيق لارتفعت الثقة بالوحي وانتفض الاعتماد عليه، كما قال القاضي البيضاوي وغيره، ولكان الكلام في الناسخ كالكلام في المنسوخ يجوز أن يلقي فيه الشيطان ما يشاء، ولا نهدم أعظم ركن للشرائع الإلهية وهو العصمة، وما يقال في المخرج عن ذلك ينفر منه الذوق ولا ينظر إليه العقل، على أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق العلى لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريًا على ألسنتهم إلا ما جاء في معجم ياقوت غير مسند ولا معروف بطريق صحيح وهذا يدل على أن القصة من اختراع الزنادقة كما قال ابن اسحق، وربما كانت منشأ ما أورده ياقوت، ولا يخفى أن الغرنوق والغرنيق لم يعرف في اللغة إلا اسمًا لطائر مائي أسود أو أبيض، أو هو اسم الكركي أو طائر يشبهه.

والغرنيق (بالضم وكزنبور وقنديل وسموأل وفردوس وقرطاس وعلابط) معناه الشاب الأبيض الجميل وتسمى الخصلة من الشعر المفتلة "الغرنوق" كما يسمى به ضرب من الشجر.

ويطلق الغرنوق والغرانق على ما يكون في أصل العوسج اللين النبات ويقال لمة غرانقة وغرانقية أي ناعمة تفيئها الريح، أو الغرنوق الناعم المستتر من النبات إلخ ولا شيء في هذه المعاني يلائم الآلهة والأصنام حتى يطلق عليها في فصيح القول الذي يعرض على ملوك البلاغة وأمراء الكلام.

فلا أظنك تعتقد إلا أنها من مفتريات الأعاجم ومختلفات الملبسين ممن لا يميز بين حر الكلام، وما استبعد من الضعفاء الأحلام، فراج ذلك على من يذهله الولوع بالرواية، عما تقضيه الدراية ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ  ﴾ .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد