الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ١٣ من سورة لقمان
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 61 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٣ من سورة لقمان من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن وصية لقمان لولده - وهو : لقمان بن عنقاء بن سدون .
واسم ابنه : ثاران في قول حكاه السهيلي .
وقد ذكره [ الله ] تعالى بأحسن الذكر ، فإنه آتاه الحكمة ، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه ، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف; ولهذا أوصاه أولا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ، ثم قال محذرا له : ( إن الشرك لظلم عظيم ) أي : هو أعظم الظلم .
قال البخاري حدثنا قتيبة ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، رضي الله عنه ، قال : لما نزلت : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) [ الأنعام : 82 ] ، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه ليس بذاك ، ألا تسمع إلى قول لقمان : ( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) .
ورواه مسلم من حديث الأعمش ، به .
ثم قرن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين .
كما قال تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) [ الإسراء : 23 ] .
وكثيرا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) يقول: لخطأ من القول عظيم.
قوله تعالى : وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم .قوله تعالى : وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه قال السهيلي : اسم ابنه ثاران ; في قول الطبري والقتبي .
وقال الكلبي : مشكم .
وقيل أنعم ; حكاه النقاش .
وذكر القشيري أن ابنه وامرأته كانا كافرين فما زال يعظهما حتى أسلما .قلت : ودل على هذا قوله : لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم وفي صحيح [ ص: 59 ] مسلم وغيره عن عبد الله قال : لما نزلت : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لا يظلم نفسه ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه : يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم .
واختلف في قوله : إن الشرك لظلم عظيم فقيل : إنه من كلام لقمان .
وقيل : هو خبر من الله تعالى منقطعا من كلام لقمان متصلا به في تأكيد المعنى ; ويؤيد هذا الحديث المأثور أنه لما نزلت : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لم يظلم ; فأنزل الله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم فسكن إشفاقهم ، وإنما يسكن إشفاقهم بأن يكون خبرا من الله تعالى ; وقد يسكن الإشفاق بأن يذكر الله ذلك عن عبد قد وصفه بالحكمة والسداد .
و ( إذ ) في موضع نصب بمعنى اذكر .
وقال الزجاج في كتابه في القرآن : إن إذ في موضع نصب ب ( آتينا ) والمعنى : ولقد آتينا لقمان الحكمة إذ قال .
النحاس : وأحسبه غلطا ; لأن في الكلام واوا تمنع من ذلك .
وقال : ( يا بني ) بكسر الياء ; لأنها دالة على الياء المحذوفة ، ومن فتحها فلخفة الفتحة عنده ; وقد مضى في ( هود ) القول في هذا .
وقوله : ( يا بني ) ليس هو على حقيقة التصغير وإن كان على لفظه ، وإنما هو على وجه الترقيق ; كما يقال للرجل : يا أخي ، وللصبي هو كويس .
{ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ } أو قال له قولا به يعظه بالأمر، والنهي، المقرون بالترغيب والترهيب، فأمره بالإخلاص، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له السبب في ذلك فقال: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ووجه كونه عظيما، أنه لا أفظع وأبشع ممن سَوَّى المخلوق من تراب، بمالك الرقاب، وسوَّى الذي لا يملك من الأمر شيئا، بمن له الأمر كله، وسوَّى الناقص الفقير من جميع الوجوه، بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوَّى من لم ينعم بمثقال ذرة [من النعم] بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم، ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم، وأبدانهم، إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟؟!وهل أعظم ظلما ممن خلقه اللّه لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، [فجعلها في أخس المراتب] جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئا، فظلم نفسه ظلما كبيرا.
( وإذ قال لقمان لابنه ) واسمه أنعم ، ويقال : مشكم ، ( وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) قرأ ابن كثير : " يا بني لا تشرك بالله " بإسكان الياء ، وفتحها حفص ، والباقون بالكسر ، " يا بني إنها " بفتح الياء حفص ، والباقون بالكسر ، " يا بني أقم الصلاة " ، بفتح الياء البزي عن ابن كثير وحفص ، وبإسكانها القواس ، والباقون بكسرها .
«و» اذكر «إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنيّ» تصغير إشفاق «لا تشرك بالله إن الشرك» بالله «لظلم عظيم» فرجع إليه وأسلم.
واذكر -أيها الرسول- نصيحة لقمان لابنه حين قال له واعظًا: يا بنيَّ لا تشرك بالله فتظلم نفسك؛ إن الشرك لأعظم الكبائر وأبشعها.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإِرشاد فقال - تعالى - ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يابني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) .وقوله ( يَعِظُهُ ) من الوعظ ، وهو الزجر المقترن بالتخويف .
وقيل : هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب .قالوا : واسم ابنه " ثاران " أو " مانان " أى : واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتنتفع ، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه ، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة ، يا نبى ( لاَ تُشْرِكْ بالله ) - تعالى - لا فى عبادتك ولا فى قولك ، ولا فى عملك ، بل أخلص كل ذلك لخالقكم - عز وجل - .وفى ندائه بلفظ ( يابني ) إشفاق عليه .
ومحبة له ، فالمراد بالتصغير إظهار الحنو عليه ، والحرص على منفعته .قيل : وكان ابنه كافرا فما زال يعظه حتى أسلم .
وقيل : بل كان مسلما ، والنهى عن الشرك المقصود به ، المدوامة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين .وجملة ( إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) تعليل للنهى .
أى : يا بنى حذار أن تشرك بالله فى قولك أو فعلك ، إن الشرك بالله - تعالى - لظلم عظيم ، لأنه وضع للأمور فى غير موضعها الصحيح ، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق .
عطف على معنى ما سبق وتقديره آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكراً في نفسه وحين جعلناه واعظاً لغيره وهذا لأن علو مرتبة الإنسان بأن يكون كاملاً في نفسه ومكملاً لغيره فقوله: ﴿ أَنِ اشكر ﴾ إشارة إلى الكمال وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾ إشارة إلى التكميل، وفي هذا لطيفة وهي أن الله ذكر لقمان وشكر سعيه حيث أرشد ابنه ليعلم منه فضيلة النبي عليه السلام الذي أرشد الأجانب والأقارب فإن إرشاد الولد أمر معتاد، وأما تحمل المشقة في تعليم الأباعد فلا، ثم إنه في الوعظ بدأ بالأهم وهو المنع من الإشراك وقال: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ أما أنه ظلم فلأنه وضع للنفس الشريف المكرم بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ ﴾ في عبادة الخسيس أو لأنه وضع العبادة في غير موضعها وهي غير وجه الله وسبيله، وأما أنه عظيم فلأنه وضع في موضع ليس موضعه، ولا يجوز أن يكون موضعه، وهذا لأن من يأخذ مال زيد ويعطي عمراً يكون ظلماً من حيث إنه وضع مال زيد في يد عمرو، ولكن جائز أن يكون ذلك ملك عمرو أو يصير ملكه ببيع سابق أو بتمليك لاحق، وأما الإشراك فوضع المعبودية في غير الله تعالى ولا يجوز أن يكون غيره معبوداً أصلاً.
<div class="verse-tafsir"
قيل: كان اسم ابنه (أنعم) وقال الكلبي: (أشكم) وقيل: كان ابنه وامرأته كافرين، فما زال بهما حتى أسلما ﴿ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ لأنّ التسوية بين من لا نعمة إلا هي منه، ومن لا نعمة منه البتة ولا يتصوّر أن تكون منه- ظلم لا يكتنه عظمه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ ﴾ أنْعَمَ أوْ أشْكَمَ أوْ ماثانَ.
﴿ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ ﴾ تَصْغِيرُ إشْفاقٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا وفي ﴿ يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ ﴾ بِإسْكانِ الياءِ، وحَفْصٌ فِيهِما وفي ﴿ يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ ﴾ بِفَتْحِ الياءِ ومِثْلُهُ البَزِّيُّ في الأخِيرِ وقَرَأ الباقُونَ في الثَّلاثَةِ بِكَسْرِ الياءِ.
﴿ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ قِيلَ كانَ كافِرًا فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى أسْلَمَ، ومَن وقَفَ عَلى ( لا تُشْرِكْ ) جَعَلَ بِاللَّهِ قَسَمًا.
﴿ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ لِأنَّهُ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ مَن لا نِعْمَةَ إلّا مِنهُ ومَن لا نِعْمَةَ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِذْ} أي واذكر إذ {قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ} أنعم أو اشكر {وهو يعظه يا بني} الاسكان مكى يا بنى حفض بفتحه في كل القرآن {لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه ومن لا نعمة له أصلاً
﴿ وإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ ﴾ تارانَ عَلى ما قالَ الطَّبَرِيُّ، والقُتَيْبِيُّ، وقِيلَ: ماثانُ بِالمُثَلَّثَةِ، وقِيلَ: أنْعَمُ، وقِيلَ: أشْكَمُ، وهُما بِوَزْنِ أفْعَلَ، وقِيلَ: مَشْكَمُ، بِالمِيمِ بَدَلَ الهَمْزَةِ، ( وإذْ ) مَعْمُولٌ لِـ(اذْكُرْ) مَحْذُوفًا، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا (لِآتَيْنا)، والتَّقْدِيرُ: وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ إذْ قالَ، واخْتُصِرَ لِدِلالَةِ المُقَدَّمِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ يَعِظُهُ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والوَعْظُ - كَما قالَ الرّاغِبُ - زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ، وقالَ الخَلِيلُ: هو التَّذْكِيرُ بِالخَيْرِ فِيما يَرِقُّ لَهُ القَلْبُ، ﴿ يا بُنَيَّ ﴾ تَصْغِيرُ إشْفاقٍ ومَحَبَّةٍ لا تَصْغِيرُ تَحْقِيرٍ: ولَكِنْ إذا ما حُبُّ شَيْءٍ تَوَلَّعَتْ بِهِ أحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِن شِدَّةِ الوَجْدِ وقالَ آخَرُ: ما قُلْتُ حُبَيْبِي مِنَ التَّحْقِيرِ ∗∗∗ بَلْ يَعْذُبُ اسْمُ الشَّيْءِ بِالتَّصْغِيرِ وقَرَأ البَزِّيُّ هُنا «يا بُنَيْ» بِالسُّكُونِ، وفِيما بَعْدُ «يا بُنَيِّ إنَّها» بِكَسْرِ الياءِ، و ﴿ يا بُنَيَّ أقِمِ ﴾ ، بِفَتْحِها، وقُنْبُلٌ بِالسُّكُونِ في الأُولى، والثّالِثَةِ، والكَسْرِ في الوُسْطى، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِالفَتْحِ في الثَّلاثَةِ عَلى تَقْدِيرِ يا بُنَيًّا، والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرِ فِيها، ﴿ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ قِيلَ: كانَ ابْنُهُ كافِرًا ولِذا نَهاهُ عَنِ الشِّرْكِ، فَلَمْ يَزَلْ يَعِظُهُ حَتّى أسْلَمَ، وكَذا قِيلَ في امْرَأتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في نَعْتِ الخائِفِينَ عَنِ الفَضْلِ الرَّقاشِيِّ قالَ: ما زالَ لُقْمانُ يَعِظُ ابْنَهُ حَتّى ماتَ.
وأخْرَجَ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الكِنْدِيِّ قالَ: وضَعَ لُقْمانُ جِرابًا مِن خَرْدَلٍ، وجَعَلَ يَعِظُ ابْنَهُ مَوْعِظَةً، ويُخْرِجُ خَرْدَلَةً، فَنَفَدَ الخَرْدَلُ فَقالَ: يا بُنَيَّ لَقَدْ وعَظْتُكَ مَوْعِظَةً لَوْ وعَظْتُها جَبَلًا لَتَفَطَّرَ، فَتَفَطَّرَ ابْنُهُ، وقِيلَ: كانَ مُسْلِمًا، والنَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ تَحْذِيرٌ لَهُ عَنْ صُدُورِهِ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ، والظّاهِرُ أنَّ الباءَ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، ومَن وقَفَ عَلى ( لا تُشْرِكْ ) جَعَلَ الباءَ لِلْقَسَمِ، أيْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى ﴿ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ لُقْمانَ، ويَقْتَضِيهِ كَلامُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ، والكَلامُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أوِ الِانْتِهاءِ عَنِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: هو خَيْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ مُنْقَطِعٌ عَنْ كَلامِلُقْمانَ مُتَّصِلٌ بِهِ في تَأْكِيدِ المَعْنى، وكَوْنُ الشِّرْكِ ظُلْمًا لِما فِيهِ مِن وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وكَوْنُهُ عَظِيمًا لِما فِيهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَن لا نِعْمَةَ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ ومَن لا نِعْمَةَ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ يعني: من الناس ناس يشترون أباطيل الحديث، وهو النضر بن الحارث كان يخرج إلى أرض فارس تاجراً، ويشتري من هنالك من أحاديثهم، ويحمله إلى مكة ويقول لهم: إن محمداً يحدثكم بالأحاديث طرفاً منها، وأنا أحدثكم بالحديث تاماً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ يعني: يصرف الناس عن دين اللَّهِ عز وجل.
ويقال: يشتري جواري مغنيات.
قال أبو الليث- رحمه الله-: حدثني الثقة بإسناده عن أبي أمامة قال «قال رسول الله : لاَ يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ وَلا شِرَاؤُهُنَّ وَلا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ وَأَكْلُ أثْمَانِهِنَّ حَرَامٌ» .
وفيه أنزل الله عز وجل هذه الآية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ وروى مجاهد عن ابن عباس- - في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال: شراء المغنية.
ويقال: لَهْوَ الْحَدِيثِ هاهنا الشرك.
يعني: يختار الشرك على الإيمان ليضل عن سبيل الله عز وجل.
يعني: ليصرف الناس بذلك عن سبيل الله بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة وَيَتَّخِذَها هُزُواً يعني: سبيل الله عز وجل، لأن السبيل مؤنث كقوله تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي [يوسف: 108] ويقال: وَيَتَّخِذَها هُزُواً يعني: آيات القرآن التي ذكر في أول السورة استهزاء بها، حيث جعلها بمنزلة حديث رستم واسفنديار.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: لِيُضِلَّ بنصب الياء.
وقرأ الباقون: بالضم.
فمن قرأ بالنصب فمعناه: ليضل بذلك عن سبيل الله.
يعني: بترك دين الإسلام.
ومن قرأ بالضم يعني: بصرف الناس عن دين الإسلام، ويصرف نفسه أيضاً.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: وَيَتَّخِذَها بنصب الذال.
وقرأ الباقون: بالضم.
فمن نصبها ردّها على قوله: لِيُضِلَّ يعني: لكي يضل ولكي يَتَّخِذَها هُزُواً ومن قرأ: بالضم ردّها على قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ وَيَتَّخِذَها وقال أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ يهانون به.
قوله عز وجل: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا يعني: إذا قرئ عليه القرآن وَلَّى مُسْتَكْبِراً يعني: أعرض مستكبراً عن الإيمان والقرآن كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها يعني: كأن لم يسمع ما في القرآن من الدلائل والعجائب كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً أي: ثقلاً فلا يسمع القرآن يعني: يتصامم فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فلما ذكر عقوبة الكافر ذكر على أثر ذلك ثواب المؤمنين فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ في الآخرة خالِدِينَ يعني: دائمين فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أوجبه الله عز وجل لأهل هذه الصفة وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ حكم بالعذاب للكافرين، والنعيم للمؤمنين.
ثم بيّن علامة وحدانيته فقال: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أي: خلقها بغير عمد ترونها بأعينكم.
ويقال: معناه بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أنتم يعني: لها عمد ولكن لا ترونها.
والعمد جماعة العماد.
ثم قال: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ يعني: الجبال الثوابت أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ يعني: لكيلا تزول بكم الأرض.
ثم قال: وَبَثَّ فِيها يعني: وخلق فيها في الأرض.
ويقال: وبسط فِيهَا مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَآءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ وقد ذكرناه.
ثم قال: هذا خَلْقُ اللَّهِ يقول: هذا الذي خلقت أنا فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني: الذين تدعونه إلها مِن دُونِهِ يعني: الأصنام.
ويقال: هذا خلق الله.
يعني: مخلوق الله.
ويقال: هذا صنع الله.
ثم قال: بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: الكافرون في خطأ بيّن، لا يعتبرون ولا يتفكرون فيما خلق الله عز وجل فيعبدونه ويقال في ضلال مبين يعني: في خسران بيّن.
قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"
أنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أدخلوهم في أرض المسك، ثم يقول الله تعالى للملائكة: أسمعوهم ثنائي وحمدي وأخبروهم أن لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
انتهى.
وقوله عزّ وجل: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الوَقْرُ في الأذن: الثِّقْلُ الذي يَعْسُر معه إدراك المَسْمُوعَاتِ، و «الرواسي» : هي الجبالُ و «المَيْد» : التحرك يَمْنَةً ويَسْرَةً، وما قرب من ذلك، والزوج:
النوع والصنف.
وكَرِيمٍ: مدحه بكرم جَوْهره، وحُسْن منظرِه، وغير ذلك.
ثم وقف تعالى الكفرةَ على جهة التوبيخ فقال: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ اختلف في لقمان هل هو نبيٌّ أو رجلٌ صالح فقط، وقال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلّم يقولُ: «لَمْ يَكُنْ لُقْمَانُ نَبِيّاً وَلَكِنْ كَانَ عَبْداً كَثِيرَ التَّفْكِيرِ، حَسَنَ اليَقِينِ، أَحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالْحِكْمَةِ وَخَيَّرَهُ فِي أَنْ يَجْعَلَهُ خَلِيفَةً يَحْكُمُ بِالْحَقِّ، فَقَالَ: رَبِّ إنْ خيّرتني، قَبِلْتُ العَافِيَةَ، وَتَرَكْتُ البَلاَءَ، وَإنْ عَزَمْتَ عَلَيَّ، فَسَمْعاً وَطَاعَةً، فَإنَّكَ سَتَعْصِمَنِي، وَكَانَ قاضياً في بني إسرائيل نُوبِيّاً أَسْوَدَ، مشققَ الرِّجْلَيْنِ، ذا «١» مَشَافِر» ، قاله سعيدُ بن المسيِّب «٢» وابن عباس «٣» وجماعة: وقال له رجل
سُورَةُ لُقْمانَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ.
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ والَّتِي بَعْدَها [لُقْمانَ: ٢٧، ٢٨]؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إلّا آيَةً نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ ، لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ مَدَنِيَّتانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُدًى ورَحْمَةً ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: " ورَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والمَعْنى: تِلْكَ آياتُ الكِتابِ في حال الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ؛ ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ " هو هُدًى ورَحْمَةٌ " وعَلى مَعْنى: " تِلْكَ هُدًى ورَحْمَةٌ " .
وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ مُفْتَتَحِ هَذِهِ السُّورَةِ [البَقَرَةِ: ١-٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلٍ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في شِراءِ القِيانِ والمُغَنِّياتِ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ تاجِرًا إلى فارِسَ، فَكانَ يَشْتَرِي أخْبارَ الأعاجِمِ فَيُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا ويَقُولُ لَهُمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ عادٍ وثَمُودَ، وأنا أُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ رُسْتُمَ وإسْفِنْدِيارَ وأخْبارِ الأكاسِرَةِ، فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ ويَتْرُكُونَ اسْتِماعَ القُرْآنِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ.
وَفِي المُرادِ بِلَهْوِ الحَدِيثِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] الغِناءُ.
كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: هو الغِناءُ والَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ وبِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
ورَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: اللَّهْوُ: الطَّبْلُ.
والثّانِي: أنَّهُ ما ألْهى عَنِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَنْهُ مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: الباطِلُ، قالَهُ عَطاءٌ.
وَفِي مَعْنى ﴿ يَشْتَرِي ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَشْتَرِي بِمالِهِ؛ وحَدِيثُ النَّضْرِ يُعَضِّدُهُ.
والثّانِي: يَخْتارُ ويَسْتَحِبُّ، قالَهُ قَتادَةُ، ومَطَرٌ.
وَإنَّما قِيلَ لِهَذِهِ الأشْياءِ: لَهْوُ الحَدِيثِ، لِأنَّها تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ المَعْنى: لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا الحَرْفَ في (الحَجِّ: ٩) .
وَقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لِيُضِلَّ " بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، وإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هو أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ويَتَّخِذُها " بِرَفْعِ الذّالِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِنَصْبِ الذّالِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن نَصَبَ عَطَفَ عَلى " لِيُضِلَّ " " ويَتَّخِذَ " ومَن رَفَعَ عَطَفَهُ عَلى " مَن يَشْتَرِي " " ويَتَّخِذُ " .
وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَتَّخِذَها ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الآياتُ، والثّانِي: السَّبِيلُ.
وَما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في مَواضِعَ قَدْ تَقَدَّمَتْ [الإسْراءِ: ٤٦، الأنْعامِ: ٢٥، البَقَرَةِ: ٢٥، الرَّعْدِ: ٢، النَّحْلِ: ١٥، الشُّعَراءِ: ٧]، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الفَهْمُ والعَقْلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: النُّبُوَّةُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ حَكِيمًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ والثّانِي: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
هَكَذا حَكاهُ عَنْهُمُ الواحِدِيُّ، ولا يُعْرَفُ، إلّا أنَّ هَذا مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ عِكْرِمَةُ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
وَفِي صِناعَتِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ خَيّاطًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.
والثّانِي: راعِيًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: نَجّارًا، قالَهُ خالِدٌ الرَّبْعِيُّ.
فَأمّا صِفَتُهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانَ لُقْمانُ أسْوَدَ مَن سُودانِ مِصْرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مُشَقَّقَ القَدَمَيْنِ، وكانَ قاضِيًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ المَعْنى: وقُلْنا لَهُ: أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ [عَلى] ما أعْطاكَ مِنَ الحِكْمَةِ ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ: إنَّما يَفْعَلُ لِنَفْسِهِ ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ النِّعْمَةَ، فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ عِبادَةِ خَلْقِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ ﴿ وَإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وهو يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ لُقْمانُ رَجُلٌ حَكِيمٌ بِحِكْمَةِ اللهِ تَعالى، وهي الصَوابُ في المُعْتَقَداتِ، والفِقْهُ في الدِينِ والعَمَلِ، واخْتِلَفَ، هَلْ هو نَبِيٌّ مَعَ ذَلِكَ أو رَجُلٌ صالِحٌ فَقَطْ؟
فَقالَ بِنُبُوَّتِهِ عِكْرِمَةُ والشَعْبِيُّ، وقالَ بِصَلاحِهِ فَقَطْ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَمِعَتِ النَبِيَّ يَقُولُ: « "لَمْ يَكُنْ لُقْمانُ نَبِيًّا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا كَثِيرَ التَفْكِيرِ، حَسَنَ اليَقِينِ، أحَبَّ اللهَ فَأحَبَّهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالحِكْمَةِ، وخَيَّرَهُ في أنْ يَجْعَلَهُ خَلِيفَةً يَحْكُمُ بِالحَقِّ، فَقالَ: يا رَبِّ إنْ خَيَّرَتْنِي قَبِلْتُ العافِيَةَ وتَرَكْتُ البَلاءَ، وإنْ عَزَمَتْ عَلَيَّ فَسَمْعًا وطاعَةً فَإنَّكَ سَتَعْصِمُنِي"،» وكانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، نُوبِيًّا أسْوَدَ مُشَقَّقَ الرِجْلَيْنِ ذا مَشافِرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ لَهُ رَجُلٌ كانَ قَدْ رَعى مَعَهُ الغَنَمَ: ما بَلَغَ بِكَ يا لُقْمانُ ما أرى؟
قالَ: صِدْقُ الحَدِيثِ والصَمْتُ عَمّا لا يَعْنِينِي، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: كانَ مَن سُودانِ مِصْرَ، مِنَ النُوبَةِ، وقالَ خالِدُ بْنُ الرَبِيعِ: كانَ نَجّارًا، وقِيلَ: كانَ خَيّاطًا، وقِيلَ: كانَ راعِيًا.
وحِكَمُ لُقْمانَ كَثِيرَةٌ مَأْثُورَةٌ، قِيلَ لَهُ: وأيُّ الناسِ شَرٌّ؟
قالَ: الَّذِي لا يُبالِي إنْ رَآهُ الناسُ مُسِيئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اشْكُرْ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنِ اشْكُرْ لِلَّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةُ، أيْ: كانَتْ حِكْمَتُهُ دائِرَةً عَلى الشُكْرِ لِلَّهِ تَعالى ومَعانِيهِ.
وجَمِيعُ العِباداتِ والمُعْتَقَداتِ داخِلَةٌ في شُكْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الشاكِرَ حَظُّهُ عائِدٌ عَلَيْهِ، وهو المُنْتَفِعُ بِذَلِكَ، واللهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الشُكْرِ، فَلا يَنْفَعُهُ شُكْرُ العِبادِ، حَمِيدٌ في نَفْسِهِ، فَلا يَضُرُّهُ كُفْرُ الكافِرِينَ.
و"حَمِيدٌ" بِمَعْنى: مَحْمُودٌ، أيْ: هو مُسْتَحَقٌّ ذَلِكَ بِصِفاتِهِ وذاتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإذْ قالَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ قالَ، واخْتَصَرَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ، واسْمُ ابْنِهِ تارانُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يا بُنَيِّ" بِالشَدِّ والكَسْرِ في الياءِ، في الثَلاثَةِ، عَلى إدْغامِ إحْدى الياءَيْنِ في الأُخْرى، وقَرَأ حَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "يا بُنَيَّ" بِالشَدِّ والفَتْحِ في الثَلاثَةِ، عَلى قَوْلِكَ: يا بُنَيّا، ويا غُلامًا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي بُرَّةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "يا بُنَيْ" بِسُكُونِ الياءِ، و"يا بُنَيِّ إنَّها" بِكَسْرِ الياءِ، و"يا بُنَيَّ أقِمِ الصَلاةَ" بِفَتْحِ الياءِ، ورَوى عنهُ قُنْبُلُ بِالسُكُونِ في الأُولى والثالِثَةَ، وبِكَسْرِ الوُسْطى.
وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ أنَّهُ مِن كَلامِ لُقْمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مِنَ اللهِ تَعالى مُنْقَطِعًا مِن كَلامِ لُقْمانَ، مُتَّصِلًا بِهِ في تَأْكِيدِ المَعْنى، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ المَأْثُورُ: « "أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ ﴾ أشْفَقَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ ، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ؟
فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ ، فَسَكَنَ إشْفاقُهُمْ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يَسْكُنُ إشْفاقُهم بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللهِ تَعالى، وقَدْ يَسْكُنُ الإشْفاقُ بِأنْ يَذْكُرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ عن عَبْدٍ قَدْ وصَفَهُ بِالحِكْمَةِ والسِدادِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ ءاتينا لقمان الحكمة ﴾ [لقمان: 12] لأن الواو نائبة مناب الفعل فمضمون هذه الجملة يفسر بعض الحكمة التي أوتيها لقمان.
والتقدير: وآتيناه الحكمة إذْ قال لابنه فهو في وقت قوله ذلك لابنه قد أوتي حكمة فكان ذلك القول من الحكمة لا محالة، وكل حالة تصدر عنه فيها حكمة هو فيها قد أوتي حكمة.
و ﴿ إذ ﴾ ظرف متعلق بالفعل المقدّر الذي دلت عليه واو العطف، أي والتقدير: وآتيناه الحكمة إذ قال لابنه.
وهذا انتقال من وصفه بحكمة الاهتداء إلى وصفه بحكمة الهدى والإرشاد.
ويجوز أن يكون ﴿ إذْ قَالَ ﴾ ظرفاً متعلقاً بفعل (اذكر) محذوفاً.
وفائدة ذكر الحال بقوله ﴿ وهو يعظه ﴾ الإشارة إلى أن قوله هذا كان لتلبس ابنه بالإشراك، وقد قال جمهور المفسرين: إن ابن لقمان كان مُشركاً فلم يزل لقمان يعظه حتى آمن بالله وحده، فإن الوعظ زجرٌ مقترن بتخويف قال تعالى ﴿ فأعْرِضْ عنهم وعِظهم وقُل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ [النساء: 63] ويعرف المزجور عنه بمتعلق فعل الموعظة فتعين أن الزجر هنا عن الإشراك بالله.
ولعل ابن لقمان كان يدين بدين قومه من السودان فلما فتح الله على لقمان بالحكمة والتوحيد أبَى ابنه متابعته فأخذ يعظه حتى دان بالتوحيد، وليس استيطان لقمان بمدينة داود مقتضياً أن تكون عائلته تدين بدين اليهودية.
وأصل النهي عن الشيء أن يكون حين التلبس بالشيء المنهي عنه أو عند مقاربة التلبس به، والأصل أن لا ينهى عن شيء منتف عن المنهي.
وقد ذكر المفسرون اختلافاً في اسم ابن لقمان فلا داعي إليه.
وقد جمع لقمان في هذه الموعظة أصول الشريعة وهي: الاعتقادات، والأعمال، وأدب المعاملة، وأدب النفس.
وافتتاح الموعظة بنداء المخاطب الموعوظ مع أن توجيه الخطاب مغن عن ندائه لحضوره بالخطاب، فالنداء مستعمل مجازاً في طلب حضور الذهن لوعي الكلام وذلك من الاهتمام بالغرض المسوق له الكلام كما تقدم عند قوله تعالى ﴿ يا أبَتتِ إني رأيتُ أحَدَ عَشَر كوكباً ﴾ [يوسف: 4] وقوله ﴿ يا بُني لا تقصص رؤياك ﴾ في سورة يوسف (5) وقوله ﴿ إذْ قال الحواريون يا عيسى ابنَ مريم هل يستطيع ربك أن يُنَزّل علينا مائدة من السماء ﴾ في سورة العقود (112) وقوله تعالى ﴿ إذ قال لأبيه يا أبت لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسمع ولا يبْصر ﴾ في سورة مريم (42).
و ﴿ بُنَيّ ﴾ تصغير (ابن) مضافاً إلى ياء المتكلم فلذلك كسرت الياء.
وقرأه الجمهور بكسر ياء ﴿ بُنَيِّ ﴾ مشدّدة.
وأصله: يا بُنَيْيي بثلاث ياءات إذ أصله الأصيل يا بُنَيْوِي لأن كلمة ابن واوية اللام الملتزمة حذفها فلما صُغر ردّ إلى أصله، ثم لما التقت ياء التصغير ساكنة قبل واو الكلمة المتحركة بحركة الإعراب قلبت الواو ياء لتقاربهما وأدغمتا، ولما نودي وهو مضاف إلى ياء المتكلم حذفت ياء المتكلم لجواز حذفها في النداء وكراهية تكرر الأمثال، وأشير إلى الياء المحذوفة بإلزامِه الكسرَ في أحوال الإعراب الثلاثة لأن الكسرة دليل على ياء المتكلم.
وتقدم في سورة يوسف.
والتصغير فيه لتنزيل المخاطب الكبير منزلة الصغير كناية عن الشفقة به والتحبب له، وهو في مقام الموعظة والنصيحة إيماء وكناية عن إمحاض النصح وحب الخير، ففيه حث على الامتثال للموعظة.
ابتدأ لقمان موعظة ابنه بطلب إقلاعه عن الشرك بالله لأن النفس المعرضة للتزكية والكمال يجب أن يقدم لها قبل ذلك تخليتُها عن مبادئ الفساد والضلال، فإن إصلاح الاعتقاد أصل لإصلاح العمل.
وكان أصل فساد الاعتقاد أحد أمرين هما الدُهرية والإشراك، فكان قوله ﴿ لا تشرك بالله ﴾ يفيد إثبات وجود إله وإبطال أن يكون له شريك في إلهيته.
وقرأ حفص عن عاصم في المواضع الثلاثة في هذه السورة ﴿ يا بنيَّ ﴾ بفتح الياء مشددة على تقدير: يا بنَيَّا بالألف وهي اللغة الخامسة في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ثم حذفت الألف واكتفي بالفتحة عنها، وهذا سماع.
وجملة ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ تعليل للنهي عنه وتهويل لأمره، فإنه ظلم لحقوق الخالق، وظلم المرء لنفسه إذ يضع نفسه في حضيض العبودية لأخس الجمادات، وظلم لأهل الإيمان الحق إذ يبعث على اضطهادهم وأذاهم، وظلم لحقائق الأشياء بقلبها وإفساد تعلقها.
وهذا من جملة كلام لقمان كما هو ظاهر السياق، ودل عليه الحديث في «صحيح مسلم» عن عبد الله بن مسعود قال: " لما نزلت ﴿ الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ [الأنعام: 82] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه ﴿ يا بنيِّ لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ﴾ ".
وجوَّز ابن عطية أن تكون جملة ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ من كلام الله تعالى، أي: معترضة بين كَلِم لقمان.
فقد روي عن ابن مسعود أنهم لما قالوا ذلك أنزل الله تعالى ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ ، وانظر من روى هذا ومقدار صحته.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ اخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَبِيٌّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ حَكِيمٌ ولَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، قالَ إسْماعِيلُ: كانَ لُقْمانُ مِن سُودانِ مِصْرَ ذا مَشافِرَ أعْطاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ ومَنَعَهُ النُّبُوَّةَ.
وَقالَ قَتادَةُ: خَيَّرَ اللَّهُ لُقْمانَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ فاخْتارَ الحِكْمَةَ عَلى النُّبُوَّةِ فَأتاهُ جِبْرِيلُ وهو نائِمٌ فَذَرَّ عَلَيْهِ الحِكْمَةَ فَأصْبَحَ يَنْطِقُ بِها، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ اخْتَرْتَ الحِكْمَةَ عَلى النُّبُوَّةِ وقَدْ خَيَّرَكَ رَبُّكَ؟
فَقالَ: إنَّهُ لَوْ أرْسَلَ إلَيَّ بِالنُّبُوَّةِ عَزْمَةً لَرَجَوْتُ فِيهِ العَوْنَ مِنهُ ولَكُنْتُ أرْجُو أنْ أقُومَ بِها، ولَكِنَّهُ خَيَّرَنِي فَخِفْتُ أنْ أضْعُفَ عَنِ النُّبُوَّةِ فَكانَتِ الحِكْمَةُ أحَبَّ إلَيَّ.
واخْتُلِفَ في جِنْسِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مِنَ النُّوبَةِ قَصِيرًا أفْطَسَ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
الثّانِي: كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
واخْتُلِفَ في صَنْعَتِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ خَيّاطًا بِمِصْرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ راعِيًا فَرَآهُ رَجُلٌ كانَ يَعْرِفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَقالَ: ألَسْتَ عَبْدَ بَنِي فُلانٍ الَّذِي كُنْتَ تَرْعى بِالأمْسِ؟
قالَ بَلى، قالَ: فَما بَلَغَ بِكَ ما أرى؟
قالَ: قَدَرُ اللَّهِ وَأدائِي الأمانَةَ، وصِدْقُ الحَدِيثِ وتَرْكِي ما لا يَعْنِينِي، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ جابِرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ نَجّارًا فَقالَ لَهُ سَيِّدُهُ: اذْبَحْ لِي شاةً وأْتِنِي بِأطْيَبِها مُضْغَتَيْنِ فَأتاهُ بِاللِّسانِ والقَلْبِ فَقالَ لَهُ: ما كانَ فِيها شَيْءٌ أطْيَبَ مِن هَذَيْنَ فَسَكَتَ، ثُمَّ أمَرَهُ فَذَبَحَ لَهُ شاةً ثُمَّ قالَ: ألْقِ أخْبَثَها مُضْغَتَيْنِ فَألْقى اللِّسانَ والقَلْبَ فَقالَ لَهُ: أمَرْتُكَ أنْ تَأْتِيَنِي بِأطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ فَأتَيْتَنِي بِاللِّسانِ والقَلْبِ وأمَرَتْكَ أنْ تُلْقِيَ أخْبَثَها مُضْغَتَيْنِ فَألْقَيْتَ بِاللِّسانِ والقَلْبِ، فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أطْيَبَ مِنهُما إذا طابا ولا أخْبَثَ مِنهُما إذا خَبُثا، قالَهُ خالِدٌ الرَّبَعِيُّ.
واخْتُلِفَ في زَمانِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ فِيما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ.
الثّانِي: أنَّهُ ولَدُ كُوشَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ، وُلِدَ لِعَشْرِ سِنِينَ مِن مُلْكِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَقِيَ إلى زَمَنِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَفِي ﴿ الحِكْمَةَ ﴾ الَّتِي أُوتِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الفَهْمُ والعَقْلُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: الفِقْهُ والعَقْلُ والإصابَةُ في القَوْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: الأمانَةُ.
﴿ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ يَعْنِي نِعَمَ اللَّهِ، فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْنى الكَلامِ: ولَقَدْ آتَيْناهُ الحِكْمَةَ وآتَيْناهُ الشُّكْرَ لِلَّهِ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
الثّانِي: آتَيْناهُ الحِكْمَةَ لِأنْ يَشْكُرَ لِلَّهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَفِي شُكْرِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو حَمْدُهُ عَلى نِعَمِهِ.
الثّانِي: هو ألّا يَعْصِيَهُ عَلى نِعَمِهِ.
الثّالِثُ: هو ألّا يَرى مَعَهُ شَرِيكًا في نِعَمِهِ عَلَيْهِ.
الرّابِعُ: هو طاعَتُهُ فِيما أمَرَهُ.
﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ يَعُودُ شُكْرُهُ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ عَلى النِّعْمَةِ إذا زادَ مِنَ الشُّكْرِ.
﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: كُفْرُ النِّعْمَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ حَمِيدٌ في فِعْلِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ مُسْتَحْمَدٌ إلى خَلْقِهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما كان لقمان؟
قالوا: الله ورسوله أعلم قال: كان حبشياً» .
وأخرج ابن أبي شيبة في الزهد وأحمد وابن أبي الدنيا في كتاب المملوكين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان لقمان عليه السلام عبداً حبشياً نجاراً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قلت لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما: ما انتهى إليكم من شأن لقمان عليه السلام؟
قال: كان قصيراً، أفطس من النوبة.
وأخرج الطبراني وابن حبان في الضعفاء وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم.
والنجاشي.
وبلال المؤذن» قال الطبراني: أراد الحبشة.
وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سادات السودان أربعة: لقمان الحبشي.
والنجاشي.
وبلال.
ومهجع» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام كان أسود من سودان مصر، ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة، ومنعه النبوة.
وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب رضي الله عنه يسأله، فقال له سعيد رضي الله عنه: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال.
ومهجع مولى عمر بن الخطاب.
ولقمان الحكيم كان أسود نوبياً ذا مشافر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان لقمان عليه السلام عبداً أسود.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان لقمان عليه السلام عبداً حبشياً، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضياً لبني إسرائيل.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر عن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه أن لقمان عليه السلام كان خياطاً.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان لقمان عليه السلام من أهون مملوكيه على سيده، وإن أول ما رؤي من حكمته أنه بينما هو مع مولاه إذ دخل المخرج فأطال فيه الجلوس، فناداه لقمان أن طول الجلوس على الحاجة ينجع منه الكبد، ويكون منه الباسور، ويصعد الحر إلى الرأس، فأجلس هوينا وأخرج، فخرج فكتب حكمته على باب الحش قال: وسكر مولاه، فخاطر قوماً على أن يشرب ماء بحيرة، فلما أفاق عرف ما وقع منه، فدعا لقمان فقال: لمثل هذا كنت أخبؤك.
فقال: اجمعهم، فلما اجتمعوا قال: على أي شيء خاطرتموه؟
قالوا: على أن يشرب ماء هذه البحيرة قال: فإن لها مواد فاحبسوا موادها عنها قالوا: كيف نستطيع أن نحبس موادها؟
قال: وكيف يستطيع أن يشربها ولها مواد؟
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة ﴾ قال: يعني العقل، والفهم، والفطنة.
من غير نبوّة.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي مسلم الخولاني رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لقمان كان عبداً كثير التفكر، حسن الظن، كثير الصمت، أحب الله فأحبه الله تعالى، فمن عليه بالحكمة، نودي بالخلافة قبل داود عليه السلام، فقيل له: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة تحكم بين الناس بالحق؟
قال لقمان: إن أجبرني ربي عز وجل قبلت، فإني أعلم أنه إن فعل ذلك أعانني.
وعلمني.
وعصمني.
وإن خيرني ربي قبلت العافية، ولم أسأل البلاء، فقالت الملائكة: يا لقمان لم؟!
قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل مكان، فيخذل أو يعان، فإن أصاب فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكون في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً شائعاً، ومن يختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا ولا يصير إلى ملك الآخرة.
فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فغط بالحكمة غطاً فانتبه فتكلم بها، ثم نودي داود عليه السلام بعده بالخلافة، فقبلها ولم يشترط شرط لقمان، فأهوى في الخطيئة، فصفح عنه وتجاوز.
وكان لقمان يؤازره بعلمه وحكمته فقال داود عليه السلام: طوبى لك يا لقمان، أوتيت الحكمة فصرفت عنك البلية، وأوتي داود الخلافة فابتلى بالذنب والفتنة» .
وأخرج الفريابي وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة ﴾ قال: العقل، والفقه، والاصابة في القول في نبوّه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة ﴾ قال: الفقه في الإِسلام، ولم يكن نبياً، ولم يوح إليه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: خير الله تعالى لقمان بين الحكمة والنبوّة.
فاختار الحكمة على النبوّة، فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم، فذر عليه الحكمة، فاصبح ينطق بها فقيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوّة، وقد خيرك ربك؟
فقال: لو أنه أرسل إلي بالنبوّة عزمة لرجوت فيها الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيرني، فخفت أن أضعف عن النبوّة، فكانت الحكمة أحب إلي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله تعالى عنه أنه سئل أكان لقمان عليه السلام نبياً؟
قال: لا.
لم يلوح إليه، وكان رجلاً صالحاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله تعالى عنه قال: كان لقمان عليه السلام نبياً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ليث رضي الله تعالى عنه قال: كانت حكمة لقمان عليه السلام نبوّة.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله تعالى عنه قال: كان لقمان عليه السلام رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً.
وأخرج الطبراني والرامهرمزي في الأمثال بسند ضعيف عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني عليك بمجالس العلماء، واستمع كلام الحكماء، فإن الله يحيي القلب الميت بنور الحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه ذكر لقمان الحكيم فقال: ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال.
ولا حسب.
ولا خصال.
ولكنه كان رجلاً صمصامة سكيتاً، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهاراً قط، ولم يره أحد يبزق، ولا يتنحنح، ولا يبول، ولا يتغوّط، ولا يغتسل، ولا يعبث، ولا يضحك، كان لا يعيد منطقاً نطقه إلا أن يقول: حكمة يستعيدها إياه، وكان قد تزوج وولد له أولاد، فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكماء لينظر ويتفكر ويعتبر.
فبذلك أوتي ما أوتي.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وابن جرير عن عمر بن قيس رضي الله عنه قال: مر رجل بلقمان عليه السلام والناس عنده فقال: ألست عبد بني فلان؟
قال: بلى.
قال: ألست الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟
قال: بلى.
قال: فما الذي بلغ بك ما أرى؟
قال: تقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السكوت عما لا يعنيني.
وأخرج أحمد في الزهد عن محمد بن جحادة رضي الله عنه، مثله.
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي والحاكم في الكني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئاً حفظه» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في نعت الخائفين عن الفضل الرقاشي قال: ما زال لقمان يعظ ابنه حتى انشقت مرارته فمات.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن حفص بن عمر الكندي قال: وضع لقمان عليه السلام جراباً من خردل إلى جنبه، وجعل يعظ ابنه موعظة ويخرج خردلة، فنفذ الخردل فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظتها جبلاً لتفطر.
فتفطر ابنه.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني إياك والتقنع فإنها مخوفة بالليل، ومذلة بالنهار» .
وأخرج العسكري في الأمثال والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس؛ أن لقمان عليه السلام كان عبداً لداود، وهو يسرد الدرع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان عليه السلام يتعجب ويريد أن يسأله وتمنعه حكمته أن يسأله، فلما فرغ منها صبها على نفسه وقال: نعم درع الحرب هذه.
فقال لقمان: الصمت من الحكمة وقليل فاعله، كنت أردت أن أسألك فسكت حتى كفيتني.
وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان عن عون بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني ارج الله رجاء لا تأمن فيه مكره، وخف الله مخافة لا تيأس بها من رحمته، فقال: يا أبتاه وكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟
قال: المؤمن كذا له قلبان.
قلب يرجو به.
وقلب يخاف به.
وأخرج البيهقي عن سليمان التيمي رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني أكثر من قول: رب اغفر لي، فإن لله ساعة لا يرد فيها سائل.
وأخرج البيهقي والصابوني في المائتين عن عمر بن سليم رضي الله عنه قال: بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني حملت الحجارة، والحديد، والحمل الثقيل، فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء، يا بني إني قد ذقت المر كله فلم أذق شيئاً أمر من الفقر.
وأخرج ابن أبي الدنيا في اليقين عن الحسن رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن العمل لا يستطاع إلا باليقين، ومن يضعف يقينه يضعف عمله، يا بني إذا جاءك الشيطان من قبل الشك والريبة فاغلبه باليقين والنصيحة، وإذا جاءك من قبل الكسل والسآمة فاغلبه بذكر القبر والقيامة، وإذا جاءك من قبل الرغبة والرهبة فاخبره أن الدنيا مفارقة متروكة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن وهب رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني اتخذ تقوى الله تجارة يأتك الربح من غير بضاعة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في الرضا عن سعيد بن المسيب قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني لا ينزلن بك أمر رضيته أو كرهته إلا جعلت في الضمير منك أن ذلك خير لك.
قال: أهذه فلا أقدر أعطيكها دون أن أعلم ما قلت كما قلت، قال: يا بني فإن الله قد بعث نبياً.
هلم حتى تأتيه فصدقه.
قال: اذهب يا أبت.
فخرج على حمار وابنه على حمار، وتزودا ثم سارا أياماً وليالي حتى تلقتهما مفازة، فأخذا أهبتهما لها فدخلاها، فسارا ما شاء الله حتى ظهرا وقد تعالى النهار، واشتد الحر، ونفد الماء والزاد، واستبطآ حماريهما، فنزلا فجعلا يشتدان على سَوْقِهِما، فبينما هما كذلك إذ نظر لقمان أمامه فإذا هم بسواد ودخان، فقال في نفسه: السواد: الشجر.
والدخان: العمران والناس.
فبينما هما كذلك يشتدان إذ وطئ ابن لقمان على عظم في الطريق، فخر مغشياً عليه، فوثب إليه لقمان عليه السلام، فضمه إلى صدره واستخرج العظم بأسنانه، ثم نظر إليه فذرفت عيناه فقال: يا أبت أنت تبكي وأنت تقول: هذا خير لي، كيف يكون هذا خيراً لي؟
وقد نفد الطعام والماء، وبقيت أنا وأنت في هذا المكان، فإن ذهبت وتركتني على حالي ذهبت بهم وغم ما بقيت، وان أقمت معي متنا جميعاً فقال: يا بني.
أما بكائي فرقة الوالدين، وأما ما قلت كيف يكون هذا خيراً لي؟
فلعل ما صرف عنك أعظم مما ابتليت به، ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك، ثم نظر لقمان أمامه فلم يَرَ ذلك الدخان والسواد.
وإذا بشخص أقبل على فرس أبلق عليه ثياب بيض، وعمامة بيضاء يمسح الهواء مسحاً، فلم يزل يرمقه بعينه حتى كان منه قريباً فتوارى عنه، ثم صاح به: أنت لقمان؟
قال: نعم.
قال: أنت الحكيم؟
قال: كذلك.
فقال: ما قال لك ابنك؟
قال: يا عبد الله من أنت؟!
اسمع كلامك ولا أرى وجهك قال: أنا جبريل.
أمرني ربي بخسف هذه المدينة ومن فيها، فاخبرت انكما تريدانها، فدعوت ربي أن يحبسكما عنها بما شاء، فحبسكما بما ابتلي به ابنك، ولولا ذلك لخسف بكما مع من خسفت، ثم مسح جبريل عليه السلام يده على قدم الغلام فاستوى قائماً، ومسح يده على الذي كان فيه الطعام فامتلأ طعاماً، وعلى الذين كان فيه الماء فامتلأ ماء، ثم حملهما وحماريهما فزجل بهما كما يزجل الطير، فإذا هما في الدار الذي خرجا بعد أيام وليال.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن رباح اللخمي؛ أنه لما وعظ لقمان عليه السلام ابنه قال: ﴿ إنها إن تك...
﴾ .
أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك، فألقاها في عرضه، ثم مكث ما شاء الله، ثم ذكر وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن مالك رضي الله عنه قال: بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه: ليس غنى كصحة، ولا نعيم كطيب نفس.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: من كذب ذهب ماء وجهه، ومن ساء خلقه كثر غمه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبيهقي عن الحسن رضي الله تعالى عنه أن لقمان قال لابنه: يا بني حملت الجندل.
والحديد.
وكل شيء ثقيل.
فلم أحمل شيئاً هو أثقل من جار السوء، وذقت المر فلم أذق شيئاً هو أمر من الفقر، يا بني لا ترسل رسولك جاهلاً، فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك، يا بني إياك والكذب، فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يقلي صاحبه، يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس تشهيك الدنيا، يا بني لا تأكل شبعاً على شبع، فإنك إن تلقه للكلب خير من أن تأكله، يا بني لا تكن حلواً فتبلع، ولا مراً فتلفظ.
وأخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني لا تكونن أعجز من هذا الديك الذي يصوّت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك.
وأخرج عبد الله في زوائده والبيهقي عن عثمان بن زائدة رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني لا تؤخر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن سيار بن الحكم قال: قيل للقمان عليه السلام: ما حكمتك؟
قال: لا أسأل عما قد كفيت، ولا أتكلف ما لا يعنيني.
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عثمان الجعدي رجل من أهل البصرة قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عمله، ولا تهاون بمقت الحكيم فيزهد فيك.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال: لا تنكح أمة غيرك، فتورث بنيك حزناً طويلاً.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن محمد بن واسع رضي الله عنه قال: كان لقمان عليه السلام يقول لابنه: يا بني اتق الله، ولا تر الناس أنك تخشى الله ليكرمك بذلك وقلبك فاجر.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير عن خالد الربعي رضي الله تعالى عنه قال: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً فقال له سيده: اذبح لي شاة.
فذبح له شاة فقال له: ائتني بأطيب مضغتين فيها.
فأتاه باللسان والقلب فقال: أما كان شيء أطيب من هذين؟
قال: لا.
فسكت عنه ما سكت، ثم قال له: اذبح لي شاة.
فذبح له شاة فقال له: ألق أخبثها مضغتين.
فرمى باللسان والقلب فقال أمرتك بأن تأتي بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب، فقال: إنه ليس شيء بأطيب منها إذا طابا، ولا بأخبث منهما إذا خبثا.
وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام: ألا أن يد الله على أفواه الحكماء.
لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله له.
وأخرج عبد الله عن سفيان رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني ما ندمت على الصمت قط وإن كان الكلام من فضة كان السكوت من ذهب.
وأخرج أحمد عن قتادة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني اعتزل الشر كيما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق.
وأخرج عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة- يعني حكمة لقمان عليه السلام- يا بني إياك والرغب كل الرغب، فإن الرغب كل الرغب ينفذ القرب من القرب، ويترك الحلم مثل الرطب، يا بني إياك وشدة الغضب، فإن شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه وهو يعظه: يا بني اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر الله عز وجل فيه فاجلس معهم، فإنك إن تك عالماً ينفعك علمك، وإن تك غبياً يعلموك، وان يطلع الله عز وجل إليهم برحمة تصبك معهم، يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر فيه الله فإنك إن تك عالماً لا ينفعك علمك، وإن تك عَيِياً يزيدوك عياً، وان يطلع الله إليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم، ويا بني لا يغيظنك امرؤ رحب الذراعين يسفك دماء المؤمنين، فإن له عند الله قاتلاً لا يموت.
وأخرج عبد الله في زوائده عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء.
وأخرج أحمد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة- يعني حكمة لقمان- لتكن كلمتك طيبة، وليكن وهجك بسيطاً، تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء وقال: مكتوب في التوراة كما تَرحمون تُرحمون.
وقال: مكتوب في الحكمة: كما تَزْرَعُونَ تَحْصِدُون.
وقال: مكتوب في الحكمة: أحب خليلك وخليل أبيك.
وأخرج أحمد عن أبي قلابة رضي الله عنه قال: قيل للقمان عليه السلام: أي الناس أصبر؟
قال: صبر لا معه أذى.
قيل: فأي الناس أعلم؟
قال: من ازداد من علم الناس إلى علمه.
قيل فأي الناس خير؟
قال: الغني.
قيل: الغني من المال؟
قال: لا.
ولكن الغني إذا التمس عنده خير وجدوا لا أغنى نفسه عن الناس.
وأخرج أحمد عن سفيان رضي الله عنه قال: قيل للقمان عليه السلام: أي الناس شر؟
قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً.
وأخرج أحمد عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال: وجدت في بعض الحكمة.
يبرد الله عظام الذين يتكلمون باهواء الناس، ووجدت في الحكمة: لا خير لك في أن تتعلم ما لم تعلم إذا لم تعمل بما قد علمت، فإن مثل ذلك رجل احتطب حطباً فحمل حزمة، فذهب يحملها، فعجز عنها فضم إليها أخرى.
وأخرج أحمد عن محمد بن جحادة رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام: يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حكيم.
وأخرج أحمد عن سفيان رضي الله عنه عمن أخبره أن لقمان عليه السلام قال لابنه: أي بني إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها ناس كثير، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإِيمان بالله، وشراعها التوكل على الله، لعلك أن تنجو، ولا أراك ناجياً.
وأخرج عبد الله في زوائده عن عوف بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني إني حملت الجندل والحديد فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشد من الفقر.
وأخرج أحمد عن شرحبيل بن مسلم رضي الله عنه أن لقمان قال: أقصر من اللجاجة، ولا أنطق فيما لا يعنيني، ولا أكون مضحاكاً من غير عجب، ولا مشاء إلى غير أرب.
وأخرج أحمد عن أبي الجلد رضي الله عنه قال: قرأت في الحكمة: من كان له من نفسه واعظاً كان له من الله حافظاً، ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله بذلك عزاً، والذل في طاعة الله أقرب من التعزز بالمعصية.
وأخرج أحمد عن عبد الله بن دينار رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني انزل نفسك منزلة من لا حاجة له بك، ولا بد لك منه، يا بني كن كمن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب ذمهم، فنفسه منه في عناء والناس منه في راحة.
وأخرج أحمد عن ابن أبي يحيى رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان لابنه: أي بني أن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك.
وأخرج أحمد عن معاوية بن قرة قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني جالس الصالحين من عباد الله فإنك تصيب بمجالستهم خيراً، ولعله أن يكون آخر ذلك تنزل عليهم الرحمة فتصيبك معهم، يا بني لا تجالس الأشرار فإنك لا يصبك من مجالستهم خير، ولعله أن يكون في آخر ذلك أن تنزل عليهم عقوبة فتصيبك معهم.
وأخرج أحمد عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام: الصمت حكم وقليل فاعله فقال طاوس رضي الله عنه: أي أبا نجيح من قال واتقى الله خير ممن صمت واتقى الله.
وأخرج أحمد عن عون رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني إذا انتهيت إلى نادي قوم فارمهم بسهم الإِسلام، ثم اجلس في ناحيتهم، فإن أفاضوا في ذكر الله فاجلس معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم.
وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الله بن دينار رضي الله تعالى عنه: إن لقمان قدم من سفر فلقيه غلام في الطريق فقال: ما فعل أبي؟
قال: مات.
قال: الحمد لله ملكت أمري قال: ما فعلت أمي؟
قال: ماتت.
قال: ذهب همي قال: ما فعلت امرأتي؟
قال: ماتت قال: جدد فراشي قال: ما فعلت أختي؟
قال: ماتت قال: سترت عورتي قال: ما فعل أخي؟
قال: مات قال: انقطع ظهري.
وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الوهاب بن بخت المكي رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله ليحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء.
وأخرج عن عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني امتنع مما يخرج من فيك فإنك ما سكت سالم، وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعك.
وأخرج أحمد عن محمد بن واسع رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم.
وأخرج أحمد عن بكر المزني رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام: ضرب الوالد لولده كالماء للزرع.
وأخرج القالي في أماليه عن العتبي قال: بلغني أن لقمان عليه السلام كان يقول: ثلاثة لا يعرفون إلا ثلاثة مواطن: الحليم عند الغضب.
والشجاع عند الحرب.
وأخوك عند حاجتك إليه.
وأخرج وكيع في الغرر عن الحنظلي رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فاغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره.
وأخرج الدارقطني عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني إنك منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الأخرى، فَدَارٌ أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها تُبَاعِد.
وأخرج ابن المبارك عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام كان يقول: اللهم لا تجعل أصحابي الغافلين، إذا ذكرتك لم يعينوني، وإذا نسيتك لم يذكروني، وإذا أمرت لم يطيعوني، وإن صمت أحزنوني.
وأخرج الحكيم الترمذي عن معتمر عن أبيه أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني عود لسانك أن يقول: اللهم اغفر لي.
فإن لله ساعة لا يرد فيها الدعاء.
وأخرج الخطيب عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني إياك والدَيْن فإنه ذُلُّ النهارِ هَمُّ الليلِ.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني ارج الله رجاء لا يجرئك على معصيته، وخف الله خوفاً لا يؤيسك من رحمته.
وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام: إذا جاءك الرجل وقد سقطت عيناه فلا تقض له حتى يأتي خصمه قال: يقول لعله أن يأتي وقد نزع أربعة أعين.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الحسن رضي الله عنه قال: قال الله عز وجل «يا ابن آدم خلقتك وتعبد غيري، وتدعو إلي وتفر مني، وتذكرني وتنساني هذا أظلم ظلم في الأرض» ثم يتلو الحسن ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾ قال أبو إسحاق: موضع إذ نصب بقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ﴾ أي: ولقد آتيناه الحكمة إذ قال لابنه؛ لأن هذه الموعظة حكمة (١) ﴿ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾ قال ابن عباس: في الله (٢) (٣) قوله: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ ذكرنا القراءات ووجوهها في ﴿ يَا بُنَيَّ ﴾ عند: ﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا ﴾ .
وقرأ ابن كثير: يا بني، مخففة ساكنة الياء، وكذلك: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾ في رواية الحواس.
ووجه ذلك أن الأصل: يا بنيي بثلاث ياءات، ثم تحذف ياء الإضافة كما يقال: يا غلام أقبل، وذكرنا ذلك في سورة هود [[عند تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ﴾ \[آية 42\].]] فلما حذف ياء الإضافة بقيت ياء مشددة، فخففها في الوقف كما تخفف سر وضر، وكقولك عمران (٤) قد كنت جارك حولاً لا يروعني ...
فيه روائع من إنس ولا جان (٥) فخفف النون للوقف وأطلقها [كما شددها للوقف وأطلقها في] (٦) (٧) ارهن بنيك عندهم أرهن بني (٨) فالياء (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقوله: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس من الذنوب شيء أعظم من الشرك بالله (١٣) قال أبو إسحاق: يعني أن الله هو المحي المميت الرازق المنعم وحده لا شريك له، فإذا أشرك به أحدًا غيره فذلك أعظم الظلم؛ لأنه جعل النعمة لغير ربها، وأصل الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه (١٤) (١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 196.
(٢) لم أعثر عليه.
(٣) "تفسير مقاتل" 82 ب.
(٤) هكذا في النسخ، والصواب: كقول عمران.
(٥) البيت من الكامل، وهو لعمران بن حطان الحروري يمدح به عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب - - كما قاله المبرد في "الكامل" 3/ 898، وهو في "الحجة" 4/ 336، 5/ 454، وفي "اللسان" 13/ 96 (جنن)، "المحتسب" 2/ 76.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط في (ب).
(٧) هكذا جاءت العبارة في جميع النسخ!
والذي يظهر أن ما بين المعقوفين خطأ، إذ وجوده في النص يجعل الأسلوب ركيكًا ومضطربًا.
(٨) شطر بيت من الرجز، لم أقف على تمامه وقائله.
وقد ذكر ابن جني في "المحتسب" 1/ 108 أنه جاهلي، "الخصائص" 3/ 327، "اللسان" 13/ 188 غير منسوب لأحد.
(٩) في (أ): (فالهاء)، وهو خطأ.
(١٠) في (ب): (بنية)، وهو خطأ.
(١١) هكذا في النسخ!
ولعل الصواب: لرد، بدون ألف قبلها.
انظر: "الحجة" 4/ 338.
(١٢) إلى هنا من قوله عمران قد كنت جارك ..
منقول من "الحجة" 4/ 336 وما بعدها، بتصرف يسير جدًّا.
(١٣) لم أقف عليه.
(١٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 196.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لُقْمَانَ ﴾ رجل ينطق بالحكمة واختلف هل هو نبيّ أم لا؟
وفي الحديث لم يكن لقمان نبياً، ولكن عبداً حسن اليقين أحب الله فأحبه، فمنّ عليه بالحكمة، روي أنه كان ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وروي أنه كان قاضي بني إسرائيل، واختلف في صناعته، فقيل: كان نجاراً وقيل: خياطاً، وقيل: راعي غنم، وكان ابنه كافراً فما زال يوصيه حتى أسلم، وروي أن اسم ابنه ثاران.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ .
قال بعضهم: خلق السماوات بعمد لا ترونها.
وقيل: لعل لها عمدا لكن لا ترونها.
وقال بعضهم: خلقها بلا عمد، لكن الأعجوبة فيما خلقها بعمد لا ترونها ليست بدون الأعجوبة في خلقها بلا عمد؛ لأن رفع مثلها بعمد لا ترى أعظم في اللطف والقدرة من رفعها بلا عمد؛ إذ العمد لو كانت مقدار الريشة أو الشعرة ترى، فرفعها مع ثقلها وعظمها وغلظها على عمد لا ترى هو ألطف من ذلك وأعظم في الأعجوبة مما ذكرنا، فأيهما كان ففيه دلالة ألا يجوز تقدير قوى الخلق بقوى الله - - ولا قدرة الخلق بقدرته، ولا سلطان الخلق بسلطانه؛ بل هو القادر على الأشياء كلها بما شاء وكيف شاء، لا يعجزه شيء.
وقوله: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ ﴾ ، والرواسي: هن الثوابت، أي: أثبت الأرض بالجبال؛ كقوله: ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ ، أي: أثبتها.
وقوله: ﴿ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ ، أي: لئلا تميد بكم، ذكر الميد - وهو الميل والاضطراب - وليس من طبع الأرض الميل والاضطراب؛ وإنما طبعها التسرب والتسفل والانحدار؛ فلا يدرى أن كيف حالها في الابتداء؟
وما في سريتها مما يحملها على الاضطراب والميد؛ حتى أثبتها وأرساها بالجبال، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ﴾ .
قال بعضهم: بث: خلق، وقيل: بث: فرق، وفيه أنه جعل الأرض مكاناً ومعدنا لكل أنواع الدواب الممتحن وغير الممتحن، والمميز وغير المميز، والسماء لم تجعل إلا لنوع من الخلق أهل العبادة.
وقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ .
أي: أنبتنا فيها من كل لون يتلذذ به الناظر إليه، كريم ينال منه كل ما أراده وتمناه؛ إذ الكريم هو ما يطمع منه نيل كل ما عنده وأريد منه.
وقال بعضهم: الكريم: الحسن، أي: أنبتنا فيها من كل لون حسن ما يستحسنه الناظر ويتلذذ به، على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ : ما يبهج ويسر به كل ناظر إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ ﴾ .
يقول: ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما بث من الدواب، وما أنبت من كل زوج كريم.
وقوله: ﴿ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ .
يذكر سفههم، يقول: إنكم تعلمون أن ما ذكر من السماوات والأرض، وجميع ما فيهما - هو كله خلق الله، وأنه هو خالق ذلك كله، وأن الأصنام التي تعبدونها من دونه لم تخلق شيئاً من ذلك، ولا تملك خلق شيء؛ فكيف تعبدونها من دونه، وسميتموها: آلهة، وصرفتم العبادة والألوهية عن الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض وما فيهما؟!
وإنما يستحق الألوهية والربوبية لخلقه ما ذكر؛ فالأصنام: إذا لم يكن منها خلق؛ فكيف سميتموها: آلهة وعبدتموها دون الله؟!
هذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ ، أي: لم يخلق، يخبر عن سفههم وقلة معرفتهم، وسرفهم في القول والفعل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .
يحتمل: ﴿ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ وجوهاً: أحدها: ظلموا أنفسهم؛ حيث وضعوها في غير موضعها الذي أمرهم الله أن يضعوها، وهو وضعهم إياها في عبادة الأصنام.
أو ظالمو حدود الله التي حدّها لهم، لم يحفظوها على تلك الحدود؛ بل جاوزوها.
أو سماهم: ظلمة؛ لما ظلموا نعم الله، ولم يشكروها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ، أي: في حيرة بينة، أو هلاك بين.
<div class="verse-tafsir"
واذكر -أيها الرسول- إذ قال لقمان لابنه وهو يرغِّبه في الخير، ويحذره من الشر: يا بني، لا تعبد مع الله غيره، إن عبادة معبود مع الله ظلم عظيم للنفس بارتكاب أعظم ذنب يؤدي إلى خلودها في النار.
<div class="verse-tafsir" id="91.yb45x"