الآية ٣٥ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٣٥ من سورة القصص

قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰنًۭا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فلما سأل ذلك قال الله تعالى : ( سنشد عضدك بأخيك ) أي : سنقوي أمرك ، ونعز جانبك بأخيك ، الذي سألت له أن يكون نبيا معك .

كما قال في الآية الأخرى : ( قد أوتيت سؤلك يا موسى ) [ طه : 36 ] ، وقال تعالى : ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) [ مريم : 53 ] .

ولهذا قال بعض السلف : ليس أحد أعظم منة على أخيه من موسى على هارون ، عليهما السلام ، فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيا ورسولا معه إلى فرعون وملئه ، ولهذا قال [ الله تعالى ] في حق موسى : ( وكان عند الله وجيها ) [ الأحزاب : 69 ] .

وقوله تعالى : ( ونجعل لكما سلطانا ) أي : حجة قاهرة ، ( فلا يصلون إليكما بآياتنا ) أي : لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله ، كما قال الله تعالى [ لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ] : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك [ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ] والله يعصمك من الناس ) [ المائدة : 67 ] .

وقال تعالى : ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا ) [ الأحزاب : 39 ] ، أي : وكفى بالله ناصرا ومعينا ومؤيدا .

ولهذا أخبرهما أن العاقبة لهما ولمن اتبعهما في الدنيا والآخرة ، فقال : ( أنتما ومن اتبعكما الغالبون ) ، كما قال تعالى : ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) [ المجادلة : 21 ] ، وقال تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .

يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [ غافر : 51 ، 52 ] .

ووجه ابن جرير على أن المعنى : ( ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما ) ، ثم يبتدئ فيقول : ( بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ) ، تقديره : أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا .

ولا شك أن هذا المعنى صحيح ، وهو حاصل من التوجيه الأول ، فلا حاجة إلى هذا ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) يقول تعالى ذكره: قال الله لموسى ( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ ) ; أي نقوّيك ونعينك بأخيك.

تقول العرب إذا أعزّ رجل رجلا وأعانه ومنعه ممن أراده بظلم: قد شدّ فلان على عضد فلان, وهو من عاضده على أمره: إذا أعانه, ومنه قول ابن مقبل: عَاَضدْتُهَــا بِعَتُــودٍ غَـيْرَ مُعْتَلِـثٍ كَأَنَّــه وَقْـفُ عَـاجٍ بـاتَ مَكْنُونـا (5) يعني بذلك: قوسا عاضدها بسهم.

وفي العضُد لغات أربع: أجودها: العَضُد, ثم العَضْد, ثم العُضُد, والعُضْد.

يجمع جميع ذلك على أعضاد.

وقوله: ( وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا ) يقول: ونجعل لكما حجة.

كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم , قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( لَكُمَا سُلْطَانًا ) حجة.

حدثنا القاسم قال: قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.

حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي ( وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا ) والسلطان: الحجة.

وقوله: ( فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ) يقول تعالى ذكره: فلا يصل إليكما فرعون وقومه بسوء.وقوله: ( بِآيَاتِنَا ) يقول تعالى ذكره: ( فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ) فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ( بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ) فالباء فِي قوله:بآياتنا من صلة غالبون.

ومعنى الكلام: أنتما ومن اتبعكما الغالبون فرعون وملآه بآياتنا؛ أي بحجتنا وسلطاننا الذي نجعله لكما.

---------------- الهوامش : (5) البيت لتميم بن مقبل، قاله المؤلف نقلا عن مجاز القرآن لأبي عبيدة، قال: (سنشد عضدك بأخيك): أي سنقويك به ونعينك به.

يقال إذا أعز رجل رجلا ومنعه: قد شد فلان على عضد فلان.

وهو من عاضدته على أمره، أي عاونته عليه وآزرته.

قال ابن مقبل: "عاضدته..

بات مكنونًا" يعني قوسًا، أي عاضدها بسهم.

اه.

انظر المصورة (رقم 26059 بجامعة القاهرة) والعتود: السدرة أو الطلحة، ولعل سهم ابن مقبل كان من شجر السدر أو الطلح.

والمعتك إما من اعتلث الزند إذا لم يور، فهو حينئذ بكسر اللام، وإما من اعتلث الرجل زندًا: أخذه من شجر لا يدري أيوري أم يصلد.

وقال أبو حنيفة: اعتلث زنده إذا اعترض الشجر اعتراضًا، فاتخذه مما وجد والغين لغة عنه أيضًا.

وهو حينئذ بفتح اللام.

والوقف من العاج: كهيئة السوار، يريد ما في السهم من خطوط سود سمة له كالتي تكون في الوقف من العاج، وقوله: "بات مكنونا" هذه رواية أبي عبيدة، ولعل ما في الأصل تحريف من الناسخ.

ومعناه أن السهم قد أعد وهيئ ووضع في الكنانة، وهي جعبة السهام، وبقي فيها إلى أن ركب في القوس.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ف ( قال ) الله عز وجل سنشد عضدك بأخيك أي نقويك به ; وهذا تمثيل ; لأن قوة اليد بالعضد .

قال طرفة :[ ص: 264 ]بني لبينى لستم بيد إلا يدا ليست لها عضدويقال في دعاء الخير : شد الله عضدك .

وفي ضده : فت الله في عضدك ( ونجعل لكما سلطانا ) أي حجة وبرهانا فلا يصلون إليكما بالأذى بآياتنا أي تمتنعان منهم بآياتنا فيجوز أن يوقف على ( إليكما ) ويكون في الكلام تقديم وتأخير .

وقيل : التقدير أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا .

قال الأخفش والطبري قال المهدوي : وفي هذا تقديم الصلة على الموصول ، إلا أن يقدر : أنتما غالبان بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون .

وعنى بالآيات سائر معجزاته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فأجابه اللّه إلى سؤاله فقال: { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } أي: نعاونك به ونقويك.ثم أزال عنه محذور القتل، فقال: { وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا } أي: تسلطا، وتمكنا من الدعوة، بالحجة، والهيبة الإلهية من عدوهما لهما، { فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } وذلك بسبب آياتنا، وما دلت عليه من الحق، وما أزعجت به من باشرها ونظر إليها، فهي التي بها حصل لكما السلطان، واندفع بها عنكم، كيد عدوكم وصارت لكم أبلغ من الجنود، أولي الْعَدَدِ والْعُدَدِ.{ أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } وهذا وعد لموسى في ذلك الوقت، وهو وحده فريد، وقد رجع إلى بلده، بعد ما كان شريدا، فلم تزل الأحوال تتطور، والأمور تنتقل، حتى أنجز الله له موعوده، ومكنه من العباد والبلاد، وصار له ولأتباعه، الغلبة والظهور.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال سنشد عضدك بأخيك ) أي : نقويك بأخيك ، وكان هارون يومئذ بمصر ، ( ونجعل لكما سلطانا ) حجة وبرهانا ، ( فلا يصلون إليكما بآياتنا ) أي : لا يصلون إليكما بقتل ولا سوء لمكان آياتنا ، وقيل : فيه تقديم وتأخير ، تقديره : ونجعل لكما سلطانا بآياتنا بما نعطيكما من المعجزات فلا يصلون إليكما ، ( أنتما ومن اتبعكما الغالبون ) أي : لكما ولأتباعكما الغلبة على فرعون وقومه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال سنشد عضدك» نقويك «بأخيك ونجعل لكما سلطاناً» غلبة «فلا يصلون إليكما» بسوء، اذهبا «بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون» لهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الله لموسى: سنقوِّيك بأخيك، ونجعل لكما حجة على فرعون وقومه فلا يصلون إليكما بسوء.

أنتما -يا موسى وهارون- ومَن آمن بكما المنتصرون على فرعون وقومه؛ بسبب آياتنا وما دلَّتْ عليه من الحق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعد ذلك ، أن الله - تعالى - قد أجاب لموسى رجاءه فقال : ( قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ) .شد العضد : كناية عن التقوية له ، لأن اليد تشتد وتقوى ، بشدة العضد وقوته .

وهو من المرفق إلى الكتف .أى قال - سبحانه - لقد استجبنا لرجائك يا موسى ، وسنقويك ونعينك بأخيك ( وَنَجْعَلُ لَكُمَا ) بقدرتنا ومشيئتنا ( سُلْطَاناً ) أى : حجة وبرهانا وقوة تمنع الظالمين ( فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ) بأذى ولا يتغلبان عليكما بحجة .وقوله ( بِآيَاتِنَآ ) متعلق بمحذوف .

أى : فوضا أمركما إلى ، واذهبا إلى فرعون وقومه بآياتنا الدالة على صدقكما .وقوله - تعالى - : ( أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون ) مؤكد لمضمون ما قبله .

من تقوية قلب موسى ، وتبشيره بالغلبة والنصر على أعدائه .أى : أجبنا طلبك يا موسى ، وسنقويك بأخيك ، فسيرا إلى فرعون وقومه ، فسنجعل لكما الحجة عليهم .

وستكونان أنتما ومن اتبعكما من المؤمنين أصحاب الغلبة والسلطان على فرعون وجنده .ونفذ موسى وهارون - عليهما السلام - أمر ربهما - عز وجل - فذهبا إلى فرعون ليبلغاه دعوة الحق ، وليأمراه بإخلاص العبادة لله - تعالى - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ فَذَانِكَ برهانان مِن رَّبّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ  ﴾ تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه، فعند ذلك طلب من الله تعالى ما يقوي قلبه ويزيل خوفه فقال: ﴿ رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً ﴾ لأنه كان في لسانه حبسة، إما في أصل الخلقة، وإما لأجل أنه وضع الجمرة في فيه عندما نتف لحية فرعون.

أما قوله: ﴿ فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ رِدْءاً يُصَدّقُنِي ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: الردء اسم ما يستعان به، فعل بمعنى مفعول به، كما أن الدفء اسم لما يدفأ به، يقال ردأت الحائط أردؤه إذا دعمته بخشب أو غيره لئلا يسقط.

البحث الثاني: قرأ نافع (رداً) بغير همز والباقون بالهمز، وقرأ عاصم وحمزة (يصدقني) برفع القاف، ويروى ذلك أيضاً عن أبي عمرو والباقون بجزم القاف وهو المشهور عن أبي عمرو، فمن رفع فالتقدير ردءاً مصدقاً لي، ومن جزم كان على معنى الجزاء، يعني أن أرسلته صدقني ونظيره قوله: ﴿ وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا  يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا  ﴾ بجزم الثاء من يرثني.

وروى السدي عن بعض شيوخه ردءاً كيما يصدقني.

البحث الثالث: الجمهور على أن التصديق لهرون، وقال مقاتل: المعنى كي يصدقني فرعون والمعنى أرسل معي أخي حتى يعاضدني على إظهار الحجة والبيان، فعند اجتماع البرهانين ربما حصل المقصود من تصديق فرعون.

البحث الرابع: ليس الغرض بتصديق هرون أن يقول له صدقت، أو يقول للناس صدق موسى، وإنما هو أن يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل، ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ ﴾ وفائدة الفصاحة إنما تظهر فيما ذكرناه لا في مجرد قوله: صدقت.

البحث الخامس: قال الجبائي: إنما سأل موسى عليه السلام أن يرسل هرون بأمر الله تعالى وإن كان لا يدري هل يصلح هرون للبعثة أم لا؟

فلم يكن ليسأل مالا يأمن أن يجاب أو لا يكون حكمة، ويحتمل أيضاً أن يقال إنه سأله لا مطلقاً بل مشروطاً على معنى، إن اقتضت الحكمة ذلك كما يقوله الداعي في دعائه.

البحث السادس: قال السدي: إن نبيين وآيتين أقوى من نبي بواحد وآية واحدة.

قال القاضي والذي قاله من جهة العادة أقوى، فأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين ونبي ونبيين، لأن المبعوث إليه إن نظر في أيهما كان علم، وإن لم ينظر فالحالة واحدة، هذا إذا كانت طريقة الدلالة في المعجزتين واحدة، فإما إذا اختلفت وأمكن في إحداهما إزالة الشبهة ما لا يمكن في الأخرى، فغير ممتنع أن يختلفا ويصلح عند ذلك أن يقال إنهما بمجموعهما أقوى من إحداهما على ما قاله السدي، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهرون عليهما السلام، لأن معجزتهما كانت واحدة لا متغايرة.

أما قوله: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ فاعلم أن العضد قوام اليد وبشدتها تشتد، يقال في دعاء الخير شد الله عضدك، وفي ضده فت الله في عضدك.

ومعنى سنشد عضدك بأخيك سنقويك به، فإما أن يكون ذلك لأن اليد تشتد لشدة العضد والجملة تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور، وإما لأن الرجل شبه باليد في اشتدادها باشتداد العضد فجعل كأنه يد مشتدة بعضد شديدة.

أما قوله: ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ﴾ فالمقصود أن الله تعالى آمنه مما كان يحذر فإن قيل بين تعالى أن السلطان هو بالآيات فكيف لا يصلون إليهما لأجل الآيات أو ليس فرعون قد وصل إلى صلب السحرة وإن كانت هذه الآيات ظاهرة، قلنا إن الآية التي هي قلب العصا حية كما أنها معجزة فهي أيضاً تمنع من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهرون عليهما السلام، لأنهم إذا علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة وإن أراد إرسالها عليهم أهلكتهم زجرهم ذلك عن الإقدام عليهما فصارت مانعة من الوصول إليهما بالقتل وغيره وصارت آية ومعجزة فجمعت بين الأمرين، فأما صلب السحرة ففيه خلاف فمنهم من قال ما صلبوا وليس في القرآن ما يدل عليه وإن سلمنا ذلك ولكنه تعالى قال: ﴿ فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ﴾ فالمنصوص أنهم لا يقدرون على إيصال الضرر إليهما وإيصال الضرر إلى غيرهما لا يقدح فيه، ثم قال: ﴿ أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون ﴾ والمراد إما الغلبة بالحجة والبرهان في الحال، أو الغلبة في الدولة والمملكة في ثاني الحال والأول أقرب إلى اللفظ.

أما قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُم موسى بئاياتنا بينات ﴾ فقد بينا في سورة طه أنه كيف أطلق لفظ الآيات وهو جمع على العصا واليد.

أما قوله: ﴿ قَالُواْ مَا هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى ﴾ فقد اختلفوا في مفترى، فقال بعضهم المراد أنه إذا كان سحراً وفاعله يوهم خلافه فهو المفترى، وقال الجبائي المراد أنه منسوب إلى الله تعالى وهو من قبله فكأنهم قالوا هو كذب من هذا الوجه ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم وهو قولهم: ﴿ وَمَا سَمِعْنَا بهذا فِي ءابَائِنَا الأولين ﴾ أي ما حدثنا بكونه فيهم، ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك وقد سمعوا مثله، أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته، أو ما كان الكهان يخبرون بظهور موسى عليه السلام ومجيئه بما جاء به.

واعلم أن هذه الشبهة ساقطة لأن حاصلها يرجع إلى التقليد ولأن حال الأولين لا يخلو من وجهين، إما أن لا يورد عليهم بمثل هذه الحجة فحينئذ الفرق ظاهر أو أورد عليهم فدفعوه فحينئذ لا يجوز جعل جهلهم وخطئهم حجة، فعند ذلك قال موسى عليه السلام وقد عرف منهم العناد ﴿ رَبّى أَعْلَمُ بِمَن جَاء بالهدى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار ﴾ فإن من أظهر الحجة ولم يجد من الخصم اعتراضاً عليها وإنما لما وجد منه العناد صح أن يقول ربي أعلم بمن معه الهدى والحجة منا جميعاً ومن هو على الباطل ويضم إليه طريق الوعيد والتخويف وهو قوله: ﴿ وَمَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار ﴾ من ثواب على تمسكه بالحق أو من عقاب وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ  جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار  ﴾ والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها وعقباها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان وتلقى الملائكة بالبشرى عند الموت فإن قيل العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار، لأن الدنيا قد تكون خاتمتها بخير في حق البعض وبشر في حق البعض الآخر، فلم اختصت خاتمتها بالخير بهذه التسمية دون خاتمتها بالشر؟

قلنا إنه قد وضع الله سبحانه الدنيا مجازاً إلى الآخرة وأمر عباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير ليبلغوا خاتمة الخير وعاقبة الصدق، فمن عمل فيها خلاف ما وضعها الله له فقد حرف، فإذن عاقبتها الأصلية هي عاقبة الخير، وأما عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار، ثم إنه عليه السلام أكد ذلك بقوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون ﴾ والمراد أنهم لا يظفرون بالفوز والنجاة والمنافع بل يحصلون على ضد ذلك وهذا نهاية في زجرهم عن العناد الذي ظهر منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

العضد: قوام اليد، وبشدّتها تشتد.

قال طرفة: أَبَنِي لُبَينَى لَسْتُمُو بِيَدٍ ** إِلاَّ يَداً لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُ ويقال في دعاء الخير: شدّ الله عضدك.

وفي ضده؛ فت الله في عضدك.

ومعنى ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ سنقويك به ونعينك، فإمّا أن يكون ذلك لأن اليد تشتد بشدة العضد.

والجملة تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور.

وإمّا لأنّ الرجل شبة باليد في اشتدادها باشتداد العضد، فجعل كأنه يد مشتدة بعضد شديدة ﴿ سلطانا ﴾ غلبة وتسلطا.

أو حجة واضحة ﴿ بأاياتنآ ﴾ متعلق بنحو ما تعلق به في تسع آيات، أي اذهبا بآياتنا.

أو بنجعل لكما سلطانا، أي: نسلطكما بآياتنا.

أو بلا يصلون، أي: تمتنعون منهم بآياتنا.

أو هو بيان للغالبون لا صلة، لامتناع تقدم الصلة على الموصول.

ولو تأخر: لم يكن إلا صله له.

ويجوز أن يكون قسماً جوابه: لا يصلون، مقدماً عليه.

أو من لغو القسم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ بِها.

﴿ وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا ﴾ مُعِينًا وهو في الأصْلِ اسْمُ ما يُعانُ بِهِ كالدِّفْءِ، وقَرَأ نافِعٌ «رِدًا» بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ يُصَدِّقُنِي ﴾ بِتَخْلِيصِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الحُجَّةِ وتَزْيِيفِ الشُّبْهَةِ.

﴿ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ ولِسانِي لا يُطاوِعُنِي عِنْدَ المُحاجَّةِ، وقِيلَ المُرادُ تَصْدِيقُ القَوْمِ لِتَقْرِيرِهِ وتَوْضِيحِهِ لَكِنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ﴿ يُصَدِّقُنِي ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ والجَوابُ مَحْذُوفٌ.

﴿ قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ﴾ سَنُقَوِّيكَ بِهِ فَإنَّ قُوَّةَ الشَّخْصِ بِشِدَّةِ اليَدِ عَلى مُزاوَلَةِ الأُمُورِ، ولِذَلِكَ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ وشِدَّتُها بِشِدَّةِ العَضُدِ.

﴿ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا ﴾ غَلَبَةً أوْ حَجَّةً.

﴿ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما ﴾ بِاسْتِيلاءٍ أوْ حِجاجٍ.

﴿ بِآياتِنا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ اذْهَبا بِآياتِنا، أوْ بِـ ( نَجْعَلُ ) أيْ نُسَلِّطُكُما بِها، أوْ بِمَعْنى «لا يَصِلُونَ» أيْ تَمْتَنِعُونَ مِنهم، أوْ قَسَمٌ جَوابُهُ «لا يَصِلُونَ»، أوْ بَيانٌ لِـ ( الغالِبُونَ ) في قَوْلِهِ: ﴿ أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ صِلَةٌ لِما بَيَّنَهُ أوْ صِلَةٌ لَهُ عَلى أنَّ اللّامَ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ لا بِمَعْنى الَّذِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} سنقويك به إذ اليد تشد بشدة العضد

لأنه قوام اليد والجملة تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا} غلبة وتسلطاً وهيبة في قلوب الأعداء {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا باياتنا} الباء تتعلق بيصلون أي لا يصلون إليكما بسبب آياتنا وتم الكلام او فنجعل لكما سلطاناً أي نسلطكما بآياتنا أو بمحذوف أي اذهبا بآياتنا أو هو بيان للغالبون لا صلة أو قسم جوابه لا يصلون مقدما عليه {أنتما ومن اتبعكما الغالبون}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ﴾ إجابَةٌ لِمَطْلُوبِهِ وهو عَلى ما قِيلَ راجِعٌ لِقَوْلِهِ ﴿ فَأرْسِلْهُ مَعِيَ ﴾ إلَخْ والمَعْنى سَنُقَوِّيكَ بِهِ ونُعِينُكَ عَلى أنَّ شَدَّ عَضُدِهِ كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ تَقْوِيَتِهِ لِأنَّ اليَدَ تَشْتَدُّ بِشِدَّةِ العَضُدِ وهو ما بَيْنَ المِرْفَقِ إلى الكَتِفِ والجُمْلَةُ تَشْتَدُّ بِشِدَّةِ اليَدِ ولا مانِعَ مِنَ الحَقِيقَةِ لِعَدَمِ دُخُولٍ بِأخِيكَ فِيما جُعِلَ كِنايَةً أوْ عَلى أنَّ ذَلِكَ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ شَبَّهَ حالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تَقْوِيَتِهِ بِأخِيهِ بِحالِ اليَدِ في تَقْوِيَتِها بِعَضُدٍ شَدِيدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ مِن بابِ إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ بِمَرْتَبَتَيْنِ بِأنْ يَكُونَ الأصْلُ سَنُقَوِّيكَ بِهِ ثُمَّ سَنُؤَيِّدُكَ ثُمَّ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ عُضُدَكَ بِضَمَّتَيْنِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ، وقَرَأ عِيسى بِفَتْحِهِما، وبَعْضُهم بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ الضّادِ، ويُقالُ فِيهِ: عَضْدٌ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ الضّادِ ولَمْ أعْلَمْ أحَدًا قَرَأ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا ﴾ أيْ تَسَلُّطًا عَظِيمًا وغَلَبَةً راجِعٌ عَلى ما قِيلَ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما حَصَلَ مِن مُرادِهِ أيْ لا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِاسْتِيلاءٍ أوْ مُحاجَّةٍ ﴿ بِآياتِنا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ قَدْ صَرَّحَ بِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ أيِ اذْهَبا بِآياتِنا أوْ بِـ نَجْعَلُ أيْ نُسَلِّطُكُما بِآياتِنا أوْ بِـ سُلْطانًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّسَلُّطِ والغَلَبَةِ أوْ بِمَعْنى لا يَصِلُونَ أيْ تَمْتَنِعُونَ مِنهم بِها أوْ بِحَرْفِ النَّفْيِ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ بِجَوازِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوابُهُ لا يَصِلُونَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ أوْ هو مِنَ القَسَمِ الَّذِي يَتَوَسَّطُ الكَلامَ ويُقْحَمُ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ فَلا يَحْتاجُ إلى جَوابٍ أصْلًا، ويُرَدُّ عَلى الأوَّلِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ لا يَتَقَدَّمُهُ ولا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ أيْضًا فَلَعَلَّهُ أرادَ أنَّ ذَلِكَ دالٌّ عَلى الجَوابِ وأمّا هو فَمَحْذُوفٌ إلّا أنَّهُ تَساهَلَ في التَّعْبِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الغالِبُونَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ ﴾ أوْ صِلَةٌ لَهُ واللّامُ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ لا بِمَعْنى الَّذِي أوْ بِمَعْناهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى المَوْصُولِ إمّا مُطْلَقًا أوْ إذا كانَ المُقَدَّمُ ظَرْفًا وتَقْدِيمُهُ إمّا لِلْفاصِلَةِ أوْ لِلْحَصْرِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قالَ موسى رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ به وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً يعني: أبين مني لساناً، وكانت في لسان موسى عقدة من النار التي أدخلها فاه فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً أي عوناً يُصَدِّقُنِي يعني: لكي يصدقني، ويعبر عن كلامي.

قرأ نافع ردا بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز، فمن قرأ بالهمز، فهو الأصل، ومن قرأ بغير همز، فإنما ألقى فتحة الهمزة على الدال، وليّن الهمزة.

وقرأ عاصم وحمزة يُصَدِّقُنِي بضم القاف، وقرأ الباقون بالجزم.

فمن قرأ بالجزم، جعله جواب الأمر، ومن قرأ بالضم جعله صفة ردءاً، أي ردءاً مصدقاً.

ثم قال: إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ أي فرعون وآله قالَ الله تعالى: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ أي: نقويك بأخيك وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً يعني: حجة ثانية، وهي اليد والعصا فَلا يَصِلُونَ بسوء إليكما أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا يعني: من آمن بكما الْغالِبُونَ في الحجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)

وقوله تعالى: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ قال ابن عباس: قضى أكملهمَا عَشْرَ سنينَ وأسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلّم «١» .

وقوله: إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ ...

الآية، تَقَدَّمَ قصصُها، فانظرْه في محالِّه، قال البخاريُّ: والجَذْوَةُ قطعةٌ غلِيظةٌ مِنَ الخَشَبِ فيها لَهَبٌ، انتهى.

قال العِراقيُّ: و «آنس» معناه: أبصر، انتهى.

وقوله: مِنَ الشَّجَرَةِ يقتضي: أن موسى- عليه السلام- سَمِعَ ما سَمِعَ من جهة الشجَرةِ، وسمع وأدرك غَيْرُ مُكَيَّفٍ ولا محَدَّدٍ.

قال السهيليُّ: قيل إن هذه الشجرةَ عَوْسَجَة، وقِيل: عُلَّيْقَة، والعَوْسَجُ إذا عَظُمَ قِيلَ له: الغَرْقَدُ، انتهى.

وَلَمْ يُعَقِّبْ معناه: لم يرجع على عقبه من توليته.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ ﴾ رَوى ابْن عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ سُئِلَ: أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، قالَ: أوْفاهُما وأطْيَبهما» .

قالَ مُجاهِدٌ مَكَثَ بَعْدَ قَضاءِ الأجَلِ عِنْدَهم عَشْرًا أُخَرَ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أقامَ عِنْدَهم بَعْدَ أنْ أدْخَلَ عَلَيْهِ امْرَأتَهُ سِنِينَ، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ [طَهَ: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ أوْ جَذْوَةٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: " جِذْوَةً " بِكَسْرِ الجِيمِ.

وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِها.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والوَلِيدُ عَنِ ابْن عامِرٍ بِضَمِّها، وكُلُّها لُغاتٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجَذْوَةُ: قِطْعَةُ حَطَبٍ فِيها نارٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الحَطَبِ لَيْسَ فِيها لَهَبٌ، وهي مِثْلُ الجَذْمَةِ مِن أصْلِ الشَّجَرَةِ، قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجِذا غَيَّرَ خُوّارٍ ولا دَعْرِ والدَّعْرُ: الَّذِي قَدْ نَخِرَ، ومِنهُ رَجُلٌ داعِرٌ، أيْ: فاسِدٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ ﴾ وهو: جانِبُهُ ﴿ الأيْمَنِ ﴾ وهو الَّذِي عَنْ يَمِينِ مُوسى ﴿ فِي البُقْعَةِ ﴾ وهي القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ ﴿ المُبارَكَةِ ﴾ بِتَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى فِيها ﴿ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴾ أيْ: مِن ناحِيَتِها.

وفي تِلْكَ الشَّجَرَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّها] شَجَرَةُ العُنّابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَوْسَجَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ أيْ: مِن أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْلُكْ يَدَكَ ﴾ أيْ: أُدْخِلُها، ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ ﴾ قَدْ فَسَّرْنا الجَناحَ في (طَهَ: ٢٢) إلّا أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ خالَفَ بَيْنَ تَفْسِيرِ اللَّفْظَيْنِ، فَشَرَحْناهُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَناحُهُ: الذِّراعُ والعَضُدُ والكَفُّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الجَناحُ هاهُنا: العَضُدُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها: جَناحٌ.

وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الجَناحُ هاهُنا: العَصا.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجَناحُ لِلْإنْسانِ مُشَبَّهٌ بِالجَناحِ لِلطّائِرِ، فَفي حالٍ تُشَبِّهُ العَرَبُ رِجْلَيِ الإنْسانِ بِجَناحِي الطّائِرِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ مَضى فُلانٌ طائِرًا في جَناحَيْهِ، يَعْنُونَ ساعِيًا عَلى قَدَمَيْهِ، وفي حالٍ يَجْعَلُونَ العَضُدَ مِنهُ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطّائِرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ ﴾ ، وفي حالٍ يَجْعَلُونَ العَصا بِمَنزِلَةِ الجَناحِ، لِأنَّ الإنْسانَ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ كَدَفْعِ الطّائِرِ عَنْ نَفْسِهِ بِجَناحِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ﴾ ، وإنَّما يُوقَعُ الجَناحُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ تَشْبِيهًا واسْتِعارَةً، كَما يُقالُ: قَدْ قَصَّ جَناحَ الإنْسانِ، وقَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ: إذا وقَعَتْ بِهِ جائِحَةٌ أبْطَلَتْ تَصَرُّفَهُ؛ ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أنْتِ يَدِي ورِجْلِي، أيْ: أنْتَ مَن بِهِ أُصِلُ إلى مُحابِّي، قالَ جَرِيرٌ: سَأشْكُرُ أنْ رَدَّدَتْ إلَيَّ رِيشِي وأنْبَتَّ القَوادِمَ في جَناحِي وَقالَتْ امْرَأةٌ مِنَ العَرَبِ تَرْثِي زَوْجَها الأغَرَّ: يا عِصْمَتِي في النّائِباتِ ويا ∗∗∗ رُكْنِيَ [الأغَرَّ] ويا يَدِي اليُمْنى ∗∗∗ لا صُنْتُ وجْهًا كُنْتُ صائِنَهُ ∗∗∗ أبَدًا ووَجْهُكَ في الثَّرى يَبْلى فَأمّا الرَّهْبُ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " مِنَ الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مِنَ الرُّهْبِ " بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ.

وقَرَأ حَفْصٌ [وَأبانُ] عَنْ عاصِمٍ: " مِنَ الرَّهْبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ [وَهِيَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ السَّمَيْفَعِ] .

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِضَمِّ الرّاءِ والهاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الرُّهْبُ، والرَّهَبُ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ الرُّشْدِ، والرَّشَدِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرُّهْبُ والرَّهْبَةُ بِمَعْنًى الخَوْفِ والفَرَقِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الرَّهْبُ، والرُّهُبُ، والرَّهَبُ، مِثْلُ الشَّغْلِ، والشُّغُلِ، والشَّغَلِ والبَخْلِ، والبُخُلِ، والبَخَلِ، وتِلْكَ لُغاتٌ تَرْجِعُ إلى مَعْنى الخَوْفِ والفَرَقِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا هَرَبَ مِنَ الحَيَّةِ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ جَناحَهُ لِيَذْهَبَ عَنْهُ الفَزَعُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: اضْمُمْ يَدَكَ إلى صَدْرِكَ مِنَ الخَوْفِ ولا خَوْفَ عَلَيْكَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ مَن فَزِعَ فَضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ ذَهَبَ عَنْهُ الفَزَعُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا هالَهُ بَياضُ يَدِهِ وشُعاعُها، أمَرَ أنْ يُدْخِلَها في جَيْبِهِ، فَعادَتْ إلى حالَتِها الأُولى.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: سَكَنَ رَوْعُكَ، وثَبَتَ جَأْشُكَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ يُرادُ بِهِ الضَّمُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، إنَّما أمْرٌ بِالعَزْمِ [عَلى ما أُمِرَ بِهِ] والجَدِّ فِيهِ، ومِثْلُهُ: اشْدُدْ حَيازِيمَكَ لِلْمَوْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذانِكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " فَذانِكَ " بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ الباقُونَ: " فَذانِكَ " بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: التَّشْدِيدُ تَثْنِيَةُ " ذَلِكَ "، والتَّخْفِيفُ تَثْنِيَةُ " ذاكَ "، فَجَعَلَ اللّامَ في " ذَلِكَ " بَدَلًا مِن تَشْدِيدِ النُّونِ في " ذانِكَ "، ﴿ بُرْهانانِ ﴾ أيْ: بَيانانِ اثْنانِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: " فَذانِكَ " يَعْنِي العَصا واليَدَ، حُجَّتانِ مِنَ اللَّهِ لِمُوسى عَلى صِدْقِهِ، ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ: أرْسَلْنا بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ إلى فِرْعَوْنَ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ما بَعْدَ هَذا [الشُّعَراءِ: ١٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ هُوَ أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا ﴾ أيْ: أحْسَنُ بَيانًا، لِأنَّ مُوسى كانَ في لِسانِهِ أثَرُ الجَمْرَةِ الَّتِي تَناوَلَها، ﴿ فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: " رِدْءًا " بِسُكُونِ الدّالِ وبَعْدَها هَمْزَةٌ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: " رَدًّا " بِفَتْح الدّالِ وألِفٍ بَعْدَها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا هَمْزٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ نَوَّنَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الرَّدْءُ: العَوْنُ، يُقالُ: رَدَأْتُهُ أرْدَؤُهُ رَدْءًا: إذا أعَنْتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصَدِّقُنِي ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: " يُصَدِّقُنِي " بِضَمِّ القافِ.

وقَرَأ الباقُونَ.

بِسُكُونِ القافِ قالَ الزَّجّاجُ: مَن جَزَمَ " يُصَدِّقْنِي " فَعَلى جَوابِ المَسْألَةِ: أرْسِلْهُ يُصَدِّقْنِي؛ ومَن رَفَعَ؛ فالمَعْنى: رَدْءًا مُصَدِّقًا لِي.

وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ: " يُصَدِّقُنِي " إلى هارُونَ؛ وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لِكَيْ يُصَدِّقَنِي فِرْعَوْنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: سَنُعِينُكَ بِأخِيكَ، ولَفْظُ العَضُدِ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، لِأنَّ اليَدَ قِوامُها عَضُدُها، وكُلُّ مُعَيَّنٍ فَهو عَضُدٌ، ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا ﴾ أيْ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ.

وقِيلَ لِلزَّيْتِ: السَّلِيطُ، لِأنَّهُ يُسْتَضاءُ بِهِ؛ والسُّلْطانُ: أبْيَنُ الحُجَجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما ﴾ أيْ: بِقَتْلٍ ولا أذًى.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِآياتِنا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: تَمْتَنِعانِ مِنهم بِآياتِنا وحُجَجِنا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما.

والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، فالمَعْنى: بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ، أيْ: تَغْلِبُونَ بِآياتِنا.

والثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا بِآياتِنا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ ﴿ وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ ﴿ قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهٍ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ مِن الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ﴾ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدِ امْتُحِنَ بِمَخاوِفَ فَطَلَبَ شَدَّ العَضُدِ بِأخِيهِ هارُونُ ؛ لِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِسانِ سَمِحَ الخُلُقِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رِدْءًا" بِالهَمْزِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "رِدًّا" بِتَنْوِينِ الدالِّ دُونَ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرَ، وذَلِكَ عَلى التَخْفِيفِ مِن "رِدْءٍ"، والرِدْءِ: الوَزِيرُ المُعِينُ والَّذِي يُسْنِدُ إلَيْهِ في الأمْرِ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّها مِن مَعْنى الزِيادَةِ، كَما قالَ الشاعِرُ: وأسْمَرَ خَطِّيًّا كَأنَّ كُعُوبَهُ نَوى القَسْبِ قَدْ أرْدى ذِراعًا عَلى العَشْرِ وَهَذا عَلى تَرْكِ الهَمْزِ، وأنْ يَكُونَ وزْنُهُ فِعْلًا.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُصَدِّقْنِي" بِالجَزْمِ، وذَلِكَ عَلى جَوابِ "أرْسِلْهُ"، وقَرَأ عاصِمْ وحْدَهُ: "يُصَدِّقُنِي"، أيْ: مُصَدِّقًا، فَهو صِفَةٌ لِلرِّدْءِ، أو حالٌ.

و"شَدُّ العَضُدِ" اسْتِعارَةٌ في المَعُونَةِ والإنْهاضِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ العَيْنِ مِن "عُضُدَكَ"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ العَيْنِ والضادِ.

و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ.

وقَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُما ﴾ ، أو بِـ "يَصِلُونَ" وتَكُونَ باءَ السَبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "الغالِبُونَ"، أيْ: تَغْلِبُونَ بِآياتِنا، و"الآياتُ" ها هُنا مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ.

ولَمّا كَذَّبُوهُ ورَمَوْهُ بِالسِحْرِ قارَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في احْتِجاجِهِ، وراعَهُ تَكْذِيبُهُمْ، فَرَدَّ الأمْرَ إلى اللهِ، وعَوَّلَ عَلى ما يُظْهِرُهُ اللهُ تَعالى في شَأْنِهِمْ، وتَوَعَّدَهم بِنِقْمَةِ اللهِ تَعالى مِنهم.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "قالَ مُوسى" بِغَيْرِ واوٍ، وقَرَأ غَيْرُهُ وجَمِيعُ السَبْعَةِ: "وَقالَ مُوسى" بِواوٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَكُونُ لَهُ" بِالتاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يَكُونُ" بِالياءِ عَلى التَذْكِيرِ؛ إذْ هي بِمَنزِلَةِ العاقِبِ.

واسْتَمَرَّ فِرْعَوْنُ عَلى طَرِيقِ مَخْرَقَتِهِ عَلى قَوْمِهِ، وأمَرَ هامانَ بِأنْ يَطْبُخَ لَهُ الآجُرَّ، وأنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا، أيْ سَطْحًا في أعْلى الهَواءِ، ولَيْسَ الصَرْحُ إلّا ما لَهُ سَطْحٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإيقادُ عَلى الطِينِ كالبَرانِيِّ، وتَرَجّى بِزَعْمِهِ أنْ يَطَّلِعَ في السَماءِ، فَرُوِيَ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ بَناهُ أعْلى ما يُمْكِنُ، ثُمْ صَعِدَ فِيهِ، ورَمى بِالنَبْلِ فَرَدَّها اللهُ تَعالى إلَيْهِ مَخْضُوبَةً بِالدَمِ لِيَزِيدَهم عَمًى وفِتْنَةً، فَقالَ فِرْعَوْنُ حِينَئِذٍ: إنِّي قَتَلْتُ إلَهَ مُوسى.

ثُمْ قالَ: ﴿ وَإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ يُرِيدُ في أنَّ مُوسى أرْسَلَهُ راسَلَهُ، فالظَنُّ عَلى بابِهِ، وهو مَعْنى إيجابِ الكُفْرِ بِمَنزِلَةِ المُصَمِّمْ عَلى التَكْذِيبِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ: "لا يَرْجِعُونَ"، وقَرَأ الباقُونَ والحَسَنُ: "لا يُرْجَعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الجِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استجاب الله له دعوتيه وزاده تفضلاً بما لم يسأله فاستجابة الدعوة الثانية بقوله ﴿ سنشد عضدك بأخيك ﴾ ، واستجابة الأولى بقوله ﴿ فلا يصلون إليكما ﴾ ، والتفضل بقوله ﴿ ونجعل لكما سلطاناً ﴾ ، فأعطى موسى ما يماثل ما لهارون من المقدرة على إقامة الحجة إذ قال ﴿ ونجعل لكما سلطاناً ﴾ .

وقد دل على ذلك ما تكلم به موسى عليه السلام من حجج في مجادلة فرعون كما في سورة الشعراء، وهنا وما خاطب به بني إسرائيل مما حكي في سورة الأعراف.

ولم يحك في القرآن أن هارون تكلم بدعوة فرعون على أن موسى سأل الله تعالى أن يحلل عقدة من لسانه كما في سورة طه، ولا شك أن الله استجاب له.

والشد: الربط، وشأن العامل بعضو إذا أراد أن يعمل به عملاً متعباً للعضو أن يربط عليه لئلا يتفكك أو يعتريه كسر، وفي ضد ذلك قال تعالى ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ [الأعراف: 149] وقولهم: فُتَّ في عضده، وجعل الأخ هنا بمنزلة الرباط الذي يشد به.

والمراد: أنه يؤيده بفصاحته، فتعليقه بالشد ملحق بباب المجاز العقلي.

وهذا كله تمثيل لحال إيضاح حجته بحال تقوية من يريد عملاً عظيماً أن يشد على يده وهو التأييد الذي شاع في معنى الإعانة والإمداد، وإلا فالتأييد أيضاً مشتق من اليد.

فأصل معنى (أيد) جعل يداً، فهو استعارة لإيجاد الإعانة.

والسلطان هنا مصدر بمعنى التسلط على القلوب والنفوس، أي مهابة في قلوب الأعداء ورعباً منكما كما ألقى على موسى محبة حين التقطه آل فرعون.

وتقدم معنى السلطان حقيقة في قوله تعالى ﴿ فقد جعلنا لوليه سلطاناً ﴾ في سورة الإسراء.

(33) وفرع على جعل السلطان ﴿ فلا يصلون إليكما ﴾ أي لا يؤذونكما بسوء وهو القتل ونحوه.

فالوصول مستعمل مجازاً في الإصابة.

والمراد: الإصابة بسوء، بقرينة المقام.

وقوله ﴿ بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ﴾ يجوز أن يكون ﴿ بآياتنا ﴾ متعلقاً بمحذوف دل عليه قوله ﴿ إلى فرعون وملائه ﴾ [القصص: 32] تقديره: اذهبا بآياتنا على نحو ما قدّر في قوله تعالى ﴿ في تسع آيات إلى فرعون ﴾ [النمل: 12] وقوله في سورة النمل بعد قوله ﴿ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات ﴾ [النمل: 12] أي اذهبا في تسع آيات.

وقد صرح بذلك في قوله في سورة الشعراء (15) ﴿ قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون ﴾ ويجوز أن يتعلق ب ﴿ نجعل لكما سلطاناً ﴾ ، أي سلطاناً عليهم بآياتنا حتى تكون رهبتهم منكما آية من آياتنا، ويجوز أن يتعلق ب ﴿ لا يصلون إليكما ﴾ أي يصرفون عن أذاكم بآيات منا كقول النبي صلى الله عليه وسلم «نُصِرتُ بالرعب» ويجوز أن يكون متعلقاً بقوله ﴿ الغالبون ﴾ أي تغلبونهم وتقهرونهم بآياتنا التي نؤيدكما بها.

وتقديم المجرور على متعلقه في هذا الوجه للاهتمام بعظمة الآيات التي سيعطيانها.

ويجوز أن تكون الباء حرف قسم تأكيداً لهما بأنهما الغالبون وتثبيتاً لقلوبهما.

وعلى الوجوه كلها فالآيات تشمل خوارق العادات المشاهدة مثل الآيات التسع، وتشمل المعجزات الخفية كصرف قوم فرعون عن الإقدام على أذاهما مع ما لديهم من القوة وما هم عليه من العداوة بحيث لولا الصرفة من الله لأهلكوا موسى وأخاه.

ومحل العبرة من هذا الجزء من القصة التنبيه إلى أن الرسالة فيض من الله على من اصطفاه من عباده وأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كرسالة موسى جاءته بغتة فنودي محمد في غار جبل حراء كما نودي موسى في جانب جبل الطور، وأنه اعتراه من الخوف مثل ما اعترى موسى، وأن الله ثبته كما ثبت موسى، وأن الله يكفيه أعداءه كما كفى موسى أعداءه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رِدْءًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَوْنًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: زِيادَةُ، والرِّدْءُ الزِّيادَةُ وهو قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدَبٍ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ وأسْمَرَ خَطِّيًّا كَأنَّ كُعُوبَهُ نَوى القَسْبِ قَدْ أرْدى ذِراعًا عَلى العَشْرِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولى مدبراً..

من الرهب ﴾ قال: هذا من تقديم القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واضمم إليك جناحك ﴾ قال: يدك.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واضمم إليك جناحك ﴾ قال: كفه تحت عضده ﴿ من الرهب ﴾ قال: من الفرق ﴿ فذانك برهانان ﴾ قال: العصا، واليد.

وفي قوله: ﴿ ردءاً ﴾ قال: عوناً وفي قوله: ﴿ ونجعل لكما سلطاناً ﴾ قال: الحجة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولم يعقب ﴾ قال: لم يلتفت من الفرق وفي قوله: ﴿ اسلك يدك في جيبك ﴾ قال: في جيب قميصك ﴿ تخرج بيضاء من غير سوء ﴾ قال: من غير برص ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ قال: من الرعب ﴿ فذانك برهانان ﴾ قال: آيتان من ربك...

﴿ فأرسله معي ردءاً ﴾ قال: عوناً لي.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ من الرهب ﴾ مخففة مرفوعة الراء وقرأ ﴿ فذنك ﴾ مخففة.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن كثير وقيس أنهما كانا يقرآن ﴿ فذنك برهانان ﴾ مثقلة النون.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ردءاً يصدقني ﴾ كي يصدقني.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب نبأنا نافع بن أبي نعيم قال: سألت مسلم بن جندب رضي الله عنه عن قوله: ﴿ ردءاً يصدقني ﴾ قال: الردء الزيادة أما سمعت قول الشاعر: واسمر خطى كأن كعوبه ** نوى القصب قد اردى ذراعاً على عشر وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ سنشد عضدك بأخيك ﴾ قال: العضد: المعين الناصر قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول النابغة: في ذمة من أبي قابوس منقذة ** للخائفين ومن ليست له عضد وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان موسى عليه السلام قد ملئ قلبه رعباً من فرعون، فكان إذا رآه قال: اللهم أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره، ففزع الله تعالى ما كان في قلب موسى وجعله في قلب فرعون، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الضحاك رضي الله عنه قال: دعاء موسى حين توجه إلى فرعون، ودعاء النبي عليه السلام يوم حنين، ودعاء كل مكروب «كنت وتكون وأنت حي لا تموت، تنام العيون وتكدر النجوم وأنت حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حي يا قيوم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ قَالَ ﴾ أي: قال الله لموسى ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ أي: سنعينك ونقويك به (١) وشَدُّ العضد مَثَلٌ في التقوية والإعانة.

وذلك أن من قَوّيت عضدَه فقد أعنته.

قوله تعالى: ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: أي: حجة تدل على النبوة (٢) قال أبو إسحاق: أي حجة نَيَّرة، والسلطان أبين الحجج، ولذلك قيل للزيت: السَّليط؛ لأنه يستضاء به (٣) وقوله: ﴿ فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ﴾ أي: بقتل ولا بسوء ولا أذى؛ وذلك أنهما خافا من فرعون أن يقتلهما، وهو قوله: ﴿ إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى  ﴾ (٤) وقوله: ﴿ بِآيَاتِنَا ﴾ قال المبرد: فيه تقديم وتأخير، المعنى: سلطانًا بآياتنا ﴿ فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ﴾ (٥) وذكر أبو إسحاق وجهين آخرين؛ أحدهما: أن يكون ﴿ بِآيَاتِنَا ﴾ من صلة: ﴿ يَصِلُونَ ﴾ كأنه قال: ﴿ فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ﴾ تمتنعان منهم بآياتنا.

والثاني: أن يكون ﴿ بِآيَاتِنَا ﴾ مُبِينًا عن قوله: ﴿ أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ﴾ أي: تغلبون بآياتنا (٦) (١) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 104.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 144.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب.

(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 76، عن مجاهد، والسدي، و"تفسير مقاتل" 65 ب، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 333، ولم ينسبه.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 144.

(٤) استدل بهذه الآية على هذا المعنى مقاتل 65 ب.

(٥) ذكره ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 22، ولم ينسبه.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 144، ولم ينسبه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ رِدْءاً ﴾ أي معيناً، وقرئ بالهمز وبغير همز على التسهيل من المهموز أو يكون من: أرديت أي زدت ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ استعارة في المعونة ﴿ بِآيَاتِنَآ ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: نجعل أو يصلون أو بالغالبون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربي أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ يصدر ﴾ بفتح الياء وضم الدال: ابن عامر ويزيد وأبو عمرو وأبو أيوب.

الآخرون بضم الياء وكسر الدال ﴿ إني أريد ﴾ ﴿ سَتَجِدُنِي إِن ﴾ بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر ونافع ﴿ إني آنست ﴾ ﴿ إني أنا الله ﴾ و ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح ياء المتكلم في الكل: ابو جعفر ونافع وأبو عمرو و ﴿ لعلي آتيكم ﴾ بفتح الياء: هم وابن عامر ﴿ جذوة ﴾ بفتح الجيم: عاصم وبضمها حمزة وخلف.

الباقون بكسرها.

﴿ من الرهب ﴾ بفتح الراء وسكون الهاء: حفص، وبفتحهما أبو عمرو وسهل ويعقوب وابو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون بضم الراء وسكون الهاء ﴿ فذاناك ﴾ بتشديد النون: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ معي ﴾ بالفتح: حفص ﴿ ردا ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الآخرون بضم الراء وهمزة في الوقف ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع: حمزة وعاصم ﴿ يكذبون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو: ابن كثير ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ من يكون ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ لا يرجعون ﴾ بفتح الياء وكسر الجيم: نافع ويعقوب وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ يسقون ﴾ ه لأنه رأس آية عند الأكثرين مع عطف المتفقتين ﴿ تذودان ﴾ ج لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد الفاعل ﴿ خطبكما ﴾ ط ﴿ الرعاء ﴾ ز لأن ما بعده منقطع لفظاً ومعنى كأنه قال: فلم خرجتما فقالتا تعريضاً بالاستقامة وأبونا شيخ ﴿ كبير ﴾ ط ﴿ فقير ﴾ ه ﴿ على استحياء ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القائل، ومن وقف على ﴿ تمشي ﴾ ويجعل على استحياء حالاً مقدماً اي قالت مستحيية فلا وجه له في الوقف ﴿ لنا ﴾ ط لأن جواب "لما" منتظر وقبله حذف أي فذهب معها فلما جاءه فكأن الفاء لاستئناف القصص لأن قال جواب "لما".

﴿ لا تخف ﴾ ز لأن قوله ﴿ نجوت ﴾ غير متصل به نظماً وليفصل بين البشارتين أي لا تخف ضيماً وقد نجوت من ظلم فرعون ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ استأجره ﴾ ج للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ الأمين ﴾ 5 ﴿ حجج ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ عندك ﴾ ج لابتداء النفي مع الواو ﴿ عليك ﴾ ج ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وبينك ﴾ ج لابتداء الشرط ﴿ عليّ ﴾ ط ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ه لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد القائل ﴿ تصطلون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا ﴿ عصاك ﴾ ط لحق الحذف أي فألقاها فحييت فلما رآها ﴿ ولم يعقب ﴾ ط ﴿ لا تخف ﴾ ج لمثل ما مر أي لا تخف باس العصا إنك أمنت بها بأس فرعون ﴿ الآمنين ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع طول الكلام ه ﴿ وملئه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ يصدقني ﴾ ز للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ﴿ يكذبون ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج أي لا يصلون إليكما بسبب آياتنا وعلى ﴿ إليكما ﴾ أوجه أي أنتم الغالبون بآياتنا ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ 5 ﴿ غيري ﴾ ج لتنويع الكلام ﴿ إلى إله موسى ﴾ لا لأن ما بعده مقوله ايضاً ﴿ الكاذبين ﴾ ه لا ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ في اليم ﴾ ج للابتداء بأمر الاعتبار واختلاف الجملتين مع فاء التعقيب ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلى النار ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ لعنة ﴾ ط لمثل ذلك ﴿ المقبوحين ﴾ ه.

التفسير: ذهب بعض المفسرين إلى أن موسى خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله  وأخذ يمشي من غير معرفة طريق فأوصله الله إلى مدين.

وقد يؤيد هذا التفسير ما روي عن ابن عباس أنه خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه، ويحتمل أن يكون معنى قول ابن عباس أنه لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينه وبينهم قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله  .

أما أنه قصد مدين فلقوله  ﴿ ولما توجه تلقاء مدين ﴾ اي قصد نحو هذه القرية ولم تكن في سلطان فرعون وبينها وبين مصر مسيرة ثمان.

وأما أنه اعتمد على فضل الله فلقوله.

﴿ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ﴾ أي وسطه وجادّته نظيره قول جده إبراهيم  ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين  ﴾ وكذا الخلف الصدق يقتدي بالسلف الصالح فيهتدي.

قال السدي: لما أخذ في المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح فقال: لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين.

عن ابن جريج أنه خرج بغير زاد ولا ظهر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر.

﴿ ولما ورد ماء مدين ﴾ وكان بئراً فيما روي وورود الماء مجيئه والوصول إليه ضدّ الصدور.

﴿ وجد عليه ﴾ اي على شفيره ومستقاه ﴿ أمة من الناس ﴾ جماعة كثيرة العدد أصنافاً ﴿ يسقون ﴾ مواشيهم ﴿ ووجد من دونهم ﴾ اي في مكان اسفل من مكانهم ﴿ امرأتين تذودان ﴾ أي تدفعان وتطردان أغنامهما لأن على الماء من هو أقوى منهما فلم يتمكنا من السقي، وكانتا تكرهان المزاحمة على الماء واختلاط أغنامهما بأغنامهم أو اختلاطهما بالرجال.

وقيل: تذودان الناس عن غنمهما.

وقيل: تذودان عن وجوههما نظر الناظر.

وبالجملة حذف مفعول ﴿ تذودان ﴾ لأن الغرض تقرير الذود لا المذود.

وكذا في ﴿ يسقون ﴾ و ﴿ لا نسقي ﴾ المقصود هو ذكر السقي لا المسقي، وكذا في قراءة من قرأ ﴿ حتى يصدر ﴾ من لاإصدار أي حتى يصدر الرعاء مواشيهم الغرض بيان الإصدار.

﴿ قال ما خطبكما ﴾ هو مصدر بمعنى المفعول أي ما مخطو بكما من الذياد ﴿ قالتا لا نسقي ﴾ الآية.

سألهما عن سبب الذود فذكرتا أنا ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا وما لنا رجل يقوم بذلك.

﴿ وابونا شيخ ﴾ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به، وهذه الضرورة هي التي سوغت لنبي الله شعيب أن رضي لابنتيه بسقي الماشية على أن الأمر في نفسه ليس بمحظور، ولعل العرب وخصوصاً أهل البدو منهم لا يعدّونه قادحاً للمروءة.

وزعم بعضهم أن أباهما هو ثيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي وهو اختيار أبي عبيد ينميه إلى ابن عباس.

وعن الحسن أنه رجل مسلم قبل الدين من شعيب.

أما قوله ﴿ فسقى لهما ﴾ فمعناه فسقى غنمهما لأجلهما وفيه قولان: أحدهما أنه سأل القوم فسمحوا وكان لهم دلو يجتمع عليها أربعون رجلاً فيخرجونها من البئر فاستقى موسى بها وحده وصب الماء في الحوض ودعا بالبركة، ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما.

والثاني أنه عمد إلى البئر وعليها صخرة لا يقلها إلا سبعة رجال أو عشرة أو أربعون أو مائة -أقوال- فأقلها وحده وسقى أغنامهما، كل ذلك في شمس وحر.

﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ ظل شجرة ﴿ فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ﴾ ذهب أكثر المفسرين الظاهريين ومنهم ابن عباس إلى أنه طلب من الله طعاماً يأكله.

وعدي ﴿ فقير ﴾ باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب.

وعن الضحاك أنه مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً إلا بقل الأرض وإن خضرته تتراءى في بطنه من الهزال، وقيه دليل على أنه نزع الدلو وأقل الصخرة بقوة ربانية.

وقال بعض أهل التحقيق: أراد إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين، وذلك أنه كان عند فرعون في ملك وثروة فأظهر الرضا بهذا الذل شكراً لله.

يروى أنهما لما رجعتا إلى ابيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ما أعجلكما؟

قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا.

فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي وذلك قوله  ﴿ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ﴾ قيل: من جملة حيائها أنها قد استترت بكم درعها ثم ﴿ قالت إن أبي يدعوك ﴾ عن عطاء بن السائب أنه حين قال ﴿ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ﴾ رفع صوته بدعائه ليسمعهما فلذلك قيل له ﴿ ليجزيك أجر ما سقيت لنا ﴾ وضعفت الرواية بأن هذا نوع من الدناءة وضعف اليقين بالله فلا يليق بالنبي.

وقد روي أنها حين قالت: ليجزيك كره ذلك.

ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمناً حتى قال شعيب هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا.

سؤال: كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية؟

الجواب: العمل بقول الواحد حراً أو عبداً ذكراً كان أو أنثى سائغ في الأخبار، والمشي مع الأجنبية لا بأس به في حال الاضطرار مع التورع والعفاف، ويؤيده ما روي أن موسى تبعها فأزلقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لهاك امشي خلفي وانعتي لي الطريق.

قال الضحاك: لما دخل عليه قال له: من أنت يا عبد الله؟

قال: أنا موسى بن عمران بن يصهر ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب.

﴿ وقص عليه القصص ﴾ أي المقصوص من لدن ولادته إلى قتل القبطيّ وفراره خوفاً من فرعون وملئه فـ ﴿ ـقال ﴾ له شعيب ﴿ لا تخف ﴾ من فرعون أو ضيماً ﴿ نجوت من القوم الظالمين ﴾ فلا سلطان لفرعون بأرضنا ﴿ قالت إحداهما ﴾ وهي كبراهما اسمها صفراء وكانت الصغرى صفيراء ﴿ يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القويّ الأمين ﴾ قال النحويون: جعل القوي الأمين اسماً لكونه معرفة صريحة أولى من جعل "أفعل" التفضيل المضاف اسماً لكونه قريباً من المعرفة، ولكن كمال العناية صار سبباً للتقديم.

وورود الفعل وهو ﴿ استأجرت ﴾ بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.

وقال المحققون: إن قولها هذا كلام حكيم جامع لا مزيد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية والأمانة اللتين هما ثمرتا الكياسة والديانة في الذين يقوم بأمرك، فقد حصل مرادك وكمل فراغك.

عن ابن عباس أن شعيباً أحفظته الغيرة فقال: وما علمك بقوّته وأمانته؟

فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو وأنه صوّب راسه اي خفضه حين بلغته رسالته، وأنه أمرها بالمشي خلفه فلذلك قال ﴿ أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ﴾ وليس هذا عقداً حتى تلزم الجهالة في المعقود عليها ولكنه حكاية عزم وتقرير وعد ولو كان عقداً لقال أنكحتك ابنتي فلانة.

وفي قوله ﴿ هاتين ﴾ دليل على أنه كانت له غيرهما.

قال أهل اللغة: ﴿ تأجرني ﴾ من أجرته إذا كنت له أجيراً فيكون ﴿ ثماني ﴾ حجج ظرفه أو من اجرته كذا إذا أثبته إياه فيكون الثماني مفعولاً به ثانياً ومعناه رعية ثماني حجج ﴿ فإن أتممت عشراً ﴾ اي عمل عشر حجج ﴿ فمن عندك ﴾ أي فإتمامه من عندك لا من عندي إذ هو تفضل منك وتبرع ﴿ وما أريد أن أشق عليك ﴾ الزام أتم الأجلين أو بالتكاليف الشاقة في مدة الرعي، وإنما أعامل معك معاملة الأنبياء يأخذون بالأسمح -بالحاء لا بالجيم- قال أهل الاشتقاق: حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر أنه إذا صعب الأمر فكأنه شق عليه ظنه باثنين يقول تارة أطيقة وتارة لا أطيقه.

ثم أكد وعد المسامحة بقوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصالحين ﴾ عموماً أو في باب حسن المعاملة.

وقوله ﴿ إن شاء الله ﴾ أدب جميل كقول إسماعيل ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين  ﴾ أي على الذبح.

وفيه أن الاعتماد في جميع الأمور على معونة الله والأمر موكول إلى مشيئته.

استدل الفقهاء بالآية على أن العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، وعلى أن عقد النكاح لا يفسده الشروط التي لا يوجبها العقد.

ويمكن أن يقال: إنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا.

وجوّز في الكشاف أن يكون استأجره لرعية ثماني سنين بمبلغ معلوم ووفاه إياه ثم أنكحه ابنته.

وجعل قوله ﴿ على أن تأجرني ﴾ عبارة عما جرى بينهما ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ ذلك ﴾ الذي شارطتني عليه قائم ﴿ بيني وبينك أيما الأجلين قضيت ﴾ و"ما" مؤكدة لإبهام أيّ زائدة في شيوعها ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ اي لا يعتدي عليّ في طلب الزيادة فإن قضيت الثماني فلا أطالب بالزيادة وإن قضيت العشر باختياري فلم أطالب بالزيادة أيضاً.

وقيل: أراد أيهما قضيت فلا أكون متعدياً.

روي عن النبي  أنه تزوّج كبراهما وقيل صغراهما ولا خلاف في أنه قضى أوفى الأجلين.

قال القاضي في قوله ﴿ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس ﴾ دليل على أنه لم يزد على العشرة وفيه نظر لأنه لا يفهم من هذا التركيب إلا أن الإيناس حاصل على عقيب مجموع الأمرين، ولا يدل على أن ذلك حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل ويؤيده ما روي عن مجاهد أنه بعد العشر المشروط مكث عشر سنين أخر.

قال أهل اللغة: الجذوة بحركات الجم العود الغليظ كانت في راسه نار أو لم تكن، وشاطئ الوادي جانبه، و"من" الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة، فالثانية بدل من الأولى وبدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، ووصفت البقعة بالمباركة لأن فيها ابتداء الرسالة والتكلم.

احتجت المعتزلة على مذهبهم أن الله  يتكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله ﴿ من الشجرة ﴾ وقال أهل السنة: مما وراء النهران الكلام القديم القائم بذات الله غير مسموع والمسموع من الشجرة وهو الصوت والحرف دال على كلام الله.

وذهب الأشعري إالى أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية.

روي أن شعيباً كانت عنده عصيّ الأنبياء فقال لموسى بالليل: ادخل البيت فخذ عصا من تلك العصيّ فأخذ عصاً هبط بها آدم من الجنة ولم تزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفاً فشعر بها فقال: غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأناً.

وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه، ولما أصبح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ هناك أكثر لأن فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم.

فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على منعها فمشى على اثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا بالتنين قد اقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى موسى دامية فارتاح لذلك.

وحين رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأناً.

قيل: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو فإن موسى ذهب ليقتبس النار فكلمه الملك الجبار وقد مر في النمل تفسير قوله ﴿ فلما رآها تهتز  ﴾ إلى قوله ﴿ من غير سوء  ﴾ أما قوله ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ فذكر جار الله له معنيين: أحدهما حقيقة وهو أنه لما قلب الله العصا حية فزع واضطراب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه نقصان قدرك عند الأعداء فإن ألقيتها، فكما تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب النقص وإظهار معجزة أخرى.

وثانيهما مجاز وهو أن يراد بضم الجناح التجلد وضبط النفس حتى لا يضطرب فيكون استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف أرخى جناحيه وإلا ضمهما.

ومعنى ﴿ من الرهب ﴾ من أجل الخوف.

والفرق بين هذه العبارة وبين قوله ﴿ اسلك يدك في جيبك ﴾ أن الغرض هناك خروج اليد بيضاء وههنا الغرض إخفاء الخوف أو اراد بالجناح المضموم ههنا اليد اليمنى وبالجناح المضموم إليه في قوله ﴿ واضمم يدك إلى جناحك ﴾ اليد اليسرى، وقيل: إن الرهب هو الكم بلغة حمير وزيفه النقاد.

من قرأ ﴿ فذانك ﴾ بالتخفيف فمثنى ذاك، ومن قرأ بالتشديد فمثنى ذلك وأصله ذان لك قلبت اللام نوناً وأدغمت.

وسميت الحجة برهاناً لبياضها وإنارتها من قولهم "امرأة برهرهة" أي بيضاء، والعين واللام مكررتان.

والدليل على زيادة النون قولهم "أبره الرجل" إذا جاء بالبرهان ونظيره "السلطان" من السليط الزيت، لإنارتها.

وظاهر الكلام يقتضي أنه  أمره بذلك قبل لقاء فرعون، والسر فيه أن يكون على بصيرة من أمره عند لقاء المعاند اللجوج، وزعم القاضي أنه في حال أداء الرسالة لأن المعجز إنما يظهر ليستدل المرسل إليه على الرسالة ولا يخفى ضعف هذا الكلام لأن الحكمة في الإظهار لا تنحصر في الاستدلال بل لعل هناك أنواعاً أخر من الحكم والمقاصد قد ذكرنا واحداً منها.

ومما يؤكد أن هذا الكلام قد جرى ولم يكن هناك أحد غير موسى قوله معتذراً ﴿ رب إني قتلت منهم نفساً ﴾ الآية.

والردء اسم ما يعان به من ردأته أي أعنته فعل بمعنى مفعول به و ﴿ يصدقني ﴾ بالرفع صفة وبالجزم جواب كما مر في قوله ﴿ ولياً يرثني  ﴾ والمراد بتصديق أخيه أن يذب ويجادل عنه لا أن يقول: صدقت فإن هذا القدر لا يفتقر إلى البيان والفصاحة لأن سحبان وباقلاً يستويان فيه.

ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ يصدقني ﴾ لفرعون.

وجوّز جار الله أن يكون من الإسناد المجازي بناء على أن يصدق مسند إلى هارون وهو ببيانه وبلاغته سبب تصديق فرعون يؤيده قوله ﴿ إني أخاف أن يكذبون ﴾ قال الجبائي: إنما سأل موسى أن يرسل هارون بأمر الله  ولم يكن ليسأل مالا يأمن أن يجاب أولا يكون حكمة.

ولقائل أن يقول: لعله ساله مشروطاً على معنى إن اقتضت الحكمة ذلك كما يقول الداعي في دعائه.

وقال السدي: علم أن الاثنين أقوى من الواحد فلهذا سأل اعترض القاضي بأن هذا من حيث العادة وأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين، لأن المبعوث إليه في أيهما نظر علم وإن لم ينظر فالحال واحدة.

هذا إذا كانت طريقة الدلالة بين المعجزتين واحدة، فأما إذا اختلف وأمكن في إحداهما من إزالة الشبهة مالا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن يقال: إنهما بمجموعهما أقوى من واحدة كما قال السدي، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهارون لأن معجزتهما كانت واحدة.

قال جار الله معنى ﴿ سنشد عضدك ﴾ سنقوّيك بأخيك إما لأن اليد تشتد بشدة العضد وجملة البدن يقوى على مزاولة الأمور بشدة اليد، وإما لأن الرجل واشتداده بالأخ شبه باليد في اشتدادها باشتداد العضد.

والسلطان التسلط والغلبة والحجة الواضحة.

وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ إما متعلق بمقدر أي اذهبا بآياتنا، أو متعلق بظاهر وهو ﴿ نجعل ﴾ أو ﴿ لا يصلون ﴾ .

ويجوز أن يكون بياناً لـ ﴿ لغالبون ﴾ كأنه قيل: بماذا نغلب؟

فقيل: بآياتنا.

وامتنع أن تكون صلة لـ ﴿ لغالبون ﴾ لتقدمه، ويجوز أن تكون قسماً جوابه ﴿ لا يصلون ﴾ مقدماً عليه مثله.

ويجوز أن يكون من لغو القسم الذي لا جواب له كقولك "زيد وأبيك منطلق"والمراد الغلبة بالحجة والبرهان في الحال أو بالدولة والمملكة في المآل، وصلب السحرة بعد تسليم ثبوته لا يقدح في قوله ﴿ ومن اتبعكما الغالبون ﴾ لأن الدولة الباقية أعلى شأنا و ﴿ سحر مفترى ﴾ أي سحر تعمله أنت ثم تنسبه إلى الله فهو كذب من هذا الوجه، أو سحر ظاهر افتراؤه لا سحر يخفى افتراؤه، أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر فإن كل سحر ففاعله يوهم خلافه فهو المفترى.

ومعنى ﴿ ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين ﴾ قد مر في سورة المؤمنين.

قال جار الله ﴿ في آبائنا ﴾ حال عن ﴿ هذا ﴾ اي كائناً في زمانهم وأيامهم قلت: لا مانع من أن يكون الظرف لغواً ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك وقد سمعوا بنحوه، أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته، أو أرادوا أن الكهان لم يخبروا بمجيء ما جاء به موسى.

وكل هذه المقالات لا تصدر إلا عن المحجوج اللجوج الذي قصارى أمره التمسك بحبل التقليد.

من قرأ ﴿ قال موسى ﴾ بغير واو فعلى طريقة السؤال والجواب.

ووجه قراءة الأكثرين أنهم قالوا ذلك وقال موسى هذا ليوازن العاقل الناظر بين القولين فيتبين له الغث من السمين.

وقوله ﴿ ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ﴾ إفحام للخصم المعاند إذ لا سبيل إلى دفاعه بالحجة أي يعلم أني محق وأنهم مبطلون.

وقوله ﴿ ومن تكون له عاقبة الدار ﴾ يعني العاقبة الحميدة كأن المذمومة غير معتدّ بها ضم طريقة الوعيد إلى الإفحام المذكور.

وقيل: معناه ربي أعلم بالأنبياء السالفة فهو جواب لقولهم ﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ وقال جار الله: ﴿ ربي أعلم ﴾ بحال من أهله للفلاح حيث جعله نبياً ووعده حسنى العقبى، ولو كان كاذباً كما يزعمون لم يؤهله لذلك لأنه لا يفلح عنده الظالمون، واعلم أن فرعون كان من عادته عند ظهور حجة لموسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروّجها على أغمار قومه فذكر ههنا أمرين: الأوّل قوله ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ فكأنه استدل بعدم الدليل على عدم المدلول وهو خطأ من جهة أن الدليل على المدلول وهو وجود الصانع أكثر من أن يحصى، ومن جهة أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول.

وأما قوله ﴿ غيري ﴾ فقد تكلف له بعضهم أنه لم يرد به أنه خالق السموات والأرض وما فيهما فإن امتناع ذلك بديهي، وإنما أراد به نفي الصانع والاقتصار على الطبائع وأنه لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره.

الثاني قوله ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ وقد تكلفوا له ههنا أيضاً فقيل: إنه يبعد من العاقل أن يروم صعود السماء بآلة، ولكنه أراد أنه لا سبيل إلى إثبات الصانع من حيث العقل كما مر، ولا من حيث الحس فإن الإحساس به يتوقف على الصعود وهو متعذر، وإلا فابن يا هامان مثل هذا البناء وإنما قال ذلك تهكماً.

فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع، ثم رتب النتيجة عليه وهو قوله ﴿ وإني لأظنه من الكاذبين ﴾ يحتمل أن يريد لأعلمه من الكاذبين.

والأكثرون من المفسرين على أنه بنى مثل هذا البناء جهلاً منه أو تلبيساً على ملئة حيث صادفهم أغبى الناس وأخلاهم من الفطن.

يروى أن هامان جمع العمال حتى اجتمع منهم خمسون ألف بناء سوى الأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ مبلغاً لا يقدر الباني أن يقوم عليه، فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعت ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل.

ووقعت قطعة في البحر،و قطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك.

وروي في القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء فأراد الله أن يفتنهم فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال: قد قتلت إله موسى، فعند ذلك بعث الله جبرائيل لهدمه.

قال أهل البيان: إن صح الحديث ردّ النشابة ملطوخة فقد تهكم به بالفعل كما ثبت التهكم بالقول في غير موضع.

وإنما قال ﴿ فأوقد لي يا هامان على الطين ﴾ ولم يقل: اطبخ لي الآجر.

ولأن هذه العبارة أحسن، ولأن فيه تعليم الصنعة، وقد كان أوّل من عمل الآجر فرعون.

عن عمر أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال: ما علمت أن أحداً بنى الآجر غير فرعون.

والطلوع والأطلاع الصعود يقال: طلع الجبل واطلع.

وفي قوله  ﴿ واستكبر هو وجنوده في الأرض ﴾ يعني أرض مصر ﴿ بغير الحق ﴾ إشارة إلى أن الاستكبار بالحق إنما هو لله  كما جاء في الحديث القدسي "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" فهو كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق  ﴾ وفي قوله ﴿ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴾ دليل على أنهم كانوا منكري البعث كالطبائعيين.

وفي قوله ﴿ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ﴾ دلالة على علو شأنه  وعظمة سلطانه وإشارة إلى استحقار فرعون وجنوده وعدده وإن كانوا أكثر من رمال الدهناء كأنه شبههم بحصيات أخذهن أحد في كفه فطرحهن في البحر.

استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ﴾ أن خالق الشر وجاعل الكفر هو الله  .

وقالت المعتزلة: معنى الجعل التسمية والحكم بذلك كما يقال: جعله بخيلاً وفاسقاً إذا حكم بالبخل والفسق عليه وسماه بالبخيل والفاسق، أو أراد خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى كانوا أئمة الكفر داعين إلى النار أي إلى موجباتها من الكفر والمعاصي.

وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم وذلك أنه تعالى عجل لهم العذاب فصاروا متقدمين لمن وراءهم من الكفرة إلى النار.

وقال بعضهم: أراد بالإمامة أنهم بلغوا في ذلك الباب أقصى النهايات حتى أستحقوا أن يقتدى بهم.

ثم بين بقوله ﴿ ويوم القيامة لا ينصرون ﴾ أن عقاب الآخرة سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه.

وقال في الكشاف: اراد وخذلناهم في الدنيا ويوم القيامة هم مخذولون كما قال ﴿ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ﴾ اي طرداً وإبعاداً عن الرحمة ﴿ ويوم القيامة هم من المقبوحين ﴾ أي من المطرودين المبعدين: وقالت الليث: قبحه الله قبحاً بالفتح وقبحاً بالضم أي نحّاه عن كل خير.

وقال ابن عباس: من المشهورين بسواد الوجه وزرقة العين.

وعن بعضهم أنه  يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم فيجمع لهم بين الفضيحتين.

التأويل: وحين توجه تلقاء مدين عالم الروحانية ﴿ وجد عليه أمة ﴾ من أوصاف الروح ﴿ يسقون ﴾ مواشي أخلاقهم من ماء فيض الإلهي.

﴿ ووجد من دونهم امرأتين ﴾ السر والخفي ابنتا شعيب الروح يمنعان من استقاء ماء الفيض الإلهي.

قال الشيخ الإمام الرباني نجم الدين المعروف بداية: وذلك لأن لمعان أنوار الفيض يرد على الروح في البداية بالتدريج فينشا منه الخفي، وهو لطيفه ربانية مودعة في الروح بالقوة فلا يحصل بالفعل إلا بعد غلبة الواردات الربانية ليكون واسطة بين الحضرة والروح في قبول تجليات صفات الربوبية والفيوض الإلهية، فيكون في هذه المدة بمعزل عن الاستقاء.

وكذا السر وهو لطيفة روحانية متوسطة بين القلب والروح قابلة لفيض الروح، مؤدية غلى القلب وهو أيضاً بمعزل عن استقاء ماء فيض الروح عند اشتغال القلب بمعالجات النفس وإصلاح القالب إلى حين توجه موسى القلب إلى مدين عالم الروحانية وذلك قولهما ﴿ لا نسقي حتى يصدر الرعاء ﴾ وهم صفات الروح ويصرفوا مواشيهم وهي الصفات الإنسانية عن ماء الفيض الإِلهي، فإذا صدروا استقينا مواشينا من الأوصاف والأخلاق من أفضله مواشيهم في حوض القوى ﴿ وأبونا ﴾ وهو شعيب الروح لا يقدر على سقيه من الأوصاف الإنسانية إلا بالأجر والوسائط، وإنا لا نطيق أن نسقي لضعف حالنا، فسقي موسى القلب مواشيهما بقوّة استفادها من الجسد وقوّة استفادها من الروح لأنه متوسط بين العالمين ولهذا سمي قلباً ﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ إلى العناية فطلب الفيض الإلهي بلا واسطة وهكذا ينبغي أن يكون السالك لا يقنع بما وجد من المعارف أبداً.

﴿ فجاءته إحداهما ﴾ فيه أن القلب يحتاج في الوصول إلى حضرة شعيب الروح أن يستمد من الخفي أو السر.

﴿ لا تخف نجوت ﴾ فيه أن القلب إذا وصل إلى مقام الروح نجا من ظلمات النفس وصفاتها ﴿ إن خير من استأجرت ﴾ من النفس والجسد ﴿ القوي الأمين ﴾ لأن القلب استفاد القوّة من الجسد والأمانة من الروح ﴿ ثماني حجج ﴾ فيه أن الروح في تبليغ القلب إلى مقام الخفي يحتاج إلى تسييره في مقامات صفاته الثمانية المخصوصة به في خلافة الحق وهي: الحياة والإرادة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والبقاء.

وتمام ذلك إلى العشرة راجع إلى خصوصيته وهما المحبة والأنس مع الله ﴿ أيما الأجلين قضيت ﴾ في التخلق بأخلاقك اليمانية وفي المحبة والأنس مع الله ﴿ فلا عدوان عليّ ﴾ أي ليس لك أن تمنعني العبور عن المحبة لأنك من خصوصيتك بالخلافة مجبول على تلك الصفات الثمانية.

وأما المحبة والأنس مع الله فصفتان مخصوصتان بالحضرة.

﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ ولهذا كل إنسان من المؤمن والكافر فإنه مجبول على تلك الأوصاف وليس من زمرة ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ إلا مؤمن موحد.

فلما اتصف موسى القلب بالأوصاف الثمانية وغلبت عليه محبة الله واستأنس به وصار بجميع صفاته متوجهاً إلى حضرة القدس ﴿ آنس ﴾ من طور الحضرة نار نور الإلوهية.

وفي قوله ﴿ لأهله امكثوا ﴾ إشارة إلى أن السالك لا بد له من تجريد الظاهر عن الأهل والمال وتفريد الباطن عن تعلقات الكونين.

نور يبدو وإذا بدا استمكن شمس طلعت ومن رآها آمن.

وفي قوله ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ إشارة إلى أن الأوصاف الإنسانية جامدة من برودة الطبيعة لا تتسخن إلا بجذوة نار المحبة بل بنار الجذبة الإلهية ﴿ من شاطئ الواد الأيمن ﴾ وهو السر في بقعة البدن من شجرة وجود الإنسان ﴿ من الرهب ﴾ أي رهبة من فوات وصال الحضرة ﴿ وأخي هرون ﴾ هو العقل فمن خصوصيته تصديق الناطق بالحق ﴿ قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ﴾ لأن النفس خلقت من اسفل عالم الملكوت ومنكسة، والقلب خلق وسط عالم الملكوت متوجهاً إلى الحضرة فلهذا ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ وما صدقت النفس ما رأت ﴿ في آبائنا الأولين ﴾ اي في طبائع الكواكب فإنها آباء النفس وأمهاتها العناصر والطبائع منكوسة إلىعالم السفل لا يعرفون مقام الوحدة فلا يعرفون بالتوحيد.

﴿ فأوقد لي يا هامان ﴾ الشيطان ﴿ على الطين ﴾ البشرية بنفخ الوساوس والغرور ﴿ فاجعل لي صرحاً ﴾ من المقدمات الخيالية والوهمية ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ أغرقوا في ماء شهوات الدنيا ويم هممها فأدخلوا نار الحسرة والندامة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ ﴾ قال أهل التأويل ما ذكرنا: أنه قضى أتمهما أو أكثرهما لكن لا نعلم التأويل الصحيح، فعلى ما ذكروا، وليس في الآية إلا قضاء الأجل؛ فلا يزاد على ذلك إلا بثبت، فإن ثبت ما روي من الخبر، فهو والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً ﴾ ﴿ آنَسَ ﴾ : قيلِ: أبصر وأحسّ ناراً.

قال بعضهم: إن موسى لم يكن رأى ناراً، ولكن إنما رأى نوراً ظن أنه نار، فلا يحتمل ذلك؛ لأنه أخبر أنه آنس ناراً، وإن لم يكن في الحقيقة ناراً لم يجز، وكان ذلك يوجب الكذب في الخبر، إلا أن يقال على الإضمار: آنس من جانب الطور نوراً ظن أنه نار، أو في ظنه أنه نار.

﴿ قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ أي: امكثوا لعلي آتيكم منها بخبر يدلنا أو بجذوة تضيء الطريق؛ فكأنه قد ضل الطريق فيقول: لعلي آتيكم منها بخبر الطريق أو جذوة من النار، أي: آتيكم بجذوة من النار، وهي ما رغبتم فيه ولم آتكم بخبر الطريق ﴿ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ هذا يدل أنه كان في أيام الشتاء، وفي وقت البرد: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ ﴾ قال بعضهم: الأيمن: أي: عن يمين الجبل.

وقال بعضهم: عن يمين موسى.

وقال بعضهم: يمين الشجرة، ولكن الأيمن، المبارك، وهو من اليمن، الوادي اليمن.

والبقعة المباركة: قال بعض أهل التأويل: سميت مباركة؛ لكثرة أشجارها وأنزالها، وكثرة مياهها وعشبها، ولكن سماه: مباركاً وأيمن - والله أعلم - لأنه مكان الأنبياء والرسل وموضع الوحي.

وقوله: ﴿ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ولله أن يسمع ويخبر من شاء مما شاء وكيف شاء كما أسمع مريم من تحتها حيث قال: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ﴾ ليس هذا بموصول بقوله: ﴿ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ولكن ذلك ما ذكر في سورة طه: ﴿ إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ....

 ﴾ إلى آخر ما ذكر.

ثم قال في آخره: ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ﴾ أي: تتحرك ﴿ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ﴾ قال بعضهم: الجانّ: الحية الصغيرة.

وقال بعضهم: الجانّ ما يعم العظيمة والصغيرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَّىٰ مُدْبِراً ﴾ فارّاً هارباً ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ أي: لم يلتفت ولم يرجع لشدة خوفه وفرقه.

وقوله: ﴿ يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ وَلاَ تَخَفْ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: على رفع الخوف من قلبه؛ إذ قال: له الأمن فيه.

والثاني: على البشارة أنه لا يؤذيه؛ كأنه يقول: لا تخف وكن من الآمنين، فإنه لا يؤذيك.

والثالث: على النهي، أي: لا تخف؛ فإني أحفظك وأدفع أذاه عنك؛ كقوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ  قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ  ﴾ أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما، وأدفع ذلك عنكما.

وقوله: ﴿ أَوْ جَذْوَةٍ ﴾ بكسر الجيم ورفعها؛ قال بعضهم: عود قد احترق بعضه.

وقال قتادة: أصل شجرة فيها نار.

وقال أبو عوسجة: الجذوة: مثل الشهاب سواء، والجذى: جمع الجذوة.

وقال أبو عوسجة: الجذوة: القطعة الغليظة.

وقال القتبي: الجذوة: عود قد احترق، أي: قطعة منها.

وشاطئ: أي شط الوادي.

آنست: أبصرت، وكذلك قوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً  ﴾ أي: أبصرتم وعلمتم.

وقوله: ﴿ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ  ﴾ هذا يدل أن لا بأس بتغيير الألفاظ واختلافها بعد إصابة المعنى وما قصد بها.

وقوله: ﴿ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ واضمم إليك جناحك من الرُّهب ﴾ بالضم، والرهب بالفتح؛ قد قرئ بهما جميعاً.

ثم قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير، قوله: ﴿ مِنَ ٱلرَّهْبِ ﴾ موصول بقوله: ﴿ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ ﴾ من الرهب، أي: الخوف والغرق.

وقال بعضهم: أمره أن يضم يديه إلى نفسه؛ لأن ذلك أخوف وأهيب وأعظم من إرسالهما، وذلك معروف أيضاً في الناس أنهم إذا دخلوا على ملك من الملوك ضموا أيديهم وجناحيهم إلى أنفسهم؛ تعظيماً لهم وتبجيلا، أو خوفاً منهم.

فعلى ذلك جائز أن يأمره بضم يديه إلى نفسه؛ ليكون بين يدي ربه أهيب وأخوف ما يكون، وأعظم ما يجب له، وهو ما قال له: ﴿ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ ﴾ أي: اليد والعصا، اللتان ذكرهما ﴿ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ ﴾ أي: حجتان ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ .

وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً ﴾ .

وقال في سورة الشعراء: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ  ﴾ أخر في هذا ما كان مقدماً في الذكر في ذلك، وذكره على اختلاف الألفاظ وتغيير الحروف؛ ليعلم: أن ليس على السامع حفظ الألفاظ والحروف بعد إصابته المعنى، وفهم ما قصد بها وأودع فيها؛ لأن الله ذكر هذه الأنباء والقصص التي كانت من قبل في القرآن على اختلاف الألفاظ، وتغيير الحروف، على التقديم والتأخير، والزيادة والنقصان؛ ليعلم أن المقصود والمراد بذكرها ما فيها، لا عين اللفظ والحروف، فإذا عرف ما فيها وفهم جاز الأداء بأي لسان كان، وبأيّ لفظ كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أمّا أهل التأويل فإنهم قالوا: كان في لسانه رتة أي: عقدة لما أدخل في فمه من النار؛ فذلك لا نعلمه، وقد قال في آية [أخرى]: ﴿ وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي  يَفْقَهُواْ قَوْلِي  ﴾ فيجوز أن يكون ذلك خلقة خلقه هكذا، على ما خلق بعض الخلق أفصح وأبين من بعض.

أو أن يكون لما ذكر له من الخوف والذنب ما لم يكن ذلك لهارون، ولا شك من اشتد به الخوف منع صاحبه عن التكلم والبيان، وذلك متعالم معروف في الناس، وهو ما قال: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ...

﴾ الآية.

أو أن يكون ذلك لأن نشوء هارون كان فيهم وهم بلسانه أعرف، ومنطقه أفهم، ولموسى فترات كان معتزلا عنهم.

وقوله: ﴿ فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً ﴾ أي: عوناً ﴿ يُصَدِّقُنِي ﴾ ثم بيّن في آية أخرى أنه فيم طلب منه عوناً؟

وهو ما قال ﴿ وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي...

﴾ الآية [طه: 29]، أي: يصدقني فيما أقول إذا كذبوني هم، أو أستأنس به إذا ضاق صدري بالتكذيب والردّ، فأجابه ربه فقال: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ كناية وعبارة عن القوة والعون؛ لأن القوة فيه تكون؛ فذكر فيمن تكون، وهو كقوله: ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا  ﴾ ذكر الأقدام، لأنه بالأقدام يثبت، وقوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ  ﴾ لأنه بالعقب ينكص، ومثله كثير، فعلى هذا ذلك.

وقوله: ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَآ ﴾ قال قائلون: هو على التقديم والتأخير، أي: نجعل لكما سلطاناً، أي: نجعل لكما سلطاناً بآياتنا فلا يصلون إليكما.

وقال بعضهم: ونجعل لكما سلطاناً باللطف ندفع عنكما أذاهم وشرهم؛ كقوله: ﴿ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ  ﴾ أي: أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما، وأدفع ذلك عنكما فلا يصلون إليكما بالآيات التي معكما.

وقوله: ﴿ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ ﴾ يحتمل هذا وجوهاً: الغالبون بالحجج والبراهين، أي: تغلب حجتكما سحرهم وتمويهاتهم.

أو أن يكون عاقبة الأمر لكما.

أو أن يكون ذلك في الآخرة.

قال أبو معاذ: العرب تقول: أردت الرجل: أي: أعنته.

وقال أبو عوسجة: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ أي: أعينك به وأقويك، والعضد: كناية عن القوة؛ لأنه فيه تكون القوة، وبه يقوى من يوصف بالقوة، على ما ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال الله مجيبًا دعوة موسى: سنقوّيك -يا موسى- ببعث أخيك معك رسولًا معينًا، ونجعل لكما حجة وتأييدًا، فلا يصلون إليكما بسوء تكرهانه، بسبب آياتنا التي أرسلناكم بها أنتما ومن اتبعكما من المؤمنين المنتصرون.

من فوائد الآيات الوفاء بالعقود شأن المؤمنين.

تكليم الله لموسى  ثابت على الحقيقة.

حاجة الداعي إلى الله إلى من يؤازره.

أهمية الفصاحة بالنسبة للدعاة.

<div class="verse-tafsir" id="91.zAzJ7"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله