تفسير الآية ٣٦ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٣٦ من سورة القصص

فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا بَيِّنَـٰتٍۢ قَالُوا۟ مَا هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّفْتَرًۭى وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ ٣٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٦ من سورة القصص من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه ، وعرضه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة والدلالات القاهرة ، على صدقهما فيما أخبرا عن الله عز وجل من توحيده واتباع أوامره .

فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه ، وأيقنوا أنه من الله ، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة ، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق ، فقالوا : ( ما هذا إلا سحر مفترى ) أي : مفتعل مصنوع .

وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه ، فما صعد معهم ذلك .

وقوله : ( وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ) يعنون : عبادة الله وحده لا شريك له ، يقولون : ما رأينا أحدا من آبائنا على هذا الدين ، ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ (36) يقول تعالى ذكره: فلما جاء موسى فرعون وملأه بأدلتنا وحججنا بينات أنها حجج شاهدة بحقيقة ما جاء به موسى من عند ربه, قالوا لموسى: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته من قبلك وتخرّصته كذبا وباطلا( وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا ) الذي تدعونا إليه من عبادة من تدعونا إلى عبادته في أسلافنا وآبائنا الأولين الذين مضوا قبلنا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات أي ظاهرات واضحات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى مكذوب مختلق وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين .

وقيل : إن هذه الآيات وما احتج به موسى في إثبات التوحيد من الحجج العقلية وقيل : هي معجزاته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فذهب موسى برسالة ربه { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ } واضحات الدلالة على ما قال لهم، ليس فيها قصور ولا خفاء.

{ قَالُوا } على وجه الظلم والعلو والعناد { مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى } كما قال فرعون في تلك الحالة التي ظهر فيها الحق، واستعل على الباطل، واضمحل الباطل، وخضع له الرؤساء العارفون حقائق الأمور { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } هذا، وهو الذكي غير الزكي الذي بلغ من المكر والخداع والكيد ما قصه اللّه علينا وقد علم { مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ولكن الشقاء غالب.{ وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ } وقد كذبوا في ذلك، فإن اللّه أرسل يوسف عليه السلام قبل موسى، كما قال تعالى { وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات ) واضحات ، ( قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ) مختلق ، ( وما سمعنا بهذا ) بالذي تدعونا إليه ، ( في آبائنا الأولين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات» واضحات حال «قالوا ما هذا إلا سحر مفترى» مختلق «وما سمعنا بهذا» كائنا «في» أيام «آبائنا الأولين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما جاء موسى فرعون وملأه بأدلتنا وحججنا شاهدة بحقيقة ما جاء به موسى مِن عند ربه، قالوا لموسى: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته كذبًا وباطلا وما سمعنا بهذا الذي تدعونا إليه في أسلافنا الذين مضوا قبلنا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وتحكى الآيات الكريمة بعد ذلم ما دار بين موسى وبين فرعون وقومه من محاورات ومجادلات ، انتهت بانتصار الحق ، وهلاك الباطل .

.

.

.

تحكى الآيات كل ذلك فتقول : ( فَلَمَّا جَآءَهُم .

.

.

) .المراد بالآيات فى قوله - تعالى - ( فَلَمَّا جَآءَهُم موسى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ ) : العصا واليد .

وجمعهما تعظيم لشأنهما ، ولاشتمال كل واحدة منهما على دلائل متعددة على صدق موسى - عليه السلام - فيما جاء به من عند ربه - تعالى - .والمعنى : ووصل موسى إلى فرعون وقومه ، ليأمرهم بعبادة الله وحده ، فلما جاءهم بالمعجزات التى أيدناه بها ، والتى تدل على صدقه دلالة واضحة .( قَالُواْ ) له على سبيل التبجح والعناد ( مَا هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى ) أى : قالوا له : ما هذا الذى جئت به يا موسى إلا سحر أتيت به من عند نفسك .ثم أكدوا قولهم الباطل هذا بآخر أشد منه بطلانا ، فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - : ( وَمَا سَمِعْنَا بهذا في آبَآئِنَا الأولين ) .أى : وما سمعنا بهذا الذى جئتنا به يا موسى ، من الدعوة إلى عبادة الله وحده ومن إخبارك لنا بأنك نبى .

.

.

ما سمعنا بشىء من هذا كائنا أو واقعا فى عهد آبائنا الأولين وقولهم هذا يدل على إعراضهم عه الحق ، وعكوفهم على ما ألفوه بدون تفكر أو تدبر.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تزوج صغراهما وقضى أوفاهما» أي قضى أوفى الأجلين، وقال مجاهد قضى الأجل عشر سنين ومكث بعد ذلك عنده عشر سنين وقوله: ﴿ فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءانَسَ ﴾ يدل على أن ذلك الإيناس حصل عقيب مجموع الأمرين ولا يدل على أنه حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل، فبطل ما قاله القاضي من أن ذلك يدل على أنه لم يزد عليه وقوله: ﴿ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ﴾ ليس فيه دلالة على أنه خرج منفرداً معها وقوله: ﴿ امكثوا ﴾ فيه دلالة على الجمع.

أما قوله: ﴿ إِنّى آنَسْتُ نَاراً ﴾ فقد مر تفسيره في سورة طه والنمل.

أما قوله: ﴿ لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ﴾ ففيه أبحاث: الأول: قال صاحب الكشاف الجذوة باللغات الثلاث وقد قرئ بهن جميعاً وهو العود الغليظ كانت في رأسه نار أو لم تكن، قال الزجاج الجذوة القطعة الغليظة من الحطب.

الثاني: قد حكينا في سورة طه أنه أظلم عليه الليل في الصحراء وهبت ريح شديدة فرقت ماشيته وضل وأصابهم مطر فوجدوا برداً شديداً فعنده أبصر ناراً بعيدة فسار إليها يطلب من يدله على الطريق وهو قوله: ﴿ آتيكم منها بخبر ﴾ أو آتيكم من هذه النار بجذوة من الحطب لعلكم تصطلون وفي قوله: ﴿ لعلي آتيكم منها بخبر ﴾ دلالة على إنه ضل وفي قوله: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ دلالة على البرد.

أما قوله: ﴿ فَلَمَّا أتاها نُودِىَ مِن شَاطِئ الوادى الأيمن فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة أَن ياموسى إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين ﴾ فاعلم أن شاطئ الوادي جانبه وجاء النداء عن يمين موسى من شاطئ الوادي من قبل الشجرة وقوله: ﴿ مِنَ الشجرة ﴾ بدل من قوله: ﴿ مِن شَاطِئ الوادى ﴾ بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ كقوله: ﴿ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ  ﴾ وإنما وصف البقعة بكونها مباركة لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة وتكليم الله تعالى إياه وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: احتجت المعتزلة على قولهم إن الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله: ﴿ مِنَ الشجرة ﴾ فإن هذا صريح في أن موسى عليه السلام سمع النداء من الشجرة والمتكلم بذلك النداء هو الله سبحانه وهو تعالى منزه أن يكون في جسم فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم أجاب القائلون بقدم الكلام فقالوا لنا مذهبان الأول: قول أبي منصور الماتريدي وأئمة ما وراء النهر وهو أن الكلام القديم القائم بذات الله تعالى غير مسموع إنما المسموع هو الصوت والحرف وذلك كان مخلوقاً في الشجرة ومسموعاً منها، وعلى هذا التقدير زال السؤال الثاني: قول أبي الحسن الأشعري وهو أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً، كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية فعلى هذا القول لا يبعد أنه سمع الحرف والصوت من الشجرة وسمع الكلام القديم من الله تعالى لا من الشجرة فلا منافاة بين الأمرين، واحتج أهل السنة بأن محل قوله: ﴿ إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين ﴾ لو كان هو الشجرة لكان قد قالت الشجرة إني أنا الله، والمعتزلة أجابوا بأن هذا إنما يلزم لو كان المتكلم بالكلام هو محل الكلام لا فاعله وهذا هو أصل المسألة، أجاب أهل السنة بأن الذراع المسموم قال لا تأكل مني فإني مسموم ففاعل ذلك الكلام هو الله تعالى، فإن كان المتكلم بالكلام هو فاعل ذلك الكلام لزم أن يكون الله قد قال لا تأكل مني فإني مسموم، وهذا باطل وإن كان المتكلم هو محل الكلام لزم أن تكون الشجرة قد قالت إني أنا الله وكل ذلك باطل.

المسألة الثانية: يحتمل أن يقال إنه تعالى خلق فيه علماً ضرورياً بأن ذلك الكلام كلام الله، والمعتزلة لا يرضون بذلك قالوا لأنه لو علم بالضرورة أن ذلك الكلام كلام الله لوجب أن يعلم بالضرورة وجود الله تعالى لأنه يستحيل أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلومة بالنظر ولو علم موسى أنه الله تعالى بالضرورة لزال التكليف ويحتمل أن يقال إنه تعالى لما أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت عرف أن مثل ذلك الكلام لا يمكن أن يكون كلام الخلق ويحتمل أن يقال إن ظهور الكلام من الشجرة كظهور التسبيح من الحصى في أنه يعلم أن مثل ذلك لا يكون إلا من الله تعالى، ويحتمل أن يكون المعجز هو أنه رأى النار في الشجرة الرطبة فعلم أنه لا يقدر على الجمع بين النار وبين خضرة الشجرة إلا الله تعالى، ويحتمل أن يصح ما يروى أن إبليس لما قال له كيف عرفت أنه نداء الله تعالى؟

قال لأني سمعته بجميع أجزائي، فلما وجد حس السمع من جميع الأجزاء علم أن ذلك مما لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى، وهذا إنما يصح على مذهبنا حيث قلنا البنية ليست شرطاً.

المسألة الثالثة: قال في سورة النمل (8): ﴿ نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ وقال هاهنا ﴿ نودي...

إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين ﴾ وقال في طه (11، 12): ﴿ نُودِىَ...

إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ ﴾ ولا منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء.

المسألة الرابعة: قال الحسن إن موسى عليه السلام نودي نداء الوحي لا نداء الكلام والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى ﴾ قال الجمهور إن الله تعالى كلمه من غير واسطة والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً  ﴾ وسائر الآيات، وأما الذي تمسك به الحسن فضعيف لأن قوله: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى ﴾ لم يكن بالوحي لأنه لو كان ذلك أيضاً بالوحي لانتهى آخر الأمر إلى كلام يسمعه المكلف لا بالوحي وإلا لزم التسلسل بل المراد من قوله: ﴿ فاستمع لِمَا يُوحَى ﴾ وصيته بأن يتشدد في الأمور التي تصل إليه في مستقبل الزمان بالوحي.

أما قوله: ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ ياموسى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الأمنين ﴾ فقد تقدم تفسير كل ذلك، وقوله: ﴿ كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ صريح في أنه تعالى شبهها بالجان ولم يقل إنه في نفسه جان، فلا يكون هذا مناقضاً لكونه ثعباناً بل شبهها بالجان من حيث الاهتزاز والحركة لا من حيث المقدار، وقد تقدم الكلام في خوفه، ومعنى ﴿ وَلَمْ يُعَقّبْ ﴾ لم يرجع، يقال عقب المقاتل إذا كر بعد الفر، وقال وهب إنها لم تدع شجرة ولا صخرة إلا ابتلعتها حتى سمع موسى عليه السلام صرير أسنانها وسمع قعقعة الصخر في جوفها فحينئذ ولى، واختلفوا في العصا على وجوه: أحدها: قالوا إن شعيباً كانت عنده عصي الأنبياء عليهم السلام، فقال لموسى بالليل إذا دخلت ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي، فأخذ عصا هبط بها آدم عليه السلام من الجنة ولم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقعت إلى شعيب عليه السلام فقال أرني العصا فلمسها وكان مكفوفاً فضن بها فقال خذ غيرها فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له معها شأناً.

وروي أيضاً أن شعيباً عليه السلام أمر ابنته أن تأتي بعصا لأجل موسى عليه السلام فدخلت البيت وأخذت العصا وأتته بها فلما رآها الشيخ قال ائتيه بغيرها فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلم يقع في يدها غيرها، فلما رأى الشيخ ذلك رضي به ثم ندم بعد ذلك وخرج يطلب موسى عليه السلام فلما لقيه قال أعطني العصا، قال موسى هي عصاي فأبى أن يعطيه إياها فاختصما، ثم توافقا على أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما فأتاهما ملك يمشي فقضى بينهما فقال ضعوها على الأرض فمن حملها فهي له فعالجها الشيخ فلم يطق وأخذها موسى عليه السلام بسهولة، فتركها الشيخ له ورعى له عشر سنين.

وثانيها: روى ابن صالح عن ابن عباس قال كان في دار بيرون ابن أخي شعيب بيت لا يدخله إلا بيرون وابنته التي زوجها من موسى عليه السلام، وأنها كانت تكنسه وتنطفه، وكان في ذلك البيت ثلاث عشرة عصا، وكان لبيرون أحد عشر ولداً من الذكور فكلما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصي فرجع موسى ذات يوم إلى منزله، فلم يجد أهله واحتج إلى عصا لرعيه فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج بها فلما علمت المرأة ذلك انطلقت إلى أبيها وأخبرته بذلك فسر بذلك بيرون وقال لها إن زوجك هذا لنبي، وإن له مع هذه العصا لشأناً.

وثالثها: في بعض الأخبار أن موسى عليه السلام لما عقد العقد مع شعيب وأصبح من الغد وأراد الرعي قال له شعيب عليه السلام اذهب بهذه الأغنام فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ بها أكثر فإن بها تنيناً عظيماً فأخشى عليك وعلى الأغنام منه، فذهب موسى بالأغنام فلما بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين فاجتهد موسى على أن يردها فلم يقدر فسار على أثرها فرأى عشباً كثيراً، ثم إن موسى عليه السلام نام والأغنام ترعى وإذا بالتنين قد جاء فقامت عصا موسى عليه السلام فقاتلته حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى وهي دامية فلما استيقظ موسى عليه السلام رأى العصا دامية والتنين مقتولاً فارتاح لذلك وعلم أن لله تعالى في تلك العصا قدرة وآية، وعاد إلى شعيب عليه السلام وكان ضريراً فمس الأغنام فإذا هي أحسن حالاً مما كانت فسأله عن ذلك فأخبره موسى عليه السلام بالقصة ففرح بذلك وعلم أن لموسى عليه السلام وعصاه شأناً، فأراد أن يجازي موسى عليه السلام على حسن رعيه إكراماً وصلة لابنته فقال إني وهبت لك من السخال التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك الماء الذي تسقي الغنم منه ففعل ثم سقى الأغنام منه فما أخطت واحدة منها إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله تعالى إلى موسى عليه السلام وامرأته فوفى له شرطه.

ورابعها: قال بعضهم تلك العصا هي عصا آدم عليه السلام وإن جبريل عليه السلام أخذ تلك العصا بعد موت آدم عليه السلام فكانت معه حتى لقي بها موسى عليه السلام ربه ليلاً.

وخامسها: قال الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضاً أي أخذها من عرض الشجر يقال اعترض إذا لم يتخير، وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه ولا مطمع في ترجيح بعض هذه الوجوه على بعض لأنه ليس في القرآن ما يدل عليها والأخبار متعارضة، والله أعلم بها.

أما قوله تعالى: ﴿ أسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء ﴾ فاعلم أن الله تعالى قد عبر عن هذا المعنى بثلاث عبارات أحدها: هذه.

وثانيها: قوله في طه (22): ﴿ واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء ﴾ .

وثالثها: قوله في النمل (12): ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ قال العزيزي في غريب القرآن: ﴿ اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ أدخلها فيه.

أما قوله: ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب ﴾ فأحسن الناس كلاماً فيه، قال صاحب الكشاف: فيه معنيان أحدهما: أن موسى عليه السلام لما قلب الله له العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء، فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى، والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه الثاني: أن يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعاره من فعل الطائر، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران، ومعنى قوله: ﴿ مِنَ الرهب ﴾ من أجل الرهب، أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك وقوله: ﴿ اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ على أحد التفسيرين واحد، ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني إخفاء الرهب، فإن قيل قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموماً وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله: ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ﴾ وقوله: ﴿ واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ  ﴾ فما التوفيق بينهما؟

قلنا المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى، وبالمضموم إليه اليد اليسرى، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح، هذا كله كلام صاحب الكشاف وهو في نهاية الحسن.

أما قوله تعالى: ﴿ فَذَانِكَ ﴾ قرئ مخففاً ومشدداً، فالمخفف مثنى (ذا)، والمشدد مثنى (ذان)، قوله: ﴿ برهانان مِن رَّبّكَ ﴾ حجتان نيرتان على صدقه في النبوة وصحة ما دعاهم إليه من التوحيد، وظاهر الكلام يقتضي أنه تعالى أمره بذلك قبل لقاء فرعون حتى عرف ما الذي يظهره عنده من المعجزات، لأنه تعالى حكى بعد ذلك عن موسى عليه السلام أنه قال: ﴿ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ  ﴾ قال القاضي: وإذا كان كذلك فيجب أن يكون في حال ظهور البرهانين هناك من دعاه إلى رسالته من أهله أو غيرهم، إذ المعجزات إنما تظهر على الرسل في حال الإرسال لا قبله، وإنما تظهر لكي يستدل بها غيرهم على الرسالة وهذا ضعيف، لأنه ثبت أنه لابد في إظهار المعجزة من حكمة ولا حكمة أعظم من أن يستدل بها الغير على صدق المدعي، وأما كونه لا حكمة هاهنا فلا نسلم، فلعل هناك أنواعاً من الحكم والمقاصد سوى ذلك، لا سيما وهذه الآيات متطابقة على أنه لم يكن هناك مع موسى عليه السلام أحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سِحْرٌ مُّفْتَرًى ﴾ سحر تعمله أنت ثم تفتريه على الله.

أو سحر ظاهر افتراؤه.

أو موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر وليس بمعجزة من عند الله ﴿ وفي آياتنا ﴾ حال منصوبة عن هذا، أي: كائناً في زمانهم وأيامهم، يريد: ما حدثنا بكونه فيهم، ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك، وقد سمعوا وعلموا بنحوه.

أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته.

أو ما كان الكهان يخبرون بظهور موسى ومجيئه بما جاء به.

وهذا دليل على أنهم حجوا وبهتوا، وما وجدوا ما يدفعون به ما جاءهم من الآيات إلا قولهم هذا سحر وبدعة لم يسمعوا بمثلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ بِها.

﴿ وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا ﴾ مُعِينًا وهو في الأصْلِ اسْمُ ما يُعانُ بِهِ كالدِّفْءِ، وقَرَأ نافِعٌ «رِدًا» بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ يُصَدِّقُنِي ﴾ بِتَخْلِيصِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الحُجَّةِ وتَزْيِيفِ الشُّبْهَةِ.

﴿ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ ولِسانِي لا يُطاوِعُنِي عِنْدَ المُحاجَّةِ، وقِيلَ المُرادُ تَصْدِيقُ القَوْمِ لِتَقْرِيرِهِ وتَوْضِيحِهِ لَكِنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿ يُصَدِّقُنِي ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ.

﴿ قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ﴾ سَنُقَوِّيكَ بِهِ فَإنَّ قُوَّةَ الشَّخْصِ بِشِدَّةِ اليَدِ عَلى مُزاوَلَةِ الأُمُورِ، ولِذَلِكَ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ وشِدَّتُها بِشِدَّةِ العَضُدِ.

﴿ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا ﴾ غَلَبَةً أوْ حَجَّةً.

﴿ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما ﴾ بِاسْتِيلاءٍ أوْ حِجاجٍ.

﴿ بِآياتِنا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ اذْهَبا بِآياتِنا، أوْ بِـ ( نَجْعَلُ ) أيْ نُسَلِّطُكُما بِها، أوْ بِمَعْنى «لا يَصِلُونَ» أيْ تَمْتَنِعُونَ مِنهم، أوْ قَسَمٌ جَوابُهُ «لا يَصِلُونَ»، أوْ بَيانٌ لِـ ( الغالِبُونَ ) في قَوْلِهِ: ﴿ أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ صِلَةٌ لِما بَيَّنَهُ أوْ صِلَةٌ لَهُ عَلى أنَّ اللّامَ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ لا بِمَعْنى الَّذِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات} واضحات {قَالُواْ مَا هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى} أي سحر تعمله

القصص (٣٨ - ٣٦)

أنت ثم تفتريه على الله أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر وليس بمعجزة من عند الله {وَمَا سَمِعْنَا بهذا فِى آبائنا الأولين} حال منصوبة عن هذا أي كائناً في زمانهم يعني ما حدثنا بكونه فيهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ ﴾ أيْ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ العَصا واليَدُ إذْ هُما اللَّتانِ أظْهَرَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه سِرُّ التَّعْبِيرِ عَنْهُما بِصِيغَةِ الجَمْعِ (قالُوا) ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ ﴿ إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى ﴾ أيْ سِحْرٌ تَخْتَلِقُهُ لَمْ يُفْعَلْ قَبْلَهُ مِثْلُهُ فالِافْتِراءُ بِمَعْنى الِاخْتِلاقِ لا بِمَعْنى الكَذِبِ أوْ سِحْرٌ تَتَعَلَّمُهُ مِن غَيْرِكَ ثُمَّ تَنْسُبُهُ إلى اللَّهِ تَعالى كَذِبًا فالِافْتِراءُ بِمَعْنى الكَذِبِ لا بِمَعْنى الِاخْتِلاقِ والصِّفَةُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُخَصَّصَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالِافْتِراءِ التَّمْوِيهُ أيْ هو سِحْرٌ مُمَوِّهٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ كَسائِرِ أنْواعِ السِّحْرِ.

وعَلَيْهِ تَكُونُ الصِّفَةُ مُؤَكِّدَةً والِافْتِراءُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ.

والحَقُّ أنَّ مِن أنْواعِ السِّحْرِ ما لَهُ حَقِيقَةٌ فَتَكُونُ الصِّفَةُ مُخَصَّصَةً أيْضًا ﴿ وما سَمِعْنا بِهَذا ﴾ أيْ نَوْعِ السِّحْرِ أوْ ما صَدَرَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ بِمِثْلِ هَذا أوِ الإشارَةِ إلى ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ ونَفْيِهِمُ السَّماعَ بِذَلِكَ تَعَمُّدٌ لِلْكَذِبِ فَقَدْ جاءَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ وما بِالعَهْدِ مِن قِدَمٍ.

ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا نَفْيَ سَماعِ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ عَلى وجْهِ الصِّدْقِ عِنْدَهم وكانُوا يُنْكِرُونَ أصْلَ النُّبُوّاتِ ولا يَقُولُونَ بِصِحَّةِ شَيْءٍ مِنها كالبَراهِمَةِ وكَكَثِيرٍ مِنَ الإفْرِنْجِ ومَن لَحِسَ مِن فَضَلاتِهِمُ اليَوْمَ.

والباءُ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ إمّا عَلى أصْلِها أوْ زائِدَةٌ أيْ ما سَمِعْنا هَذا ﴿ فِي آبائِنا الأوَّلِينَ ﴾ أيْ واقِعًا في أيّامِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن هَذا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ والعامِلُ فِيهِ سَمِعْنا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِهَذا عَلى تَقْدِيرٍ بِوُقُوعِ هَذا، ويَكُونُ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِذَلِكَ المُقَدَّرِ، وأشارُوا بِوَصْفِ آبائِهِمْ بِالأوَّلِينَ إلى انْتِفاءِ ذَلِكَ مُنْذُ زَمانٍ طَوِيلٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قالَ موسى رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ به وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً يعني: أبين مني لساناً، وكانت في لسان موسى عقدة من النار التي أدخلها فاه فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً أي عوناً يُصَدِّقُنِي يعني: لكي يصدقني، ويعبر عن كلامي.

قرأ نافع ردا بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز، فمن قرأ بالهمز، فهو الأصل، ومن قرأ بغير همز، فإنما ألقى فتحة الهمزة على الدال، وليّن الهمزة.

وقرأ عاصم وحمزة يُصَدِّقُنِي بضم القاف، وقرأ الباقون بالجزم.

فمن قرأ بالجزم، جعله جواب الأمر، ومن قرأ بالضم جعله صفة ردءاً، أي ردءاً مصدقاً.

ثم قال: إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ أي فرعون وآله قالَ الله تعالى: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ أي: نقويك بأخيك وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً يعني: حجة ثانية، وهي اليد والعصا فَلا يَصِلُونَ بسوء إليكما أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا يعني: من آمن بكما الْغالِبُونَ في الحجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ- غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومَنْ لَبِسَ ثَوْباً، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا الثَّوْبَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» «١» رواه أبو داود واللفظُ له، والترمذيُّ وابن ماجه والحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح على شرط البخاريِّ، وقالَ الترمذيُّ:

حسنٌ غريب، انتهى من «السلاح» .

فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)

وقوله تعالى: فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ ...

الآية: في هذا الموضِع اختصارٌ يدلُّ عليه الظاهرُ، قدَّرَهُ ابنُ إسحاقٍ: فذهبتا إلى أبيهما فأخبرتاه بما كان من الرجل، فأمر إحدى ابنَتَيْه أنْ تدعوَه له، فجاءته، على ما في الآية/.

وقوله: عَلَى ٥٧ أاسْتِحْياءٍ أي: خَفِرَةٍ، قد سَتَرَتْ وَجْهَهَا بِكُمِّ دِرْعِها قاله عمر بن الخطاب «٢» - رضي الله عنه-.

وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «الحياء من الإيمان والإيمان فِي الجَنَّةِ، والبَذَاءُ مِنَ الجَفَاءِ والجَفَاءُ فِي النّار» «٣» قال أبو عيسى: هذا حديث

حسن صحيح انتهى.

والجمهورُ أن الداعِيَ لموسَى- عليه السلامُ- هو شُعَيْبُ عليه السلام وأن المرأتينْ ابنتَاه، ف قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ...

الآية، فَقَام يَتْبعُهَا فَهَبَّتْ رِيحٌ ضَمَّتْ قَمِيصَها إلى بَدَنِهَا فَتَحَرَّجَ مُوسَى عليه السلام من النظر إليها فقال لها: امشي خلفي وأرشديني إلى الطريق، فَفَهِمَتْ عَنْهُ فذلك سَبَبُ وَصْفِهَا له بِالأَمَانَةِ قاله ابن عباس «١» .

فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ فآنسَه بقَولهِ: لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فلما فَرَغ كلامُهُمَا قالت إحدى الابنتين يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فقال لها أبوها: ومن أين عَرَفْتِ هذا منه؟

قالت: أَمّا قوتُه فَفِي رفعِ الصَّخْرَةِ، وأمّا أمَانَتُهُ فَفِي تَحَرُّجِه عَنِ النَّظَرِ إلَيَّ قاله ابن عباس «٢» وقتادة وابن زيد وغيرهم، فقال له الأَبُ عند ذلك: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ ...

الآية، قال ابن العربي: فِي «أحْكَامِهِ» «٣» قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ يدلُّ على أنه عَرْضٌ لاَ عَقْدٌ لأنه لو كان عَقْداً، لعَيَّن المعقودَ عَلَيْهَا لأن العلماءَ وإنْ اختلفوا في جواز البيع، إذا قَال له: بعتُكَ أَحَدَ عَبْدَيَّ هذينِ بثَمَنِ كذا، فإنهم اتَّفَقُوا على أن ذلكَ لاَ يجُوزُ في النكاحَ لأنه خيارٌ وشَيْءٌ مِن الخيارِ لاَ يُلْحَقَ بالنِّكَاحِ «٤» .

ورُوِي أنه قال شعيبٌ: أَيَّتُهما تُرِيد؟

قال:

الصغرى، انتهى.

«وتَأجَر» معناه: تُثِيبُ وجَعَلَ شعيبُ الثمانيةَ الأعوامَ شَرْطاً وَوَكَلَ العَامَيْنِ إلى المُرُوءَةِ، ولما فَرَغَ كلامُ شُعَيْبٍ قَرَّره موسَى وكَرَّرَ معناه على جهة التوثقِ في أن الشَّرط إنما وقع في ثمان حجج، وأَيَّمَا استفهامٌ نُصِبَ ب قَضَيْتُ و «ما» صلةٌ للتّأكيد و «لا عدوان» لا تباعة عليّ، و «الوكيل» : الشاهد القائم بالأمر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ ﴾ رَوى ابْن عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ سُئِلَ: أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، قالَ: أوْفاهُما وأطْيَبهما» .

قالَ مُجاهِدٌ مَكَثَ بَعْدَ قَضاءِ الأجَلِ عِنْدَهم عَشْرًا أُخَرَ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أقامَ عِنْدَهم بَعْدَ أنْ أدْخَلَ عَلَيْهِ امْرَأتَهُ سِنِينَ، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ [طَهَ: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ أوْ جَذْوَةٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: " جِذْوَةً " بِكَسْرِ الجِيمِ.

وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِها.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والوَلِيدُ عَنِ ابْن عامِرٍ بِضَمِّها، وكُلُّها لُغاتٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجَذْوَةُ: قِطْعَةُ حَطَبٍ فِيها نارٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الحَطَبِ لَيْسَ فِيها لَهَبٌ، وهي مِثْلُ الجَذْمَةِ مِن أصْلِ الشَّجَرَةِ، قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجِذا غَيَّرَ خُوّارٍ ولا دَعْرِ والدَّعْرُ: الَّذِي قَدْ نَخِرَ، ومِنهُ رَجُلٌ داعِرٌ، أيْ: فاسِدٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ ﴾ وهو: جانِبُهُ ﴿ الأيْمَنِ ﴾ وهو الَّذِي عَنْ يَمِينِ مُوسى ﴿ فِي البُقْعَةِ ﴾ وهي القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ ﴿ المُبارَكَةِ ﴾ بِتَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى فِيها ﴿ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴾ أيْ: مِن ناحِيَتِها.

وفي تِلْكَ الشَّجَرَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّها] شَجَرَةُ العُنّابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَوْسَجَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ أيْ: مِن أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْلُكْ يَدَكَ ﴾ أيْ: أُدْخِلُها، ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ ﴾ قَدْ فَسَّرْنا الجَناحَ في (طَهَ: ٢٢) إلّا أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ خالَفَ بَيْنَ تَفْسِيرِ اللَّفْظَيْنِ، فَشَرَحْناهُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَناحُهُ: الذِّراعُ والعَضُدُ والكَفُّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الجَناحُ هاهُنا: العَضُدُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها: جَناحٌ.

وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الجَناحُ هاهُنا: العَصا.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجَناحُ لِلْإنْسانِ مُشَبَّهٌ بِالجَناحِ لِلطّائِرِ، فَفي حالٍ تُشَبِّهُ العَرَبُ رِجْلَيِ الإنْسانِ بِجَناحِي الطّائِرِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ مَضى فُلانٌ طائِرًا في جَناحَيْهِ، يَعْنُونَ ساعِيًا عَلى قَدَمَيْهِ، وفي حالٍ يَجْعَلُونَ العَضُدَ مِنهُ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطّائِرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ ﴾ ، وفي حالٍ يَجْعَلُونَ العَصا بِمَنزِلَةِ الجَناحِ، لِأنَّ الإنْسانَ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ كَدَفْعِ الطّائِرِ عَنْ نَفْسِهِ بِجَناحِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ﴾ ، وإنَّما يُوقَعُ الجَناحُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ تَشْبِيهًا واسْتِعارَةً، كَما يُقالُ: قَدْ قَصَّ جَناحَ الإنْسانِ، وقَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ: إذا وقَعَتْ بِهِ جائِحَةٌ أبْطَلَتْ تَصَرُّفَهُ؛ ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أنْتِ يَدِي ورِجْلِي، أيْ: أنْتَ مَن بِهِ أُصِلُ إلى مُحابِّي، قالَ جَرِيرٌ: سَأشْكُرُ أنْ رَدَّدَتْ إلَيَّ رِيشِي وأنْبَتَّ القَوادِمَ في جَناحِي وَقالَتْ امْرَأةٌ مِنَ العَرَبِ تَرْثِي زَوْجَها الأغَرَّ: يا عِصْمَتِي في النّائِباتِ ويا ∗∗∗ رُكْنِيَ [الأغَرَّ] ويا يَدِي اليُمْنى ∗∗∗ لا صُنْتُ وجْهًا كُنْتُ صائِنَهُ ∗∗∗ أبَدًا ووَجْهُكَ في الثَّرى يَبْلى فَأمّا الرَّهْبُ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " مِنَ الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مِنَ الرُّهْبِ " بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ.

وقَرَأ حَفْصٌ [وَأبانُ] عَنْ عاصِمٍ: " مِنَ الرَّهْبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ [وَهِيَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ السَّمَيْفَعِ] .

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِضَمِّ الرّاءِ والهاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الرُّهْبُ، والرَّهَبُ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ الرُّشْدِ، والرَّشَدِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرُّهْبُ والرَّهْبَةُ بِمَعْنًى الخَوْفِ والفَرَقِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الرَّهْبُ، والرُّهُبُ، والرَّهَبُ، مِثْلُ الشَّغْلِ، والشُّغُلِ، والشَّغَلِ والبَخْلِ، والبُخُلِ، والبَخَلِ، وتِلْكَ لُغاتٌ تَرْجِعُ إلى مَعْنى الخَوْفِ والفَرَقِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا هَرَبَ مِنَ الحَيَّةِ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ جَناحَهُ لِيَذْهَبَ عَنْهُ الفَزَعُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: اضْمُمْ يَدَكَ إلى صَدْرِكَ مِنَ الخَوْفِ ولا خَوْفَ عَلَيْكَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ مَن فَزِعَ فَضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ ذَهَبَ عَنْهُ الفَزَعُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا هالَهُ بَياضُ يَدِهِ وشُعاعُها، أمَرَ أنْ يُدْخِلَها في جَيْبِهِ، فَعادَتْ إلى حالَتِها الأُولى.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: سَكَنَ رَوْعُكَ، وثَبَتَ جَأْشُكَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ يُرادُ بِهِ الضَّمُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، إنَّما أمْرٌ بِالعَزْمِ [عَلى ما أُمِرَ بِهِ] والجَدِّ فِيهِ، ومِثْلُهُ: اشْدُدْ حَيازِيمَكَ لِلْمَوْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذانِكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " فَذانِكَ " بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ الباقُونَ: " فَذانِكَ " بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: التَّشْدِيدُ تَثْنِيَةُ " ذَلِكَ "، والتَّخْفِيفُ تَثْنِيَةُ " ذاكَ "، فَجَعَلَ اللّامَ في " ذَلِكَ " بَدَلًا مِن تَشْدِيدِ النُّونِ في " ذانِكَ "، ﴿ بُرْهانانِ ﴾ أيْ: بَيانانِ اثْنانِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: " فَذانِكَ " يَعْنِي العَصا واليَدَ، حُجَّتانِ مِنَ اللَّهِ لِمُوسى عَلى صِدْقِهِ، ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ: أرْسَلْنا بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ إلى فِرْعَوْنَ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ما بَعْدَ هَذا [الشُّعَراءِ: ١٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ هُوَ أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا ﴾ أيْ: أحْسَنُ بَيانًا، لِأنَّ مُوسى كانَ في لِسانِهِ أثَرُ الجَمْرَةِ الَّتِي تَناوَلَها، ﴿ فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: " رِدْءًا " بِسُكُونِ الدّالِ وبَعْدَها هَمْزَةٌ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: " رَدًّا " بِفَتْح الدّالِ وألِفٍ بَعْدَها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا هَمْزٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ نَوَّنَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الرَّدْءُ: العَوْنُ، يُقالُ: رَدَأْتُهُ أرْدَؤُهُ رَدْءًا: إذا أعَنْتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصَدِّقُنِي ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: " يُصَدِّقُنِي " بِضَمِّ القافِ.

وقَرَأ الباقُونَ.

بِسُكُونِ القافِ قالَ الزَّجّاجُ: مَن جَزَمَ " يُصَدِّقْنِي " فَعَلى جَوابِ المَسْألَةِ: أرْسِلْهُ يُصَدِّقْنِي؛ ومَن رَفَعَ؛ فالمَعْنى: رَدْءًا مُصَدِّقًا لِي.

وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ: " يُصَدِّقُنِي " إلى هارُونَ؛ وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لِكَيْ يُصَدِّقَنِي فِرْعَوْنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: سَنُعِينُكَ بِأخِيكَ، ولَفْظُ العَضُدِ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، لِأنَّ اليَدَ قِوامُها عَضُدُها، وكُلُّ مُعَيَّنٍ فَهو عَضُدٌ، ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا ﴾ أيْ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ.

وقِيلَ لِلزَّيْتِ: السَّلِيطُ، لِأنَّهُ يُسْتَضاءُ بِهِ؛ والسُّلْطانُ: أبْيَنُ الحُجَجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما ﴾ أيْ: بِقَتْلٍ ولا أذًى.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِآياتِنا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: تَمْتَنِعانِ مِنهم بِآياتِنا وحُجَجِنا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما.

والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، فالمَعْنى: بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ، أيْ: تَغْلِبُونَ بِآياتِنا.

والثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا بِآياتِنا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُورِ نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أو جَذْوَةٍ مِن النارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِن الشَجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ ﴿ اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِن الرَهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ .

لَمّا فَرَغَ كَلامُ شُعَيْبٍ كَرَّرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكَرَّرَهُ مَعْناهُ عَلى جِهَةِ التَوَثُّقِ في أنَّ الشَرْطَ إنَّما وقَعَ في ثَمانِ حِجَجٍ.

و"أيَّما" اسْتِفْهامٌ نُصِبَ بِـ "قَضَيْتُ"، و"ما" صِلَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلا عُدْوانَ" بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَلا عِدْوانَ" بِكَسْرِ العَيْنِ، والمَعْنى: لا تَبِعَةَ عَلَيَّ مِن قَوْلٍ ولا فِعْلٍ.

و"الوَكِيلُ": الشاهِدُ القائِمْ بِالأمْرِ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ولَمّا كَمُلَ هَذا النِكاحُ بَيْنَهُما أمَرَ شُعَيْبٌ مُوسى عَلَيْهِما السَلامُ أنْ يَسِيرَ إلى بَيْتٍ لَهُ فِيهِ عِصِيٌّ، وفِيهِ هَذِهِ العَصا، فَرُوِيَ أنَّ العَصا وثَبَتْ إلى مُوسى فَأخَذَها، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَتْ مِن غَيْرِ ورَقَةِ الرَيْحانِ، فَرُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا أمَرَهُ بِرَدِّها فَفَعَلَ وذَهَبَ يَأْخُذُ غَيْرَها فَوَثَبَتْ إلَيْهِ، وفَعَلَ ذَلِكَ ثالِثَةً، فَلَمّا رَأى شُعَيْبٌ ذَلِكَ عَلِمْ أنَّهُ مُرَشَّحٌ لِلنُّبُوَّةِ فَتَرَكَها لَهُ، وقِيلَ: إنَّما تَرَكَها لَهُ لِأنَّهُ أمَرَ مُوسى بِتَرْكِها فَأبى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: نَمُدُّ إلَيْها جَمِيعًا فَمَن طاوَعَتْ فَهي لَهُ، فَمَدَّ إلَيْها شُعَيْبٌ فَثَقُلَتْ، ومَدَّ مُوسى فَخَفَّتْ ووَثَبَتْ إلَيْهِ، فَعَلِما أنَّ هَذا مِنَ التَرْشِيحِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ عَصا مُوسى إنَّما رَفَعَها إلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ لَيْلًا عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إلى مَدْيَنَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ ﴾ ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَألَنِي رَجُلٌ مِنَ النَصارى: أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟

فَقُلْتُ: لا أدْرِي حَتّى أقْدَمَ عَلى خَيْرِ العَرَبِ، أعْنِي ابْنَ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما-، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: قَضى أكْمَلَهُما وأوفاهُما، إنَّ رَسُولَ اللهِ  إذا قالَ وفّى، فَعُدْتُ فَأعْلَمْتُ النَصْرانِيَّ، فَقالَ: صَدَقَ واللهِ هَذا العالِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَبِيَّ  سَألَ في ذَلِكَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ قَضى عَشْرَ سِنِينَ»، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قَضى عَشْرًا وعَشْرًا بَعْدَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وفِي قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِما قَضى الأجَلَ أرادَ أنْ يَسِيرَ بِأهْلِهِ إلى مِصْرَ وقَوْمِهِ، وقَدْ كانَ لا مَحالَةَ أحَسَّ بِالتَرْشِيحِ لِلنُّبُوَّةِ، وكانَ رَجُلًا غَيُورًا لا يَصْحَبُ الرِفاقَ، فَكانَ في بَعْضِ طَرِيقِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، قالَ النَقّاشُ: كانَتْ لَيْلَةَ جُمْعَةٍ، فَفَقَدُوا النارَ، وأصْلَدَ الزِنادُ، وضَلُّوا الطَرِيقَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الخَصَرُ، فَبَيْنا هو كَذَلِكَ إذْ رَأى نارًا، وكانَ ذَلِكَ نُورًا مِن نُورِ اللهِ تَعالى قَدِ التَبَسَ بِشَجَرَةٍ، قالَ وهْبٌ: كانَتْ عُلِّيقًا، وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ عَوْسَجًا، وقِيلَ: زُعْرُورًا، وقِيلَ: سَمُرَةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

و"آنَسَ" مَعْناهُ: أحَسَّ، والإحْساسُ ها هُنا بِالبَصَرِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا  ﴾ ، ومِنها قَوْلُ حَسّانَ: انْظُرْ خَلِيلِي بِبابِ جِلَّقَ هَلْ تُؤْنِسُ دُونَ البَلْقاءِ مَن أحَدِ وكانَ هَذا الأمْرُ كُلُّهُ في جانِبِ الطُورِ، وهو جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالشامِ، والطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ، وخَصَّصَهُ قَوْمٌ بِأنَّهُ الَّذِي لا يُنْبِتُ، فَلَمّا رَأى مُوسى النارَ سُرَّ، فَقالَ لِأهْلِهِ: أقِيمُوا فَقَدْ رَأيْتُ نارًا ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ ﴾ عَنِ الطَرِيقِ، أيْنَ هُوَ؟

﴿ أو جَذْوَةٍ ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ النارِ في قِطْعَةِ عُودٍ كَبِيرَةٍ لا لَهَبَ لَها، إنَّما هي جَمْرَةٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها ∗∗∗ جَزْلَ الجِذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا دَعِرٍ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأحْسَبُ أنَّ أصْلَ الجَذْوَةَ أُصُولُ الشَجَرِ، وأهْلُ البَوادِي يُوقِدُونَها أبَدًا، فَهي الجَذْوَةُ في الحَقِيقَةِ، ومِنهُ قَوْلُ السُلَمِيِّ يَصِفُ الصَلى: حَمّا حُبُّ هَذا النارِ حُبَّ خَلِيلِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهي دُونَ الحَبائِبُ وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجِذا في رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "جِذْوَةٍ" بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ: "جُذْوَةٍ" بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمْ: "جَذْوَةٍ" بِفَتْحِها، وهي لُغاتٌ، والصَلى: حَرُّ النارِ، و"تَصْطَلُونَ" تَفْتَعِلُونَ، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً.

فَلَمّا أتى مُوسى ذَلِكَ الضَوْءَ الَّذِي رَآهُ وهو في تِلْكَ اللَيْلَةِ ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، نُبِّئَ  ، فَرُوِيَ «أنَّهُ كانَ يَمْشِي إلى ذَلِكَ النُورِ فَكانَ يَبْعُدُ مِنهُ، تَمْشِي بِهِ الشَجَرَةُ وهي غُضَّةٌ خَضْراءُ حَتّى نُودِيَ».

والشاطِئُ والشَطُّ: ضَفَّةُ الوادِي، وقَوْلُهُ: "الأيْمَنِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ اليُمْنِ صِفَةً لِلْوادِي أو لِلشّاطِئِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعادِلًا لِلْيَسارِ، فَذَلِكَ لا يُوصَفُ بِهِ الشاطِئُ إلّا بِالإضافَةِ إلى مُوسى في اسْتِقْبالِهِ مَهْبِطَ الوادِي، أو بِعَكْسِ ذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قِيلَ.

وبَرَكَةُ البُقْعَةْ هي ما خُصَّتْ بِهِ مِن آياتِ اللهِ تَعالى وأنْوارِهِ وتَكْلِيمِهِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والناسُ عَلى ضَمِّ الباءِ مِن "بُقْعَةٍ"، وقَرَأ بِفَتْحِها الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ: "هَذِهِ بَقْعَةٌ طَيِّبَةٌ" بِفَتْحِ الباءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الشَجَرَةِ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ سَمِعَ ما سَمِعَ مِن جِهَةِ الشَجَرَةِ، وسَمِعَ وأدْرَكَ غَيْرَ مُكَيَّفٍ ولا مُحَدَّدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يا مُوسى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنِّي أنا اللهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن "إنِّي".

ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِإلْقاءِ العَصا فَألْقاها فانْقَلَبَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً، ولَها اضْطِرابُ الجانِّ، وهو صَغِيرُ الحَيّاتِ، فَجَمَعَتْ هَوْلَ الثُعْبانِ ونَشاطَ الجانِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ الجانُّ يَعُمُ الصَغِيرَ والكَبِيرَ، وإنَّما شَبَّهَ بِالجانِّ جُمْلَةَ العَصا لِاضْطِرابِها فَقَطْ، ووَلّى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مُدْبِرًا فَزِعًا مِنها.

﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ مَعْناهُ: لَمْ يَرْجِعْ عَلى عَقِبِهِ مِن تَوَلِّيهِ، فَقالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ: ﴿ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ ، وهَذا مِن تَأْمِينِ اللهِ تَعالى إيّاهُ، ثُمْ أمَرَهُ بِأنْ يُدْخِلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ، وهو فَتْحُ الجُبَّةِ مِن حَيْثُ يَخْرُجُ رَأْسُ الإنْسانِ، ورُوِيَ أنَّ كُمُ الجُبَّةِ كانَ في غايَةِ الضِيقِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ جَيْبٌ تُدْخِلُ يَدَهُ إلّا في جَيْبِهِ.

و"اسْلُكْ" مَعْناهُ: أدْخِلْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ ∗∗∗ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ مَرَضٍ ولا مِثْلِهِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ كانَتْ تُضِيءُ كَأنَّها قِطْعَةُ شَمْسٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَهْبِ ﴾ ، ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى المَجازِ والِاسْتِعارَةِ، وأنَّهُ أمَرَهُ بِالعَزْمِ عَلى ما أُمِرَ بِهِ وأنَّهُ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "اشْدُدْ حَيازِيمَكَ، وارْبُطْ جَأْشَكَ"، أيْ: شَمِّرْ في أمْرِكَ، ودَعِ الرَهْبَ، وذَلِكَ لَمّا كَثُرَ تَخَوُّفُهُ وفَزَعُهُ في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذانِكَ بُرْهانانِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: هي إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والناسُ: "الرَهَبِ" بِفَتْحِ الراءِ والهاءِ، وقَرَأ عاصِمْ، وقَتادَةُ: "الرَهْبِ" بِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ أيْضًا: "الرُهُبِ" بِضَمِّ الراءِ والهاءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "فَذانِّكَ" بِشَدِّ النُونِ، وَقَرَأ الباقُونَ: "فَذانِكَ" بِالتَخْفِيفِ بِالنُونِ، وقَرَأ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "فَذانِيكَ" بِياءٍ بَعْدَ النُونِ المُخَفَّفَةِ، أبْدَلَ إحْدى النُونَيْنِ ياءً كَراهَةَ التَضْعِيفِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَذانِّيكَ" بِالياءِ أيْضًا مَعَ شَدِّ النُونِ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ لُغَتَهم تُخْفِي النُونَ، و"بُرْهانانِ": حُجَّتانِ ومُعْجِزَتانِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

طوي ما بين نداء الله إياه وبين حضوره عند فرعون من الأحداث لعدم تعلق العبرة به.

وأسند المجيء بالآيات إلى موسى عليه السلام وحده دون هارون لأنه الرسول الأصلي الذي تأتي المعجزات على يديه بخلاف قوله ﴿ فاذهبا بآياتنا ﴾ في سورة الشعراء (15)، وقوله ﴿ بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ﴾ [القصص: 35] إذ جعل تعلق الآيات بضميريها لأن معنى الملابسة معنى متسع فالمصاحب لصاحب الآيات هو ملابس له.

والآيات البينات هي خوارق العادات التي أظهرها، أي جاءهم بها آية بعد آية في مواقع مختلفة، قالوا عند كل آية {ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.

والمفترى: المكذوب.

ومعنى كونها سحراً مكذوباً أنه مكذوب ادعاء أنه من عند الله وإخفاء كونه سحراً.

والإشارة في قوله ﴿ وما سمعنا بهذا ﴾ إلى ادعاء الرسالة من عند الله لأن ذلك هو الذي يسمع وأما الآيات فلا تسمع.

فمرجع اسمي الإشارة مختلف، أي ما سمعنا من يدعو آباءنا إلى مثل ما تدعو إليه فالكلام على حذف مضاف دل عليه حرف الظرفية، أي في زمن آبائنا.

وقد جعلوا انتفاء بلوغ مثل هذه الدعوة إلى آبائهم حتى تصل إليهم بواسطة آبائهم الأولين، دليلاً على بطلانها وذلك آخر ملجأ يلجأ إليه المحجوج المغلوب حين لا يجد ما يدفع به الحق بدليل مقبول فيفزع إلى مثل هذه التلفيقات والمباهتات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ ﴾ يَعْنِي العَمَلَ الَّذِي شُرِطَ عَلَيْهِ.

﴿ وَسارَ بِأهْلِهِ ﴾ أيْ بِزَوْجَتِهِ.

﴿ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا ﴾ أيْ رَأى، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الرُّؤْيَةِ بِالعِلْمِ.

﴿ قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِخَبَرِ الطَّرِيقِ الَّذِي أرادَ قَصْدَهُ هَلْ هو عَلى صَوْبِهِ أوْ مُنْحَرِفٌ عَنْهُ.

الثّانِي: بِخَبَرِ النّارِ الَّتِي رَآها هَلْ هي لِخَيْرٍ يَأْنَسُ بِهِ أوْ لِشَرٍّ يَحْذَرُهُ.

﴿ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الجَذْوَةُ أصْلُ الشَّجَرَةِ فِيها نارٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها عُودٌ في بَعْضِهِ نارٌ ولَيْسَ في بَعْضِهِ نارٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها عُودٌ فِيهِ نارٌ لَيْسَ لَهُ لَهَبٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الرّابِعُ: أنَّها شِهابٌ مِن نارِ ذِي لَهَبٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ الشّاعِرُ وألْقى عَلى قَبَسٍ مِنَ النّارِ جُذْوَةً شَدِيدٌ عَلَيْها حَمْيُها والتِهابُها.

﴿ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ أيْ تَسْتَدْفِئُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أتاها ﴾ يَعْنِي النّارَ أيْ قَرُبَ مِنها.

﴿ نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ ﴾ وهي البُقْعَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ فِيها لِمُوسى: " اخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى " واحْتَمَلَ وصْفُها بِالبَرَكَةِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ اللَّهَ كَلَّمَ فِيها مُوسى وخَصَّهُ فِيها بِالرِّسالَةِ.

الثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن بِقاعِ الخِصْبِ وبِلادِ الرِّيفِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ فَأحَلَّ اللَّهُ كَلامَهُ في الشَّجَرَةِ حَتّى سَمِعَهُ مُوسى مِنها، لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَهُ مِنَ اللَّهِ وهَذِهِ أعْلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ أنْ يَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ مِن غَيْرِ رَسُولٍ مُبَلِّغٍ وكانَ الكَلامُ مَقْصُورًا عَلى تَعْرِيفِهِ بِأنَّهُ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ إثْباتًا لِوَحْدانِيَّتِهِ ونَفْيًا لِرُبُوبِيَّةِ غَيْرِهِ، وصارَ بِهَذا الكَلامِ مِن أصْفِياءِ اللَّهِ مِن رُسُلِهِ لِأنَّهُ لا يَصِيرُ رَسُولًا إلّا بَعْدَ أمْرِهِ بِالرِّسالَةِ، والأمْرُ بِها إنَّما كانَ بَعْدَ هَذا الكَلامِ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أضافَ البَرَكَةَ إلى البُقْعَةِ دُونَ الشَّجَرَةِ والشَّجَرَةُ بِالبَرَكَةِ أخَصُّ لِأنَّ الكَلامَ عَنْها صَدَرَ ومِنها سُمِعَ؟

قِيلَ: عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّجَرَةَ لَمّا كانَتْ في البُقْعَةِ أضافَ البَرَكَةَ إلى البُقْعَةِ لِدُخُولِ الشَّجَرَةِ فِيها ولَمْ يَخُصَّ بِهِ الشَّجَرَةَ فَتَخْرُجُ البُقْعَةُ وصارَ إضافَتُها إلى البُقْعَةِ أعَمَّ.

الثّانِي: أنَّ البَرَكَةَ نَفَذَتْ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى البُقْعَةِ فَصارَتِ البُقْعَةُ بِها مُبارَكَةً فَلِذَلِكَ خَصَّها اللَّهُ بِذِكْرِ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّجَرَةُ هي العَلِيقُ وهي العَوْسَجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ ألْقِ عَصاكَ ﴾ الآيَةَ وإنَّما أمَرَهُ بِإلْقاءِ عَصاهُ في هَذا الحالِ لِيَكُونَ بُرْهانًا عِنْدَهُ بِأنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ كَلامُ اللَّهِ ثُمَّ لِيَكُونَ بُرْهانًا لَهُ إلى مَن يُرْسَلُ إلَيْهِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَتْ بُرْهانًا إلَيْهِ وبُرْهانًا لَهُ فَلِمَ ولّى مِنها هارِبًا؟

قِيلَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: رَأى ما خالَفَ العادَةَ فَخافَ.

الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ الأمْرَ بِإلْقائِها لِأجْلِ أذاها فَوَلّى هارِبًا حَتّى نُودِيَ فَعَلِمَ.

﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَمْ يَثْبُتْ، اشْتِقاقًا مِنَ العَقِبِ الَّذِي يُثَبِّتُ القَدَمَ.

الثّانِي: ولَمْ يَتَأخَّرْ لِسُرْعَةِ مُبادَرَتِهِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أيْ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى عَقِبِهِ لِشِدَّةِ خَوْفِهِ وسُرْعَةِ هَرَبِهِ.

﴿ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الآمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ.

الثّانِي: مِنَ المُرْسَلِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ قالَ ابْنُ بَحْرٍ: فَصارَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ رَسُولًا بِهَذا القَوْلِ.

وَعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ يَصِيرُ رَسُولًا بِقَوْلِهِ: ﴿ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ ﴾ والبُرْهانانِ اليَدُ والعَصا.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَناحَ الجَيْبُ جَيْبُ القَمِيصِ وكانَ عَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ.

الثّانِي: أنَّ الجَيْبَ جَنْبُ البَدَنِ.

﴿ مِنَ الرَّهْبِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّهْبَ الكُمُّ، قالَهُ مُوَرِّقٌ.

الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الخَوْفِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ نودي من شاطئ الواد الأيمن ﴾ قال: كان النداء من السماء الدنيا.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ من شاطئ الواد الأيمن ﴾ قال: الأيمن عن يمين موسى عليه السلام عند الطور.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في الآية قال: كان النداء من أيمن الشجرة.

والنداء من السماء.

وذلك في التقديم والتأخير.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: نودي عن يمين الشجرة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ من الشجرة ﴾ قال: أخبرت أنها عوسجة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الكلبي ﴿ من الشجرة ﴾ قال: شجرة العوسج.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ذكرت لي الشجرة التي أوى إليها موسى عليه السلام، فسرت إليها يومي وليلتي حتى صبحتها، فإذا هي سمرة خضراء ترف، فصليت على النبي صلى الله عليه وسلم فاهوى إليها بعيري وهو جائع، فأخذ منها ملء فيه فلاكه فلم يستطع أن يسيغه فلفظه، فصليت على النبي وسلمت، ثم انصرفت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن نوف البكالي: أن موسى عليه السلام لما نودي من شاطئ الوادي الأيمن قال: ومن أنت الذي تنادي؟

قال: أنا ربك الأعلى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الثقفي قال: أتى موسى عليه السلام الشجرة ليلاً وهي خضراء والنار تتردد فيها، فذهب يتناول النار فمالت عنه، فذعر وفزع، فنودي من شاطئ الوادي الأيمن قال: عن يمين الشجرة فاستأنس بالصوت، فقال: أين أنت.

أين أنت؟

قيل: الصوت..

أنا فوقك قال: ربي؟!

قال: نعم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى ﴾ أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته من قِبل نفسك.

أي: لم يأتوا بحجة يدفعون بها ما أظهر من الآيات إلا أن قالوا: إنها سحر.

والإشارة في قوله: ﴿ مَا هَذَا ﴾ تعود إلى ما ذكرنا؛ كأنهم قالوا: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر (١) (١) "تفسير ابن جرير" 20/ 76، بمعناه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ رِدْءاً ﴾ أي معيناً، وقرئ بالهمز وبغير همز على التسهيل من المهموز أو يكون من: أرديت أي زدت ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ استعارة في المعونة ﴿ بِآيَاتِنَآ ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: نجعل أو يصلون أو بالغالبون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويرى ﴾ بفتح الياء وإمالة الراء ﴿ فرعون وهامان وجنودهما ﴾ مرفوعات: حمزة وعلي وخلف وهكذا قرؤوا قوله ﴿ وحزناً ﴾ بضم الحاء وسكون الزاي الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ طسم ﴾ كوفي.

﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ الوارثين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ أرضعيه ﴾ ج للفاء مع احتمال الابتداء بإذا الشرطية ﴿ ولا تحزني ﴾ ج للابتداء بإن مع أن التقدير فإنا.

﴿ من المرسلين ﴾ ه ﴿ وحزنا ﴾ ط ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ولك ﴾ ط ﴿ لا تقتلوه ﴾ ق والوجه الوصل لأن الرجاء بعده تعليل للنهي.

﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فارغاً ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ قصيه ﴾ ز بناء على أن التقدير فتبعته فبصرت ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا بناء على أن الواو للحال أي وقد حرمنا وقوله ﴿ فقالت ﴾ عطف على قوله ﴿ فبصرت ﴾ والحال معترض ﴿ ناصحون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يقتتلان ﴾ لا لأن ما بعده صفة الرجلين ظاهراً ولكن مع إضمار أي يقال لهما هذا من شيعته وهذا من عدوّه، وليس ببعيد أن يكون مستأنفاً من ﴿ عدوّه ﴾ الأول ج لأن ما يتلوه معطوف على قوله فوجد مع اعتراض عارض من ﴿ عدوّه ﴾ الثاني لا للعطف عليه مع عدم اتحاد القائل ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فغفر له ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ للمجرمين ﴾ ه ﴿ يستصرخه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ط ﴿ لهما ﴾ لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ بالأمس ﴾ ط للابتداء بالنفي والوصل أوجه لاتحاد القائل ﴿ المصلحين ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القول ﴿ من الناصحين ﴾ ه ﴿ يترقب ﴾ ز لما قلنا في ﴿ يسعى ﴾ ﴿ الظالمين ﴾ ه.

التفسير: فاتحة هذه السورة كفاتحة سورة الشعراء.

﴿ نتلو عليك ﴾ على لسان جبرائيل ﴿ من نبأ موسى وفرعون ﴾ أي طرفاً من خبرها متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو محقين ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء.

ثم شرع في تفصيل هذا المجمل وفي تفسيره كأن سائلاً سأل: وكيف كان نبؤهما؟

فقال مستأنفاً ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ أي طغى وتكبر في أرض مملكته ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه أو جعلهم أصنافاً في استخدامه فمن بان وحارث وغير ذلك، أو فرقاً مختلفة بينهم عداوة ليكونوا له أطوع وهم بنو إسرائيل والقبط.

وقوله ﴿ يستضعف ﴾ حال من الضمير في ﴿ جعل ﴾ أو صفة ﴿ شيعاً ﴾ أو مستأنف.

و ﴿ يذبح ﴾ بدل منه.

وقوله ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ بيان أن القتل من فعل أهل الفساد لا غير لأن الكهنة إن صدقوا فلا فائدة في القتل، وإن كذبوا فلا وجه للقتل اللهم إلا أن يقال: إن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وضعفه ظاهر لأن المقدر كائن ألبتة ﴿ ونريد ﴾ حكاية حال ماضية معطوفة على قوله ﴿ إن فرعون علا ﴾ فهذه أيضاً تفسير للنبأ.

وجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿ يستضعف ﴾ اي يستضعفهم هو ونحن نريد أن نمنّ عليهم في المآل، فجعلت إرادة الوقوع كالوقوع.

﴿ ونجعلهم أئمة ﴾ مقدمين في أمور الدين والدنيا.

وعن ابن عباس: قادة يقتدى بهم في الخير.

وعن مجاهد: دعاة إلى الخير وعن قتادة: ولاة أي ملوكاً.

ومعنى الوراثة والتمكين في ارض مصر والشام هو أن يرثوا ملك فرعون وينفذ فيه أمرهم، والذي كانوا يحذرون منه هو ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم.

يروى أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد.

قال ابن عباس: إن أم موسى لما قربت ولادتها أرسلت إلى قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بالحبالى وكانت مصافية لأم موسى وقالت لها: قد نزل بي ما نزل ولينفعني حبك، فعالجتها فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك هذا حباً شديداً فاحفظيه.

فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها نفر من بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعقل ما تصنع لما طاش من عقلها.

فدخلوا فإذا التنور مسجور وإذا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا: لم دخلت القابلة عليك؟

قالت: إنها حبيبة لي دخلت للزيارة.

فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت: يا أخت موسى أين الصبي؟

فقالت: لا أدري سمعت بكاءه في التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً.

فلما ألح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها أن يذبح فألهمها الله  أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت في النيل.

فجاءت إلى النجار وأمرته بنجر تابوت طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك فجاء إلى موكل بذبح الأبناء فاعتقل لسانه فرجع ثم عاد مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النجر.

وقيل: لما فرغ من صنعة التابوت ثم أتى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينيه وقلبه بألم فلم يعرف الطريق، وأيقن أنه من الله وأنه هو المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون.

وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكانت لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها، وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها فقالوا: يا أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبيه الإنس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك في يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس.

فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومع آسية زوجته، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطئ إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأرياح والأمواج وتعلق بشجرة فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هو صبي صغير في مهده يمص إبهامه لبناً، وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها.

فقال الأعزة من قوم فرعون: إنا نظن أن هذا هو الذي تحذر منه، فهمّ فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله.

قال علماء البيان: اللام في قوله ﴿ ليكون لهم عدوّاً ﴾ لام العاقبة وأصلها التعليل إلا أنه وارد هنا على سبيل المجاز استعيرت لما يشبه التعليل من حيث إن العداوة والحزن كان نتيجة التقاطهم كما أن الإكرام مثلاً نتيجة المجيء في قولك "جئتك لتكرمني" وبعبارة أخرى، إن مقصود الشيء والغرض منه هو الذي يؤل إليه أمره فاستعملوا هذه اللام فيما يؤل إليه الأمر على سبيل التشبيه وإن لم يكن غرضاً.

ومعنى كونهم خاطئين هو أنهم أخطؤا في التدبير حيث ربوا عدوّهم في حجرهم أو أنهم اذنبوا وأجرموا، وكان عاقبة ذلك أن يجعل الله في تربيتهم من على يديه هلاكهم.

قال النحويون ﴿ قرة عين ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة عين ولا يقوى أن يجعل مبتدأ و ﴿ لا تقتلوه ﴾ خبراً لأن الطلب لا يقع خبراً إلا بتأويل، ولو نصب لكان أقوى لأن الطلب من مظان النصب.

روي في حديث أن آسية حين قالت ﴿ قرة عين لي ولك ﴾ قال فرعون: لك لا لي، ولو قال هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها.

ثم إنها رأت فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وتوسمت فيه أمارات النجابة فقالت ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ فإنه أهل للتبني وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وبرء البرصاء.

قال في الكشاف ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ حال من آل فرعون.

وقوله ﴿ إن فرعون ﴾ الآية.

جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً.

وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه.

قلت: لا يبعد أن تكون الجملة حالاً من فاعل ﴿ قالت ﴾ أي قالت كذا وكذا في حال عدم شعورهم بالمآل وهو أن هلاكهم على يده وبسببه.

وقال الكلبي: اي لا يشعرون بنو إسرائيل وأهل مصر أنا التقطناه.

قوله  ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال الحسن: اي فارغاً من كل هم إلا من هم موسى.

وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله ﴿ وأفئدتهم هواء  ﴾ أي جوف لا عقول فيها وذلك أنها حين سمعت بوقوعه عند فرعون طار عقلها جزعاً ودهشاً.

وقال محمد بن إسحاق والحسن في رواية: أي فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها وذلك قولنا ﴿ فألقيه في اليم ولا تخافي ﴾ الغرق وسائر المخاوف ﴿ ولا تحزني ﴾ والخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع فنهيت عنهما جميعاً، فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه.

ولما أتاها خبر موسى أنه وقع إلى يد فرعون أنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها.

وقال أبو عبيدة: فارغاً من الخوف فالله  يقول ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟

أما من فسر الفراغ بحصول الخوف فعنده معنى قوله ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ هو أنها كادت تحدث بأن الذي وجدتموه ابني قاله ابن عباس.

وفي رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها به، وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع.

وقال الكلبي: ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون.

ثم قال ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن ﴿ لتكون من المؤمنين ﴾ المصدّقين بوعد الله وهو قوله ﴿ إنا رادوه إليك ﴾ .

وأما من فسره بعدم الخوف فالمعنى عنده أنها صارت مبتهجة مسرورة حين سمعت أن فرعون تبناه وعطف عليه، وأن الشأن أنها قاربت أن تظهر أنه ولدها لولا أن ألهمناها الصبر لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لتبني فرعون وتعطفه.

والأول أظهر بدليل قوله ﴿ وقالت لأخته قصيه ﴾ اي اقتفي اثره وانظري أين وقع وإلى من صار، وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم ﴿ فبصرت به ﴾ أي أبصرته ﴿ عن جنب ﴾ عن بعد أي نظرت إليه مزورّة متجانفة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بحالها وغرضها.

والتحريم ههنا لا يمكن حمله على النهي والتعبد ظاهراً فلذلك قيل: إنه مستعار للمنع لأن من حرم عليه شيء فقد منعه.

وكان لا يقبل ثدي مرضع إما لأنه  منع حاجته إلى اللبن وأحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، وإما لأنه أحدث في ألبانهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه.

وعن الضحاك: أن أمه أرضعته ثلاثة اشهر فعرف ريحها.

و ﴿ المراضع ﴾ جمع مرضعة وهي المرأة التي تصلح للإرضاع، أو جمع مرضع وهو الثدي، أو الرضاع، فالأول مكان والثاني مصدر و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل قصصها أثره، أو من قبل أن رددناه إلى أمه، أو من قبل ولادته في حكمنا وقضائنا.

روي أنها لما قالت ﴿ وهم له ناصحون ﴾ قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون.

والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد.

والمراد أنهم يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ولا يمنعون ما ينفعه في تربيته وغذائه.

فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي يعلله فرعون شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها.

فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد ابى كل ثدي إلا ثديك؟

قالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وعين أجرها.

قال في الكشاف: إنما أخذت الأجر على إرضاع ولدها لأنه مال حربي استطابته على وجه الاستباحة.

قلت: ولعل ذلك لدفع التهمة فإن مال الحربي لم يكن مستطاباً بدليل قوله وأحلت لي الغنائم قالوا: كانت عالمة بأن الله  سينجز وعده ولكن ليس الخبر كالعيان فلهذا قال  ﴿ ولتلعم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم ﴾ أي أكثر الناس ﴿ لا يعلمون ﴾ حقية وعده في ذلك العهد وبعده لإعراضهم عن النظر في آيات الله.

وقال الضحاك ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعد رده إليها.

قلت: ويؤيد هذا القول أنه اقتصر على الضمير دون أن يقول "ولكن أكثر الناس" كما قال في سورة يوسف ﴿ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون  ﴾ وقيل: هذا تعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً.

وعلى هذا يحتمل أن يكون قوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ من جملة ما يعلمها أي ولتعلم حقية وعد الله وهذا الاستدراك.

وجوز في الكشاف أن يتعلق الاستدراك بقوله ﴿ ولتعلم ﴾ المقصود أن الرد به إنما كان لهذا الغرض الديني وهو العلم بصدق وعد الله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن.

ثم بين  كمال عنايته في حقه كما بين في قصة يوسف قائلاً: ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ وزاد ههنا قوله ﴿ واستوى ﴾ فقيل: بلوغ الأشد والاستواء بمعنى واحد.

والأصح أنهما متغايران.

والأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء إشارة إلى كمال الخلقة.

وعن ابن عباس: الأشد ما بين الثمانية عشر إلى ثلاثين، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين.

وهو عند الأطباء سن الوقوف.

فلعل يوسف أعطى النبوة في سن النمو وأعطى موسى إياها في سن الوقوف.

والعلم التوراة، والحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم - قيل: ليس في الآية دلالة على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده لأن الواو في قوله ﴿ ودخل المدينة ﴾ لا تفيد الترتيب.

قلت: يشبه أن يستدل على أن النبوة كانت بعد قتل القبطي بأنها كانت بعد تزوجه بنت شعيب، والتزوج كان بعد فراره منهم إلى مدين كما قرره  في هذه السورة.

وقد أجمل ذلك في الشعراء حيث قال حكاية عن موسى ﴿ فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً  ﴾ وعلى هذا يمكن أن يراد بالواو الترتيب ويكون المعنى: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء قبل البعث فكان لا يفعل فعلاً يستجهل فيه.

أما المدينة فالجمهور على أنها القرية التي كان يسكنها فرعون عن فرسخين من مصر.

وقال الضحاك: هي عين شمس.

وقيل: هي مصر.

وحين غفلتهم بين العشاءين أو وقت القائلة أو يوم عيد اشتغلوا فيه باللهو.

وقيل: أراد غفلتهم عن ذكر موسى وأمره، وذلك أنه حين ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته في الصغر أمر فرعون بقتله فجيء بجمر فأخذه في فيه فقال فرعون لا أقتله ولكن أخرجوه عن الدار والبلد فخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر والقوم نسوا ذكره.

قاله السدي.

وقيل: إن الغفلة لموسى من اهلها وذلك أنه لما بلغ أشده وآتاه الله الرشد علم أن فرعون وقومه على الباطل فكان يتكلم بالحق ويعيب دينهم وينكر عليهم، فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل وتستر.

قال الزجاج: قوله ﴿ هذا ﴾ ﴿ وهذا ﴾ وهما غائبان على جهة الحكاية أي وجد فيها رجلين يقتتلان إذا نظر الناظر إليهما قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه.

عن مقاتل: أن الرجلين كان كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط.

واحتج عليه بأن موسى قال له ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلماً كأنه قال ممن شايعه على دينه.

وإنما وصفه بالغي لأنه كان سبب قتل رجل وهو يقاتل آخر على أن بني إسرائيل فيهم غلظة الطباع فيمكن أن ينسبوا إلى الغواية بذلك الاعتبار، ألا ترى أنهم قالوا بعد مشاهدة الآيات: اجعل لنا إلهاً.

يروى أن القبطي أراد أن يتسخر الإسرائيلي في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون.

وقيل: إن الإسرائيلي هو السامري ﴿ فاستغاثه ﴾ سأله أن يخلصه منه ﴿ فوكزه ﴾ أي دفعه بأطراف الأصابع أو بجمع الكف ﴿ فقضى عليه ﴾ أي أماته وقتله.

الطاعنون في عصمة الأنبياء قالوا: إن كان القبطي مستحق القتل فلم قال ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ وقال ﴿ رب إني ظلمت نفسي ﴾ وإن لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً؟

وأيضاً قوله ﴿ هذا من عدوّه ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً وكان دمه مباحاً والاستغفار من القتل المباح غير جائز.

وأجيب أنا نختار أنه للكفرة كان مباح الدم إلا أن الأولى تأخير قتله إلى زمان آخر.

فقوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان، أو هذا إشارة إلى عمل المقتول وهو كونه مخالفاً الله، أو هو إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان هذا الكافر ولو عرف ذلك فرعون لقتلني به ﴿ فاغفر لي ﴾ فاستره على هذا كله.

إذا سلم أنه كان نبياً في ذلك الوقت وفيه ما فيه قالت المعتزلة: في قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ دليل على أن المعاصي ليست بخلق الله.

ولقائل أن يقول: الشيطان من خلق الله فضلاً عما يصدر عن الشيطان على أن المشار إليه يحتمل أن يكون شيئاً آخر كما قررنا.

قوله ﴿ بما أنعمت عليّ ﴾ قيل: أراد به القوة وأنه لن يستعملها إلا في مظاهرة أولياء الله وعلى هذا يكون ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي طاعة، إذ لو كانت معصية لصار حاصل الكلام بما أنعمت عليّ بقبول توبتي فإني أكون مواظباً على مثل تلك المعصية.

وقال القفال: الباء للقسم كأنه أقسم بما أنعم الله عليه من المغفرة أن لا يظاهر مجرماً.

وأراد بمعاونة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من تؤدي مظاهرته إلى ترك الأولى.

وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء كأنه قال: فلا تجعلني ظهيراً والفاء للدلالة على تلازم ما قبلها وما بعدها.

وفي الآية دلالة على عدم جواز إعانة الظلمة والفسقة حتى بري القلم وليق الدواة.

عن ابن عباس: أنه لم يستثن أي لم يقل.

فلن أكون إن شاء الله فابتلي به مرة أخرى.

وفي هذه الرواية نوع ضعف فإنه ترك الإعانة في المرة الثانية، ولئن صحت فلعله اراد أن جرت صورة تلك القضية عليه إلا أن الله عصمه، وبعد موت القبطي من الوكز ﴿ أصبح ﴾ موسى من غد ذلك اليوم ﴿ خائفاً يترقب ﴾ الأخبار وما يقال فيه ﴿ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ﴾ يطلب نصرته بصياح وصراخ فنسبه موسى لذلك إلى الغواية، فإن كثرة المخاصمة على وجه يؤدّي إلى الاستنصار خلاف طريقة الرشد.

فغويّ بمعنى غاوٍ.

وجوز بعض أهل اللغة أن يكون بمعنى مغوٍ لأنه أوقع موسى فيما أوقع ثم طلب منه مثل ذلك وهو نوع من الإغواء.

قال بعضهم: لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غويّ ورأى فيه الغضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده فقال ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ وزعموا أنه لم يعرف قتله بالأمس إلا هو وصار ذلك سبباً لظهور القتل ومزيد الخوف.

وقال آخرون: بل هو قول القبطي وقد كان عرف القضية من الإسرائيلي وهذا القول أظهر لأن قوله ﴿ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض ﴾ لا يليق إلا أن يكون قولاً للكافر.

قال جار الله: الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن.

وقيل: هو العظيم الذي لا يتواضع لأمر الله عز وجل.

وحين وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وهموا بقتل موسى فأخبره بذلك رجل وهو قوله ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة ﴾ أي من ابعد مسافاتها إليه.

وقوله ﴿ يسعى ﴾ صفة أخرى لرجل أو حال لأنه قد تخصص بالوصف، وإن جعل الظرف صلة لجاء حتى يكون المجيء من هنالك تعين أن يكون يسعى وصفاً.

قال العلماء: الأظهر في هذه السورة أن يكون الظرف وصفاً وفي "يس" أن يكون صلة، ولذلك خصت بالتقدم ويؤيده ما جاء في التفسير أنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلاً.

والائتمار التشاور لأن كل واحد من المتشاورين يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بامره ومعنى ﴿ يأتمرون بك ﴾ يتشاورون بسببك.

وقوله ﴿ لك من الناصحين ﴾ كقوله ﴿ فيه من الزاهدين  ﴾ وقد مر أن الجار في مثل هذه الصورة بيان لا صلة.

﴿ فخرج منها خائفاً يترقب ﴾ المكروه من جهتهم وأن يلحق به ﴿ قال ﴾ ملتجئاً إلى الله ﴿ رب نجني من القوم الظالمين ﴾ وفيه دليل على أن قتله القبطي لم يكن ذنباً وإلا لم يكونوا ظالمين بطلب القصاص.

التأويل: ﴿ إن فرعون ﴾ النفس الأمارة استولى على من في الأرض الإنسانية ﴿ وجعل أهلها ﴾ وهم الروح والسر والعقل أصنافاً في الاستخدام لاستيفاء الشهوات ﴿ يستضعف طائفة ﴾ وهم صفات القلب، الأبناء الصفات الحميدة المتولدة من ازدواج الروح والقلب، والنساء الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ للاستعداد الفطري.

﴿ ونرى فرعون ﴾ النفس ﴿ وهامان ﴾ الهوى ﴿ وجنودهما ﴾ من الصفات البهيمية والسبعية ولاشيطانية ﴿ أم موسى ﴾ السر لأن القلب تولد من ازدواج الروح والسر ﴿ أن أرضعيه ﴾ من لبن الروحانية فقد حرم عليه مراضع الحيوانية أو الدنيوية.

﴿ فألقيه في اليم ﴾ في الدنيا في تابوت القالب ﴿ وجاعلوه من المرسلين ﴾ أي من القلوب المحدّثين كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي ﴿ فالتقطه آل فرعون ﴾ وهم صفات النفس والقوى البشرية من الجاذبة والماسكة والهاضمة وغيرها فإنها أسباب لتربية الطفل ﴿ ليكون لهم ﴾ في العاقبة ﴿ عدوّاً ﴾ يجادلهم بطريق الرياضات والمخالفات.

﴿ وحزناً ﴾ بترك الشهوات واللذات وبالدعوة إلى ما لا يلائم هواهم من طاعة الله.

﴿ وقالت امرأة فرعون ﴾ النفس وهي الجثة لا تقتلوا القلب بسيف الشهوات والانهماك في اسباب اللذات الحسيات.

﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بأن ينجينا من النار.

قال أهل التحقيق: لما كان اعتقاد الجثة في تربية موسى القلب أنه يكون قرة عينها وولدها فلا جرم نفعها الله بالنجاة ورفع الدرجات، وحين لم يكن لفرعون النفس في حقه هذا الاعتقاد بل كان يتوقع الهلاك منه كان هلاكه على يده بسيف الصدق وسم الذكر.

﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنه لو لم يوفق لإهلاكهم لكان هلاكه على أيديهم.

﴿ فؤاد أم موسى ﴾ هو سر السر، أخت موسى القلب هو العقل.

ودخل مدينة القالب ﴿ على حين غفلة من أهلها ﴾ وهم الصفات النفسانية ﴿ فوجد فيها رجلين ﴾ صفتين.

إحداهما من صفات القلب والأخرى من صفات النفس.

وفي قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ إشارة إلى أن قتل كافر صفات النفس بالجهاد معها إن لم يكن بأمر الحق وعلى سبيل المتابعة لم يعتدّ به ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع كالفلاسفة والبراهمة ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ لآنك تنازع ذا سلطان قويّ قبل أوانه وهو فرعون النفس.

﴿ وجاء رجل ﴾ هو العقل ﴿ من أقصى ﴾ مدينة الإنسانية أي من أعلى مرتبة الروحانية ﴿ يسعى ﴾ في طلب نجاة موسى القلب فأخرج من مدينة البشرية إلى صحراء الروحانية ﴿ خائفاً ﴾ من سطوات فرعون النفس ﴿ يترقب ﴾ مكايدهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ ﴾ قال أهل التأويل ما ذكرنا: أنه قضى أتمهما أو أكثرهما لكن لا نعلم التأويل الصحيح، فعلى ما ذكروا، وليس في الآية إلا قضاء الأجل؛ فلا يزاد على ذلك إلا بثبت، فإن ثبت ما روي من الخبر، فهو والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً ﴾ ﴿ آنَسَ ﴾ : قيلِ: أبصر وأحسّ ناراً.

قال بعضهم: إن موسى لم يكن رأى ناراً، ولكن إنما رأى نوراً ظن أنه نار، فلا يحتمل ذلك؛ لأنه أخبر أنه آنس ناراً، وإن لم يكن في الحقيقة ناراً لم يجز، وكان ذلك يوجب الكذب في الخبر، إلا أن يقال على الإضمار: آنس من جانب الطور نوراً ظن أنه نار، أو في ظنه أنه نار.

﴿ قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ أي: امكثوا لعلي آتيكم منها بخبر يدلنا أو بجذوة تضيء الطريق؛ فكأنه قد ضل الطريق فيقول: لعلي آتيكم منها بخبر الطريق أو جذوة من النار، أي: آتيكم بجذوة من النار، وهي ما رغبتم فيه ولم آتكم بخبر الطريق ﴿ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ هذا يدل أنه كان في أيام الشتاء، وفي وقت البرد: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ ﴾ قال بعضهم: الأيمن: أي: عن يمين الجبل.

وقال بعضهم: عن يمين موسى.

وقال بعضهم: يمين الشجرة، ولكن الأيمن، المبارك، وهو من اليمن، الوادي اليمن.

والبقعة المباركة: قال بعض أهل التأويل: سميت مباركة؛ لكثرة أشجارها وأنزالها، وكثرة مياهها وعشبها، ولكن سماه: مباركاً وأيمن - والله أعلم - لأنه مكان الأنبياء والرسل وموضع الوحي.

وقوله: ﴿ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ولله أن يسمع ويخبر من شاء مما شاء وكيف شاء كما أسمع مريم من تحتها حيث قال: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ﴾ ليس هذا بموصول بقوله: ﴿ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ولكن ذلك ما ذكر في سورة طه: ﴿ إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ....

 ﴾ إلى آخر ما ذكر.

ثم قال في آخره: ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ﴾ أي: تتحرك ﴿ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ﴾ قال بعضهم: الجانّ: الحية الصغيرة.

وقال بعضهم: الجانّ ما يعم العظيمة والصغيرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَّىٰ مُدْبِراً ﴾ فارّاً هارباً ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ أي: لم يلتفت ولم يرجع لشدة خوفه وفرقه.

وقوله: ﴿ يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ وَلاَ تَخَفْ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: على رفع الخوف من قلبه؛ إذ قال: له الأمن فيه.

والثاني: على البشارة أنه لا يؤذيه؛ كأنه يقول: لا تخف وكن من الآمنين، فإنه لا يؤذيك.

والثالث: على النهي، أي: لا تخف؛ فإني أحفظك وأدفع أذاه عنك؛ كقوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ  قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ  ﴾ أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما، وأدفع ذلك عنكما.

وقوله: ﴿ أَوْ جَذْوَةٍ ﴾ بكسر الجيم ورفعها؛ قال بعضهم: عود قد احترق بعضه.

وقال قتادة: أصل شجرة فيها نار.

وقال أبو عوسجة: الجذوة: مثل الشهاب سواء، والجذى: جمع الجذوة.

وقال أبو عوسجة: الجذوة: القطعة الغليظة.

وقال القتبي: الجذوة: عود قد احترق، أي: قطعة منها.

وشاطئ: أي شط الوادي.

آنست: أبصرت، وكذلك قوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً  ﴾ أي: أبصرتم وعلمتم.

وقوله: ﴿ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ  ﴾ هذا يدل أن لا بأس بتغيير الألفاظ واختلافها بعد إصابة المعنى وما قصد بها.

وقوله: ﴿ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ واضمم إليك جناحك من الرُّهب ﴾ بالضم، والرهب بالفتح؛ قد قرئ بهما جميعاً.

ثم قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير، قوله: ﴿ مِنَ ٱلرَّهْبِ ﴾ موصول بقوله: ﴿ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ ﴾ من الرهب، أي: الخوف والغرق.

وقال بعضهم: أمره أن يضم يديه إلى نفسه؛ لأن ذلك أخوف وأهيب وأعظم من إرسالهما، وذلك معروف أيضاً في الناس أنهم إذا دخلوا على ملك من الملوك ضموا أيديهم وجناحيهم إلى أنفسهم؛ تعظيماً لهم وتبجيلا، أو خوفاً منهم.

فعلى ذلك جائز أن يأمره بضم يديه إلى نفسه؛ ليكون بين يدي ربه أهيب وأخوف ما يكون، وأعظم ما يجب له، وهو ما قال له: ﴿ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ ﴾ أي: اليد والعصا، اللتان ذكرهما ﴿ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ ﴾ أي: حجتان ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ .

وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً ﴾ .

وقال في سورة الشعراء: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ  ﴾ أخر في هذا ما كان مقدماً في الذكر في ذلك، وذكره على اختلاف الألفاظ وتغيير الحروف؛ ليعلم: أن ليس على السامع حفظ الألفاظ والحروف بعد إصابته المعنى، وفهم ما قصد بها وأودع فيها؛ لأن الله ذكر هذه الأنباء والقصص التي كانت من قبل في القرآن على اختلاف الألفاظ، وتغيير الحروف، على التقديم والتأخير، والزيادة والنقصان؛ ليعلم أن المقصود والمراد بذكرها ما فيها، لا عين اللفظ والحروف، فإذا عرف ما فيها وفهم جاز الأداء بأي لسان كان، وبأيّ لفظ كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أمّا أهل التأويل فإنهم قالوا: كان في لسانه رتة أي: عقدة لما أدخل في فمه من النار؛ فذلك لا نعلمه، وقد قال في آية [أخرى]: ﴿ وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي  يَفْقَهُواْ قَوْلِي  ﴾ فيجوز أن يكون ذلك خلقة خلقه هكذا، على ما خلق بعض الخلق أفصح وأبين من بعض.

أو أن يكون لما ذكر له من الخوف والذنب ما لم يكن ذلك لهارون، ولا شك من اشتد به الخوف منع صاحبه عن التكلم والبيان، وذلك متعالم معروف في الناس، وهو ما قال: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ...

﴾ الآية.

أو أن يكون ذلك لأن نشوء هارون كان فيهم وهم بلسانه أعرف، ومنطقه أفهم، ولموسى فترات كان معتزلا عنهم.

وقوله: ﴿ فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً ﴾ أي: عوناً ﴿ يُصَدِّقُنِي ﴾ ثم بيّن في آية أخرى أنه فيم طلب منه عوناً؟

وهو ما قال ﴿ وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي...

﴾ الآية [طه: 29]، أي: يصدقني فيما أقول إذا كذبوني هم، أو أستأنس به إذا ضاق صدري بالتكذيب والردّ، فأجابه ربه فقال: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ كناية وعبارة عن القوة والعون؛ لأن القوة فيه تكون؛ فذكر فيمن تكون، وهو كقوله: ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا  ﴾ ذكر الأقدام، لأنه بالأقدام يثبت، وقوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ  ﴾ لأنه بالعقب ينكص، ومثله كثير، فعلى هذا ذلك.

وقوله: ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَآ ﴾ قال قائلون: هو على التقديم والتأخير، أي: نجعل لكما سلطاناً، أي: نجعل لكما سلطاناً بآياتنا فلا يصلون إليكما.

وقال بعضهم: ونجعل لكما سلطاناً باللطف ندفع عنكما أذاهم وشرهم؛ كقوله: ﴿ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ  ﴾ أي: أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما، وأدفع ذلك عنكما فلا يصلون إليكما بالآيات التي معكما.

وقوله: ﴿ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ ﴾ يحتمل هذا وجوهاً: الغالبون بالحجج والبراهين، أي: تغلب حجتكما سحرهم وتمويهاتهم.

أو أن يكون عاقبة الأمر لكما.

أو أن يكون ذلك في الآخرة.

قال أبو معاذ: العرب تقول: أردت الرجل: أي: أعنته.

وقال أبو عوسجة: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ أي: أعينك به وأقويك، والعضد: كناية عن القوة؛ لأنه فيه تكون القوة، وبه يقوى من يوصف بالقوة، على ما ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما جاءهم موسى  بآياتنا واضحات قالوا: ما هذا إلا كذب مختلق اختلقه موسى، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأقدمين.

<div class="verse-tafsir" id="91.6ynDN"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله