الآية ١٢ من سورة لقمان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ١٢ من سورة لقمان

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَـٰنَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌۭ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 129 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة لقمان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة لقمان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اختلف السلف في لقمان ، عليه السلام : هل كان نبيا ، أو عبدا صالحا من غير نبوة ؟

على قولين ، الأكثرون على الثاني .

وقال سفيان الثوري ، عن الأشعث ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان لقمان عبدا حبشيا نجارا .

وقال قتادة ، عن عبد الله بن الزبير ، قلت لجابر بن عبد الله : ما انتهى إليكم من شأن لقمان ؟

قال : كان قصيرا أفطس من النوبة .

وقال يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيب قال : كان لقمان من سودان مصر ، ذا مشافر ، أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة .

وقال الأوزاعي : رحمه الله ، حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال : جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله ، فقال له سعيد بن المسيب : لا تحزن من أجل أنك أسود ، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان : بلال ، ومهجع مولى عمر بن الخطاب ، ولقمان الحكيم ، كان أسود نوبيا ذا مشافر .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن أبي الأشهب ، عن خالد الربعي قال : كان لقمان عبدا حبشيا نجارا ، فقال له مولاه : اذبح لنا هذه الشاة .

فذبحها ، فقال : أخرج أطيب مضغتين فيها .

فأخرج اللسان والقلب ، فمكث ما شاء الله ثم قال : اذبح لنا هذه الشاة .

فذبحها ، فقال : أخرج أخبث مضغتين فيها .

فأخرج اللسان والقلب ، فقال له مولاه : أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما ، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما .

فقال لقمان : إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا ، ولا أخبث منهما إذا خبثا .

وقال شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد : كان لقمان عبدا صالحا ، ولم يكن نبيا .

وقال الأعمش : قال مجاهد : كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين ، مشقق القدمين .

وقال حكام بن سلم ، عن سعيد الزبيدي ، عن مجاهد : كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا غليظ الشفتين ، مصفح القدمين ، قاضيا على بني إسرائيل .

وذكر غيره : أنه كان قاضيا على بني إسرائيل في زمن داود ، عليه السلام .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا الحكم حدثنا عمرو بن قيس قال : كان لقمان ، عليه السلام ، عبدا أسود غليظ الشفتين ، مصفح القدمين ، فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم ، فقال له : ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا ، قال : نعم .

فقال : فما بلغ بك ما أرى ؟

قال : صدق الحديث ، والصمت عما لا يعنيني .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا صفوان ، حدثنا الوليد ، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد عن جابر قال : إن الله رفع لقمان الحكيم بحكمته ، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك ، فقال له : ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس ؟

قال : بلى .

قال : فما بلغ بك ما أرى ؟

قال : قدر الله ، وأداء الأمانة ، وصدق الحديث ، وتركي ما لا يعنيني .

فهذه الآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيا ، ومنها ما هو مشعر بذلك; لأن كونه عبدا قد مسه الرق ينافي كونه نبيا; لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها; ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيا ، وإنما ينقل كونه نبيا عن عكرمة - إن صح السند إليه ، فإنه رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم من حديث وكيع عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عكرمة فقال : كان لقمان نبيا .

وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي ، وهو ضعيف ، والله أعلم .

وقال عبد الله بن وهب : أخبرني عبد الله بن عياش القتباني ، عن عمر مولى غفرة قال : وقف رجل على لقمان الحكيم فقال : أنت لقمان ، أنت عبد بني الحسحاس ؟

قال : نعم .

قال : أنت راعي الغنم ؟

قال : نعم .

قال : أنت الأسود ؟

قال : أما سوادي فظاهر ، فما الذي يعجبك من أمري ؟

قال : وطء الناس بساطك ، وغشيهم بابك ، ورضاهم بقولك .

قال : يا بن أخي إن صغيت إلى ما أقول لك كنت كذلك .

قال لقمان : غضي بصري ، وكفي لساني ، وعفة طعمتي ، وحفظي فرجي ، وقولي بصدق ، ووفائي بعهدي ، وتكرمتي ضيفي ، وحفظي جاري ، وتركي ما لا يعنيني ، فذاك الذي صيرني إلى ما ترى .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن نفيل ، حدثنا عمرو بن واقد ، عن عبدة بن رباح ، عن ربيعة ، عن أبي الدرداء ، رضي الله عنه ، أنه قال يوما - وذكر لقمان الحكيم - فقال : ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال ، ولا حسب ولا خصال ، ولكنه كان رجلا صمصامة سكيتا ، طويل التفكر ، عميق النظر ، لم ينم نهارا قط ، ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخع ، ولا يبول ولا يتغوط ، ولا يغتسل ، ولا يعبث ولا يضحك ، وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد ، وكان قد تزوج وولد له أولاد ، فماتوا فلم يبك عليهم .

وكان يغشى السلطان ، ويأتي الحكام ، لينظر ويتفكر ويعتبر ، فبذلك أوتي ما أوتي .

وقد ورد أثر غريب عن قتادة ، رواه ابن أبي حاتم ، فقال : حدثنا أبي ، حدثنا العباس بن الوليد ، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي ، حدثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة قال : خير الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة ، فاختار الحكمة على النبوة .

قال : فأتاه جبريل وهو نائم فذر عليه الحكمة - أو : رش عليه الحكمة - قال : فأصبح ينطق بها .

قال سعيد : فسمعت عن قتادة يقول : قيل للقمان : كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك ؟

فقال : إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه ، ولكنت أرجو أن أقوم بها ، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة ، فكانت الحكمة أحب إلي .

فهذا من رواية سعيد بن بشير ، وفيه ضعف قد تكلموا فيه بسببه ، فالله أعلم .

والذي رواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، في قوله تعالى : ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) أي : الفقه في الإسلام ، ولم يكن نبيا ، ولم يوح إليه .

وقوله : ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) أي : الفهم والعلم والتعبير ، ( أن اشكر لله ) أي : أمرناه أن يشكر الله ، عز وجل ، على ما أتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل ، الذي خصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه .

ثم قال تعالى : ( ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ) أي : إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين لقوله تعالى : ( ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ) [ الروم : 44 ] .

وقوله : ( ومن كفر فإن الله غني حميد ) أي : غني عن العباد ، لا يتضرر بذلك ، ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعا ، فإنه الغني عمن سواه; فلا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا لقمان الفقه في الدين والعقل والإصابة في القول.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمان الحِكْمَةَ) قال: الفقه والعقل والإصابة في القول من غير نبوّة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ) أي الفقه في الإسلام، قال قَتادة: ولم يكن نبيا، ولم يوح إليه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن مجاهد في قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ) قال: الحكمة: الصواب، وقال غير أبي بشر: الصواب في غير النبوّة.

حدثنا ابن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد &; 20-135 &; أنه قال: كان لقمان رجلا صالحا، ولم يكن نبيا.

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي وابن حميد، قالا ثنا حكام، عن سعيد الزبيدي، عن مجاهد قال: كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضيا على بني إسرائيل.

حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: كان لقمان عبدا أسود، عظيم الشفتين، مشقَّق القدمين.

حدثني عباس بن محمد، قال: ثنا خالد بن مخلد، قال: ثنا سليمان بن بلال، قال: ثني يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: كان لقمان الحكيم أسود من سودان مصر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أشعث، عن عكرِمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدا حبشيا.

حدثنا العباس بن الوليد، قال: أخبرنا أبي، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثنا عبد الرحمن بن حرملة، قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأل، فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان: بِلال، ومهجِّع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم كان أسود نوبيا ذا مشافر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي الأشهب، عن خالد الربعي، قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، قال: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، فقال: أخرج أخبث مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما، فقال له لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرو بن قيس، قال: كان لقمان عبدا أسود، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، فأتاه رجل، وهو في مجلس أناس يحدّثهم، فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟

قال: نعم، قال: فما بلغ بك ما أرى؟

قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقمانَ الحِكْمَةَ) قال: القرآن.

قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الحكمة: الأمانة.

وقال آخرون: كان نبيا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرِمة، قال: كان لقمان نبيا.

وقوله: (أنِ اشْكُرْ لِلهِ) يقول تعالى ذكره: (ولقد آتينا لقمان الحكمة)، أن احمد الله على ما آتاك من فضله، وجعل قوله: (أنِ اشكُرْ) ترجمة عن الحكمة؛ لأن من الحكمة التي كان أوتيها، كان شكره الله على ما آتَاهُ، وقوله: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) يقول: ومن يشكر الله على نعمه عنده فإنما يشكر لنفسه، لأن الله يجزل له على شكره إياه الثواب، وينقذه به من الهلكة (وَمَن كَفَرَ فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) يقول: ومن كفر نعمة الله عليه إلى نفسه أساء؛ لأن الله معاقبه على كفرانه إياه، والله غنيّ عن شكره إياه على نعمه، لا حاجة به إليه، لأن شكره إياه لا يزيد في سلطانه، ولا ينقص كفرانه إياه من ملكه.

ويعني بقوله: (حَمِيدٌ) محمود على كلّ حال، له الحمد على نعمه، كفر العبد نعمته أو شكره عليها، وهو مصروف من مفعول إلى فعيل.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد .قوله تعالى : ولقد آتينا لقمان الحكمة مفعولان .

ولم ينصرف لقمان لأن في آخره ألفا ونونا زائدتين ; فأشبه فعلان الذي أنثاه فعلى فلم ينصرف في المعرفة ; لأن ذلك ثقل [ ص: 56 ] ثان ، وانصرف في النكرة لأن أحد الثقلين قد زال ; قاله النحاس .

وهو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارح ، وهو آزر أبو إبراهيم ; كذا نسبه محمد بن إسحاق .

وقيل : هو لقمان بن عنقاء بن سرون وكان نوبيا من أهل أيلة ; ذكره السهيلي .

قال وهب : كان ابن أخت أيوب .

وقال مقاتل : ذكر أنه كان ابن خالة أيوب .

الزمخشري : وهو لقمان بن باعوراء بن أخت أيوب أو ابن خالته .

وقيل كان من أولاد آزر ، عاش ألف سنة وأدركه داود عليه الصلاة والسلام وأخذ عنه العلم ، وكان يفتي قبل مبعث داود ، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له ، فقال : ألا أكتفي إذ كفيت ؟

وقال الواقدي : كان قاضيا في بني إسرائيل .

وقال سعيد بن المسيب : كان لقمان أسود من سودان مصر ذا مشافر ، أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة ; وعلى هذا جمهور أهل التأويل أنه كان وليا ولم يكن نبيا .

وقال بنبوته عكرمة والشعبي ; وعلى هذا تكون الحكمة النبوة .

والصواب أنه كان رجلا حكيما بحكمة الله تعالى - وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعقل - قاضيا في بني إسرائيل ، أسود مشقق الرجلين ذا مشافر ، أي عظيم الشفتين ; قاله ابن عباس وغيره .وروي من حديث ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين ، أحب الله تعالى فأحبه ، فمن عليه بالحكمة ، وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق ; فقال : رب ، إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء ، وإن عزمت علي فسمعا وطاعة فإنك ستعصمني " ذكره ابن عطية .

وزاد الثعلبي : " فقالت له الملائكة بصوت لا يراهم : لم يا لقمان ؟

قال : لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها ، يغشاه المظلوم من كل مكان ، إن يعن فبالحري أن ينجو ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة .

ومن يكن في الدنيا ذليلا فذلك خير من أن يكون فيها شريفا .

ومن يختر الدنيا على الآخرة نفته الدنيا ولا يصيب الآخرة .

فعجبت الملائكة من حسن منطقه ; فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها .

ثم نودي داود بعده فقبلها - يعني الخلافة - ولم يشترط ما اشترطه لقمان ، فهوى في الخطيئة غير مرة ، كل ذلك يعفو الله عنه .

وكان لقمان يوازره بحكمته ; فقال له داود : طوبى لك يا لقمان !

أعطيت الحكمة وصرف عنك البلاء ، وأعطي داود الخلافة وابتلي بالبلاء والفتنة " .

وقال قتادة : خير الله تعالى لقمان بين النبوة والحكمة ; فاختار [ ص: 57 ] الحكمة على النبوة ; فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم فذر عليه الحكمة فأصبح وهو ينطق بها ; فقيل له : كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك ؟

فقال : إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيها العون منه ، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة ، فكانت الحكمة أحب إلي .واختلف في صنعته ; فقيل : كان خياطا ; قاله سعيد بن المسيب ، وقال لرجل أسود : لا تحزن من أنك أسود ، فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان : بلال ومهجع مولى عمر ولقمان .

وقيل : كان يحتطب كل يوم لمولاه حزمة حطب .

وقال لرجل ينظر إليه : إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق ، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض .

وقيل : كان راعيا ، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال له : ألست عبد بني فلان ؟

قال : بلى .

قال : فما بلغ بك ما أرى ؟

قال : قدر الله ، وأدائي الأمانة ، وصدق الحديث ، وترك ما لا يعنيني ; قاله عبد الرحمن بن زيد بن جابر .

وقال خالد الربعي : كان نجارا ; فقال له سيده : اذبح لي شاة وأتني بأطيبها مضغتين ; فأتاه باللسان والقلب ; فقال له : ما كان فيها شيء أطيب من هذين ؟

فسكت ، ثم أمره بذبح شاة أخرى ثم قال له : ألق أخبثها مضغتين ; فألقى اللسان والقلب ; فقال له : أمرتك أن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب ، وأمرتك أن تلقي أخبثها فألقيت اللسان والقلب ؟

!

فقال له : إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ، ولا أخبث منهما إذا خبثا .قلت : هذا معناه مرفوع في غير ما حديث ; من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب .

وجاء في اللسان آثار كثيرة صحيحة وشهيرة ; منها قوله عليه السلام : من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة : ما بين لحييه ورجليه .

.

الحديث .

وحكم لقمان كثيرة مأثورة هذا منها .

وقيل له : أي الناس شر ؟

قال : الذي لا يبالي أن رآه الناس مسيئا[ ص: 58 ] .

قلت : وهذا أيضا مرفوع معنى ، قال صلى الله عليه وسلم : كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه .

رواه أبو هريرة خرجه البخاري .

وقال وهب بن منبه : قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب .

وروي أنه دخل على داود عليه السلام وهو يسرد الدروع ، وقد لين الله له الحديد كالطين فأراد أن يسأله ، فأدركته الحكمة فسكت ; فلما أتمها لبسها وقال : نعم لبوس الحرب أنت .

فقال : الصمت حكمة ، وقليل فاعله .

فقال له داود : بحق ما سميت حكيما .قوله تعالى : أن اشكر لله فيه تقديران : أحدهما أن تكون أن بمعنى أي مفسرة ; أي قلنا له اشكر .

والقول الآخر إنها في موضع نصب والفعل داخل في صلتها ; كما حكى سيبويه : كتبت إليه أن قم ; إلا أن هذا الوجه عنده بعيد .

وقال الزجاج : المعنى ولقد آتينا لقمان الحكمة لأن يشكر الله تعالى .

وقيل : أي بأن اشكر لله تعالى فشكر ; فكان حكيما بشكره لنا .

والشكر لله : طاعته فيما أمر به .

وقد مضى القول في حقيقته لغة ومعنى في ( البقرة ) وغيرها .

ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه أي من يطع الله تعالى فإنما يعمل لنفسه ; لأن نفع الثواب عائد إليه .

ومن كفر أي كفر النعم فلم يوحد الله فإن الله غني عن عبادة خلقه حميد عند الخلق ; أي محمود .

وقال يحيى بن سلام : غني عن خلقه حميد في فعله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن امتنانه على عبده الفاضل لقمان، بالحكمة، وهي العلم [بالحق] على وجهه وحكمته، فهي العلم بالأحكام، ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام، فقد يكون الإنسان عالما، ولا يكون حكيما.وأما الحكمة، فهي مستلزمة للعلم، بل وللعمل، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع، والعمل الصالح.ولما أعطاه اللّه هذه المنة العظيمة، أمره أن يشكره على ما أعطاه، ليبارك له فيه، وليزيده من فضله، وأخبره أن شكر الشاكرين، يعود نفعه عليهم، وأن من كفر فلم يشكر اللّه، عاد وبال ذلك عليه.

والله غني [عنه] حميد فيما يقدره ويقضيه، على من خالف أمره، فغناه تعالى، من لوازم ذاته، وكونه حميدا في صفات كماله، حميدا في جميل صنعه، من لوازم ذاته، وكل واحد من الوصفين، صفة كمال، واجتماع أحدهما إلى الآخر، زيادة كمال إلى كمال.واختلف المفسرون، هل كان لقمان نبيا، أو عبدا صالحا؟

واللّه تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدل على حكمته في وعظه لابنه، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) يعني : العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور .

قال محمد بن إسحاق : وهو لقمان بن ناعور بن ناحور بن تارخ وهو آزر .

وقال وهب : كان ابن أخت أيوب ، وقال مقاتل : ذكر أنه كان ابن خالة أيوب .

قال الواقدي : كان قاضيا في بني إسرائيل .

واتفق العلماء على أنه كان حكيما ، ولم يكن نبيا ، إلا عكرمة فإنه قال : كان لقمان نبيا .

وتفرد بهذا القول .

وقال بعضهم : خير لقمان بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة .

وروي أنه كان نائما نصف النهار فنودي : يا لقمان ، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض لتحكم بين الناس بالحق ؟

فأجاب الصوت فقال : إن خيرني ربي قبلت العافية ، ولم أقبل البلاء ، وإن عزم علي فسمعا وطاعة ، فإني أعلم إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني ، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم : لم يا لقمان ؟

قال : لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها ، يغشاها الظلم من كل مكان أن يعدل فبالحري أن ينجو ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة ، ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن يكون شريفا ، ومن يختر الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولا يصيب الآخرة .

فعجبت الملائكة من حسن منطقه ، فنام نومة فأعطي الحكمة ، فانتبه وهو يتكلم بها ، ثم نودي داود بعده فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان ، فهوى في الخطيئة غير مرة ، كل ذلك يعفو الله عنه ، وكان لقمان يؤازره بحكمته .

وعن خالد الربعي قال : كان لقمان عبدا حبشيا نجارا .

وقال سعيد بن المسيب : كان خياطا .

وقيل : كان راعي غنم .

فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال : ألست فلانا الراعي فبم بلغت ما بلغت ؟

قال : بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وترك ما لا يعنيني .

وقال مجاهد : كان عبدا أسود عظيم الشفتين ومشقق القدمين .

