الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ١٢ من سورة لقمان
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٢ من سورة لقمان من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
اختلف السلف في لقمان ، عليه السلام : هل كان نبيا ، أو عبدا صالحا من غير نبوة ؟
على قولين ، الأكثرون على الثاني .
وقال سفيان الثوري ، عن الأشعث ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان لقمان عبدا حبشيا نجارا .
وقال قتادة ، عن عبد الله بن الزبير ، قلت لجابر بن عبد الله : ما انتهى إليكم من شأن لقمان ؟
قال : كان قصيرا أفطس من النوبة .
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيب قال : كان لقمان من سودان مصر ، ذا مشافر ، أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة .
وقال الأوزاعي : رحمه الله ، حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال : جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله ، فقال له سعيد بن المسيب : لا تحزن من أجل أنك أسود ، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان : بلال ، ومهجع مولى عمر بن الخطاب ، ولقمان الحكيم ، كان أسود نوبيا ذا مشافر .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن أبي الأشهب ، عن خالد الربعي قال : كان لقمان عبدا حبشيا نجارا ، فقال له مولاه : اذبح لنا هذه الشاة .
فذبحها ، فقال : أخرج أطيب مضغتين فيها .
فأخرج اللسان والقلب ، فمكث ما شاء الله ثم قال : اذبح لنا هذه الشاة .
فذبحها ، فقال : أخرج أخبث مضغتين فيها .
فأخرج اللسان والقلب ، فقال له مولاه : أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما ، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما .
فقال لقمان : إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا ، ولا أخبث منهما إذا خبثا .
وقال شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد : كان لقمان عبدا صالحا ، ولم يكن نبيا .
وقال الأعمش : قال مجاهد : كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين ، مشقق القدمين .
وقال حكام بن سلم ، عن سعيد الزبيدي ، عن مجاهد : كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا غليظ الشفتين ، مصفح القدمين ، قاضيا على بني إسرائيل .
وذكر غيره : أنه كان قاضيا على بني إسرائيل في زمن داود ، عليه السلام .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا الحكم حدثنا عمرو بن قيس قال : كان لقمان ، عليه السلام ، عبدا أسود غليظ الشفتين ، مصفح القدمين ، فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم ، فقال له : ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا ، قال : نعم .
فقال : فما بلغ بك ما أرى ؟
قال : صدق الحديث ، والصمت عما لا يعنيني .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا صفوان ، حدثنا الوليد ، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد عن جابر قال : إن الله رفع لقمان الحكيم بحكمته ، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك ، فقال له : ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس ؟
قال : بلى .
قال : فما بلغ بك ما أرى ؟
قال : قدر الله ، وأداء الأمانة ، وصدق الحديث ، وتركي ما لا يعنيني .
فهذه الآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيا ، ومنها ما هو مشعر بذلك; لأن كونه عبدا قد مسه الرق ينافي كونه نبيا; لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها; ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيا ، وإنما ينقل كونه نبيا عن عكرمة - إن صح السند إليه ، فإنه رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم من حديث وكيع عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عكرمة فقال : كان لقمان نبيا .
وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي ، وهو ضعيف ، والله أعلم .
وقال عبد الله بن وهب : أخبرني عبد الله بن عياش القتباني ، عن عمر مولى غفرة قال : وقف رجل على لقمان الحكيم فقال : أنت لقمان ، أنت عبد بني الحسحاس ؟
قال : نعم .
قال : أنت راعي الغنم ؟
قال : نعم .
قال : أنت الأسود ؟
قال : أما سوادي فظاهر ، فما الذي يعجبك من أمري ؟
قال : وطء الناس بساطك ، وغشيهم بابك ، ورضاهم بقولك .
قال : يا بن أخي إن صغيت إلى ما أقول لك كنت كذلك .
قال لقمان : غضي بصري ، وكفي لساني ، وعفة طعمتي ، وحفظي فرجي ، وقولي بصدق ، ووفائي بعهدي ، وتكرمتي ضيفي ، وحفظي جاري ، وتركي ما لا يعنيني ، فذاك الذي صيرني إلى ما ترى .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن نفيل ، حدثنا عمرو بن واقد ، عن عبدة بن رباح ، عن ربيعة ، عن أبي الدرداء ، رضي الله عنه ، أنه قال يوما - وذكر لقمان الحكيم - فقال : ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال ، ولا حسب ولا خصال ، ولكنه كان رجلا صمصامة سكيتا ، طويل التفكر ، عميق النظر ، لم ينم نهارا قط ، ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخع ، ولا يبول ولا يتغوط ، ولا يغتسل ، ولا يعبث ولا يضحك ، وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد ، وكان قد تزوج وولد له أولاد ، فماتوا فلم يبك عليهم .
وكان يغشى السلطان ، ويأتي الحكام ، لينظر ويتفكر ويعتبر ، فبذلك أوتي ما أوتي .
وقد ورد أثر غريب عن قتادة ، رواه ابن أبي حاتم ، فقال : حدثنا أبي ، حدثنا العباس بن الوليد ، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي ، حدثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة قال : خير الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة ، فاختار الحكمة على النبوة .
قال : فأتاه جبريل وهو نائم فذر عليه الحكمة - أو : رش عليه الحكمة - قال : فأصبح ينطق بها .
قال سعيد : فسمعت عن قتادة يقول : قيل للقمان : كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك ؟
فقال : إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه ، ولكنت أرجو أن أقوم بها ، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة ، فكانت الحكمة أحب إلي .
فهذا من رواية سعيد بن بشير ، وفيه ضعف قد تكلموا فيه بسببه ، فالله أعلم .
والذي رواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، في قوله تعالى : ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) أي : الفقه في الإسلام ، ولم يكن نبيا ، ولم يوح إليه .
وقوله : ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) أي : الفهم والعلم والتعبير ، ( أن اشكر لله ) أي : أمرناه أن يشكر الله ، عز وجل ، على ما أتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل ، الذي خصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه .
ثم قال تعالى : ( ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ) أي : إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين لقوله تعالى : ( ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ) [ الروم : 44 ] .
وقوله : ( ومن كفر فإن الله غني حميد ) أي : غني عن العباد ، لا يتضرر بذلك ، ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعا ، فإنه الغني عمن سواه; فلا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا لقمان الفقه في الدين والعقل والإصابة في القول.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمان الحِكْمَةَ) قال: الفقه والعقل والإصابة في القول من غير نبوّة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ) أي الفقه في الإسلام، قال قَتادة: ولم يكن نبيا، ولم يوح إليه.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن مجاهد في قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ) قال: الحكمة: الصواب، وقال غير أبي بشر: الصواب في غير النبوّة.
حدثنا ابن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد &; 20-135 &; أنه قال: كان لقمان رجلا صالحا، ولم يكن نبيا.
حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي وابن حميد، قالا ثنا حكام، عن سعيد الزبيدي، عن مجاهد قال: كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضيا على بني إسرائيل.
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: كان لقمان عبدا أسود، عظيم الشفتين، مشقَّق القدمين.
حدثني عباس بن محمد، قال: ثنا خالد بن مخلد، قال: ثنا سليمان بن بلال، قال: ثني يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: كان لقمان الحكيم أسود من سودان مصر.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أشعث، عن عكرِمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدا حبشيا.
حدثنا العباس بن الوليد، قال: أخبرنا أبي، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثنا عبد الرحمن بن حرملة، قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأل، فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان: بِلال، ومهجِّع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم كان أسود نوبيا ذا مشافر.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي الأشهب، عن خالد الربعي، قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، قال: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، فقال: أخرج أخبث مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما، فقال له لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرو بن قيس، قال: كان لقمان عبدا أسود، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، فأتاه رجل، وهو في مجلس أناس يحدّثهم، فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟
قال: نعم، قال: فما بلغ بك ما أرى؟
قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقمانَ الحِكْمَةَ) قال: القرآن.
قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الحكمة: الأمانة.
وقال آخرون: كان نبيا.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرِمة، قال: كان لقمان نبيا.
وقوله: (أنِ اشْكُرْ لِلهِ) يقول تعالى ذكره: (ولقد آتينا لقمان الحكمة)، أن احمد الله على ما آتاك من فضله، وجعل قوله: (أنِ اشكُرْ) ترجمة عن الحكمة؛ لأن من الحكمة التي كان أوتيها، كان شكره الله على ما آتَاهُ، وقوله: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) يقول: ومن يشكر الله على نعمه عنده فإنما يشكر لنفسه، لأن الله يجزل له على شكره إياه الثواب، وينقذه به من الهلكة (وَمَن كَفَرَ فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) يقول: ومن كفر نعمة الله عليه إلى نفسه أساء؛ لأن الله معاقبه على كفرانه إياه، والله غنيّ عن شكره إياه على نعمه، لا حاجة به إليه، لأن شكره إياه لا يزيد في سلطانه، ولا ينقص كفرانه إياه من ملكه.
ويعني بقوله: (حَمِيدٌ) محمود على كلّ حال، له الحمد على نعمه، كفر العبد نعمته أو شكره عليها، وهو مصروف من مفعول إلى فعيل.
قوله تعالى : ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد .قوله تعالى : ولقد آتينا لقمان الحكمة مفعولان .
ولم ينصرف لقمان لأن في آخره ألفا ونونا زائدتين ; فأشبه فعلان الذي أنثاه فعلى فلم ينصرف في المعرفة ; لأن ذلك ثقل [ ص: 56 ] ثان ، وانصرف في النكرة لأن أحد الثقلين قد زال ; قاله النحاس .
وهو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارح ، وهو آزر أبو إبراهيم ; كذا نسبه محمد بن إسحاق .
وقيل : هو لقمان بن عنقاء بن سرون وكان نوبيا من أهل أيلة ; ذكره السهيلي .
قال وهب : كان ابن أخت أيوب .
وقال مقاتل : ذكر أنه كان ابن خالة أيوب .
الزمخشري : وهو لقمان بن باعوراء بن أخت أيوب أو ابن خالته .
وقيل كان من أولاد آزر ، عاش ألف سنة وأدركه داود عليه الصلاة والسلام وأخذ عنه العلم ، وكان يفتي قبل مبعث داود ، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له ، فقال : ألا أكتفي إذ كفيت ؟
وقال الواقدي : كان قاضيا في بني إسرائيل .
وقال سعيد بن المسيب : كان لقمان أسود من سودان مصر ذا مشافر ، أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة ; وعلى هذا جمهور أهل التأويل أنه كان وليا ولم يكن نبيا .
وقال بنبوته عكرمة والشعبي ; وعلى هذا تكون الحكمة النبوة .
والصواب أنه كان رجلا حكيما بحكمة الله تعالى - وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعقل - قاضيا في بني إسرائيل ، أسود مشقق الرجلين ذا مشافر ، أي عظيم الشفتين ; قاله ابن عباس وغيره .وروي من حديث ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين ، أحب الله تعالى فأحبه ، فمن عليه بالحكمة ، وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق ; فقال : رب ، إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء ، وإن عزمت علي فسمعا وطاعة فإنك ستعصمني " ذكره ابن عطية .
وزاد الثعلبي : " فقالت له الملائكة بصوت لا يراهم : لم يا لقمان ؟
قال : لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها ، يغشاه المظلوم من كل مكان ، إن يعن فبالحري أن ينجو ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة .
ومن يكن في الدنيا ذليلا فذلك خير من أن يكون فيها شريفا .
ومن يختر الدنيا على الآخرة نفته الدنيا ولا يصيب الآخرة .
فعجبت الملائكة من حسن منطقه ; فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها .
ثم نودي داود بعده فقبلها - يعني الخلافة - ولم يشترط ما اشترطه لقمان ، فهوى في الخطيئة غير مرة ، كل ذلك يعفو الله عنه .
وكان لقمان يوازره بحكمته ; فقال له داود : طوبى لك يا لقمان !
أعطيت الحكمة وصرف عنك البلاء ، وأعطي داود الخلافة وابتلي بالبلاء والفتنة " .
وقال قتادة : خير الله تعالى لقمان بين النبوة والحكمة ; فاختار [ ص: 57 ] الحكمة على النبوة ; فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم فذر عليه الحكمة فأصبح وهو ينطق بها ; فقيل له : كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك ؟
فقال : إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيها العون منه ، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة ، فكانت الحكمة أحب إلي .واختلف في صنعته ; فقيل : كان خياطا ; قاله سعيد بن المسيب ، وقال لرجل أسود : لا تحزن من أنك أسود ، فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان : بلال ومهجع مولى عمر ولقمان .
وقيل : كان يحتطب كل يوم لمولاه حزمة حطب .
وقال لرجل ينظر إليه : إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق ، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض .
وقيل : كان راعيا ، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال له : ألست عبد بني فلان ؟
قال : بلى .
قال : فما بلغ بك ما أرى ؟
قال : قدر الله ، وأدائي الأمانة ، وصدق الحديث ، وترك ما لا يعنيني ; قاله عبد الرحمن بن زيد بن جابر .
وقال خالد الربعي : كان نجارا ; فقال له سيده : اذبح لي شاة وأتني بأطيبها مضغتين ; فأتاه باللسان والقلب ; فقال له : ما كان فيها شيء أطيب من هذين ؟
فسكت ، ثم أمره بذبح شاة أخرى ثم قال له : ألق أخبثها مضغتين ; فألقى اللسان والقلب ; فقال له : أمرتك أن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب ، وأمرتك أن تلقي أخبثها فألقيت اللسان والقلب ؟
!
فقال له : إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ، ولا أخبث منهما إذا خبثا .قلت : هذا معناه مرفوع في غير ما حديث ; من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب .
وجاء في اللسان آثار كثيرة صحيحة وشهيرة ; منها قوله عليه السلام : من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة : ما بين لحييه ورجليه .
.
الحديث .
وحكم لقمان كثيرة مأثورة هذا منها .
وقيل له : أي الناس شر ؟
قال : الذي لا يبالي أن رآه الناس مسيئا[ ص: 58 ] .
قلت : وهذا أيضا مرفوع معنى ، قال صلى الله عليه وسلم : كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه .
رواه أبو هريرة خرجه البخاري .
وقال وهب بن منبه : قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب .
وروي أنه دخل على داود عليه السلام وهو يسرد الدروع ، وقد لين الله له الحديد كالطين فأراد أن يسأله ، فأدركته الحكمة فسكت ; فلما أتمها لبسها وقال : نعم لبوس الحرب أنت .
فقال : الصمت حكمة ، وقليل فاعله .
فقال له داود : بحق ما سميت حكيما .قوله تعالى : أن اشكر لله فيه تقديران : أحدهما أن تكون أن بمعنى أي مفسرة ; أي قلنا له اشكر .
والقول الآخر إنها في موضع نصب والفعل داخل في صلتها ; كما حكى سيبويه : كتبت إليه أن قم ; إلا أن هذا الوجه عنده بعيد .
وقال الزجاج : المعنى ولقد آتينا لقمان الحكمة لأن يشكر الله تعالى .
وقيل : أي بأن اشكر لله تعالى فشكر ; فكان حكيما بشكره لنا .
والشكر لله : طاعته فيما أمر به .
وقد مضى القول في حقيقته لغة ومعنى في ( البقرة ) وغيرها .
ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه أي من يطع الله تعالى فإنما يعمل لنفسه ; لأن نفع الثواب عائد إليه .
ومن كفر أي كفر النعم فلم يوحد الله فإن الله غني عن عبادة خلقه حميد عند الخلق ; أي محمود .
وقال يحيى بن سلام : غني عن خلقه حميد في فعله .
يخبر تعالى عن امتنانه على عبده الفاضل لقمان، بالحكمة، وهي العلم [بالحق] على وجهه وحكمته، فهي العلم بالأحكام، ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام، فقد يكون الإنسان عالما، ولا يكون حكيما.وأما الحكمة، فهي مستلزمة للعلم، بل وللعمل، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع، والعمل الصالح.ولما أعطاه اللّه هذه المنة العظيمة، أمره أن يشكره على ما أعطاه، ليبارك له فيه، وليزيده من فضله، وأخبره أن شكر الشاكرين، يعود نفعه عليهم، وأن من كفر فلم يشكر اللّه، عاد وبال ذلك عليه.
والله غني [عنه] حميد فيما يقدره ويقضيه، على من خالف أمره، فغناه تعالى، من لوازم ذاته، وكونه حميدا في صفات كماله، حميدا في جميل صنعه، من لوازم ذاته، وكل واحد من الوصفين، صفة كمال، واجتماع أحدهما إلى الآخر، زيادة كمال إلى كمال.واختلف المفسرون، هل كان لقمان نبيا، أو عبدا صالحا؟
واللّه تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدل على حكمته في وعظه لابنه، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار.
قوله تعالى : ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) يعني : العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور .
قال محمد بن إسحاق : وهو لقمان بن ناعور بن ناحور بن تارخ وهو آزر .
وقال وهب : كان ابن أخت أيوب ، وقال مقاتل : ذكر أنه كان ابن خالة أيوب .
قال الواقدي : كان قاضيا في بني إسرائيل .
واتفق العلماء على أنه كان حكيما ، ولم يكن نبيا ، إلا عكرمة فإنه قال : كان لقمان نبيا .
وتفرد بهذا القول .
وقال بعضهم : خير لقمان بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة .
وروي أنه كان نائما نصف النهار فنودي : يا لقمان ، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض لتحكم بين الناس بالحق ؟
فأجاب الصوت فقال : إن خيرني ربي قبلت العافية ، ولم أقبل البلاء ، وإن عزم علي فسمعا وطاعة ، فإني أعلم إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني ، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم : لم يا لقمان ؟
قال : لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها ، يغشاها الظلم من كل مكان أن يعدل فبالحري أن ينجو ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة ، ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن يكون شريفا ، ومن يختر الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولا يصيب الآخرة .
فعجبت الملائكة من حسن منطقه ، فنام نومة فأعطي الحكمة ، فانتبه وهو يتكلم بها ، ثم نودي داود بعده فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان ، فهوى في الخطيئة غير مرة ، كل ذلك يعفو الله عنه ، وكان لقمان يؤازره بحكمته .
وعن خالد الربعي قال : كان لقمان عبدا حبشيا نجارا .
وقال سعيد بن المسيب : كان خياطا .
وقيل : كان راعي غنم .
فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال : ألست فلانا الراعي فبم بلغت ما بلغت ؟
قال : بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وترك ما لا يعنيني .
وقال مجاهد : كان عبدا أسود عظيم الشفتين ومشقق القدمين .
قوله - عز وجل - : ( أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد )
«ولقد آتينا لقمان الحكمة» منها العلم والديانة والإصابة في القول، وحكمه كثيرة مأثورة، كان يفتي قبل بعثة داود وأدرك بعثته وأخذ عنه العلم وترك الفتيا وقال في ذلك: ألا أكتفي إذا كفيت، وقيل له أي الناس شر؟
قال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئاً «أن» أي وقلنا له أن «أشكر لله» على ما أعطاك من الحكمة «ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه» لأن ثواب شكره له «ومن كفر» النعمة «فإن الله غني» عن خلقه «حميد» محمود في صنعه.
ولقد أعطينا عبدًا صالحًا من عبادنا (وهو لقمان) الحكمة، وهي الفقه في الدين وسلامة العقل والإصابة في القول، وقلنا له: اشكر لله نِعَمَه عليك، ومَن يشكر لربه فإنما يعود نَفْع ذلك عليه، ومن جحد نِعَمَه فإن الله غني عن شكره، غير محتاج إليه، له الحمد والثناء على كل حال.
ثم ساق - سبحانه - على لسان عبد صالح من عباده ، جملة من الوصايا الحكيمة ، لتكون عظة وعبر للناس ، فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ .
.
.
الأصوات لَصَوْتُ الحمير ) .قال ابن كثير - رحمه الله - : اختلف السلف فى لقمان ، هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟
والأكثرون على أنه لم يكن نبيا .وعن ابن عباس وغيره : كان لقمان عبدا حبشا نجارا .
.
.قال له مولاه : اذبح لنا شاة وجئنى بأخبث ما فيها؟
فذبحها وجهاءه بلسانها وقلبها .
ثم قال له مرة ثانية : اذبح لنا شاة وجئنى بأحسن ما فيها؟
فذبحها وجاءه - أيضاً بقلبها ولسانها ، فقال له مولاه ما هذا؟
فقال لقمان : إنه ليس من شئ أطيب منهما إذا طابا ، وليس من شئ أخبث منها إذا خبثا .وقال له رجل : ألست عبد فلان؟
فما الذى بلغ بك ما أرى من الحكمة؟
فقال لقمان : قدر الله وأداء الأمانة ، وصدق الحديث ، وتركى مالا يعنينى .ومن أقواله لابنه : يا بنى اتخذ تقوى الله لك تجارة ، يأتك الربح من غير بضاعة .
يا بنى ، لا تكن اعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار ، وأنت نائم على فراشك ، با بنى ، اعتزل الشر كما يعتزلك ، فإن الشر للشر خلق .يا بنى ، عليك بمجالس العلماء ، وبسماع كلام الحكماء ، فإن الله - تعالى - يحيى القلب الميت بنور الحكمة .يا بنى ، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها ، واستقبلت الآخرة ، ودار أنت إليها تسير ، أقرب من دار أنت عنها ترتحل .وقال الآلوسى ما ملخصه : ولقمان : اسم أعجمى لا عربى وهو ابن باعوراء .
قيل : كان فى زمان داود - عليه السلام - وقيل : كان زمانه بين عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام - .ثم قال الآلوسى : وإنى اختار أنه كان رجلا صالحا حكيما ، ولم يكن نبيا .وقوله - سبحانه - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة ) كلام مستانف مسوق لإِبطال الإِشراك بالله - تعالى - عن طرق النقل ، بعد بيان إبطال عن طريق العقل ، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك : ( هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ .
.
.
) والحكمة : اكتساب العلم النافع والعمل به .
و هى : العقل والفهم .
أو هى الإِصافة فى القول والعمل .والمعنى : والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به .وقوله - سبحانه - ( أَنِ اشكر للَّهِ ) بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة .
أى : أتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر لله على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها .قال الشوكانى : قوله : ( أَنِ اشكر للَّهِ ) أن هى المفسرة : لأن فى إيتاء الحكمة معنى القول .
وقيل التقدير : قلنا له أن اشكر لى .
.
وقيل : بأن اشكر لى فشكر ، فكان حكيما بشكره .والشكر لله : الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقت له - ، وطاعته فيما أمر به .ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال : ( وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) .أى : ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه ، فإن نفع شكره إنما يعود إليه ، ومن جحد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإِيمان ، فالله - تنعالى - غنى عنه وعن غيره ، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإِنعامه عليهم بالنعم التى لا تعد ولا تحصى : فحميد بمعنى محمود .فالجملة الكريمة المقصود بها ، بيان غنى الله - تعالى - عن خلقه ، وعدم انتفاعهم بطاعتهم ، لأن منفعتها راجعة إليهم ، وعدم تضرره بمعصيتهم .
وإنما ضرر ذلك يعود عليهم .
وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع ، للإِشارة إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائما على تذكر لنعم الله - تعالى - ، وإذا ما غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت ، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره .وعبر فى جانب الكفر بالفعل الماضى ، للإِشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من أى عاقل ، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما ، وأن يجعله فى خبر كان .وجواب الشرط محذوف ، وقد قام مقامه قوله - تعالى - : ( فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) والتقدير : ومن كفر فضرر كفره راجع إليه .
لأن الله - تعالى - غنى حميد .
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة أَنِ اشكر للَّهِ ﴾ لما بين الله فساد اعتقادهم بسبب عنادهم بإشراك من لا يخلق شيئاً بمن خلق كل شيء بقوله: ﴿ هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ ﴾ وبين أن المشرك ظالم ضال، ذكر ما يدل على أن ضلالهم وظلمهم بمقتضى الحكمة وإن لم يكن هناك نبوة وهذا إشارة إلى معنى، وهو أن اتباع النبي عليه السلام لازم فيما لا يعقل معناه إظهاراً للتعبد فكيف ما لا يختص بالنبوة، بل يدرك بالعقل معناه وما جاء به النبي عليه السلام مدرك بالحكمة وذكر حكاية لقمان وأنه أدركه بالحكمة وقوله: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة ﴾ عبارة عن توفيق العمل بالعلم، فكل من أوتي توفيق العمل بالعلم فقد أوتي الحكمة، وإن أردنا تحديدها بما يدخل فيه حكمة الله تعالى، فنقول حصول العمل على وفق المعلوم، والذي يدل على ما ذكرنا أن من تعلم شيئاً ولا يعلم مصالحه ومفاسده لا يسمى حكيماً وإنما يكون مبخوتاً، ألا ترى أن من يلقي نفسه من مكان عال ووقع على موضع فانخسف به وظهر له كنز وسلم لا يقال إنه حكيم، وإن ظهر لفعله مصلحة وخلو عن مفسدة، لعدم علمه به أولاً، ومن يعلم أن الإلقاء فيه إهلاك النفس ويلقي نفسه من ذلك المكان وتنكسر أعضاؤه لا يقال إنه حكيم وإن علم ما يكون في فعله، ثم الذي يدل على ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿ أَنِ اشكر للَّهِ ﴾ فإن أن في مثل هذا تسمى المفسرة ففسر الله إيتاء الحكمة بقوله: ﴿ أَنِ اشكر للَّهِ ﴾ وهو كذلك، لأن من جملة ما يقال إن العمل موافق للعلم، لأن الإنسان إذا علم أمرين أحدهما أهم من الآخر، فإن اشتغل بالأهم كان عمله موافقاً لعلمه وكان حكمة، وإن أهمل الأهم كان مخالفاً للعلم ولم يكن من الحكمة في شيء، لكن شكر الله أهم الأشياء فالحكمة أول ما تقتضي، ثم إن الله تعالى بين أن بالشكر لا ينتفع إلا الشاكر بقوله: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ وبين أن بالكفران لا يتضرر غير الكافر بقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ حَمِيدٌ ﴾ أي الله غير محتاج إلى شكر حتى يتضرر بكفران الكافر وهو في نفسه محمود سواء شكره الناس أو لم يشكروه، وفي الآية مسائل ولطائف الأولى: فسر الله إيتاء الحكمة بالأمر بالشكر، لكن الكافر والجاهل مأموران بالشكر فينبغي أن يكون قد أوتي الحكمة والجواب: أن قوله تعالى: ﴿ أَنِ اشكر للَّهِ ﴾ أمر تكوين معناه آتيناه الحكمة بأن جعلناه من الشاكرين، وفي الكافر الأمر بالشكر أمر تكليف.
المسألة الثانية: قال في الشكر ﴿ ومن يشكر ﴾ بصيغة المستقبل، وفي الكفران ﴿ ومن كفر فإن الله غني ﴾ ، وإن كان الشرط يجعل الماضي والمستقبل في معنى واحد، كقول القائل: من دخل داري فهو حر، ومن يدخل داري فهو حر، فنقول فيه إشارة إلى معنى وإرشاد إلى أمر، وهو أن الشكر ينبغي أن يتكرر في كل وقت لتكرر النعمة، فمن شكر ينبغي أن يكرر، والكفر ينبغي أن ينقطع فمن كفر ينبغي أن يترك الكفران، ولأن الشكر من الشاكر لا يقع بكماله، بل أبداً يكون منه شيء في العدم يريد الشاكر إدخاله في الوجود، كما قال: ﴿ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَك ﴾ وكما قال تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ فأشار إليه بصيغة المستقبل تنبيهاً على أن الشكر بكماله لم يوجد وأما الكفران فكل جزء يقع منه تام، فقال بصيغة الماضي.
المسألة الثالثة: قال تعالى هنا: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ ﴾ بتقديم الشكر على الكفران، وقال في سورة الروم: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالحا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُون ﴾ فنقول هناك كان الذكر للترهيب لقوله تعالى من قبل: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ القيم مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُون ﴾ وهاهنا الذكر للترغيب، لأن وعظ الأب للابن يكون بطريق اللطف والوعد، وقوله: ﴿ وَمَنْ عَمِلَ صالحا ﴾ يحقق ما ذكرنا أولاً، لأن المذكور في سورة الروم لما كان بعد اليوم الذي لا مرد له تكون الأعمال قد سبقت فقال بلفظ الماضي ومن عمل، وهاهنا لما كان المذكور في الابتداء قال: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ ﴾ بلفظ المستقبل وقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ ﴾ عن حمد الحامدين، حميد في ذاته من غير حمدهم، وإنما الحامد ترتفع مرتبته بكونه حامداً لله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
هو لقمان بن باعورا: ابن أخت أيوب أو ابن خالته.
وقيل: كان من أولاد آزر، وعاش ألف سنة، وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود عليه السلام، فلما بعث قطع الفتوى، فقيل له؟
فقال: ألا أكتفي إذا كفيت؟
وقيل: كان قاضياً في بني إسرائيل، وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً، ولكن كان راعياً أسود، فرزقه الله العتق، ورضي قوله ووصيته، فقص أمره في القرآن لتمسكوا بوصيته.
وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً.
وقيل: خيّر بين النبوّة والحكمة فاختار الحكمة.
وعن ابن المسيب: كان أسود من سودان مصر خياطاً، وعن مجاهد: كان عبداً أسود غليظ الشفتين متشقق القدمين.
وقيل: كان نجاراً.
وقيل: كان راعياً وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة.
وعنه أنه قال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض.
وروي أن رجلاً وقف عليه في مجلسه فقال: ألست الذي ترعى معي في مكان كذا؟
قال: بلى.
قال ما بلغ بك ما أرى؟
قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني.
وروي أنه دخل على داود عليه السلام وهو يسرد الدرع وقد لين الله له الحديد كالطين، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت.
فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله، فقال له داود: بحق ما سميت حكيماً.
وروي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين، فأخرج اللسان والقلب، ثم أمره بمثل ذلك بعد أيام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب، فسأله عن ذلك؟
فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا.
وعن سعيد بن المسيب أنه قال لأسود: لا تحزن، فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان: بلال ومهجع مولى عمر، ولقمان.
﴿ أن ﴾ هي المفسرة، لأنّ إيتاء الحكمة في معنى القول، وقد نبه الله سبحانه على أنّ الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي: هو العمل بهما وعبادة الله والشكر له، حيث فسر إيتاء الحكمة بالبعث على الشكر ﴿ غَنِىٌّ ﴾ غير محتاج إلى الشكر ﴿ حَمِيدٌ ﴾ حقيق بأن يحمد وإن لم يحمده أحد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ يَعْنِي لُقْمانَ بْنَ باعُوراءَ مِن أوْلادِ آزَرَ ابْنِ أُخْتِ أيُّوبَ أوْ خالَتِهِ، وعاشَ حَتّى أدْرَكَ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأخَذَ مِنهُ العِلْمَ وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ كانَ حَكِيمًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.
والحِكْمَةُ في عُرْفِ العُلَماءِ: اسْتِكْمالُ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ بِاقْتِباسِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، واكْتِسابِ المَلَكَةِ التّامَّةِ عَلى الأفْعالِ الفاضِلَةِ عَلى قَدْرِ طاقَتِها.
ومِن حِكْمَتِهِ أنَّهُ صَحِبَ داوُدَ شُهُورًا وكانَ يَسْرُدُ الدِّرْعَ فَلَمْ يَسْألْهُ عَنْها فَلَمّا أتَمَّها لَبِسَها وقالَ: نِعْمَ لَبُوسُ الحَرْبِ أنْتَ فَقالَ: الصَّمْتُ حُكْمٌ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ، وأنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ يَوْمًا كَيْفَ أصْبَحْتَ فَقالَ أصْبَحْتُ في يَدِي غَيْرِي، فَتَفَكَّرَ داوُدُ فِيهِ فَصُعِقَ صَعْقَةً.
وأنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَذْبَحَ شاةً ويَأْتِيَ بِأطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ مِنها فَأتى بِاللِّسانِ والقَلْبِ، ثُمَّ بَعْدَ أيّامٍ أمَرَهُ بِأنْ يَأْتِيَ بِأخْبَثِ مُضْغَتَيْنِ مِنها فَأتى بِهِما أيْضًا فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هُما أطْيَبُ شَيْءٍ إذا طابا وأخْبَثُ شَيْءٍ إذا خَبُثا.
﴿ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ لِأنَّ أشْكُرَ أوْ أيْ أشْكُرُ فَإنَّ إيتاءَ الحِكْمَةِ في مَعْنى القَوْلِ.
﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ لِأنَّ نَفْعَهُ عائِدٌ إلَيْها وهو دَوامُ النِّعْمَةِ واسْتِحْقاقُ مَزِيدِها.
﴿ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ ﴾ لا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ.
﴿ حَمِيدٌ ﴾ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ وإنْ لَمْ يُحْمَدْ، أوْ مَحْمُودٌ يَنْطِقُ بِحَمْدِهِ جَمِيعُ مَخْلُوقاتِهِ بِلِسانِ الحالِ.
<div class="verse-tafsir"
{ولقد آتينا لقمان الحكمة} وهو لقمان بن باعوراء بن أخت أيوب أو ابن خالته وقيل كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعث داود عليه السلام فلما بعث قطع الفتوى فقيل له فقال ألا أكتفي إذا كفيت وقيل كان خياطاً وقيل نجاراً وقيل راعياً وقيل كان قاضياً في بني إسرائيل وقال عكرمة والشعبي كان نبياً والجمهور على أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً وقيل خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة وهي الإصابة في القول والعمل وقيل تتلمذ لألف نبى وتتلمذ له ألف نبى وأن في {أَنِ اشكر للَّهِ} مفسرة والمعنى أي اشكر لله لأن إيتاء الحكمة في معنى القول وقد نبه الله تعالى على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما وعبادة الله والشكر له حيث فسر إيتاء الحكمة بالحث على الشكر وقيل لا يكون الرجل حكيماً حتى يكون حكيما فى قوله وفعل ومعاشرته وصحبه وقال السرى السقطى الشكر أن لا
نعصى الله بنعمه وقال الجنيد أن لا ترى معه شريكاً في نعمه وقيل هو الإقرار بالعجز عن الشكر والحاصل أن شكرالقلب المعرفة وشكر اللسان الحمد وشكر الأركان الطاعة ورؤية العجز فى الشكل دليل قبول الكل {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لأن منفعته تعود إليه فهو يريد المزيد {وَمَن كَفَرَ} النعمة {فَإِنَّ الله غَنِىٌّ} غير محتاج إلى الشكر {حَمِيدٌ} حقيق بأن يحمدو ان لم يحمده أحد
﴿ ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ الشِّرْكِ بِالنَّقْلِ بَعْدَ الإشارَةِ إلى بُطْلانِهِ بِالعَقْلِ.
ولُقْمانُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّقَمِ، وهو عَلى ما قِيلَ: ابْنُ باعُوراءَ قالَ وهْبٌ: وكانَ ابْنَ أُخْتِ أيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ ابْنَ خالَتِهِ، وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّهَيْلِيُّ: هو ابْنُ عَنْقا بْنِ سَرُّونَ، وقِيلَ: كانَ مِن أوْلادِ آزَرَ، وعاشَ ألْفَ سَنَةٍ، وأدْرَكَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخَذَ مِنهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمّا بُعِثَ قَطَعَ الفَتْوى، فَقِيلَ لَهُ فَقالَ: ألا أكْتَفِي إذا كُفِيتُ، وقِيلَ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الواقِدِيِّ إلّا أنَّهُ قالَ: وكانَ زَمانُهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ، وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ كانَ نَبِيًّا، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ كانَ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.
واخْتُلِفَ فِيهِ، أكانَ حُرًّا أوْ عَبْدًا؟
والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ كانَ عَبْدًا.
واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: كانَ حَبَشِيًّا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.
وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وذَكَرَ مُجاهِدٌ في وصْفِهِ أنَّهُ كانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مُصَفَّحَ القَدَمَيْنِ، وقِيلَ: كانَ نُوبِيًّا مُشَقَّقَ الرِّجْلَيْنِ ذا مَشافِرَ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ما انْتَهى إلَيْكم مِن شَأْنِ لُقْمانَ ؟
قالَ: كانَ قَصِيرًا أفْطَسَ مِنَ النُّوبَةِ، وأخْرَجَ هُوَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: إنَّ لُقْمانَ كانَ أسْوَدَ مِن سُودانِ مِصْرَ ذا مَشافِرَ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى الحِكْمَةَ، ومَنَعَهُ النُّبُوَّةَ.
واخْتُلِفَ فِيما كانَ يُعانِيهِ مِنَ الأشْغالِ، فَقالَ خالِدُ بْنُ الرَّبِيعِ: كانَ نَجّارًا بِالرّاءِ، وفي مَعانِي الزَّجّاجِ: كانَ نَجّادًا بِالدّالِ، وهو عَلى وزْنِ كَتّانٍ مَن يُعالِجُ الفَرْشَ والوَسائِدَ ويَخِيطُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ كانَ خَيّاطًا، وهو أعَمُّ مِنَ النَّجّادِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ راعِيًا، وقِيلَ: كانَ يَحْتَطِبُ لِمَوْلاهُ كُلَّ يَوْمٍ حُزْمَةً، ولا وُثُوقَ لِي بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الأخْبارِ، وإنَّما نَقَلْتُها تَأسِّيًا بِمَن نَقَلَها مِنَ المُفَسِّرِينَ الأخْيارِ، غَيْرَ أنِّي أخْتارُ أنَّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا حَكِيمًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.
( والحِكْمَةُ ) عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العَقْلُ والفَهْمُ والفِطْنَةُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها العَقْلُ، والفِقْهُ، والإصابَةُ في القَوْلِ، وقالَ الرّاغِبُ: هي مَعْرِفَةُ المَوْجُوداتِ، وفِعْلُ الخَيْراتِ، وقالَ الإمامُ: هي عِبارَةٌ عَنْ تَوْفِيقِ العَمَلِ بِالعِلْمِ، ثُمَّ قالَ: وإنْ أرَدْنا تَحْدِيدًا بِما يَدْخُلُ فِيهِ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى فَنَقُولُ: حُصُولُ العَمَلِ عَلى وفْقِ المَعْلُومِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هي المَنطِقُ الَّذِي يَتَّعِظُ بِهِ، ويَتَنَبَّهُ، ويَتَناقَلُهُ النّاسُ لِذَلِكَ، وقِيلَ: إتْقانُ الشَّيْءِ عِلْمًا وعَمَلًا، وقِيلَ: كَمالٌ حاصِلٌ بِاسْتِكْمالِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ بِاقْتِباسِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، واكْتِسابِ المَلَكَةِ التّامَّةِ عَلى الأفْعالِ الفاضِلَةِ عَلى قَدْرِ طاقَتِها، وفَسَّرَها كَثِيرٌ مِنَ الحُكَماءِ بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ.
ولَهم تَفْسِيراتٌ أُخَرُ، وما لَها وما عَلَيْها مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ مَذْكُورانِ في كُتُبِهِمْ، ومِن حِكْمَتِهِ قَوْلُهُ لِابْنِهِ: أيْ بُنَيَّ، إنَّ الدُّنْيا بَحْرٌ عَمِيقٌ، وقَدْ غَرِقَ فِيها ناسٌ كَثِيرٌ، فاجْعَلْ سَفِينَتَكَ فِيها تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وحَشَوْها الإيمانَ، وشِراعَها التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى، لَعَلَّكَ أنْ تَنْجُوَ، ولا أُراكَ ناجِيًا، وقَوْلُهُ: مَن كانَ لَهُ مِن نَفْسِهِ واعِظٌ كانَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حافِظٌ، ومَن أنْصَفَ النّاسَ مِن نَفْسِهِ زادَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ عِزًّا، والذُّلُّ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أقْرَبُ مِنَ التَّعَزُّزِ بِالمَعْصِيَةِ، وقَوْلُهُ: ضَرْبُ الوالِدِ لِوَلَدِهِ كالسِّمادِ لِلزَّرْعِ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ إيّاكَ والدَّيْنَ، فَإنَّهُ ذُلُّ النَّهارِ، وهَمُّ اللَّيْلِ، وقَوْلُهُ يا بُنَيَّ ارْجُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ رَجاءً لا يُجْرِيكَ عَلى مَعْصِيَتِهِ تَعالى، وخِفِ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَوْفًا لا يُؤْيِسَكَ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقَوْلُهُ: مَن كَذَبَ ذَهَبَ ماءُ وجْهِهِ، ومَن ساءَ خُلُقُهُ كَثُرَ غَمُّهُ، ونَقْلُ الصُّخُورِ مِن مَواضِعِها أيْسَرُ مِن إفْهامِ مَن لا يَفْهَمُ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ حَمَلْتُ الجَنْدَلَ والحَدِيدَ وكُلَّ شَيْءٍ ثَقِيلٍ فَلَمْ أحْمِلْ شَيْئًا هو أثْقَلُ مِن جارِ السُّوءِ، وذُقْتُ المَرارَ فَلَمْ أذُقْ شَيْئًا هو أمَرُّ مِنَ الفَقْرِ، يا بُنَيَّ لا تُرْسِلْ رَسُولَكَ جاهِلًا، فَإنْ لَمْ تَجِدْ حَكِيمًا فَكُنْ رَسُولَ نَفْسِكَ، يا بُنَيَّ إيّاكَ والكَذِبَ، فَإنَّهُ شَهِيٌّ كَلَحْمِ العُصْفُورِ عَمّا قَلِيلٍ يَغْلِي صاحِبُهُ، يا بُنَيَّ احْضُرِ الجَنائِزَ ولا تَحْضُرِ العُرْسَ، فَإنَّ الجَنائِزَ تُذَكِّرُكَ الآخِرَةَ والعُرْسَ يُشَهِّيكَ الدُّنْيا، يا بُنَيَّ لا تَأْكُلْ شِبَعًا عَلى شِبَعٍ، فَإنَّ إلْقاءَكَ إيّاهُ لِلْكَلْبِ خَيْرٌ مِن أنْ تَأْكُلَهُ، يا بُنَيَّ لا تَكُنْ حُلْوًا فَتُبْلَعَ، ولا مُرًّا فَتُلْفَظَ، وقَوْلُهُ لِابْنِهِ: لا يَأْكُلْ طَعامَكَ إلّا الأتْقِياءُ، وشاوِرْ في أمْرِكَ العُلَماءَ، وقَوْلُهُ: لا خَيْرَ في أنْ تَتَعَلَّمَ ما لَمْ تَعْلَمْ، ولَمّا تَعْمَلُ بِما قَدْ عَلِمْتَ فَإنَّ مِثْلَ ذَلِكَ رَجُلٌ احْتَطَبَ حَطَبًا فَحَمَلَ حُزْمَةً وذَهَبَ يَحْمِلُها فَعَجَزَ عَنْها، فَضَمَّ إلَيْها أُخْرى، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ إذا أرَدْتَ أنْ تُؤاخِيَ رَجُلًا فَأغْضِبْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإنْ أنْصَفَكَ عِنْدَ غَضَبِهِ، وإلّا فاحْذَرْهُ، وقَوْلُهُ: لِتَكُنْ كَلِمَتُكَ طَيِّبَةً، ولْيَكُنْ وجْهُكَ بَسْطًا تَكُنْ أحَبَّ إلى النّاسِ مِمَّنْ يُعْطِيهِمُ العَطاءَ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ أنْزِلْ نَفْسَكَ مِن صاحِبِكَ مَنزِلَةَ مَن لا حاجَةَ لَهُ بِكَ، ولا بُدَّ لَكَ مِنهُ، يا بُنَيَّ كُنْ كَمَن لا يَبْتَغِي مَحْمَدَةَ النّاسِ، ولا يَكْسِبُ ذَمَّهُمْ، فَنَفْسُهُ مِنهُ في عَناءٍ، والنّاسُ مِنهُ في راحَةٍ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ امْتَنِعْ بِما يَخْرُجُ مِن فِيكَ فَإنَّكَ ما سَكَتَّ سالِمٌ، وإنَّما يَنْبَغِي لَكَ مِنَ القَوْلِ ما يَنْفَعُكَ.
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى، ﴿ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ أيْ أيِ اشْكُرْ، عَلى أنَّ ( أنْ ) تَفْسِيرِيَّةٌ، وما بَعْدَها تَفْسِيرٌ لِإيتاءِ الحِكْمَةِ، وفِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، سَواءٌ كانَ بِإلْهامٍ، أوْ وحْيٍ، أوْ تَعْلِيمٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْحِكْمَةِ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ الأمْرُ، وجَعَلَ الزَّجّاجُ ( أنْ ) مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ اللّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ، ولا يَفُوتُ مَعْنى الأمْرِ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ.
وحَكى سِيبَوَيْهِ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ (بِآياتِنا)، وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً بِلا تَقْدِيرٍ، عَلى أنَّ المَصْدَرَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الحِكْمَةِ، وهو بَعِيدٌ، ﴿ ومَن يَشْكُرْ ﴾ إلَخِ، اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ بِالأمْرِ أيْ ومَن يَشْكُرُ لَهُ تَعالى ﴿ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ لِأنَّ نَفْعَهُ مِنِ ارْتِباطِ القَيْدِ واسْتِجْلابِ المَزِيدِ والفَوْزِ بِجَنَّةِ الخُلُودِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها، ﴿ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ ﴾ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ لِيَتَضَرَّرَ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ ﴿ حَمِيدٌ ﴾ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ، أوْ مَحْمُودٌ بِالفِعْلِ يَنْطِقُ بِحَمْدِهِ تَعالى جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ بِلِسانِ الحالِ، فَحَمِيدٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَحْمُودٍ عَلى الوَجْهَيْنِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَشْكُورًا لِما أنَّ الحَمْدَ مُتَضَمِّنٌ لِلشُّكْرِ بَلْ هو رَأْسُهُ كَما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ تَعالى عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ»» فَإثْباتُهُ لَهُ تَعالى إثْباتٌ لِلشُّكْرِ لَهُ قَطْعًا، وفي اخْتِيارِ صِيغَةِ المُضِيِّ في هَذا الشِّقِّ قِيلَ: إشارَةٌ إلى قُبْحِ الكُفْرانِ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي إلّا أنْ يُعَدَّ في خَبَرِ كانَ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى أنَّهُ كَثِيرٌ مُتَحَقِّقٌ بِخِلافِ الشُّكْرِ، ﴿ وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ ﴾ ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ قامَ مَقامَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَإنَّ اللَّهَ ) إلَخْ، وكانَ الأصْلُ: ومَن كَفَرَ فَإنَّما يَكْفُرُ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، وحاصِلُهُ، ومَن كَفَرَ فَضَرَرُ كُفْرِهِ عائِدٌ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ لِيَتَضَرَّرَ سُبْحانَهُ بِالكُفْرِ، مَحْمُودٌ بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ أوْ بِنُطْقِ ألْسِنَةِ الحالِ، فَكِلا الوَصْفَيْنِ مُتَعَلِّقاتٌ بِالشِّقِّ الثّانِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( غَنِيٌّ ) تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَمِيدٌ ﴾ تَعْلِيلًا لِلْجَوابِ المُقَدَّرِ لِلشَّرْطِ بِقَرِينَةِ مُقابِلِهِ، وهُوَ: فَإنَّما يَكْفُرُ عَلى نَفْسِهِ، وأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما مُتَعَلِّقًا بِكُلٍّ مِنهُما، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ، ولَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ يعني: من الناس ناس يشترون أباطيل الحديث، وهو النضر بن الحارث كان يخرج إلى أرض فارس تاجراً، ويشتري من هنالك من أحاديثهم، ويحمله إلى مكة ويقول لهم: إن محمداً يحدثكم بالأحاديث طرفاً منها، وأنا أحدثكم بالحديث تاماً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ يعني: يصرف الناس عن دين اللَّهِ عز وجل.
ويقال: يشتري جواري مغنيات.
قال أبو الليث- رحمه الله-: حدثني الثقة بإسناده عن أبي أمامة قال «قال رسول الله : لاَ يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ وَلا شِرَاؤُهُنَّ وَلا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ وَأَكْلُ أثْمَانِهِنَّ حَرَامٌ» .
وفيه أنزل الله عز وجل هذه الآية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ وروى مجاهد عن ابن عباس- - في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال: شراء المغنية.
ويقال: لَهْوَ الْحَدِيثِ هاهنا الشرك.
يعني: يختار الشرك على الإيمان ليضل عن سبيل الله عز وجل.
يعني: ليصرف الناس بذلك عن سبيل الله بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة وَيَتَّخِذَها هُزُواً يعني: سبيل الله عز وجل، لأن السبيل مؤنث كقوله تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي [يوسف: 108] ويقال: وَيَتَّخِذَها هُزُواً يعني: آيات القرآن التي ذكر في أول السورة استهزاء بها، حيث جعلها بمنزلة حديث رستم واسفنديار.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: لِيُضِلَّ بنصب الياء.
وقرأ الباقون: بالضم.
فمن قرأ بالنصب فمعناه: ليضل بذلك عن سبيل الله.
يعني: بترك دين الإسلام.
ومن قرأ بالضم يعني: بصرف الناس عن دين الإسلام، ويصرف نفسه أيضاً.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: وَيَتَّخِذَها بنصب الذال.
وقرأ الباقون: بالضم.
فمن نصبها ردّها على قوله: لِيُضِلَّ يعني: لكي يضل ولكي يَتَّخِذَها هُزُواً ومن قرأ: بالضم ردّها على قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ وَيَتَّخِذَها وقال أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ يهانون به.
قوله عز وجل: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا يعني: إذا قرئ عليه القرآن وَلَّى مُسْتَكْبِراً يعني: أعرض مستكبراً عن الإيمان والقرآن كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها يعني: كأن لم يسمع ما في القرآن من الدلائل والعجائب كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً أي: ثقلاً فلا يسمع القرآن يعني: يتصامم فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فلما ذكر عقوبة الكافر ذكر على أثر ذلك ثواب المؤمنين فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ في الآخرة خالِدِينَ يعني: دائمين فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أوجبه الله عز وجل لأهل هذه الصفة وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ حكم بالعذاب للكافرين، والنعيم للمؤمنين.
ثم بيّن علامة وحدانيته فقال: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أي: خلقها بغير عمد ترونها بأعينكم.
ويقال: معناه بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أنتم يعني: لها عمد ولكن لا ترونها.
والعمد جماعة العماد.
ثم قال: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ يعني: الجبال الثوابت أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ يعني: لكيلا تزول بكم الأرض.
ثم قال: وَبَثَّ فِيها يعني: وخلق فيها في الأرض.
ويقال: وبسط فِيهَا مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَآءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ وقد ذكرناه.
ثم قال: هذا خَلْقُ اللَّهِ يقول: هذا الذي خلقت أنا فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني: الذين تدعونه إلها مِن دُونِهِ يعني: الأصنام.
ويقال: هذا خلق الله.
يعني: مخلوق الله.
ويقال: هذا صنع الله.
ثم قال: بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: الكافرون في خطأ بيّن، لا يعتبرون ولا يتفكرون فيما خلق الله عز وجل فيعبدونه ويقال في ضلال مبين يعني: في خسران بيّن.
قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله
تفسير «سورة لقمان»
وهي مكيّة غير آيتين قال قتادة: أولهما: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ إلى آخر الآيتين، وقال ابن عباس ثلاث.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)
قوله عزّ وجل: الم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ:
خصَّه للمحسنين من حيثُ لهم نفْعه، وإلا فهو هدًى في نفسه.
٦٧ ب وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ/ رُوِيَ: أن الآيةَ نَزَلَتْ فِي شأن رجلٍ من قريش اشترى جاريةً مغنيةً لِتغنِّي له بهجاء النبي صلى الله عليه وسلّم.
وقيل: إنه ابن خطل.
وقيل: نَزَلَتْ في النضر بن الحارث، وقيل غيرُ هذا، والذي يترجح أن الآية نَزَلَتْ في لَهْوِ حَدِيثٍ مُضَافٍ إلى كُفْر فلذلك اشتدت ألفاظ الآية، ولَهْوَ الْحَدِيثِ كل ما يُلهى من غناءٍ وخِناء.
ونحوه، والآيةُ باقيةُ المعْنَى في الأَمة غَابِرَ الدهرِ لكنْ ليسَ ليضلوا عن سبيل الله، ولا ليتخذوا آياتِ الله هزواً، ولا عليهم هذا الوعيد بل ليعطلوا عبادةً، ويقطعوا زمناً بمكروه.
قال ابن العربي «١» في «أحكامه» : ورَوَى ابن وهبٍ عن مالكٍ عن محمدِ بن المنكدر:
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنْ في أُذُنَيْهِ وقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَعِيمِ ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ خَلَقَ السَماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِن السَماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ هَذا خَلْقُ اللهِ فَأرُونِي ماذا خَلْقُ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ هَذِهِ دَلِيلُ كُفْرِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها.
و"الوَقْرُ" في الأُذُنِ: الثِقَلُ الَّذِي يُعَسِّرُ إدْراكَ المَسْمُوعاتِ، وجاءَتِ البِشارَةُ بِالعَذابِ مِن حَيْثُ قُيِّدَتْ ونُصَّ عَلَيْها.
ولَمّا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ حالَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ وتَوَعَّدَهم بِالنارِ عَلى أفْعالِهِمْ عَقَّبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وما وعَدَهم بِهِ مِن جَنّاتِ النَعِيمِ؛ لِيَتَبَيَّنَ الفَرْقُ.
و"وَعْدَ اللهِ" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، و"حَقًّا" مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُعُوُدَ الضَمِيرُ عَلى "السَماءِ" فَيَكُونَ المَعْنى: أنَّ السَماءَ بِغَيْرِ عَمْدٍ، وأنَّها تَرى كَذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والناسُ، و"تَرَوْنَها" - عَلى هَذا القَوْلِ - في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "العَمْدِ" فَيَكُونَ "تَرَوْنَها" صِفَةٌ لِلْعَمْدِ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، ويَكُونُ المَعْنى: إنَّ السَماءَ لَها عَمَدٌ لَكِنْ غَيْرُ مَرْئِيَّةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ونَحا إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والمَعْنى الأوَّلُ أصَحُّ، والجُمْهُورُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿ "تَرَوْنَها" ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى القَطْعِ، ولا عَمْدَ ثَمَّ.
و"الرَواسِي" هي الجِبالُ الَّتِي ثَبَتَتْ في الأرْضِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "أنْ تَمِيدَ" ﴾ بِمَعْنى: ألّا تَمِيدَ، والمَيْدُ: التَحَرُّكُ يَمْنَةً ويَسْرَةً وما قَرُبَ مِن ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ.
والزَوْجُ في اللُغَةِ: النَوْعُ والصِنْفُ، ولَيْسَ بِالَّذِي هو ضِدُّ الفَرْدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَرِيمٍ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَدْحَهُ مِن جِهَةِ إتْقانِ صَنْعَتِهِ وظُهُورِ حُسْنِ الرُتْبَةِ والتَحْكِيمِ لِلصُّنْعِ فِيها، فَيَعُمُّ حِينَئِذٍ جَمِيعَ الأنْواعِ؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى في كُلِّها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَدْحَهُ بِكَرَمِ جَوْهَرِهِ، وحُسْنِ مَنظَرِهِ، ومِمّا تَقْضِي لَهُ النُفُوسُ بِأنَّهُ أفْضَلُ مِن سِواهُ حَتّى يَسْتَحِقَّ الكَرَمَ، فَتَكُونُ الأزْواجُ - عَلى هَذا - مَخْصُوصَةً في نَفائِسِ الأشْياءِ ومُسْتَحْسَناتِها، ولَمّا كانَ عِظَمُ المَوْجُوداتِ كَذَلِكَ خَصَّصَ الحُجَّةَ بِها.
وقَوْلُهُ: "أنْبَتْنا" يَعُمُّ أنْواعَ الحَيَوانِ وأنْواعَ النَباتِ والمَعادِنِ.
ثُمَّ وقَّفَ تَعالى الكُفّارَ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ وإظْهارِ الحُجَّةِ - عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ هي مَخْلُوقاتُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ سَألَهم أنْ يُوجِدُوا ما خَلَقَ الأصْنامُ والأوثانُ وغَيْرُهم مِمَّنْ عُبِدَ، أيْ: أنَّهم لَنْ يَخْلُقُوا شَيْئًا، بَلْ هَذا الَّذِي قُرَيْشٌ فِيهِ ضَلالٌ مُبِينٌ، ثُمَّ ذَكَّرَهم بِالصِفَةِ الَّتِي تَعُمُّ مَعَهم سِواهم مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهم مِنَ الأُمَمِ، وقَوْلُهُ: "ماذا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و"ذا" خَبَرَها بِمَعْنى "الَّذِي"، والعائِدٌ مَحْذُوفٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" مُفَعُولَةً بِـ"أرَوْنِي" و"ذا" صِلَةً، و"ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ في الوَجْهَيْنِ: خَلَقَهُ.
<div class="verse-tafsir"
الواو عاطفة قصة لقمان على قصة النضر بن الحارث المتقدمة في قوله تعالى ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ﴾ [لقمان: 6] باعتبار كونها تضمنت عجيب حاله في الضلالة من عنايته بلهو الحديث ليضل عن سبيل الله ويتخذ سبيل الله هزؤاً، وباعتبار كون قصة لقمان متضمنة عجيب حال لقمان في الاهتداء والحكمة، فهما حالان متضادان؛ فقُطِع النظر عن كون قصة النضر سيقت مساق المقدمة والمدخل إلى المقصود لأن الكلام لما طال في المقدمة خرجت عن سَنن المقدمات إلى المقصودات بالذات فلذلك عطفت عطفَ القصص ولم تُفصل فَصْل النتائج عقب مقدماتها.
وقد تتعدد الاعتبارات للأسلوب الواحد فيتخير البليغ في رعيها كقوله تعالى ﴿ يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ﴾ في سورة البقرة (49)، ﴿ ويذبحون أبناءكم ﴾ في سورة [إبراهيم: 1].
وافتتاح القصة بحرفي التوكيد: لام القسم و(قد) للإنباء بأنها خبر عن أمر مهم واقع.
و ﴿ لقمان ﴾ اسم رجل حكيم صالح، وأكثر الروايات في شأنه التي يعضد بعضها وإن كانت أسانيدها ضعيفة تقتضي أنه كان من السود، فقيل هو من بلاد النوبة، وقيل من الحبشة.
وليس هو لقمان به عاد الذي قال المثل المشهور: إحدى حُظيات لقمان.
والذي ذكره أبو المهوش الأسدي أو يزيد بن عمر يصعق في قوله: تراه يطوف الآفاق حرصاً *** ليأكل رأس لقمان بن عاد ويعرف ذلك بلقمان صاحب النسور، وهو الذي له ابن اسمه لقيم وبعضهم ذكر أن اسم أبيه باعوراء، فسبق إلى أوهام بعض المؤلفين أنه المسمى في كتب اليهود بلعام بن باعوراء المذكور خبره في «الإصحاحين» (22 و23) من «سفر العدد»، ولعل ذلك وهَم لأن بلعام ذلك رجل من أهل مَدْيَن كان نبيئاً في زمن موسى عليه السلام، فلعل التوهم جاء من اتحاد اسم الأب، أو من ظن أن بلعام يرادف معنى لقمان لأن بلعام من البلع ولقمان من اللّقم فيكون العرب سموه بما يرادف اسمه في العبرانية.
وقد اختلف السلف في أن لقمان المذكور في القرآن كان حكيماً أو نبيئاً.
فالجمهور قالوا: كان حكيماً صالحاً.
واعتمد مالك في «الموطأ» على الثاني، فذكره في «جامع الموطأ» مرتين بوصف لقمان الحكيم، وذلك يقتضي أنه اشتهر بذلك بين علماء المدينة.
وذكر ابن عطية: أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لم يكن لقمان نبيئاً ولكن كان عبداً كثير التفكر حسنَ اليقين أحبَّ الله تعالى فأحبه فمنَّ عليه بالحكمة " ويظهر من الآيات المذكورة في قصته هذه أنه لم يكن نبيئاً لأنه لم يمتن عليه بوحي ولا بكلام الملائكة.
والاقتصارُ على أنه أوتي الحكمة يومئ إلى أنه أُلهم الحكمة ونطق بها، ولأنه لما ذكر تعليمه لابنه قال تعالى ﴿ وهو يعظه ﴾ [لقمان: 13] وذلك مؤذن بأنه تعليم لا تبليغ تشريع.
وذهب عكرمة والشعبي: أن لقمان نبيء ولفظ الحكمة يسمح بهذا القول لأن الحكمة أطلقت على النبوءة في كثير من القرآن كقوله في داود ﴿ وءاتيناه الحكمة وفصلَ الخطاب ﴾ [ص: 20].
وقد فسرت الحكمة في قوله تعالى ﴿ ومن يُؤْت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ [البقرة: 269] بما يشمل النبوءة.
وأن الحكمة «معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه» وأعلاها النبوءة لأنها علم بالحقائق مأمون من أن يكون مخالفاً لما هي عليه في نفس الأمر إذ النبوءة متلقاة من الله الذي لا يعزب عن عمله شيء.
وسيأتي أن إيراد قوله تعالى ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه ﴾ [لقمان: 14] في أثناء كلام لقمان يساعد هذا القول.
وذكر أهل التفسير والتاريخ أنه كان في زمن داود.
وبعضهم يقول: إنه كان ابن أخت أيوب أو ابن خالته، فتعين أنه عاش في بلاد إسرائيل.
وذكر بعضهم أنه كان عبداً فأعتقه سيده، وذكر ابن كثير عن مجاهد: أن لقمان كان قاضياً في بني إسرائيل في زمان داود عليه السلام، ولا يوجد ذكر ذلك في كتب الإسرائيليين.
قيل كان راعياً لغنم وقيل كان نجاراً وقيل خياطاً.
وفي «تفسير ابن كثير» عن ابن وهب أن لقمان كان عبداً لبني الحسحاس وبنو الحسحاس من العرب وكان من عبيدهم سحيم العبد الشاعر المخضرم الذي قتل في مدة عثمان.
وحكمة لقمان مأثورة في أقواله الناطقة عن حقائق الأحوال والمقرّبة للخفيات بأحسن الأمثال.
وقد عني بها أهل التربية وأهل الخير، وذكر القرآن منها ما في هذه السورة، وذكر منها مالك في «الموطأ» بلاغين في كتاب «الجامع» وذكر حكمة له في كتاب «جامع العتبية» وذكر منها أحمد بن حنبل في «مسنده» ولا نعرف كتاباً جمع حكمة لقمان.
وفي «تفسير القرطبي» قال وهب بن منبه: قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب.
ولعل هذا إن صح عن وهب بن منبه كان مبالغة في الكثرة.
وكان لقمان معروفاً عند خاصة العرب.
قال ابن إسحاق في «السيرة»: قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجّاً أو معتمراً فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إلى الإسلام فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الذي معك؟
قال: مجلة لقمان.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرِضها عليّ، فعرضها عليه، فقال: إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل من هذا قرآن أنزله الله.
قال ابن إسحاق: فقدم المدينة فلم يلبث أن قتلته الخزرج وكان قتله قبل يوم بعاث.
وكان رجال من قومه يقولون: إنّا لنراه قد قتل وهو مسلم وكان قومه يدْعُونه الكامل اه.
وفي «الاستيعاب» لابن عبد البر: أنا شَاكّ في إسلامه كما شك غيري.
وقد تقدم في صدر الكلام على هذه السورة أن قريشاً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقمان وابنه وذلك يقتضي أنه كان معروفاً للعرب.
وقد انتهى إليّ حين كتابة هذا التفسير من حِكَم لقمان المأثورة ثمان وثلاثون حكمةً غير ما ذكر في هذه الآية وسنذكرها عند الفراغ من تفسير هذه الآيات.
والإيتاء: الإعطاء، وهو مستعار هنا للإلهام أو الوحي.
و ﴿ لقمان ﴾ : اسم علَم مَادته مادة عربية مشتق من اللَّقْم، والأظهر أن العرب عربوه بلفظ قريب من ألفاظ لغتهم على عادتهم كما عربوا شاول باسم طالوت وهو ممنوع من الصرف لزيادة الألف والنون لا للعجمة.
وتقدم تعريف الحكمة عند قوله تعالى ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ في سورة البقرة (269)، وقوله ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ﴾ في سورة النحل (125).
وأنْ } في قوله ﴿ أن اشكر لله ﴾ تفسيرية وليست تفسيراً لفعل ﴿ ءاتينا ﴾ لأنه نصب مفعوله وهو الحكمة، فتكون ﴿ أنْ ﴾ مفسرة للحكمة باعتبار أن الحكمة هنا أقوال أوحيت إليه أو ألهمها فيكون في الحكمة معنى القول دون حروفه فيصلح أن تُفسر ب ﴿ أنْ ﴾ التفسيرية، كما فسرت حاجة في قول الشاعر الذي لم يُعرف وهو من شواهد العربية: إنْ تحملا حاجة لي خفّ محملها *** تستوجبا منة عندي بها ويَدا أنْ تقرءان علي أسماء ويحكما *** مني السلامَ وأن لا تُخبرا أحدا والصوفية وحكماء الإشراق يرون خواطرَ الأصفياء حجة ويسمونها إلهاماً.
ومال إليه جمّ من علمائنا.
وقد قال قطب الدين الشيرازي في «ديباجة شرحه على المفتاح»: أما بعد إني قَد ألقي إليَّ على سبيل الإنذار، من حضرة الملك الجبار، بلسان الإلهام، إلاَّ كوَهَم من الأوهام، ما أورثني التجافيَ عن دار الغرور، والإنابة إلى دار السرور، الخ.
وكان أول ما لُقنه لقمان من الحكمة هو الحكمة في نفسه بأن أمره الله بشكره على ما هو محفوف به من نعم الله التي منها نعمة الاصطفاء لإعطائه الحكمة وإعداده لذلك بقابليته لها.
وهذا رأس الحكمة لتضمنه النظر في دلائل نفسه وحقيقته قبل النظر في حقائق الأشياء وقبل التصدي لإرشاد غيره، وأن أهم النظر في حقيقته هو الشعور بوجوده على حالة كاملة والشعور بموجده ومفيض الكمال عليه، وذلك كله مقتض لشكر موجده على ذلك.
وأيضاً فإن شكر الله من الحكمة، إذ الحكمة تدعو إلى معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه لقصد العمل بمقتضى العلم، فالحكيم يبث في الناس تلك الحقائق على حسب قابلياتهم بطريقة التشريع تارة والموعظة أخرى، والتعليم لقابليه مع حملهم على العمل بما علموه من ذلك، وذلك العمل من الشكر إذ الشكر قد عُرف بأنه صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من مواهب ونِعم فيما خلق لأجله؛ فكان شكر الله هو الأهم في الأعمال المستقيمة فلذلك كان رأس الحكمة لأن من الحكمة تقديم العلم بالأنفع على العلم بما هو دونه؛ فالشكر هو مبدأ الكمالات علماً، وغايتها عملاً.
وللتنبيه على هذا المعنى أعقب الله الشكر المأمور به ببيان أن فائدته لنفس الشاكر لا للمشكور بقوله ﴿ ومَن يشكر فإنما يشكر لنفسه ﴾ لأن آثار شكر الله كمالات حاصلة للشاكر ولا تنفع المشكور شيئاً لغناه سبحانه عن شكر الشاكرين، ولذلك جيء به في صورة الشرط لتحقيق التعلق بين مضمون الشرط ومضمون الجزاء، فإن الشرط أدل على ذلك من الإخبار.
وجيء بصيغة حصر نفع الشكر في الثبوت للشاكر بقوله ﴿ فإنما يشكر لنفسه ﴾ أي ما يشكر إلا لفائدة نفسه، ولام التعليل مؤذنة بالفائدة.
وزيد ذلك تبيناً بعطف ضده بقوله ﴿ ومَن كفر فإن الله غنيّ حميد ﴾ لإفادة أن الإعراض عن الشكر بعد استشعاره كفر للنعمة وأن الله غنيّ عن شكره بخلاف شأن المخلوقات إذ يكسبهم الشكر فوائد بين بني جنسهم تجر إليهم منافع الطاعة أو الإعانة أو الإغناء أو غير ذلك من فوائد الشكر للمشكورين على تفاوت مقاماتهم، والله غني عن جميع ذلك، وهو ﴿ حميد ﴾ ، أي: كثير المحمودية بلسان حال الكائنات كلها حتى حال الكافر به كما قال تعالى ﴿ ولله يسجد مَن في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ﴾ سورة الرعد (15).
ومن بلاغة القرآن وبديع إيجازه أن كان قوله أن اشكر لله } جامعاً لمبدأ الحكمة التي أوتيها لقمان، ولأمره بالشكر على ذلك، فقد جمع قوله ﴿ أن اشكر لله ﴾ الإرشاد إلى الشكر، مع الشروع في الأمر المشكور عليه تنبيهاً على المبادرة بالشكر عند حصول النعمة.
وإنما قوبل الإعراض عن الشكر بوصف الله بأنه حميد لأن الحمد والشكر متقاربان، وفي الحديث: «الحَمدُ رأس الشكر» فلما لم يكن في أسماء الله تعالى اسم من مادة الشكر إلا اسمه الشكور وهو بمعنى شاكر، أي: شاكر لعباده عبادتَهم إياه عُبر هنا باسمه ﴿ حميد ﴾ .
وجيء في فعل ﴿ يشكر ﴾ بصيغة المضارع للإيماء إلى جدارة الشكر بالتجديد.
واللام في قوله ﴿ أن اشكر لي ﴾ [لقمان: 14] داخلة على مفعول الشكر وهي لام ملتزم زيادتها مع مادة الشكر للتأكيد والتقوية، وتقدم في قوله ﴿ واشكُرُوا لي ﴾ في سورة البقرة (152).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ اخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَبِيٌّ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ حَكِيمٌ ولَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، قالَ إسْماعِيلُ: كانَ لُقْمانُ مِن سُودانِ مِصْرَ ذا مَشافِرَ أعْطاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ ومَنَعَهُ النُّبُوَّةَ.
وَقالَ قَتادَةُ: خَيَّرَ اللَّهُ لُقْمانَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ فاخْتارَ الحِكْمَةَ عَلى النُّبُوَّةِ فَأتاهُ جِبْرِيلُ وهو نائِمٌ فَذَرَّ عَلَيْهِ الحِكْمَةَ فَأصْبَحَ يَنْطِقُ بِها، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ اخْتَرْتَ الحِكْمَةَ عَلى النُّبُوَّةِ وقَدْ خَيَّرَكَ رَبُّكَ؟
فَقالَ: إنَّهُ لَوْ أرْسَلَ إلَيَّ بِالنُّبُوَّةِ عَزْمَةً لَرَجَوْتُ فِيهِ العَوْنَ مِنهُ ولَكُنْتُ أرْجُو أنْ أقُومَ بِها، ولَكِنَّهُ خَيَّرَنِي فَخِفْتُ أنْ أضْعُفَ عَنِ النُّبُوَّةِ فَكانَتِ الحِكْمَةُ أحَبَّ إلَيَّ.
واخْتُلِفَ في جِنْسِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مِنَ النُّوبَةِ قَصِيرًا أفْطَسَ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
الثّانِي: كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
واخْتُلِفَ في صَنْعَتِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ خَيّاطًا بِمِصْرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ راعِيًا فَرَآهُ رَجُلٌ كانَ يَعْرِفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَقالَ: ألَسْتَ عَبْدَ بَنِي فُلانٍ الَّذِي كُنْتَ تَرْعى بِالأمْسِ؟
قالَ بَلى، قالَ: فَما بَلَغَ بِكَ ما أرى؟
قالَ: قَدَرُ اللَّهِ وَأدائِي الأمانَةَ، وصِدْقُ الحَدِيثِ وتَرْكِي ما لا يَعْنِينِي، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ جابِرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ نَجّارًا فَقالَ لَهُ سَيِّدُهُ: اذْبَحْ لِي شاةً وأْتِنِي بِأطْيَبِها مُضْغَتَيْنِ فَأتاهُ بِاللِّسانِ والقَلْبِ فَقالَ لَهُ: ما كانَ فِيها شَيْءٌ أطْيَبَ مِن هَذَيْنَ فَسَكَتَ، ثُمَّ أمَرَهُ فَذَبَحَ لَهُ شاةً ثُمَّ قالَ: ألْقِ أخْبَثَها مُضْغَتَيْنِ فَألْقى اللِّسانَ والقَلْبَ فَقالَ لَهُ: أمَرْتُكَ أنْ تَأْتِيَنِي بِأطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ فَأتَيْتَنِي بِاللِّسانِ والقَلْبِ وأمَرَتْكَ أنْ تُلْقِيَ أخْبَثَها مُضْغَتَيْنِ فَألْقَيْتَ بِاللِّسانِ والقَلْبِ، فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أطْيَبَ مِنهُما إذا طابا ولا أخْبَثَ مِنهُما إذا خَبُثا، قالَهُ خالِدٌ الرَّبَعِيُّ.
واخْتُلِفَ في زَمانِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ فِيما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ.
الثّانِي: أنَّهُ ولَدُ كُوشَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ، وُلِدَ لِعَشْرِ سِنِينَ مِن مُلْكِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَقِيَ إلى زَمَنِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَفِي ﴿ الحِكْمَةَ ﴾ الَّتِي أُوتِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الفَهْمُ والعَقْلُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: الفِقْهُ والعَقْلُ والإصابَةُ في القَوْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: الأمانَةُ.
﴿ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ يَعْنِي نِعَمَ اللَّهِ، فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْنى الكَلامِ: ولَقَدْ آتَيْناهُ الحِكْمَةَ وآتَيْناهُ الشُّكْرَ لِلَّهِ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
الثّانِي: آتَيْناهُ الحِكْمَةَ لِأنْ يَشْكُرَ لِلَّهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَفِي شُكْرِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو حَمْدُهُ عَلى نِعَمِهِ.
الثّانِي: هو ألّا يَعْصِيَهُ عَلى نِعَمِهِ.
الثّالِثُ: هو ألّا يَرى مَعَهُ شَرِيكًا في نِعَمِهِ عَلَيْهِ.
الرّابِعُ: هو طاعَتُهُ فِيما أمَرَهُ.
﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ يَعُودُ شُكْرُهُ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ عَلى النِّعْمَةِ إذا زادَ مِنَ الشُّكْرِ.
﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: كُفْرُ النِّعْمَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ حَمِيدٌ في فِعْلِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ مُسْتَحْمَدٌ إلى خَلْقِهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ هذا خلق الله ﴾ أي ما ذكر من خلق السموات والأرض، وما بث فيهما من الدواب، وما أنبت من كل زوج ﴿ فأروني ماذا خلق الذين من دونه ﴾ يعني الأصنام.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ﴾ قال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من أهل مصر، خياطًا (١) وقال مجاهد: كان لقمان الحديث (٢) (٣) (٤) (٥) وروي ذلك عن النبي - - أنه قال: "لم يكن لقمان نبيًّا، ولكن كان عبدًا كثير التفكر، حسن اليقين، أحب الله فأحبه" (٦) وقال عكرمة والسدى: كان نبيًّا (٧) (٨) وقال مجاهد في تفسير الحكمة هاهنا: الفقه والعقل وإصابة في القول في غير نبوة (٩) وقال قتادة: الفقه في الإسلام ولم يكن يوحى إليه (١٠) وقال مقاتل: أعطيناه العلم في غير نبوة (١١) وقال الكلبي: العلم والفهم (١٢) قوله تعالى: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ قال المبرد: أي اشكر لله، وكان هذا تأويل الحكمة، كقولك: قد تقدمت إلى أن رأيت عمرًا، أي أنت عمرًا (١٣) ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ ، وكذلك ما كان مثله.
قال سيبويه: معناه أي: اعبد الله، وكذلك ما كان مثله، قال: ويجوز أن يكون أن التي هي والفعل مصدر، تقول: كتبت إليك أن قم، فتصل أن بلا كما تصل، بفعل وهذا جائز وليس بالوجه عند سيبويه (١٤) وذكر أبو إسحاق القول الأول فقال: يجوز أن يكون أن مفسرة فيكون المعنى أي: اشكر لله (١٥) وقال صاحب النظم: هذا على تأويل أن من أوتي الحكمة شكر لله، فكأنه لما قال: ﴿ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ﴾ ، أعلم أنه قد أمره بالشكر له، بقوله (١٦) ﴿ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا ﴾ قال ابن عباس: أن اشكر لله يريد على ما أعطاك الله من الحكمة (١٧) وقال مقاتل: فقلنا له أن اشكر لله فيما أعطاك من الحكمة (١٨) قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ يريد من يطع الله، فإنما يعمل لنفسه.
قاله ابن عباس (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (١) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 331.
(٢) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: (الحكيم).
(٣) المشافر: جمع مشفر وهي الشفاه الغليظة.
(٤) ذكر قول مجاهد: "الثعلبي في تفسيره" 3/ 172 أ، قال: كان لقمان عبدًا أسود عظيم الشفتين متشقق القدمين.
وذكره القرطبي في "تفسيره" 14/ 59.
(٥) حكى الثعلبي في "تفسيره" 3/ 172 أالإجماع على أن لقمان كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا.
إلا عكرمة فإنه قال: كان نبيًا، تفرد بهذا القول.
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 172 ب، عن ابن عمر، وذكره القرطبي في "تفسيره" 14/ 59، عن ابن عمر أيضًا.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 68، "بحر العلوم" 3/ 20.
(٨) لم أجد فيما عندي من مراجع من نسب القول بنبوة لقمان إلى ابن عباس ما.
(٩) انظر: "بحر العلوم" 3/ 21.
(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 67.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 511، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.
(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 81 ب.
(١٢) لم أعثر عليه.
(١٣) لم أقف على قول المبرد.
(١٤) "الكتاب" 3/ 153، وانظر: "تفسير القرطبى" 14/ 61.
(١٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 195.
(١٦) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: كقوله.
(١٧) لم أقف عليه فيما بين يدي من مراجع.
(١٨) انظر: "تفسير مقاتل" 81 ب.
(١٩) ذكره القرطبي في "تفسيره" 14/ 62 ولم ينسبه لأحد.
(٢٠) "تفسير مقاتل" 82 ب.
(٢١) في (ب): (لغنى).
(٢٢) لم أقف عليه فيما بين يدي من مراجع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لُقْمَانَ ﴾ رجل ينطق بالحكمة واختلف هل هو نبيّ أم لا؟
وفي الحديث لم يكن لقمان نبياً، ولكن عبداً حسن اليقين أحب الله فأحبه، فمنّ عليه بالحكمة، روي أنه كان ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وروي أنه كان قاضي بني إسرائيل، واختلف في صناعته، فقيل: كان نجاراً وقيل: خياطاً، وقيل: راعي غنم، وكان ابنه كافراً فما زال يوصيه حتى أسلم، وروي أن اسم ابنه ثاران.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ .
قال بعضهم: خلق السماوات بعمد لا ترونها.
وقيل: لعل لها عمدا لكن لا ترونها.
وقال بعضهم: خلقها بلا عمد، لكن الأعجوبة فيما خلقها بعمد لا ترونها ليست بدون الأعجوبة في خلقها بلا عمد؛ لأن رفع مثلها بعمد لا ترى أعظم في اللطف والقدرة من رفعها بلا عمد؛ إذ العمد لو كانت مقدار الريشة أو الشعرة ترى، فرفعها مع ثقلها وعظمها وغلظها على عمد لا ترى هو ألطف من ذلك وأعظم في الأعجوبة مما ذكرنا، فأيهما كان ففيه دلالة ألا يجوز تقدير قوى الخلق بقوى الله - - ولا قدرة الخلق بقدرته، ولا سلطان الخلق بسلطانه؛ بل هو القادر على الأشياء كلها بما شاء وكيف شاء، لا يعجزه شيء.
وقوله: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ ﴾ ، والرواسي: هن الثوابت، أي: أثبت الأرض بالجبال؛ كقوله: ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ ، أي: أثبتها.
وقوله: ﴿ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ ، أي: لئلا تميد بكم، ذكر الميد - وهو الميل والاضطراب - وليس من طبع الأرض الميل والاضطراب؛ وإنما طبعها التسرب والتسفل والانحدار؛ فلا يدرى أن كيف حالها في الابتداء؟
وما في سريتها مما يحملها على الاضطراب والميد؛ حتى أثبتها وأرساها بالجبال، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ﴾ .
قال بعضهم: بث: خلق، وقيل: بث: فرق، وفيه أنه جعل الأرض مكاناً ومعدنا لكل أنواع الدواب الممتحن وغير الممتحن، والمميز وغير المميز، والسماء لم تجعل إلا لنوع من الخلق أهل العبادة.
وقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ .
أي: أنبتنا فيها من كل لون يتلذذ به الناظر إليه، كريم ينال منه كل ما أراده وتمناه؛ إذ الكريم هو ما يطمع منه نيل كل ما عنده وأريد منه.
وقال بعضهم: الكريم: الحسن، أي: أنبتنا فيها من كل لون حسن ما يستحسنه الناظر ويتلذذ به، على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ : ما يبهج ويسر به كل ناظر إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ ﴾ .
يقول: ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما بث من الدواب، وما أنبت من كل زوج كريم.
وقوله: ﴿ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ .
يذكر سفههم، يقول: إنكم تعلمون أن ما ذكر من السماوات والأرض، وجميع ما فيهما - هو كله خلق الله، وأنه هو خالق ذلك كله، وأن الأصنام التي تعبدونها من دونه لم تخلق شيئاً من ذلك، ولا تملك خلق شيء؛ فكيف تعبدونها من دونه، وسميتموها: آلهة، وصرفتم العبادة والألوهية عن الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض وما فيهما؟!
وإنما يستحق الألوهية والربوبية لخلقه ما ذكر؛ فالأصنام: إذا لم يكن منها خلق؛ فكيف سميتموها: آلهة وعبدتموها دون الله؟!
هذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ ، أي: لم يخلق، يخبر عن سفههم وقلة معرفتهم، وسرفهم في القول والفعل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .
يحتمل: ﴿ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ وجوهاً: أحدها: ظلموا أنفسهم؛ حيث وضعوها في غير موضعها الذي أمرهم الله أن يضعوها، وهو وضعهم إياها في عبادة الأصنام.
أو ظالمو حدود الله التي حدّها لهم، لم يحفظوها على تلك الحدود؛ بل جاوزوها.
أو سماهم: ظلمة؛ لما ظلموا نعم الله، ولم يشكروها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ، أي: في حيرة بينة، أو هلاك بين.
<div class="verse-tafsir"
ولقد أعطينا لقمان الفقه في الدين والإصابة في الأمور، وقلنا له: اشكر -يا لقمان- لربك ما أنعم به عليك من التوفيق لطاعته، ومن يشكر ربه فإنما نفع شكره عائد إلى نفسه، فالله غني عن شكره، ومن جَحَدَ نعمة الله عليه فكفر به سبحانه فإنما ضرر كفره عليه ولا يضر الله شيئًا فهو غني عن خلقه جميعًا، محمود على كل حال.
<div class="verse-tafsir" id="91.rYB5r"