قوله - عز وجل - : ( أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد آتينا لقمان الحكمة» منها العلم والديانة والإصابة في القول، وحكمه كثيرة مأثورة، كان يفتي قبل بعثة داود وأدرك بعثته وأخذ عنه العلم وترك الفتيا وقال في ذلك: ألا أكتفي إذا كفيت، وقيل له أي الناس شر؟

قال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئاً «أن» أي وقلنا له أن «أشكر لله» على ما أعطاك من الحكمة «ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه» لأن ثواب شكره له «ومن كفر» النعمة «فإن الله غني» عن خلقه «حميد» محمود في صنعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد أعطينا عبدًا صالحًا من عبادنا (وهو لقمان) الحكمة، وهي الفقه في الدين وسلامة العقل والإصابة في القول، وقلنا له: اشكر لله نِعَمَه عليك، ومَن يشكر لربه فإنما يعود نَفْع ذلك عليه، ومن جحد نِعَمَه فإن الله غني عن شكره، غير محتاج إليه، له الحمد والثناء على كل حال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - على لسان عبد صالح من عباده ، جملة من الوصايا الحكيمة ، لتكون عظة وعبر للناس ، فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ .

.

.

الأصوات لَصَوْتُ الحمير ) .قال ابن كثير - رحمه الله - : اختلف السلف فى لقمان ، هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟

والأكثرون على أنه لم يكن نبيا .وعن ابن عباس وغيره : كان لقمان عبدا حبشا نجارا .

.

.قال له مولاه : اذبح لنا شاة وجئنى بأخبث ما فيها؟

فذبحها وجهاءه بلسانها وقلبها .

ثم قال له مرة ثانية : اذبح لنا شاة وجئنى بأحسن ما فيها؟

فذبحها وجاءه - أيضاً بقلبها ولسانها ، فقال له مولاه ما هذا؟

فقال لقمان : إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا ، وليس من شئ أخبث منها إذا خبثا .وقال له رجل : ألست عبد فلان؟

فما الذى بلغ بك ما أرى من الحكمة؟

فقال لقمان : قدر الله وأداء الأمانة ، وصدق الحديث ، وتركى مالا يعنينى .ومن أقواله لابنه : يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة ، يأتك الربح من غير بضاعة .

يا بنى ، لا تكن اعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار ، وأنت نائم على فراشك ، با بنى ، اعتزل الشر كما يعتزلك ، فإن الشر للشر خلق .يا بنى ، عليك بمجالس العلماء ، وبسماع كلام الحكماء ، فإن الله - تعالى - يحيى القلب الميت بنور الحكمة .يا بنى ، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها ، واستقبلت الآخرة ، ودار أنت إليها تسير ، أقرب من دار أنت عنها ترتحل .وقال الآلوسى ما ملخصه : ولقمان : اسم أعجمى لا عربى وهو ابن باعوراء .

قيل : كان فى زمان داود - عليه السلام - وقيل : كان زمانه بين عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام - .ثم قال الآلوسى : وإنى اختار أنه كان رجلا صالحا حكيما ، ولم يكن نبيا .وقوله - سبحانه - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة ) كلام مستانف مسوق لإِبطال الإِشراك بالله - تعالى - عن طرق النقل ، بعد بيان إبطال عن طريق العقل ، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك : ( هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ .

.

.

) والحكمة : اكتساب العلم النافع والعمل به .

و هى : العقل والفهم .

أو هى الإِصافة فى القول والعمل .والمعنى : والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به .وقوله - سبحانه - ( أَنِ اشكر للَّهِ ) بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة .

أى : أتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها .قال الشوكانى : قوله : ( أَنِ اشكر للَّهِ ) أن هى المفسرة : لأن فى إيتاء الحكمة معنى القول .

وقيل التقدير : قلنا له أن اشكر لى .

.

وقيل : بأن اشكر لى فشكر ، فكان حكيما بشكره .والشكر لله : الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقت له - ، وطاعته فيما أمر به .ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال : ( وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) .أى : ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه ، فإن نفع شكره إنما يعود إليه ، ومن جحد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإِيمان ، فالله - تنعالى - غنى عنه وعن غيره ، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإِنعامه عليهم بالنعم التى لا تعد ولا تحصى : فحميد بمعنى محمود .فالجملة الكريمة المقصود بها ، بيان غنى الله - تعالى - عن خلقه ، وعدم انتفاعهم بطاعتهم ، لأن منفعتها راجعة إليهم ، وعدم تضرره بمعصيتهم .

وإنما ضرر ذلك يعود عليهم .

وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع ، للإِشارة إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله - تعالى - ، وإذا ما غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت ، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره .وعبر فى جانب الكفر بالفعل الماضى ، للإِشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من أى عاقل ، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما ، وأن يجعله فى خبر كان .وجواب الشرط محذوف ، وقد قام مقامه قوله - تعالى - : ( فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) والتقدير : ومن كفر فضرر كفره راجع إليه .

لأن الله - تعالى - غنى حميد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة أَنِ اشكر للَّهِ ﴾ لما بين الله فساد اعتقادهم بسبب عنادهم بإشراك من لا يخلق شيئاً بمن خلق كل شيء بقوله: ﴿ هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ ﴾ وبين أن المشرك ظالم ضال، ذكر ما يدل على أن ضلالهم وظلمهم بمقتضى الحكمة وإن لم يكن هناك نبوة وهذا إشارة إلى معنى، وهو أن اتباع النبي عليه السلام لازم فيما لا يعقل معناه إظهاراً للتعبد فكيف ما لا يختص بالنبوة، بل يدرك بالعقل معناه وما جاء به النبي عليه السلام مدرك بالحكمة وذكر حكاية لقمان وأنه أدركه بالحكمة وقوله: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة ﴾ عبارة عن توفيق العمل بالعلم، فكل من أوتي توفيق العمل بالعلم فقد أوتي الحكمة، وإن أردنا تحديدها بما يدخل فيه حكمة الله تعالى، فنقول حصول العمل على وفق المعلوم، والذي يدل على ما ذكرنا أن من تعلم شيئاً ولا يعلم مصالحه ومفاسده لا يسمى حكيماً وإنما يكون مبخوتاً، ألا ترى أن من يلقي نفسه من مكان عال ووقع على موضع فانخسف به وظهر له كنز وسلم لا يقال إنه حكيم، وإن ظهر لفعله مصلحة وخلو عن مفسدة، لعدم علمه به أولاً، ومن يعلم أن الإلقاء فيه إهلاك النفس ويلقي نفسه من ذلك المكان وتنكسر أعضاؤه لا يقال إنه حكيم وإن علم ما يكون في فعله، ثم الذي يدل على ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿ أَنِ اشكر للَّهِ ﴾ فإن أن في مثل هذا تسمى المفسرة ففسر الله إيتاء الحكمة بقوله: ﴿ أَنِ اشكر للَّهِ ﴾ وهو كذلك، لأن من جملة ما يقال إن العمل موافق للعلم، لأن الإنسان إذا علم أمرين أحدهما أهم من الآخر، فإن اشتغل بالأهم كان عمله موافقاً لعلمه وكان حكمة، وإن أهمل الأهم كان مخالفاً للعلم ولم يكن من الحكمة في شيء، لكن شكر الله أهم الأشياء فالحكمة أول ما تقتضي، ثم إن الله تعالى بين أن بالشكر لا ينتفع إلا الشاكر بقوله: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ وبين أن بالكفران لا يتضرر غير الكافر بقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ حَمِيدٌ ﴾ أي الله غير محتاج إلى شكر حتى يتضرر بكفران الكافر وهو في نفسه محمود سواء شكره الناس أو لم يشكروه، وفي الآية مسائل ولطائف الأولى: فسر الله إيتاء الحكمة بالأمر بالشكر، لكن الكافر والجاهل مأموران بالشكر فينبغي أن يكون قد أوتي الحكمة والجواب: أن قوله تعالى: ﴿ أَنِ اشكر للَّهِ ﴾ أمر تكوين معناه آتيناه الحكمة بأن جعلناه من الشاكرين، وفي الكافر الأمر بالشكر أمر تكليف.

المسألة الثانية: قال في الشكر ﴿ ومن يشكر ﴾ بصيغة المستقبل، وفي الكفران ﴿ ومن كفر فإن الله غني ﴾ ، وإن كان الشرط يجعل الماضي والمستقبل في معنى واحد، كقول القائل: من دخل داري فهو حر، ومن يدخل داري فهو حر، فنقول فيه إشارة إلى معنى وإرشاد إلى أمر، وهو أن الشكر ينبغي أن يتكرر في كل وقت لتكرر النعمة، فمن شكر ينبغي أن يكرر، والكفر ينبغي أن ينقطع فمن كفر ينبغي أن يترك الكفران، ولأن الشكر من الشاكر لا يقع بكماله، بل أبداً يكون منه شيء في العدم يريد الشاكر إدخاله في الوجود، كما قال: ﴿ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَك  ﴾ وكما قال تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا  ﴾ فأشار إليه بصيغة المستقبل تنبيهاً على أن الشكر بكماله لم يوجد وأما الكفران فكل جزء يقع منه تام، فقال بصيغة الماضي.

المسألة الثالثة: قال تعالى هنا: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ ﴾ بتقديم الشكر على الكفران، وقال في سورة الروم: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالحا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُون  ﴾ فنقول هناك كان الذكر للترهيب لقوله تعالى من قبل: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ القيم مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُون  ﴾ وهاهنا الذكر للترغيب، لأن وعظ الأب للابن يكون بطريق اللطف والوعد، وقوله: ﴿ وَمَنْ عَمِلَ صالحا ﴾ يحقق ما ذكرنا أولاً، لأن المذكور في سورة الروم لما كان بعد اليوم الذي لا مرد له تكون الأعمال قد سبقت فقال بلفظ الماضي ومن عمل، وهاهنا لما كان المذكور في الابتداء قال: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ ﴾ بلفظ المستقبل وقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ ﴾ عن حمد الحامدين، حميد في ذاته من غير حمدهم، وإنما الحامد ترتفع مرتبته بكونه حامداً لله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هو لقمان بن باعورا: ابن أخت أيوب أو ابن خالته.

وقيل: كان من أولاد آزر، وعاش ألف سنة، وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود عليه السلام، فلما بعث قطع الفتوى، فقيل له؟

فقال: ألا أكتفي إذا كفيت؟

وقيل: كان قاضياً في بني إسرائيل، وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً، ولكن كان راعياً أسود، فرزقه الله العتق، ورضي قوله ووصيته، فقص أمره في القرآن لتمسكوا بوصيته.

وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً.

وقيل: خيّر بين النبوّة والحكمة فاختار الحكمة.

وعن ابن المسيب: كان أسود من سودان مصر خياطاً، وعن مجاهد: كان عبداً أسود غليظ الشفتين متشقق القدمين.

وقيل: كان نجاراً.

وقيل: كان راعياً وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة.

وعنه أنه قال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض.

وروي أن رجلاً وقف عليه في مجلسه فقال: ألست الذي ترعى معي في مكان كذا؟

قال: بلى.

قال ما بلغ بك ما أرى؟

قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني.

وروي أنه دخل على داود عليه السلام وهو يسرد الدرع وقد لين الله له الحديد كالطين، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت.

فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله، فقال له داود: بحق ما سميت حكيماً.

وروي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين، فأخرج اللسان والقلب، ثم أمره بمثل ذلك بعد أيام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب، فسأله عن ذلك؟

فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا.

وعن سعيد بن المسيب أنه قال لأسود: لا تحزن، فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان: بلال ومهجع مولى عمر، ولقمان.

﴿ أن ﴾ هي المفسرة، لأنّ إيتاء الحكمة في معنى القول، وقد نبه الله سبحانه على أنّ الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي: هو العمل بهما وعبادة الله والشكر له، حيث فسر إيتاء الحكمة بالبعث على الشكر ﴿ غَنِىٌّ ﴾ غير محتاج إلى الشكر ﴿ حَمِيدٌ ﴾ حقيق بأن يحمد وإن لم يحمده أحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ يَعْنِي لُقْمانَ بْنَ باعُوراءَ مِن أوْلادِ آزَرَ ابْنِ أُخْتِ أيُّوبَ أوْ خالَتِهِ، وعاشَ حَتّى أدْرَكَ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأخَذَ مِنهُ العِلْمَ وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ كانَ حَكِيمًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.

والحِكْمَةُ في عُرْفِ العُلَماءِ: اسْتِكْمالُ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ بِاقْتِباسِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، واكْتِسابِ المَلَكَةِ التّامَّةِ عَلى الأفْعالِ الفاضِلَةِ عَلى قَدْرِ طاقَتِها.

ومِن حِكْمَتِهِ أنَّهُ صَحِبَ داوُدَ شُهُورًا وكانَ يَسْرُدُ الدِّرْعَ فَلَمْ يَسْألْهُ عَنْها فَلَمّا أتَمَّها لَبِسَها وقالَ: نِعْمَ لَبُوسُ الحَرْبِ أنْتَ فَقالَ: الصَّمْتُ حُكْمٌ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ، وأنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ يَوْمًا كَيْفَ أصْبَحْتَ فَقالَ أصْبَحْتُ في يَدِي غَيْرِي، فَتَفَكَّرَ داوُدُ فِيهِ فَصُعِقَ صَعْقَةً.

وأنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَذْبَحَ شاةً ويَأْتِيَ بِأطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ مِنها فَأتى بِاللِّسانِ والقَلْبِ، ثُمَّ بَعْدَ أيّامٍ أمَرَهُ بِأنْ يَأْتِيَ بِأخْبَثِ مُضْغَتَيْنِ مِنها فَأتى بِهِما أيْضًا فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هُما أطْيَبُ شَيْءٍ إذا طابا وأخْبَثُ شَيْءٍ إذا خَبُثا.

﴿ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ لِأنَّ أشْكُرَ أوْ أيْ أشْكُرُ فَإنَّ إيتاءَ الحِكْمَةِ في مَعْنى القَوْلِ.

﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ لِأنَّ نَفْعَهُ عائِدٌ إلَيْها وهو دَوامُ النِّعْمَةِ واسْتِحْقاقُ مَزِيدِها.

﴿ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ ﴾ لا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ.

﴿ حَمِيدٌ ﴾ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ وإنْ لَمْ يُحْمَدْ، أوْ مَحْمُودٌ يَنْطِقُ بِحَمْدِهِ جَمِيعُ مَخْلُوقاتِهِ بِلِسانِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولقد آتينا لقمان الحكمة} وهو لقمان بن باعوراء بن أخت أيوب أو ابن خالته وقيل كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعث داود عليه السلام فلما بعث قطع الفتوى فقيل له فقال ألا أكتفي إذا كفيت وقيل كان خياطاً وقيل نجاراً وقيل راعياً وقيل كان قاضياً في بني إسرائيل وقال عكرمة والشعبي كان نبياً والجمهور على أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً وقيل خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة وهي الإصابة في القول والعمل وقيل تتلمذ لألف نبى وتتلمذ له ألف نبى وأن في {أَنِ اشكر للَّهِ} مفسرة والمعنى أي اشكر لله لأن إيتاء الحكمة في معنى القول وقد نبه الله تعالى على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما وعبادة الله والشكر له حيث فسر إيتاء الحكمة بالحث على الشكر وقيل لا يكون الرجل حكيماً حتى يكون حكيما فى قوله وفعل ومعاشرته وصحبه وقال السرى السقطى الشكر أن لا

نعصى الله بنعمه وقال الجنيد أن لا ترى معه شريكاً في نعمه وقيل هو الإقرار بالعجز عن الشكر والحاصل أن شكرالقلب المعرفة وشكر اللسان الحمد وشكر الأركان الطاعة ورؤية العجز فى الشكل دليل قبول الكل {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لأن منفعته تعود إليه فهو يريد المزيد {وَمَن كَفَرَ} النعمة {فَإِنَّ الله غَنِىٌّ} غير محتاج إلى الشكر {حَمِيدٌ} حقيق بأن يحمدو ان لم يحمده أحد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ الشِّرْكِ بِالنَّقْلِ بَعْدَ الإشارَةِ إلى بُطْلانِهِ بِالعَقْلِ.

ولُقْمانُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّقَمِ، وهو عَلى ما قِيلَ: ابْنُ باعُوراءَ قالَ وهْبٌ: وكانَ ابْنَ أُخْتِ أيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ ابْنَ خالَتِهِ، وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّهَيْلِيُّ: هو ابْنُ عَنْقا بْنِ سَرُّونَ، وقِيلَ: كانَ مِن أوْلادِ آزَرَ، وعاشَ ألْفَ سَنَةٍ، وأدْرَكَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخَذَ مِنهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمّا بُعِثَ قَطَعَ الفَتْوى، فَقِيلَ لَهُ فَقالَ: ألا أكْتَفِي إذا كُفِيتُ، وقِيلَ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الواقِدِيِّ إلّا أنَّهُ قالَ: وكانَ زَمانُهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ، وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ كانَ نَبِيًّا، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ كانَ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.

واخْتُلِفَ فِيهِ، أكانَ حُرًّا أوْ عَبْدًا؟

والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ كانَ عَبْدًا.

واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: كانَ حَبَشِيًّا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.

وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وذَكَرَ مُجاهِدٌ في وصْفِهِ أنَّهُ كانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مُصَفَّحَ القَدَمَيْنِ، وقِيلَ: كانَ نُوبِيًّا مُشَقَّقَ الرِّجْلَيْنِ ذا مَشافِرَ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ما انْتَهى إلَيْكم مِن شَأْنِ لُقْمانَ ؟

قالَ: كانَ قَصِيرًا أفْطَسَ مِنَ النُّوبَةِ، وأخْرَجَ هُوَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: إنَّ لُقْمانَ كانَ أسْوَدَ مِن سُودانِ مِصْرَ ذا مَشافِرَ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى الحِكْمَةَ، ومَنَعَهُ النُّبُوَّةَ.

واخْتُلِفَ فِيما كانَ يُعانِيهِ مِنَ الأشْغالِ، فَقالَ خالِدُ بْنُ الرَّبِيعِ: كانَ نَجّارًا بِالرّاءِ، وفي مَعانِي الزَّجّاجِ: كانَ نَجّادًا بِالدّالِ، وهو عَلى وزْنِ كَتّانٍ مَن يُعالِجُ الفَرْشَ والوَسائِدَ ويَخِيطُهُما.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ كانَ خَيّاطًا، وهو أعَمُّ مِنَ النَّجّادِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ راعِيًا، وقِيلَ: كانَ يَحْتَطِبُ لِمَوْلاهُ كُلَّ يَوْمٍ حُزْمَةً، ولا وُثُوقَ لِي بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الأخْبارِ، وإنَّما نَقَلْتُها تَأسِّيًا بِمَن نَقَلَها مِنَ المُفَسِّرِينَ الأخْيارِ، غَيْرَ أنِّي أخْتارُ أنَّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا حَكِيمًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.

( والحِكْمَةُ ) عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العَقْلُ والفَهْمُ والفِطْنَةُ.

وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها العَقْلُ، والفِقْهُ، والإصابَةُ في القَوْلِ، وقالَ الرّاغِبُ: هي مَعْرِفَةُ المَوْجُوداتِ، وفِعْلُ الخَيْراتِ، وقالَ الإمامُ: هي عِبارَةٌ عَنْ تَوْفِيقِ العَمَلِ بِالعِلْمِ، ثُمَّ قالَ: وإنْ أرَدْنا تَحْدِيدًا بِما يَدْخُلُ فِيهِ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى فَنَقُولُ: حُصُولُ العَمَلِ عَلى وفْقِ المَعْلُومِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هي المَنطِقُ الَّذِي يَتَّعِظُ بِهِ، ويَتَنَبَّهُ، ويَتَناقَلُهُ النّاسُ لِذَلِكَ، وقِيلَ: إتْقانُ الشَّيْءِ عِلْمًا وعَمَلًا، وقِيلَ: كَمالٌ حاصِلٌ بِاسْتِكْمالِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ بِاقْتِباسِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، واكْتِسابِ المَلَكَةِ التّامَّةِ عَلى الأفْعالِ الفاضِلَةِ عَلى قَدْرِ طاقَتِها، وفَسَّرَها كَثِيرٌ مِنَ الحُكَماءِ بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ.

ولَهم تَفْسِيراتٌ أُخَرُ، وما لَها وما عَلَيْها مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ مَذْكُورانِ في كُتُبِهِمْ، ومِن حِكْمَتِهِ قَوْلُهُ لِابْنِهِ: أيْ بُنَيَّ، إنَّ الدُّنْيا بَحْرٌ عَمِيقٌ، وقَدْ غَرِقَ فِيها ناسٌ كَثِيرٌ، فاجْعَلْ سَفِينَتَكَ فِيها تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وحَشَوْها الإيمانَ، وشِراعَها التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى، لَعَلَّكَ أنْ تَنْجُوَ، ولا أُراكَ ناجِيًا، وقَوْلُهُ: مَن كانَ لَهُ مِن نَفْسِهِ واعِظٌ كانَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حافِظٌ، ومَن أنْصَفَ النّاسَ مِن نَفْسِهِ زادَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ عِزًّا، والذُّلُّ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أقْرَبُ مِنَ التَّعَزُّزِ بِالمَعْصِيَةِ، وقَوْلُهُ: ضَرْبُ الوالِدِ لِوَلَدِهِ كالسِّمادِ لِلزَّرْعِ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ إيّاكَ والدَّيْنَ، فَإنَّهُ ذُلُّ النَّهارِ، وهَمُّ اللَّيْلِ، وقَوْلُهُ يا بُنَيَّ ارْجُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ رَجاءً لا يُجْرِيكَ عَلى مَعْصِيَتِهِ تَعالى، وخِفِ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَوْفًا لا يُؤْيِسَكَ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقَوْلُهُ: مَن كَذَبَ ذَهَبَ ماءُ وجْهِهِ، ومَن ساءَ خُلُقُهُ كَثُرَ غَمُّهُ، ونَقْلُ الصُّخُورِ مِن مَواضِعِها أيْسَرُ مِن إفْهامِ مَن لا يَفْهَمُ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ حَمَلْتُ الجَنْدَلَ والحَدِيدَ وكُلَّ شَيْءٍ ثَقِيلٍ فَلَمْ أحْمِلْ شَيْئًا هو أثْقَلُ مِن جارِ السُّوءِ، وذُقْتُ المَرارَ فَلَمْ أذُقْ شَيْئًا هو أمَرُّ مِنَ الفَقْرِ، يا بُنَيَّ لا تُرْسِلْ رَسُولَكَ جاهِلًا، فَإنْ لَمْ تَجِدْ حَكِيمًا فَكُنْ رَسُولَ نَفْسِكَ، يا بُنَيَّ إيّاكَ والكَذِبَ، فَإنَّهُ شَهِيٌّ كَلَحْمِ العُصْفُورِ عَمّا قَلِيلٍ يَغْلِي صاحِبُهُ، يا بُنَيَّ احْضُرِ الجَنائِزَ ولا تَحْضُرِ العُرْسَ، فَإنَّ الجَنائِزَ تُذَكِّرُكَ الآخِرَةَ والعُرْسَ يُشَهِّيكَ الدُّنْيا، يا بُنَيَّ لا تَأْكُلْ شِبَعًا عَلى شِبَعٍ، فَإنَّ إلْقاءَكَ إيّاهُ لِلْكَلْبِ خَيْرٌ مِن أنْ تَأْكُلَهُ، يا بُنَيَّ لا تَكُنْ حُلْوًا فَتُبْلَعَ، ولا مُرًّا فَتُلْفَظَ، وقَوْلُهُ لِابْنِهِ: لا يَأْكُلْ طَعامَكَ إلّا الأتْقِياءُ، وشاوِرْ في أمْرِكَ العُلَماءَ، وقَوْلُهُ: لا خَيْرَ في أنْ تَتَعَلَّمَ ما لَمْ تَعْلَمْ، ولَمّا تَعْمَلُ بِما قَدْ عَلِمْتَ فَإنَّ مِثْلَ ذَلِكَ رَجُلٌ احْتَطَبَ حَطَبًا فَحَمَلَ حُزْمَةً وذَهَبَ يَحْمِلُها فَعَجَزَ عَنْها، فَضَمَّ إلَيْها أُخْرى، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ إذا أرَدْتَ أنْ تُؤاخِيَ رَجُلًا فَأغْضِبْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإنْ أنْصَفَكَ عِنْدَ غَضَبِهِ، وإلّا فاحْذَرْهُ، وقَوْلُهُ: لِتَكُنْ كَلِمَتُكَ طَيِّبَةً، ولْيَكُنْ وجْهُكَ بَسْطًا تَكُنْ أحَبَّ إلى النّاسِ مِمَّنْ يُعْطِيهِمُ العَطاءَ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ أنْزِلْ نَفْسَكَ مِن صاحِبِكَ مَنزِلَةَ مَن لا حاجَةَ لَهُ بِكَ، ولا بُدَّ لَكَ مِنهُ، يا بُنَيَّ كُنْ كَمَن لا يَبْتَغِي مَحْمَدَةَ النّاسِ، ولا يَكْسِبُ ذَمَّهُمْ، فَنَفْسُهُ مِنهُ في عَناءٍ، والنّاسُ مِنهُ في راحَةٍ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ امْتَنِعْ بِما يَخْرُجُ مِن فِيكَ فَإنَّكَ ما سَكَتَّ سالِمٌ، وإنَّما يَنْبَغِي لَكَ مِنَ القَوْلِ ما يَنْفَعُكَ.

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى، ﴿ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ أيْ أيِ اشْكُرْ، عَلى أنَّ ( أنْ ) تَفْسِيرِيَّةٌ، وما بَعْدَها تَفْسِيرٌ لِإيتاءِ الحِكْمَةِ، وفِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، سَواءٌ كانَ بِإلْهامٍ، أوْ وحْيٍ، أوْ تَعْلِيمٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْحِكْمَةِ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ الأمْرُ، وجَعَلَ الزَّجّاجُ ( أنْ ) مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ اللّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ، ولا يَفُوتُ مَعْنى الأمْرِ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ.

وحَكى سِيبَوَيْهِ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ (بِآياتِنا)، وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً بِلا تَقْدِيرٍ، عَلى أنَّ المَصْدَرَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الحِكْمَةِ، وهو بَعِيدٌ، ﴿ ومَن يَشْكُرْ ﴾ إلَخِ، اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ بِالأمْرِ أيْ ومَن يَشْكُرُ لَهُ تَعالى ﴿ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ لِأنَّ نَفْعَهُ مِنِ ارْتِباطِ القَيْدِ واسْتِجْلابِ المَزِيدِ والفَوْزِ بِجَنَّةِ الخُلُودِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها، ﴿ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ ﴾ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ لِيَتَضَرَّرَ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ ﴿ حَمِيدٌ ﴾ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ، أوْ مَحْمُودٌ بِالفِعْلِ يَنْطِقُ بِحَمْدِهِ تَعالى جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ بِلِسانِ الحالِ، فَحَمِيدٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَحْمُودٍ عَلى الوَجْهَيْنِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَشْكُورًا لِما أنَّ الحَمْدَ مُتَضَمِّنٌ لِلشُّكْرِ بَلْ هو رَأْسُهُ كَما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ تَعالى عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ»» فَإثْباتُهُ لَهُ تَعالى إثْباتٌ لِلشُّكْرِ لَهُ قَطْعًا، وفي اخْتِيارِ صِيغَةِ المُضِيِّ في هَذا الشِّقِّ قِيلَ: إشارَةٌ إلى قُبْحِ الكُفْرانِ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي إلّا أنْ يُعَدَّ في خَبَرِ كانَ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى أنَّهُ كَثِيرٌ مُتَحَقِّقٌ بِخِلافِ الشُّكْرِ، ﴿ وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ  ﴾ ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ قامَ مَقامَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَإنَّ اللَّهَ ) إلَخْ، وكانَ الأصْلُ: ومَن كَفَرَ فَإنَّما يَكْفُرُ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، وحاصِلُهُ، ومَن كَفَرَ فَضَرَرُ كُفْرِهِ عائِدٌ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ لِيَتَضَرَّرَ سُبْحانَهُ بِالكُفْرِ، مَحْمُودٌ بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ أوْ بِنُطْقِ ألْسِنَةِ الحالِ، فَكِلا الوَصْفَيْنِ مُتَعَلِّقاتٌ بِالشِّقِّ الثّانِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( غَنِيٌّ ) تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَمِيدٌ ﴾ تَعْلِيلًا لِلْجَوابِ المُقَدَّرِ لِلشَّرْطِ بِقَرِينَةِ مُقابِلِهِ، وهُوَ: فَإنَّما يَكْفُرُ عَلى نَفْسِهِ، وأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما مُتَعَلِّقًا بِكُلٍّ مِنهُما، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ، ولَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ وقال مجاهد: يعني: أعطينا لقمان العقل والفقه والإصابة في غير نبوة.

ويقال أيضاً: الحكمة والعقل والإصابة في القول.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «ما زَهِدَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إلاَّ أَثْبَتَ الله تَعَالَى الحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ، وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وَبَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا وَعُيُوبَ نَفْسِهِ.

وَإذَا رَأيْتُمْ أَخَاكُمْ قَدْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَاقْتَرِبُوا إلَيْهِ فَاسْتَمِعُوا مِنْهُ، فإنه يُلَقَّى الحِكْمَةَ» .

وقال السدي: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ يعني: النبوة.

وعن عكرمة قال: كان لقمان نبياً.

وعن وهب بن منبه قال: كان لقمان رجلاً حكيماً، ولم يكن نبياً.

وروي عن ابن عباس قال: كان لقمان عبداً حبشياً.

ويقال: إن أول ما ظهرت حكمته أن مولاه قال له يوماً: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها.

ثم قال: أخرج أطيب مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب.

ثم مكث ما شاء الله.

ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها.

فقال: أخرج لنا أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب.

فسأله عن ذلك فقال لقمان: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.

وذكر عن وهب بن منبه أن لقمان خُيِّرَ بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة.

قال: فبينما كان يعظ الناس يوماً وهم مجتمعون عليه، إذ مرّ به عظيم من عظماء بني إسرائيل.

فقال: ما هذه الجماعة؟

فقيل له: جماعة اجتمعت على لقمان الحكيم.

فأقبل إليه.

فقال له: ألست عبد بني فلان؟

فقال: نعم.

فقال: فما الذي بلغ بك ما أرى؟

فقال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وتركي ما لا يعنيني.

فانصرف عنه متعجباً وتركه.

ثم قال تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ يعني: حكماً من أحكام الله أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ويقال: معناه وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ وقلنا له: اشكر لله بما أعطاك من الحكمة وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ يعني: ثواب الشكر لنفسه وَمَنْ كَفَرَ أي: جحد فلا يوحّد ربه فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ خلقه وعن شكرهم حَمِيدٌ في فعاله وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ قال مقاتل: كان اسم ابنه أنعم وَهُوَ يَعِظُهُ ويقال: معناه قال لابنه واعظا يا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ يعني: ذنب عظيم لا يغفر أبداً، وكان ابنه وامرأته كافرين، فما زال بهما حتى أسلما.

وقال مقاتل: زعموا أنه كان ابن خالة أيوب.

وذكر القاسم بن عباد بإسناده عن عبد الله بن دينار: أن لقمان قدم من سفر، فلقيه غلامه، قال: ما فعل أبي؟

قال: مات.

فقال: ملكت أمري.

قال: وما فعلت أمي؟

قال: قد ماتت.

قال: ذهب همي.

قال: فما فعلت أختي؟

قال: ماتت فقال: سترت عورتي.

قال: فما فعلت امرأتي؟

قال: قد ماتت.

فقال: جدد فراشي.

قال: فما فعل أخي؟

قال: مات.

قال: انقطع ظهري.

وفي رواية أُخرى قال: ما فعل أخي؟

قال: مات.

فقال: انكسر جناحي.

ثم قال: فما فعل ابني؟

قال: مات.

فقال: انصدع قلبي.

وقال وهب بن منبه كان لقمان عبداً حبشياً لرجل من بني إسرائيل في زمن داود-  -، فاشتراه، فأعتقه وكان حبشياً أسود، غليظ الشفتين والمنخرين، غليظ العضدين والساقين، وكان رجلاً صالحاً أبيض القلب، وليس يصطفي الله عز وجل عباده على الحسن والجمال، وإنما يصطفيهم على ما يعلم من غائب أمرهم.

قرأ عامر في رواية حفص وابن كثير في إحدى الروايتين: يا بُنَيَّ بالنصب.

وقرأ الباقون: بالكسر وقد ذكرناه.

ثم قال عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ فكأنه يقول: آمركم بما أمر به لقمان لابنه بأن لا تشركوا بالله شيئاً، وآمركم بأن تحسنوا إلى الوالدين فذلك قوله عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ يعني: أمرناه بالإحسان بِوالِدَيْهِ.

ثم ذكر حق الأم وما لقيت من أمر الولد من الشدة فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ يعني: ضعفاً على ضعف، لأن الحمل في الابتداء أيسر عليها.

فكلما ازداد الحمل يزيدها ضعفاً على ضعف وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ يعني: فطامه بعد سنتين من وقت الولادة أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ يعني: وصّيناه وأمرناه بأن اشكر لي بما هديتك للإسلام، واشكر لوالديك بما فعله إليك إِلَيَّ الْمَصِيرُ فأجازيك بعملك.

ثم قال عز وجل: وَإِنْ جاهَداكَ يعني: وإن قاتلاك.

يعني: أن حرمة الوالدين وإن كانت عظيمة، فلا يجوز للولد أن يطيعهما في المعصية.

فقال: وَإِنْ جاهَداكَ يعني: وإن قاتلاك.

ويقال: وإن أرادك عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يعني: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ حجة بأن معي شريكاً فَلا تُطِعْهُما في الشرك وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً يعني: عاشرهما في الدنيا معروفاً بالإحسان، وإنما سمي الإحسان معروفاً لأنه يعرفه كل واحد.

قال وروي عن النبي  أنه قال: «حُسْنَ المُصَاحَبَةِ أنْ يُطْعِمَهُمَا إذا جَاعَا، وَأَنْ يَكْسُوَهُمَا إذا عَرِيَا» .

ثم قال: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يعني: اتبع دين من أقبل إلي بالطاعة.

ثم استأنف فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ في الآخرة.

وقال بعضهم: إنما أتمّ الكلام عند قوله: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يعني: دين من أقبل على الطاعة.

ثم استأنف الكلام فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ تكراراً على وجه التأكيد فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: فأجازيكم بها.

ثم رجع إلى حديث لقمان فقال: يا بُنَيَّ إِنَّها يعني: الخطيئة إِنْ تَكُ قال مقاتل: وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبتاه إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد، فكيف يعلمها الله سبحانه وتعالى.

فرد عليه لقمان وقال: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ يعني: الخطيئة إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ يعني: وزن خردلة فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أي: الصخرة التي هي أسفل الأرضين.

وقال بعضهم: أراد بها كل صخرة، لأنه قال بلفظ النكرة.

يعني: ما في جوف الصخرة الصماء.

وقال مقاتل: هي الصخرة التي في أسفل الأرض، وهي خضراء مجوفة.

ثم قال: أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يعني: يجازي بها الله.

أي: يعطيه ثوابها.

ويقال: يَأْتِ بِهَا اللَّهُ عند الميزان، فيجازيه بها.

ويقال: هذا مثل لأعمال العباد يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يعني: يعطيه ثوابها عز وجل كقوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) [الزلزلة: 7] يعني: يرى ثوابه.

قرأ نافع مثقال بضم الام.

وقرأ الباقون: بالنصب.

فمن قرأه بالضم جعله اسم يكن.

ومن قرأ بالنصب جعله خبراً.

والاسم فيه مضمر ومعناه: إن تكن صغيرة قدر مثقال حبة.

وإنما قال: إن تكن بلفظ التأنيث لأن المثقال أضيف إلى الحبة.

فكان المعنى للحبة.

وقيل: أراد به الخطيئة.

ومن قرأ: بالضم جعله اسم تكن.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يعني: لطيف باستخراج تلك الحبة، خبير بمكانها.

وقال أهل اللغة: اللطيف في اللغة يعبر به عن أشياء.

يقال للشيء الرقيق وللشيء الحسن: لطيف.

وللشيء الصغير لطيف.

ويقال للمشفق: لطيف.

ثم قال عز وجل: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ يعني: أتمّ الصلاة وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ يعني: التوحيد.

ويقال: أظهر العدل وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو كل ما لا يعرف في شريعة، ولا سنة، ولا معروف في العقل وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ يعني: إذا أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر، فأصابك من ذلك ذلّ أو هوان أو شدة، فاصبر على ذلك ف إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يعني: من حق الأمور.

ويقال: من واجب الأمور.

وصارت هذه الآية بياناً لهذه الأمة، وإذناً لهم، أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ينبغي أن يصبر على ما يصيبه في ذلك، إذا كان أمره ونهيه لوجه الله تعالى، لأنه قد أصاب ذلك في ذات الله عز وجل.

ثم قال تعالى: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: وَلا تُصَعِّرْ بالتشديد بغير ألف.

وقرأ الباقون: ولا تصاعر بالألف والتخفيف.

وهما لغتان ومعناهما واحد.

يقال: صعر خده وصاعره ومعناهما: الإعراض على جهة الكبر.

يعني: لا تعرض بوجهك عن الناس متكبراً.

وقال مقاتل: لا تعرض وجهك عن فقراء المسلمين، وهكذا قال الكلبي.

وقال العتبي: أصله الميل.

ويقال: رجل أصعر إذا كان به داء، فيميل رأسه وعنقه من ذلك إلى أحد الجانبين.

ويقال: معناه لا تكلم أحداً وأنت معرض عنه، فإن ذلك من الجفاء والإذاء.

ثم قال: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً يعني: لا تمشي بالخيلاء، والمرح والبطر والأشر كله واحد، وهو أن يعظم نفسه في النعم إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ يعني: مختالاً في مشيته، فخوراً في نعم الله عز وجل.

وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ يعني: تواضع لله تعالى في المشي، ولا تختل في مشيتك.

ويقال: أسرع في مشيتك، لأن الإبطاء في المشي يكون من الخيلاء.

وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ يعني: اخفض.

ومن صلة في الكلام اخفض كلامك، ولا تكن سفيهاً.

ثم ضرب للصوت الوضيع مثلاً فقال: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ يعني: أقبح الأصوات لَصَوْتُ الْحَمِيرِ لشدة أصواتها.

وإنما ذكر صوت الحمير، لأن صوت الحمار كان هو المعروف عند العرب وسائر الناس بالقبح، وإن كان قد يكون ما سواه أقبح منه في بعض الحيوان.

وإنما ضرب الله المثل بما هو المعروف عند الناس.

قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ يعني: قل يا محمد لأهل مكة: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ ذلل لكم ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كل ذلك من الله تعالى.

يعني: ومن قدرة الله ورحمته وحده لا شريك له وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فالظاهرة التي يراها الناس، والباطنة ما غاب عن الناس.

ويقال: النعم الظاهرة شهادة أن لا إله إلا الله، وأما الباطنة فالمعروفة بالقلب.

وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق والرزق.

والباطنة: تستر عن العيون.

عن ابن عباس قال: سألت النبيّ  عن قوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فقال: «الظَّاهِرَةُ الإسْلامُ، وَالبَاطِنَةُ مَا سَتَرَ سَوْأَتَكَ» .

قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: نِعَمَهُ بنصب العين وميم، وضم الهاء.

وقرأ الباقون: نِعَمَهُ بجزم العين ونصب الهاء والميم.

فمن قرأ نِعَمَهُ بالجزم فهي نعمة واحدة وهي ما أعطاه الله من توحيده.

ومن قرأ: نِعَمَهُ فهو على معنى جميع ما أنعم الله عز وجل عليهم.

ثم قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ يعني: يخاصم في دين الله عز وجل بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة وهو النضر بن الحارث وَلا هُدىً أي: بغير بيان من الله عز وجل وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ أي: مضيئا فيه حجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أدخلوهم في أرض المسك، ثم يقول الله تعالى للملائكة: أسمعوهم ثنائي وحمدي وأخبروهم أن لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.

انتهى.

وقوله عزّ وجل: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الوَقْرُ في الأذن: الثِّقْلُ الذي يَعْسُر معه إدراك المَسْمُوعَاتِ، و «الرواسي» : هي الجبالُ و «المَيْد» : التحرك يَمْنَةً ويَسْرَةً، وما قرب من ذلك، والزوج:

النوع والصنف.

وكَرِيمٍ: مدحه بكرم جَوْهره، وحُسْن منظرِه، وغير ذلك.

ثم وقف تعالى الكفرةَ على جهة التوبيخ فقال: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ اختلف في لقمان هل هو نبيٌّ أو رجلٌ صالح فقط، وقال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلّم يقولُ: «لَمْ يَكُنْ لُقْمَانُ نَبِيّاً وَلَكِنْ كَانَ عَبْداً كَثِيرَ التَّفْكِيرِ، حَسَنَ اليَقِينِ، أَحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالْحِكْمَةِ وَخَيَّرَهُ فِي أَنْ يَجْعَلَهُ خَلِيفَةً يَحْكُمُ بِالْحَقِّ، فَقَالَ: رَبِّ إنْ خيّرتني، قَبِلْتُ العَافِيَةَ، وَتَرَكْتُ البَلاَءَ، وَإنْ عَزَمْتَ عَلَيَّ، فَسَمْعاً وَطَاعَةً، فَإنَّكَ سَتَعْصِمَنِي، وَكَانَ قاضياً في بني إسرائيل نُوبِيّاً أَسْوَدَ، مشققَ الرِّجْلَيْنِ، ذا «١» مَشَافِر» ، قاله سعيدُ بن المسيِّب «٢» وابن عباس «٣» وجماعة: وقال له رجل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ لُقْمانَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ.

ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ والَّتِي بَعْدَها [لُقْمانَ: ٢٧، ٢٨]؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إلّا آيَةً نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ  ﴾ ، لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ مَدَنِيَّتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُدًى ورَحْمَةً ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: " ورَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والمَعْنى: تِلْكَ آياتُ الكِتابِ في حال الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ؛ ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ " هو هُدًى ورَحْمَةٌ " وعَلى مَعْنى: " تِلْكَ هُدًى ورَحْمَةٌ " .

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ مُفْتَتَحِ هَذِهِ السُّورَةِ [البَقَرَةِ: ١-٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلٍ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في شِراءِ القِيانِ والمُغَنِّياتِ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ تاجِرًا إلى فارِسَ، فَكانَ يَشْتَرِي أخْبارَ الأعاجِمِ فَيُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا ويَقُولُ لَهُمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ عادٍ وثَمُودَ، وأنا أُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ رُسْتُمَ وإسْفِنْدِيارَ وأخْبارِ الأكاسِرَةِ، فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ ويَتْرُكُونَ اسْتِماعَ القُرْآنِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ.

وَفِي المُرادِ بِلَهْوِ الحَدِيثِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّهُ] الغِناءُ.

كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: هو الغِناءُ والَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ وبِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

ورَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: اللَّهْوُ: الطَّبْلُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما ألْهى عَنِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَنْهُ مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: الباطِلُ، قالَهُ عَطاءٌ.

وَفِي مَعْنى ﴿ يَشْتَرِي ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَشْتَرِي بِمالِهِ؛ وحَدِيثُ النَّضْرِ يُعَضِّدُهُ.

والثّانِي: يَخْتارُ ويَسْتَحِبُّ، قالَهُ قَتادَةُ، ومَطَرٌ.

وَإنَّما قِيلَ لِهَذِهِ الأشْياءِ: لَهْوُ الحَدِيثِ، لِأنَّها تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ المَعْنى: لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ.

وقَدْ بَيَّنّا هَذا الحَرْفَ في (الحَجِّ: ٩) .

وَقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لِيُضِلَّ " بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، وإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هو أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ويَتَّخِذُها " بِرَفْعِ الذّالِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِنَصْبِ الذّالِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن نَصَبَ عَطَفَ عَلى " لِيُضِلَّ " " ويَتَّخِذَ " ومَن رَفَعَ عَطَفَهُ عَلى " مَن يَشْتَرِي " " ويَتَّخِذُ " .

وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَتَّخِذَها ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الآياتُ، والثّانِي: السَّبِيلُ.

وَما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في مَواضِعَ قَدْ تَقَدَّمَتْ [الإسْراءِ: ٤٦، الأنْعامِ: ٢٥، البَقَرَةِ: ٢٥، الرَّعْدِ: ٢، النَّحْلِ: ١٥، الشُّعَراءِ: ٧]، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الفَهْمُ والعَقْلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: النُّبُوَّةُ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ حَكِيمًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ والثّانِي: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.

هَكَذا حَكاهُ عَنْهُمُ الواحِدِيُّ، ولا يُعْرَفُ، إلّا أنَّ هَذا مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ عِكْرِمَةُ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.

وَفِي صِناعَتِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ خَيّاطًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.

والثّانِي: راعِيًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: نَجّارًا، قالَهُ خالِدٌ الرَّبْعِيُّ.

فَأمّا صِفَتُهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانَ لُقْمانُ أسْوَدَ مَن سُودانِ مِصْرَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مُشَقَّقَ القَدَمَيْنِ، وكانَ قاضِيًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ المَعْنى: وقُلْنا لَهُ: أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ [عَلى] ما أعْطاكَ مِنَ الحِكْمَةِ ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ: إنَّما يَفْعَلُ لِنَفْسِهِ ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ النِّعْمَةَ، فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ عِبادَةِ خَلْقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ ﴿ وَإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وهو يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ لُقْمانُ رَجُلٌ حَكِيمٌ بِحِكْمَةِ اللهِ تَعالى، وهي الصَوابُ في المُعْتَقَداتِ، والفِقْهُ في الدِينِ والعَمَلِ، واخْتِلَفَ، هَلْ هو نَبِيٌّ مَعَ ذَلِكَ أو رَجُلٌ صالِحٌ فَقَطْ؟

فَقالَ بِنُبُوَّتِهِ عِكْرِمَةُ والشَعْبِيُّ، وقالَ بِصَلاحِهِ فَقَطْ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَمِعَتِ النَبِيَّ  يَقُولُ: « "لَمْ يَكُنْ لُقْمانُ نَبِيًّا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا كَثِيرَ التَفْكِيرِ، حَسَنَ اليَقِينِ، أحَبَّ اللهَ فَأحَبَّهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالحِكْمَةِ، وخَيَّرَهُ في أنْ يَجْعَلَهُ خَلِيفَةً يَحْكُمُ بِالحَقِّ، فَقالَ: يا رَبِّ إنْ خَيَّرَتْنِي قَبِلْتُ العافِيَةَ وتَرَكْتُ البَلاءَ، وإنْ عَزَمَتْ عَلَيَّ فَسَمْعًا وطاعَةً فَإنَّكَ سَتَعْصِمُنِي"،» وكانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، نُوبِيًّا أسْوَدَ مُشَقَّقَ الرِجْلَيْنِ ذا مَشافِرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ لَهُ رَجُلٌ كانَ قَدْ رَعى مَعَهُ الغَنَمَ: ما بَلَغَ بِكَ يا لُقْمانُ ما أرى؟

قالَ: صِدْقُ الحَدِيثِ والصَمْتُ عَمّا لا يَعْنِينِي، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: كانَ مَن سُودانِ مِصْرَ، مِنَ النُوبَةِ، وقالَ خالِدُ بْنُ الرَبِيعِ: كانَ نَجّارًا، وقِيلَ: كانَ خَيّاطًا، وقِيلَ: كانَ راعِيًا.

وحِكَمُ لُقْمانَ كَثِيرَةٌ مَأْثُورَةٌ، قِيلَ لَهُ: وأيُّ الناسِ شَرٌّ؟

قالَ: الَّذِي لا يُبالِي إنْ رَآهُ الناسُ مُسِيئًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اشْكُرْ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنِ اشْكُرْ لِلَّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةُ، أيْ: كانَتْ حِكْمَتُهُ دائِرَةً عَلى الشُكْرِ لِلَّهِ تَعالى ومَعانِيهِ.

وجَمِيعُ العِباداتِ والمُعْتَقَداتِ داخِلَةٌ في شُكْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الشاكِرَ حَظُّهُ عائِدٌ عَلَيْهِ، وهو المُنْتَفِعُ بِذَلِكَ، واللهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الشُكْرِ، فَلا يَنْفَعُهُ شُكْرُ العِبادِ، حَمِيدٌ في نَفْسِهِ، فَلا يَضُرُّهُ كُفْرُ الكافِرِينَ.

و"حَمِيدٌ" بِمَعْنى: مَحْمُودٌ، أيْ: هو مُسْتَحَقٌّ ذَلِكَ بِصِفاتِهِ وذاتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإذْ قالَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ قالَ، واخْتَصَرَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ، واسْمُ ابْنِهِ تارانُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يا بُنَيِّ" بِالشَدِّ والكَسْرِ في الياءِ، في الثَلاثَةِ، عَلى إدْغامِ إحْدى الياءَيْنِ في الأُخْرى، وقَرَأ حَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "يا بُنَيَّ" بِالشَدِّ والفَتْحِ في الثَلاثَةِ، عَلى قَوْلِكَ: يا بُنَيّا، ويا غُلامًا.

وقَرَأ ابْنُ أبِي بُرَّةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "يا بُنَيْ" بِسُكُونِ الياءِ، و"يا بُنَيِّ إنَّها" بِكَسْرِ الياءِ، و"يا بُنَيَّ أقِمِ الصَلاةَ" بِفَتْحِ الياءِ، ورَوى عنهُ قُنْبُلُ بِالسُكُونِ في الأُولى والثالِثَةَ، وبِكَسْرِ الوُسْطى.

وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ أنَّهُ مِن كَلامِ لُقْمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مِنَ اللهِ تَعالى مُنْقَطِعًا مِن كَلامِ لُقْمانَ، مُتَّصِلًا بِهِ في تَأْكِيدِ المَعْنى، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ المَأْثُورُ: « "أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ  ﴾ أشْفَقَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ  ، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ؟

فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ ، فَسَكَنَ إشْفاقُهُمْ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يَسْكُنُ إشْفاقُهم بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللهِ تَعالى، وقَدْ يَسْكُنُ الإشْفاقُ بِأنْ يَذْكُرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ عن عَبْدٍ قَدْ وصَفَهُ بِالحِكْمَةِ والسِدادِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الواو عاطفة قصة لقمان على قصة النضر بن الحارث المتقدمة في قوله تعالى ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ﴾ [لقمان: 6] باعتبار كونها تضمنت عجيب حاله في الضلالة من عنايته بلهو الحديث ليضل عن سبيل الله ويتخذ سبيل الله هزؤاً، وباعتبار كون قصة لقمان متضمنة عجيب حال لقمان في الاهتداء والحكمة، فهما حالان متضادان؛ فقُطِع النظر عن كون قصة النضر سيقت مساق المقدمة والمدخل إلى المقصود لأن الكلام لما طال في المقدمة خرجت عن سَنن المقدمات إلى المقصودات بالذات فلذلك عطفت عطفَ القصص ولم تُفصل فَصْل النتائج عقب مقدماتها.

وقد تتعدد الاعتبارات للأسلوب الواحد فيتخير البليغ في رعيها كقوله تعالى ﴿ يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ﴾ في سورة البقرة (49)، ﴿ ويذبحون أبناءكم ﴾ في سورة [إبراهيم: 1].

وافتتاح القصة بحرفي التوكيد: لام القسم و(قد) للإنباء بأنها خبر عن أمر مهم واقع.

و ﴿ لقمان ﴾ اسم رجل حكيم صالح، وأكثر الروايات في شأنه التي يعضد بعضها وإن كانت أسانيدها ضعيفة تقتضي أنه كان من السود، فقيل هو من بلاد النوبة، وقيل من الحبشة.

وليس هو لقمان به عاد الذي قال المثل المشهور: إحدى حُظيات لقمان.

والذي ذكره أبو المهوش الأسدي أو يزيد بن عمر يصعق في قوله: تراه يطوف الآفاق حرصاً *** ليأكل رأس لقمان بن عاد ويعرف ذلك بلقمان صاحب النسور، وهو الذي له ابن اسمه لقيم وبعضهم ذكر أن اسم أبيه باعوراء، فسبق إلى أوهام بعض المؤلفين أنه المسمى في كتب اليهود بلعام بن باعوراء المذكور خبره في «الإصحاحين» (22 و23) من «سفر العدد»، ولعل ذلك وهَم لأن بلعام ذلك رجل من أهل مَدْيَن كان نبيئاً في زمن موسى عليه السلام، فلعل التوهم جاء من اتحاد اسم الأب، أو من ظن أن بلعام يرادف معنى لقمان لأن بلعام من البلع ولقمان من اللّقم فيكون العرب سموه بما يرادف اسمه في العبرانية.

وقد اختلف السلف في أن لقمان المذكور في القرآن كان حكيماً أو نبيئاً.

فالجمهور قالوا: كان حكيماً صالحاً.

واعتمد مالك في «الموطأ» على الثاني، فذكره في «جامع الموطأ» مرتين بوصف لقمان الحكيم، وذلك يقتضي أنه اشتهر بذلك بين علماء المدينة.

وذكر ابن عطية: أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لم يكن لقمان نبيئاً ولكن كان عبداً كثير التفكر حسنَ اليقين أحبَّ الله تعالى فأحبه فمنَّ عليه بالحكمة " ويظهر من الآيات المذكورة في قصته هذه أنه لم يكن نبيئاً لأنه لم يمتن عليه بوحي ولا بكلام الملائكة.

والاقتصارُ على أنه أوتي الحكمة يومئ إلى أنه أُلهم الحكمة ونطق بها، ولأنه لما ذكر تعليمه لابنه قال تعالى ﴿ وهو يعظه ﴾ [لقمان: 13] وذلك مؤذن بأنه تعليم لا تبليغ تشريع.

وذهب عكرمة والشعبي: أن لقمان نبيء ولفظ الحكمة يسمح بهذا القول لأن الحكمة أطلقت على النبوءة في كثير من القرآن كقوله في داود ﴿ وءاتيناه الحكمة وفصلَ الخطاب ﴾ [ص: 20].

وقد فسرت الحكمة في قوله تعالى ﴿ ومن يُؤْت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ [البقرة: 269] بما يشمل النبوءة.

وأن الحكمة «معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه» وأعلاها النبوءة لأنها علم بالحقائق مأمون من أن يكون مخالفاً لما هي عليه في نفس الأمر إذ النبوءة متلقاة من الله الذي لا يعزب عن عمله شيء.

وسيأتي أن إيراد قوله تعالى ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه ﴾ [لقمان: 14] في أثناء كلام لقمان يساعد هذا القول.

وذكر أهل التفسير والتاريخ أنه كان في زمن داود.

وبعضهم يقول: إنه كان ابن أخت أيوب أو ابن خالته، فتعين أنه عاش في بلاد إسرائيل.

وذكر بعضهم أنه كان عبداً فأعتقه سيده، وذكر ابن كثير عن مجاهد: أن لقمان كان قاضياً في بني إسرائيل في زمان داود عليه السلام، ولا يوجد ذكر ذلك في كتب الإسرائيليين.

قيل كان راعياً لغنم وقيل كان نجاراً وقيل خياطاً.

وفي «تفسير ابن كثير» عن ابن وهب أن لقمان كان عبداً لبني الحسحاس وبنو الحسحاس من العرب وكان من عبيدهم سحيم العبد الشاعر المخضرم الذي قتل في مدة عثمان.

وحكمة لقمان مأثورة في أقواله الناطقة عن حقائق الأحوال والمقرّبة للخفيات بأحسن الأمثال.

وقد عني بها أهل التربية وأهل الخير، وذكر القرآن منها ما في هذه السورة، وذكر منها مالك في «الموطأ» بلاغين في كتاب «الجامع» وذكر حكمة له في كتاب «جامع العتبية» وذكر منها أحمد بن حنبل في «مسنده» ولا نعرف كتاباً جمع حكمة لقمان.

وفي «تفسير القرطبي» قال وهب بن منبه: قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب.

ولعل هذا إن صح عن وهب بن منبه كان مبالغة في الكثرة.

وكان لقمان معروفاً عند خاصة العرب.

قال ابن إسحاق في «السيرة»: قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجّاً أو معتمراً فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إلى الإسلام فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي؟

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الذي معك؟

قال: مجلة لقمان.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرِضها عليّ، فعرضها عليه، فقال: إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل من هذا قرآن أنزله الله.

قال ابن إسحاق: فقدم المدينة فلم يلبث أن قتلته الخزرج وكان قتله قبل يوم بعاث.

وكان رجال من قومه يقولون: إنّا لنراه قد قتل وهو مسلم وكان قومه يدْعُونه الكامل اه.

وفي «الاستيعاب» لابن عبد البر: أنا شَاكّ في إسلامه كما شك غيري.

وقد تقدم في صدر الكلام على هذه السورة أن قريشاً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقمان وابنه وذلك يقتضي أنه كان معروفاً للعرب.

وقد انتهى إليّ حين كتابة هذا التفسير من حِكَم لقمان المأثورة ثمان وثلاثون حكمةً غير ما ذكر في هذه الآية وسنذكرها عند الفراغ من تفسير هذه الآيات.

والإيتاء: الإعطاء، وهو مستعار هنا للإلهام أو الوحي.

و ﴿ لقمان ﴾ : اسم علَم مَادته مادة عربية مشتق من اللَّقْم، والأظهر أن العرب عربوه بلفظ قريب من ألفاظ لغتهم على عادتهم كما عربوا شاول باسم طالوت وهو ممنوع من الصرف لزيادة الألف والنون لا للعجمة.

وتقدم تعريف الحكمة عند قوله تعالى ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ في سورة البقرة (269)، وقوله ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ﴾ في سورة النحل (125).

وأنْ } في قوله ﴿ أن اشكر لله ﴾ تفسيرية وليست تفسيراً لفعل ﴿ ءاتينا ﴾ لأنه نصب مفعوله وهو الحكمة، فتكون ﴿ أنْ ﴾ مفسرة للحكمة باعتبار أن الحكمة هنا أقوال أوحيت إليه أو ألهمها فيكون في الحكمة معنى القول دون حروفه فيصلح أن تُفسر ب ﴿ أنْ ﴾ التفسيرية، كما فسرت حاجة في قول الشاعر الذي لم يُعرف وهو من شواهد العربية: إنْ تحملا حاجة لي خفّ محملها *** تستوجبا منة عندي بها ويَدا أنْ تقرءان علي أسماء ويحكما *** مني السلامَ وأن لا تُخبرا أحدا والصوفية وحكماء الإشراق يرون خواطرَ الأصفياء حجة ويسمونها إلهاماً.

ومال إليه جمّ من علمائنا.

وقد قال قطب الدين الشيرازي في «ديباجة شرحه على المفتاح»: أما بعد إني قَد ألقي إليَّ على سبيل الإنذار، من حضرة الملك الجبار، بلسان الإلهام، إلاَّ كوَهَم من الأوهام، ما أورثني التجافيَ عن دار الغرور، والإنابة إلى دار السرور، الخ.

وكان أول ما لُقنه لقمان من الحكمة هو الحكمة في نفسه بأن أمره الله بشكره على ما هو محفوف به من نعم الله التي منها نعمة الاصطفاء لإعطائه الحكمة وإعداده لذلك بقابليته لها.

وهذا رأس الحكمة لتضمنه النظر في دلائل نفسه وحقيقته قبل النظر في حقائق الأشياء وقبل التصدي لإرشاد غيره، وأن أهم النظر في حقيقته هو الشعور بوجوده على حالة كاملة والشعور بموجده ومفيض الكمال عليه، وذلك كله مقتض لشكر موجده على ذلك.

وأيضاً فإن شكر الله من الحكمة، إذ الحكمة تدعو إلى معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه لقصد العمل بمقتضى العلم، فالحكيم يبث في الناس تلك الحقائق على حسب قابلياتهم بطريقة التشريع تارة والموعظة أخرى، والتعليم لقابليه مع حملهم على العمل بما علموه من ذلك، وذلك العمل من الشكر إذ الشكر قد عُرف بأنه صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من مواهب ونِعم فيما خلق لأجله؛ فكان شكر الله هو الأهم في الأعمال المستقيمة فلذلك كان رأس الحكمة لأن من الحكمة تقديم العلم بالأنفع على العلم بما هو دونه؛ فالشكر هو مبدأ الكمالات علماً، وغايتها عملاً.

وللتنبيه على هذا المعنى أعقب الله الشكر المأمور به ببيان أن فائدته لنفس الشاكر لا للمشكور بقوله ﴿ ومَن يشكر فإنما يشكر لنفسه ﴾ لأن آثار شكر الله كمالات حاصلة للشاكر ولا تنفع المشكور شيئاً لغناه سبحانه عن شكر الشاكرين، ولذلك جيء به في صورة الشرط لتحقيق التعلق بين مضمون الشرط ومضمون الجزاء، فإن الشرط أدل على ذلك من الإخبار.

وجيء بصيغة حصر نفع الشكر في الثبوت للشاكر بقوله ﴿ فإنما يشكر لنفسه ﴾ أي ما يشكر إلا لفائدة نفسه، ولام التعليل مؤذنة بالفائدة.

وزيد ذلك تبيناً بعطف ضده بقوله ﴿ ومَن كفر فإن الله غنيّ حميد ﴾ لإفادة أن الإعراض عن الشكر بعد استشعاره كفر للنعمة وأن الله غنيّ عن شكره بخلاف شأن المخلوقات إذ يكسبهم الشكر فوائد بين بني جنسهم تجر إليهم منافع الطاعة أو الإعانة أو الإغناء أو غير ذلك من فوائد الشكر للمشكورين على تفاوت مقاماتهم، والله غني عن جميع ذلك، وهو ﴿ حميد ﴾ ، أي: كثير المحمودية بلسان حال الكائنات كلها حتى حال الكافر به كما قال تعالى ﴿ ولله يسجد مَن في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ﴾ سورة الرعد (15).

ومن بلاغة القرآن وبديع إيجازه أن كان قوله أن اشكر لله } جامعاً لمبدأ الحكمة التي أوتيها لقمان، ولأمره بالشكر على ذلك، فقد جمع قوله ﴿ أن اشكر لله ﴾ الإرشاد إلى الشكر، مع الشروع في الأمر المشكور عليه تنبيهاً على المبادرة بالشكر عند حصول النعمة.

وإنما قوبل الإعراض عن الشكر بوصف الله بأنه حميد لأن الحمد والشكر متقاربان، وفي الحديث: «الحَمدُ رأس الشكر» فلما لم يكن في أسماء الله تعالى اسم من مادة الشكر إلا اسمه الشكور وهو بمعنى شاكر، أي: شاكر لعباده عبادتَهم إياه عُبر هنا باسمه ﴿ حميد ﴾ .

وجيء في فعل ﴿ يشكر ﴾ بصيغة المضارع للإيماء إلى جدارة الشكر بالتجديد.

واللام في قوله ﴿ أن اشكر لي ﴾ [لقمان: 14] داخلة على مفعول الشكر وهي لام ملتزم زيادتها مع مادة الشكر للتأكيد والتقوية، وتقدم في قوله ﴿ واشكُرُوا لي ﴾ في سورة البقرة (152).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ اخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَبِيٌّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ حَكِيمٌ ولَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، قالَ إسْماعِيلُ: كانَ لُقْمانُ مِن سُودانِ مِصْرَ ذا مَشافِرَ أعْطاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ ومَنَعَهُ النُّبُوَّةَ.

وَقالَ قَتادَةُ: خَيَّرَ اللَّهُ لُقْمانَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ فاخْتارَ الحِكْمَةَ عَلى النُّبُوَّةِ فَأتاهُ جِبْرِيلُ وهو نائِمٌ فَذَرَّ عَلَيْهِ الحِكْمَةَ فَأصْبَحَ يَنْطِقُ بِها، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ اخْتَرْتَ الحِكْمَةَ عَلى النُّبُوَّةِ وقَدْ خَيَّرَكَ رَبُّكَ؟

فَقالَ: إنَّهُ لَوْ أرْسَلَ إلَيَّ بِالنُّبُوَّةِ عَزْمَةً لَرَجَوْتُ فِيهِ العَوْنَ مِنهُ ولَكُنْتُ أرْجُو أنْ أقُومَ بِها، ولَكِنَّهُ خَيَّرَنِي فَخِفْتُ أنْ أضْعُفَ عَنِ النُّبُوَّةِ فَكانَتِ الحِكْمَةُ أحَبَّ إلَيَّ.

واخْتُلِفَ في جِنْسِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مِنَ النُّوبَةِ قَصِيرًا أفْطَسَ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

الثّانِي: كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

واخْتُلِفَ في صَنْعَتِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ خَيّاطًا بِمِصْرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ راعِيًا فَرَآهُ رَجُلٌ كانَ يَعْرِفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَقالَ: ألَسْتَ عَبْدَ بَنِي فُلانٍ الَّذِي كُنْتَ تَرْعى بِالأمْسِ؟

قالَ بَلى، قالَ: فَما بَلَغَ بِكَ ما أرى؟

قالَ: قَدَرُ اللَّهِ وَأدائِي الأمانَةَ، وصِدْقُ الحَدِيثِ وتَرْكِي ما لا يَعْنِينِي، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ جابِرٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ نَجّارًا فَقالَ لَهُ سَيِّدُهُ: اذْبَحْ لِي شاةً وأْتِنِي بِأطْيَبِها مُضْغَتَيْنِ فَأتاهُ بِاللِّسانِ والقَلْبِ فَقالَ لَهُ: ما كانَ فِيها شَيْءٌ أطْيَبَ مِن هَذَيْنَ فَسَكَتَ، ثُمَّ أمَرَهُ فَذَبَحَ لَهُ شاةً ثُمَّ قالَ: ألْقِ أخْبَثَها مُضْغَتَيْنِ فَألْقى اللِّسانَ والقَلْبَ فَقالَ لَهُ: أمَرْتُكَ أنْ تَأْتِيَنِي بِأطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ فَأتَيْتَنِي بِاللِّسانِ والقَلْبِ وأمَرَتْكَ أنْ تُلْقِيَ أخْبَثَها مُضْغَتَيْنِ فَألْقَيْتَ بِاللِّسانِ والقَلْبِ، فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أطْيَبَ مِنهُما إذا طابا ولا أخْبَثَ مِنهُما إذا خَبُثا، قالَهُ خالِدٌ الرَّبَعِيُّ.

واخْتُلِفَ في زَمانِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ فِيما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ.

الثّانِي: أنَّهُ ولَدُ كُوشَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ، وُلِدَ لِعَشْرِ سِنِينَ مِن مُلْكِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَقِيَ إلى زَمَنِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وَفِي ﴿ الحِكْمَةَ ﴾ الَّتِي أُوتِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الفَهْمُ والعَقْلُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: الفِقْهُ والعَقْلُ والإصابَةُ في القَوْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: الأمانَةُ.

﴿ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ يَعْنِي نِعَمَ اللَّهِ، فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْنى الكَلامِ: ولَقَدْ آتَيْناهُ الحِكْمَةَ وآتَيْناهُ الشُّكْرَ لِلَّهِ، قالَهُ المُفَضَّلُ.

الثّانِي: آتَيْناهُ الحِكْمَةَ لِأنْ يَشْكُرَ لِلَّهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي شُكْرِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو حَمْدُهُ عَلى نِعَمِهِ.

الثّانِي: هو ألّا يَعْصِيَهُ عَلى نِعَمِهِ.

الثّالِثُ: هو ألّا يَرى مَعَهُ شَرِيكًا في نِعَمِهِ عَلَيْهِ.

الرّابِعُ: هو طاعَتُهُ فِيما أمَرَهُ.

﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ يَعُودُ شُكْرُهُ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ عَلى النِّعْمَةِ إذا زادَ مِنَ الشُّكْرِ.

﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: كُفْرُ النِّعْمَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ حَمِيدٌ في فِعْلِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ مُسْتَحْمَدٌ إلى خَلْقِهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما كان لقمان؟

قالوا: الله ورسوله أعلم قال: كان حبشياً» .

وأخرج ابن أبي شيبة في الزهد وأحمد وابن أبي الدنيا في كتاب المملوكين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان لقمان عليه السلام عبداً حبشياً نجاراً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قلت لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما: ما انتهى إليكم من شأن لقمان عليه السلام؟

قال: كان قصيراً، أفطس من النوبة.

وأخرج الطبراني وابن حبان في الضعفاء وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم.

والنجاشي.

وبلال المؤذن» قال الطبراني: أراد الحبشة.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سادات السودان أربعة: لقمان الحبشي.

والنجاشي.

وبلال.

ومهجع» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام كان أسود من سودان مصر، ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة، ومنعه النبوة.

وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب رضي الله عنه يسأله، فقال له سعيد رضي الله عنه: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال.

ومهجع مولى عمر بن الخطاب.

ولقمان الحكيم كان أسود نوبياً ذا مشافر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان لقمان عليه السلام عبداً أسود.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان لقمان عليه السلام عبداً حبشياً، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضياً لبني إسرائيل.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر عن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه أن لقمان عليه السلام كان خياطاً.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان لقمان عليه السلام من أهون مملوكيه على سيده، وإن أول ما رؤي من حكمته أنه بينما هو مع مولاه إذ دخل المخرج فأطال فيه الجلوس، فناداه لقمان أن طول الجلوس على الحاجة ينجع منه الكبد، ويكون منه الباسور، ويصعد الحر إلى الرأس، فأجلس هوينا وأخرج، فخرج فكتب حكمته على باب الحش قال: وسكر مولاه، فخاطر قوماً على أن يشرب ماء بحيرة، فلما أفاق عرف ما وقع منه، فدعا لقمان فقال: لمثل هذا كنت أخبؤك.

فقال: اجمعهم، فلما اجتمعوا قال: على أي شيء خاطرتموه؟

قالوا: على أن يشرب ماء هذه البحيرة قال: فإن لها مواد فاحبسوا موادها عنها قالوا: كيف نستطيع أن نحبس موادها؟

قال: وكيف يستطيع أن يشربها ولها مواد؟

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة ﴾ قال: يعني العقل، والفهم، والفطنة.

من غير نبوّة.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي مسلم الخولاني رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لقمان كان عبداً كثير التفكر، حسن الظن، كثير الصمت، أحب الله فأحبه الله تعالى، فمن عليه بالحكمة، نودي بالخلافة قبل داود عليه السلام، فقيل له: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة تحكم بين الناس بالحق؟

قال لقمان: إن أجبرني ربي عز وجل قبلت، فإني أعلم أنه إن فعل ذلك أعانني.

وعلمني.

وعصمني.

وإن خيرني ربي قبلت العافية، ولم أسأل البلاء، فقالت الملائكة: يا لقمان لم؟!

قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل مكان، فيخذل أو يعان، فإن أصاب فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكون في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً شائعاً، ومن يختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا ولا يصير إلى ملك الآخرة.

فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فغط بالحكمة غطاً فانتبه فتكلم بها، ثم نودي داود عليه السلام بعده بالخلافة، فقبلها ولم يشترط شرط لقمان، فأهوى في الخطيئة، فصفح عنه وتجاوز.

وكان لقمان يؤازره بعلمه وحكمته فقال داود عليه السلام: طوبى لك يا لقمان، أوتيت الحكمة فصرفت عنك البلية، وأوتي داود الخلافة فابتلى بالذنب والفتنة» .

وأخرج الفريابي وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة ﴾ قال: العقل، والفقه، والاصابة في القول في نبوّه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة ﴾ قال: الفقه في الإِسلام، ولم يكن نبياً، ولم يوح إليه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: خير الله تعالى لقمان بين الحكمة والنبوّة.

فاختار الحكمة على النبوّة، فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم، فذر عليه الحكمة، فاصبح ينطق بها فقيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوّة، وقد خيرك ربك؟

فقال: لو أنه أرسل إلي بالنبوّة عزمة لرجوت فيها الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيرني، فخفت أن أضعف عن النبوّة، فكانت الحكمة أحب إلي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله تعالى عنه أنه سئل أكان لقمان عليه السلام نبياً؟

قال: لا.

لم يلوح إليه، وكان رجلاً صالحاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله تعالى عنه قال: كان لقمان عليه السلام نبياً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ليث رضي الله تعالى عنه قال: كانت حكمة لقمان عليه السلام نبوّة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله تعالى عنه قال: كان لقمان عليه السلام رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً.

وأخرج الطبراني والرامهرمزي في الأمثال بسند ضعيف عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني عليك بمجالس العلماء، واستمع كلام الحكماء، فإن الله يحيي القلب الميت بنور الحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه ذكر لقمان الحكيم فقال: ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال.

ولا حسب.

ولا خصال.

ولكنه كان رجلاً صمصامة سكيتاً، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهاراً قط، ولم يره أحد يبزق، ولا يتنحنح، ولا يبول، ولا يتغوّط، ولا يغتسل، ولا يعبث، ولا يضحك، كان لا يعيد منطقاً نطقه إلا أن يقول: حكمة يستعيدها إياه، وكان قد تزوج وولد له أولاد، فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكماء لينظر ويتفكر ويعتبر.

فبذلك أوتي ما أوتي.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وابن جرير عن عمر بن قيس رضي الله عنه قال: مر رجل بلقمان عليه السلام والناس عنده فقال: ألست عبد بني فلان؟

قال: بلى.

قال: ألست الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟

قال: بلى.

قال: فما الذي بلغ بك ما أرى؟

قال: تقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السكوت عما لا يعنيني.

وأخرج أحمد في الزهد عن محمد بن جحادة رضي الله عنه، مثله.

وأخرج أحمد والحكيم الترمذي والحاكم في الكني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئاً حفظه» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في نعت الخائفين عن الفضل الرقاشي قال: ما زال لقمان يعظ ابنه حتى انشقت مرارته فمات.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن حفص بن عمر الكندي قال: وضع لقمان عليه السلام جراباً من خردل إلى جنبه، وجعل يعظ ابنه موعظة ويخرج خردلة، فنفذ الخردل فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظتها جبلاً لتفطر.

فتفطر ابنه.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني إياك والتقنع فإنها مخوفة بالليل، ومذلة بالنهار» .

وأخرج العسكري في الأمثال والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس؛ أن لقمان عليه السلام كان عبداً لداود، وهو يسرد الدرع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان عليه السلام يتعجب ويريد أن يسأله وتمنعه حكمته أن يسأله، فلما فرغ منها صبها على نفسه وقال: نعم درع الحرب هذه.

فقال لقمان: الصمت من الحكمة وقليل فاعله، كنت أردت أن أسألك فسكت حتى كفيتني.

وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان عن عون بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني ارج الله رجاء لا تأمن فيه مكره، وخف الله مخافة لا تيأس بها من رحمته، فقال: يا أبتاه وكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟

قال: المؤمن كذا له قلبان.

قلب يرجو به.

وقلب يخاف به.

وأخرج البيهقي عن سليمان التيمي رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني أكثر من قول: رب اغفر لي، فإن لله ساعة لا يرد فيها سائل.

وأخرج البيهقي والصابوني في المائتين عن عمر بن سليم رضي الله عنه قال: بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني حملت الحجارة، والحديد، والحمل الثقيل، فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء، يا بني إني قد ذقت المر كله فلم أذق شيئاً أمر من الفقر.

وأخرج ابن أبي الدنيا في اليقين عن الحسن رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن العمل لا يستطاع إلا باليقين، ومن يضعف يقينه يضعف عمله، يا بني إذا جاءك الشيطان من قبل الشك والريبة فاغلبه باليقين والنصيحة، وإذا جاءك من قبل الكسل والسآمة فاغلبه بذكر القبر والقيامة، وإذا جاءك من قبل الرغبة والرهبة فاخبره أن الدنيا مفارقة متروكة.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن وهب رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني اتخذ تقوى الله تجارة يأتك الربح من غير بضاعة.

وأخرج ابن أبي الدنيا في الرضا عن سعيد بن المسيب قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني لا ينزلن بك أمر رضيته أو كرهته إلا جعلت في الضمير منك أن ذلك خير لك.

قال: أهذه فلا أقدر أعطيكها دون أن أعلم ما قلت كما قلت، قال: يا بني فإن الله قد بعث نبياً.

هلم حتى تأتيه فصدقه.

قال: اذهب يا أبت.

فخرج على حمار وابنه على حمار، وتزودا ثم سارا أياماً وليالي حتى تلقتهما مفازة، فأخذا أهبتهما لها فدخلاها، فسارا ما شاء الله حتى ظهرا وقد تعالى النهار، واشتد الحر، ونفد الماء والزاد، واستبطآ حماريهما، فنزلا فجعلا يشتدان على سَوْقِهِما، فبينما هما كذلك إذ نظر لقمان أمامه فإذا هم بسواد ودخان، فقال في نفسه: السواد: الشجر.

والدخان: العمران والناس.

فبينما هما كذلك يشتدان إذ وطئ ابن لقمان على عظم في الطريق، فخر مغشياً عليه، فوثب إليه لقمان عليه السلام، فضمه إلى صدره واستخرج العظم بأسنانه، ثم نظر إليه فذرفت عيناه فقال: يا أبت أنت تبكي وأنت تقول: هذا خير لي، كيف يكون هذا خيراً لي؟

وقد نفد الطعام والماء، وبقيت أنا وأنت في هذا المكان، فإن ذهبت وتركتني على حالي ذهبت بهم وغم ما بقيت، وان أقمت معي متنا جميعاً فقال: يا بني.

أما بكائي فرقة الوالدين، وأما ما قلت كيف يكون هذا خيراً لي؟

فلعل ما صرف عنك أعظم مما ابتليت به، ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك، ثم نظر لقمان أمامه فلم يَرَ ذلك الدخان والسواد.

وإذا بشخص أقبل على فرس أبلق عليه ثياب بيض، وعمامة بيضاء يمسح الهواء مسحاً، فلم يزل يرمقه بعينه حتى كان منه قريباً فتوارى عنه، ثم صاح به: أنت لقمان؟

قال: نعم.

قال: أنت الحكيم؟

قال: كذلك.

فقال: ما قال لك ابنك؟

قال: يا عبد الله من أنت؟!

اسمع كلامك ولا أرى وجهك قال: أنا جبريل.

أمرني ربي بخسف هذه المدينة ومن فيها، فاخبرت انكما تريدانها، فدعوت ربي أن يحبسكما عنها بما شاء، فحبسكما بما ابتلي به ابنك، ولولا ذلك لخسف بكما مع من خسفت، ثم مسح جبريل عليه السلام يده على قدم الغلام فاستوى قائماً، ومسح يده على الذي كان فيه الطعام فامتلأ طعاماً، وعلى الذين كان فيه الماء فامتلأ ماء، ثم حملهما وحماريهما فزجل بهما كما يزجل الطير، فإذا هما في الدار الذي خرجا بعد أيام وليال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن رباح اللخمي؛ أنه لما وعظ لقمان عليه السلام ابنه قال: ﴿ إنها إن تك...

﴾ .

أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك، فألقاها في عرضه، ثم مكث ما شاء الله، ثم ذكر وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن مالك رضي الله عنه قال: بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه: ليس غنى كصحة، ولا نعيم كطيب نفس.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: من كذب ذهب ماء وجهه، ومن ساء خلقه كثر غمه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبيهقي عن الحسن رضي الله تعالى عنه أن لقمان قال لابنه: يا بني حملت الجندل.

والحديد.

وكل شيء ثقيل.

فلم أحمل شيئاً هو أثقل من جار السوء، وذقت المر فلم أذق شيئاً هو أمر من الفقر، يا بني لا ترسل رسولك جاهلاً، فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك، يا بني إياك والكذب، فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يقلي صاحبه، يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس تشهيك الدنيا، يا بني لا تأكل شبعاً على شبع، فإنك إن تلقه للكلب خير من أن تأكله، يا بني لا تكن حلواً فتبلع، ولا مراً فتلفظ.

وأخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني لا تكونن أعجز من هذا الديك الذي يصوّت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك.

وأخرج عبد الله في زوائده والبيهقي عن عثمان بن زائدة رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني لا تؤخر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن سيار بن الحكم قال: قيل للقمان عليه السلام: ما حكمتك؟

قال: لا أسأل عما قد كفيت، ولا أتكلف ما لا يعنيني.

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عثمان الجعدي رجل من أهل البصرة قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عمله، ولا تهاون بمقت الحكيم فيزهد فيك.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال: لا تنكح أمة غيرك، فتورث بنيك حزناً طويلاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن محمد بن واسع رضي الله عنه قال: كان لقمان عليه السلام يقول لابنه: يا بني اتق الله، ولا تر الناس أنك تخشى الله ليكرمك بذلك وقلبك فاجر.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير عن خالد الربعي رضي الله تعالى عنه قال: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً فقال له سيده: اذبح لي شاة.

فذبح له شاة فقال له: ائتني بأطيب مضغتين فيها.

فأتاه باللسان والقلب فقال: أما كان شيء أطيب من هذين؟

قال: لا.

فسكت عنه ما سكت، ثم قال له: اذبح لي شاة.

فذبح له شاة فقال له: ألق أخبثها مضغتين.

فرمى باللسان والقلب فقال أمرتك بأن تأتي بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب، فقال: إنه ليس شيء بأطيب منها إذا طابا، ولا بأخبث منهما إذا خبثا.

وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام: ألا أن يد الله على أفواه الحكماء.

لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله له.

وأخرج عبد الله عن سفيان رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني ما ندمت على الصمت قط وإن كان الكلام من فضة كان السكوت من ذهب.

وأخرج أحمد عن قتادة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني اعتزل الشر كيما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق.

وأخرج عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة- يعني حكمة لقمان عليه السلام- يا بني إياك والرغب كل الرغب، فإن الرغب كل الرغب ينفذ القرب من القرب، ويترك الحلم مثل الرطب، يا بني إياك وشدة الغضب، فإن شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه وهو يعظه: يا بني اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر الله عز وجل فيه فاجلس معهم، فإنك إن تك عالماً ينفعك علمك، وإن تك غبياً يعلموك، وان يطلع الله عز وجل إليهم برحمة تصبك معهم، يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر فيه الله فإنك إن تك عالماً لا ينفعك علمك، وإن تك عَيِياً يزيدوك عياً، وان يطلع الله إليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم، ويا بني لا يغيظنك امرؤ رحب الذراعين يسفك دماء المؤمنين، فإن له عند الله قاتلاً لا يموت.

وأخرج عبد الله في زوائده عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء.

وأخرج أحمد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة- يعني حكمة لقمان- لتكن كلمتك طيبة، وليكن وهجك بسيطاً، تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء وقال: مكتوب في التوراة كما تَرحمون تُرحمون.

وقال: مكتوب في الحكمة: كما تَزْرَعُونَ تَحْصِدُون.

وقال: مكتوب في الحكمة: أحب خليلك وخليل أبيك.

وأخرج أحمد عن أبي قلابة رضي الله عنه قال: قيل للقمان عليه السلام: أي الناس أصبر؟

قال: صبر لا معه أذى.

قيل: فأي الناس أعلم؟

قال: من ازداد من علم الناس إلى علمه.

قيل فأي الناس خير؟

قال: الغني.

قيل: الغني من المال؟

قال: لا.

ولكن الغني إذا التمس عنده خير وجدوا لا أغنى نفسه عن الناس.

وأخرج أحمد عن سفيان رضي الله عنه قال: قيل للقمان عليه السلام: أي الناس شر؟

قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً.

وأخرج أحمد عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال: وجدت في بعض الحكمة.

يبرد الله عظام الذين يتكلمون باهواء الناس، ووجدت في الحكمة: لا خير لك في أن تتعلم ما لم تعلم إذا لم تعمل بما قد علمت، فإن مثل ذلك رجل احتطب حطباً فحمل حزمة، فذهب يحملها، فعجز عنها فضم إليها أخرى.

وأخرج أحمد عن محمد بن جحادة رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام: يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حكيم.

وأخرج أحمد عن سفيان رضي الله عنه عمن أخبره أن لقمان عليه السلام قال لابنه: أي بني إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها ناس كثير، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإِيمان بالله، وشراعها التوكل على الله، لعلك أن تنجو، ولا أراك ناجياً.

وأخرج عبد الله في زوائده عن عوف بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني إني حملت الجندل والحديد فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشد من الفقر.

وأخرج أحمد عن شرحبيل بن مسلم رضي الله عنه أن لقمان قال: أقصر من اللجاجة، ولا أنطق فيما لا يعنيني، ولا أكون مضحاكاً من غير عجب، ولا مشاء إلى غير أرب.

وأخرج أحمد عن أبي الجلد رضي الله عنه قال: قرأت في الحكمة: من كان له من نفسه واعظاً كان له من الله حافظاً، ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله بذلك عزاً، والذل في طاعة الله أقرب من التعزز بالمعصية.

وأخرج أحمد عن عبد الله بن دينار رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني انزل نفسك منزلة من لا حاجة له بك، ولا بد لك منه، يا بني كن كمن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب ذمهم، فنفسه منه في عناء والناس منه في راحة.

وأخرج أحمد عن ابن أبي يحيى رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان لابنه: أي بني أن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك.

وأخرج أحمد عن معاوية بن قرة قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني جالس الصالحين من عباد الله فإنك تصيب بمجالستهم خيراً، ولعله أن يكون آخر ذلك تنزل عليهم الرحمة فتصيبك معهم، يا بني لا تجالس الأشرار فإنك لا يصبك من مجالستهم خير، ولعله أن يكون في آخر ذلك أن تنزل عليهم عقوبة فتصيبك معهم.

وأخرج أحمد عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام: الصمت حكم وقليل فاعله فقال طاوس رضي الله عنه: أي أبا نجيح من قال واتقى الله خير ممن صمت واتقى الله.

وأخرج أحمد عن عون رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني إذا انتهيت إلى نادي قوم فارمهم بسهم الإِسلام، ثم اجلس في ناحيتهم، فإن أفاضوا في ذكر الله فاجلس معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم.

وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الله بن دينار رضي الله تعالى عنه: إن لقمان قدم من سفر فلقيه غلام في الطريق فقال: ما فعل أبي؟

قال: مات.

قال: الحمد لله ملكت أمري قال: ما فعلت أمي؟

قال: ماتت.

قال: ذهب همي قال: ما فعلت امرأتي؟

قال: ماتت قال: جدد فراشي قال: ما فعلت أختي؟

قال: ماتت قال: سترت عورتي قال: ما فعل أخي؟

قال: مات قال: انقطع ظهري.

وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الوهاب بن بخت المكي رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله ليحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء.

وأخرج عن عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني امتنع مما يخرج من فيك فإنك ما سكت سالم، وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعك.

وأخرج أحمد عن محمد بن واسع رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم.

وأخرج أحمد عن بكر المزني رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام: ضرب الوالد لولده كالماء للزرع.

وأخرج القالي في أماليه عن العتبي قال: بلغني أن لقمان عليه السلام كان يقول: ثلاثة لا يعرفون إلا ثلاثة مواطن: الحليم عند الغضب.

والشجاع عند الحرب.

وأخوك عند حاجتك إليه.

وأخرج وكيع في الغرر عن الحنظلي رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فاغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره.

وأخرج الدارقطني عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني إنك منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الأخرى، فَدَارٌ أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها تُبَاعِد.

وأخرج ابن المبارك عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام كان يقول: اللهم لا تجعل أصحابي الغافلين، إذا ذكرتك لم يعينوني، وإذا نسيتك لم يذكروني، وإذا أمرت لم يطيعوني، وإن صمت أحزنوني.

وأخرج الحكيم الترمذي عن معتمر عن أبيه أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني عود لسانك أن يقول: اللهم اغفر لي.

فإن لله ساعة لا يرد فيها الدعاء.

وأخرج الخطيب عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني إياك والدَيْن فإنه ذُلُّ النهارِ هَمُّ الليلِ.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني ارج الله رجاء لا يجرئك على معصيته، وخف الله خوفاً لا يؤيسك من رحمته.

وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام: إذا جاءك الرجل وقد سقطت عيناه فلا تقض له حتى يأتي خصمه قال: يقول لعله أن يأتي وقد نزع أربعة أعين.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الحسن رضي الله عنه قال: قال الله عز وجل «يا ابن آدم خلقتك وتعبد غيري، وتدعو إلي وتفر مني، وتذكرني وتنساني هذا أظلم ظلم في الأرض» ثم يتلو الحسن ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ﴾ قال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من أهل مصر، خياطًا (١) وقال مجاهد: كان لقمان الحديث (٢) (٣) (٤) (٥) وروي ذلك عن النبي -  - أنه قال: "لم يكن لقمان نبيًّا، ولكن كان عبدًا كثير التفكر، حسن اليقين، أحب الله فأحبه" (٦) وقال عكرمة والسدى: كان نبيًّا (٧) (٨) وقال مجاهد في تفسير الحكمة هاهنا: الفقه والعقل وإصابة في القول في غير نبوة (٩) وقال قتادة: الفقه في الإسلام ولم يكن يوحى إليه (١٠) وقال مقاتل: أعطيناه العلم في غير نبوة (١١) وقال الكلبي: العلم والفهم (١٢) قوله تعالى: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ قال المبرد: أي اشكر لله، وكان هذا تأويل الحكمة، كقولك: قد تقدمت إلى أن رأيت عمرًا، أي أنت عمرًا (١٣) ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ  ﴾ ، وكذلك ما كان مثله.

قال سيبويه: معناه أي: اعبد الله، وكذلك ما كان مثله، قال: ويجوز أن يكون أن التي هي والفعل مصدر، تقول: كتبت إليك أن قم، فتصل أن بلا كما تصل، بفعل وهذا جائز وليس بالوجه عند سيبويه (١٤) وذكر أبو إسحاق القول الأول فقال: يجوز أن يكون أن مفسرة فيكون المعنى أي: اشكر لله (١٥) وقال صاحب النظم: هذا على تأويل أن من أوتي الحكمة شكر لله، فكأنه لما قال: ﴿ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ﴾ ، أعلم أنه قد أمره بالشكر له، بقوله (١٦) ﴿ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا  ﴾ قال ابن عباس: أن اشكر لله يريد على ما أعطاك الله من الحكمة (١٧) وقال مقاتل: فقلنا له أن اشكر لله فيما أعطاك من الحكمة (١٨) قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ يريد من يطع الله، فإنما يعمل لنفسه.

قاله ابن عباس (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (١) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 331.

(٢) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: (الحكيم).

(٣) المشافر: جمع مشفر وهي الشفاه الغليظة.

(٤) ذكر قول مجاهد: "الثعلبي في تفسيره" 3/ 172 أ، قال: كان لقمان عبدًا أسود عظيم الشفتين متشقق القدمين.

وذكره القرطبي في "تفسيره" 14/ 59.

(٥) حكى الثعلبي في "تفسيره" 3/ 172 أالإجماع على أن لقمان كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا.

إلا عكرمة فإنه قال: كان نبيًا، تفرد بهذا القول.

(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 172 ب، عن ابن عمر، وذكره القرطبي في "تفسيره" 14/ 59، عن ابن عمر أيضًا.

(٧) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 68، "بحر العلوم" 3/ 20.

(٨) لم أجد فيما عندي من مراجع من نسب القول بنبوة لقمان إلى ابن عباس  ما.

(٩) انظر: "بحر العلوم" 3/ 21.

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 67.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 511، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 81 ب.

(١٢) لم أعثر عليه.

(١٣) لم أقف على قول المبرد.

(١٤) "الكتاب" 3/ 153، وانظر: "تفسير القرطبى" 14/ 61.

(١٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 195.

(١٦) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: كقوله.

(١٧) لم أقف عليه فيما بين يدي من مراجع.

(١٨) انظر: "تفسير مقاتل" 81 ب.

(١٩) ذكره القرطبي في "تفسيره" 14/ 62 ولم ينسبه لأحد.

(٢٠) "تفسير مقاتل" 82 ب.

(٢١) في (ب): (لغنى).

(٢٢) لم أقف عليه فيما بين يدي من مراجع.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لُقْمَانَ ﴾ رجل ينطق بالحكمة واختلف هل هو نبيّ أم لا؟

وفي الحديث لم يكن لقمان نبياً، ولكن عبداً حسن اليقين أحب الله فأحبه، فمنّ عليه بالحكمة، روي أنه كان ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وروي أنه كان قاضي بني إسرائيل، واختلف في صناعته، فقيل: كان نجاراً وقيل: خياطاً، وقيل: راعي غنم، وكان ابنه كافراً فما زال يوصيه حتى أسلم، وروي أن اسم ابنه ثاران.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع.

حمزة وأبو عون عن قنبل ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب و ﴿ يتخذها ﴾ بالنصب: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ يا بني لا تشرك ﴾ بسكون الياء: البزي والقواس.

وقرأ حفص والمفضل بفتح الياء وكذا في قوله ﴿ يا بني أقم ﴾ الباقون: بكسر الياء.

﴿ مثقال ﴾ بالرفع: ابو جعفر ونافع ﴿ نصاعر ﴾ بالألف: أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون.

بالتشديد.

الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه وقف لمن قرأ ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع على تقدير هو هدى.

ومن قرأ بالنصب على الحال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ فلا وقف ﴿ للمحسنين ﴾ ه لا ﴿ يوقنون ﴾ ه ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط قد يوقف لمن قرأ ﴿ ويتخذها ﴾ بالرفع والوصل أحسن لأنه وإن لم يكن معطوفاً على ﴿ ليضل ﴾ فهو معطوف على ﴿ يشتري ﴾ ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ وقرأ ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتصال الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه لا للحال والعامل معنى الفعل في لهم ﴿ فيها ﴾ ط لأن التقدير وعد الله وعداً ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ه للعدول ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط وقد يوقف على ﴿ لا تشرك ﴾ على جعل الباء للقسم وهو تكلف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بوالديه ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق ﴿ أن اشكر ﴾ بـ ﴿ وصينا ﴾ ﴿ ولوالديك ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ معروفا ﴾ ز للعدول عن بعض المأمور إلى الكل مع اتفاق الجملتين ﴿ إلي ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الله ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أصابك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ج للآية ووقوع العارض مع عطف المتفقتين ﴿ مرحاً ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ج لما ذكر ﴿ من صوتك ﴾ ه ط ﴿ الحمير ﴾ ه.

التفسير: لما قال في آخر السورة المتقدمة ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل  ﴾ وكان في إشارة إلى إعجاز القرآن، ودل ما بعده إلى تمام السورة على أنهم مصرون على كفرهم، أكد تلك المعاني في أول هذه السورة.

وتفسيره إلى ﴿ المفلحون ﴾ كما في أول البقرة.

إلا قوله ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ فإنه مذكور في أول "يونس".

وحيث زاد ههنا ﴿ ورحمة ﴾ قال ﴿ للمحسنين ﴾ فإن الإحسان مرتبة فوق التقوى لقوله  "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" ولقوله  ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون  ﴾ ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ومما يؤيد ما قلنا أنه لم يقل هنا ﴿ يؤمنون بالغيب  ﴾ لئلا يلزم شبه التكرار، فإن الإحسان لا مزيد عليه في باب العقائد.

ثم بين حال المعرضين عن الحق بقوله ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ الإضافة بمعنى "من" أي الحديث الذي هو لهو ومنكر.

وجوز في الكشاف أن تكون "من" للتبعيض أي يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه وفيه نظر، لأنه يصح هذا التأويل في قولنا "خاتم فضة" وليس بمشهور.

قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحرث وكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشاً.

وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك محمد إليه من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه.

فعلى هذا معنى ﴿ ليضل ﴾ بضم الياء ظاهر، ومن قرأ بالفتح فمعناه الثبات على الضلال أو الإضلال نوع من الضلال.

وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متعلق بـ ﴿ يشتري ﴾ كقوله ﴿ فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين  ﴾ أي للتجارة قاله في الكشاف وغيره.

ولا يبعد عندي تعلقه بقوله ﴿ ليضل ﴾ كما قال ﴿ ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم  ﴾ قال المحققون: ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح، وإذا كان الحديث لهواً لا فائدة فيه كان أقبح.

وقد يسوغه بعض الناس بطريق الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا.

وروي عن النبي  "روِّحوا القلوب ساعة فساعة" والعوام يفهمون منه الترويح بالمطايبة وإن كان الخواص يحملونه على الاشتغال بجانب الحق كقوله "يا بلال روّحنا" ثم إنه إذا لم يقصد به الإحماض بل يقصد به الإضلال لم يكن عليه مزيد في القبح ولا سيما إذا كان معه اشتغاله بلهو الحديث مستكبراً عن آيات الله التي هي محض الحكمة كما قال ﴿ وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً ﴾ ومحل ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ نصب على الحال قال جار الله: الأولى حال من ضمير ﴿ مستكبراً ﴾ والثانية من ﴿ لم يسمعها ﴾ قلت: هذا بناء على تجويز الحال المتداخلة وإلا فمن الجائز أن يكون كل منهما و ﴿ مستكبراً ﴾ حالاً من فاعل ﴿ ولى ﴾ أي مستكبراً مشابهاً لمن لم يسمعها مشابهاً لمن في أذنيه وقر.

وجوز أي يكونا مستأنفين وتقدير كأن المخففة كأنه والضمير للشأن، قال أهل البرهان: هذه الآية والتي في الجاثية نزلتا باتفاق المفسرين في النضر إلا أنه بالغ هنا في ذمه لتركه استماع القرآن فقال بعد قوله ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ اي صمماً لا يقرع مسامعه صوت، فإن عدم السماع أعم من أن يكون بوقر الأذن أو بنحو غفلة.

وترك الجملة الثانية في "الجاثية" لأنه لم يبن الكلام هنالك على المبالغة بدليل قوله ﴿ وإذا علم من آياتنا شيئاً  ﴾ والعلم لا يحصل إلا بالسماع أو ما يقوم مقامه من خط وغيره.

وحين بين وعيد أعداء الدين بين حال أولياء الله بقوله ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.

وقد مر مثله مراراً وفي قوله ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه لا غالب ولا مناوئ، يعطي النعيم من شاء والبؤس من شاء حسب ما تقتضيه حكمته وعدله.

ثم بين عزته وحكمته بقوله ﴿ خلق السموات بغير عمد ﴾ وقد مر في أول "الرعد".

وقوله ﴿ وألقى في الأرض ﴾ مذكور في أول "النحل" و ﴿ من كل زوج كريم ﴾ ذكر في أول الشعراء.

هذا الذي ذكر من السموات بكيفياتها والأرض بهيآتها بسائطها ومركباتها ﴿ خلق الله ﴾ أي مخلوقه ﴿ فأروني ماذا خلق الذين من دونه ﴾ وهم الآلهة بزعمهم.

وهذا أمرتعجيز وتبكيت فلهذا سجل عليهم بالضلال المبين.

ثم بين فساد اعتقاد أهل الشرك بأنه مخالف ايضاً لعقيدة الحكماء الذين يعولون على المعقول الصرف منهم لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته أو من أولاد آزر، عاش ألف سنة وأدرك داود  وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود  ، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له؟

فقال: الا أكتفي إذا كفيت وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً.

عن ابن عباس: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان راعياً أسود فرزقه الله العتق ورضي الله قوله "ووصيته" وحكاها في القرآن.

وقيل: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة.

وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً.

روي أنه دخل على داود  وهو يسرد وقد لين الله له الحديد، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت.

فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله.

فقال له داود  : بحق ما سميت حكيماً.

روي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب، ثم امره بمثل ذلك بعد ايام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب أيضاً فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا.

ثم فسر الحكمة بقوله ﴿ أن اشكر لله ﴾ لأن إيتاء الحكمة في معنى القول.

قال العلماء: هذا أمر تكوين أي جعلناه شاكراً فإن أمر التكليف يستوي فيه الجاهل والحكيم، وفيه تنبيه على أن شكر المعبود الحق رأس كل العبادة وسنام الحكمة وفائدته ترجع إلى العبد لا إلى المعبود فإنه غني عن شكر الشاكرين مستحق للحمد وإن لم يكن على وجه الأرض حامد.

وحين بين كماله شرع في تكميله وذلك لأبنه المسمى أنعم أو أشكم.

قيل: كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظمهما حتى أسلما.

ووجه كون الشرك ظلماً عظيماً أنه وضع في أخس الأشياء - وهو الفقير المطلق- موضع اشرف الاشياء - وهو الغني المطلق- ثم وصى الله  الإنسان بشكر إنعام الوالدين وبطاعتهما وإن كانا كافرين إلا أن يدعواه إلى الإشراك بالله.

وهذه جملة معترضة نيط باعتراضها غرضان: أحدهما أن طاعة الأبوين تالية لعبادة الله، والثاني تأكيد كون الشرك أمراً فظيعاً منكراً حتى إنه يلزم فيه مخالفة من يجب طاعته.

وقوله ﴿ حملته أمه وهناً ﴾ أي حال كونها تهن وهناً ﴿ على وهن ﴾ أي ضعفاً على ضعف، لأن الحمل كلما زاد وعظم ازدادت ثقلاً وضعفاً، اعتراض في اعتراض تحريضاً على رعاية حق الوالدة خصوصاً.

" روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال:قلت: يا رسول الله من أبر؟

قال: أمك ثم أمك ثم أباك" .

وقوله ﴿ وفصاله في عامين ﴾ توقيت للفطام كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين  ﴾ وفيه تنبيه آخر على ما كابدته الأم من المشاق.

ومعنى ﴿ معروفاً ﴾ صحاباً أو مصاحباً معروفاً على ما يقتضيه العرف والشرع.

وفي قوله ﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ إشارة أخرى إلى أنهما لو لم يكونا منيبين إلى الرب لم يتبع سبيلهما في الدين وإن لزم طاعتهما في الدنيا وفي باب حسن العشرة والصحبة.

واتفق المفسرون على أن هذه الآية ونظيرتها التي في "العنكبوت" وفي "الأحقاف" نزلت في سعد بن ابي وقاص وفي أمه حمنة بنت ابي سفيان، وذلك أنه حين أسلم قالت: يا سعد، بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليَّ حرام حتى تكفر بمحمد - وكان أحب ولدها إليها "فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله  وشكا إليه فنزلت هذه الآيات، فأمره رسول الله  أن يتراضاها بالإحسان وإنما لم يذكر في هذه السورة قوله ﴿ حسناً ﴾ لأن قوله ﴿ أن اشكر ﴾ قام مقامه، وإنما قال ههنا ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك ﴾ لأنه أراد وإن حملاك على الإشراك، وقال في العنكبوت ﴿ لتشرك  ﴾ موافقة لما قبله فإنما يجاهد لنفسه مع أن مبني الكلام هناك الاختصار.

وحين وصف نفسه بكماله في خاتمة الآية بقوله ﴿ فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أتبعه ما يناسبه من وصايا لقمان وهوة قوله ﴿ يا بني إنها ﴾ أي القصة ﴿ إن تك ﴾ أي الحبة من الإساءة أو الإحسان في الصغر كحبة الخردل ويجوز أن يقال: الحبة إن تك كحبة الخردل.

ومن قرأ ﴿ مثقال ﴾ بالرفع تعين أن يكون الضمير في ﴿ إنها ﴾ للقصة وتأنيث ﴿ تك ﴾ لإِضافة المثقال إلى الحبة.

وروي أن ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر اي في مغاصة يعلمها الله؟

إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء.

سؤال: الصخرة لا بد أن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة في ذكرها؟

الجواب على قول الظاهريين من المفسرين ظاهر لأنهم قالوا: الصخرة هي التي عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء.

وقال أهل الأدب: فيه إضمار والمراد في صخرة أو في موضع آخر من السموات والأرض ومثله قول جار الله، أراد فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت العالم العلوي أو السفلي، وقال أهل التحقيق: إن خفاء الشيء يكون إما لغاية صغره، وإما لاحتجاجه، وإما لكونه بعيداً، وإما لكونه في ظلمة.

فأشار إلى الأول بقوله ﴿ مثقال من خردل ﴾ وإلى الثاني بقوله ﴿ فتكن في صخرة ﴾ وإلى الثالث بقوله ﴿ أو في السموات ﴾ وإلى الرابع بقوله ﴿ أو في الأرض ﴾ وقوله ﴿ يأت بها الله ﴾ أبلغ من قول القائل "يعلمه الله" ففيه مع العلم بمكانه إظهار القدرة على الإتيان به ﴿ إن الله لطيف ﴾ نافذ القدرة ﴿ خبير ﴾ ببواطن الأمور، وحين منع ابنه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بمكارم الأخلاق والعادات وأولها الصلاة، وفيها تعظيم المعبود الحق، وبعدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبهما تتم الشفقة على خلق الله.

وقوله ﴿ واصبر على ما اصابك ﴾ من أذيات الخلق في البأس، أو هو مطلق في كل ما يصيبه من المصائب والمكاره ﴿ إن ذلك ﴾ المذكور ﴿ من عزم الأمور ﴾ أي من معزوماتها من عزم الأمر بالنصب إذا قطعه قطع إيجاب وإلزام، ومنه العزيمة خلاف الرخصة، أو من عزم الأمر بالرفع أي جد وقد مر في آخر "آل عمران".

وحين أمره بأن يكون كاملاً في نفسه مكملاً لغيره وكان يخشى عليه أن يتكبر على الغير بسبب كونه مكملاً له أو يتبختر في النفس بسبب كونه كاملاً في نفسه قال ﴿ ولا تصعِّر خدك للناس ﴾ يقال: أصعر خدَّه وصعره وصاعره من الصعر بفتحتين وهو داء يصيب البعير يلوي منه عنقه.

والمعنى: أقبل على الناس بكل وجهك تواضعاً لا بشق الوجه كعادة المتكبرين.

ومعنى ﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ مذكور في سورة "سبحان الذي" والمختال والفخور مذكوران في سورة النساء.

فالمختال هو الماشي لأجل الفرح والنشاك لا لمصلحة دينية أو دنيوية، والفخور هو المصعر خده، بين أن الله لا يحبهما فيلزم الاجتناب عن الاتصاف بصفتهما.

ثم امره عند الاحتياج إلى المشي لضرورة بالمشي القصد أي الوسط بين السرعة والإبطاء على قياس سائر الأخلاق والآداب فخير الأمور أوساطها، ومثله غض الصوت حين التكلم.

قال أهل البيان: في تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير التي هي مثل في البلادة حتى استهجن التلفظ باسمها في أغلب الأمر، وفي تمثيل أصواتهم بالنهاق ثم إخلاء الكلام عن أداة التشبيه وإخراجه مخرج الاستعارة، تنبيه على أن الإفراط في رفع الصوت من غير ضرورة ولا فائدة مكروه عند الله جداً، واشتقاق أنكر من النكر ليكون على القياس لا من المنكر والحمير جمع الحمار، وإنما لم يقل أصوات الحمير لأن المراد أن كل جنس من الحيوان الناطق وغير الناطق له صوت، وإن أنكر أصوات هذه الأجناس صوت أفراد هذا الجنس.

قال بعض العقلاء: من نكر صوت هذا الحيوان أنه لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق، وأما سائر الحيوانات فلا يصيح إلا لحاجة قالوا: ومن فوائد عطف الأمر بغض الصوت على الأمر بالقصد في المشي، أن الحيوان يتوصل إلى مطلوبه بالمشي فإن عجز عن ذلك فبالتصويت والنداء كالغنم تطلب السخلة، ومنها أن الإنسان له عقيدة ولسان وجوارح يتحرك بها كسائر الحيوانات فأشار إلى الأولى بقوله ﴿ إنها إن تك مثقال حبة ﴾ أي أصلح ضميرك فإن الله خبير، واشار إلى التوسط في أفعال الجوارح بقوله ﴿ واقصد في مشيك ﴾ وإلى التوسط في الأقوال بقوله ﴿ اغضض من صوتك ﴾ أو نقول: اشار بقوله ﴿ أقم الصلاة ﴾ إلى الأوصاف الملكية التي يجب أن تكون في الإنسان، وبقوله ﴿ وأمر ﴾ إلى قوله ﴿ مرحاً ﴾ إلى الأوصاف الفاضلة الإنسانية، وبقوله ﴿ واقصد ﴾ ﴿ واغضض ﴾ إلى الأوصاف التي يشارك فيها الإنسان سائر الحيوان والله  أعلم.

التأويل: ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ هي للعوام مقادير معينة من المال كربع العشر من عشرين، وللخواص إخراج كل المال في سبيل الله، ولأخص الخواص بذل الوجود لنيل المقصود ﴿ لهو الحديث ﴾ قال الجنيد: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم، وعلى أهل القلوب مباح لوفور علومهم وصفاء قلوبهم، وعلى أصحابنا واجب لفناء حظوظهم.

﴿ وإذ قال لقمان ﴾ القلب ﴿ لابنه ﴾ السر المتولد من ازدواج الروح والقلب ﴿ وهو يعظه ﴾ أن لا يتصف بصفات النفس العابدة للشيطان والهوى والدنيا ﴿ في عامين ﴾ يريد فطامه عن مألوفات الدارين ﴿ وإن جاهداك ﴾ فيه أن السر لا ينبغي له أن يلتفت إلى الروح أو القلب إذا اشتغلا بغير الله في أوقات الفترات، فإن الروح قد يميل غلى مجانسة من الروحانيات، والقلب يميل تارة إلى الروح، وأخرة إلى النفس ولكنه يرجى الصلاة بعد الفترة، وأما السر فإذا زال عن طبيعته وهو الإخلاص في التوحيد فإصلاح حاله ممكن بعيد.

﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ وهو الخفي.

﴿ إنها إن تك ﴾ يعني القسمة الأزلية من السعادة وضدها ﴿ لصوت الحمير ﴾ قالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ .

قال بعضهم: الحكمة هي الإصابة في القول والفعل من غير نبوة.

وقال بعضهم: أعطي الفهم واللب، وقيل: الفهم والفقه في الدين، وقيل: العلم؛ كأنه يقول: أعطيناه العلم والفهم بالكتب المتقدمة.

والفقه: هو معرفة الشيء بنظيره الدال على غيره، أو معرفة ما غاب بما شهد، أو معرفة الخفي الباطن بالظاهر، ونحوه.

والفلاسفة يقولون: الحكمة هي المعرفة مع العمل، والحكيم: هو الذي له المعرفة والعلم والعمل جميعاً؛ فحينئذ يسمى: حكيماً.

وقوله: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ ﴾ .

كأنه قال: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ يحتمل الوجوه التي ذكرنا - وقلنا له: أن اشكر لله فيما أعطاك من الحكمة، وغير ذلك من النعمة، وهذا يدل أن لله فيما يكتسب المؤمن الحكمة والعلم صنعاً؛ إذ لو لم يكن له [لما كان] لقوله: ﴿ آتَيْنَا ﴾ معنى؛ إذ هو للعبد وكسبه ألا ترى أنه أمره أن يشكر له على ذلك، ولو لم يكن له صنع في ذلك لكان لا يأمره بالشكر له على ما لا صنع له فيه؛ إذ يخرج ذلك مخرج طلب الحمد والشكر على ما لم يفعل، وقد ذم من أحب أن يحمد بما لم يفعل؛ فلا يحتمل أن يأمر هو بالحمد والشكر على ما لم يفعل ولا صنع له في ذلك؛ دل أنه له فيه صنعاً، وهو ينقض على المعتزلة في قولهم: أن ليس لله في فعل العبد صنع، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ .

هذا يدل أن ما يأمر عباده وينهاهم، وفيما امتحنهم إنما يمتحنهم ويأمرهم وينهاهم؛ لمنافع أنفسهم وحاجتهم، لا لمنفعة نفسه أو لحاجته؛ حيث قال: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ ؛ حيث يتم تلك النعمة ويديمها له؛ فهو بالشكر ينفع نفسه.

من كفر فإنما ضرر كفره يلحقه دون الله؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ .

أي: غني عن شكره وحمده، حميد وإن لم يحمده أحد من خلقه؛ لأنه غني بذاته، حميد بصنائعه وآلائه وإن لم يحمد هو ولم يشكر على ذلك، لا ينفعه شكر أحد ولا حمده، ولا يضره كفران أحد ولا ترك الشكر له والحمد، وبالله الحول والقوة.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ وجوهاً: أحدها: ظلموا أنفسهم؛ حيث وضعوها في غير موضعها، وأوقعوها في المهالك، بعدما صورها أحسن تصوير ومثلها أحسن تمثيل، وأعظم الظلم من عمل وسعى في هلاك نفسه.

أو ﴿ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ : ظلموا نعم الله؛ حيث صرفوا شكرها إلى غير منعمها.

أو ظلموا ظلماً عظيماً؛ حيث لم يقبلوا شهادة وحدانية الله وألوهيته فيما جعلها في خلقتهم وبنيتهم؛ إذ جعل في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانيته وربوبيته، وذلك أعظم الظلم وأفحشه.

وقوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ﴾ .

ولم يذكر هاهنا بماذا وصاه، فجائز الوصية بما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً  ﴾ و ﴿ إِحْسَاناً  ﴾ ، والإحسان: هو اسم ما حسن من فعل.

وقوله: ﴿ حُسْناً ﴾ : هو اسم ما حسن مما كان يفعله، وهما واحد في الأصل.

وقوله: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ﴾ .

أي: ضعفا على ضعف، أي: كلما مضى عليها وقت ازداد فيها ضعف على ضعف ووجع على وجع، أمر بالإحسان إليهما جميعاً، ثم ذكر ما حملت الأم من المشقة والشدة، ولم يذكر من الأب شيئاً، وقد كان للأب وقت احتمال الأم المشقة - اللذة والسرور والفرح؛ فجائز أن يقال: إن كان من الأب بإزاء تلك المشقة التي احتملت الأم معنى ما يؤمر أن يشكر له ويحسن إليه - وهو ما يتحمل من الإنفاق عليها وعليه في حال الرضاع، وهو ما ذكر ﴿ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ أو ما جعله مطعوناً في الناس بحيث لم يعرف له نسب ينسب إليه؛ بل جعله معروف النسب غير مطعون في الخلق ونحوه.

ثم ذكر الفصال ولم يذكر الرضاع والمشقة في الإرضاع لا في الفصال، لكنه ذكر تمام الرضاع وكماله؛ إذ بالفصال يتم ذلك ويكمل، وفي ذكر التمام له والكمال ذكر الرضاع، وليس في ذكر الرضاع نفسه ذكر تمامه؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

أمر بالشكر له ولوالديه، وحاصل الشكر راجع إليه دون من يشكر له؛ إذ كل من صنع إلى آخر ما يستوجب به الشكر والثناء - فبالله صنع ذلك إليه وبنعمه كان منه ذلك؛ فكل من حمد دونه أو شكر - فراجع إليه في الحقيقة ذلك.

ثم يخرج قوله: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ على وجهين: أحدهما: اشكر لي فيما تشكر والديك بإحسانهما إليك؛ فإنهما ما أحسنا إليك إلا بفضلي ورحمتي؛ كقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ  ﴾ ، أي: اذكروا الله فيما تذكرون آباءكم بصنعهم؛ فإنهم إنما فعلوا ذلك بفضل الله.

أو أن يكون قوله: ﴿ ٱشْكُرْ لِي ﴾ فيما أنعمت عليك، ﴿ وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ : فيما أحسنا إليك وربياك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ ﴾ : قد ذكرنا أنه خص ذلك المصير إليه، وإن كانوا في جميع الأوقات صائرين إليه راجعين بارزين له؛ لما المقصود من إنشائهم في هذا ذاك، وصار إنشاؤهم وخلقهم في الدنيا حكمة بذاك، ما لولا ذلك لكان عبثاً باطلا، على ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا ﴾ .

أمر في الآية الأولى بالإحسان إليهما وبالبر لهما والطاعة، ثم بين أن لا في كل أمر يطاعان، ولا في جميع ما يأمران ويسألان يجابان؛ إنما يطاعان ويجابان فيما يؤذن لهما ويباح لهما، لا فيما لا يؤذن ولا يباح بحال؛ بل يؤمر بالخلاف لهما واعتقاد المعاداة، فضلا أن يطاعا ويجابا إلى ما يدعوان أو يأمران، وكذلك ذكر في الخبر: "أن لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق" .

وإنما أمر بحسن المصاحبة لهما والمعروف: فيما لم يكن في ذلك معصية الخالق؛ حيث قال: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ .

قال بعضهم: اتبع دين من أقبل إلى ورجع إلى طاعتي وهو النبي.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ ، أي: اتبع سبيلي وديني؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ  ﴾ ، فعلى ذلك الأول جائز أن يكون تأويله: اتبع سبيلي وديني، ولا تتبع غيري، [واتبع] سبيل من أناب ورجع إلي، ولا تتبع سبيل من لم ينب ولم يرجع إلي.

ثم أخبر برجوع الكل إليه: من رجع وأناب إليه، ومن لم يرجع ولم ينب إليه؛ على الوعيد حيث قال: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ...

﴾ الآية، وهو كقوله: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً  ﴾ ، أي: من استنكف ومن لم يستنكف يحشر إليه جميعاً؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ﴾ .

لا يحتمل أن يكون هذا الكلام والقول من لقمان كان لابنه ابتداء من غير سؤال كان في ذلك؛ فيعلم أنه كان ذلك منه عن سؤال، لكن لا نعلم ما كان السؤال؟

وعم كان؟

فإما أن كان السؤال عن علمه، فأخبره بما ذكر من حبة مستترة التي ذكر، مكنونة في أخفى الأمكنة عن الخلق، فيما لا يطلع أحد منهم ولا يبلغه علم الخلائق ﴿ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ﴾ ، أي: يعلمها الله؛ فإن كان على هذا [الذي] ذكر فيلزمهم أن يكونوا أبداً مراقبين أعمالهم وأحوالهم في جميع حالاتهم وأوقاتهم وجميع أمورهم؛ لما لا يخفى عليه شيء.

أو أن يكون السؤال عن قدرة الله وسلطانه؛ فأخبر أن الله -  قادر على استخراج تلك الحبة التي استترت واحتجبت عن الخلق بالحجب التي ذكر: ما يعجز الخلائق عن استخراج مثلها من مثل تلك الحجب والأمكنة؛ فيخافون قدرة الله، ويهابون سلطانه في الانتقام منهم في مخالفة أمره ونهيه.

أو أن يكون السؤال عن الرزق فيخبر بهذا أن الشيء وإن كان في مكان لا يبلغه وسع البشر وحيلهم في استخراج ذلك منه والوصول إليه بحال - فالله  ؛ بلطفه يرزق الخلق بأشياء خارجة عن وسعهم وحيلهم ما لا يقع لهم الطمع في ذلك؛ ليكونوا أبداً في كل حال مطمئنين في الرزق لا يؤيسهم عجزهم ولا تعذر حيلهم عن ذلك، وألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي بها يكتسبون؛ وكذلك قال: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ  ﴾ .

أو أن يكون السؤال عن جزاء ما يعمل المرء من قليل أو كثير ومما عظم ولطف، فيخبر أنه يجزي بقليل العمل وكثيره، وكذلك يقول بعض أهل التأويل ذلك: ﴿ يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ ﴾ : من خير أو شر، ﴿ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ﴾ : في جبل، ﴿ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ﴾ ، أي: يجازيها الله؛ فيكون على هذا التأويل كقوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  ﴾ ، فأي شيء كان، ففي ذلك: دلالة وحدانية الله، ودلالة علمه وتدبيره، ودلالة قدرته وسلطانه، ودلالة الثقة به، والتوكل عليه في الرزق، والتفويض في الأمر في كل ما خرج عن وسع الخلق، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إن الله لطيف في استخراج تلك الحبة، خبير بمكانها، وتأويل هذا الكلام: أي: يستخرج تلك الحبة من الحجب التي ذكر والأستار التي بين استخراجا لا يشعر بها أحد، ولا علم كيفية الاستخراج منها ولا ماهيته.

واللطيف: هو البار.

ثم يخرج هو على وجهين: أحدهما: فيما أرسل من الرسول، وما أنزل من الكتب؛ ليدلهم إلى ما يهتدون وإلى ما به نجاتهم، خبير بحوائجهم.

والثاني: تأويل اللطيف يحتمل وجهين: أحدهما: البار على ما ذكرنا.

والثاني: في استخراج أمور لا يبلغها وسع الخلق ولا علمهم وحيلهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

يحتمل الأمر بإقامة الصلاة وجهين: أحدهما: الصلاة التي عرفتها العرب، وهي المسألة والدعاء والثناء على الله والتحميد له والتمجيد؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ...

﴾ الآية [الأحزاب: 56].

وهذه الصلاة المذكورة في هذه الآية هي الدعاء والاستغفار والرحمة له والمغفرة؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون الأمر بإقامة الصلاة هي الأمر بمسألة الرب حوائجه ومغفرته ورحمته؛ ليكون أبداً في كل حال متضرعاً إلى الله، مظهراً حاجته إليه ومثنيا عليه، واصفاً عظمته وجلاله وكبريائه.

والثاني: أراد به الصلاة المعروفة المعهودة على شرائطها التي جعلت وشرعت؛ فإن كان هذا ففيها - أيضاً - ما في الأول من الدعاء والثناء على الله -  - والوصف له بالعظمة والجلال؛ لأنها جعلت من أولها إلى آخرها ذلك.

وإن كان أراد بالصلاة؛ الصلاة المعروفة ففيه أن الصلاة التي شرعت لنا كانت للأمم المتقدمة، وعلى ذلك يخرج قول إبراهيم حيث قال: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ  ﴾ وقول عيسى حيث قال: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .

المعروف: اسم كل بر وخير وكل مستحسن في العقل والطبع.

والمنكر: اسم كل شر وسوء مستقبح في العقل والطبع.

ثم يخرج قوله: ﴿ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ على وجوه: أحدها: المعروف الذي جاءت [به] الرسل عن الله، وشرعوه للخلق، ودعوا [إليه] الخلق.

والمنكر - أيضاً -: هو الذي أنكرته الرسل، ونهت الخلق عنه.

أو أن يكون المعروف هو الذي يقبله كل عقل صحيح، ويستحسنه كل طبع سليم.

والمنكر: هو الذي ينكره كل عقل صحيح ولا يقبله، ويستقبحه كل طبع سليم، يعرف بالبداهة قبحه وحسنه.

أو يعرف أنه معروف أو منكر عند التأمل والتفكر؛ فكله يرجع إلى واحد: إلى ما ذكرنا بدءاً، لكنه يختلف فيما ذكرنا من السبب.

وقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ﴾ .

من الأذى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهل السفه منهم والفسق؛ فلا بد من أن يصيب الأذى من تولى ذلك، وهذا يدل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اللوازم: لا يسع تركه، وإن أصابه الأذى في ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ .

قال بعضهم: إن ذلك من حزم الأمور، والحزم: من إحكام الشيء وإتقانه؛ كأنه يقول: إن ذلك من محكم الأمور ومتقنها؛ لأن الشيء إذا حزم وشدد يؤمن عن سقوطه وذهابه؛ فعلى ذلك ما ذكر.

وقال: العزم: هو القطع والثبات على شيء، تقول: عزمت على كذا وعلى أمر كذا: إذا قطع تدبيره ورأيه واضطرابه، وجعله بحيث لا يرجع ولا يتحول عنه للدنيا، أو لأمر من أمورها؛ ولكن ثبت على ما عزم وقطع؛ فهو العزم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ﴾ .

قوله: ولا ﴿ تصاعر ﴾ و ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ ﴾ ، بالألف وبغير الألف، كلاهما لغتان.

ثم أهل التأويل أو أكثرهم يقولون: قوله: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾ ، أي: لا تعرض وجهك عن الناس؛ تعظماً وتجبراً وتكبراً، وكذلك في قوله: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ﴾ : بطرا فرحا بالمعصية في الخيلاء والعظمة، مستكبراً جباراً، عامتهم يفسرونه بالإعراض للتكبر والتجبر، وكذلك يقول الحسن: إنه قال: هو الإعراض عن الناس من الكبر؛ استحقارا لهم واستخفافا بهم.

والزجاج يقول: الصعر: هو داء يأخذ البعير؛ فيلوي عنقه؛ فعلى تأويله يكون قوله: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ ﴾ ، أي: لا تلو عنقك عن الناس.

وأبو عوسجة يقول قريباً من ذلك؛ يقول: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ ﴾ ، أي: لا تتجبر، وهو أن تلوي عنقك؛ فلا تنظر إليهم كبرا.

ويقول: الصعر: هو اعوجاج في العنق؛ يقال: رجل أصعر، وبعير أصعر، وبه صعر، ويقال في الكلام: فلان صعر خده؛ إذا لوى رأسه عن الناس؛ فلم ينظر إليهم؛ كبرا منه.

وقال - كما قال الزجاج -: إن الصعر داء يأخذ البعير؛ فيلوي عنقه، وأصله: الإعراض؛ على ما ذكره أهل التأويل وأهل الأدب.

ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكر أهل التأويل من حقيقة الإعراض؛ تكبراً وتعظيماً لأنفسهم، [و] استخفافا بالناس واستحقارا لهم؛ لما لم يروا الناس أمثالا لأنفسهم؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ على حقيقة المشي على التكبر والتجبر، على ما ذكرنا.

والثاني: ليس على حقيقة الإعراض بالوجه عنهم، ولا على حقيقة المشي بالأقدام؛ ولكنه كناية عن الامتناع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترك لذلك، لا على التكبر والتجبر عليهم والاستخفاف بهم، ولكن على الحذر والخوف منهم.

فإن كان الامتناع والإعراض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - فلم يعذروا في ترك ذلك؛ لما يحذرون ويخافون منهم.

وكذلك يخرج قوله: ﴿ وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ﴾ على الوجهين اللذين ذكرناهما: أحدهما: على الأمر بقصد المشي وخفض الصوت: حقيقة المشي وحقيقة الصوت.

والثاني: على الكناية عن كيفية المعاملة وماهيتها فيما بين الناس.

فإن كان على حقيقة المشي والصوت، فكأنه يقول: أي اقصد في المشي في الناس، ولا تمش متكبرا مستخفا بهم؛ لتؤذيهم، ﴿ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ﴾ ، أي: لا ترفع صوتك فوق أصواتهم فتؤذيهم بالصوت، ولكن لينهم بالقول.

وقال بعضهم: امش هيناً لينا، ناكس الرأس، ناظراً حيث تمشي، غير ناظر إلى ما لا يحل ولا يسع، ولا رافع صوتك على الناس فتؤذيهم؛ فيكون صوتك عندهم كصوت الحمير الذي ذكر؛ فينكرونه كما ينكر صوت الحمير.

وإن كان على الكناية عن الأحوال في المعاملة فيما بين الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ولا تطلبوا لأنفسكم في ذلك العلو والرفعة ونفاذ القول وقبوله؛ ولكن كونوا في ذلك عادلين قاصدين غير طالبين العلو والرفعة ونفاذ القول وقبوله.

وقوله: ﴿ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا، أي: لا ترفع صوتك على الناس فتؤذيهم كما يؤذي الحمار؛ فيكون صوتك عليهم كصوت الحمار.

أو يذكر هذا؛ لأن الحمار إنما يصيح لحاجة لنفسه وشهوته، وسائر الأشياء إذا صاحوا إنما يصيحون لحاجة أهلها؛ فيذكر أنكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر لا تفعلوا لمنفعة أنفسكم أو لحاجتكم؛ ولكن قوموا لله في ذلك أو لما ذكرنا.

أو خصّ صوت الحمير؛ لأنه ليس من صوت إلا وفيه لذة ومعونة، غير صوت الحمير؛ فإنه ليس فيه لذة ولا منفعة.

أو ذكر؛ لما قيل: إن أوله زفير وآخره شهيق؛ فيشبه زفير أهل النار وشهيقهم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ .

قال: المختال: المتكبر البطر.

وقال بعضهم: المختال: الخداع الغدار، والفخور: يحتمل الذي يفتخر بكثرة المال؛ أو لما لا يرى أحداً شكلا لنفسه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد أعطينا لقمان الفقه في الدين والإصابة في الأمور، وقلنا له: اشكر -يا لقمان- لربك ما أنعم به عليك من التوفيق لطاعته، ومن يشكر ربه فإنما نفع شكره عائد إلى نفسه، فالله غني عن شكره، ومن جَحَدَ نعمة الله عليه فكفر به سبحانه فإنما ضرر كفره عليه ولا يضر الله شيئًا فهو غني عن خلقه جميعًا، محمود على كل حال.

<div class="verse-tafsir" id="91.rYB5r"

مزيد من التفاسير لسورة لقمان

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.3 / 29.5
الإضاءة 98%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله